yousri abdulganiالرواية التي معنا تنحى إلى الاتجاه الفلسفي،  وأعتقد أنه من النادر في هذه الأيام أن تجد رواية تدعوك إلى أن تفكر، وأنت أمام لوحات سريالية تعكس واقعنا بكل همه وغمه ومتاعبه، الرواية هي (سورة الأفعى) للكاتب الشاب المجيد / مصطفى الشيمي، والصادرة هذا العام عن دار الربيع العربي بالقاهرة، في 229 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على إحدى عشر فصلاً، وأربع حواريات حواريات يصل فيها إلى قمة الشاعرية السردية،  توزعت على فصول الرواية ..

الرواية عالم خاص جدًا ومتفرد ينبع من خصوصية متفردة، وتأتي في لغة شاعرة راقية في صياغتها، ولا توجد بها أخطاء أسلوبية أو زيادة أو حشو، بمعنى آخر لغة مصقولة رائقة، رغم التعبيرات أو الألفاظ الحميمية التي جاءت موظفة  لخدمة السياق السردي للرواية ..

كل مقطع يشكل قصيدة نثرية مشبعة بالسرد الواعي، ومتابعة القراءة تشعرك أنك مع  كل سطر  أمام كاتب محترف، كاتب كتب وصقل وراجع مسوداته آلاف المرات، فهو يفهم معنى الرواية، ويمتلك أدواتها، وقد يقول البعض : إننا أمام نص أدبي ينتسب إلى الرواية، إلا أني أرى أن الكاتب استوفى عناصر الرواية كاملة : الشخصيات، الحدث، الصراع، البداية، النهاية، ونجح أن يمزج بينها في جلاء وحرفية ..

مصطفى الشيمي الذي سبق له أن كتب العديد من المجموعات القصصية، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية، أجاد ما يسمى فلسفة المتناقضات أو رصد المتناقضات وبمعنى آخر وقائعنا الأكثر غرائبية  : الصواب والخطأ، الصدق والكذب، والقواد والشيخ، العهر والقداسة، وتشعر أن الكاتب لا يعنيه من بعيد أو قريب واقعنا أو حتى خيالنا، في النهاية يؤكد لك أنه ليس هناك حقيقة مطلقة في هذه الحياة، الحقيقة لها ألف وجه ..

أنت تمشي مع شخوص الرواية : مسوخ / أولياء / فاسقين / عاهرات / بريئات / سيدات فاتنات أو مشوهات / رجل كُهنة / طفلة يونانية / طفلة أرمانية / طفل شيخ أو شيخ طفل / عروس نيل ريفية / أب سكير أو تائه / نعيق غربان / حلكة الظلام / خيال مجنون أو مخبول / خيال مبدع / عالم بلا إجابات / عالم ينعدم فيه العقل / أحدب له عالمه الخاص / الساحر / أم علاء / أغنية سمعناها من قبل / 15 رجلاً ماتوا من أجل صندوق / الأحدب القواد السجين ....

أنت أمام رموز وشفرات وشخصيات لا يستطيع فكها قارئ عادي إلا أن تحلى بالصبر والجلد من أجل أن يعي الرواية التي معه، ولو فعل ذلك ما ندم على الإطلاق، فالرواية تجمع بين طرفي المعادل الموضوعي، الفكر والمتعة الفنية، فالكاتب يستند على ثقافة واسعة شاملة، فرعونية / وقبطية / ويونانية / ورومانية / وإسلامية، حديثة  قرأ جميع الأساطير والحكايات والقصص الشعبية، وعرف معنى الأنثربولوجيا والميثوبولوجيا، أضف إلى ذلك أنه عاش حتى النخاع في أحيائنا الشعبية، وأزقاتنا وحاراتنا، عرف مصر رغم أنه مازال شابًا بكل فسيفسائها من أسوان إلى الإسكندرية، كل ذلك عكسه لنا عبر لغة دالة نوع فيها بين الخبر والإنشاء، ولم يته في التقديم والتأخير، وفي لعبة تشكيل الاستعارات والكنايات والمجازات ...

الرواية مشحونة بعوالم متخيلة، عوالم غرائيبية وأحيانًا خارقة، عوالم عجائبية ولكنها ضمن مفارقات عاشتها الذوات الصانعة أو المشاركة في الأحداث، والتي نجح الكاتب في أن يقودها إلى نهاية العمل، إلا أننا يمكن أن نقول: إن سورة الأفعى أو انتفاضتها أو وثبتها أو غضبها أو حدتها، تنتمي إلى بنية السرد المفتون بذاته، والغرائبي والعجائبي عند الكاتب يتحلى بثوب سريالي طقوسي تحدوه المفارقات المنعكسة في كتابته السردية، أو التي نعيش معها في واقع مصري وعربي يقترب من حد المأساة، ونعني به واقعنا الراهن، الذي يجب أن نتنبه لإصلاحه ..

الكاتب الشاب يأخذنا إلى عالم مفخخ أو قل ملغم، قد تتضايق أو تغضب  منه حزنًا وألمًا على الواقع الذي عراه أو كشفه لك، ولكن تعود لتواصل القراءة بشغف عجيب، حتى تصل إلى نهاية الرواية ...

رواية تثير العديد من التساؤلات بما تحتويه من الشفرات المتخمة بها، وأعتقد أن العمل الجيد هو الذي يجعلنا نفكر ونتسائل، ويبعد بنا عن الإجابات الجاهزة أو المعولبة .

رواية تستحق القراءة، رواية تجعلك حريص كل الحرص أن تعرف ماذا يريد الكاتب، وما هي النهاية، التي بالطبع ستكون غرائبية عجائبية، ولكن من المستحيل أن تكون أغرب من الواقع الذي نحياه في عالمنا المعاش .

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

 

abas alimoradالدكتور عبد المجيد وهبي القادم من عالم الطب يقدم لنا روايته "رحلة العمر" الصادرة حديثاً في بيروت وتقع في فصلين وعدة أجزاء في قالب أدبي يجمع بين السرد والحوار بين عالمين ولغتين وثقافتين مختلفتين ربطهما بإحداث إجتماعية، إنسانية وتاريخية لتكون رحلة عمره والتي نتشاركُ فيها مع الكاتب في الكثير من محطاتها، حيث وحدات كلامية وحوارية تتردد في ثنائيات كالزمان والمكان، الوطن والغربة، الشمال والجنوب، المسلم والمسيحي، وثنائية الفساد والظلم اللبناني والعدل والنزاهة الفرنسية.

في محطات عديدة يعود الكاتب الى مبضع الجراح ولكن هذه المرة شاهراً قلمه في وجه أمراض إجتماعية، سياسية، ثقافية وغيرها نتيجة الفساد والطائفية والمذهبية والتي تسبب التلوث البيئي الأخلاقي والسياسي التي شكلت عامل دفع للشباب حتى يصبح الحلم تأشيرة دخول الى الدول المتقدمة حتى يؤمن حياة أفضل (كان طموحه السفر لعله يحضى بفرصة تؤمن له حياة أفضل ص 17) هذه الفرصة غير المتوافرة في وطنه حيث الحب أيضاً محكوم عليه بالموت بسبب الاختلاف الديني لأنه يعرض المحبين  (للمضايقة والاهانة والنفي من قبل ألأهل ص24) وهنا تظهر أول ثورة للكاتب على هذا الواقع من خلال زواج سامي وميرا وإن كان الزواج بالسر، بهذه المبادرة يصبح كل من سامي وميرا شخصيات هدفها الحرية والانعتاق من القيود التي تكرسها قيود الطائفية والفساد من أجل تحقيق الذات.

في رحلة العمر ككل عمل أبداعي ينتقل بنا الكاتب من الحياة بواقائعها ثم محلقاً بأجنحة خياله ليبلغ أفق هذا الخيال بلغة مبسطة بجمالاتها الى الحبكة الفنية وعنصر التشويق لجذب القارئ في دلالات مباشرة أو دلالات مغايرة يريد الكاتب من خلالها تحرير نفسه ببعض الغموض من خلال التلميح غير المباشر مستعملاً اسلوبي الهدم  والبناء فالعدوان والحرب التي دمرت وشردت وقتلت يقابلها الحمية التي أخذت معظم الشعب اللبناني بفتح قلوبهم قبل بيوتهم للنازحين ص 34) هذه الحمية التي جسدتها أم جان وابنها بأبهى صورها وتجلت بأحتضانها  لميرا التي فقدت كل شيئ، ومع ذلك كان القدر بمآسيه لها ولأم جان بالمرصاد لما تعرضت له ميرا بسبب معاناة الولادة التي تعسرت وكادت أن تأتي على حياتها ودخولها في غيبوبة ونقلها الى إحدى المستشفيات البعيدة لتختفي آثارها.

من هنا ينقلنا الكاتب الى الحيز المكاني الثاني في روايته (فرنسا) التي نقلت اليها ميرا الصغيرة (ماري) التي تبنتها عائلة لوفافر (ميشال وجيزيل) اللذان لم يرزقا اولاداً، هذا التبينّي الذي وافقت عليه أم جان على مضض بسبب تقدمها بالسن وحاجة الطفلة لمعيل وبعد تدخّل خوري القرية لإقناعها بهذا الحل ( فلتكن مشيئة الرب، أنا لي كل الثقة بسيدنا ص 78) .

صارت الأمور على ما يرام، كبرت ماري، تخرّجت وأصبحت طبيبة ودخلت معترك الحياة وفي هذا السياق يعرض الكاتب نموذج وطريقة عيش الفرنسيين  بسرد مباشر أو بحوارعلى ألسنة شخصياته ولا يخفي الكاتب إعجابه بحياة الفرنسيين ووطنيتهم خامزاً من قناة اللبناني ص 100، فالأحزاب لا ترتبط بالخارج ولا تتلقى أوامرها منه، وهذا ما يظهر بأماكن كثيرة في الرواية على لسان سامي الذي سيصبح مسيو هداد الذي عاد واستقر في فرنسا بعد أن قطع الأمل بالعثور على ميرا حية او ميته، فتزوج من فرنسية وانتقل من ألمانيا للعيش معها هناك (كامل قصة مسيو هداد ص 134).

لكن كل ذلك لا يخفي حرقة الكاتب العميقة التي تركت ندوبها في نفسه حيث لم يتوانى عن إبداء سخطه وإظاهر قرفه من الظروف التي مرّت بها البلاد ولا زالت تعيشها رغم بعض فسحات الأمل التي أجهضت دون البناء عليها من أجل مستقبل أفضل ذاكراً فترة حكم الرئيس فؤاد شهاب ومحاولته الإصلاحية دون أن يسميه (ص 140) أو بعد تحرير الجنوب من الأحتلال الإسرائيلي حيث انقسم اللبنانيون على بعضهم، وفي الحوارات التي دارت بين مسيو هداد وماري يظهر الكاتب عمق حبه للبنان تغنيه بماضيه عندما كان يقال إن لبنان سويسرا الشرق "ففي البلد الصغير كنت ترين التنوع الحضاري والثقافي المتناسق في العادات والتقاليد" (ص119).

قد يعتقد القارئ أن المأساة قد إنتهت، لكن الكاتب بمهارة في عملية ربط الحدث الروائي يأخذ قارئه إلى بدايات جديدة فبعد موت ميشال ومرض جيزيل أم ماري بالتبنّي فها هي وقبل وفاتها تفجّر قنبلة بمصارحة ماري بقصة التبنّي (ص150) لتبدأ عذابات جديدة في رحلة الكشف عن الجذور وهذا ما يتجلى في الحوارات بين ماري ومسيو هداد ومقارنة معاناتهما ولكن التصميم والتحدّي للوصول إلى الحقيقة يظهر من كلامهما " الحياة لم تخلق للضعفاء… ولن يقف أي شيء في طريقي" (ص 165) هذه الطريق التي ستقود ماري وهداد للعودة إلى لبنان وكما في الفصل الأول يستمر الكاتب في إظهار نقمته على أوضاع لبنان التي تعكس عصر الإنحطاط الذي نعيشه (ص184) بسبب إخفاقات الماضي الذي يطارد الحاضر والمستقبل مفضلاً عدم الدخول في تفاصيل إعادة الإعمار وما رافقها (ص210).

لم تجرِ رياح ماري وهداد كما تشتهي سفينتهما حيث أضطر مسيو هداد للعودة باكراً إلى فرنسا بسبب تعرّض زوجته لحادث خطير.

لكن الكاتب الذي يقول "ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل" (ص206) يعود ومعتمداً في حبكته الفنية على إظهار شخصيات جديدة وبدور متمّم مثل السور ريتا والدكتور سليم الأب والإبن وسلمى واسترجاع شخصيات مرّت سابقاً السائق أبو نبيل وجان وينتقل بنا إلى منزل أم  جان في الشمال الذي تحمل منه ماري المنديل اللغز الذي يحتوي على رسالة سامي لميرا التي ستكون المحفز للعودة والبحث المزدوج كما قال الكاتب، حيث يلتقي مسيو هداد من  ضمن الذين إلتقاهم جان الذي أطلعه على قصة نقل ميرا ويحصل منه على بعض الوثائق ، وثيقة ولادة وإفادة الموافقة على التبنّي (268) لتظهر من بعد ذلك اولى الحقائق لماري ووالدها سامي اللذان بدءا البحث عن ميرا ليصل بنا الكاتب إلى آخر مفاجآته بلقاء الدكتور سالم الإبن ثم الأب لتكون النهاية والبداية في رحلة العمر حيث ينقلنا الكاتب إلى لحظة اللقاء والنهاية السعيدة غير المتوقعة كما قال هداد (ص 314)، ليعود ويظهر من جديد السؤال الذي طرحته ماري " هل ستنصحني بالعودة إلى الجذور… إلى لبنان" (ص275) هذا السؤال الذي يلازم كل مغتربي لبنان والذي كان للكاتب العتب على بعضهم.

أخيراً، في روايته رحلة العمر يظهر الكاتب وعيه برسالته وأحاطته بالواقع الذي يعيشه وطنه بحسناته وسيئاته وما فيه من تجاوزات وفساد ومظالم وإلتزامه بقضاياه السياسية والإجتماعية والثقافية ويسجّل موقفاً من المعاناة التي تطارد يومياتنا على كافة المستويات العاطفية، السياسية، الثقافية وغيرها. وفي رحلة عمره حيث يتكئ حاضره على أمل بمستقبل قد يأتي أو لا يأتي، لكن الدكتور وهبي لم ييأس فكانت هذه الرواية بين أيدينا والتي ننصح بقراءتها.

 

عباس علي مراد

سدني أستراليا

 

hamid alhurayziمتى تختفي المباغي ويصير الحب حرية؟

كتب الكثير من الأستاذة النقاد والأدباء حول رواية (مقتل بائع الكتب) للروائي الأستاذ سعد محمد رحيم، والتي صدرت طبعتها الرابعة من قبل دار سطور للطباعة والنشر، ورشحت لقائمة بوكر العربي القصيرة، مع خمس روايات عربية اخرى .

الرواية جذبت أنظار القراء نظرا لأهمية الموضوع المطروح والتعاطف الكبير من قبل القاريء الواعي العراقي والعربي مع الكتاب وبائع وكاتب وقاريي الكتاب في ظل واقع سيادة الجهل والتجهيل والأمية الأبجدية والثقافية المرافقة للأسف مع ما سمي ب(الربيع) العربي، الذي انتزع الواقع المعاش منه زهوره ليلبسه رداء الخريف الأصفر ولون غروب شمس الأمن والحرية، وخطف أرواح العديد من المفكرين والأدباء والكتاب او نفاهم الي بلدان عالم المهجر وسيادة أوضاعا لا تقل سوءا ولا قهرا ان لم تزد على حالهم في ظل الحكومات الديكتاتورية،حيث انتقل عدائهم من سلطة الدولة القامعة الي سلطة المجتمع المتشظي والمشبع بروح الكراهية العرقية والطائفية، فأصبح رأسه مطلوبا من قبل ذئاب هائجة متعطشة للدم بدعوى القربة الي الله ...

وقد اهتم اغلب الكتاب بالحبكة السردية ونزعة التجديد السردي في الرواية، مع مرور خاطف على المنحى الفكري للرواية ومضمون الرسالة او الرسائل التي أراد الكاتب إيصالها للقاريء عبر روايته، مما استوجب ان نجتهد في إلقاء الضوء على هذه الرسائل حسب قراءتنا الخاصة للنص والتي ربما تختلف عن رؤية الكاتب ورؤية العديد من القراء ...

السؤال الأول الذي يتبادر للذهن هو:

من هو الرجل الهرم الذي اتصل هاتفيا بالكاتب (ماجد البغدادي) طالبا منه تقصي الدوافع وراء مقتل (محمود المرزوق)، وتوثيق حياته الحافلة بالإحداث والمفارقات والتي تصلح ان تكون رواية مميزة؟

لم يفصح الكاتب خلال السرد عن الاسم الصريح لهذه الشخصية التي تكلفت مصاريف الكاتب، وتكلفت دفع كلفة طباعة مؤلفه عن (محمود المرزوق) ولكنه تسا ؤل على لسان الصحفي في نهاية الرواية عمن يكون هذا المهتم بمقتل وحياة المرزوق حيث يقول

(أفكر بالرجل الهرم الغامض..ذاك اختلف مع المرزوق كما اخبرني في أول مكالمة له معي – قبل أكثر من عشرين سنة ...

في ذلك الوقت أين كان المرزوق؟

في باريس..

ليس ثمة ذكر لصديق عراقي للمرزوق في فرنسا كلها في كتاباته التي اطلعت عليها.. لكنه ذهب أواخر مدة وجده بباريس – وهذه المرة الوحيدة التي غادر فيها فرنسا قبل العودة الي بلاده- الي براغ.. في براغ التقى .....)

يترك الكاتب الإجابة عن هذا السؤال الذي نجد الإجابة عليه في الصفحة 135 من الرواية، حيث التقى المرزوق بكل من احد رفاقه القدامى (حسين اللامي) والذي قاده الي (امجد مسعود) الذي اختلف معه يوما وكان سببا في اعتقاله واعتقال صديقته مثار الشبهة من قبل المخابرات البلغارية (نتاشا).

فهو لم يختلف قط مع حسين اللامي ولكن خلافه كان مع (امجد مسعود)، مما يجعلنا نستنتج وبقوة ان الرجل الهرم الذي طالب الصحفي (ماجد البغدادي) بالكتابة عن (محمود المرزوق) هو (امجد مسعود) وليس شخصا آخر غيره .

ولكن يظل هناك سؤال قائم يطالب بالإجابة وهو:-

ما هي الأسباب الكامنة وراء طلب (امجد مسعود) للكتابة عن (محمود المرزوق) والتحري وراء الأسباب الحقيقية لمقتله، ومعرفة هوية القاتل والتضحية بمبلغ ليس هينا من المال لتحقيق رغبته هذه؟

هل هي محاولة من امجد مسعود لغسل أثم ما ارتكبه من خطأ بحق المرزوق وعشيقته ناتلشا في بلغاريا؟

هل هو اعترافا بأهمية المرزوق كمثقف ومناضل يجب ان لا تمر جريمة قتله كما تمر جريمة قتل أي إنسان عادي في العراق؟

هل هي محاولة لتكون حياة المرزوق ومقتله درسا للعراقيين حول حقيقة المناضل اليساري ولا قدسيته، كونه يعيش حياة كحياة الآخرين يصمد، ويضعف، يغامر، يرتكب الأخطاء، يحب النساء والموسيقى والخمرة والكتب؟

هلل حاول من خلال شخصية وسلوكيات ومواقف المرزوق أراد كشف الستار عن أخطاء وهفوات الحركة الشيوعية العالمية، وأخطاء بعض مواقف الحزب الشيوعي العراق بالذات في الماضي والحاضر؟

وبعد ماذا أراد الكاتب ان يقول من خلال روايته؟

هناك حدث هام الا وهو انهيار المعسكر الاشتراكي وما رافقه من وما تبعه من إحداث تخص الشيوعية كفكر وكتنظيمات سياسية ربما لم تأخذ حيزا كافيا من الاهتمامات الأدبية وخصوصا الروائية منها وهي الأقدر والأرحب لتناول هذه الأحداث ... فمن خلال الرواية وشخصية المرزوق صاحب منهج التفكير الماركسي والغير مرتبط تنظيما وهذا أمر هام حيث يرسل رسالة مفادها:-

 ان المثقف اليساري والماركسي تحديدا لايمكن ان يحتويه تنظيم سياسي، فهو يريد ان يظل طليقا في فكره وتفكره وسلوكه متمثلا المنهج الماركسي ولكنه ليس مقيدا بقيود الحزب الذي كثيرا ما يقود الي التبلد الفكري والعقائدية الفجة كما هو الحال بالنسبة لأمجد مسعود وأمثاله .

وقد تمكن من خلال ذلك ان ينتقد الموقف السياسي والفكري للحزب في دخوله للجبهة الوطنية مع حزب البعث في 1973 .

 ونقده اللاذع لدخول الحزب لمجلس الحكم بعد انهيار الديكتاتورية وهيمنة القوى الإسلاموية والعرقية على سدة الحكم تحت قيادة المحتل الأمريكي وهو خطأ فادح على مستوى السياسة والفكر الماركسي وا كذلك هناك غمز ضمن الرواية تقول بلا جدوى الفكر الماركسي ولا جدوى للتضحية وبذل العرق والدم والتشرد في مثل تلك البلدان، خصوصا وقد فقد الفكر مصداقيته عبر تجربة الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى في العالم، فالإنسان لازال قيد القمع والتعذيب والاغتصاب والقتل في مثل هذه البلدان وما تعرض له المرزوق وعشيقته (ناتاشا) الا مثالا واضحا على هذه الممارسات فمن يطلب الأمن الحرية يجب ان يفتش عنها عبر وسيلة وطريق أخر غير طريق وأسلوب الفكر الشيوعي وتنظيمات الأحزاب الشيوعية، والذي ن امثلتها العقائدي المتصلب (امجد مسعود)، والمتهاوي (المرتد) المتاسلم (الحاج منصور) رفيق المرزوق في سجن نقرة السلمان .

(اقتربت من الماركسية كثيرا ولم أؤمن بالتنظيم، بالكفاح المسلح، بالحقد والكفاح الطبقيين.. قلت لرفيق عراقي هارب مثلي، متأنق متحذلق في براغ، لا اعتقد ان الصراع الطبقي هو محرك التاريخ ألان .. ما يصنع التاريخ الآن ويحركه هو الآتي، الفاشيات والمافيات والعقائد الجامدة والمسمومة والتطرف والإعلام الديماغوجي والدعاية السياسية الخداعة والمصالح الفردية الضيقة...) ص155-156

وهنا نجد مغازلة ذكية من قبل الكاتب لدعاة موت الشيوعية وأحزابها سواء في الشرق او الغرب، وعدم جدوى النظرية الماركسية في تفسير التاريخ على ضوء نظرية الصراع الطبقي التي اثبت الواقع المعاش وخصوصا في بلدان العالم الثالث لا واقعيتها ولا علميتها

هل سيكون هذا الموقف في تعرية بعض ممارسات الأحزاب الشيوعية هو جواز مرور الرواية لتفوز بالبوكر العربي تماشيا مع دعاة موت الشيوعية، وفساد أحزابها والدعوة للفكر اللبرالي الحر تماشيا مع موجة العولمة الرأسمالية والنيولبرالية الجديدة؟

كما انه أرسل رسالة بليغة وان كانت قصيرة مفادها ان أمريكا لها يد طولي في نشر ورعاية الإرهاب في العراق وذلك لمصادرة حق المقاومة الوطنية المشروعة من أيدي الوطنين العراقيين الأحرار عبر تشويه وجه المقاومة من قبل المنظمات الإرهابية كالقاعدة وداعش وأخواتها، مؤيدا الرأي القائل ان الاستعمار الامبريالي الأمريكي امتلك خاصية ربما لم يقدم عليها إي استعمار سابق الا وهي انه جلب معه للبلاد المستعمرة معارضته المسلحة فهو من صنعها وهو من سلحها وهو من طبل لها ومدها بالخبرة والمال، لقطع الطريق أمام المقاومة الأصيلة الصادقة عبر خلط الأوراق:-

 (لماذا لا يكونون صناعة مؤسسة أجنبية لخلط الحابل بالنابل، ولكي لا تكون ثمة مقاومة وطنية حقيقية ضدهم) ص59

كان هذا رد المرزوق على تساؤلات محدثه حول الطبيعة الهمجية للقوى المسلحة واستهدافها الاطفال والشيوخ والنساء الأبرياء والكسبة بدعوى المقاومة

(لماذا يقتلون الاطفال أيضا؟ من هؤلاء؟ من إي مستنقع نتن للشر خرجا؟ إي سواد هذا الذي في عقولهم وضمائرهم؟) ص59.

وقد كانت فرنسا اللبرالية الرأسمالية هي موطن الحرية الموهوم بعد أفول الفكر اليساري والفكر الوجودي الماركسي بعد سارتر وسيموت دي بوفار .كما كان يتصور فرنسا جنة على الأرض التي كان واقعها صادما له أيضا

 (ان الزمان غير الزمان والحال مختلف، لم يكن في مقهى فلور البير كامي وسيموت دي بوفوار وجان بول سارتر.. رأيت فقراء حقيقيين، عربا وأفارقة ولا تينين وعاهرات قادمات من كل بقاع الأرض، شابات وفي سن الكهولة، وتلمست في أكثر من مناسبة نظرة الازدراء العنصرية عند بعضهم) ص157

 بمعنى لا شرق بقي شرقا ولا الغرب غربا كل العالم يتسربل بالقهر والظلم والضياع والظلم، لا الشيوعية، ولا الرأسمالية، ولا القومانية الهتلرية الصدامية والناصرية، انقذت العالم من محنته، وها هي الإسلاموية التي فاقت الجميع في التطرف والإرهاب والخراب في كل العالم .

فهل سيرضي هذا الموقف أنصار النيولبرالية الجديدة، وقد وزنت الواقع بميزان العدل والموضوعية، أم أنهم سيستعملون ضدها حق الفيتو الأدبي ويو قفونها ضمن حدود الست روايات ضمن القائمة القصيرة لكي لتتمادى أكثر؟

ستعلن النتائج غدا وان غدا لناظره قريب؟

 فما هو الحل إذن؟

هل هي دعوة للعدمية واللا التزام واللامبالاة في عالم مضطرب تسوده الكراهية والتمييز العنصري والديني والعرقي؟

يرد الكاتب على هذا السؤال برد مكثف مختزل ولكنه بليغ بالقول على لسان محمود المرزوق:-

(التاريخ يسير على السكة الخاطئة، ولن يوضع على السكة الصحيحة الا إذا اختفت المناغي، وصار الحب حرية) ص34.

فالمناغي لا تختفي الا باختفاء التمايز الطبقي، المناغي لا تختفي الا باختفاء أساليب القهر وامتلاك الإنسان ذاته، بمعنى ان يتحرر من قيد الضرورة ليمرح في فضاء الحرية ...

أما كيف ومتى فهذا أمر مرهون بالصيرورة التاريخية، بمدى وعي الإنسانية لذاتها وان ترتفع الي إنسانيتها، متخلصة من بقايا ثقافة الغاب والوحشية والأنانية الضيقة القاتلة، بمعنى موت الرأسمالية المتوحشة، واختيار نظام جديد، لا يكون الا حيزا للحرية على مختلف المستويات، ان يكون الفكر ممارسة حرة غير مقيدة كما عاشها (محمود المرزوق) بالطول والعرض

وحول ما نحن عليه الآن، هل نحن ألان نحن أحرار، هل امتلكنا زمام حياتنا، هل نعيش الحرية والديمقراطية كما يقال لنا وكما أرادوه (محررينا) لنا يقول:-

(لا تظن ياصاحبي انك اكتسبت الحرية .. أمامنا سنوات طويلة قادمة حتى نكون بشرا أحرارا. وفي ذلك اليوم لن نكون أنا وأنت موجودين، وربما لن يتذكرنا احد) ص35.

ينتصر الكاتب لقضية الحرية ويرى حتمية تحققها ولو بعد حين ولكنها بالتأكيد لا تاتي الا بعد ان يأتي جيل يؤمن بها ينزع أكفان الماضي المتحجر، والفكر الشمولي المتجبر، جيل يعي لاوعيه ويحوك خيوط الحرية بالعلم والعمل .

وأخيرا أقول ان الروائي سعد محمد رحيم تمكن من تحريك حالة السكون والركود في الفكر، وظهر الكثير من علامات الاستفهام والتعجب الي السطح لتكون محط اهتمام أحرار العالم ومنهم أحرار العراق لتأسيس مشغل فكري للتفكر والتدبر فيما نحن عليه وكد العقل والجسد من اجل بناء عالم أفضل ...

 

alkabir aldasisiشهدت بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة رجة زعزعت أركان العالم العربي من المحيط إلى الخليج، وانطلقت شرارتها من تونس مشكلة صدمة لكل المتتبعين بعد التقارير الدولية التي كانت تبوئ تونس مراتب متقدمة مقارنة بمعظم الدول العربية غير البترولية... وقد كتب وقيل الكثير حول تلك الرجة التي وصفت ب(الربيع العربي) وكان طبيعيا أن يواكب الأدب والإبداع إيقاع ذلك التحرك العربي الذي لازالت هزاته الارتدادية تزلزل بعض البلدان العربية إلى اليوم، وتنوع الإبداع بين الشعر،الغناء، الرسم، المسرح، السينما وباقي الأشكال الفنية... وتبقى الرواية من أهم الأشكال التعبيرية التي تفاعلت مع الربيع العربي والتقطت تفاصيل ذبذباته خالقة تراكما يستحق أن يكون موضوع بحث، وتكفي الإشارة إلى عشر روايات جعلت من ثورات الربيع العربي موضوعا له هي:

1. رواية (فرسان الأحلام القتيلة) للروائي الليبي إبراهيم الكوني الصادرة عن مجلة دبي الثقافية 2012،

2. رواية فرانكشتاين في بغداد لأحمد السعداوي من العراق، صدرت في مارس 2013 عن منشورات الجمل في بيروت

3. رواية (أجندة سيد الأهل) أحمد صبري أبو الفتوح من مصر والصادرة عن دار العين 2011

4. ، رواية (عدو الشمس: البهلوان الذي صار عدوا) التي كتبها الروائي المغربي لمحمد سعيد الرياحاني حول الثورة الليبية،

5. رواية مدينة لن تموت للمصري يوسف الرفاعي دار كتبخانة، للنشر والطباعة والتوزيع 2014

6. رواية (كان الرئيس صديقي) للروائي السوري المقيم بالكويت عدنان فرزات صدرت عن دار المبدأ بالكويت سنة 2012

7. ورواية (ثورة العرايا) للمصري محمود أحمد علي الصادرة عن مجموعة النيل العربية 2013

8. رواية الانقلاب لمصطفى عبيد عن دار الرواق للنشر والتوزيع 2014

9. رواية (ورقات من دفتر الخوف) لأبي بكر العيادي من تونس الصادرة عن دارت مومنت، لندن 2013

10.  وأخيرا رواية انتصاب أسود للروائي التونسي أيمن الدبوسي

 وإذا كانت معظم الروايات قد قاربت الربيع العربي من خلال التركيز على الأبعاد الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية وحاولت نسخ قصص يمتزج فيها الاجتماعي السياسي بالخيالي الروائي في تشريح للواقع العربي ونفسية الشخصية العربية في تفاعلها مع الأحداث... فالغريب هو أن يجد القارئ من تلك الروايات ما جنسنت هذا الربيع ولخصت كل تفاعلات ذلك البركان في الجنس تعبيرا عن موقف ما، ولم تر في ذلك الحراك إلا حراكا من أجل حرية جنسية، ورغبة في إشباع الغرائز، كما حدث في رواية (انتصاب أسود) للروائي التونسي أيمن الدبوسي، الصادرة في طبعتها الأولى عن منشورات الجمل سنة 2016 في 167 صفحة موزعة على سبعة فصول متفاوتة الحجم هي:

1. تسنيم من ص 7 إلى ص 20

2. كريستوف لا تحاول من ص 21 إلى ص 44

3. أروع قيء في العالم 1 من ص 45 إلى الصفحة 62

4. أروع قيء في العالم 2 من صالفحة 63 إلى الصفحة 76

5. زدها نيكا من الصفحة 77 إلى الصفحة 84

6. رسائل إلى أمريكا من الصفحة 85 إلى الصفحة 141

7. الشمس تشرق من القيء من الصفحة 142 إلى الصفحة 166

وهي رواية يحكي فيها أيمن الدبوسي الكاتب/ السارد عن مشاركته في ثورة الياسمين من خلال تجاربه الجنسية مع نساء عربيات أو أجنبيات منهن (تسنيم/ علياء/ هيلين/ إيريس..) أو مع رجال أجانب (الفرنسي كريستوف/ اليوناني ميلتوس..) أو من خلال رصد تجارب أصدقائه في البيت الذي تدور فيه معظم الأحداث (حمزة مع فيديريكا / أيمن وشهرة...) وباستثناء الفصل السادس الذي اختار له أيمن الدبوسي عنوان (رسائل إلى أمريكا) والذي جاء على شكل رسائل تبادلها السارد مع محبوبته علياءتركز معظمها على ذكريات عامة وتبادل أخبار ما يدور في أمريكا حيث علياء ورغبة أيمن في السفر إليها والاستقرار معها هناك. فشكل الفصل أطول فصول الرواية؛ امتد من الصفحة 85 إلى الصفحة 141 ــ باستثناء ذلك فإن الرواية في باقي فصولها مجرد مشاهد بورنوغرافية يتحين الكاتب من خلالها تحويل أيام ثورات الربيع العربي بتونس إلى مشاهد جنسية فاضحة ومنحطة لغرض في نفس يعقوب....

