تقديم الناشر: يلتقي، على صفحات هذا الكتاب، اثنان من أبرز مفكري العراق المعاصر، لا كما يلتقي قطاران عابران في محطة صغيرة، بل كما يلتقي مجريان منحدران بشدة من سلستي جبال متقابلة في حضن واد عميق، فيشكلان بحيرة خلابة المنظر تتدافع في جنباتها المياه وتضطرب في أرجائها الأمواج، فتجذب الناظر إلى مزيد من التحديق والتلذذ والتأمل والتفكير.

يلتقي، على صفحات هذا الكتاب، مفكّران، كلاهما ذو تخصص دقيق وفي الوقت نفسه ذو صولات مشهودة في الإبداع، فلكل منهما أكثر من أربعين كتاباً في تخصصه وفي السرد والنقد والترجمة، ويحمل كلاهما في أعماقه وفي جيناته إرث سومر وبابل وسواد العراق. الأول هو الدكتور علي القاسمي المعجمي والمصطلحي،  الشهير في هذا التخصص وفي كتابة القصة القصيرة التي نشر منها ست مجموعات متباينة في موضوعاتها ومتفردة في أسلوبها. والثاني هو الدكتور حسين سرمك حسن الطبيب الشهير في  تخصصه الدقيق، الطب النفسي، وفي النقد النفسي للأدب الحديث.

نشر الأول، القاسمي، مجموعته القصصية " أوان الرحيل"  التي صدرت في طبعات متعددة في القاهرة والدار البيضاء وبيروت، والتي تدور قصصها حول الموت في مختلف أشكاله ومتباين تجلياته: موت إنسان، موت حيوان، موت مدينة، موت حضارة، إلخ. فاستقبلها النقّاد كما لم تُستقبَل مجموعة قصصية قبلها، بحيث إنه في خلال بضعة أعوام صدر عنها كتاب كامل وعشرات الدراسات النقدية والأدبية وتُرجِمت قصصها إلى الإنكليزية ولغات أخرى. فاطلع عليها الثاني، سرمك حسن، فخصها بكتاب كامل، نضعه بكل فخر بين أيدي القراء.

لا يقتصر هذا الكتاب على النقد الأدبي لنصوص هذه المجموعة الرائعة فقط، وإنما يقدّم كذلك تشريحاً طبياً نفسياً، بمبضع نطاسيٍّ متمرِّسٍ، ليس لشخص بطل كل قصة، كما هو المعتاد، فحسب، بل لجميع شخوص القصص، وللساردين فيها، وللمؤلّف نفسه أيضاً. وهنا يحصل احتكاك الفكر بالفكر، واختلاف الرأي والتوجه. وحالة الاختلاف والاحتكاك وما يتبعهما من مناقشات وأخذ ورد وسؤال وجواب وتعليقات (كما في هذا  الكتاب)، هي التي تؤدي إلى بروز حركة فكرية في المجتمع، إذ إن الإبداع وحده لا يكفي لتوليدها.

الإهداء

إلى روح المبدع الراحل القاص "عبد الملك نوري"

تقديراً لدوره الفذّ في تحديث فن القصّة القصيرة في العراق

المـتويات

1010 ali- تقديم الناشر

- الإهـــــــــــــــــداء

 المحتويات:

- تمهيد

(1) علاج ضيق الصدور.. زيارة القبور

(2) معجزة طعام .. وانهيار حضارة

(3) كومة ضمير

(4) موتٌ طبيعي .. موت مصنّع

(5) حشرجات روح

(6) حياة ساعة

(7) الهروب إلى الموت

(8) الإنسان حيوان شرّير

(9) قارب الخلود

(10)ظمأ الوجود العظيم

(11)ذئب الانبعاث

(12)مقاومة شعريّة

(13)عبادة الخوف

(14)غروب مُمِيت

(15)حين يكون الموتُ أهون من الولادة

(16)حين تداوي الطفولةُ الكتابةَ الجريحة

- خاتمة

- حوار مع القاص الدكتور علي القاسمي

- الهوامش

- سيرة موجزة للقاص علي القاسمي

- سيرة موجزة للناقد حسين سرمك حسن

(إلى أين أوجه وجهي؟

وها أن (المثكِل) قد تمكن من لبي وجوارحي

أجل .. في مضجعي يقيم الموت

وحيثما أضع قدمي يربض الموت)

(جلجامش) 

تمهيد

(إنّ منْ يقرأ هذه القَصَص لكي يستخلص منها جوانب من سيرتي، سيُصاب بخيبة أمل، ومن يقرأها بوصفها من نسج الخيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة، لأنّ الفنّ عموماً، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع ليحلّق في سماوات الخيال)

علي القاسمي

وصف القاص الروائي الدكتور "علي القاسمي" مجموعته القصصية الرابعة التي تحمل عنوان "أوان الرحيل"، بأنّها مجموعة تدور حول موضوعة الموت، وذلك في تقديمه لأعماله القصصية الكاملة (1)، وستكون لنا مع هذه الإشارة وقفات طويلة مُقبلة . وقد ضمّت هذه المجموعة ستة عشر نصّاً قصصيّاً (إثنان منها "ما يشبه النص القصصي" حسب وصفه)، وهذه النصوص هي:

1) ما يُشبه المقدّمة، ما يُشبه القصّة: البحث عن قبر الشاعر عبد الوهاب البياتي

2) جزيرة الرشاقة

3) الكومة

4) الحمامة

5) الكلب ليبر يموت

6) الساعة

7) المشاكسة

8) النجدة

9) القارب

10) الظمأ

11) الغزالة

12) المدينة الشبح

13) الخوف

14) الرحيل

15) النهاية

16) ما يُشبه الخاتمة، ما يُشبه القصّة: هل تداوي الكتابةُ الطفولة الجريحة ؟

ومَن يتأمل عناوين قصص القاسمي سيلاحظ أنها عناوين تتكوّن من كلمة واحدة، أو كلمتين في أغلب الأحوال، ومن ثلاث كلمات في حالات قليلة جدا . فمن مجموع (77) سبع وسبعين قصّة قصيرة ضمّتها أعماله القصصية الكاملة هذه، هناك (36) ست وثلاثون قصة يتكوّن عنوانها من كلمة واحدة، و (35) خمس وثلاثون قصة تتكوّن عناوينها من كلمتين اثنتين . ويعكس هذا ميل القاص إلى التكثيف والتركيز حيث يمثل العنوان خلاصة مضمون موضوعة النصّ المركزيّة من ناحية، كما يمثل هذا التوجّه – العناية بالعنوان وتكثيفه – الميل إلى التمسك بقاعدة أنّ العنوان هو "ثريا النصّ" كما تشير بعض مدارس الحداثة النقدية على الرغم من عدم اتفاقي الكلّي مع هذه الأطروحة من ناحية أخرى .

وقد انعكس ميل القاص العام إلى التكثيف والتركيز على "طول" قصصه، حيث جاء العديد من القصص بثلاث صفحات من القطع الكبير الذي أخرجت به هذه الأعمال القصصية (أي أقل من ألف كلمة تقريباً) . ولكن - كمعدل - كانت النصوص تتراوح بين 1200 و 2000 كلمة، وهو – من وجهة نظري الشخصية – طول أنموذجي لجنس القصة القصيرة يتيح للمتلقي التركيز والإلمام بوقائع القصّة وملاحقته من دون تشتّت . وكلّما طال النص القصصي القصير، تورّط كاتبه في استعارة سمة مركزية من سمات الفن الروائي، قد لا تلائم الحدث المركزي لقصّته وطبيعة بنائها، فتصيبها بالترهل . ولهذا جاءت نصوص علي القاسمي رشيقة، وبلا استطالات، وقد "فصّل" شكلها على مضمونها كما يُقال، كما تتبختر عارضة الأزياء الممشوقة بثيابها الملتصقة بجسدها الأهيف . وأعتقد شخصيّاً أنّ القصة القصيرة كلّما قصرت، صار مطلوباً من الكاتب درجة أعلى من القدرة على ربط الحوادث وضغطها في حيّز مكاني أصغر ومسافة زمنيّة أقل . فالقصة القصيرة كما وصفها "يوسف الشاروني" في كتابه "القصة القصيرة نظرياً وتطبيقياً":

"هي فن الفرد المأزوم، ولذلك كانت أقرب الأشكال الأدبية بعد الشعر إلى المراهقة قراءة أو كتابة . وتكون أقرب إلى أدب الاعتراف" .

وهذه "المُراهقة" تعكس تخلخل القصة القصيرة في الزمان والمكان، هذا التخلخل الذي لا يتيح للكاتب " إتساعاً " كافياً في التعبير عن رؤياه وأزمات شخصياته . وإذا كانت قصيدة النثر في الفن الشعري هي فن التكثيف، فإن القصة القصيرة في الفن السردي تقابلها في هذا المضمار، آخذين بالإعتبار أسبقيّة الأخيرة التاريخية . لكن استنتاجنا هذا عن سمة أسلوبية لدى القاص القاسمي تتعلّق بـ "قصر" نصوصه المناسب لموضوعاته ومحمولات أفكاره، لا يعني أن نصوصاً أخرى لديه تجاوزت الـ (5000) خمسة آلاف كلمة، غير محكومة بالفكرة والحُبكة وسبل حلّها وغيرها من العوامل الفنّية والفكرية .

وفي الحقيقة، فإنّ محاولة تحديد طول النصّ الذي يُعدّ قصّة قصيرة هو مسألة إشكاليّة في الفن السردي . فقد أشار "إدغار ألن بو" في إحدى مقالاته عام 1846 إلى أنّ القصّة القصيرة هي التي تُقرأ في جلسة واحدة . ومن الواضح أنّ مراجعة هذا المقياس الآن هي إشكاليّة بدورها أيضاً، لأنّ من المفروغ منه القول أنّ طول "جلسة واحدة" في زمننا الحالي هو أقصر مما كان في زمن إدغار ألن بو بالتأكيد . ولهذا مالت التعريفات الأخرى للقصة القصيرة إلى اعتبار الحدّ الأقصى من الكلمات التي تتكوّن منها بين 1000 و 4000 كلمة . ولكن في عصرنا الراهن، يميل أغلب النقّاد إلى اعتبار القصّة القصيرة عملاً سرديّاً لا يقل عن 1000 كلمة ولا يزيد على 000,20 كلمة . وما قلّ عن الألف كلمة يُشار إليه عادةً الآن بمصطلح "القصة القصيرة جداً" أو "قصّة الومضة" (2).

وسأحاول في هذا الجزء من مشروعي النقدي عن المنجز السردي للقاص والروائي "علي القاسمي" أن أقوم بتحليل القصص الست عشرة، قصّة قصّة، وفق منهجي النقدي الذي سرتُ عليه منذ عقود، وهو المنهج التحليلنفسي اللغوي الشامل الذي سوف تتضح ملامحه كلّما توغّلنا في تحليل النصوص التي بين أيدينا، منطلقاً من حقيقة أنّ النصّ الفنّي يختمر وينضج في أعماق مَشغَل لاشعور المّبدع، على الرغم من أنّ مادته في أغلب الأحوال تُؤخذ من "طينة" الواقع الخارجي الذي يحيط به . لكن هذه المادّة "جامدة" غُفل وفطريّة، ولكي تصبح فنّاً، يجب معالجتها بأنامل المبدع المحكومة حركتها بإمكانيات تجاربه المُختزنة في لاوعيه، وتُشذَّب تحت رقابة الشعور بمخزونه المعرفي وخلفياته الثقافية، لتتمظهر – أخيراً - عبر "اللغة"، ليس على طريقة "هيدجر" الذي جعل العقل سجيناً للغة، ليعقبه "فوكو" بأطروحة أكثر تطرّفاً حين جعل العقل سجيناً للمفردة، ولكن على أساس الإيمان بأنّ اللغة مطيّة العقل ؛ مطيّة اللاشعور تحديداً . وحين أقول أنّ المادّة الواقعيّة – وحتى المُتخيّلة – يتم تشكيلها في لاشعور المُبدع، فإنّني أقصد أنّها تخرج مُلتحمة الشكل بالمضمون، وليس على مرحلتين أو من قسمين، النص مثل "موجة البحر"، من رابع المستحيلات أن تفصل "شكلها" عن "محتواها" المائي .

وسيلاحظ السيّد القارىء أنّني كثير التركيز على موقف القاسمي المشرّف من علاقة الأدب بهموم الإنسان العربي تحديداً، هذه الصلة التي عملتْ الكثير من موجات الحداثة الغربيّة وما بعدها على تحطيمها، انطلاقاً من الفسلفة المادّية الغربية التسوويّة المتحكّمة بحركة الحياة في المجتمع الغربي، والتي صارت تنظر إلى الإنسان كمكوّن من مكوّنات الطبيعة يمكن حسابه وحوصلته، حاله حال أي مكوّن آلي أو نباتي أو حيواني، وليس كـ "انقطاع" و "ثغرة" مُلغزة في هذا البناء، "ثغرة" هي مصدر كلّ إبداع . "هناك" صاروا يتحدّثون عن الروح الحيواني ونحن بحاجة مصيرية إلى الحديث عن الروح الإنساني . وقبل مدّة قرأتُ مقطعاً مُلتهباً من رواية لكاتبة بريطانية تتحدّث عن اتصال حسّي عارم ظهر أخيرا أنّه بين امرأة و "دبّ" !! وهذا الأمر ليس ظاهرة يسيرة، بل في غاية الخطورة، لأنّه يعبّر عن صراع ثقافتين تحاول واحدة منهما، معروفة بطوفانها الكاسح، القضاء على الأخرى، وليس الصراع الخلّاق الضروري للحياة ضدّها .

ومن المؤكّد أنّ ما يُغني عن الكثير من الشروحات التمهيدية هو العمل النقدي التطبيقي المُحكم، الذي يحلّل النصوص، ويحيط بها في كلّ دقائقها، ويكشف أهميّة أدقّ تفاصيلها أمام بصر وبصيرة القارىء . وهذا ما سوف نجتهد فيه، وللمجتهد المُخطىء حسنة كما تُقرّر ذلك الفسلفة العربيّة الإسلامية المُشجّعة على المبادرة الجسور وعلى روح التعرّض والإبداع .

والله من وراء القصد

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة – أواخر 2014  

 

ahmad alkhozaiتميزت الرواية السبعينية في العراق، بسعة افقها، وتشعب القضايا التي تناولتها، وخروجها عن الحيز المكاني والأفق الأيدلوجي للبيئة المرافقة لها، وتعدد الانماط السردية والفكرية التي تناولتها، كونها تماشت مع النهضة الفكرية والثقافية التي كانت تجتاح المحيط العربي انذاك، وتوحد القضايا المصيرية التي تشغل الرأي العام فيه، بغض النظرعن الانتماء العرقي والديني والطائفي، و قد انعكس هذا على الوجه العام للأدب العربي، وتأثر به السرد العراقي بصورة كبيرة، فنجد معظم روايات تلك المرحلة طغى على وجهها العام النضوج في الطرح، وعمق القضايا التي تناولتها وشموليتها، وانشغالها بسرديات العرب الكبرى ( الوحدة العربية، لتنمية، القضية الفلسطينية، ومناصرة حركات التحرر في العالم الثالث) .. هذا التوجه خلق نوع من الوئام بين الكاتب ومجتمعه، فأنتج هذا الوئام، نصوص سردية يكون فيها البطل كمحصلة نهائية، في حالة تصالح مع بيئته، ويمتلك نظرة ايجابية اتجاه محيطه الاجتماعي، بعكس السرد الستيني الذي تميز بالعزلة الفكرية التي تفرض نفسها على البطل بسبب التباين الثقافي بينه وبين بيئته الاجتماعية، وانزوائه مع رؤاه وأفكاره الخاصة حتى غدا لامنتميا، إضافة إلى إن السرد في سبعينات القرن الماضي، تفرد بالحرص الشديد من الكاتب على أن يكون السياق العام للإحداث، ضمن نسق فكري مقيد بثوابت اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها .. وتعد رواية ( الخراب الجميل) للروائي احمد خلف، والتي كتبت بين عامي (1977- 1979) وصدرت عام 1981 عن دار الرشيد، أنموذجا متقدما لهذا النمط السردي في تلك المرحلة.. تناول فيها الروائي ثيمة تتلائم مع الانزياحات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي كانت تهيمن على العقل الجمعي العراقي، فاختار مجموعة من الصحفيين العاملين في مجلة حكومية ليشكلوا البنية التكوينية للنص كما عبر عنها الناقد لكولد هان.. (محمود، مها، ليلى، يوسف، خالد)، هؤلاء النخبة المثقفة زجهم احمد خلف في مقتربات عاطفية وتقاطعات فكرية ونفسية، أنتجت نصا ناضجا غنيا بالدوال الحسية المفعمة بالأمل والتطلعات الجميلة والمنتجة، فكان الصحفي (محمود)، ابن العائلة البسيطة المهاجرة من الريف إلى المدينة، محور هذا النص والبطل الإشكالي، الذي يعشق أكثر من فتاة في آن واحد ( ليلى، مها، جيني)، ويعاقر الخمر بنهم، ويكرر تأجيل مشاريعه المهمة والمفصلية في حياته الادبية والمهنية، والذي تربطه علاقة متذبذبة مع أسرته.. هذه الشخصية المستديرة ( الديناميكية) كما أطلق عليها (فوستر)، هي شخصية نامية ثلاثية الأبعاد، تتميز بقدرتها على التطور في سياق الفعل، وغناء الحركة داخل العمل السردي، وقدرتها العالية على تقبل العلاقات مع الشخصيات الأخرى، فكان عشقه للمسرح وليلى، عاملان رئيسيان مؤثران في حياته، وفي تحديد ملامح سلوكه الاجتماعي وتعاطيه مع الآخر، أو كما عبر عنهما الناقد عبد الإله احمد (القوى الكبيرة المؤثرة في حركة البطل داخل النص) .. هذا العشق قد تماهى مع شخصيته الشجاعة والمغامرة والمعقدة (لا يمكنه أن يركز عند شيء معين، كل شيء متغير ولا يستقر عند مرساة قط).. هذه الصورة المتغيرة التي يمتلكها البطل محمود عما يدور حوله ويحيط به، خلقت نوع من التدرج الفكري والعاطفي لديه، فنجد انتقاله خلال سياق النص من إدانته لنفسه، إلى البحث عن حلول لهزائمه، وفق تسلسل حكائي تضامني، وقد انعكس هذا النسق السردي (التسلسل الموباساني) على أبطال الرواية الآخرين، فنجدهم قد وصلوا إلى نهاياتهم وتحددت مصائرهم، وفق أحلامهم ورؤاهم الشخصية وتطلعاتهم .. (يوسف) تحقق حلمه بالسفر إلى البلدان البعيدة، (مها) تزوجت من شخص آخر بعد فشل علاقتها بمحمود، (خيرية) زوجة شقيق محمود استمرت في عملها في معمل الخياطة بعد أن تقبل أهل زوجها هذا الأمر على مضض، وعند وصول النص إلى ذروته فجر لنا الروائي احمد خلف الحدث الأهم، وهو اتفاق محمود مع حبيبته ليلى على الزواج، هذه الخطوة المفاجئة والتي لم ندرك جديتها بالنسبة إلى الاثنين، فكلاهما شخصيتين قلقتين، منسلختين، متحررتين إلى مدى بعيد، وهذا بدا واضحا حين مزقت (ليلى) رسالة حبيبها السابق يوسف أمام أنظار الجميع معلنة انتهاء علاقتها معه، وبداية عهد جديد لعلاقة ستحمل بعض من الاستقرار العاطفي والاجتماعي مع محمود.. استخدم الروائي في نصه، تقنية السارد العليم (السارد الخارجي) ولغة حوار مدببة، تشير إلى قصدية النص، وملائمتها لطبيعة المتكلم ومستواه الثقافي.. وهنا لابد من الإشارة إلى بعض المحاور المهمة في الرواية، من حيث الأسلوب، واللغة،والإرهاصات النفسية والسلوكية لبعض أبطال الرواية، التي رافقت بناء النص:

1- (القرين): كان للقرين بشقيه الايجابي والسلبي، تأثيره الواضح على حياة محمود، وعلى الانعطافات المهمة فيها.. (خالد) زميله في العمل، المغترب العربي والذي لم يشر الروائي إلى بلده، كان قرينا ايجابيا لمحمود، شخصية جادة مثقفة، مؤدلجة، متزنة، على الرغم من وطأة الغربة التي يعيشها، يحمل أفكارا عابرة للحدود كغيره من المثقفين العرب في تلك المرحلة، رافق صديقه محمود في أكثر فترات حياته اضطرابا وتشتتا، واستطاع التأثير فيه بصورة ايجابية، جعلت من محمود يقرر الزواج من ليلى، وإكمال كتابة مسرحيته التي حملت اسم (الخراب الجميل)، التي تمثل صورة أخرى لحياته وسيرته الذاتية، وقد اتضح تأثير هذا القرين في حوار بينهما :

- إني اسأل نفسي كيف يمكن للإنسان ان يعيد بناء حياته، صدقني غالبا ما أصاب بالدهشة.

- يمكنك ذلك ببساطة، ومرة أخرى ادعوك ألا تدفعني لحديث الموعظة.

- أبدا لكنك متبصر أكثر مني.

يقف في المقابل في حياة محمود قرينا سلبيا، الفتاة الأجنبية (جيني)، التي جعلت منه في حالة من النكوص الى الماضي، الذي يمثل حالة ضياع وهزيمةعاشها، حين قرر السفر إلى لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وقاده هذا القرار إلى التعرف عليها، وان تصبح حالة من الإدمان الجنسي، والتعويضي النفسي له في غربته، لكن هذه الجزئية السلبية من حياته ظلت عالقة في مخيلته، يستحضرها في حالات تشتته واضطرابه، ويتكأ عليها في تبرير فشله..(جاءت جيني وضربت المشاريع المؤجلة، مشاريع كانت رهن التنفيذ).

2- (التداعيات والارتداد): شكلا التداعيات والارتداد في الذاكرة، عاملان سلبيان في حياة البطل محمود، ذاكرة مثقلة بإرهاصات وتجارب فاشلة عاشها في الماضي القريب، قرارات خاطئة فرضها على نفسه والآخرين عنوة، أنتجت ماضي فوضوي بائس ملاه الضياع، يأبى أن يفارق ذاكرته..(عندما تنطفئ الذاكرة، نعم هذا الموقد اللعين، فاني استطيع التفكير بشكل أفضل).

3- (الصراع ألقيمي بين الريف والمدينة): هذا الصراع بين عادات وقيم الريف من جهة، والواقع المادي والحضاري للمدينة من جهة أخرى، تجسد في قرار (خيرية ) زوجة شقيق محمود بالعمل في أحد معامل الخياطة، هذا القرار الذي افرز هذا التباين والتقاطع بين قيم البيئتين، حين رفضت أسرة زوجها هذا القرار وحاربته بكل السبل، إيمانا منها بخطأ وكارثية هذا القرار على سمعتها، وعاداتها وأعرافها التي ما زالت متشبثة بجذورهم الريفية، التي ترفض مثل هكذا نوع من الاختلاط بين الرجل والمرأة.

4- (المكان): كان المكان بشكله العام (أليفا) غير عدائيا بالنسبة لمعظم أبطال الرواية (مناطق شعبية، متنزهات، أماكن عمل، منازل)، إلا إن الروائي قد تحاشى ذكر أسماء الأماكن والمدن إلا ما ندر.

5- (تعدد الأصوات): يلاحظ القارئ لرواية الخراب الجميل وجود تعدد للأصوات داخل السرد، وساهم هذا بشكل كبير في غنى النص وثرائه الفكري والفني.. (يوسف الصحفي الحالم، ليلى المرأة المتحررة، خالد الصحفي العربي المثقف، الأب الذي يعيش ارتباط مشيمي مع ماضيه الجميل في الريف).

 

احمد عواد الخزاعي

 

souzan aounهل يمكن ان نقول في قصائد “ليلى حتى الرمق الاخير” لسوزان عون بانها تجسيد غير موارب للانوثة، قد يكون في هذه العبارة او التوصيف بعض الاختصار لما لا يختصر، لان القصائد عبارة عن تجسيد شعري لحالة المرأة بهويتها الانثوية مقابل الرجل، المرأة المتمسكة بانوثتها كأمرأة ذات كيان مستقل.

سوزان عون احس امرأة تفيض شعرا،دون ان ينتابها الوهن او الضعف بثقة مفرطة بقدرتها على تحويل العادي والمكرر والمألوف والطبيعي في الحياة الى شعر مؤثر له سماته المميزة كقصيدة النثر او القصائد النثرية، تقف على النقيض من اميلي دنكسن التي دفعها احساسها المفرط بانوثتها الى التقوقع والعزلة ووجدت في الطبيعة ما يعوض او يلغي تلك العزلة واتهمت بالانانية لكنها كانت في عزلة خارج تلك الضوضاء التي تثيرها حياتها الشخصية وعزلتها عن الحياة اليومية العادية، عكس سوزان عون المحتفلة دائما بنصوصها وشعرها بالحياة والطبيعة التي تمثل عنفوان المرأة وخصوبتها او انها جزء من الطبيعة وخصوبتها:

مواسم الأرض نمَتْ من خطوط كفي

التي عجزتَ أن تقرأها

طالت جذور صوتي

سيصلك جرح أغانيه مع حلول الشتاء البعيد

عكس اميلي دنكسن التي تتخذ من الطبيعة ما يشبه الملاذ للخفيف من وحدتها وتدرك بحسها بانها الاقرب اليها كأمرأة تعاني من الوحدة ومكابدات الشعر حتى تبدو اشعارها كانها قادمة من اغوار بعيدة في الطبيعة تؤنسنها في وحدتها وتحولها الى قصائد غاية في الجمال بصوت خافت يهمس شعرا :

ليالي التوحش يا ليالي التوحش

حيث كنت معك

وعلى الليالي القاسية ان تكون

نعيمنا الريح لا جدوى منها

لقلب في الجانب الايسر

حدد له بالبوصلة

ثبت على الخريطة

تجديف في جنات عدن

اه! يابحر

هل ممكن ان ارسو

الليلة هناك!

او:

“اللحن في الشجرة”،

يقول المتشكك

فاجيب:

“لا ياسيدي، انه بداخلك”

الوحدة دائما ما تؤدي الى الضجر والملل، تحاول دنكسن ان تبددهما بين الطبيعة التي تمنحها فرصة لرؤية نفسها كامرأة والشعر المتوحد بالطبيعة حين تمنحها احاسيسها ومشاعرها الحقيقية، فتشعر بالدعة والامان اكثر مما لو اندمجت او سايرت صخب الحياة اليومية من حولها، بينما نجد العكس لدى سوزان عون :

بدون أصباغ زائفة لوجهي اليتيم

لا يقلقني الغد

ولا تلك المسافات الفارهة

التي بيني وبين المستقر

لا أضجر ولا أايأس

ففانوس الحلم في يدي

وسندباد رحلتي لم يقلع بقاربي بعد .

والمقارنة هذه ان صحت ان نسميها مقارنة لا تتعلق بالشعرية او بتشابه عوالم الشاعرتين وانما بالطريقة المختلفة للجوء المرأة الى الطبيعة، وتعلقها بها باعتبارها الاقرب الى كيانها كأمرأة، رغم ان ذلك لا يعني ان المرأة الوخيدة التي اتخذت من الطبيعة وسيلة للتعبير عن كيانها ووجودها في الشعر او التعبير عنها بوسائل اخرى كالفنون التشكيلية والكتابات الادبية والابداعية .. وفي فن الرسم على الخصوص .

 

قيس العذاري

 

ahmad alshekhawiحين تناور الذات الإبداعية على مضض، بمتتالية دغدغات ترشق بها معطيات اللحظة الهاربة ،أو لنقل تقود إلى متاهات مرايا الكامن كما نحبّ النظر فيها وفق أسلوبية مقلوبة تماما ودافعة باتجاه لعبة هشّة تُطرب بما هو حلمية مفخخة و منظومة رمزيات رافلة في أقنعة الواقع.

تكشّف وعري تامّ يجلو صدأ الأزمنة ،ويقترح الكلمة على نحو فلكلوري ينزّ بعهر العالم الآيل إلى هاويته الموقوتة.. حكاية تنسجها أوجاعنا تقّدم فوق ما يندب الشعر من شعر ،ينأى حدّ عجز الأخيلة عن تصور أو التكهن بما يمكن أن يُحسب للقضية دونما التصريح ولا التلويح حتى بتباشير امتطائها هي،كونها مطبوعة منذ الأزل بشتى صفات الجلال والقداسة،وهو زخم أسرار متغنّج بسرمدية ليلاء نرنو إلى شموسها، ليس يسجّله سوى دم شهداء القضية في تضحياتهم ونخوتهم وتساقطهم تباعا وكل حين كأنهم أوراق الشجر، أمام سلبية وبربرية وصمت العالم.

كذلك هو الشاعر التونسي المبدع جمال قصودة حين يخيط بنا دورب حكاية الغياب،مثلما عودنا على الدوام، يستفزّنا بما تفرزه أوتار قوله الشعري،يشهر بلباقة امتعاضه ويخون البياض عن طريق حشو طيات هذا الأخير بنبرة غضب وتمرّد وانتصاف للرهانات العروبية و للحس الإنساني وللقضايا المشروعة بشكل مبدئي غير قابل للجدل.

قصائد تبكي السليبة الحبيبة فلسطين بمدامع من دم.

حقّ لهذه الحبيبة أن تتثنّى مزهوة بتاريخ الأمجاد ،خاصة مع الوعد بتكرار تلوين راهن وربما مستقبل الهزائم والانكسار،بنفحات وإشراقات من صولات فاتحين عظام من هاهنا عبروا لكنه لم تزل تحاصرنا ظلالهم لنستلهم منها ما هو صحو للضمير شبه الميت وإذكاء لفتيل الهمم الخامدة .

هكذا يسلك بنا شاعرنا هوامش نصوصه،مستدرجا إيانا إلى مكامن الخلل ومواطن الداء،ومن ثم المتن الفاضح لأعيادنا البلاستيكية ومنتهية الصلاحية والقاصر عن مدّنا بمعين وقطوف وسائر ما يبدّلنا صفحات الخيبة والانتكاسة ويضمد جراحاتنا وصنوف ما كابدناه من جلد للذات في شخص حبيبة حاضرة/غائبة اسمها فلسطين الحكاية والأمجاد.

هذه معركة حطين يسوقها صاحبنا هاهنا ويعطّر عروق جسد شعرية نصّ من هذا الطراز، ويضمّن مفاصلها وبؤرها، بظلال هامات البأس و البطولات ،ودفق أنهر الدماء الزكية لشهداء واقعة الشرف تلك والمفخرة شأنها شأن مثيلاتها عبر تعاقب وتوالي السنون ، كضريبة مباشرة لتحرير عاصمة العروبة والإنسانية والإسلام وتخليصها وتطهيرها من نجس الصليبية واستأساد النزعة الامبريالية التوسعية المقيتة والنعرة الإمبراطورية المسطّرة بحدّ سيف حروب الإبادة والمجازر ومصادرة الزرع والضرع والثروات.

لنصافح ببصيرتنا ما ورائيات ألوان هذا النص الثري بحكم زانها اللبوس الجمالي، كي نستشفّ إلى أي مدى ثمّة نافذة إلى جرح طال وتقادمت حدّ التآكل والتهالك،لكنا لم نزل نتنفّسه كلما عنّت لنا رغبة عيش ومعايشة طقوس الموت في نكهة الولادات المتواترة والتناسلات الجديدة لمعنى الحياة.  

"سَيغْشاكَ موْجُ الحَنينِ

و تَغْرقُ في الأمْنيَاتْ

فلسْت تغَازلُ ظلّك فيها

هوَ الشّوقُ كمْ يعتريكَ…

وكمْ يعْتَريها

أَرَاكَ كطِفْلٍ يُرَاودُ ظلًّا بوجْهِ الجِدارِ

وخلْف المرَايَا

فيضْحَكُ حينًا و حينًا ينُوءُ بثقْل المَعانِي

ولمْ يُدْرِك الحِمْلَ حينَ بحثْنَا

بوجْه التّشَابُه بينَ الظّلالِ و أصْل الحِكايةْ

سيركضُ خلْفَ السّرابِ اللّصيقِ

لعلَّ الحبِيبَةَ حينَ تجيءُ

تُلامِسُ جسْمِي بجسْم الحرِيق

إذا حانَ ورْدُ الغيَابِ

سنَلْثمُ ثغرَ السّحَاب

و نُوغلُ فيها

صلاَةَ التّردّدِ بين الضّفَافِ

ونُورقُ فيها

بنفسجةً هدّها الاشتهاءُ

إذا ما الجدِيلةُ بَانتْ

كشَفْنا السِّتاَر عَنِ المظْلمات

و خُضنَا الحُروبَ التي لا تُخاضُ

بأبْوَابِ كسْرَى قضَيْنَا النوافِلَ

حينَ تجلّتْ

وصمْنَا عَنِ اللَّغْوِ دهْرًا طويلَا

بحطّين مالتْ

كظلّ الصّليبِ بُعيدَ الغروبْ

و قالتْ:

-رجوْتكَ بالله أن لا تغيبَ

-فكيفَ أغيبُ

و فيكِ الغيابْ "

تلكم، لعمري قامة يستحوذ عليها هاجس الانتماء لشجرة الإنسانية عند نقاط تداخلاتها وتشابكها مع مصير قضية ذروة في الحساسية بحيث لا يزيدها تخضرمها سوى مشروعية وتعاطفا كونيا وصمودا مستميتا ونضالا مكابرا..

قضية أريد لها أن تسترسل لتدمي قلوب عاشقيها بسموم أشواك الخسة والسمسرة والخيانة والتواطؤ،والمعروف أنها زبدة أحلام كل تواق إلى سماء الحرية والانعتاق من قيود التبعية العمياء والرجعية والانتهازية وكامل ممارسات القمع و الاستعباد.

وفي الواقع هي حمّى ما تنفكّ تستشري لتنخر أوطانا مجاورة عدّة تخاذلت أو تغاضت أو طبّعت مع المؤسسات الصهيونية والمتصهينة بما يفوّت ملاحم استرداد الحقّ ونبذ التبعية والذل.

ليست شعرية موازنة بين الموت والحياة من جهة ولا الحضور والغياب من جهة ثانية، بقدر ما الظاهرة برمّتها وفي شموليتها وتساوق رؤاها وتكاثف دوالها، أشبه ما تكون  بمقامرة آسرة طاعنة بقوانين الجاذبية والإغواء ، واعية تفسح لأنامل التجريب وتمكنها من اغتصاب الأنساق،واستبقاء الحكاية حيث أجواء الغرابة السانحة بتسريبات وانثيالات ضمنية وطيفية توقّع توليدات هلامية للمعنى عبر صور شعرية مشوقة وكأنه تتلقّف ثيماتها من يباس  وحصيد الآني المترع بظلال الفناء بما هو ذاكرة للأمجاد الخالدة في احتياجها إلى تدويرات استعارية تشترطها اللعبة الكلامية في دورة كاملة وغير منقوصة، تروم صياغات جديدة ومقاربات مختلفة للذات والآخر والعالم.

 

احمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، يحاول الاستقرار، والتشبث بالأرض التي يعيش فيها، يحرثها،ويبذرها، ويستسقي السماء لزرعها، ويبني فيها مستقراً له، ويأنس لمن هو حوله، ومنحه الله العقل، ومن العقل الذاكرة، فترتسم الأشياء المادية والمعنوية في ذهنه، ويربط بينها ربطاً جدلياً ...ثم يسرع بكبح جماح الفوضى من حياته، ويبذر في كل جانب منها بذورالعلم والمعرفة والغناء حتى يصبح الجو والغلال والحيوان والإنسان أرق حاشيته، فتتضاعف لديه مشاعرالحب والخير والنفع (1). وما الجو والغلال والحيوان والإنسان إلا هبة الله على الأرض، والتعلق بها، وبما حولها، غريزة طبعٍ ٍ جبلَ عليها هذا الإنسان، وذلك الحيوان .

والعرب من أقدم الأمم تعلقاً بالأرض، وحب الديار،وذكرى حبيب ومنزل، وأبصر الشاعر البدوي ما حواليه، فامتزج به امتزاجاً قوياً، فوصفه وشمل بوصفه البلاد أرضاً وسماء:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ***بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وان شفائي عبرة مهراقــــة *** فهل عند رسم دارس من معول

والمنزل ليس له قيمة وجدانية، إذا لم يرتبط مع من يأنس إليه الإنسان، فتتشابك الذكريات، وتتراكب العلاقات، وتمتزج امتزاجاً وجدانياً يصعب انفكاكها، وإلا فالطبيعة قد جادت بما هو أجمل بكثير من هذا المنزل، او تلك الأطلال، فما وجهة امرى القيس غير (فاطم )، وما مراده إلا هي:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلّلِ***وإن كنت قد أزمعت هجري فاجملي

أغرك مني، ان حبك قاتلي*** وأنك مهما تأمري القلب يفعل

ولا أراك تنسى المجنون، وهو يهيم بدار ليلي وجدرانها، يلثم الأعتاب، ويقبل الأطلال، وما مقصده الحجارة، وإنما ليلى، وأسراره:

مررت على الديار ديار ليلى ***أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

ويعيد إلينا أبو تمام هذا الترابط والحنين المتنامي في اللاوعي لكل الأهل والخلان، فالسكن:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى*** ما الحب إلا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبدا لأول منزلِ

ثم يتطور هذا العشق الوجداني من مناجاة الأطلال والمنزل إلى دائرة أوسع، ليشمل حب القرية أو المدينة والسكان معا، فالترابط الاجتماعي أساس الوجود الإنساني، وتطوره نحو الأفضل.

 أقول يتسع إدراك الفرد من الخاص إلى العام تبعاً لثقافته وحضارته، فإبان عزّ الحضارة العباسية، لم ير ابن بغداد أجمل من بغداده مصراً، ولا أبدع من دجلتها نهراً، ولا أعذل من روحائها جواً، ولا أروع من ناسها خلقاً، ولكن الأيام تدور بما لا تروم الأنفس، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فعندما حاصر طاهر بن الحسين، وهرثمة بن أعين بغداد سنة 197-198هـ، لنصرة المأمون على أخيه الأمين، ودكت عاصمة الرشيد دكاً، وهدمت دورها، وخربت ساحاتها، وماتت حدائقها، وقتل رجالها، وانتهكت أعراضها، ورميت عاصمة الخلافة بالنفط والنيران، والمناجيق والعرادات، لقتل المقبل والمدبر، قال أحد فتيان ببغداد، كما يورد الطبري في تاريخه:

بكيت دماً على بغداد لمّا *** فقدت غضارة العيش الأنيقِ ِ

تبدلنا هموماً عن سرورٍ *** ومن سعة تبدلنا بضيق ِ

أصابتها من الحساد عين ***فأفنت أهلها بالمنجنيقِ

فقوم أحرقوا بالنار قسرا *** ونائحة تنوح على غريق

وصائحة تنادي وا صباحاً ** وباكية لفقدان الشقيق

وقوم أخرجوا من ظل دنيا *** متاعهم يباع بكلّ سوق

ومغترب غريب الدار ملقى ** بلا رأسٍ بقارعة الطريق(2)

الشعر على بساطته يجسد هول المصاب، وعمق المأساة، واستمر الحال، وزادت النكبات، وتراكمت الهموم، واغرورقت العيون، لم تعد بغداد بترفها، ولا دجلة بخيرها، ولا الدنيا على حالها، انقلبت الأمور، وحلت الدهيماء، أي عين أصابت بغداد الأمس البعيد، وحتى بغداد الأمس القريب، فالتاريخ يعيد نفسه، والأيام تدور لتلتقي بداياتها بالنهايات، ولا يدري ابن بغداد أين هو من عمر الزمان؟ إن كان للزمان عمر، وأصل وفصل !

وقد عبرعمرو بن عبد الملك العتري الوراق عن الحالتين، بعينين دامعتين قائلاً:

من ذا أصابك يا بغداد بالعين ِ**** ألم تكوني زماناً قرة العين ِ

ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم *** وكان قربهم زين من الزين ِ

صاح الغراب بهم بالبين،فافترقوا * ماذا لقين بهم من لوعة البين ِ

أستودع الله قوما ما ذكرتهم *** الا تحدر ماء العين من عيني

كانوا،ففرقهم دهر، فصدعهم ** والدهر يصدع ما بين الفريقين (3)

ترى أن الشاعر يفزع لما أصاب بغداد المنكوبة، وما بغداد إلا بأهلها وسكانها ...وما أشبه الليلة بالبارحة ...يا بغداد يستبيحك السلاطين، ويهتك حرماتك الأشرار، ودائماً يعجز الإنسان عن فهم الأسباب، أو يتناسى، فيلعن الزمن، ويغلق المحن، وأحياناً يدرك الحقائق الموضوعية، ويفقه أن الصراع المادي، والنزعة الأنانية، والجهل المركب، وراء كل تخريب وفساد ودمار:

أرى درراً تصان على أناسٍ *** وأخلاقاً تداس فلا تصانُ ُ

يقولون الزمان به فسادٌ *وهم فسدوا، وما فسد الزمانُ

ومهما يكن من أمر، فما من امرىء بتارك وطنه إلا تحت ظروف قاهرة، يكون فيها تحت خيار الموت أو الحياة، فيقول الوراق العتري نفسه بنفس الحصار والدمار:

ولست بتاركٍ بغداد يوماً *** ترحل من ترحل او أقاما

إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ** نبالي بعد من كان الإماما

 اذاً هو ليس بتارك بغداد، إذا ما ساعده العيش فيها، ولا يبالي من يكون الخليفة من بعد،فالسلطان سلطان بأي زمان ومكان، فكم يعاني هذا الشعب المغلوب على أمره من جور وظلم الطغاة وقسوتهم جراء الصراع على السلطة حتى لو كانت بين أخوين، هما المأمون والأمين، تنكب بغداد، وتهدم بيوتها على رؤوس ساكنيها، فلا كأن هارون الرشيد - وهو والدهما - جلس على عرشها متنعما هو وبنوه، وأمامه المنصور النمري يخاطبه شعراً، بأمر من السيدة زبيدة ليقول:

ماذا ببغداد من طيب الأفانين *** ومـــــــــــن منازه للدنيا وللدين ِ

تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت*** وجوّشت بين أغصان الرياحين ِ

رحم الله المظلومين، ولله أمر الظالمين، وما الحساب ببعيد، وإن غدا لناظره قريب !!

  

كريم مرزة الأسدي

................................

(1) ممثلوا الانسانية: لوالف والدإمرسن

(2) تاريخ الطبري- ج8- ص456-457 المصرية.

(3) المصدر نفسه-ص447

(4) تاريخ بغداد -للخطيب ج1ص 21

 

7 - الهدف الجمالي: ما من شك في أن الهدف الجمالي من فواعل الرؤيا الجمالية الخلاقة التي ترتكز على الوعي الجمالي، ومثيرات الموقف والحدث الشعري، وبتقديرنا:

يخطئ من يظن أن المنتج الفني الإبداعي المؤثر عشوائي الرؤيا، أو اعتباطي الشكل، أو المنظور؛ ويخطئ من يظن كذلك أن الهدف الجمالي يأتي متأخراً في العملية الإبداعية، أو سابقاً لها، وإنما يأتي وليداً معها، ينبعث لحظة الإبداع، والتشكيل الجمالي، وهذا ما لا يعيه الكثير من النقاد والمبدعين أنفسهم؛ فالإبداع وليد لحظة شعورية مكثفة، وهاجس داخلي سرعان ما يفور ليهدر كالبركان الدافق في حناياهم؛ لينفجر بالحمم الشعورية تارة، والينبوع الهادئ تارة أخرى؛ وتبعاً، لكل شكل، أو هيئة يتخذ الفن هدفه الجمالي، وقيمه الجمالية لحظة تشكل المنتج، وتحققه الإبداعي؛ولهذا أولى الشاعر علي جعفر العلاق الشكل أهمية خاصة في الفن الشعري قائلاً: " إن ما أريد الوصول إليه هو أن الشعر مهما تنوعت وسائله، واجتهد الشاعر في الارتقاء بتقنياته، لا بد من ماء يدب في أوصاله، فيشيع فيها حرارة الدم، وخضرة الشجر . بعبارة أخرى، لا بد لهذا الشعر من حياة فياضة بالانفعالات، والتأمل، واللهو، والحنين. وهنا، لا بد من الإشارة إلى موضوع آخر. هل من الممكن أن يحفل الشعر بهذه الخصائص كلها، ومع ذلك لا نجد فيه تجديداً في أساليب الأداء، لا نجد فيه بكلمة ثانية، ثراء في الصياغة، وبهاء لغوياً وإثارة في الأشكال؟! لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، طالما أن اللغة معجونة بدم المعنى، وأن المعنى ينضح من لغة الشاعر، وبهذه الطريقة تبتعد القصيدة عن سطوة الافتعا، ل والتجريد، وبهذا الشكل تقترب القصيدة من أبهة الغناء الصاعد من أقصى الينابيع، وهكذا، يتحول التراب دائماً إلى ذهب" (86) .

وبهذا التصور؛ فإن الهدف الجمالي يأتي متدفقاً مع لحظة الإحساس، والشعور، وبداعة التشكيل الفني؛ وقد قرنه الناقد المبدع علي جعفر العلاق بالتأمل، والانفعال، والهاجس، والرغبة والحنين، للتحقق التام في نسيج فني متماسك، يفيض بدم المعنى، وحرقة الشعور؛ وما ينبغي التأكيد عليه أن الهدف الجمالي في كل عمل فني هو خلق لذة، أو إثارة في المتلقي، إثر تلقيه للمنتج الفني؛ أياً كان جنسه، أو نوعه، أو موضوعه، وهنا، تتعدد سبل الفن، تبعاً للتقنيات، والمؤثرات الجمالية التي يحددها المنتج الفني ذاته في هدفه الفني ورؤيته الإبداعية كما حددها المبدع لحظة البدء، أو لحظة التشكيل الفني للمنتج الإبداعي.

ولهذا يأتي تفنن المبدع بالمادة الأولية بين يديه، ليشكلها تبعاً لزفراته، ومشاعره التي تدفعه لا شعورياً إلى اختيار الشكل المناسب للدفقة الشعورية الصاعدة الملتهبة في حناياه؛ بمنحاها الجمالي وتركيزها الإيحائي المكثف، يقول الشاعر حميد سعيد: " ليس من كتابة إبداعية من دون لغة مبدعة، وليس من مبدع حقيقي إلا وكان له ما يميزه في لغته، إن معجم أية لغة من اللغات الحية هو معجم واحد، حتى في تطوره وما ينضاف إليه، ولكن معاجم المبدعين في اللغة الواحدة، والمرحلة الزمنية الواحدة ليست واحدة، فمعجم صلاح عبد الصبور مثلاً هو غير معجم خليل حاوي، ومعجم يوسف إدريس هو غير معجم عبد السلام العجيلي . وما يصح على المعجم واللغة يصح على البنى اللغوية والإيقاعية.

... أما أنا، فلا أتمرد على اللغة، بل أحاول أن أفيد من ثمارها العظيمة، وما تختزن من طاقات للوصول إلى جغرافية القول وقدرته على استيعاب الوعي. إن اللغة تتشكل من خلال الوعي، وحين تتشكل بعيداً عنه، تتحول إلى نوع من اللعب الساذج، والاندياحات الفارغة، وهذا ما تعاني منه كتابات كثيرة شعرية وسردية، مما لم تعد تشكل وعياً، ولا تثير أسئلة، ولا تلقي قراءً، أو نقاداً" (87) .

وبهذا التصور، فإن ثمة وعياً لدى المبدع في عملية تشكيل منتوجه الإبداعي؛ يقوده في ذلك الوقع الشعوري، الذي يتشكل بوعي جمالي، أو هدف جمالي يحول المنتج إلى طاقة إبداعية خلاقة، والشاعر- المتميز حسب (فاليري) هو الذي " يعي الهدف الجمالي من خطواته النصية" (88) .

وثمة نقاد جماليون فهموا الهدف الجمالي في المنتج الشعري هو اعتماد التجسيد كركيزة فنية في تقريب الأشياء، وتوحيد المدارك الحسية، بين الحواس، وذلك بالتراسل بين الحواس، يقول " ماكس جاكوب": "جسدوا. والتجسيد –هنا- معناه أن تضع صوتك في البطن، والفكرة في البطن، وأن تتحدث عن الجميل السامي بالصوت الصادر من البطن" (89) .

وفهم بعضهم أن الهدف الجمالي من المنتج الشعري (القصيدة الشعرية) هو التوحيد بين الحسي والمعنوي" و" الروحي/ والجسدي" إذ يقول (كوديل): " إن جمال القصيدة يأتي بنسبة كبيرة من أن وزنها يتفق وأوزاننا الحيوية، أي أنه يتفق والشهيق والزفير وضربات القلب، ووقع الأقدام عند السير، والمعجزة الشعرية- من وجهة النظر هذه هي الاتحاد بين الروح والجسد، أي بين الفيزيولوجيا والتصوف" (90)

وبهذا الوعي والإدراك التقني تحقق المقامرة الجمالية لدى المبدع قيمتها، حين تأتي في المنتج الجمالي ذات هدف فني دقيق تستثير القارئ، وتجذبه إلى دائرة إبداعه، ومكمن خصوبته الجمالية، لأن المنتج الفني الإبداعي المثير لا بد وأن ينطوي على هدف جمالي محدد، ورؤيا فاحصة في ماهية الكون والحياة، تدفعه إلى الوعي بالهدف المنشود، وطريقة التعبير عنه بشكل جمالي . وتبعاً لهذا، تتحدد قيمة المقامرة الجمالية بقيمة المنتج الجمالي؛ ومدى حيازته على كم وفير من المعايير والقيم الجمالية التي ترفع سوية المنتج الفني، وترتقي به فنياً.

ومن يدقق- في قصائد بشرى البستاني- يدرك أن الهدف الجمالي يعد محور ارتكازها الجمالي، ومركز ثقلها الفني، فهي تحتفي بالدلالات والرؤى الصوفية، والمثيرات الجمالية الأخرى، والتقنيات الجمالية التي تصب في خانة الرؤيا وفوعلها المؤثرة التي ترتبط مباشرة بالموقف والحالة الشعرية ولحظتها المحركة للقصيدة، رؤية ودلالة، ووفق هذا التصور، فإن ما يثير القشعريرة الجمالية في قصائدها الرؤيا الجمالية والهدف الجمالي الذي ترومه من هذا الشكل الفني، أو ذاك، وتبعاً لهذا تختلف مظاهر الخصوبة والإبداع في قصائدها باختلاف الشكل النصي لكل قصيدة، ومحفزات الرؤيا ومثيراتها ضمن الإطار النصي، وهذا يعني أن الهدف الجمالي هو نقطة بناء القصيدة ولب مسعاها الإبداعي، لاسيما عندما يتم التركيز على محور ثقل القصيدة، وهو إبراز عنصر الجمال في هذا الشكل الإبداعي، أو ذاك ؛وللتدليل على ذلك نأخذ قول الشاعرة:

"في هاتفك الصباحيِّ ينقشع الغمام عن بيتي

وتشرقُ في الجدران موجة.

في هاتفك الصباحيِّ تنهض اللحظة سربَ مُنى

وتقول، أمسكي أجنحتي

فما سواي باطل

تتبسم الأرائك حولي، ويعلو النغم" (91) .

لابد من الإشارة- بداية – إلى أن محور الرؤيا الجمالية الهدف الجمالي الذي يرومه الشاعر من جراء اختيار شكل أسلوبي دون آخر، والهدف الجمالي هو- غالباً- مايصب في جوهر الرؤيا ومسارها التعبيري، وهاهنا اعتمدت الشاعرة بشرى البستاني الشكل الجمالي هدفاً في تكثيف الرؤيا الصوفية، وتعضيد شعرية الصور، وفاعليتها ضمن النسق، مما يدل على حرفنة في اختيار النسق الجمالي البليغ لإصابة الرؤيا في الصميم، وهذا ما أثارته الشاعرة في الأنساق التالية: [ تشرق في الجدران موجة= في هاتفك الصباحي تنهض اللحظة سرب منى= تبتسم الأرائك حولي = يعلو النغم]، أي أن شعرية الرؤيا جاءت نتيجة الهدف الجمالي الذي أثارته الشاعرة من جراء اختيار هذه الصور، لإبراز ملمحها الجمالي، ونبضها الصوفي، وحراكها الفاعل للتعبير عن توق الحالة الصوفية، واكتنازها بالرؤى والدلالات المفتوحة، مما يدل على شعرية بالغة الاستثارة والتأثير، تصب جلها في مسار الرؤيا الصوفية، لاسيما باعتماد التشخيص لتحريك الدلالات، وتبيان اعتمارها في نسق الصور، دلالة على ما يجول في نفس الشاعرة من دلالات وأحاسيس محمومة لم تجد إلا الصور الملتهبة صوفياً في التعبير عنها، على شاكلة قولها:

في صوتك أترقب انثيال الغيث

وأسمع همس غصون تلفُّ عمري

في صوتك أبصر شجر الأرجوان قادما نحوي

فترفعني متاهة الجمال وأضيع.

في صوتك ينفتح بابٌ سريٌّ أخاف اقتحامه

لكنك علمتني أن الحقيقة ليست هديةَ سماء

بل سراً نسعى لاصطياده

كلما وجدناه، انفلت وغاب بعيدا" (92) .

بادئ ذي بدء، نقول: إن الهدف الجمالي قد لا يظهر للقارئ – بدقة- لاسيما عندما يغرق الشاعر في رؤيته، ويلفها بالغموض، أو التشظي الدلالي، مما يفقد الدلالات انسجامها والرؤيا الشعرية بلاغتها، ولذة تلقيها الجمالي الفاعل، أما الشاعرة فقد استطاعت أن ترفع سوية الأنساق جمالياً من خلال الوعي الجمالي في التشكيل، وإدراك الهدف الجمالي من جراء اختيار هذا النسق التصويري، أو ذاك، مما يدل على بلاغة في اصطياد المعاني المؤثرة، والأنساق المحمومة بدلالاتها عن الحالة الصوفية بكامل توترها واحتراقها وتنوع دلالاتها ضمن النسق الشعري، كما في الأنساق التالية: [في صوتك أترقب انثيال الغيث=في صوتك أبصر شجر الأرجوان قادماً نحوي= في صوتك ينفتح بابٌ سري]، فالشاعرة تدرك أن الهدف الجمالي المركب هو الذي يرتقي بالرؤيا الشعرية محققاً بلاغتها ومكمن إثارتها الجمالية.

واللافت أن الشاعر ة تختار النسق المؤثر بلاغياً وجمالياً في إيصال الرؤيا ليكون الهدف الجمالي نقطة تمفصل الرؤيا الشعرية ومحرقها في بث مشاعرها الصاخبة بإحساس ووعي جمالي عالي الإثارة والتركيز، كما في قولها:

"قلت لك هذه اللحظات حريرٌ له بريق

فروٌأبيض فلنمسك برياشه

قلتُ لك ... هذه اللحظات ممهورة بالحرية،

بلا اسم ولا عنوان،

بحنوٍّ تفتح عُبابها..

بلا ابوابٍ ولا نوافذ

فلندحرج أمنياتنا عبر أقواس غوايتها

ولنمنحها مواعيد أعمارنا...لندخلَ آمنين" (93) .

لاشك في أن الشعرية في لعبتها المعاصرة تضع الجمال أو الهدف الجمالي في أوج اهتماماتها، فلاقيمة لأي نسق لغوي لايؤدي وظيفة جمالية أو قيمة فنية في هذا النسق اللغوي أو ذاك، وهذا ما أدركته الشاعرة في هدفها الجمالي، لتنويع الدلالات، وإنتاجها ببلاغة وقوة تأثيرية عالية ترومها في اختيارها لشكل أسلوبي دون آخر، وهاهنا، لجأت الشاعرة إلى تكثيف الدلالات عبر الأنساق المراوغة التي ترمي من خلالها إبراز متغيرها الجمالي، والتعبير عن الحالة الصوفية بكامل احتراقها وإحساسها لمفعم حساسية ورقة ودلالة، على شاكلة قولها: [ "قلت لك هذه اللحظات حريرٌ له بريق

فروٌأبيض فلنمسك برياشه /قلتُ لك ... هذه اللحظات ممهورة بالحرية]؛ فالشاعرة تبحث عن ملاذها الروحي، عن عالمها الروحي الذي تنفي فيه جميع مظاهر السلب والقهر والاستلاب، فلم تجد إلا بوابة المطلق، للخروج من ضيق الواقع المأزوم المؤلم الذي تعيشه في عالمها المريع، وهذا البحث جعلها تغرق في توصيف الحالة بأبعادها الشعورية عبر النسق الجمالي الفاعل الذي أثارته في هذا الشكل أو ذاك، وهذا يعني أن بلاغة الرؤيا الصوفية، منتوج هدفها الجمالي الذي ترومه في اختيارها لنسق دون آخر بحرفنة جمالية عالية الإيحاء والفاعلية والتركيز.

8- القيمة أو المعيار الجمالي:

لاشك في أن القيمة أو المعيار الجمالي هي من المؤشرات الدالة على فاعلية الرؤيا الجمالية، هذه الرؤيا التي تتنوع بتنوع المعطيات الجمالية التي تنطوي عليها الفنون الجمالية، لاسيما فن الشعر، هذا الفن اللامتناهي بتقنياته ومؤثراته الجمالية التي تزداد إثارتها باختلاف النتاجات وتنوع الرؤى، والأساليب التشكيلية، ووفق هذا التصور، فإن يؤكد أهمية الرؤيا المعيار الجمالي الذي وصلت إليه والقيمة الجمالية التي استحوذت عليها، والمسار الرؤيوي والجمالي الذي استحوذته، وهذا يدلنا على أن المرجعية الجمالية هي التي ترتكز عليها التجربة الإبداعية في إيصال مقصودها ومؤثرها الجمالي. ولا نبالغ في قولنا:

إن معيار نجاح أي عمل فني جمالي يقاس بمدى الجودة، أو الثمرة الإبداعية التي وصل إليها، ومن هذا المنطلق، تتحدد القيمة الجمالية، تبعاً لمستوى تحفيز هذه القيمة للمتلقي، ومدى استقطابها إليه، وتنميتها لخبراته، وقيمه، ومعارفه الجمالية. ولهذا، فإن الرائز الجمالي في الحكم على قيمة المنتج الفني يتمثل في القيمة التي حققتها المقامرة الجمالية، في المنتج الفني، وتتحدد بالمستوى الجمالي العام الذي وصلت إليه، ومدى الآفاق والقيم الجمالية المبتكرة التي تولدت في المنتج الإبداعي؛ وشكلت قيمته الفنية العليا، يقول جان برتليمي فيما أسماه بالرؤية الفنانة، أو المخيلة الفنانة: " المخيلة الفنانة لا توجد في الشوارع، بل هي في حاجة إلى روح جمالية، وعين مدربة. وكم من المرات يعتقد الإنسان أنه يحب الفن، وهو في الحقيقة يبحث عن شيء آخر غيره. إن أولئك الذين يفعلون هذا عميان بالنسبة لفن التصوير" (94) .فالفن الإبداعي الحقيقي هو فن جمالي بامتياز، أما كيفية روزه جمالياً، فتقاس بدرجة العنصر، أو القيمة الجديدة المتولدة فيه، ومقدار فاعلية اللمسات الجمالية التي أضفت على المنتج الفني مصدر جاذبيته، ولقطته الجمالية المشعة؛ وهذا ما جعل (بودلير) يتحدث في المنتج الفني عن" اللمسة الروحية الشفافة أو البراقة التي يضفيها الفنان في موضعها المناسب؛ فلها وحدها القيمة الفخمة في تحفيز الفن" (95) . وإن هذه اللمسة الفنية، أو الجمالية أحياناً هي التي ترفع من سوية القيمة الجمالية للمنتج، وترفع –من ثم – مستوى فاعلية مقامرته الجمالية بهذه النوسة الفنية، أو اللمسة الجديدة الفنانة التي ترفع سويته، وتزيده إتقاناً، واستثارة، وشاعرية؛ فالشاعر –أحياناً- يعمد إلى لعبة الأضداد، لاستثارة اللمسة الفنية الجذابة في القصيدة؛ لتفتيق الحراك الجدلي الشعوري في قرارة الذات الشاعرة، وعكسه على متنفسها الإبداعي عبر الجدل الذي تولده القصيدة، وبهذا المقترب يقول الشاعر حميد سعيد: " إن التنافر والتضاد وسيلة للوصول إلى عمق صورة الواقع، التي يشارك الإبداع في اكتشافها، ويشارك في رسم النقيض لها في آن. إن العزف على إيقاع التضاد يمنح النص طاقة جمالية على صعيد البنية الشعرية بكل مفرداتها، بل في كل مكوناتها" (96) .وهذا الرأي لدليل أن للشاعر لمساته الفنية التي تقوم على عملية جذب، واستثارة للمتلقي بالقيمة الجمالية التي يرغبها، لتفجر مخزونه الانفعالي، ونبضه الجمالي؛ وسبق أن قلنا إن من واجب كل فن إبداعي أن يمتلك منزلقاته الفنية، أو لمساته الفنية التي تفاجئ القارئ، وتستثيره لتحثث هذه اللمسات؛ التي بها يتميز مبدع عن آخر؛ وفنان عن فنان آخر، وإني أؤكد مقولتي الآن: إن الشعور الجمالي فن لا يقل فناً عن فن صناعة المنتج ذاته، ما دام لديك القدرة على ترجمة هذا المخزون الجمالي، وإدراك أبعاده، ومسبباته، ومجموعة المؤثرات، والقيم الجمالية التي فجرته حتى آل إلى ما آل إليه من المهارة، والفاعلية، والإتقان. فالإحساس الجمالي والوعي الجمالي كلها قيم فنية لا غنى عنها في تحثث قيمة المنتج الفني، وكشف خباياه، وقيمه الجوهرية، والجمالية (الظاهرة/ والخفية) التي شكلت قيمته، ورفعت مستواه، ولهذا يرى الشاعر السوري نذير العظمة وهو من رواد الحداثة الشعرية، أن " القصيدة ليست وشماً في الهواء، إنها وشم ينبع من الداخل، ويأخذ شكله من دم القلب واختلاجات النفس الشاعرة التي تشرش في اللغة، وتأخذ مصدر جمالها من الخبرة الجمالية والوعي الجمالي، ولهذا فالشعر الغامض لايؤدي مصدر جماليته إذا كان طلسماً لا ينفذ، أما إذا كان شعراً فإنه يبحر كالسفينة في وجدان القارئ، والمفتعلون الإبهام الشعري، ليأسروا القارئ كصفة أحادية هم أشبه بكهان الجاهلية الذين كانوا يفتعلون الصور الغريبة والسجعات اللامعنى لها، ليأسروا الجمهور، لكن نتاجهم سقط أمام عبقرية الشعراء الأصليين. وهناك القصيدة الواضحة الغموض كما أن هناك القصيدة الغامضة الغموض لكنها قبل كل شيء قصيدة؛ حين يخسر الشعر هوية القصيدة؛ لا يعوضه عنها إبهام، ويرده غموض" (97) .

ولهذا، فإن ما يبحث عنه المبدع في جوهر منتوجه الفني هو روح الجمال وجوهره البراق، ولا يمكن أن ننكر أن جميع الفنون على الإطلاق تتضمن قيماً جمالياً ومعايير جمالية إبداعية خاصة بها، لكن كل بالقدر الذي يضمن له أسه الفني، وقدراته الإبداعية الخاصة على التأصيل كمنتج إبداعي أو فني يملك خاصيته الفنية؛ وهنا يأتي السؤال المهم أو البارز: ما هو الرائز الجمالي في تمايز منتج فني عن آخر في فن من الفنون؟ وهل كثرة القيم الجمالية دليل تفاضل لاستعلاء الفن عن فن آخر؟!

أقول بدقة: إن المنتج الإبداعي يخلد لا بكثرة قيمه الجمالية، وإنما باستعلاء هذه القيم، وبكارتها وجدتها، عن غيرها من القيم الأخرى. ولا أجافي الحقيقة كثيراً إذا قلت: إن الكثير من القيم الجمالية تفقد جماليتها بتكرارها، وتقادمها بين النصوص، وبمقدار استفزازي إزاء فن من الفنون، باستعلاء قيمه الجمالية يستفزني النص إلى تتبع قيمه الجمالية، ومن ثم يغريني إلى محاكاته وتمثله إبداعياً، وهذا يعني بمقدار الدهشة التي يولدها في نفسي هذا الفن، أو ذاك، أتلقى المنتج الفني، وأتفاعل معه بحرص واهتمام، وهذا هو الرائز الجمالي في الحكم على قيمة أي منتج فني من الفنون، وقد وضع أدونيس معياره الفني أو مقياسه الجمالي كناقد الأدبي للكشف عن قيمة المبدع وقيمة إنتاجه، إذ يقول: " ينبغي على القارئ/ الناقد، إذن، أن يواجه في تقييم شاعرنا: ثلاث مستويات: مستوى النظرة، أو الرؤيا، مستوى بنية التعبير، مستوى اللغة الشعرية" (98) . وعلى الرغم من أهمية إحساسه الإبداعي الرائز، لكن لا يمكن الاعتداد به كمعيار جمالي، للحكم على منتج الفنون جميعها فلكل فن رائزه الخاص، ومقياسه الجمالي؛ لأن الجمال ليس شكلاً، وإنما هو دفق من الإحساس والاحتراق الشعوري، والقلق الوجودي، وبمقدار كثافة المثير العاطفي تختلف القيم والمؤثرات الجمالية في التشكيل والخلق الإبداعي؛ وبهذا المقترب يقول الشاعر عبد الكريم الناعم: " الإبداع يمتاح مفرداته من محيطه، فيأخذ ما يتناسب معه، فيصقله، أو يختاره مصقولاً، أو قد يبقيه كما هو، لمناسبة نظرته. ......الإبداع يمتاح من تلك الفضاءات، ويعيد للواقع بعض ما أخذه شعراً، تتلقفه الآذان، أو العيون مصوغاً بفرادة طبيعته الخاصة، فهو بحكم روحانيته، ليس مغلقاً، ولا أنانياً، بل تكمن بهجته في ذلك التواصل الحميم بين أقمار الشعر، ونجوم التلقي الذي يثير الكثير من رقص غبار الطلع" (99).

وبهذا التصور الجمالي، تزداد القيمة الجمالية للمنتج الفني بما يثيره من حساسية في تلقيه، خاصة حين تلفحه روح المبدع الحساسة التي ترتقي بالواقعي إلى مستوى الخيالي، وتجسده بقالب جمالي محسوس، يستثير اللذة والبهجة والتواصل الحميم بين نبض الشاعر الداخلي، والشكل الجمالي الخاص الذي يتخذه المنتج في شكله النهائي أو تحققه الفني النهائي.

وبتقديرنا: إن القيمة أو المعيار الجمالي- في قصائد بشرى البستاني- تظهر بجلاء في قصائدها الوجدية التي تظهر فواعل الرؤيا الشعرية بمؤثراتها، ومصادرها الجمالية كافة؛ مايدل على حرفنة بالغة الاستثارة والتحفيز الجمالي؛ لاسيما على مستوى الأنساق اللغوية المبتكرة، والصور المركبة المتداخلة، والتناصات المتفاعلة في نسيج قصائدها مع البنى اللغوية والدلالية، وكأنها جزءاً لا يتجزأ من صيرورتها الدلالية المكثفة؛ وهذا يعني أن مؤثراتها الدلالية حافلة بالرؤى، والمثيرات الجمالية، وهذا ما يضمن تفعيلها للأحداث الشعرية على اختلاف تمظهراتها النصية، ومستوى تعبيرها اللغوي، وحساسية الرؤيا الجمالية التي تظهر في هذا النسق اللغوي أو ذاك، مما يدل على بلاغة في المستوى الرؤيوي والجمالي لهذه القصائد.وأبرز ما ندلل على فاعلية الصورة كقيمة أو كمعيار جمالي قولها في هذا المقتطف الشعري التالي:

"لخيوط الضوء في عينيك كنت ارفع منديلي

وللأغاني الحزينة الملتفة بعباءة المحن..

للسرابات الغائمة في الصحارى المقفلة

وفي مقارعة موج الخطايا.

إذ كنا نتعلمُ.. أن الأمل في مغادرة هذه المكيدةْ.

وألا خلاصَ في مصالحة هذه اللغة الضيقة" (100) .

لابد من الإشارة إلى أن القيمة الجمالية تتأتى في قصائد بشرى البستاني من فواعل الرؤيا المحفزة للقارئ، والمحركة للنسق الشعري؛ وهي مكثفة بالقيمة الجمالية التي ترفع وتيرة النسق الشعري، فالشاعرة تبدو في أوج إحساسها الجمالي عندما ترسم الحدث الجمالي، وتستثير الحساسية الجمالية في رفض الواقع، وتأسيس واقع جديد، وما إحساسها الوجدي إلا دليل رفض لهذا الواقع، ونفياً له؛ وما قصائدها المشتعلة هيماناً، ووجداً إلا دليل ثورة، ومحاولة تطهير هذا الواقع، بعاطفة الوجد، والوله الصوفي، والتمسك بالمطلق، ومن خلال هذه الشاعر تبرز الصور كمعادل وجودي لإحساسها الصوفي الملتهب على شاكلة الصور التالية: [لخيوط الضوء في عينيك كنت ارفع منديلي/وللأغاني الحزينة الملتفة بعباءة المحن..]؛ وهذا يدلنا على أن الرؤيا الشعرية تزداد إثارتها بإدراك القيمة أو الجوهر الجمالي والرؤيوي الذي ترتكز عليه؛ مما يحقق لها التميز والتبئير الجمالي، على شاكلة قولها في هذا المقتطف الشعري:

"ارسمْ باللون الأصفر لأنه يطهرني من العتمة ْ،

وبالأخضر كي أتطهر من الموتْ،

وارسم بالرصاصي كذلك،

لأنه يؤمن بالمساواةْ" (101) .

لابد من الإشارة إلى أن لكل قصيدة أو مقطع شعري معياره الجمالي الذي يستند إليه، وهذا المعيار الجمالي هو الذي يحفز القصيدة، ويرفع وتيرتها الجمالية؛ إذ إن الشاعرة ترتقي بالحدث والمشهد الشعري الذي يحقق الفاعلية والدهشة الجمالية؛ فالشعرية تظهر في النسق الجمالي الموارب الذي اعتمدته الشاعرة عبر تكثيف الرؤيا؛ وتحميلها من الرؤى والدلالات، ما لا تحتمل، فهي تحاول مواجهة السلب بالإيجاب، ومحاربة الموت بالحياة، لإبراز وجه الحياة، ووجه الإشراق في الوجود، كما في النسق التالي: [ ارسمْ باللون الأصفر لأنه يطهرني من العتمة ْ، /وبالأخضر كي أتطهر من الموتْ، ]؛وهذا يدلنا على أن الشعرية الخلاقة التي ترتكز عليها بشرى البستاني هي اعتماد الوجه الموارب أو الوجه النقيض، في تعميق الرؤيا سواء بالإيجاب، أو السلب، وهذا ما يجعل من منتوج الرؤيا الجمالية ذات إشراق ووعي وخصوبة جمالية خلاقة في جل سياقات قصائدها إلا ماندر؛ بمعنى أن الركيزة الإبداعية التي تستند عليها ركيزة فنية، والمعيار الجمالي لديها معيار فني في تكثيف الرؤيا، وإبراز منتوجها الخلاق..

وما ينبغي الإشارة إليه أن شعرية الموقف، أو الحالة التي ترتكز عليها الشاعرة تتبدى في إثارتها الموقف العاطفي، وتعضيد الرؤيا بنقيضها ومؤثرها البليغ، وهذا ما يحسب لإيقاعها الجمالي، على شاكلة قولها:

"نعم.. هكذا.

دع خطوط اللوحة تراوغ عليْ...

ارسم شظايا الصواريخ في الليل براعم ْ،

وحوّل الطلقاتِ إلى عناقيد فرحْ...

احصد شجر الغواية ْ

وارسم في زوايا الليل أسرة آمنة ْ" (102) .

لا بد من التأكيد على ملحوظة دقيقة في قصائد بشرى البستاني هي أن شعرية الرؤيا- في قصائدها – تعتمد الاحتدام والاصطراع بين جانبين متناقضين، أو بين جانبين مصطرعين، جانب يمثله الواقع بكل ظروفه المؤلمة من اغتراب وتشريد، وفقر، واحتلال، وجانب إيجابي يمثله وجه الحب، ومواجده في إثارة الصور المشرقة التي تفيض بدلالات جديدة، كالدلالة على الإشراق، والحياة، لإبراز الإصرار وعمق المواجهة التي تملكها بشرى البستاني، مما يدل على شعرية خلاقة في إثارة المتخيلات الجمالية التي تعزز الموقف أو الحالة الصوفية بالمعنى المضاد أو الدلالة النقيضة، كما في قولها: [ ارسم شظايا الصواريخ في الليل براعم ْ، وحوّل الطلقاتِ إلى عناقيد فرحْ...]؛ وهذا يدلنا على أن شعرية الموقف أو الحالة في قصائدها تعتمد الجدل والاختلاف بالرؤى والمواقف النقيضة التي تباغت القارئ، وترفع الوتيرة الجمالية، في سياقات قصائدها لترقى أعلى مستويات الاستثارة والتحفيز.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول: إن فواعل الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- ترتكز على الجوهر أكثر من السطح، وتصل إلى باطن الأشياء أكثر من ظواهرها، مما يعني أن شعريتها شعرية العمق، بكل ما تتضمنه من رؤى، ودلالات، ومؤثرات خلاقة في القصيدة، فالبنية اللغوية التي ترتكز عليها هذه القصائد بنية استعارية تفيض بالمؤثرات الجمالية وفواعلها النشظة؛ لاسيما في الاستعارات، والصور الصوفية المتنوعة التي تحتفي بأنساق جمالية في هذا الشكل الأسلوبي، أو ذاك، مما يدل على رؤيا جمالية خلاقة في الأساليب الشعرية المعتمدة في قصائدها كافة، ولهذا، تبقى قصائدها مغرية في استثارتها للقارئ، نظراً إلى ما تتضمنه من رؤى، ودلالات غير معهودة في مثل هذا المنحى الأسلوبي (الصوفي) الذي يعتمد دينامية (المحو) ؛[ محو السلب لإحلال الجمال]، أو تحويل القبح إلى جمال، لتبني وجودها الممانع، ضد وحشية الواقع، وسطوة آلاته المدمرة في العراق وما حوله .وهذا يعني أن لهذه القصائد رسالة تريد بثها للقارئ، وهي نفي السلب والموت والحداد لإعلان الفرح والحياة من جديد، وهذا ما يحسب لتجربة الشاعرة بشرى البستاني في مثل هذه القصائد.

نتائج أخيرة:

1- إن فواعل الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- تتمحرق على الصور الصوفية الملتهبة، التي تتأسس على المعنى المضاعف، أو الدلالات المزدوجة التي تزعزع الرؤية القارة لدى القارئ، وتكشف عن مراوغتها، وصعوبة التقاطها، لاسيما في السياقات الصوفية المحمومة بالدلالات والإيحاءات المتتابعة.

2- إن من أبرز فواعل الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- الرشاقة الجمالية وإثارة الصدمات التشكيلية المراوغة التي تخفي دلالات كثيرة لا حصر لها، وهذا ما يمنحها التكثيف والفاعلية، والإيحاء.

 3- إن الدهشة الجمالية التي تثيرها قصائدها تخلق متغيرها الجمالي من خلال تنوع الأنساق، والرشاقة في الانتقال من هذا النسق الجمالي إلى آخر، وهذا ما يشير إلى أن منتوج رؤيتها يعتمد الحراك، والكثافة في الصور الصوفية، ورموزها الكثيفة التي تتعدد وتتنوع بكثافة عالية في نصوصها الشعرية كلها دون استثناء.

 4- إن فواعل الرؤيا الشعرية- في قصائد بشرى البستاني – تعتمد الحدث الشعري المكثف، وموحيات المشهد الصوفي المتنوع في حساسيته ورموزه، ورؤاه المختلفة، وهذا ما يجعل المشهد مؤثراً في إصابة المعنى، وتكثيف الدلالات البالغة الإيحاء، والشاعرية والتأثير.

5- تعتمد الشاعرة بشرى البستاني في تبئير الرؤيا الشعرية التركيب المزجي في النسق التصويري الواحد، للدلالة على الرؤيا الصوفية المركبة في قصائدها؛ وهذا يعني ولع الشاعرة في إنتاج الدلالات المضاعفة الجديدة، والمعنى المبطن.

6- تمتاز قصائد بشرى البستاني بالحدث العميق والرؤيا المكثفة للمشاهد والرؤى المتحركة أو المنزلقة في نسقها مما يدل على حرفنة جمالية بهذا الشكل أو ذاك، دلالة على الاستثارة والتركيب.

7- إن لقصائد بشرى البستاني قيمها المؤثرة في تحريك حساسية القارئ، من خلال دهشة الصور والاستعارات والفيوضات الوجدية التي تبثها في الأنساق بين الفينة والأخرى، مما يجعلها غاية في الرقة والحساسية والجمال.

8- إن من ركائز الرؤيا الشعرية – في قصائد بشرى البستاني- اعتمادها المواجهة، كشكل لغوي إبداعي يصب في مجرى الرؤيا، عبر محاربة السلب كوجه لنفي كل مظاهر السلب، في هذا العالم الوجودي المأزوم الذي يقود إلى هاوية الضياع، واليأس، والتشاؤم التي تنفر منه الشاعرة، وتؤثث لما هو جمالي دوماً، سواء على مستوى الشكل اللغوي، أم على مستوى الرؤيا، مما يدل على صخب، واصطراع داخلي على مستوى الرؤى، والدلالات، ومحفزاتها ضمن الصورة الواحدة، والنسق الشعري الواحد، دلالة على فاعلية جمالية في الصورة، ضمن طرفيها، فكيف ضمن أطرافها المتداخلة إذا كانت الصور مركبة من عدة صور، كما لاحظنا ذلك في سياقاتها الصوفية المحمومة بالرؤى الدلالات المتناقضة التي كنت خلا مواجهتها السلب بالإيجاب.

وبعد، فإن المثيرات الجمالية التي تؤسسها قصائد بشرى البستاني ترتكز على الصور اللاهبة بدلالاتها، وكثافتها، وحركتها الجمالية، مما يدل على شعرية بالغة التنوع، والمواربة، والاختلاف في رؤاها ومؤثراتها الجمالية، وهذا ما يحسب لها على الصعيد الإبداعي.

 

 

............................

هوامش

(86) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص 377.

 (87) المصدر نفسه، ص 298.

 (88) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 285.

 (89) المرجع نفسه، ص287.

 (90) المرجع نفسه، ص287.

 (91) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص301.

 (92) المصدر نفسه، ص301-302.

 (93) المصدر نفسه، ص255-256.

 (94) المرجع نفسه، ص243.

 (95) المرجع نفسه، ص246.

 (96) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 299.

 (97) المصدر نفسه، ص82.

 (98) أدونيس، 1980- مجلة مواقف، ع36، بيروت، ص 139. نقلاً من الحسين، قصي، 1998- تشظي السكون في العمل الفني، ص 201.

 (99) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 109.

 (100) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر، وتعالي، ص228.

 (101) المصدر نفسه، ص229

 (102) المصدر نفسه، ص229.

 

 

 

 

سأستهل هذا العرض أولا بتسجيل بعض الملاحظات - حول الرواية العربية التي اتخذت من الهجرة إلى الشمال موضوعا لها، - بما فيها الرواية المغربية - وهي ملاحظات تتكرر كثيرا حتى كادت تضحي من مميزات رواية الهجرة نحو الشمال

سأقف ثانيا عند رواية همس في آذان الرجال لصاحبتها لطيفة الرخاء شهام باعتبارها أستثناء وخروجا عن هذه القاعدة أركز على محوريها الجنوب /الشمال من خلال الرموز السردية التي مثلت كلا منهما أنتهي ثالثا وأخيرا إلى ملاحظات واستنتاجات

1- الملاحظات

يسجل قارئ الرواية العربية، التي تناولت موضوع الهجرة ـ منذ موسم الهجرة الى الشمال الطيب صالح مرورا بالحي اللاتيني لسهيل إدريس وانتهاء إلى مرايا "لمصطفى شعبان" ثم " الملاذ" لإدريس اليزيدي" من المغرب عدة ملاحظات حول التمثيل السردي للشخصية الجنوبية والشخصية الشمالية

1ـ إذ غالبا ما يجد الرمز السردي الممثل للذات الجنوبية مهاجرا من جنس ذكرٌ يهاجر بدافع طلب العلم أو تحسين المستوى الثقافي أو الاقتصادي فيرتاد آفاق الحرية ما أُحل منها وما حرمته ثقافته الجنوبية، كأن الحكم لا يسري مفعوله إلا في البيئة الجنوبية لتتغير الأحكام بتغير المكان وتؤازره في هذا التمثيل للذات رموز كثيرة، تظل في الجنوب غالبا ... وعلى رأسها المرأة التي تظل مستبعدة يواريها على الأنظار لا يذكرها إلا في نفسه على سبيل الاسترجاع عندما يشتد عليه أمر التحاور مع المراة الشمالية ويصعب عليه ممارسة هجومه على خوفه منها أو يصاب بالفشل في ذلك ....

في الوقت الذي دأبت (الرواية العربية)على اتخاذ جنس حواء رمزا سرديا للهوية الغربية/الشمالية والرمز الوحيد لها في أغلب الروايات. ومن ثمة يلاحظ أن الرمز التمثيلي للهوية الجنوبية يخوض غمار الصراع جنوب /شمال لإثبات الذات عن طريق ممارسته لعبته الأزلية المتمثلة في قمع خوفه من المرأة متخذا من فحولته وسيلة وكأنها خاصية أساسية للذات الجنوبية وجب الذود عنها : مصطفى سعيد كما ورد في رواية (موسم الهجرة الى الشمال) الطيب صالح، هاجر الى انجلترا غازيا، مدججا تستهدف صواريخه السفن الشقراء تخترقها وقد تحرقها. السارد في (الحي اللاتيني) لسهيل إدريس ينسى ابن خالته المنذورة له .. يدخل أرض الشمال لاهثا منذ أن وطئت قدماه باريس بل منذ أول ليلة خلف الجنس، وها هو ذا يحيى في (ملاذ) لإدريس اليزيدي يضرب بعلاقته العاطفية مع راوية عرض الحائط، وهو لا يزال في ألميريا بأرض اسبانيا يفكر في شقراء بلجيكية وسرعان ما يدخل في علاقة عاطفية بل جسدية مع كريستين التي تعرف عليها في أحد مقاهي أنفرس، لتحمل منه ... وصالح في مرايا لمصطفى شعبان يفسخ خطوبته ويلقي بالخاتم على لأرض؟ في الصفحة السابعة من الرواية نجده قد أوقع مريلان في شباكه

(والسؤال هو ما مشكلة الرمز السردي العربي للذات الجنوبية؟؟ أهي تلك العلاقة الأزلية بين الجنسين؟ أم علاقة أملتها وكرستها الثقافة الجنوبية بمختلف روافدها؟ وإذا صح ذلك هل انتهى من ممارسة لعبة التجهيل على المرأة الجنوبية حتى آمنت بأن لا حقوق لها في الحياة وأدت له مراسيم الولاء، فأضحت وسيلة وأداة، لا يأبه لها إلا عند الحاجة ويهملها بعد ذلك مهما كانت درجة قداسة العلاقة، واطمأن أنها لم تعد مصدر خوفه هاجر نحو الشمال ليستكمل فتوحاته ويحقق انتصاراته يخضع المرأة الشمالية ويأسرها في قمقم خوفه أ ما زال يؤمن بوأدها حتى على الورق؟ .