عندما أنهيت قراءة ورواية (انتصاب أسود) شخصت أمامي حكاية طريفة كان يرددها المغاربة أيام الاستعمار ؛ مفادها أن رجلا رأى فتاة فرنسية تأخذ حمام شمس بالشاطئ فارتمي عليها يحاول اغتصابها، ولما استنكر عليه الناس فعله كان جوابه أن مقاوم يناضل في سبيل الوطن بالانتقام من الأعداء وقال موجها كلامه للملك المنفي (هذه مقاومتي وهذا ما أستطيع يا محمد الخامس) وكأن كاتب الرواية بعد شعوره بفشل ثورة الياسمين يردد عبارة (هذا ما استطعنا فعله في الثورة وبالثورة ...)

 إن رواية (انتصاب أسود) هي أول رواية للكاتب والأخصائي النفساني التونسي أيمن الدبوسي، والذي اختار لها بطلا شابا يحمل اسم الكاتب نفسه، محاولا من أول عمل روائي له خلق صدمة للقارئ و تنبيهه لظهور روائي جريء صاعد، يقارب الثورة التونسية بمنظور مختلف، ويقتحم ميدانا من الصعب اقتحامه وفي مجتمع لا زال التلميح للجنس يستفز البعض، وبالأحرى الوصف البورنوغرافي، وربط الثورة كحلم أمة بثورة جنسية ذاتية وبوصف تفاصيل تجارب جنسية تقف على حدود الشذوذ، وهو ما يجعل القارئ يتساءل عن مغزى هذه الرواية؟؟ وعن الهدف منها؟؟

في رواية (إنتصاب أسود) تم اعتماد السرد الذاتي بضمير المتكلم، وفيها يحكي طبيب نّفساني يحمل نفس اسم الكاتب (أيمن الدبوسي) لحظات من حياته أيام ثورة الياسمين التي شهدتها تونس ونجحت في إسقاط نظام زبن العابدين بن علي، وهو ما يضع إشكالية تجنيس العمل على قائمة الأسئلة التي تواجه أي قارئ الرواية، لكن الكاتب أعفى هذا القارئ من هكذا أسئلة بتصنيفه لعمله ضمن الرواية.

وعكس معظم الروايات التي تفاعلت مع الربيع العربي، يجعل أيمن الدّبوسي أبطال روايته يتحركون قي فضاءات ضيقة مغلقة ( المنزل/ المقهى/ البار...) جاعلا من الجنس بؤرة الرواية وكأنه يحاول تأكيد أنّ الثّورة في العالم العربي لا يمكن أن تنجح بدون ثورة جنسية إباحية صادمة للموروث، وخلق تصالح بين الجسد والعقلية لذلك منذ بداية الرواية انطلق في وصف ورصد تفاصيل العمليات الجنسية وتسمية الأعضاء التناسلية بأسمائها دافعا بتلك العمليات إلى حدودها القصوى هكذا تلقي رواية انتصاب أصسود بالقارئ في غياهب الشذوذ الجنسي بتخصيص مقاطع كثيرة في الرواية قدم فيها السارد/الكاتب مشاهد بورنوغرافية مكشوفة منها هذا المقطع الذي يصف فيه لقطة جنسية مع هيلين:( تنحيت عن فم هيلين و باشرتها من الخلف أقحمته عميقا في فرجها المنكشف في فحش خلاّب، عانقت المخدّة و راحت تعضّ على حواشيها مغمضة عينيها مسندة جانب وجهها على اللّحاف الأسود لتهبني كلّ خلفيّتها و ظهرها مبسوط أمامي تسري فيه هزّة النّيك وتنحدر عليه حبّات العرق كإنهيار ثلجيّ.) وإذا كان السارد قد مارس الجنس الفموي مع شخصيات كثيرة في الرواية تبقى تسنيم التي تعرف إليها في حانة، وهي من أسرة غنية ابنة طبيب، هي من عرفته على المعاشرة بهذه الطريقة لأنها كانت تنفر من العلاقات الجنسية العادية (وكل ما تحت رقبتها ممنوع من اللمس وغير موجود) ص 11. تتميز ببراعتها وحرفيتها في هذا النوع من الجنس يقول السارد: (بنت الحرام كانت بارعة في المص ... كانت كائنا بشريا جديدا ... عبارة عن فم خارق مخلوق بثقب واحد للأكل والشرب والتبرز والمضاجعة والمحيض . إنها إسفنجة ضخمة، مضخة هائلة تعشق الأكل ومص الأيور) ص9

وهي لا تمارس الجنس الفموي إلا في هالة من الطقوس: طقوس الاستحمام، طقوس التطيب بالأعشاب، طقوس تحضير أكلات وأشربة خاصة، طقوس شراب ا الشاي،البيرة، أنواع الخمور... يضيف السارد واصفا احترافيتها: (راح فمها يعمل تارة كفرج، وطورا كشرج، ويتخذ من الثقوب هيأة الممكن وغير الممكن ويستوفي هيئة كل رطب ضيق ذي شطفز...) ص 17 هكذا تتحول الأفواه الغاضبة والحناجر الصادحة بالثورة إلى آلة لمص الأيور، ليست أفواه التونسيين فقط بل حتى تلك الأفواه التي جاءت من دول أخرى لمساندة الثوار ....

وبما أن الثورة – حسب السارد قد كسرت الأغلال، وحطمت القيود المكممة للأفواه والسلوكات، فإنها أيضا أزالت الأقنعة ورفعت الحرج، ووفرت للأبطال لحظات حرية لم تكن معهودة، لم يعد الجنس من الطابوهات بل أصبح من حق الأبطال أن يتمردوا على القيم ويقيموا علاقات جنسية جماعية دون أن يخجل أحد من الآخر، بل لا بأس في نظر السارد/ الكاتب إن عاشر خليلة صديقه أمام عينيه، ولا بأس ايضا إن ضاجعاها معا في نفس اللحظة، وأن يحتكما إليها في اختيار الأير الأحسن، وأن تفضل أير السارد على أير حبيبها وتقبل معاشرتة ايمن الدبوسي من كل منافذ جسدها، وحتى إذا ما أعلن كريستوف أنه يحبها كان جواب ايمن: ((جئت لتعيش الثورة يا كريستوف هذا القليل منها يا رجل) ص 36/37 قبل أن يقنعه بأن يمارسا عليها الجنس الجماعي معا ( انظر ها قد حلت المشكلة يا كريستوف . هلين تحبنا الاثنين .. قلبها كبير يتسع لكلينا... سنمرح نحن الثلاثة..) ص 37 ليقتنع في الأخير بما جاءت به الثورة، ويقبع (يردد في خفوت ودموعه تجري لقد كنت احبها أحبها)....

هذه هي الثورة التي تبشر بها الرواية إنها الثورة الجنسية التي تجعل الحبيب يقدم حبيبته لصديقه بسخاء، وتسمح للسارد أن يروي تفاصيل حكاياته دون قيود، فبنجاح الثورة انتهى عصر الطابوهات وجاء عصر البوح بالمسكون عنه، ولا مسكون عنه في عقل العربي إلى الجنس في حدوده القصوى (راح كريستوف يقبل و يدبر في هيلين من الخلف بينما هي على أربع تمصّ أيري من الجهة الأخرى. كنت حيانا أغلق فتحتيْ منخريها بسبّابتي و إبهامي فيضطرّها ذلك إلى شفط أيري مع ريقها في شهيق عنيف رافعة نحوي نظرة معاتبة فأمنحها إبتسامة مشجّعة مفلتا أنفها.)

أن الثورة في نظر الرواية ن الثورة التي كرست تناكح الثقافات والحرية بل المشاعة الجنسية، تماشيا مع المشروع المتوسيطي الذي بشرت به سياسة الرئيس الفرنسي ساراكوزي!! فلا غرو إذن إن تغيت الرواية جنسنة ثورات الربيع العربي وسعت إلى الموازنة بين شجاعة الثوار و (الفحولة العربية المزعومة) ؛ فوجدنا حمزة يلتهم فيديريكا جنسيا ولا يدع لها أي لحظة لاسترجاع أنفاسها يقول السارد ( ونحن نسمعها تستنجد وتصيح طالبة مهلة أخرى للراحة)67 وكذلك كان أيمن في علاقته بشهرة يقول لأصدقائه (أتيتها أكثر من عشر مرات في اليومين الماضيين إلا أن ذلك لم يمنعني من أخذها مرة أخرى)79 هؤلاء هو الثوار الفحول الذين تقدم الرواية للقارئ العربي... ومقابل هذه الفحولة/ الثورية تميز أبطال الأمم الأخرى غير العربية بالتخنث،الضعف الجنسي والمثلية ، وهذا ما اتضح عندما حاول كريستوف الفرنسي مسايرة أيمن الدبوسي جنسيا في مناكحة هيلين، إذ ظهر كريستوف سريع القذف له ميول مثلي بعد تضرع وتوسل لأيمن بأن يمارس عليه الجنس، وبعد فشل تضرعه، يقول السارد أن كريستوف انقض (على أيري بلسانه هذه المرة وأخذ في لحسه وهو يدخل ويخرج في دبر هيلين الضيق قبل أن أرجعه إلى فرجها... لطمته .. وهددته بتحطيم أسنانه لو اقترب من زبي مرة أخرى) بل إن كريستوف اكتفي بالتلصص واستراق النظر لأيمن وهو يعاشر هيلين ولما ضبطه متلبسا قال له: ( أنت جئت تتلصص على ثورتنا والآن تتلصص على نيكنا هذا ليس سلوكا ثوريا) وحتى النساء لم يسلمن من المثلية فقدمت الرواية البطلة هيلين امرأة سحاقية قبل أن يعيدها أيمن إلى طبيعتها الجنسية... وكذلك كانت بطالات أخرى غيرها....

جنسنة الثورة جعلت الرواية ترى في كل بطل غير قادر على تخطي موروثاته، وعاجز عن تحقيق الثورة الجنسية خائنا ثوريا، فلما رأى الأصدقاء أحدهم مترددا في معاكسة فتاة إيطالية بادلتهم نظرات مشجعة قالوا له: (هيا يا فتى كدت تفشل الثورة بسلوكك المتردد هذا) معتبرين الثورة تبشر بمستقبل واعد، وينذر بنهاية أوربا لذلك كان كل الأبطال الغربيين في رواية (انتصاب أسود) معمول بهم ومفعول بهم، فقد كان الأبطال التونسيون يتوخون في أحد الشبان اليونانيين فيلسوفا وريثا للفلسفة اليونانية، لكنهم صدموا لما اكتشفوا أنه مثلي ولواطي (اللواط آخر ما تبقى للإغريق ... إغريق اليوم نسوا ممارسة الفلسفة واحتفظوا بميلهم اللواطي)49/ 50 ... حاول بكل السبل حتى نجح في الظفر بأير أيمن يمصه ولما حاول تقبيل أيمن يقول هذا الأخير( منعت القبلة وأنا اطبق على شعره وأنزله إلى الأسفل ليركع بين قدمي ويتلقم أيري في فمه .... هل تعلم أنك أول ذكر يمص ذكري هذا شرف عظيم لك أيها الإغريقي ...)) 66

كثرة هي إذن مظاهر جنسنة ثورات الربيع العربي في الرواية ولعل من مظاهرها أيضا المقارنة بين الثورات الغربية والثورات العربية من خلال المقارنة بين الأير العربي المختون والأير الغربي غير المختون يقول السارد مفاخرا كريستوف: ((الأير المختون أير مثقف أير بلا عقد، ليس للأير المختون ما يخفيه يا كريستوف) 33 ص، بل إنه أير غاضب والغضب هو سبب اندلاع الثورة ......

هكذا تصبح للثورة أهداف غير التي سطرت لها، فلم يعد الهدف منها تحقيق الديمقراطية ولا أن يتولى أمور العباد من يستحق من ذوي الكفاءات... وإنما غدا لها هدف واحد و وحيد هو هذه الحرية الجنسية التي يعيشها البطل يقول السارد (نحن قمنا بالثورة مزقنا الكتب، ألقينا الرزنامة كل العدادات الآن في لحظة الصفر) ص 53 ف (نحن لم نقم بالثورة لأجل أن نقوم بالانتخابات بل لنحيا مثل هذا الفرح) ولا يمكن أن يطلب العربي من الثورات أكثر من ذلك ( هل يمكن أن نطلب من الثورة أكثر من هذه الفسحة الجميلة من الفوضى والمرح)ص 51 ... ولنستمع للسارد يعرف الثورة بأنها تعني أن ينهض الناس (ويغادروا أسرتهم وينصرفوا عن أعمالهم وهمومهم وينزلوا للشارع للرقص والشرب والمضاجعة والغناء والسمر) ص53

بما أن السارد اختار أن يعبر عن الثورة بهذه الطريق تصبح رسالته واضحة، وهي إبلاغ القارئ بفشل الثورة في تحقيق أهدافها ف(ما من انتصاب إلا ويعقبه ارتخاء) ص5 هكذا انطفأت شرارة الحماس الثوري بسرعة البرق، ولم تخلف الثورة في الشارع سوى تكدس الأزبال وفقدان العاصمة لنضارتها، واستحالت تونس الخضراء أكواما من القمامة يقول السارد واصفا أكبر زبالة بباب سعودن في العاصمة (كثلة داكنة ممتدة لأكثر من مائة متر وبعلو ثلاثة أمتار عند بعض المواقع ... أكبر كثلة حية وقفت أمامها في حياتي رائحتها قوية لا تحتمل والذباب والبعوض يطن فوقها باللآلاف) 60 وإضافة إلى الأزبال عم بالمدينة الاغتصاب، السرقة و العنف الذي لم يسلم منه بطل الرواية، يقول واصفا بعض ما تعرض له: ( تلقيت على وجهي لكمة جانبية قوية تلتها ضربة مقصية بطحتني أرضا، صرخت وأنا أتلقى ركلات طائشة على وجهي وبطني ... قبل أن تنسل يد إلى جيبي وتسحب محفظتي ...) ص 58

في آخر الرواية يعيش البطل حالة خاصة تدخله رغبة جنونية في ممارسة الجنس و حالة انتصاب محير يختلط فيها الرغبة بالتبرز والبول والقيء لم يجد ما يطفئ ناره - بعد عدة محاولات واتصالات بمن يعرف من النساء- سوى جارته التي اتصل بها عبر الفيس بوك ولبت الدعوة بعد أن اطمأنت لوجود خمر في السهرة، وبما أنها عذراء وترغب في الحفاظ على بكارتها لليلة الزواج في مجتمع يصعب على المرأة أن تنعم فيه بزوج دون بكارة، لم يجد ما يشبع رغبته سوى الجنس الفموي بعد أن باشرت مص أيره بطريقة شبقية...

وما أن طلع الصباح حتى انتهت الرواية وأيمن واقف على بشاعة المدينة وبشاعة وقبح المرأة التي قضى معها ليلته (أكاد أدوخ من رائحة فمها القذرة ... وضوء الفجر يكشف قبحا حجبه الليل ... كانت مخيفة وعاودني إحساس الغثيان وأنا أتذكر أني كنت أضاجع هذا "الشيء العذراء") وزاد من تأزمه فقدانه أمل الالتحاق بمحبوبنه علياء في أمريكا بعد أن قررت السفر إلى اليابان مع أحد اصدقائها الجدد، وبموازاة الفشل الجنسي كان فشل الثورة (كنا نأمل أن تنجح الثورة بسرعة وها إنها تفشل بسرعة ... جاء اغتيال شكري بلعيد ليكون رصاصة الرحمة التي أطلقت على الثورة) ليكون ذلك إعلانا بالفشل بعد أن بدأت الثورة تأكل أبناءها ( الثورة التي طالما قالوا عنها إنها " بلا رأس " تكتشف بعد فوات الأوان أن بلعيد كان رأسها وقد خرج يشيعه إلى مرقده الأخير مليون شخص أو يزيد ولم يطونا يعرفون بأنهم فقدوا ذلك اليوم رأس ثورتهم)

هكذا كانت تجليات الفشل التي أحذقت بالبطل من كل حدب وصوب كفيلة بان تكشف الهدف من جنسنة ثورة الياسمين... وبدل أن تشرق شمس الحرية العدل والديمقراطية التي حلم بها التونسيون ها هي الشمس تشرق من القيء فكانت أخر جملة في هذه الرواية تصويرا للمآل الذي آل إليه البطل، وآلت إليه تونس: (شعرت بالقهر فقدت أملي في الحياة مرة أخرى أردت الصراخ والسباب لكني لم أستطع إلا أن اسقط على ركبتي مهزوما وقد رحت أتقيأ أتقيأ وهناك في الخلف وراء الحشد الشامت كانت الشمس تشرق من القيء)166 وبعد كل تلك الفحولة المزعومة ينتهي البطل في حالة أشبه بالعجز الجنسي لا يضاهيها ألا فشل تونس في إنجاح الثورة ....

 

الكبير الداديسي

 

 

karem merza1 - أحرف العلة ثلاثة (1) هي (الألف والواو والياء) بشكل مطلق، سيّان كانت متحركة أم ساكنة - الألف ساكنة دائماً- وبغض النظر عن حركة الحرف الذي قبلها، أكانت تجانسها أم لا؟! والتجانس يعني الفتحة للألف، والضمة للواو، والكسرة للياء،وهذه الأحرف المعلولة تجمعها كلمة (واي)، والاعتلال يعني الكلمة بها حرف علّة، والإعْلاَلُ فِي النَّحْوِ هُوَ تَغْييرُ أحَدِ أحْرُفِ العِلَّةِ حَذْفاً أوْ قَلْباً أوْ تَسْكِيناً (بيع: باعَ) .ويحذف حرف العلة عند جزم الفعل المضارع بإحدى أدوات الجزم مثل (لم، لما، لام الآمر، لا الناهية)، أو عندما تسبقه إحدى أدوات الشرط الجازمة، مثل (إن، كيفما، من، ما، متى، أتى، أيان، أينما، أي، حيثما) ، وهذا يتم إن سبقته حركة مجانسة له، لتحل محله عند الحذف ، وكذلك تحذف أحرف العلة في فعل الأمر .

وأحرف العلّة هي أصوات متحرّكة تساعد في تحديد نطق الكلمة فتخرج حروف العلة من الحلق، وتساهم الشفاه في نُطقها أيضاً، وتكمن الإفادة من هذه الأحرف في إكسابها قيمة للأصوات الساكنة، فالكلمة لا يمكن أن تلفظ من دون حروف العلة. سمّيت حروف العلة بهذا الاسم لكثرة تبدّلها وتغيرها من حال إلى آخر بالزيادة أو الحذف أو الإبدال أو القلب، .

وهذا ما يميز اللغة العربية عن اللغات العالمية الأخرى إذ تكون قادرة على التعبير بمخارج حروفٍ ليست موجودة في لغات عالمية أخرى،

2 - حرف (الألف) في اللغة العربية لا يأتي إلا ساكناً، والحرف الذي يقع قبله حركته الفتحة دائماً، أي حركة تناسبه : سَالم .... حرَام ....قَام...أرَىْ ....ندَى ْ، فحرف الألف هو حرف علّة ولين ومد في الوقت نفسه دائماً وأبداً، سيان في الشعر أم النثر .

2 - يبقى عندنا حرفا الياء والواو:

أ - إما أن يكونا متحركين ، فهما حرفا علّة فقط (حَـوَر ـ هَـيَف)، ويأتيان في الشعر كأي حرف آخر أصيل ، ليس لهما خصوصية:

فقصيدة مسلم بن الوليد (صريع الغواني) التي قالها في مدح يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني مشهورة جيدة، أورد فيها حرفي العلّة الياء والواو المتحركين مع القافية كأي حرف أصلي آخر، انظر:

أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا غَزِلِ **وَشَمَّرَت هِمَمُ العُذّالِ في العَذَلِ

هاجَ البُكاءُ عَلى العَينِ الطَموحِ هَوَىً ***مُفَرَّقٌ بَينَ تَوديعٍ وَمُحتَمَلِ

أَما كَفى البَينُ أَن أُرمى بِأَسهُمِهِ****حَتّى رَماني بِلَحظِ الأَعيُنِ النُجُلِ

حَذارٍ مِن أَسَدٍ ضِرغامَةٍ بَطَلٍ ******لا يولِغُ السَيفَ إِلّا مُهجَةَ البَطَلِ

لَولا يَزيدُ لَأَضحى المُلكُ مُطَّرَحاً**أَو مائِلَ السَمكِ أَو مُستَرخيَ (الطِوَلِ)

سَلَّ الخَليفَةُ سَيفاً مِن بَنى مَطَــــرٍ*****أَقامَ قائِمُهُ مَـــــن كانَ ذا (مَيَلِ)

كَم صائِلٍ في ذَرا تَمهيدِ مَملَكَــــةٍ ******لَولا يَزيدُ بَني شَيبانَ لَـم يَصُلِ

نابُ الإِمامِ الَّذي يَفتَرُّ عَنهُ إِذا *****ما اِفتَرَت الحَربُ عَن أَنيابِها العُصُلِ

سَدَّ الثُغورَ يَزيدٌ بَعدَما اِنفَرَجَــت *****بِقائِمِ السَيفِ لا بِالخَتلِ وَ(الحِيَــلِ)

يَفتَرُّ عِندَ اِفتِرارِ الحَـــــــــربِ مُبتَسِماً *****إِذا تَغَيَّرَ وَجهُ الفارِسِ البَطَلِ

موفٍ عَلى مُهجٍ في يَومِ ذي رَهَــــجٍ********كَأَنَّهُ أَجَــــلٌ يَسعى إِلى أَمَلِ

كَاللَيثِ إِن هِجتَهُ فَالمَوتُ راحَتُـهُ *******لا يَستَريحُ إِلـــى الأَيّامِ وَ(الدُوَلِ)

إِنَّ الحَوادِثَ لَمّا رُمنَ هَضبَتَــــهُ********أَزمَعنَ عَن جـــــارِ شَيبانٍ بِمُنتَقَلِ

فَالدَهرُ يَغبِطُ أُولاهُ أَواخِـــــرَهُ ******إِذ لَم يَكُن كـــــــانَ في أَعصارِهِ (الأُوَلِ)

إِذا الشَريكِيُّ لَم يَفخَر عَلى أَحَــــــدٍ *******تَكَلَّمَ الفَخرُ عَــــــــنهُ غَيرَ مُنتَحِلِ(2)

حرف الروي للقصيدة حرف اللام، وحركته (المجرى) الكسر، والحرف الذي سبق الروي جاء حرف محرك، لايهم أن يكون حرف علّة محركاً كـ (الأُوَلِ)(الدُوَلِ)(الحِيَــــــلِ)(مَيَلِ)(الطِوَلِ)، أو حرف صحيح غير معتل محركاً أيضاً كـ النُجُلِ وَمُحتَمَلِ والعَذَلِ .......

ب - أو أن يكونا (حرفا الياء والواو) ساكنين، وهما على حالتين:

1 - الحرفان ساكنان وحركة الفتح على الحرف الذي قبلهما (أي حركة لا تناسبهما)، وهنا أطلق العلماء عليهما حرفي اللين، لأنهما يخرجان بيسر ولين من غير كلفة في النطق ولا تعب، وسهولة جريهما في المخرج نحو: (خَوْفْ)، (قَوْم)، (البَيْتْ)، (قُرَيْشْ)، فحرفا العلّة (الواو والياء) هنا تخصصا بسكونهما وحركة فتح الحرف ما قبلهما، ونعتا بحرفي اللين . والألف أيضاً مثلهما حرف لين، لأنه دائما سكن، والحرف الذي قبله حركته الفتح أبداً مثل: سَام، حَام، قَام ، نَام....!!

أقول حركة لا تناسبهما، لأن الحركة التي تناسب الياء هي الكسرة، والحركة التي تناسب الواو هي الضمة، وحركة الفتح للحرف الذي قبل الياء والواو لا يناسبهما .

:2 - والآن نضيف صفة (المد) لحروف (اللين)

فحروف المد هي حروف علّة ساكنة، تسبقها حركة تناسبها ، وهي الألف الساكنة المفتوح ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، هذه اسمها حروف المد واللين سميت حروف المد لأن لها قابلية المد وسميت حروف اللين لأنها تخرج بيسر ولينين.، مثل (فِيْل) ـ (غُول) ـ (مَال).

فذلكة الأقوال:

فالواو والياء والألف تسمى حروف علة كيفما وقعت، ساكنة كانت أو متحركة، وكيفما كانت حركة ما قبلها، مجانسة كانت أو غير مجانسة.

فإذا وقعت هذه الحروف ساكنة بعد حركة تجانسها - كالضمة للواو، والكسرة للياء - سميت حروف لين ومد وعلة معًا، فإن كانت ساكنة بعد حركة لا تناسبها فهي لين وعلة فقط، ولا يخفى أن الألف لا تكون إلا بعد فتح .

قال في ضياء السالك على أوضح المسالك: الواو والألف والياء التي يجمعها لفظ واي: إذا وقعت ساكنة بعد حركة تجانسها؛ وهي الفتحة قبل الألف، والضمة قبل الواو، والكسرة قبل الياء، سميت حروف علة ومد ولين؛ نحو: قام، يقوم، مقيم: فإن سكنت وقبلها حركة لا تناسبها، سميت حروف علة ولين؛ نحو: فرعون، خير، فإن تحركت سميت حروف علة فقط؛ فكل مد ولين، وكل لين علة، ولا عكس. انتهى (3)

وإنما سميت هذه الحروف بحروف العلة لكثرة تغيرها وتبدلها من حال إلى حال بالنقص وبالزيادة، وبالحذف وبالإبدال، وبالقلب، وغير ذلك، قال الرماني: حروف العلة هي التي تتغير بقلب بعضها إلى بعض بالعلل.

لكي لا تختلط عليك الأمور، الطبيب صفة مطلقة لخريج كلية الطب، وإذا تخصص بالقلب، فهو طبيب وطبيب قلب، وإذا تخصص بجراحة القلب، فهو طبيب بشكل مطلق، وطبيب قلب، وطبيب جراحة قلب ... ما المشكلة ؟!!!

3 - حروف اللين والمد في الشعر العربي كحروف ردف وحرف تأسيس:

حرف الرِّدْف:

وهو مأخوذ من ردف الراكب؛ لأن الرَّوِيّ أصل فهو الراكب وهذا كردفه، والردف هو ما يقع قبل الروي مباشرة من غير فاصل، ويكون من حروف المد الثلاثة، وحروف اللين وهي الواو والياء الساكنتان بعد حركة غير مجانسة لهما، والألف تعتبر أصلاً.

ويجوز في الياء والواو أن يتعاقبا في القصيدة الواحدة، ويجوز أن يكون الرِّدْف والرَّوِيّ من كلمة واحدة أو كلمتين، ولا تعتبر الياء أو الواو المحركتين أو المشددتين ردفاً.

حرف التَّأْسِيْس

والتَّأْسِيْس لا يكون إلا بالألف قبل حرف الرَّوِيّ بحرف واحد، فالتَّأْسِيْس إذًا حرفُ ألفٍ بينها وبين حرف الرَّوِيّ حرف واحد صحيح، وهذا الحرف الصحيح الذي يفصل بين ألف التَّأْسِيْس وحرف الرَّوِيّ يسمى (الدَّخِيْل) وهما متلازمان فسميت الألف تأسيسا لأنه يُحَافَظُ عليها في قافية القصيدة كأنها أسٌّ للقافية، وقيل: لأنها تقدمت على جميع حروف القافية.

حرف الدَّخِيْل

وهو حرف متحرك يقع بين ألف التَّأْسِيْس والرَّوِيّ، وسمي دخيلاً لأنه دخيل في القافية؛ وذلك لوقوعه بين حرفين – الرَّوِِيّ والتَّأْسِيْس – خاضعين لمجموعة من الشروط في حين لا يخضع هو لشروط مماثلة فشابه الدَّخِيْل في القوم. والدَّخِيْل حرف لا يلتزم بذاته وإنما يلتزم بنظيره وهو واقع بين حرفين ملتزمين من حروف القافية، فإذا التزمه الشاعر فهو لزوم ما لا يلزم كما فعل أبو العلاء المعري

بما أنَّ حروف اللين والمد هي حروف علّة ساكنة، فالتأسيس والردف لا يلتقيان مطلقاً،والسبب كلاهما ساكنان، وفي اللغة العربية لا يتوالى ساكنان، إلا في خواتيم القوافي المقيدة، وهذه أصعب من القوافي المطلقة، لا يتمكن عليها سوى الشعراء القادرين، وتأتي في بحور الرمل والمتقارب والطويل أكثر من بقية البحور.

أ - الردف في القوافي المقيدة:

أي عندما يكون حرف الروي ساكناً، ويسبقه أحد حرؤف الردف الساكنات وهي (الألف أو الياء أو الواو)، فتكون من حيث لفظ القافية (مترادف)، لإلتقاء الساكنين في آ خر البيت، وهذا لا يأتي إلا في الشعر(4) كقوله:

ما هاجَ حسانَ رسومُ المقـَامْ***ومظعن الحيّ ومبنى الخيَامْ (5)

كما ترى- يا صاحبي - لا تأتي قبل ألف الردف إلا حركة الفتح فقط، لذلك هوحرف مد دائماً، وحرف المد يمكن له أن يكون حرف لين ، وحروف المد واللين أصلها حروف علـّة (الألف والياء والواو) - كما أسلفنا - وحروف العلة الثلاثة لا تبالي أن تكون ساكنة أو متحركة، ولكن لا تكون ردفاً إلا إذا كانت ساكنة، لذلك أياك أياك أن تعتبر حرفي الياء والواو المُحركين حرفي ردف (الألف دائماً ساكنة، وقبلها حركة فتح)،أنا أعرف قد ذكرت من قبل هذا، وهذا للتأكيد ولمن فاته الأمر .

تعال معي لحرفي الياء والواو من حروف العلة الساكنة ، هذين الحرفين إذا سبقهما حركتال من جنسيهما الكسرة للأول والضمة للثاني، فهما حرفا مد ولين وعلة (ساكنان، وإذا كانت الحركة قبلهما الفتح فهما حرفا لين وعلة (ساكنان) فقط ، وإليك أمثلة على ردفيهما في حالتي تجانس الحركة قبلهما، وطبعاً حرف الروي ساكن مقيد، مثال الياء الردف وما قبله الكسر قول طرفة:

وجامل ٍخوّعَ من نيبهِ ****زجرُ المعلـّى أ ُصلا ًوالمنِيْحْ (6)

والياء ردف، إن كانت الحركة التي تسبقها مجانسة، وإليك الحركة التي تسبقها غير مجانسة (الفتحة):

يمنعها شيخ ٌ بخدّيهِ الشـَّيْبْ ****لا يحذرُالرَّيبَ إذا خيفَ الرَّيْبْ

الياء ردف، وما قبلها حركة فتح، والروي ساكن فالقافية مقيدة، وهاك الواو وهي ردف وما قبلها حركة مجانسة وغير مجانسة (الفتح)، يقول منظور بن مرثد الأسدي:

هل تعرفُ الدارِ بأعلى ذي القـُوْرْ ***قد دُرستْ غير رمادٍ مكفـُوْرْ (7)

لاحظ الحرف الذي يسبق الواو الساكنة (الردف) مضموم، فالحركة من جنس الردف، بينما البيت الآتي الحرف الذي يسبق الردف (الواو الساكنة) حركته الفتحة من غير جنس الواو ، وإليك قول الراجز:

ما لك لا تنبحُ يا كلبَ الدَّوْمْ****بعد هدوء الحيّ أصوات القـَوْمْ

قد كنت نبّاحًا فما لك اليَوْمْ .

ب - القوافي المقيدة المؤسسة:

وهذا يعني طبعا أنّ حرف الروي ساكن، ويسبقه حرفان الذي قبله مباشرة حرف الدخيل، وقبل الدخيل حرف الألف يسمى ألف التأسيس، فمن قصيدة مطولة للمتنبي يمدح فيها عضد الدولة يقول:

حكيتَ يا ليل ُفرعها الوار ِدْ *** فاحكِ نواها لجفني السّاهِدْ

طالَ بكائــــي على تذكـّرها****وطلتَ حتى كلاكمـــا واحِدْ (8)

دقق رجاءً الألف ألف التأسيس، والحرف الذي بعده هو حرف الدخيل حركته الكسر في كل القصيدة المطولة، والدال هو حرف الروي الساكن، فالقافية مقيدة مؤسسة.

كريم مرزة الأسدي

...........................

(1) كلمة الأحرف: تطلق لغويا على عدد أقل من 9 مثال: أحرف الحلق أو أحرف الجوف أو أحرف العلّة.

الحروف:جمع كثرة تطلق على العدد أكثر من 9 مثال: حروف اللسان.. حروف اللغة العربية.

ولكن شاعت كلمة حروف على أحرف العلّة ...!!

(2) الموسوعة العالمية للشعر العربي

العصر العباسي - صريع الغواني - أُجرِرتُ حَبلَ خَليعٍ في الصِبا غَزِلِ

(3) ضياء السالك إلى أوضح المسالك: محمد عبد العزيز النجار، ج ص - 2001 - ط 1 - مؤسسة الرسالة .

(4) ذكر أبو العلاء حالة شاذة نادرة إذ ورد ساكنان في وسط الكلام، وهذه لا يؤخذ بها مطلقاً .

(5) لزوم ما لا يلزم: أبو العلاء المعري ص شر ح الدكتوران طه حسين وزميله م . س . الشعر فقط.

(6)المصدر نفسه ص ، جامل جمع الإبل، النيب: النوق (الأناث)، المنيح قدح الميسر الثامن، والمعلى السابع، الشعر وشرح مفرداته في الهامش فقط من المصدر.

(7) المصدر نفسه ص: الدّوم: الشجر الضخم

(8) ديوان المتنبي: شرح علي العسيلي ص مصدر سابق , الفرع: الشعر، الوارد الطويل المسترسل , الساهد: الساهر.

husan sarmak"موتٌ طبيعي .. موت مصنّع"..تحليل قصّة "الحمامة"

(لا تنتابني كوابيس بخصوص هذه الأمور، ولكني أتذكر، وأتذكر، وتعاودني صورة ذلك الرأس المقطوع من جسد لاجىء ألباني في كوسوفو، إثر غارة جوية أميركية حدثت قبل أربع سنوات، كان رأسا ملتحيا واقفا وسط حقل أخضر، تحت نور الشمس الساطع، وكأنه قُطع على يد سيّاف من القرون الوسطى. وكذلك جثة ذلك الفلّاح الكوسوفي المقتول على يد الصرب، والذي فُتح قبره بواسطة الأمم المتحدة، فبرز أمامنا من الظلمات منتفخا، وذلك الجندي العراقي في منطقة "الفاو" خلال الحرب الإيرانية – العراقية، كان يلمع على أصبعه الرابع من يده اليسرى خاتم زواج ذهبي يتيم، يتوهج بالنور والحبّ لامرأة لا تعرف أنها أمست أرملة )

"روبرت فيسك"

كتاب "الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة – الإبادة"

وبفعل هذا الإدراك لحقيقة الموت المتسيّدة على عرش الحياة، تنضج أدوات القاص ورؤياه . أي عمل عظيم في تاريخ الأدب يعود الفضل فيه إلى الموت . خذ "أوديب ملكاً" لسوفوكل، و"هملت" لشكسبير، و"الإخوة كرامازوف" لدستويفسكي، و"مدام بوفاري" لفلوبير، و"موبي ديك" لهرمان ملفيل، أو "الأحمر والأسود" لستندال .. "الحرام" ليوسف إدريس، أو "الأوجاع والمسرّات" لفؤاد التكرلي . كل عمل عظيم طبع بصماته على خارطة الأدب كان من نتاج الموت .. وفي خدمته . وقد أدرك علي القاسمي هذه الحقيقة بوجدانه الإنساني الحيّ قبل عقله على الرغم من أهمية إدراك الأخير ودوره، فصاغ مجموعته هذه ضمن هذا الإطار العفوي الذي لا يغيّب القصدية اللاشعوريّة . وفي الأقسام المُقبلة من مشروعنا الطويل عن منجزه القصصي سنجد أنّ حتى المجموعات الأربع الأخرى التي تدور نصوصها حول ذكريات الطفولة والحب الخائب والحزن العربي وصراعات النفس البشرية لا تكتسب ألقها وتحقّق تاثيرها المُبهر في نفوسنا إلّا لأنّها تتعاطى مع "مشتقات" الموت وممثليه، كما سنرى إن شاء الله .

في قصّة "الحمامة" يعالج القاسمي موضوعة الموت من خلال مقترب جديد بالنسبة له، لكن جوهر حبكته موجود في نصوص أخرى في مجال الأدب القصصي، وهو أن تحصل تداعيات مؤلمة وكبيرة لدى الإنسان وهو يتعامل مع معضلة الموت والسلوك الإنساني تجاهه من خلال تجربة صادمة ترتبط بسلوك الحيوان الغريزي .

فقد عاد الراوي – والقصّة تُحكى بضمير المتكلّم أيضاً – مع ابنته بعد تمضية عطلة نصف السنة عبر طريق، يستهل القاص قصّته بوصفه بطريقة تجعله يبدو كأنّه طريق لـ "الموت"، فيعدّ ذهن القارىء لاستقبال الحركة النقيضة، ليصبح فعلها أكثر مضاءً في نفسه، فالشمس صفراء شاحبة تتهاوى إلى مرقدها وكأنها تهبط إلى العالم الأسفل، والأرض يباب مهجورة جرداء كالحة .. المكان كلّه لا يزيد على مقبرة .. لكنّها مقبرة للحياة:

(كانت الشمس تلوح في الأفق البعيد صفراء شاحبة تتهاوى ببطء إلى مرقدها، حينما عدتُ وابنتي في طريق طويلة مقفرة، ترامت على جانبيها أرض كالحة رماديّة اللون، نَسِيتْ طعم المطر منذ سنين، واستحالت فيها الاشجار إلى هياكل عارية عجفاء، هجرتها خضرتُها وعصافيرها، لتواجه وحيدةً مصيرها الحزين . وودّعت المياه السواقي والأودية، واختفت قطعان الماشية، وصمتت مزامير الرعاة) (ص 255) .

في البيت تأتي حركة الحياة التمهيدية حين تثير انتباههما حركة مُريبة خلف النافذة، لتجد الابنةُ أنّ حمامة قد عشّشت في الشبّاك في أثناء غيابهما، ووضعت بيضتيْن .

وبعد فترة من الخوف والتوجّس المتوقّعين من قِبل الحمامة، تبدأ بالإعتياد على اقتراب البنت، ولا تفزع من مرآها أو تخشى من اقترابها .

منظر الحياة والحنو الأمومي من قبل الحمامة على بيضتيها، وبناؤها التدريجي الصبور لعشّها الدافىء، استولى على اهتمام الطفلة الصغيرة . هي كائن لا يعرف حتى الآن ماذا سينتظره – بل ينتظر حتى الحمامة المسكينة – في المستقبل القريب على يد أبشع وحوش العصر: شقيقها الإنسان . لكن الأب الراشد الذي عرك الحياة وعرف عدوان الإنسان على أخيه الإنسان ينشغل بغير ذلك . ويرسم القاص مشهد المقارنة ببساطة، لكن ببلاغة، حيث يصوّر البنت وهي تقف قرب نافذتها الأثيرة ترقب حمامتها في عشّها الدافىء، والأب يتابع نشرة الأخبار في التلفاز: مجاعة وفيضانات وحرب أهلية في الصومال .. مذبحة جديدة في الجزائر ذهب ضحيتها أربع مئة وخمسون قتيلاً من قرية واحدة جلّهم من النساء والأطفال والشيوخ .. مئات الأطفال يموتون يوميّاً في العراق بسبب الحصار ونقص الحليب والغذاء والدواء . ويبدو أنّ القصة قد كُتبت في التسعينات حيث شهد الضمير الإنساني وبمباركة هيئةٍ أُنشئت للحفاظ على السلام وأمن الشعوب هي الأمم المتحدة بضغط دولة الشيطان: الولايات المتحدة الأمريكية، تعاونها دولة خبيرة بمصّ دماء الشعوب عبر أربعة قرون هي بريطانيا، شهد الضمير الإنساني أبشع مجزرة تجويع راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن عراقي . وحين سُئلت الأفعى "مادلين أولبرايت" من قبل الصحفيين: هل ستستمر الولايات المتحدة بفرض الحصار على العراق، بعد هذه الخسائر الهائلة في وفيات الأطفال، أجابت – وفي قاعة الأمم المتحدة -: "سوف نقتلهم كلّهم."

وحين نراجع السلوك الحيواني، لن تجد خنزيرا يفرض حصاراً يودي بحياة مليون طفل، ثم يصرّ على قتل الشعب كلّه .

قد يقول قائل من النقّاد والقرّاء إنّ هذا ليس نقداً بل تحليلا سياسيا، فأقول بالعكس، هذا هو النقد المفقود . ويجب أن يعود الناقد إلى مهمّته الأصلية كمفسّر، وليس مبدعاً – حسب الخدعة البنيوية – يستخدم "اللغة المتعالية – Metalanguage " في إنشاء نصّه النقدي ليصبح نصّاً موازياً للنص الإبداعي الذي يقوم بنقده وتحليله، ونحتاج – وفق ذلك – إلى ناقد يشرح لنا النص الذي كتبه الناقد، وهذا – بدوره – يحتاج إلى ناقد آخر يفسّره .. وهكذا دواليك . وهكذا حوّل فرسان الحداثة العرب النقد إلى شفرة تتداولها نخبة النخبة بينهم . حتى أنّ أساتذة يحملون أعلى الشهادات في النقد الأدبي لا يفهمون ما يرطنون به .

وقفة:

الناقد الراحل الدكتور عبد العزيز حمودة، حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة كورنيل الأمريكية عامي 1965 و1968، وكان يعمل أستاذاً للأدب الإنجليزي بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وعميدا لكلية العلوم الإنسانية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وسبق له أن شغل وظائف عميد الدراسات العليا بجامعة الإمارات ومستشار مصر الثقافي لدى الولايات المتحدة .. وغيرها الكثير . له مؤلفات كثيرة في مقدّمتها: المرايا المحدّبة والمرايا المقعّرة . هذا الأستاذ الكفء لم يتردّد في الإعلان عن أنّه لم يكن يفهم ما يكتبه نقّاد الحداثة المرعبة بسبب تخلّفه وجهله !!، ويقول بصراحة:

(كنتُ أنحي باللائمة على تدنّي معدل ذكائي الفطري منه والمُكتسب .. وأنا أقرأ دراسات كمال أبي ديب عن الشعر الجاهلي .. وكتابات جابر عصفور وهدى وصفي وحكمت الخطيب .. وآخرين لا حصر لهم ممن ركبوا موجة البنيوية .. لازمني هذا الإحساس المزدوج كلّما قرأتُ فقرة مثل:

(ويمكن من الناحية اللغوية أن نرى هذه الجمل مرتبة على النحو التالي:

توجد أ وكانت هناك ب . وتوجد ج  وكانت هناك د . وكانت هناك أ وب1  وكان هناك (أو هناك الآن) ج1 + د1 ولكن التوافق بين أ وأ1، وب وب1 إلى آخره ليس هو كلّ شيء، إذ إن صيغتي ج1 ود1  ليستا مثل ج ود على الرغم من أن د قريبة جدا من د1، على حين أن ج  وج1  ليستا قريبتين . وهذا بسبب أن ج  وج1  تتشعبان إلى الأقطاب المتعارضة في التجربة) ..

أو:

(يتعامل الكاتب مع هذا الأثر الدلالي في المُتخيل، يصير آخر ينظر فيه: الكاتب يروي – يسرد – ينص . وقد يحكي الفرد الذي هو طرف في علاقة مع الواقع المادي . يحكي عنه حضورا في هذا المتخيل . يحاور الكاتب المتخيل، يحاوره من مسافة الكتابة، ويحاوره عالماً له أساسه المادي ولكنه في المتخيل له مستوى آخر، الكاتب آخر غير الذي مارس العلاقة مع الواقع المادي . الكاتب ذاكرة أخرى تقيم المسافة مع المتخيل، تتعامل معه، ترى فيه، وتكتب منه، لهذا المتخيل زمن تكونه وللكتابة زمنها المختلف، وبين الزمنين تستمر علاقة الفرد بالواقع المادي من حيث هو حضور فيه، في نظام العلاقات فيه، أي في ما يحدّد له موقعا يحكمه ويتجاوزه كفرد) (13) ..

ويتساءل حمودة هل بهذه الطرق من الكتابة ننقذ (شرف النقد العربي) بعد الهزيمة كما قال الراحل لويس عوض في أواخر الثمانينات؟

أمام هذا الضياع والتخبّط المستند إلى إرهاب حداثوي عارم، أخذتُ عهداً على نفسي بأن أتحداها مع كل مقالة ودراسة وكتاب بأن تكون مفهومة كحد أدنى من قبل طلبة المرحلة الثانوية . الناقد مفسّر بالدرجة الرئيسية، وليس شاعراً ينافس الشعراء في كتابة القصائد النقدية، ولا عالماً ينافس أساتذة الرياضيات في إعداد الجداول والرسوم والمخطّطات البيانيّة  مع إدراكي أنّ لجوء البنيويين الغربيين إلى هذا النهج كان لمنافسة العلم الذي اكتسح كل شيء .. وكمحاولة لتقعيد النقد على أسس علمية ورياضية .

عودة:

.. والشيء الجوهري نفسه أقوله عن نصوص علي القاسمي، فأنا الآن أقرأ نصوصاً مفهومة وأستمتع بها، فماذا يريد القارىء أكثر من ذلك؟

إنّ القارىء يريد – بعد المتعة والفهم المباشر الذي تعينه عليه إمكانياته المعرفية - يريد استكشاف أسرار النص – مبنى ومعنى - التي لا يستطيع الإمساك بها، والتداعيات المرتبطة به على الصعد كافة، وهنا يأتي دور الناقد . هذا الدور الذي يتجلى في مثال حيّ الآن في هذه المرحلة من قصّة "الحمامة"، والأب مهموم بأخبار موت مئات من الأطفال العراقيين يوميا بسبب الحصار، ومن الأطفال الجزائريين يُذبحون بلا رحمة، والطفلة الصغيرة تصرخ فجأة:

(أنظر . البيضة تفقس . الفرخ يكسرها برأسه، بمنقاره الصغير، إنّه يخرج منها بصعوبة .. أنظر إلى المسكين . ما أضعفه ! ما أصغره ! ما أملس جسمه الخالي من الريش!) (ص 256) .

هنا يقيم القاص صلة بالمشابهة والمقارنة، قد لا يلتفت إليها السيّد القارىء، بين الأطفال الابرياء الصغار الذين يقتلهم حصار الأمريكان كل يوم بلا ذنب اقترفوه، أو يذبحهم الأصوليون المسعورون بلا جريرة أو جناية ارتكبوها .. أطفال مساكين، غضّو الإهاب، لا حول لهم ولا قوّة في هذا العالم الجائر، ينتظرون عون الكبار ورعايتهم، حالهم حال هذا الفرخ الصغير الذي خرج إلى النور والحياة توّاً، ضعيفاً هشّاً وعارياً، والطفلة الصغيرة بوجدانها الحي وضميرها الذي في طور التشكّل، وليس مثل ضمير الساسة الكبار القتلة الذي أودعه الله في نفوسهم ليكون عينه، تقف أمام هذا الكائن الأعزل وتصرخ مفجوعة:

(... لم يخرج من البيضة تماماً ... إنّه يرتمي بنصف جسمه على الأرض ... لا يتحرّك .. إنّه هامد، أخشى أنّه ميّت ... يا إلهي ! أين أمّه ؟ ماذا يمكنني أن أفعل ؟ بابا، كيف نستطيع مساعدته ؟) (ص 256) ..

وبذكاء يقطع القاص تسلسل الحدث ويختم الحكاية بعيداً عن الطفلة . إنه لا يريد – وهذا من شروط القص المقتدر – أن ينوب منابنا في كشف أسرار نصّه الفنّية من ناحية، وأسرار حكمته التي يبغي تمريرها خلف استاره من ناحية أخرى . قد يتوقع القارىء، اتساقاً مع توالي وقائع الحكاية أنّ القاص سيصوّر لنا الأب وهو يُهرع إلى طفلته ليخفّف عنها انفعالها المؤلم، أو يساعدها في فعل شيء ينقذ به الفرخ المكسين . لكنّه – وبخلاف كل توقّع إيجابي – جعل صرخات الطفلة تضيع في وادي الخواء، وخلق ما يشبه "الفجوة" السردية في مسار الأحداث حين ختم قصّته بكلام الأب:

(وعندما أويتُ إلى فراشي تلك الليلة، لم أستطع النوم، فقد كانت الحمامة في النافذة المجاورة تنوح وتنوح نواحاً شجيّاً بلا انقطاع طوال الليل) (ص 256) .

إنّ الأب المضطجع في سريره، الآن، يمثل عجزنا الفادح المُخزي في هذا العالم الذي نكتفي فيه بالفرجة على المصائر السود التي تُطيح بإخوتنا البشر – خصوصاً من الأطفال الأفراخ العُزّل – مصائر رسمتها وحوش بشرية مسعورة منفلته بلا رادع أو مانع أو رقيب داخلي أو خارجي.

وحسناً فعل الأب حين لم يغطّ راسه، ويروح في نوم عميق، مثل بطل "زكريا تامر" في قصّته التي يهاجمه فيها مجموعة من الأشقياء، وهو يتنزّه مع خطيبته، ويضربونه على رأسه فيفقد الوعي، ويبدأون باغتصاب خطيبته، وحين يستعيد وعيه، ويشاهد المأساة التي تجري أمامه، يغلق عينيه ثانية ويعود إلى الغيبوبة السعيدة . ظلّ الأب أرقاً - وهذا أضعف الإيمان - يستفزّه، ويوجع قلبه، النوح الشجي للحمامة المثكولة طول الليل. فكيف هو حال قلوب أمّهات الأطفال العراقيين والجزائريين يا أيّها السادة القرّاء؟ ..

ولو عدنا نتأمل مضمون هذه القصّة سوف نجد أنّه موضوع بسيط جداً، طفلة تتعلّق بحمامة عشّشت في شباكها، وقد تكون قد طُرقت عشرات المرّات في أدب الأطفال – والقاسمي كتب للأطفال – لكن انظر ما الذي فعله الموت حين دخل إلى مسرح الحكاية؟! وليس الموت المجرّد الذي يأتي كقدر مقسوم لا نعرف أخّاذ الأرواح فيه، ولكن الموت "المُصنَّع" الذي صار أخّاذ الأرواح فيه ليس ملك الموت الديني المعروف، بل الإنسان حين ييأس وينسعر من أجل أفكاره ومصالحه ويموت ضميره . وليس – أيضاً - كلّ موتٍ مصنّع، فقد يأتي في صورة خبر أو رسالة أو معلومة إعلامية، إنّه الموت حين يصير حكاية .. حين "يتشخصن" من خلال الإنسان والحيوان، ويثير التساؤلات الكبرى في الحياة عن الإنسان، وعدوانه، ومصيره، وجدوى وجوده، وما يفعله لمواجهة هذا المصير ؛ عن الإنسان حين يكون "حيواناً خبيثاً" وشرّيراً .

قبل ايام كنتُ اقرأ مقالة عن طرق التعذيب التي كان يستخدمها الجلّادون ضد ضحاياهم في السجون الأرجنتينية في ظل الديكتاتوريات العسكرية . واحدة من الطرق تتمثل في إدخال انبوب في مخرج أو مهبل الضحيّة، ثم يُدخل جرذ تم تجويعه لعدّة ايّام في الأنبوب، وتُغلق فتحته !!

أمّا في أوروبا المتحضّرة، فكانوا يقتلون أطفال المسلمين في البوسنة بوضعهم في خلّاطات الإسمنت أمام عيون أمّهاتهم !!

يا إلهي ! ما هذا الإنسان؟!

(وأينّ تذهب جهود هذا المسكين الذي يسمّونه "الخير"؟ ولماذا يطارده الشرُّ ويهزمه دائماً؟ وأين راحت دعوات وتضحيات هذا الطابور الذي بلا بداية وبلا نهاية من الأنبياء والرسل والمصلحين والفلاسفة والشعراء والثوّار والمفكرين ما دمنا ننتقل من وضع بشريٍ سيّء إلى وضع أسوأ منه؟ ولماذا برغم كل تلك التضحيات يختنق العالم بالشرور والمعاصي يوماً بعد آخر حتى صرنا لا نتساءل فقط "لماذا وُجدَ العالم ؟"، بل نتساءل أيضاً "لماذا يكون العالم حافلاً بكل تلك الشرور؟" ؛ شرور يمسك بعضها بيد البعض الآخر لتضرب حصاراً منيعاً حول وجودنا ؛ شرور هي من الكثرة بحيث أنها لا يمكن أن تصدر إلا من الموجود الأوحد الذي يتحكم بوجوده وهو الإنسان، وإلا إذا كان هذا الموجود "حيوان شرير" أو "حيوان خبيث" بالبنية والتعريف ؟ هذا الإستعداد الجِبلي هو الذي يجعله يقلب كل جهود الخير إلى شرّ، وكلّما جاء أنبياء الله بالبشرى جعلها مراثي، وصار الإنسان مهموماً بخرابه هو نفسه، حتى أصبح التعريف الملائم له هو أنه "حيوان مهموم") (14)  .

وها هو الأب في هذه القصّة يضطجع مهموماً بالشر الذي يقترفه أخوه الإنسان، ينوح في أعماق روحه المخذولة، يردّد صدى نواح تلك الحمامة المثكولة حتى الصباح، مثل حالنا كلّ ليلة، فيعزّ عليه النوم .  تُرى، هل نام واحدٌ منّا – نحن المواطنين العرب في كلّ مكان ومنذ عقود - ليلة واحدة مرتاح البال قرير العين ؟

القصّة التي تمّ تحليلها

الـحمامة / د. علي القاسمي

كانت الشمس تلوح في الأفق البعيد صفراءَ شاحبةً تتهاوى ببطءٍ إلى مرقدها، حينما عُدتُ وابنتي الصغيرة ـ بعد تمضية عطلةِ نصف السنةـ في طريقٍ طويلة مُقفِرة، ترامتْ على جانبيها أرضٌ كالحةٌ رماديَّةُ اللون، نسيتْ طعمَ المطر منذ سنين، واستحالتْ فيها الأشجارُ إلى هياكلَ عاريةٍ عجفاء، هجرتْها خضرتُها وعصافيرُها، لتواجه وحيدة مصيرها الحزين. وودعتِ المياهُ السواقي والأودية، واختفتْ قطعان الماشية، وصمتتْ مزامير الرعاة.

في غرفة الجلوس بالطابق العلويّ من المنزل، أثارتْ انتباهَنا حركةٌ مريبة خلف النافذة. اقتربتْ ابنتي بحذر منها، وما إنْ رفعتْ الستارةَ عنها حتّى طارتْ حمامةٌ مذعورةٌ بعيدًا في الهواء، ثُمَّ ما لبثتْ أن حطَّتْ على سطح المنزل المقابل. فأطلقتْ ابنتي صرخةً جذلى:"آه! لقد عشَّشت تلك الحمامة هنا، أثناء غيابنا، وخلّفت بيضتَيْن." وأخذتْ تتأملهما ساكنةً لوهلة. ثُمَّ عادت لتجلس إلى جانبي، حيث دسّت رأسها الصغير في صدري، وأنا أواصل قراءة كتابي، وأُمسِّد شعرها الناعم الطويل. وسرعان ما عادتِ الحمامةُ إلى النافذة، بعد أنْ اطمأنّتْ إلى ابتعاد الخطر، لتحضن بيضتَيْها.

وظلّت بُنيتي تتردَّد على تلك النافذة تراقبُ الحمامة التي أخذتْ تعتاد على اقترابها المسالِم، ولم تعُدْ تفزع لمرآها. وأحيانًا، كانت تجد البيضتَيْن فقط، وقد تغيَّبت الحمامة، لتحمل بعد برهةٍ، شيئًا من القش أو الغُصينات، تنسّقها في عشّها.

وفي المساء كنتُ أتابع نشرةَ الأخبار التي يبثّها التلفزيون، في حين وقفتْ ابنتي قرب نافذتها الأثيرة. وتوالت الأنباء من جميع أقطار الوطن العربيّ: فيضاناتٌ مروعة تجتاحُ بلاد الصومال التي أنهكتْها المجاعة والحرب الأهلية، وتقتلُ المئات من الأطفال والنساء والعجزة... مذبحةٌ جديدة تقترفها الجماعات المسلَّحة في الجزائر يذهبُ ضحيتَها أربعـمائة وخمسون قتيلاً في قريةٍ واحدة، جلُّهم من النساء والأطفال والشيوخ... مئات الأطفال يموتون يوميًّا في العراق، بسبب الحصار ونقص الحليب والغذاء والدواء... وفجأةً تصرخ ابنتي:

ـ " انظرْ، البيضة تَفْقِس، الفرخ يكسرها برأسه، بمنقاره الصغير، إنّه يخرج منها بصعوبة... انظرْ إلى المسكين، ما أضعفه! ما أصغره! ما أملسَ جسمه الخالي من الريش..! لم يخرج من البيضة تمامًا ... إنّه يرتمي بنصفِ جسمه على الأرض... لا يتحرّك ... إنّه هامد، أخشى أنَّه ميّت... يا إلهي! أين أُمّه؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ بابا، كيف نستطيع مساعدته؟"

وعندما أويت إلى فراشي تلك الليلة، لم أستطع النوم؛ فقد كانت الحمامة في النافذة المجاورة تنوح وتنوح نوحًا شجيًّا بلا انقطاع طوال الليل.

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة - أواخر 2014

 

mustafa maroufiقراءة الشعر عمل عسير، والكاتب يتهيبها، فقراءة الشعر لا يوازيها صعوبة إلا قوله أو كتابته، الشاعر نفسه لا يستطيع أن يقرأ شعره قراءة مقنعة، قراءة جامعة مانعة، فما بالك إذا كان هذا القاريء هو شخص آخر، فكما يستعصي الشعر على الشاعر قرضا كذلك تكون قراءته مستعصية، فالفرزدق مثلا كان يقول: "يمر علي وقت لقلع ضرس أهون علي فيه من قرض بيت شعر"، والمفضل الضبي على علو قامته في الشعر رواية ودراية كان يتهيبه، إن الشعر صعب قولاً وهو أصعب قراءةً، لذا تبقى كل قراءة له هي عبارة عن مقاربة أو مناولة قد تمس بعض جوانبه لكنها بكل تأكيد لن تتمكن من الإحاطة بمضمونه أو على الأصح بمضامينه .

أجمل ما في قصيدة الشاعر الفلسطيني فيصل القرقطي – وهو شاعر متمكن من خلال قصيدته هذه - هو انفتاحها على كل الاحتمالات، قابلة لكل تأويل، إنها بتعبير آخر قصيدة مركبة من أصوات متعددة، كل صوت فيها يشي بمضمون ما، وأكاد أقول إن كل قراءة جديدة لها ستكتشف شيئا جديدا فيها. وبالتالي فهي ليست قابلة لتفسير أو شرح، الشرح يقتل الشعر والتفسير يودي به.

النبرة الغالبة على القصيدة هي نبرة الرفض، الشاعر يعيش واقعا أليما، وهو داخل في صراع معه، الشاعر يريد تغيير هذا الواقع، والواقع يأبى أن يسير وفق رغبة الشاعر،

لنستمع إليه يقول:

حرسٌ وراءَ البابِ

متراسُ شوكٍ في الدروبْ

عرباتُ موتٍ في الطريقِ إلى الإيابْ

يتبدى الواقع المأساوي هنا بكل مكوناته، واقع لا يبعث إلا على شيئين اثنين هما:

1- الارتكاس والنكوص واللجوء إلى المسالمة والمهادنة.

2- المواجهة وعدم الرضوخ ومن ثم السعي إلى تغيير الواقع من واقع سيء إلى واقع أفضل.

الشاعر اختار خيار المواجهة، والحقيقة أن الشاعر الأصيل لا يميل إلى مهادنة الواقع الرديء، وإنما يعمل بكل ما أوتي من قوة على تغييره نحو الأفضل.