ـ الملاحظة الثانية: هو ما لم يلتفت إليه الرمز السردي للذات الجنوبية وهو يشكل صورة الرمز السردي للذات الشمالية من هفوة تتمثل في زاوية النظر التي ينظر من خلالها السارد (الرمز السردي الجنوبي) الجنوبي للمرأة الشمالية رمز الذات الشمالية ... فالصورة التي يرسمها لها هي ثمرة نسق ثقافي جنوبي تحكمه نظرة ترسخت على مدى أجيال لا عن طرق الممارسة اليومية فحسب بل عن طريق الموروث الثقافي من تشبع بالأمثال والحكايات والنظم والقص الذي صاغه الرجل نفسه لغرض سلب شخصية المرأة حتى ترسخ في الذاكرة نسق فكري له مكوناته الجنوبية الغائرة في الماضي، متوارية في أعماق النفس الجنوبية ولا شعورها وفي الآنا الجمعية، الشيء الذي ينتج صورة لرمز الذات الشمالية بألوان جنوبية محضة، وهي صورة تجانب الصواب، ولا تستجيب لتمثيل الهوية الشمالية (مريلان في مرايا رمز الذات الشمالية) ببساطة شديدة تقبل تتنازل مجانا أن تستبدل باسمها اسما عربيا مؤقتا لفترة عطلتها وذلك لمجرد إرضاء الوسط العائلي لصلاح في حين عندما تعلق الأمر بتسمية الوليد المرتقب وهو من صلب صلاح العربي أصابها الجنون وتعصبت للاسم الشمالي وهذه صورة لرمز الذات الشمالية مردودة، فهو بهذا الرسم يغفل لون حرية واستقلالية رمز الذات الشمالية وخاصة الاستقلالية المادية التي تفتقدها المرأة الجنوبية ويستغلها الرجل سلاحا فعالا لتحقيق انتصاره على خوفه منها)

ـ الملاحظة الثالثة. وعندما تتحاور الذات الشمالية مع الذات الجنوبية تكشف تدريجيا عن مكونات الشخصية الجنوبية عموما والركائز التي تقوم عليها وتستند إليها غالبا ما يمثلها الالتصاق بالماضي بما رث من أسماله، بغثها، وسمينها كما أن أغلب سلوكات الرمزالسردي الجنوبي في الفضاء الغربي لا تمت بصلة للشخصية الجنوبية الحقيقية إذ يمارس الزنى ويتعاطى الخمرة ويقامر بل يمارس ما تتبرأ منه الشخصية الجنوبية لتكتشف هشاشة واقع الشخصية الجنوبية والأمثلة من الروايات المذكورة كثيرة ...و تأسيسا عما سبق غالبا ما يسفر الحوار جنوب شمال عن تباعد وعدم تواصل وقد يؤدي الى العنف ( نتيجة لماضي يحيى كما عرفته كريستين كان الهجر رغم محاولات يحيى... ظل وضع صلاح وماريلان في مفترق الطرق وقد حصل هذا مع السارد في الحي اللاتيني لسهيل ادريس، وقنديل ام هاشم ليحيى حقي وغيرهم كثير )

هذه ثلاث ملاحظات تكاد تكون خصائص للرواية العربية المرتبطة بالهجرة إلى الشمال إلى درجة قد يُعتقد معها أنها خاصيات أجناسيةً داخل جنس الرواية العربية ككل، حتى إذا لفت انتباه القارئ عنوان رواية يوحي بالهجرة إلى الشمال تكونت لديه فكرة مسبقة أو لاح أفق انتظار يتحددٍ في مهاجر خرج للدراسة التقى بفتاة غربية عاشا قصة عاطفية ثمرتها وليد مع ميلاده تبدأ الاختلافات

******

إلا أن رواية "همسة في آذان الرجال" للروائية المغربية لطيفة الرخاء شهام ... خرجت عن تلك القاعدة فتلك الملاحظات التي قلنا عنها تكاد أن تصبح خصائص أجناسية اختفت أو كادت تختفي فالرمز السردي الأساسي للشخصية الجنوبية في هذه الرواية هو السارد نفسه لم يعد من جنس الرجل كما عهدناه من قبل بل أضحى من بنات حواء ... ترى كيف ستمثل الذات الجنوبية؟

ولدت (الرمز للتمثيلي للذات الجنوبية) بإحدى الواحات جنوب المغرب حيث قضت السنوات الأولى من طفولتها .... نقلت على مضض إلى باريس حيث عاشت ونمت وتعلمت وترعرعت ودرست ...، ورغم عدم الاستقرار النفسي نتيجة اقتلاعها من الواحة حيث خلفت جذور شخصيتها وإرغامها على الانخراط في حياة غريبة تفتقد فيه أدنى شروط التواصل ورغم الفوضى التي كانت تعم البيت نتيجة الخلاف بين والدها الحسين/الجنوب وزوجته جاكلين/الشمال وانقسام البيت فيما بعد إلى حلفين، ورغم الضغط الذي مارسته عليها جاكلين؛ حصدت ضفائرها التي طالما تعهدتها أمها هموشة وجدتها يزة بالحناء جزء من كيانها جزء من الشخصية الجنوبية .. بل راحت تلقي ملابسها المغربية أو التي اقتنيت بالذوق الجنوبي في القمامة بعشوائية وازدراء، بدعوى أنها لا تناسب البيئة الفرنسية لتجعل فاصلا بين عهدين ص 65 .... فرضت عليها جاكلين أسلوب الحياة الشمالية تجردها من شخصيتها الجنوبية ... وكلما عنّ لها الصراخ من داخل ضعفها، تذكرت وعدها لوالدها الذي وقع هدنة مع جاكلين من مقتضياتها تسليم أمر فاطنه لجاكلين حتى تروض وتقبل عضوا في العائلة...

فكيف رسمت الرواية صورة الشخصيتين الجنوبية والشمالية هل من زوايا مختلفة أم من نفس الزاوية أو بمعنى آخر هل اقتفت الساردة أثر السارد العربي في تقديم رموز الذات الشمالية بمنظار جنوبي أم أنها استطاعت أن ترصدها بعين العارف الخبير تتيح لها رسم الشخصية وفق شروط موضوعية ... وتبعا لذلك هل حافظت على الهوة وعدم التقارب بين الذاتين لتعلن الذات الجنوبية الانسحاب من طاولة الحوار عند مستوى معين، كما عهدنا من قبل؟ أم أن رسمها للذاتين من زواية مختلفة مكنها من الوصول إلى نتائج مختلفة؟

الذات الشمالية، لم تقتصر الرواية على نموذج واحد كرمز سردي بل حاولت الإحاطة بهذه الشخصية من خلال ثلاثة نماذج متكاملة : جاكلين/ الأم المربية – ابنتها/ نادية- وبيير / الصديق

جاكلين الفرنسية زوجة الحسين المهاجر المغربي ابن الواحة، أبو فاطنه، زواجها بالحسين من جهة وقبولها بالطفلة فاطنه تحت سقفها يوحي بوجود مبدأ تقبل الآخر لكن على أي أساس؟ يبدو من خلال نمو الحدث متمثلا في تجريد فاطنه من ضفائرها ولباسها وتعليمها أساليب الحياة الفرنسية ..وتعليمها القراءة والكتابة بلغة الشمال .. وإعادة تربيتها وفق مقتضيات الحياة الغربية كالجلوس الى الطاولة وإمساك الشوكة 68 كل هذا تحت أنظار الحسين وهو يصفق لكل تغيير، شخصيته ذائبة في شخصية جاكلين / السعي إلى تذويب الذات الجنوبية وإصهارها في بوثقة الذات الشمالية، (تحويل فاطنه إلى فاتي) إلا أنها لم تكن تعي ما الذي كانت تسديه للذات الجنوبية (فاطنه) من خدمة

هذه جاكي التي أصبحت من بعد،ــ وخاصة لما اشتد عود فاطنه وأصبحت مرجعا لجاكي نفسها وابنتها تنظر للحسين وفاتي ــ تنظر نظرة تعال تحط من قدر الإسلام والمسلمين تزهو بمسيحيتها ص 139 بل قسمت الغرفة غرفتين هجرت الحسين 140 وأولت كل اهتمامها لنادية ابنتها... زواجهما يحتضر يأخذ طريقه القانوني نحو المقبرة " عجيب كيف تعايشت المسيحية والإسلام تحت سقف واحد كل فترة الزواج،أصبحت جاكي تواضب على الذهاب للكنيسة كما أصبح بالحسين يصلي الاوقات الخمس ص146

كل من جاكي والحسين لم يكونا في مستوى الحوار وتقريب وجهات النظر

نادية ابنة جاكلين التي ظلت فاطنه تعتقدها أختا لها من أبيها الحسين، أقبلت على ممارسة حياتها بحرية تامة بعيدا عن كفالة الوالدين وعن كل وازع ديني أو أخلاقي وعن القيم الفاضلة المتعارف عليها،منذ مراهقتها أرخت العنان لنزواتها وراحت تسابق شهواتها بدعوى الحرية التي يكفلها لها القانون، فشلت في الدراسة سادت علاقتها بالعائلة تشنجات ص80 تمارس العداء والعنف اللفظي على فاتي، وأحيانا يحكم علاقتها بها مد وجزر حسب تقلب درجة الغيرة ... تخلت عن الدراسة بحجة ميولها للموسيقى فانخرطت في كوكبة ممارسي موسيقى الصخب على مسامع الثملة ..أدمنت الحشيش تدعي الانفلات من الواقع والتحليق في عالم روحاني بل أدمنت حقنات المخذرات، بعد عناء عثرت عليها فاتي أدخلت المصحة، ص95 بعد فترة التحقت بالشارع، تعود إلى الشارع ص98 لتعيش الضياع وتنخرط في جماعة الفرسان الجهنمية التي تعتبر أسس المجتمع قمامة بالية 105 وتحمل وتصاب بالسيدا107 ..

نلاحظ في هذه المرحلة وعند استنجاد نادية بفاتي أن الحرية الجامحة أحد مكونات الشخصية الشمالية عادت لتطلب النصح من الاتزان والتعقل والعلم المرصع بالذات الجنوبية، وبفضل التعامل الحضاري الراقي استطاع رمز الذات الجنوبية الحقة/فاطنه الإحاطة بموضوع الذات الشمالية الجامحة في الحريات ومساعدته على استتباب وضعه النفسي ...تستنجد ب/ فاتي لتخرجها من الحصار المفروض عليها من طرف الجماعة،إلى غاية إيصالها إلى مؤسسة تستقبل حاملي الفيروس، بل تتعهدها بالرعاية عن طريق الزيارات والسند المعنوي والنفسي

بيير: طالب فرنسي مجد، محيط بجميع مجالات المعرفة من عائلة عريقة ثرية، زميل فاتي في الدراسة، موسوعة متنقلة يحيط بأسباب المعرفة، يؤمن بالقيم النبيلة أنى كان مصدرها يسبقها بسنه يلتقيان في الحرم الجامعي يتحدثان في جميع صنوف المعرفة كان قدوة لفاتي تعلمت منه ومعه، رفقة بيير اكتشفت انها لا تعرف شيئا عن الأديان عموما وعن دينها الإسلام خصوصا ص91 فشعرت بالخواء الداخلي وهي بين حضارتين متناقضتين ص 92 أقبلت بنهم على البحث إلى أن أصبحت تناقش بيتر في مختلف جوانب الدين الإسلامي، وخاضا في موضوع الحجاب يعتز بصداقة فاتي التي تطورت لديه إلى حب عفيف طاهر، ظل يركض خلف حبها، بل طلب يدها للزواج وقد تمنعت لأسباب الاختلاف في الهوية وخاصة مكونها الديني،

الشخصية الجنوبية

الحسين رمز سردي لأحد مكونات الذات الجنوبية رسمتها الساردة من خلال ثلاث صور إحداها في الجنوب حيث يبدو ربَّ العائلة الماسك بجميع بزمام الآمور، صاحب الآمر والنهي والأب المستبد، لا تقف حريته إلا عند حدود آنا المجتمع أما الثانية فالتي ظهر عليها في الشمال هي الخضوع والاستسلام لسلطة الشخصية الباريسية يرضخ لجاكي، يذوب ملبيا رغبات زوجته يطمس الفوارق بينهما... كلما رغبت فاطنه في الحديث إليه يقول لها انظري مع جالكين حتى تبين لها أن الحسين باعها لجاكلين .. حتى ضاعت صورة فاطنة وحلت محلها فاتي ص69... أما الثالثة فمنذ بدأت الهوة تتسع بين بالحسين وجاكلين ...أصبحا غريبين تحت سقف واحد كل واحد يبحث عن هويته متخذا جميع الوسائل لتأكيدها ولإظهار معالمها .لقد أصبح لا ينطق الا بالعربية والأمازيغية وعلى جاكي تعلمهما فلا يهم هل تفهم أو لا تفهم .... شخصية نمت على شكل حلقة بدأت من تمثيل للذات الجنوبية ونمت لتستسلم للذات الشمالية ثم لا تلبث أن تعود لأصالتها ونظرا لوزن الذات الأصل استطاع أن يساهم في عودة فاطنه إلى فضائها الأصلي، حيث روح الأسرة والتحامها وتماسكها ومحافظتها على سلمها الإداري المنحدر عن النظام العشري سلطة الحسين رب العائلة وأوامره المطاعة رغم غيابه وسلطة الجدة المسير الفعلي للأسرة في غياب الحسين واستلام هشومة زوجة الحسين مقاليد القيادة بعد الجدة في غياب الحسين طبعا .ص 9 وما بعد .. وعودة هموشة إلى وضعها مع وفاة زوجة أحماد وعودة الحسين لاستلام سلطته الفعلية بعد ان مورست في غيلبه بالنيابه

ومن جهة أخرى تتمثل في المعتقدات البالية الناجمة عن الجهل المطبق المتوارث الذي يقيد كل الآفاق ولعل الرمز السردي الذي مثل هذا الجانب بشكل جلي العم احماد الذي ظل يحمل مسؤولية إنجاب الإناث لزوجته ويهددها ... ا حماد عالَم محدود بجغرافية القرية ومرعى القطيع والفضاء الذي يكنفه يمتهن الرعي الشيء الذي يوحي بآفاقه المعرفية رغم تردده على مسجد القرية في مرحلة كهولته، المعلمة العلمية الدينية ومجاورة الفقيه اعلم الناس بالقرية ومعلمهم أمور دينهم ودنياهم ظل على جهله وغيه أو بعبارة أخرى لم تستطع هذه المؤسسة استئصال جهله فزوجته وبناته بالنسبة له مجرد أطياف تمر أمامه ولا يراهن، ينزعج لسماع أصواتهن، ويثور،وتصيبه نوبات .. يأكلن متسترات لا حق لهن ص 185 في مشاركته الطعام ... علم عن طريق أخيه الحسين الذي حاول إقناعه أن الجنس ليس بإرادة الزوجين أو بالأحرى ليست الزوجة مسؤولة عنه .. .. اختفى من الواحة لمدة احتجاجا على هذا الواقع يرفض أن يزدان فراشه بصبية ويجن عندما سمع أن الرجل هو المسؤول عن جنس الجنين ...و لما علمت زوجته بحقيقة جنس حملها عن طريقه وإقدامه على تنفيذ وعيده ارتكبت جريمة الانتحار في حقها وجريمة الوأد في حق بناتها الأربعة جهلها بأمور الدين والدنيا،ص 227و 228، هذا أحد مكونات الشخصية الجنوبية وهذي النتائج المترتبة عنه إلى جانب وضعية الزوجة الجنوبية وقد رمز لها التمثيل السردي أيضا بهموشة التي لم تبد أي رد فعل تجاه زواجها الموقوف لمدة عشرين سنة،أمام هجرة وحيدتها إلى فرنسا مع عودة الحسين تستقبله في غرفتها على فرشتها بكل عفوية وكأنه لم يغب عنها لحظة وكاني بها لا تعرف شيئا عن علاقته بجاكلين .. ترضى بما يجود عليها ولما يهجرها تستأنس بذكراه ص 162 .... وإذا أضيف إلى كل هذا واقع الفتاة كما جاء على لسان أحماد، أن والدتها هي مدرستها تعلمها أمور حياتها من طبخ ومسح وحلب وصر ص 202 ...تراءت لنا صورة الذات الجنوبية كما تعكسها الرواية

ذكورية بامتياز، وترى الرواية أن العامل في هذا هو خوف الرجل من المرأة في الذاكرة الإنسانية 204 يدرك مدى حاجته إليها طفلا وزوجا وأبا ملتمسا رضاها وحنانها وفي كل هذه المراحل يعتم على خوفه بالهجوم، يتخذ لتحقيق ذلك استراتيجية محكمة ترسخت حتى أصبحت قناعة المرأة قبل الرجل ولذلك حرص على أن يبقي هذا العفريت في قمقم ويعمل جاهدا على مداراة ضعفه بكل ما أوتي من وسائل لينمي ويكرس إحساسها بحاجتها الدائمة والمستمرة إليه ... يعمق الفارق بينه وبينها أقنعها أنها مجلبة لعارٍ هو الأصل فيه يحرص على تجهيلها لا ترتاد غير مدرسته التي هو شيخها لإبقائها مريدا له ولعل اعتماد الرواية على الأمثال الشعبية بشكل لافت دليل على أن الظاهرة ظلت تترسخ جيلا بعد جيل " عز المرأة خيمتها " وهذا ما يفسر النظر الشزر الذي يوجهه أحماد إلى فاطنه وهي تتحدث إلى بيير عندما زارها بالواحة، فهي مجرد وليه فكيف تسمح لنفسها بذلك وهو أحد أوليائها ... ومن جهة أخرى حاجة المرأة عقلية صاغتها آلاف السنين

أما الشق لوضاء في الشخصية الجنوبية فمثلته الساردة الطفلة فاطنة ابنة الواحة جنوب المغرب التي أرغمت على غربة مزدوجة ترك والدتها وجدتها وقريتها والفضاء الذي رتعت فيه من جهة، والحلول ببيت غريب لم تلق منه ترحابا، في عالم ضيق تزاحم امتداد البصر فيه العمارات الشاهقة ...وجدت نفسها بين تلاطم حضارتين، تتقاسمها شخصيتان فاطنه المغربية وفاتي الفرنسية، وضع يفكك الهوية ويخرب الشخصية، ازدواج الشخصية مبعث اضطراب 97 فأخذت تبحث لنفسها عن مرجعية تعلمت العربية جدّت في البحث حتى أصبحت تجادل بيير الموسوعة المعرفية في أمور الدين وتقارع الحجة بالبرهان ص 93 أصبحت أكثر التصاقا بالذات ..عقب عودتها الى الواحة سألها بيير أعز الناس إلى قلبها هل قضت حياتها في التحصيل العلمي لتبقى في الواحة إلى جانب الأبقار والأغنام فلا مستقبل هنا والحياة لم تبرمج للرجوع إلى الوراء بل للتوجه دائما إلى الأمام وكان جوابها: أنا مع أبي أهلي وعشيرتي لا تنس هذا ص 164 .. والأمام ليس هناك فقط كما تعتقد فشهادتي تخولني للعمل هنا كما تخولني للعمل هناك ص 164 .. تبقى على اتصال بالحياة الشمالية عن طريق محادثة بيير والتواصل مع نادية ...

أضحت فاطنه/فاتي رمُز الذات الجنوبية في التمثيل السردي محورا وقطب الرحى ...كل مَن حولها من العائلة الشمالية في حاجة إليها، فيها المواساة وفيها العزاء فيها فلسفة الحياة تنير الطريق وتجلي العتمة حديثه فاتي مع كل من بيير وجاكلين ص 169 اعتراف الشخصية الشمالية بالذات الجنوبية المقنعة : نستمع لتعليق جاكي لم تضيق بنفسها ولا تعرف لها اتجاها وتجد الى جانبها فاتي : تبسيطك للأشياء يبعث الطمانينة في النفس، ويزود بالطاقة للإقبال على الحياة ..

في قبول فاطنه ملازمة والدها لها أنى رحلت بل في رغبتها في ذالك قناعة بالولاية اذ كان يقيم معها بالبيضاء وقلما يذهب لتفقد أحوال البلد يقضي معهم أسبوعا فيقفل راجعا حتى لا تظل وحيدة ص192 ..الاختلاط

...ناقشت مع بيير عزم والدها على اصطحابها للبلد رغم منطق الأشياء كما يرى بيير لم تخالف لوالدها امرا " طاعة الوالدين في الإسلام تأتي مباشرة بعد الإيمان بالله وطاعته وخصوصا البنت قبل أن تتزوج ص153 فالإسلام دين ودولة يقنن الحياة العامة والخاصة

استطاعت الهوية الجنوبية المؤسسة على العلم والمعرفة وعلى الإيمان الصادق أن تقنع الشخصية الشمالية بنضوجها أنها أهل لمعانقتها والإيمان بها والمزاوجة بين الجنوب والشمال ص 233 – 234 كيف استطاعت أن تؤالف بينهما وتبرز الحب والسلام أسمى ما يصبو إليه الإنسان –

ـ رسم صورة واضحة المعالم للشخصيتين معا بالنسبة للشمال

لم يعد رمز الذات الشمالية هو تلك المرأة التي يفوز بها المهاجر الرمز السردي للذات الجنوبية بسهولة " لكونه هو من رسمها وفق نسق ثقافي جنوبي بل، قصدت رواية " همسة في آذان الرجال" إلى تجاوز هذا الرمز واكتفت بحصره في مجال أحد مستويات الثمثيل السردي للذات الفرنسية في شخص جاكلين التي تزوجت المهاجر الحسين مع كل الاختلافات والفوارق فعاشا في فوضى عارمة وانهتيا الى الفراق،

لم تقف الرواية عند هذا المستوى من التمثيل للذات الشمالية بل راحت ترسم الرمز وفق نسق ثقافي شمالي متكامل ضم الإيمان بالحياة المؤسسة على الحريات الفردية والجماعية وحتى المغالى فيها إلى درجة الفوضى " تجربة ناديه" وصولا إلى رمز الشخصية الشمالية المؤسسة على العلم والمؤمنة بالاختلاف والمسلحة بالمعرفة والقيم الإنسانية والحب في أسمى معانيه من خلال شخص "بيير "

كما رسمت الصورة الحلم للذات الجنوبية والرمز الأساسي فتاة منحدرة من جنوب المغرب أرغمت على الاغتراب في الديار الفرنسية تسلحت بالعلم والمعرفة وتحلت بالصبر والاتزان وتفقهت في أمور دينها ودنياها لم تسمح لنفسها بالارتماء في أحضان الحياة الباريسية بل عاشت عفيفة طاهرة جادة مجدة خدومة نصوحا حتى استأثرت بقلوب من أكنوا ومن أظهروا لها العداوة والكراهية من قبل، واستطاعت أن تثبت أن الجنوب المكان لا يقل أهمية عن الشمال ولا الشخصية الجنوبية أدنى مستوى من الذات الشمالية بل أظهرت أنها أرقى من الشمالية وأسمى ولا أدل على ذالك من لهث بيير الرمز السردي الشمالي في البيضاء وفي الواحة خلف الرمز السردي الجنوني فاطنه

لعل الخطاب الموجه من ثنايا الرواية متعدد الجوانب منه :

ـ تصحيح مفهوم العلاقة العلاقة بين الشمال والجنوب فهي ليست علاقة تضاد وتنافر وسخط ونفور وعداء، بل كانت هي علاقة تكاملية أساسها الاحترام والتقدير ولا أدل على ذلك مما حدث مع الرمزين فاطنه وبيير وأن الحوار الهادف والبناء بين مختلف الذوات بمكوناتها المختلفة الدينية منها والحضارية والتواصل المؤسس على المعرفة والتسامح واحترام الأخر سبيل التعايش وتذويب الخلافات رغم الاختلاف

ــ تصحيح النظرة الجنوبية للذات الشمالية من خلال ضرورة رسم الذات الشمالية وفق نسق فكري شمالي بدل اعتماد الألوان الجنوبية والنسق الثقافي الجنوبي

ــ إعادة الاعتبار للمرأة الجنوبية " لولية "التي قضت حياتها تخلص الولاء للأب ثم للاخ بعد ثم للزوج ثم للابن بعده فأصبحت تدين لهم بالاحترام بدل الولاء، أعلنت استقلاليتها الشخصية وأثبتت ذاتها بقوة العقل والعمل

كل التقدير والاحترام للروائية التي عالجت موضوع الهجرة من زاوية أرقى وبطريق حضارية استطاعت أن ترفع الوأد بجميع أنواعه لا عن المرأة الجنوبية بل عن حواء كممثل للشخصية الجنوبية في الرواية العربية إذ لم تتعامل معها من منطلق الأنثى الراضخة لأرادة الرجل الجنوبي ..الذي ظل هاجس الخوف من المرأة يقض مضجعه وكرس تاريخه لطمس ملامح المرأة وضعها تحت رحمته وضيق عليها حتى ينمو ويترسخ لديها الإحساس أنها "ولية" عليها الولاء للاب والأخ والزوج وبعده للأبن

 

عيسى حموتي

 

 

اثارت هذه الرواية للشهيد (حسن مطلك) زوبعة وضجة عاصفة، في الوسط الثقافي والادبي، وتخللتها ردود افعال متنوعة، بالهزة العنيفة بأن ولادة هذه الرواية قلبت الموازين في العمل الروائي العراقي السائد، في تغييرات جوهرية في المتن الروائي عامة، في الاسلوبية البنائية والشكل المعماري، واعتبرت بأنها رواية جديدة غير تقليدية، في الخلق والابداع، في التجديد والابتكار والتحديث، في الادوات الروائية غير المسبوقة، واستخدامها نمط لغوي جديد، ينحى الى الثنائية، لغة ظاهرية، ولغة باطنية وهي جوهر العمل الروائي، في اسلوبها الرمزي، الذي يأخذ منحى التوميه المبطن، والتشويش والغموض، وبعثرة زبدة الحدث او الحكاية بشكل مراوغ ذكي، في عملية تقطعية هنا وهناك، بهدف التملص من مقص الرقيب، او من غضب السلطة الماحق والظالم، الذي لا يرحم حتى الحجر، هذا الاسلوب الفطن والذكي، انقذ روايته من الحجب،رغم الى الرقابة احتفظت بها لمدة عام وبعدها اجازتها، بذريعة رواية غرائبية .، ولكنها في حقيقة الامر رواية فكرية سياسية وفلسفية واجتماعية، تتناول حقبة مظلمة من تاريخ العراق، مغلفة في حكايات سريالية غرائبية، ولكن مضمونها الاساسي، يتناول هذه الحقبة السريالية، التي خيمت على العراق بشفرات رمزية مثل (القرية) وتعني العراق، انها رواية تستفز الذهن، من خلال المضمون المخفي والمبطن في الرمزية، واعتبرت رواية (دابادا) نقلة نوعية في ميلاد الرواية العراقية الجديدة، في تجديد اساليبها التقليدية، وبعض النقاد وضعها في مصاف الروايات العالمية، او بمستوى اهم انجازات الرواية العربية، في اسماء مؤلفيها، ذو شهرة واسعة وباع طويل في الانتاج الروائي . انها رواية انتقادية بكل المواصفات بالرمز المشفر، في تعرية الاوضاع السائدة، التي تتجه نحو السريالية، في محاصرة الانسان، ووضعه في قفص مغلق، مراقب على مدى 24 ساعة في اليوم، ويحصي حتى زفير تنفسه، بكل اشكال النخاسة الارهابية والفكرية، الى تخريب الانسان من الداخل، الى وضعه في محنة اخطبوطية، حتى يتجه الى مشرحة الموت البطيء، الى تدجين الضمير بالخراب العام، انها محاولة صرخة في الفراغ، من اجل الحرية والانعتاق، صرخة ضد الظلام السريالي . وقد قال عنها الناقد جبرا ابراهيم جبرا، بأنها (رواية غير عادية، فهي جديدة، وكاتبها شاب جريء) . وهذه القراءة النقدية، هي محاولة الكشف ما وراء السطور في المتن الروائي، المخفي في المضمون، انها محاولة فهم وفك شفراتها الرمزية، وفهم جوهرها التعبيري، المغلفة بحكايات غرائبية ملغزة، في اشكال سريالية غرائبية، هي محاولة تجميع جزئيات المقطعة في الرمزية متناثرة هنا وهناك، والمخفية باسلوب التوميه والتشويش، لذا فأنها محاولة ارجاع الشفرات الرمزية الى اصلها الواقعي، الى الواقعية الواقع، بأنها صدى وانعكاس له، انها وضع الامور في نصابها،، في جوهر المتن الروائي، الذي استغرقت من جهد الروائي الشهيد حسن مطلك . خمسة اعوام، لكي تكتمل بهذا الشكل النهائي المقدم الى القارئ، كما يقول اهرنبورغ  (ان الفنان يعرض الشيء الذي يثيره وتقلقه، ويثير معاصريه، واذا كان قادراً، على النظر الى اعماق القلب الانسان، وليس الى غلافه الخارجي، فهو يخلق فناً يساعد الناس في معاناتهم)، لذا فأنها عملية اكتشاف الرمز المبطن، الذي يكمن وراء هذه الحكايات، وليس تتبع مسارها الزمني، وهي ثلاث ايام واربعة ليالي، ولكنها في الحقيقة، تتناول حقبة زمنية من الاوضاع التي مرت على العراق لاكثر من عقدين من الزمان .

1 - الحكاية الاولى: اختفاء الاب (محمود) الغامض .

اختفى في البراري، بشكل غامض لمدة عشرين عاماً لا يعرف مصيره عند اهل القرية، بسبب ارنب مبقع اجبره على السير معه ، هذه الارانب المبقعة التي تفتك باهالي القرية، حتى لا يجد لهم اثر بعد ذلك بالضياع الكامل، لقد قاده الارنب مبقع الى (ارض مليئة بالارانب المبقعة) ص34 . زوجته (هاجر) فتشت عنه وطرقت كل الابواب، لكن دون ان تحصل على نتيجة لمدة عشرون عاماً، من العذاب والمعاناة تركها وحيدة مع طفلها (شاهين) وكان عمره آنذاك سبعة اعوام، ولكن اخيراً اخبرتها العرافة (وزة) وكما قالت الى ابنها (شاهين) وهو الان في عمر سبعة وعشرين عاماً، تقول له (ان وزة اخبرتني عن ابيك، قالت انه يتنفس لحد الان، غير انه لن يجيء الان) ص34 . ان رمزية الحدث او الحكاية مكشوف، في التعبير والرمز في (الارانب المبقعة) التي تملك السلطة الكاملة في تغييب المواطنين، في اختطافهم واعتقالهم وسجنهم في سراديب سرية، ألم يقصد الاجهزة الامنية في هذه التسمية الغريبة والسريالية (الارانب المبقعة) انها ادوات السلطة، التي تراقب المواطنين وتحصي انفاسهم .

2 - الحكاية الثانية: رمزية الكلب شرار

عواد: رسام باحث عن الشهرة والاضواء والمال، يشغل نفسه طوال الوقت في رسم كلبه شرار، في رسمه في اوضاع مختلفة، في بوزات وازياء متنوعة ومختلفة، يرتبط به بعلاقة بهيمية غريبة، حتى يصعد على قمة الاضواء والشهرة، ويقول عن الكلب شرار، بأنه هجين وغدار وشرس ومتهور، ويحب (أكل لحوم البط ولا يحب ثمر التين، رسمه، في اوضاع الجري والوثوب، واستبدل عينيه بزراري معطف مطري)ص 43 . لا اعتقد من يبحث عن المال الاضواء والشهرة، وابراز اسمه في العاصمة والاعلام، ويقضي في الانشغال المحموم، في رسم الكلب شرار. اعتقد انه من فصيلة اخرى تملك كل زمام الامور . من فصيلة آدمية وضعه القدر على رقاب العراقيين، في سريالية غرائبية، في رسم صورته في كل مكان وزاوية، و(عواد) يشعر ان اسم شرار مرعب ومخيف يجلب الخوف والقلق على مصيرحياته (وكلمة شرار، كأبرة طويلة الى حنجرته، ويهمس لايمكن احتماله) ص48 . ويهمس بالاعتراف عن كنة وماهية الكلب شرار (كل ذلك بسبب شخص معين . بسبب مجموعة اخطاء، لمجموعة اشخاص يتكرر وجودهم، ويترسب في خط بركاني ليعزله عن بعضه، بسبب اخرين يشبهونه، لكن احدهم لا يبالي ليلة سماع الصراخ، في اقصى القرية) ص 47 . الرمز واضح والقرية تعني العراق، وليس بحاجة الى توضيح اكثر، لانها جزء من سريالية الواقع العراقي بغرابته .

الحكاية الثالثة: رمزية موت عبد المجيد بسم الفئران

عبدالمجيد مختار القرية او رئيسها الفعلي، يموت بدس سم الفئران في طعامه من قبل (حلاب) ليكون المختار الجديد على القرية،وحلاب ذو شخصية متسلطة قاسية ومتجهمة بشراسة المرعبة والمخيفة (افسحوا الطريق لحلاب . جاء حلاب افسحوا الطريق . ابتعدوا ...) ص 111 . ويصبح البعبع المخيف في القرية، واسمه يجلب الرعب، بعد اغتصاب السلطة، وتغير الحال في القرية نحو الاسوأ بالتدهور الفظيع (اقول لكم: كان العالم طرياً في البدء، ولكنه هوى على رأس مثقب، بالاخص فوق فتحات الاسلحة) ص113 . هذا (حلاب) يسجل كل شاردة وواردة في مسك السلطة، بواسطة رجاله الاشداء المتزمتين في الغطرسة، هذه اللعنة التي اصابت القرية، وهي جزء من اللعنات من المؤامرات المتواصلة، في مذابح الاخوة البشر على العراق (سبعة وعشرون عاماً من المؤامرات، لاجل هذه اللحظة الذكية ويسقط . طعم الجحيم النقيقي، في اسفل الهاوية والساعة الاخيرة من العيش والذهول والرعب والمؤامرة مرة اخرى، حيث المذابح الصفراء، التي نادراً ما تصل الى درجة القتل - مذابح الاخوة البشر -) ص124 . ملامح الرمزية مكشوفة، رغم انها متناثرة هنا وهناك بالتقطيع شأن كل الحكايات الرمزية في سرياليتها، ولكن عملية تجميع هذه القطع المتناثرة، تعطينا الصورة الواضحة، لبعدها الرمزي . وهي ترجمة حقيقية لصراع الدموي على السلطة، او بالاصح اغتصاب السلطة بمؤامرات القتل، او مؤامرات دس سم الفئران في الطعام او في الشاي .

4 - الحكاية الرابعة: رمزية حمار قندس

حمار قندس، هو يرمز الى الاداة التنفيذية السلطوية، التي هي في قبضة (حلاب) المختار الجديد، او هو عنوان السلطة، ويحاول (شاهين) وهو بطل الرواية، ان يعلن عصيانه وتمرده على سلطة حلاب، الذي تسبب في اختفاء اباه (محمود) لمدة عشرين عاماً، ويكتشف سر اختفاء أباه محمود (يكشف مع نفسه مسؤولية حلاب في اختفاء محمود، لانها بقيت بالسرية التامة)ص181 . هذا (شاهين) الطفل اليتيم بعد اختفاء أباه لمدة عشرين عاماً، وعاش منعزلا ً وانطوائياً، غريباً عن الواقع، منزوياً في غرفته المظلمة مع امه (هاجر) لقد فشل كلياً في التكيف والتأقلم مع الواقع والناس . ويعتبر نفسه غريباً عالة على امه والناس، ويشعر بالكآبة والحزن (يحس انه حزين، ليس حزيناً بالضبط، وانما يريد ان يبكي، وهو يراقب صوت الفجر، المتسلل بين الاحطاب وقصب السقوف، والانطلاقة الاولى لعصافير العراق) ص173، ويتذمر من اخبار العالم المفجعة في نشرات الاخبار (زلازال . فيضانات . اخبار مجاعة السود . محدثات نزع السلاح النووي . عمليات الفدائيين العرب . جلسات مجلس الامن . ارهاب عالمي . مخدرات . فضائع سياسية . تجسس . جرائم . خطف . حروب . انقلابات . انحلال . اسلحة جديدة .... الخ) ص174 . ويتساءل (الى متى هذه الظلمة . . . انها عبارة عن محض صرخة في فراغ: دا - با ...... دا ..... بذلك كان الضحك، بعد محاولة الضحك دائماً . الضحك . الضحك . الضحك ..... الى ما لا نهاية) ص170 . جعلته يتوخى العلاقة مع الناس، لانه يعتبرها خاوية وجافة ومصلحية (اخلاق الناس بنظري، مرة مشيت مع صديق، واحد في المائة يعطي الصداقة حقها .... مصالح) ص164 . . لذلك من اجل الانعتاق من هذا الوضع المظلم والسريالي، قرر ان يقتل الحمار قندس، ليوجه طعنة قاتلة الى (حلاب) . واخذ المدية سلاح القتل وهجم على الحمار قندس بالطعنات (طعنة .... طعنة . طعنة ... ويهجم الالم لحظة رؤية الدم يغطي النمش) ص196 . ويهرب وهو يرى يديه ملطخة بالدماء، فيركض الى الشاطئ، لكنه بعد ذلك يقع في مفاجأة، بأنه لم يقتل الحمار قندس، وانما الحمار بخير لم يقتل لانه (استعملت المدية بشكل معكوس، لاني كفي ظل يؤلماني، والدم هو دمي أنا، لا دم الحمار) ص 210 .

5 - الحكاية الخامسة: رمزية اختفاء شاهين

بعد المحاولة الفاشلة، يشعر بالانهيار وان حياته انتهت بالخسارة والرعب، بأن حياته اصبحت على كف عفريت، ويختفي في ظروف غامضة عن الوجود، وتقلق امه (هاجر) لهذا الغياب المخيف، المشابه لغياب ابيه (محمود)، ويصبها الرعب والخوف، وتفتش عنه في كل مكان وتسأل الناس (الرايحين والقادمين: هل رأيتم شاهين ؟ هل رأيتم ولدي ؟ فيميلون عنها، معتقدين ان عدوى جنون العائلة، قد تسرب اليها، فصارت تركض من تل الى اخر، وتفتش الوديان والبيوت) ص193، لكن اخباره ضاعت واختفت، بالضبط مثل اخبار الروائي الشهيد حسن مطلك، ولكنه عرف فيما بعد، بأنه اعدم، بذريعة مشاركته في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد صدام حسين، وهو لم يبلغ عمره ثلاثين عاماً، في اوج عظمة ابداعه الادبي، وخاصة، انه رسام وشاعر وروائي قدير . نسأل المولى القدير ان يتغمد الراحل برحمته الواسعة، واسكنه فسيح جناته

 

× رواية (دابادا) الروائي الشهيد حسن مطلك

× اصدار: دار العربية للموسوعات

× الطبعة الاولى عام 1988

× 223 صفحة

 

جمعة عبد الله

 

 

لا مستور...

لا مستورَ بين طيّات الكلام

ابقُرْ بطن السّطرِ

ودع دمه يسيل على المجاز...

 

1.في بنية القول:

1.1

في هذا القول طلب مزدوج يتحقق بالجملتين الثانية والثالثة، وهو من حيث المنطق  نتيجة للقول الأول الذي يعتبر السبب والمبرر أو الضامن للوصل السببي بين القولين (الأول سببا والثاني والثالث نتيجة مزدوجة له)

1.2

يتقابل الخبر المنفي والطلب، ويتنزل الطلب منزلة الفعل المقتضى، بحكم انتفاء ما يمنعه، وهذا ما يجعله ممكنا أو واجبا وقوعه.

1.3

يخضع السلوك "اللغوي" المطلوب إلى قاعدة كونية أو موضع عام أو ما تعرضه الشاعرة كذلك. وهو ما يمكن أن يصاغ بحسب البنية التالية: "كلما انتفت ضوابط الطيّ، أمكن النشر.."

1.4

بنية القول الأول القائم مقام السبب أو المبرر أو الضامن للعبور، ثنائية يتفاعل فيها النفي والإثبات:

"لا مستورَ بين طيات الكلام"

وهو تقابل مدعوم معجميا (ستر/ طيّ) ومولد لتوتر دلالي حادّ (الستر وانتفاء الستر) ولا معنى للنفي دون رده إلى إثبات، إذ الأصل هو وجود "المستور"..وحين ينتفي جنسا، يصبح النفي ذاته مثارا لإشكال إدراكي يهمّ علاقة المتكلم بالعالم.

1.5

الكلام في القول الأول موسوم بسمتين تبدوان متنافرتين: انتفاء المستور والطيّ في طبقاته التي يشي بها جمع طيّة (طيّات)..

1.6

يأتي القول الثاني نتيجة دون رابط سببي ظاهر: (ف)ابقر بطن السطر..

وينتشر التقابل من خلال العلاقة بين الفعل ذي الدلالة الانتهاكية بل "الاغتيالية"(بقر) والمفعول وهو يتحول من معنى الاحتواء والامتلاء والحجب إلى معنى الانفتاح والانسياب والانكشاف..

1.7

وفي الجملة نرى المعوّل في بنية هذا القول على التقابل المعجمي الدلالي بين الستر والكشف وبين الاستبطان والاستظهار وبين الامتلاء والاستفراغ ، ويمكن أن نمد التقابل ليصبح بين الوجود (متعلقه المعنى) والانتفاء والانعدام (تعلّقا بموضوع المعنى بلا معنى ولا لغة..)

2.. في دلالة القول

2.1

لا مستور بين طيات الكلام

يتردد القول "السّبب" بين الخبرية والموضعية أي بين كونه خبرا أو إخبارا عن حال خاصة من أحوال العالم وموضعا أو وضعا "نظاميّا" يبرر به  ما يراد تبريره في مقامات تواصل محددة..

ويمكن أن نذهب في فهم القول إلى اعتباره "شعارا" أو طلبا في صيغة إثباتية يراد بها لا وصف حال بل إنشاء حال.. وفي ذلك ما فيه من التباس واشتباه وتردد للقول بين دلالات متباينة داخل كون دلالي غامض غموضا "طبيعيا"..

فالكلام، لسانيا، هو الوجه الفردي المنجَز للغة، في سياق تواصلي محكوم بقوانين متضافرة يتفاعل فيها اللساني والثقافي  والايديولوجي والنفسي والاجتماعي، لينشأ خطاب فردي يسمى "كلاما"..وما "طيات الكلام" إلا تلك الأبعاد والطبقات المشكلة له وهو يقال ليكون مطويا منطويا أي خفيّا غارقا مندفنا تحت طيات وطيات..فكيف لا يكون إلا مستورا؟؟

فأن يُنفى الستر، فهذا من معانيه أن لا يكون مستورا أصلا، وهوما يتنافى وطبيعة اللغة باعتبار أن ما وراءها أهم وأبلغ وأقرب إلى الحقيقة مما يظهر على سطحها ويتجلى في منطوقها، أو أن يراد للستر ألا يكون..وبهذا ندخل مجال الاختيار والإرادة، أي إرادة بناء خطاب شفّاف صريح جريء صادم فاضح كاشف مُعيّن لمراده الدلالي بلا تعريض ولا مواربة ولا مجاز..

ولئن بدا هذا التصور "سليما" في منطقه الخاص، فهو مستعص في منطق العلاقة بين الإنسان واللغة، غريب عن سيرورة التدلال في تعقيدها ورحلتها الضاربة في عمق الكهوف والمغاور الدلالية المفتوحة أبدا على أغوار أبعد وأعمق، بلا منتهى ولا مستقر، ولا معنى نهائيّ تطمئن له نفس الباحث عن المعنى..

ومهما تكن الإشكالات اللسانية والدلالية والفلسفية الحافّة بهذا القول، فهو ناطق برغبة أنطولوجية وتعلق بكينونة حرّة منعتقة من "قوانين" الدلالة ومستويات تشكّل المعنى.وتقترن هذه الرغبة بعزوف عن وضع تواصلي لغوي تليد متين منغرس في صميم التركيب الذهني الإنساني السجين داخل دائرة محكومة بقاعدة أن تقول شيئا وأنت تعني شيئا آخر قد تعلمه، وكثيرا ما لا تعلمه، لأنه منطو تحت طبقات وطبقات من اللاوعي و"الستر" المراد وغير المراد، فيحتال الخطاب ويتشكل وفق منطق معقد تتفاعل فيه إرادة البوح والاصطدام بموانع الكشف والاتكاء على "قواعد" المجاز والتعريض والترميز والإيحاء، في سيرورة متراوحة بين الإرادة واللاإرادة..

2.2

ولعل للقول بعدا آخر يتحدد ببنية المقام وتعيين المعنيّ بالقول باعتباره المنتج للمعنى والمؤوّل للكلام..وفي هذه العمليّة التأويلية ما فيها من اختلاف وتردد وتباين، فيتنزّل المؤولو ن منازل، بقدر ما يصيبون من المعنى، وما تبلغه معاولهم في حفرهم في سبيل بلوغ معين المعنى ونهاية الأرب، إمساكا بالقصد الخفيّ والمعنى الأبيّ والحقيقة المتوارية تحت طبقات التاريخ والثقافة والفنّ والقمع..

وبذلك يقول القائل ما يقول، ويبقى على المتلقّي أن يتحلى بالكفاءة المطلوبة كاشفا ما استتر وناشرا ما اختفى...وذاك هو القارئ المثالي أو الناقد كما ينبغي أن يكون..

2.3

وبناء على هذا المعطى المتين رغم التباس معانيه، يكتمل الخطاب في بنيته السببيّة، ليستوي قولا مثقلا بقوة إنشائية هائلة يراد بها أن يتحول الأثر من الاقتناع وانقياد النفس إلى العمل بمقتضى القول:

ابقُرْ بطن السطرِ

فينتشر المنطوق (الكلام) في المكتوب (السطر) وتتحدد العملية المطلوب إنجازها في كمالها الانتهاكيّ العنفيّ..وتتناسب عملية وعمليّة : الإبداع والقراءة أو النقد.وتقف الأولى عند الإنشاء وبناء المعنى وفق قواعد الكتابة تركيبا وتضمينا وتبطينا وإلغازا .ويكون على الثانية أن تكشف عن بناء المعنى وعن المعنى ذاته، فتهتك ما استتر وتكشف ما جاء متخفّيا، وتفرغ "البطن الملأى" ليرى العالم الحقيقة، أعظم حقيقة، حقيقة المعنى، حقيقة الإنسان..

2.4

وحين ينكشف المعنى، وهذا مشروع ورهين عمل ممكن في المستقبل، ينتفي المجاز باعتباره من إمكانات العبور إلى المعنى المراد، كما أقرّتها منظومة التعبير في مختلف مجالاته :

ودع دمه يسيل على المجاز

وتتكامل الصورتان (بقر البطن، سيلان الدم على المجاز) تكامل السبب والنتيجة (بقر سال) ليعلو المعنى على المجاز، وتنقلب العلاقة التراتبية، وبعد أن يحجب المجاز المعنى ويستره ويغمره ويجعله في حال امتلاء واحتواء داخل الكلام المنطوق أو المكتوب، يظهر هذا المعنى وينكشف صريحا جليّا كاملا كماله الأوّل..

2.5

ولم لا نقول إنّ المراد هنا هو قتل اللغة واغتيال المعنى باعتبارهما شيئا واحدا ووسيطا دلاليا بين المرء وموضوع رغبته، ولكن هذا الوسيط يتحول عائقا ومانعا لا خلاص منه إلا بالتحرر منه لبلوغ المرغوب ومعانقة المراد بلا وسائط ولا مجازات ولا لغة؟

وكذا قالت شاعرة أخرى في سياق قريب:

أحصيت جميع الكلمات

المنزاحة

عن كشف المعنى

كي أكشف كل مجازات

اللغة الأولى

كي أقرأ أسرارك

أكشف عن أيْني

أتجلى في الرحلة أيْنًا

فرأيتك في الصمت

فضاء

يمتد ليغتال المعنى

(بهيجة مصري إدلبي/سوريا)

 

الحبيب بالحاج سالم

 

 

للشعر والأنثى عطران يوضبان الإنسانية للحضارة المتسامحة، وكلاهما يتوزعان (خارطة الأثر) للشاعرة زينب خالد الفيلي .

لنتأكد من ذلك عبر آصرة التعميم والتنغيم في مجموعتيها (ما وراء القصيدة، و ما لم تقله المآذن).

شعرية التعميم والتنغيم شعرية

في التجارب الأُوَلِ للشعر الشبابي نادراً ما يتخلص الشعر من ظواهر (الذاتية المفرطة، التنغيم المسجع، التعميم المتنامي، إيقاعات التناص) . ومن المؤكد أنها أطراف أربعة تحتل أهمية خاصة في قصيدة النثر الحديثة، تحتاط للتقليدية بانماء الشعرية المجدِدة لنشاطي الذاتية والفطرية، على أنهما محفزتان للفعل الشعري ليصير ـ بالدربة المستمرة والتثقف الجاد ـ فاعلاً وجديداً وممتعاً .

لقد تضمنت مجموعتا الشاعرة إتجاهات لعروض مفتوحة على مستقبل التطور في الإجادة وتهذيب اللغة والموهبة .

أولاً: الذاتية المؤنثنة

قد تختلف الشاعرة قليلاً عن مثيلاتها من جانب الوعي بأهمية ووظيفة الشعر، إذ أنها تحول قضية الأنثى الى قضية تصيير للهم الإنساني الكبير الذي يخص قيمة ومعنى كرامة البشر، كأفراد ذوي كيانات مستقلة لها ما يرضيها ويسعدها، أو العكس ..

النص الآتي يحتفي بتلك المضامين فضلاً عن أشياء أُخر تعدُّ من فاتحات الأشياء من محبوسها السري الى مشروعيتها بالإعلان عن نفسها:

[هذبتها .. صقلتها

تلك القبلة

فأضفت سحراً الى عنقي

وبريق أحلام مُزِجَ ظمأً

فأوجدت منها إلاهاً أعبده ...

أُناجيه ..

رغماً عن صمت

يتسلق أكتاف رغبتي

حقاً ..

فهذه أنا

أنتحل شخصية عاشقة

نسجت بأهدابها جداول نهر من سعادة

يختبئ بين هلالين تيمماً بالضحى ] (1)

 

ما الذي بثته القصيدة المعنونة (شفاه على كرسي الاعتراف) بمقطعها المنصصة أعلاه ؟ لنضع صلةً بين المتن والعنوان لأجل أن نقول:

1 ـ كرسي الاعتراف هيأة بقوائم ثلاثة موجودة والقائم الرابع مخمّن.

أن قوائم الكرسي هي الشفة السفلى، والشفة العليا، واللسان ... أما القائم الرابع المُخمَّن فهو (القُبلة) .

2 ـ قبلة الاعتراف تم صقلها وتهذيبها لتتلاءم مع العنق، موضع العناق والشم والشموخ !!

3 ـ السحر يخترق الموجود ليتصل بالغائب، أي القبلة المتخيلة المسبِبَة للحلم بغير الموجود من السعادة والجمال واللذة .

4 ـ الحلم المكون من مزيج الظمأ والبريق يتقدس ـ بعُرْف الشاعرة ـ وتصير له مراسيمه وطقوسه العبادية التي تمنحه سر الخلق الجمالي الفني .

5 ـ طقوس عبادة الحلم المقدس تتصف باحتفائها بالآتي:

(المناجاة، الصمت، كتف الرغبة، تمنع العشق، هُدب السعادة، تيمم الصلاة، هلالا الفجر والغروب) . * تلك المثولات مبثوثات لبوح شبه فطري يخص كل نفس عاقلة، لذا فالنص ليس ذاتياً تماماً، إنما يخص كل فرد في كل زمان ومكان .

بهذا الفهم يتأكد لدينا بأن الذاتية هي (شعرية بوح) كونها تعبيراً عن حلم كل فتاة وفتى، بالسعادة المسندة إلى كتف (الضفاف الحبيبة) لينساب مياه التوهج الشبابي فيسيل في الجداول من فجر(منبع) الحياة ـ المياه، حتى غروب (مصب) الحياة كمياه للخير والرقة والحنو، تعلنها الشاعرة نيابة عن جيلها ! * في النص توزيعات جملية تتفاوت معها مضامين شبه حكائية، فلو تصورنا وجود حركة في التصاعد القولي للنص لتوضح لنا وجود حكاية تندرج على التصور الآتي:

(كرسي متخيل على هيأة فتى وفتاة عاشقين بينهما يفصل صمت يحمل حلماً بالسعادة .. يتمدد الكرسي ليصير أربع شفاه ولسانين تكتمل أركانها بقائم جديد يأتي إليها من المجهول عجولاً خائفاً عطشاً، فيهفو إلى الشفاه بقبلة ..

تنهض القبلة، دونما ارتواء، من معبدها (الرغبة) فتحفر نهراً من مياه الأماني يسير عبره الماء من منبعه (الفجر) حتى منتهاه (الغروب). لكن رقيباً أزلياً يهدد بتهديم كل جلال ولذة، يبغي تهديم كل شيء، فيقدَّم العاشقان نذور الاعتراف له لئلا يشطب العناق من تهمة الأحبة، الرقيب يظل مستمكناً بالذوات لأن الوطن ليس آمناً!

ثانياً: التنغيم السجعي

السجع المنغَّم يكاد ان يصير بديلاً معقولاً عن ثلاث نزعات جمالية (للشعرية) في عموم قصيدة النثر، إذ هو لدى الشاعرة زينب (مثلاً)، معوّضاً عن (التفعيلة، الايقاع، القافية) .

قد يعود السبب الى عدم اتقان الشاعرات والشعراء لتلك القضايا الفنية مما يجعلهم يميلون الى الموسقة الفطرية، التي أسهلها وأقربها الى الذائقة المقبولة هو السجع .

السجع لن يكون بديلاً شعرياً، بأية حالة، عن القافية كونه لوناً جمالياً للنثر . لكن، بما أن القصائد هي قصائد نثرية فربما هذا يشفع لهن .

ما في قصائد (زينب) تجربة تبشر بتطور قدرات الموهبة وتنامي في المعرفة اللغوية، وهما عاملان أساسيان سيقوِّمان عملَ الشاعرة ويبعدانها عن السجع غير المناسب فنياً للمرحلة الحالية للنظم الشعري فالموضوعة الشعرية هي تجربة لغوية ستتحسن بتحسن ثقافة وموهبة الشاعرة عبر تواصل الجهد لصنع البصمة الخاصة (موهبة، بلاغة ثقافة) بالسجع أو بغيره . لنتجه نحو الفعل التطبيقي في شعرها:

[ثارت قهوتي ضدي

أغرقني جزرها

فقدت هويتي، مدينتي

كوني عاشقة، حالمة، ثائرة

فرافقت مدى أفكاري

سبل شيطان .

ـ ما وراء القصيدة، ص53، ص54ُ] يعتمد سجع القصيدة على حرفين هما الياء والتاء، إذ أن الكلمات الآتية كلها ذوات حرف ياء في سجعها:

(قهوتي، ضدي، أغرقني، هويتي، مدينتي، كوني، أفكاري ) ..

واختط السجع لنفسه حرف التاء المدورة المتصلة في الكلمات الآتية:

(عاشقة، حالمة، ثائرة) .

ننوّه الى أن مهاوي الاستثمار الشعري لظاهرة السجع في قصيدة النثر عديدة منها:

1 ـ ابقاء الشاعر غير قادر على التعويض بحرف روي مكمل لموسيقية القصيدة .

2 ـ عدم تلاؤم الكلمة المسجوعة مع ما يُراد من معنى (مُعلناً كان أو مُبَطَّناً) .

3 ـ وقد يصير السجع مقاماً للصدى الصوتي الصارخ المشابه لما في القصيدة العمودية مما يفقد القصيدة حيويتها الحداثية .

4 ـ في بعض الأحيان يلجأ الشاعر، بقصد أو دون قصد، الى تكرار قضايا تقليدية يجعل القصيدة قاصرة عن التعبير عن الاشكالات اليومية والكونية، لأن السجع يضعف قدرة اللغة على احتواء هذه القضايا .

5 ـ ان ضعف إداء السجع (لغوياُ) لازم جميع مراحل تاريخ كتابة الشعر أو انشاده .

نرى أن الشاعرة زينب خالد الفيلي قد وضعت قصائدها في حرج (قلة كفاءة إداء الانتاج الشعري) لقدر لا يستهان به من شعرها في مجموعتها (ما وراء القصيدة) بسبب عدم تفريقها بين السجع والقافية.

ثالثاً: التعميم المتنامي

بنظرة شاملة، حتى لو كانت سريعة، لمجموعة (ما لم تقله المآذن)

للشاعرة زينب خالد الفيلي سنواجه ظاهرة التعميم كعامل منظم

لشعرية القصائد . سنجده يأخذ المديات الاتجاهية الآتية:

- تنميط قضية الولاء السياسي:

[سأُقسم بالأرض

بشفتيك

بشعب أصم

يقتفي آثار العبودية

وبقلة حيلة يستجدي معجزة ] (2) .

هذا هو النمط الأول من متجهات التعميم، فيه شعارية مقاربة

للبوسترات السياسية، علماً أن الشاعرة تحتج على السياسة في

المقطع اعلاه . يمكننا تسمية هذا النمط بـ (التعميم الشعري الصحافي).

- والتعميم يأخذ نمطاً آخر يخص آلية النظم الكتابية، إذ ينمّي النظرة

السائدة للمثقفين عن ذواتهم الكتابية . لننظر الآتي:

[قد أجثو عند سطر

يحاول اعتقال الفكرة

أو .. أُفتش في الذات

بحثاً عن اللاشيء

وأُدون ملاحظة مغزى

أو أو أو

لكن دون جدوى

فسحقاً لقافية

لم تبرر فشلها

في سرد القضية.

ـ ما لم تقله المآذن ص43، ص44] المقطع أعلاه يقوم بتعميم (عموميات النرجسية الادبية)، وفيه نرجسية، لولا المناورات اللغوية العديدة، لصارت مقاطع في قصيدة دونما غاية فنية او ثيمية . التعميم هذا يعلو مرتبة على التعميم السابق كونه ارتقى بخطوات للخروج من المرحلة التقليدية نحو المرحلة الحداثية المرجوة، ولو أنه ليس من سيحقق الشعرية المقنعة تماماً بجماليتها . يمكن تسميته بـ (نمط تعميم النرجسية الابداعية) .

- في نمو ثالث للتعميم يكون للقصائد تعميم يصاحب فكرة أن تكون قضية النثر رديفة لقضية الوطن، ولقضية المواطن الفرد .

هذا التعميم ايجابي تطرحه عبر المقطع الآتي دون أن تخرج تماماً من منطق نرجسية المثقفين:

يمكننا أن نسميَه بـ: تعميم النضج الادبي مثلما هو في المقطع الآتي:

[أسماء كثيرة ..

الوطن ..

البلد

الأرض

مسقط الرأس ..

لكن لم يذكروا (الأسر)

خلف قضبان القصيدة .

ـ ما لم تقله المآذن،ص47، 48] + سنضع نموذجاً آخر للتعميم المتنامي عبر ما ينص عليه المقطع الآتي:

[إقتربْ ..

تمعن بملامحي جيداً

ستجد حلماً منحوراً على ضفة الجبين

وقوافل من نساء

يمارسن الأرق

وبساتين مزرقة .

ما لم تقله المآذن، ص89] هنا تحقق الشاعرة نجاحاً مهماً واستشرافاً مناسباً نبوئياً للتعميم الايجابي، يوَحِّدُ القضية الاجتماعية للولاء الوطني، مع عاطفة الانتماء الشخصية .

هذه محاولة جادّة تناسب أن نسمي تعميمها بـ التعميم التام النمو .

رابعاً: إيقاعات التناص

تتخصص هذه الايقاعات بقيم الارتقاء التحضري للمواطنة الحقة عبر تنويعات تناصية تخلط الزمن والحالات لتقيم العلاقات الانسانية السليمة، ولقد توسلت الإيقاعات التناصية بالتناصات الدلالية الآتية:

 1 ـ تناص الموروث الديني

دلالته المقطع الآتي:

[ذات شرق

سمعتُ المآذن

تؤذن حي على الرحيل

فالشعب والشمس

والشِعب سحقتهم ضروس الشغب .

ـ ما لم تقله المآذن، ص96]

ب ـ تناص التحقير

ويأخذ من تراث ووحشية الكلب مبرره القيمي:

[ ونزولاً عند رغية كلب

... لنتخيل ...

لو كنتُ شيخاً عربياُ

لرسمتُ نجمة داوود

عند زاوية ضمير أعزل

يستلذ بنكهة ذل.

ـ ما لم تقله المآذن، ص97 ]

ج ـ تناص قدرية الأُمومة

يتمثل في الآتي:

[يحط على الأوراق

ليقبل كفها

فيقف لحظة حداد

عند جبينها

ما يلبث حتى يصيح، فينكسر

أُمي تعجن حزنها أرغفة لتطعمنا ضرورة القدر .

ـ ما لن تقله المآذن، ص112]

د ـ تناص قهرية وزيف أدب الحرب

يمثل نموذجه المقطع الآتي:

.. [.. مسرح الظن ...

يدهش عزلة القلب

الكل يصمت ..

الوقت

الجندي

المطر

حينما أسكب الضمائر في كأس الزمن

فثمة شاعر مرتزق ..

استأجر مقبرة .

ـ ما لم تقله المقابر، ص132]

 

اسماعيل ابراهيم عبد

 

 

 

 

 

 

 

4- التأمل الجمالي: لاشك في أن من منابع الإثارة الشعرية التأمل الجمالي، وهذا التأمل الجمالي هو الذي يصنع الفن، ويختار السبل المؤدية إلى ذلك، ولا ينتج الفن إلا عن طريق هذه الحاسة الجمالية التي تختار الشكل الأسلوبي أو الفني المميز، لنقل الرؤيا بإثارتها، ومنتهى لذتها الجمالية، ولا نبالغ إذا قلنا:

إن أية مقامرة جمالية رابحة- من منظورنا- ينبغي أن تكون قائمة على تأمل جمالي، وحساسية جمالية عالية، شديدة الوعي، والإدراك، والحساسية، لهذا، فإن الحدس أو الانفعال الجمالي وحده لا يصنع فناً جمالياً بحد ذاته؛ لهذا لا بد من تأمل جمالي أو لمسة فنية؛ وهذا ما يمنح المنتج الفني الرؤيا الفنية التي ترقى به إلى أوج الإجادة، والإشعاع الجمالي، وهذا يعني.. أن مبدأ الفن هو- من منظورنا- يكمن في التأمل الجمالي، والمعرفة الجمالية. في حين أن مبدأ الفن عند" ليبس" و" الوتز" و(كونسورت) يعني: "انعكاس مشاعري في الآخرين، وترديداً عاطفياً إزاء مشاعر الآخرين، والاشتراك في خاصية للأشياء، وإحياء عالم الأشياء الجامدة في نفسي، ويعني اندماجاً توافقياً بين العالم الخارجي والعالم الداخلي لي أنا، وتطابقاً ساحرياً، أو تصوفياً بين الأنا واللاأنا" (64) . وهذا يعني بالمفهوم الجمالي العام (التأمل) ، أو جمالية التأمل، ونعني بالتأمل الجمالي: التأمل الإبداعي الذي يستثير الرؤيا الجمالية والدفقة الإيحائية، أو الشرارة الإبداعية الخلاقة؛ وهذا ما استشفه الشاعر طالب هماش في قوله: " عالم الشعر لم يعد الآن عالماً أنيقاً مسترسلاً في سيرورة لغوية هادئة تبوح باللطائف في جو من الرقة، والغبطة، والشفافية. ولم يعد هذا الكائن الآتي بكل جماله من ينابيع الموسيقى القصية علة وجودنا، واستبصارنا لثقافة الجميل والماتع بل أصبح كائناً منطوياً على نفسه مثل منحوتة فقدت أمومتها، إنه صخر .. مضجر صخران لعبت بقيمه الفنية أنصاف المواهب وتركت في جسده المثخن بالجراح ندوباً لا تمحي. لذلك ليس غريباً في هذه الآونة أن ينزوي الشاعر الحقيقي خاف قواريره، ليتأمل كالسكران نبيذ الليل، وتلك الحقيقة المحتجبة في هذا السائل البرتقالي الشفاف. بينما يقرع الآخر على الآلات الإيقاعية الحديثة مالئاً الأرض ضجيجاً ونشازاً" (65) .

وهذا يعني أن الفنان المبدع أو الشاعر المبدع هو من يتأمل الأشياء تأملاً جمالياً وينزوي في محرابه التأملي، لإنتاج ما هو جمالي وفني ومتع، والفن الحقيقي هو ثمرة يانعة من ثمار التأمل والوعي الجمالي.

ويقول (بروست) : "لكي يكون تأمل الفنان خصباً، لا بد أن يرتبط بالفوران العاطفي، وفي مثل ذلك الارتباك بين [ ما هو واقعي وخيالي؛ أو ثابت وجدلي] يمنح من نفوسنا نصيباً هو الذي يمكننا من حصول ما نحصل عليه، ونقيض ما نحصل عليه مقدماً، وفي هذا نلاحظ أن بين إمكانية تلك الشيء واستحالة التملك أيضاً ... نلاحظ أنه توجد بينهما حدود، وفواصل متحركة" (66) .

ولهذا، تبدو مهمة الفن هي تخليق ما هو جدلي، أو عبثي تخليقاً يرقى به إلى حيز الجمع التام بين المتناقضات، لاكتشاف جوهر الوجود، وجدلية الحياة، يقول جان برتليمي: " لا ينبغي أن ننكر أن مهمة الفن تؤدي بصاحبها إلى أخطار أحياناً ما تكون شديدة، ومن هذه الأخطار مثلاً أن يترك الفنان نفسه تمتصه حياة ملموسة محسوسة، وعاطفية بدرجة يختفي معها في تلك الحياة" (67) . دون أن يعطي نفسه مجالاً للتأمل الجمالي؛ وهذا خطر على منتوج الفن، ومصدر جاذبيته، فالفن ليؤدي وظيفته الإبداعية ينبغي أن يؤطر وعياً جمالياً، أو إدراكاً رؤيوياً وجودية جديدة أن يمتص من رحيق الحياة، ويستجلي معالمها بحسه التأملي المرهف، وركيزته التخييلية العالية. ولهذا شدد (بروست) على مقولته التالية: " إن الفنان يرسل لكي يفعل، لا ليكون كائناً فحسب" (68) ، ولكي يحقق الفنان هدفه الفني ينبغي أن يؤدي فعلاً جمالياً، أوردة فعل جمالية تتبدى في منتجه الفني|، وبهذا المنحى المقارب يقول (بروست) : " أن ما يلزم من ثبات عزيمة، واكتمال عقل، وروح، وشجاعة، وجرأة؛ هدفها جميعاً أن يدافع عن بقاء موهبته ضد الآخرين، وضد نفسه، ولينقذ هذا النقاء من أي شيء قد يصيبه" (69) . ولهذا فإن الفنان مطالب- من منظورنا- أن يجانب الكمال الجمالي في منتوجه بما يدركه هو، ويؤسس له في منتجه الإبداعي، رغم أن الكمال ليس من صفة البشر إطلاقاً، وإنما من صفة الخالق وحده، يقول (برتليمي): " إن الفنان ينبغي أن يصبو إلى الكمال في عمله الفني، لكن هذا الكمال يتعلق بمقدار جودة عمله الفني لأنه هو ؛ وهو إذ يحقق هدفه في أعماله، فإنه ينفق فيها كل طاقاته، بحيث لا يتبقى لديه شيء ينفقه في تحقيق كماله الشخصي" (70) .

وبهذا التصور؛ فإن الفنان لا يسمو إلا بالارتقاء إلى محايثة الكمال في تأمله، وإحساسه الجمالي؛ وهذا هدف المبدع عامة، والشاعر تحديداً، أن يصبو بنا إلى الحالة الشعرية، أو أن يرتقي بنا عبر تأملاته الحسية إلى آفاق الشعرية، وعوالمها المبتكرة؛ وهذا ما صرح به (برتليمي) في قوله: " فالشاعر يرمي من هدفه التأملي، الارتقاء بنا إلى الحالة الشعرية، عبر التحويل السحري للألفاظ، ذلك التحويل الذي ينقل به شيئاً من تجربته هو؛ لنذهب به من نفسه العميقة إلى نفوسنا" (71) .

وبهذا تتوحد الذوات المتلقية بالذات المبدعة، وتنصهر في تجربة الشاعر ذاته، إلى تجربتنا الداخلية، وكأنه الناطق الشعوري بلسان حالنا الداخلي، بما كنا عاجزين عن الإدلاء به، أو التصريح به جمالياً, وهذا هو فعل الفن الحقيقي، بل هو فعل الإبداع الجوهري، وحصيلة عطائه المثمرة.

ومن يدقق في تجربة الشاعرة بشرى البستاني يدرك عمق تأملاتها الجمالية، والفكر الجمالي الذي تشتغل عليه، مما يدل على شعرية بالغة الاستثارة والتأثير؛ لاسيما في شطحاتها الصوفية، وصورها الملتهبة دلالة وعمقاً وإيحاء، وكأن في صورها الشعرية فيضاً من الرؤى والأحاسيس المصطرعة التي تشي بواقعها المأزوم، رغم تعلقها بالمطلق، ومحاربة السلب بالإيجاب، عبر شعرية اللغة، واللقطة الصوفية التي تعبر عن حرارة الموقف وعمق التأملات الجمالية المفتوحة، كما في قولها:

"حافية ومبلولة بالدمع

هذه الطفلة المربكة على بوابة المنفى

بقلائد تستحيل نداءً في أناملك

بجروح دجلة إذ تخبئ وجعي في ضماد الدخان

بجمرة حصاة في قلبي

وبلابل تهدم أعشاشها في دوالي الروح" (72) .

لابد من الإشارة بداية إلى أن الفعل الشعري الجمالي هو وليد إحساس جمالي وتأمل جمالي خلاق، فلا تنتج الرؤيا الجمالية إلا من مبدع خلاق يملك الحساسية والرؤيا والجمال؛ وهاهنا، نلحظ قوة المحفز الجمالي الذي تملكه الشاعرة وعمق منظورها الرؤيوي الفاعل؛ فهي تبني الرؤيا، وتستثير الموقف الصوفي لمواجهة السلب، وخلق المتغير الجمالي الذي يرقى بالحساسية الجمالية

إلى آفاق من التأمل والاستغراق الجمالي، كما في هذه الصور المفتوحة في رؤاها وعاطفتها وإحساسها الروحي، على شاكلة الصور التالية: [ تخبئ وجعي في ضماد الدخان/بجمرة حصاة في قلبي]؛واللافت أن محفزات الحدث الجمالي تتمفصل في الصورة البليغة التي ترقى بالمشهد الصوفي، لخلق الجاذبية الجمالية في هذا النسق أو ذاك، وهذا دليل مهارة وقوة في تجسيد الحدث الجمالي والارتقاء به عبر صيرورة الصور الصوفية المكثفة للمشهد الشعري المتقد جاذبية ورقة صوفية مطعمة برومانسية ساحرة غاية في التفعيل والفاعلية والاحتقان الرؤيوي العميق: [ بقلائد تستحيل نداءً في أناملك/ وبلابل تهدم أعشاشها في دوالي الروح]؛ وهذا يدلنا على أن شعرية الرؤيا في قصائد بشرى البستاني ترتكز على عمق التأملات التي تنتج الرؤى الفاعلة، والصور المبتكرة ذات الحساسية المتناهية في خلق الاستثارة والتأثير.

وقد تلجأ الشاعرة في تأملاتها إلى خلق نوع من التفاعل بين الرؤيا المجسدة، والحالة الشعرية، لتبئير الصور، وإنتااالج مؤثرها الجمالي الخلاق، كما في قولها:

"بين خطوتك وزندي

ثمة هديلٌ يتكسَّر

وبين ساعديك والهديلْ

أفقٌ من الصحارى

آهٍ، لو رأيتَ البحرَ... مرة" (73) .

إن القارئ هنا، لايخفى عليه عمق التأملات الجمالية، وبداعة ما تجسده في نسقها من حراك استعاري ملتهب بالدلالات الصوفية التي تبرق بوصفها دوالاً متحركة، تبث عمق الإحساس، ودهشة الصورة في نسقها الجمالي، وهذا يعني أن ثمة مرتكزات جمالية تخلقها في صورها وتراكيبها الشعرية لإثارة اللذة والمتعة الجمالية في قصائدها: [ثمة هديلٌ يتكسَّر/وبين ساعديك والهديلْ /أفقٌ من الصحارى]؛ وهذا يعني أن فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد بشرى البستاني تتمفصل على الحدث البليغ والمشهد الجمالي الخلاق، مما يدل على مرجعية جمالية في اختيار النسق المؤثر، الذي يصيب الرؤيا من الصميم، لاسيما في الأنساق المبتكرة التي تصف لواعج الذات، واحتراقها وتأملاتها المفتوحة.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول: إن فواعل الرؤيا الجمالية تتطلب وعياً جمالياً وتأملات وجدية مفتوحة، جسدتها الشاعرة بعمق في قصائدها، لخلق اللذة والمتعة الجمالية في تشكيل القصيدة لديها، مما يدل على حنكة معرفية جسدت وعيها وإدراكها الجمالي بوصفها ناقدة وشاعرة، وهذا ما هيأ لقصائدها العمق والفاعلية وشدة الإيحاء؛ وهذا ما يحسب لقصائدها على الصعيد الإبداعي.

5- السر الجمالي:

لاشك في أن لكل تجربة إبداعية سحرها الجمالي، وسرها الإبداعي الذي تنطوي عليه، وهذا السر الجمالي هو الذي يبين مفتاح النصوص الإبداعية جمالياً؛ولهذا لا يمكن كشف مصدر جمالية أي منتج فني بمعزل عن إدراك محتواه الجمالي، وسره الإبداعي الذي ينطوي عليه، والقيمة الجمالية العليا التي استحوذها حتى حقق نصيبه من الإبداع، والخلق، والتميز. ولا نبالغ في قولنا:

إن لكل منتج إبداعي مؤثر سراً جمالياً ينطوي عليه، أو لنقل: سراً جمالياً يبقى متخفياً عنا، ونلهث وراءه بغية تحصيله والتقاطه، ولن نحصله أو ندركه إطلاقاً، لأن هذا السر إذا ما عرف أو كشف مات الفن ومات جوهره الوجودي الأصيل، فالفن هو هذا العلم المتخفي فينا الذي يسكننا ولا نعيه، ويرتئينا ولا نرتئيه، إنه صوتنا الأزلي المبحوح منذ لحظة وجودنا الأزلية في عالم الذر، وهذا السر هو صوت الفن الذي يقول عنه عالم الجمال (سوريو) : " هذا هو السر الذي يوحي الفن بوجوده في أرفع الأعمال الفنية.. سر يدل على طريقة ما للوجود، بحيث لا يترك لنا فرصة للتساؤل عن سببه، أو علته" (74) .وتأسيساً على هذا؛ فإن سر الفنون يكمن في طريقة إبداعها، وسر إبداعها يكمن في رؤيتها، وتحليقها جمالياً، وبهذا الشأن يقول (سوريو): " وبالقدر الذي ينتج به العمل الفني تصبح أدق دقائقه مقدسة ضرورية، وهذا هو السر الإبداعي الجمالي.. إذ من الممكن أن نبتر من الإنسان عضواً دون أن نقتله، لكن ليس من الممكن أن نبتر مقطعاً واحداً من بيت شعر جميل دون أن نهديه" (75) .

وهذا هو السر في عملية الإبداع الفني، أن المبدع يقامر جمالياً بكل ما يمنح منتجه الفني تكاملاً جمالياً يصل حد الإعجاز، أو الإدهاش الجمالي؛ لهذا لا يمكن حذف لبنة واحدة من لبنات الإبداع الفني، لأن هذا البناء سيتهدم وينهار لا محالة، ويفقد خاصيته الفنية، وخصوبته الجمالية؛ فغنى الفنون في تكاملها وهندسة بنائها، والشعور الخفي الذي تولده فينا؛ لهذا نوافق القائل: " إن الفن يبعث فينا شعوراً بحالة من الوجود، تتعدى ما تتضمنه الطبيعة بسبب السمو الذي يشوبه.. لأنه بصفته عملاً فنياً يحتاج إلينا لكي يتم وجوده، أي يتم " حقيقته" (76) .

وهذا يعني أن المنتج الفني لا يكتمل سره الجمالي إلا بنشاط المتلقي وموهبته في ترجمة ما في مخزون هذا المنتج من مثيرات تغنيه وتغذيه إيحاءً، وجاذبية، وإشعاعاً جمالياً على الدوام. يقول الناقد الجمالي (جيلمون): " إن العمل الجمالي لا يوجد جمالياً إذا لم يكن موضوع تجربة جمالية... فكما يكون من الحق القول بأن أجمل لوحة في العالم لا توجد إلا على حساب الذي يتأملها" (77) .

وبهذا يولي (جيليمون) المتلقي السر الجمالي في إضفاء اللذة الجمالية على المنتج الفني، شأنه في ذلك شأن عالم الجمال (سوريو) الذي يقول: " إن العمل الفني- رغم وجوده الرفيع- ليس بكائن قائم دائم فالعمل الفني لا يتم خلقه إلا لكي يخلق من جديد، ولا يبقى قائماً في ذاته إلا لكي يتجدد دائماً وأبداً بالنسبة للمادة البشرية " (78) .

وبهذا المنظور الجمالي، والحس الفني يتجدد المنتج الإبداعي بفضل التظليلات الإيحائية التي يضفيها المتلقي على المنتج الإبداعي، رافعاً رؤيته الفنية، وبناء على هذا، تتأكد مقولة (شيللنج) الجمالية بالطابع الجمالي للفن؛ إذ يقول: " بعد أن يعطي الفن للأشياء الصفة التي تطبعها بالطابع الفردي، يقوم بخطوة أخرى فيعطيها الرشاقة التي تجعلها محببة بأن يجعلها تلوح كما لو كانت تحب، وفيما بعد هذه الدرجة الثانية لا تبقى إلا خطوة ثالثة تعدلها الثانية وتوضحها مقدماً، وهي أن تعطي للأشياء روحاً بفضلها لا تكتفي بأن تلوح كما لو كانت تحب، بل إنها تحب فعلاً، وهذه هي الدرجة التي لن يصل إليها الفن" (79) .

فالسر الجمالي إن لم يصلك إلى الخلق الجمالي فلا قيمة له؛ إن لم يقدك إلى الفن الجمالي، والخلق الإبداعي الجمالي الذي يحرك الأشياء، ويمنحها المتعة، بالتأكيد، فإنه لا قيمة له.

وما ينبغي التأكيد عليه: أن سر نجاح المقامرة الجمالية تكمن في السر الجمالي الذي يحتفظ به، أو السر الجمالي الذي يختزنه في منتوجه الفني، ولا ترقى المقامرة الجمالية إلى منظارها الفني المغامر إن لم نحرك المشاعر، وتلهب الأحاسيس، وتخلق صداماً بينها وبين القارئ في الرؤى والمفاهيم، والمحفزات، والإدراكات، لخلخلة توقعه، وجذبه بالمفهوم المضاد أو المفهوم المعكوس لحركة الأشياء، وهذا ما يجعل المنتوج الفني في حراك دائم، واستدعاء العواطف الجارفة المختلفة إزاءه، وأكثر ما تنعكس المقامرة الجمالية في الفن الشعري الممتع، والمكثف بمعطياته الفنية والجمالية؛ ودليلنا أن الشعر يقامر أحياناً باللغة الشائعة بضخ دماء جديدة إلى بنية القصيدة، وهذا ما ألمح إليه عالم الجمال (آلان) : " أما الشاعر فهو يعبر في اللغة الشائعة عن عواطفنا الحارقة نفسها، حين ينظمها في نفس الوقت، وهكذا، تصبح عواطفنا الجارفة شيئاً، ومنظراً بفضل الشعر، حيث نقترب من فقدان الأمل والغضب والحب الذي يفقد الإنسان وعيه، ونميل إلى أعلى؛ ولكننا لا نسقط، وحيث إن آلامنا تظل على مسافة بعيدة، وكما لو كانت غريبة عنا فإننا لا نستبدلها بنوع من الجلالة، كما فعل (جوييتر) على قمة إبدا" (80) .

وهذا يعني أن السر الإبداعي أو الجمالي هو سمة أي منتج إبداعي مؤثر، وأي مقامرة جمالية ناجحة، في الفنون كلها قاطبة، وتبعاً لهذا، ترى الناقد والشاعرة الفذة بشرى البستاني أن بناء القصيدة جمالياً ينبني على سر جمالي ينظم محاورها بكليتها وأجزائها؛ وهذا ما صرحت به قائلة: " القصيدة الجيدة هي قصيدة مثيرة لكليتها وليس بأجزائها، لأن الإيقاع يتطلب تركيب، ويولد دلالة، والدلالة تتطلب إيقاعاً معيناً، وكلاهما يتواشجان من أجل تأسيس المعنى، فما يمتاز به الشعر العربي، من العصر الجاهلي وحتى اليوم أنه شعر، يؤسس القيمة، ويرسخ فعل المعنى، وكذلك شأن كل أدب عالمي أصيل.

فبدون هذا التأسيس يتحول الأدب إلى عبث لا طائل من ورائه ولا هدف، وهذه السمة هي التي وسمت الشعر العربي عبر العصور حتى وصلنا عارماً ومفعماً بالدهشة، نقرأه فتلاشى الأزمان، والأجيال والقرون، حتى كأنه قد كتب لنا من أجل التعبير عن مشاعرنا، ونتأمله فيلامس أرواحنا، ويملؤها نشوة سماوية وسحراً من عبير..

وما يلاحظ على إيقاع قصائدي أنها تشتغل بزمنية عارمة لا مجال فيها للاستسلام ولا المهادنة. وحتى حين تصاب من شدة الوهن فإنها ما تلبث أن تعاود عنفوانها من جديد، وإذا كانت محنة الإنسان في زمنيته الملاحقة بالموت والفقد والعدوان والغياب، فإن هذا الإيقاع المطعم بالحياة إيقاع يقاوم الاغتراب والفقد، والوحشة، ويحرض على التواصل، ودحض القطيعة من أجل إحداث الأثر الذي يؤشر الحضور ويصر على التحقق بالرغم من تمكن عوامل السلب والاغتراب والتغييب في حياتنا المعاصرة" (81) .

إن ما أدلت به الناقدة المبدعة بشرى البستاني، تضعنا على محطة الرؤية الجمالية في السر الإبداعي وراء كتابة قصائدها، ووراء الكتابة الإبداعية عموماً، والتأسيس الجمالي لها، فالقصيدة الجيدة هي التي تملك خصيصة التكامل الجمالي، ابتداءً من أدنى جزئياتها إلى أعلاها، وهذا يعني أن سر جمالها في منتوجها التكاملي الفني، وسحرها الإيقاعي، وتأسيساً على هذا، نخلص إلى حقيقة مؤداها؛ وهي أن الفن الإبداعي الجمالي المثير هو الذي يحقق مقامرته الإبداعية، بسر جمالي لا يتفتق بشكل كامل إلا بعد طول مران، ودربة في تلقيه الجمالي أو الفني الفاعل.

ووفق هذا التصور؛ فإن غنى النصوص الإبداعية لا يتم بفواعله الرؤيوية إلا عندما يتم الكشف عن سره الإبداعي، ومضمراته الفاعلة التي تؤسس مرجعيته الجمالية الخلاقة، وهذا يعني أن السر الجمالي الذي تنطوي عليه النصوص الشعرية يتعلق بالرؤيا الشعرية وفواعلها المؤثرة في النص الشعري.

ومن يدقق في تجربة الشاعرة بشرى البستاني يلحظ غناها بالمثيرات الجمالية، وارتكاز نصوصها على بريقها وسرها الجمالي الفعال، ولهذا لايمكن أن تحقق القصيدة لديها فاعليتها بالمعنى الدقيق للكلمة إلا من خلال الكشف عن سرها الجمالي ومحورها الارتكازي الذي ارتكزت عليه في تحقيق جماليتها ومصدر إبداعها الخلاق.

وإن قارئ قصائد بشرى البستاني في ديوانها الموسوم ب (البسي شالك الأخضر وتعالي) يدرك أن هذه القصائد تنطوي على سرها الإبداعي المميز؛ فهي ليست قصائد وصفية أو بوحية ذاتية كما قد يظهر للبعض، إنها تتنفس إبداعها من خلية رؤيتها الحية التي تشي بفواعلها الرؤيوية الكاشفة، ومنظارها العميق، لاسيما في بثها لمظاهر الحنين والشوق إلى الأيام الماضي التي تحلو فيها في ظل وطنها الجريح العراق، ليعود منتشياً كما كان في الزمن القديم؛ وهذا يعني أن هذه القصائد أشبه ما تكون بمواويل جريحة في حب العراق، والتصوف في حبه، بلغة صوفية تؤثث لما هو جمالي، وتخلق متغيرها الإبداعي الخلاق من صورها الملتهبة بالشوق والهيام والتصوف المطلق، كما في قولها:

" لا يتعبني ألا تأبه بأسئلتي

متمنّعا بغلائل العتمة

فذلك ما يُبقيك في فضاء تأويلي

ويفتح لي نوافذَ أجوبةٍ مشاكسة..

**

لا يتعبني أن تغيب طويلا

مادمنا نتهجى حروفَ غيابكَ معاً:

أنا وعصافيرُ حديقتي

ولوعاتُ قصائدي

وأعمدة سريري..