يسرد علينا الشاعر بعض معاناته، ويسعى من وراء من ذلك لتبرير موقفه المناويء له، يسرد علينا هذه المعاناة بعبارة حزينة تدعو القاريء إلى التعاطف معه وإلى مساندته في كفاحه ضده:

حرسٌ وراءَ البابِ

يمنعني العبور

عد

فأعودُ من ثقلِ الزنازينِ التي تتشفَّعُ

ومصبراً عيْنَاً

لا حسرةً مِنِّي إليهِ

بل حسرةً مِنِّي عليه

وعُدْ كما كانَتْ جِرارُ الأولينَ

تنامُ في طَقْسِ الظلامِ

هكذا يبدو الواقع المأساوي للشاعر، فالجند الطغاة يتجمهرون على نوافذ روحه، ويهتكون وصية الأبناء، والقهوة تنعس على الشفاه الباكية، لكنه أمام هذا كله يبقى دائما متسلحا بالأمل ويحلم بالغد الأفضل، يقول:

كنْتُ الفلسطينيَّ منهزماً ومنتصراً بإنْسَانيَّتي والأضرحَةْ

الذات الشاعرة تحمل متناقضين معا في لحظة واحدة هما النصر والهزيمة، الهزيمة هنا ليست مبعث إحباط وتخاذل، وليست هزيمة أبدية، كما أن النصر هنا إحساس معنوي، نابع من تصميم الشاعر على المواجهة حتى النهاية، نهاية سيكون النصر فيها حليفه بكل تأكيد، لأنه مليء بالحب لأرضه: "أحبك ما استطعت من الحياة ..الخ."

شكلا تجمع القصيدة كل مقومات الإبداع، فهي حافلة بانزياحات كثيرة، تكسبها قدرة على بعث الدهشة لدى القاريء، كما أنها مكثفة في غالبيتها، أقول في غالبيتها لأن بعض المقاطع أحيانا يخونها التكثيف، فتنساق في الانسياب، هكذا المقطع:

"وهنا جراحُ الكادحينَ

هنا دموعُ الفاتحينَ

هنا هيامُ العاشقينَ

هنا سبايا أدْمَنَتْ غزلَ الشبابِ"

لكن هذه الانسيابية هي عفوية، وتأتي كآلية لتخفيف وطأة التكثيف الذي قد يدفع بالقاريء إلى نوع من التأفف والملل أحيانا.

والقاريء للقصيدة سرعان ما يلاحظ لجوء الشاعر إلى الإيحاء، وعدم الارتكان إلى المباشرة والتقريرية، كهذا المقطع:

"ترابٌ جائعٌ للسطْوِ

أحجارٌ تؤرِّخُ مبتَدَاها

ترابٌ جارحٌ في الدربِ

أحجارٌ تؤرِّخُ مُنْتَهاها

هل مَرَّتْ براكينُ العذارى من هنا"

بقي أن نشير إلى أن القصيدة تجري على تفعيلة بحر الكامل، والذي فيه إمكانية تعطي الشاعر مقدارا كبيرا من الحرية في التعبير عما يخالجه، وهذه الإمكانية تتمثل في "الإضمار"، وهو زحاف يدخل على التفعيلة "متفاعلن" فتتحول إلى "مستفعلن".

هذا انطباع أولي على قصيدة: "تابوت القيامة" للشاعر فيصل القرقطي، وهو إطلالة سريعة عليها. أرجو أن أكون قد وفقت  في ملامستها شيئا ما ولو من بعيد.

 

................................

الشاعر فيصل قرقطي ولد سنة 1954 و توفي سنة 2012 .

 

 

bakir sabatin"الصولجان لا يصنع ملكا ولا العادة تنصب الكهان".. إنها القيم.

هذه الرواية الزاخرة بالتناقضات الإنسانية لن تترك القارئ ماكثاً وراء مكتبه أو مستلقياً على الأريكة، أو غاطساً في غياهبها وهو يتصفحها على الشبكة العنكبوتية؛ لأنها ستحلق به عالياً إلى فضاءات أبعد من المعقول بعد أن تخرجه من أعماق المحيط الزاخر بالحياة، ورغم كل ذلك فالقارئ سيتقبل نتائجها لأنها ليست بعيدة في سياق أحداثها المتلاطمة عن الأزمات المتفاقمة التي تحيط بنا.. ومن الممكن إدراج هذه الرواية في قائمة الأدب الفنتازي إلا أنها أيضاً لن تشعر المتلقي بالاغتراب (وهو العجيب فيها) كونها تمس حياتنا وتعري أوراق الغابة التي تستر عورات البشر، لا بل وتُعَرِّضْ قوانين الغاب السائدة لضوء النهار، وتتحول الغابة برمتها إلى مرتع يعربد فيه شيطان الأنا إزاء خيبة الإنسان وترصد الموت له.

هذا ما شعرت به وأنا أعيد قراءة الرواية ذات المئتين وتسع وسبعين صفحة للمرة الثالثة. من هنا أدعوكم للولوج إلى عالم الرواية قبل تحليل تفاصيلها، لنطرق أولاً بابها!! من خلال هذا الملخص الاستعراضي في إطار تحليل النص فنياً ما أسعفنا به حجم المادة وتبسيطها لكي تعم الفائدة.. وها نحن في سياق الحدث المفاجئ.. لنرتحل إليه..

تتوقف السيارة في الطريق العام فيكتشف صاحبها بأنه بوغت بالعمى فصار العالم الضبابي أمامه أبيض كالحليب.. واقتاده متطوع إلى بيته فيتناسى المفتاح بيده، لتكتشف زوجة الضرير أثناء اصطحابها له إلى عيادة الطبيب بأن المتطوع سرق السيارة، من هنا بدأت الكارثة تعم البلاد المجهولة، في زمن معاصر غير محدد، تفاقمت في طياته أحداث متداعية، نجمت عن داء أصاب المدينة؛ ما أدى بجميع سكانها إلى العمى، إلا زوجة الطبيب التي كانت الشاهد والمتحكم بمنطقة الضوء، نظراً لعدم إصابتها بالداء.

إنها رواية العمى التي أرد كاتبها أن يبين للعالم كيف ستئول إليها الحياة في مدينة يغيب عن أبصار سكانها وهج زهرة النور ويفقدون في غمرة الكارثة التي ألمت بهم مفاتيح النهار، وتفقد الأسئلة اتجاهاتها ويعم البياض الضبابي كل الأرجاء، في عتمة داخلية، حيث تموت الضمائر في قلوب الناس من خلال إصابتهم بداء العمى؛ ليعربد الشيطان في تفاصيل حياتهم، ورغم ذلك يظل الأمل منتعشاً في قلب زوجة الطبيب التي دافعت عن إنسانية الضعفاء منهم وانبرت ببصيرتها إلى مواجهة الخارجين عن القانون بحكم أنها الوحيدة التي نجت من الداء .

أنها رواية تنتمي إلى كل الأمكنة والأزمنة والشعوب المختلفة.. فهي بلا علامات تشير إلى فئة ما حتى الأسماء جاءت مجهولة على نحو: لص السيارات.. الطبيب... وهكذا دواليك.. ناهيك عن أن هذه الرواية المدهشة كتبت دون مراعاة لأسس الحوار الروائي فاختلط فيها الحوار المسموع مع تيار اللاوعي من خلال سرد مسترسل، أقيم على الوصف الدقيق والمفخخ أحياناً بالصور الفنية البسيطة، كأنها أحداث انثالت شلالاتها المدوية في سياق سردي متدفق خلال منحدرات الأمكنة، وفي بهيم زمني ومجريات تأخذ المتلقي إلى المجهول، فلا يسمع غير ضجيج الأسئلة.

"العمى" رواية كتبها جوزيه ساراماجو، وتعتبر من أبرز أعماله الأدبية. تتحدث عن وباء غامض يصيب إحدى المدن، حيث يصاب أهل هده المدينة بالعمى فجأة، مما يخلق موجة من الذعر والفوضى العارمة التي تؤدي إلى تدخل الجيش من أجل السيطرة على الأوضاع، ولكن الوضع يزداد مأساوية حين يتخلى الجيش عن الحشود العاجزة والواهنة، ما يؤدي ذلك إلى سيطرة العصابات على ما تبقى من طعام ودواء. يبدأ الناس في الاقتتال فيما بينهم. تلقى القصة الضوء أيضاً على الجانب الإنساني المتمثل بالطبيب وزوجته وعائلته الذين بقوا متماسكين حتى اندثار المرض فجأة كما ظهر.

تتحدث الرواية عن العمى الفكري حيث قالت زوجة الطبيب في نهاية الرواية " لا أعتقد أننا عمينا؛ بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم في الحقيقة لا يرون" في إشارة أيضا إلىً أن الأخلاق البشرية والمبادئ الإنسانية هشة أمام العوز البشري.

الجزء الأول والمكتمل من الرواية يتتبع تجربة الشخصيات الأساسية عندما يتم احتجازهم في مبنى قذر، مزدحم مع بقية المصابين بالوباء. وكانت الظروف سيئة من حيث النظافة، الظروف المعيشية، وتدني المعايير الأخلاقية بشكل مروع خلال فترة قصيرة، بحيث أن كل ذلك يعكس طبيعة المجتمع في الخارج. من حيث القلق على مدى توفر الغذاء الناجم عن سوء تنظيم طرق التسليم، بالإضافة لمحاولات زعزعة النظام وخلق أجواء النزاع؛ وعدم وجود نظام يكفل تساوي الأفراد في حصص الغذاء والمهام المطالبين بتنفيذها. كما أن الجنود الذين تم تكليفهم بحراسة المبنى والحرص على سلامة المحتجزين يصبحون عدائيين بشكل كبير عندما يصيبهم المرض واحداً تلو الآخر. من جراء ذلك يرفض الجيش السماح للمحتجزين بالحصول على أبسط الأدوية، مما يجعل أبسط الإصابات تصبح مميتة. وحذراً من إي محاولة هروب، يقوم الجنود بإطلاق النار على حشد من المحتجزين الذين كانوا ينتظرون أثناء وقت تسليم المؤن الغذائية.

أستطيع الجزم بأن كاتب الرواية أراد أن يعري المجتمع من خلال الانفلات الأمني في ظل دكتاتورية الأنا العظمى التي جمعت كل السلطات بما فيها الشعب في بوتقة العربدة الشيطانية والفوضى الهدامة وانقلاب المعايير الإنسانية في بهيم العمى الذي ساد أهل المدينة. فتتفاقم الأوضاع، عقب فرض جماعة مسلحة من العميان السيطرة على المؤن الغذائية، للتحكم بمصائر المحتجزين الآخرين وتعريضهم للاغتصاب والتجويع. لمواجهة المجاعة، يقوم المحتجزين بحرق المبنى، ليكتشفوا بأن الجيش قد تركهم ورحل، عندها يقوم أبطال الرواية بالانضمام لحشود العميان في الخارج الذين لا حول لهم، يتجولون في المدينة المدمرة و يحاربون بعضهم للنجاة وكأنهم لقيمات في أشداق المجهول فلا بصيص من أمل ولا حتى بصيرة تأخذ بأياديهم إلى مشارف النجاة.

ثم تتابع الرواية مسيرة زوجة الطبيب أثناء مرافقة زوجها، وعائلتها ومحاولاتهم للنجاة خارج أسوار المبنى، حيث تقوم زوجة الطبيب بالدور الأعظم في رعايتهم جميعاً، كونها الوحيدة القادرة على الرؤية وقد أخفت هذه الحقيقة في بداية الأمر. ثم ينهار المجتمع بشكل شبه كامل. القانون والنظام، الخدمات الاجتماعية، الحكومة، المدارس، الخ. كل هذه الأمور تصبح غير ذات أهمية. العائلات تفرقت ولا يستطيعون إيجاد بعضهم البعض. تراكمت الحشود في المباني وأصبحت تختلس الأغذية. أصبح التكيف البشري مستحيل في ظل المرض، العنف واليأس. الطبيب وزوجته وعائلتهم الجديدة (مجموعة العميان في العنبر المشترك) يتمكنون في نهاية المطاف من المكوث في منزل الطبيب وجعله مسكناً لهم وإقامة نظام جديد لحياتهم. وفجأة يرحل الوباء عن المدينة بنفس الطريقة الغامضة التي حدث بها. لتصاب العقول بالدهشة والضمائر بالخيبة.

وينبغي في سياق الحديث عن الجانب المظلم في هذه التحفة الأدبية تسليط الضوء أيضاً على زوجة الطبيب التي أضاءت الأمل كأنها منارة تبدت شعلتها في بهيم الظلام. فكانت الشخصية الوحيدة في الرواية بأكملها التي لا تفقد بصرها. ولا يتم تفسير سبب هذه الظاهرة حتى نهاية الرواية. بما أنها غير قادرة على مفارقة زوجها الذي سوف يتم احتجازه، تقوم بالكذب على الأطباء وتتظاهر بالعمى. لكي يتم إدخالها إثر ذلك إلى مبنى يتم احتجازها فيه مع بقية المصابين بالوباء. وبمجرد دخولها الحجر الصحي، تحاول المساعدة في تنظيم المُجمع بما فيه من عميان تائهين في حياة يسودها الخوف والتوجس من المجهول والأخطار المحدقة بهم، ولكنها سرعان ما تصبح غير قادرة على كبح الطبيعة الحيوانية للمُجمع بمن فيه، عندما تبدأ أحد عنابر الحجر في حجب الغذاء عن البقية والمطالبة بممارسة الجنس مع نساء العنابر الأخرى ثمناً لحصولهم على الغذاء، تقوم زوجة الطبيب على إثر ذلك بالتخلص من زعيم العنبر وتهيئة الأجواء لمغادرة المكان المكتظ بطالبي الموت من اليائسين. بمجرد هروبهم من الحجر الصحي، تقوم بمساعدة مجموعتها للبقاء على قيد الحياة في المدينة. تصبح زوجة الطبيب الزعيم الفعلي للمجموعة الصغيرة، رغم أنها في حقيقة الأمر تقوم غالباً بتلبية احتياجاتهم نتيجة إعاقتهم كونها المبصرة الوحيدة في رواية تكتم الأنفاس وتقبض على جمر الحقيقة المرة.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم الحالات كانت قد أصيبت في عيادة الاستشاري في طب العيون ليصبح هو الآخر على نحو مفاجئ أعمى عُقب معالجته لأحد مرضاه بالوباء الذي يُسمى فيما بعد " المرض الأبيض "، فهو من أوائل الذين اقتيدوا للحجر الصحي مع زوجته. ووفقاً لخبرته الطبية وبمساعدة زوجته المبصرة تصبح لديه سلطة مهيبة على المتواجدين في الحجز الصحي. كما أن العديد من الشخصيات الرئيسة الأخرى سبق لها زيارة عيادة الطبيب قبل بدء انتشار الوباء. وساعده في سلطته كون زوجته لم تُصب بالوباء؛ حيث تكون قادرة على مشاهدة ما يحدث في العنبر ونقله لزوجها. عندما تنجح المجموعة في الهروب من العنبر ينتهي بهم المطاف للسفر والبقاء في شقة الطبيب وزوجته.

لقد زخرت الرواية بالشخصيات الرئيسة المؤثرة مثل الفتاة ذات النظارة السوداء والتي كانت تعمل فيما سبق بدوام جزئي كبغي أصيبت بالعمى بينما كانت مع أحد الزبائن. تم أخراجها بشكل غير رسمي من الفندق واقتيدت للحجر الصحي. بمجرد دخولها للحجر، تنضم لمجموعة صغيرة من الأشخاص الذين أُصيبوا أثناء تواجدهم في عيادة الطبيب. عندما يلمسها لص السيارة أثناء توجهها إلى دورة المياه، تقوم بركله؛ مما يسبب له جرحاً عميقاً. أثناء تواجدها في الداخل، تقوم ذات النظارة السوداء برعاية الطفل الأحول، والذي لم يتم العثور على والدته في إي مكان. في نهاية القصة، تصبح هي والرجل العجوز ذو عصابة العين السوداء عشاق. وهو بالمناسبة كان أخر الأشخاص الذين انضموا للعنبر الأول في الحجر الصحي. أحضر معه جهاز راديو ترانزيستور، وكان يسمح للمحتجزين بسماع الأخبار. وهو أيضاً المُخطط الرئيس للهجوم الفاشل على عنبر الأشرار الذين كانوا يحتجزون المواد الغذائية المخزنة. وبمجرد أن تهرب المجموعة من الحجر، يصبح الرجل العجوز عشيق الفتاة ذات النظارة السوداء كما أسلفنا.

وتتذكرون ذلك اللص في أول الرواية الذي سرق سيارة الأعمى فقد شاءت الظروف أن يصاب هو الآخر بالعمى حيث يتقابل مع أول رجل أُصيب بالعمى مرة أخرى عند دخوله الحجر الصحي. وسرعان ما تبدأ المشاحنات بينهما. مع عدم امتلاكهما الوقت لتسوية مشكلتيهما، حيث أن اللص يكون أول محتجز يتم قتله بواسطة الحُراس. وأخيراً لقي حتفه برصاص الحراس بينما كان يحاول طلب علاج لقدمه المصابة. أما الصبي الأحول فكان أحد المراجعين عند الطبيب، تم جلبه لمبنى الحجر الصحي دون أمه فتقوم الفتاة ذات النظارة السوداء بالاهتمام به وإطعامه وكأنها أمه.

حتى الحيوانات كان لها دورها الفاعل في هذه الرواية المتفردة، إنه كلب الدموع الذي ينضم للمجموعة الصغيرة من المصابين بالعمى بعد هروبهم من الحجر. بينما كان ولاؤه الأكبر لزوجة الطبيب، فهو أيضاً يقوم بمساعدة كل أفراد المجموعة عن طريق حمايتهم من قطيع الكلاب التي تزداد وحشيتها يوماً بعد يوم. تمت تسميته بكلب الدموع لأنه أصبح مرافقاً للمجموعة بعدما قام بلعق دموع زوجة الطبيب.

وهناك أيضاً الأعمى الأول الذي يفاجئه الوباء في وسط الزحام المروري، بينما كان ينتظر عند أشارة مرور. يتم أخذه فوراً لمنزله ثم إلى عيادة الطبيب، حيث ينقل العدوى لكل المرضى الآخرين. ويعتبر أحد الأعضاء الأساسيين في العنبر الأول حيث يتواجد به المحتجزون الأصليون. وهو أيضاً أول شخص يستعيد بصره، عندما يزول الوباء في نهاية الأمر، أما زوجته فتُصاب بالعمى هي أيضاً بعد فترة وجيزة من مساعدة زوجها لدخول الحجر الصحي. حيث يلتم شملهما. وعندما يبدأ عنبر الأشرار بالمطالبة بالجنس مقابل الغذاء، تتطوع زوجة الأعمى الأول للذهاب، تضامناً مع الآخرين.

وفي المقابل يأخذ الأشرار المبادرة في السيطرة بواسطة الإرهاب على المجموعة. وتجدر الإشارة إلى زعيمهم الملقب بالرجل ذو السلاح حيث يقوم بمساعدة بقية أفراد عنبره باستخدام القوة للسيطرة على المؤن الغذائية و يهدد بقتل كل من لا يمتثل لأوامره. يبدأ هذا العنبر بابتزاز الآخرين وإجبارهم على تقديم أشياء ثمينة مقابل حصولهم على الغذاء، وعندما تنفذ الساعات و الأساور، يبدءون باغتصاب النساء. في نهاية الأمر وكما قلنا في سياق الأحداث بأن زوجة الطبيب قتلته توطئة للهرب مع المضطهدين من المجموعة. ويستغل المحاسب الفرصة ليسيطر على المجموعة بعد موت الزعيم، فقد كان من المتأثرين بوباء "العمى الأبيض"؛ ولكنه كان أعمى منذ ولادته. لذلك كان هو الوحيد في الجناح الذي لديه القدرة على القراءة والكتابة بطريقة (برايل) ويعرف كيفية استخدام عصى المشي. واستغل المحاسب هذه الميزة في محاولة يائسة لفرض سيطرته؛ لكنه يموت حرقاً على يد أحدى ضحايا الاغتصاب بإضرام النار في العنبر وتخليص المضطهدين من طغيان المجموعة المستذئبة، التي حاولت استعباد المجموعة لأجل السلطة والتموين وإشباع غرور الأنا التي تناحرت مع الأخريات في صراع مخيف على البقاء.

صدرت رواية العمى للبرتغالي جوزيه ساراماجو الحاصل على جائزة نوبل للسلام، عام 1995 فقد استلهمها الكاتب من واقع الحياة؛ ليتهم من خلالها جميع الأنظمة الفاسدة وذلك بسبر أغوار النفس البشرية من أجل فهم الطبيعة الغريزية التي تكمم العقول المستلبة، فاتحة شهية الأقوى لاستعباد الضعفاء في سياق صراع عنيف طاحن من أجل البقاء.. وقد نجح الكاتب في الوصول إلى الوباء الافتراضي الذي هيا البيئة الأمثل لحدوث هذا الانهيار المدوي في القيم الإنسانية من خلال صوت الراوي العالم الذي يعبر عن الشاهد المجهول الذي يسبر أغوار الأعماق، والراوي القريب من الحدث والمتفاعل معه والمتمثل بصوت زوجة الطبيب بحكم أنها المبصرة الوحيدة فيها، ولا أعتقد أنها مثلبة إن التبست على القارئ الحصيف أدوار الرواة، أو تمازج الصوتان في سياق ما، في مجتمع مجهول المكان والزمان، وأشخاص تحمل أسماء وظيفية دون أن تشير إلى فئة عرقية ما، غير فسيفسائية بل تنتمي للإنسان بكل تناقضاته النفسية والاجتماعية والأخلاقية، وهو في حالة الغيبوبة الفكرية أو الوعي، ولعل هذا الانثيال المتدفق في اللغة هو الذي عكر السرد بالأحداث المتداخلة بتسارع مربك وقد ذابت الحوارات الخارجية مع تيار الشعور في النص من خلال إسقاط بعض أدوات الترقيم من السرد، فجاءت الجمل خبرية مسترسلة طويلة تتخللها حوارات داخلية وخارجية دون تحديدها بأقواس مزدوجة، ولا أدري ما هو المغزى من ذلك، وهو أسلوب تفرد به جوزيه ساراماجو ، ورغم ذلك فالرواية مدهشة، وقد عربد فيها الخيال إلى درجة الإقناع بأن عالم الفنتازيا ما هو إلا واقعنا المتواري خلف أقنعة يلبسها الأفراد في مجتمع يسوده الرياء، وكأن المجتمع البشري دون قيم ترتجى ما هو إلا غابة يقوم فيها الإنسان بدور أكثر فتكاً من الوحوش الضارية.. فهل أصاب المؤلف الهدف فتستيقظ البشرية من سباتها العميق! هذا مرهون بمدى تجاوب القراء مع أحداث هذه الرواية الاستثنائية الفذة، مستذكرين بعض الأقوال المأثورة على لسان الراوي وهو في قمة النشوة أو في حالة الذهول، فماذا قال:

" ماذا تعني الدموع عندما يفقد العالم كل المعاني"

" إن أصحاب القلوب القاسية لهم أحزانهم أيضا"

"إننا نهاب جداً فكرة موتنا ولهذا نحاول دائما إيجاد الأعذار للموتى وكأننا نطلب مسبقا إن نُعذر عندما يحين دورنا"

"الزمن هو الذي يحكم.. الزمن هو المقامر الآخر قبالتنا على الجانب الآخر من الطاولة وفي يده كل أوراق اللعب وعلينا نحن أن نحرر الأوراق الرابحة في هذه الحياة"

"الرجال جميعهم متشابهون يعتقدون بأنهم يعرفون كل شيء عن النساء لمجرد أنهم خرجوا من رحم امرأة"

"كما أن العادة لا تصنع كاهناً .. فان الصولجان لا يصنع الملك وهذه حقيقة يجب ألاّ ننساها ابدأ"

نعم وكأن الكاتب أراد أن يقول ذلك.. فالصولجان لا يصنع الملك كما أن العادة لا تصنع كاهناً.. والخوف لا يصنع الحرية ولا يوقظ الإنسان من غيبوبة العقل والروح وسطوة الغريزة المنفتحة على كل احتمالات الوحشية المتحررة من عقالها، وكما قال الراوي في ذروة وجعه أثناء بوحه الموجع بأن الضمير الأخلاقي الذي يهاجمه الكثير من الحمقى وينكره آخرون كثر أيضاً، هو موجود، وطالما كان موجوداً ولم يكن من اختراع الفلاسفة حيث لم تكن الروح عندهم أكثر من فرضية مشوشة، فمع مرور الزمن والارتقاء الاجتماعي أيضا والتبادل الجيني انتهينا إلى تلوين ضمائرنا بحمرة الدم، وبملوحة الدمع، وكأن ذلك لم يكن كافيا؛ فحولنا أعيننا إلى مرايا داخلية، والنتيجة أنها غالبا ما كانت تظهر من دون إن تعكس ما كنا نحاول إنكاره لفظياً.. فهل وصلت الرسالة!

 

 

.................

المرجع

رواية " العمى" الجزء الأول- جوزيه سرماغو- ترجمة محمد حبيب- الناشر الأصلي دار المدى للثقافة والنشر- ناشر إلكتروني مكتبة نوبل- 1998 – تحميل إلكتروني bdf:

http://www.book-juice.com/books/%D8%A7%D9%84%D8B9%D9%85%D9%89/

ومواقع أخرى.

ali sulaimanaldibiاستوقفني نص الشاعرة كريمة نور عيساوي (وتر الشوق) لأمور منها:

انتماء النص إلى مدرسة الشعر الحر ولعلي وجدتُ روح النص لنازك الملائكة ينثر بعضاً من أريجه على نص (وتر الشوق).

التلاعب اللفظي في النص واستبدال الأدوار في ألفاظه واتجاهاته

الخط الثابت الذي تسلكه الشاعرة في نصوصها الشعرية.

إن طرحي للنص من قبيل الذائقة الشعرية والعرض النصي ولا أدعي تملكي لأدوات النقد أم ما يماثله بقدر ما أجد شرفة الشعر تستهويني للاطلاع عليه وعرضه مشاركاً القارئ الرؤية.

دعونا نلج عتبات النص من بابه (وتر الشوق)

هل للشوق وتر؟

الشوق كائن معنوي والوتر كائن حسي

استجلاب الحسي للمعنوي صورة مدهشة – صورة تقريبية الوضوح والملامح توحي لتمازج الروحي بالمادي ثم يأتي الاختيار (الوتر، الشوق) كلاهما إيضاح جمالي مقرون بالرغبة واللهفة – رغبة الإنصات لإيقاع الوتر ولهفة الحنين لكُنه الشوق.

برأي أن اختيار العنوان احترافي قائم على إيحاء صاق وبوح مملوء بتراكمات وهج اللحظة أو لنقول انجراف كان محبوساً فبدأ صارخاً.

كلما استعدتُ الليل من غفوته

هاجرت كلماتي

على صوت سارد الحكاية

فقد شختُ قبل البداية

الصوت ساعي طريق

شرفة صعود الحريق

كان يمكن للشاعرة أن تقول (كلما استعاد الليل غفوته). لكنها محوره الممنهج والمتمكنة من الإيقاع ....فمن يغفو؟!

اسقاط شعري نفسي بارع والمعاناة الداخلية تحتشد في سكون الليل فتهاجر الكلمات (هاجرت كلماتي) .

الكلمات في سفر إما لصعوبة الاستقرار في نفس الشاعرة أو قد يكون تفلت زمام الكلمات عن عرض الحال. لهذا جاءت المشاركة بـ (صوت سارد الحكاية). ثم عرض الحال (فقد شخت قبل البداية)

استخدام قد مع الفعل الماضي يفيد التحقيق وهنا ينتقل العبء (الثقل النفسي) إلى واحة عن طريق الدليل (الصوت ساعي طريق) وقد أحسنت الشاعرة في اختيار الصوت دلالة على السرعة والتسارع إلى الراحة ولكن المعاناة تظل أسرع من الصوت لتأتي تأكيدها في شطر (شرفة صعود الحريق).

الروح الشعري لنازك الملائكة يتمحور في التنقل من قافية إلى أخرى في النص الواحد وهنا نجد الشاعرة كريمة مع احتفاظها بتماسك النص ورسالته

على سبيل المثال (على صوت سارد الحكاية / فقد شخت قبل البداية) تناسق في القافية ثم الانتقال إلى قافية أخرى (الصوت ساعي طريق / شرفة صعود الحريق).

حكايتنا رهينة بيد السماء

نسجت خيوطها

أقلام الأساطير ... أوردة القلوب

ما الذي يشاركه سارد الحكاية؟ وما الحكاية؟

(حكايتنا رهينة بيد السماء) واضح حال الحكاية لكن الحكاية ذاتها مبهمة وإن جاء الإيضاح لها بوصف (نسجت خيوطها أقلام الأساطير ..أوردة القلوب).

أسطورة الحكاية إلى حد الخرافة

عاطفة الحكاية إلى أقاصي العمق (أوردة ..)

إنها بلا شك أي الحكاية ما تمثله جانب الأسطورة والعاطفة لحريُ أن يكون لها مقام لا يضاهى وأي حكاية يمكن أن ينطبق عليها وصف ما سبق؟

إنها (رهينة) بيد قوية وواسعة (يد السماء)فلا يمكن لها الإيضاح أكثر حتى لا تخبو ولا يمكن التحر لا نها قدر مكتوب بـ (رهينة).

أتوقف أمام مجرى العيون

لا لأرتوي

او لأشرب

ولكن لأتطهر في بحرك الشغوف بإغراقي

لرتق ما فتقته الآهات

لوحة تقف أمامها الشاعرة (أتوقف أمام مجرى العيون) غايتها ليست محددة أو محدودة ثم تتجدد وإنما أيضاً لحل ما هو مشكل لاستلهام الرغبة الجامحة (لأتطهر من ثقل القيود) – قيود الإرادة المعيقة للوصول – قيود خرافية مستحيلة (أساطير)

عاطفة جياشة (أوردة القلوب) لا تتحقق أو قد لا تتحقق لكنها ترضى أن يتخفف عنها ثقل القيود (لأسبح في بحرك الشغوف).

وصفت البحر بـ (الشغوف) لاجترار المحب وإغراقه ثم تأتي صورة أخرى حسية و معنوية (فتقته) الفتق : ورم هوائي في الجسد والآهات معنوي أي اجتراح مادي حسي لمعنوي.

الشارع الوحيد المؤدي إليك لحن الشجن

الصوت العازف لغيمة الوجود وتر الشوق

أحمل عثراتي أمامك

اصيرها قنابل لكسر الطوق

كنتُ أودُّ لو استخدمت الشاعرة لفظة (الطريق) بدلاً عن الشارع

ولفظة أخرى (كالنغم) أو (اللحن) بدلاً عن الصوت

لكن يبدو ان الشاعرة تريد تضييق الصورة في الشطر الأول بحصرها ب (الشارع) وتسييجها بـ (لحن الشجن) احتواء.

وفي الشطر الثاني تريد أن يكون (وتر الشوق) صارخاً بـ (الصوت) مع أن النغم أو اللحن يتناسبان مع العازف ثم تستمطر العزف بغيمة (لغيمة الوجود).

يتوالى المشكل في نفس الشاعرة (أحمل عثراتي أمامك) يتبين أنه جنوح للخضوع أمام من تعنيه لكنه جنوح متردد يؤدي إلى انجار (أصيرها قنابل لكسر الطوق).