وكؤوسُ الخمرة المترعة بانتظاركْ.." (82) .

لابد من الإشارة إلى أن السر الجمالي في تشكيل القصيدة عند بشرى البستاني يتأسس على بلاغة الرؤيا، ومؤثرها التركيبي الذي يستند على الأنساق التصويرية المبتكرة ودلالاتها العميقة التي تخفي درجة من التكثيف، والفاعلية، والإيحاء، وعمق التأثير. وهاهنا، بدت القصيدة ملتهبة بصورها الصوفية الفياضة التي تتقطر رقة ولذة وإثارة جمالية، كما في النسق التالي: [ غلائل العتمة=فضاء تأويلي= نوافذ أجوبة مشاكسة = لوعات قصائدي = كؤوس الخمرة المترعة بانتظارك]؛ وهذا يدلنا على أن شعرية الأنساق تتبدى من خلال السر الجمالي الذي يربط هذه الانتهاكات أو الاختراقات اللغوية في نسق النص، وإيقاعه الدلالي؛ مما يدل على شعرية في التقاط الصور الوجدية التي تفيض بدلالاتها العذبة، ومعانيها الشائقة في الدلالة على اللوعة والوله والتصوف المطلق.

ولاتكتفي الشاعرة بتصوير الحالة تصويراً ينم على سرها الإبداعي الذي تشي به، وإنما تتغلغل في مسار الرؤيا، لتكشف محرضها الإبداعي الدفاق بالحساسية والرؤيا والجمال على شاكلة قولها:

"لا يحزنني أن تحاول إطفاء غيمي

لأني سأرث بك الجنان وما عليها

وسأضمُّ فوح طفولتك الشقية

رافلةً بضوء زندي..

لاهيةً ببلابل حزني..

أنا... تاج الخليقة يا سيدي" (83) .

إن بلاغة الأنساق التصويرية وفاعليتها المثيرة في التقاط المشهد المؤثر جمالياً هو ما يحقق للقصيدة منتهى غايتها الإبداعية، وهنا بدت الأنساق متفاعلة في إظهار الحرفنة الجمالية عبر الاستعارات الفياضة بمشاعرها وأحاسيسها المتقدة، وكأن وقع الحالة واحتدامها قد فرضت نفسها على القارئ، ليعيش التجربة بكامل حرقتها، وولعها، وتوقها الوهاج، وإحساسها الفياض، على شاكلة الأنساق التصويرية الملتهبة بإيحاءاتها، ومشاعرها المحمومة، كما في الأنساق التالية: [إطفاء غيمي= طفولتك الشقية=ضوء زندي= بلابل حزني]؛ وهذا يؤكد فاعلية الأنساق في التعبير عن الحرفنة الجمالية، وما تحمله من إيقاعات ومؤثرات جمالية ترتكز إليها، لبث حالتها الوجدية وحرقتها الصوفية، وكأن شيئاً من الصبابة الروحية تدفعها إلى اختيار هذه الأنساق المتحركة برؤاها ومؤشراتها الوجدية الفعالة، لتشي بحنكتها، وسرها الإبداعي الفعال.

وقد تتأسس الكثير من قصائد هذه المجموعة على سر جمالي يبدو من مطالعتنا الأولى لها، تدليلاً على ارتباطه مباشرة برؤيا القصيدة، ومؤشراتها الدلالية المحرضة للرؤيا، والباعثة لمصادرها الجمالية وقيمها الفنية داخل المسار النصي، كما في قولها:

لا.....

لا تُعدْ لي بوصلة اتزاني،

فقد خامرني فرحٌ طفوليٌّ مذ فقدتها معك

حين صار الشوق يلاعبُ خصلات انتظاري،

وصارت اللحظات تنفرط عن بلابلَ ملونةٍ،

ونُدفٍ من الثلج" (84)

إن القارئ هنا لا يخفى عليه وميضها الجمالي وسرها الإبداعي الذي يرتبط بالصبابة والوله الروحي، وكأن شيئاً ما في داخلنا يتحرك منذ قراءتنا لها، وهي الشعور باللذة التي تعترينا من خلال الصور التي تفيض بدلالاتها ومؤثراتها الجمالية؛ أي كأن حالة من النشوة واللذة والسرور تحرك مشاعرنا صوب هذه الأنساق التي تثيرالقارئ، وتمنحه القشعريرة الجمالية، نظراً إلى ماتضمره من سحر روحاني جذاب في اختيارها وتشكيلها، كما في الأنساق التالية: [بوصلة اتزاني=فرح طفولي= خصلات انتظاري= صارت اللحظات تنفرط عن بلابل ملونة]؛ وهذا يدلنا على شعريتها وفاتعليتها الخلاقة في الاستثارة والتأثير، وبث الحالة الوجدية بكامل توقها وإحساسها المحموم.

وقد نلحظ في قصائدها هذه النبرة الجمالية التي تستقيها من إحساسها الروحي، وعمق الأثر الذي تركته الحالة الصوفية في نفسها حتى أثرت في تشكيل القصيدة، وتخليق رؤيتها البليغة، كما في قولها:

"لا تُعدْ لي بوصلة الأماكنْ

فهذا الضياع الأثيريُّ يُدخلني في النشوةْ

وإذ أضيعُ في الطريق إلى بيتي،

أشعرُ أنك معي،

تبحثُ لي عن الدرب في خرائط البلدانْ..

ضبّبْ الوعودَ والكلماتِ واللكماتِ والمنى

فألا نصل يعني الوصولَ ذاتَهْ،

ألا نصل يعني أننا منهمكون بالوجد،

وأنك ستأتي " (85)

إن الدهشة الجمالية في التقاط الحالة الوجدية، بكثافة شعورية، وإحساس جمالي يفتح بوابة الرؤيا على مصراعيها، وهي، هنا، تصور الحالة بتفاصيلها الوجودية، أي تبحث عن وجودها، وتسعى للوصول إلى ذروة الكمال، وقمة الحالة الوجدية التي ترومها في عالمها الوجودي المحترق حساسية ورؤيا، وهذا ما أشارت إليه بوضوح في قولها: [ فألا نصل يعني الوصولَ ذاتَهْ/ ألا نصل يعني أننا منهمكون بالوجد، وأنك ستأتي ]؛ وهذا يدلنا على أن شعرية الحالة تفرض نفسها على الشاعرة لإثارة القارئ، بمضمونها ومحتواها الجمالي، لذلك كثفت الرؤى والمداليل الفاعلة التي تحرك الشعرية، وتستثير قيمها الجمالية البليغة، وهذا ينم على شعرية بليغة وحساسية جمالية عالية المستوى تلتقط ما هو مثير، وتخلق منه رؤية فعالة في نسقها الشعري، وهذا ما يحسب لها على الصعيد الإبداعي.

 

.......................

هوامش

(64) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال ص562.

 (65) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص225.

 (66) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 619.

 (67) المرجع نفسه، ص619.

 (68) المرجع نفسه، ص618.

 (69) المرجع نفسه، ص618.

 (70) المرجع نفسه، ص618.

 (71) المرجع نفسه، ص616.

 (72) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص292.

 (73) المصدر نفسه، ص293.

 (74) المرجع نفسه، ص414.

 (75) المرجع نفسه، ص415.

 (76) المرجع نفسه، ص417.

 (77) المرجع نفسه، ص418.

 (78) المرجع نفسه، ص420.

 (79) المرجع نفسه، ص422.

 (80) المرجع نفسه، ص505.

 (81) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 375.

 (82) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر، وتعالي، ص278.

 (83) المصدر نفسه، ص279.

 (84) المصدر نفسه، ص274.

 (85) المصدر نفسه، ص274-275.

 

 

"الظّلام لا يمكنه أن يبدّد الظّلام، الضّوء وحده يمكنه ذلك. والكراهية لا يمكنها أن تبدّد الكراهية، فالحبّ وحده يمكنه ذلك." (مارتن لوثر كنج)

في حركة مفعمة بالحبّ والسّلام  قد تجنح إلى المثاليّة أحياناً  أو الرّجاء بتحقيق الانفتاح والتّسامح بين الأديان. يحاول الكاتب أحمد شطيبي معالجة موضوع الاختلاف الدّينيّ والعمق العلائقيّ بين الأديان ومدى تأثير هذا الاختلاف  في التّركيبة النّفسيّة الإنسانيّة، من حيث عدم تقبّله  والتّعامل معه كغنىً اجتماعيّ وثقافيّ وحضاريّ.

يحدّد الكاتب إطار الرّواية في مناخ متعصّب متقوقع على ذاته، ينبذ الآخر المختلف عنه حتّى أنّه يعتبره مسكوناً بروح الشّرّ. فيتمّ استبعاده ونبذه بل اعتباره عاراً على الوجود الإنسانيّ. يقابل هذا المناخ نسل امرأة أوروبيّة تزوّجت عدّة مرّات وأنجبت أولاداً من زيجاتها المتعدّدة ليرى السّارد نفسه بين أخ مسيحيّ، تاجر أسلحة ترتبط مصالحه بالحروب والتّحريض على الفتن. وأخت يهوديّة، ربّانة طائرة حربيّة في الجيش الإسرائيليّ، بعيدة عن الجوّ الديّنيّ لكنّها مخلصة لعملها. وأخ أصوليّ اختبر الجهاد في العراق وأفغانستان. فيكون هذا النّسل نقلاً واقعيّاً لعالم تتصارع فيه الحضارات بشتّى انتماءاتها، وعقائدها. وتمثّل المرأة رحم الأرض الّذي تجتمع فيه البشريّة على مختلف أطيافها وألوانها وتشترك معاً بالبنوّة على هذه الأرض والأخوّة البدهيّة، كون كلّ إنسان منها وإليها يعود.

لا ريب أنّ الكاتب يحاول في هذه الرّواية أن يسلّط الضّوء على العنصريّة الدّينيّة من جهة، ومن جهة أخرى يطرح معالجة هذه القضيّة القديمة الجديدة من خلال الحوار ومحاولة إنشاء قنوات إنسانيّة فكريّة بين الإنسان وأخيه الإنسان بمعزل عن الانتماء الدّينيّ. لكنّ الأهمّ هو تلك الملاحظات والتّساؤلات الّتي يطرحها السّارد في قلق فكريّ ونفسيّ، يطال بها فكر القارئ ويستفزّ إنسانيّته ليضعها أمام منطق إنسانيّ يعالج مفهوم الانتماء الدّينيّ انطلاقاً من وعي إيمانيّ يميّز بين العبادة العمياء، والعبادة القلبيّة.

"لكن ترى لماذا لقّبوا "دادا كبورة" بالنّصرانيّة؟ هل هذا يعني أنّها كافرة وستعذّب وتحرق في النّار كما قال لنا الفقيه عبد السّلام: إنّ النّصارى واليهود سيعذّبون ويدخلون جهنم؟ لقد حيّرني الأمر كيف يعقل أن امرأة طيّبة مسالمة ومحترمة، كدادا كبورة، ستذهب إلى جهنّم مع اليهود والنّصارى!؟ وجدّتي بكلّ وقاحتها وسوء معاملتها حتّى للحيوانات، ستذهب إلى الجنّة!" (ص10)

هذا التّساؤل الّذي أقلق السّارد وهو ما زال في المراحل الابتدائيّة يعبّر عن انفتاح قلبيّ على المعرفة الإيمانيّة ولا أقول العقائديّة. فالمقارنة هنا تمّت بناء على معطيات سلوكيّة إنسانيّة وليس عقائديّة. وبالتّالي فهو تساؤل إيمانيّ قلبيّ يرتكز على وعيٍ منطقيّ يجنح إلى إدراك المحبّة الكونيّة. ما أراد الكاتب أن يوصله للقارئ بطريقة  من الطّرق ليحرّكه من الدّاخل ويوقظ فيه الحسّ الإنسانيّ الّذي يعزّز في داخله الإيمان بدل العبادات الاعتباطيّة.

حرص الكاتب على إظهار قسوة الواقع الّذي ينزاح إلى تدمير النّفس بل انتهاك الكرامة الإنسانيّة نتيجة التّعصّب الدّينيّ الّذي يظهر الآخر كمخلوق غير إنسانيّ. ولعلّ هذه الصّورة أشدّ فاعليّة من العظات أو الخطابات الّتي تدعو إلى التّآخي والتّسامح في مواسم محدّدة. هذه الصّورة درس بحدّ ذاته.

"أخبرتني "دادا كبورة" أنّها زوجة عمي، وقد تولّت تربيتي منذ أن عاد بي أبي إلى القرية. وأنّ أمّي الحقيقيّة هي النّصرانية. وأنّ جدّتي تكرهني لأنّها تعتقد أنّي أحمل في جسمي دم النّصارى، والشّيطان لا يفارقني ويحلّ معي حيثما حللت. لذلك تمنعني من دخول المنزل والاقتراب من أخي "محمد" خوفاً عليه من المسّ الشّيطانيّ."(ص13)

بالمقابل يسلّط الكاتب الضّوء على الجهل الّذي يلحق بالمتعصّب ظنّاً منه أنّه يحمل الحقيقة التّامّة بمعزل عن الآخر.

"أمّا أستاذ اللّغة العربيّة "سي مبارك" رجل طيّب يعشق كرة القدم، ويعاملنا كأبنائه، ولطالما كان يحذّرني من مصاحبة الأستاذ روبير لأنّه نصرانيّ، وقد يؤثّر فيّ بأفكاره المسيحيّة. لقد كان "سي مبارك" رجلاً وطنيّاً مخلصاً يحاول قصارى جهده شحن أدمغتنا الصّغيرة بأفكاره الوطنيّة وكراهيّته للغرب الاستعماريّ، حيث يرجع كلّ أسباب تخلّفنا عن ركب التّاريخ إلى المؤامرة غير المفهومة الّتي يدبّرها لنا الغرب، من خلال اختراعه لوسائل وأدوات تساعده على ذلك. فقد كان "سي مبارك" يعتقد جازماً ويحاول إقناعنا أنّ الغرب اخترع الرّاديو والتّلفزيون خصّيصاً لإلهاء العرب والمسلمين عن التّفكير في الاستقلال والعمل والاجتهاد. ولمّا كان يطيل الحديث في هذا الموضوع، كنا نتحين الفرصة ونقحم كرة القدم، فينسى"سي مبارك" الموضوع ويتماهى مع حبّه لكرة القدم وينغمس في الحديث عن الكرة، وعدم نزاهة حكام المقابلات، وأنواع الخطط الكرويّة،... فنستريح ونستمتع". (ص 33)

يفصّل الكاتب في روايته نقاطاً تستدعي التّوقّف عندها، من شأنها أن تحاكي العقلانيّة والحكمة في الإنسان لينتزع من داخله أحكامه المسبقة تجاه الآخر. كحثّه على اختبار العلاقة الإنسانيّة مع الآخر بمعزل عن الدّين مع المحافظة على القيمة الدّينيّة الخاصّة بكلّ إنسان. فالأصوليّ المخدَّر بالأفكار الجاهزة الّتي حفظها من مرشديه ومعلّميه لم يختبر حقيقة الآخر المختلف عنه إلّا من خلال ما حشوا رأسه به. "فقد كان أخي محمّد يعتقد أنّ اليهود والنّصارى كفّار، لا يؤمنون بالله، ويأتون الفاحشة جهاراً، ويتآمرون على الإسلام. وها هو قد اكتشف أنّ إخوتي طيّبون وودودون، يؤمنون بالله، ولا علاقة لهم بصراع الأديان. (ص 73). وربّانة الطّائرة الحربيّة اليهوديّة، لا ريب أنّها تنشّأت على أنّ الآخر مخلوق غير إنسانيّ فأتى حكمها موروثاً كعقيدتها لا حكماً اختباريّاً. "أختي "تسيبي" بجدّيّتها الصّارمة، ومنطقها العلميّ، تعترف أنّها تيقّنت أن الإيديولوجيا تصنع أفكاراً معكوسة ومناقضة للحقيقة الموضوعيّة. فقد كانت تعتقد أنّ العرب مجرّد أشباح لا يفكّرون، ومستعدّون للموت، كما كانت تراهم من الفضاء حينما تحلّق بطائرتها الحربيّة. وأنّهم متّسخون ونتنون وقبيحو الوجوه، كما تشكّلت صورهم في ذهنها من خلال أوصافهم في الكتب المدرسيّة الّتي درست فيها خلال المرحلة الابتدائيّة والثانوية." (ص 73)

الاختبار العلائقيّ وحده يؤكّد للإنسان فعاليّة الآخر، وإدراك معاني الإنسانيّة المشتركة بين البشر تبدّد ظلاميّة الصّراعات والنّزاعات الّتي يدفع ثمنها الّذين يتشبّثون بالقشور الدّينيّة لا بالجوهر الإيمانيّ. 

"هل يعقل أنّ الله علّم آدم الأسماء ولم يعلّمه الأفعال؟ / هل العقل هبة ملغومة لتفريق البشر؟..." (ص 77). تساؤل برسم القارئ، ينتظر إجابة شخصيّة تعتمد على التّجربة الواقعيّة، ملتزمة بالإيمان بالإنسان أوّلاً كقيمة مقدّسة، وباللّه المحبّة  المتفاعل مع حرّيّة مثله: "الإنسان"

 

مادونا عسكر/ لبنان

..........................

جيل آخر (أولاد النصرانية) للأديب أحمد الشطيبي كتاب جديد عن مؤسسة المثقف

 

 

 

 

2 - الرشاقة الجمالية: لاشك في أن الرشاقة الجمالية، أو السلاسة الجمالية من محفزات بنية القصيدة المعاصرة التي اعتمدت الانتقال، على مستوى التقنيات، من السرد إلى الحوار، ومن الحوار إلى الدراما، ومن الدراما إلى الوصف، ومن المشهج المجرد إلى اللقطات التصويرية بالاعتما على تقنية المونتاج والكولاج في السينما، ولهذا تعد الرشاقة الجمالية، من فواعل الرؤيا الجمالية ومؤثراتها، ولعلنا لانجافي الحقيقة في قولنا:

إن نجاح أي عمل فني إبداعي مؤثر يعتمد الرشاقة الجمالية التي تولدها المجازفة الفنية، أو المقامرة الإبداعية الناجحة بطيفها الإيحائي المتجدد، ورشاقتها الإيحائية في توليد الأطياف الجمالية التي تظهر بين أجزاء العمل الفني، ولهذا كان (جان برتليمي) محقاً فيما وصل إليه: " لا يكون الجمال جميلاً دون الرشاقة الجمالية التي تشع في العمل الفني" (42) . والتي ترقى به إبداعياً، فالفن هو رشاقة جمالية وتوالد إيحائي على الدوام، ولهذا، لا تنتهي مثيرات الفن الجمالي طالما هو بتوالد، واستمرار إيحائي على الدوام، وطالما أنه يسير نحو التحقيق الأمثل لهذا الحراك، والرشاقة الجمالية؛ يقول برتليمي: " الرشاقة الجمالية تظهر الحركة قبل أن تختفي، كما لو كان تحققها يسير نحو التحقق . لهذا كان الفنان الحقيقي الذي يعود إلى منبع نشاط الكائنات لكي يستوعب دفعتها بدرجة أعلى، إنساناً يصور الجهد التجديدي للطبيعة بطريقته هو" (43) . وبقدر تنامي هذه الرشاقة تتبدى دينامية المقامرة الجمالية وتثمر في مسعاها الفني، وإشعاعها الجمالي على الدوام، ومن هنا، فإن الرشاقة الجمالية لا تقل درجتها الفنية عن الرؤيا؛" لأن استشراف الرؤيا يحتاج إلى الرشاقة في تمثيلها، والرشاقة في لملمة جزئياتها، وتبيان القوى الخفية الفاعلة في تحريكها؛ فهي القوة الإيحائية الخفية التي يختزنها المنتج الفني، والتي وراءها تكمن قيمة المنتج من جهة، وقيمة الفعل الإبداعي ومنتوجه المثمر من جهة ثانية. ولهذا كان يقال إن أكثر مظاهر الفن إثارة هو النشاط الذي يحركه فينا المنتج الفني المؤثر، وهذا النشاط مبعثه الرشاقة الجمالية المختزنة، أو الطاقة الجمالية الإيحائية المشتقة داخل المنتج الفني؛ وقولنا هذا يناقض قول (مايير) الذي يقول: " إن للفن حقائقه، بعيدة عن الواقع الذي تكشفه البديهة، وهو نتاج عمل أكثر منه نتاج رؤية، وجوهره العمل، فإن كان الفنان يبقى وقد تعود الواقع، فذلك بالقدر الذي يبين به الفن أن هناك في الأمر مادة وإنساناً يعمل. وهكذا يعطي الفنان لنفسه حق قيادتنا بعيداً عما هو قائم. ومهمته هي إنكار الواقع، بقصد إعادة بنائه" (44) .

فالفن- من منظور- (مايير) هو فن صنعة، وتفنن في هذه الصفة، وليس فن رؤيا، وتفنن في هذه الرؤيا؛ وهذا القول يناقض حقيقة الفن خاصة، وحقيقة الإبداع عامة؛ لأن الرؤيا هي مركز ثقل المنتج الإبداعي، بوصفها تمثل لب الإبداع وجوهره؛ فكيف يتم تغليب ما هو سطحي، عما هو جوهري في الفن والإبداع؟! .. وبهذا الفهم نخالف (مايير) ونقول: إن جوهر الفن الرؤيا، والرشاقة الجمالية في التعبير عن هذه الرؤيا والتقنيات الجمالية في تمثلها أو تجسيدها إبداعياً، ولا غنى لهذه الرشاقة عن جودة الشكل وتآلفه مع جوهر الرؤيا، وإشعاعها الفني. وبرأينا: إن الفن الإبداعي الحقيقي هو الذي يولف بين فنية الرؤيا، وجمالية الشكل الذي تتجسد فيه هذه الرؤيا؛ والرشاقة الجمالية في بث إشعاعاتها الجمالية بين الحيثيات التجسيدية لهذه الرؤيا؛ وهذا ما يجعل المنتج الإبداعي أكثر جاذبية، ورشاقة وسلاسة جمالية في تلقيه. ولا غنى للفن الإبداعي الحقيقي عن مصدر جماليته، وهو الرشاقة، والنشاط الجمالي الذي يولده فينا؛ ليحرك نبضنا، وأحاسيسنا الداخلية إلى تلقيه؛ بوصفه جزءاً لا يتجزأ من تجربتنا وإحساسنا الوجودي. ولذة معاشرتنا للذي فقدناه من زمن. ولهذا يقال: إن الفن الحقيقي هو الذي يبقى مسكوناً فينا، ولا نغادره، هو الذي يحرك فينا ما نعجز عن تفسيره، فالفن في هدفه وتخليق جماله ستار إيحائه الرؤيا الجمالية التي يوحي بها؛ يقول (بيرجسون): "الفن في ستار الكلمات... يصنع جماله بالذات في نسيج لغته.. ومن المحال أن نبعد هذا الستار.. وإن أنت مزقته تكون قد قضيت على الفن" (45) . وهذا الستار أو الحجاب الشفيف هو الذي يحرك النشاط الفني، ويحرك الإشعاع الجمالي؛ فكم من الأعمال الفنية قد استهلكت لخفوت إيحائها، ومبعث جمالها فلم يبق لها ذلك البريق الذي فجرته لحظة بروزها، وامتشاقها الفني، وعنفوان إيحائها العميق، واستعلائها الجمالي المثير الذي يستثير الرؤى، ويفجر الأحاسيس لتلقيها، والانشداه إلى إشعاعها، وبريقها الساحر؛ ولهذا أبدع الناقد الجمالي (بايير) في رؤيته الجمالية التي تقول: " إن حركة إنسانية تسكن عالم الفن، وإن صح التعبير، هي عبارة عن صعود روحي دؤوب للنوع" (46) . وهذه الحركة الإنسانية، والروحية مبعثها الحراك الجمالي أو النشاط الجمالي الذي تولده لذة تلقي الفن، ولذة الإحساس به، أو التأثر بقيمه الوجودية أو الجمالية التي يخلقها لحظة تلقيه الجمالي، ولهذا، يعد "بيرجسون" الفن رشاقة جمالية بوصفه وسيلة للإغراء" (47) . والفن الذي لا يخلق الرشاقة الجمالية أو النشاط الجمالي يعد فناً صامتاً، أو فناً مائتاً، والفن الحقيقي بعيد عما هو ساكن بالمطلق، ويعضد "بيرجسون" رأيه قائلاً: " فلا قيمة للوحات إذا لم تقدم شعوراً لطيفاً، رغم فعل الصدفة التي توحي به، وإن هي لم تبعث فينا لذة ما حين ننظر إليها" (48) . وهذه اللذة مبعثها رشاقة الإيحاء، والصدمة الجمالية التي تولدها المقامرة الجمالية في تخليق اللذة الجمالية، إثر تلقي المنتج الفني المؤثر، ولا غنى لأي عمل فني إبداعي خلاق –بحق- عن لذة الرشاقة الجمالية التي تولدها الفنون في مغامرتها الإبداعية، لتخليق عنصر الإثارة والتأثير. ولهذا كان الأستاذ الجمالي (بايير) واقعياً في رؤيته الجمالية بقوله: " إن الفن يتميز بطاقة خاصة تسمح بالتجسيد، وحتى الظلام الذي يخيم على الوسائل الفنية، هي التي تصنع التماسك القائم بذاته للفنون" (49)

وهذا القول دقيق جداً، فالفن يتميز بطاقته الإبداعية التي تحددها الوسائل الفنية، أو الطرائق الفنية في توليف حيثيات هذا المنتج الفني، وبقد ما تظلله هذه الوسائل من إيحاءات ورؤى متفاعلة يخلق العمل الفني تماسكه ونشاطه الجمالي.

وتبعاً لهذا، رأى بيرجسون أن الإغراء وحده ليس هدف الفن، لأن للفن نشاطاً داخلياً جمالياً يثيره الهدف الفني؛ والشكل الجمالي الإبداعي المخصوص في تحقيق هذا الهدف؛ إذ يقول: " ليس بالإغراء وحده تبهرنا مصورات" الموزاييك" التي قدمها رافين، ولا العالم الجهنمي الذي قدمه جويا؛ وإنما بالنشاط الجمالي الذي تجسده، والمبعث الإيحائي الذي تستثيره؛ وتحرك معه الحس الجمالي أو الصدفة الجمالية" (50) .

ومن المؤكد أن الفن الجمالي لا يقصد اللذة قصداً، وإنما تأتي اللذة نابعة من صدفة ما أثارته الرؤيا الفنية، والأسلوب الجمالي المتبع في تخليقها، والنشاط والرشاقة الإبداعية التي أثارته بين حيثياتها الجزئية، لتوليد الاستثارة الجمالية، والحراك والرشاقة الجمالية لاستظهاره جمالياً؛ وهذه هي لذة الفنون الإبداعية المؤثرة التي لا غنى عنها للرقي المعرفي، والجمالي على الدوام.

وتعد الرشاقة والسلاسة والخفة الجمالية من مكمن شعرية الرؤيا في قصائد بشرى البستاني التي تتنوع برؤاها ومداليلها العميقة، وتثير الحساسية الجمالية برشاقة مؤثراتها، وسلاسة معطياتها الجمالية، فالقصيدة – لديها- ليست سكونية، وليست وصفية بقدر ماهي متحركة في تقنياتها ومؤثراتها ومتحولاتها الجمالية، فهي تنزع دوماً إلى خلق متغيرها الجمالي في الرؤيا، والأسلوب الانزلاقي في تمثيلها وتجسيدها إبداعياً، وللتدليل على ذلك نأخذ قولها:

" لا تقفل نوافذ البحر دوني

فالشجر الناهض في احتدام الموج ِ

يُظلّ روحي...

افتح نوافذ البحر عليْ،

كي لا أضيع خارج الشِباكْ.

**

لا تغمض عينيك ْ..

احتاجهما كي ترتعش الحشائشُ داخلي

ويشتعل عبير الزنابق المتفتحة ِ

في حدائق الكون ْ

**

لا تغمض عينيك ْ

فعلى بحرهما اكتب قصيدتي

وفي إيقاعهما تتخطفني الجزرْ.

افتحْ شُرف الليل عليْ

كي تظل الصفحة ُ البيضاءُ واعدة ً بالنقوشْ" (51) .

إن القارئ يتلذذ بهذه الجمالية التي تثيرها على مستوى الرؤيا، وما تفيض به من مواجد، وأحاسيس لاهبة، برشاقة وخفة جمالية في اختيار النسق الجمالي الذي يبدع بفيوضاته الوجدية، وملامحه الجمالية، وكأن شيئاً من التنامي والانشراح الروحي يفيض من رحيق الأنوثة في هذه القصيدة (افتح شرف الليل عني كي تظل الصفحة البيضاء واعدة بالنقوش) ؛وهذه الانسيابية في الانتقال من صورة إلى أخرى بريشة الإحساس والتنامي الجمالي هي ما تجعل من مؤثرات الرؤيا محفزاً جمالياً من مغرياتها ومحركاتها الجمالية، كما في قولها: [ لا تغمض عينيك ْ..احتاجهما كي ترتعش الحشائشُ داخلي]؛ وبهذا الإحساس الجمالي في التقاط الصورة الانسيابية الوارفة بدلالاتها تحقق الشاعرة دهشتها الجمالية التي ترفع وتيرة الجمال والشعرية في قصائدها، سواء في شكل الصورة، أو موحيات الرؤيا الصوفية وما تفيض بها من معانٍ ورؤى ودلالات مفتوحة تبثها على مستوى أنساقها الشعرية.

وقد تعتمد الشاعرة الرشاقة التصويرية، بالانتقال من نسق استعاري إلى آخر، لتحريك إيقاع القصيدة، وتحميلها من الدلالات ما يغني رؤيتها، ويكثف قيمها الجمالية، لاسيما عندما تغذي هذه الرشاقة الرؤيا وترفع وتيرة شعريتها على هذا النحو المكثف من الفاعلية والتأثير، كما في قولها:

"في الليل أنتظركْ ...

ندخلُ جذور َ الرياح معاً،

نبحثُ عن مستقرْ ..

أختبئُ في قلبك فأجدُ سفنَهُ المثقلةَ نائمة ْ

أتطهّرُ في دمكَ من خطايا الجوع ِ والظمأ ْ،

وألوبُ بالياسمينْ .." (52) .

لابد من الإشارة إلى أن الرشاقة الجمالية التي تولدها الرؤيا الصوفية – في قصائد بشرى البستاني- تهبها القوة والتميز وتنوع الدلالات، لاسيما عندما ترتبط بالصور وتنقلاتها السريعة من نسق تصويري موارب إلى آخر، بذات الفاعلية وقوة التأثير، لتنصهر كلها وتصب في خانة واحدة هي الرؤيا الشعرية التي تنطوي عليها هذه القصائد؛ بمعنى أدق: إن مرجعية الرؤيا وعمق الإحساس الجمالي بها هو ما يحقق إثارتها في قصائدها الصوفية التي تتنفس عبير المواجد ورقة الدلالات وانسيابها الدافق، وعلى ما يبدو في النسق الشعري السابق تتمفصل الرؤيا على حرارة الصورة الصوفية ورشاقتها في إبراز حالة التوق والوله القصوى التي وصلت إليها: [ألوب بالياسمين- أختبئ في قلبك فأجد سفنه المثقلة نائمة]؛ وهكذا، تتأسس الصور الصوفية على حراك الدلالات، وتناغم الرؤى وتفاعل الإيحاءات المرتبطة بها، وهذا ما يهبها التميز والإثارة والرشاقة الجمالية.

وبتقديرنا: إن فاعلية الرشاقة الجمالية لاتتبدى في رشاقة الصور، وتنوع مؤثراتها الجمالية فحسب، وإنما في اختلاف الرؤى، وكثافة المغريات الاستعارية، من خلال الجمع بين ما هو محسوس وما هو مجرد، كما في قوله:

"وأدثركِ بغصون المنى.

وإذ تحلقين على أجنحة الغمامِ

سأعتنق عبيرَك، وأرتدي أرديةَ الريح ِ،

كي أحرسَ ما يشعُّ من لآلئ نورك على الكونْ." (53) .

بادئ ذي بدء، نشير إلى إن إثارة الرؤيا الجمالية –في قصائد بشرى البستاني- تتنوع بين ما تجسده على مستوى الصورة وما تثيره على مستوى الدلالات والرموز، لهذا، تنبني الصورة على دلالات عميقة تتجاوز جسدها اللفظي، لتنفتح بانفتاح الرؤى واختلاف مؤثراتها الجمالية، وليس ذلك فحسب وإنما تتغور آفاق الرؤيا الصوفية، وتفتح مكنونها الجمالي، وهاهنا بدت الرشاقة الجمالية في هذه الصور المتضافرة والمتفاعلة في نسقها (سأعتنق عبيرك= أرتدي أردية الريح= أدثرك بخيوط المنى]؛ وهذه الصور متضافرة في إبراز شعرية المشهد الصوفي، بكثافة ما تمثله الأنساق الاستعارية من رؤى، وما تثيره من إيحاءات ودلالات بالغة الإيحاء والفاعلية والتأثير.

وهكذا، فإن فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد بشرى البستاني تتنوع بحسب المشاهد والصور وتعدد الدلالات، والرؤى والاستعارات والمعطيات الجمالية التي تفيض بها لتحقق متغيرها الجمالي، بكل ما تثيره في القارئ من دلالات وإيحاءات مختلفة في نسقها الشعري، مما يجعلها مغرية في مؤثراتها وفواعلها الجمالية لاسيما على مستوى الأحداث والمشاهد والصور التي تثيرها في هذا النسق الشعري، أو ذاك؛ وهذا ما يجعلها في حراك دلالي ورؤيوي على الدوام.

3- الإثارة الجمالية:

لاشك في إن الإثارة الجمالية من منابع الشعرية المعاصرة، هذه الشعرية التي تعددت آساليبها وتقنياتها، بتعدد الأشكال، والرؤى، والفواعل الجمالية التي اعتمدتها لتحفيز القارئ، وإثارته جمالياً؛ ومن هذا المنطلق، تختلف شعرية النصوص الإبداعية باختلاف درجة تشكيلها وإبداعها جمالياً، ولا غرو أن نذهب إلى أبعد من ذلك، إذ نقول:

إن نجاح أي منتج فني مؤثر يتبدى في مقامرته الجمالية، بحثاً عن الإثارة الجمالية، أو اللذة الشعورية التي يثيرها في نفس المتلقي، لجذبه إلى دائرته الإبداعية؛ ولهذا، يعد البحث عن الجمالية بحثاً مقامراً عن قيمة جمالية مثلى يولدها المنتج لحظة تلقيه، وهذه القيمة غالباً ما أطلق عليها علماء الجمال ب[ اللذة الجمالية] بوصفها خلاصة المغنطة والجاذبية للمتلقي، إذ إن المتلقي لا يتفاعل إلا مع المنتج الفني الذي يستثيره، ويولد في داخله نشوة ما، غير قادر على ترجمتها شعورياً، سوى بالتطهير والتفريغ، والارتياح؛ ولهذا، ربط بعضهم اللذة الجمالية بالإدراك، ومنطق العقل، يقول جان برتليمي: " هل يجب أن نكرر ما قلناه من أن المتعة الجمالية تأتي عن طريق الحواس، وقد أضاءها العقل المفكر؟" (54) . ولهذا، عد (كانط) الإثارة الجمالية أعلى درجات المقامرة الجمالية في المنتج الفني المؤثر، لأن المقامرة الجمالية لا تحقق منتوجها الإبداعي الحقيقي إلا حين تولد اللذة في المتلقي، وهذا ما وضحه بوله: " إن الجميل هو الذي يبعث السرور بصورة كلية، وبدون تصور محدد... وهو الذي لا يقبل الانفصال عن تتابع الأنغام أو المقاطع التي تطرق أذني، وعن الألوان التي تقع تحت عيني" (55) .

ولذا ؛ فالفن الجميل هو الذي يبعث الراحة والاطمئنان في نفس المتلقي بآفاقه الرؤيوية، ولذته الجمالية؛ وبهذا المقترب يقول الشاعر عبد الكريم الناعم في فن الشعر قائلاً: " الشعر ليس نمطاً محدداً... كل قصيدة تثير في النفس اللذة الفنية، وتنطوي على بناء فني جميل، هي لشاعر جيد، وقصائد الشاعر ذاته ليست على سوية واحدة، فقد تتفاوت، والشاعر من يحافظ على (سويات) ، ولا أقول (سوية) واحدة، إذ الأمر يختلف، بناءً ومعالجة، وصياغة بين قصيدة طويلة، أو قصيرة، أو ومضة، الشرط الأول والأخير إثارة الدهشة، والجذب، وإثارة الشعور الداخلي بما يحمله إلى عوالم ترتاح إليها الروح، إذ الشعر من غير روح جثة هامدة " (56) .

وتأسيساً على هذا، فإن الإثارة الجمالية تحقق أقصى درجات الدهشة في المنتج الفني، وهي التي ترفع سوية تلقيه، وسوية منظوره الفني المتطور، ولما كان الفن في أساسه مجازفة ومغامرة فإن ما يثير هذه المجازفة المتعة الجمالية التي تحققها، وتثيرها في المنتوج الفني المثير، ومن هذا المنطلق لا يثيرنا الفن إن لم يكن مؤثراً باعثاً للذة ما؛ أو محققاً تفاعلاً ما بين مبدعه/ ومتلقيه، ولهذا، يرى عالم الجمال (مورياك) " أن مهنة الفنان تتضمن إغراءات خطيرة للغاية" (57) . وهذه الإغراءات هي التي تضمن لمقامرته الجمالية في نتاجه الفني نجاحها وجاذبيتها للقارئ، يقول الناقد والشاعر علي جعفر العلاق: " إن ما تبعثه القصيدة فينا من نشوة، أو قوة، أو أسى لا يترشح إلا عن مستواها الشكلي أولاً، ومن خلال هذا الشكل بتفاصيله، ومكوناته تنجح القصيدة في إشاعة مناخها الجمالي والفكري في كيان المتلقي؛ وتستدرجه بعد ذلك إلى فضائها الداخلي، وشباكها الخادعة، أي إلى أبهة البناء الشعري وبهائه الساطع" (58) .

ولعل اقتران الجمالية أو اللذة في الشكل لأمر مبالغ فيه، فكل ما في القصيدة من شكل، وبنية هو الذي يحقق نجاح القصيدة في مقامرتها الجمالية، لاستثارة القارئ، وجذبه إلى دائرته الإبداعية؛ وهذا ما صرح به قائلاً: " إن النص الشعر شكل قبل أي شيء آخر، ونحن حين نستقبل النص فإننا لا نؤخذ في المرحلة الأولى للمتلقي إلا بشكله أولاً، أي أن الخضة الأولى التي تعترينا لا تنبعث في الغالب إلا من شكل النص، أو عناصره الشكلية الحسية، أما بناء النص فإن اكتشافه مهمة يصعب على المتلقي الأول إنجازها دائماً، لذلك فإن كل قراءة لاحقة تطل اقتراباً من بنية النص واختراقاً لظلمته البهيجة" (59) .

وما ينبغي ملاحظته والتأكيد عليه أن قيمة العمل الفني تكمن في إثارته وطريقة صنعته؛ ومقامرته الإبداعية في إبداع طريقة جمالية مبتكرة في التحفيز والتحريض الفني؛ وبهذا، يسمو الفنان على الصانع بدرجات الإبداع، والرشاقة الفنية؛ وبهذا يقول (آلان) ما يلي: " الواقع أن الفن أحسن من المهنة بكثير، كما أن الفنان أكثر تفنناً، وإتقاناً، ودهشة من صاحب الحرفة بكثير، والذي يميز أحدهما عن الآخر قبل كل شيء هو أن صاحب الحرفة ينقل نموذجاً في حين أن الفنان يخترع شكلاً" (60) .

وثمة فرق واضح في درجة الفن بين من يخترع، ومن ينقل أنموذجاً أمام عينيه يقلده، وبهذا يقول: إن ميزة الفن الاختراع: الفنان يخترع شكل، اً ومرة أخرى نقول: إن هذا الشكل لا ينبثق عن العقل منذ اللحظة الأولى، بل إنه يظهر عندما يتلامس والمادة. ويتضح تدريجياً مع عملية التنفيذ أما العامل فهو لا يهتم بمثل هذا البحث وتلك التحسسات، وذلك العمل الجاد المتواصل. فهو يتلقى تصميم المنزل أو رسم قطعة أساس، أو صورة تفصيلية لتمثال ما، وعليه أن ينقذ ذلك التصميم، أو هذا الرسم كما هو بكل دقة ممكنة، ولا يتعين عليه حتى إذا استطاع ذلك أن يقدم من نفسه للمادة ما تتطلبه منه، وإن هو فعل ذلك هذا لذهب عنه صفة صاحب الحرفة. وكلما سبقت الحرفة التنفيذ أو نظمته كان الأمر أمر صناعة لا فن" (61) .

والملاحظ حقاً أن الإثارة الجمالية تحقق أعلى قيمة يمكن أن يتصف بها الفن، ولهذا، من الطبيعي أن يرقى الفن عن الصناعة، لأن الفن خلق، وابتكار، وتجاوز، وإضافة في حين أن الصناعة هي صنع لأنموذج، أو شكل محدد دون لمسات فنية إضافية على المنتج، ولهذا، فالفن لا يسمو فقط ببداعة صناعته، وإنما بمقامرته بكل شيء ليسمو الفن عن غيره من الفنون.

ومن يطلع على قصائد بشرى البستاني لاسيما الصوفية منها يلحظ خصوبة مردودها الجمالي، وغناها بالمثيرات الجمالية؛ومصدر جماليتها لا يقتصر على شكل دون آخر؛ أو رؤية دون أخرى، إنها اشتغال مركز على تقنيات فاعلة في تشكيل بنية القصيدة؛ لإبراز متغيرها الجمالي الآسر؛ من خلال تنويع الرموز، وغنى المعجم الصوفي لديها بالدلالات، والمفردات الجديدة، وهنا؛ تكمن الإثارة الشعرية في قصائدها من خلال فواعلها الكاشفة، ومتحركاتها النسقية الخلاقة، كما في قولها:

تلتصق دمعتي

على ليل يتكسر في دمي

ثم يضيء في غفلةٍ أطراف الوجود

ينهض عشبٌ وردي على ساعديك

وتنهمر النجوم في غفوتي الأخيرة

آه.. يا لذلك البرق الذي أضاء شِعابَ الغابة

سأل عنك الشجرَ والنبعَ ونجمةً بعيدة

لكنهم صمتوا" (62) .

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الإثارة الشعرية التي تحققها قصائد بشرى البستاني تتمركز الحدث الشائق والصورة الصوفية اللاهبة، والدلالة المضاعفة، والرؤيا الخلاقة، والأنساق التشكيلية المراوغة، والرشاقة السردية، والتناص المتلاحم في النسيج الشعري؛ وكأنه جزءاً لايتجزأ من شعرية القصيدة ومنتوجها الجمالي.

ولو دققنا في المقتطف الشعري السابق لأدركنا جمالية الصور الصوفية المركبة، ونقصد بالصورة الصوفية المركبة: الصورة التي ترتكز على الأخرى، وترتبط دلالتها بها ولاتنفصل عنها، والغاية منها تعميق الرؤيا الصوفية، وخلق صورة مبتكرة من تداخل صورتين أو أكثر في النسق الشعري الواحد، وهذا ما اعتمدته الشاعرة في الصور المركبة التالية: [تلتصق دمعتي/على ليل يتكسر في دمي/ثم يضيء في غفلةٍ أطراف الوجود]، إن الصورة السابقة ترتكز على ثلاث صور، للدلالة على فاعلية المزج والتركيب الرؤيوي في النسق الصوفي للتعبير عن معنى مركب ودلالات متداخلة، وهذا الأسلوب المزجي في تركيب الصور تعضده جمالياً بصور مفردة أحياناُ، ومركبة في بعض الأحيان لتكثيف منتوج الرؤيا الصوفية، وإبراز ملمحها الجمالي على شاكلة الصور المفردة التالية: [ ينهض عشبٌ وردي على ساعديك/وتنهمر النجوم في غفوتي الأخيرة]؛وهذا دليل خصوبة الرؤيا الصوفية بالدلالات والإيحاءات الجديدة التي تكشف الدلالة العميقة، والمعنى المراوغ.

وقد تعتمد الشاعرة في تحقيق الإثارة الجمالية على النسق التصويري المبتكر، ودلالاته المحمومة في السياقات الوجدية التني تتطلب حرارة في الموقف، وبلاغة في إصابة المعنى البعيد، كما في قولها:

"فأعتذرُ لوجنتيكَ من برد أصابعي

ولخصرك من وهج ساعديْ

ولقلبك أعتذرُ من ضجيج شوقي

هل صار الرحيلُ غريمي

كيف وكرمةُ دمعي تشرب عبير وجنتك

وقلبك يضمِّدُ ذعرَ صمتي

والصفصافُ يخونْ" (63) .

لاشك بداية في أن منابع الإثارة الجمالية في قصائد بشرى البستاني تتنوع بتنوع الرؤيا والصور الملتهبة في تمثيلها وتجسيدها فنياً؛ وهاهنا؛ حققت الشاعرة منابع هذه الإثارة عبر حساسية الصور البليغة والدلالات الوجدية المحمومة بحنكة عالية الإثارة والتركيز، كما في نسق الاستعارات التالية: [ فأعتذرُ لوجنتيكَ من برد أصابعي/ولخصرك من وهج ساعديْ]؛ واللافت بلاغة الرؤيا المرتبطة بها كحالة من الدلالة بعمق عن منتوجها الرؤيوي اللاهب، وإحساسها العاطفي الوجدي المحموم، وكأن الصورة تخرج من جسدها اللفظي لتلبس الحساسية الجمالية برقة بالغة الإثارة والتعبير عن وهج الحالة، وعمق ما أصابته في النفس من لذة ومتعة، على شاكلة قولها: [ كيف وكرمةُ دمعي تشرب عبير وجنتك/وقلبك يضمِّدُ ذعرَ صمتي]؛ وهكذا، تتأسس الرؤيا الصوفية على مرجعية الرؤيا والحدث الجمالي في تشكيلها، مما يدل على أن منابع الإثارة الشعرية في قصائد بشرى البستاني متنوعو لكنها جلها تصب في بوتقة التشكيل والرؤيا البليغة، والحدث الجمالي المعبر عن عمق الحالة، ومردودها الخلاق.

 

......................

هوامش

(42) المرجع نفسه، ص531.

 (43) المرجع نفسه، ص531.

 (44) المرجع نفسه، ص537.

 (45) المرجع نفسه، ص 543.

 (46) المرجع نفسه، ص 545.

 (47) المرجع نفسه، ص 547.

 (48) المرجع نفسه، ص548.

 (49) المرجع نفسه، ص546.

 (50) المرجع نفسه، ص547.

 (51) البستاني، بشرى- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص66.

 (52) البستاني، بشرى، كتاب الوجد، ص25.

 (53) البستاني، بشرى/2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص35.

 (54) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 382.

 (55) المرجع نفسه، ص382.

 (56) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص144.

 (57) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 363.

 (58) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 345.

 (59) المصدر نفسه، ص345.

 (60) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 211.

 (61) المرجع نفسه، ص210.

 (62) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص66.

 (63) المصدر نفسه، ص164.

 

 

 

1 - المغامرة الجمالية: ما من شك في أنه ما من متعة أسمى، ولا أرقى من متعة الجمال، والمغامرة الجمالية؛ فالفن مغامرة جمالية قبل أن تكون مغامرة إبداعية، ومغامرته الجمالية تبدأ من لحظة إحساسه، وصولاً إلى لحظة إنتاجه، واكتمال بذرته الإبداعية، وتقييمه، وروز قيمه الجمالية؛ فالفنان الجمالي هو خالق إبداعي يتحثث الأشياء، يتلمسها، يحركها، لينفث فيها روح الحياة من جديد، ولن يرقى الفنان في مغامرته الجمالية إلى آفاق إبداعية خصبة إلا حين يرتاد عوالم تخييلية جديدة، ويبتكر طرائق فنية جذابة في جعل منتجه الجمالي يحايث عوالمنا الداخلية، ليحرك فينا مشاعر قد خمدت، وآمالاً قد انقطعت، وكأننا خرجنا تواً من روتين الحياة، مصقولين بالموهبة، والشعور، والحس الجمالي، فالفنان ليس من مهمته على الإطلاق إبهارنا، ومفاجأتنا بمنتوجه الإبداعي جمالياً، بقدر ما من مهمته الرئيسة جذبنا إلى لذة قد فقدناها، وإحساس جمالي قد رانه الصدى طويلاً، وفجأة تحركت فينا المشاعر في أخاديدنا القديمة؛ واتقدت جذوة الجمال فينا من جديد؛ لحظة أن وجدناها في هذا الشكل الفني أو ذاك، فعادت جذوة المتعة والشرارة الإبداعية التي خمدت منذ زمن طويل لتصطلي من جديد في أعماق أعماقنا، وبهذا المعنى يقول جان برتليمي: "لست واثقاً من أن يكون لدى الفنان النية حتى ولو كانت لا شعورية- في منح الحياة والحركة لأعماله، كما تفعل الطبيعة بالحيوان، والإنسان؛ ولا أظنه يشعر بشيء من الألم إذا لم ينجح في هذا" (20) .

وهذا القول على ما فيه من مجازفة كبيرة، أو مغالطة قد تبدو للمتلقي منذ الوهلة الأولى، صحيح لأن المبدع –لا يأخذ باعتباره- أن يحرك الأشياء، وإنما يحرك الأحاسيس إزاء الأشياء، ويبعث فيها روح الجمال، أو روح النبض الجمالي في نمنمة الأشياء، وتشكيلها كما لو أنها مخلوقة من جديد، وتظهر لأول مرة، بحيويتها الخصبة، وألقها الجمالي، يقول (مالرو): " الواقع أن الفن يدخل بنا عالم الإبداع الفني الذي يحل محل عالم الواقع، التافه، اللاإنساني. والحركة التي يبديها الفنان حركة رجل ثائر ينافس العالم، ويضع في وجه هذا العالم عالماً آخر" (21) .

فالفنان لا يهمه فقط المغامرة، والمجازفة الجمالية، وإنما يهمه أن يبني عالمه الإبداعي بعيداً عن حيز الواقع الروتيني الممل الذي أنهكته القوى البشرية، والنظرة التافهة إلى حركة الأشياء، فالفن لغة تحطيم الأشياء، والخلوص من خلالها إلى فن الإخصاب الجمالي، ونمنمة الأشياء بصورة غير مألوفة، ولهذا، يبقى الفنان في رحلة اغتراب وقلق دائم، يجسد هذا القلق بشكل فني جمالي؛ وبقدر ما يرهقنا المبدع بتأزماته، وانكساراته الشعورية الحزينة، بقدر ما يمتعنا بلذة التجربة وجمالية التعبير عنها يقول جان برتليمي: " يعمل الشيء الجميل على إسعادنا وإنهاكنا في آن واحد" (22) .

فالفن الجميل هو الذي يهزنا من الداخل، وينهكنا في متابعة حيثياته الجمالية لتلمس مسبباته الجمالية وخلفياته الشعورية، فالفن الجمالي هو فن إثارة الغريزة المدهشة- حسب العالم الجمالي برادين: " إنها هذه الغريزة المدهشة الأزلية للجمال التي تجعلنا ننظر إلى الأرض، ومناظرها كملخص وتقابل للسماء. إن العطش الذي لا يروي لكل ما هو فيما وراء الدنيا، والذي تكشف عنه الحياة لهو دليل على أبديتنا، والروح ترى عن طريق الشعر، ومن خلال الشعر" (23) .

فالدهشة التي يثيرها المنتج الجمالي هي التي تحفزه وتثيره، وتبعث فيه اللذة الجمالية من جديد، ولذلك، تعد المغامرة الجمالية مغامرة إبداعية شاقة؛ لأنها تتطلب مهارة، ووعياً، وإدراكاً فنياً، وخبرة إبداعية حقيقية في تحقيق اللذة، والإثارة الجمالية، يقول برتليمي: " إن اللذة الجمالية تملأ كياننا الروحي، وتكشف عن مطالبه، في حين تشبعها في نفس الوقت، ولهذا، كان التأمل الجمالي علاجاً عظيماً لضجر الحياة، ولا نقصد هنا" الضجر العابر، أو ذلك الضجر الذي نرى منبته، أو هذا الذي نعرف حدوده، بل نقصد الضجر الكامل، أو السأم الخالص، السأم الذي لا يرجع إلى سوء الحظ، أو إلى العجز، والذي لا يختفي بظهور ظروف طيبة. أي ذلك الذي لا مادة له إلا الحياة نفسها... إنه هذا الضجر المطلق الذي هو في ذاته الحياة عارية عندما تنظر إلى نفسها بوضوح" (24) .

ومن أجل ذلك، تعد المغامرة الجمالية هي المحرك الشعوري الداخلي للتفرد، والتميز الإبداعي؛ وتأسيساً على هذا، فإن ما يستثير اللذة الجمالية هي المغامرة الجمالية في التقاط الشكل الفني المناسب والأسلوب الجمالي الرائق في التخييل الفني؛ من حيث بداعة العالم التخييلي المجسد، وغناه المعرفي؛ وبقدر ما تزداد المغامرة سموقاً، واختراقاً فنياً لأساليب جمالية معتادة، إلى آفاق خصبة من الإبداع والتخيل الجمالي، بقدر ما تزداد جاذبية المنتج الفني، وسحره الإبداعي، يقول جان برتليمي: " الفن موهبة.. وجدية الفن جدية تتحول إلى مأساة" (25) .

والفنان لا يمكن إلا أن يكون جاداً في مغامرته الجمالية في البحث عن أسلوب جديد، وطرائق تشكيلية مبتكرة، تساعده على الارتقاء بمستوى منتوجه الفني، بالارتكاز على أسس جمالية، تتفتق لحظة النشوة والانعتاق الوجودي القصوى، ولهذا لا تثمر المغامرة الجمالية، إلا بالارتكاز على محفزات ومثيرات فاعلة تعزز الموقف الشعري، وتستثير الحساسية الجمالية.

وما ينبغي التأكيد عليه أن فاعلية المغامرة الجمالية المؤثرة في قصائد بشرى البستاني تتمثل في مغامرتها بالشكل اللغوي، عبر النسق الجمالي المؤثر، والحياكة الفاعلة التي تعتمد الرشاقة والحساسية التعبيرية، والدهشة التصويرية التي ترفع سوية الأنساق، وتستثير الرؤية الصدمة، لدرجة التكثيف، والإثارة واللذة الجمالية على شاكلة قولها:

"تتهشَّمُ العبارةُ ويضيقُ الأفقْ..

وأبحثُ عنكَ في كل شيءٍ

فلا أجدُ في الغياب شيئا وأجدكَ في كلِّ شيءْ.

أتلمَّسُ أفياءَكْ

أغيبُ عنك لألتقيكْ.

أغيب لأتوحّد بكْ

أغيب فأتلعثم بأنوارك

أغيب فأجدك تفتح عينيك في شغف قلبي

أصمتُ فأسمعكَ في خلايايَ تدعوني" (26) .

إن المغامرة الجمالية تتبدى في الحنكة التعبيرية في بث الصورة الدافقة التي تفيض بحالتها الوجدية، وحالة الاستغراق الصوفي في الأشياء؛وكأن ثمة اعتكافاً في اللغة نلمسه على صعيد الاستعارات التي تفيض بدلالاتها ورؤاها ومداليلها الصوفية المكثفة للحالة الصوفية باحتراقها الشعوري، وكثافتها العالية، كما في قولها: [ أتلمَّسُ أفياءَكْ/أتلعثم بأنوارك/أسمعك في خلاياي]؛ إن هذه الأنساق فاعلة في مغامرتها الجمالية وإصابة المعاني الصوفية الملتهبة في توصيف الحالة بكل اتقادها واحتراقها الصوفي، وبثها الرؤيوي العميق، ودلالاتها المفتوحة على أشدها؛ ممايدل على وله مطلق في الكشف والإثارة والفاعلية والتأثير.

وقد تثبت مغامرتها الرؤيوية الناجحة عندما تشكل النسق اللغوي الاستعاري الخلاق في توصيف الحالة الوجدية أو الصوفية الملتهبة، والارتقاء بها جمالياً على شاكلة قولها:

"يا أشلاءَ العذارى المنثوراتِ على أرصفة الوحشة ِ

دثريني

بما يتساقط من عناقيد دمعٍ يلوّنُ عينيك ِ

وبأقواس قزح الحزنِ التي أستظلُّ بكِ منها،

بنقاء كل نبياتِ الكون ينهمرُ من طُهر وجهك..دثّريني

بأنوار غربة مريمية تسري

بوجعٍ عراقيٍّ ضاقتْ أزرارُ جروحه ِ

وخانه الإيجازُ والمجازْ." (27) .

لابد من الإشارة بداية إلى أن المغامرة الجمالية الفاعلة هي التي تحرك الأنساق الشعرية، وتكشف مؤثرات الرؤيا، وفواعلها النشطة داخل المتن الشعري؛ ولهذا، عمدت الشاعرة بشرى البستاني في قصائدها إلى شعرنة الأنساق التصويرية الدالة التي تتحرك بكل اتجاه؛ مما يدل على حرفنة جمالية تشكيلية في اختيار النسق الجمالي المتحرك على مستوى الدلالات، والصور الموحية بدلالاتها ومؤثراتها الجمالية، وهاهنا، تشتعل الرؤيا الشعرية جمالياً، بالارتقاء بالمشهد الصوفي، إلى آفاق رؤيوية، منفتحة في إحساسها وبريقها الجمالي؛ من خلال زخم الدلالات التي تفيض بها كل صورة على حدة؛ معبرة بقوة عن وقعها الجمالي، وإحساسها المتقد، على شاكلة الصور التالية: [ يا أشلاءَ العذارى المنثوراتِ على أرصفة الوحشة ِدثريني/ بما يتساقط من عناقيد دمعٍ يلوّنُ عينيك ِ /وبأقواس قزح الحزنِ]؛ وهذا يعني تعدد المعطيات الدلالية والصوفية الفاعلة التي تتحرك بكل اتجاه، لإبراز حركية النسق وتناغمه مع الموقف الشعري، وإحساسها الصوفي اللاهب بالتوق والصبابة والوجد العميق.

ومن فواعل الحدث الجمالي والمغامرة الجمالية الآسرة في قصائد بشرى البستاني تنويع الاستعارات، والأنساق التصويرية المتحركة لتشتغل على الحدث الجمالي والمشهد المتوتر، كما في قولها:

"وأعرّيك بأصابع اللهب فتُقبلينْ.

وأقولُ.....

أحبك ِ،

فينفرطُ الرمانُ، وتشتبكُ الأضواءُ بالألوانْ

وتقولين للتقوى، هيت َلكِ.

وللمعصية...تزلزلي.

والمعصية ُهذه الوحشةُ الموصدة ُعن اليقين

واليقينُ حضورُكِ في أمن صدري

حيث تبتدئ صحارى الكون ِ،

وترتعشُ بالنشوةِ الجذورْ" (28) .

من الملاحظ أن مؤثرات المغامرة الرؤيوية الناجحة في أية قصيدة- على الإطلاق الرؤيا العميقة والدلالة المزدوجة البليغة التي ترمي ما وراء الملفوظ الظاهر إلى جوهر الرؤيا ومحورها الارتكازي؛ وهذا يعني أن محركات الرؤيا الحدث الجمالي، والإحساس الرؤيوي الخلاق؛ وهذا ما ارتكزت عليه القصيدة في سيرورتها وحراكها الجمالي، مما يدل على حرفنة، بالانتقال من نسق إلى آخر؛ ومن متحول جمالي، مؤسس على التناغم، والاتقاد العاطفي إلى حدث جمالي آخر؛ من خلال عمق الاستعارة الملتهبة (أعرّيك بأصابع اللهب فتُقبلينْ.وأقولُ.....أحبك ِ، فينفرطُ الرمانُ، وتشتبكُ الأضواءُ بالألوانْ/ اليقين حضورك في أمن صدري) ؛ وهذه الاستعارات بدلالاتها الصوفية تفتح آفاق المعاني والدلالات المضاعفة، لتؤكد مخزونها الجمالي، وحراكها النصي.

وما ينبغي ملاحظته أن المغامرة الرؤيوية الناجحة هي التي تفتح آفاق مداليلها على ماهو ماورائي، أو غير ملتقط، في اللغة والحساسية وبداعة التعبير، أي تلك الرؤيا المواربة أو المخالفة في نسقها، والتي- بدورها- تعزز بكارتها وعمقها من عمق متغيرها أو مؤثرها الجمالي الخلاق الذي تقوده في نسقها، وتعززه في خانة موقفها، وحدثها، وحالتها الشعرية المجسدة؛ولهذا تتنوع فواعل الرؤيا الشعرية في قصائدها جمالياً، باختلاف مؤثرها اللغوي البليغ المزدوج الدلالة، الكثافة، والإيحاء، كما في قولها:

"روحي وردةٌ وروحك الماءْ

وصوتك المعنى

وأنت... مضمرٌ في تلافيف أحبُّك،

في ضمتها المقفلة على الباء

في اللهب الحامل على أجنحته أساورَ الموج،

في حرير تشرعه الغيماتُ إذ تجيء إليْ" (29) .

إن هذه الفاعلية في التلاعب بالمحسوسات، لاجترار المجردات والمعاني الماورائية البعيدة من خصوبة الشعرية وفواعلها المؤثرة في تعضيد شعرية الرؤيا البليغة، ومرجعيتها الخلاقة، وهنا، تلتقط الشاعرة المؤثرات الجمالية البليغة في نسقها الصوفي المشتعل دلالة وخصوبة، وفاعلية، وإيحاء، كما في قولها: [روحي= وردةٌ/ روحك = الماء]، إن هذا المزج ما بين المحسوس، والمجرد، في بنية الصورة عبر الجسد اللغوي المتقد الذي يتضمنها من فواعل الرؤية الجمالية، والمخيلة الخلاقة، وكأن الشاعرة تتخير اللقطة التعبيرية الخلاقة في تصوير عمق الحالة الصوفية وانفتاحها الجمالي، مما يدل على شعرية خلاقة في هذا الشكل أوذاك، وهذا النسق التعبيري أو النسق الآخر؛ وهكذا، تتأسس فواعل الرؤيا الصوفية في قصائد بشرى البستاني على الدلالات المراوغة والحدث الجمالي المثير، والمغامرة الناجحة في ارتياد آفاق دلالية خصبة في الخلق والتعبير الجمالي الآسر.

2 - الصدمة الجمالية أو الحدث الجمالي الطارئ (المفاجئ):

لاشك في أن لكل فن صدمته الجمالية، ولعل من أولى مهام الرؤيا الجمالية إحداث الصدمة الجمالية، إثر مشهد، أو صورة، أو نسق لغوي جذاب؛ يستثير الحساسية، والرؤيا الجمالية؛ وهذه الصدمة هي التي تفعِّل الرؤيا الجمالية، وتحقق متغيرها الإبداعي الخلاق؛ ولا نبالغ إذا قلنا:

إن أي منتج إبداعي مؤثر يتمتع بروح الفن، أو روح المتعة الفنية لا بد وأن ينطوي على صدمة جمالية، أو صدمة إيحائية؛ حفزته، وأكسبته قيمته الفنية، أو الجمالية؛ وغالباً ما تأتي هذه الصدمة الجمالية إثر الحدث الطارئ، الذي يقدح الشرارة الإبداعية؛ كما قلنا من قبل؛ ولهذا، عمد عدد من الفنانين التجريديين إلى ممارسة بعض الأفعال التجريدية، لاستحداث الصدمة الجمالية، للرقي بنتاجاتهم الإبداعية، ولوحاتهم الفنية إلى منتهى المتعة، واللذة الجمالية، وهذا ما نوه إليه عالم الجمال (جان برتليمي) بقوله: " ألا يحكى أن (ماكس إرنست) كان يحك لوحته على الأرض، ويستخدم ما تقدمه له المصادفة الرئيسة نتيجة هذا الاحتكاك بين اللوحة والأرض، ليبني خيالات شيطانية مذهلة؟" (30) .

وبهذا، فإن التجريديين سعوا عبر تقنية التجريد، إلى البحث عن المصادفة، لعلهم بذلك يجدون طريقة لصناعة المصادفة الإبداعية، أو الصدمة الجمالية التي تحرف مسار الفن، وتخلق المتعة الجمالية الخاصة؛ يقول (ريفردي) : " إن الفن يبدأ حين تنتهي المصادفة؛ ومع هذا فإن كل ما تجلبه المصادفة يضفي عليها ثروة جديدة .. ودون هذه المصادفة، بصفتها مصدراً لن تبقى إلا القواعد الثابتة" (31) .

فالفن- إذاً- هو نتاج لحظة انحراف أو تصادم شعوري مع المعارف، لاكتساب اللذة الجمالية، أو الفن الإيحائي الهادف.. وتبعاً لهذا، يعد فن الشعر من أكثر أنواع الفنون غنىً بالمصادفات، أو الصدمات الجمالية، لأنه الفن الجمالي الأرقى بين الفنون؛ يقول (سترافنسكي): " إن المبدع الحق لا يحتاج إلى الجري وراء شيء يبحث عنه ليكتشفه.. لكن المعروف هو أن الذي يثيره- دائماً- ويدعوه للعمل هو أقل حدث يسترعي انتباهه.. حدث يقود عمليته، ويوجهها. فإن انزلقت إصبعه مثلاً التقط هذه الانزلاقة العشوائية، واستخرج منها فائدة، أو استبان عيباً" (32) .

وبهذا التصور، فإن الصدمة الجمالية/ أو الحدث الطارئ (المفاجئ) عنصر إبداعي تحفيزي بارز في المجازفة الفنية، أو المقامرة الجمالية، وبقدر ما ينتشي الفنان بالصدمات الإبداعية، التي يولدها في منتجه الفني بقدر ما يستثير الاهتمام، وينتج الإبداع الإيحائي المؤثر، وتبعاً لهذا يقول: " فإن الفنان لا يخلق الحدث الطارئ، بل هو يلاحظه، ليستوحي منه، ولعل هذا هو الوحي الوحيد له.. فمؤلف الموسيقى يبدأ في تأليف دوره، كما يبحث الحيوان عن شيء يأكله.. ونحن نبحث وننتظر... نبحث عن لذة تقودنا، توجهنا في هذا حاسة خاصة.. لكننا قد نصطدم فجأة بعقبة مجهولة، فنشعر بصدمة تعمل على إخصاب قدراتنا الإبداعية" (33) .

إن الصدمة الجمالية إذاً- هي الصدمة الفاعلة في تحفيز المبدع والمتلقي في آن. الأول (المبدع) في خوض المقامرة الجمالية الهادفة، خوضاً فنياً إبداعياً (غير متوقع) ؛ والثاني (المتلقي) في خوض المقامرة الجمالية الهادفة عبر كشف المنتج الجمالي، وتفكيك جزئياته، لكشف مغرياتها، ومحفزاتها الجمالية، يقول (ريفردي): "إن هذا التعاون الذي تقدمه المصادفة غير المتوقعة مليء بإمكانات لم تكن قائمة، ولم تبحث عنها، وهي تأتي في ميعادها، لتخفف من جفاف ما قد يكون جافاً في الأعمال الصادرة عن إرادتنا الهادئة" (34) .

وهنا، لا بد من التنويه إلى أن الصدفة الجمالية أو الحدث الطارئ لا يزيد فاعلية المقامرة الجمالية إثارة إلا حين يتم التقاطها من مبدع جمالي حساس، قادر على التقاطها، وترجمتها بالأسلوب جمالي يستطيع أن يولد من هذا المثير طاقة إبداعية خلاقة لا غنى للمنتج الفني المقامر جمالياً الاستغناء عنها، يقول (سترافنسكي) : " إن القدرة على الملاحظة والإفادة من مزاياها أمران لا يتمتع بهما إلا من كان متملكهما، أو على الأقل في المجال الذي يعمل فيه " (35) .

وما ينبغي التأكيد عليه أن الصدمة الجمالية أو الحدث الطارئ هي بمنزلة المادة الإبداعية الخام، فهي بحاجة إلى مبدع متمرس، حساس قادر على تحويل هذه المادة بمغامرته الجمالية، ومقامرته الرؤيوية إلى منتج إبداعي مثير، يقول جان برتليمي: " إن أحسن ما يمكن أن تقدمه المصادفة للفنان هو أن تقترح عليه فحسب، وعليه بعد ذلك، أن ينظم ويؤلف ويكون. لذلك لن تكون هناك مصادفات سعيدة[ مفيدة] إلا بالنسبة لرجل يعرف كيف يلتقطها ويفيد منها" (36) .

فالمهارة في تحويل هذه الصدفة إلى منتج فني مؤثر هو الذي يحدد نجاح المبدع في مقامرته الجمالية، أي أن المقامرة الجمالية تكتسب أهميتها من قدرة المبدع على الارتقاء بالمنتج الجمالي إلى حيز إبداعي ممتشق فنياً؛ فالصدفة الجمالية أو الحدث الطارئ بمنزلة شيك بلا رصيد، تمليه ثقافته ومهارته في تمويل المنتج، وإكسابه رصيده الجمالي الإبداعي المؤثر.

ومن يطلع على تجربة الشاعرة بشرى البستاني يلحظ الصدمة الجمالية التي تثيرها قصائدها على مستوى الأنساق التصويرية المراوغة في حسها الجمالي، وتشكيلها الفني المراوغ، هذا يعني أن من فواعل الرؤيا جمالياً احتشادها بالصدمات التشكيلية التي تباغت القارئ، وتحفزه جمالياُ، كما في قولها:

"أشدُّ بضفائركِ عروقَ قلبيَ كي لا تفرّي

وأدخلُ قلبك فردوسَ الفراديس

في الفجر أشدّكِ إلى النيران كي تنطفي،

وأقرأُكِ في الليل على ضوء الينابيعْ" (37) .

هنا، تلفتنا الشاعرة بصدماتها التشكيلية المراوغة، وحنكتها على مباغتة القارئ بالنسق الملتهب جمالياً للدلالة على اتقاد الحالة الصوفية، وكشف مغرياتها عبر الاستعارة الصادمة، أو النسق التشكيلي المراوغ، كما في النسق التالي: [ في الفجر أشدّكِ إلى النيران كي تنطفي، وأقرأُكِ في الليل على ضوء الينابيعْ]؛ فالصدمة التشكيلية اللافتة (ضوء الينابيع) أدت دوراً جمالياً في تفعيل الحالة الصوفية بكل فيضها وإيحائها الجمالي؛ وهذا الاشتغال على الاستعارة الصادمة والنسق اللغوي الحساس هو ما يعزز من شعرية القصيدة، ويرفع من وترها الجمالي الذي يفض رقة وحساسية جمالية، وقد جاء قول الناقد العراقي علي جعفر العلاق صائباً في الدلالة على توجهات القصيدة لديها وفواعلها الشعرية، إذ يقول: "تحتشـد قصيـدة البستاني بكل ما يمنحها القدرة الاستثنائية على البوح تارة، والتمزق المأزوم بالوحشة تارة أخرى . يتم كل ذلك في مـــزيج دلاليّ عصيّ على الفصم، وهكــذا فإن قصـيــدة البستانيّ تــذهب إلى هدفها دونما جهــــد تــزويقيّ مفتعل، تذهب مثقلة بالغضب أو مثقـلــة بالعذاب، صـادقـة في كلتا الحالتـين إلى أبعـد الحــدود. وهنا مكمن العـــذوبة في قصيدتها دوما" (38) .

وهذا القول يشير إلى دقة المرجعية الجمالية التي ترتكز عليها قصائد بشرى البستاني، لاسيما في مجال الابتكار والخلق النصي، وإثارة الصدمات المفاجئة في إلها ب الصورة والنسق اللغوي في السياق النصي، كما في قولها:

"في الليل ترسم خرائط َعمري.

ملونة ًببلاغة أصابعك

في الليل تنبثق أسرارُك وأشجارك في دمي

أقرأك على شعاع نغم خافت..

وأقول للطائف: اقتربي

لنحاصرَ المحنةَ، ونكسِّرُ عُراها.." (39) .

لابد من الإشارة إلى أن فاعلية الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- تتمثل في الصدمات التشكيلية التي تخترق الرؤيا المباشرة لتصيب الرؤيا العميقة، والدلالة المباشرة لتخلق الدلالة الخفية أو الدلالة الفاعلة في التحفيز النصي؛ مما يجعل النسق الشعري –لديها- نسقاً مراوغاً متحركاً برؤى ودلالات مفتوحة على أشدها؛ ممايدل دلالة أكيدة على مرجعية الرؤيا ومحفزها الجمالي، وهذا يدلنا على أن شعرية النسق الجمالي تتمركز على فواعل الرؤيا الصوفيسة ومؤثراتها التي تبعث الإثارة بالصور الملتهبة لإيحاءات والدلالات المراوغة كما في قولها:

"أعرني انتباهك

لأتعلق بغصون النور المتدلية من عينيك

وأطلقَ راياتِ حزني المشتعلِ في عشب صمتك

متسائلة عما وراء الأكمة من مخاض" (40) . (105-106) .

هنا، تبدو الأنساق متفاعلة في بث الحالة الصوفية، وكأن الصدمة التشكيلية في نسقها تؤسس ذاتها لتخلق نوسة جمالية في المسار النصي؛ وهذه الزحزحة والنوسة الجمالية من شأنها أن تشعرن الرؤيا وتخلق مؤثرها الجمالي الخلاق، مما يدل على أن من فواعل الرؤيا الجمالية الخلاقة تنويع الرؤى والدلالات وإثارة الأنساق الصادمة في وقعها، كما في الأنساق التشكيلية التالية: [ عشب صمتك= رايات حزني= غصون النور المتدلية من عينيك]؛ وهذه الأنساق تعبر بعمق عن الحالة الصوفية بانفتاحها ورؤاها العميقة.

وقد تنوع الشاعرة في مسارب الشعرية عندما تنتقل من إطار الصدمات الجزئية لتخلق الصدمة التشكيلية في الرؤيا الشعرية ذاتها، أي تخلق صدمتها في الرؤيا الجوهرية المحركة للمشهد الصوفي بحراكه وإحساسه العميق، كما في قولها:

"آه.. جبلي شاهقٌ وعلى استحياء يكشف يواقيته

وجبلك الغيابُ يرتدي شجر الزيتون ثوباً

فأتدحرج على سفح نجومه

وأتضرع تحت أكاليل ورده: أطلقني

لأسقيَ بذور الوديان بكؤوس من ذهب

وأخلعَ قميص العتمة عن بحرك اللجي

وادخلَ حدائقه لأضيعَ في الشعاب" (41) .

إن الصدمة الجمالية هنا تنتقل من إطار النسق الجزئي، لتدخل صلب الرؤيا، وهي بدلالتها تعبر عن فيوضاتها الوجدية لتتيه في شعاب التجلي الإلهي، وحدائق الوصال، ولتظفر بكأس الرضى، والقبول، بعد ليالي التيه الضياع، وعناء البحث الشاق المضني، وهكذا، تؤسس الشاعرة بشرى البستاني فواعل الرؤيا الجمالية في قصائدها على الأنساق التصويرية الصادمة في سياقها النصي، لدرجة تحفز النص، وتستثير حساسيته الجمالية، وهذا يدلنا على أن إثارة الصدمة الجمالية في نسقها يحقق للمشهد الصوفي أو الحالة الوجدية قمة الإثارة والخصوبة الجمالية.

وتأسيساُ على ما تقدم يمكن القول: إن تفعيل الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- ينطلق من الأنساق الصادمة التي تفاجئ القارئ في سيرورتها واستراتيجيتها الدلالية لتخلق متغيرها الجمالي الآسر؛ وهي بذلك ترتقي بالحدث والمشهد الصوفي الذي تجسده بحراك دلالي وتكثيف إيحائي بالغ الاختلاف والتنوع.

 

................................

هوامش

(20) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 240.

 (21) المرجع نفسه، ص 584-585.

 (22) المرجع نفسه، ص 385.

 (23) المرجع نفسه، ص 385.

 (24) المرجع نفسه، ص 384.

 (25) المرجع نفسه، ص 387.

 (26) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، دار فضاءات، ط1، الأردن، ص45.

 (26) المصدر نفسه، ص35.

 (27) المصدر نفسه، ص46.

 (28) المصدر نفسه، ص18-19.

 (29) المصدر نفسه، ص 166.

 (30) برتليمي، جان، 1970 –بحث في علم الجمال، ص165.

 (31) المرجع نفسه، ص 167.

 (32) المرجع نفسه، ص 167.

 (33) المرجع نفسه، ص167.

 (34) المرجع نفسه، ص 167-168.

 (35) المرجع نفسه، ص 168.

 (36) المرجع نفسه، ص 168.

 (37) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص88.

 (38) المصدر نفسه، ص75.

 (39) المصدر نفسه، ص101

 (40) المصدر نفسه، ص105-106

 (41) المصدر نفسه، ص 106-107.

 

لن يختلفَ منصفانِ في أنَّ الموسيقى تُشكِّلُ غذاءً جوهريَّاً للروح، وأنَّ النفسَ تستدعيها في حالتي الفرحِ، والحزنِ المتضادَّتينِ في الانفعالِ؛ وهاتانِ العاطفتانِ لا تُشبهانِ بقيَّةَ العواطفِ الوجدانيّةِ ، كالغضبِ، والهياجِ، والخوفِ، و الرعب، وما إليها، لأنَّ الانفعالاتِ الوجدانيّةَ ترتبطُ بمؤثِّراتها الآنيَّةِ، لهذا كانَ الغناءُ، والرقصُ الموقَّعينِ تعبيراً عن الفرَحِ، والشعورِ بالسعادةِ ؛ وكانَ الشجنُ، والنُواحُ تخفيفاً عن إحساسِ الإنسانِ بالألمِ المُمِضِّ، وإفراغاً لشحناتٍ قد تقودُ صاحبَها إلى مالا يُحمد عقباها لو أنَّها تصاعدت، ولن يكونَ هذا التخفيف بغير وساطةِ الموسيقى المعبِّرة عن تلك الحالات من اللوعةِ والألم.

 ويبدو أنَّ فيثاغورس الذي وُلِدَ قبل الميلادِ بنحوِ ستَّةِ قرونٍ تقريباً-570 ق. م- كان أكثر وعياً من بعضنا حين قال: (العالمُ مبنيٌّ بناءً موسيقيَّاً)، وهو قولٌ أكَّدهُ نيتشة على نحوٍ آخر حين قال : (العالمُ بدون موسيقى غلطة كبرى)، مع أنَّ ابنَ سينا الذي سبقَ نيتشة بثمان مئة عامٍ وخمسين رأى في الغناء الجميلِ مسكِّناً للأوجاع حين قال : (إنَّ من مسكِّناتِ الأوجاعِ ثلاث : المشي الطويل، الغناء الطيِّب، الانشغال بما يفرحُ الإنسان.)

 وعلى وفقِ ما مرَّ فإنَّ الموسيقى تبعثُ في نفسِ الإنسانِ النشوةَ، وتهدئ الأعصاب، فضلاً عن أنَّها تفكِّكُ الأحزانَ ، وتسكِّنُ الأوجاع، وتُحدِثُ في السلوكِ تغييراً ، ولستُ أغالي إن قلتُ : إنَّ بعضَ أغانِ السبعينيَّات، والثمانينيَّات قد دخلت قلوب العراقيينَ دون استئذانٍ قبل أنْ يعيروها أسماعَهم حين أدَّتها أصواتٌ شجيَّةٌ مفعمةٌ بالحنينِ صقلتها التجربةُ، وصفَّتها حناجرُ تمتلكُ كيمياءَ التأثير في نفوسِ المرهفين، فتوافقت أنغامُها اللحنيّةُ المعبّرةُ مع نصوصِها الجميلةِ، ومنها أغنية (طير الحمام) التي صاغها وغنَّاها الفنَّان المطرب رضا الخيَّاط، ولحّنها الملحّن الفنّان محسن فرحان.

*****

 كان الرملُ إيقاعاً لهذه الأغنية، وهو بحرٌ تتألَّفُ وحدتُهُ الإيقاعيَّةُ من تفعيلة فاعِلاتُنْ:

فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ ... فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ

 وهو من بحورِ الطربِ الغنائيّةِ التي تُثيرُ النشوةَ في سامعها، وقد كثُرَ استخدامُهُ في الشعر التفعيليِّ لخفَّتهِ ومرونتهِ، ولعل قصيدة نازك الملائكة (الخيط المشدود في شجرةِ السَّروِّ) التي كتبتها في العام 1948م خير دليلٍ على ذلك، فقد أوفت تلك القصيدةُ على مئةٍ وعشرينَ بيتاً، ودارت في سبعةِ مقاطع من غيرِ ضروراتٍ عروضيَةٍ، أو عيوبٍ وزنيَّةٍ، وهذه بعضُ أشطُرها من المقطعِ السابعِ : 

 

ويراكَ الليلُ تمشي عائداً

فَعِلاتُن  فاعِلاتُنْ  فاعِلُن

 

في يديكَ الخيطُ، والرعشةُ، والعرْقُ المدوِّي

فاعلاتُن  فاعِلاتُن  فَعِلاتُنْ  فاعِلاتُن

 

(إنَّها مـاتت...) وتمضي شارِداً

فاعلاتُنْ  فاعِلاتُن  فاعِلُن

 

عابثاً بالخيطِ تطويهِ وتلويْ

فاعِلاتُنْ  فاعِلاتُن  فَعِلاتُن

غيرَ أنَّ أغنيةَ (طير الحمام) تخلّصت من رتابةِ التقسيمِ الخليليِّ، فجعلت الصدر من ثلاثِ تفعيلات، وخفَّفتِ العجزَ فجعلتْهُ من تفعيلتين، وجعلتْ ضربَهُ مقصوراً، والقصرُ عِلَّةٌ، وهو حذفُ ساكنِ السببِ الخفيفِ في (فاعِلاتُنْ) وتسكين التاء المتحرّكة فتصيرُ (فاعِلاتْ) وتنقلُ إلى (فاعِلانْ) المساوية لها بالحركاتِ والسكناتِ. كما أنَّ الشاعرَ أفاد من تفعيلة القصر في بعضِ الأعاريض، مع ملاحظة وجوب حذفِ بعض الحروف عند تقطيع الشعر الشعبيّ، ودمج حرفٍ بآخرَ، والتنبُّه إلى أنَّ (الرمل) قد سُمّيَ باسمِ نوعٍ من الغناء الجاهليِّ، وهو بحرٌ يمكن عدُّهُ من فصيلة الرجز على وفقِ رؤيةِ الشيخ المرحوم جلال الحنفي، لذلك تتداخل أحياناً تفعيلة الرمل (فاعلاتن) بتفعيلة الرجز (مستفعلن) في الشعر الشعبي تحديداً.

 وإليكم الكلامُ مقطَّعاً عروضيَّاً :

 

بالله يا طير الحمام اللي تسافرْ ...... ودِّي لحبابي السَّلامْ

فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ......... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

واحمِلِ ابجنحك رسايلْ من تِهاجِرْ ......لِلِّي حرموني المنامْ

فاعِلاتُنْ     فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

 

بالله يا طير الحمامْ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

*******

بالله يا طير البراري اللي تغنِّي.......... فرِّح الدنيا بغناكْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

واخذِ ويَّاك الحبيبي اجمل سلامْ ....... وكَلَّه ما لحظة نِساكْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

زايد بكَلبه الهِيامْ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

*******

مرْ يطايرْ وابسماهمْ ديرةْ ديرةْ ..... خل يشوفونك حبيبْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

وكَلهم المحبوبْ ما ناسي اللياليْ....... بعدِ فركَاهُمْ غريب

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

راح من عينه المنامْ ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ.......   فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

*******

كَلهم اورود الحدايق  تنتظرهم ........ تنتظرْ عِشرَةْ زمانْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ........... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

والليالي جنَّةْ صارتْ وبـ إسمهمْ ..... فاضت الدنيا حنانْ

فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ...         فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

وراح من عينه المنامْ ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ     فاعِلانْ.......   فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

*****

 وإليكم رابط الأغنية التي طالما دخلت وجداني دون استئذان:

https://www.youtube.com/watch?v=AkEmCCQOwi8

 

 

 

عنوان الرواية ومنذ النظرة الأولى يؤشر للمتلقي انه أمام بيئتين وحضارتين مختلفتين، فجاسم ابن البيئة العراقية الشرقية الريفية بكل صفاتها ومواصفاتها، وطريقة حياتها من حيث العرف الاجتماعي السائد والمشبع بروح الجهل والتخلف والحرمان، والمقهور والمقبور بسوط سلطات قمعية استبدادية لعشرات القرون منذ ما قبل التاريخ ولحين التاريخ...