العثرات – قنابل

العائق – الطوق

ينكسر، يتناثر.

لا يزال أنينك طيعاً بين اصابعي

لم أيأس من خنق صدى فلواته

الوجع أنهك جسدي

أرقص تعبي

كسر الطوق الصعب لم يعود أثره على من حمل العثرات بل أيضاً إلى من حُمل إليه العثرات (لا يزال أنينك ...)

وهنا نتوقف عند ملاحظة طفيفة (طيعاً) لا تتناسب مع الحال الكائن برأي فلو استخدمت لفظة أخرى تتناسب مع (أنينك) لكان أقوى وأوضح وخاصة قد ألحقته بألفاظ (خنق صدى فلواته) وإنما يمكن أن نأخذ للشاعرة منحاً آخر وهو الحنو في مشاركة الألم لها ولمن تعنيه.

(الوجع أنهك جسدي ...أرقص تعبي) الدوران حول النار مع الوجع، كان الرقص حتى التعب وقد وُفقت في التناسب اللفظي (أنهك ...) (....تعبي).

غدوت ريشة

تصاحب الرياح

تغازل اللقاء على استحياء

فقد سقط قناع الكبرياء

على أعتاب الفراق المرير

تهيم الشاعرة من وادٍ إلى واد حتى غدت ريشة ترافق الرياح، ولن يُجدي (تغازل نار اللقاء) وهذا ما اتضح من (على استحياء) وإنما ما التبسته سابقاً حين كان عائقاً قد سقط (فقد سقط قناع الكبرياء) إقرار أيضاً غير مجدي لأنه جاء في وقت ضائع فوت حلاوة اللقاء بالفراق المرير.

 

وتر الشوق / كريمة نور عيساوي

 

 

عرض / علي سليمان الدُبعي

 

ismaeel ibrahimabdكمن يبيع ويشتري حاجة تسوق أزلية تجرجرنا الشاعرة سجال الركابي نحو معروضٍ السلعي للأماني الضالة الحرجة القاهرة .. سوق الأماني لا بديل له لمن لا حيلة له على ملء السلال إلّا بالأماني! فتنة الورد أولى مقتنيات الشاعرة في مجموعتها الشعرية، إذ الورد يبكي ويحكي، انه أفضل الموجودات عند العشاق والزراع والمتنافسين . ثاني موجودات العرض لديها (البرد) بالفهم الفيروزي، الذي يعرفه الغناء والعفاف ورهافة الغيب! لكنما ليس للبارود من سوق إنما هو الكابح الوحيد، المتحكم الكلي، المُلْهِم الأول لكل ما يشوه الوجود الحقيقي والمجازي . ترى لِمَ يجيء الى جسد الثلج والتراب وحيوات الأبدان والأنفس، ومـمَ يجيء، وكيف يَمْنَعُ الوردَ من تعطير دروب المحبين والباذلين قلوبهم للماء والهواء والسماء، العارفين بأن حياتهم تفان بذات الطين الحري الحر؟ أ كلُّ (ما) في الوجود هو من مناهي البارود؟ ستجيب الشاعرة سجال الركابي عن تلك المناهي في مجموعتها الشعرية: ” الورد يبكي .. البارود يبتسم”.( ) / .. لنتابع نواهي الشاعرة، مَجازاتها، ومَجازاتها، بحسب المتجهات الدلالية ومؤديات التصنيف الثيمي الآتية:

أولاً: سردية الومض الشعري

(السردية الشعرية) واحدة من موضوعات الأُسلوب الشائكة الخليطة المشتركة بين قصيدة النثر والقص المستقل، إذ أن القصيدة الحديثة اخترقت النثر مع حفاظها على الإزاحات اللغوية، وخرقت الشعر بتغيير التنغيم، من موسيقى البحور الى ايقاع التنغيم الداخلي للقصيدة، ولن تتوانَ عن أن تتغيّر مرات ومرات .. مناسبة القول (هنا) هو أن الشاعرة سجال الركابي دمجت بين السرد الشعري وتقانات السرد القصصي بوسيط اللقطة الصورية الى درجة التوحيد الفني الذي أوصلها الى التوحد مع الذات الجمعية، هذا التوحد والتوحيد أذاع صوت الوجد الإنساني بطرفيه (حب الناس وحب الأوطان) .. أرض الله كلها وطن، لكن الوطن ليس أرضا فقط ..

بفهم الشاعرة: أن الوطن وجود لمقتنيات تشكل الأعمار والاشجار والطيور والانغام والحكايا والحقوق، على مدى عمر الوجود للكائن البيئي ! ترى ما الذي تضمنته ومضة (همسة) من سرد ومعاني مضافة؟ [همستْ الريحُ لي فابتسمتُ … كانت معطرةً بكلمةِ منكَ الحرفُ يكفيني قوتَ سنة …….ص23] نرى الومضة هذه صورة للقطة سردية تتوسل بالقص بقواه الثلاث (الشخوص، الحدث، الروي) . الشخوص هما (الريح والشاعرة ونديمهما المعنوي)، والحدث هو مجيء الريح وهمسها وتعطرها بـ (الكلمة = القصيدة)، أي الحقيقة . اما الروي فتقوم به الشاعرة، كونها هي مَنْ وقع عليها الفعل الحدثي كفعل تعبيري لصورة من حروف، الشاعرة ذاتها من نقل، روى، وأخبر عن العطر والكلمة . الشاعرة بطلة السرد وراويته وخالقة صوره، هي شاعرة وقولها كلمة شعر، وما تتبناه فهو حدث شعري، لذلك ستكون مقطوعتها ومضاً سردياً يحفظ للقصيدة إزاحاتها وومضها المضيء بالحدث الشعري، وتُوصِل الإزاحة الى البوح بمتعة الومض الشعري والسرد الإيجازي . اما النفع الفكري فنراه متعة ثالثة عرضية مضافة . المتعة الثالثة (الفكرية) هذه ستُجْنى من الومضة (كذلك) عبر الصورة المركبة من (دلالة الذات = العطر)، من ثم (دلالة الابتسام = فتنة الفرد بالوجود بما فيه من معنى)، من ثم دلالة التناص مع اغنية عراقية تراثية ( الحرف يكفيني قوت سنة / تتناص مع / رغيف الحلوة يكفيني سنة) .

ثانيا: خزفية الوجد

الوجد عند الشاعرة مشاعر للإنتماء والانتخاء تصوغه بحرفية الخزّاف، تجمعه، تنثره، تطرقه، تلونه، حتى يستحيل ملصقاً منتمياً الى الأصابع المرهفة المضمخة ببهاء الأشياء، بفتنة وجودها الحاضر الغائب المحذوف المستبصر .. هذا الفهم المركب حرر لنا القصيدة الآتية: [ تعال شاطرني الفرح الكعك بدو ن سكر .. البيت بدون ضجيج

أطفالي … ارتدوا بياضا بدون خياط ورحلوا عاليا… جارتي بدير متي لن تزورني هجرت المكان … حين خفت الآذان من المئذنة الحدباء وآخرون… وآخرون عبروا الزمان برداء أُرجواني تعال شاطرني العيد فبكل هذا الفرح …. سأغصّ … وحدي ـ الورد يبكي .. البارود يبتسم، ص25] ” ما كان يخشاه سقراط هو مكر اللغة ” (). فأي مكرٍ في القصيدة أعلاه، تلك التي تجمع وتبعثر وتدق على صفيحة الوجد، وبأية دلالة؟ سيتبوب ذلك بحسب الآتي:

أ ـ الفرح فكرة للتبعثر ان القصيدة لا تتضمن قيمة الفرح المظهرية، على الرغم من أنه يتكرر كـ {فرح مطلق، وعيد مطلق، فرح مؤجل مطلق، بعد (11) نقطة فراغ)}، لذا فهو فكرة تخص دلالات أخرى تحسبها الشاعرة مبعثرات القيمة، على الرغم من تماسكها الجملي .

ب ـ المبعثر فكرة للمنتمي

هو الآخر مبعثر بموجب قيمة لها منحيان، الأول، جمل عفوية بقصد توضيح الدعوة المباشرة للعلائق المحببة بين الرجل والمرأة، والثاني منتم الى جمل توافق بين حبيبة للوطن ووطن مصاب .

ج ـ فكرة الانتخاء المنتمي الوجد ميمماً نفسه للناس لأن ينتموا لبعضهم البعض، يشطر القول لغرضين، الأول هو الاحتماء والثاني هو الانتماء، فالبيت والأب والأطفال هم مكون عائلي يحتمي بعضهم ببعض، وهم موجودات لانهائية الوجود منذ فجر الانسانية وحتى الازل، انهم نواة لكائنات تحتمي ببعضها، من ثم هذا الاحتماء يُبصِر محيطاً أعم للتعايش مما ييسر فكرة الانتماء . بالنسبة للشاعرة، ترى القيمتين ممارسة شعرية لكن ليس باللغة فقط، بل بالقلب النابض بهم وبالحيف الذي أخذهم نحو مطلق لا يعود منه أحد، لم نسمع بـ (سماء) تعيد للراحلين حياتهم! وبالمقاربة بين العائلة والوطن ستنتقل القيمة الى مطلق جديد هو الكونية التي تتخطى الزمان (زمن الألم والحروب والدمار)، وتنأى بالمكان الى الخارج المعدل للضياع، مما يجدد الخواء الكوني .. من غاب عن الوطن كمن غاب عن الحياة، لذا ستضع الشاعرة علاجاً فنياً للأسى كله بأن تتحمله عن الآخرين، ولن تعاتب مصادر التهجير، ولا مصادر المرض، تكتفي بفراغ العزلة لتخلق بها كوناً من الوجود والوجد، تنتخي وتنتمي به للأطفال في فرحهم ورحيلهم ببياض لا خياط له .. ستكتفي بالأب المصاب بالسكر، وتكتفي بالجيران والمآذن .. سيكفيها العبور من الوجود المراوغ الى الوجود الارجواني الحالم!

د ـ شيئيات البهاء

للأشياء الرقيقة البهية (المبهجة والمحزنة) تأثير شديد على الارتجاف القلق لأصابع الكتابة، وعلى الكتابة المراوغة الماكرة .. ترى ما الأشياء البهية في القصيدة ؟ لنقيم جدولاً بها وندقق نتائجه

الاشياء البهيّة دلائل الارتجاف المكر اللغوي

الفرح مضمخ بنداء الترجي المُوهم الفرح / يعاكسه / الحزن

ضجيج محاط بهالة تنظيم سكوني ضجيج / يعاكسه / السكون

رحلوا مبرمج لقضايا الحيف الازلي رحلوا / يعاكسها / توطنوا السماء أو ماتوا

دير متي محتوي لمضمرات سلوكية قاهرة دير متي / يعاكسه / تفجير دير متي

المئذنة مفعمة بأريح الروح المشتكية للعُلى المئذنه / يعاكسها / الجريمة المنظمة باسم الدين

أُرجواني مسبب للتمني الحلمي ارجواني / يعاكسه / سواد الحزن

وحدي مرادف للنكوص الموحش وحدي / يعاكسه / خواء وجد الوجود

النتائج:

1ـ عدم ثبوت ولا استقرار مضمونات دلائل الارتجاف كلها .

2 ـ الدلائل المعاكسة للمظاهر، تمثل معاكساتها الطبيعة المضمرة للدلائل المقدرة عند تأويل مقاصد القصيدة.

3 ـ التفخيمية تطغي على الاستثمار اللغوي مما يؤكد شعرية أسطرة الفواعل بالأشياء البسيطة واللغة .

4 ـ تصاغ اللغة بدقة بما يقارب دقة نقش وتنفيذ الرسوم الفنية على السطوح الخشنة، وهي هنا سطوح اللغة في القصيدة .

5 ـ يلاحظ على الحركات في القصيدة، في الجدول وخارجه أنها تبصر (الحضور والغياب) كما لو أنهما موجودات حقيقية بتوليفهما مناوبات بوح ونداء .

ثالثاً: إحياء العناصر الجامدة

يقرر الفلاسفة اليونانييون وجود أربعة عناصر للكون الطبيعي هي (الماء، الهواء، النار، التراب) .. لعلها هي ذاتها ما يؤلف المحيط البيئي بالفهم الحديث بعد اضافة الانسان والحيوان والنبات والكون النجمي) إليها. الخلط المعنوي للهلام الشعري يسمح بوحدة تلك العناصر، وعلى الأخص، الماء كونه هو موجد العناصر الأخرى، وهو العنصر الرئيس في جسم الإنسان ومبعث خيراته وحيراته وجمالياته، فضلاً عن أنه الخطر والهدم والحفر والهياج، والفطرة، والانسيابية . إذاً العناصر الثمانية تلك مبئرات للفعل البشري، ومنها الفعل الشعري . في النص الآتي سنرى الشاعرة تماسك فعلها الشعري ما يؤالف وحدات الاتساع الكوني:

[نجوم تولدُ …اخرى تخبو .. تحترقُ غاباتٌ … تتصحرُ واحات … … أمطارٌ حسبَ الطَلب تذوبُ قيود … تُرسَم حدود ينبتُ الاطفالُ ……… في أواني زجاجية … ـ الورد يبكي .. البارود يبتسم، ص45] [ اشجارُ الخريف تُحاورُ المغيبْ غَنَّت البحيرةُ سكينةَ النُعاس ارتَجَفَ الحنينُ شوقاً إليكَ … فجريتُ أبحثُ عن قافلةْ . ـ الورد يبكي .. البارود يبتسم، ص87] في القصيدتين أعلاه ضرب من تبئير العناصر البيئية، إذ انلظمت العناصر البيئية ببعضها بتساوق يكاد يصل حد الانبعاث الروحي في الأشياء الجامدة فضلاً عن حيوية الأشياء الحيّة التي تعيد تشكيل البيئة بقصد النفع والمتعة والجمال . في القصيدة الاولى كائنات بيئية عدة منها: النجوم، الغابات، الامطار .. الاطفال . القصيدة الثانية ضمّت في مصاغاتها كل من: الاشجار، البحيرة، قرين الشاعرة، الشاعرة. لكن ليس لتلك العناصر أية أهمية ذوقية لو أنها جاءت الى القول بلغة غير الشعر . إذاً ليست العناصر ما يؤالف بين جزئيات الوجود، إنما العلائق بينها سواء كانت معنوية (لغة الاسماء والافعال والقرائن) أو كانت نفعية (الاعتماد، التعايش، التكامل، التماثل، التمظهر) ..

لنا في هذا عدة مغانم دلالية، منها:

1 ـ أن القيود اللغوية وظفت البيئة لمتسعات شمولية تخص قوة العاطفة الجامعة للشتات البيئي .

2 ـ أن المتعة والجمال إستندت بتأثيرها على تأريخية الأسئلة البشرية عن جدوى الكون وما يمكن للإنسان من انجازه ـ على مستوى تحضره ـ المادي والمعنوي .

3 ـ يؤكد المقطع الأول على التوائم المظهري للموجودات الفطرية، ويستثمرها لإيجاد علائق جمالية، كالإزاحات الخاصة بالخراب الكوني المساوي لاختباء النجوم واحتراق الغابات، من ثم ازاحات، إستنطاق الأمطار وتصنيع الأطفال . ثمة قصد أبعد من تلك .. إنه التنبيه على الفقدان لكل حميمية في الحضارة الحديثة كفقدان الانتماء الاسري والجمال الانثوي والخير البيئي .

4 ـ في وظائفية القصيدة الثانية تتفاعل قوى الجمال بوسيط عناصر فرعية على هيأة وظائف تخص: (العري، التحاور، التغييب، الغناء، السكينة، النعاس، الارتعاش، الحنين، الشوق، الرحيل) .. كلها علائق بيئية وليست عناصر بيئية، من ثم هي علائق تفيض بها مصاغات اللغة، وتؤلف غايات صانعة للجمال على وفق هيئات حركية من الذات الفردية (للشاعرة) الى الذوات الجمعية (القضايا الكبرى للإنسان الشرقي ـ تحديداً) .

5 ـ يتضمن النصان ثيمتين أساسيتين هما: الماء قيمة طاغية للفعل البشري من ثم الفعل الشعري، والثانية تقنية الفراغ بالتنقيط الذي استثمرته الشاعرة للتعبير عن المحذوفات سواء كانت كائنات محذورة او كائنات لا تريد التصريح بها، فضلا عن كائنات واضحة المعالم، اخفاؤها يمثل قيمة بهجة خاصة، كونها ممهدات فهم تُمَكِّن القارئ من كشفها ليشارك (فيتداول) الفعل الشعري مباشرة .

رابعاً: شغف التقانة المعرفية

بعض قصائد (الورد يبكي .. البارود يبتسم) تستثمر دافعية التقانات المعرفية، إذ تحوّل المعلومة التقنية العلمية من حقلها المعرفي العلمي الى حقل دلالي آخر يخص الشعرية (الادبية الشاعرية) .. لعلها لم تفطن للقدرة التنظيمة (التقنية) التي تستجيب لمصاغات الشعرية الأدبية، إنما بلا شعورها تحس بالحاجة الى منظم معرفي يماسك المواضعات الشعرية. وعلى الرغم من وضوح الظاهرة (تقانات المعرفة العلمية) فلا يمكن المجازفة بالقول: أنها ستكوّن مهيمنةً شعريةً في الاعمال القادمة للشاعرة .. قمتُ برصد بعض مستويات التقنية المعرفية لدى الشاعرة .. سأورد بعضها:

1 ـ المستوى الاصطلاحي

وقد لجأت إليه كعنوان بقصيدتين هما ((بصمة د . ن . أي ) ص41)، وقصيدة ((كلانا دي أن أي) ص180) . وهو مصطلح شاع حضارياً في السنين الأخيرة، بواسطته يتعرف المتقصي على النسب البايلوجي كيميائيا، الذي تناسل عنه دونماخطأ تماماً. والشاعرة استثمرته مُحَوَّراً الى شغف بالانتماء للتراب والماء الرافديني .

2 ـ المستوى الأدواتي

الشغف الشعري يتأتى فيه على طبيعة محايثة للاستعمال المباشر، مثلما تتضمنه قصيدة (خُلَّب) المتعددة الاستعمالات فهي دلالة على (الأشياء الفارغة، وعدم الإنجاب، والصواعق العسكرية الفاشلة، والذرية غير الصالحة .. الخ .. ومهمة هذا الخلب هو المؤدى اللغوي للفهم الأُحادي كون الأعمال المقصودة كثيراً ما تتحمل أكثر من غرض عدا الأعمال (الخلب) مثلما يفعله سياسيو البلاد معنا!

3 ـ المستوى الغنائي

وله عدة نماذج استعمالية منها: * مسميات ذات رمزية عالية كفيروز في قصيدة صبارة ص113 . * ابجدية الغناء الايقاعي في قصيدة (1 أو أ) * نغمية قصيدة فيروز ص199. * فلكلورية غنائية قصيدة عشتار ص225 .

4 ـ المستوى الاجتماعي

وقد تخصص ببعض الموجودات العلمية للتأريخ والجغرافيا والمثيولوجيا، مثلما ورد في قصيدة (شلالات فرجينيا، ص17 )، وقصيدة (جورية الفراتين، ص156) وقصيدة (فلامنكو، ص154)، وقصيدة (هندي احمر، ص88)

خامساً: تصنيف

بسبب من تعدد أغراض الشعر لدى الشاعرة، وصعوبة حصر أهدافه الثيمية والتنظيمية، سأضع جدولاً ثانياً، أُحدد له بعض القصائد كأمثلة، أبين عَبْرَها مقاصد الفعل الشعري من الجوانب الثيمية والتنظيمية:

الصفحات القصائد الموجه الفكري النظام التقني القيم الثيمية الكبرى

23 قرنفلة عاطفة انفعالية لغة قص نفسي الذات = الموضوع

33 نساء صغيرات فلسفة النقض الحواري لغة مشهدية بصرية الايهام خدر جماعي لذيذ

35 لعوب الاحتجاج المطلق للآسى لغة غناء فيروزي الوعي بحب الطبيعة

37 البحر في صدري تناصات دلالية خليطة لغة وجد عبثي الخطأ الكوني رجل لا انثى

43 حلم دعة … ايدلوجيا المواطنة لغة وجد انساني الفطرة توحد الموجودات

75 أُميّة ثقافة التعايش المطلق لغة ايماء سكوني متسمراً بنقاط السكون فراغ كوني يبحث عن مظهر ملائم آمن كالأُنثى

121 لغات ثقافة الصوت العالمية لغة نثر مشهدي العالم لغة مشتركة

133 رسائل محذوفة العاطفة المماهية للاجدوى لغة تخاطب برقي الانسان غواية اسرار

144 الجب ي س ح ب ن ي التجريب الحروفي المثيولوجي لغة تواصل واتصال تراثي الاحتجاج على كل قديم آثم

148 جبارة ! …. لا موجهات أنصار البيئة لغة التناقض الشعوري الموجودات العليا هبات ربانية لإسعاد البشر

172 كلما رسمتُ الرغبات الشخصية لذائقة التفاصيل المهملة لغة تخاطب برقي التشكيل الذوقي حضارة لجميع المعارف

227 حبل الوصل مصادر فلسفة الانتماء الى الجذور لغة تخاطب برقي الأصول هي مضافات حضارية لا معوقات وعي تقليدي

 

اسماعيل ابراهيم عبد

 

 

goma abdulahبرز الشاعر الكبير محمد الماغوط في القصيدة النثرية، واعطاءها المكانة المرموقة في الادب والشعر، واحتلت مساحات واسعة من الاعلام الادبي والشعري، واثرات في الاجيال المتعاقبة، في تمردها على الاشكال الشعرية القديمة، باكثر تحرراً من طوق القصيدة التقليدية، وقد وظفها الماغوط، في الدعوة. على التمرد على الواقع الوخيم المخيم، في الدعوة الصريحة الى حلم الثورة والتمرد، في مواقفه السياسية والاجتماعية، بأن يكرسها ضد سلطة القمع والارهاب والبطش، في الواقع العربي المشين في صفاته، في انتهاك الحريات بشراسة تامة، واطلاق العنان لسلطة للجلاد والسجان بشكل مطلق، بأن يجعل المواطن تحت رحمته وقبضته الحديدية، والدوس على كرامته وانسانيته، دون رحمة وشفقة، وشد الخناق والحصار عليه، حتى تتم عملية المسخ والاستلاب للمواطن، في التحطيم النفسي، وبشتى الوسائل والطرق القاهرة، حتى يذوق مرارة الانهزام الداخلي . لذلك كرد فعل على هذا الواقع المحطم، استخدم الماغوط، القصيدة النثرية، كسلاح تعبيري، يكشف مهاترات الحكم القمعي الشرس الذي لا يحسب اي حساب لقيمة المواطن، بخنق صوته واردته وتدجينه بالتطبع الذليل والمهان، لذا تكون فعل  القصيدة النثرية ان تعبر عن موقف اخلاقي وادبي صريح، امام هذا ا نتهاك وبكل صلافة وغطرسة في اخماد كرامة الانسان، اي ان القصيدة النثرية في الموقف الذي يعري ويصد هذه الوحشية المتغطرسة، ان الماغوط يحاول في كل وسيلة، ان يدق ناقوس الخطر بأيقاظ الضمير والعقل من نومه، وهو محاط في حالة انكسارية وانهزامية وهو يعيش وسط الذئاب ضارية،  تطوقه من كل جانب، حتى يستسلم الى الهزيمة النفسية الداخلية الكاملة، ولا سيما ان الشاعر الكبير الماغوط، عايش وتعايش مع كل انواع الاضطهاد والارهاب والتنكيل، عاش حياة السجون وهو في عمر التاسعة عشرة، واصبح نزيل سراديب السجون بشكل دائم، وتعرض الى حفلات التعذيب المتنوعة في وحشيتها، وتألف مع سوط السجان وهو يطبع اللون الاحمر على ظهره، وينغرس في اعماق جلده دماً وقيحاً . ولكنه تعلم الكثير من سوط السجان، وهو شاب صغير، فلاح قروي معدم وفقير، يصعب ان يجد رغيفه اليومي، وثقافته وعقليته محدودة بأقل من القليل، لا تتجاوز ولا تتعدى حدود قريته الصغيرة، ولا يعرف ما يدور في العالم الخارجي، خارج قريته . لذلك فأن تجربته في السجن، وسوط السجان بأنه (تعلم الكثير من السوط في يد السجان، الى حفلات التعذيب، وهو مجرد فلاح قروي بسيط، لا يعرف من العالم، إلا حدود قريته فقط) لذلك تسلح بالكلمة المضادة، التي تلتزم بقضايا الانسان والدفاع عنه، من الارهاب والبطش، لهذا جعل القصيدة النثرية تكتب بالسكين وليس بالقلم، لانه ادى ضريبة المعاناة الباهظة من التنكيل الوحشي، وتكسر وتحطم داخل نفسه، في الخراب الداخلي (عندما سجنت في المرة الاولى، شعرت ان شيئاً جوهرياً، تحطم في داخلي، كل ماكتبته، وما اكتبه، هو اشبه بعملية ترميم، لتلك التجربة المرة والقاسية، ومازلت ارمم آثار هذه التجربة حتى اليوم، ولا ابالغ إن قلت، ان أمل الحياة، سقط في السجن، وكذلك الجمال والفرح) هذه القسوة الوحشية في سراديب السجن، جعلته يتعلم ويتثقف، ويخوض غمار الشعر والادب، ليعوض النقص في داخله المنهك، الذي تحطم في زنازين السجن، ووجد في القصيدة النثرية شفيعه الذي يشفي غليله، المقاوم والمتمرد والرافض الظلم والقهر والاستبداد، وكذلك حالة ترويض المواطن بالخنوع والاستسلام، فعل الكلمة هي رد الاعتباره ممن سلبوه حق الحلم الحياتي، ولم يتوقفف في الاجهار واعلان مواقفه،  حتى وهو خارج السجن، وهو لم يجد مأوي يلتجئ اليه، سوى المقابر وحالة التشرد والتسكع والمطاردة، لكنه كان يحاول بكل وسيلة ارسال رسالته، بالحلم بالثورة، التي تطلق سراح الحرية المسجونة في زنازين الحكام، رغم خطورة هذا التصريح بالحلم المتمرد، سوف يقوده مجدداً الى سراديب السجن، ولكنه لم يتخلى عن شرارة الكلمة المتمردة والرافضة للواقع المخيم، وظل يكابد ويتكابد على الواقع، لذا فأن تجربته في القصيدة النثرية، هي تمثل تجربته الحياتية، في التطلع الى حلم الثورة، التي ترفض القهر السياسي والاجتماعي، بمثابة السوط الذي يجلد الواقع الوخيم، وفي تناول اعماق هذا الواقع وكشف حقيقته من مخالب وانياب كاسرة، انه يحلم ويحلم مهما زادت المعاناة والاضطهاد البشع، لذلك يقول (أني احلم اكثر ما اكتب، ولكنها احلام تتطور ليلة بعد ليلة الى كوابيس رائدة) والقصائد النثرية في ديوان (الفرح ليس مهنتي) تكشف الكثير من تجاربه داخل السجن وخارجه، وكما قالت زوجته الشاعرة (سنية صالح) في مقدمة الديوان . بأن (مأساة محمد الماغوط، انه ولد في غرفة مسدلة الستائر، اسمها الشرق الاوسط) . لذلك يقول (مامن قوة في العالم / ترغمني على محبة، ما لا احب / وكراهية ما لا اكره / ما دام هناك / تبغ وثقاب وشوارع)

لذا نستشف بعض قصائد الديوان، لنتوقف على بعض ملامح تجربته الحياتية والواقعية، وكذلك تجربته الشعرية في قصيدة النثر

- في الحلم ان يتحول الى رغيف الخبز، سلاح للانقضاض على الواقع الجائر

اعرف أن حد الرغيف

سيغدو بصلابة الخنجر

 وأن قهر الجائعين، سوف يهدر ذات يوم

بأشرعته الدامية

وفرائضه الغبراء

فأنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء

ولكنني سأظل شاكي السلاح

...................

ثم يصرخ باعلى حنجرته :

أنا بطل ......... أين شعبي ؟

أنا خائن ....... اين مشنقتي ؟

أنا حذاء ....... اين طريقي ؟

.......................

 - ويرفض التناقض الاجتماعي الصارخ الذي يرسم خارطة الناس بلا عدالة، ويوزعهم بين الجنة والجحيم، داخل المدينة الظلم، وهو يكشف مرارته الى حبيبته .

حبيبتي

هم يسافرون ونحن ننتظر

هم يملكون المشانق

ونحن نملك الاعناق

هم يملكون اللآئي

ونحن نملك النمش والتواليل

هم يملكون الليل والفجر والعصر والنهار

ونحن نملك الجلد والعظام

نزرع في الهجير ويأكلون في الظل

أسنانهم بيضاء كالارز

وأسناننا موحشة كالغابات

صدورهم ناعمة كالحرير

وصدورنا غبراء كساحات الاعدام

.........................

- الخوف من كلمة الحرية، بانها جريمة تقود الى الاعدام، وتتحول ارصفة الوطن الى وحل وساحات اعدام

مادامت الحرية في لغتي

على هيئة كرسي صغير للاعدام

قولوا لهذا التابوت الممدد حتى شواطئ الاطلسي

أنني لا املك ثمن المنديل لارثيه

من ساحات الرجم في مكة

الى قاعات الرقص في غرناطة

جراح مكسورة بشعر الصدر

وأوسمة لم يبق منها سوى الخطافات

الصحارئ خالية من الغربان

البساتين خالية من الزهور

السجون خالية من الاستغاثات

الازقة خالية من المارة

لا شيء غير الغبار

........................

- وهو ينتظر على قارعة الطريق لتأتي اليه الثورة، كالعاشق الذي ينتظر موعد حبيبته، برائحة الخبز وشهية الورود، لكن هذا الحلم لا يجيء، حتى لو تيبست قدميه

مذ كانت رائحة الخبز

شهية كالورد

برائحة الاوطان على ثياب المسافرين

وأنا اسرح شعري كل صباح

وارتدي اجمل ثيابي

واهرع كالعاشق في موعده الاول

لانتظار ها

 انتظار الثورة التي يبست

قدماي بأنتظارها

من اجلها

احصي أسناني كالصيرفي

................................

- حالة اليتيم المحروم من كل شيء، سوى الحلم الذي يحلم به، في خيمته تحت شمس الله

آه

الحلم

الحلم

عربتي الذهبية الصلبة

تحطمت وتفرق شمل عجلاتها كالغجر

في كل مكان

حلمت ذات ليلة بالربيع

وعندما استيقظت

 كانت الزهور تغطي وسادتي

وحلمت مرة بالبحر

وفي الصباح

كان فراشي مليئاً بالاصداف وزعانف السمك

.......................

- الرعب من السجان كأنه عزائيل يخطف الارواح، وهي حالة واقعية من عذابات السجن .

اضحك في الظلام

ابكي في الظلام

اكتب في الظلام

حتى لم أعد اميز قلمي من أصابعي

كلما قرع باب او تحركت ستارة

سمرت اوراقي بيدي

كبغي ساعة المداهمة

من اورثني هذا الهلع

هذا الدم المذعور كالفهد الجبلي

...................................