في حين تدل (جوليا) إلى حضارة الغرب وما يمثله من حرية في التفكير والعقيدة، وضمان للحرية الشخصية، وتقدم علمي، وسيادة القانون في دولة تضمن الحريات الخاصة والعامة، فلا رابط بينهما سوى حرف الجيم مفتتح اسميهما، ودالة كونهما من الجنس البشري، وهذا المعنى ما سوف نجده في متن الرواية وفصولها المتعددة ...

حاكم يعشق الحروب وشعب ضيعته الدروب !!!

تحكي الرواية قصة شاب مهاجر يعيش في لندن عاصمة الضباب والحب والجمال، يشده الحنين إلي وطنه، ويحفزه الوفاء لرؤية والدته التي أنهكها المرض ومعاناتها المرعبة من جور السلطات على زوجها (شلال) المناضل الذي قتل في جبال كردستان حيث كان ضمن فصائل الأنصار المقاتلة ضد النظام، وأولادها،(جاسم) و(سالم) المقيم في ألمانيا هربا من بطش النظام وقمعه الذي لا يرحم ...

(جاسم) يغيب في احد زنازين الديكتاتور متهما كغيره من العراقيين المتواجدين في الغرب، فالنظام المأزوم والمحارب من قبل الأنظمة الغربية، اخذ يشك بأغلب أبناء شعبه وخصوصا من المثقفين والمتعلمين من المهاجرين متهما إياهم بالتجسس لصالح الدول الغربية العدوة المتآمرة على النظام (الثوري)، وقائده المظفر حيث أصبحت الشهادة العلمية مثيرة للشبهات بالنسبة للنظام، الذي لا يأمن الا بالجهلة وأشباه الجهلة، وقطيع يأتمر بأمر الراعي وعصاه السحرية، التي يتكئ عليها كرسيه ويهش بها غنمه ...

يتعرض (جاسم) لشتى أنواع التعذيب والاهانة والتجويع والإذلال من قبل جلاديه في معتقله مطالبته بالاعتراف بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية وصلاته بالمعارضة العراقية (العميلة) في الخارج ...

لم يستطع الخلاص من السجن ا لا بعد إن اشتد القصف على بغداد وأخذت أجهزته القمعية بالتفكك، وبدافع من صحوة ضمير يبادر العريف (برهان) باستغفال ضباط السجن ومراتبه وفتح الأبواب للسجناء وإعطائهم فرصة للهرب، فليس مستبعدا أن يدمر السجن بمن فيه من قبل الطائرات المعادية في أية لحظة، وان بقاءهم كضباط ومراتب في هذا المكان الخطير مرهون بوجود هؤلاء السجناء، حيث ارتبطت حرية الجلاد بحرية الضحية ...

وهكذا كان، إذ استأجر (جاسم) سيارة أجرة إلي (كراج العلاوي) لتقله إلي مدينته الجنوبية، ولكنه يلاحظ الاستنفار الكبير لقوات الأمن ونصبها السيطرات في الطرقات وتقاطعاتها للتدقيق في هويات الناس، مما يدل إن انكشاف أمر هروبهم قد بلغ السلطات العليا فاستنفرت قواتها لإلقاء القبض عليهم، ترجل من السيارة راكبا بلما للعبور إلي الضفة الأخرى تحاشيا للوقوع في قبضة السلطات، ولكن قطعان الزيتوني المستنفرة أخذت تضيق عليه الخناق كلما اقترب من (كراج العلاوي)، بالإضافة إلي انه أدرك إن رقابتهم ستكون مشددة على ركاب السيارات المتجهة نحو الجنوب لذلك فليس من صالحه السفر في الوقت الحاضر ...فقرر إن يلتجأ إلي مكان يؤبه حتى تنسحب المفارز، فاستطاع أن يقفز إلي داخل (المتحف العراقي) ويختبأ بين أغصان شجرة الزيتون في حديقة المتحف

وهنا يعرج بنا الكاتب إلي دلالات جديدة ومنها :-

شجرة الزيتون

 لتكون مظلة حماية للسجين الهارب (جاسم) وهنا عودة إلي موروث شعبي وديني حيث تعتبر شجرة الزيتون شجرة مباركة ذكرت في القرآن الكريم، ورمزا للسلام والمحبة لكي يؤمن من خوف ويستظل بالسكينة وحماية المبارك، حاله حال الطيور الذي أحس خشخشتها بين أغصان الشجرة وهو يراقب حركة أزلام السلطة وهي تمسح الشوارع في الخارج وتدقق داخل سياج المتحف علها تعثر على صيدها وتطبق عليه بمخالبه القذرة، مكرسين كل وحشيتهم وقواهم للإجهاز على ابن الشعب ( عدو) الداخل، تاركين الأرض والسماء تحت رحمة العدو الخارجي الذي زلزل الأرض تحت إقدامهم وأصبح على قاب قوسين أو أدنى من قطع رؤوسهم وهدم قصورهم ..

ثانيا: المتحــــــــــف

اختار الكاتب أن يكون المتحف، إي تراث العراقيين عبر مختلف عصوره الموغلة في القدم ليكون مخبأه للخلاص من أيدي الجلادين، هذه التماثيل واللقى والكتابات التي تحمل تاريخ الشعب لآلاف من سنين خلت، منذ سومر وأشور، مستعرضا من خلال تجواله حروبهم وصراعاتهم، ودورية نشوء وازدهار ومن ثم خراب وانهيار ممالك لتحل محلها أخرى، يصرح ويلمح الكاتب عبر ملاحظات بطله للتاريخ الموغل في القدم من البطش والقتل والقهر للإنسان البسيط العادي وسيلة الحاكم الطاغية للسيطرة والهيمنة لتلبية ملذاته وبذخه وامتلاكه السهول والأنهار والهضاب والحيوانات والرقاب، منذ جلجامش وآشور بانيبال وانكيدو وألهتهم صاحبة الغرائز والميالة للبطش والتدمير لا يرضيها إلا إشباع رغباتها وغرائزها ونزواتها ... هي ومن يمثلونها من الكهان، اللذين وضعوا كل خيرات الأرض تحت سيطرتهم فامتلكوا الضياع والقلاع، وصادروا كد وجهد الإنسان الكادح – الم يخلق الإنسان من طين ودم الإله ليشقى ويكدح من اجلها -، استباحوا أجساد النساء تحت ذريعة البغي المقدس وزواج الإلهة النزقة الشبقة دوما، يبدأ موظفوا المتحف وحراسه يتملصون من الدوام تحت رهبة القصف واقتراب دبابات المحتلين من قلب العاصمة، تكسرت التماثيل وتمرغت هيبة الملوك في وحل الهزيمة لتقف عاجزة لا تدفع عن نفسها ضررا فتهاوت تحت أصوات الانفجارات، ثم أسرت ومثل بها من قبل رعاع الناس الذين هبوا كالجراد الأصفر يحطم ويأكل كل ما يقع في طريقها هنا يريد الكاتب إن يقول على لسان بطله الهارب بان لا سلطان الماضي ولا سلطان الحاضر يمكن أن يؤمن له حياة حرة كريمة آمنة، أما هذه الرعاع فهي كالهوام والحشرات تقبع ساكنة تحت أغطية القمع والقهر للطغاة، في حين تظهر كل همجيتها ورعونتها ولا معقوليتها فور رفع هذا الغطاء لتهب زرافات وقطعان لتدمر وتنهب كل مؤسسات الدولة التي لا تربطهم بها سوى رابطة الخوف والقمع،وتقتل وتلاحق رموزها، وما إن تفرغ من هذا الجنون الهستيري حتى تبدأ تتقاتل فيما بينها في قتال دموي فينهب ويسلب بعضها بعضا ...

المرأة ضحية الحاكم الغاشم والمجتمع الظالم

المرأة \ نرى وضعها في العالم الأول وقد تحققت لها اغلب حقوقها ومنها وفي مقدمتها الحرية الشخصية، فهي حرة الروح والجسد مثالها (جوليا) مقارنة بنظيرتها العراقية، حيث تقهر وتعهر وتستعبد الحرة العفيفة الشريفة من قبل سلطة الدولة والمجتمع،في حين يقطع رأسها النظام القمعي الحكومي والعرفي والديني كعقاب لعمل دفعت إليه دفعا شارك فيه الحاكم الغاشم والمجتمع الظالم .مثالها (أم راجحة) وابنتها (راجحة) التي رمي رأسها المقطوع من قبل وحوش الديكتاتور وحسب توجيهاته في حملته الإيمانية بتهمة ممارسة البغاء (خرجت المرأة الخمسينية بوجه اصفر كالليمونة، وعينين ذابلتين وشفتين زرقاوين،وعباءة موحلة ومرقعة تستقبل الطارق ولم يكن الطارق واحدا بل ثلاثة انزلوا كيسا أبيض من سيارة بيك اب عند قدميها، بعدها ركبوا السيارة وانطلقوا)ص222.

حال (أم راجحة) حال اغلب النساء العراقيات المحرومات من الحرية والعيش الكريم، الأرامل والمطلقات وفاقدات الأبناء والأزواج والأحباب في حروب قذرة هوجاء لا تنتهي، أخيارهم في السجون والمنافي والمعتقلات، وأشرارهم يد السلطة المجرمة وأدواتها القمعية من الجلادين والمخبرين والقتلة المأجورين .

المثقف الواعي هو الحائر المغترب المطارد المنبوذ

يجري (جاسم) حورا مستحضرا أهل العقل والعلم والحكمة في الماضي والحاضر،فهم ضحايا دائما، فيظهر (طه باقر) عالم الآثار لجاسم مرشدا ودالا ومشيدا بجهود علماء الغرب المضنية للكشف عن تاريخنا وتراثنا، وخوفهم على ضياع وخرابه، يستعرض مدراء المتحف ومنقييه وهم يذرفون دموع الأسى على سجل حضارات تمزقه اكف الجهلة، تحت نظر وسمع من جاؤوا تحت ذريعة التحرير والتنوير ...

لهم النعيم ولنا الجحيم

(مددنا لهم كفا تمتلئ عسلا، بصقوا على العسل وبتروا الكف، ثم استداروا لخانقهم يقبلون يده، ويركعون ليمسحوا جبهتهم بتراب قدميه....فلا فائدة من شعب تريد أن تشعره بوجوده ليكون رأسا فيرفض مندفعا بكل أسلحة العناد ليبقى ذيلا) ص117.

 بهذه العقلية يحاول المستعمر أن يظهر بمظهر المحرر، وحامل جرار الذهب والمن والسلوى لشعوب البلدان المستعمرة لكن شعوب هذه البلدان ناكرة للجميل، شعوب تعشق مستعبديها وتقدس طغاتها ومضطهديها، تهرب من النعيم إلي الجحيم إنها شعوب لا تستحق الحرية ولا تأنس الحضارة والتنوير ...

 نعم فالحرامي والوقائع والحقائق يوهم الشعوب بحسن نواياه، خصوصا وإنها ترزح أما تحت نير محتل أخر أو تحت حكم طاغية يسومها العذاب، ولكن المؤلم حقا إن يرى بعض مثقفي وأبناء هذه الشعوب ما يراه المحتل والمستعمر، غير مدركين إنهم بين نيران الحاكم المستبد وبين سندان وجشع وهمجية المحتل، فحالهم كالهارب من كلب مسعور ليحتمي بعرين أسد جائع، فلا حرية ولا أمان ولا رفاه للإنسان العراقي البسيط لا في زمن كلكامش ولا حمو رابي ولا في زمن الأتراك ولا الفرس ولا انكليز ولا البعثيين الصدامين ولا في زمن الأمريكان (المحررين)

هذا ما تثبته الوقائع والحقائق الناصعة على الأرض ...

نعم إنهم تمكنوا من نزع رداء الجهل والتخلف، وكسر صولجان طغيان السلطان والكهان في بلدانهم، وامنوا لمواطنيهم الأمن والأمان ومستوى مرض من العيش الكريم، ولكنهم عملوا على إدامة هذا النعيم بنهب ثروات وقتل حياة الشعوب المستعمرة وليس بالتقسيم العادل للثروة في بلدانهم، فهيمنت سلطات وطبقات الاستغلال على كراسي الحكم ومصادر الثروة عبر لعبة الديمقراطية المزيفة، تبهرنا نحن أبناء الشرق الواقع تحت طغيان طغاة جبابرة ....

ف (جوليا) وعائلتها وأجدادها من جند المستعمر لأهم ولا غم لهم سوى الحب والمتعة فهم من علية القوم ومن وسط الطبقة الحاكمة، التي بنت حضارتها ومفاخر عمرانها بعرق ودماء عمال وكادحي هذه البلدان ...

إن الإنسان في الغرب يعيش في نعيم الجنان في ظل أنظمته الاستعمارية الرأسمالية، بفعل ما نعيشه من جحيم تحت هيمنة أنظمتنا التي هي بالنتيجة صنيعة عالم (النعيم) وإحدى خدمه ومديمة رخائه .

مسح شامل للمكان،وحسابا للزمان واختيارا للشخصيات

ببراعته المعهودة تمكن الكاتب أن يحمل كامرته عبر حروف قلمه لتصور لنا مختلف شوارع وحارات وحاضر العراق بغداد معالمها وساحاتها وشوارعها في الكرخ والرصافة وحياة ناسها ك أبو ستار بائع البيض المقلي بالدهن الحر، وأم راجحة التي قطع رأسها أزلام النظام بدعوى ممارستها للبغاء، رغم انه الهارب ولكنه الراصد المراقب لما يجري كما يراه بطله (جاسم) أثناء سفره، واصفا شوارع وساحات ومباني مدينة (ليدز) البريطانية أثناء تجواله مع حبيبته (جوليا)، والسماوة مدينته الغافية على نهر الفرات، بستان مصيوي، وبستان آل ضويف وغيرها من الأسواق والحارات، و(فارما" الهندي، وحسين سلطان بائع الأعشاب وهاب شاكر، و(شهيد بشيشي الخياط)....

كما انه وضع أمام القاريء سجلا وافيا لأبرز المنقبين من الأجانب ممن كانت لهم انجازات كبيرة في اكتشاف العديد من الآثار الهامة والتي لا تقدر بثمن من بقايا حضارات العراق القديمة كالألماني (كولدوي)،و(ماكس ملوان)، و(اندريه باروت)، و(السير جارلس ليوناردوولي)، ومشروع الروائية الشهيرة (اجاثا كريستي) في الكتابة عن معاناة الإنسان العراقي في سجون الديكتاتور ....

وهنا يريد أن يوصل الكاتب رسالة هامة للمتلقي بان هذا التراث الخالد إنما هو ملك الإنسانية جمعاء شرقها وغربها، إن هذا التراث سجل حي لحضارة العراق وشعبه ولا علاقة له بالأنظمة الباقي منها ومن رحل، تخريبه والتفريط به جريمة وطنية وإنسانية كبرى .

أسلوب سردي امتلك موسيقى الشعر وجمالية النثر

يتميز الأديب زيد الشهيد بامتلاكه كنز لغوي لا ينضب وحس شاعري في اختيار مفرداته ووضعها في مكانها ومعناها المناسب، بحيث يشعر القاريء بان المفردة فرحة بما هي عليه لأنها في المكان والمحل والمعنى الأكمل والأدق والشامل، مما يجعلها تفيض بالمعنى الذي يمتع القاريء ويغني النص، ولو إننا أردنا أن نعيد صياغة عبارة أو جملة لما عثرنا أجمل وأفضل وأكمل مما هو كائن، وهذه صفة لا يمتلكها إلا كاتب متمرس يمتلك أسرار جمال أداته اللغوية خصوصا وان لغتنا العربية تكشف عن قدرتها المذهلة في التصوير والتعبير تمنحها بأريحية كبيرة لمن يمتلك مفاتيح أبواب رياضها الغنية بالمعنى ...

كما إن الكاتب امسك بقوة وتعامل بمهنية وحرفية عالية بخيوط الحبكة السردية، فأنتج نسيجا متماسكا منسجما، فامتلك بلاغة القول وكفاءة إيصال المعنى، مما يسعد القاريء ويأخذ بيده نحو مكامن الجمال والإبداع دون ملل ...

ولكن القاريء بعد إكماله قراءة الرواية لا ترتسم في مخيلته صورة شخصيات الرواية بما فيها صورة (جاسم) ولا (طه باقر) و(العريف برهان) ولا حتى لوالده (شلال)، فشخصياته تمر على القاريء اسماءا وسلوك وليست إشكالا هيئات وطبائع وحركات يتمثلها القاريء في مخيلته فيكسبها ذلك المزيد من الواقعية والحيوية والتميز وربما الفرادة ...

 وهنا لا يسعني الإشارة إلا إلي هفوة واحدة حيث يصف صورة الجندي جد (جوليا) والذي ذكر أنها بالأبيض والأسود ولكنه حين يصفه ملونا (كان شابا وسيما ببدله كاكية قميصها بجيبين عريضين وأزرار ذهبية وبنطلون تشد ساقيه أشرطة كتانية خضراء..) ص116.

أما من الجانب الفكري \ أرى إن هناك انبهارا بالحضارة الغربية الاستعمارية يولد عند القاريء إن البطل ومن ورائه المؤلف وكأنه يصدق بأن الدافع في استعمار مثل بلداننا إنما هو بدافع التحضر والتحرر وانتشال هذه الشعوب من براثن الفقر والجهل والقهر ...

كما أن هناك انحيازا لفكرة خاطئة كما نرى،تحاول بعض الايدولوجيات ترسيخها في أذهان الناس بأن الإنسان مجبول على الشر والقتل ولا فائدة من محاولات إصلاحه ليسير في طريق الحب السلام

 (إن الإنسان أيها الملك جبل على الشر، وروح القتل لديه متجذرة في أعماقه، دوافع السرقة، والعبث، والاستحواذ، والتشهير لا تزول من النفس البشرية أبدا) ص124. تعاد نفس الفكرة في ص 159.

وهذا رأي ينفيه علم النفس وعلم الاجتماع، والإنسان يولد صفحة بيضاء يرسم المجتمع والبيئة التي يعيش في كنفها عليها خطوطه وألوانه، فالسلوك منتج بيئي اجتماعي بالدرجة الأولى وليست صفة وراثية تخزنها جيناته كما تخزن لون عينيه وشعره وبشرته .....

ف (شلال) و(جاسم) و(سالم) و(طه باقر) وغيرهم الكثير وهم عراقيون وبشر، وكذلك السراق والقتلة وأزلام السلطة عراقيون وبشر أيضا، ففي الوقت الذي تمكنت ظروف القهر الاجتماعي والسلطوي إن تجرف قيم السلام والمحبة من أدمغتهم، فقد عجزت عن اختراق أدمغة وتخريب سلوكيات الفئة الأولى مما جعلها ترفع لواء مقاومة التعسف والظلم والقهر وتقديم التضحيات على طريق الحرية والكرامة الإنسانية ...

في الختام نقول إن الكاتب تمكن من إيصال رسالته الإبداعية بقدرة وكفاءة تستحق التقدير، ولا غرابة إن يوحد الحب بين روح(جاسم) ابن السماوة و(جوليا) ابنة لندن، فالإنسان أخ الإنسان بغض النظر عن القوميات والأعراق والأديان .

 

  العنوان دلالة المتـن

.................

* رواية (جاسم وجوليا)259 صفحة ط1 2016، دار امل الجديدة سورية - دمشق، لمؤلفها الأديب زيد الشهيد .

 

 

لا شك في أن الرؤيا الجمالية هي الرؤيا الإبداعية الخلاقة التي ترتقي بالنسق الشعري، وترقى بمستويات مؤشراته الجمالية، ولا ترتقي الرؤيا الجمالية إلا بمنتوج جمالي، وشكل جمالي جذاب؛ وهذا التفاعل والتضافر بين الإحساس الجمالي والشكل الجمالي هو الذي يرقى بالحدث الشعري، ومثيراته الجمالية، ولا نبالغ إذا قلنا:

إن شعرية أي منتج إبداعي تتحدد بالرؤيا الجمالية، والمقامرة الجمالية الناجحة لا تكتسب شعريتها إلا ببكارة هذه الرؤيا، وجدتها، ومدى مراوغتها لذهن القارئ، ومن هنا؛ فإن المقامرة الجمالية المثمرة هي التي تنبني على رؤيا جمالية، وحساً جمالياً مثيراً بالمنتج الفني المثير، يقول (مارتيان) : " إن القيمة الفنية هي وحدها التي تتخذ مكانها، لكن هذا يحدث عن طريق قوة عجيبة تربط بين تلك القيمة بوصفها نابعة عن الصفة الإبداعية الشاعرية، والعمل الشاعري الذي يطالب بالسيطرة على الحياة الإنسانية كلها، ويتخذ لنفسه وظيفة يعمل بها، ليهيمن على مصير الإنسانية كلها، فقد أقام كل من (بايرون) و(جوتة) أنفسهم أبطالاً أعظم من الأبطال التي صوروها في أعمالهم، وادعى (أرنولد) أن الشعر يستطيع إنقاذ العالم عن طريق ممارسة جميع الوظائف الأخرى للعقل، وعلى مستوى التعبير الشاعري" (1) .

وبهذا المعنى، أو التصور، فإن ما يرقى بالمنتج الفني القيمة الجمالية أو الشاعرية التي يكتسبها عبر الرؤيا الشاعرية، أو الرؤيا الجمالية التي ترقى بها الفنون جميعها؛ ولهذا يقال: إن الشيء الشاعري هو الشيء الجمالي الذي نحسه في قرارة أرواحنا، ولا نعيه، ولا نملك له تفسيراً على الغالب، فالجمال لا يقاس إلا بالجمال ذاته، ومحك الجمال هو الرؤيا المبتكرة، والشكل الجمالي المثير. ومن أجل ذلك، فإن المقامرة الجمالية الفاعلة أو الناجحة هي التي ترقى برؤياها، وتنجح بإتقان في توليد الحس الجمالي إزاء تأملها، أو اكتشافها، أو الوصول إليها؛ والمقامر الإبداعي الحق هو الذي يمارس جميع نشاطاته الإبداعية لتخليق منتجه الفني بجمالية غير متوقعة، أو غير مسبوقة، ولهذا قال (دوماس ألابن) : " يجب أن يكون الفنان نبيهاً" (2) . حتى يستطيع أن ينجح في مقامرته الجمالية؛ وينجح في تخليق رؤيته الإبداعية الفذة، يقول (ألبير كامي): "ليس الفن في نظري استمتاعاً هزيلاً بل هو وسيلة لتحريك أكبر عدد من الناس بأن يقدم لهم صوره مميزة للآلام والسعادة العامة" (3) .

وهنا، تنبع أهمية الفن من إثارته، وعنصر تأثيره في المتلقي، بما يثيره من انفعال، وحساسية في تلقيه، وهذا ينبع من جوهر الرؤيا التي تنطوي عليها الفن، يقول الشاعر اللبناني المبدع شوقي بزيع: "أنا أعتقد بأن الشاعر العظيم ممكن أن يكتسب أهميته من طريقة مقاربته للأشياء، سواء أكانت هذه الأشياء قضايا كبرى أم كانت تفاصيل جزئية، ممكن أن يكون الشاعر رؤيوي، ويكون شاعراً كبيراً، كما هو حال المتنبي، أو جلال الدين الرومي، وأدونيس، ويمكن أن يكون رؤيوياً، ويكون شاعراً سيئاً، لأنه لم يستطع أن يتمثل هذه الرؤيا عبر شعر حقيقي أو جميل، ومتميز ومغاير" (4) .

وبهذا التصور، يمكن أن نعدَّ الرؤيا عنصراً جوهرياً في الرقي بالمنتج الفني، والمبدع الذي لا يملك رؤيا عميقة ليس بمقدوره أن ينتج فناً إبداعياً جمالياً راقياً؛ لأن الرؤيا عنصر جوهري، في تحفيز المنتج الجمالي إلى قيمة جمالية مطلقة، أو عظمى. ولذا، فإن أولى مؤشرات الرؤيا الجمالية المقامرة العميقة التي ترقى بالنسق الجمالي أو الشكل الجمالي، لدرجة تسهم في تكثيف الإيحاءات، والرموز، لإخفاء الحقيقة، أو لصنع الحقيقة الجمالية المتخفية في كل فن من الفنون، فعظمة الفن تكمن في بحثه الدائم عن الحقيقة، وفي لذة البحث هذه تكمن لذة الفن، يقول (بيرجسون): " إن الفن سواء أكان تصويراً، أو نحتاً، أن شعراً، أو موسيقى، ولا هدف له إلا إبعاد الرموز المفيدة عملياً والعموميات المقبولة تقليدياً واجتماعياً، وبالاختصار كل ما يخفي الحقيقة يضعنا وجهاً لوجه أمام الحقيقة نفسها" (5) . ومن هذا المنطلق فإن الفن الإبداعي الحق هو فن التلذذ بالرؤيا، والتلذذ بالشكل الجمالي الذي تتجدد فيه هذه الرؤيا، وتكمن لذة المقامرة الجمالية في التفنن بالشكل الجمالي، بإيحاءات الرؤيا أو الخلفية الجمالية للنسق الفني الذي يتجسد فيه، يقول بيرجسون: "الفن الحق يهدف إلى تصوير فردية النموذج، ولذا، فهو يبحث خلف الخطوط التي نراها عن الحركة التي لا نراها، ويبحث خلف الحركة نفسها عن شيء هو أكثر سرية وغموضاً.. ونقصد النية الأولى، والأماني الرئيسية للشخص" (6) .

أي الرؤيا الشعورية التي تحايث عالم الجوهر، أو الحقيقة، أو المثال، وبقدر ترسيم الرؤيا في أبعاد شعورية عميقة يزداد تناميها داخل المنتج الفني، ويزداد تناسب الشكل جمالياً لهذه الرؤيا، وبذلك تغدو المقامرة الجمالية الناجحة مقامرة خصبة رؤيوياً، وتكشف جمالياتها عبر التلاحم بين الحركة التي تولدها الرؤيا، والشكل الحيوي الجمالي النابض للمنتج الفني المثير، أو المتوالد جمالياً عبرتمثيلها الفني الدقيق لهذه الرؤيا. وعلى هذا الأساس: "يزداد العمل الفني جمالاً كلما أدخلناه في الحياة الخاصة لهذا العمل الخلقي، إذ إن الجمال ينتمي إلى الشكل، ولكل شكل أصله في حركة ترسمه، وما الشكل إلا حركة قيم يتم تسجيلها" (7) .

وهذه الحركة هي التي تمنح الرؤيا توالدها الجمالي؛ وحراكها الدافق وبقدر ما تزداد هذه الحركة تموجاً، وتنوعاً في المنتج الفني، بقدر ما يزداد العمل الفني جمالاً وجاذبية إيحائية. ولهذا، لا غنى عن جمالية الرؤيا، ورشاقتها، وتنوعها في خلق المقامرة الجمالية الفاعلة، في رفع سوية المنتج الفني جاذبية إيحائية، وتفعيلاً جمالياً.

فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد بشرى البستاني:

لاشك في أن الرؤيا الشعرية الخلاقة المنتجة هي أساس كل فن جمالي منتج إبداعياً، على الإطلاق؛ وهذا المنتج الجمالي لا يستقي جمالياته إلا من الشكل الجمالي الجذاب والرؤيا العميقة؛ ولا نبالغ في قولنا: إن ما يميز شعرية القصيدة عند الشاعرة بشرى البستاني الرؤيا الجمالية المقتنصة من الفكر الجمالي المبدع الذي تملكه الشاعرة في تخلق الرؤيا المؤثرة بفواعلها الرؤيوية وطاقتها اللغوية الخلاقة، فالقصيدة لديها تقتنص جماليتها من شعرية الصورة، وبداعة التشكيلات اللغوية المبتكرة في إصابة منتوج الرؤيا الشعرية في الصميم.

ولهذا، تبدو القصيدة لديها ذات جمالية خالصة في عمقها وتصوفها ومداليلها المستعصية، على شاكلة قولها:

"وأنا أنتظرُ قمراً يليقُ بفصولي

يليقُ بشُرف البيدِ التي تسكنُ دمي

يليقُ بخمر أزمنتي،

ونِداء نَداي

لكن ذراعيكَ ظلَّتا عاجزتين عن مطاولة

عنان السماءْ،

وظلت عنقُ العناقِ معلقةً في البرزخْ ..

والسواعد ُمشدودةً نحو الوصلِ،

والوصلُ مؤجلْ " (8) .

بادئ ذي البدء، نقول: إن شعرية الرؤيا- في قصائد بشرى البستاني- تتأسس على العبارة الحساسة، والدلالة البعيدة، والمعنى العميق الذي ينطوي على دلالات وإيحاءات واسعة ومتعددة في آن معاً؛وهذا يعني أن اللذة الجمالية في قصائده لذة رؤيا وتشكيل، وإثارة معانٍ ودلالات جديدة، لاسيما في السياقات الصوفية التي تتطلب كثافة الرموز الدالة، وإبراز فواعلها النشطة، وهنا، تبدت الرؤية الجمالية في حركة الرموز والصور الصوفية التي تستقي ألقها من التوق والوله الصوفي، وتلمس الوصال، كما في قولها: [والسواعد مشدودة نحو الوصل، والوصل مؤجل]؛ واللافت حراك الرؤيا الشعرية من خلال كثافة الرموز والصور الصوفية كما في قولها: [عنق العناق=خمر أزمنتي=نداء نداي=عنان السماء= الوصل المؤجل]؛وهكذا، تستمر القصيدة على هذا المنوال من البث والوله الصوفي، على شاكلة المقتطف الشعري التالي:

"ففي أي اللحظات ستقوم قيامةُ الأشياءْ

كي يتكشَّفَ لك نغمُ السماءِ في جلال ملكها،

وتغمركَ أنهارُ نارِها،

وخمرِها،

وجمرِها،

وعسلِها وشجاها

ومتى يهدي اللهُ قلوبنا لنورهْ

كي تُفتحَ الأبوابُ المغلقةُ ..

وتُفكَّ الأسوارُ والأغلالْ ..

لنسقطَ في حضرة الشهودِ

ساجدين ؟!" (9) .

لابد من التنويه- بداية- إلى أن الرؤيا الشعرية الخلاقة هي التي تتمركز على الموقف الرؤيوي العميق، لاسيما في السياقات الصوفية التي تتراكم فيها الرموز والدلالات لدرجة يبدو النسق الشعري لديها مشيراُ بذاته عن دلالاته الصوفية، فرموزها تستدعي الحالة الصوفية باحتدامها واصطهاجها واستغراقها ووضوح مقصودها بالمعنى الدقيق للكلمة: [ وتغمركَ أنهارُ نارِها، وخمرِها، وجمرِها، وعسلِها وشجاها]؛ ولعل ما يلفت النظر أن الرؤيا الجمالية تبدو ماثلة في حنكتها في الوقوف على المعنى البعيد، بالمعنى القريب، وهذا الأسلوب دليل وعي بمنعرجات الصوفية، وأساليبهم، فالرموز الصوفية- لديها- في السياقات النصية- رغم اعتمادها الإطار المحسوس، إلا أنها تمعن هنا في التجريد، وهذا التجريد الذي تلجأ إليه الشاعرة مقصود بعناية، وحرص، وانتباه، ووعي جمالي فائق الدقة، والحياكة الجمالية، على شاكلة قوله: [ومتى يهدي اللهُ قلوبنا لنورهْ /كي تُفتحَ الأبوابُ المغلقةُ ..وتُفكَّ الأسوارُ والأغلالْ ..لنسقطَ في حضرة الشهود/ساجدين ؟]؛إن من يطلع على الصور والرموز يلحظ وضوحها التام ومقصودها المباشر؛ وهذه هي الطريقة المثلى في التعبير عن فاعلية الرؤية الشعرية في اقترابها من دلالاتها وابتعادها عنها بين التعبير المباشر الدال بوضوح عن حيزها الرؤيوي، وتعبيرها الغير مباشر من خلال إغراقها في الرمزية التي تعبر عن توق الذات واحتراقها، واصطهاجها الوجودي. وهكذا فإن من فواعل الرؤيا الصوفية ما أكدته الشاعرة بقولها: " اللحظة الصوفية إذ تلتحم بالشعرية تزيدها ألقاً، وإرباكاً، وانفتاحا على المطلق، ولذلك، تتسع للمتناقضات كلها، لا منطق في هذه اللحظة ولا تعاقب بل دوران لاهب في كل اتجاه، ولحظات منفصلة عن بعضها، نافرة من تسلسل الرتابة، وسؤال يفضي إلى سؤال إلى سؤال" (10) …

وهكذا، تحاول الشاعرة بشرى البستاني أن تحرك النسق الجمالي عبر فاعلية الرؤيا ومحفزاتها الصوفية، من رموز وصور، ودلالات مفتوحة، تتضافر فيما بينها في إنتاج الدلالة العميقة، ومخزونها الرؤيوي الخلاق، على شاكلة قولها:

"في صمتيَ الوثنيّ أكتشفُ أنك آتٍ،

فأفتح ُ جِناني،

وأُدخلكَ قاعة َ العرشْ،

فتبكي الغزالاتُ،

وتنسابُ بالنشوةِ الغصونْ.." (11) .

إن قارئ هذا المقتطف لا يخفى عليه التحليق الجمالي الآسر للرؤيا الجمالية التي تصل من خلالها الشاعرة قمة في الإدهاش والإثارة الجمالية، لاسيما في اختيار الصورة اللاهبة بدلالاتها عن الحالة الصوفية، والتعبير بالصورة عن شعرية الإحساس الجمالي المتناهي بها، وكأن الشاعرة تغتسل برحيق الأنوثة، والتجلي الصوفي، لتفيض بجنائن وجدها على المخلوقات، لتنصهر الشاعرة بالحالة، وتتخلق الرؤيا من رحم المعاناة، والإحساس الداخلي بالخراب والدمار، لتنتج النص المضاد، أو الرؤيا المضادة، لهذا الخراب بالرؤية الصاخبة بالحياة ضد سكونية الموت والمصادرة والاستلاب، لتعيش النشوة والنجوى الصوفية معاً، كما في قولها في هذا المقتطف المثير أيضاً:

"في صوتك المربكِ بالحيرة كأصابع الزمنْ

أفتحُ طرقَ الوقار ِ،

وأشُقُّ مسالكَ العتمة ْ،

لتنهمرَ ينابيعي تغسلُ صدأ المعاركِ الخاسرة ِ

في أعمق شِعاب الروحْ " (12) . .

إن بلاغة الرؤيا الصوفية عند الشاعرة تتبدى في بكارة الاستعارات وخصوبة الصور اللاهبة بدلالاتها عن وقع الحالة الصوفية واتقادها بالوله والتوق والوجد الروحي المفعم صبابة وتوقاً لاهباً للحياة ضد عجلات الموت المدمرة ومدنية الفولاذ المهلكة، لهذا، تنتقل دائما في فضاء رؤيتها الصوفية الجمالية إلى المعنى المضاد، أو الرؤيا المضادة، كما في الأنساق التالية: [طرق الوقار=مسالك العتمة=شعاب الروح]؛ وكأن شيئاً ما من صدأ المادة علق بالروح فدنس براءتها وطهرها ولهذا ما عادت شعاب محلقة كما كانت في فضاء الوصال والملكوت.

ولهذا جاءت إشارتها إلى هذه القصائد الصوفية بليغة في تعريف القارئ بمنتوجها الرؤيوي المؤثر، إذ تقول: "ومع توتر الأزمة واشتباكها كانت الشعرية تزداد التحاما بالشطحة الصوفية؛ وهما ينزاحان عما صار في الألفة، إلى دهشة تفاجئ وتتوهج وتغري وتغوي، إنها الشعرية التي تدهمها في النص شطحة التصوف لترقى بها عابرة ً الحدود متجليةً بتوق الروح نحو الانفراج ولا خلاص، فوصول الشاعر/ الصوفي هو اللا وصول دوماً، لان الوصول إنما يحيل على موت السؤال وسكون النار وانطفاء البحث المكابد" (13) .

وهذه الحقيقة حقيقة البحث اللاهبة صوب المجهول هي ما تغلف الرؤيا الصوفية عند المتصوفة، وقد ارتقت الشاعرة حيزاً جمالياً في التعبير عن الحركة المعكوسة في رؤيتها الصوفية المضادة أو المعكوسة، بالانتقال من الذات إلى الذات، ومن الذات إلى الآخر، ومن الآخر إلى الذات، بتفاعل موحي يؤكد شعرية الرؤيا الصوفية، وتنوع مؤثراتها، وموحياتها اللاهبة، كما في قولها:

" وتبقى السماءُ تنشرُ أجنحتها الوردية َ باتجاه خطايْ ..

أنا المذبوحة ُ من خلايا الشعر ِ

حتى أخمص القدمين ِ وأقولُ ..

لا ….

المشنوقة ُ وسط َ غبار ِ الزمنْ

تجدّدُني الحرائقُ كلَّ يوم ْ ..

ووسط َحرائق ِ الفناء تلكْ

أكتبُ على أحداق النخيل ِ: أحبكْ " (14) .

إن شعرية الرؤيا الصوفية تتجسد في هذا الحراك الجمالي الذي تشكله الشاعرة من خلال الصور اللاهبة بدلالاتها الوجدية، لتصل قمة البث الروحي العاطفي المتقد لوعة وتوقاً وصبابة، وكأن حالة من الاحتراق والتوق والاشتعال تطال الروح، لتصل قمة في البث والتعبير عن توق الحالة واصطهاجها وقلقها العميق: [ أنا المذبوحة في خلايا الشعر/أكتب على أحداق النخيل: احبك]؛ وهكذا، تشتغل الشاعرة على شعرية الحالة الصوفية باتقادها وفواعلها ورموزها الوجدية الدالة على قمة الاستغراق بالحالة الصوفية، وهيجانها، واتقادها الجمالي؛وهكذا تتفاعل رؤاها الوجودية من خلال تناغم مواقفها الرؤيوية وأحاسيسها الصوفية بفواعل نشطة إحساساً واتقاداً جمالياً، كما في قولها:

"أما أنا،

فلا أُدخلكَ جنتَهم..

لا أدخلُكَ في الأشباه والنظائرْ،

بل أُدخلك َ في الأضداد ْ

لا أدخلك في الائتلافِ،

بل أدخلك َ في الاختلافْ،

في اختلافي أنا ....

في توحُّدي،

وانصياعي،

وجبروتِ وجدي،

وسطوة ِ الأشياء إذ تصهلُ داخلي" (15) .

لابد من الإشارة إلى أن من فواعل الرؤيا الصوفية عند الشاعرة بشرى البستاني المعنى المضاد، أو المعنى المخالف، وهذا يعني أن الرؤيا الصوفية لديها جدلية، تعتمد الاختلاف لا الائتلاف، والمواربة لا المواءمة، لخلق الدينامية على صعيد الحركة والرؤيا، فمن الانطفاء تبدأ الحياة دورتها، ومن المضاد أو السلب يتحقق الإيجاب، وتخلق الحياة دورتها التكاملية، وتتحقق المعاني والرؤى، وتكتمل الأشياء في حراكها الجدلي الوجودي؛ وها هنا، أدخلتنا الشاعرة باب الرؤيا من الصميم؛ من الاصطراع الداخلي والاحتدام الشعوري الذي تعانيه الذات الشاعرة، في معمعتها الوجودية، وإحساسها المأزوم، إنها الحركة الجمالية التي تتنامى شيئاً فشيئاً على صعيد الرؤيا ـلتخلق متغيرها الجمالي، طابعها الوجودي الاصطراعي الدقيق، وهذا ما نوهت إليه بقولها: " هو حب يحرّض الكون على الاشتعال ويحرض الإنسان على الإقبال ويحرض الأنهار والمحيطات والغابات والصحارى على التمرد مطالبة بالتواشج والانسجام من اجل الإمساك بمفاتيح الحرية وهي تدق ّأبوابَ السجون ودهاليز الجوع والتعذيب وسراديب الوحشة وليالي التغرب وحمى المواجيد، كي تطلق الثوار والعشاق والمنكسرين بالألم، ولكي تكسر يد الطغاة وهي تطلق الصواريخ على حلم الإنسان … كل ذلك بالحب وبالحب وحده، الحب الذي يتعالى على الانفصال ويدحض القطيعة والخطيئة، لذلك امتزجت إشاراته امتزاج توحد: من الأديان والتاريخ والأدب والطبيعة والفلسفة والتصوف، ومن عذاب الإنسان الذي يحلم بتأثيث الفراغ بالجمال" (16) .

وهذا يعني أن الرؤيا الصوفية في قصائد بشرى البستاني مركبة تتضمن السلب لتأسيس الإيجاب، والإيجاب لمحاربة السلب، وهذا لإبراز أوج الديالكتيك الوجودي والاحتدام الشعوري، مما ينمي من شعرية الرؤيا، ويخلق متغيرها الجمالي، كما في قولها:

"وأقولُ ..

أدخلني في نوركَ كي أُمسك َ بجذور الرياحْ

واصنعْ لي لغةً تتَّسع ُ لأمجاد حزني كي أبصرَ براهينكْ ….

وادخلْ زمني ...

كي تظل َّ مُشتعلاً فيهْ " (17) .

هنا، تدخلنا الشاعرة فضاءها الصوفي المفتوح؛ لتعبر عن حالة من التوهج لتحثث نور التجلي، وتدخل في زمن الاستغراق والاشتعال الروحي لتصل إلى برد اليقين، وتدخل زمنها المطلق، كي تبقى مضيئة متقدة وجداً وولهاً وهياماً روحياً مفتوحاً على المطلق.وهكذا تشتغل رؤيتها الصوفية كما قلنا سابقاً على التركيب، (الدلالات المركبة/ والمعاني المضاعفة) ، لهذا تعتمد الجدل/ والديالكتيك، لإبراز الازدواج والتراكب، لاسيما في تكثيف المداليل والرؤى الصوفية المزدوجة بين الثنائيات، على شاكلة قولها:

"أسألكَ ..

لماذا أتّسعُ وتضيقُ مفرداتُكْ

وأتحررُ،

وتنكسرُ غصونُكْ ..

وأشتعلُ،

وينطفئُ البنفسج ْ ...!

وقلبي تفاحةٌ تقطّعُها سكينٌ

على مائدة شُرب ." (18) .

هنا، تنفتح الدلالات، بالاعتماد على الديالكتيك والجدل الاصطراعي بين ضيق عالمها، والمطلق المفتوح، بين السلب والإيجاب، والقيدية والتحرر والانطلاق في فضاء التجلي والملكوت، لهذا جاءت الصور دالة على الاصطراع والاحتدام بين السلب / والإيجاب كحالة من تركيب الرؤيا الصوفية عن الشاعرة، لتأسيس ما أسميناه المعنى المركب والدلالة المزدوجة أو المعنى المضاعف والرؤيا المركبة؛على شاكلة الصور الجدلية التي تحمل المعنى المضاد، أو الدلالة النقيضة: [وأتحررُ، وتنكسرُ غصونُكْ ..وأشتعلُ، وينطفئُ البنفسج]، وقد تبرز الدلالة المركبة عبر الاصطراع والجدل الوجودي ضمن الرؤية ذاتها والنسق التصويري المتضاد، أو الصورة الجدلية المتضادة: [ وقلبي تفاحةٌ تقطّعُها سكينٌ ]؛ وهذا يدلنا على أن التركيب عنصر بارز في تخليق الشعرية الصوفية في قصائدها، كحالة من المزج بين ما هو محسوس، وماهو روحي أو مجرد، في إطار من التراسل بين الأحاسيس أوالحواس، والمزج بين المرئي والمتخيل، والمحسوس والمجرد، لإبراز المزج والتركيب في الرؤى لإنتاج الرؤية المضاعفة والمعنى النقيض، كما في قولها أيضاً:

"وقلبكَ جاهلٌ ورعْ ….

لا يخافُ الموتَ،

بل يخافُ الحقيقة ْ،

لا يخافُ الخسائرَ،

بل يخافُ التجليات ْ،

وقلبكَ مخرِّبٌ أخرسْ ..

يمارسُ المحوَ،

وأمارسُ الكتابة ْ ..

ويمارسُ الهزيمة َ،

وأمارسُ النصرْ،

ويمارسُ الصمت ْ،

وأُمارسُ الصوتْ ..

ويسقط ُ في النهاية مُربَكاً فوق َ صدري" (19) .

هنا، إن الرؤية الجدلية والمعنى المتضاد هو ما يغلف رؤيتها الصوفية، ويزيد من فواعل إثارة الصور المتضادة، وتنوع دلالاتها، وموحياتها ضمن النسق الشعري، وهذا يعني أن ممارسة الكتابة الصوفية هي لإحلال الإيجاب مقابل الدنس والصلادة الوجودية، بين عالم يؤذن بالخراب والدمار، وعالم تبحث عنه ومن خلاله إلى الإعمار والخلود والراحة والاستقرار، بمعنى أن رؤيتها الصوفية تزاوج بين الجوانب المتضادة لإحلال ما أسميناه الإيجاب، أو تخليق الإيجاب لمحاربة السلب بكل وجوهه وأشكاله المدمرة؛ ولهذا فهي تمارس الكتابة، لتمحو السلب، وتمارس الصوت لتعلن الإصرار، والتحدي، والانتصار[ويمارسُ الهزيمة َ، وأمارسُ النصرْ، ويمارسُ الصمت ْ، وأُمارسُ الصوتْ ..]؛وهكذا تؤسس رؤيتها الصوفية على الديالكتيك، والجدل، والمزج، والتركيب، لإبراز منتوج الرؤيا الصوفية بجوانبها المتناقضة، ومعانيها ورؤاها العميقة، مما يدل على أن الشعرية في قصائدها تنبع من كثافة الرؤى، وخصوبة المداليل الشعرية التي تأتي قمة في الاستغراق والتكثيف والإيحاء الفني.

وما ينبغي الإشارة إليه أن أولى فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد بشرى البستاني على مستوى الأنساق اللغوية، ودهشة المسندات التشكيلية هي مايلي:

 

.........................

هوامش

(1) برتليمي، جان، 1970-بحث في علم الجمال، ص471.         

 (2) المرجع نفسه، ص473.

 (3) المرجع نفسه، ص473-474.

 (4) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 437.

 (5) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 528.

 (6) المرجع نفسه، ص531.

 (7) المرجع نفسه، ص531.

 (8) البستاني، بشرى، كتاب الوجد، ص15.

 (9) المصدر نفسه، ص33.

 (10) المصدر نفسه، ص73.

 (11) المصدر نفسه، ص26.

 (12) المصدر نفسه، ص17.

 (13) المصدر نفسه، ص23.

 (14) المصدر نفسه، ص12.

 (15) المصدر نفسه، ص34.

 (16) المصدر نفسه، ص36.

 (17) المصدر نفسه، ص44.

 (18) المصدر نفسه، ص47.

 (19) المصدر نفسه، ص57.

 

"غاباتي تعجُّ بالنّمور" عنوانُ قصيدةٍ مُغنّاةٍ على أوتارِ الوجعِ الموجوع للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، والتي ما انفكّتْ تتّكئُ على عكّازِ الغيم، تستمطرُ الأملَ مِن سحابةٍ عابرةٍ، بتصويرٍ بلاغيّ مُخلِصٍ لأدواتِهِ النصّيّة.

عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضون، وعودةٌ إلى اللهاثِ وراءَ حروفِ أبجديّتِكِ العصيّةِ المُستعصيةِ، يَستفزُّني ويُحفّزُني حرفُكِ، فأتحدّاهُ وأبحرُ في لجّتِهِ، كي أقبضَ على كوامنِ الروحِ، في نصٍّ يكادُ يَتفلّتُ مِن بين أصابع قدرتي على الغوص، وأشحذُ عزيمتي وعتادي وأبحرُ إلى ما وراءِ الوراء، حيث يُمثّلُ الاحتراقُ اشتعالَ ما وراء النصّ بتفجُّرِ القصيدة، فتتراقصُ بنا ما بينَ الموجودِ والمفقودِ، وأراني أستمتعُ بنَصِّكِ، وأغوصُ في فيْضِ غاباتِكِ وإن كانتْ تعجُّ بالنّمور، فأنا أيضًا كمثل قولك:

أَيَا فَاتِنَتِي/ أَنَا مَنْ خُلِقْتُ../ لِأَحْتَرِقَ بِكِ/ احْتَرَفْتُ الاتِّكَاءَ/ عَلَى غَيْمِكِ/ على لهْفَتِكِ.. على جُنُونِكِ/ وَقَدْ خَضَعْتُ  لِحُلُمِي طَوِيلًا/ فِي انْتِظَارِكِ

أراكِ عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان تشتعلين باحتراقِ الوجْدِ في زمنِ المَدِّ والجزْرِ، وتتجذّرينَ في غاباتٍ تعجُّ بالنّمورِ، وتنوئينَ بحملِ احتراقكِ في وطن مُتخم باحتراقِهِ، وكظبيةٍ جافلةٍ تتلفّتينَ وتبحثينَ عنهُ في دهاليزِ المجرّاتِ، وفوقَ الجراحِ الداميةِ تعتلينَ مَدارجَ الحُروفِ، فتعودين إلى بدايةِ الفقدِ، وإلى بداياتٍ غائرةٍ في جسدٍ عُذريٍّ يَتهتّكُ بذُلّهِ وضعفهِ وهوانِهِ، وأراكِ ترسمينَ بسيفِ حرفِكِ علاقةً شاعريّةً روحيّةً مع وطنٍ يَعجُّ بالنّمورِ، علاقةً تتسربلُ بقداسةِ فقدٍ يُواصلُ أنينَهُ قائلًا:

أَنَا .. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ/ لَمَّا أزَلْ ../ أُسَبِّحُ .. سِحْرَ سُكُونِكِ

وأيُّ فقدٍ هذا الذي يُراودُكِ بينَ الحينِ والحين، ليَسحبَكِ منكِ ومِن كلِّ ما حولَكِ، إلى غاباتٍ تستوطنُ الذاكرةَ عبْرَ قرونٍ خلتْ، بحثًا عن وطنٍ منشودٍ تعيشينَهُ كما يعيشُهُ كلُّ البشرِ، في وطن كهذا، أراكِ تتآكلين بحروفِك، كي تَصِلي إلى واقعٍ مُغايرٍ، وتُحاولي أن تُزيلي كلَّ الشّوائبِ المُتناثرةِ في علاقةٍ فرديّةٍ أزليّةٍ مشتهاة، ما بينك وما بينَ هذه الغابات، حيثُ نراكِ تمتطينَ وحشةَ الفقدِ، بعنادٍ يُكسّرُ كلَّ القوالبِ الجليديّةِ، وكلَّ ما في الكوْنِ مِن فرضيّاتٍ لا تقبلُ الجدَلَ، فلا معنى للاحتضانِ إلّا بملامسةِ قداسةِ العشبِ المُقدّس، فتقولين:

لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ/ حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ/ تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ/ دَفِيئَتِي.. الْـــ .. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ/ وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى.. حَيَاةً/ حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!

عزيزتي الشاعرة آمال؛ هنا أتوقّفُ عندَ بلاغةِ المُرادِ وفداحةِ الموجود؛ وقد استخدمتِ القداسةَ للعشب بإيحاءٍ ذكيٍّ، وبانصهارِ الروح بمَكانِها وكلِّ أزمانها، وبكلِّ ما رَواهُ التاريخُ عن وطنِ الزّيتونِ وعذريّةِ الزّعترِ ورائحةِ الليمون، وكلِّ ما تُنبتُ أرضُهُ، فنراكِ في ذاكرةٍ استرجاعيّةٍ طرديّةٍ تستنهضينَ صورَ الوطنِ، وتُراودينَ عشبَ الوطن المُقدّسِ، وتُناقشينَ قدسيّةَ العلاقةِ ما بينَ الإنسانِ وأرضِهِ ونباتِهِ وأعشابِهِ، حينَ تُصادَرُ حُرّيّتُهُ الفرديّة، وحين تُغتالُ العلاقةُ ما بينَ الشاعرةِ والعشبِ المُقدّسِ، وتتحوّلُ الصّرخةُ إلى علامةِ استفهامٍ واستهجانٍ، فتستدركين بقولك:

لكنّي.. مَا نَسِيتُ ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ/ حِينَ يَسْتَحِيلُ لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!

وننتقلُ هنا بذاكرةٍ استرجاعيّةٍ طرديّةٍ مألوفةٍ لحالاتِ الفقدِ العاديّ وغيرِ العادي، كفقدِ الحبيب والوطن، وانسحابِ عنصرِ الزمانِ مِن بين أصابعِ المكان، لنقفَ مع شاعرة الماوراء آمال عوّاد رضوان عندَ البوّابات الحالمةِ، ولنعبُرَ المساحاتِ الزمنيّةَ بتعدادِ سِنيها وقرونِها، حيثُ تَقذفُ النصَّ وتُشاغلنا بهِ في لهاثٍ عذريٍّ ما بينَ الروحِ والجسد، وحيثُ تستنهضُ صورَ الغزلانِ المُتراقصةِ فوقَ قداسةِ العشب، وترسمُ بأدواتِها النصّيّةِ وطنًا يُمثّلُ لها الماضي بكلِّ تاريخِهِ المُعشّشِ بأوْصالِها، ولتصنعَ لنا عوالمَهُ بحِرَفيّةٍ مُنتقاةٍ بأدقِّ الصورِ التعبيريّة، وأرقى مساحاتٍ مِن تفاصيلَ مُلوّنةٍ بعشبٍ وعناقيدَ وغزلان، إنّها لوحةٌ مُتحرّكةٌ تهزّ شِباكَ الذّاكرةِ، لنرى الوطنَ المُستباحَ في زمنٍ آخرَ يُظللنا بكلّ ملكوتِهِ وروحانيّاتِهِ؛ فهنا كان لنا بيتٌ، وهنا كان لنا مسجدٌ، وهنا كنيسةٌ وهنا وهنا..، وفي الـ هُنا تتداخلُ الصّورُ المُستنشَقةُ مِن عبيرِ قرونٍ مضَتْ، لنرانا في غاباتٍ تعجُّ بالنّمورِ والرموزِ اللفظيّة!

لكن، وبالرّغم مِن شراسةِ التعبير، فإنّك يا الشاعرة آمال، لم تفقدي بوّاباتِ الأملِ، ولم تُسقِطي مِن حسابِك العلاقةَ الروحيّةَ بارتباطِ الجسدِ والروحِ والمكان، بل وتُقسِمينَ بجَلالِ حنايا الوطنِ وبقُدسيّةِ أعشابهِ، وبطونِ وديانِهِ وبقوافلِ سُحُبِهِ، وتتماهين مع مرارةِ الفقدِ، فتطوّعينَهُ باستخدامٍ ذكيٍّ كي يكتملَ بناءُ القصيدة، ليصبحَ الوطنُ بكلّ تفاصيلِهِ ورموزِهِ عناصرَ مُباحةً للمداعبةِ والعناق، فهل القسَمُ عاجزٌ لا يغادرُ حدودَ صدرِ القوافي؟

لا، فيا وطني المُباحُ بكلّ تفاصيلِك، كيفَ لا تكونُ هكذا وأنتَ مِلءُ السّمعِ والعيون؟ أراكَ كلَّ يومٍ، أعانقُكَ وأشتهيكَ حُلمًا فريدًا، لا يُشاركُني بكَ أحدٌ إلّايَ وعُشبُنا المُقدّس.

عزيزتي آمال، موجعةٌ أمانيكِ، وأنتِ تتسلّقينَ البوادي بعنفوانِ قوْلِكِ:

مَا نَسِيتُ عُشْبًا/ لَيْسَ يَتَنَفَّسُهُ.. إِلَّا نَسِيمٌ/ مُحَمَّلٌ.. بِعَنَاقِيدِ شَوْقِي وَحَنِينِي/ وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ/ الْـ .. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!

بإيحاءاتٍ مُركّزةٍ مُكثّفةٍ تمتطينَ جوادَ الفقدِ، تُراقِصينَ غزلانَ الوطنِ وتَمُرّينَ عبْرَ أبوابِ الفتح، لنراكِ مع النسيمِ تُداعبينَ أوْتارَ الذّاكرةِ، وتَسبَحينَ في سكونِها الحالمِ في ملكوتِ وعوالمِ الفقدِ، وما يُمثّلُهُ مِن اشتعالٍ وتَفجُّرٍ واحتراقٍ، ولا زلتِ بانتظارِ مَن يُشرّعُ أبوابَ الوطنِ المُحترقِ لبُرقتِهِ الحالمةِ، هنا كانت الأرضُ وكانَ الوطنُ، هنا عاشتْ وتتابعتْ قوافلُ الزمنِ والأهل، في كلِّ ركنٍ لنا حكايةٌ يَزنون بها، فما عادتْ بلادُنا موصولةً بالجسد..

وَجَـــلَالُـــكِ/ أُقْسِمُ .. بِحَنَايَاكِ/ بِبُطُونِ وِدْيَانِكِ/ قَوَافِلُ سُحُبِي.. بَاتَتْ حَارِقَةً/ وَهذَا الْجَامِحُ الْمُسْتَأْسِدُ بِي/ صَارَ مَارِدًا/ يَرْعَى غَابَاتِي الْــ تَـعُـجُّ بِالنُّمُورِ

هكذا نرانا نقفزُ قفزَكِ الطريَّ المُسترسِلَ كما الغزلان فوقَ عُشبِها المُقدّس، نتنفّسُ الحُبَّ الأزليَّ مِن بين عناقيدِ الشّوْقِ والحنينِ، ونُسافرُ معَهُ عبْرَ غزلانِكِ الحالمةِ الجافلةِ المرتعِبةِ في غاباتٍ تعجُّ بالنّمور، تبحثُ عن طُهرِ العلاقةِ وأبعادِها في واقعٍ مُغتالٍ كلَّ يوْمٍ بدَمٍ كحليٍّ أسوَد، فنعرفُ مَن المُمتطى ومَن المُمتطي الذي يُساومُنا على جُرحِنا وفَقْدِنا.

الشاعرة آمال عوّاد رضوان، ورغمَ كلِّ شيءٍ تُقسِمُ بجَمالِ وجَلالِ العلاقةِ الأبديّةِ، وهذا القسَمُ يُوقفُني أمامَ قسَمٍ عظيمٍ مِن ربٍّ عظيم، عندما أقسَمَ اللهُ تعالى بالتين والزيتونِ وطورِ سنين، ببلاغةٍ تعبيريّةٍ تؤكّد قدسيّةَ العلاقةِ، ما بينَ الإنسان والنباتِ والزمانِ والمكانِ الذي هو الوطنُ بكلِّ ما فيهِ مِن أرضٍ وسماءٍ وهواءٍ وفضاءٍ، ونحن يا العزيزة آمال، ما فقدنا الزمانَ والمكانَ وكلَّ ما كانَ يَربطنا بهِ، وما زلنا نمتلكُ حُروفَ وجْدِنا واحتراقِنا في غاباتٍ تعُجُّ بالنّمور.

لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ/ حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ/ تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ/ دَفِيئَتِي.. الْـــ.. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ/ وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى.. حَيَاةً/ حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!)

عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان، إن كنّا قد فقدنا عناصرَ الزمانِ والمكانِ، فهذه الغاباتُ التي كانتْ مَرامَنا وموطنَ عِشقِنا وقَداستِنا، وقُدسُنا التي ما عادتْ لنا، صارت تعُجُّ بالنّمور، فحيثما كنّا وأينما توجّهنا، ثمّةَ نمورٌ تعترضُ بأنيابِها حركاتِنا، وتُصادِرُ همْسَنا الغزليَّ، فلا نملكُ إلّا (صرخةً فريدةً)، تتنفّسُ الحُبَّ الأزليَّ (المُحمَّلَ بعناقيدِ الشّوقِ والحنين، ترنو إلى غزلانِها الحالمةِ الباحثةِ عن مَراميها ومَراعيها وجبالِها وحقولِها).

أينَ منّا قوافلُ السُّحُبِ وتلكَ الشّواهدُ على حميميّةِ العلاقة؟ كلُّ ما فينا مُغتالٌ يَنزفُنا الشّوقُ لقرقعةِ التاريخِ المُتجذّرِ فينا، فحيثُما توجّهنا نرانا مُحنّطينَ في ذاكرةِ زمنٍ! أوّاااااااااااااه يا وطنَ السّلبِ والنّهبِ، أنا ما خُلقتُ لأحترقَ بكَ أو أتوكّأ على أوجاعِكَ، بل خُلقتُ كي أراكَ واقعًا مُنَعَّمًا، أأراكَ مُجرّدًا مِنَ الحُلم غارقًا في فواجع الانتظارِ؟

 لكنّنا لم نَزلْ نُعانقُ الشوقَ بالأمل، ونمتطي الفقدَ بالحنين، ولم نزَلْ نُبحرُ في هاتيك الروابي التي تحتلها قطعانُ نمورٍ تُصادرُ نباتَها وتُرابَها، لنظلّ كما الأرض ندورُ حولَ مجرّاتِها. لم نفقدِ الأملَ في قوافلِ السُّحبِ الشاهدةِ على قدسيّةِ العلاقةِ وحميميّتِها، فقرقعةُ التاريخ مُتجذّرةٌ فينا، وحيث نكون نرانا مسكونين بعناقيدِ الذاكرة، تمامًا كالقوافلِ الغابرةِ التي نَراها صبحًا ومساءً حولنا تصرخُ صرختُنا، ونُهدهدُها بوعدٍ أن يكونَ القادمُ أجمل!

عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان، باختصار، أخذني نصُّكِ البلاغيُّ إلى غاباتِكِ وغاباتِنا التي تَعُجُّ بالنّمور، والليلُ مُستأسدٌ يَتأهّبُ للانقضاضِ والافتراس، لكنّنا مثلك، لم نُسقِط أدواتِ الشوقِ والحنينِ والقسَمِ والأمل، فنحنُ نمتلكُ العودةَ إلى كلّ الصوَرِ البلاغيّةِ المُنتقاةِ، بدقّةٍ مُتناهيةٍ مُتماهيةٍ مُخلصةٍ لمَشاعرِها ولجُذورِها، كي نُعاودَ رسْمَ غاباتِنا بعُشبِها المُقدّسِ، وبغزلانِها التي لمّا تزَلْ تقفزُ في ذاكرة الأملِ وطنًا مِن غيرِ نُمورٍ، باستنساخٍ غير عاديٍّ لكلِّ الصوَرِ العالقةِ المُتجذّرةِ فينا، تمامًا كما حملتْها قوافلُ الزمنِ، وكما ترسّختْ في عقولِنا وأذهانِنا المعجونةِ بلهفتِنا وجنونِ شوْقِنا، وتَحَدّي الحُلمِ بإخضاعِهِ رغمَ تَمَرُّدِهِ.

نعم يا العزيزة، ولا زلنا نمتطي الفقدَ ونهاجرُ ونهاجرُ، ونغوصُ بأشواقِنا فيهِ، وكلُّ الرّؤى تأخذنا إليهِ بكلِّ صوَرِهِ البلاغيّة.

غاباتي تعجُّ بالنّمور/ للشاعرة آمال عوّاد رضوان

 أَنَا .. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ

لَمَّا أزَلْ ..

أُسَبِّحُ .. سِحْرَ سُكُونِكِ

مَا نَسِيتُ  ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ

حِينَ يَسْتَحِيلُ  لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!

مَا نَسِيتُ عُشْبًا

لَيْسَ يَتَنَفَّسُهُ .. إِلَّا نَسِيمٌ

مُحَمَّلٌ .. بِعَنَاقِيدِ شَوْقِي وَحَنِينِي

وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ

الْـ .. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!

***

لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ

حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ

تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ

دَفِيئَتِي .. الْـــ .. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ

وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى .. حَيَاةً

حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!

وَجَـــلَالُـــكِ

أُقْسِمُ .. بِحَنَايَاكِ

بِبُطُونِ وِدْيَانِكِ

قَوَافِلُ سُحُبِي.. بَاتَتْ حَارِقَةً

وَهذَا الْجَامِحُ الْمُسْتَأْسِدُ بِي

صَارَ مَارِدًا

يَرْعَى غَابَاتِي  الْــ تَـعُـجُّ بِالنُّمُورِ

أَيَا فَاتِنَتِي

أَنَا مَنْ خُلِقْتُ.. لِأَحْتَرِقَ بِكِ

احْتَرَفْتُ الاتِّكَاءَ

عَلَى غَيْمِكِ

على لهْفَتِكِ .. على جُنُونِكِ

وَقَدْ خَضَعْتُ  لِحُلُمِي طَوِيلًا

فِي انْتِظَارِكِ

 

بقلم: فاطمة يوسف ذياب

 

بأسلوب سردي سلس ولغة جميلة، وانتقالات زمانية ومكانية هادئة، يقدم لنا (حسن العاني) في روايته (الولد الغبي)، موضوع كل العراقيين الذي عايشناه ودفعنا ثمنه باهظا بوجوه متعددة، في سلسلة معاناة متفرقة الوجوه ولازلنا نكابد فصول شتى من فصول هذا الموضوع وهذا السلوك وهذه العقلية التي شكلت ثقافة نعدها بائدة ولكنها تجذرت وترسخت في سلوكياتنا وعقلياتنا مع تعاقب الفصول واختلاف الوجوه ووجدت متنفسات لنموها بصفات مختلفة .

في هذه المرة، يقدم لنا حسن العاني في روايته الجميلة (الولد الغبي) هذا الموضوع من نقطة أكثر قربا وزاوية أكثر تماسا بحيث يشعرنا الكاتب بأنه هو السارد نفسه (شخصية الرواية) وينقلنا معه من فصل الى فصل بهدوء وعناية تتصف بالمتعة والتشويق .

(الولد الغبي) نص روائي ويحتمل تسميتة بالقصة الطويلة، فهي ذات شخصية رئيسية أو (محورية) واحدة تتفرع منها عدد من الشخصيات الملحقة أو الثانوية ضمن الفضاء الذي رسمه الكاتب لهذه الشخصية ومايحيط ويتعلق بأهتمامها .

وقد تمثل اسلوب السرد بالسرد الآني لأحداث قائمة يتبعها سرد لاحق لتفاصيل مركزة تتعلق بتكملة الصورة السردية وتكملة جوانب الموضوع الذي سعى الكاتب الى تدوينه .

الحكاية تتلخص بمسيرة شاب رياضي ماهر يتنقل في سلسلة من النجاحات التي تسلط الضوء عليه، فيحتضنه الباشا (الزعيم) لتوظيف مهارته بما ينسجم مع عقليته المريضة، ويغدق عليه من أجل فرض وصايا سلطته ونفوذه وأمراضه العقلية والسلوكية من خلاله، فيكتشف هذا الفتى بعد وقت طويل من الأنجراف معه وبعد ان يلحق به الأذى ويكتوي مباشرة بشظايا سلوك (سالم الغني – الباشا) وبعد خسارات كبيرة التاريخ المزيف الذي يختبىء وراء تلك السلطة :(أي زمن هذا يحكمه الكلاب والقتلة ص21) .

تضمنت الرواية عدد من الشخصيات التي تتقلد أدوار مختلفة في لجة الصراع هذه (والده سلمان الصالح – سعيد الكاتب – والدته – الغريب – عبد المجيد الراعي – امام المسجد – خالدة السيد – سارة الأجنبية وعائلتها – رشاد توفيق – وبعض الشخصيات الهامشية الأخرى) .

عكست لنا الرواية واقعا مؤلما عايشناه جميعا، تمثل في أبسط معانيه بمحاولات محو شخصية الأفراد والمجتمع وتحويلهم الى مجرد دفوف خلف (الباشا) ومجرد بيادق تلعب بها أصابعه حسب مشيئته واهوائه المريضة، يقودها الى التكريم والحفاوة، أو الى الأهانة والأذلال، أو الى المحو والتضييع . وشخصية الباشا تحمل خلف ظهرها ماض مثير للجدل، ولكن تثبت عليه طبيعته الجرمية وينكشف قناع الحرص على المدينة والغرض من محو القرية وتحويلها الى مدينة وفق مبتغاه :

(حكاية سالم الغني الذي قتل الغريب ص16)

(ليس لأنهم ابناء بالفطرة، أو لأن حمورابي فتح لهم المدارس، انما أنا، أعني الذي استأصلت روح القرية من أعماقهم ص19)

(ان ضحاياه هم أكثر الناس وفاء له ص24)

(لقد اشترى المدرسة والملعب الرياضي وحديقة المدينة والمكتبة والمتاجر واشترى قبلها مخفر الشرطة فلماذا تعتقد انه لايستطيع شراء المسجد ص26)

(كيف لاتكون صلاة الباشا هكذا وهو يشبه الملائكة ص33)

(ان رجلا اشترى براءتك، سيطرحك ذات يوم في باحة قصره عاريا ص48)

(خداع الفريق المقابل والأنقضاض مثل الصقر والأنفراد بحارس

المرمى ص56)

(التهمة الموجهة لنا هي تحريض الناس على الوالي ص58)

(وذلك سيؤدي الى حدوث ثغرة أو خدش يمس رمزا من رموز

المدينة ص122)

(خالدة السيد التي وصفها امام المسجد انها من اصفياء الله ص145)

(وكنت في الحقيقة أتلهف رغبة للأعتذار وطلب الصفح منه فقد كان . . ولكنني لم أكن ص146)

ان الأحداث المسرودة في رواية (الولد الغبي) تشي بواقع تم زعزعته بفعل الترهات السلطوية أدى الى فرض ورسم واقع جديد يبرز فيه القتلة والمنافقين والمتملقين وعديمي الكرامة والمروءة وعديمي القيم من سياسيين وأصحاب اختصاصات ورجال دين، ويتخلف فيه ويتدهور أصحاب القيم والتاريخ الكريم المشرف وذوي الضمير . وقد حفلت الرواية بالعديد من المحتويات الدالة وتمكنت بسهولة من تسليط الضوء على مضمونها هذا وبأسلوب سلس محبوك في انتقالاته وفي استحضار أحداثه القصصية الآنية والسابقة وبث وجهة نظر الكاتب من خلال حركة الشخوص وسلوكياتها ضمن هذا الفضاء . وقد أدى الكاتب وظيفة السارد بمهارة جعلتنا نشعر بقربنا من الأحداث ومعايشتنا لها، وتمكن الكاتب من ابعادنا عن الشعور بأن هذا النص مجرد انعكاس بسيط لظرف وواقع زماني ومكاني، فقد تصرف الكاتب وفق تصور جمالي كان مناسبا لتنظيم مقاطع وأحداث النص، فقد انتقى استهلال الرواية ومدخلها بشكل جميل، وقد كان الراوي هو بطل السرد وقادنا بعناية بين الأحداث الآنية والأحداث الماضية (اللواحق) ونسق بينها بشكل جيد ساهم في تمتين بناءه القصصي . وقد تضمنت الرواية تغيير وتواتر في المشاهد ساهم بتطور أحداثها وساهم بخلق التشويق المطلوب للمتلقي . وقد أعجبتني الصفحات الأخيرة من الرواية كثيرا فقد امتازت بشحنة عالية من التركيز والتكثيف والأختصار لمجمل محطات الفتى (ابن الصالح - الشخصية الرئيسية في الرواية) الحياتية وتشعباتها التي على قلة عددها منحت الصورة القصصية وموضوع القصة غنى وكثافة وأطرته ضمن فكرة الكاتب وموضوعه، فهذا العدد وهذه الشريحة النموذج (لمجتمع اكتشف ولازال يكتشف مقدار الغباء المترسب لديه أو المفروض عليه)، وهو ماسعى حسن العاني بهدوء وعناية الى ايصالنا اليه .

 

كريم عبدالله هاشم

 

 

 

في جهده المثابر (الشاعر فلاح الشابندر) يضع العالم تحت نصوص من فوضى وايقاع وتموج وانسلال افكار، ولا مكان للفحم دونما طباشير أو قصبة جيء بها من ماء الجنان وصاغها فحم كتابة. تلك هي واحدة من مساحات العرض الشعرية ذات المقاصد الهادفة ان يكون النثر الخالص شعراً خالصاً، بموجب نصوصه (فحم ... وطباشير).

لننظر في بعض اشكالاته الشعرية .

أولاً: تفتيت الشعرية

نفهم من قراءة (فحم ... وطباشير) ان رحلة الشعر من البدء (من مرحلة الفحم) حتى مرحلة الطباشير (مرحلة التعليم المنتظم)، هي رحلة الكتابة من جانب التسجيل والتجميع، وقد توزعت بحسب التطور الحضاري والتقادم الزمني:

ـ (التاريخ والفنون= الفحم ) .

ـ ومن ثم (الفنون والفلسفة = الطباشير) .

ـ من ثم (المعرفة التجميعية الجديدة = الالكترونيات) .

هذه المبادئ في الاشتغال الشعري توهمنا، او تقرر لنا طريقاً في الفهم شديد الوضوح والتضليل، غائرا في تفاصيل جديّة تحتمل الكشف المخادع او المؤكد، لكن كل ذلك يجيء على اثر تفتيت الشعرية بتقسيمها بين الكتابة والخطاب .

أ ـ تاريخية وفنية وتجميعية الفحم

الفحم، منه وفيه عرف الانسان البداية لتاريخ الحضارة، بمسريين هما النار والنور، النار طورت الاغذية ومن ثم طوّلت العمر، والنور وسّع مدارك العقل، وكلاهما اخرج الانسان من الكهف الى الفضاء الأرضي المتسع مما اكسب الشعرية إبّانهامعرفة الاتساع فقط . لننظر:

[ اتدري يا صاحبي ....؟

على قيد الغيبِ

يمضي البحرُ ...!

والليلُ الى سواه

فراغاً ..

يتناظر....، و..... .... ... اللافتة ........! ] ([1])

في المقطع المتقدم متجهات عدة تخص النظام الشعري منها:

1 ـ كلها ترتبط بشعرية الكتابة (اللفظ والمعنى) .

2 ـ الفراغ ثلاثة انماط:

ـ المصرح به = الليل الى سواه فراغا .

ـ الفراغ المعوض عنه = و.....

.... ... اللافتة .........

ـ الفراغ المخمّن = قيد الغيب تناظر الفراغ .

3 ـ قيمة التبعثر شكلية تخص

التسطير مثلما نراه في توزيع الجمل والنقاط . وتركيب التبعثر يأخذ قيمته من تشظي المعاني مع احتفاظها بدلالتي الفحم (البدء الحضاري) ورمزية الشعر (الشعور الانفعالي).

4 ـ المقطع يؤرخ لمضي الزمن (اتدري ياصاحبي)، وتلاحق جدب البحر والليل (يمضي البحر والليل الى سواه) وتراكم خيبات البشر (يمضي البحر والليل الى سواه فراغا).

5 ـ تقنية تروس الفراغ تساعد على تثبيت قيمة التبعثر .

6 ـ تتأكد قيمة الاتساع بكونه تاريخاً مصنوعاً بالكتابة عبر التناظر واللافتة .

7 ـ النار والنور والعقل ينسحبان نحو مجهول الفحم (البدئية) كونهم مدركات هيّأت الفعلَ الشعري وسحبته من ظلمة العتمة الى متسعة التبعثر التي تلتم بقوى الانسان كدفقة حياة تقترب بأثرها من نور الفحم (كتابة وانارة ودفء) .

8 ـ يتم الشاعر منظومته بجعلها مقاطع قصيرة مشفرة تشبة تجميع اللقى، تحتمل ترجيحاً متناوباً للدلالات، قابلة للتحكم والفرز ليصير التجميع فنا للجمال، يبين هذا عبر قابلية المقطع والمقاطع اللاحقة على الانتشار السريع لتوافق جملها ومضمونها مع الوسائل الشبكية الحديثة.

ب ـ تاريخية وفنية وتجميع الطباشير

الطباشير كمرحلة وسيطة بين التعليم المنتظم لفترة ما قبل 2000 وفترة ما بعد 2000 يعدّ مرحلة حضارية زمنية مهمة قد استوعبت العصور الحديثة وأرست أُسس التوجه العقلي لجميع مناحي النشاطات البشرية، وحتى الكتابة على الورق لم تنافسها إلّا بقدر ما ينقصها من حيوية في النقل والتنقل .

سيتعامل الشعر مع هذه المنظومة بشيء من المغامرة الفنية. لننظر:

" المحكي السردي (هو المتواليات السردية ذات النفس القصير) "([2])

التاريخ في الشعر هو المحكي القصصي من الشعر يأخذ باللقطة القصيرة ذات اللفظ المقتصد.

ولأن التبعثر سمة عامة في مجموعة الشابندر (فحم وطباشير) فقد ارتكن الى البعثرة المنضبطة للأهداف ذاتها المنوّه عنها سابقاً.

لنتقصَ بعض مضامر الشعرية القصصية وما سيفيض عنها من مضامين تأريخية وفنية ومعلوماتية تجميعية، في مدونات الشابندر عبر المقطع الآتي:

[ ستون نافذة مشرعة

 لمروياتِ الريح

تنادو..، ا

من اقصى

المدينةِ المعدومة بأنفاس أهلها

تنادوا:

لقد أظْللتنا ..،

فما معناك

في صباح

الحديقة ..؟

فرطةٌ

عصافيرَ تدنو ... تدنو ... تدنو

تلتقطُ

مساقطَ حلواه ...

يصفعُها بسيف الريح ..!

تتقافزْ ..،

تتطايرْ

يتطايحُ ضحكاتٍ ... طفلُ الحديقة ] ([3])

المظهر المخادع ببساطته لا يستجيب للقراءة المتعجلة. انه بسيط المظهر معقد العلائق، إذ يتبنى موضعة سردية مُعَمِّدَة لمتسعة شعرية ذات اختزالات عديدة تصل حد الحرف والعلامة الفاصلة او الايقافية .

لنتخيل القصة صورة شعرية . فالقصة (القصيرة جدا) تبدأ بـ ((شخصية تدوينية لها ستون مصدر لمعلومات عن مرويات تخص الريح، ولأن الريح لها اتجاه وحركة وتقادم وجودي فيمكن أن تصير بطلاً لقص سردي شعري، ويمكن للريح أن تتجه لأهدافها بتحريض ممن اوصاها (اي الشاعر) وعيّن لها وجهتها التي تتعكز على وجود مادي هو المدينة، لكن المدينة معدومة لأن أنفاس أهلها تستغيث دونما مغيث فالريح لاهية بمصائر أخرى تلقي عليها الضوء والمطر فيستغيث أهل المدينة محتجين بأن الشاعر ـ مُوَجَّه رياح التغيير والتدمير، قد ظللهم بغمام كاذب، وبصباح لا يجمع العصافير إنّما يفرط بها، فما ان تقترب من حلوى النور حتى يصفعها ويَهمُّ بذبحها مثلما فعل بأهلها تواً . لكنها عصافير شجاعة تفلت من سيف الريح وتتضاحك على سذاجتها، تضحك مثل طفل الحديقة جذلى فالطبيعة مُلكُها مهما حاولت الريح او البشر ان تهم بامتلاكها ومن ثم تخريبها.)) هذه الصورة السردية المُوَسِّعًة لشعرية القص في الشعر هي صورة شعرية ذات قوى جمالية تتصف بها من جانبي دلالة البعثرة (توزع الجمل والمعاني) ودلالة التشفير القصصي، انها بهذا قص قصير جدا يتوالى بحسب الايقاع الشعري . في التأني القرائي سنتوصل الى:

1 ـ ستون نافذة هي ستون رواية تاريخية تحتاط بالفن التدويني الخالص دون حاجة الى تنصيص كونها هي من يُمَوّل المُدَوِّنَ بما يلزمه .

2 ـ يتمثل الجهد الفني في، أن بطل الروايات ومدونها متآمران على الحقيقة، متجاوزان عليها فهما من جعلها مدينة موتى لأنهما ـ ولثلاث مرات ـ يقتلان الخير في النفس البشرية:

ـ الاولى عندما أهملا نداءَ أهل المدينة حتى الموت .

ـ المرة الثانية عندما ظللا أهل المدينة بغمام كاذب .

ـ المرة الثالثة حينما أوقعا بالعصافير تحت سيف الريح ومنعوها من حلوى الضوء.

3 ـ في الجمع بين القص والشعر وتاريخ الحكي يبرز جانب التذكير بالتدوين والتعليم، أي بالورقة والسبورة، والقلم والطباشير، وما يسببانه من تعلم منتظم يدقق ويحصي ويستنتج الوقائع (الحياتية والنصية) . هذا هو من جعل الشاعر معلماً يُنَبِّهُ عن خطر الغمام الكاذب، والضحكات الطفولة في غير أوانها، يجمع المعلومة ويصنفها من ثم يبثها حانية مُهَذَّبَة مُهَذِّبَة.

هذا التجميع ينتظم في سيرورة الفعل الأهم، ترميم وجدان الشعر بالحكي، الشعر الصالح للانتشار السريع كونه شعراً وقصاً قصيرين متواليين في الروي، منسجمين في الرؤية والايقاع، حتى التبعثر الكلمي يبدو مثل سيل يتوزع ليجتمع عند ساقية جديدة، قد يكون النت واحداً من دواعي نظمه وليس التعليم بالمخاطبة والطبشور فقط .

 ثانيا: أرخنة الفنون وتجميع النت

منذ عام 2000 والعالم يحتفي بمنجزات الاتصالات السريعة، لكنما الآن هي وسيلة عادية لا تثير الانبهار كثيراعلى الرغم من انها الآن وسائل اعلامية وتقنية وصورية متسعة الاستخدامات تكاد تهيمن على جميع الانشطة العملية والعلمية والمعلوماتية .

الجديد لدى الادباء والشعراء هو أنهم وصلوا الى قناعة كاملة بجدوى الانتشار السريع والاختزال وتنويع الأثر ليكون تجميعياً، فيمكن الاستعاضة عن مرحلة الفحم الثقافية بالانتاج شبه الفطري المنظم، ويمكن تعويض مرحلة الطباشير بالتعليمات والوصايا التي توجه الكُتّاب وتصحح وتترجم مآثرهم تلقائياً . ويستمر العمل بالتجميع الورقي ثم يتم تحويله الى معلومات في حافظة (النت).

فنية وتاريخية وتجميعية هذه (المحفوظات) تصير ملفات قابلة للزيادة والحذف والتوليف والارسال والترافق مع فنون اخرى، اهمها الصورة والخبر والارشفة والسرد .

إذاً (النت) غيّر المنظومة الادبية شعراً ونثراً، ترى كيف استوعبته المقولة الآتية:

" قوانين التواصل الاجتماعي تفرض نوعاً من التخاطب المُشَفَّر عَبْرَ علامات يتم الاهتداء بها لكون الشفرة تمتلك خاصية إبداعية متفردة " ([4]).

قد نجد بؤراً دلالية تلائم قوانين التواصل الاجتماعي من جانب الابداع المتفرد والعلائم والتشفير، فضلاً عن التبعثر التفاعلي والمعلوماتية .

بؤر دلالية

[من وسع

قلبي ... فكرتي ... جمرة دمي ... وبعضي الطفل

طفل اكبر مني ............الحب

السجايا رعوية تلتقي الريح والمطر ..! ـ فحم وطباشير ص38]

نرى البؤر الدلالية نمطين بمظهرين هما: طفولة الحب وفطرة الريح والمطر . كلاهما عفوية منظمة، ولهما نظام تعلمي ولهما مبدأ تجميعي، يجمع تاريح الحب وفنية الشعر واستثمار النت (السرعة والقصر) بطفولة الموجودات..

إذاً الدمج بين المعقلن وغير المعقلن هو الشيفرة التي تنحت القيم عَبْرَ علائم (القلب، الفكر، الزمن، السجايا) .

 قيم تفرد ابداعية

[ايتها التلقائية الخيرة من هنا الممر..

خيوط الفجر ريشة عائمة

تفتح نوافذ ضوء لحمامات مساقة

الى المطلق . ـ فحم وطباشير، ص38]

يؤر القيم نوعان، التلقائية والمطلق، وهما قيم تتضمن تطوراً من عصور الفطرة العفوية الى التقدم الفلسفي، ثم عبوراُ الى التجميع الفني للنت، إذ الفن مرحلة تجمع التلقائي والمطلق بضمر واحد هو شيفرة الخير .. هذه الشيفرة تلم وتبعثر وتعيد تشكيل القول ليلائم الانتشار الجديد السريع . تلك القيم تجيء مضمورة ومصاغة كفعل شعري له مظهر: (الممر = الاتجاه، العوم = التيه، الضوء = المعرفة).

مفاتيح المضامر:

[ امرأة من ندى

تتقاطر على الصمت ندى

ورشح الضوء في قطرة

ندى صحو يمطر ندى. ـ فحم وطباشير، ص39]

البؤر الرئيسة لمفاتيح المضمر القولي هي علائم (الندى) التي يتفرغ اليها (الصمت والضوء) ثم (المرأة القطر)، وتكاد المنظومة تخفي كل المراحل (الفطرية والعلمية والتقنية التجميعية) وراء سيولة واختلاط هذه المراحل برؤية الصحو المقابل لشيفرة ستأتي لاحقاً .