- مرثية الى صديقه بدر شاكر السياب، حين كان يتسكع معه في شوارع بيروت

يا زميل الحرمان والتسكع

حزني طويل كشجر الحور

لاني لست ممدداً الى جوارك

ولكنني قد أحل ضيفاً عليك

موشحاً بكفني الابيض كالنساء المغربيات

لا تضع سراجاً على قبرك

سأهتدي اليه

كما يهتدي السكير الى زجاجته

..............................

- كل شيء زائل في الوجود، ولا يملك الخلود في الدنيا، إلا الحب فهو باقٍ كعشبة الخلود

كنا ننبت في كل مكان

نحب المطر

ونعبد الخريف

حتى فكرنا ذات يوم

أن نبعث برسالة شكر الى السماء

ونلصق عليها

بدل الطابع ... ورقة خريف

كنا نؤمن بأن الجبال زائلة

والبحار زائلة

والحضارات زائلة

اما الحب فباقٍ ......

 

جمعة عبدالله

 

 

talib hashimaldarajiتدويرالمعاني: التَدْوِير= مصدر من الفعل تَدَوَّرَ- جعْل الشيء يدور- عند العامة البَحْث والتَفْتِيش.

يتوزع تدوير المعاني في مفهومه العام على مساحة ما، يكون أداة تسيطر على نظام المعاني، كالمجاورة مثلا: المجاورة التي يتطلب في تركيبها وبنائها أن تكون هناك عبارة أو مفردة أخرى تكمل ما سبقه أو ما يلحقها ليكتمل مفهوم الجملة المكتوبة في النص مثلا: في نص "هياج الريبة" (أضارع الشك + رسالة الوجود) أو في نص "ربيع بلا وطن" (نامت مثقلة + بأحلام الهروب) أوفي نص " ماذا لو" (وعلى التواءات جسدها + يشهق الشبق) غالبا ما تكون هذه الجُمل إضافية، تعتمد السياق التركيبي وليس الدلالي الذي يحكمه قانون الدال والمدلول، كما أنها بذات الوقت لا تخضع لهذا التركيب؟ بل وأيضا تضع في سياق التعبير الشعري عندها السياق الدلالي فنجد لديها دوال رمزية لا بد من إحالتها إلى مدلولاتها كي لا يتوه القارئ في تأويل النص تأويلا تكهُنيا يخزن في مخيلته رؤاه، قد يبتعد أو قد يصيب؟ فهي أي "الشاعرة" قد لا يبدو بكتابتها عملية النظم الشِعري؟ بل أنها تتقمص الرؤى وتتمظهر في لغتها حين تبدأ ببناء النص وتشكيله، مثلا في النص " ماذا لو": (ماذا لو خلّتني رجلا.. وأهداني الرب سرَّ الوجود؟.. وكان لاذع الكذبِ ملحي..) فهي تتهم الرجل في خيانة التاريخ !،وهل ينكر العالم من الذي كتب التاريخ؟ وهل هي ملومة حين تصف كذبه بـ (لاذع الكذبِ ملحي..) .

إن لذّة الشِعر هي تلك اللذّة التي يصفها "رولان بارت " فيقول: (تاريخنا، ليس ساكنا، ولعله أيضا ليس ذكيّا، أن نص المتعة إنما ينبثق فيه بشكل فضائحي، أو أعرج) من كتاب لذة النص - رولان بارت - ص 46 ترجمة د. منذر عياشي 1992.

من هنا نشعر بمتعة البوح التي تتقمص فيه الشاعرة دور الرجل، حينما تتمنى لو أنها هذا الرجل، ما كانت لتفعل، أو ما كان ليحدث وهي لن تفعل ما فعله الرجل بهذه الحياة وكيف أضرَّ بها وأفسدها .

بنيوية النصوص لدى الشاعرة:

النص البنيوي، دائما ما يتخذ خندقا تتعدد فيه القراءات والتأويلات، لأنه يعتمد المجازيات والرمزية في بنائه، على الأغلب مما رأينا، أن الطرائق الوصفية للنصوص التي نقرأها تبدو لنا مربكة ويتحتم علينا إفراز تلك الطرائق ومعرفة العلاقة القائمة في كليات النص لا على التناول القائم في النص / من مدخل إلى علم لغة النص- لـ فولفجانج هاينه مان -ص5 - 2004 /، تقول الشاعرة في نص .. حين هرول الكأس:

ياااه لخمرة الحبِّ

حين تعتّقها القلوب بدم ملكي الأقداح..

كيف تستفز كأسي حتى لكأني.. أخافه وأهشه عنوة..

لكنّي أخافيه الصدق وأموت فيه. .

لا نستطيع ان نحكم على (يااه لخمرة الحب) لأنها جُملة تابعة لما قبلها تحتاج إلى مقدمة ما حيث جاء في المقدمة:

 (كم عصاني كأسي وأنا أنهره من كأسه اللعين.. فيخاتلني ويصلصل ماجنا.. ليس لقلبي إلاك الدليل.. فإن لاتأم شفتي الملكية.. وهو الحاد كشفرة سيف.. وبنهمه الذي لا ينبري. يجذبني إليه دون خجل.)

هكذا ندرك قيمة التدوير والمجاورة في المعاني الشعرية، إذ أنها كالسلسلة، كالإيقاع الشعري، جزء يتجزأ في جزء، جُملة تصب

في الأخرى، مفردة تتبع مفردة، فكان لهذه النصوص وبهذه الطرق التعبيرية أن لا تتشكل إلا من خلال بنائية تتبنى موحياتها ومعانيها وأساليبها التعبيرية، فإن السياق الشعري ها هنا سياق لغوي دلالي تتكون مدلولاته من عناصر بنائية متراصّة في تركيبها اللغوية مثال ذلك: 

- ياااه لخمرة الحبِّ

- لكنّي أخافيه الصدق وأموت فيه.

- وأنا أنهره من كأسه اللعين

-ليس لقلبي ألاك الدليل

- وبنهمه الذي لا ينبري.

فونيمات متميزة، الفونيم، ويعد بلومفيلد أول من عرفها بأنها (أصغر وحدة من وحدات السمات الصوتية المتمايزة) فأين نجد التمايز الفونيمي لدى نصوص الشاعرة كوثر عقباني ...؟

(لخمرة = ل خ م ر ة / اللام المكسورة حيث المخرج اللفظي ضربة صوتية في اللسان تقارع سطح اللثة العليا ومن ثم تستقر على الأسنان الأمامية، فإن المسافة الزمنية + المكانية = تمايز صوتي (ياه) بحروفها الحنجرية، مع أن الياء (جوفية) لِخمرة (اللام والراء يقال لهما (ذَلْقيّة) لخروجها من ذَلْق اللسان أي طرفة. فإن الفونيم هنا (ل خ م ر ة) يجعل القارئ يتباطأ عند لفظه (لِخمرة) قرائيا وصوتيا، وهذا التباطؤ يفرضه اللام لضرورة لغوية قرائية صوتية، (لِيعمل - لِيأكل - لِهدفٍ - لِغايةٍ) وهكذا ندرك علّة الفونيم في كسر المفردة بداية ونهاية، للمفردة المميزة، أما المورفيم والجدوى من بحثها هنا في موضوعنا فهو لأسبابٍ قائمة بين المعاني التي تتضمنها الجُمل والمفردات وطبيعتها اللسانية اللفظية التي تعنيها الكتابة، فإن "المورفيم" في الغالب منه يجزّءَ الكلمة إلى قطعتين مثل (لخمرة = لخم - رة / الحب = ال - حب) وهكذا يشتغل المورفيم في إخراج الصوت لفظيا / الأمر هنا، إنني أحاول أن أعمل تقطيعا يشبه التقطيع الوزني للتفعيلة العروضية مع أن الفرق علميا في جوهره، فالأول موسيقي تطبيقي والثاني لساني نظري، فلنفعل ذلك معا:

(كم عص /اني كأس/ ي وأن/ ا أنهره / من ك/ أسه الل/ عين/ هذه مورفيمات صوتية لها آثار تتعلق بصوت الحروف لفظا وقراءة، فالجُملة هي (كم عصاني كأسي وأنا أنهره من كأسه اللعين.).

الآن وقد أدركنا علة المورفيم في تقطيع الكلمات كي يكون الصوت بتركيب لغوي ناجح مهمته خلق نبرة لفظية تساهم في تمييز الكلمة المنطوقة أو المقروءة، بينما أبررَ وجود المونيم الـ (صوتيم) كحاجة يتطلبها الشِعر المنثور الذي ينحاز للجُمل الأسمية عكس الشِعر الموزون المقفى الذي ينحاز إلى الجُمل الفعلية في تراكيبه الرابطة بين أجزائه ومكوناته.

إن (الرابطة عند المنطقيين هي الشيء الدال على النسبة. والشيء يشتمل اللفظ وغيره، فيشتمل التعريف الحركات الإعرابية والهيئة التركيبية حيث قيل إن الروابط في لغة العرب إما الحركات الإعرابية وما يجري مجراها من الحروف أو الهيئة التركيبية / الويكيبيديا -) قد يتساءل القارئ الكريم عن جدوى كلِّ هذه الـ (فونيم، مورفيم، مونيم) في بحثنا هذا فأقول: نعم لك كلُّ الحقّ في هذا السؤال، طالما أنا أدرس بحوث وتنظيرات ودراسات غربية للنقد الحديث، فلا يوجد في لغتنا العربية ما يوافي ويحاكي المفهوم النقدي ورؤيته للنص ما دامت هذه الدراسات غربية، فإنها تتداخل في تحليل وتفكيك لغة النص شعريا، فقط لأن النص وكينونته الشعرية حداثية وليدة الحداثة، إذ لا يوجد لدينا نص نثري حداثوي كالنص الحديث اليوم، ما لدينا وعبر التاريخ كلّه قبل النثر العربي، مقطوعات نثرية لكنها مقطوعات سطرية إذا صح التعبير.. أي أن كل سطر يُقرأ على شكل منصوصة مستقلة، تُلحق بالأخرى نتيجة لطبيعة اللغة التي نستخدمها نحن، لأن طبيعة لغتنا العربية تفترض العطف حتى بعدم وجود (واو العطف) وذلك بسبب الإيقاع المألوف للقص أو الحوار أو الشِعر أو المقالي، وإلا فربما كلُّ مقطوعة منصوصة هي نص مستقل أو مختلف، حتى لو عثرنا على إيقاعه التراتيبي التزامني، عموما فإن .. المونيم هو من عنديات مدرسة براغ (الوظيفية) حيث يحاول الباحث فيها أن يكشف القطع الصوتية التي يحتوي عليها النص هل تؤدي وظيفة في التبليغ أم لا،ولذلك قمت ببحثها في موضوعنا هذا .

فالمونيم.. إذن هو" الجُمل الاسمية" في نصوص الشاعرة رغم قلّتها في بعض النصوص وسطوة الجمل الفعلية على البعض أو المضاف والمضاف إليه ولا نُعيبها؟ لكنّنا نستدرك عللها وطبيعتها البنيوية:

مقطوعات من النصوص

- فالسماء تمطرني بخيرها

- ربَّ حظٍ امتلكته بمولدي

- وبامتثال لمشيئة الإله في تكويني

- دلق الليل خمر قصيدتي في كؤوس من وله

- شفتان تتناغمان بقبلة الراح

- كأسي جذّ قلبه ..هاربا بشفتي إليه

يقول أبي علي الحسين بن عبدالله بن سينا البخاري في كتابه (فن الشِعر) كتاب الشفاء- الفن التاسع من الجملة الأولى كتابه (الشفاء):

(واذا كانت محاكاة الشيء بغيره تُحرك النفس وهو كاذب، فلا عجب أن تكون صفة الشيئ على ما هو عليه، تُحرك النفس وهو صادق، بل ذلك أوجب، لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق)، ندرك من هذا الكلام أن الجُمل الفعلية في نصوص الشاعرة مثل:

(أضارع الشك رسالة الوجود - أستكين في خلوتي مناجية سرمديّة الكون - فأرمم خدوش انكساراتي على طهر الخطيئة - أعتلي صهوات ليلكَ يا حبيبتي المبلل برغبتي ..)

كانت رمزية الجُمل هنا كما يقول تشومسكي في نظريته الأدبية الحديثة "نشأة البنيوية) فيصف ما قرره سوسيور بـ ("اعتباطية الرمز اللغوي" وهو ما يعني أن أشكال التواصل الإنساني ما هي إلا أنظمة تتكون من مجموعة من العلاقات التعسفية أي: العلاقات التي لا ترتبط ارتباطاً طبيعياً أو منطقياً أو وظيفياً بمدلولات العالم الطبيعي" وأن "كل نظام لغوي يعتمد على مبدأ لا معقول من اعتباطية الرمز وتعسفه"، أي: تماماً كما يعتبط العقل الجمعي عند "دوركايم " ويتعسف فيفرض على الناس ما هو خارج عن ذواتهم، ومن هنا انبعثت فكرة "السيمولوجيا" أي علم الدلالة، أو العلامة والإيحاء، وتطورت فيما بعد .)

إنها الرمزية ذاتها التي تعتمدها الشاعرة في موحياتها الشعرية، فإن قولها في النص "ماذا لو": (ماذا لو ..أطلقت العنان للهفتي..وبهيبة فاتح شيدّتُ قلاعا من جبروت سطوتي..وعلى أنقاض ضعفكنَّ رفعتُ رايتي عنوة.. أخالني الآن ملكّت الأندلس. .رفعتُ حدائق بابل بشهقات عنفواني..رسمت الأساطير حصونا على قدر هيبتي..وفي تمرد أناي، صوّرتك أفعى ..من نابها يقطر سم الخطيئة..وعلى التواءات جسدها يشهق الشبق..ليستحيل نصف الكون عورة..أسترها بقهقهات رغبتي..) فأن هذا كفيلٌ بوضع النقط على الحروف، إذ أنها تتقن لعبة الرمز اللغوي، حيث تتبنى رؤية تُظهر النتيجة للصيرورة إذا ما عكسنا الواقع وجعلنا المسميات معكوسة الوظائف.. حيث يكون الرجل وظيفيا يتحمل واجبات البيت الداخلية وتتحمل المرأة الواجبات الخارجية، وغيرها من الوظائف المنفردة أو المجتمعة، هكذا أرادت الشاعرة من خلال جُملها الفعلية أو الاسمية أن ترمز لغتها الشعرية وتوظفها في مكنونات نصوصها .

السياق في نصوص الشاعرة ودوره التداولي والمعرفي والثقافي

السياق التداولي:

(لكنّي أخافيه الصدق وأموت فيه. ./ ليّتني كأسه ويشربني كالترياق الحميم..وأورقُ على شفتيه ماء نار ..يحرقُ ألف زمزم ونهر..(من نص حين هرول الكأس) .

فلا سلطة تحكم رجائي..ولا من شريعة تلجم جموحي..

فلا سلطة تحكم رجائي..أعتلي صهوات ليلك يا حبيبتي المبلل برغبتي ..ولا من شريعة تلجم جموحي .. أنا الأنثى التي وهبتك الحياة من رحمها زهرة..(من نص ماذا لو)

يؤدي السياق التداولي وظيفة، أكثر من كونها معرفة شكل النص ومحتواه، حيث أن تأويل النص يعتبر فعلا للغة النص، وهنا تجيء مهمة التداولية هي أن تتوافق شرطية الفعل الموجود في الجُمل الفعلية داخل النص مع فعلها اللغوي، أي العلاقة التي تربط جُملة بأخرى ويتم تحديد شروط تتوفر في كل فعل لغوي كي ينفرد كل سياق بمعرّفه،

مثلا:

أعتلي صهوات ليلك يا حبيبتي المبلل برغبتي .

(أعتلي صهوات ليلك)* جُملة ذات سياق تداولي، فيها الفعل "أعتلي" هو لسان الرغبة، يحتاج إلى سبب ما،جملة مجاورة تبرره مثل (يا حبيبتي المبلل برغبتي).

السياق المعرفي:

نفس المثل أعلاه

(أعتلي صهوات ليلك يا حبيبتي المبلل برغبتي .)

نلاحظ هنا أن الصوت ابتدأ بياء المخاطب (يا حبيبتي) إذ إن الكاتب أنثى وهي الشاعرة، فكيف تُخاطب الآخر وهو في افتراض المعنى "الرجل " بياء المخاطبة المؤنثة !! ونحن أدركنا في سابق النص (ماذا لو) وهي تتقمص دور الرجل، السياق المعرفي هو السياق الذي يعتمد على معطيات النص التي تُحقق فهما معادلاتياً كما في هذا النص (ماذا لو) الذي تقوم فيه الشاعرة بعكس الحقوق والوظائف من الرجل وإلى المرأة بحيث لا تتغير الأجناس؟ يبقى الرجل رجل والمرأة امرأة، لكن ما أجازه الرجل لنفسه يكون للمرأة وما أجازه للمرأة يكون للرجل، وهكذا تكون العملية وظيفية وليست جنسية، فكان لدور السياق المعرفي، إنه يساهم في تشكيل عناصر الفهم للنص وإدراك المعاني الحقيقية من المستعارة أو المشبهة أو المماثلة من خلال القيمة الكبيرة التي يمكن له أن يسترجع فيها المفهوم الأصلي، بحيث إن السياق في التالي يعيد كل شيء لنصابه، ولكنّها (الشاعرة) تلعب بلغتها التي تتقنها حيث أبقت على جنسها الأنثوي، وجعلت الدور وظيفيا لا جنسيا !!! وبهذا فإنه يُعدَّ مشاكسة شعرية وتقنية فنّية تُحسب لها، كما نلاحظ في الجُمل الأخرى (أربعة لي ..باكتناز ألوان الأفول..) تقصد أنها يحقُّ لها أن تتزوج أربعة رجال (إفتراضا).. (أي ما وظّفه الرجل لخدمته من شرائع.. فهي توظفها إيضا في معادلة العنوان والمتن في النص"ماذا لو") كما ونلاحظ أيضا (يحق ليّ بدل العشيقة ثلاثا ..أربعا.. !!؟.

أو أقلّه ثاني اثنتين..) أو في (فعشيقتي انتِ..غانيتي..سبيتي..ومنجبة لوريث عرشي..) .

السياق الثقافي:

باعتبار النص ظاهرة ثقافية يتخطى العوامل والقيم والأصول الثابتة في المجتمع، فهل يحقق النص فرضياته؟ أي هل يصل النص إلى القارئ بطريقة المحاكاة والمماثلة، ويتقبّل وجهات النظر المغايرة والمحايثة، فيما لو ادخلناها في قناعاتنا الإنسانية والاجتماعية !! هذا ما نقرأه تاماً في فكرته وكاملاً ومماثلاً في نص (ماذا لو) إذ تبادل الوظائف هنا سيكون في موقف مُحرج مع الرجل، وهذا هو هدف السياق الثقافي أن يسلك الكاتب / طرقا تعبيرية ذات سياقات مختلفة داخل السياق نفسه، كالسياق اللغوي والصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والعاطفي والأسلوبي، وفي النهاية، إنه يُحقق التماسك والثبات، فإن الكلمة ممكن أن تكون في مكان ما قبيحة، وفي مكان آخر تكون حسنة !؟..وهنا تكون مهمة التماسك للمعاني الثابتة التي تعنيها اللغة شكلا ومحتوى، عن المعاني التي يعنيها التأويل ويؤسس لها شكلها الافتراضي المقبول .

في النهاية:

اختتم هذا البحث الملخّص بإرفاق النصوص التي تناولت فيها محتوى الدراسة هذه، كي يجد القارئ علامات الربط وعلاقاته مع البحث .

أتمنى أن أكون قد أفدت ولو بالقليل في هذه الدراسة .

النصوص موضوعنا هنا:

هياج الريبة

أضارع الشك رسالة الوجود..

اليقين محض هراوة لهراء..

أتسائل هائمة في سرمدية الكون..

ترى من دعا هبل للربوبة..

ومن جعل الخلائق تبحر في السماء؟..

وأين أنا في روح الرب وهبل غريمي؟..

سأضارع المؤلهين بفرعون المقدس..

يهش الدماء بعزاء السبايا..

فكيف لصورتي أن تنجلي في وضوح الرؤيا..

حين تخون وجهي المرايا كالزمن الهارب إلى العدم؟!..

رهينة العدمين أنا..

تحاورني الوحدة بألوان الخيال فأتوه في سرِّ اسرار الوجود..

كالضوء حين يعكس الظل ..

فترتسم كائناته أخيلة.. تتراقص مشاكسة لتمايله شغفا..

ولتختفي عنوة في شكي .. وتتسابق أسراب الربمات يقينا..

ربَّ كونِ وجدٍ لأوجد!!..

وربما وِجدّتُ.. ليوجد هدا الكون ..

أستكين في خلوتي مناجية سرمدية الكون..

كيف شهقت الجبال بآيات الكبرياء..

لتحمل كهوف الرعب متلبسة بالحياة

وبسطت السهول مروجا؟؟! ..

فآويت السحر المسكون دهشة..

في ثنايا الرهبة تأملا!؟..

أتساءلُ

كيف من ظلمة الأعماق طفى الملح مزلزلا نظم البقاء؟ ..

كيف غضبت البحار ليرتفع الموج ..

فيرسم الصخر وجوها من جبال؟؟..

تُرى هل شق موسى البحر بعصا المعجزات..

فتزخر بطون الحيتان بالحياة زافرة يونس بشهقة الذهول؟!؟..

وهل حضنت البئر يوسف فبعثته حيا مبرئة الذئب من خيانة الدم..

لتلد يسوع من أعماق الخوف حقيقة دون خطيئة؟؟؟..

أيها الإله.. يارب العرش العظيم:..

كنت ..لأكون سرّا آيلا للسقوط في رفعة التجلي..وهياج الريبة..

ذاك الملتهب يقينا بثبات خلقك معحزة للبقاء !!..

ربيع بلا وطن

نامت مثقلة بأحلام الهروب

حين شرب البحر دماء المقهورين عنوة

وطفح الملح باحداق الأجيج

لفظت الصبر ببريق الحنين

كحلم بحّار بقبر لا يتسع روحه على اليابسة

والموج رهين الريح..

تحمله منكسرا بجموح الأنا

على صدر زمن أعمقه القهر

ليسقط الراء من ربيع الوطن

فيغدو معلنا برسم البيع!!

الوطن للبيع..

فمن يشتري بقايا وطن؟

ومن يشتري حزني عليه؟!

فالأنخاب ترفع لصفقات ربحكم المغمّسة بهزائمنا وعاركم

المغمسة بنكهة دم الأبرياء

صفقاتكم المعلنة بخيباتنا

بسقوط ورقة التوت عن عورة أدمغتكم

فالدين مشرّع لأحكام عهركم العرفية

والأصوات ترفعُ.. أن حيَّ على الدماء سلعة رخيصة

أين أنتم من أحلام الطفولة حين يخنقها رصاصكم غدرا؟؟

وكيف ترسم دوائر قنصكم نيرانها موتا

لتحيل الصدور الى نثارٍ من أنين؟؟!

ماذا لو؟!

ماذا لو خلّتني رجلا..

وأهداني الرب سرَّ الوجود؟..

وكان لاذع الكذبِ ملحي..

فأرمم خدوش انكساراتي على طهر الخطيئة..

ماذا لو ..

أطلقت العنان للهفتي..

وبهيبة فاتح شيدّتُ قلاعا من جبروت سطوتي..

وعلى أنقاض ضعفكن رفعت رايتي عنوة..

أخالني الآن ملكّت الأندلس. .

رفعت حدائق بابل بشهقات عنفواني..

رسمت الأساطير حصونا على قدر هيبتي..

وفي تمرد أناي، صوّرتك أفعى ..

من نابها يقطر سم الخطيئة..

وعلى التواءات جسدها يشهق الشبق..

ليستحيل نصف الكون عورة..

أسترها بقهقهات رغبتي..

فلا سلطة تحكم رجائي..

ولا من شريعة تلجم جموحي..

قد أستبدلك رعشة..

كما تغيّر الأرض الفصول..

أربعة لي ..باكتناز ألوان الأفول..

يحق لي بدل العشيقة ثلاثا ..أربعا..

أو أقله ثاني اثنتين..

فللذكر مثل حظ الأنثيين!!؟..

ربَّ حظٍ امتلكته بمولدي..

ولا ئم تملأ أفواه بني جنسي انتشاء..

وبامتثال لمشيئة لإاله في تكويني..

تُرفع الأنخاب..

لتذروها مشاعل نصري على صهوات الطبول

احتفالا..

أي سر قد امتلكت..؟!

لامتلكك غاية تبرر وسائلي المنكرة..

فعشيقتي انتِ..

غانيتي..سبيتي..ومنجبة لوريث عرشي..

صاحبة العرش وأنا والنجوم من خّلقوا..

فالسماء تمطرني بخيرها..

لأمطر أرضي بوابل الفتوحات..

فالأرض وما أُنّث عليها لي..

ومااستطعت تأنيثه ولم يكن..

لي البحر ..والشمس تجري بإشارة رمشي

شكرا لآلهتي..

كيف صيرتني إلاها فارسا..

أعتلي صهوات ليلك يا حبيبتي المبلل برغبتي ..

بحمى سطوتي..

بضعفك الممعن بانتصاراتي..

أقهقه صارخة بملء دمي..

ولا من حلم أرجوه ليرجوني..

فالحلم أنا..

الرغبة أنا..

السر والبقاء ..

الليل ..النهار..السهر ..القمر ..الخلود..والرجاء..

أنا الأنثى التي وهبتك الحياة من رحمها زهرة..

تغدقك بالعطر ..فتشرب الموت

لتمتثل للحياة..

حين هرول الكأس

بشغف عاشق

دلق الليل خمر قصيدتي في كؤوس من وله..

سألته حالمة..

أيا صاحب ليلي ..

ماذا عن وله الكأس بالكأس في أنوثة الخمر؟!

شفتان تتناغمان بقبلة الراح...

ولم تبغيا كبحرين...

يااااه

كم عصاني كأسي وأنا أنهره من كأسه اللعين..

فيخاتلني ويصلصل مااجنا..ليس لقلبي إلاك الدليل..

فإن لاتأم شفتي الملكية..وهو الحاد كشفرة سيف..

وبنهمه الذي لاينبري. يجذبني إليه دون خجل.

ياااه لخمرة الحبِّ

حين تعتقها القلوب بدم ملكي الأقداح..

كيف تستفز كأسي حتى لكأني..أخافه وأهشه عنوة..

لكنّي أخافيه الصدق وأموت فيه. .

وحين غفلة يسرقني الحلم لعيني

حبيبٌ قد همت فيه مناجية..

ليتني كأسه ويشربني كالترياق الحميم..

وأورق على شفتيه ماء نار ..يحرقُ ألف زمزم ونهر..

وليتني الخمر..

يعتّقني في خوابي قلبه كعشقٍ أبدي الحضور..

فتعال ياكأسه إلي..

كأسي جذّ قلبه ..هاربا بشفتي إليه..

وحسبي الله بكَ يا كأسي .. غارقا بالنبيذ..

ملاحظةهامة

هذا البحث مواكب للبحوث والدراسات والتنظيرات الغربية التي تناولت الشِعر الحديث المنثور، قمت بمحايثتها مع النصوص واستقرائها حسب ما تضمنته بتصرف مني.

تقديم: طالب هاشم الدراجي

..........................

المصادر:

1- الأسلوب والأسلوبية – عبد السلام المسدي

2- ارسطو طاليس – فن الشعر

3- السياق والنص – د.فطومة لحمادي – بسكرة – الجزائر

4- النقد الأدبي أصوله مناهجه – سيد قطب

5- النص والسياق – د. الغامدي

6- المناهج النقدية الحديثة

7- بنية قصيدة النثر وإبدالاتها الفنّية - بحث دكتوراه – جامعة الجزائر

8- تشريح النقد – نور ثروب فراي

9- مدخل إلى علم لغة النص – فولفجانج هاينه مان – ترجمة د. سعيد حسن بحيري

10- لذة النص – رولان بارت – ترجمة منذر عياشي

11- رومان ياكسبون - قضايا الشعرية – المغرب 1988

12- الصورة الشعرية – سي دي لويس – احمد نصيف الجنابي – 1982 - الكويت

13- قصيدةالنثر من بودلير حتى الوقت الراهن –سوزان برنار – راوية صادق - القاهرة 1998

 hamid alhurayzi(لا يمكن لسارق أن يكون الهاً)

دلالة العنوان: عنوان رواية الروائي المبدع (حميد الربيعي) (احمر حانه)، الدال على إضافة الأحمر الي الحانة، فالعبارة تدل على المضاف احمر والمضاف إليه الحانة، والأحمر كما يستدل منه كونه رمز الدم بمختلف توصيفاته الايجابية والسلبية، فالأحمر ورد ألجوري ، والأحمر دم الشهداء لذلك نرى رايات العديد من الأحزاب وخصوصا اليسارية منها هي رايات حمراء، والأحمر دم مسفوح مهدور في عالم الفوضى، وكما نرى ان هذه الدلالة هي الأوفر حظا في تأويل احمر حانه، فالحانة رمز العبث والسكر واللاعقلانية، رمز التحلل وبيع الروح والجسد ومكانا للبوح بالغرائز الإنسانية، وهذا ما يجده القاريء ضمن متن الرواية المؤلفة من (202) صفحة من الحجم المتوسط من إصدارات دار (صفصافة) لعام 2017 وهي أخر روايات حميد الربيعي .

التاريخ يعيد نفسه:-

الكاتب يستضيف ضمن روايته المؤرخ العربي الإسلامي الشهير (ابن الأثير) وهو (عز الدين ابن الحسن الجزري الموصلي ولد سنة 555 للهجرة بجزيرة ابن عمر الداخلة في الأرض التركية وتوفي في عام 630 للهجرة أهم كتبه الكامل في التاريخ، واهم هذه الكتب هو الجزء السابع، لم يكن ابن الأثير ناقلا للخبر فقط وإنما كان ناقدا ومحللا لأحداث التاريخ)...

الكاتب يستحضر ابن الأثير ليخرجه من قبره في الموصل ويدخله بغداد، يرتقي جامع الخلفاء ليطلع على حال بغداد في زمن حروبها الحديثة زمن (القائد الضرورة)، حيث الحرب الأولى بين العراق وإيران (القادسية) وحرب الخليج الأولى بين العراق ودولة الكويت، ثم الحرب الثالثة او حرب الخليج الثانية (أم المعارك) بين صدام وجيوشه وقوى التحالف الدولي وجيوشها من (33) دولة، وهزيمة (عبد الله المؤمن) في 9 -4-2003 ميلادية واحتلال بغداد المدينة المدورة ...

يقرر (ابن الأثير) ان يتابع الفتى ( إدريس) الذي استطاع ان يفلت من قبضة ملك الموت (عزرائيل)، الذي اعترضه ابن الأثير، وظن بأنه سيأخذ روحه بدل الشاب الهارب، حب الكشف وطفولية المؤرخ تدفع ابن الأثير لملاحقة (إدريس) ومن خلال ذلك يطلع على الأهوال والأحوال للعراق الحديث ويقرر ان كل ما كتبه كان زورا ومزيفا وعليه ان يكتب التاريخ من جديد واضعا له عنوانا (الفر هود في يوم صيهود)، حيث ان التاريخ يعيد نفسه وكأنه تاريخ متصل والحاضر إنما هو امتداد للماضي، منذ زمن (لاسكندر) ومدينته (خارا كاس) حيث مولد المسخ ( إدريس العاشق) من بطن الحوت في منطقة الاهوار،وحتى (المدينة المدورة) بغداد في زمن (صدام)، حيث (علا الشيخ المنارة – منارة جامع الخلفاء وهنا إشارة ان لا فرق بين كل الطوائف والملل لأنه يراقب من خلال جامع الخلفاء إي بجمعهم ككل وليس خليفة دون غيره – وقد اجتاز مسرعا الفسحة والمصلى خاف على نفسه من ان تفتك الحرب الثالثة به،فارتقى السلم الملتوي – بمعنى ان التاريخ يسير بشكل حلزوني وليست مستقيم – بسرعة رغم كبر سنه) ص107 .