الآن يمكننا التطرق الى موجبات فك اشتباك الصورة كونها هي مجمع العلائق، ومن ثم هي الجذب التسويغي والتسويقي . نجمل الصورة بالقول الآتي:

(امرأة الجمال تَلُمُّ ندى الطبيعة فتسري بنداها نحو الصمت، ترشه فيتحول الى ندى امرأة، يرش نفسه على الضوء فيصير الضوء امرأة ندى ثانية، ثم يصير ثالثة، مع الصحو انثى من جمال تمطر نعمة وجودها على الارض، لأن الندى لا يمطر، انما يبرق بالبياض لحبيباته عَبْر السطوح الملساء شبية النساء) .

شيفرات:

[لحظة عطر .... عصفور ينفلت خيط السحر ............ وأتيه

تمرق من بيني ...،

وبمودة يشاكس قميصها الريح

اشهى ما فيه .. سرٌ فيه، نهدٌ فيه، ثمرةٌ مدلاة . ـ فحم وطباشير، ص40]

تشكل المضمرات الدلالية (السر) الأساسي لكلمات المظهر الكتابي عدا كلمة واحدة هي (نهد) ولولاها لانغلق المعنى وضاع نهائياً . وهي بتنظيمها الصياغي موزعة كأنها مراحل تموج متنقلة بين فطرة وتعلم ومعرفة تجميعية في (النت)، لكن توجد في النص مضمرات تشفيرية مظهرها الكتابي يتوزع على: (لحظة عطر، انفلات عصفور، خيط سحر، تيه، مروق بين منشطري ذات، مودة قميص، مشاكسة ريح، تشهي اكتناز، توقع سر، تدلي ثمرة) .

لو أعدْناها الى معادلاتها الاقرب لشعرية استعمالها، لتمثلت لدينا بالمقابلات الآتية:

لحظة عطر / تقابل / دهشة افتتان .

انفلات عصفور / تقابل / اندفاع رغبة الجذب الجسدي.

خيط سحر / تقابل / العجب والاسغراب .

تيه / تقابل / حيرة .

المروق بين / تقابل / المرور المستحيل .

مودة قميص / تقابل / الاشتهاء الحميم .

مشاكسة ريح / تقابل / الوضوح الشديد لموجودات الاغراء .

تشهي اكتناز / تقابل / التعطش للملامسة الجنسية .

توقع سر / تقابل / اسطرة الإعجاب .

تدلي ثمرة / تقابل / انكشاف صدر الانثى .

وحتى عندما نوجز الشفيرات كمقابلات دلالية فسنحتاج الى كشف آخر وآخر، عندها نعي بأن التلغيز الشعري يحتمل التشفير المختلف حد التنامي التأويلي المستمر، مما يعني أن المقطع الفائت يمكنه أن لا يستقر معنى ولا دلالة.

تقنية تبعثر المعلومات:

[ برقة يتأملها ....،

 ...

تحث دبيب التنمل ..!

فائرا .. شهد الرضابِ

يلوّن ملاطفته

... خوفاً من .. ذاك الغيابْ

نرد..

لا يبوح لسبابة

عصيّ على الغواية

وعلى هذا القدر من القدر

معمارها الرقمي

يرتطم بحواف المتاهة . ـ فحم وطباشير، ص58، ص59]

تتضمن قائمة المعلومات على مجموعة من مواصفات تقنية منها كتابية ومنها رقمية (ألكترونية) وكلها مجازات غير مباشرة معوّضة عن اصول دلالية، بعثرها وقننها وجمعها الشاعر في محتوى وعي (الكتابة).

لو فَصَّلنا المعلومات الى مستويات تطورية حضارية لصارت متعامدة بحسب الآتي:

ـ مرحلة فطرة الفحم: انها تحتوي الرقة والتأمل والتنمل مذابات في رؤى تشكل ماديات متخيلة . ـ مرحلة التَعَلُّم المُنَظَّم بالطبشور: كونها خطابية فهي عبارة عن التقابل بالحضور، تضم كلا من، الشهد، والرضاب، والملاطفة، والخوف والغياب .

ـ المرحلة الرقمية: تحتفي بالسبابة والغواية والقدر والمعمار والمتاهة، وجميعها تتسم بالتجميع والتصنيف ومن ثم التقنين بقيود اللغة الشعرية كتقانة استثمار للمضمرات ذوات الأثر الخاص في القول والسلوك. ومن جمالياتها الاستثمارية، أنها تحتفظ بذات الروحية في التبعثر والالتمام ضمن شيفرات خصوصيات امرأة الندى القاطرة.

 ثالثاُ: نشر مضمور الخطاب

الخطاب ـ اجتماعياً ـ ينحو باتجاه توضيح الفعائل التي تخص التماسك الاجتماعي والتفاهم الاتصالي، فالفكر اللغوي اجتماعياً ـ في الادب خطاب رسائلي ـ يشير الى:

"وجود صيغ تشير الى قوة اللغة التي تتجلى فيما تتركه من اثر على المتلقي وفي النسب الكمية ـ يقصد الدلائل ـ وفي الروابط المنطقية . والسمة اللغوية الاساسية للوقائع المرتبطة بالمؤسسة ـ يقصد المؤسسات الاجتماعية ـ هي وجود صيغ رمزية كالكلمات، التي تعارفنا على انها تعني شيئا يتجاوزها ."([5])

اللغة اذاً هي مؤونة الخطاب الاجتماعي بوقائعه ككلمات ورموز ومنطق ونسب دلالية . وهو لدينا ـ بموجب المنثورات المبعثرة في (فحم وطباشير) يأخذ مستويين من التطور التدويني والمعرفي والشعري هما:

 أ ـ خطاطة النثر التدوينية

نرى ـ شعرياً ـ أن لها اربع مراحل من التتام المعرفي هي:

ـ البياض:

يُخْتَطُّ له مسرىٍ وتصريفاً يخص قوى البياض بعثرةً وتلميحاً وتصريحاً وإضماراً /

* ففي البعثرة نجد بياضاً يجمع ألواناً شتى/

 [ فرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااغ

ليس اكبر من رأس خنفساء ...!

 ... أمننت عليه في الجرّار

جرّااااااااار ... ـ فحم وطباشير ص44]

لون البياض لا يضم بياضاً إنّما هو دلالة للبياض كون البياض يدل على البساطة والعفوية والانشراح، والغريب انه بياض لرأس خنفساء وجرّار، وهما لونان خليطان من البني والاسود والرمادي، والرمادي خليط الاسود بالابيض. وفوق هذا كله يجعله الشاعر إطاراً للفراغ والفراغ يصيره إطاراَ للتبعثر وكأنه يلعب بخطوط قائمة، أو حركات قافزة من الوجود الى الفراغ، من ثم الى البعثرة النهائية . ومن ينظر الى تسطير الأحرف والكلمات بصرياً سيدرك ما وراء افق حرف الالف القائم في كونه الطاغي تماماً، المبعثر توزيعاً، المظلل للخطاطة النثرية الى حد ما كون حرف الالف تكرر في 54 موضعاً . (اداة التعجب ضمنها).

تلك البعثرة كقيمة لرسالة خطاب ـ نرى ـ أن لها أهمية نفسية أكثر من أهميتها العلائقية كشكل من التوزع الكلمي، تكمن شعريتها في انضباطها التام بمحور تصاعد وتراكم نسق القص التجريدي للمقطوعة النثرية الإزاحية . * والبياض تلميحاً يتضح بأن معناه يخصص لموضعه فقط، يخدم جملته:

[ ان المجردً لهوُ المرايا ـ فحم وطباشير ص77] .

 التلميح (هنا) لا يتعدى جملة القول كونه بياضاً شفافاً وهو مجرد، اي لا وظيفة له سوى اللهو المساوي للمتعة في البعثرة بين مصقول المرايا، كأن الجملة محتفية بدخائلها من اللامعنى والتسطح وابراز الوجوه البيضاء. * وفي التصريح يصل البياض حد البعثرة البائنة دونما بلاغة بعيدة فهو أب لكل حركة لونية، اي أن الحروف هي خطاطة كتابة بالطباشير على لوح المنثورة النصية.

[ يقرئني السلامَ ........... يقرئني الماءَ

يقرئني هذا، هذا مغتسلٌ وشراب

يقرئني بذرةً

من جوهر مفارق

تنبتُ نسغَ طباشيرٍ

يتصاعد

أعارَ بياضَهُ ضد عدم

حملتُ قرطاسي وقنطرتي ومضيتُ

مفعمٌ بالطباشيرِ

منتشرٌ فيه

يقرئني أقرأ الفراغ . ـ فحم وطباشير، ص84]

المنصص اعلاه يصرح بالبياض كأب للألوان عَبْرَ مظاهر غرضية واخرى عرضية، فالغرضية اخذت الصفات للأشياء في الفاظ (السلام، الفراغ)، وكلاهما لا يتوافقان مع متجه نظام المنثورة إلّا من باب الدلالة، والدلالة ليس للمعنى إنّما للبعثرة التي تماسك أجزاء القصيدة بدءاً من نقطة التبطين النفسية التي أشرنا إليها في مكان سابق، الى نقطة التبطين النهائية المقاربة للا جدوى، وهما يحفظان للقصيدة متحهها الفكري كونهما لن يضعا سطحاً حقيقياً بشكل مطلق . بينما توجد وظيفة عمودية تبني وتوزع وتلاحم دلالات المعاني دونما حاجة لمبررات بلاغية، فهي مظاهر لونية وجواهر استعمالية تشمل (الماء، المغتسل، الشراب، بذرة،جوهر، طباشير، البياض، القنطرة). الفحص الايقاعي للدلالات سيرينا ـ أن الشاعر ـ كمرسل لخطاب ذي قضية ـ وظّف المشهد كله لبياض عتمة الموت الذي يخلد القراءة، القراءة التي تنشر وتنبت ثمرات النور في كل شيء وتتبنى التواصل البشري صوريّاً وألكترونيّاً، بهذا ينهل الشاعر من منظومته السابقة بنسق جديد هو (الولادة = الفطرة = الفحم، ثم التعلم المنتظم = الطباشير = مرحلة الحضارة الفنية، ثم التجميع = الارخنة والتبعثر والرسائل والتواصل السريع).

ـ الصوت:

يظهر فعله عبر الاهتزاز ليكون صوتاً فيزيائياً، او يظهر بكونه شخصاً يُبَلِّغ رسالة عبر خطاب الروي، او يظهر بكونه صوت تفكير عَبْرَ قص الحكي المتوالي السريع .

سنرفق كل نوع بنص دون تفسير لأن هذا النمط صار شائعاً في الكثير من النصوص النثرية الشعرية. وهو هنا له رسالة تضمر حلاً للكبت التعبيري المفروض من بيئة الشاعر على قيمه الفلسفية لوجوديته العدمية الصوت الفيزيائي / مثاله:

 صفقتُ البابَ

 فتحتْ البابَ شهقةٌ

الصوت الرسائلي / مثاله:

رأسك صندوق ذاك البريد..!

بجهات اربع

تراسلك الريح ..،

فراغا باردا ...! فحم وطباشير، ص89

الصوت السردي المتسارع / مثاله:

يتلوى الصفر غبارا

 هامة ضامرة بالغة الطول ..!

 عمودُ غبار

 كأنما يدور

 يدور

 هناك ...

 اسمك تكتبه الريح على الرمال

 والريح تسف الرمال ـ فحم وطباشير، ص88،ص89

ـ الصورة:

الصورة الشعرية هي لأوجه المعنى الدال على الحركة او الوجود او الترميز او مجازات الاستعارة وغيرها، او كلها معاً. ولعل أهم ميزة للصورة الشعرية، لا الميزة المطلقة إنّما الشائعة كثيرا، أي الصورة المتأتية بالإزاحة والاستعارة. ولكن ثمة صور بصرية فيها شعرية أيضاً، لذا سنتقيد بالصورة الشعرية في النص الشعري الآتي: [ يعومُ المركبُ، فأتمتمُ ناظراً إليها

أنا وأنتِ ..

أبعدُ ما فيكِ صوتي

وإن نلتقي، نلتقي

كلانا ماضياً وحاضراً

نلتقي في وحدتها،

في غرق واحد وفرار واحد . ـ فحم وطباشير، ص62]

تلك الصور لا يمكن تخيلها كصور كاميرا مهما حاولنا تجسيمها وتقريبها .

هي إذاً صور كتابية، وهي كتابة شعرية لا تُمسك إلّا عَبْرَ تصور معنى تخفيه وراء مظهرها . ترى ما أهم تلك الصور وما أهميتها ؟

لعل في التوالي القولي الآتي توضيحاً مناسباً للمنطق التأويلي النافع الدقيق:

يعوم المركب / تتبعثر في / عوم المركب بالتمتمة .

اتمتم ناظرا / تتبعثر في / تمتمة النظر في الـ (أنا ـ أنتِ) .

أبعدُ ما فيك صوتي / تتبعثر في / بُعد الصوت (أنا) في اقتراب الصوت من (أنتِ) .

وان نلتقي، نلتقي كلانا ماضياً وحاضراً / تتبعثر في / لقاء الماضي في لقاء الحاضر .

نلتقي في وحدتها، في غرق واحد وفرار واحد / تتبعثر في / لقاء التوحد بلقاء التوحيد بالغرق الواحد والفرار الواحد لكل من المطلق والمصير .

ـ الحركة: سنكتفي بالافعال الانفعالية كونها اصل الشاعرية لا الشعرية الشاملة .

لنحتكم في اجلاء القصد الى المقطع الآتي:

[مزدحم فيك ....... ومزدحم حولي تتلفت فيَّ

أراك قريبا . تراني بعيدأ

من يحفر فيك ويزرعك دغلاً

وتنبذك

حتى الخفافيش ...!

.............. ـ فحم وطباشير، ص108]

الملاحظة العامة الاولى هي هيمنة بعثرة النقاط وهي ـ بالعرف الشعري ـ دلالة توزع واضطراب وحيرة، وهي ثانيا، ارتجاف من مجهول، فضلا عن أنها تعبير عن صراخ مكتوم داخل كلمات او جمل صودرت بالقسر . يتبقى لدينا المساحة الاوسع للحركة، وقد خُصِّصَت لها الافعال الانفعالية الآتية:

(اكون مزدحم فيك، تكون مزدحم بي، تتلفت بي، اراك، تراني، يحفر، يزرع، تنبذك)، هذه الافعال الحركات كلها متشنجة مشوبة بعاطفة العتاب والاتهام والتوجس والتماهي المبالغ فيه، لكأن الشاعر يخاف من انشطاره الى ذوات متخالفة بصورة حقيقية، وهو ما يجعل الافعال انفعالية بدرجة طاغية، تحمل الى الآخرين ألم الغربة بين الكثرة اللاهية باللامبالاة واجتاح التيه لرغبة الفناء من اجل رخاء ابناء البلد الغريق الموحش المتوحش كليل الغربة والغرابة!

ب ـ شعرية اللا معنى

لنركز باصرتنا في الموجهات القولية الآتية:

 " لا أحد بإمكانه أن ينجو من الابتلاء باللا معنى والمعاناة بالمحنة ... أن الجميع يعيشون بمعنى قريب من الصفر ولكن لا أحد يبحث عنه ولا أحد يطلب الدرجة العليا من المعنى"([6]).

" التعبير ... يرتبط لدى الشاعر المعاصر بالموقف الجدلي من الحياة والعصر، وما يشوبه من صراع يجعل الفعل يرتمي من أحضان اللا معنى، حيث تصبح المفارقة هي الوسيلة الوحيدة التي تقرر المعنى بافتراض خلفية لجميع مظاهر الصراع في هذا العصر([7]).

الموجهات تلك تضعنا على خطى محددات اللا معنى ثم تغادرنا دون ان تعطي فهماً يسهم بوضع اسسا للشعرية عبر اللامعنى .

لنلخص شروط ومبررات قصيدة اللا معنى في كونها لغة من جمل نافعة وأدبية، ولنعطي مثالاً، من ثم نوجزها لاحقاً:

[ ويخرج العمدةُ على الناس:

أينَ العالم الحاني على وجهي

هجروا وجهي ..؟

الحلمُ في خطر

الحلم في خطر ..،

هذا خصامي

هذا انقلابي

واتفرق في البحر..! ـ فحم وطباشير، ص144]

مثل هذا النص يستجيب لمبررات وشروط قصيدة اللا معنى التي موجزها:

1 ـ التعبيرعن اللا جدوى الفلسفية . مثلما هو في التساؤل: أين العالم...؟

2 ـ الاستجابة لشكل من اشكال السلوك الشعبي . مثلما في: هجروا وجهي.

3 ـ احتواء القصيدة على مفارقة جملية او جمالية .مثلما في نظام الجملة الدائرة على نفسها:

الحلم في خطر

الحلم

في خطر..،

4 ـ وانها تعبير عن موقف الشاعر من مظاهر الصراع في هذا العصر . مثلما هو معبر عنه في: هذا خصامي . ويمكنني اضافة شرطين آخرين فتكون الشروط ستة هما:

5 ـ الانغلاق النصي بالغموض الكلي المدهش . اذ أن ذلك مدسوس في: اتفرق في البحر.

6 ـ استقرار السلوك على التذمر والشكوى .

المقطع كله يعبر عن سلوك مستقر في عمق الروح الشعبية للناس حيث الشكوى والتذمر الدائم هي السجايا الأكثر تعبيراً عن اللا معنى من نشاط الفرد والمجموع على اختلاف أماكنهم وتاريخم وحضاراتهم وسجاياهم الخلقية ورغباتهم الانسانية .

* وفيما يـ الإزاحات الست المقدرة التي مظاهرها الاشارية في (عمدة الناس، العالم الحاني، تهديد الحلم بالزوال، الخصام مع العالم، الانقلاب على العالم، الضياع في البحر) .

ـ الدلائل الاربع (دلالة الزعامة، دلالة غروب العالم، دلالة الإنزواء، دلالة اللا جدوى من المعنى واللامعنى). ـ الفحص البصري للظاهر التدويني يبين المقدار الأكثر وضوحاُ جمالياُ للتبعثر الكلمي والجملي، مما يؤشر باطناً موزعاً بلا جدوى الوجود نصياً وسلوكياً بما يشبه التمزق النفسي.

 

اسماعيل ابراهيم عبد

....................

[1] - فلاح الشابندر، فحمم ... وطباشير، شعر، دار العراب، ط2، 2016

[2] - محمد معتصم، المتخيل المختلف، ضفاف ـ الاختلاف، بيروت ـ الجزائر، 2014، ص136

 - فلاح الشابندر، فحم ... وطباشير، مصدر سابق، ص16، ص17 [3]

 - د. سمير الخليل، تقويل النص، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2015، ص13[4]

[5] - جون ر سيرل، بنا الواقع الاجتماعي، ت. وتقديم حسنة عبد السميع، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012، ص96

 - زهير الخويلدي، فلسفة واقع اللامعنى، موقع انفاس نت من اجل الثقافة والانسان، تأريخ الزيارة، 20/1/2017 [6]

[7] - ا.د. علي مجيد البديري، شعرية ... نماذج من قصيدة النثر في البصرة، تاريخ الزيارة 20/1/2017، الموقع الالكتروني http://basrahcity.net/pather/report/basrah/59.htm

 

 

تعود أولى لقاءاتي بالكاتب الكبير الراحل جليل القيسي الى بداية ستينيات القرن الماضي إذ كنتُ آنذاك طالباً في مرحلة الدراسة المتوسطة، وكانت علاقة صداقة مدرسية متينة تربطني بشقيقه المرحوم حسين القيسي، هذه العلاقة مهدت لي زيارته أحياناً في محلهم لصياغة الذهب في سوق الصاغة بكركوك وكنت خلالها غالباً ما ألتقي بجليل وكان يقابلني بوجه بشوش وإبتسامة مجاملة تميزه عن أقرانه، وكنا نتبادل التحايا وبعض الكلمات القصيرة التي تقال عادة في مثل هذه المناسبات . لكنني إنقطعت عن التردد على المحل بعد أن قيل لي بأنه مراقب من قبل الأمن بسبب مزاعم تشير الى إتخاذه مكاناً للقاءات جليل مع زملائه الماركسيين واليساريين (الذين أطلق عليهم في بغداد فيما بعد إسم جماعة كركوك) .

غادر جليل كركوك وتوفي شقيقه ومضت السنوات وشاءت الصدف في الثمانينيات أن ألتقي بالمرحوم جليل مساء أغلب أيام الأسبوع في الصيف عندما كان يمر من باب منزلنا في حي (ألماس) وهو قادم من داره في (محلة تبه) بإتجاه شارع الجمهورية وكانت المسافة طويلة لكنه كان مضطراً الى ذلك بناء على نصائح طبيبه المعالج ويبدو أنه كان يعاني من ارتفاع الكولسترول ومشاكل في القلب والشرايين، وكان يتوقف لتحيتي حالما يراني وكنت أدعوه لتناول القهوة في بيتنا لكنه كان يفضل الماء ويمضي، وإرتقت هذه العلاقة الى مستويات أعلى في السنوات اللاحقة . وكان يخصني أحياناً ببعض مسودات كتاباته لأقرأها ومنها مخطوطة مسرحية كتبها كان قد كتبها بخط يده في العام 1963 بعنوان (ماجلان والتمرد على سان أنطونيو) إن كنتُ مصيباً لكن نتيجة إهمالٍ غير مقصود أضعت المسودة وكان حزني عميقاً لضياع جهده المسرحي الذي لم ير النور لحد الآن .

خلال الحصار الخانق على العراق كنت مديرا لإعلام محافظة كركوك، إلتقيت به مرة دون سابق موعد فوجدته حزيناً، وسألته عن أحواله فشكى لي معاناته للحصول على أدوية للقلب نادرة بل ومفقودة في الصيدليات، فتألمتُ كثيراً لأن جليل القيسي الذي كان إسماً لامعا وكبيراً في عالم الكتابة والمسرح في الكثير من البلدان العربية والعالمية وهو علم بارز من أعلام العراق لا تلتفت الحكومة او وزارة الثقافة أواتحاد الأدباء الى أهمية توفير أدويته وهو في وطنه بل وفي مدينته، فتدخلت لدى المحافظ وكان آنذاك الأستاذ عدنان غيدان على ما أذكر وقلت له أنه من المحزن حقاً أن يعيش كاتب نتباهى بإسمه في المحافل الأدبية والثقافية بيننا لكنه لا يجد من يعتني بإحتياجاته الصحية الضرورية ولو كان في غير العراق لكانت المؤسسات الأدبية تتسابق حتماً لتوفير تلك الاحتياجات له . فكان إن بادر المحافظ الى الإيعاز رسميا الى مدير عام الصحة للعمل على تزويده بالأدوية التي يحتاجها كلما كانت ترد المحافظة من قبل المنظمات الدولية والإنسانية رغم شحتها .

فيما بعد وبتأثير مباشر من الزميلين الدكتور عزالدين المحمدي وعدنان القطب وكانا يشرفان على إصدار مجلة (الهلال) باشرت بتحرير زاوية شهرية ثابتة فيها بعنوان (مساحة للود) وكنت سعيداً عندما وجدت بأن جليل القيسي ينشر فيها أيضاً قصصه القصيرة جداً نزولا عند رغبة صديقه عدنان القطب، وإكتشفت بأن تلك القصص مكتوبة بلغة آسرة وكأنها نصوص شعرية أكثر مما هي من السرد المسترسل . عند ذلك تملكني فضول كبير عن دوافع إختيار جليل كتابة القصص والمسرحيات دون الشعر مع أن بيئته الأدبية المتمثلة بأغلب زملائه من جماعة كركوك كانت تضج بالشعراء أمثال سركون بولص وفاضل العزاوي وصلاح سعيد وقحطان الهرمزي وغيرهم فيما كان المرحوم يوسف الحيدري لم يلتحق بهم في كركوك في بديات تلك الفترة . خاصة ً أنه لم يكن يخفي إعجابه بالشعر في مختلف المناسبات واللقاءات الصحفية ومنها حواره مع الشاعر والصحفي المرحوم رعد مطشر إذ أجاب على إحد أسئلته قائلاً: (إن الكاتب المبدع إضافة الى خياله الرائع يملك إحساس شاعر) . ومن هنا نضجت معي فكرة الكتابة عن السمة الشعرية في قصصه القصيرة جداً وتبلورت الكرة عندما نشر مجموعة من قصصه القصيرة جدا تحت عنوان (قصص قصيرة جداً في الحب) كتب تحتها (منذ عقود أيتها الحبيبة أرتيس وأنا أعمل من أجل أن أضعك في سيمفونية الحياة) وكان ذلك في حزيران في العام 2001، فبادرت الى الكتابة عن الموضوع في زاويتي الشهرية مجلة الهلال بعددها 65 الصادر في نيسان 2002 وأعتقد (على حد معرفتي) بإنني أول من كتب من النقاد عن شاعرية جليل القيسي الذي كان سعيدا بمقالتي المتواضعة ولم يتأخر في رد فعله فأهداني أربع عشرة قصة قصيرة جدا كتبها بخط يده في 30/4/2002 وطرزها بمقدمة جاء فيها ؛ (عزيزي الاستاذ محمد الداغستاني، ليس من السهل أن يمتلك الإنسان ملكة التصورات الدقيقة، شكراً لتصوراتك الدقيقة في عالم قصصي القصيرة جداً) .

وفيما يلي نص دراستي المتواضعة المختصرة المشار إليها أعلاه على أمل أن أبادر الى نشر القصص القصيرة جدا المهداة لي في مناسبة قريبة:

سجال أخر المشوار!

قراءة في قصص جليل القيسي القصيرة جدا ً

(الحب بكل أنواعه هو الهوس الأكبر لدى الخلاّقين، به يدركون لا الذات فحسب بل كل ما هو خارج الذات) .. جبرا ابراهيم جبرا

............................

تناول العديد من النقاد والباحثين وطلبة الدراسات العليا جوانب مختلفة في قصص الكاتب الكبير جليل القيسي، وبقدر إطلاعي على ما تم نشره من رؤى وإنطباعات وبحوث نقد لم أجد الإشارة الى شاعرية جليل القيسي أي الى البناء الشعري في نتاجه الإبداعي مع أن ذلك واضح جدا وخاصة في القصص القصيرة جدا التي نشرها، وبجهد متواضع تصديت لهذه الإشكالية في مقال قصير نشرته في مجلة الهلال في حينه، وكانت سعادتي لا توصف عندما أهداني القيسي عددا من قصصه القصيرة وقد كتب في مقدمتها عزيزي: (الأستاذ محمد الداغستاني.. ليس من السهل أن يمتلك الإنسان ملكة التصورات الدقيقة ..شكراً لتصوراتك الدقيقة في عالم قصصي القصيرة جداً ..) .. وكانت هذه الشهادة تأكيد على صحة الزعم أنه كان يتوق أيضا الى كتابة الشعر أسوة بزملائه الشعراء في جماعة كركوك التي هم أعمدتها الاساسيين ومنهم فاضل العزاوي وسركون بولص وأنور الغساني و... وإنني إذ أكرر محاولة الكتابة عن الموضوع ثانية فلأنني ارغب في توجيه زملائي النقاد الى الإلتفات الى هذه السمة المهمة في ادب جليل القيسي وإعطائها حقها من البحث والدراسة .

لقد إكتضت الساحة الثقافية والأدبية، بكم ٍ هائل من النتاجات الأدبية المتنوعة ستينيات القرن الماضي، وبالخاصة في أعقاب التغييرات الجذرية التي طرأت على هذه النتاجات فيما يتعلق بالمفاهيم والمضامين أي الشكل والمضمون .. وقد نالت الوظيفة الأدبية للنصوص الأدبية وفي المقدمة منها القصيدة الشعرية الحديثة التي بلورت لنفسها شخصية ذات سمات قد تتباين غالباً مع إمتدادات تلك المراحل التقليدية المعروفة للمدارس الأدبية المعهودة كالكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية بأنواعها وآخرها الواقعية الجديدة الخ، والتي كان نظام التفعيلة وتقسيم البيت الشعري الى الصدر والعجز وإقرار وجود القافية وضمان وحدة الموضوع والترابط المنطقي بين الزمان والمكان وغيرها من شروط النظم الشعري من شروط نظم القصيدة، لكن القصيدة الحديثة بالذات من بين الزخم الإبداعي كله أفلحت تماماً في تحقيق نقلة نوعية إرتقت بها الى مرحلة جديدة تمتلك مواصفاتها الخاصة بها والتي تتسم بالفرادة والتميز، من خلال المحاولات الرامية الى تجاوز التراكيب القديمة وبالخاصة فيما يتعلق بتراكيب البيت الشعري وتحويلها الى كائن أشبه ما يكون بالكتابة الحرة المقيدة.. بل الى نص ينوء تحت المعاناة والمشاعر الصاخبة بالمدلولات الإنسانية والعاطفية الحادة وأضفاء المزيد من الغموض والتقنين على تمدد المعنى والشكل .

فإن كنا نتعامل أحياناً مع النص بإعتباره شعراً وهو يفتقر لأبسط الشروط الشعرية التي تعارف عليه الوسط الأدبي طويلاً، فإن (القصة القصيرة جداً) المترعة بالإنسيابية العالية وبالعفوية والحوار الداخلي وكثافة اللغة، تقترب من مفهوم النص الإبداعي الشعري الحديث فيما عدا الغموض القسري الذي يسود النص الذي يطلق عليه إسم قصيدة النثر، خاصة عندما يمتلك كاتبها لغةً معبّرةَ، غنية بالمدلولات والصور والعواطف الممزوج بالمفردات ذات التعامل اليومي، وبذلك فإن التمييز بين تلك القصة وقصيدة النثر قد لايستحيل سوى في الشكل مع التأكيد على خصوصية القصة في منهج الصياغة أو أسلوب التعبير وتوفير شروط وحدتي الزمان والمكان ومنح الشخصية المحورية في النص دورها في الفسحة القصيرة الممنوحة لها، وفي النهاية فإن القصة القصيرة جداً كشقيقتها قصيدة النثر ستكون نتاج مخاض عسير يستوجب أقصى درجات الوعي وبأقصى ما يستوعبه السبك اللغوي المتين واللفظية المختارة بدقةٍ متناهية

وكما أسلفت فإنني أتفق أيضاً مع الطرح الذي يؤكد على أن الذروة والدراما والمونولوغ ثم الاتجاه نحو الرمز أو الأسطورة والأيقاع الموسيقي لبلورة الكلمة هي من أبرز مميزات الشعر الحديث، ليس هـذا فحسب بل إنه يختلف عـن غيره من النصوص الأبداعية كونه يتخطى الصياغة النثرية في تركيب الجملة أوشحن الفكرة بطاقة إيحائية ملموسة لتجسيد الحدث في زمانه ومكانه، لذا ومن هـذا المنطلق فلقد وجدت (القصة القصيرة جداً) لــدى القاص الكبير جليل القيسي هـي أقرب ما تكون الى المقطع الشعري الفسيح منه الى القصة، منطلقاً مـن أن القصـة وفي كـل الأحوال هي تعبير عن حدثٍ ما، لتفسير حالة، وتحقيق هدف يرنو إليه القـاص، ويعبر عنه بأســلوب ٍ غيرتقليدي، وربما غامض وغير ميسور، وأغلـب الأحيان مزدوج الفهـم ومتناقض الهيئة، يتناغم مع الرمز للأنتقال بالقارىء الى الصـدمة، وهـذا ما نلمسه في { قصص حب قصيرة جــدا ً } المنشـــورة للقاص في أواخر أيام حياته .

ورغـم ان القصص (عاشق حقيقي) و(بالعواطف) و(فراق) و(غفران) تموج برومانسية طرية إلا أنها تفجر في القارىْ شحنات من الدهشـة وخاصـة عند قراءة (جميلة جداً) و(تكذب) و(أنا أنتصر) لتضعه في مواجهةٍ لا بـد منها مع نص ٍ يتعامل مع المتغير في طرح الفكرة أو تحليل المغزى، ويبدو ذلك بينّا تماما ً في (الجمال الرائع) و(مثل أدونيس) وغيرهما .

ولنقرأ معاً قصته القصيرة جدا ً (عاشق حقيقي):

(قالت لأختها بحرارة : إسمعيني، أمس في الليل قلت له، كيف تسـتجيب لنداءاتي؟ أجابني مثل إنسان خليق بحب ٍ أصيل، ياإلهي، بالضبط كما يستجيب الكمان للقوس !!.)

فإذا ما أخضعنا هذه القصة القصيرة جدا الى هيكلية البناء الشعري في قصيدة النثر الذي يمكن أن نطلق عليه الومضة او البناء التوقيعي فسوف يتحول الشكل الى الآتي :

قالت لأختها بحرارة : إسمعيني

أمس في الليل قلت له

كيف تستجيب لنداءاتي

أجابني مثل إنسان خليق بحب أصيل

يا إلهي

بالضبط كما يستجيب الكمان للقوس

إن الأحساس الرفيع بالحب، وتحميل الحرف أعباء إعصــار نفسي هائل لا يجد مبتغاه سوى في النداء الكامن في أعمـاق المعاناة، ولا يمكن للقيسي توصيفه بصـيغة تقليدية مطروحة، لهذا فإنه إلتجأ الى الشـعور الذي يدفـع بالنص الى مقارنـة الحب الأصيل بإســتجابة واحد ٍ من أحن وأعـذب الالات الموسيقية وربمـا هـو التفسـير الأدق والأقرب لأستكانة العاشــقة تحت جناحي الحبيب بعد طول مكابدة، لتنعم بإغفاءة عميقة إثر هدوء العاصفة . يقول في قصته القصيرة جداً (كوكب):

- أنت عزيزتي كوكب معتم بدوني

- معتم؟! كيف ؟

- لأنني برحيق حبي الدافئ، وأملاح عواطفي أضيئ روحك، وأعطي لعينيك بريقهما، ولجسدك حرارته، وأجعلك رطبة، أجل، أنا قمرك !

وبذات القوة يتناول القاص البذل النبيل للحبيب في قصته القصيرة جداً الموسومة (لذاذات) والذي من خلالها يكتشـف القدرة الســرية للكلمة على رســم المعنى العميق لمفهوم العطاء الحســي وجعله مرادفا ًلقيم الفروســية بكل مهاراتها ونقائها لنقل المرأة الى أوج إشعارها بأنوثتها، بل وإشعال اللهيب في كل خلية ٍ من خلايا جسدها !:

آه ياحببيي،

لكم ببذخ ٍ نبيل ٍ تمنحني لذاذات حسية ؟،

وهذه اللذاذات تجعلني أن أشعر بحميمية العلاقة بيننا،

معك وحدك أشعر أنني إمرأة حقيقية،

إمرأة في كل بوصة من جسدي!

إن عوالم (جليل القيسي) في قصصه القصيرة جدا ً هي دنيا مسكرة وشاعرية، مرهفة وشفافة، تمتد على مساحة واسعة للود الحميم، وهذه سمة الشـــعر، لكنها أيضا تمور في طياتها عقب كل قراءة بتلك القنبلة الموقوتة التي تتشظى بعد إنفجارها نحو كل الأتجاهات، لتسلب في آخر المشوار الراحة من العقل المفعم بالسكون، والفؤاد المبتلى بالأسترخاء !

 

محمد حسين الداغستاني

 

لا يزال اسم الأديبة الجزائرية زهور ونيسي حاضرا في الوسط الثقافي العربي، كونها واحدة من الأسماء التي دعت إلى ضرورة الإصلاح والاهتمام بالمجال التربوي وتعليم المرأة، وكذا توعيتها للمشاركة الايجابية في الحركة التنموية وسط المجتمع.

يشير النقاد إلى أن ونيسي هي أولى قاصة جزائرية تناولت موضوع الثورة ومكانة المرأة في تلك الفترة الزمنية، من خلال مجموعتها الموسومة "الرصيف النائم" خلال فترة الستينيات، وواصلت الكتابة إلى غاية التسعينيات فصدر لها بين القصة والرواية والمذكرات: "لونجة والغول" (1993)، عجائز القمر (1996)، روسيكادا (1999)، "عبر الزهور والأشواك.. مسار امرأة" (2012) وغيرها من مؤلفات هذه المبدعة التي لا تغيب.

استوقفتنا شخوص مجموعتها القصصية "الظلال الممتدة" التي تفوح غالبا بالفكرة الإصلاحية، والتي برزت في العديد من أعمال الأديبة ونيسي عموما كونها عايشت ظلم المستعمر الفرنسي والتدهور الذي آل إليه الشعب الجزائري في تلك الفترة الزمنية العصيبة، كما يبدو جليا في قصتها الأولى –الظلال الممتدة- والتي حملت عنوان هذه القصص، أين تتآكل المخاوف قلب البطلة في فقدانها لابنها البكر بعدما فقدت زوجها الغائب عن داره كغيره من رجال القرية المناضلين في سبيل استعادة الحرية: "رباه.. إنها لا تريد أن يحصل ما نفكر فيه، إنه الضياع الأبدي أن تفقد رجالها وكيف؟ أن يقتل أحدهم الآخر..." (1). 

راودت البطلة فكرة إلحاق ابنها بصفوف المجاهدين حتى لا يصبح جنديا في صفوف العدو ضدهم، فسارعت به إلى الأدغال لتسلمه لتلك الفئة المناضلة هناك من أبناء الجزائر:

"واشتد وقع خطواتها ودقات قلبها على الأرض والظلام، وكأنها في كل خطوة تجهز على ذلك التنين الكبير من الحيرة والعذاب وتحاول القضاء عليه قبل أن يقضي عليها ويقضي على هذه الروابط التي تربط أسرتها الصغيرة رغم تفرقها..." (2).

وتمزج ونيسي في قصة "الظلال الممتدة" بين الزمنين التاريخي (الثورة الجزائرية) والقصصي (زمن الخطاب)، أين تغوص الساردة في أعماق الماضي لاسترجاع تفاصيل المجاهدين، وتسير الأحداث بشكل تصاعدي كما نقرأ عنه في كتب التاريخ، ثم تكسر البطلة زينب رتابة السرد بالصعود إلى الحاضر، حين وجدت صوت حفيدها يخرجها من متاهة ذاكرتها كما نقرأ في المقطع الموالي: "-ألا تدرين يا جدتي؟ يبدو أنك أصبحت عجوزا حقا؟ إنه يوم عطلتنا جميعا؟ إن اليوم ذكرى الحرية يا جدتي عشرون سنة كاملة قد مرت على الإستقلال" (3).

قصة "حديقة الله" مأثرة جدا أين نجد البطل يحاول التمرد على مرضه الذي أقعده مدة طويلة في الفراش، ليتحول فجأة إلى مدمن على القراءة وكتابة القصص التي تكون نهايتها للأسف الشديد مأساوية: "للتمزيق... منذ مدة طويلة كان يتخذ هذا القرار في آخر كل محاولة كان يقوم بها في الكتابة، إنه لا يرى في نفسه أي أمل.. أن يكتب وينشر ويملأ صفحات الصحف والمجلات بفكره وأدبه، فيعوض لنفسه ما ضاع منها..." (4).

استعانته –البطل سي عبد الباقي- برجل ثالثة جعله يخرج من تلك الحالة المرضية التي وضعته أمام مآسي الحياة التي يعيشها العقلاء والأصحاء من عامة الناس: "إننا في المدينة على كل حال.. وليس هذا هو المهم.. إنما المهم من يعيش في هذه المدينة... تبا للتخريب والمخربين... فالمصعد موجود ولكن حاله أشبهت حالي.. والنور موجود ولكن أيد كثيرة لا تريد أن تترك هذا النور موجودا" (5).

تستحضر قصص هذه المجموعة الواقع المعاش واليومي للمجاهد الجزائري قبل وبعد الثورة، كما هو الحال في قصة "مجرد عتاب" حيث يتمرد البطل سي صالح هو الآخر على أجواء تهميشه كمناضل استعصى عليه الأمر في حصوله على أوراق تثبت كينونته كمشارك فعال في الثورة المجيدة: "كان ما أن يتم استخراج ورقة حتى تموت الأولى... تنتهي مدتها.. ويعيد الكرة من جديد... وكأنه يزاول لعبة الغميضة في ساحة لها مائة باب متشابهة... في الوقت الذي حصل سي قدور على أهم الشهادات وهو في بيته... وصلت إليه الأوراق ولم يذهب اليها..." (6).

يظل كنزه الوحيد –سي صالح- هو قيمة تلك الأشياء التاريخية العظيمة والقديمة التي حافظ عليها وجمعها في حقيبته الجلدية القديمة: "وجمعها جميعا... في حقيبة جلدية قديمة. كان يفعل ذلك للمرة العاشرة أو العشرين منذ انطلق نداء متحف الثورة، والرجل يعيش في صراع بينه، وبين ماضيه، وما تبقى من هذا الماضي، وبين حاضره وما فيه..." (7).

تستحضر القاصة زهور ونسي عبر نصوص "الظلال الممتدة" المكان الذي تتحرك فيه ملامح وجوه شخوصها المتمردة على اليأس بجملة من التفاصيل الصغيرة، والتي تغرس في أرواحهم الأمل لغد أفضل، كما هو الحال في قصة "الشيء المؤكد" أين يجتمع البطل كمال بسي عبد الباقي في الحديقة التي كان يتردد كليهما عليها أين يحاول هذا الأخير إخراجه من قوقعة وحدته وشكله البائس المحطم لكونه ضريرا:

"-بالطبع... بالطبع يجب أن تعمل أيها الشاب... أو لعلك تعودت على الكسل... قالها الرجل مداعبا...

- كلا ما أنا بكسول أبدا.. لكنني أريد عملا قارا أشعر معه بالاستقرار... بأنني لست وحيدا...

- لا بد من ذلك في الحقيقة..." (8).

يحاول البطل في القصة الأخيرة لهذه المجموعة والتي تحمل عنوان "موجة برد" إبعاد صورة زوجته الأولى وصور الأثاث القديم بطريقة متمردة، لأنه أيقن أنها مجرد طفيليات تركت خطوطا سوداء في نفسه الحزينة رغم زواجه من أخرى: "قام الجميع يغادرون القاعة، دون أن يشعر، نظر حواليه، ليجد الفراغ، سحب من الدخان لا تزال تتخبط في فضاء الغرفة، لا تجد لنفسها منفذا، زجاج النوافذ قد فقد لمعانه وانعكاساته نتيجة ضباب الأنفاس المكثفة" (9).

ختاما لا بد من الإشارة إلى لغة قصص "الظلال الممتدة" التي جاءت بسيطة ذات عمق دلالي تستتر ورائها المبدعة زهور ونيسي لتقديم عمل قصصي يأخذ على عاتقه سرد حوادث ثورية ووصف الأماكن وتقديم جملة من الشخوص المتمردة على أفكار واقعها اليائس بطريقة لا تخلو من التشويق والإثارة.

 

بقلم عبد القادر كعبان

.........................

الإحالات:

(1) زهور ونيسي، الظلال الممتدة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، ص 18.

(2) المصدر نفسه ص 21.

(3) المصدر نفسه ص 23.

(4) المصدر نفسه ص 27.

(5) المصدر نفسه ص 30.

(6) المصدر نفسه ص 39.

(7) المصدر نفسه ص 40.

(8) المصدر نفسه ص 54.

(9) المصدر نفسه ص 64.

*كاتب وناقد جزائري

 

 

 

(ما أنا الا عذاب وضعته الروح فيها ص85)

بهكذا مضمون يطرح الشاعر حامد حسن الياسري ندوبه وآثار أقدام الزمن عليه بصور شعرية متفرقة في 24 قصيدة تضمنها ديوانه الموسوم (مقتل الزمن الثالث) الصادر عن دار الجواهري للنشر والتوزيع في بغداد .

ويرسم لنا وقع الأقدام المتفاوتة بين الأنين والشجن والحنين ليقدم لنا رؤيته ويسلط لنا الضوء على مقاصده الشعرية لفترة 19 عاما حرجة في التاريخ الشخصي لكل منا وللتاريخ العراقي بأكمله خلال فترة امتدت من 1979 لغاية 1998 وهي تواريخ نشر هذه القصائد .

رسم لنا حامد الياسري اسئلته الوجودية وصرخته بلغة شعرية متزنة هادئة تتسم بالدلالات العميقة والأيحاءات المعبرة وتبعث في القاريء والمتلقي دفقا جيدا من المدلولات والمرامي التي يريد الشاعر ايصالنا اليها .

وقد حملت قصائد الديوان طابعها الزمني ولبست رداء الفترة المحصورة بين التواريخ أعلاه بكل مافي هذه الفترة من صفات ومالها من مدلولات يمكن ان يفسرها كل على هواه وكما يشتهي لكنها بكل التفاسير ستبقى تشكل فترة من فترات التردي والتدهور العراقي نحو المنحدر، حيث الحرب وقسوة النظام التي انعكست على كل شيء في العراق واستلاب الذات وفرضيات السلطة على المثقف وعلى الجميع . لنجد الشاعر حامد الياسري قد حاول جاهدا احتواء كل هذا بطريقة وأخرى والمضي بأسلوبه الخاص لتقديم رؤيته وطرح نموذجه الشعري الذي يتماهى (بين بين)، بين مايسعى الشاعر لتقديمه وبين مامفروض عليه طبيعيا من سلطة الحاكم وسلطة الفكر المتسيدة واسلوب التدجين الفكري الذي اتبعه النظام في ذلك الوقت وتحشيده لغايات وطموحات الدكتاتور . في هذه الحقبة تتماهى قصائد الشاعر بين هذا وذاك لتوصلنا الى مبتغاها حين تخوض في (عموميات الأمور) بطريقة ماهرة لتكسر الطوق الحديدي العالي وتصل الينا مشبعة بنكهتها الشعرية المتجسدة في الصور والرسوم والدلالات التي يقودنا اليها أحيانا بشكل مباشر وأحيانا من وراء ستار شفاف نعرف جيدا كيف يسعى الشاعر لرسم مراميه خلفه بطريقة ذكية (لاتستفز الطوق والنظام وتستعديه في معادلة خاسرة – ولاتمجده وتصفق له كما يريد) .

فيقودنا العراقي ابن الجنوب الحالم حامد حسن الياسري الى غواياته وثيماته المضمخة برائحة الأشجار والقصب وبيوت الطين، والى غربته وقلقه وشجونه بلغة شعرية جميلة تتسم بمفردات وتعابير تطرح نفسها ومعناها مباشرة، ومفردات وتعابير اخرى تطرح ماوراءها من صور وارهاصات بشكل غير مباشر .

فيتنقل بنا بلغته الشعرية هذه بين المرأة الحلم والمرأة الرمز والدلالة لأيام قاسية، واشتقاقات النفس والروح:

(وكانت لها شفتان على ربوة حالمة / وعينان سوداوان في وحشة سالمة ص5)

أو: (يدرك قلبي الذي علقته / الهموم على مشجب الذاكرة .. / ومن أين أبدأ ؟/ وأنا المنتهي ص6)

أو: (فأني أحن الى شجرة جالسة / وأذكرها عند مغرب روحي / لوحشتها اليابسة .. ص7)

أو: (فكم من مرة نشتكي للعذاب / وليس لنا غير كأس نبللها بالشراب ص53) .

وينتقل بنا الى صراعاته الذاتية بين ماعليه الآن وبين مايعتمل في الصدر، الهم المستديم الذي يعاقره، الحرب والقتال، حيث تنبض القصيدة بمعاني مختلفة:

(هواك يطوف على ساتر الموت / يوقظ في داخلي بيرقا من ليالي القتال .. / بدا مذبح العيد.. ينسل كالسيف ص9)

أو: (تطلين.. مثل ليالي الحبيبات / عطشى .. ويبتعد البحر .. يهبط/ نسر الجنوب..ص9) .

ومن الهم العام، هم الوطن، الى الهموم الذاتية والشخصية:

(من الحرب والحب .. / هل نكتفي بالقتال ص10) .

وكذلك نجد الحماسة التي مانلبث أن نجدها في شعر فترة الحروب تلك:

(بين حدود الأعادي / وحد العراق / سلاما .. لكل العراق ص11) .

ونجد الفتى التائه في غربته بين الميمونة والسلام والبتيرة والرفاشية وكل قرى العراق وبين العاصمة والمدن والأضواء وتيه الفقد المتجذر والمتجدد فينا طويلا:

(فلم يجد النوم فيهم / ولا صحوة الآخرين ص12)

أو: (على الصمت ترقص أوجاعنا / والسنون ص13)

ونتلمس هم الجنوب المتوارث وغربته من خلال الصور الشعرية التي تتجسد فيها المعاني العميقة وتحمل أحيانا معانيها الرمزية:

(يبيت الهوى، في المصائب، بين الجراح / وبين الدموع .. / وللصمت انا ذهبنا الى اللارجوع ص15)

وتتوالى الصور الشعرية التي تستيقظ اضاءات ذهنية وفكرية بترميزات واشعارات قابلة لأكثر من تأويل وأكثر من تفسير ومانحة لأكثر من معنى في باب المعاناة المتواصلة من التراكمات والهموم:

(ثمة استجابة دائرية تحزم حقائبي / الى اسماء مفتوحة الجدران ص18)

أو: (لكن هل يجوز ان تجري الرياح بما لا / تشتهي السفن ؟../ ان الأحتجاج دائما في أعالي الأشجار ص19) .

وتتسلسل الأيحاءات وأوهام الغد الحاضر و(الماء الراكد) في ميراث الجن   (الماضي)، بصور شعرية تحمل الكثير من المعاني والأستعارات وأمواج الشجن العميق لوجوه متعبة ضائعة الملامح تناثر غدها مثلما تناثر وضاع حاضرها وماضيها، فهو:

(جنوب الغريب الذي عاشرته الصحارى ص22)

أو: (اريد من الأرض الأوهام / وانني على عرش البرك ذات الماء / الراكد في الأحشاء / استوقف ميراث الجن ص20)

والزمن الثالث – المبتغى – الغد المقتول في حاضر راكد كماء البركة وماض موروث بحكايا الجن:

(أثقلني بالأثم الممهور على الأعناق ص26)

وتترك الأزمان بصمتها ووحشتها وأوجاعها في أزمنتها الثلاثة المقهورة:

(فنامت كل الأشياء المرسومة في تعذيب الزمن المنفي ص27)

ويعايش الشاعر حروب مرحلته ولظاها، وعليه ان يستجيب بشكل أو بآخر للهم العام وفق رؤيته هو:

(اذ نبتت في العروق .. / وصارت حياة لنا .. موطنا ../ عندها تستفيق البنادق ص30)

ويتجلى العشق والهوى المتأرجح بين حاضر الهزيمة ونفحات العشق التي تتسلل في قصائده في مواضع توحي بأنين وفقد ومجموعة خسارات:

(حتى آخر حد في أطرافي / أحسب ان قوافل حبي تتركني / صوب المجهول .. وماخانت / الا السفر الموحش في اجراس القدر الوهمي ص35) .

وتتداخل في بعض القصائد المقاطع مابين الحكاية والرمز والأسطورة والأستعارة التأريخية والأنثى والهوى الضائع، في توظيف جميل للكلمات لترسم لنا لوحة مرمزة بدلالات الهم والفقد والضياع وبأشارات حية للأزمان المقتولة من أولها الى ثالثها:

(في بدء الشفق المطعون بلون الشمس تموت الليلة أسلافي ص49)

أو: (يأكل خبزا من تنور الحلوة / حين تراود ملك الليل الرابع والعشرين / أمام القصر الخائف من آشور / هذا الجد الساكن في المخبأ والمجهول ص49) .

أو: (من يعرف كابوس التاريخ .. الحاضر يعرفني ص51)

ان قصائد حامد حسن الياسري في ديوانه (مقتل الزمن الثالث) تحاكي وقتها وتتفاعل مع ماينتجه ضغط محيطها كما وضحت في أعلاه . تنطلق معانيها واضحة أو مرمزة أوفي صور متأرجحة بين مايفرضه واقع الحال القائم وبين مايسعى النص لأظهاره (قدر المستطاع) من المعاني الكامنة والخلجات والشهقات المدفونة .

يمتلك الشاعر تجربته ومعرفته التي جعلت النص لديه وسيلة لدلالات واشارات توثق لمرحلة من الزمن لازالت تنتقل الينا بوجوه مختلفة وبنفس المضمون . ولدى الشاعر حامد الياسري الوعي الكافي في خط ورسم وتتابع الصور الشعرية في النص الواحد، بعض قصائده اتسمت بتلقائية وسهولة والبعض الآخر يفرض علينا النظر الى النص وتقليب صوره من جوانب ووجوه تمكننا من أن نستشعره ونستوعبه ونشعر بالتناغم معه، فنصوص حامد الياسري ليست مجرد الفاظ مرصوفة بغير دلالات وبلا قضية، كسيل الزبد الجارف الذي يطفو اليوم على ساحة الشعر والأدب بشكل عام .

 

كريم عبدالله هاشم

 

 

تقديم: إن التجريب استمرارية في البحث عن مواطن بكر كما أنه عمل مستمر لتجاوز ما استقر وجمد، و.. تجسيد لإرادة التغيير، ورمز للإيمان بالإنسان وقدرته غير المحدودة على صنع المستقبل، لا وفقا لحاجاته وحسب، بل وفقا لرغباته أيضا. والتجريب من جهة أخرى معادلة متوازنة للتواصل الدائم بين المبدع وحركة التغيير المثمرة، ذلك أن التجريبية لا تنهض وفقاً لما هو راهن، وإنما تنهض كتجاوز له، من أجل الكشف عن بديل أشمل وأعمق وأغنى.

ومن منطلق أن مذهب التجريب هو الاكتشاف والبحث عن بدائل تفي بالغرض الفني والإبداعي والفكري على صعيد آخر، فإن اكتشاف ما لا يعرف يفترض أشكالا جديدة. ومن هنا كان دأب المبدعين المجددين في مجال المسرح، وذلك بالبحث عن أشكال جديدة تستوعب المضامين الحديثة، ولا يتم ذلك إلا بهدم لأجل بناء جديد لا يضيق فيه كل عنصر من عناصر الفعل المسرحي بالآخر، وذلك إيمانا من المبدعين بأن الكتابة الإبداعية هي التي تمارس تهديما شاملا للنظام السائد وعلاقاته، أعني نظام الأفكار، وكذا نظام الأشكال، والبناء على أنقاض كل هذا وذاك ما يليق بفكر المبدع وعصره، آخذا في الاعتبار كل ما من شأنه أن يعضد فكره ويبرز قدراته على التجاوز والإتيان بالبديل الناجع الذي ينسينا ما سبق، ويبهرنا بما توصل إليه من إنجاز إبداعي وما اعتمده من تقنيات جديدة لها دورها الفعلي. فما هو التجريب والطليعة في المسرح؟ وهل هناك إمكانية للفصل بينهما؟

الطليعة في المسرح

إن الحديث عن الطليعة في المسرح يقودنا للحديث عن المسرح الطليعي، إذ يعرف ″بيرناردورت‟ الطليعة كمصطلح فني بقوله: "كل طليعة هي أولا الانقطاع عن باقي الجيش، وهى كذلك رفض للنظام والسلوك المشترك".  فالأساس من هذا التعريف هو الانقطاع، الانقطاع عن الماضي والحاضر وعن كل المكونات التي صنعت هذا الحاضر بكل سلبياته المختلفة، الانقطاع عن شروط الهزيمة، وهي شروط لها وجود في الإنسان وفي الرؤية المتخلفة للوجود وفي الفكر والمؤسسات والعلاقات والسلوك واللغة والفنون والآداب.

و المسرح الطليعي في مفهوم السيد حافظ "هو فن تأسيس فكر العصر والتاريخ الذى نحياه، فالمسرح الطليعي هو ماضي وحاضر ومستقبل في آن واحد، والكاتب الطليعي في رأيه يجب أن يكون معاصرا لعصره لا مسجونا فيه مندمجا في الواقع الحاضر كل الاندماج حتى يتكلم باسمه ويكون روح عصره وهو مثل الجندي في إحدى حروب العصابات مهما كانت عقيدة المؤلف السياسية فإن فيه ليس تعبيرا عن حالة روحية كامنة في وعيه".

وبالتالي المسرح الطليعي يعتبر ضرورة لمنح الإنسان فرصة المواجهة مع الذات الواقع، ومع الذات المجتمع، ومع الذات الإنسان، والمسرح الطليعي له رواد في الساحة العالمية والعربية. فحين نذكر المسرح الطليعي العالمي يتبادر إلى ذهننا مباشرة كتابات كل من "صمويل بيكيت" و"يونسكو" و"آداموف" و"جينه" كأعضاء بارزين في المسرح الطليعي. أما حينما نتحدث عن المسرح الطليعي العربي يأتي في مقدمة كتاب المسرح الطليعيون العرب السيد حافظ، ومحمد الماغوط، وعز الدين المدني، وعبد الكريم برشيد، وسعد الله ونوس، وقاسم محمد، وروجيه عساف، وسمير العيادي، ومحمود الزيودي.  وكلهم رواد انتقد الواقع وتمردوا على أوضاعه المزرية التي أهملت الإنسان وقيمه الثقافية والاجتماعية بل جردته من إنسانيته من جراء الحروب وممارسة السلطة التعسفية، وقد كان لهم السبق وغيرهم في حمل شعار الحركة الطليعية في المسرح من أجل السعي إلى تغيير الواقع وفق ما يستجيب لحاجات الإنسان الذي فقد الثقة في كل شيء.

وبالتالي المسرح الطليعي يهتم اهتماما بالغا بمعنى وجود الإنسان وبالدور الذى يقوم به في المجتمع كما أنه يعمل على إيقاظ المتلقي ليشعر بأن هناك ما هو عجيب وما هو مألوف وما هو خارق للعادة ثمن الحياة اليومية وهذه هي وظيفة المسرح الطليعي. يقول "الفريد جاري" : "إن وظيفة مسرح الطليعة الآن هو إيقاظ المتفرج حتى  يحس بما هو خارق للعادة وغير مألوف".

ويرى الكاتب المسرحي "عبد الكريم برشيد" أن الطليعي هو "هذا المناضل أبدا، أي ذلك الإنسان الذى لا يعرف ما يسمى باستراحة المحارب، وذلك لأن الاستراحة لا تعني في النهاية غير الموت والفناء وسيادة الظلم والجهل والفقر وكل معوقات الحياة، فهو يناضل حتى الموت أو ما بعد الموت إن كان ذلك ممكنا عن طريق الإبداع الخالد الذى يحمل رسالة نضالية.  أما الكاتب المسرحي التونسي "عز الدين المدني" فيقول إن "كتاب الطليعة اتجهوا للطليعة لأنها غزو للجمهور لا الاكتفاء بما هو موجود والاقتصاد على ما هو في متناول اليد" .

إذ أن الكاتب المسرحي الطليعي عليه أن يكون يقظا فطنا لتحولات عصره، مواكبا لكل التغيرات والمستجدات، بل وأن تكون له تنبؤات لما يمكن أن يقع مستقبلا، لذلك تم تشبيهه بالمحارب الذي لا يعرف الراحة وذلك من أجل السعي وراء راحة الآخرين. ناقد للماضي ومحدث للقطيعة التاريخية معه، مساير للحاضر ومتابع له وضابط لمجمل صوره، وراسم لخطوط ومعالم المستقبل من أجل طرح البديل المفيد في غنا عن ما هو موجود ومخالف.

وأخيرا يمكن القول أن الطليعة في شكلها العام حركة نقدية للواقع، نقد لما كانت تعيشه الشعوب العربية من قهر وتعسف، من أجل استيراد حريتها وكرامتها وعدالتها الاجتماعية في استقلالية تامة عن التبعية الغربية والسيطرة الأجنبية.

التجريب في المسرح

إن تاريخ المسرح هو تاريخ التجريب والتجريب المعاد، وإذا كانت الدراما الأرسطية قد خيمت بظلالها على الفن المسرحي في جل الحقب والعصور، فإن هذه الهيمنة سرعان ما سيتم الإعلان عن غروب شمسها مع بروز مجموعة من الجماليات المسرحية التجريبية المعاصرة، والتي حاولت الخروج من العلبة الأرسطية وطرح بدائل أعادة الاعتبار للفن المسرحي ورفعت من قيمة وفعالية الظاهرة المسرحية.

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ مفهوم التجريب المسرحي في الظهور على خشبات المسارح في العالم أجمع، ويذهب بعض النقاد والدارسين للفن المسرحي إلى إمكانية الفصل التامة بين مفهوم الحداثة الذي ظهر بمختلف أنواع وأشكال الفنون عن التجريب المسرحي، وبشكل خاص بعد أن تلاشت جميع المدارس الجمالية والفنية التي تفرض بالضرورة قواعد ثابتة، لذلك جاء التجريب المسرحي كحركة تهدف بشكل أساسي للبحث ومحاولة بغية إيجاد أشكال عرض وكتابة مسرحية مختلفة عن جميع القواعد المسرحية السائدة.

وهناك من يعتبر أيضا أن التجريب لا يمكن ربطه بنوع أو تيار أو بمرحلة زمنية أو حركة مسرحية محددة، لذا يمكننا اعتبار التجريب الدافع الأساسي للإبداع في الفن المسرحي منذ ولادته إلى يومنا هذا، لم يتوقف إلا بالمراحل التي فرضت فيها بعض المدارس والتيارات أو الجهات الرسمية قواعد وأنظمة صارمة على هيكلية الكتابة المسرحية وشكل العرض وبنيته وفصوله وأسلوبه، هذا ما تسبب في إيقاف إمكانية التجديد والتجريب.

وقد استطاعت بعض حركات التجريب في المسرح إيجاد مسميات وصفات عديدة تناولت النص وعناصر العرض كافة، لكن بقي القاسم المشترك فيما بينها هو رغبة أصحابها في تطوير العملية المسرحية بشكل جذري ومختلف تماما عن جميع التقاليد والأعراف والقوانين المسرحية التي آلت إلى الجمود والركود مع تقدم الزمن، لذا يمكننا أطلاق تسمية المسرح التجريبي على كافة المحاولات المعارضة والمختلفة بطروحاتها وطرقها وشكلها لمفاهيم المسرح التقليدي «الأرسطوي»، هذا ما أكده الكاتب والمخرج المسرحي الألماني ″برتولد برخت″ في محاضرته التي عنونها «في المسرح التجريبي» عندما قال: «كل مسرح غير أرسططالي هو مسرح تجريبي»، لكن التجريب المسرحي انحصر بداية بشكل العرض الذي ساعد في تطويره وتجديده الانفتاح على باقي أنواع الفنون الأخرى من أجل خلق علاقة جديدة مع الجمهور.

إن فكرة التجريب في المسرح تقوم على تجاوز ما هو مطروح من الأشكال المختلفة المسرحية من حيث الشكل والرؤية، من أجل تقديم صورة حقيقية عما هو موجود بالفعل، وكلمة تجريب مرتبطة بالتحديث، وهذا الربط يفصل بين الأصل والجديد. وبالتالي أن نجرب يعني أن نرحل في المجهول، إنه ذلك الشيئ الذي لا يمكن توضيحه إلا بعد الحدث، وأن تكون طليعيا يعني أن تخرج خروجا فعليا وحقيقيا على المألوف لتكون في طليعة أي مقدمة.

فالتجريب بالنسبة إلى ″ستانيسلافسكي″ يعني أهمية الممثل وإعداده للدور، في حين اعتقد ″جوردون كريج‟، على نقيض ذلك، أن الممثل يمكن الاستغناء عنه تقريبا وتعويضه بالدمية، إذ ركز في إمكانيات السينوغرافيا على المسرح، وركز كل من ″ماير هولد‟ و‟راينهارت″ على أهمية المخرج، أما ″آبيا appia‟ ركز على استخدام الضوء، وبينما ‟برتولد بريخت‟ فقد عني شأنه شأن معلمه ″بيسكاتور Piscator ‟ باستكشاف طبيعة المسرح التعليمية. أما ″أنتونان أرطو‟ ركز على موت المؤلف ليحل محله المخرج، من خلال تحطيم النص ونسقه، كما اعتقد أرطو كما هو الحال بالنسبة ل ستانيسلافسكي أن المسرح ينبغي أن يعكس واقع الحياة اليومية، بل تلك الأشياء الجوهرية التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها.

و في الثلاثينيات أعلن أنتونان أرتو: لن يجد المسرح نفسه مرة أخرى إلا من خلال تزويد المتفرج بالرواسب الحقيقية للأحلام ......أقول أن هناك شعر الحواس، مثلما هناك شعر اللغة، وأن هذه اللغة الملموسة، اللغة المادية، لا تكون لغة مسرحية حقيقية إلا عند الدرجة التي تتجاوز فيها الأفكار التي تعبر عنها حدود اللغة المحكية.

خاتمة

لقد كان التجريب ولا يزال ثورة على كل التقاليد الموروثة، ودعوة الى التغيير على مستوى مفردات العمل المسرحي لإثرائها بإبداع الجديد وابتكار طرق حديثة تزيد من حركيته الفنية والإبداعية، ولا شك أنه محاولة دائمة ودائبة للخروج من ربقة طرق التعبير المستمرة أو التي أصبحت قوالبا وأنماطا، وابتكار طرق جديدة....لإعطاء الواقع طابعا إبداعيا حركيا.

 

الصديق الصادقي العماري

.....................

الهوامش

[1] مجموعة من المؤلفين – "دراسات فى مسرح السيد حافظ" – مكتبة مدبولى-الجزء الأول-ص:80.

[2] مجموعة من المؤلفين – "مسرح الطفل في الكويت" – دار المطبوعات الجديدة – مصر-ص:64.

[3] المرجع السابق، ص :62.

[4] المرجع السابق، ص 15.

[5] المرجع نفسه – ص : 64

[6] المرجع نفسه – ص : 64

[7] المسرح التجريبي من ستانيسلافسكي إلى بيتر برووك، دار المأمون للترجمة والنشر، العراق-بغدار، 2006، ص 6.

[8] المرجع نفسه، ص 8.

 

الواقعية الانطباعية هي مدرسة فنية ظهرت في ارويا قبل أكثر من قرن ونصف من الزمان، بعد انزواء الحركة الرومانسية الفنية، لتكون محطتها الأولى الفن التشكيلي بكافة فروعه، ومن ثم زحفت إلى جميع الفنون الأخرى ومنها السرد.. ويمكن تعريف الواقعية الانطباعية، بأنها اتجاه يعني بنقل الواقع بكل تفاصيله الجزئية والدقيقة، حتى حركات الشخوص داخل النص، وتجعل القارئ في حالة من التعايش مع الاحداث بواقعية هي اقرب للحقيقة.. ويمكن اعتبار رواية ( فندق كويستيان) للروائي خضير فليح الزيدي، والصادرة سنة 2014 عن دار الحريري بيروت، ضمن هذا السياق السردي .. حيث نجد حضور التفاصيل الدقيقة وانزياحاتها داخل متن الرواية (الأمكنة، الأسماء، المهن وتفاصيلها، الوصف الدقيق، الإسهاب في سرد الأحداث) مما اكسب النص واقعية مفرطة، جعلت منه وثيقة تاريخية شاهدة على حجم الدمار الذي حصل في العراق إبان الحرب الطائفية بين عامي (2006-2007) التي أطاحت بالسلم الأهلي العراقي الممتد لقرون طويلة، وأحدثت شرخا اجتماعيا ما زالت أثاره ماثله لغاية الآن، وعالقة في الذاكرة الجمعية للمجتمع العراقي.

تبدأ الرواية بخطوة جريئة وخطيرة لكنها مبررة للمغترب العراقي في ألمانيا ( ناصر الكردي)، حين يقرر العودة إلى العراق أثناء الحرب الطائفية عام 2007، بعدما غادره هاربا من الخدمة العسكرية، ومن مشاهد الجثث المكدسة، ورائحة التفاح المتعفن التي تصدر عنها، كما عبر عنها، في مركز تسليم جثث القتلى في البصرة الذي كان يخدم فيه، إبان الحرب العراقية الايرانية .. هذا المدخل الكبير والواضح المعالم للرواية،  شكل عتبة سردية استشرافية للقارئ، قد تمكنه من معرفة ما سيحدث للبطل في رحلته الخطيرة إلى وطنه الأم، وهو يبحث عن حبيبته المفترضة (رباب)، ومخطوطته التي فقدت من جراء الانفجار الإرهابي الكبير الذي طال شارع المتنبي في تلك الفترة، استخدم الروائي أسلوب ألراو الضمني (السارد الداخلي)، وتقنية تعدد الأصوات داخل النص، فقد تناوب على سرد الأحداث شخصيتين رئيسيتين موازيتين للأحداث، هما ( ناصر الكردي) وصديقه البطل الظل (علي عبد الهادي) فنقلا أجواء الرواية وأحداثها برؤية ناضجة، تنم عن وعي وثقافة عاليين، بعد ان مهد لهما الروائي هذا الامر، بجعلهما شخصيتين مثقفتين، ناصر الكردي كان كاتبا، وصديقه علي عبد الهادي يساريا قديما، ليحافظ النص على سياقه ونمطيته دون إحداث إرباك أو تذبذب في الأسلوب أو لغة السرد، مستخدما لغة سهلة مطواعة، لكنها مشبعة بالألفاظ التي هي عبارة عن خليط متجانس بين اللهجة العامية والفصحى، تحمل دوال وصفية دقيقة التفاصيل، مثل حديث سائق الريم حمدان مع ناصر الكردي.. (كنت ارتعش مثل كلب الدشبول هذا) .. إضافة إلى انتهاجه تكرار العبارات والمفردات في أكثر من موضع داخل النص، وعلى السنة عدة أشخاص .. ولا نعلم هل هو خطا وقع فيه الروائي، أم انه  أسلوبا حداثويا وتقنية لجا اليها خضير فليح لإحداث نوع من التناص الفكري واللغوي، بين أبطاله، يشير من خلاله إلى نمطية حياتية إلفها العراقيون نتيجة الكم الهائل من الماسي التي عاشوها في ظل الحروب والأزمات، كعبارة (  حضن الجمرة) التي تكررت على لسان ناصر الكردي ونزيل غرفة (305) في فندق كويستيان، وعبارة (  رائحة التفاح المتعفن) التي كررها ناصر الكردي وصديقه علي عبد الهادي، وتشبيه بغداد بثور حلبة المصارعة الجريح .. إضافة إلى وجود حالة من الاستغراق في الوصف وتكراره في أكثر من موضع داخل النص، مستخدما مفردات مختلفة في كل مرة، مثل وصفه لمشهد حافة الهور وهو ينظر إليه من نافذة الباص (الريم) على اطراف البصرة، وتكرار وصفه لنزيل فندق كويستيان الكثير السعال، والإسهاب في تدوير الذاكرة الشخصية لناصر الكردي واستخدام تقنية الارتداد، واستذكاره ووصفه لمركز تسليم القتلى إبان خدمته العسكرية في الحرب العراقية الإيرانية، ويستمر التكرار في سرد الأحداث والوصف، وذكر السير الذاتية لبعض أبطال الرواية طيلة سياق السرد، ويبدو إن الروائي كان يبتغي من وراء ذلك التأكيد على فكرته، وإبراز العناصر الحيوية والفعالة منها، إلا إن هذا التكرار لم يربك النص ولم يؤثر على بنائه الهرمي سلبا بصورة كبيرة او ملحوظة، لان النص حافظ على حيويته حتى الخاتمة، من خلال معالجات سردية، تمثلت بزج عدة شخصيات ثانوية في سياقه، شكلت جزء مهم من انطباعية البناء السردي للرواية، مثل (قصة حمدان سائق الريم ومساعدة علاوي، قصة همام المراسل، قصة نزيل فندق كويستيان، قصة محمد عساف، قصة كريم حنش، قصة عباس زروقة).. وغيرهم الكثير الذين شكلت قصصهم رافدا ماديا وحسيا لإيضاح الثيمة الرئيسة التي كتب من اجلها النص .. إضافة وجود الميتاسرد داخل متن النص كقصة ضمنية عبر رواية كتبها ناصر الكردي أثناء خدمته العسكرية والتي اسماها (  حديث الريم) وتحكي قصته مع امراءة أحبها من طرف واحد  اسمها رباب، شاركته مقعده في باص الريم أثناء بحثها عن زوجها المفقود في الحرب العراقية الإيرانية.

تستمر رحلة ناصر الكردي في بغداد بعد عودته من المانيا، منطلقا من فندق كويستيان في منطقة البتاويين، الذي حل نزيلا فيه،  فيجد مخطوطة روايته ويودعها عند كريم حنش لمراجعتها وطباعتها، بينما يستمر هو ببحثه عن حبيبته المفترضة رباب، ليقوده بحثه المضني هذا إلى مقتله على أيدي الجماعات المسلحة بالقرب من منزلها، قبل ان يتم لقائه معها.. وهنا أود الإشارة إلى ابرز محطات رواية كويسيان لخضير فليح الزيدي:

1- رواية (حديث الريم) ميتا سرد شكلت رافد مهم للمتن الأصلي للنص، غني بالدوال الفكرية والنفسية، وشهادة تاريخية لمرحلة الحرب العراقية الإيرانية.. اضافة الى وجود الوثائق والخرائط داخل متن النص.

2- الاستلاب والغربة التي عاشها العراقيون خارج الوطن.. حيث شكلت عودة ناصر الكردي حالة من الانجذاب الفطري اللاإرادي لنشأة الطفولة الأولى للحظة البدء، بغض النظر عن ماهيتها ووطأتها عليه..( تقلني الطائرة سابحة في السماء لتعيدني نحو البقعة الأولى، يقودني جنوني إلى مسقط الرأس).

3- الحزن المستوطن في قرارة أنفس العراقيين، انعكس على سلوكهم وتعاطيهم مع الحياة، لذا نجد بطل الرواية مصاب بالكآبة الحادة، نقل على إثرها  من ورشة تصنيع الكراسي المرحة إلى ورشة صناعة التوابيت .. (انت لا تملك روح الفكاهة، تصاميمك كلها تحمل روح الكآبة).. هذا الحزن اجبره على بث الحياة والأمل في ذاكرته، واستحضاره لقصة حب وهمية عاشها من جانب واحد قبل عشرون عام، ومخطوطة كتبها في غفلة من الزمن، ليجعلهما عكازه الذي يستند عليه في قراره العودة الى الوطن مرة أخرى.. فتحولت رباب إلى ضوء مصباح في عتمة غربته القسرية، تهاوت على مشارفه أجنحته واحترقت، لتخلف ورائها حلما كاد أن يتحقق على ارض تموت الأحلام فيها قبل ان تولد.

4- تصارع إرادتي الحياة والموت في العراق .. أشار الكاتب إلى هذه الجزئية، حين انشأ ناصر الكردي حديقة جميلة للأزهار في مركز تسليم جثث قتلى الحرب، تسقى بمياه خلطت مع رشح الجثث المكدسة في برادات الموتى.

5- الإشارة إلى طغيان النزعة الدينية الزائفة عند بعض العراقيين بعد عام 2003 لتحقيق مكاسب شخصية.. مثل علاوي السكن الذي تحول إلى زعيم ديني مرموق، وحمدان السائق الذي أصبح إمام جامع.

6- خلق مقاربات بيئية وتاريخية واجتماعية، بين حرب ألثمان سنوات وما يجرى في العراق بعد 2003.

7-  تحويل فتدق كويستيان الى عراق مصغر، ومرآة عاكسة للواقع العراقي المأساوي في ظل فوضى التغيير.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

تأخذ مفردة الحب أبعادا بعضها معلن ظاهر للعيان والآخر خفي مستور وبينهما يبقى للكلمة عند كبار العمر معنى وطعما يختلف كثيرا عما هو لدى من هم أصغر منهم عمرا، فالحب واحد من أصعب التجارب التي يمر بها الإنسان، والتعبير عن لوعته وقسوته يمتد من السكوت إلى الهذيان ليصل إلى الجنون، وفي تاريخنا العربي آلاف قصص جنون العاشقين، بعضهم وصلتنا أخبارهم، وبعضهم الآخر خفيَت علينا فضاعت مأساتهم بين مآسي الإنسانية التي لا تحصى ولا تعد.

إن الحب لا يقف عند تبادل المشاعر بين جنسَي البشر؛ الذكر والأنثى، فذلك هو أهونه، رغم ما فيه من وجع، فقد يكون مبعثه الوهم والخيال، وقد قرأت في شبابي قصة شاب كان ينظر إلى قطرة ماء في مرقاب متطور (ناظور)، فشاهد فتاة جميلة تتموج كنسمات الربيع داخلها، فانشغل بها عن كل شيء، وكان كلما قاربت القطرة على الجفاف يضيف إليها ذرات من الماء لتستمر الفتاة بغنجها، ويستمر هو لتتأجج نيران الحب في قلبه إلى أن أصابه الوهن، فأخذته إغفاءة قصيرة، وحينما صحا من نومه وجد قطرة الماء قد جفت، والفتاة قد اختفت، فأصابه مس من الجنون، دفعه لأن يجلس على حافة النهر ينتظر خروجها، بلا طعام أو شراب إلى أن مات!

ولا أدري إن كان هذا النوع من الحب هو الذي يسمونه (حب امتناع لامتناع) لأني وجدت أنفاس تلك القصة تعود بتجارب جديدة على لسان الشاعر العراقي جواد غلوم في مجموعته " حب امتناع لامتناع " وهو يبحث عن صدرٍ رحبٍ.. وحضن ساخن.. وذراع تطوق المتعبين. أو يتجول في الملاذات باحثا عن قشعريرة تائهة.. تجيء وتأخذ به إلى ملاعب حضنها.. يلملم بقايا البكاء الأخير! فهذا هو التمرغ في الذكريات الصدئة التي يختزنها لا وعي المرء، لتتحول مع مرور السنين إلى الوعي كله، إلى الحقيقة كلها، إلى ساعات تُجللُ الحكمة برونق المشاعر، ومعه يتغير معنى الحب، يتغير المألوف، فيخرج من أطره الضيقة، من أنانيته وذاتيته، ولا يبقى حبيسا بين روحين، حيث يتحول البيت .. الشارع .. المدرسة .. المحلة .. المدينة .. الوطن كله إلى حبيب تتقاطر مخلوقاته نحو المجهول، تبحث عن ملاذ لا يعرف الأمان، في الأقل هذا ما نفهمه من بوح الشاعر:

أغار منك يا بغداد

يا سيدتي العاقلة الموقرة

هل أنت مثلما قرأت في طفولتي؟

إن تقليب دفتر الذكريات، ذكريات الطفولة القديمة، أو تذكّر أحاديث الأصدقاء، والأحبة، والعرافين، لا يزيد معلومة بقدر كونه يخلق سيلا من الأسئلة الحائرة التي تبحث عن جواب.

إن الحب عند جواد غلوم يعطي للمفردة أبعادا هلامية، تتسامى مع الروح، وتتحد مع الوجدان، لتعبر عن عواطف طوفانية تقتلع الهدوء من النفس لتحوله إلى أشجار باسقة تحمل كل منها كنْها جديدا للحب ولكنها تجتمع في بستان الروح لتعلن حب وطن تتشظى فيه الروح مع كلمات "أسأل سيدتي ولا تجيب" فالحيرة تتلبس القارئ مقرونة بدهشة من نوع العشق الذي يدفع الشاعر لأن يصرخ في أعماق الوجود:

أغار منك يا بغداد

يا سيدتي العاقلة الموقرة

إن هذا هو النزق الحقيقي.. نزق الشيوخ الذين لم تغادرهم طفولتهم فالشاعر الجاد طفل لا ينضج أبدا، وتبقى صور الطفولة في مخياله تحرك عواطفه في أحلك مناطق الوعي لتبعث إشراقات تعطي للصورة بعدا بوهيميا غارقا في التأمل الصوفي

هل أنت مثلما صليت في أضرحتي

سمعت من أدعيتي

ناحلة، هزيلة، دموعها منهمرة؟

نائحة مثل نواحِ قبّرة

حين ترى بيوضها المُكسرة.

إن للحب عند جواد غلوم سياقات جديدة من الفهم فيها الكثير من أسئلة فلسفة المعنى، من التجرد عن الخجل لإعلان الحقيقة التي يخشى الآخرون البوح بها، بعد أن قيدها الحياء بسلاسل النسيان لتنبعث سيلا من الاعتراض الجريء الذي يرفض التقدي بكثير من متعارفات القدسنة الكاذبة:

من ذا يفصل بين الطهر

وبين العهر

بين حليلات الشيخ الفاجر

أو بين خليلات الرجل العاهر

من ذا يفرز نسل نكاح

عن وِلْدِ سفاح

فالاثنان استقيا قيئا ودما

من صلب نبيٍّ لامسَ رحِم سجاح

ناما في فرش أبي العباس السفاح

والشاعر حينما يصل إلى هذه المرحلة من الوعي المستفز المشاكس؛ تتساوى في رؤاه المصائر التي كان يحذر البوح بها بالأمس، ما دامت النتيجة واحدة، وهي الموت بلا ثمن، أو بثمن بخس مدفوع، فالشاعر مسيح اليوم يحمل صليبه على عاتقه يبحث عمن يصلبه عليه ليتجلى الخلاص الأبدي:

سيان الخنق بطوق ورودٍ

أو حزمة حبلٍ أو باقة آسْ

سيان القتل بسيف جهادٍ

أو بلطة مأجور أو فاسْ

كل الطرقات تؤدي للإخصاب

عهرا كانت

طهرا كانت

غصبا أو برضا الملكوت الأعلى

ومرورا بالكهنوت الأدنى

إن هذا هو السحر بعينه، ولا أدري كيف يكون السحر إذا لم يكن هذا سحرا! فمتى ما اجتمعت الشاعرية والبلاغة يمكن أن تنتجا سحرا أو أسطورة أو مأساة من حكايا الخيال الجانح  تلك التي كانت تكلمنا عنها جداتنا في الصغر، وقد تكون القصص نفسها، الأسطورة نفسها؛ هي التي رسخت في كيان الشاعر الشيخ، لتلد بلاغة يفتقر إليها الكثير من شعراء اليوم.

ينسب إلى الأديب العربي الكبير سهل بن هارون قوله: "اللسان البليغ والشعر الجيّد لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم". يقصد: الكتابة نثرا. ولكني وجدت جواد غلوم يخالف هذه القاعدة، يتمرد عليها، يكسرها دون عناء، فهو جيد الشعر وساحره ، بليغ الكلام وفصيحه ، جمع جودة الشعر والنثر كليهما حتى تميّز عن غيره! ثم عطرَّهما بعطر الخُلق النبيل ليتحول إلى أنموذج للجودة يعلن عن نفسه من خلال عمله لا من خلال مسح أكتاف النقاد، وهذا هو طريق ولادة الموهبة الحقيقية التي تتحدى الزمن، وتجعل من الشاعر طفلا يحبو، ومراهقا يحلم وشيخا يتأمل ويستذكر كل تلك السنين التي خلفها وراءه والتي تزرع في نفسه الألم واللوعة والضجر والغضب الكبير لأنها لم تكن كما أراد لها أن تكون، لتتكرر مأساة الإنسان التي ولّدها التناقض بين أصعب دورين يمكن أن يلعبهما: الباحث عن الخلود ... والعاجز عن تحقيق أقل ما كان يصبو إليه، لكن سحر الكلمة وجزالة المعنى قد تعني بعض العوض عما فات، وتسلية لما هو آت، وتحقيق أمنيات! ومع ذلك تراه يشعر أن بينه وبين الشعر عتباً جميلا:

إلى أين يحدو بي الشعر

يأخذني من يديّ لألهو كما الطفل في العيدِ

أرقى الأراجيح، ألعب بين الزمان وبين المكان

أيكفي المكان لنشر جراحنا

في حبال الغسيل؟

أيقضي الزمان وأيامه وساعاته

بين ضيم البقاء ومُر الرحيل؟

وتراه يتخيل أن بينه وبين الشعر خصومة حامية تصل إلى حد التماسك بالأيدي والتدافع والركل:

إلى أين يركلني الشعر في رجله

إلى حانة في "الرشيد" انزوت مثل بلهاء ساكنة

تستحي أن تعبئ من خمرة الأمس دِنّا وزقا!

إن جواد غلوم كان يشعر بوطأة المماحكة مع الشعر تسرق منه راحة البال، وتشعره بالقلق الأبدي ولذا نصح الآخرين أن يتعلموا فن التعامل مع القصيدة؛ هذا الكائن الخرافي الأسطوري المتوحش الناعم كالحية الرقطاء، والشائك كالقنفذ، والخفيف كريشة في مهب رياح القلب:

وأنت تأخذ مقعدك جوار سيدتك القصيدة

اخنق دَوْيِّكَ العالي

تعلمْ لغة الهمس والنجوى الخافتة

لا تتكلم وأنت تهز يديك

أتقن الانحناءة قليلا كمن يترقب طلعة صديقة رائقة

من صفوة المجتمع المخملي

ليكن صوتك خافتا ومسموعا معا

دون أن تفتح فاك وتُظهر زبدَك

مما تقدم تبدو القصيدة عند جواد غلوم كائنا حيّا متمردا متوحشا قاسيا عنيفا ، تحتاج كتابتها إلى نمط خاص من التعامل لترويضها؛ لا يجيده سوى أجود الشعراء

فالقصيدة أولا كما النساء الغانيات

تتقدم في صدارة اهتمامك

لا تتعثر وأنت تفتح باب عربتك لها

ارفع أذيال فستانها بتؤدة

خذها بيدك في رفق

واسحب كرسيا لتقعد أمامك

إن الشاعر جواد غلوم كاتب وأكاديمي عراقي من مواليد النجف سنة 1949، له مجموعتان مطبوعتان : "حكاية الميمك الحزين" و"حبال لأرجوحة متعبة"، وقد صدرت مجموعته الجديدة "حب امتناع لامتناع" عن دار أمل الجديدة بدمشق؛ وهي تضم (30) قصيدة، وارى حسب قناعتي وخبرتي مجموعة تستحق القراءة بعمق لأنها تمثل مرحلة حساسة وحاسمة من تجربة الشاعر العراقي الكبير جواد غلوم.

 

صالح الطائي

 

قال بابلو بيكاسو: "أترك جسدي بالخارج لأقوم بأداء عملي"

تذكرت هذه العبارة وأنا أقرأ "كبرياء الموج" منزلقًا إلى هذه الدوامة الروحية شبه الخالصة، متيقنًا بأن انتصار عبد المنعم قد تركت جسدها خارج غرفة مكتبها وهي تنجز عملها هذا.

هي المسحورة بشذى النور المنحدف عليها من طاقات الأضرحة، والمتأجج في مشكاوات الهيام بدفقة المعاناة اللذيذة التي تؤمن الكاتبة بأنها تتموقع في بؤرة الكون تنتظر من يكشف عنها الغطاء.

وإذ كانت تعرف معرفة يقينية أن الحضور أحيانًا لا يكتمل إلا بالغياب، وأن العلم اللدنِّي يمكن أن ينقذف إلى القلب من وراء حجاب، وأن العقل قاصر، والوجدان بمقدوره الرؤية عبر ألف باب، إذ كانت تعرف كل ذلك فقد اختارت عمدًا لبطلة قصتها هذه أن تفقد الذاكرة تدريجيًّا لتحصل على "غيبوبة" هي والانجذاب الصوفي سواء. لكأنها تغمض العين لتتعمق رؤيتها، لكأنها تنسى الأعراض لتتوحد بالجوهر المكنون. حيث الغرق لا يعني الغرق والموت لا يعني الموت. أليست حياة الصوفي احتراق الفراشة في نار المصباح كما يقولون؟!

 

**

هي انتصار عبد المنعم التي تتشابه مع بطلة قصتها في أنها ابنة مكان وتعمل به وتقيم في مكان آخر، هي من حصلت على جائزة الدولة التشجيعية كبطلة قصتها، هي ابنة ادكو القريبة من رشيد والمقيمة في الاسكندرية، وربما كانت ابنة الضابط الذي يصطاد بنفسه من شاطئ الكلية الحربية حيث يعمل.

هذه الشخصية التي تغلق على نفسها الباب لتحفر في قاع الروح عميقًا هي التي ستعَبِّر بها الروائية القديرة عن مكنون روحها.

**

في أربعة عشر فصلا أبدعت "انتصار عبد المنعم" روايتها "كبرياء الموج"، وبأنوين احتل الأنا الأول منهما ثلاثة عشر فصلا تاركا الفصل الأخير للأنا الثاني. وتكليلا لكل فصل من تلكم الفصول أتحفتنا الراوية بسطرين أو ثلاثة حيث الخط أكبر وأكثر دُكنة، وعلى درجة رفيعة من الشاعرية والتكثيف وإن كانت الشاعرية لا يخلو منها سطر من سطور الرواية.

على سبيل المثال يُستهَلُّ الفصل الأول هكذا:

مـوجٌ من فوقه مـوج..

ونُتَفُ السحابِ لنا أيك.

نتأمل في السطر الأول فإذا به يستحضر الآية القرآنية "أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور" (سورة النور آية 40)

أما السطر الثاني فهو بمثابة النجوة العالية أو سفينة نوح الآمنة حيث تشكل نتفُ السحاب أيكة إنقاذٍ تظلل الأحبة وتمنعهم من الغرق في بحر الظلمات.

لينفرط علينا بعد ذلك براح الفصل الأول حيث اللاوعي أو الحيرة  "وأنا مثل عصفور خيروه بين الطيران في قلب الشمس أو الحياة بين مخالب أسد." ص10

انزلاق إلى القاع أم صعود بلا شراع، أما الرؤية فهي ليست سوى تمعن في داخل الـ"أنا".

وتتوالى بيارق المواكب الصوفية....

"تتجلى لي عباءة أبي العباس المرسي، وتستحيل بُراقا أرتقي عليه، وأنظر إلي من بعيد." ص9

فهل تجيبني يا "شاذلي" وتقول لي من سيشدُ إليَّ الرحالَ وأنا لا أعلم لي مثلك مقاما؟ ص9

"وجدتني إلى جوار البدوي الأحمدي، حيث صالحتني الدنيا ذات ليلة، ومنحتني وجه الحقيقة سوارا يحرر معصمي". ص10

"أتلمس الطريق عائدة حيث ينتظرني بساط المُرسي بُراقي الأخضر، سيعيدني حيث مكاني الذي أنساه ويذكره هو دوما. روحي تائهة تجوب الكون ترتقي قباب الأولياء، تيمم شطر مقاماتهم قلبا تاق لانعتاقه قبل أن يكون الكون وقبل أن توجد الحدود. وأنا مثل عصفور خيروه بين الطيران في قلب الشمس أو الحياة بين مخالب أسد". ص10

وكثيرًا ما يحدث التجلي والانكشاف بعد غمرة التردي في النسيان:

    "ينكشف الغطاء، وتتجلى الوجوه الغائبة، صور تتهافت أمام ناظري، تومض ثم تخبو، خدر يتسرب إلى مفاصل روحي رويدا رويدا.." ص10

كم هي خائفة مرتعبة من الرحيل والغرق في الظلام، تواقة إلى الحفاظ على صورة الكون الوضيء:  نقرأ: "جفناي يقاومان لقاء ثقيلا، يجاهدان كي يحافظا على صورة الكون المضيء خشية الرحيل والغرق في الظلام.." ص10

إلى أن تدخل في مقام الخَدَر!:

"خدرٌ لذيذٌ يثقل الرأس ويجسد الأحلام ويجعل لها صوتا ورائحة. أذكر جيدا أول مرة تعرفت فيها على هذا الخدر، عندما أفقت في غرفة العمليات وجسدي لم يتخلص بعد من أثر المخدر. في منتصف المساحة الفاصلة بين الحياة والموت، على أرجوحة الحياة كان الموت يلهو بي، يجذبني إليه، وما إن أشعر وكأني صرت جزءا منه، يدفعني بعيدا، وتنسل روحي عائدة من فراشه الوثير، لأغرق مرة أخرى في لجة اللا مكان واللا زمان." ص10

والفصل رقم 12 معنون بـ "سيدي عبد الرازق" وسنقرأ فيه مدى تغلغل النظرة التبتلية الشعبية في قدرات أولياء الله الصالحين:

"على البحر، مقام سيدي عبد الرازق، لا أحد يقيم له مولدا، ولكن زميلتي منى، تداوم على زيارته، تقدم له الهدايا من الشموع من أجل قريبتها التي لا تنجب، فالعجائز يقولون إنه يشفع للعاقر فترزق بالولد، ويقولون أيضا إنه رد البحر، ووقف في وجهه مدافعا عن البلدة حين أراد البحر إغراقها وطمس معالمها " ص123

**

تؤكد نظرية النقد الموضوعي، والتي كان من دعاتها "عزرا باوند" و "ت. س. اليوت" على أنَّ الأدب ليس تعبيرًا عن شخصية الشاعر وعن أحوال مجتمعه، وإنما هو خلق، وصحيح أن الأدب قد يعكس ملامح من شخصية خالقه أو من بيئته، ولكن وظيفة الفنان هي أن يحيل هذه العناصر كلها إلى شيء جديد وهو العمل الفني المستقل بوجوده عن كل ما أسهم في صنعه" (محمد عزام، المنهج الموضوعي، ص16)

وما قيل عن الشاعر هنا يمكن قوله عن الروائي أيضًا، وينطبق ذلك تمامًا على "كبرياء الموج". فرغم التشابه الممتد عبر الرواية بين انتصار عبد المنعم وبطلة روايتها والتشابه البيئي أيضًا إلا أن ذلك لم يقف عائقا أمام عملية "الخلق" تلك، بل أضفى عليها عمقًا وزادها حميمية وغمسها في بوتقة الواقع المعاش فأظهرت ما في باطنها يموج حياة وإقناعًا.

**

انتصار عبد المنعم في هذه الرواية شاعرة كما هي حكاءة، لغتها الشعرية تأخذك من مطلع الرواية إلى منتهاها. تلك الرواية القريبة من السيرة الذاتية. البطلة امرأة تضمحل ذاكرتها باطراد فتكتب لكيلا تتلاشى. حتى اسمها ما عادت تتعرف عليه. أسيرة الفقد. نقرأ: "وأي حزن أعظم من فقد الأخوة يا زينب؟ ولكنها عبرت قبلي، خانتني؛ تماما كما فعل حسن، تركتني هي الأخرى. المدهش أن الأمر لم يعد بعد ذلك محزنا كما ظننت. مؤخرا فقط، أدركت أن توالي صفعات القدر على أرواحنا، تعطينا مناعة في المستقبل، تحررنا من قيود القلق والخوف على أحد." ص83

"هي التي دخلت غرفة العمليات مرات وفي كل مرة يسلبها طاقم التمريض كل شيء يربطها بالحياة ص84 "ظننت أني اعتدت طقوس الدخول وترقب النهاية بينما أخضع لمفعول السحر الذي يخلفه المخدر علي. خاضعة خانعة رغما عني مستسلمة لأيد تنزع، وأخرى تعدل من وضعية الكانيولا التي اخترقت يدي اليمنى. ألمح نافذة صغيرة في الباب المؤدي إلى هذا الممر الذي ينتهي بحجرة العمليات، أتلمس وجها ينتظر عودتي بعدما رحلت زينب، أجاهد ذاكرتي كي تنسى اسما بعينه، أخشى حضوره في غياب الوعي. تراودني أمنية الموت وأنا مُغيبة." ص85

**

لا تسلسلَ زمنيًّا في كبرياء الموج، بل دفقات شعورية وانجذابات إلى حوادث يتفتق عنها الوعي السردي، واتكاء على واقع موجود في داخل النفس البشرية ذاتها حيث "ظلت الواقعية قائمة ولكنها اتخذت بعدا مغايرا، فبدلا من أن كانت بعدًا خارجيًّا، وهو ما يحدث في الطبيعة، في الكون، في التاريخ، إلى آخر ذلك، أصبحت بعدًا داخليا، وهكذا تحول السرد من حوادث تتسلسل زمنيا إلى مشاعر تنبثق دون إعداد مسبق داخل النفس البشرية. وأصبحت الرواية عند فرجينيا وولف وجيمز جويس وغيرهما تتكون في غالبها من تداعيات تنطلق من اللاشعور متجاوزة تقاليد الحبكة والقصة إلى الأحلام والمخاوف والآمال الفردية التي ... داخل النفس البشرية. ص17/18

**

وعلى مدار الرواية نلمح توترَ لغةِ الحكي في إيقاعها الجموح، وإيغالها في آفاق التخييل المبدع، والرغبة في إعادة صياغة العالم على أسس من الطهر والنقاء وتخفيف آلام البشر. ولا يخفى استثمار أديبتنا لـ"فضاء" الأضرحة المثقل بالرمزية الأسطورية في خلق عالم روائي خاص بها، ندلف إليه فإذا بنا إزاء تقابل كوني ما بين الذاكرة والنسيان، الحياة والموت، البر والبحر، الأرض شبه الجدباء والحدائق الغناء، كل ذلك مجدول بأنفاس العرفان الذي هو سبيل الصوفي وصولا إلى المعرفة الخالصة.

إنها اللغة الشاعرة التي تموج بها كبرياء الموج، حيث "يمكن القول بأن الحياة المعاصرة التي اجتمعت فيها شتى التيارات المتناقضة والتي أصبحنا فيها نترك الشواطئ الآمنة ونخرج إلى بحار الفن والأدب التي تبتلع فيها الدوامات أعتى المراكب وتلوح جزر لا يلبث أن يبين ألا وجود لها في مواصفاتها التي بدت للملاحين، ولهذا تلاقت القصة والرواية بالقصيدة وأصبح الراوي أو القاص الذي كان في وقت من أوقات تطور القصة مجرد ملتقط لأحداث يومه منافسا جسورا للشاعر في شطحاته وأحلامه وبدت القصة الحديثة كقصيدة نثرية اختلطت فيها أنفاس الشاعر والقصاص" (د. مراد عبد الرحمن مبروك، الظواهر الفنية في القصة القصيرة المعاصرة ص76)

ألم يقل "ابن عربي" في الفتوحات المكية "إن الحروف أمة من الأمم، مكلفون ومخاطبون، وفيهم رسل من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقتنا، وعالم الحروف أفصح العالم لسانا وأوضحه بيانا". الفتوحات المكية ج1 ص260

الاغتراب:

كان "محيي الدين ابن عربي" يرى الاغتراب في انفصال الإنسان عن الله وهبوطه من الجنة، "إن أولَ غُربة اغتربناها وجودًا حسيًّا عن وطننا غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا، ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة" (شعبان أحمد بدير: جدلية الاغتراب في الشعر الصوفي)... فما بالكم وبطلة قصتنا مشحونة بالغربات:

"غريبة وحيدة أنا منذ ودعتني، والغريب يا مولاي كما تعلم، زاده الأحلام، إن دغدغ الموج منه الأقدامَ، تردد في قلبه صوت الوجع القادم من غربة المكان والزمان.. فهل أتاك أنين المــوجِ حين أودع أشواقَه العطشى، قواربَ أدمنت الرحيل إليك وحدك؟" ص19

"لا بيت لي يا حسن، هي منازل تنقلت بينها، كلما دخلت واحدا أعددت العدة لمغادرته إلى آخر. من رحيل إلى رحيل لا أملك سوى حفنة من الأمنيات أغلقت عليها قلبي، والكثير من الزهور والنباتات أحملها معي كأوراق هوية أتعرف بها على نفسي". ص35

"اشتهيت أن أقابلني ذات يوم خارج المرآة التي يرون ذاتي فيها، وخارج أحلامهم التي لا أشاركهم فيها، أصابني سأم التواجد بالنيابة عن الغائب في واقعهم، بينما واقعي خال إلا من بعض حكايا، وبحر أصادقه، وموج أعلم أنه ينتظرني بفراش من لؤلؤ ومرجان". ص125

وكانت المغتربة تحلم وتحلم....

تحلم بحياة من نسج مخيلتها...

تحلم بالحرية:

" سنوات طوال شربت فيها ما يزيد عن مئة ألف موجة، كل موجة عاشرت مئة ألف سمكة، كل سمكة كان لها- مثلي- حلم في العيش في البحر حرة بلا قيود". ص42

الأحلام:

بين حلم اليقظة وحلم النوم وغيبوبة إجبارية أو متعمدة يتهادى ركب السرد في هذه الرواية مما يضفي عليها شيئا من الضبابية المحببة أو حالة من الإلغاز الذي يحتاج إلى تفكير أو تفسير:

"وحيدة أقبع داخل حلم لم أجد من يشاركني فيه، فنسيت كيف أخرج من الحلم وكيف أقفز إلى الأحداث وفوقها" ص18

"حلمت مرات عديدة بنفس الحلم، أن هناك الكثير من الثعابين المرقطة مثل تلك التي كنت أرى أثوابها ملقاة على أبواب جحورها تركض خلفي في المسافة بين بيتنا وبيت خالتي، كنت أركض وهي تركض خلفي، وعندما أستيقظ، أحكي لأمي فتسألني والقلق يملأ قلبها سؤالا واحدا كل مرة: هل لدغك واحد منهم؟ أجيب بالنفي، فينبسط وجهها وتحمد الله وتخبرني أن هناك من يريد الكيد لي ولكنه لا يستطيع... "

ص40/41

"لم أنس ذلك الحلم الذي رأيت نفسي فيه أرسم جدران المستقبل البعيد. رسمت الكوخ وبجواره بركة للمياه تسبح فيها بعض أوزات، وأسماك، وورد النيل، ولدهشتي تسربت المياه من كراسة الرسم لتبلل نورسا كان يقف وحيدا يستظل بزهرة. غضب النورس وهام على وجهه في كل البحار بعيدا عن أرضي التي مهدتها له. وبقيت وحدي أرسم بيتي تارة بالقلم، وتارة بالقرميد الأحمر، أراقب النورس في رحلة التيه ما بين سماء لا يقدر على الوصول إليها، وبحر لا يجد الشجاعة في نفسه ليخترق موجه. وعندما أفقت من الحلم أدركت أني لا أزال أتأرجح بين نصف روح تلبستها يمامة وديعة تسكن حافة العالم، و نصف آخر غشيه نورس يدفع به نحو جنون الموج. ومضات ذاكرتي تحتفظ بمفردات البحر ونوارسه، بقيت عصية على التلاشي بصورة كاملة، ما إن تجد فرصة حتى تقفز وتأتيني كالبرق تنير الذاكرة لدقائق ثم تخبو..  ص74

الفضاء الروائي:

وانتصار عبد المنعم في كبرياء موجها لا تستعرض أمام مخيلتنا الفضاء أو الحيز الروائي في رؤية هندسية إو إقليدية أو بهدف أن يكون المكان أمامنا مطابقا للواقع، بل كانت تمرره عبر قناة الوعي الذاتي للراوية. تأمل معي هذا الفضاء الذي وُلدت فيه الأنا الأولى في هذه الرواية:

"ذات بحر، ولدت بين ماءين، تحت شجرة رمان، وبجوار شجرة زيتون عتيقة. منذ الميلاد ألتفت ولا أرى سوى الماء، البحر عن شمالي، والبحيرة عن يميني. وما بينهما مدينة جافاها النيل فانحنى مبتعدا مغازلا مدينة رشيد المجاورة، لترث رشيد حب الحياة وبهجتها الحلوة كماء النيل، وترث إدكو الشقاء مِلحا يوميا. وأنا ولدت في مدينة الشقاء حيث لا شئ سوى الماء والرمال. في الصيف كنت أختلس الزيارة لخالتي "رشيدة" التي أطلقوا عليها لقب "السمرة" لأنها جاءت قمحية اللون في عائلة ورثت بياض البشرة والعيون الملونة من الأجداد النازحين من المغرب العربي قديما. تقيم خالتي في منزل تحيط به مساحات شاسعة من الأرض الرملية تنتشر فيها أشجار النخيل والعنب، وحولها العديد من الكثبان الرملية.. بين بيتنا وبيتها مسافة كبيرة منبسطة خالية من البيوت، تكثر فيها الحشائش الخضراء والتي تمتلئ بالزهور الصفراء شتاء، وفي الصيف لا يبقى سوى القليل منها وسط الأعواد الجافة الكثيرة التي تغوي مخلوقات الأرض فتسكنها.. كنت أرى هنا وهناك شقوقا واسعة تمتد تحت الأرض، بلا نهاية.  كثيرا ما صادفت بالقرب منها جلد ثعبان في الفترة التي تغير الثعابين فيها أثوابها وتستبدلها بأخرى جديدة.. كانت أمي تخشى علينا الذهاب إلى خالتي فرادى مخافة الثعابين والعقارب التي تندس تحت كل شيء. هذه الثعابين سكنت أحلامي بعد ذلك." ص40

تبدأ بـ"ذاتَ بحر"، وذات هذه لا يعقبها سوى ما يدل على زمان؛ فنقول: ذات يوم، ذات ساعة، ونقول ذات صباح وذات مساء مع وجود من يصوب لنا لنقول ذا صباح وذا مساء، وليس هذا مجال تحاور الآن، المهم أن انتصار جاءت بذات وبعدها مكان لتقول ذات بحر، ولدت بين ماءين، فنحن إذن بحضرة بحر كبير ضاج بالماء وماء آخر هو البحيرة، بينهما ولدت الساردة لتتخير لمولدها الاقتران بشجرتين مباركتين مذكورتين في القرآن هما الزيتون والرمان،  لتعود وتؤكد أن ميلادها كان بين الماءين وأن الماء سيناديها طوال رحلتها الحياتية. المكان غاص بالسحرية المائية، وها هي تأتي على ذكر رشيد الملغمة بالتاريخ، والمغرب العربي وما تحمله الكلمة من دلالات قبل أن تعرج على الكروم والعنب والحشائش الخضر والزهور الصفر وصولا إلى النهاية الحتمية في الأعواد الجافة ولوجا إلى شقوق الثعابين!

نقرأ:

"أنا، المحكومة بالوحدة، وجدت شمسي في ساحة البدوي الأحمدي. تركت فراش الفندق الوثير وجلست إلى جوار مولاي حتى مطلع الفجر على رصيف المدينة. في ليلة مولد البدوي الختامية، أصبحت مدينته آمنة هادئة إلا من أشعار وأهازيج ومديح.. نستمع ونسبح في الملكوت لعل الزمن يتمدد ويستطيل قبل أن يحين موعد الرحيل.. بتنا تحت سماء الكون، بين شمس هاربة، وقمر يتلصص، نقسم على أناجيل اللؤلؤ، وآيات المرجان، بألا نغمض منا الأعين، فيغيبُ كلانا عن كلينا طرفة عين. ص21

بل كان الحيز الروائي يُحمل إلينا عبر "هدير الموج" أو "قطار الجنوب" حيث لم يعد مجرد مكان ذي مساحة بعينها وإنما تحول إلى "رؤية فنية". (نستعير هذا المصطلح من د. عبد الملك مرتاض من كتابه "في نظرية الرواية ص127)

ثم إن الزمن في كبرياء الموج لم يكن إلا كما ارتآه ميشيل بوتور "صورا منضدة للأمكنة، وتوفيقية فضائية" (حسن نجمي، شعرية الفضاء السردي ص48)

 

محمد محمد السنباطي

 

 

 

أوّلاً: النّصّ

 لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ

لا أحبّ الذّهاب

لو أتيتَ معي

لَمَضَيْنا إلى النّهرِ..

ثم انتظرنا هنالكَ..

حيثُ يسيلُ الأبدْ

وحيثُ النّساءُ يجرّرْنَ خيباتِهنّ الطّويلةَ كالظّلْ

وحيثُ الضّبابُ يجيءُ من الغربِ

حيثُ السّديمْ

وحيثُ من الغابةِ الجبليّةِ يأتي العُواءُ العظيمْ

لو أتيتَ معي

لرأيتَ المدينةَ تجري إلى مُسْتَقرٍ لها

والجبالَ تعودُ إلى أمّها

والمدى يَضْمَحِلْ

والفراغَ يُطأْطِئُ فوق التّلالِ..

ويُطرِقُ كالصّلْ

لو أتيت معي

 لو أتيت.

ابراهيم  هشهش- فرايبورغ 1987

مُطْرِقٌ ينفثُ سُمّاً مثلما  أطْرَقَ أفعىً ينفثُ السمَّ صِلُّ (الشنفرى)

 

ثانياً: القراءة

في لحظة تجلٍّ شعريّ نادرة لا يدركها إلّا الشّعراء، يقبض الشّاعر الدّكتور إبراهيم أبو هشهش على لحظات انكشاف لما قبل التّكوين. ومن العسير المضيّ في هذا النّص الشّعريّ دون تلمّس الإبداع الرؤيويّ وفهم الإشارات والدّلائل الّتي بُنيَ عليها النّصّ الّذي يعبّر عن حالة رؤيويّة خاصّة.

بُنيَ هذا النّصّ الشّعريّ على اتّجاهين متناقضين، الحياة والموت. ولئن كان النّص حالة رؤيويّة امتزج الموت بالحياة في مكان ما من النّص ثم تفرّقا أو فرّقهما الشّاعر عمداً، لتتجلّى الرّؤيا كاملة. (لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ)

اختلطت قدسيّة يوم الأحد بالموت. الأحد/ يوم الرّبّ- القيامة، مزجه الشّاعر  بالموت إذا ما ارتبط بعدم حضور الآخر (لا أحبّ الذّهاب/ لو أتيتَ معي...). فالأحد، وعلى الرّغم ممّا يمثّل من قدسيّة الحياة الجديدة، إلّا أنّه يعتمد بحسب الشّاعر على حضور يبعث الحياة الأولى الكائنة ما قبل الوجود، أو الحاضرة في إشارات ما قبل التّكوين. تكمن قدسيّة الأحد في المقلب الآخر، في دائرة الانتظار ليرتسم الشّوق إلى لحظة الأبد.

لا يمسك الشّاعر بالرّؤيا تماماً، أم إنّها ليست قائمة بالفعل لأنّه بامتناع الحضور تبقى الرُّؤْيَا قائمة بالقوّة حتّى يُجاز الحضور فتمسي رؤيا بالفعل. لكنّ الامتناع عن الحضور متعلّق كذلك بالموت، أو بالحالة الانتظاريّة للنّهوض من الموت، والانطلاق منه بطريقة عكسيّة.

(لو أتيتَ معي

لَمَضَيْنا إلى النّهرِ..

ثم انتظرْنا هنالكَ..)

ستكوّن الحالة الانتظاريّة ملامح الرّؤيا لتتيح للقارئ التأمّل في العودة مع الشّاعر تدريجيّاً من الوجود إلى الحياة الحقيقيّة/ العالم السّماويّ، أو "العدم المحرّر"، كما يسمّيه أنسي الحاج، "مكان تُسمع فيه الرّوح أكثر". وبالتّالي فالشّاعر يمضي عكس النّظام الكونيّ، ساعياً للدّخول في قلب الرّؤيا حتّى يتحرّر. فينتفي الموت (لا أحبّ)، وتمسي إمكانيّة الحضور (لو أتيت) استحالة غياب (ثم انتظرْنا هنالكَ..).

تتشكّل الحالة الانتظاريّة عكسيّاً، وتفتح آفاقاً على الأبد الّذي يسيل، أي الّذي لا يحجزه ولا يردعه شيء. وبطبيعة الحال تكمن الحياة في الأبد، لأنّه ليس جماداً، وإنّما حركة ديناميكيّة فاعلة (حيثُ يسيلُ الأبدْ). وما السّيلان إلّا دلالة على هذه  الحركيّة الّتي لا تتوقّف ولا يعقبها الموت. وإنّما هي حركة مستديمة أبديّة دلّ عليها النّهر كرمز للخصب وتدفّق الحياة.

تتحدّد النّزعة الرّؤيويّة أكثر حينما يُدخل الشّاعر عنصر الضّباب الآتي من الغرب/ البحر، ليعلن عن غموض الرّؤيا أو سرّها بالمعنى القدسيّ لكلمة سرّ، الدّاعي للاكتشاف والتّأمّل. (وحيثُ الضّبابُ يجيءُ من الغربِ). أو بمعنى آخر ممكن، اجتذاب الأبد للكون ليعيده إلى مكانته الأولى ما قبل اللحظة التّكوينيّة. قد يشير السّديم إلى هذا الأمر، إلّا أنّه ممّا لا ريب فيه أنّ الشّاعر حرص على إبراز العناصر الكونيّة (النّهر/ الضّباب/ السّديم) لتعزيز الفكرة الأساسيّة المتجليّة بالرّؤية الماضية من الموت إلى الحياة. وإذا أشارت عبارة (الغابة الجبليّة) إلى حضور القوّة الخالقة فسيتداخل هذا العنصر مع النّهر كدلالة على  تدفّق الحياة والضّباب كدلالة على السّرّ ليشير إلى حضور القوّة الخالقة الّتي تعلن بداية النّهاية (العواء العظيم).

ينتقل الشّاعر من الرّؤيا بالقوّة إلى الرّؤيا بالفعل ويعتمد تناصاً مع النّص القرآنيّ (سورة ياسين/ 36) "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، فتنكشف الرّؤيا أكثر ويدخل الشّاعر في تفاصيلها ويتدرّج بالانفصال عن الزّمان والمكان. ويحدّد الفعل (رأيت) معاينة لحظات العودة إلى خواتم الوجود، بل ولادتها الجديدة. (لرأيتَ المدينةَ تجري إلى مُسْتَقرٍ لها). هي نقطة اللّاعودة إلى ما قبل (ليكن.. فكان)، إلى العدم المحرّر. ويمسك الشّاعر باللّحظة الفاصلة بين الخلق والعدم (والفراغَ يُطأْطِئُ فوق التّلالِ..). وستعبّر الملاحظة الختمايّة "مُطْرِقٌ ينفثُ سُمّاً مثلما  أطْرَقَ أفعىً ينفثُ السمَّ صِلُّ" (الشنفرى) عن شركة مع السّطر الأوّل من القصيدة (لا أُحبُّ الذّهاب إلى الموت يوم الأحدْ) لتعبّر عن عدم الّذهاب إلى الموت بدل عدم الرّغبة في الذّهاب. فالشّاعر الّذي يرجو حضور الآخر الّذي يخاطبه في القصيدة، والّذي سيحضر. لأنّ هذا الآخر هو الشّاعر نفسه الّذي يطرق مستعدّاً لمجد القيامة.

بهذا النّصّ يدخل الشّاعر عالماً حافلاً بالإشارات السّيميائيّة، الّتي تجعل النّصّ نصّاً مكثّفاً مكتنزاً بالمعنى، يدفع شاعره نحو المزيد وليس التّوقّف عن الفعل الشّعري المختلف والحقيقيّ، فكيف لمثل هذا الجمال أن يصمت؟

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

تتابع رواية (بهار) لعامر حميو* محنة عائلة أزيدية مع تنظيم الدولة في الموصل، وتأتي ضمن موجة تفسير الأحداث الأخيرة التي عصفت بالشرق. ولا سيما كما فعلت (ملوك الرمال) لعلي بدر. و(مقتل بائع الكتب) لسعد رحيم. و(فرانكشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي.

وإذا ركزت هذه الأعمال على الغزو وإسقاط النظام وما جره من ويلات على البلاد، إن (بهار) تواصل لتغطي آثار صعود السلفية الأصولية. ولذلك كان الإهداء مخصصا  "لكل من عاش المحنة". و"يدعو الجميع ليرفعوا رؤوسهم وليحكوا للناس بشاعة أفعالهم". ص 3.

لكن تختلف الرواية مع ما سبقها بنقطتين.

الأولى المعنى الحضاري للأزمة.

والثانية المعنى اللغوي للذات.

فـ (بهار) تختص بمشكلة أقلية عرقية تدخل في عداد الحضارات أو الثقافات الميتة. ويعلن الكاتب على لسان شخصياته السلفية منذ البداية أن الأقليات من أهل الذمة ويمكن أن تأخذ منهم ما يعجبك ص 8. سواء بمصادرة المال أو سبي النساء، ومن يمتنع يحق عليه القتل. ص 8 .

وربما بتوضيح مجريات هذا الموقف تعمل الرواية على توسيع مشكلة أعم وأشمل، وهي التهميش المقصود وسياسة التذويب والهضم أو الابتلاع.

وإذا كان النصف الثاني غير مذكور بشكل واضح فهناك أكثر من إشارة له في السياق.

فتنظيم الدولة في جزء منه يضم بقايا الأصولية القومية بعقلها الكلاسيكي كما تجد في حالة أبي براء. ص 39.

أضف لذلك طريقة تفسير معنى الروح وضمنا المذهب والطائفة.

والرواية تركز من أول كلمة إلى آخر حرف على مشكلة صهر الأقليات. وربما أرادت منذ العنوان إضاءة هذه المشكلة.

فبهار اسم علم مؤنث.و هو يعني باللغة الكردية الربيع.

ولا تكتفي الرواية بهذه المفردة.وإنه منذ سقوط أسرة بهار وحتى سبيها واغتصابها، ثم سجنها، يغتنم الكاتب الفرص لعرض معلومات عن الإيزيديين ولغتهم وثقافتهم، ويشرحها في الهامش، مثل كتاب الجلوة ص 16 وسيفي ص 9 وطاووس ملك ص 6، إلخ...

حتى أصبحت الرواية أيضا وثيقة أو سجلا أو مدونة للتعريف بهذه الشريحة من المجتمع.

واختارات الرواية أن تبني أحداثها من خلال شخصيات نسوية. منها بهار وفيفيان أختها وآمال الشيعية التي صفاها الأصوليون بأبشع طريقة. وبمشهد نهاري وجماعي. وترافقه سيول من الدم. مع خطاب تحريضي مقيت ومنفر.

والحقيقة أن المونولوج الذي يتخلل هذا المشهد لا يكتفي بتقديم شاهد على الفصل بين الطوائف منذ أيام العهد السابق، ولكنه يواصل التسويق لهذه الفكرة. وفيما أرى كانت الرواية سخية باللون الأحمر. فاغتصاب بهار يتم على سرير ملطخ ببقعة دم ص 31 . وفي غرفة تجد على أرضيتها صليبا محطما. ص 31. ومشهد الافتتاحية يكون بزهرة دم كبيرة مترسبة تحت جمجمة شمو المهشمة وهو الذي يسكن قرب بيت بهار ص 25 . وذلك بعد أن أقدم الجهاديون على قتله بدم بارد.

لقد كانت سياسة الرواية تقوم على العزل من خلال قتل الذكور وسبي الإناث. أو من خلال تجريم الروافض (أبناء الشيعة) واسترقاق الأزيديين (أهل الذمة).

وتلازم مع نسوية أبطال الرواية سلبية فعل الممانعة لغزو التنظيم وما ترتب عليه من اجتياح للموصل ونينوى. فقد كان المدافعون يتخلون عن ثيابهن النظامية ويفرون.  وكانت قطع الملابس المتناثرة، كما ورد في الرواية، تدل على ثاني انكسار للجيش بعد ورطة احتلال الكويت. ص 84.

ولو أضفت لهذا المشهد أجساد الموتى التي تسبح مع تيار دجلة والأشجار المتيبسة العطشى التي يجللها الغبار والكلاب التي تنهش في الشهداء على قارعة الطريق ص 84  تكون الرواية قد وصلت لخلاصة فكرتها عن زحف الظلام المترافق مع الموت والرعب. إنه مشهد بكائي ويدعو للشعور بالهوان والسخرية.

و تنسحب هذه السلبية أيضا على طريقة فرار بهار. فقد استعملت أختها الحيلة لتنويم جلاديها. ووضعت لهم المخدر في الشاي. واستعملت ما لديها من إغواء نسوي وما لدى الرجال من نقاط ضعف ذكوري.

كانت الغريزة وحدها هي التي تتحرك وتعمل بوعي وقصد من النساء. وبلا وعي وغفلة وجهل من الرجال.

ولعله تجب هنا الملاحظة أن الإغواء دليل على تساقط وتهافت التنظيم وعلى نفعيته وسخافته. لقد تسرع رجال الكهنوت الإسلامي باستغلال مكافآت الله الرمزية التي وعد بها عباده في القرآن ولا سيما من الحور وأنهار العسل. وقرأوا تلك المكافآت على أنها ليس وعدا روحيا وإنما هي عطاء عيني وملموس.

فالحور هن السبايا. وأنهار العسل هي الشاي المشبع بالهروين. وهذه القراءة تكشف عن الفرق بين كرامات الأنبياء وسقطات داعش. فامرأة عزيز مصر فشلت مع النبي يوسف. بينما أخت بهار نجحت مع أبي قتادة، القواد الأساسي في التنظيم.

وهذا لا يقدم قراءة تاريخية لمعنى النبوة والدين فقط وإنما يعمد لتصحيح الهالة النورانية التي يضفيها السياسيون المحافظون على المعنى  الشرعي للجهاد ودوره وموضعه ومبرراته.

وتستمر سلبية الممانعة لآخر لحظة حينما لا تقتحم وحدات الجيش المرابطة في سنجار الساحة لتخليص بهار وفيفيان ويتم الاكتفاء بإرسال إشارات ضوئية ورنات بالموبايل.

لكن أهم ما يلفت الانتباه في الرواية هو خلاصتها النهائية.

فعلاج بهار في المستشفى من انهيارها العصبي والضعف الذي لحق بها نتيجة أذى الاغتصاب المتكرر يتوقف على تخليص المجتمع من نظرته لضحايا الاغتصاب. ويقودنا ذلك إلى إعادة تفكيك مفهوم البكارة عند الشرقيين.

ومن هذه النقطة تتفرع مشكلة التغريب أو إضفاء طابع الاستشراق معكوسا على النتائج. فما يراه الشرقيون ضرورة تحول إلى جدار ضد ظروف الحياة المعاصرة. إن لم يكن بعمويتها وإطلاقها فبخصوصيات الحالة ومنها موقف بهار الإنكاري لنفسها.

إنها لا تعرف ذاتها. ولا تريد أن تتذكر ماضيها. وتقوم فرصتها في الحياة على قطيعة مع السابق تمهيدا لشيء متحول.

وهذا أصل فكرة التبشير بالحضارات ( على وزن التبشير بالأديان).

وتتقاطع الرواية بهذا الموقف مع دعوات صريحة مماثلة لللاستبدال وقطع الماضي لوصل فكرة أو ذهن من فوق الواقع.

وأشير هنا لمثال من حالة الروائي نجم والي. فقد كانت له دعوات مثيرة للجدل منها إعادة تقييم موقفنا الشوفيني من الصراع مع إسرائيل. أضف لذلك تفسيره لمشكلة الهوية..

متى ينتهي الإنسان العالمي ومتى يبدأ فساد وتخلف الإنسان المحلي الضيق والجامد.

ويمكن قراءة هذه الصياغة في واحدة من أهم رواياته هي (بغداد مالبورو). ففيها إعادة تنوير لمشكلة حبكة الانتماء. كيف تكون ذاتانية وموضوعية.

ولكن صوت الكاتب في (بهار) يأتي من خلف بعض التراكمات. بمعنى أنه صوت غير راديكالي وتغلب عليه الدعوة للإصلاح، حتى في انتقاده لـ "قومانية" الأقليات كان خجولا ومرتبكا ومن خلف ستار. وربما يعبر عن لا شعوره الذاتي أكثر من وعيه العرقي.

وفي هذه الحالة أجد أن الرواية ربما تتقبل جملة من التصويبات مثلما هي تدعو لسلسلة من الإجراءات الإحيائية. والتصويب يكون أولا في اللغة، وثانيا في المواعظ التي تتخلل فترة سجن بهار وأختها في سجن النساء. فقد كانت النسوة تستعمل مفردات أكبر منهن بمعنى أكبر من ثقافتهن ومن الخلفيات التي أتوا منها.

لكن هذا لا يفسد للود قضية. فالسجن كان فترة حضانة أو سكون. وبعده ستتفتح براعم بهار/ ربيع المنطقة المنكوبة.

ولا شك أن الرواية لا تخلو من لمسة إحيائية معروفة هنا باسم أسطورة تموز أو أدونيس. فالافتتاحية تبدأ مع إعداد ثوب عرس بهار. والحبكة كلها موتها البطيء وما يرافقه من عذاب وتألم، ونهايتها عودة بذور روحها للحياة والتعافي في المستشفى.

وهذه الدوائر المتقاطعة: حياة – موت – نشور ليست مغلقة كما هو الحال دائما، لكنها مفتوحة، وعلى الشكل التالي:

شرق – عصر ظلمات – غرب.

فالدعوة، في النهاية، لتبنّي حكمة الغرب كباب للخلاص، وإن كانت محدودة في معنى البكارة، ودورها الوظيفي، تبدو مقترنة مع فعل التخلص من إراقة الدم وإزالة هذا الغشاء الرقيق.

وهذه مقولة تحتاج لتعميم وتوسع وإضافة عرفانيات أهم من مشكلة العذراء والثيب. وربما كنا بحاجة لأعمال جديدة تتوسع في هذه القضية لتشمل الانتماء والإلهيات وسواها...

 

د. صالح الرزوق

..................

* صدرت عن دار ليندا في السويداء، سوريا. عام 2016. 205 ص.و جدير بالتنويه أن هذا العمل أول رواية عن أقلية في العراق. و تشابه (هناك بلد - مختارات قصصية من جنوب السودان) الذي يعتبر أول عمل صدر بعد الانفصال عن الخرطوم.

 

 

تشكـّلت انتباهات الجسد الأولى لدى الروائية اللبنانية مثيرة للجدل (علوية صبح) بداية الحرب الأهلية في لبنان، وتشكـّل معها وعيها السياسي الذي قادها بالتالي الى لا جدوى التعاطي بالأيديولوجيا والتنظيرات الثورية والأندفاعات الفكرية غير المحسوبة، اذ أكتشفت مبكـّرا ان كل الذي جرى ويجري في لبنان وفي الساحة العربية هو محض أصطراعات للأكاذيب والأفتراءات وضياع للحقيقة التي جرفتها سواقي الدماء الحارة الفتية وتاهت مع الأرواح التي فاضت متوحّدة صعوداً كظفيرة دخان هائلة حاملة شكواها الى الرب .. ولم يبق لدى (علوية صبح) غير حقيقة فيزيائية واحدة وهي الجسد بكل أبتهالاته وأنفعالاته وشهواته وشذوذه، فأصبح آيقونتها التي من خلالها تطـّل على ما يعتمرُ داخل شخوص رواياتها، كما أضحى رمزاً حياتياً متعدّد الدلالات تتمحور حوله كل مكابدات الأنسان وعبثه وحتى سكونه ودعته .. الجسد هو الحقيقة الوحيدة الذي منح (علوية صبح) القدرة على هتك ستر المحظور والمخبوء والمندس تحت وسائد المحرّمات، كما حفـّز لديها شهوة الكشف عن الرغبات والأختلاجات الحبيسة والمكتومة التي يحفل بها أنشغال الجنس الأنساني ذكراً أو أنثى في عملية أنتاج الحياة وتجديد خلاياها .

لم تعتمد الكاتبة في كلتا روايتيها (مريم الحكايا) و(دنيا) على التراكم البنيوي في السرد الحكائي للأحداث صعودا للأحاطة والسيطرة على حركة شخوصها ضمن ثنائية المكان والزمان أنتهاءاً بالخاتمة، بل جاءتا كمجموعة من قصص وحكايا وأحاجي وذكريات لأشخاص جمعتهم ويلات وبشاعة الحرب الأهلية التي وفـّرت لهم فرص تكوين علاقات حرّة غير مقيدة هي عبارة عن أنتهاكات صارخة للقبول العام المحافظ، ولقاءات حميمية غير مرخـّصة وزيجات عبثية تنتهي بخيبة وندم هي أنعكاس لطبيعة تلك الأيام والسنوات الحافلة بالترقـّب المرير للموت المجاني والقتل على الهوية وأنتزاع الحياة حتى من الأجساد القابعة في دهاليز الذات الخائفة المحتسبة .

لقد لجأت (علوية صبح) وهي تستعرض هذه الحكايا وبجرأة نادرة لم يألفها القاريء العربي الى أعتماد الصدمة والدهشة والأنبهار والتساؤل والحيرة حينما كانت تبحر في جغرافية وكيمياء الجسد وتأوهاته قبل لحظات الذروة ، لكنـّها وبذكاء نادر أيضاً أوهمت القاريء بين علوية صبح الكاتبة وبين مريم الراوية للحكايا في روايتها (مريم الحكايا)

وبين علوية صبح الكاتبة وبين دنيا وفريال الراويتين لأحداث روايتها (دنيا)، ممّا دفعت القاريء الى أن يعيد قراءة كل صفحة أكثر من مرة ليتأكد من هي الراوية الحقيقية لهذه القصص والذكريات ، محاولة منها لتشتيت المسؤولية ولأمتصاص صدمة القاريء وتأثير فعل الفجاءة فيه، وهذا ما جعل روايتها (مريم الحكايا) ذات ذائقة روائية جديدة

رشحتها للفوز بجائزة السلطان قابوس للأبداع الروائي لعام 2006 والذي يعد تحوّلاً مهمّاً في العقلية النقدية العربية وأنفتاحها على آفاق جديدة كانت محظورة حتى وقت قريب .

ان الحرب التي جرت بين الشوارع والحارات والأزقة والبيوت، حفـّزت غرائز الحيوان داخل الأنسان فنسي آدميته وراح يمارس أصطياد فرائسه أيّاً كانت ليمعن في تمزيقها وبهمجية لا نظير لها .. والحرب عطـّلت عقارب بوصلة الأمكنة وأوقفت جريان الأزمنة وجعلت لكل شيء رائحته، فالجرح له رائحة والموت له رائحة والمكان والشارع والضلال كلٌّ له رائحته وحتى الأمل له رائحته يشمّها عن بعد الذين أعمت أبصارهم ظلمات الملاجيء والأقبية العطنة .. في هذه الحرب فقد كل شيء قيمته، فلا معايير الشرف والعفة والعذرية ظلـّت على قوة فعلها الزجري ولا النظرة الى الأم أو المرضع بقيت على نفس قدسيتها ولا المحرّمات أستطاعت الحفاظ على طقوسها وتأثيرها الأعتباري على الناس .. اذن أصيب النسيج الأخلاقي والتربوي والعائلي الى هتك متعمّد والى تدمير للآواصر التي كانت تتحكم بعلاقة الأفراد .

من وسط دائرة التخريب هذه ولدت روايتي (علوية صبح) (مريم الحكايا ) و(دنيا) وأكتست لغتها السردية وصياغاتها التعبيرية بطعم الدخان ولون النار ورائحة أبخرة الأجساد التي تتلوى على أسرّةٍ لا تخشى عاقبة الحرام .

روايتي (علوية صبح) ستفتح باباً واسعاً جديداً للنص الروائي النسوي لا يمكن غلقه بسهولة، وستكون فاتحة لنصوص قادمة ولروائيات عربيات أخريات سينهضن من ركام الممنوعات وليتحدّين شرقاً أسبلت عيناه دهوراً كي لا يرى الحقيقة ..الحقيقة لا غير .

 

 

تشكل اللغة الشعائرية في النص الأنثوي أهمية كبرى؛ لأنها تمتح من ضدية الخطاب الإقصائي الذي تعرضت له عبر رحلتها الوجودية وقد تمت في هذه المراحل عمليات معرفية قدمت خطابات ذكورية عملت على صياغة الأنوثة بوصفها دنسا ونجاسة وخطيئة وشرا وقد تعرض العهد الأمومي إلى انقلاب وقطيعة معرفية تمت من خلال " انقلاب الأبوي الذكوري على العهد الأمومي الأنثوي وسقطت أسطورة الجسد المسؤول عن عملية التخصيب الأزلي في فلسفة الوجود وحلت بدلا عنها أسطورة العقل الذي نصب نفسه مسؤولا عن مقدرات الحياة بوصفه المشرعن الوحيد لحق التملك ولعل الاحتفاء بالعقل قد أتى من قدرة الروح على تجاوز قدرة الجسد الفاني وظهور أسطورة البدء المقدس الذي رأى في عالم الأنوثة انها مجرد جسد مدنس في بنائه الخَلقي وان الذكورة هي روح مقدسة في بنائية خواصها العضوية([1]) فاللغة الشعائرية التي تتمركز الأنوثة حولها تقدمها الأنثى بشكل جنائزي في عمقه وحزنه في مداره العام وقد تشكلت لغة الشعر الأنثوي من "واقع قاهر كان هو المسؤول عن صوغ هوية التجربة الشعرية الأنثوية، إذ غالبا ما كان يسلمها ذلك المؤطر الوجودي الحاد، لمسلمات تتبدّى بصيغة وأد عاطفي كالرهبنة، أو الصمت، وربما الجنون،وقد يصل الأمر أحيانا إلى حجب ذاتها، أو منعها من التداول إنتحارا، فيما يشبه الإتلاف المبرمج"([2]) وكانت بالنتيجة هذه اللغة الخاصة في شعريتها والتي تنهض على طقوس من الحزن والفجيعة.

إن النص الأنثوي اليوم يعيد كتابة المعرفة بشكل سري/علني إنها شعائر تعيد رسم العالم ولكن من منظور مختلف في بعده الانطولوجي. ثمة علاقة وثيقة جدا في شعر البستاني بين الشعري والمعرفي وحين يدخل الشعر مقتربات المعرفة محاولا إعادة ابستيمياتها تولد تواريخ وقراءات أخرى .

إن قابلية الشعر على احتواء المعرفة وإعادة إنتاجها تشكل لحظة ابستيمية في إعادة صياغة التمركزات لكن بشكل مغاير لما هو سائد يقوم على الجمالي. إذ إن شعر البستاني يقوم على منظومة معرفية تدرك مواضعات إنتاج الخطاب المعرفي الذكوري ومن هنا تولد مساحة متشابكة بين اللغة والمعرفة، فاللغة الشعرية جمال محض،ولكنه جمال مندمج بالمعرفي الذي يعمل " على مادة المعرفي ولكن ليس عملا عاديا أو تابعا كما كان عليه اغلب ما كتب من شعر قديم بل يسعى الشعري إلى تشفير المعرفي وتحويل الكتلة المعرفية الصلدة إلى إشارات وشفرات ورموز في محاولة لمنحها الطابع الشامل ثم نقلها من المحدودية إلى خارجها "([3]) فالاشتغال الجمالي في النص الأنثوي اشتغال يحاول الانعتاق من المواضعات الذكورية في خطاب المعرفة ويشيد لنفسه تمركزات تكشف عن فداحة الطقوس التي مرت بها الأنوثة فمجموعة "مخاطبات حواء "([4]) هي نصوص لماهية الشعر عبر حوارية طويلة نسبيا أقامتها الشاعرة في النص الذي حمل عنوان المجموعة الشعرية وهذا النص يعمل بوصفه بؤرة تشدُّ إليها جميع النصوص الأخرى إلى سديمه، وهذا السديم الشعري يكشف عن ماهية الشعر في جانبه المعرفي. فالمبدأ الحواري عند باختين مرتبط "بالموقف الايديولوجي للكاتب، وبصيرورة الأفكار، وتشكلها الفني داخل العمل"([5]) فالحوارية تنتج موقفا من العالم ويكون الحوار هو اندماج أصيل ونحن كلنا عبارة عن حوار وجودي بصيغ متنوعة، وكما يقول هيدجر" إننا معشر البشر حوار، وكينونة الإنسان مؤسسة على اللغة ولكن اللغة إنما تتحقق تحققا تاريخيا في الحوار، على ان الحوار ليس وجها من وجوه استعمالنا للغة فحسب، بل اللغة لا تكون أصيلة إلا من حيث هي حوار "([6]) وهي بهذا تنتج بعدا تفاعليا كونيا يخرج عن مواضعات الخطاب القبلي بل يحاول حراثة تلك الخطابات ويعيد مأسسة الرؤيا الشعرية من خلال تعالق الشعري بالمعرفي وتشفيره عبر الوعي الشعري .

التمركز حول أنوثة العنونة:

إذا كانت الكتابة الذكورية تشكل موقفا انطولوجيا من العالم فان الكتابة الأنثوية تسعى إلى كتابة تاريخ انطلوجي للغياب القسري للذات أو تاريخ كتب نيابة عنها في مرحلة زمنية معينة وهنا. نحاول ان نرصد هذا الاختلاف في اللغة وتحديدا العنونة بوصفها تجلياً للكتابة الأنثوية الحديثة وسنحاول رصد الاختلاف عبر جنوسة اللغة إذ يشكل الوسيط اللغوي مؤنث/مذكر هذا الموقف بشكل أو بأخر وبما ان العنونة بحسب تعريفها هي " علامة لغوية تتموقع،في واجهة النص،لتؤدي مجموعة من وظائف تخص انطلوجية النص،ومحتواه وتداوليته في إطار سو سيو- ثقافي خاصا بالمكتوب. وبناء على ذلك فالعنوان من حيث هو تسمية للنص وتعريف به وكشف له، يغدو علامة سيميائية ـتمارس التدليل وتتموقع على الحد الفاصل بين النص والعالم ليصبح نقطة التقاطع الإستراتيجية التي يعبر منها النص إلى العالم والعالم إلى النص لتنتفي الحدود بينهما ويجتاح كل منهما الآخر"([7]) وفي مجموعة "مخاطبات حواء"([8]) نجد ان المجموعة احتوت على عشرين نصا شعريا اثنان منها فقط كان التذكير نصيبا للعنونة فيهما والبقية كانت عناوينها مؤنثة وأتت جميعها خبرا لمبتدأ محذوف تقديره "هذه" وكانت العناوين ضمن السياق التالي(( موسيقى- مخاطبات حواء-تداعيات-نوافل الماء-امرأة ورجل- الملكات-القصيدة –الأغنية الجبلية –أحزان الغضى -التفاحة-غرناطة-الوحشة آتية-ريثما تهدأ العاصفة-المحنة-دنيا-غابة-رؤيا-لواعج)) اما العناوين المذكرة فكانت((دخان- الليل)) وبعد معرفة هذه الإحصائية السريعة نجد ان العنونة للديوان تقوم على مفهوم الارتداد أي ان عنوان المجموعة هو ارتداد لدلالة العناوين الفرعية وهو إشارة كاشفة وتفسيرية لمحتوى النصوص التي في داخل المجموعة الشعرية، فالعنوان يشكل مشيمة المجموعة ويربطها بالحبل السري بقوة، فالعتبات الفرعية تقوم بشحن مشيمة العتبة الرئيسة للمجموعة بطاقة إيحائية سرانية تهدف إلى ارتداد المضمون الشعري برمته في العتبة الرئيسة وتقوم العناوين الفرعية "بمضاعفة القدرة التفسيرية للمتلقي لكونها عتبات تأويلية للنصوص التي تعنونها وبالتالي تسهل الولوج إلى ردهات النص او المقطع النصي "([9]) وهكذا تساعد العناوين الداخلية على أعادة الارتداد للمضمون النصي للنصوص وهنا نجد التمركز الأنثوي للعنونة الفرعية التي توجت بالعنوان الرئيس مخاطبات حواء أي ان مجمل العناوين الفرعية التي مر ذكرها ارتدت لتشكل صياغة أنثوية لخطاب حوائي وهنا عمدت الشاعرة إلى تاء الجمع للمؤنث وهذا بفعل قصدية صياغة موقف أنثوي انطلوجي من اللغة الأبوية التي سيطرت على اللغة حسب مفهوم النقد النسوي من هنا تسعى الشاعرة بشرى البستاني إلى إعادة كتابة لغتها بعيدا عن تحيز اللغة الذكورية "ان كون اللغة أنثى من جانبها الدلالي يشكل دلالة مركبة تسعى إلى تشكيل قطب دلالي تتناسل منه بقية الدلالات الجانبية وكما نشعر بتلك العلاقة العضوية بين المرأة واللغة فكلتاهما أنثى اكتنز النص بهما وبفعلهما لقد اكتسبت اللغة فستانا نسائيا ابيض وتزينت بالشعر الأنثوي وكتبت المرأة نصها وذاتها"([10]) إذ تشكل العناوين الأنثوية بمجملها رصدا فكريا لخطاب حواء الوجودي. وإذا عدنا سريعا لعناوين النصوص في المجموعة سنجدها تشكل نسقا لخطاب حوائي انطلوجي إذ هناك عناوين تعمل في جانبها الاركيلوجي حول ترسيخ خطاب حوائي سراني ينطلق من اللغة عبر أنوثة العنونة فعناوين مثل (مخاطبات حواء- التفاحة- رؤيا) تكشف عن نسق فكري متصاعد في صياغة موقف وجودي من العالم والخلق فنص "التفاحة" يعمل ضمن رصيد متشكل في المخيال الذكوري حاولت الشاعرة فيه إعادة إنتاج هذا المشهد الموغل في وجوديته وغنوصيته عبر تزمينة ورسم أبعاد أركولوجية جديدة له وهي هنا تعيد قراءة مساقات المعتقد المقدس في"مساقات الوعي الذكوري، حين اعتبر ان المرأة نصف شيطاني خطاء يقودها إلى العدم ويحرمها من الخلود، فمن هنا جاءت حكاية خطيئة حواء وفقدان ادم فردوسه الإلهي التي وردت في الأدبيات الأسطورية والديانات التوحيدية "([11]) ان هذه التصورات الدوغمائية هي إسقاط ذكوري لقصة التفاحة والخطيئة فالشعر الأنثوي يحاول تقويض هذه المواضعات الدوغمائية ويقدم بدلا عنها تصورا متوازنا يقوم على فهم وجه اخر من الحقيقة وثمة عناوين أخرى ترسم اللغة الشعائرية في المجموعة الشعرية لتعزز خرائط الوجود الأنثوي وتحاول تجلية الشعائر " تداعيات- الوحشة آتية - المحنة - أحزان الغضى". ان هذه العناوين تشكل طقوسية تمنح اللغة بعدا أسلوبيا خاصا يمتح من سيرة الإقصاء ويعمل على تقويضها بأقنعة جمالية. ان لهذه الخصوصية الأسلوبية في جانبها التشكيلي والدلالي بعدا يسعى لكشف فداحة الخطاب الذكوري في بعده العملي، ودعوة إلى التأمل في البدايات للعهد الأمومي وكيف انه حقق "موجوديته البدائية بشكل تلقائي على عكس الوعي الذكوري الذي حقق موجودية تطورت بالقوة ([12])" ان تواشج وتناغم الموقف الأنثوي يقوم على هذه التفاصيل التي ولدت بالفطرة وليس بالقوة فهذه العناوين تعطي بعدا تتجلى فاعليته في إعادة رسم المعرفي ورفض المواضعات الأحادية .

وفي نص "الرؤيا" الذي يأتي ليعزز بنائية النص الأنثوي وتمركزه حول أنوثة العنونة يعود ليرسم مراحل فكرية للخطاب الأنثوي في لغة شعرية احتشدت بكثير من التمثلات للعالم والخطيئة التي تشكلت في الوعي الذكوري .في نص رؤيا نجد ان هذا العنوان يعمل على إيجاد مساحته الخاصة التي تعمل على سرد تفاصيل خائفة تحاول الخروج والانعتاق من سلطة الذكورة، فالرؤيا هي"ما يرى في النوم،وجمعه رؤى، وقد يطلق لفظ الرؤى على أحلام اليقظة. فالرؤيا بالخيال وهي مختصة بما يكون في النوم "([13])، والرؤيا لدى المبدع هي عمق الوعي بالذات والعالم والاحداث لدى الشاعرة، هذا الوعي الذي تعبر من خلاله عن مواقفها من الوجود والانسان والأشياء،سواء فيما تكتب أو في قراءتها لنصوص الآخرين. ان الرؤيا هنا تتيح سلاسل من البوح الحذر، انه بوح مشوب بالارتباك لوعيه بما يحيط به من خطر ومحاذير، ونلمح مفردة السور التي شكلت بؤرة مركزية حين يصعد رأسٌ فوق هذا السور:

 رأسٌ فوق السورِ يفتش عن رؤيا

عن جسدٍ،

أو جيدٍ يتشكل فيه..

فالرأس الأنثوي هنا نكرة تفيد الشمولية، وهو رأسٌ يبحث عن بلورة وعي يمكنه من تشكيل رؤىً واضحة لقراراته ومواقفه من الحياة تجعله قادرا على المواجهة والمقاومة، لقد شكلت هذه العناوين تمركزا واضحا ومدخلا لعالم حواء وجذره الفكري وما تريده من اللغة بوصفها وسيطا عبر العالم فهي تحاول كشف أنوثة اللغة في قصديتها العالية وتأنيث العنونة برمتها، فمخاطبات حواء هي معجم أنثوي يكشف عن كينونة الأنثى الشاعرة وترسيخ لأنوية هذه الأنثى والذات، ومجموعة من العوالم الأنثوية التي تصور طبيعة المرأة وعلاقتها بالعالم . إن مجموع ثمانية عشر عنوانا أنثويا تمثل صوتا عاليا أمام عنوانين مذكرين وكأنَّ الشاعرة بهذه المضاعفات تعمل على تعويض ما لحق بلغة الأنوثة من إقصاء وتغييب، مؤمنة أن اللغة ليست منجزاً ذكوريا حسب كما تؤكد في محاضرتها، بل هي منجز شارك في صنعه الرجال والنساء عبر التاريخ. وهنا تلوح دلالة الصوت أمام ذكورة اللغة المتمركزة حول خطابها الإبداعي. وهكذا تكون غائية النص الأنثوي إعادة كتابة لتاريخ اللغة المغيبة والمستلبة عبر اللغة الشعائرية .

إن غائية اللغة الأنثوية وطرق تمثلها للغة تشكل إعادة رسم لخارطة اللغة،وإعادة رسم لجنوسة اللغة الأدبية في معناها العام والنصية بمعناها الخاص، وهكذا تصبح نصوص بشرى البستاني نصوصا تسعى إلى إضاءة المغيب والغائب من منظور أنثوي، فتتحول عملية الصوغ الشعري للغة تاريخا جديدا لماهية الشعر الأنثوي. فترسخ النصوص مبدأ تجاوز وإعادة صياغة جماليات اللغة، إذ ان اللغة لم تعد محايدة لدى الشاعرة، ومحاولة إعادة صياغة المعجم الأنثوي في النص الشعري، فكمُّ العناوين المؤنثة يشكل خارطة مغايرة تقوم على فهم وظيفة اللغة بوصفها ناقلا للتاريخ والجمال،ولكن من زاوية حوارية لتقدم مشروعا مغايرا ومتجاوزا للدوغمائية الذكورية.

التمركز حول الذاكرة :

تمثل الذاكرة في النص الشعري الأنثوي حياة لها عدة وجوه تغادر الأنثى صوبها دوما لتعيد إحياء زمن مستقطع من حياتها المعيشة، إذ إن الذاكرة تشكل خزينا لكل ما هو حقيقي، فالذاكرة تحتفظ دوما بما يعين على مواصلة الرؤيا الشعرية للعالم ومن هنا نجد ان الذاكرة تعمل بعدة وجوه زمنية، فهي زمن يعاد إنتاجه بكل دقائقه ليتحول إلى زمن معيش " فهي من جهة تقدم لنا لوحة عن بقايا الماضي وآثاره، كما تقدم لنا من جهة أخرى وفي هذه اللوحة نفسها معالم المستقبل، نظراً لأن الذاكرة تبتدع بحد ذاتها مستقبلها الخاص "([14]) ومن هنا تسعى الذاكرة الأنثوية إلى إعادة إنتاجٍ للزمن وهذا يتجلى عبر الإحساس العميق بالزمن وإعادة برمجته ليكون من ذكريات تستدعى من مخزون الأرشيف إلى صور وإحساسات تنثال حول زمن حقيقي ومعاش؛ بل تعطي الأنثى تلك اللحظات إحساسا مكثفا بالزمن لتحوله إلى زمن يعاش مستقبلا بفعل النشوة التي تلم بمشاعر الأنثى ومن هنا يتم التلاعب القصدي بمفهوم الزمن والتلاعب بدفق الديمومة البروغسونية، فالزمن الماضي لدى الشاعرة يتحول إلى دفق مستمر رغم مضيه، فالزمن الماضي لا يعد (زمناً منقضياً، أو ذكرى ميتة لا يمكن استعادتها، أو بعث الحياة من رمادها المتجهم، بل هو على العكس من ذلك تماماً حيوات متفردة وطاقة روحية جياشة، وهو أيضاً زمن يكتظ بالدلالة والغنى والتوتر)([15]) ان الذاكرة بوصفها بعدا يضاف لتقانات النص الأنثوي يسعى إلى إيجاد مفاهيم فيزيقية للزمن وهذا ما نجده في نص الشاعرة بشرى البستاني في نص "مخاطبات حواء" وهو النص الأطول بين جميع النصوص إذ يستغرق ربع مساحة المجموعة الشعرية ويحمل عنوان المجموعة أيضا، إذ نجد ان النص ينهض عبر إعادة تكرار لفعل "قلت" الذي يتكرر" 62" مرة وهو المذكر بدلالاته المعجمية والسياقية والصورية والذاكراتية .

ان تكرار الفعل "قلتَ" يشكل البؤرة التي تتمركز حولها مجموعة من طقوس حادة التذكر من خلال إعادة رسم ملامح المشاهد التي تسترجعها الذاكرة لتتحول تلك المشاهد من بعدها الماضوي إلى فعل يعاد إنتاجه وإعادة عيشه من جديد ان هذا النوع من الذاكرة التي تمسك بكل هذا الكم من الاسترجاعات هي ذاكرة حادة تمارس الصحو المدمر. ان الذاكرة الأنثوية لا تتعامل مع الزمن الماضي بوصفه موتا بل انها تعيد إحياء التفاصيل المخفية في زوايا الزمن ليتحول الزمن الشعري إلى زمن يعج بحيوات مهرولة نحو أماكنها وبشاعرية كبيرة .

إن تكرار الفعل "قلتَ" يشير إلى بُعدٍ أجناسي محمل بالذكورة التي تستدعيها وفق اشتراطات المخيلة الأنثوية حصرا وعبر لعبة الذاكرة . بيد أنها لعبة أقنعة نحوية فقط . ان دلالة المذكر لا تعدو ان تكون قناعا نحويا تستخدمه الشاعرة؛ لأن التفاصيل الحادة التي تأتي بعد الفعل قلت تقدم صورا مشبعة بطقس أنثوي متعين بالعديد من الدلالات السياقية داخل النص، فالمضمرات التي تشكل بيئة النص في بعدها السوسيو- نصي تحيل إلى طقوس مشبعة بالشعائرية الأنثوية والتي حاولت الشاعرة فيها ان تكون حاضرة بقصدية خلف القناع النحوي. إذ يقوم النص هنا بالتعكز على المخزون الذاكراتي حيث يتردد الفعل "قلت" بشكل يمثل حشدا دلاليا وتتمركز أنوثة النص على فعل التذكر الأنثوي ويكون ممتدا بشكل أفقي وعمودي ليشمل اللغة وتفاصيل الزمن، ومن هنا تسعى النصوص الأنثوية لبعث الحركة وإعادة تركيبها وفق رؤية أنثوية تحاول التمركز حول الذاكرة بوصفها فعل احتماء وتعويض وإعادة حياة في زمن يتفوضى فيه العالم والزمن على حد سواء، فتكون الذاكرة وإعادة إنتاج التفاصيل وإعادة التمركز حول الذاكرة أمراً جليّاً، ليكون للنص حركية ذات خصوصية شفافة وعبر اللغة وبعيدا عن مفهوم حيادية اللغة، إذ "أن اللغة ليست أبداً بريئة، فالكلمات ذات ذاكرة ثانية تظل تلحّ على مثولها من خلال المعاني الجديدة،والكتابة بدقة هي هذه المصالحة بين الحرية والتذكر، إنها الحرية التي تتذكّر وليست حّرة إلا في لحظة الاختيار" ([16]) وذلك من خلال إعادة إنتاجٍ وإحياءٍ لزمن مضى في مفهومه الفيزيقي، بيد انه يعاد إلى واجهة الفعل الشعري. ان الشاعرة تصرخ بصوت الإنسان العالي قائلة "أنا سجينة" لكنها بلغة الشعر الرفيعة تقول "يارهينة المحبسين" تعبر عن العزلة المطلقة عن السجن وباعترافٍ سافرٍ من الرجل، وتبحث عن الوحدة التي تعيد اليها الضياء الروحي . ان في روح الشاعرة عتمةً موجعة إذ تقول البستاني :

"قلتَ:

يا رهينة المحبسين خذيني

ادخلْ ملكوتَ محبسيكِ

ليصيرا أربعة

ونصيرَ داخل الأربعة واحداً

الوجد وأنا.

والأغنيةُ وأنت"([17])

إن التمركز حول الذاكرة يستدعي الإمساك بكل تفاصيل الحدث، فهو حدث يعاد إنتاجه وفق المخيلة الأنثوية التي تبعث فيه أبعاداً دلالية جديدة تضاف إلى ما جرى، فيتحول إلى ما يجري وهو بفعل استدامة المخزون الذاكراتي، فالصورة الشعرية هنا تساق نحو إنتاج طقس من الذاكرة ينهض عبر اللغة وسياقها العاطفي وثم تعمد الى اللغة الشعرية لرسم جديد للأرشيف الأنثوي، فالتناص الحاصل مع بيت تسمية أبي العلاء برهين المحبسين يسحب النص إلى مساحة دلالية بكر تقوم الشاعرة بملأ المساحة وفق زمنها المعاش الآن، فملكوت الأنثى وسرها الخالد والإشكالي يحوِّلُ الأربعة إلى واحدٍ وفق صوغ شعري يهدف إلى كشف راهنية الزمن وتحويله إلى دفق مستمر يشع بالديمومة السرمدية فتكون الأطراف الأربعة هي الوجدُ وأنا \ والأغنية وأنت وهذه الأطراف الأربعة تشكل معادلة طرفها الأول الأنثى الشاعرة والطرف الثاني هو الأغنية وهي أنت وثم تتحول الأطراف الأربعة إلى طرفين فقط . فتنهض من خلال بعث الحياة في زمن مضى ليتحول إلى ديمومة بفعل التمركز حول فعل الذاكرة والاحتماء بها لمواجهة زمن آخر يحضر بقوة .

إن الأنوثة هي الحب والتصوف وهي هذا الانسجام المتوحد مع الذكورة بمعناها الشفاف،وهي القوة الخلاقة والإبداع المعبر عن الفرح والتضرع والعبادة، انها الغناء التعبيري والموسيقى الكونية إنها الشعر والشاعر وهي التجلي الذي يعانق الإيمان ويحتوي الكون،وهي الابتهال الخالدُ الذي توجههُ الشاعرةُ للحياة والحرية، والأنوثة وعي وضياء ونقاء وخصوبة، كما ان حضور الرقم أربعة متواشجا مع الأنوثة له دلالة انطلوجية تحاول الشاعرة من خلاله الترميز إلى عناصر كونية تخص هذا الرمز، اذ انه يرتبط بكثير من الاعراف الكونية إن جاز التعبير من مثل : الفصول الاربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف، وعناصر التكوين الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار؛ لأنها تجمع كلً هذه العناصر البانية للحياة في مخاطباتها.

 إن الأنوثة ضياء يتألق، إنها السحر وطقسه وجمال الإيمان وهي كمال الفعل الكوني في الزمان والمكان كما تعد الأنوثة قوة ومهارة وخصوبة واتساعا وبمعناها الميتافيزيقي تعني سرا من الأسرار الإلهية:

"وقلتَ لي...

قطا الحزن يقتاتُ عشبَ الذاكرةْ

قطا الحزن يغوص في رمل الروحِ

ثم ينكفئ ببركة دمْ

 فافتحي لروحك روحي..

كي تتسعَ أروقة الكون.."([18])

 إن الأنوثة في شعر البستاني هي سرُّ الكون الثري برموزه إنها ميلاد الكون وهي ثمر الإبداع وهي الأصلُ وكلُّ أصل هو سر، إنها أسطورة . إن الأنوثة تخلق كل ما هو سامٍ وفائق، إنها تنطلق بالجوهر المكنون في خفايا النفس الإنسانية ومنها يتدفق الضياء وتتفجر الطاقات. إنها البناء الكامل والنموذج المثال لما تحمل في ثناياها الروحية من حب وسلام وتناسق وانسجام، إنها العمل الفني. لهذا فان الشاعرة تعتبر الأنثى والذكر توأمين هما الليل والنهار يجسدان معا الطاقة الكونية المتدفقة . ان الشاعرة ترفض لغة الدم والحرب والصراع الذي يتجلى في طبيعة العالم اليوم التي مسخت فيه جمالية الحياة بفعل عوامل عديدة، إنها تنشد التناغم الوجودي الغائب في العدم، المنسي بفداحة كبيرة . فالذكريات التي تستلها الشاعرة تكشف " هيمنة نوعية للذاكرة الأنثوية على الزمن لأن الذاكرة تخزن تقنياتها وآثارها وكنوزها بعيداً عن خطر الزمن وتأثيره، فهي تحتفظ داخل فضائها الخاص بزمن له كيان خاص، ومن إبداعي لا يخضع لآليات الزمن العام، ويحتفظ بموجوداته وحالاته وأحداثه بمنأى عن آليات تطور الزمن العام وانتقاله من حال إلى حال"([19]) ان الشاعرة تعتبر الذاكرة قصرا شاسعا يمنحها شعورا بالأمان الدافئ في محيط العالم الموغل في العتمة . ان هذه الذكريات ليست إلا غذاءً روحياً مرغوبا . وان ما يحفظ هذه الذكريات هو هذا الرقي الجوهري الذي تتسم به روح الشعر وهو الذي حول الماضي إلى حاضر تتنزه فيه روح الشاعرة بلا توقف بطقوس فائقة الجمال يندمج فيها الماضي بالحاضر في الكمال المطلق الذي لا يحجبه أي ضباب .

بستان المخاطبة /شعائرية الكوجيتو المتصدع:

   في مجموعة مخاطبات حواء تمركزات نوعية تقوم على حشد شعائرية الخطيئة التي تلبست بها الأنوثة عبر رحلتها نزولا من الجنة إلى الأرض وتبدو نصوص البستاني هنا مثل بستان شعائري يحمل كما كبيرا من أشكال الخطيئة التي تأخذ عدة صور وعدة وجوه تحاول الشاعرة فيها صياغة رؤيا الخطيئة وكشف الغائب منها، فالمخيال الذكوري يحاكم سيرة الأنوثة من خلال الخطيئة/ التفاحة وما نتج عن ذلك من تصورات ارتبطت بالتفاحة /الخطيئة. إن صوغها الشعري يتأسس على طقوسية الكوجيتو المتصدع لتدخل في إعادة صياغة الأنوثة بوصفها معادلا لا يقلُّ بأي درجة عن الذكورة التي تشيد رؤيتها للأنوثة من خلال الخطيئة. ان تلك التصورات التي بقيت محكومة بتأويل ذكوري للنص الديني رسخت صورة نمطية تحاول الكتابة الأنثوية إعادة النظر فيها من أجل التماس الأدلة العرفانية لتقويض تلك التصورات الباطلة بواسطة اللغة الشعائرية واستعراضاً للخطيئة/التفاحة في بستان الوجود. فنصوص البستاني بستانُ مخاطبات/ متوتر عرفانيا، إذ تتحول المخاطبة وفعل الكتابة بوصفه شكلا من أشكال الخروج من حيز الخطاب إلى حيز الفعل فيكون الخطاب الحوائي بمجرد تدوينه " شروعاً بالتحرر من أغلال الصمت الذي فرضته اشتراطات عدة وليس الرجل وحده، فكثيرا ما نجد الرجل أو شرائح متعددة من الرجال يدخلون في دائرة الاضطهاد ذاتها حين تكون منظومة الاستبداد واحدة "([20]) ان البستاني تصوغ بستان وجودها الأنثوي وتعري تاريخ الكوجيتو لتصل الى ترميم كوجيتو الأنوثة الذي يبدو للوهلة الأولى وهو منظور إليه، متصدعا ومتلبسا بالخطيئة الأولى التي ظلت تحكم تاريخها الجمالي والروحي وهي تسعى إلى الانجاز العرفاني وتستعير رؤية المتصوفة للأنوثة بوصفها بستاناً ومحلا تكوينيا تنطلق منه كل أجزاء العالم، فاللغة الشعائرية تناسب طقس الخطيئة . إن عنوان المجموعة يحيل على اللغة الشعائرية التي تسعى من خلالها الشاعرة إلى عرض ثنائية تاريخية يتصورها البعض ضدية بفعل المهيمنات الذكورية للغة والعالم، بيد ان العنوان لدى بشرى البستاني يشتغل وفق رؤية مغايرة تقوم على الحوار، لكنه يبدو حوارا صامتا بحكم هيمنته التي تتمُّ بنعومةٍ وشاعرية، إذ انه زمنُ الكلام الأنثوي فقط لان الذكورة تكلمت كثيرا وحان وقتها لتلقي السمعَ فقط وتتأمل هذه المخاطبات في تجلياتها الطقوسية. ان المخاطبة تستدعي بالضرورة طرفا اخر لكن هذا الطرف سيكون خاضعا لاشتراطات جديدة، بيد ان هذه الاشتراطات تُنجَزُ داخل المتن الشعري الحوائي بلغة شعائرية ويمكن، تلمس شعائرية الكوجيتو من خلال حشد كمٍّ كبير من المفردات التي شكلت معجما شعائريا:

" التلاشي - رهينة المحبسين - ملكوت- مطفأةٌ عيونُ التفاح - في الجب عيناك - بورق الجنة دثريني- التفاح مصلوب على الأغصان - رذاذ التكوين- المعراج - من يعيدني للطين - الرجال يرتلون الحمد حول غيومها - هبطت من كف الأفق - الهي اله السماء - التفاحة -الخطيئة –ثوبك الأسود "

إن هذه الاختيارات من كمٍّ كبير من المفردات يشكل معجم لغة شعائرية تقدم اللغة الأنثوية بشكل آخر تعى الشاعرة من خلاله إلى تشكيل معجم حوائي يعكس تصورها للسر الوجودي ويعيد صياغة الخطيئة ويخرجها من حيز العبارة القصصية إلى حيز تأويلي لوقائعية التفاحة /الخطيئة. ان المعجم الحوائي يسعى إلى ترميم الكوجيتو الحوائي بصورة عامة وإعادة بناء الحقيقة الذكورية .

إن نصوص البستاني تنطلق من رؤيا أنثوية متمركزة حول حقيقة مغايرة، لها ما يشدُّ بنيانها النصي والمعرفي، انه إعادة اكتشاف للسر الوجودي وتتم إعادة الصياغة للغة في بعدها التكويني والايكلوجي. ان اللغة الشعائرية هي لغة الخطيئة/التفاحة فالمخاطبات هي بستانُ الخطيئة وشعائريتها فكل " مخاطبة وكلّ قول يخاطب به الإنسان غيره، فهو إما يقتضي به شيئا مّا وإمّا يعطيه به شيئا مّا. والذي يعطي به الإنسان غيره شيئا مّا، فهو قول جازم إمّا إيجاب وإمّا سلب، " ([21]) وهنا تخرج البستاني بدلالة المخاطبات من المعنى اللساني إلى فضاء اخر تشكّلُ فيه مضمرات معرفية على مستوى الأنساق التاريخية والجمالية والدينية والعرفية. ان دلالة المخاطبات التي ترتبط بحواء تحاول الوصول إلى اكبر توتر شعائري ممكن لتتحول المسافة التي تشكلت في بستان الوجود الى صورة تقوم على التذوق العرفاني. ونجد مباشرة ان المجموعة تقدم نفسها من خلال العتبة النصية الرئيسة لهذه المجموعة وهي مقولة لابن عربي حول الأنوثة من كتابه فصوص الحكم " فكن على أي مذهب شئت فانك لا تجد إلا التأنيث يتقدم، حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم، والعلة مؤنثة. وأما حكمة الطيب وجعله بعد النساء فلما في النساء من روائح التكوين فان أطيب الطيب عناق الحبيب "([22]) فمن العنوان وعتبة ابن عربي تسعى البستاني إلى إعادة تقييم لبستان الوجود وما أثمر عنه من ضديات وهمية خلخلت سياق المعرفة الانطولوجية بماهية الأنوثة //الذكورة وكيف تحولت لضديات تناسلت منها ضديات أخرى كرست بشكل كبير علاقة تضاد حكمتْ صيرورة التحولات المعرفية البايلوجية والجمالية، فاللغة الشعائرية التي تقدم بها البستاني نصوصها محكومة ببناء وترميم الكوجيتو المتصدع تاريخيا، وهي بهذا تحاول رصد اشد اللحظات إحراجا للتصور الذكوري من خلال اللغة العرفانية. إن هذه العتبة التاريخية العرفانية تنهض بنفسها في إعادة تدوين الوقائع عرفانيا بعيدا عن مفاهيم التاريخ وزيف الوقائع المغيبة بفعل سلطة تحيل سياقات القصص المتعلقة بآدم وحواء عليهما السلام، فتذوّقُ المتصوفة للأنوثة يقوم على بعد انطولوجي يجعل الأنثى الجذر التكويني الأول لكل ما هو خارج من الحياة وداخل فيها بفعل كينونتها المتجاوزة للماهية الذكورية. ونجد في مقولة ابن عربي ان العطر هو عطر الأنوثة الذي هو عطر التكوين الأول يشعُّ قويا وساحرا على كل شيء يحيطُ به، وإذا عدنا لجمع دلالة العنوان المركب في المخاطبات وحواء، إذ ترى بشرى البستاني ان الفعل الشعري يتمُّ انجازه في النص الأنثوي بمجرد الشروع بالمخاطبة، فالتدوين هو صوت كينونة وهو فعلٌ خلاقٌ للانا التي تنعتق من قيومية الاخر المضادة والتي تحتمي بفهم وقائعي/ تاريخي،من هذا التأسيس والانعتاق تنطلق رؤيا البستاني للأنوثة بوصفها مرتكزا ومحلا لمساقط الوجود بكليتها، تعيينا وتخصيصا يقوم على فرادة لا تتغير ولا تتبدل، تحاول الشاعرة من خلالها تسليط موجات ضوئية مهولة على تاريخ محتدم من التأويلات التاريخية والدينية، والمستمرة بفعل ذكورية اللغة وتهميش بستان الوجود الخاص بالتاريخ الأنثوي بوصفه محلا للتكوين، وبما ان الأنثى لدى المتصوفة هي صاحبة محل التكوين والمحل لدى ابن عربي هو " تسمية تخص كل ما تغلب عليه الأنوثة لما يتمتع به من استعداد وقابلية وإمكان ليحتل المرتبة التي ترجع إلى المرأة، يقول شيخ العارفين: وأشبهت المرأة الطبيعة من كونها محلا للانفعال فيها وليس للرجل ذلك، فإن الرجل يلقي الماء في الرحم لا غير والرحم محل التكوين والخلق، فتظهر أعيان ذلك النوع في الأنثى لقبولها التكوين. الاستعداد للقبول خاصية ذاتية تميز المحل،وبفعل هذه الخاصية وجد الكون لأن كل الموجودات هي قوابل ومحال باستثناء الله"([23]) فتصور المحل يقوم على أبعاد الاسم الحوائي إذ ان اسم حواء في بعده المعجمي يحيل على أم الأحياء أول إمرأة في التاريخ الإنساني، فهو من مصدر حوى - وحياة أو الذي يحوي الحياة في داخله، وهذه الصفة تطابق معنى اسم حواء حيث انها تحوي الحياة في داخلها وتجمع واستدرار وانقبض،وهو اسم عبراني معناه: أم الأحياء . إن المقدرة التكوينية في صيرورة الانفعال هي القابلية على التكوين وهي ما ذهب إليه ابن عربي نفسه من تقديم الأنوثة على الذكورة مخالفا وقائع التاريخ الفقهي الظاهري .

إذ تقول الشاعرة:

" هذا دأبكَ ..ما خاتلتَ

ولا كذّبتَ الرؤيا

منذ اختار الله الكونْ

 بيتاً للأشياءِ

ومنذ غزاك الإنسانُ

 وجرَّح فيك جذوعَ النخل"([24])

فالأنوثة هنا هي المائزة في طبيعة بنيتها وسرانية محل التكوين الوجودي، فهي ذات طبيعة متجاوزة بالقوة الكامنة في بنيتها وهذا ما تراه الشاعرة وتقيم توازيا بين محل الكون بوصفه بيتا للأشياء وبين طبيعتها المشابهة أي طبيعتها الحاوية للسر الوجودي:

" أهداني الرجلُ الصمتَ

واهديته الخمرة"([25])

فالصمت هنا بوصفه التجاء إلى النبع الأول للإنسان . الصمت هو البياض غير المشوه، هو الداخل غير المدنس . انه العودة إلى بدايات الطفولة الوجودية،إن للصمت ترميزا اكبر يتجلى من خلال سلب الحقوق وهدم وقلب وحراثة التاريخ بمزاج فكري لتتحول الأنثى إلى كائن صامت لا يجيد سوى التحديق،وليكون ما أهدته الأنوثة للذكورة هو الخمرة بيد انها خمرة مختلفة إنها خمرة السر الأنثوي.

لا تلتفتي وراءك ذئبْ

لا تتقدمي..