وقد توزعت الرواية على (24) عنوانا فرعيا توزعت (4) مدخل، و(3) مخرج، و(2) المدينة المدورة، و(2) خاراكاس، و(3) كرخ، و(2) رصافة، و(2) سوق الجيف، و(2) القاع، و(2) الحمامات، و(1) أسطح مثلومة، و(2) لقاء، و(2) العاب نارية ...

وزع الحوار بين شخصيات مثيولوجية ( 5) أدارسة و(5) دانيال، كل منهما يشير الي رمز في الموروث الديني المثيولوجي وقد صنف الدانيالين الي (احدهم قواد، الأوسط مذيع فوضى، الأصغر رادود، وآخر يعتلف الحشيشة)ص126، وهنا يصور الكاتب مستويات وادوار وسلوكيات هذه الشخصيات التي تمثلها ناس العصور المختلفة، بن القوادة، والتحشيش، والفهلوة، والخداع، وقادة الحروب(،والغش والاحتيال ومصادرة أموال الناس وهذا ما تمثله الادارسة الأربعة والادريسه، وخصوصا أثناء عصور الفوضى وشيوع الخرافة والحروب .

كما انه يستحضر القوى السلفية الساكنة لكهوف الجمود والتخلف ورفض التغيير والتحول مجسدا ذلك عبر (الخمسة اهل الكهف بما فيهم كلبهم) ومهاجمتهم ل (إدريس) بصنادلهم الذي أصابها التحجر والعفن بعد ان كانت طرية في أيامها الأولى، وكلبهم الذي حاول التعويق ل (إدريس) وعضه في بطة ساقه، وكذلك تعويقه لامرأة إدريس التي انقذت المؤرخ ابن الأثير وتحويلها الي عرجاء معوقة تجوب الشوارع، وعدم كفهم عن ضرب (إدريس) الا بعد ان ذكرهم بالعجل الذهبي كانه يستحضر فعل السامري الذي اغوي قوم موسى فصنع لهم عجل من الذهب الذي جمعه منهم والقمة ترابا فاخذ يخور فصدقوه وصدوا عن دين موسى وهي إشارة الي عجل السامري وأصحاب موسى اللذين تخلوا عن دينه وعبدوا العجل دلالة هشاشة إيمانهم وضيق أفق تفكيرهم ... هذا ما قاله الله تعالى من سورة الأعراف (148): وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:148]

هذا العجل الذي خلقه (إدريس) العصر المتأخر من صهر سرقاته من الذهب من نجوم وسيوف وتيجان العسكر وحلي ومدخرات النساء ما بعد الفرهود .

كل هذا حدث في عصر انعدام القيم وعصر التزييف(هذه المرحلة إنا أطلق عليها التزييف، كل شيء خاضع لهذه المعادلة:- الأراضي، المدارس، الشهادات، الوظائف، العسكر، القيم كل شيء) ص 137.

 (الادارسة) عصابات الحرب والخراب:-

في اللقاء الثاني ص 171 (اصمت إلفا وانطق ياء)

يجتمع الادارسة الأربعة بعد عدة محاولات سابقة كانت فاشلة ولكن هذه المرة اجتمع الشمل، وقد تزعمهم الأصغر حيث جلس خلف كرسي القيادة خلف منضدة الثعابين (إدريس العاشق)، وقد تم استعراض أعمال واستعدادات الادارسة الثلاثة الآخرين

إدريس العريف قدم لأخيه ما قام به وقد استعد كعسكري محترف وانه قد اعد لأخيه جيشا جرارا لم يجد في جند الأولين ولا الآخرين من يماثله

- الطرارون، النظافون، المحتالون، السلابون والسفلة الغوغاء).

إدريس الخراز يقدم ما عنده

هنا تصطفن السواطين، المأبونين، الفساق، الزناة، الفجار، الداعرين، وشذاذ الآفاق) ص174.

إدريس الثالث قدم ما عنده

(الافاكون، الخراصون، المفترون، المنتحلون، المقامرون، الأوباش وأكلوا السحت، جيش كالعثة يجعل الدنيا كورقة متهرئة) ص175.

وبذلك يقدم لهم أخيهم إدريس الأصغر وليمة دسمة في مطعم دجاج، وبعد ذلك قدموا خططهم ومخططاتهم لخوض المعركة القادمة بعد ان استطلعوا المكان وعادا إليه

(عادوا الي، إنا الذي كنت أتظلل بنصب ساحة التحرير، ما زال الحصان والجندي يجاهدان لإيقاف انزلاق الأرض، في حين كانت شمس النهار تنحدر نحو الأفق الغربي) ص177

- هنا تصطف الجيوش،كل يأتي بعصبته لنبدأ حربنا القادمة .

مثل التلاميذ يستمعون، افرك راحتي، اشد انتباههم:

يلهثون بانتظارهيمنت ثقافةار البقية، بخبث أطيل الصمت قلت:-

كروا وفروا، عيثوا في المدينة، انخرا لبها) ص176 –ص177

 هذه النبؤة الخطرة والمرعبة التي يتوقعها الكاتب للعراق في ظل الواقع القائم وتطوراته وهو محكوم بتاريخ مزيف، واداريس لهم من الجيوش الجرارة سابقة الوصف للحصول على الذهب وهو عشيق الذهب(معشوقي صدمني حال الوصول الي المدينة رأيت تواريه عن الأنظار واختباءه في الخزائن مما حدا بي الي إدارة بعض الألعاب البهلوانية بغية الصول إليه) ص113.

وما ال إليه حال (دانيال وإخوته) بين قواد، ومحشش، ومهرج، ومجتث القضيب فاقدا رمز رجولته وتواصله .

ان من يضع إمام ناظريه ما يجري في عراق اليوم يقتنع بتنبؤات الكاتب لمستقبل عراق الخراب والاحتراب والشرذمة والانقسام ... لم يكن المؤلف يخرج بهذه النتيجة الا بعد ان استعرض حال وواقع المجتمع العراقي الذي استهلكته الحروب وطغيان ن الديكتاتوريات المتعاقبة ومن ثم هيمنت القوى الإسلاموية وزمر من الانتهازيين والنفعيين الذين استفادوا من تجنيد الكم الجماهير المخدر بالخرافة والوهم، تحركه الإشاعة وتلعب به الأوهام ....

وكيف انقلبت الي الأوضاع من سيء إلى أسوء فالبشر تغير والعملة تغيرت والأسواق تبدلت، أصبحت المبادئ سلعة تباع وتشترى . فهو يرى ان هذا الوضع سيؤدي الي ظهور جنرال ديكتاتور:-

(يخرج من قاع الأرض عجل من ذهب، يجره حمار نهاق، خلفه الجمع تسير، يقودهم جنرال صوب جسر الجمهورية فيحدث قتال عظيم بين الكرخ والرصافة، القتلى يرمون الي النهر، فتصطبغ صفحة المياه باللون الأحمر، عند القصر ذي القبة الزرقاء، تحي الجموع حفلا صاخبا ...) ص199

فحولة معوجة وفحولة مجتثة:

يشير الكاتب الي حال العديد من شخصيات الرواية ومنهم بطل الرواية إدريس العاشق والذي أصيب بمحنة (قضيب معوج) عجزت الزنجيات عن إصلاحه واستقامته الا على يد (المدلكجي) الشاذ في حمام (مهدي)...

و(دانيال) الأصغر الذي اجتثت فحولته على يد قوى عجز عن مقاومتها، وعجز عن استرداد فحولته ...

ان الكاتب يستعرض لنا حالة السقوط المفجع لأحوال المجتمع العراقي تحت طائلة الجوع والحرمان (فالجوع مذلة) لا تحتمل، وعبر كوميديا هازئة كسرقة الديكة، وسباق نهيق الحمير يأخذنا الكاتب الفطن بين تراجيديا مبكية وكوميديا مضحكة فيظهر لنا مأساة العراقيين وواقعهم بين البكاء والضحك، بين الحزن والألم، وبين اللامبالاة والهزل .

هيمنت ثقافة العنف والقتل والقهر حتى على اللغة الشعبية المتداولة لدى الباعة المتجولين في المدن

(رمان مثل ثدي مقطوع – يا احمر)

خيار يشبه ذراع(عتروزيمعيبة لقد(اضحك من السخرية التي تحيل الموت الي بضاعة للبيع، صادفني مأبون يساوم على ركوبه بقطعة حشيشة، قال انه يتعاطى الأفيون، وان مخرجه لا يساوي شيئا أمام شمة أفيون) ص183-184.

الغرائبية في (احمر حانه):

من اجل ان يحكم الكاتب قبضته في مسك خيوط السرد ولكي يطلعنا على جسامة ما يجري في عراق الحاضر واذا علمنا ان ألعجائبي هو حدث او ظاهرة مستحيلة الحدوث على مستوى الواقع الحقيقي، او هي حادثة او ظاهرة من صنع مخيلة الكاتب وان كانت لها جذور في الواقع (المتخيل الروائي في جزء كبير منه ينتمي الي الواقعي، او بالأحرى مولد منه وبه) الخطاب الروائي العربي ج2 – ط1 2013 ص 364 د.عبد الرحمان غانننمي .

 فقد تمكن الربيعي ان يوظف العجائبية في الرواية، ليثبت لنا مدى سريالية ولا عقلانية ما نعيشه في عراقنا اليوم، استحضر ابن الأثير، واستخدم الأطباق الطائرة، والأفاعي الجائرة، والحمير الناهقة، الحية الميتة، والبهلوان المسحر القادر على اصطناع المعجزات، والشقيقة التي تحلت الي حدأة، وكذلك شخصية إدريس العاشق(المسخ) العجائبية ولا نقول الغرائبية ... فالغر ائبي هو ممكن الحدث في الواقع وما ذكرناه أعلاه من المستحيل ان يحدث في الواقع .

 وبهذا الأسلوب ألعجائبي امتلك الكاتب جناح الطيران فوق الوقائع ليمسك بكل ظواهر اللا معقول في مجتمع مشلول

وصف دقيق لأهوال الحرب وواقع الكرب:

تمكن الكاتب ان يرسم لنا صورة الألم والجوع والقهر الذي عاشه المجتمع العراقي تحت ويلات الحروب الخارجية والداخلية، ما قبل الاحتلال وما بعده حتى ان مهنة التسول لم تعد معيبة في المجتمع العراقي

(مهنة التسول لم تعد معيبة لقد انخرطت فيها الأرامل ومشوه الحرب وأطفال الأزقة) ص150 في بلاد أصبحت (كنوزها مثل إسرارها زيف) ص164.

في مدينة تهرالعائدين من الغربان:-

 (يقال ان هذه المدينة تفر منها الغربان، جيفها تدفن، الأرض تبتلعها بسرعة فائقة) ص63.

حالة الجنود العائدين من الحرب الثانية (حرب الكويت لان هذه الحرب الثانية كانت الأرعن،آلاف الجنود المشوهين عادوا خائبين منهم من قطعت يده ومنهم من فقد عينه، لقد زادوا جيش العاطلين) ص49.

 أصبح كتاب (البخلاء) للجاحظ لا يفي بالغرض ليكون مرشدا لمجاميع الفقراء والمشردين والجياع العاطلين عن العمل في ممارسة فن النصب والنهب والفهلوة لغرض الحصول على لقمة العيش سواء بالنصب او بالتذلل والمسكنة او بالقوة والافتراس مما يتطلب تأليف نسخة محدثة من كتاب البخلاء للجاحظ وقد اقترح ان يكون اسمه (الفر هود في زمن الصيهود).

(الإقبال على تعلم فن السلب والنهب والبخل، وتقاطر أفواج الغرباء الي المدينة هجرة طلبا للعيش) ص70.

فساد وحرمنة وجهل الطبقة السياسية الحاكمة:

وها هوراعة الكاتب الواعي واقع ممارسة الطبقة السياسية الحاكمة بعد انهيار الديكتاتورية سوءا من (الادارسة) او من (ال دانيال) وطرقهم الإجرامية في سلب ونهب ثروات البلد بدون إي وازع من ضمير وليس هناك ما أدل من سرقة(11) طن من الذهب من مصرف الزوية هذه السرقة المشهورة والتي جرت نهارا جهارا، والقيام بإغلاق وهدم كافة دور السينما والملاهي الليلية على شارع أبي نؤاس الذي أعيد الي منصته وشارعه وقد سلم من يد الفر هود العابثة، وقد كانت أوامر الهدم لمصادرة أراضيها لتكون ملكا للطبقة الحاكمة وبالتوافق فيما بينها، بأمر (الملتحي) المتاسلم المتنفذ، وتنفيذ المكروش (أمين العاصمة) التابع الفاسد ....

 وها هو يجري وسط الم ومعاناة بنات وأبناء العراق الشرفاء الأحرار وهنا تمثلهم (الحداة) شقيقة إدريس العاشق التي حولها الساحر الحضر موتي وبناءا على طلبها الي حدأة - ولا ندري لماذا اختار الكاتب حضرموت لتكون موطن السحرة - وهي طائرة تراقب ما يجري على الأرض من قبل (الادارسة وال دانيال) وبقية زمر التخريب والهدم ولسان حالها يقول تأسيا لما ترى وما حل بأرض الصبا في الاهوار:

(حين أمر عليها في طيراني وأنا الحداة، اشعر بالأسى لما آل إليه مرتع صباي، أجوب الآفاق محلقة في العلي فأجد الأراضي المنخفضة وقد انسحبت عنها مياه الهور، تاركة سبخة مالحة وأشتات، جففتها الشمس فتيبست ثم تهاوت كخيوط مقصوصة الاطراف) ص51.

المنحى الفكري للرواية:

الروائي استطاع من خلال ملاحظاته ان يتابع ما جرى من أهوال وتغيرات في بنية المجتمع العراقي، ومنه ظاهرة الفر هود والذي يرى أنها ظاهرة ليست جديدة في المجتمع العراقي وإنما هي امتداد غير منقطع مورست في مختلف عصور القهر والتدهور التي مر بها الشعب العراقي، سواء من قبل الحاكم او من قبل المحكوم، نهب السلطة مجسدة بشخص الحاكم وزمرته وحاشيته ا ومن قبل الجماهير الرثة بفعل الجوع والقهر والقطيعة الكبرى والمزمنة بين السلطة والشعب، كون السلطة ليست بنت الشعب وإنما هي مفروضة عليه من اعلي من الخارج المستعمر المتجبر في زمن الاحتلالات المتوالية منذ قرون ماضية سواء من قبل الفرس او المغول ا الأتراك او الانكليز او الأمريكان في هذا الزمان .

نريد القول ان الكاتب وكحال اغلب كتابنا يسهبون في التوصيف للظواهر والأحداث دون الغوص في بحث أس الظاهرة وجذورها في بنية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية القائمة في الزمن المحدد .

فحين يرى ابن الأثير الحي المراقب في العصر الراهن ان ظاهرة (الفر هود في زمن الصيهود) ممتدة منذ قرون غابرة ولازالت لحين التاريخ، يجب ان يظهر الراوي هنا طبيعة السلطة الغير متغير فلا زال بيد أقلية من الإقطاعيين وأشباههم في زمن الخلفاء ومن ثم بيد (الاقطوازية) من بقايا الإقطاع والبرجوازية الطفيلية، هذه الطبقات المأزومة في دولة الخراج او دولة الريع البترولي، وعدم تطور قوى الإنتاج في حين يزداد قطاع الاستهلاك ويتغول بشكل مستمر، مما سيشبب العفن والركود في بنية المجتمع، السلطة تمسك بمصادر الثروة توظفها لتنمية أجهزة القمع ورشوة حواشيها من العسكر وشيوخ القبائل على حساب جوع وقهر الطبقات الفقيرة والمهشمة التي لا تملك سوى الخضوع لهذه القوى التي تبدو منزلة من قوة جبارة لا يمكن قهرها، فتنجرف في طريق الخرافة والتسول الأخلاقي وسلوك طرق الفهلوة والاحتيال والثعلبة والقردنة من اجل ان تخطف لقمة العيش من أفواه من يشاركها القهر والظلم ...

وهنا يبدو لي ان لا معادل موضوعي لنمو مسخ في بطن امرأة فلاح بسيط او صياد فقير يعيش في الاهوار ليكن سارقا وهو في بطن امه، ليكون هذا المسخ ابن الطبقة الفقيرة المعدمة وليكون بالتالي قائد الادارسة قادة كل قوى الشر من النهابين والسلابين، والسراق، والمزورين، والقتلة؟

دون ان يكون هذا المسخ ابن الطبقة الإقطاعية التي زورت تاريخ وملكية الأرض في بلاد السواد:-

 (ثمة رجل أيام العثمانيين استل ورقة من ملف،خبأها أياما، في الأخر حين قرأها مزقها، كان ينقذ الأرض من أسرها، الورقة مهرة بخاتم الخليفة، وتعد هذه أراض أميرية، وقف ليجوز بيعها او حيازتها، هو استل ورقة اخرى ومهرها بطريقة ذكية فاستوصى على ارض السواد من يومها صارت تباع وتشترى وتؤجر) ص138 .

وقد حول إتباعه من الحكام والقطاعين هذا المزور الكبير الي مقدس مبجل يعبد حتى لا تكشف سرقاته ويفتضح أمره

 (فلا يمكن لسارق ان يكون ألها) ص138.

وها هو الآن ألها ومقدسا وحاكما وممسكا بصولجان الحكم ومفاتيح الخزائن البترولية ...

 افليس الأجدر والأكثر قناعة ان يكون ابن السارق الإقطاعي والملتحي والمزور هو (المسخ) الذي مارس السرقة وهو في رحم امه؟؟

التاريخ المنطالب ونتمنى ارض السواد هي ارض أميرية اتفق على ذلك الخليفة عمر بن الخطاب والإمام علي في وقتها ولا احد يمكن ان يشكك في هذه الواقعة، ورغم ذلك يدعي الأدعياء من كبار الإقطاعيين ان الأرض ملكا لهم ولأجدادهم في الوقت اللذين هم من المغتصبين والمتجاوزين ظلما وقسرا على ارض السواد ملك من يزرعها ويرعاها !!!

 إننا نلمس من خلال العديد من الروايات وكتابات بعض الأدباء والكتاب إدانة كبيرة ظالمة للفلاحين والصيادين الفقراء اللذين يهجرون الريف بسبب جفاف الأنهار وظلم الإقطاع ويتوجهون الي المدن طلبا للعمل وكسب لقمة العيش ... ذنبهم الوحيد أنهم جياع مشردين حكم عليهم بالضياع في ظل حكم الإقطاع المسند من قبل سلطة الدولة وسلطة (الدين)، وبما ان دولتنا ريعية فلا يجد هذا المشرد عملا منتجا في المدينة مما يجعله يتحول إما الي أداة بيد السلطة لقهر أبناء طبقته ا والي محتال وسارق ومشرد، بالضد مما حصل في بلدان العالم الأول حيث تم احتواء هذه الأيادي المهاجرة من الريف في المعامل والمصانع والعمل المنتج حتى وان كان تحت ظروف قهرية ولا إنسانية، ولكن هذا العالم اخذ يشعر بذاته ولذاته، واخذ يصطف مع أبناء طبقته في النقابة والمنظمة المهنية للمطالبة بحقوقه، وقد أعطته الطبقة البرجوازية المنتجة في هذه البلدان جزءا من حقوقه لأنها بحاجة الي صوته وتضامنه في كفاحها ضد الطبقات الإقطاعية وطبقة النبلاء وهي تناضل من اجل انتزاع السلطة منها، ليس كما يجري في بلداننا لعدم وجود طبقة برجوازية وطنية منتجة تحتوي هذه الأيادي الطالبة للعمل مما يعرضه للضياع وإبقائه كالاشنة في مستنقع الجهل والأمية والبطالة ومسخ الذات .

مما يجعلنا نطالب ونتمنى على كتابنا فهم ومعالجة هذه الظاهرة بعين العلم والإنصاف وليس بكيل تهم الإدانة وإحكام ظالمة ضدهم ....

سرقوا الأرضم ضمن معادلة (من يحوز ومن لم يحز) ص143 وهو التقسيم الحقيقي للمجتمع والذي يجسد طبيعة الصراع بينهما كفريقين متصارعين مدى التاريخ حتى تتحقق المساواة والعدالة والتوزيع العادل للثروة، وإعادة (أطنان الذهب) المسروقة الي أصحابها الحقيقيين من أبناء الشعب المظلوم شريكهم في الثروة .

فقد سرقوا الأرض في ختم مزور وسرقوا النفط بقوة أسيادهم من الاستعماريين اللذين نصبوهم أسيادا وبإسناد أصحاب العمائم من مختلف الألوان والإشكال .

(احمر حانة) رواية مميزة:

اتبع الكاتب المبدع أسلوبا سرديا متميزا من خلال (24) عنوانا فرعيا، وقد استهل الرواية بنهاية وخاتمة الرواية، تنقل بين مختلف مستويات الروي غير متقيدا بالتسلسل الزمني الخطي للروي كما في أغلب الروايات التقليدية، توزع بين شخصيات رئيسة وفرعية متشابكة الأفعال والمهام، تتطلب تركيز كبير وتجربة لقاريء غير عادي لسبر اغوارها ومتابعة إحداثها والفصل بين شخصيتها التي حملت نفس المسمى مما يثير الالتباس بين الأفعال والأقوال، خصوصا وان الكاتب اصطحب معه أهوال الواقع وضجيج الأسواق، وجمع بين الحوت الطائرة، والحمير الناهقة، بين لحى بهية وتهتك تسوي، بين أطنان الذهب وأطنان القمامة، جمع بين نقيق ضفادع الاهوار المتغضنة الجلود وبين ارض الموصل وأضرحتها المجرفة، جمع بين حداثة الراهن، وكهوف الماضي، بين مفرقعات ومتفجرات الحاضر وصنادل الماضي السحيق....

امتلك الكاتب المبدع ثروة لغوية، وخيال خصب، وحنكة في إمساك خيوط السرد رغم تشابكها الشديد، ليخرج لنا بإبداع روائي يستحق القراءة بعقل منفتح وتركيز خاص لنتمكن ان نرافقه بوعي ضمن تحولاته وتنقلاته في مستويات روي متعددة ...

رواية تقرع لنا أجراس الخطر القادم، لنشد أحزمة الأمان، ونستنفر كل مخزوننا الكفاحي والنضالي الإنساني لكي لا نسمح للعث وعصابات الادارسة وفساد ال (دانيال) بان تمهد الطريق لجنرال ديكتاتور سوف يحرق الأخضر واليابس ...ان نعي صرخته الكبرى وهو يقول:-

(لايمكن لسارق ان يكون ألهاً)، فاسمعوا وعوا، وانتبهوا الي ما تعبدون

 انزعوا عصائب التضليل والتجهيل واقرؤوا واقعكم بعين العاقل المتبصر وليس بعين الجاهل المتقهقر .

لاشك ان الرواية تحتمل المزيد من التحليل والتأويل، بالتأكيد سيلقي الأحبة النقاد عليها أضوائهم لإنارة المزيد من جوانبها الأخرى .

ahmad alkhozaiتميز أدب ما بعد التغيير في العراق (بعد 9-4-2003) بغزارة الأنتاج، شعراَ، وسرداَ (رواية وقصة قصيرة)، وبتعدد الأساليب والمدارس الأدبية، وتباين المستوى الفني والجمالي بين النصوص المطروحة، وتفرد السرد بأحتوائه على نسبة كبيرة من الصدق والحقيقة، كونه يحاكي الواقع العراقي، بلا محاذير أو بوابات سوداء، اضافة الى كونه قد تحدث عن المسكوت عنه لعقود، غير ان هذه الفوضى الأدبية التي تجتاح الساحة الثقافية العراقية، لا تشكل برأيي حالة سلبية، بقدر ماهي تعبير لمخاض أدبي ناتج عن الأضطراب السياسي والأمني والأجتماعي، الذي يعيشه عراق ما بعد التغيير، وهو وليد ظرف استثنائي سيترشح عنه في نهاية المطاف، صفوة من الكتاب قادرين على تمثيل السرد العراقي بالصورة التي تليق بتاريخه المشرف.. ومن هذا المنطلق سعت الرابطة العربية للاْداب والثقافة فرع بغداد، الى رفد الساحة الأدبية العراقية بنتاجات أدبية عبر طباعة مجاميع قصصية، كان أولها (هزيز الفجر) .. وصدر لها مؤخراَ المجموعة القصصية (بوح النواعير ) التي أشترك فيها ثمانية عشر كاتبا عراقيا .. كانت مشاركة المرأة فيها متواضعة، فقد أتسمت نصوص المشاركات الثلاثة، بالبساطة والأسلوب التقريري المباشر، والثيمات المستهلكة، نزعت في معظمها الى الطابع التربوي، وأفتقادها الى الكثير من تقنيات السرد، وهذا الضعف في النصوص ينسحب أيضا على بعض النصوص الذكورية المشاركة في هذه المجموعة .. يقول الناقد توما تشفسكي (ان وظيفة السارد هي تحويل الحياة الفجة الى صورة فنية) ..لكن بعض نصوص هذه المجموعة لم ترقى الى مستوى هذه المقولة، وأقتربت من  ما اطلق عليها الناقد ياسين النصير (الواقعية الساذجة) .. ويبدو ان بعض كتابها لم يطلعوا على الأساليب والتقنيات الفنية أللاْزمة لكتابة نص أدبي، حيث أفتقدت نصوصهم الى (الأختزال، التكثيف، الوصف، التشويق، عنصر الصدمة، الحوارات المقتضبة الموحية، الثيمات المبتكرة) .. يعرف جيرالد برنس الحدث السردي (هو سلسلة من الوقائع المتصلة، تتسم بالدلالة، وتتلاحق من خلال بداية ووسط ونهاية) .. لكن النصوص التي أشرت اليها لا تحمل من القصة سوى البعد الأرسطي (البداية والوسط والخاتمة)، وغاب عنها البعد الدلالي للحدث.. وهنا أود الاشارة الى جزئية مهمة وهي، ان العالم بأسره يعيش عصر التجريب في كافة مرافق الحياة، من علوم واْداب وفنون، وكل المنتج السردي العالمي  يدور في فلك التجريب، وكما قال الدكتور علي جواد الطاهر (سيبقى العالم بأنتظار المنجز السردي العظيم)، وأن مهمة النقد في الأدب، النظر بعين الطائر للنص الأدبي، والسعي الى تقويمه وأبراز مكامن الخلل والنجاح فيه .. وما ذكرته ماهو الا محاولة لدفع هؤلاء الكتاب الى مزيد من المثابرة والأطلاع ، للتمكن من أدواتهم السردية مستقبلاَ .

غير أن (بوح النواعير) قد أحتوت على نصوص ناضجة رصينة لأسماء لها بصمتها في القص العراقي الحديث، أستطاعت نصوصهم من احداث توازن داخل المجموعة، وأنتشالها من فخ الرتابة .. وسأتناول بعض من هذه النصوص:

1- (العيادة) صالح جبار الخلفاوي: نص ناضج مفعم بالدوال الحسية والمادية، لغة أنيقة مع عملية تبئير لجزئية مهمة من الواقع العراقي، تحكي قصة ممرض أستغل عيادته الصغيرة لتلبية رغباته الجنسية، مع نساء محبطات متمارضات لكثرة الأرهاصات النفسية اللاْتي يعانينها، نتيجة الحروب والأزمات والانتكاسات، ومن ثم يصور لنا القاص، ما تعرض له البطل من قبل بعض المتشددين دينياْ نتيجة عمله هذا، أستخدم تقنية التداعيات وأستثمرها بشكل جيد لخدمة ثيمتة نصه.

2- (فراشات النار) عبد الحسين رشيد العبيدي: أرهابي يحاول تفجير نفسه وسط حشود من الناس، فيعدل عن قراره هذا ويرمي حزامه الناسف في حاوية للنفايات.. كان ايقاع الحدث سريعاَ متسلسلَا، بطريقة تحدث نوع من الموائمة بين حركة البطل ومشاعره المستنفرة في تلك اللحظة، مستخدماَ أفعال ارادة بصورة متتالية (أستقل، أرخى، حول، أشعل، أحرق)..  ثم ينتقل بالسرد الى أفعال توجس وخوف، تفضي الى قراره بالعدول عن تفجير نفسه (يلتمس، يختبأ، يعجن) .. وكان للعنوان رمزيته للتعبير عن العلاقة الجدلية بين الفراشات والضوء، وهي علاقة قريبة للعلاقة التي ربطت البطل بالموت وفق مخيلته المتطرفة.

3- (رجولة امرأة) عبد الله عبد الحسين الميالي: يمنح هذا القاص نصوصه طابعا مسرحياَ ثورياَ، على غرار مسرح ( برشت) .. من خلال نوع الخطاب السردي، وواقعية الثيمة التي يختارها لنصوصه، وطبيعة اللغة المستخدمة ذات الطابع الحماسي، والتي تحمل بعدا وطنياَ كبيراَ، وهذا ما عبر عنه في نصه الذي يحاكي قصة امرأة من محافظة تكريت تصدت للارهاب ببسالة وصبر، حين أجتاح مدينتها.

4- (النشالة) علي البدر: على الرغم من ان كاتب هذا النص حرص على منحه مسحة واقعية، من خلال استخدامه للأسماء والأشارة الى الاماكن، الا أنه حمل رمزية تشير الى الأرتباط الفطري للانسان بأرضه، لذلك جعل من أبطاله مشجباَ علق عليه أرائه ومشاعره اتجاه وطنه، كان نصاَ جميلاَ،  يخوض في غرائبية وعوالم ساحرة (سفن، حياة البحارة، مدن تعيش على هامش الحضارة، شخصيات استثنائية).. وظف لها مشاهد وصفية غاية في الاتقان.. سفينة (النشالة) التي تنقل الماء العذب من موانئ البصرة الى الكويت، كانت محوراَ لثيمة أستحضرها القاص من التراث، ليصنع لنا مادة غنية بدوالها وعبرها الاَنية.

5- (لقاء اخر) فاضل الحمراني: نص تجاوز حدود الزمان والمكان، وأبحر بالماضي القريب، أستخدم فيه القاص تقنية الارتداد، عبر تداعيات نفسية وأرهاصات عاشها البطل وهو يعيش لحظة ندم ووحدة قسرية، فرضتها عليه حياته العبثية التي تسببت بموت أبنته الصغيرة، وهجر زوجته له، مستخدماَ الوصف الأدائي، والتكثيف في تصوير المشهد الرئيسي للنص، وهذا الأسلوب تميز به القاص كونه كاتب قصة قصيرة جدا متمكن من أدواته.