أمامك هاويةْ

كيف ستفصحُ الوردةُ عن جرحها اذن"([26])

في هذه المخاطبة الطقوسية تجنح اللغة الى انحلال العوالم وذوبانها في طاقة خفية متخلية تعمل على إعطاء الصورة الشعرية مركزية شعائرية وفي المخاطبة الطقوسية تسعى الشاعرة الى أن يكون النص الشعري الأنثوي موصولا ككتابة طبيعية بالصوت وبالنفس، حسب تفريق جاك دريدا بين الكتابة ذات الطبيعة الغراماتولوجية المتعلقة بالكتابة ومقابلها البنويمالوجي المتعلق بالروح والنفس الإلهي، فهي كتابة شعائرية، وأقرب ما يمكن من الصوت المقدس الداخلي، صوت الإعلان الإيماني، الصوت الذي يسمعه المرء عندما يفيء إلى ذاته: حضور مليء وحقيقي للكلام الإلهي الموجه إلى شعورنا الجواني.([27]) يمكن هنا ان نشير الى ان فعل الكتابة الأنثوية ينعتق من حدود البعد الغرافي للكتابة فهي هنا تنجز انوجادها المرتهن بوقائعية التاريخ فالكتابة الأنثوية تنحت وجودها عبر عوالم جوانية تعيد فعل الكتابة إلى صيرورته الأولى خارج حدود التزمين فهذه السابقة تؤسس للصوت الطفولي القادم من أعماق الإنسان انه صوت الشاعرة الأنثوي الذي ينبع من عوالم لا يهيمن عليها العقل، انه عالم الوجود الداخلي الذي هو أكبرُ من العقل، فصوت الوحشة والتغريب الذي تعيشه الأنثى يُسمع من تلك العوالم الجوانية للشعر وطبيعته المتعالية المشتبكة بالفزع والقلق الوجودي .

ان تسليط موجات كمية من الضوء على عتبة التكوين الوجودي بوصفه فعلا انطولوجيا ينحدر منه العالم على اعتباره منطلقا لحضور العوالم الأخرى لتكون في حلقة توزن في تجلياتها الايكولوجية. ان انجاز الكوجيتو عبر الفعل الشعري ينهض عبر حشد كمٍّ من العتبات التكوينية متبادلة بين طرفين ينبغي إعادة التوازن في سياق العلاقة التي تربط بعدها الوجودي، فبستان الوجود لدى الشاعرة يحتلُّ مرتبة مركزية مهمة في سلم الصوغ الشعري إذ تقول الشاعرة عن فعل الكتابة الأنثوية وخصوصيته فالكتابة" إفضاء والإفضاء تعبير عن امتلاء وثراء، وذلك أول مفاتيح الحل، والكتابة هوية وديمومة وخطاب، والخطاب سلطة، والسلطة حضور بقوة، وإملاءٌ لأوامر كانت مسكوتا عنها، والسلطة صوت، وهذا الصوت بالنسبة للمرأة كان في طي الكتمان خشية أو رهبة أوتقية، والصوت إفصاح وعلامة وكشف عن الذات، إنه الهوية وقد تجلت"([28]) إن الكتابة الأنثوية هي فعل عودة والتحام متصل بالمقدس ونابع من العودة دوما إلى الغيب إذ تتحول الكتابة في النص الأنثوي إلى فعل ينجز الكوجيتو عبر بستان الوجود من خلال مخاطبة تأخذ شكل طقوسية خطابية/حوارية شعائرية .

 

للاطلاع

مُخاطبات حواء / ا. د. بشرى البستاني

 

د. قيس عمر محمد

.............................

المصادر والمراجع:

 الكتب

اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د.إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة (2)، الكويت، 1978 .

الجنسانية أسطورة البدء المقدس، منير الحافظ، دار الفر قد . سورية –دمشق، 2008.

سادنات القمر، سرانية النص الشعري الأنثوي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، 2010

سرد الجسد وغواية اللغة قراءة في حركية السرد الأنثوي وتجربة المعنى، الأخضر بن السايح .

الصوت الآخر الجوهر الحواري للخطاب الأدبي، فاضل ثامر، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1992. في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1990.

العقل الشعري،خزعل الماجدي. دار الشؤون الثقافية – بغداد –ج1،

في الفلسفة والشعر، مارتن هيدجر، ترجمة، عثمان امين، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة،

في نظرية العنونة مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، خالد حسين حسين،التكوين للنشر دمشق 2007.

 المرأة واللغة،عبدا لله الغذامي، درار توبقال 2010، ط1

اللغة المنسية، أريك فروم، ترجمة حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء 1992.

مخاطبات حواء، بشرى البستاني،شمس للنشر والتوزيع،القاهرة،ط1،0 2011.

المعجم الفلسفي،جميل صليبا،منشورات ذوي القربى ج1،

الوعي الجسدي الإشارات الجمالية في طقوس الخلاص الجسدي، منير الحافظ، دار النايا، سوريا ط1،2012

الرسائل الجامعية:

الذاكرة نصّـاً في الشعر العراقي الحديثــ التجربة الشعرية عند الروّاد ــأطروحة دكتوراه، فاتن عبد الجبار جواد الحياني، كلية التربية للبنات/جامعة بغداد 006 2.

  الدوريات والأنترنيت:

إبداع المرأة بين الخصوصية والسؤال موقع الحوار المتمدن بشرى البستاني .

انترنيت: رسالة في الحروف الفارابي: http://ar.wikisource.org/wiki.

المرآة أو حضرة الأنوثة في فكر ابن عربي، نزهة براضة،مجلة مدارات فلسفية عدد 4.

 

.................................

([1]) ينظر: الوعي الجسدي، الإشارات الجمالية في طقوس الخلاص الجسدي، منير الحافظ، دار النايا، سوريا ط1
، 2012:  18.

(([2] سادنات القمر،محمد العباس، دار الانتشار العربي :10.

(([3] العقل الشعري،خزعل الماجدي. دار الشؤون الثقافية – بغداد –ج1 :120.

([4]) مخاطبات حواء، بشرى البستاني،شمس للنشر والتوزيع،القاهرة،ط1،0 201.

([5]) الصوت الآخر الجوهر الحواري للخطاب الأدبي، فاضل ثامر،دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1992: 32

([6]) في الفلسفة والشعر، مارتن هيدجر، ترجمة، عثمان امين، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة :87 .

([7]) في نظرية العنونة مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، خالد حسين حسين،التكوين للنشر دمشق   2007 :77-78 .

([8]) مخاطبات حواء، بشرى البستاني، شمس للنشر والتوزيع،القاهرة، ط1،0 201.

([9])  في نظرية العنونة مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، خالد حسين حسين،التكوين للنشر دمشق   2007 :83 .

([10]) ينظر : المرأة واللغة،عبدا لله الغذامي:198وينظر:سرد الجسد وغواية اللغة قراءة في حركية السرد الأنثوي وتجربة المعنى،الأخضر بن السايح :108 .

([11])  الجنسانية أسطورة البدء المقدس، منير الحافظ، دار الفر قد . سورية –دمشق، 2008: 110.

(([12]  ينظر: الجنسانية  اسطورة البدء :9.

(([13] - المعجم الفلسفي،جميل صليبا،منشورات ذوي القربى ج1،:604.

([14])  اللغة المنسية، أريك فروم، ترجمة حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء 87:1992.

(([15]  في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1990 :41 .

([16]) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د.إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة (2)، الكويت، 1978 :140.

(([17] مخاطبات حواء؛ بشرى البستاني :9.

([18])  مخاطبات حواء:11.

([19]) الذاكرة نصّـاًفي الشعر العراقي الحديثــ التجربة الشعرية عند الروّاد ــأطروحة تقدمت بها فاتن عبد الجبار جواد الحياني إلى مجلس كلية التربية للبنات/جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه 006 2:  23.

([20])   انترنت : إبداع المرأة بين الخصوصية والسؤال موقع الحوار المتمدن بشرى البستاني .

( ([21]انترنيت : رسالة في الحروف الفارابي: http://ar.wikisource.org/wiki .

(([22] مخاطبات حواء: عتبة .

([23]) المرآة أو حضرة الأنوثة في فكر ابن عربي مجلة مدارات فلسفية  عدد 4 نزهة براضة .

(([24] مخاطبات حواء:117 .

([25]) المصدر نفسه: 95 .

(([26] مخاطبات حواء، 67.

([27]) ينظر: سادنات القمر:88 .

([28]) إبداع المرأة بين الخصوصية والسؤال الحوار المتمدن بشرى البستاني .

 

 

 

أولاً: المقدمة: لقد تم إدراج هذه المجموعة القصصية / تجاعيد زمن / تحت تجنيس قصص قصيرة جداً، ولي على هذه التسمية ملاحظة، اخترت أن تكون في المقدمة، لإنصاف هذه المجموعة القصصية، وغيرها مما يُدرج تحت هذا المسمى ...

إن القص القصير جداً هو قص ذاتي بحبكة، وتعتبر تلك الحبكة خطوطاً رئيسية لقصة قصيرة، فلو أدخلنا عليها العناصر السردية والبناء الجمالي، من أسلوب وصور وعلم الجمال والبلاغة والحوار (عمق أدبي)، لصارت قصاً قصيراً.. إذاً لا يجوز أن نقول قص قصير جداً، بل نقول قص مكثّف .

وكلمة مكثّف تدخل القص عمقاً، وتدخله طائلة القص القصير وهذا العمق، إما أن يكون خيالياً (انزياح)، أو عمقاً رمزياً (مذاهب أدبية)، لذلك يدخل تحت جلباب القص القصيرقسراً شكلاً مضموناً رمزياً مخبوءاً، والعكس يعود بنا نحو حبكة إخبارية صحفية، لا قيمة ادبية فيها بل تقرير اخباري فقط.

الأديبة عبير العطار، عرفتها قاصة وشاعرة، وقريباً روائية، تتميز كتاباتها بعاطفة جياشة، وعمق في المعنى، وأناقة في المبنى ...

ويسرني جداً أن أعرض مجموعتها هذه لنقد براغماتي، وسآتي على تبيان ملامحه في السياق.

ثانياً - الشكل البصري:

بالمجمل الكتاب مجموعة من القصص المكثفة، تخلّلتها أعمدة رمزية تشير إلى بناء فني مخبوء بعناصر قص واضحة (صراع درمي، عقدة، انفراج نهاية)

التزمت فيها الكاتبة بالشمكل النموذجي للقص المكثف، ترتيب العنوان والسطور والجمل والفقرات والاعمدة الرمزية، واستخدمت أدوات التنقيط، النقطة والفارزة وعلامات التعجب والاستفهام، والهوامش . والنصوص بالمعظم قصص مكثفة وجدانية رمزية بمسحة فلسفية، لذلك خضعت لنظرية الفن للمجتمع، تحت المذهب الرمزي، بذلك تكون كلمة جداً هي دخيلة على القص القصير وهي خطأ ترجمي لنص اجنبي ليس له صلة بعناصر القص والنص العربي، حين تأخذ به نحوالإخبار الخالي من العمق الأدبي، وباتجاه التقرير الإخباري الصحفي (nonfiction)، وهذا الخطأ الترجمي، وقع فيه الغير متبصّرين بالعناصر الأدبية وصار لهم منهاحاً خاطئاً .

1 - البناء الهيكلي أو الفني للنصوص:

العنوان: بوابة الكتاب، ويكون غالباً ملخصاً لمجمل مواضيع المجموعة، / تجاعيد زمن / لفظتان نكرتان ترتبطان مع بعضهما بالعلاقة السببية، الأولى نتيجة سبّبتها الثانية، لندرك أن المضمون قصص تحكيها القاصّة بارتجاع زمني يبدأ من حاضر معاش، ويعود باتجاه الماضي.. باختصار ثنائية / المسبب _ النتيجة /.

 الحبكة العامة للنصوص والزمكانية:

الحبكة العامة في معظم قصص المجموعة تدور حول المرأة بشكل عام، وما تتعرض له من هزائم وخيبات بحق أنوثتها وكيانها، وعاطفتها وتضحياتها ...

إن الزمكانية في القص المكثف، فهو أشبه بلقطة فوتوغرافية، تعبّر عن زمان ومكان متوافقين، إلّا أنها في نفس اللحظة قد تمثل تجربة زمانية كاملة .

في قصة الزهايمر، حيث ذكرت القاصّة الزمان (بعد ثلاثين سنة) والمكان (المقهى) وكانت الزمكانية هي الهيكل الأساسي الذي قام عليه النص (ألزهايمر):

التقيا بعد ثلاثين عاماً، جلسا في المقهى الذي عفا عليه الزمن وجار، تسامرا حتى وقت متأخر والضحكات تملأ المكان وتنثره بالحنين، ثم فاجأته بالسؤال: من أنت ؟.

الصراع الدرامي:

بالنظر للشح السردي البصري الظاهر، نلمح الصراع الدرامي مخبوءاً بأعمدة رمزية، وكأننا أمام تل بالظاهرعلينا صعوده بقفزة واحدة، لنصل إلى المفاجأة الكامنة خلف هذا التل (النهاية المباغتة)، لكن الحقيقة مغايرة تماماً فلذلك التل تفاصيل معروفة ممكن مشاهدتها بصريا ولا حاجة لذكرها فاخذها التكثيف عفوياً، وإذ علينا الوقوف والتفكير ملياً، هذه القفزة الظاهرة نتخطى بها العديد من الحواجز الظاهرة في البناء الفني للقص العادي، وهنا يتضح أن القص المكثف هو نوع صعب المنال والتناول، ويحتاج كاتباً مثقفاً ومتفهماً بصياغة الأعمدة الرمزية، التي تحمل في طياتها معانٍ كثيرة مكبوسة، لو انفرط عقدها لملأت صفحات غير قابلة للعد والحساب.

لنعاين ذلك في نص (النصف المبتور):

رأته في غفلة من الزمن فبكت، هل من المعقول أن تجد نصفها بعد غياب سنين ؟ جرت نحوه وجرى نحوها كقطبين لا حيلة لهما . وقفا يتأملان نفسيهما كمرآة نصفها رجل ونصفها امرأة، ارتسمت على وجهها ابتسامة وعلى وجهه حزن عميق، أدار ظهره ومشى، فقد واجهه الأطباء بأنه لايستطيع .

لننظر إلى شدة التكثيف في عبارة (غفلة من الزمن) فيها سرد درامي مخبوء تم تكثيفه بشدة، نلاحظ تكثيف مشهد اللقاء (كقطبين لا حيلة لها) الموقف بحد ذاته لو كُتب سرداً ظاهرأً لاستهلك عدة أسطر، ننظر إلى عبارة (وقفا يتأملان نفسيهما كمرآة نصفها رجل ونصفها امرأة) هي عمود رمزي عميق جداً، للإشارة إلى التناصف الإنساني بين الرجل والمرأة، أي قسّم لله الدنيا مناصفة بين الذكر والأنثى في كل ممالك الله، ومنها المملكة البشرية، وفي ذلك إشارة إلى الناحية التكاثرية الجنسية، هما ينظران إلى إمكانية اجتماعهما بزواج لإنتاج ذرية، لتأتي العقدة بابتسامة على وجهها (هي سليمة) وعلى وجهه حزن عميق (هو عاجز)

 العقدة:

وعلينا أن نستشفها استشفافاً، من خلال الصراع الدرامي المخبوء في السرد المكثف، لكنها نلمح ذلك في قصة (إغواء):

أمطرتها العذوبة لتوقظ البذور النائمة في حقل القلب..

تثاءبت بكسل، ووتراقصت في انتشاء..

نمت الأوراق فحشاً، فأعلنوا وقت الحصاد.

جاءت العقدة متماهية مع تنامي الحبكة، التي كانت ذات انزياح رمزي كبير جداً، بدأ منذ الاستهلال، علاقة محرمة (زنى)، وصفتهاالكاتبة كعملية زراعية بدأت بالسقي، وانتاش البذور، حتى تشكلت ونمت الأوراق (جنين) في الأحشاء سفاحاً، ولتأتي النهاية متجانسة مع الزرع، النهاية حصاداً، والحصاد من جنس البذر، نهاية مفتوحة قد تكون القتل .

النهاية:

الخاتمة المباغتة لها أهميتها الكبيرة، حيث أن أفق القارئ يكون في هذا الجنس الأدبي مهيّئاً لهذا النوع من المخالفة والمخاتلة. ولا أبالغ إذا قلت أن النهاية في القص المكثف هي العمود والصلب الذي يقوم عليه موضوع النص، وكأن النص ما كان ليُكتب لولاه، وقد تميّزت الكاتبة بإجادة صنع هذه النهايات المباغتة، ننظر في نص (هل من مشتري) كيف نقلتنا الكاتبة فجأة، وأخرجتنا بدهاء من أجواء النص، بعد أن أمعنت بحبكه، وأوهمتنا أن المباع امرأة تتاجر بجسدها، لنفاجأ أنها (صينية) !

تتلكأ في طوافها حول الموائد، تنتهز فرصة الاستجابة لكل حاضر، وتتبادل والبشر كل ما تمليه عليها قائمة الرغبات .

تظل متأهبة باستمرار، لا تعرف الراحة إلا حين تدخل مذبحة الانتهاء بفيض من الماء، وكثير من الصابون المذيّل بالفقاعات، فُتح المزاد وقالوا: صينية من العصر الملكي .

ثالثاً - النسيج الجمالي:

 - 1الأسلوب Style

نلمس لدى الكاتبة مقدرة كبيرة، في استخدام الأعمدة الرمزية، بما يخدم فكرة النص، وهذة حرفنة تحسب للكاتبة، اعتمدت الألفاظ السهلة، لكن التراكيب هي من ملكت صفات العمق والفاعلية، تملك الكاتبة مقدرة في التلاعب بالألفاظ، مكّنتها من صناعة الكلام، بمستوى لغوي جيد .

 - 2السرد Narration:

إن السرد في القص المكثف، هو سرد مخبوء بالتكثيف، لا نرى سرداً ظاهراً باستفاضة، وإنماعمق سردي يتضح فيه عبقرية الكاتب وحرفيته في صياغة الأعمدة الرمزية المعبرة عن فكرته الاساسية، كثافة مفردات وتحميلها معان مفترضة مخبوءة، لو كُتبت ظاهرة، لغطت صفحات وصفحات، ولو تسلسلت تلك الأعمدة المكثفة السردية، لأخذت حبكة وصراع وعقدة ونهاية، وكل ذلك مخبوء بالعمق، وهذا ما يسمى بالعمق الرمزي. فإذا خلا النص القصير من العمق، فهو ليس أدباً، بل حبكة إخبارية لخبر صحفي . والقص المكثف يعتمد العمق الرمزي بالتحدي وترك العنان للتفكر وصياغة الاحتمالات المختلفة من متلق لآخر....

 - 3 الوصف والصور:

إذا كان العمق خيالي، حينها يدخل النص تحت عباءة مذهب من المذاهب الأربعة / الواقعية - الرمزية –الرومانسية– السريالية /ويقترن بالتكثيف، أي يسير بالتوازي مع القسم الأول وتكون له عناصر القص القصير، من صراع درامي وزمكانية وعقدة وانفراج ونهاية، لأن تلك العناصر ذاتية، فهي تدخل بشكل أوتوماتيكي ذاتي دون أن يحس بها الكاتب، لذلك يسمى هكذا نص تنصيص محبوك، لاحتوئه على الحبكة التي تجلب بقية العناصر أتوماتيكياً.القصة المكثفة تكتفي بالنزر القليل من الوصف عن طريق بعض الصفات والنعوت والأحوال وبعض الصور البلاغية .

أشير إلى بعضها في نص (مواجهة):

هاله العذاب، ضرب العقل كفًّا بكف ..هرع إليه دود الرض مكشراً عن أنيابه، تلعثم العقل وتعجب مما أصابه !

سأله دود الأرض متهكّماً: أين قوتك ؟!

كلها استعارات

 - 4البلاغة وعلم البيان والبديع:

والخيال وعلم البيان وعلم البديع، لا نراها في القص المكثف، بل أن جمال القص المكثف مقنّن بالعبارات الرمزية لأنه بصري، وهذا ما يسمى بالاقتصاد أو الإيجاز السردي، وهو أيضاً نوع من البلاغة، وهو عكس الإطناب الذي يعتمد على العبارات الزائدة لتأدية المعنى .

يستخدم الكاتب الأفعال بكثرة، ويقلل من الأوصاف التي تتخذ صفة الاقتضاب والاختزال والتكثيف، فخير الكلام ما قل ودل .

 - 5الحوار Dialogues:

بشكل عام قليل جداً، وإن وجد في بعض النصوص فغالباًهو منولوج داخلي بألفاظ ملائمة وموافقة للشخصية، اعتمد التركيز والسرعة في التعبير والإيجاز.

لنلاحظ ذلك جيداً في نص (كالقمر):

قال لها: أحبك .

صمتت كثيراً، حتى ارتاد غرفة الانعاش .

صرخ أخيراً مطالباً بالإجابة !

قالت بحزم:لا أحب الآفلين.

 

 - 6الشخصيات Characters:

 بالقص المكثف، الموضوع هو الكاشف عن الشخصية لا العكس، لهذا تشيع فيه ظاهرة (البطل – الضمير) وهي في هذه المجموعة واضحة جداً. البطل هو المتسيّد والمتفرّد في النص، وإن وجدت شخصيات أخرى فهي من لدفع الأحداث باتجاه إبراز شخصية البطل،

في نص (تعذيب) كانت الشخصية الثانية (رجل المخابرات) هو المحرّض لإظهارصفات الشخصية الأساسية (المرأة)، مع أن البعض يمكن أن يخلط في تحديد البطل بين الشخصيتين:

بحذائه النظامي، راح يقهر كرامتها لتدله على زوجها المجاهد ضد العدوان، لم تنطق بحرف، فعاود الانتقام بدحس رأسها بكل قوة، نظر في عينيها الذابلتين، وفجأة اختل توازنه أمام صلابة الإرادة.

رابعاً - المداخل النظرية والعلمية التي دخلتُ من خلالها لأعماق النصوص ومخبوءاتها الداخلية في هذا النقد:

1 - المدخل الاستنباطي Inference Empathy Theory:

إن نصوص الكاتبة عبير العطار زاخرة بالحكم والمواعظ الإنسانية، وهي تستحق تشغيل مظاهر الاستنباط والتقمص الوجداني، والتقابل المعرفي بين تجربة الكاتبة وما تحمله من مفاهيم، ومحاكاتها فكرياً مع ما أحمله أنا كناقدة وكاتبة للقص المكثف، أو ما يحمله أي متلقي ذكي يبحث عن مخبوءات النص الرصينة، التي تقوم وتستند على مفاهيم ونظريات علمية وفلسفية، كهذه النظرية الاستنباطية التي تتيح لنا مجال التقمص الوجداني تطبيق تجربتنا الذاتية كشكل مقارن بالتقمص لتجربة الكاتبة، أي أن الناقد إن ملك القدرة والدراية العلمية، على تقمص حالة الأديب السلوكية، بناءً على تجاربه الذاتية السابقة المشابهة والتي مرّ بها الناقد والكاتب، سينتج عن هذا التقمص الإنساني استنباطاً لما يجول في خاطر الأديب، فيستنتج الناقد ويستنبط الأفكار المخبوءة ما بين السطور، وهذا هو الواجب النقدي الأساسي، استخلاص العصارات الفكرية الإنسانية لرسالة الأديب، ونشرها كجزء مهم من المنظومة الأخلاقية للمجتمع، لننظر كيف عالجت الكاتبة موضوع التفاؤل والتشاؤم، والجهل والخوف، في نصين، كيف أفرغت حكمتها ومعتقدها فيهما:

سياسة:

الغراب يقف على أسلاك شائكة، ليس في جعبته ما يملأ الجيوب للرحيل.

استندت الحواجز على ظهر الخوف.. من جهلهم تشاءموا.

نلاحظ اللهجة التهكمية، في توصيف العلاقة بين الخوف والتشاؤم والجهل، وربطها جميعها بالعنوان (سياسة) .

حظك اليوم:

أسرع يقلّب صفحات الجريدة، يبحث بنهم شديد عن حظه اليوم، (وتبقى في الحياة غصة)

ابتسم ليومه، وغادر مصطحباً التفاؤل في حقيبة قلبه.

 الوجه الآخر، التفاؤل رغم كل المحبطات .

 2 - المدخل العقلاني Mentalism Theory:

وهنا يقوم الناقد بالتبحر في النقد من خلال معطيات معرفية سابقة، بعد جمع المعلومات عن النصوص، يقوم بعرضها أو نشرها من خلال هذه البوابة الفكرية العقلانية، ويغني ما لديه من أفكار بالخروج خارج النص من بوابة التناص (texuality) الواسعة نحو أفق المتوازيات ....

هناك العديد من النصوص التي تناصّت فيها الكاتبة مع القرآن الكريم، نذكر منها:

مراهقة متأخرة:

إن وقوف الفراشة على جذع عتيق حرّك في قلبه مشاعر غضة، سمحت له بتقمّص دور الزهرة التي سيمتص رحيقها، ثم دور الشبكة التي سيئد فيها بهجة الفراشة لما اختلج في نفسه حقّه الفردي في امتلاك روحها .

مدّ الجذع أوراقه المتآكلة ليحتضن الفراشة، فسحق الألوان ز

شهد عليه أربعة من الطير، وبفأس البشرية أحالوه مقعداً خشبياً.

 عودة الزعيم:

لملمت روحه المبعثرة بعد انتفاضها من جسده، لتبكي روحه خجلاً..

"أريد الرجوع فهل لفقيرأن يعيرني روحه لنستبدل الأقدار ؟ "

أخبرته ملائكة العذاب:

(الله الغني وأنتم الفقراء)

3 - المدخل الاستفزازي أو السلوكي Behaviorism:

إن الرؤيا البراغماتية تتيح التحليل عن طريق الاستفزاز أو السلوك النفسي للقارئ أو الناقد، حسب المفهوم السلوكي النفسي، حيث يعتمد على عناصرها الأساسية بالبحث عن جميع التساؤلات والجدليات، التي يرفعها الكاتب في عمله الأدبي، والتي تحتاج إلى إجابة أو رد فعل فلسفي أو سياسي ....إلخ .. . من المواضيع الأخرى، أو اشكالية معينة تثير جدلية أو جدليات تغطى بنقاشات مهمة ومفيدة للمتلقي والمجتمع على حد سواء من خلال عناصرها: المحفز Stimulation والاستجابة Response

 ومن هذا المدخل، نفذت إلى بعض النصوص، منها نص (القبر):

أدهشني الجمع الغفير من البشر الحاضرين إلى حيث أتسلّم منهم فقيدهم الغالي الذي ضممته برفق، سالت دموعهم لإيقاظ الفقيد، وانهالت عليه الملائكة بلأسئلة:

_أين أخفيت كتاب أعمالك ؟

 

قبر يتحدّث..! وملائكة تتساءل سؤال عجيب إذ كيف للملائكة أن تسأل الميت عن كتاب أعماله، وكيف يختفي كتاب أعمال الإنسان ؟ وهل لا يُحاسب ؟ نعم الشهيد لا يُحاسب، والصابر لا يحاسب (إنما يُوفى الصابرون أجرهم بدون حساب) .

طرح ذكي جداً يُحسب للكاتبة الرائعة.

 خامساً - البؤرة الثابتة Static Core:

 وتخص أيديولوجية الكاتب الأدبية والفكرية وموضوعة الخاص والثابت كرسالة انسانية موجهة للمجتمع، ونظرته نحو مجتمعه، لا يجوز للناقد تغييرها، أو التلاعب فيها نقدياً، وأراها رسالة تميزت بها الكاتبة عبير العطار، فهي تكتب عن المرأة، وما يلاحقها من خيبات وهزائم في ظل مجتمع ذكوري، لا يعترف بالإنجازات الأنثوية وإن اعترف فلا يقدّرها التقدير الكافي، تحارب الجهل والتخلف من خلال ما تعرضه من قضايا اجتماعية للظلم فيها يد طولى ..وتتبع في سبيل ذلك الأسلوب الرمزي الفلسفي لا يعدم الحكمة والوعظ الخفي .

 سادساً - الاحتمالات المتحركة في النصوص Dynamic Possibilities:

 وهي حصيلة غير نهائية من الأفكار التي تتوالد بشكل تلقائي منتحليل النص بعقلانية وذرائعية حذرة، وتلاقح أفكاره، وتلك السمة التي تسمى بالرصانة أو الحبك في التنصيص، من يجيد تلك الظاهرة يسمى بالنصّاص.

من خلال غوصي في نصوص الكاتبة عبير العطار، في محاولة مني لاستخراج المخبوء من الأفكار، اصطدت الكثير .. واكتفيت بصيدي وتركت ما بقي للماورائيات، أعرض عليكم بعضه:

1 - المعاملة القاسية للمرأة

2 - ضعف كيان المرأة في المجتمع العربي

3 - عدم اعطاء حقوق المرأة كاملة كما نص عليها الدين الإسلامي

4 - منع المراة من ممارسة حريتها بذاتية واحترام

5 - عدم اعطاء حق المساواة للمرأة بالرجل في الحقوق والواجبات

6 - المرأة في الحروب هي المستهدف الرئيسي، وهي الضحية الأولى.

7 - في ظل الفهم الخاطئ للشرع، تتعرض المرأة للطعن في صميم أنوثتها عندما يتزوج عليها زوجها، دون أي اعتبارات للأذى النفسي الذي يلحقه بها، في جحود واضح .

8 - كما أن الطلاق يظل العصا التي تُهدّد به، سيما وأنها في الغالب تضطر لتقبّل المر والعيش بنكد، خوفاً من فقدانها الإعالة، أو خوفاً من فقدانها أولادها، في ظل مجتمع يسوده قوانين مجحفة في حق المطلقات عموماً.

9 - عرضها أول ما تُهدّد به .، ولكم ولباقي النقاد أن تختلفوا معي أو تتفقوا، لا يهم، لأن ما اصطده هو احتمالات متحركة تقبل الموافقة والمخالفة ...

أثارت الكاتبة في نصوصها العديد من القضايا والمواضيع، وضعتنا في مواجهتها بطريقة قاسية نوعاً ما، ولكن الواقع أشد قساوة، فما تعانيه المرأة في مجتمعاتنا كبير جدأ، والحلول المطروحة كانت حيرة وانهزام، عناوين القصص كان ذات وقع قوي ومؤلم، (وأد الكرامة، الخداع، وهم الانفصال، النصف المبتور، أحلام الشعب الطائر، فصام قلبي، طلقة طائشة، قيد بالإرادة، .....إلخ) حتى عنوان المجموعة نفسها (تجاعيد زمن) ينزّ حسرة ...

ما لفتني جداً الإهداء:

أهدي قصصي إلى الحياة

كي تنزع عنها التجاعيد

وتظل مثمرة إلى الأبد .

 إهداء حزين .. ودعوة إلى الأمل.. تدعو الحياة إلى الأمل ...!

حياة من؟ هي تدعو نفسها، وتدعو كل امرأة أغرقتها الحياة بعجزها ....

 

 

سابعاً - الخلقية الأخلاقية للنصوص أو الثيمة Moral Background or Theme:

لقد نجحت الكاتبة في إبراز مظاهر المجتمع، ووظفت الكثير من أدواتها، لتنتج الأدب الرصين، لم تتعرض للمنظومات العامة للمجتمع من أديان وأعراف والقوانين، لذلك كانت نصوصها ملتزمة أخلاقياً، لم أجد فيها خروجاً عن الأخلاق أو الأعراف، لم تعرض لمواضيع طائفية، ولا لمواضيع عرقية، بل كانت عقلانية في رؤيتها الفكرية، ما جعلها محترمة للتنصيص الأدبي الرصين، وملتزمة بأخلاقية الأدب الحقيقي، فلا يُسمح بالتجاوز على منظومة الأخلاق العالمية، كما لا يسمح بالتجاوز على القوانين والأعراف لمجتمع في المعمورة ومحترماً لمبدأ الأدب الملتزم Doctrine of Compensation.....

سابعاً – الخاتمة:

لايسعني في النهاية إلا أن أتقدم بالتهنئة للكاتبة الرائعة عبير العطار على هذا المؤلف الماتع، منتظرين منها نتاجات أخرى بأجناس الأدب الأخرى، ننتظر الرواية ....

تحياتي للجميع .

 

د. عبير خالد يحيي.

 

  

 

 

 

‏‫من جهاز الـ iPhone الخاص بي

في عوالم شعرية منظور تجربة الشاعر طالب عبد العزيز تلعب الفاتحة العنوانية دالا استراتيجيا حاسما لكونها تشكل منطقة انفتاح دليل العنونة الدلالية نحو تشعبات ذلك الموجه الغيابي المدلولي في تحققات تقلبات غيبانية التنصيص الشعري لدى تجربة الشاعر . وتبعا لهذا نفهم من هذا الشروع بأن الفاتحة العنوانية كالخاتمة المضمونية إلا إن احدهما تأتي قبل الكلام والأخرى بعده .. غير أننا ونحن نطالع دوال قصيدة (أسفل الفنار) نستدرك بأن خاصية البنية العنوانية ما هي إلا مطلعيات تقنينية مميزة حيث تنطوي من خلالها مقدمات توصيفية يجرى من عبرها المقصود الدلالي نحو أصداء حالات مفترضات الخطاب الشعري وفقا لمستوى علاقات مضمرة الوظيفة التناسبية والتعاضدية . ونستنتج من هذه المقدمة والتي تمركزت حول ثيمة (البنية العنوانية) والتي فيها تندرج الفاتحة النصية ضمن عملية تغييب أفق التوقع القرائي وبوظائف أخذت تستجمعها مشروطية حركية الدوال في معلوم مسبقات التصدير التشكيلي الكامن في شعرية ذلك الانزياح اللغوي والتوظيفي العسير من زمن أحوال النص .

(التقطيع الزمني للوقائع الوظيفية النصية) 

تعتبر مسألة (تقطيع النص) على درجة كبيرة من التعقيد البنائي في مجريات تراتيبية احتواء الواقعة الوظيفية الكامنة في مسار نمو النص زمنيا .. فالخطاب الشعري مثلا في قصيدة (أسفل الفنار) تختلف موجهاته الموضوعية عن باقي نصوص الشاعر نظرا لطبيعتها الكيفية في التكثيف والإيحاء والمزاح توصيفا:

في الأرض التي ينخرها

البحر منذ الآف السنين

في البلاد الفقيرة النائية ..

حيث الريح شرقية دائما .

أن هذه الفاتحة النصية لربما تضللنا بما يحمله الموجه القصدي من انزياح وعدول، فاستخدام جملة: (في الأرض التي ينخرها) تقدم لنا اشارات اسلوبية واحوالية يبنى عليها كونا مؤولا، فضلا عن ذلك فإن هذه الفاتحة النصية باعتبارها نقطة الانطلاق نحو منطقة دليل الانفتاح، إذ تعلن ومنذ البداية عن فضاء شراكة عاملية الزمن / المكان / المكابدة وصولا الى مرمى جملة (منذ الآف السنين) فتصبح الظرفية الزمانية هنا حالا يتقصد مقام مكبوتات المرجعية المكانية لتأخذ بدورها فعلا توصيفيا الى مفعولية واقعة فضائية من شأنها ضبط معطياتها الإجرائية داخل نواة رحمية تمتص مختلف دوافعها ومحفزاتها الأنوية ضمن منظومة وحداتها المختزلية والاستدعائية: (في البلاد الفقيرة النائية ــ حيث الريح شرقية دائما) من هنا تنعكس فاتحة النص العنوانية على شبكة فواتح النص المقطعية الأولى من خلال عضوية الاشارات الأحوالية الكامنة في محصلات ترسيمة هذه الجمل (أسفل الفنار: في الأرض التي ينخرها البحر ــ منذ الآف السنين ــ في البلاد الفقيرة النائية ــ الريح شرقية دائما) ويمكن أن تعتبر اشارية دلالة العنونة (أسفل الفنار) انعكاسا لرغبة الشاعر الأزلية في حلول مواجد ذكرى مكبوتات داخلية وطاقات ترميزية أخذت تكمن فيها سلطة اختزال المعطيات النصية .

والمعابر من خشب ..

وجذوع مائلة

حيث يمحو المد الأول

أسماء السفن والصيادين

حيث يكون المطر غضا

وجديدا على الإسفلت .

تستعين هنا الذات الشاعرة بما تيسر من معطيات المكانية / الزمانية لإنجاز فعل التوصيف الشعري وترتيب حالات الأشياء ووضعها ضمن صيانة حساسيته وطقسه أي الشاعر بدلالات تعويضية وانتقالية من شأنها ضم ادوات الرؤية ومساحاتها الإضافية نحو مصير طابع دلالة الصورة الإجرائية (والمعابر من خشب ــ وجذوع مائلة) فالأشياء هنا تتجه الى المناطق والمساحات المنفية والتي تطالب فيها الذات الشاعرة بالكشف وصولا الى تعامدات وتفاعلات وغيابات (حيث يمحو المد الأول ــ أسماء السفن والصيادين) بما يؤلف رؤية قاطعة تحدد وجهات ومعطيات إجرائية فضاء الخارج الشعري الذي راح يتبنى بحلوليته المكانية والطقسية محو رسومية التشكيلات الأولى قبل زمن حلولية (المد الأول) وعلى هذا النحو يتجه الشاعر في سياق ما راح يضفي منه القدر المطلوب من روحية المغايرة المعنوية والمادية المتركزة بين مجلى البرقية الأولى (حيث يكون المطر غضا) والمجلى الآخر من برقية القراءة الثانية (وجديدا على الإسفلت) . أن مساحة البرقية الأولى تشكل في ابعادها الأيقونية حالة إقصاء وكشف فراح يسعى منها الشاعر لدخول علامة التصريح بالحدود والآفاق التي راح يعمل دال المطر ضمن اطارها الاحتمالي الواجد .

البؤرة التي تتحصن فيها خصوصية المشار إليه

يطل الراوي الشعري في مقاطع قصيدة الشاعر إطلالة تشكيلية جديدة عبر مجموعة برقيات صورية تحتشد من خلالها خفايا الصفات البالغة لتتصل اتصالا تواصليا مكملا لشبكة تعارضات دواله المطرية الفعلية اللاحقة:

في الأزقة العتيقة الرطبة

حيث يتأخر بائعو الزيت

في مكان شبه آمن

حيث لا يفكر أحد بالرجوع

مثلما لا يفكر أحد

بتوقف المطر

يعكس دال (المطر) أعلانا بتعطيل الحركة وعلى نحو اشد إيغالا من دلالة الجملة (الأزقة العتيقة الرطبة) مما يوحي لنا باختزال وحدات الزمان والمكان والذوات بالرغبة في إرجاء الوصول (حيث يتأخر بائعو الزيت ــ في مكان شبه آمن) أن الصورتين الفعليتين في منظومة التوصيف أخذت تشتغلان على وحدة النسق الانتظاري / التوقيعي لتكشفان عن فعالية كوة مخالفة جدل الانتظار والترقب (لا يفكر أحد بالرجوع) فيما تظهر الأخرى بموازاة هذه الصورة (ومثلما لا يفكر أحد ــ بتوقف المطر) وتبعا لهذا الأمر نجد مركزية البؤرة المطرية وهي تديم جدل صراعية فعل التعطيل في مساق صورة محنة (بائعو الزيت / الأزقة العتيقة الرطبة) ويبدو أن بفعل هطول المطر في تلك الأمكنة الرطبة بات أفق التيه يشكل حضورا نهائيا في فكرة الدليل القصدي المرهون بمخطط الأولية التصديرية من فاتحة النص (في الأرض التي ينخرها البحر ــ منذ الآف السنين) .

أسفل الفنار / المنظومة الغيابية المركزة

تعود دلالة مرجعية البنية العنوانية (أسفل الفنار) الى حدود غيبانية من فكرة ذبول حركية الصور والدوال والعلامات الشعرية الواصفة وصولا الى فضاء أعماق الذاكرة الشخصانية ومضاعفاتها بتكرار دال (الانتظار / الإغتراب)و لاشك في إن تصدير هذه البؤرة المركزة أضحى يشكل مساحة مضافة من أفق الإقصاء والمحو والتغييب .

هناك دائما

أسفل الفنار

حيث تخلد الأشرعة الممزقة

أكون قد انتظرتك كثيرا

ستكون المرافىء آمنة

نهاية الأسبوع

وفي القصب المحترق الندي

ذكرى أخ ميت .

أن هذه الطريقة في بناء دلالة المنظومة الغيابية تشكل بحد ذاتها خطاطة مجردة للتركيبة النفسية بصياغة هذه الجملة (هناك دائما) فكل ما في هذه الإرسالية الزمنية / الاحوالية يحيل نحو مرجعية ذاكراتية مدركة من خلال نموذج هذه الدوال الغيابية: (تخلد / الأشرعة / الممزقة / القصب المحترق / نهاية الأسبوع / ذكرى / أخ ميت) أن حركية هذه العلامات الغيبانية يشتمل فيها على ما يؤسس تمظهرات حياة الفقدان والغياب والرحيل فيما تتشكل من خلالها جملة الأفعال وردود الأفعال . فهذه النماذج في غناها وتنوعها تشكل الغطاء المرئي للبناء الدلالي المتكامل في منطوق الوصلات القصدية الكامنة في مصاغ الملموس من لغة المستهدف المدلولي .

جداول تائهة

وصفصاف غريب

حيث لا تبعد عبادان كثيرا

أكون وحدي قد أفلت

مع الشطان والغرباء والقناديل .

مرة أخرى تتحول العلامات الاغترابية بالشاعر الى أوطان مفترضة من فاعلية وحشة الدوال الواصفة: (جداول تائهة ــ وصفصاف غريب) وحيث تسير هذه الاستجابية الموحشة في إحالات الأشياء نحو التشكيل المكاني تحديدا (حيث لا تبعد عبادان كثيرا) وصولا الى اعتماد الشاعر عبر كل طاقاته الذهنية والنفسية الى تقديم صورة انفلاته مع احساسه وتأمله لموضوعة جامدية وغربة واقعة الأشياء (مع الشطان والغرباء والقناديل) أن الصورة الشعرية استنادا الى هذه المقومات والاعتبارات أخذت في مهمتها الأولى على جعل البنية العنوانية مستقرا في خدمة غيبانية النص .. أي ذلك الاحساس القرائي منا والذي غدا ينشأ تماهيا مع ما تمليه تجربة ورؤية النص الشعورية والنفسية والفنية بالغيابات والفقدان والعزلة والانتشالية القسرية في زوايا فلسفة تماثل الحلم الذي يعيد المرء فيه توازنه الحضوري بين الممكن واللاممكن والمرئي واللامرئي والمنتهي واللامنتهي فضلا عن هذه الخواطر فإننا نعاين خطيا مساحة زمنية النص ومكانيته ذات التمفصلات في الثابت من الواقع وذلك اللاثبات في مواطن الآخر المسكون بعبق الأمكنة وروائح رطوبة القناطر والشبابيك الموصدة حلما وأعواد قصب البردي الذي بات يتمظهر  في نواة الأشياء المعزولة غيابا وحلما .

ومثلما يفزع الأوز

اصطخاب السلاسل على المرسى

يفزعني الحنين إليك

فتعال .

صبية بسنوات سبع

يفتحون لك الباب

و لبلاب ينهمر ظله

على وجهك .

أن الشاعر هنا أخذ وعبر مقاطع قصيدته يشحذ جل طاقاته الوظيفية المصورة والمتشكلة بموجب التناسقية التوصيفية القاهرة والمؤثرة والدقيقة والساحرة . فإن هذه الدوال المتقاربة في شعرية هذه المقاطع لا تقوم بنقل عضوية الصوري في الخطاب بل أنها راحت تقدمها داخل ايقونة حسية ذات تأثيرات جمالية مركزة الدال والدليل والاداة والمخيلة .

تعليق القراءة

لقد بدت الرؤية الى صورة الأشياء وقراءة الأشياء وأحوالها ومواقفها من خلال قصيدة الشاعر تحليلا مسهبا تبادلت فيه التعريفات كمفاهيم متراصة لبراهين وجود صورة الأشياء في هيئة زمكانية ذواتية / استجابية مؤولة . وهذا الأمر ما جعل الشاعر مدفوعا نحو ترجمة آفاقه الحسية والأحوالية والرؤيوية الى جملة تداعيات غيبانية بمحاوراتها النواتية مع ذلك الآخر الذي بات يشكل في خطية النص ذلك السؤال والاسلوب والاداة .

الحرف الأول من الفجر

خلف الثكنة التي تغرق

مر مطلع كل شهر

مقبرة جنود الحرب العظمى

بشواهداها الزنخة

حيث تفسخ الزمن

حجارون سيخ،

وعتالون

من أقصى الشرق .

 

ومن خلال تخاذلات المقصودية وصفا حاسما لغرائبية غير مقصودة دليلا . إذ لم تكن وضعية هذه الصور إلا موضوعا استثنائيا لفعل مرور التأويل والأفتراض سرا متعاليا . أن طالب عبد العزيز في قصيدة (أسفل الفنار) راح يقدم حالات تبدو بمثابة الانتزاع الناتج عن المواقف انتظارا وعلى حين غرى يبدو الشاعر وكأنه يقدم مجموعة إرساليات ملازمة لحالة حلمية أو ذاكراتية شاقة .

يطوي العمانيون أشرعتهم

كأنهم أعالي البحار

تبضعوا تمرا وبصلا

وخمرا قبل قليل

نصراني عجوز أسمه إيليا

يبيعهم على المرسى

سترى الخليج يضيق

كلما كنت ضجرا وحزينا .

أن برقيات وعلامات لغة الآخر هي دائما تشكل بذاتها امكانيات ما لدخول الذات الساردة في فصولها المحاورة لموقعية أفق الأشياء والظواهر التي لا يمكن أن تكون بديلا فراغيا للذات الواصفة بل انها تتوضع نسقيا الى كياناتها وضماناتها الدلالية القصوى المحتملة . وعلى هذا الأساس راح طالب عبد العزيز يعرج بإحالاته الدلالية نحو مواطن الذات المتعقبة في رؤياها العلاماتية المحققة لديه الكفاية العلائقية الدالة والرامزة نحو نموذجها المقارب في القول والرؤية أي من حيث القربى لحيثيات مشهده القصدي .

و قبل أن يوصيك المطر بشيء

ستسمع صرير نوافذ فندق العابرين

بغرفاته الألف ..

هنا تبدو القابلية الرمزية متضمنة لأستجابة أحوالية معينة . إذ أن القارىء لها لربما يواجه تفوقات إيحائية بعيدة يتقصدها الشاعر فيما تتجلى لدينا الحاجة كقراء الى المزيد من معاينة ربطية إيهامية من شأنها توظيف الموقف الإفعالي الواصف في صورة المقاطع الرامزة وعلى نحو يحدث فينا جمالية الاستجابة لفروقات ومعطى هذا النموذج الذي يقول فيه الشاعر: (وقبل أن يوصيك المطر بشيء / ستسمع صرير نوافذ فندق العابرين / بغرفاته الألف) وبخلاف ما يمكن فهمه هنا من دلالات هذه الفقرات الشعرية الماقبل الأخيرة من زمن النص يمكننا التعامل وإياها بالملاحظة المتحققة والمتعقبة لمدار الموجود رمزا ووصفا والمتضمن معنى ما قد يبدو أكثر غورا دالا من أفق احتمالية وتوقعات أدوات مقروئنا المقالي هذا .

سأكون مدهونة بالشمس والنيلوفر

مثل هياكل من أبنوس

و ستسمع ارتطام الرغبات

بالجسد

مثل ارتطام الظل بالظل

ياه ..

أضيق من بحر، هذا الألم .

بهكذا مقاطع يختتم الشاعر قصيدته (أسفل الفنار) حيث تتمظهر روح التشاكلية الوصفية الحاذقة في فضاء شعرية راح يرسم لها طالب عبد العزيز أجواءها عبر نسقين متضامنين: النسق الأول الفضاء الوصفي الذي راح يضع الذات الواصفة كمحور مركز في مناخ تقلبات النص . أما النسق الثاني فهو الفضاء الغيابي الذي راح يصل بالذات الشاعرة الى أقصى محطات التمرغ بتحققات غيبانية الحضور الإجرائي بعناصره السردية والمشهدية والخطابية والتي ارتفعت باللغة الشعرية المزاحة الى أقصى درجات اختزالها وثرائها الدلالي والإحالي والرمزي والقناعي والذاكراتي .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

عن دار النسيم للنشر والتوزيع في القاهرة / مصر، صدرت المجموعة الشعرية للشاعر مصطفى محمد غريب " همٌ علمني شراكة الأسى " تحتوي المجموعة على (28) قصيدة  سطرت على (158) صفحة من الحجم الوسط وهي تعتبر الثانية عشر من المجوعات الشعرية التي أصدرها الشاعر مصطفى محمد غريب خلال مسيرته الأدبية ترجمت 3 منها الى اللغة النرويجية وقصائد الى الكردية ولم تقتصر الإصدارات على الشعر فحسب بل على 3 روايات و 4 مجموعات قصصية قصيرة..  همٌ علمني شراكة الأسى ترسيك فوراً من العنوان على واقع مرير لكنه إنساني وهي تتناول لوحة القيم الإنسانية بمختلف أشكالها وعمق جوهرها ولا بد من القول أن التدرج في تناول الجدول الزمني لحالات التفرد بالموضوعيات شكلت هاجساً في تعقب الحالات الانفعالية بنتائجها الملموسة أحياناً والهلامية في الشكل لا في الجوهر أحياناً أخرى وبخاصة القصيدتين " نبوءة بحيرة الفكر في أحلام اليقظة " و " محاولات للدخول في يوم المحشر " فقصيدة نبوءة بحيرة..الخ تبدأ بمقطع يكاد أن يكون مدخلاً لمتاهات فكرية لكنها ملموسة، مقطع (نبوءة ترصد الدوران: هذا المقطع يدخلنا فوراً إلى فضاء الفكرة التي توصي بالبحث " لا شيء يوقف هذا الدوران/ لا شيء يُثَبت أو يمنع هذا التنوير/ ليس لهم طاقة في التوقيف/ إن كان لحين.. فالمطلق في الحركة/" البداية يعني بها الشاعر على الرغم من صور المتاهة فهو يرسم صورة لحركة الكون والمجتمع في آن واحد حيث يتداخل المرئي واللامرئي في عملية امتزاج وكأنها وحدة متراصة لكنها تتحرك بتطور الحركة نفسها المرئي الملموس لا يغيب اللاملموس بل العكس فه يظهره على أشكال هندسية كقاعدة للملموس " يدخل في الثالوث المبني خلف السور الرمزي في عرف التنجيم على أشخاص فيهم رائحة الأرض/ ورائحة الأمطار / ورائحة الأشجار/ ورائحة البحر / ورائحة الشمس على الكون فتبدو كل تلال البيت الوردي الممتد على الساحل كالخرز البنية في جوف الجب المظلم" أليس الشمس هي صاحبة ديمومة الحياة على من يحيط بها؟ وهي الملموس لقيم البقاء بينما يبقى العدم غير ملموس حتى يظهر في موت الأحياء في "الجب المظلم " وبعثرة الموجودات تحت طائلة التغيرات في الطبيعة.. المقطع في القصيدة يتصيد بهدوء تعاريج التناقضات فيمر على الحرب وقتل الإنسان الصانع للحرب وفق مصالحه الضيقة ويحلل مفهوم السلم " أليس طريق السلم طريق الخير بناء العقل؟" لكنه في الوقت نفسه يستنكر الحرب المتناقضة مع السلم " هذي الحرب الملعونة/ آلاف ضحايا من بلدي / تلك الحرب المجنونة / تٌثني أرجلها كي تشرب ماءً وتعود على مقربةٍ من سور البيت" بلده العراق الذي هو تحت طائلة ليس حرب واحدة بل حروب عديدة داخلية وخارجية قبل قيام الدولة العراقية الحديثة او قبلها الا ان هذه الحروب التي ادت الى تراجع في اطار كافة الصعد على جميع المستويات في عهد نظام البعث / صدام حسين تحولت الى مشروع طائفي اخذ يتغلغل وينتشر ليخلق وباء حرب جديدة في توجهاتها وقيمها اللاانسانية " الموت يدق الأبواب / القتل المتراس الثابت فوق الأعشاب/ الموت يلاحق حتى الحشرات" هو القتل الذي أصبح قانوناً حياتياً ترعاه عناصر الجحيم الوراثية على شكل لعنات " اللعنة قاموس الناموس/ أن تلعن من عمق القلب" يبدو ان الطرق وعر لا بل وعر جداً فالمصاب الذي شهده ويشاهده الناس هو تسلسل تاريخي صنع بحرفية والاستعانة بالأمثال عبارة عن زورق للنجاة من مستنقع التكرار" وجهٌ ممصوصٌ من جوع تاريخي ص7" هو لا يعني المفرد بل الجمع العام والوعي التاريخي " القتل زمان الحكمة ان تذبح كالكبش/ وَتَقشر كالمشاش/ احيناً قرباناً" إلا أن القربان يدعو التاريخ " إبراهيم القادم من أقصى العالم او من اور/ يلبس سروالاً أمريكياً / يعلك لباناً للفتوى/ ويقاتل في حرب ليس لها منفعة للناس/ ويقاتل في زمن السلم"، لابد من الاعتراف بعد التقصي ان الشاعر حاول جهد الامكان من الوصول الى حقيقة ان الوقوف سلبية يختلف عن التوقف للمعرفة ث م بعد ذلك " الدوران القادم محتوم بالحتمية/ دورانٌ في كل الابواب" ثم يواصل بدينامكية شعرية بعيدا عن التعقيد والطلسمية" الواقف اعزل/ الواقف لن يقبل بالحركة/ الواقف لا مستقبل فيه " ويقم شاعرنا الحل البسيط الذ يكمن بيد الانسان وبعقله وارادتها فيعلن " المستقبل للحركة / الدوران هو الغالب/ لكن في المشي الى قُدَّام".

الانتقال للمقطع الثاني من القصيدة " نبوءة الانتقال الى الرؤيا " عبارة عن سلسلة من حلقات مترابطة تكاد تحاكي التجربة الملازمة في البحث فيبدأ " مر الوقت ثقيلاً، احتاج النقلةْ/ حتى ساهم فيها.. عربونٌ من وعدٍ صار على مقربةٍ من رحلات العربات الليليةْ" النقلة بمعناها المجاز في تصور الرحلات الفكرية التي تحاول الانتقال من محطة الى اخرى كرحلات مرحية تريد الوصول الى الاهداف " - كيف هو الماء/ نغسل فيه خطايانا/ نركب فيه الرحلات/ نعبث بالغايات.. الماء سلالات ومسلات/ الطوفان على الأبواب/ كيف هي الرؤيا؟.. أبعادٌ في هندسة القادم" فكان الجواب الملموس على الرغم من رمزية الاستفسار التي تزيد من دهشة البحث وتصر المعرفة " - كيف تهيج الأمواج ونحن جلوسّ ! / كيف تهب الريح على مقياسٍ لا نتحركْ!" ويستمر المقطع في الانتقال ما بين البحث والتقصي وبين دهشة الرمز المنساق مع مفاصل المقطع الثاني فالانتقال يعني التوجه لحوار الاسئلة الحياتية المطروحة عن اصل الماء والتكوين، والطوفان الذي من اهدافه غسل الموجودات، ثم التمثل بالمخلوقات وجمال الموجودات البشرية " قال الصوفي - سيدتي بائعة الورد / أنت رقيقة كالغصنِ/ أنت عميقة كالجبِ/ أنت الزيتون الأخضر/ لونك لون العين/ وثناياك مثال البلسم للجرحِ ".. هذا البحث المفرط في الوصول الى اجوبة حار بها العقل الانساني بقى يلازم القصيدة بجميع مقاطعها ولم يتركها الا ليضع المسؤولية على المتلقي ان يجد ام يتوصل بقناعة الى الاجوبة ولو بشكل نسبي " - أن الوقت ثمين/ والتدقيق علامات التخزين/ التخزين قدوم للتسخين" الانتشار ليس في العقول فحسب بل في الموجودات "وانتشرتْ في الشوك زهورٌ حمراء/ لا شوك بدون الأزهار/ لا أزهار بدون الشوك البري/ الباقي من ركن الوقت/ هو محسوبْ/ الباقي من ركن العقل/ هو مكتوب/ الباقي من ذاك الأمل الباقي/ مرغوب" الانتقال من مزايا الاسئلة لنوع من الاجوبة تؤكده قدرة الشاعر في الكشف عن سبباً آخراً في عذاب الانسان " قالت حسناء الشاطئ - الجوع أساس الظلمِ، والجوع رفيق العتمة، ما من جوعٍ مر بلا أثرٍ، ما من جوعٍ كان بلا ماموث ملعونْ/ ماموث المال المتقنفذ/ حيث الآلاف تجوع.. حيث مزارع من حنطة ترمى في البحر المالح" لكن الانتظار يتجلى بفطرة الرؤيا للمعرفة " وبقى يونس في المركب/ ينتظر الإبحار إلى أقطاب الدنيا/ من كان يوازي النطفة في الرحم؟ يعبث بالأصل إلى الفصلِ/ المقاطع الاخرى تبقى تبحث وتشد القراء للوصول الى المعرفة كي يستطيعوا معرفة الحقيقة ولكي فعليك ان تصرخ لا تبقى تفكر بهدوء الى الابد " لكن الحكمة أن يستيقظ من أور/ ويقول تعلمنا من مجرى التاريخ/ التاريخ المصنوع بأيدي الناس " وبهذا التعلم ومعرفة القدرة الجماعية والفردية للتغيير تكون المحاولة الجادة " -  قولوا في صوتٍ واحد/ أن نستيقظ دون التأخير/ الفئران على الأبواب/ قرب المدن الموجوعةْ من راس المال وَكُتاب السلطان/ طغيان مواعظ في شكل فتاوى سرية" وهنا كان الجواب على الرغم من قصره لكن هو محاولة لتجذير فكرة القصيد بمقاطعها " قال الرجل الجالس قرب الزقورة - التاريخ المصنوع بجهد الناس/ قال الصوت المعلن - من  وعي الإنسان، يبنى المستقبل، تتحقق أحلام اليقظة، يتحقق حلم الإنسان/ قال الرجل الجالس قرب الزقورة - من  وعي الإنسان، يبنى المستقبل/ تتحقق أحلام اليقظة/ يتحقق حلم الإنسان".. لكن هل اكتفى الشاعر مصطفى غريب بهذه القصيدة للوصول لهدف الانسان الباحث عن في المستقبل او ما بعد الحيواة الدنيا ، هو لم يكتف بذلك والقصيدة الثانية دليل ايجابي على ما نقوله حيث صورها منذ البداية بالعنوان التالي.......

محاولات للدخول إلى يوم المحشر

- 1 -

في رزمة هذا الزمن المتوحش بالغدر،

تنام ذئاب القرية عند الأبواب،

لا تبرحها،

تأكل جيف الموجودات، تتأقلم قطعان الأغنام على مقرُبةٍ من ضوء القمر الشاحب،

في شكلٍ تهريجي،

حتى ترتاح من التجوالِ طويلاً، تبحثُ عن عشبٍ بين شعابِ الأرض الجرداء، الراعي الغائب من ضربةِ شمسٍ، يلبس درعاً من صوفٍ ابيض، لا يفهم في العلم، لا يفقه بالدين، لم يلمسْ امرأةً، ويراقب أفواه نساء القريةْ، تهمس أصوات القرية - لا تسأل عنا، نحن هنا في الدرب حفاة، نحلم بالأقمار السبعة، وبحارٍ لا أصل لها في الخارطةِ الأرضيةْ، نغرق في النسيانْ، حتى لا نتعذب من هجران، أو من مكر النصابين،

هم أفاقون ودجالون،

لا أخلاق ولا دين لهم،

وحثالات رجالٍ في الحيلةِ منصوبين،

وجرابيع رثةْ، تتكاثرُ في جحر الأشواكْ،

كان الراعي يتلظى من همس نساء القرية، يعرف أن الهمس خبيثْ، الهمس المتراخي المغموس دسيسةْ، الهمس المجذوب من الأطراف، فالوحدة بئرٌ مغموسٌ بالزئبقْ، لا قعر ولا قاع لهُ، كان يتابع طول الوقت، من عمرٍ يركض نحو مغيب العمر، هذا اللقلق حط على مئذنة الجامع، راح يضرب منقاراً يفتح شرخاً في الذاكرة المرعوبة، تتبادل أنثاه الموقع، تتحجل حتى لا تتّعب، وترف جنحاً واحدْ، الرجل الواقف عند جدار الجامع ، متحفز للتصريح ، متيقظ دوماً، متلصص أفواه النطق، يقرأ في الأعين، يعطي أدعيةً، الراعي يتحاشاه، يقلقه التحديق اللامرئي، لا يخشاه ويخشى نزف نزوح الروح، يتلفت في الغيم القادم من ناحية الشرق، الغيم القادم من خلف القمة، غيمٌ لا يمطر، إن أمطر لا ينفع زرعاً، هذا التخمين من الراعي " لا يمطر أو يمطر لا فرق"

لن تزهر أرضْ،

وتجف الأعين،

سيمر سحاب قاحلْ،

وسخام حادْ،

لا نقطة ماء تنزل،

ستجف الأرحامْ،

تنفق كل دواب الأرض،

يأتي زمنٌ يهرب منه الناس، زمنٌ في غيمٍ متطرف، همجٌ في الأصقاع، والأبواب على ألوان الأتربة ألحنيةْ، تغلق منذ الفجر، حتى منتصف الليل، لا أشواق هنا، وتنام ذئاب القرية في حجر الأصحاب، وتطوف عليهمْ أحلام اليقظة، في القرية نوحٌ يستيقظ مذعوراً من صوت هدير، ثم ينام ويشخرْ،رجل ألهَمَهُ الصوت، وغناءٌ لا يطربْ، قيثارٌ يرطن بالغيبِ، تحمله ريح الملح القادم من صوب المقبرة، الجدول علمٌ في نوع العطشِ، والبحث عن الماء ويكاد كما الحرث هواءْ، الرجل الواقف قدام الباب - الراعي المقصود بال على الكلب فلم ينبح، والراعي يتحصن في الدرع الصوفي، فأجاب الراعي

- إن بلتُ على الكلب وصار عقيماً، في الزرع بقايا ضرعٌ يلبس ثوب الشيطان، لا يلبس صوفاً مثلي، رأس الكلب على مقصلة التأجير.

قالتْ امرأةٌ - الشيطان الإنسان، الإنسان الشيطان، لا يغني من جوعٍ، ويزيد الحاجة، الأحجار زوايا أقوام مرتْ، كتبتْ تاريخ، مسحتْ تاريخ، خدعتْ تاريخ، ورثتْ تاريخ، وتواريخ من هليونٍ زورها العنوان، والأرض هدايا من نارْ، والأنهار خروج الأحياء من الأنفاق، وذئاب القرية لا تبرحْ، تنتظر الفرصة، الفرصة لا تأتي تكراراً، ومصادفة القانون الأول، من ينتظر الفرصة؟ الشيخ القائم في المحراب، وأنا في ركن البيت، الكلب العاقر بالقانون، الذئب النائم في حضن الأحباب، الراعي المغموس بنار الصوف، أو بالقمل الأسود؟ نوح المربوط إلى نخلة، نخلٌ عيط، لم يتحدث شيخ الجامع عن يومٍ محدود ، قال - الدنيا حشرٌ، والماء المالح قادمْ، وقبائل مخدوعة بالأصوات ، الركض حفاة، واللطم عراة، لا موسيقى تعزف، شررٌ من طبلٍ أجوف، تسقط في وسط الأقوام العزل قال الراعي ذو الدرع الصوفي

- وأنا ما ذنبي؟ فإذا كان القوم الندابين على موت منسي، وبقايا جثث تتحرك في بطئٍ محدود، الناس الناس الناس ..... ومقاصل منشورة في يوم الحشر،

قاطعه شيخ الجامع منتصراً، لقبائل جاءت لغة الأرقام، لقبائل مهزومةْ، زحفٌ وعثور ، أقدامٌ ونذور ، ونفوسٌ تسقط مهضومة، مثل العطش الصحراوي، جرداء من الفكر وجرداء الروح، وأشار الشيخ بعينيه، وضع اليسرى فوق الصدر، واليمنى كانت فوق الرأس - يا قومي أصحوا، الضجر القادم قاحل، ودمٌ يغلي في الموقد، ورعاف جاري، لا حل له إلا بالموعد، والتحليق محاولة أخرى، قد تنفعْ، أو لا تنفعْ.. نوح المربوط إلى نخلة عيط، أصبح أخرس أطرش أعمى،

كانتْ امرأة تلحف شمس الظهر، في يدها محراث معْوج الجبهة، واقفةٌ تتسمع ، قالت

- يا شيخ الجامع ، قومي عجزْ، عن فعل الحركةْ، زحفٌ وصريخ، انظر هذا المحراث، لن يحرث أرضا لكني أتمسك حتى الموت بهِ، التحديق محاولة مرصودة، قال الراعي

- لن اتعب، مادام لساني حراً، سأقاوم ذئب القرية حتى بالتحديق قالت - إن أنت رأيت الجمع الزاحف نحو الشرق فقل تلك علامةْ، قال الشيخ - والغرب الأقصى يحتاج نَداما، ولهذا كانت خطوات القوم ثقيلة، تتعثر بالحجر المصلوب على الباب، لكن تلك حكاية، وحكاية أخرى تعني ، أن الأبواب العلات، أبواب سجونٍ رقطاء، لتنام ذئاب القرية ، والناس جميع الأجناس قيام، من شرق الغربة ، وغرب القرية، وشمال النهر،طرفاً عند جيوب الجبل الخلفي،

أقوامٌ ماتتْ،

أقوامٌ ولدتْ،

أقوامٌ قدمتْ،

أقومٌ رحلتْ،

وكما تبدو أنت الباقي المرسوم على الجدران، وجدار الديوان، الأقوام المرهونة بالزحف، والسبع الجاثم فوق الجثةْ، سبعٌ فارغ، لا أنياب لهُ، ليس لهُ مخلبْ، قالت - لن نرجع في دنيا متخمة بالتفسير فقط، شدّتْ أطراف الجفنين وناح الشيخ طويلاً،

أقوامٌ تأكل أقواماً،

أقوامٌ تسلخ أقواماً

أقوامٌ عزلْ،

أقوامٌ تبحث عن مأوى,

أقوامٌ تبتلع الريح،

المحنة لا تكفي، حتى يتراضى الناس، المحنة تقتل في الناس الإحساس، المحنة في المعيوب، تظهر في وجهٍ آخر.

ـ 2 -

قَدَمتْ امرأةٌ من خلف التل، ذابلة العينين، ضامرة الخدين، يابسة البطن، حافية القدمين، ولها نهدين طويلينْ، وجه حرقته طقوس الصيف الحار، يدها اليمنى معوجة في التنور، واليسرى مثل المذراة الحنطية، قالت زاعقةً - الزحف الحالي، لن يبقي فينا أمل يرجى، الحشر سيدخل فينا الترتيب، فتراث الأمة لن يجدي، وتراث الأجداد هباء، كل تراثٍ لا يتواصلْ يصبح عنقاء، وفراق في الأرقام، والكبوة في الزحف القادم عنوان، وبنات قرى التهجيرْ، في الرايات نزوح المشوار، لن تسلم امرأة من إجهاض قادم، ورجال العفة في المشوار ضحايا التكبير، وثرايا تسقط من علين، وقوافل مرعوصة، رؤيا ويباس، وقرى مهجورة ، لا تسكنها الأقوام، ، لم يسلم هذا الحشد المتداعي، ضل طريقاً، وانتزعتْ منه إرادته، وتفشتْ فيه الأمراض، ونزوح ، وكأن قبائل مختلفة، صارتْ مثل الأشجار المفطومة مِن ماء، رؤيا وهروب، نامت في البحر شكوك، الشك قياس الألفة، ونزوح.. كيف يرى الشيخ كوابح صوتية، يُضحك لا يُبكي وقبائل تبحث عن موأى، تَبكي لا تَضحك ، وقبائل تأتي زحفاً، تَبكي لا تَضحكْ، وقبائل تجلس في الظل، الظل هو المؤوى، تَضحكُ من ضحك الشيخ ، التفت الشيخ لردم الفتنة - ها نحن ، البرد يمضغ أطراف أصابعنا، نَبكي لا نَضحكْ ، نَضحك لا نَبكي، المحنة مطلوبةْ، الثمن المطلوب ملايين من الأقوامْ، لنْ تصحو، ولتبقى الأمة، أشلاءٌ، أمواتٌ، أو خرفان العيد، القوم على مرمى حجر من إبليس، إبليس الكامن في الصورة، في ساعات الرزمة، وقبائلنا نحو البحر، محرومةْ، لن ينشق البحر، وقبائلنا نحو الحشر ، موسومةْ، الحشر بلا جنة، النارْ، النار وآخر في المشوار، قال الراعي - ورضيع الإبل، من كان على علمٍ بالأعلام، ودينك ديني، وقومك قومي مأخوذين، والرهبان على مقربة من بيت القدس، جوراً، هدموا البيت، أقاموا السور، وبقاء الهذيان، صلوات مهمومة، رد الرجل الواقف قدام القلعة - أدراج أسماء الباعة، مَنْ باع الوجدان؟ مَنْ ينكر أن الأرض عطاء؟ مَنْ يمكر مكريين ويعبد أوثان التقديس؟ صنم من تمر في شق عراق الملح، صنمٌ من أشلاء عراق الألم المضني، ورحيل، ونزوح، وركوب البحر، والسفن الطيارة، وظهور المنفى، وقبائل تصرف وقتاً أطول، لنزوح يومي، لنزوحٍ موهوم، لنزوحٍ نحو اليوم الموعود، أمحاولةٌ أخرى في الحشرِ.

- 3 -

الرجل القادم من ماضي التاريخ - نحن كما كنا، يا امرأة من طين ، وجهاً نالت منه الأيام، وطنين الرحلات، وجلسنا قدام الرب، ورضعنا من علقم، وبقشر الرمان، عالجنا جرحاً غائر، حتى العظم كسوناه رحيل، يوم الأزمات، وصراخ الأولاد طنين، ووقود ْ، وظلال القادم من ريح تعصف بالثالوث بعيد، ظلتْ في الركن المظلم مهملة.. لم يعرف شيخ القرية أن ذئاب السفرة عند الأبواب نيام، لكنْ.. بعيونٍ مفتوحة للنصف،

كان يراهن بالقول على نصرٍ في لغة التهديد،

نصرٌ مرهون

نصرُ موهوم

نصرٌ خاسر

نصرٌ كاذب،

نصرٌ تلفيقْ،

وإذا الحجة كانتْ في القول بأن حماة القوم لصوص، ومصابين بداء الكلب، يحتالون وجوهٍ مقلوبة، مَن يقتص من اللص إذا كان القانون سراب؟ والقوالون على الأفواه قيامْ، ويخطون شعاراتاً ثوريةْ، والقوادون على النصر كلاب مبحوحة، النصر لنا، ونزوح، وهروب، النصر لنا، قالت امرأةٌ - التدقيق محاولة مرسومة قال الشيخ - التحليق محاولة فردية، قال الراعي - كل محاولة لن تجدي، فذئاب القرية عند الأبواب، لا خارج لا داخل، ظلت جمهرة تتسمعْ تسأل أعمى قلب - ما هذا الصوت؟ صوت المدفع، أم صوت الرعدِ؟ هذي مدن محبوسة، أجساد معطوبة، من قال التحويل حزاماً؟ مَن منا يدخل يوم الحشر بلا استجداء؟ ما كان الوقت المستعجل أن يفعل فعل المنكر فينا، ونغيب عن الماضي، يتعطل فينا الحاضر، وشروق المستقبل كماشة، وشعاب الذاكرة المركونةْ، قطعة زيتٍ تطفو فوق الماء

قطعة زيتٍ تمشي فوق الماء.

مَنْ يأتي بعد الطوفان؟

مَنْ يعبر بيت الأشجان؟

مَنْ ينسى صوت السجان؟

قطعة زيتٍ تتكسر فوق الماءْ،

القرية أبواب مُحْكَمة، الشيخ الراعي، الرجل الساكن في الأبواق، ونساء القرية في الطابور، القومُ زرافاتٌ في التدجينْ، من يبحث عنهم؟ أرجال أنتم؟ أنساء كُنَ على مقربةٍ مِن مقصلة الوقت، مَنْ يسأل نفسه؟ كيف هي الدنيا ، يا امرأة من طين مفخور، يا رجلاً من قصدير متفحمْ، كيف هي الدنيا؟ في حال سعير، أطنينٌ هذا أم صوت رنين؟ وتنام القرية في صحنٍ من لحمٍ مشوي، والحشر على الأبواب، وذئابٌ رجعتْ، وكلابٌ في الظل تنام، ومحاولة أخرى، يرحل مَن في الطنبور، بحصانٍ أعرج، والبوق يدق، ومحاولة أخرى تهرب منهم يوم الحشر، فلا مهرب.. أيكون المهرب في التحويل؟.. أم في التحوير؟ أيكون المهرب في دق الإسفين؟ لن يدخل منكمْ لا رجلاً، لا امرأةً يوم الحشرِ، والأطفال عبيد التدقيق، قد يأتي يومٌ، ومحاولة أخرى ذات الوقت، وسؤال مبهم - مَنْ يخرج؟... مَنْ يعرف؟ لكنْ.. نوح المربوط إلى نخلة عيط..ما زال الأخرس والأطرش والأعمى.. مَنّْ يعرف! نوحٌ يسمعْ! أو ينظر! أو ينطق! أو يصرخ من ضجر العزلة!.. ومحاولة أخرى، مَنْ يخرج؟.. مَنْ يعرفْ؟ فليتقدم بالبرهان. قال الصوت المحبوس

- قطعة وجهٍ من وطني تأكلها الديدان، والباقي يتقسم للشيطان، يا قومي اصحوا،

يوم الحشر قريبْ

يوم الحشر رقيبْ

 

نضال العزاوي

 

 

الهايكو شعر مكون من ثلاثة أسطر تحكمه مبادئ مستمدة من أصول الجماليات اليابانية وهي: "الإخلاص والخفة والموضوعية والحنو على كل المخلوقات الحية والبساطة والسكينة والوحدة والجمال المجرد في انسجام مع الطبيعة"(جاك لوك تولا، 2011، ص107). ازدهر الهايكو بفضل ماتسوئو باشو (1644-1694 م) و هو شاعر ياباني، ومعلم شعر الهايكو الأكبر بلا منازع . يحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ موجزة شفافة بعيدة عن السرد التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة بعيدًا عن الحكمة و التحليل الشخصي للأحداث.

بعض الشعراء يكتب الهايكو وكأنه يكتب قصيدة نثرية ثلاثية، وقد طبعت بعض النثريات الثلاثية بعنوان هايكو. و قد اعترف لي كثير ممن تحدثت إليهم في هذا الشأن بأنهم كانوا يكتبون ثلاثيات نثرية وينشرونها بعنوان هايكو . أرجو أن يفهم القارئ أيضًا بأن الهايكو روح وليس مجرد قالب، "الإيحاء أو النهاية المفتوحة وعدم تدخل الشاعر في الحكم، مع موضوعية صادقة في نقل التجربة هي ما يطلق عليها روح الهايكو"( الصلهبي،حسن، 2016، ص 20 ) .

إن الهايكو له معايير مُثْلى ومعتمدة ومن يلتزم بها وتتوفر فيه الموهبة سيكتب هايكو وإلا فسيبقى الكثير من هذه المحاولات مندرجًا في جنس القصيدة النثرية القصيرة جدًا .

فی هذا المقال أريد أن أشير إلى النقاط التي يختلف فيها الهايكو عن القصيدة النثرية الثلاثية . والجدير ذكره ان النماذج التي سوف أذكرها لشرح فكرتي على ثلاثة أضرب: ضرب نشر بعنوان هايكو وهو ليس بهايكو وضرب نشر بعنوان قصيدة نثرية ثلاثية وضرب هايكو.

(1)

الهايكو أقرب إلى الواقع، لا يحلّق بك في آفاق الخيال كما تفعل القصيدة النثرية. فشاعر الهايكو يشاهد ولايتخيل. تأمل في الهايكو التالي لهاربر:

عيدُ ميلادهِ: التسعون

الشموعُ مضاءةٌ

غيرُ قادرٍ على إطفائها. (جمال مصطفی، 2011، ص56)

وانظر إلى القصيدة النثرية الثلاثية التالية لـ "جمال نصاري" من عبادان:

فنانةٌ تسقط على لوحتها

شاعرٌ يسقط على ذاته

الشعبُ لايجد مكانًا ليسقط فيه (نصاري، جمال، 2015 ،ص 113 )

 

أو القصيدة النثرية التالية لـ "زهران القاسمي" من عمان:

على حافة الصمت

تكتظ سلالات من الموسيقی

منتظرة أدوارها بشوق.(القاسمي، زهران،2012، ص 125)

(2)

تكتب قصيدة النثر بغموض وتحتاج إلى تأويل إذ لا يبدو فيها المعنى واضحًا لأوّلِ وَهْلة بيد أن الهايكو يكتب بألفاظ شفافة و بطريقة عفوية سهلة تعطي القارئ خبرة جديدة .على سبيل المثال أنظر إلى القصيدة النثرية الثلاثية التالية لـ"كمال سلمان" والتي طبعت بعنوان هايكو! في كتاب القصيدة النثرية العربية في إيران:

همسة في أذني ساعة الميلاد،

أمي الحنينة:

أما بقية الطريق فسره على قدميك! (نصاري، جمال،2016، ص 211)

أو القصيدة النثرية الثلاثية التالية لـ "قاسم سعودي" من العراق:

لايفصلني عن جهنم

سوی خيط رفيع

عبرت عليه دبابة ميتة.. (سعودي، قاسم، 2017، ص162)

وتأمل في الهايكو التالي لسامح درويش من المغرب:

 ﻋﻠَﻰ ﺣﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺌْﺮ،

ﺍﻟﺪّﻟﻮ

ﻳﻤْﻠﺆُﻩ ﺍﻟﻤﻄﺮ (سامح درويش، 2016، ص 6)

أو الهايكو التالي للشاعر الياباني "ريوكان":

اللصُّ أخذ كل شيءٍ

ماعدا القمر

على النافذة (هنري برونل،2005،ص 90)

ذات ليلة، سطا لص على كوخ الشاعر الياباني ريوكان، وجرده من كل ثرواته الصغيرة: ثيابه، قصعة أرز، وقرعة مفرغة ، وعصاه. أسف أن زائره الليلي لم يحمل معه القمر الذي كان يسطع بكل ألقه عبر زجاج النوافذ.

(3)

شاعر قصيدة النثر يطرح رأيه الشخصي بحرية تامة، فإنه يقدم صورة لا تمكن المتلقي من الشعور بنفس الطريقة التي يشعربها الشاعر. ولكن في الهايكو يتخلص الشاعر من طرح موقفه الذاتي فمثلا لايقول: مساء جميل أو أو طائر جميل  بل يكتفي بنقل المشهد وكأنه محايد. " وعلى الرغم من ذلك فيمكن إدراج ضمير المتكلم عندما يعد الشاعر نفسه ليس مشاهدًا فقط بل جزءًا لا يتجزأ من الصورة كما لو كان ينظر إلى نفسه من الخارج كأي ظاهرة طبيعية أخرى بحيث يلعب دورًا مهمًّا في الصورة(الصلهبي،حسن، 2016، ص 21 ) .

يكتب جمال نصّاري من عبّادان هذه القصيدة النثرية:

مفاتيح جسدي

بيد امرأة

لم تولد بعد(نصاري، جمال، 2015 ،ص 111 )

ويكتب "قاسم سعودي":

أنا ولدت بساقين

وحين كبرت..لم أعثر عليهما

قال الجندي.. (سعودي، قاسم، 2017، ص167)

القصيدة النثرية الثالثية التالية لمحمود الرجبي نشرت بعنوان هايكو في مجموعة" صمت اللازورد المعتق":

أنا عكسُ أنا

الخصوبةُ تحت التراب

سأحرثُ داخلي !! (الرجبي، محمود ، 2016 ،ص10 )

 و أنظر في الهايكو التالي، كيف ينقلُ سامح درويش المشهد بحيادية تامة:

الرّيح

تكْنسُ أوراقًا يابسةً

وتأتِي بأخْرى (سامح درويش، 2016، ص 31)

(4)

في قصيدة النثر يجوز أنسنة الأشياء بحيث يقوم الشاعر بنقل صفات الإنسان كالتفكير والكلام والحركة إلى الكائنات الأخرى وهذا مايسمى في علوم البلاغة بالتشخيص ألا أن هذه المحسنة تفسد الهايكو فيجب على شاعر الهايكو تجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء .

يكتب " عبدالله سرمد الجميل":

ظلٌّ مُشْتَهَى

وأنا أراقبُ ظلّي وظلَّكِ ،

تعجَّبْتُ كيفَ أنَّ أًصابعي تأكُلُ ما تشتهيهِ (مركز النور، قصائد نثر قصيرة)

وأنظر إلي الهايكو التالي ل " علم الدين قادريتش" من صربيا:

هجومٌ برّي،

الزهرةُ البرية

في مكانها (آزاد، اسكندر، 2017 ص 16)

(5)

يحق لشاعر قصيدة النثر أن يكتب بلغة مجازية ويقول مثلًا:

صيحة القمر، نداء البحر،محطة الشمس ، صراخ الأرض إلى آخره، أما شاعر الهايكو يتَجنّبْ اللغة َ المجازيةَ ويكتب بلغة واقعية ففي الهايكو ، القمر لايصيح والبحر لاينادي والأرض لاتصرخ وليس للشمس محطة .

انظر إلى القصيدة النثرية الثلاثية التالية لمحمود الرجبي التي نشر بعنوان هايكو في مجموعته الهايكوية ! " صمت اللازورد المعتق":

على رصيفِ الحزنِ

يصهل بالكلمات الغامضة

حصانُ لساني !! (الرجبي، محمود ، 2016 ،ص16)

و تأمل في هذا الهايكو ل"مسيح طالبيان" من إيران:

رويدًا رويدًا الغروب،

نُشْعِلُ سيجارتينِ

بِقداحةِ غَرِيْب (النصاري، توفيق:مجلة المداد، هايكو مسيح طالبيان، ص 72)

(6)

قصيدة النثر تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل ، أما في الهايكو يجب ان يكون الزمن دائما هو الزمن الحاضر لذا نجد أغلب الأفعال المستخدمة في الهايكو هي أفعال مضارعة، فالمضارع يوحي بطراوة التجربة .

يكتب " إرنست جون بري " من نيوزلندا:

حرارة الصحراء

الوزغة تختفي

في الأفعى (جمال مصطفی، 2011، ص22)

ويقول " أحمد لوغليمي" من المغرب:

هناك في وعر الجبل،

شجرة توت تُثمر

لأجل لا أحد! (لوغليمي، أحمد: 2010، ص 84 )

(7)

يعتبر المشهد البصري أساس الهايكو، بينما قصيدة النثر لاتقوم على هذا الأساس؛ أنظر إلى القصيدة النثرية الثلاثية أدناه للشاعر جمال نصاري:

الشطُّ يبتعدُ عن ضفته

أمي تبتعدُ عن تاريخها

السلطةُ تحتفل بالابتعادين (نصاري، جمال، 2015، ص 115 )

أو القصيدة النثرية الثلاثية التالية لكمال سلمان التي طبعت بعنوان هايكو في كتاب قصيدة النثر العربية في ايران:

عالِمٌ ظلامي

فلاعجب، يا صديقي

أن يغيبَ قوس القُزح! (نصاري، جمال،2016، ص 213)

و تأمل في الهايكو التالي ل "دورثي كاميرون سميث" من كندا:

ضباب تشرين...

عمتي العجوز

تسألُ مَن أنا (جمال مصطفى، 2011، ص 70)

فهذا الهايكو كماهو واضح، عبارة عن مشهد بصري والتقاطة طرية يبحث الشاعر من خلالها عن شيء غير مألوف يُدهش القارئ.

(8)

شاعر الهايكو يبحث عن اكتشاف جديد في العالم هو يكتشف أشياء معنوية لا يلاحظها الناس عادة ً في زحمة انشغـالهم بالواقع حتي اذا قرأ أحدهم الهايكو قال كيف لم أنتبه لهذا الشيء وأنا أراه يوميًا وهذا مايسمي في اليابان ب (Atarashimi) .

أنظر إلى الهايكو التالي ل "ألان بيزارللي" من الولايات المتحدة الأمريكية:

عاملُ محطةِ الوَقود

يُشيرُ إلى الطريق

بخرطومِ التعبئة(جمال مصطفى، 2011، ص26)

(9)

توجد في الهايكو سمة الكايرجي (kireji) التي لانجدها في القصيدة النثرية، وهي صمت زمَنيّ يقسمُ الهايكو إلى زمنَين وهي  في الهايكو الياباني عبارة عن حرف مثل ya أو kana أو keri أو ramu أو tsu وغيرها من الحروف . إلا أن اللغات الأخرى كالعربية و الفارسية والانجليزية و غيرها  لا تحتوي على هذا الحروف لذلك تترجم الكايريجي kireji بعلامة ترقيم توحي الصمت وعلامات الترقيم التي استخدمت هي  (،) أو (…) أو (-) أو (/). الكيرجي تمنحُ بُنيَةَ الهايكو تماسُكاً كبيراً وتدعو القارئ للتأمل.

كهذا الهايكو لباشو:

‏古池や蛙飛び込む水の音ふるいけやかわずとびこむみずのおと

و يلفظ:

‏ fu-ru-i-ke ya ka-wa-zu to-bi-ko-mu mi-zu-no-o-to

أتى حرف الكيرجي في نهاية السطر الأول وهو حرف ya وفي ترجمته الي اللغه الإنجليزيه وُضعت ثلاث نقاط عوض حرف الصمت الياباني  ya أو や:

‏old pond…

‏a frog leaps in

‏water's sound

في الهايكو التالي " تيرداد فخرية" من إيران وقعت الكايرجي أو الوقفة في السطر الأول:

ثَلجُ الصَّباح...

نَدفة نَدفة يَنزل

الصَّمت عَلَى العَالَم (النصاري، توفيق:مجلة رسائل الشعر، العدد التاسع ص 109)

(10)

على عكس قصيدة النثر " إن الهايكو ليس شعرًا من نتاج العقل، لكنه تعبير عن لحظات ممارسة واعية وحقيقية للحياة، بحيث تتضح ردة فعل الشاعر تجاه الأشياء بموضوعية كاملة، إما عن طريق النظر أو الصوت أو الرائحة أو التذوق أو حتى

اللمس" (الصلهبي، حسن،2016، ص 19). لذلك فالأشياء العقلية أو المنطقية لا يمكن التعبير عنها في شعر الهايكو.

أنظر لهذه القصيدة النثرية الثلاثية لآدونيس:

يطغى بيَ الحُلُمُ

فأضيع من شَغَفٍ،

وأكاد بالعَبثِ الفضيّ أرتطمُ. (آدونيس، 1998، ص 17)

وتأمل في الهايكو التالي لجعفر محمود من سورية:

مساء ربيعي                        

نصف كأسي الفارغ

يملؤه القمر (مجلة المداد، 2016، العدد التاسع، ص 50)

 

 ...........................

المصادر:

- هنري برونل، ترجمة محمد الدنيا، أجمل حكايات الزن يتبعها فن الهايكو، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2005

- جاك لوك تولا، ترجمة ثريا اقبال: فلسفة الزن ، كلمة، أبوظبي، 2011

- لوغليمي، أحمد: رسائل حبّ إلى زهرة الأرطانسيا، منشورات الغاوون، الطبعة الأولی، لبنان، 2010

- سعودي، قاسم: الصّعود على ظهر أبي، العنوان للنشر والتوزيع، الشارقة،الطبعة الأولی، 2017

- القاسمي، زهران: موسيقی، دار الفرقد، دمشق، 2012

- آدونيس: أوراق في الريح، دار الآداب، بيروت، 1988

آزاد، اسكندر: هايكو الحرب، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان 2017

- نصاري، جمال: من عبادان نحو العالم الفرنكفولي، دار البدوي للنشر، تونس 2015

- نصاري، جمال: قصيدة النثر العربية في ايران، هرمنويطيقيا للنشر والتوزيع، عبادان2016

- سامح درويش: 100 هايكو، منشورات الموكب الأدبي2016

- جمال مصطفى: هايكو مختارات عالمية معاصرة، طوي للنشر والإعلام، لندن 2011

- الصلهبي، حسن: صوت الماء مختارات لأبرز شعراء الهايكو الياباني،هدية مع مجلة الفيصل العددان ) 477 - 478 )

- الرجبي، محمود: صمت اللازورد المعتق، دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني، ديسمبر 2016

- النصاري، توفيق: ترجمة هايكو تيرداد فخريه، مجلة رسائل الشعر، السنة الثالثة، العدد التاسع كانون الثاني 2017، ص 109

- جعفر محمود: مجموعة من نصوص الهايكو، مجلة المداد، العدد التاسع، السنة الأولى 2016، ص 50

- أحمد شاملو، علي باشايي: هايكو شعر ژاپني از آغاز تا امروز ، الطبعة الرابعة، إيران طهران ، نشر جشمه 1384 هـ ش

- النصّاري، توفيق: محاولة ابتدائية لتوضيح بنية الهايكو، مجلة المداد، العدد السادس، السنة الأولی 2016

-عبدالله سرمد: قصائد نثر قصيرة، مركز النور

 http://new.alnoor.se/aticle.asp?id=305460

 

 

 

 

العنوان: فندق السلام أم فندق الآلام؟

العنوان دالة مهمة وإشارة بيانية إيحائية من قبل الكاتب المرسل الى المتلقي المرسل إليه، يوقف عنده الكاتب كثيرا ليكون بمستوى المتن الحكائي وهويته أولا، ووسيلة جذب انتباه القاريء لاستيضاح ما يخفى وما يبطن من خلال اندفاع المتلقي لمعرفة ذلك عند قراءته للنص السردي والشعري ثانياً وبذلك يحقق الكاتب هدفه في الكتابة من خلال العنوان اللافت والمثير للتساؤل ...

فعنوان (فندق السلام)، في الوقت الذي يشير الى دلالة مكانية واقعية، فهو فندق سياحي قامت السلطة بإنشائه في شمال مدينة النجف على متن الطريق العام الرابط بين مدينة النجف ومدينة كربلاء في مقدمة احد هذه الأحياء المسمى (حي السلام)، وقد شكل هذا الفندق دالة وشاخصاً سلطوياً بالنسبة لعامة النجيين، وهذه ظاهرة عامة في العراق والدولة المشابه فمؤسسات الدولة هي ملك الحكومة الاستبدادية نتيجة القطيعة بين السلطة والمواطن، نتيجة اغترابه عن الحكومة، فهي وسيلة قهر واستغلال للمواطن فهو شاخص معادي دائما، وهذا هو احد الأسباب التي أدت الي قيام الجماهير المنتفضة بحرق ونهب وتهديم اغلب مؤسسات الدولة بما فيها المدارس، غير مميزين بين الدولة والحكومة، باعتبار الدولة ملك الشعب ووليدته بينما الحكومة في هذه البلدان وليدة حزب أو طبقة أو دولة مستعمرة ...

هذا الفندق اتخذته السلطات الديكتاتورية مقرا لقواتها اأثرا، الفاشية أثناء وبعد فشل الانتفاضة الاذارية، فكان فندقا للآلام وقاتلا للأحلام، احتجز فيه آلاف الرجال من الشباب والشيوخ وحتى الاطفال وجرت عملية إعدامات مباشرة في داخله وعلى جوانبه خصوصا بعد ان أخذت تجوب النجف سيارات السلطة تدعو العسكريين للالتحاق الى فندق السلام بعفو من القيادة وبعذر أنَّها ستوفر لهم وسائل النقل التي ستقلهم الي وحداتهم، وقد كانت هذه الدعوة مصيدة ومكيدة حقيرة وقذرة لإلقاء القبض على الشباب ومن ثم إعدامهم أو إرسالهم الي معسكرات التعذيب الوحشية في الرضوانية أو في آمرية الانضباط العسكري والتي لم يفلت منها حيا الا وهو مصاب بعاهة جسدية أو نفسية خطيرة.بعد انهيار النظام في 2003 لم يبقَ لهذا الفندق أثرا، حاله حال العديد من المؤسسات القمعية في المحافظة .

وبذلك كان عنوان الرواية يحمل معنى التضاد لو وجدت علامة استفهام أو تعجب بجانب الاسم، نرى كان الأحرى ان تسمى برواية (فندق الآلام) وليس فندق السلام .

(علي) الثائر عاشق ال(إيمان) في رحاب حي (الحسين).

الشخصية المحورية في الرواية هو الشاب الثائر الذي حمل القيم الايمانية (علي) وهنا علي هذا الاسم الذي يتماها وعظمة وقدسية وهيبة وعظمة رمز الشجاعة وحامل القيم الايمانية وناصر الضعفاء والفقراء، حامل سيف الحق والعدل، المقتول غدرا من قبل اهل الضلالة (الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام)، فكان علي في الرواية الشاب الذي يغلي حماسا وثورة ضد الظلم والقهر المسلط على أبناء شعبه ووطنه، يتصف بالمبدئية والجرأة والإقدام على الفعل والقول، ويتصف بالفطنة والقدرة على القيادة والتوجيه وتشخيص مواطن الضعف والقوة لدى الخصم، يتصف بالفراسة في تقييم وتشخيص إمكانيات وقابليات ومميزات من يحيطه من الشباب، كذلك فهو يحظى بحب واحترام الثوار من الشباب، ويثير خفيضة وحذر وخوف العملاء والمندسين والخونة الى درجة التخطيط لاغتياله في خضم معارك المواجهة مع قوات السلطة .

ولكي يضع الكاتب (عليا) في بيئته، فكان هو عاشق ال (إيمان) تلك الفتاة البريئة النقية الذكية الطاهرة المخلصة لـ (علي) حلمها وأملها رافع راية الإيمان وحامل مشعل المبادئ فهو لباس لها وهي لباس له لا يليق احدهما الا للآخر، كل هذا العشق يدور في رحاب حي (الحسين) أمام الثورة ورافع لواء الإصلاح، ووريث (علي) وخليفته من بعده، هذا العشق النقي لدى (علي) ل (إيمان) في حيز ورحاب (الحسين) الفواح بعطر قداح الثورة على الظلم المضمخ بعطر الحب والصدق والوفاء، وهنا كل شيء محاط بالقدسية والنبل والرفعة والسمو .. وهو ما يرمي إليه الكاتب .

ان عليا ثائرا، عاشقا، عليا سامع كلمة الحوزة ومنفذ ومجند نفسه وباذلا حياته على طريقها، علي صلة الوصل بين علية القوم في مدينة النجف، الخوئي والسبزواري والصدر، وبيت شمسه وفخر الدين وسعد راضي والبو غنيم والخرسان، وبين فقراء وكادحي النجف من فقراء وكادحين من عمال وكسبة وحوذيين أمثال (سلمان الحافي) وعباس وخضير وعبد الزهرة وغيرهم الكثير، يبدو لي ان هناك رابطا واعيا بين ال(الإيمان) في حي الحسين وبين العلم في (حي المهندسين)، فالعلم والإيمان كليهما يطلب العدل والحرية والسلام، كذلك العلاقة بين حي الأنصار والجديدات والحي العسكري ودوارنهما حول قطب مرجعيتهم حول الضريح المقدس مقر الحوزة الدينية التي ساندت الثورة ...

وبذلك أرى ان الكاتب كان واعيا لما يريد قوله مشبعا بروح القيم الدينية مستلهما دروس التضحية من رموزها الكبرى عليا وأولاده وذريته التي توارثت الثورة ضد الظلم والطغيان رغم جسامة التضحيات من قتل وتشريد وسجون ومضايقة ...

كذلك كان واعيا في اختياره لأسماء العملاء والخونة محاولا إبعادها عن دلالات الأئمة والأولياء وأوصياء ك (مصعب) مجيد، وسرمد، وعردوش، وفاخر .. رغم ان هذا التوصيف انحيازا واضحا لا يمكن تعميمه وإلا لكان علي كيماوي وحسين كامل وغيرهم من الأتقياء الانقياء .

كذلك هناك محاولة لإلصاق تهمة الخيانة والاشتغال في جهاز الأمن والمخابرات لناس من خارج النجف كإلصاق لقب البصري بمصعب ولقب السماوي بشراد في حين الوقائع والحقائق تشير الى بطلان هذا الادعاء حيث وضع العديد من أدعياء النجفية والمشهدية الأصيلة أنفسهم في خدمة الأنظمة في السابق واللاحق، سواء للأتراك أو للفرس أو للانكليز أو لصدام وما بعده أو للأمريكان في زمننا الحاضر، فالعمالة استعداد ودونية ذاتية وإفرازات مجتمعية ونفسية لا علاقة لها بالمدينة الا ماندر، فهم أشخاص موجودون في المدن وفي كل الفترات والحكومات والأنظمة ...

ولاشك ان ثوار النجف في مختلف الأوقات هم الأعلم بهذه الحقيقة أكثر من غيرهم .

الكاتب لم يغفل إدانة سلوكية بعض جهلاء مدينة النجف ممن يسمون أنفسهم (بالنجفيين الاقحاح)، وليس هناك اعتراضا الى نسبهم ألنجفي أو اعتزازهم بنجفتيهم الأصيلة ولكن الإدانة لنظرتهم القاصرة والدونية لأبناء الريف اللذين استوطنوا مدينة الإمام علي وتسميتهم ب(المعدان) دلالة التخلف والهمجية والبلادة حتى وان كان جده أو جد جده أتى من الريف للمدينة، وهذه نظرة وسلوكية تدل على الجهل وضيق الأفق يقع في شباكها أحيانا حتى من يدعي الثقافة والتحضر والانفتاح... ولا نرى هذا السلوك الا ردة فعل غير واعية من قبل سكنة المدينة من القوميات الغير عربية من الفرس أو الأتراك أو الأفغان على الممارسات اللا إنسانية ضدهم من قبل الحكومات القومانية أو الرجعية المؤتمرة بأمر السيد لها في الخارج لإثارة النعرات وبث التفرقة بين المواطنين العراقيين تحت مختلف الأعذار، الم يقسموا النجف الي زكرت وشمرت وأربعة أطراف متحاربة ومتعادية؟

فهذه السلوكيات تعاكس طبيعة النجف كمدينة سياحية وتجارية وصناعية جاذبة وليست طاردة ويتوجب ان يمتاز سكانها بالتسامح والمحبة وسعة الصدر لكل وافد وقادم الى رحابها رحاب الإمام علي عليه السلام صاحب القول الرصين (أحبب لأخيك ماتحب لنفسك ..) و(لا فرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى) وهناك الكثير مما يقال في هذا المجال ...

كذلك يمكن لقارئ الرواية وأحداث الانتفاضة ولمن عاش إحداثها والتي لازالت هناك أراء غير متفقة بين عفويتها وأصالتها العراقية، وبين كونها انتفاضة مخطط لها سواء في الداخل أو الخارج ومابينهما...

ان القيادة أقحمت إقحاما على المرجعيات الدينية التي كانت تأخذ بمبدأ التقية ودور الوعظ والإرشاد والتلميح دون التصريح، بدلا من الحث على التمرد والثورية، الا ما تعلق بالخط الصدري الأول والثاني فيما بعد، فالجماهير الثائرة والمتمردة وخصوصا طلائع الجنود المكسورين والمهزومين من جبهات القتال كان لهم دور في إشعال فتيل الانتفاضة في المدن العراقية، ولكن في النجف كانت الانتفاضة مخطط لها من قبل نخبة من الشباب، في ظل فراغ امني كبير تركته الحرب على الداخل العراقي، وبذلك فقد وضعت هذه الجماهير الثائرة رموز الحوزة الدينية في خيار صعب الا وهو الانحياز الى جانب الثوار ومباركتهم، خصوصا وان هوية الثوار وطابعهم الفكري ديني جعفري في شعاراتها ومطالبها وتوجهاتها (لاشرقية ولاغربية جمهورية اسلامية) وكنا نسمع من مكبرات الصوت في الصحن الحيدري صوتاً يصدح ب(نعم نحن خمينيون) وغيرها من الشعارات ... فالعامة من الناس (العمايدية) كما يسمونهم هم من أشعل فتيل الانتفاضة وهم اللذين دفعوا القسط الأكبر من الدماء والشقاء وكان لهم اكبر الحصص في المقابر الجماعية ولم تزل جثث الكثيرين منهم مجهولة المكان، فكانوا ولا زالوا هم الأكثر عطاءا والأقل مكسبا في الماضي والحاضر، كانت قيادة الانتفاضة سجالا بين (العمامة) و(العامة)، فقد كانت انتفاضة شعبية بامتياز، ركب البعض موجتها فأساؤوا إليها أكثر مما نفعوها، ولم تكن قيادتها بمستوى حماس الجماهير واستعدادها للتضحية، وقد كان هذا احد أسباب فشل الانتفاضة الذي يعزوه البعض الى الدور السلبي لقوات التحالف وخصوصا الأمريكية في دعم الانتفاضة، فكيف تساند أمريكا وحلفاؤها ثورة شيعية (خمينية)، تعتبرها عدوا استراتيجيا لها في المنطقة والعالم، فقد كانت هناك أخطاء إستراتيجية وتكتيكية ليس ضمن مجال بحثنا هي التي أدت الى فشل الانتفاضة، ناهيك عن كون الأمريكان صرحوا علانية بأنهم لا يريدون سقوط النظام في العراق على يد أبنائه في ثورة شعبية، بل أرادوا سقوطه على أيديهم في 2003، بعد ان أنهكوا الشعب العراقي في حصار ظالم، مكنهم ومكن الديكتاتور من أحكام قبضته على الشعب وتصفية قواه الوطنية من مختلف المشار والتيارات السياسية، فتمكن تحت عصا التخويف والتجويع والتشريد من تجريف القيم الايجابية المختزنة في ذاكرة وسلوكية الجماهير خلال عشرات السنين من الكفاح ضد القهر والحرمان، وبذلك مهد الطرفان الطريق للدبابة الأمريكية بتدنيس ارض العراق تحت ذريعة تحرير شعبه .

كان علي واعيا لخطورة الاحتلال ورافضا ان يكون الخلاص على يد المحتلين الأمريكان وكأنه متناغمٌ مع شعار (لا ديكتاتورية ولا احتلال) الذي كان مرفوعا من قبل بعض القوى اليسارية العراقية، وكل أحرار العراق .

سوف لن ادخل في تفاصيل المعارك البطولية التي خاضها الثوار في مختلف مناطق النجف والتي تمكن الكاتب من تسجيلها بدقة الحاضر المشارك والسارد المبدع، وهي مادة غنية توثيقية لفلم تسجيلي ننتظر ان ينجزه احدهم .

دور المرأة في الانتفاضة

اظهر الكاتب الدور الهام والمؤثر للمرأة النجفية في مساندة الانتفاضة الاذارية سواء من حيث الدعم المعنوي والمشجع للثوار في مقاومة الظلم والتعسف أو في المساهمة المباشرة في القتال في الميدان ومشاركة أخيها الرجل في التصدي لقوات القمع في ساحات الكفاح ...

فإنَّ (إيمان) وأمها أم (زهير) مدرسة التاريخ المتقاعدة، وأم ثويني، وأم جهاد، ونساء وعائلة السيد الخوئي والكثير من عوائل ونساء (العامة) المجهولات مثالا للشجاعة والجرأة في مقاومة الظلم من اجل غد أفضل ومثالا للصمود في الزنازين والسجن والمعتقلات ومواجهة موجات التعذيب والقهر من قبل أجهزة السلطة، وهذا الدور مشهود للمرأة العراقية والنجفية خلال ثورة 1918 و1920، وانتفاضات وتظاهرات النجف ضد السلطات العميلة والتابعة في الثلاثينات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين سواء في تياراتها اليسارية أو القومية أو الدينية، وقد كانت (زينب) و(ليلى) مثالا للمساهمة المباشرة في القتال البطولي حد الاستشهاد ص (183)

المكان الفاعل والمنفعل:

كانت كاميرة وعي الكاتب فَطِنَةً وواعيةً في رصد الأمكنة المختلفة كما هي واعية لرصد حركات رفاقه المناضلين في مختلف شوارع وساحات وإحياء المدينة، منذ انطلاق الانتفاضة في محيط الصحن الشريف ثمَّ توجه قسم من المتظاهرين باتجاه شارع المدينة واستيلائهم على مركز شرطة الغري، ثم ما دار خلال الاستيلاء على مركز التفسيرات قرب الميدان، وعمارة الحياة، وشارع الصادق، وشارع الرسول، وحي الحسين، وما جرى في سراديب مقابر النجف، وفي صافي صفا، وحي الحسين وساحة ثورة العشرين والكوفة، ففي الوقت الذي كانت الروح وكان العقل مركزه في الصحن الحيدري وما حوله من دور المراجع، وقد كانت هذه الأماكن فاعلة مفكرة موجه، وكانت الجديدات وحي الأنصار والحي العسكري منفعلة تمور بالحماس والاستعداد البطولي للتضحية وتحقيق النصر على رموز السلطة وأدواتها القمعية ونظرا لسعة حيز (الانتفاضي المكاني) فلم يلم الكاتب بمجريات الأحداث والعناصر الفاعلة في تحريكها وتثو يرها في العديد من أحياء النجف عامة، وفي الاقضية والنواحي التابعة للنجف كالمشخاب والدور البطولي الشجاع الذي قام به (عبودي القصاب) في إشعال فتيل الانتفاضة في المشخاب ودوره القيادي الكبير في تنظيم المقاومة هناك حتى بعد دخول الجيش بالإضافة الى دوره في تنظيم حياة الناس في المدينة التي اكتظت بالنازحين من مركز مدينة النجف

 وتوفير القوت للنازحين ولأهل المشخاب وكانت بحقه الأهزوجة الشهيرة حول توزيع التمر لسد حاجة الناس الجياع في المدينة وقراها (ماكو تمر الا بأمر عبودي)، وكذا الحال في أبي صخير والعباسية والحيدرية، وهناك الكثير الذي مازال طي الصدور حول ماعاناه أبناء العراق من عسف النظام وقهره، والكثير مما يقال حول البطولات الفردية أو الجماعية للجماهير الثائرة التي يصعب تسجيلها وإحصاءها .

ماذا يريد الثوار وما هو توجههم الفكري؟

الذي يطالع الرواية وكذلك المتابع لأحداثها الفعلية أو من خلال الرواية ومن مركز قيادتها سواء المكتوبة أو المسموعة يرى ان الهدف الأساسي للانتفاضة والمنتفضين هو الخلاص من الحكم الصدامي، والإيحاء هو جمهورية اسلامية وبقيادة دينية جعفرية على وجه التحديد، فليس هناك برنامج تعد فيه الانتفاضة الجماهير بعد الانتصار على الديكتاتورية ولا شكل الحكم القادم غير هيمنة الخط الديني والأخذ بأمر وفتوى رجال الدين وأعلامها ورموزها الحوزوية حيث هدفها النهائي هو إقامة جمهورية اسلامية متماهية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائرة على نهجها وهذا هو الوعي الممكن لجمع المنتفضين مجسدا بسلوك وشعارات رموزهم ومنهم بطل الرواية (علي) فالوعي الممكن حسب ما يراه غولدمان:-

 (هو الذي يجسد الطموحات القصوى التي تهدف إليها الجماعة، وهناك علاقة وثيقة بين الوعي الواقع والوعي الممكن، غير ان العي الممكن ه المحرك الفعال لفكر الجماعة، بل ه الذي يرسم مستقبلها، ويعطيها صورتها الحيوية في الحاضر والمستقبل، وعادة ما يكون الوعي الممكن في غير متناول الناس العاديين الذين يندمجن في الجماعة، ولكنه فقط في متناول الأشخاص ذوي الثقافة العالية، كالفلاسفة والأدباء والسياسيين) حميد لحمداني – الراية والايدولوجيا ص69....

ومن علاماتها الدالة على قولنا منح حماية سيارة السيد الخوئي رقم واحد جمهورية اسلامية

(تم اختيار حيدر محي الدين مسئولا عن حماية السيد وتزويده بهوية "مجاهد" ثم أمر السيد مجيد الخوئي بمنح سيارته رقم(1 جمهورية إسلاميه) الرواية ص54.

والشعارات التي كان يرفعها قادة التظاهرة من المثقفين ويرددها عامة الناس كما ورد في الرواية

(وازدادت أعداد المتظاهرين شيئا فشيئا حتى بلغت المئات مرددين عدة شعارات (يا صدام شيل ايدك شعب النجف ميريدك، لا زعيم الا الحكيم لا زعيم الا الحكيم) وكان من بينهم مجموعة من مثقفي النجف وأدبائها) الرواية ص24

ولم يكن هناك من يتحدث عن حكومة تعددية ديمقراطية غير دينية الا أقلية من اليساريين والعلمانيين والمدنيين الذين يكاد صوتهم لا يسمع، ولذلك لم تسجل ذاكرة الكاتب لهم إي موقف

ان هذا التوجه هو ما أثار توجس الطوائف الأخرى وخصوصا الطائفة السنية والذي استغله النظام في كسب مساندتها وفي اقل التوصيفات بقاؤها على الحياة لا بل كبت حتى نية من كان من (السنة) يتحين الفرصة للانقضاض على النظام نتيجة لمعاناتهم من ظلمه وجبروته وفتكه برموزهم وقادتهم، كما أثار هذا توجس الأنظمة الإقليمية المجاورة والدولية على السواء، والعمل على إحباط الانتفاضة وإعادة زمام الأمور الى السلطة الصدامية فهو أفضل الشرين بالنسبة لهم ...ولا نريد ان نخرج كثرا على داخل المتن الى خارجه وملابساته وتعقيداته وأثره على التطورات اللاحقة في العراق.

وبذلك فالرواية تكاد تحمل فكر وايدولوجية واحدة ومن لون واحد، مما افقد الرواية حيوية الحوار بين أكثر من ايدولوجية كما في الواقع المعاش فعلا، الا إذا قلنا ان الصراع كان بين الايدولوجية الدينية الشيعية وهو هنا يمثل الوعي الواقع للمنتفضين كما يراه غولدمان (الوعي الواقع هو مجموع التصورات التي تملكها جماعة ما عن حياتها ونشاطها الاجتماعي، سواء في علاقاتها مع الطبيعة، أم علاقاتها مع الجماعات الأخرى، وهذه التصورات تبد ثابتة وراسخة، بحيث لا يمكن تصور وجود الجماعة المذكورة بدونها)حميد لحمداني – الرواية والايدولوجيا ص69

 وبين الايدولوجية القومانية الصدامية، وفي كليهما يغيب البعد الطبقي في مثل هذا الصراع، ان لم نقل إنهما ينتميان الي نفس التركيبة الطبقية، وهذا ما نلمسه من خلال صراع أبطال الرواية وشخصياتها المنتفضين من جهة وأنصار السلطة من جهة أخرى، وبالنتيجة هي تعكس ايدولوجية الكاتب وهنا واضح تبنيه وانحيازه الكامل الي الفكر الديني الشيعي تحديدا

(وأخيرا تحرك المارد الإسلامي وزحف لقلع جذور الفساد والمفسدين من ارض الشرف والإسلام النجف الثائر أتتبعها مدن الفرات والجنب) الرواية ص24

 وبذلك فالرواية تتسلح بايدولوجية وفكر وممارسة الكاتب، رغم ظلال الصراع الفكري الباهت بين المتصارعين والذي تحول في الرواية ومن خلال الانتفاضة الي صراع البنادق والرصاص بعد ان استنفذت كل الوسائل الأخرى طاقتها بسبب استبداد الحاكم، وكما قال باختين:-

(ان الايدولوجيا في الرواية إذ تكون عادة متصلة بصراع الأبطال بينما تبقى الرواية كايدولوجيا تعبيرا عن تصورات الكاتب بواسطة تلك الايدولوجيات المتصارعة نفسها) .د. حميد لحمداني- النقد الروائي والايدولوجيا ط1 1990 ص37 المركز الثقافي العربي.

هذا هو واقع الشرذمة والرثاثة الطبقية للمجتمع العراقي الذي أنهكته الحروب وسنوات القهر والتجويع، وسيادة نزعة الاستهلاك على الإنتاج، في ظل حكم دولة النفط الريعية، مما أنتج فكرا سلطويا شعبويا اقصائيا فرديا مستبدا حاكما، وفكرا دينيا معارضا يوازيه ويماثله من حيث نزعته في تقديس الفرد وتهميش ان لم نقل إقصاء المختلف والمخالف وحسب قربها او بعدها عن كرسي الحكم وشدة الإمساك بصولجان السلطة، لكونها نتاج نفس الطبقة الاجتماعية المأزومة المنقسمة على ذاتها(الاقطوازية) كما وصفناها في عدة دراسات لنا، بسبب علة في بنيتها ومحاولتها تجاوز أزمة هيمنتها الطبقية، وقد حاول الديكتاتور مواجهة الفكر الديني الشيعي المعارض بفكر مضاد على نفس المستوى من خلال حملته الايمانية وارتدائه لباس (عبد الله المؤمن) في أيام حكمه الا خيرة ولم ينقصه آنذاك الا ارتداء العمامة ليكون خليفة المسلمين وأمير المؤمنين وقد اختار لون عمامته بلون عمامة معارضيه فنسب نفسه الي الإمام علي عليه السلام كما تشير الي ذلك شجرة نسبه كما شجرة أسمائه (الحسنى) التي رسمها لنفسه وبصم له عليها مناصريه في حين حاول ان ينزع صفة العزوبية من معارضيه زاعما أنهم من الفرس ومن بقايا الزط ...الخ من الافتراءات لينال منهم وليمسك هو بكل الخيوط العزوبية والإسلامية السنية والشيعية مجتمعة في شخص القائد الضرورة .

وقد انتقل الحكم بعد الاحتلال الي القسم المعارض من نفس الطبقة ولكن بلباس ديمقراطي هذه المرة وبمشيئة قوة خارجية غازية، فعاد الصراع الدموي بين شراذمها المأزومة ثانية وان اتخذ اسماءا واشكالا أخرى، مع تبادل المواقع على رأس السلطة، شكل (داعش) اشد أجنحة السلطة(السنية) القومانية المهزومة تطرفا في صف المعارضة المسلحة ورفض مجمل العملية السياسية (دواعش الصحراء)، وأجنحة أخرى لها رجل مع المعارضة المسلحة، ورجل في السلطة وقبول اللعبة السياسية حتى أنها تكاد تمثل الجناح السياسي للمعارضة المسلحة (دواعش الخضراء)، وفي الطرف الثاني الكتلة (الشيعية) الأكثر هيمنة على السلطة الا اننا لا نرى(عليا) ولا (ايمان) ضمنها في الجانب الثاني من الصراع وهي على مستويات مختلفة من حيث قربها وبعدها عن كرسي الحكم فمنها من انغمس في العملية السياسية ودافع عنها باستماتة وأخرى رفعت بوجهها السلاح حد الاستماتة، هذا الصراع بمختلف تمظهراته سيطول أمده مادامت هذه الطبقة المأزومة هي الحاكمة.

واذا صح لنا التشبيه في الماضي واستحضاره لنكون قريبين من طبيعة صراع القوى المتنافسة على سدة الحكم في العراق، فلابد من استحضار قبيلة (قريش)، وصراع بطونها وأجنحتها المختلفة على السلطة من الأمويين، والعباسيين، والعلويين يختلفون في التسميات وربما بأهداف ووسائل الحكم ولكنهم بالتالي من قبيلة .

وبذلك فرواية فندق السلام قدمت لنا تجسيدا عمليا لواقع الصراع في المجتمع العراقي يمتد ربما منذ الثورة الجمهورية الأولى الي حين التاريخ رغم أنها تختم عند بداية الاحتلال، ولكن ما بعد الاحتلال أعاد عجلة الصراع لتدور بشكل مقلوب ولكنها مطحنة يدورها نفس الدولاب وتنتج عين الطحين، الذي يذهب جله الي تنور الحاكم، ولا يحصل منه الإنسان العراقي العادي سوى الفتات ... فظل(عليا وايمانه)خارج (المنطقة الخضراء)، ولا زال (سلمان) حافيا لا يسمع صوته سوى حماره !!!

 ملاحظات لابد منها:

*هناك العديد من الملاحظات تستوجب الإشارة إليها نراها خللا في الحبكة الروائية من قبل الكاتب، ففي بداية الرواية عند وصف انطلاقة الانتفاضة في شارع المدينة ووجود مصعب، يذكر الكاتب ان مصعبا البصراوي يخفي بين شواجير بندقيته كإمرة خفية يصور من خلالها الأحداث والأشخاص، ومصعب هو احد ضباط امن السلطة المندسين بين المنتفضين، ولا يكشف أمره الا بعد عدت أيام وبعد ان يقوم بإنجاز مهام صعبة وخطرة وتزويد السلطة بالمعلومات عن الانتفاضة ، فكان يفترض عدم كشف هذا السر عن مصعب ودره وكإمرته الا بعد مقتله ومقتل زوجته (دموع) ومسئوله ضابط الاستخبارات (سرمد)، وإلا كيف يمكن تبرير السكوت عنه كل هذه الفترة ونحن نعلم حمله لكاميرا مخفية تصور المنتفضين (في هذه الأثناء كان مصعب البصري الذي عصب رأسه ولاث على رقبته يشماغا اسود يصور احتراق المركز بكامرته الصغيرة التي لا يزيد حجمها على حجم (قداحة سجائر) والتي أخفاها بين ثلاثة شواجير عتاد ربطها على بندقيته التي لم يرم بها أطلاقة واحدة، كان يصور بدقة وجوه المتظاهرين ....الخ) الرواية ص18.

* طلب (علي) للعتاد بواسطة أخيه حسنين من مشجب الوحدة التي مقرها بغداد، واستجابة المسؤول لطلب وتحميل سيارة علي بكمية كبيرة من العتاد، ومن ثم نقله للنجف، أمرا في غاية الصعوبة وغير واقعي لمن يعرف صرامة السلطة وخصوصا في حالة فقدان أية قطعة سلاح أو أية طلقة عتاد، حيث تعرض المقصر حتى لعقوبة الإعدام !!!

* تخلص (علي) في أكثر من حدث من موت محقق، محاولة لاغتيال في عمارة الحياة، إخراجه للعتاد وخلاصه من السيطرات في ذهابه وإيابه من النجف الي بغداد وبالعكس، اعتراضه من قبل الضابط الذي أراد اعتقاله على طريق النجف كربلاء بالقرب من حي المهندسين وحدث معجزة اشتغال ماكينة سيارة الضابط بإيحاء من علي، وحصوله على هويته نتيجة ذلك، مقتل شراد السماوي على يد الجلاد حينما أراد الاعتراف على علي في سجن الانضباط العسكري طمعا في الخلاص، ضياع ومن ثم العثور بالقدر على كتاب العفو عالقا في سرواله حين تم إلقاء القبض عليه من قبل مفارز السلطة في كراج العلاوي هو ورفيقه ...

واذا كانت هناك صدفة او مصادفة تخدم الفرد لخلاصه من ورطة او مأزق فمن الصعوبة واقعيا ان تجتمع كل هذه الصدف مع شخص واحد كما حدث مع (علي)، وقد مكنت هذه الصدف المثالية بمساعدة الكاتب ليبقى بطله حيا رغم كل ما لا قاه من محن وما قام به من مغامرات ...!!!

من المعروف ان الكثير من الشباب ورغم دخوله للجيش لا يجيد استخدام السلاح وخصوصا استخدام القاذفة ار بي جي سفن فكيف بشابة ليس لها أدنى تجربة أو تماس مع السلاح، تمكن المقاتل محمد تبلية من تدريبها خلال فترة وجيزة لتكون رامية قاذفة ماهرة تمكنت من إحراق دبابات العدو رغم ما يلف الوضع من خوف وإرباك ومغامرة، بالإضافة الى التساؤل على كيفية الثقة بنساء الا إذا كان يعرفهن سبقا ولكن لم يرد في الرواية ما يشير الي ذلك، فكيف تتم عملية تدريبهن، وتسليمهن السلاح والعتاد دون تحسب قد يكنَّ مدسوسات، كان يمكن ان يجد الكاتب تخريجة أخرى لمشاركة النساء في المعركة كون هناك العديد من النساء شاركن في قتال السلطة في الاهوار وفي جبال كردستان ولهن تاريخ معروف في المدينة .

ـــ كما ان الكاتب اغفل أو تغافل عن ظاهرة السلب والنهب لمؤسسات الدولة ومخازنها كافة والقيام بإحراق بعضها، كالمخازن الغذائية، و(الاورزدي باك)، ومخازن المواد الإنشائية وغيرها، ولا شك ان هناك يد للسلطة وأجهزتها الأمنية يد في ما حدث ف(سرمد) وأمثاله لا يمكن ان يغيب عنهم بتوجيه الناس الى مثل هذه الأفعال لتكون سبة على الثوار وإدانة لهم بتهمة النهب والسلب وحرق مؤسسات الدولة .

 ( فقط إذا ما حاول الروائي"ان يجعلك ترى" سيكون عندها قادرا "ان يجعلك تفهم وتصدق") ص75 تطورات الرواية الحديثة لطفية الدليمي

من الملاحظ ان القارئ حين يفرغ من قراءة الرواية لا يحتفظ بصور شخصيتها من حيث التوصيف والتعريف بالشكل والمظهر والسلوك، كما ان دواخل هذه الشخصية ظلت موصدة أمام القارئ فلم نشهد حوار داخلي للشخصية مع ذاتها لنتعرف على عمقها في حالة الوعي واللاوعي وهو أمر مطلوب لإغناء شخصيات الرواية وانعكاسها في وعي وذاكرة القارئ. ف (الرواية ليست محض وصف للحياة يبعث على المتعة بل هي شيء يمكن ان "يتنافس مع الحياة" وان يطورها ويرتقي بها وحتى يفوقها ويضعها في مخ مصيدته لأجل تحقيق غايات مستحبة بأعظم قدر من الدقة، )تطور الرواية الحديثة – ترجمة لطفية الدليمي ص67-68

وفي هذا المقام لا يسعنا الا ان نستشهد بمقولة الكاتب الانكليزي سومر ست موم حول فن الرواية ولنكون موضوعيين ومنصفين في دراستها:-

 (إنني كلما فكرت في عدد العقبات التي على الروائي إن يجتازها، وفي مهاوي الزلل التي عليه أن يتجنبها، لا أدهش حين أجد حتى أعظم الروايات لا تخلو من العيوب ولكني أدهش فقط لأنها ليس فيها إلا هذا القدر من العيوب...).

في الختام لا يسعنا الا ان نشيد إشادة كبيرة في الجهد الكبير الذي بذله الكاتب في توثيق هذه الأحداث الهامة في تاريخ مدينة النجف وانتفاضتها في 1991، وقد تمكن بالفعل في إنتاج رواية تسجيلية يمكن ان تكون مادة ثرية ودسمة لفلم وثائقي مميز، تجمع بين الوثائقية التاريخية وبين الصياغة الروائية بأسلوب ممتع يجمع بين الواقعي والمتخيل صاحب الأرضية الواقعية، وكما قال سعيد يقطين:-

(ان الرواية التاريخية .. تنهض على أساس مادة تاريخية لكنها تقدم وفق قواعد الخطاب الروائي"القائم على البعد التخيلي مهما كان واقعيا وحقيقيا" وهذا مايجعلها مختلف عن الخطاب التاريخي) قضايا الرواية العربية الجديدة – الوجود والحدود ط1 2012م- دار الأمان الرباط ص159.

 وبذلك سجل نجاحا ملحوظا ومميزا في (ادبنة التاريخ) ضمن منظوره ومنهجه الفكري الذي لا نريد ان نكون حكاما على مخرجاته واستنتاجاته فهي حق من حقوق المؤلف فليس هناك كلمة محايدة كما يقول باختين

 (لكل كلمة صاحبها المغرض والمتحيز، ولا وجود لكلمات ذات دلالة عامة لا تعود لأحد) مختارات من إعمال ميخائيل باختين ترجمة يوسف حلاق ط1 2008 ص 235.

ولا شك ان هناك الكثير من الملاحظات سواء بالإضافة أو بالحذف بالموافقة أو الرفض لما ورد من إحداث وأسماء شخصيات في الرواية حيث ان الكثير من عاشوا وعايشوا واشتركوا في هذه الإحداث لازالوا أحياءً، وربما هناك لكل نجفي عاش تلك الفترة رواية حول هذه الأحداث الدامية، ناهيك عما حمله الشهداء والضحايا معهم الى دار الخلود .

 

 

 

رواية (قشور الباذنجان) للروائي الراحل (عبدالستار ناصر) ترجمت الجحيم العراقي، في سعير العنف الارهاب والجريمة والقتل والذبح، من كلا العهدين، القديم والحديث، مهما اختلف شكل نظام الحكم، فأن الرعب الوحشي، يتحكم في الواقع الفعلي، سواء كان قبل سقوط نظام صدام حسين، او بعده في عام 2003 . لقد اعتمد المتن الروائي، على مجموعة محصلات من دقائق مفاصل الواقع، وجمعها في اطار نسق روائي واحد، بالتقنية والتكتيك الحديث، في الفن الرواية الحديثة، في الحبكة الفنية، في اسلوب ولغة السرد، بالباذخة بالتشويق واللهفة والمفاجئة، لتخلق التشويق في مجريات احداث الرواية، بما فيها توظيف مبدع لعملية (فلاش باك) لربط الماضي بالحاضر، في نسق روائي مطعم في انجذاب وشد القارئ الى المتابعة لاحداث السرد الروائي، ان المتن الروائي اكتسب عملية صيغة ميلودراما في تصاعد الاحداث بكل مساراتها المتحركة نحو قمة الصراع والذروة، وبكل عوامل الاثارة والمغامرة والمجازفة في الاحداث المطعمة بالتشويق الرشيق ، انها دخلت الى اعماق الواقع العراقي ومعاناته المريرة، في كلا الجحيمين . جحيم صدام حسين، والجحيم الثاني بعد السقوط، ومجيء العهد الجديد الذي يعرف بالدم قراطية . لذلك لا بد من نظرة فاحصة لمتابعة المتن الروائي، وهو يسجل الكوارث التي حلت على العراق .

1 - الجحيم الاول: نظام البطش والاستبداد والطغيان، بأسم دولة الفرد (قائد الضرورة المنصور بالله) :

دخل الارهاب والطغيان بصورة عنيفة ومرعبة في حياة العراقيين، في جحيم البطش والجريمة والتنكيل، حتى اصبحت حياة العراقيين رخيصة وتافهة، مثل قشور الباذنجان التالفة والفاسدة التي ترمى في براميل الازبال، من اجل عيون (القائد الضرورة المنصور بالله) . لقد خلق الدولة الامنية المرعبة، في جمهورية الخوف . عبر اجهزته الامنية والمخابراتية، التي اطلق لها العنان في الاجرام والوحشية السادية . كأننا اما حالة من واقع رواية (1984) جورج اورويل من جديد، في الدولة الامنية للدكتاتور الواحد الاوحد . بأن ينظر الى المواطن نظرة شك واتهام يستحق الموت . لذلك راحت تحصي انفاس المواطنين كأن كل مواطن هو يحمل تهمة وجريمة، وفي تعامل اجرامي صرف لا يقل الشك، لذلك تحولت الحياة الى كوابيس رعب حقيقية، لا يمكن للعقل ان يتصورها بهذه الفادحة المأساوية، والويل اذا وقع المواطن في قبضة الامن، حتى لو كان بريئاً، فأنه لم يخرج سالماً دون عاهات، او حطام نفسي مروع (جرائمنا لا تشبه غرائب اي قاتل في الارض، انها مؤرشفة ومبرمجة بحسب نوع الضحية، هناك مفرمة لسحق العظام، وثمة احواض اسيانيد تمسح البشر حتى دون رائحة، وبينهما، بين المفرمة واحواض الموت، سترى رجالاً يغتصبون الرجال والنساء، امام ذويهم، وهناك من يتلذذ بقطع لسانك) ص29 .، اي ان اقبية الامن والمخابرات، هي مسلخ بشري يشتغل، في كل مزاجية وحشية جنونية، حتى ليحصل اي جلاد منهم على مباركة الرئيس القائد، من قبل رئيس دولة جمهورية الخوف والرعب، والمسالخ الخراف هي اهون بكثير من مسالخ الامن المرعبة، فقد تجد البهائم من الجلادين، تتسلى بالتعذيب الوحشي . مثلاً مسالخ قطيع الخراف، الخروف لا يتعذب في ذبحه، مثل ما يتعذب البشر الذين هم في قبضة الامن، فلم يعد الرصاص الوسيلة المشوقة لقتل السجين، فأن هذه الطريقة للموت، تعتبر رحيمة تشفق كثيراً على حال السجين، والجلاد لا يرغب بها ولا تشبع شهيته الجهنمية، بقدر رغبته في متعة مشاهدة الجسد المشطور بالسكاكين، وهو يقطع اعضاء الجسد بكل فرح جهنمي ودموي، على صراخ (الله اكبر) النغمة التي تطرب البهائم المتوحشة، في هستيرية الجنون .

2 - الجحيم الثاني بعد السقوط:

دخل العراق في عين العاصفة المدمرة بعد عام 2003 . في شكل الجحيم الجديد، ونوعية كوابيسه المرعبة، انها من نوع جديد غير مألوفة في المجتمع العراقي، في وحشية سفك الدماء بهذا الابتذال الوحشي والهمجي، في قتل الضحايا الابرياء، ورمي جثثهم في الطرقات والمزابل، حتى امتلئت الجثث مستشفى الطب العدلي، وليس بحاجة الى عمليات تشريح، سوى تجميع اشلاء الجثث، في جعلها في جثة واحدة متكاملة، مهما كانت نوعية اختلاف اعضاء الجسد، ونادراً ما تصل جثة الى الطب العدلي سالمة، هذه الحالة المرعبة اصبحت لا تطاق، من ضخامة الجثث المرمية وعمليات القتل الجهنمية بكل سادية جنونية، لكن هذه المرة تحدث هذه الفظائع من الاجرام، بأسم الله والدين والمذهب، في احترافية تقطيع الاجساد وذبحها، او زرف الرأس بالدريل، والقتلة في حلة الفرح الجنوني، فصار القتل على الاسم والهوية، في العهد الجديد الذي اغراق العراق في ظلام مرعب دامس (حل في بغداد، الخراب من نوع اخر، لم نعرفه، ولم نصدقه . سيارات مفخفخة . عبوات ناسفة . انتحاريون من الرجال والنساء والبهائم والمجانين . عمليات الخطف مبرمجة . القتل العشوائي في الاسواق والشوارع . القتل على الهوية . إن كنت شيعياً يقتلك السنة، وإن كنت سنياً يقتلك الشيعة، القتل ذبحاً، وهذه المرة على شاشات التلفزيون، امام مليارات البشر، خطف وسلب وحرائق وتخريب متعمد للبنايات والوزارات والمدارس . اغتصاب النساء والغلمان، ميليشيات لا تدري من هو قائدها . احزاب بالجملة . خراب لا يشبه اي خراب في التاريخ) ص121 . بهذا العنف الضاري والشرس، اصبحت حياة المواطنين مسلوبة ومستباحة في اية لحظة للموت، حتى المقابر عجزت عن استيعاب الجثث، لكثرة الذباحين والجزارين، وهم يتجولون في وضح النهار، هذه الحالة السوداوية الكارثية التي اصابت العراق، ونحرته من الوريد الى الوريد، وزادت معاناة المواطنين اكثر من السابق، الفقراء زادوا فقراً، وكبرت كروش الاغنياء، بفعل عمليات السحت الحرام والحواسم . والفساد بكل انواعه اصبح شريعة العراق المطبقة بالتنفيذ الفعلي والفوري، وبدعم كامل من قادة البلاد الجدد، الذين وجدوا فرصة ذهبية في الاشتراك في عمليات النهب والسلب، ويتركوا الحرية الكاملة للذباحين، لن يذبحوا ما يشاؤون ويرغبون، مهما كان العدد، وفي وضح النهار، لذلك تحول العراق الى مسلخ للذبح، يساقون المواطنين كالخراف (صارت الديرة محض (خان جغان) للذباحين الوافدين من كل حدب وصوب، رأس العراقي المقطوع بمائة دولار، ومن اجل ألف دولار، عليك ان تقطع عشرة رؤوس، مهما كان المذبوح، بشرط واحد، هو ان يكون عراقياً عربياً، او كردياً مسلماً . والحدود مفتوحة لمن يشاء، اما خطف النساء فهي نزهة، لا تحتاج الى شجاعة، حتى اذا كانت في وضح النهار) ص 140 .

 احداث الرواية وشخوصها:

1 - ياسر عبد الواحد: ترك الدراسة وامتهن مهنة النجارة كنجار . اعتقل بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي وهو في عمر التاسعة عشر ربيعاً، وسجن في سراديب الامن المرعبة . عشرون عاماً بالتمام والكمال، حين خرج من سراديب الموت، كان اشبه بكائن محطم جسدياً ونفسياً، من الاهوال المرعبة والوحشية، التي تعرض لها وذاق حنظلها المسموم، حتى لم يصدق بأنه خرج سلماً من المسلخ البعثي، يعيش وحيداً مع شقيته (سلافة) التي مات زوجها في حروب صدام المجنونة، ورفضت الزواج بعد ذلك، لانها لم تكن مستعدة نفسياً ان يحتل زوج اخر محل الزوج الحبيب المتوفي، لكنها في النهاية بعد الاحداث الدموية، وفقدان الامن ارتضت بالزواج من صديق شقيقها الحميم (حيران حالوب الراوي)، في احد الايام وقف بشكل مفاجئ غير متوقع، امام (ياسر عبدالواحد) في عتبة بيته، الجلاد في مديرية الامن، الذي كان يشرف على تعذيبه، وهو (دوهان معروف البيجات) الذي كان يكنى في مديرية الرعب الامن المخابرات بأسم (شمام الدم) (- اعرف انك ياسر عبدالواحد، واعرف كم يوماً حجزوك، هناك في العتمة، اعرف كم عذبوك، بل اعرف من كان يأتيك بالطعام، ومن يأخذك الى غرفة التحقيق، ومن كان يضربك بالسياط، حتى يسيل الدم من ساقيك، اعرف كل شيء، لهذا جئتك نادماً، ارجوك ان تغفر لي) ص6، هذه صحوة تأنيب الضمير من احد الجلادين، الذين تولوا على تحطيمه بوحشية بهائمية، فكان يتسلى في اساليب التعذيب الوحشي، وكان الدم يسيل من كل انحاء جسمه، حتى لم يسلم من الضرب وهو في حالة التبول والتغوط، فكان يصرخ به بفزع (ايها الشيوعي القذر، سنعلمك كيف تأكل هذا الخراء) ص9 .، ثم يأتي الى بيته ويطلب منه السماح والاعتذار والغفران، في اذلال واضح (أنا آسف على ما فعلته بك، اعتذاري لا يكفي، واي تعويض عما جنيت لا يكفي .. اريدك تسامحني، بارك الله فيك، ولك الحق في ان تفعل بي ما تشاء، حتى اذا شئت ان تذبحني) ص29 . ثم يترك كيس مليء بالدولارات ويختفي .

2 - حيران حالوب الراوي : كاتب في صحافة النظام، يكتب خربشات غير مقتنع بها ويتذمر منها، لكنها تعتبر طوق نجاة له، من وحشية النظام التي لا ترحم احداً، حتى لا يقع في فخها . ويمتهن اعمال تجارية، هي مروده الاصلي والمعاشي، وكانت هذه الاعمال التجارية، تتطلب الغياب بضعة ايام عن بيته، لكن زوجته (انيسة) تستغل هذا الغياب لاشباع شبقها الجنسي، بالخيانة الزوجية، ان تكون بسهولة في احضان الرجال الاخرين، حتى في الاخير اصطادت صديق زوجها الحميم (ياسر عبدالواحد) ووقع في الفخ على فراش الزوجية، حتى دبرت مسرحية مفبركة في الاختطاف، لكي تشبع نهمها الجنسي والشبقي، من عشاقها، ولما عادت من عملية الاختطاف المفبركة بعد عشرة ايام، عادت كأنها كانت في رحلة سياحية للراحة والاستجمام، اكتشف زوجها خيانتها، وطلقها ليتخلص من عارها الشنيع، لكن اهلها هددوا بالقتل، وممكن استئجار قاتل بمئة دولار ، اضطر بعد التهديد الى المغادرة الى الاردن، بعد ما تلقى رشة من طلقات النار على بيته، في الاردن تزوج من شقيقة صديقة الحميم (سلافة) . رجع الى بغداد لترتيب بيع البيت والسيارة والمتعلقات الاخرى، لكنه تعرض لعملية الاختطاف، وقد طلب الخاطفون منه، شراء بيت بنصف السعر وهم يحددون قيمة المال، حتى يطلقوا سراحه، فوافق على المساومة في اعطى البيت لهم، لكن قبيل عملية الافراج عنه، تعرض منهم الى عملية اغتصاب جنسي بطريقة دنيئة ووحشية، شعر بالاحباط النفسي، بأن كرامته وانسانيته تحطمت بشكل شنيع، لا يمكن ان يتحملها عقله ووجدانه، لذلك قام بمحاولة انتحار، في قطع شرايين يديه بالموس، لكن صديقه (ياسر عبدالواحد) تدارك الموقف وارساله الى المستشفى، نجى من محاولة الانتحار، لكنه ظل محطماً ومنهمشاً لا يقوى على تجرع الاهانة الشنيعة، كأن حياته اصبحت بلا ثمن من العار الذي اصابه، وبعد ايام من غيابه المفاجئ، وجدوا جثته في الطب العدلي، سالمة من اي خدش، وربما قام بمحاولة الانتحار الثانية .

- رواية (قشور الباذنجان) للروائي عبدالستار ناصر

- صدرت عام 2007

- اصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر

- 220 صفحة

 

 

 

بعد أربع إصدارات سابقة يعود أوّلها إلى 1995 في القصة والرّواية والنقد يُطالعنا محمّد عيسى المؤدب بمولود جديد في الرواية : "جهاد ناعم" من اصدار "دار زينب للنشر والتوزيع في 258 صفحة

هي ورقات من سيرة البطل "نضال فتح الله" العائد إلى تونس: خرّج حرّاقا يتاجر بقوارب الموت وعاد إرهابيا

 هذه الرّواية شهادة على تمكّن الرّواية في المشهد التونسي والعربي

تقرأها، للوهلة الأولى تتبيّن أنّه أثر من الحجم الثّقيل يعكس عمق الوعي بالأزمات التي تعصف بواقعنا المهزوم انطلاقا من المحلّي مرورا بالوطني فالإقليمي والعالمي فيستبدّ بك عمق الطرح ويشّدك أسلوب مُغري وسلس يجعلك تغوص في عالم الرّواية وتتفاعل مع قضايا هذا الواقع المرير الصادم منذ أوّل العتبات النصية أي العنوان

فالعنوان وحدة دلالية متماسكة تأخُذ بالقارئ للإبحار في عالم النّص وتكشف عن مدى وعي الكاتب بهواجسه لذلك إمّا أن يحدث تّناغم بن هذه العتبة والمتن فتكون هذه العتبة في النّص بمنزلة الجسد من الرّوح أو تكون العتبة صادمة بنية المراوغة وشدّ انتباه المتلقّي وهو من عوامل الإثارة والتحفيز على خوض مغامرة النّص

لذلك العنوان ليس كلمة عابرة توضع اعتباطا بل هو من الدّلالات الفنية قيمتها تتحدّد من خلال علاقتها بالنصّ.

 قراءة في العنوان: "جهاد ناعم"

على ضوء هذه الإشارات نقرأ عنوان رواية محمّد عيسى المؤدّب "جهاد ناعم" قراءة تبيّن ما في هذه العتبة من جمالية ودلالية صادمة.

ورد هذا العنوان في صيغة جملة اسمية مُختزلة نكرة تعمّد الكاتب تغييب المبتدأ فيها. ف"جهاد ناعم" عنوان نكرة لمبتدأ محذوف فمنذ البداية تبدأ المراوغة فنتساءل هل الجهاد لا يكون إلا بأدوات نكرة؟

الجهاد هو مصطلح سياسي ديني وعقيدةٌ لعمليات عسكرية في فترات تاريخية سابقة يقترن بالقوّة والعنف ويقوم أيضا على كبح جماح النفس ومجاهدتها على الأهواء . وفي كلتا الحلتين تكون الشدّة لكنه هنا اقترن بالنعومة واللين. فهل يكون هذا التشبيه وهذه المفارقة مدخلا مغريا للامساك بناصية النّص؟ أو لعلّه يعكس حيرة الكاتب الرّافض لهذا الواقع المرير المخزي فيكون هذا الجهاد النّاعم شكل من أشكال الرّفض فيكون العنوان حمّال دلالات مثيرة:

  مقاومة وعنف # نعومة ولين (طباق)

فنتساءل كيف يقترن الجهاد بالنّعومة في عالم يُفترض فيه البقاء للأقوى . إنّ التاريخ البشري قائم على الصّراع من أجل البقاء فهل أراد عيسى المؤدّب مُخاتلتنا لنقف على شيء ما غير عادي في الرّواية؟

 قراءة في المتن والشخصيات

في النص:

هذه الرّواية ورقات تقاطع فيها الواقع بالتّاريخ والرّواية الأدبية بالأسطورة والخيال الشعبي بالأغاني الشّبابية والشعبية

لغتها سلسة ،شاعرية في مواقع عدّة مزجت بين العربية والعامية والأجنبية أحيانا. لغة وظّفت دلاليا في مختلف السّياقات عبّرت عن الوجع وكشفت كمّا من المعاناة والهموم .

طرحت قضايا عديدة حارقة كالواقع الاجتماعي المهتري ومشكل الهجرة السّرية عبر البحر والحرّاقة . مشكل الزّواج بالأجانب سرقة الآثار... حوار ضفّتيْ المتوسط..... الجنوب والشّمال....في إطار أحداث " الرّبيع العربي." وعلاقة الحاكم بالمحكوم....

رواية اختزلت تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في معلم تاريخي لم تبقى إلا آثاره شاهدة على العصر هو قصر النوبة وجعلت منه الإطار المكاني والزّماني الذي انطلقت منه الورقة الأولى من الرواية لنرى لوعة الكاتب على ماضي تليد ذهب ولم يعُد . لم تبقى منه سوى الذّكرى والحنين .فهل هذا يعني أن الكاتب يجرّنا بقوّة لإعادة استقراء موروثنا الحضاري والوقوف عليه من جديد ومساءلته قصد حمايته من الشوائب التي علقت به زمن الانحطاط وبعثه من جديد ؟ موروث يرتقي إلى مستوى القداسة استثمر بطريقة سلبية مدروسة ضمن أجندات خارجية تستهدف ماضينا وحاضرنا.

 

إنّ الرّواية تطرح مفارقة صارخة بين عهدين للحضارة العربية الإسلامية: النهضة /السّقوط والواقع المعيشي المزري في رحلة بحث مضنية... شاقّة... مُرهقة وتضع الإصبع على بيت الدّاء فكأني بالكاتب هنا يُعيد طرح سؤال" لماذا تقدّم الغرب وتأخّر العرب"من جديد

رواية تُفتح أدراجا عديدةً لقضايا من تاريخ العالم وتاريخ تونس عبر عصورها من القديم إلى الآني... حقبات تاريخية تتمفصل حولها أحداث الرواية وتجعل لتونس دور محوري في منطقة البحر المتوسط وفي العالم العربي وهذا يعكس مدى إستراتجية هذا الموقع في المنطقة : بوابة إفريقيا وأوروبا. ويفسّر تقاطع الأحداث مع الواقع التونسي ويعكس أيضا مدى تأثّر المنطقة العربية بما يجري فيها من أحداث سياسية. وما التأثر بأحداث ما يُسمّى " بالرّبيع العربي" إلّا شاهدا على هذا الترابط.

 فرواية جهاد ناعم تناولت بالطّرح أحداث "الرّبيع العربي" بكلّ جرأة وطرحت جملة من التساؤلات حول مهندسيه وأجنداته وأبعاده وآلياته ومعاول تنفيذه ورهاناته على المنطقة العربية ففتح بذلك عيسى المؤدّب " موضوعا مازال المنتِج العربي مُقلاّ لجدّته ورهبته " كما جاء في تقديم الرّواية للدكتور علاوة كوسة ."جرأة " جعلت محمد عيسى المؤدب الأسبق للنهل من هذا المشترك.

من تونس انطلقت الرّحلة وبالتحديد من" كاف غراب "بعرض سواحل مدينة الهوّارية . رحلة دامت 5 سنوات من 2008 تاريخ انطلاق أحداث الحوض ألمنجمي زمن حكم بن علي إلى سنة 2013. ثلاثة سنوات على اندلاع ثورة 14 جانفي 2011 في فترة الحكومات التي عقبتها

 جهاد ناعم. رحلة شباب رافض لواقع اجتماعي وسياسي متأزّم وجائر ناتج عن العولمة وافرازاتها... " للفوضى الخلاّقة " في تونس وفي الجزائر والمغرب ومصر وإفريقيا جنوب الصحراء وفي ليبيا وسوريا وفي كلّ مكان شباب مهمّش (نساء ورجالا) يعيش خارج دائرة الضوء عاطل عن العمل موجوع في علاقاته وفي نفسيته وفي ثقافته وفي منظومته التربوية وفي واقعه الاقتصادي : فقر خصاصة .... استنزاف الثروة ... استغلال... اضطهاد... تجهيل. .. تصحّر فكري وعقائدي... يعيش اغتراب حضاري لكنّه حالم بغد أفضل يرنو الى الضّفة الأخرى للمتوسط – الضفة الشّمالية –حيث الجنة الدنيوية لا يفصله عنها إلا بعض الأميال البحرية (والعالم أصبح قرية صغيرة) علّه يفوز بالجنّة المفقودة لديه . في رحلة ليست سندبادية يقودها" أثريا ء عالَّمه"....بل في رحلة سرّية عبر قوارب الموت نحو مصير مجهول وقودها حلم هذا الشباب في مغامرة بحث عن هذا الحظّ السّعيد وقلب الواقع المهزوم...بحث عن الحظ تكون فيه الثروة والجمال والرّقة والاستقرار وأيضا الانتقام لجرح أو لعرض هُتك أو لردّ اعتبار ضاع... سلاحه في ذلك المخدّرات ، القذارة الكحول.....

 الأرضية مهيّأة ومستعدّة نفسيا وماديا للقذف بهذا الشّباب في محرقة الجريمة المنظّمة وقابل لكلّ الانحرافات. فكتب محمّد عيسى المؤّدب بحسّ مرهف وواع عن انهيار أحلام شخصيات الرّواية وعن تمزُّقها وحيرتها وخيبتها وإحباطها وعن المجهول الذي ينتظرها في عالم تتلاطم أمواجه ويأكله الضّباب في عالم المافيا والجريمة المنظمة والفساد المستشري وعن تجارة البشر وسرقة الآثار وانتهاك تاريخ الشعوب والإرهاب وجهاد النّكاح... وأجندات لإعادة تقسيم الخارطة العربية وسرقة تاريخها... وتركيا المتوثّبة لتضع لها قدما من جديد في المنطقة العربية . وايطاليا هذا الهجين الحضاري بلد المافيا والجريمة المنظمة مركز التخطيط والقرار.....

 رحلة يقودها نضال فتح الله بطل الرّواية. يقودها بين الذّاكرة وأبعادها التاريخية انطلاقا من مَعْلَمِ قصر النوبة بجزيرة شريك وواقع اجتماعي وسياسي مريض بقيم مادية مقيتة أفرزها نظام دولي سليل الاستعمار جائر أمعن في فكّ أواصر المنطقة العربية ونهب ثرواتها وتقزّيم أبناءها بطل يتعثّر به الحلم ويكون الفشل..

في الشخصيات

شخصيات الرّواية تحمل جنسيات عديدة... وظّفت في خدمة أبعاد مختلفة: اجتماعية وسياسية ونفسية ووجدانية جعلها الكاتب وسائل فنية حمّلها موقفه من الأحداث

كانت شخصيات الرّواية شخصيات مهزومة ومفعول بها يطغى عليها التّشرّد أقحمت في هذا العفن من بداية الرّحلة إلى نهايتها فجاءت صدى لمفهوم الخيبة والمأساة تعثّر بها الحلم على واقع القهر الاجتماعي شخصيات تعيش صراع بين ثُنائيات : واقع متأزم / حلم . وطن / غربة . خوف /اندفاع. حياة / موت . مُتْعَة / قَرَفْ....

فكانت شخصيات فاشلة رغم إصرارها على التّحوّل الايجابي والتمسّك بإرادة الحياة وحبِّ النّجاح إلا أنّها تتحوّل إلى معاول هدّامة بأبسط التّكاليف لتنفّذ أجندات خارجية تُحرَّكُ بأيادي معروفة تسطّر المسارات .انطلاقا من أنفاق مظلمة .حانات خانقة .. غرف مغلقة....

"جهاد ناعم، رّواية تعكس العلاقة ألا متكافئة بين الغرب الفاعل والشرق المفعول به: غرب ينعم باللين والاستقرار شرق يكتوي بمخطّطات المحرقة

 

الأستاذة نعيمة الحمّامي تونس

 

 

(سبب إستهجان الوضوح المفرط في عبارات المشاعر هو لأنه يشل حركة الخيال، ويُبطل عمله، بيد أنه يجب أن يقال هنا : إن رفع ذلك النقاب واجب بل وفرض مقتضى على الشاعر كلما تسنى له رفعه دون إخلال ٍ بالمعنى أو تعطيلٍ لمتعة الخيال)

عباس محمود العقاد

 

يؤخذ على غالبية كتاب النصوص النثرية الرومانسية إنغماسهم في فيض من البساطة

وتحويل البنية الإبداعية الى أسلوب تقريري يقربه من الحديث العادي على حساب مقومات الجذب والتنويع واللغة المتماسكة . لكنه يبدو أن آيدان النقيب أدركت هذه الاشكالية فبذلت جهداً مضنياً للحفاظ على حيوية مفرداتها وإضفاء المسحة الشعرية على نصوص مجموعتها الموسومة (الباب الذي أطرقه جدار) المطبوعة في كركوك في العام 2012، المثقلة بالهواجس الذاتية والمفعمة بالحزن العميق، بعدما أفلحت بمهارة في بعض نصوصها حماية السلاسة من الإبتذال ووضع حدود فاصلة بين البساطة والركاكة .. وتفريغ الشحنة الهائلة التي تمور في سويداء القلب، بهدف إنفراج مؤقت للأزمة المستحكمة في الدخيلة الموجوعة .

يتناول شاعر امريكا هنري ونجغيلو وهو أول أمريكي ترجم الكوميديا الإلهية لدانتي ظاهرة التبسيط المفرط في الكتابة فيقول : في الأدب، في الأسلوب، في كل شئ .. التفوق الأسمى يكمن في البساطة، ويتوائم طرح البروفسيور هوغلاند مع هذا الاتجاه فيؤكد هو الآخر على أن : البساطة هي في الواقع وفي كثير من الاحيان علامة على الحقيقة ومعيار للجمال، ومن هنا مضت آيدان النقيب على هذا السبيل فأنتجت نصوصاً ماتعة تتدفق الكلمات فيها بتلقائية واضحة متمادية في عفويتها العذبة لتفرش أمامنا مساحة واسعة من البساطة المشحونة المترعة بالموحيات الغنية والمهارة الكامنة في جعل السلاسة تترفع عن الإبتذال، وتصنع فارقاً بين البساطة والتعبير الركيك .

وتركن آيدان الى عفويتها الساحرة بدلاً من الحرص على القواعد الكلاسيكية للشكل الفني لوظيفة الشعر، فتتجاوز بقصد واضح البناء الفني للقصيدة وتدير ظهرها للإيقاع الشعري بشكليها الظاهري والخفي وخاصة الوزن والقافية وتقفز على اشكال البناء الشعري المعروفة لتحلق بمفرداتها في فضاء نثري فسيح، معبرة عن احاسيسها وخوالجها وتطلعاتها في حديث رومانسي مكثف جعلت (الأنا) محورا قائماً بذاته بل هو الأهم في المجموعة كلها .

تدور بي الريح مسمارا

فأجد تواريخاً بلا عودة

كل شيء أسميته بإسمك

المن والسلوى ... الياقوت والعقيق

ولأن لقياك عسير المنال

في زحمة الجرح الجديد

زرعتُ إسمك وشماً في يدي !

قد تكون الكلمات عادية يتسم ظاهرها بإنسيابية طلقة، إلاّ أنها بلا شك ندية ومعبرة تأسر الإنتباه، وتستحضر لغة شعرية تتخطى الى نثرية تنبع من منهج ذوقي واضح المعالم وهي إذ تتشكل بصورة ماضٍ سخي يتدافع نحو المتلقي فهي أيضا حارة تتقمص زخم أزمة البعاد لتؤسس لإنتظار قد يطول، إنتظار يتغلغل عميقا في رجاء ملح يتحول الى مناداة ساخنة عبر كوّة ضيقة تمرق المفردة من خلالها الى الأعماق المشحونة بالأسى والإنتظار، وبخداع الذات التي توجه لها النداء مباشرة :

يداي موثوقتان

أمام طيفك المحاط بالأسلاك

مرّ الحكايات

تنفجر في فمي

ومساحة قلبي

حَرم لحزنك

عنوانك بلا نقاط

لا أريد لك عرش كسرى

ولا مفاتيح قارون

دعيني ...

ألصق اوراقا خضراء على غصنك الجاف !

وترمي حدة الصراع الداخلي والإنسيابية المفرطة والمفتقدة الى العلاقة غير المتوازنة مع محيطها، بظلالها على تجربة آيدان التي تشي بالكثير من إرهاصات المعاناة الأليمة وإستحالة العودة الى اللحظات الرغيدة . فتتوالى النصوص التي يهمن عليها إجترار سافر للذكريات المنطوية، فارشة بتلقائية مذهلة دواخلها المكتومة على بساط من الوجع الآسر في محاولة نحو لملمة شعث التجربة المريرة التي عاشتها وحيدة، وهي تشعر بالضياع وتعاني من العزلة في مسيرة محفوفة بالتساؤلات:

ضيعت طريقاً

كنت ُ أسير فيه مغمضة العينين

أعود وأبتكر حلماً

أهناك معبرٌ سريٌ

لأعبر دون أن ينصت أحد؟

وإذ هو في الطرف الآخر خلف غمامة سميكة من التجاهل والصدود، فإنها هي الأخرى لا تكف عن الأمل .. تتفنن في إبتداع الصور الآخاذة في لمسة سلسلة وتوافق نافذ عميق يتجلى في إستحضار اللحظات المرصعة بالوهج والرؤى :

رجوتك برب السماء

أن تخلع ثوب الجمود

إطلالتك ألف عيد

وغيضك ألذ وأجمل

من عسل مسكوب !

وتنهمك آيدان بدينامية بينة للحفاظ على ذروة الموقف وشحن كلماتها بحزمة رغيدة من الوعود النضرة لتحرك الداخل في المقابل لكي يتفاعل مع رجاء التناغم و ضراوة الحاجة السايكولوجية الماسة الى لقاء، إنها تستحضر قدراتها كلها بصوت راجف موح بالتفاؤل النادر وبحس نابض متوهج عساها تلقى الإستجابة المفتقدة :

أناديك بإسم جديد

لن أبخل ...

بزرع الأنجم تحت قدميك

أحضنك بقوة

أصلب قامتي فداءً لمقدمك

في غيابك بكيت كي تعود

فحبك لا يكفيه قلبٌ واحد !

ولأن آيدان النقيب مسكونة بهاجس دائب لحوح وتشبث مستميت لتحريك سكونية الغافل العاتي العنيد، الغالق لأذنيه عن نداءات الفؤاد المفعم بالرجاء والود الضائع .. فإنها تدرك عجزها بالمرور عبر الجدار السميك نحو الجانب الآخر وتعي تماماً إستحالة الولوج من الأبواب المغلقة نتيجة خضوعها للمعادلات المعقدة والشراك المنصوب للمرأة في بيئة ذكورية تحول دون الإسفار الصريح عن مكنوناتها الذاتية واستحالة البوح بالهم الذاتي، فترنو الى الإستعانة بالموحيات العاصفة لكن المسافات تتباعد والخضوع يبقى هو الخيار الفريد :

أتكأ على مهب الريح

أدق رأسي ببابك

فأجده جداراً

أردد الأغاني

بحنجرة لا تعي

فتصقلني المسافات

وتذكرني

بالسقف المفقود !

وبإستسلام أنثوي لين وسهل، وتقنية تعبير دقيقة متلفعة بمشاعر صادقة عميقة، تنحي آيدان بألفاظها المنتقاة نحو الإعتناء بمقاصدها في تزويد هذه الألفاظ بطاقة إيحائية ودلالات تعبيرية غنية، ترتقي فوق بساطة اللغة لتوظف بإقتدار أسلوب المخاطب الممتزج مع رهافة الإحساس وهشاشة الموقف الممتلئ يأساً وقنوطاً وفزعاً من الخطر الداهم الذي يحول حتى دون التمني الذي هو أبسط ممارسات النفس في الحياة تحت سماء ضنينة وعقيمة :

أتهجى أبجدية الحزن

لأجدك في أدغال حزني

أعود كالأرنب المذعور

من خفاش مسعور

فليس لي حق التمني

لأن سمائي لا تعرف المطر !

وبفضل مخيلتها النسائية الرومانسية تفتح آيدان آفاقاً جديدة توظف خلالها صورها الشعرية في حساسيتها التعبيرية فتسمح عبرها لمفردتها أن تسيح وتمتد نحو حقول المواعيد المعطلة والثمار غير الناضجة والسبل الشائكة، وتعلن بإسفار يتخطى المحددات الإجتماعية والإنسانية عن البديل الذي تختلقه، لتمنح النص شلالاً من المعاني و وهجاً مشعاً، قادراً على الحياة والحلم بإنتظار القادم مجدداً :

أعانق وجهاً يشبه وجهك

أسمعه بلسان أخرس

ليتني أنساك أحياناً

فأصدق أكذوبتي

أباشر بحصاد المواعيد

سلال فارغة / في عربات عاطلة

والدرب يتسع للرحيل

أغمض عيني .. أملأ رئتاي

وأحمل البدء

وأنتظر من جديد !

إنه الرجاء الندي في بيداء مقفرة شاسعة ليس لها حدود منظورة، وإنه إبتهال صوفي من خلال نص غارق في الخصوصية، ينمو في بيئة حزينة موشحة بالقنوط، تؤرق آيدان النقيب وتحيل يومها الى سعير، فيما هي لا تكف لحظة عن التطلع للآت الجديد .

 

 محمد حسين الداغستاني

 

 

إذا كان البحر قد عبّر في الأدب العربيّ بشكل عام عن الحياة بصراعاتها وتجاذباتها، فإنّه في رواية "أرواد"(*) يمثّل وطناً خاصّاً لمصطفى البطريق، القبطان الذّي لا ينتمي إلى مكان، الّذي قادته الحياة فقادها سفينةً تبحر ولا تصل ولا تريد العودة. مصطفى البطريق، الأرواديّ الأصل الّذي عاش في الميناء الطّرابلسيّ، أبحر في الحياة قبطاناً مدمناً السّفر والخمر والنّساء. وسيكتشف القارئ في هذه الرّواية شخصيّة حملت في ذاتها اختبارات حياتيّة جمّة واستخرجت حكمتها من البحر، واستخلصت منه خلاصة الحياة. بل كان له عالم خاصّ حميم صقل خبرته بالعرق والدّمّ.

"لكلّ نصّ روائيّ بحره" يقول النّاقد المغربيّ إبراهيم أولحيان. ولهذا النّصّ الرّوائيّ بحره الّذي رمز إلى الحياة بكلّ مراحلها وأشكالها. وتعامل معه الكاتب كوصف من الرّموز الّتي لا يمكن القبض عليها إلّا بارتباطها بشخصيّة القبطان مصطفى البطريق. فالبحر بدلالته الحركيّة المصوّرة للولادة والتّحوّلات والإحياء، ارتبط بالقبطان حتّى أصبح البحر أشبه بتوأمه. يحيا مثله بحركة دائمة مستمرّة، تتضمّنها التقلّبات، والهزائم والانتصارات. ناهيك عن أنّه استعان برمزيّة البحر ليستخلص منه أسرار الحياة من حيث العمق الفكري والقيمي والإنسانيّ. ولعلّ الكاتب أخفى ذاته وراء الشّخصيّة الرّئيسيّة (القبطان) ليعبّر عن فكره الخاص وهواجسه المتعلّقة بالدّين، والحبّ، والأخلاق، والسّياسة... فأتى النّصّ الرّوائي مشبعاً بالتّساؤلات الّتي يمكن أن تستفزّ القارئ، أو توخز ضميره الإنسانيّ، وتضعه أمام ذاته ليعيد النّظر في اعتقاداته وقناعاته الموروثة. وتحثّه على تفحّص واقعه العام والخاص الّذي لم يتغيّر بفعل تشبّثه بشعارات بالية استهلكها العقل دون فعاليّة.

يبدو القبطان مصطفى البطريق للقارئ شخصاً مشبعاً بالخبرة، مطّلعاً على الأمور بتفاصيلها الدّقيقة. يحكي سيرة حياته لأستاذ يرافقه في جميع فصول الرّواية تقريباً. وكأنّي به رفيق القبطان المبحر بسفينته بطريقة عكسيّة إلى الذّكريات المحمّلة بالفرح والحزن، الانتصار والهزيمة، الحكمة والجهل، الحبّ والتّخلّي... وفي شتّى الحوارات القائمة بينهما، يلمس القارئ قسوة الواقع الإنسانيّ الّذي يرفضه القبطان، ويعبّر عن هذا الرّفض بأسلوب بسيط غير منمّقّ، وقد يميل إلى البذاءة أحياناً. فيشمئزّ القارئ تارّة منه، وطوراً ينغمس في القراءة وكأنّه أمام مرآة تعكس أسلوبه المماثل في تعبيره عن الرّفض. وإن دلّ هذا الأمر على شيء، فهو يدلّ على شخصيّة القبطان الّتي شكّلها البحر، من حيث التّأثير البنيويّ النّفسيّ وتركيبة الشّخصيّة المماثلة بشكل أو بآخر للبحر. فتارة يتلمّس القارئ هدوء القبطان وحكمته وانفتاحه، وتارة هيجانه وثورته، وطوراً تقلّباته العاطفيّة والنّفسيّة. وها هو في سرده لأحداث حياته، يقذف أدرانه إلى السّطح ليحافظ على نقائه الدّاخليّ، كما يعبّر عنه في بوح لرفيقه:

"حنّت نفسي إلى سفوحكم. جاعت روحي إلى جبالكم. قلبي يصلّي متّجهاً إلى قبلته الخضراء. حيث تستريح قريتكم على ذاك المنحنى الشّامخ. تعال نعيّد معاً في الغابات والسّفوح والأودية. إنّ جبالكم بحر آخر، زاخر بأمواجه، لا نهائيّ الزّرقة والجمال." (75).

على الرّغم من أنّ البحر، "هذا العالم العائم، أكبر من أن نحيط به"، كما يذكر الرّوائيّ حنّا مينة، إلّا أنّ القبطان عبّر عن انصهار شبه تامٍّ به، إذ إنّه لم يُغلَب يوماً ولم يستعصِ عليه أمر، بل كان دائماً أشبه بالبحر الّذي يتميّز بالسيطرة والنّفوذ.

"أقسم لك، أنا السّندباد البحريّ الّذي انتصر على الحوادث الطّارئة، ونجح في كلّ امتحانات الحياة، إنّي لم أفشل إلّا في حياتي الزّوجيّة. وكم أنا مزهوّ بهذا الفشل، فالسّقوط عند أقدام أمّ فريد انتصار" (ص94).

القبطان العاشق، المدمن على النّساء، المتفلّت من كلّ قيد إلّا من قيد واحد، ألا وهو الحبّ الّذي حفظه في قلبه لامرأة بلغاريّة لم تعتبره سوى أخٍ. ظلّ حاملاً في عمقه طيفها وشوقه إليها ورغبته في اقتحام بحرها. ولعلّ هذا الحبّ دلّ على إنسانيّة القبطان العميقة الّتي قلّما تظهر في الرّواية من حيث بروز صلابته الّتي لا يمكن هزمها. فالقبطان الّذي اكتسب خبرته بالعرق والدّم، والّذي لم يرتبط إلّا بالبحر، يحتفظ بداخله بإنسانيّة عاشقة شكّلت توازناً في الشّخصيّة لتخلق بحر القبطان الخاصّ الّذي حاول أن يرسو على شاطئه ولم يقوَ إلّا في لحظة هذيان الموت:

"اللّيلة زارتني كيتي وزرتها. سرنا معاً والثّلج يخشخش تحت أقدامنا في أزقّة "بورغاس" وأسواقها... كانت كيتي مبتسمة تلفّ شالاً من الكشمير حول عنقها. والثّلج ينهمر على شعرها وكتفيها... تسلّقت وإيّاها الهضبة المشرفة على المدينة والبحر. وجدنا هناك كنيسة تختفي بين الأشجار. قالت تعال ندخلها لنصلّي. تعال نوقد أمام المذبح شمعة حبّنا الأخيرة بأصابعنا العشرة. صرختُ لا. سنصلّي في العراء. وسنمشي عراة في الثّلج. إنّ أبانا السّماويّ سيكون في غاية السّرور إذ نسجد له بين الأشجار أو نقف متعانقين متأوّهين من البرد والحبّ". (ص101).

سيجلي هذا المشهد في النّصّ الروائيّ عن القبطان همّ الشّوق والتّوق إلى الحبيبة. وسيبدّل نظرة القارئ إليه. فمن قبطان ماجن، عاشر العاهرات، وقصد المواخير والحانات، إلى قبطان حالم بعُري الحبّ الّذي تاق إليه. فيرتدّ هذا المشهد عكسيّاً ليبدّل مفاهيم ظهرت في الرّواية عن الحبّ والجنس، ويدلّ على إنسانيّة ظامئة إلى حبّ أعمق من المتعارف عليه. ولعلّ الصّلاة في العراء توحي إلى الحبّ المنطلق بلا حدود، كالبحر الّذي حدوده زرقة السّماء.

كما أنّ هذا المشهد سيعزّز وجهة نظر القبطان للعالم الإلهيّ. فالقبطان الّذي لم ينتمِ إلى مكان، لا يظهر في الرّواية منتمياً إلى عالم دينيّ خاصّ. بل إنّه منفتح على الله بروح طفل وحكمة عجوز، ليعبّر عن حرّيّة إيمانيّة متفلّتة من التّعصّب والتّشدّد والارتباط بالمكان والطّقوس والشّعائر:

"أنا العجوز الّذي لم يحلّل شيئاً ولم يحرّم في حياته شيئاً. ولكنّني أؤمن بالله. لا يمكن لإله عظيم أن يضع عقله في عقل مخلوق حقير مثلي. إنّه سيسامحني على ذنوبي الصّغيرة والكبيرة... الأب يا أستاذي العزيز، لا يميّز بين أبنائه، بل ينظر بعطف زائد إلى ولده الأزعر. وكذلك هو الله، له المثل الأعلى. لن يميّز بين من يصلّب له بالثّلاثة أو بالخمسة، ولا بين من يصلّي واقفاً أو راكعاً. المهم أن يصلّي بقلب خاشع. ربّنا لا يؤاخذ الطّفل الّذي يقلب الرّاء لاماً وهو يتلو سورة الفاتحة، أو الطّفل الّذي يغمغم وهو يصلّي الأبانا... ربّنا ينظر إلى قلب الطّفل ووجهه البريء." (ص 55/56).

مصطفى البطريق الّذي اصطفاه أبوه ليصبح بحّاراً مثله، فأصبح قبطان سفينة. قاده البحر إلى عالمه المتناقض المتقلّب المزدحم بالمفاهيم والهواجس، فقاده هو في حياة استحكم فيها مصطفى البطريق حتّى النّهاية.

لعلّ الكاتب في هذه الرّواية كتب روايته وهو محمّل بالعديد من الإشارات الثّقافيّة والخبرات الإنسانيّة من أسطورة السّندباد إلى رمزيّة البحر الكونيّة والصّٰوفيّة، وكذلك الدّينيّة والأعمال السّرديّة والشّعريّة، ليصنع بحرا خاصّا، أبحر فيه بسفينة التّجربة الشّخصيّة الّتي دلّت على عمق التّأثر والتّأثير، لينتج عملاً أدبيّاً يستدعي كلّ ذلك ويشير إليه.

 

............................

(*) الرّواية من منشورات ضفاف في بيروت ودار الأمان في الرابط- 2017.

(*) نبذة عن الكاتب: مواليد 1969، بيت الفقس الضنية. حائز دكتوراه دولة في الحقوق وإجازة في اللّغة العربية من الجامعة اللّبنانية. أستاذ متفرّغ في كليّة الحقوق. صدر له ستّ مجموعات شعريّة وأربعة كتب في النّثر والرّواية وأربعة  كتب في القانون.