6- (عروس شنكال) فلاح العيساوي: نص يحاكي مأساة الايزيديين الذين تعرضوا للقتل والتهجير والسبي على يد الارهاب، يبدأ النص هادئاَ،  بلغة جميلة منسابة، ووصف دقيق وجميل للمشهد، يوحي بجمال وروعة المكان، والألفة التي يرتبط بها الناس معه (مكان أليف).. ثم يتغير ايقاع النص نحو السرعة والأرباك والخوف، ويتحول المكان الى (مكان عدائي) حين تهاجم داعش قريتهم، مما  يجبر البطلة وحبيبها الى الهرب نحو جبل سنجار طلباَ للأمان، لتنتهي القصة بمقتلهما .. ان هذا الأنتقال السريع في ايقاع النص، ورمزية المكان، تنم عن قدرة أمتلكها القاص في التحكم بأدواته السردية، وخبرة تراكمية أكتسبها نتيجة مثابرته على كتابة القصص القصيرة منذ عدة سنوات.

7- ( نزوع مر) كامل التميمي: نص يسلط الضوء على جدلية تعلق الانسان بأرضه البكر، أستخدم القاص تقنية الأسترجاع، ليستحضر ماضي البطل في ثنايا حاضره، كان نصاَ مفتوحاَ، بلغة أنيقة بعيدة عن التعقيد، وتراكيب لغوية حداثوية موحية خدمت ثيمة النص، وظف له القاص خبرته في عالم السرد، وتمكنه من تقنياته (الارتداد، المنلوج الداخلي، القفز، التلخيص، الوصف).. رجل يستذكر حياته الماضية مع أرضه وأهل قريته، ورمزية (الشجرة العجوز) كما أطلق عليها، التي كان يجلس تحتها في شبابه مع بعض سكان قريته القديمة، والتي تحولت الى جسراَ مكانياَ وزمانياَ، ربطته بهذا الماضي الجميل.

8- ( باب الطلسم) مزهر جبر الساعدي: نص تاريخي يحكي قصة سقوط بغداد بيد المغول.. يمكن ادراج هذا النص ضمن (المنهج التاريخي) في كتابة القصة، يقول الناقد الجزائري سعيد علوش (ان خوض الفن القصصي في التاريخ، هو عملية مواجهة للواقع الذي مضى بواقع حاضر، مغذيا تطور حدثيته، أنطلاقا من اعادة تكوين الواقع بمادة رمزية كتابية).. وهنا نجد ان القاص قد تماهى مع هذا المفهوم النقدي، حين أسقط التاريخ، وجعله رمزية لحال بغداد بعد الأحتلال، والفوضى التي خلفها ورائه.

9- ( أفول) ياسين خضير القيسي: نص مفتوح يحمل دوال رمزية لأرض غطتها الثلوج لسنين طويلة، لتشرق عليها الشمس فجأة .. لكن سرعان  ما عاودتها الظلمة والثلوج مرة أخرى، انها محاكاة سردية للواقع العراقي قبل وبعد التغيير، كان القاص متمكناَ من لغته ويمتلك أحساس شاعر، حتى بدت قصته أشبه بالقصيدة النثرية.

 

احمد عواد الخزاعي

 

المكائد والمصائر: تدور أحداث الجزء الاول من المسرحية حول وقوع نقيب الاشراف "عبد الله" في مكيدة دبرها له عدوه اللدود " المفتي " وذلك بإرسال احد اعوانه الى قائد الدرك " مسؤول المحفز " ليخبره بالمجون الذي يقترفه نقيب الاشراف مع (وردة) الزانية، ولأن قائد الدرك من اتباع المفتي فانه بسرع الى إلقاء القبض على الاثنين وهما متلبسين، حينها يدور قائد الدرك بالاثنين وهما عاريين الا مما يستر والراقصة مرتدية ملابس نقيب الاشراف وعمامته ليحدث ذلك ثورة عظيمة من الاراء بين افراد المدينة، يصل الخبر الى المفتي فيتظاهر بالغضب ووجوب انقاذ نقيب الاشراف، ويذهب الى بيته فيدور بينهما حوار عنيف ينتج عنه قبولها بالذهاب الى السجن بدلا من الزانية لكي يصل كشاف الوالي الى السجن فيجد النقيب وزوجته ويكون قائد الدرك هو المذنب باعتدائه على حرمات اشراف البلد، وتنتهي المسرحية بسجن قائد الدرك وطلاق (مؤمنة) زوجة نقيب الاشراف . يسترسل سعد الله ونوس احداث المسرحية في جزئها الثاني حيث تتحول مؤمنة الى الماسة احدى بنات الهوى اللاتي يعملن لدى وردة لتكون معشوقة الجميع فتضرب عرض الحائط كل الاعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة آنذاك وتكشف عن حقائق عميقة في حياتها حول حقيقة والدها الشيخ الذي كان المعلم الاول للفسق وتخرجت على يده معلمتها الحالية واخيها البكر كذلك عن المفتي الذي هام حبا بها ثم الوالي وهكذا تتوالىالاحداث ليكون التحول المصيري واضحا فالعفصة صديق عباس يتحول الى رجل متصوف يبحث عن الطهارة والشيخ محمد الحزاز والد مؤمنة يصبح رجلا يخاف الله ويخاف نتائج الفسق والمفتي الافعى يصبح عاشقا لمؤمنة او الماسة الا انه يقضي على عشقه في اقراره القضاء على الفساد والفسق المتمثل بمؤمنة والوالي العادل يتحول الى رجل تتلاعب فيه اهوائه ورغباته فيتوقف القضاء على المفسدات بكل صورها والتي اقرها المفتي ويعفيه عن منصبه اما مؤمنة التي تحولت الى فاسقة وزانية فانها تقتل على يد اخيها صفوان .

تغني وردة بصوت ناعم وتتمايل أمام عبد الله وتتلوى كالأفعى الناعمة بكل إغراء ومجون، وتنطلق كلمات الأغنية من فمها بتأوه ودلال " ان كان قصدك بنهودي .... قم هات الدربكة والعودي.... لنيمك على زنودي .... وعلمك على شغل العود" ليمثل الرقص والغناء احتفالية تدمج الثقافة العليا المتمثلة بشخصية مرموقة من شرفاء المدينة وأخرى ثقافة دنيا تجسدها بنت الهوى وهذا الدمج يعمل على كسر الحواجز بصيغة جميلة، أما الدربكة والعود والرقص يمثل الفوضوية المفرطة والمجون والشهوة الجسدية التي تسحق تحت أقدامها كل الأعراف الاجتماعية السائدة في المجتمع بلغة مشوبة باللهجة العامية فتحدث تحولات شديدة في الجو العام الذي يعتاشه عبد الله مع وردة تجعله بمركزه المرموق يذعن لأوامرها وهي الإنسانة الرخيصة والمنحلة في نظر تقاليد وأعراف مجتمعها ساحقة بذلك الحواجز الطبقية التراتبية اجتماعيا وسياسيا، لترسم الكرنفالية صورة لالتقاء الثقافة الشعبية بالرسمية دون أي تمايز ومسافات فاصلة، والحوار التالي يمثل اتصالا حرا بعيدا عن التكلفة في كل شيء " وردة: ارفع هذا الحاجز أولا ... عبد الله: أي حاجز يا حبة القلب... وردة: حاجز الهيبة والوجاهة"، فهي بطبقتها الدنيا بحاجة إلى رفع الحواجز والتكلفة ليكون اللقاء احتفالا ماجنا يجمع بين التضادات في مكان واحد وفي لحظة راهنة هاربة من التقاليد والقوانين الأرضية والسماوية فترتدي وردة العمامة الخضراء وبقية ملابس عبد الله لتكون قناعا لرجل وجيه بجوهر امرأة زانية فتمارس الأقنعة الكرنفالية دورها في طمس العلامات وتحركها لتتوالد مدلولات أخرى حين يفرز الدال عن واقعه الأصلي إلى واقع غريب حينها يبدأ الخلق وإظهار الباطن " وردة: اين العمامة الخضراء؟...عبد الله: إنها علامتي يا وردة...وردة سأضع علامتك على راسي وأزين بها رقصي" فنرى العمامة الخضراء رمز القداسة وهي تعتلي هامة راقصة زانية مبتذلة فيرتبط المدنس بالمقدس في لحظة راهنة تنقلب فيها الموازين حيث لا نظام ولا قوانين وهذا ما تنشده الكرنفالية، وتبرز هذه الجمالية الاحتفالية الفوضوية في حوار عباس والعفصة وسمسم المستخنث الخارج عن القوانين السماوية في مجلس شرب العرق، فحينما نادى سمسم للجلوس إلى جواره رفض حفصة ذلك لأنه نجاسة فأجابه عباس بكل فوضوية " من يسمعك يظن ان مجلسنا في الكعبة"  فقد سخر وأهان الأعراف الدينية بلفظه لأقدس مكان ديني بفم تفوح منه رائحة العرق، وتستمر السخرية بتحرر نقيب الأشراف حيث ينسق القيم الرسمية بما يتجاوب ورغباته وأهوائه، فيضحك ويرقص ويمشي على الأربع حاملا وردة على ظهره وكلما تسقط العمامة من على رأسها يعيدها ويستمر بالنقر على الدربكة ويتلوى أمامها كماجنة، ليكون ذلك المشهد محاكاة ساخرة للقداسة ورجال السلطة والقوانين والأعراف، " عبد الله: الله اكبر ..تعالي اركبي فوق ظهري افعلي بي ما تشائين يا الله ما أخفك، حرير دافىء يسترخي على ظهري، ألكزيني كي اشعر انك جسد لا غيمة " ، يدخل عزت (قائد الدرك) على الاثنين فيشوب الجو شيء من الإرباك والتردد لتوجه الإهانة من الأخير الى نقيب الأشراف بل الى جميع أشراف الدولة لتمثل سخرية من السلطة ورجالها والأفكار السائدة وكل ما هو رسمي مبجل وثابت، وفي هذه الإثناء تهرع وردة لترفع العمامة من على رأسها فيخاطبها قائد الدرك " لا يا خانم دعيها على راسك يبدو إن السيد عبد الله أهداك نقابة الأشراف وعليك ان تتقبلي الهدية ...لا أرى أمامي إلا نقيب الكيف والزنا ..ستتفرج عليك الشام ونت تتبخترين بثياب النقيب " رسم موكب البغل الذي يحمل نقيب الأشراف مقيدا وراءه وردة بثيابه وسط رجال قائد الدرك وهم يركبون خيولهم صورة لأعظم مظاهر الفوضى والسخرية من رجال السلطة وارتداء وردة لتلك الملابس إنما هي سخرية من التاريخ والثوابت والسياسة الطبقية والقيم الرسمية وجمع المتضادات منشدة بذلك ثورة عارمة على الفساد الذي تغوص فيه السلطة مما يجعل الحياة مضطربة الحركة الجماعية التي تتعالى فيها الأصوات وتتعدد بشكل جمعي، فيكون التفكير بصوت مرتفع حيث تعالت أصوات الناس في إهانة النقيب والبصق عليه والاحتجاج على منصبه فهي أصوات تنشد تغيير الواقع الفاسد " عجبت الناس  وانهال على عدوك الصغير بالبصاق واللعنات " لتكسر المراتب والتوازنات والنظام فبدلا من ان يستقبل الناس نقيب الأشراف بالطاعة كان ذلك الاستقبال المهين من نصيبه، وتبرز المتضادات في حوار المفتي بعد إن سمع الخبر " أيسركم أن تهين مرتزقة الدرك أشرافكم،،،يجعلوا الصغار يتطاولون على الكبار والأوغاد على الأشراف "  وكذلك في حوار مؤمنة مع زوجها " هل الفرق بين الزانية والزوجة طفيف إلى هذا الحد"  لتقيم الكرنفالية بكل جمالية حوارا حرا للأطراف المتضادة والمشاركة في المكان والزمان في لحظة راهنة جمعت بين المرتزقة والأشراف، الكبار والصغار، الزوجة والزانية، لتولد اللحظة قوة هائلة تمكنهم من ازالة الحواجز والتحرر منها بارتفاع أصواتهم وحرية أفعالهم دون أي تكلفة وهذا هو جوهر الكرنفالية، كذلك أكثر المؤلف من العبارات القبيحة والمهينة لإحداث تحولات في الجو العام ونشر الفوضى حتى في استخدام العبارات والألفاظ ويبدو ذلك جليا في حوار المفتي مع أعوانه " هو يخرأ وعلينا نحن أن نمسح خراءه "  وحوار عباس لسمسم " انت يا ابن اللوطية ما معنى هذا الغمز واللمز "

وصل العفصة إلى اللحظة الراهنة التي نقلته من عالم كتمان الرغبة والتخوف من العادات والتقاليد السائدة في المجتمع والدين إلى الغوص في أحضان الرغبة والعشق المحرم والعلاقات الاجتماعية الغير سوية " عباس : إذا كنت طيعا ومرضيا سأكون خيمة تغطيك وتحميك (يدفن العفصة رأسه في حضن عباس) العفصة : سأكون كما تشاء .. انصب خيمتك فوقي وسأستريح " وهذا يتم عن شهوة عارمة عن خطيئة يغوص فيها الاثنين تتعارض مع التقاليد والقوانين الاجتماعية السائدة، ثم يصل الأمر إلى الاستحواذ على شجاعة مخربة مهولة فيرتفع صوته عاليا معلنا عشقه لعباس في الجزء الثاني من هذه المسرحية لتعلن الكرنفالية سطوتها على هذه الشخصية فيحدث تغييرا عظيما في الشكل الخارجي لها نتيجة لثورة عارمة حطمت في داخله كل القوانين السماوية والأرضية ليعلن تحوله ويواجه مجتمعه بشوارب حليفه ووجه ناعم يميل إلى التخنث وحركات ملتوية وكلمات عشق لاذعة ومهيجة " العفصة : لا تجعلني ابكي أردت أحلو في عينيك لاحظت أن ولعك يخف وانك تبتعد عني .. اني علق لك وأردت أن تعرف اني تحولت وان لدي الشجاعة كي أعلن تحولي وأواجه الناس به "  وتضيء الكرنفالية قناديلها في أحداث التغيير وإعلان التحول في شخصيتها بلحظة راهنة تتحول فيها مؤمنة الشخصية الملتزمة الوقورة ابنة الشيخ المؤمن إلى زانية ترقص في سجن عبد الله لا لإنقاذه بل لتحقيق حلما طالما راودها لتكون البداية متعثرة ومرتبكة وخشنة لكن سرعان ما تلين وتنعم لتكون ولادة كرنفالية جديدة تكسر كل الحواجز والأعراف والقداسة والطهارة لتتحول إلى زانية ـ في الجزء الثاني ـ تسكن دار وردة لتكون إحدى فتياتها العاهرات " تبدأ مؤمنة بالرقص في البداية تكون حركاتها مرتبكة وخشنة ثم ترق وتزداد إيقاعية وجمالا " .

دقت الكرنفالية طبولها في السخرية من رجال الدين والتاريخ والثوابت في كشفها حقيقة الشيخ الجليل والد مؤمنة في كونه مربيا جيدا للفسق وعالما بطبقاته ومراتبه، فقد كان معلما متقنا لعمله بحيث خرج وردة من مدرسته تلك الأفعى التي تلتف حول الأغنياء فتمتص دمائهم القذرة وتجعل كل منهم دوابا لخدمتها وخدمة رغبتها وشهواتها " وردة : كان الشيخ الجليل يلحظني بعناية كان يفسق بي ويعلمني طبقات الفسق ومراتبه"، وتزداد طبول الكرنفالية قرعا في شخصية مؤمنة التي تتصارع الأضداد في شخصيتها، بين الزوجة الفانية، بين القانون الاجتماعي والرغبة العارمة المحطمة له بين الرعب واللذة لتكون الولادة الجديدة إعلان الحلم، حلما طالما تمنت تحقيقه لكنه كان يختبأ بين طيات الخوف والقوانين الأرضية والسماوية "مؤمنة:الزوجة الفانية والغانية ـ الزوجة هذا تلاعب لطيف وخطير جدا ـ يرعبني السقوط ويغويني في الوقت نفسه وبين الرغبة والرعب اهتز اهتزاز الأشجار في اليوم العاصف هل تصدق معظم أحلامي هي هذا المزيج من الرعب واللذة "  فحينما يزداد قرع الطبول تزداد محاولات مؤمنة للخلاص من الحواجز التي تفصل بين المقدس والمدنس لتنتقل من الطهارة والهيبة والحياء والعناقات الزوجية المقدسة شكلا والمخنوقة موضوعا ليكون ما يجمع بينها وعبد الله عقدا يمثل القانون وسكنا يخط نظاما اجتماعيا مقدسا، فهذا التضارب يغني رغبتها في الخلاص من كل ما يبقيها معلنة بذلك رغبتها في الحرية " مؤمنة: ما كان بيننا إلا العقد والسكن وتلك العناقات المخنوقة تحت ثقل الحياء والهيبة والطهارة ... لو حاولت أن فكر في زواجنا لما تذكرت إلا الصمت وبعض المظاهر ولزوجة تلك العناقات " فيبرز الاشمئزاز والقبح وكل الأشياء المقدسة في لزوجة العناقات فمن المعروف إن عناق الزوجين يضم كل معاني الحب والتقارب والهيام . وبعد أن يزداد قرع طبول الكرنفالية علوا وصخبا تتفجر هذه الشخصية في ولادة بعد مخاض طويل لتصرخ دون أية تكلفة متحدثة عن يوم زواجها حينما أجلسوها على الكرسي وملؤها وصايا في غض طرفها وخجلها من زوجها والآخرين ويتضاد في داخلها رغبة بالتمرد م كل هذه القيود والانتفاض ضد كل ما يمنعها عن إعلان أسرارها ورغبتها في الرقص والابتهاج بل هي رغبة في تمزيق ثوبها والقفز في حركات راقصة مع الإيقاع يمثل ذلك سخرية من تاريخ مؤمنة ومن حولها لتولد انتفاضة بالتغيير وإعلان الحلم بعد ان كسرت حواجز الحياء والهيبة والطهارة لتولد زانية راقصة وأمراة قوية تطالب بحقوقها وتعلن رغباتها مهما كانت في تعارضها وتضادها مع القوانين الأرضية والسماوية ودون أي تكلفة فتواجه والدها بحقيقته المسكوت عنها حقيقة الشيخ مربي الفسق وتواجه الجميع بكل وقاحة وجرأة فهذا ما تنشده مؤمنة من الحرية لتمحو به كل الوصايا والأعراف والتقاليد والدين والنظام بل حتى التاريخ الذي تحتفظ به لسنوات " في لحظة سقوطي سينبت من مسامي ريش ملون من جذور نفسي سيطلع الريش مزدهرا ومكتملا وسأحلق في الفضاء كالطيور والنسائم وأشعة الشمس ... أمراس مجبولة من الرعب والحشمة والعفة ومشاعر الدنس والطهارة من المواعظ والآيات والتحذيرات والأمثال ووصايا الأسلاف صفائح فوقها صفائح ويذبل الجسد في داخلها ويضمر... أول المقامات في رحلتي هو ان ارمي وراء ظهري معاييركم ينبغي أن أتحلل من أحكامكم ونعوتكم ووصاياكم كي اصل الى نفسي "، " مؤمنة : أتحدثني أيها الرجل التقي عن التربية هل تعرف ما هي النار التي وشمت جسدي وأنضجته قبل أوانه إنها نار شهوتك ... وهل كان إبليس هو الذي يعلم الخادمات طبقات ومراتب الفجور ويفضهن قبل البلوغ " فتجتاح ثورة الكرنفالية شخصية مؤمنة لتنتفض باحثة عن ذاتها آملة في التحرر من المستنقع الذي صنع عورة هشة تنتهكها فيه الكلمة ونظرات المفترسين كالزواحف التي تنهش الفرائس في المستنقعات " مؤمنة : أنا يا شيخ قاسم قررت ان اخرج من المستنقع النتن وأصير بحرا لا ينتن في الدعارى سأخلع عني صفة العورة وشرطها وسأنحدر خارج حدود الخوف والانتهاك ... لم يعد مهم بالنسبة لي ان يفهمني احد...المفتي : انك تقلبين مألوف حياتنا ونظامنا ومستقبلنا"  وهذا ما تربو إليه الكرنفالية العيش بالمقلوب لتمثل مؤمنة عالم تحدي ومشاركة إنسانية تلقائية وثورة عارمة ضد كل ما يقيد الحرية فتحدث هذه التحولات ثورة وشيء من الفوضى والجنون طالما نشدته الكرنفالية "إبراهيم: اشعر بالحصر وان حياتنا مقبلة على الفوضى والجنون"  فالماسة في مؤمنة بشخصها الآخر المضاد والمقابل الخارج عن القانون والنظام الثائر ضد الحياة الاعتيادية والمغمور بالهوس والشهوة والجنون تنشد الكرنفالية التحول والتغير المستمر والانتفاض والثورة، والعفصة يتحول من رجل قوي له شخصيته وقراراته الصارمة إلى مخنث ناعم رقيق وعاشق معلنا رغبته وسط الملأ أما مؤمنة المرأة ذات الهيأة والحياء ابنة الشيخ قاسم التقي وزوجة سيد الأشراف تتحول إلى الماسة الزانية تلميذة وردة فيقع في حبها الآخرين أمثال المفتي والوالي وصارت تضرع الشوارع بحثا عن الصخب والفوضى والشهوة بعد أن كانت تقبع في بيتها المقدس قانعة بما كتب لها حتى بيتها أصبح مدنسا وسيرتها تتحاورها الألسن في كل مكان وزمان وعبد الله الرجل اللعوب معاشر البغايا يتحول إلى رجل متصوف ومعلم الفسق والد مؤمنة يتحول إلى رجل يخاف الله ويرجو رحمته أما المفتي رامي الشباك للآخرين فقد تحول إلى فريسة ضعيفة بين يدي الماسة (مؤمنة) هكذا تتلون الحياة بشخصياتها وتتغير فلا حقيقة ثابتة والجميع في صيرورة لتولد حياة مقلوبة وعالم معكوس ذو سمات جمالية تزيح كل ما ينظم ويقنن الحياة الاعتيادية لتقع القوانين خارج الحدود الجمالية للكرنفالية.

 

د. أمل الغزالي.

 

bakir sabatinشعر "الهايكو" آخذ في الانتشار السريع ليشق طريقه في المشهد الثقافي الإنساني وخاصة العربي باقتدار، ولعل بساطة "الهايكو" وقدرته على تحمل اللحظة التذكارية المبسطة في الشكل؛ قد أغوت جيلاً جديداً من الشعراء الذين وجدوا ذواتهم في هذا اللون الجميل من الشعر المفخخ دون تكلف في المشاعر، فهي لقطة تذكارية يأخذها العابرون معهم في زحام المدن كي تضيء لهم شيئاً في الذاكرة.

وشعر الهايكو في الأصل هو نوع من الشعر الياباني، يحاول الشاعر من خلال ألفاظ بسيطة تسجيل مشاعره إزاء لقطة عابرة لا تستغرق طويلاً شكلاً ولا مضموناً.

تتألف أشعار "الهايكو" من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا ب(اليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة، خمسة). ومن الملاحظ أن التعريف ذكر أرقاماً تتعلق بعدد الأسطر والمقاطع وتوزيع الكلمات على أساس الرقم الفردي. وهي أيضاً ترتبط بالأعمار والمواسم ومن ذلك الاحتفال بمراسيم:- شيتشي (سبع سنوات) – جو (خمس سنوات)- سان (ثلاث سنوات) وهي الأعمار التي يُحتفل فيها بصحة وسلامة الأطفال في اليابان. حيث يصطحب الآباء أبناءهم إلى المعبد القريب منهم للدعاء. ويستند اختيار سني العمر الفردية إلى الاعتقاد بأنها أرقام تدعو إلى التفاؤل، ويرسم الأطفال على أكياس الحلوى صورتين لطائر الكركي والسلحفاة واللذين يرمزان إلى طول العمر في اليابان.

ويرجع تاريخ "الهايكو" الحديث الى عام 1892م بظهور قصائد الشاعر الياباني (سيكو شايكي). وتعتبر الشاعرة اليابانية ” هيساجو سوجيتا” من أشهر شعراء "الهايكو" والتي اعتمدت القصيدة عندها في بناء "الهايكو" على أساس المشهد الأمامي والمشهد الخلفي.إذ تَتَملك الشاعر براءة الطفولة وهو يصف المشهد حسياً مستخدماً مفردات بسيطة وفطرية الدلالات وآنية من خلال عناصر مترابطة. كأن الشاعر في غيبوبة البوح لا يريد أن يغوص في أعماق البحيرة مكتفياً بمشهدها الخارجي البسيط.. فهو يصور المشهد حسياً ويبتعد بالمتلقي عن مطاردة الغاية في النص. إنها اختزال لمشاعر وأحاسيس الشاعر الانطباعية في سبعة عشر مقطعاً وفق التراكيب في اللغة اليابانية. ولمزيد من الفهم لهذا النوع من الشعر، لاحظ هذه اللقطة اللحظية المفخخة في النص التالي للشاعر الياباني باشو:

صفصاف أخضر (مشهد أمامي)

تتقاطر أغصانه على الطمي

أثناء الجزر (مشهد خلفي)

هنا يتأمل الشاعر الطبيعة فتدهشه اللحظة ويصورها الطفل القابع في أعماقه على نحو مشهد أمامي لشجرة الصفصاف التي حركت دلالاتها مشاعره وهي تتحرك في المشهد الخلفي الذي يتمثل بالمد وهو يعكس صورتها بلونها الأخضر ليختطفها الجزر.

ومن أهم خصائص شعر "الهايكو" هي ربط المشهد الحسي بدلالة موسمية إشارة إلى معالم الطقس الموجودة في بيئة اليابان الغنية؛ دلالة على المواسم الأربع. فتجدون أيضاً الإشارة للحيوانات (مثل السلحفاة التي ترمز إلى طول العمر) أو النباتات تعبيراً عن المشاركة مع البيئة التي ألهمت الشاعر، بناءً على الحالة النفسية التي يكون فيها الشاعر وهو يطبق عينه على خاتمة مشهد لحظي، ليتأملها، ومن ثم يكتبها قبل أن تنمو في عقلة فتخرج عن شروط "الهايكو". واليابانيون يحررون أنفسهم من الأزمات باللجوء إلى الطبيعة من خلال التأمل وفق العقيدة البوذية (اليوغو). علماً بأن هناك عيد في اليابان يسمى (يوم الاحتفال بالربيع) في الحادي والعشرين من مارس، يقدم فيه الناس الشكر للطبيعة ويعربون عن حبهم للكائنات الحية. وفي منتصف سبتمبر (الخريف) يحتفل اليابانيون بتأمل القمر وهو في حالة البدر ويفتحون النوافذ أو يلجأون إلى الجبال لمشاهدته. وهذا يدل على العلاقة الروحية بين الشاعر الياباني بالمواسم والطبيعة.. ويمكن من هذا المدخل فهم علاقة "الهايكو" بالحالات النفسية والسياقات الاجتماعية و الثقافية التابعة لتلك المواقف من منظور ياباني على اعتبار أن عمق دلالة المفردة عند الياباني تختلف عنها لدى الشعوب الأخرى. كل هذا يُلخّص في صورة ذهنية مُركّزة و مبسّطة في إطار تجربة فردية لتلك اللحظة.

ويمكن التوصل إلى النتيجة التالية في أن أصالة شعر "الهايكو" تنبع من تقاليد الشعب الياباني وخصوصيته. لذلك فإن تقليد هذا النوع من الشعر من قبل شعراء لا ينتمون إلى شعوب شرق آسيا (كونهم يتمتعون بسمات متقاربة وتجمعهم تقاليد ذات أصول فكرية ودينية واحدة)؛ فإن إبداعاتهم ستكون تقليداً باهتا للشكل على حساب المضمون.. لأن المفردة والدلالة اليابانية لا تنسجم مضموناً مع شبيهاتها لدى الشعوب الأخرى ولو توافقتا بالشكل.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم التجارب العربية في شعر "الهايكو" تذهب إلى استبدال الطبيعة بالإنسان، ما يدرجها في تصنيف آخر هو شعر "السِنْرْيو" (بتسكين النون والراء). فقصيدة السِنْرْيو، التي يرتبط اسمها بالشاعر الياباني سِنْرْيو كاراي (1718 – 1790)، تشترك مع قصيدة "الهايكو" في كافة الخصائص باستثناء الموضوع الذي يقحمه الشاعر في تفاصيل الصورة ليصبح الإنسان هو المحور بدلاً من الطبيعة. وفي هذا السياق يمكن للشاعر التقاط الصورة مشحونة بمشاعر الإنسان وهمومه وإسقاطاته السياسية أو الساخرة. ومن تجاربي الخاصة في سياق شعر الهايكو، اخترت المقطعين التاليين:

يحدق في الشمس (مشهد أمامي)

يغشاه العمى

الحقيقة ساطعة (مشهد خلفي)

أي أن الحقيقة تدمي مقل المشككين..

***

النافورة دمشقية (مشهد أمامي)

بتلات الود تغتسل بالقدود

الأفراح فاكهة (مشهد خلفي)

هذا يعني بأن مشاهدتي العابرة لنافورة دمشقية لخصت أشياء كثيرة عن هموم الشام.

وتعتبر تجربة الشاعرة التونسية هدى حاجي من التجارب الناجحة التي تقيدت بشروط الهايكو الياباني بنكهة تونسية، تقول الشاعرة في إحدى قصائدها:

غيوم سوداء (مشهد أمامي)

فراشة نائمة

برعم يحلم بالربيع ( مشهد خلفي)

فالغيوم السوداء العميقة أوحت بالمطر الذي طرق أحلام الفراشة ليستنهض الربيع، وهي لقطة قد توحي بالأمل.

***

في آنية الكرستال (مشهد أمامي)

أضمومة الإكليل البري

تموت يانعة (مشهد خلفي)

تقال فيمن يجزل العطاء حتى الرمق الأخير، ففي المشهد الأمامي تنطبع صورة الإناء وفي قلبه ضمة الورد، التي تبعث بدورها في القلوب السعادة، رغم أن الحياة تتسلل خارجة من عودها الرطب.

أما الشاعر والمترجم الفلسطيني نزار سرطاوي فهو من المهتمين بظاهرة الهايكو عالمياً، وله في سياق ذلك مقطوعات جميلة اخترت منها:

بعد الظهيرة (مشهد أمامي)

موعده مع اثنتين

هي وظلها ( مشهد خلفي)

***

شجرة لوز صامتة (مشهد أمامي)

البراعم تسقط وتسقط

والطفلة ما زالت تتأرجح (مشهد خلفي)

***

وأزعم في سياق هذا المقال بأن شعر الهايكو تجاوز حدوده اليابانية لتأخذه رياح التجديد إلى ربوع العالم كأنه غبار الطلع، وسنجد له مساحة واسعة في الوجدان العربي، فبات يشكل ظاهرة لا يستهان بها، بدلالة ذلك الانتشار المتسارع لمجلات شعر الهايكو ناهيك عن تأسيس نوادي حملت اسم الهايكو عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والتي اجتهدت بنشر الأجود من شعرالهايكو ، حيث يقوم على هذه النوادي شعراء حاولوا ترسيخ هذه الظاهرة محلياً باستخدام المفردات والدلالات الإنسانية مع خروج طفيف أحيانً عن الشروط التقليدية للهايكو من باب الخصوصية وترك بصمة عربية في هذا الفن بمحددات إنسانية مع الاعتراف بأن التجربة ما زالت في طور التجريب وإن ترسخت في الوجدان. ومن أهم هذه النوادي: نادي الهايكو العربي بإدارة الشاعر محمود الرجبي وهايكو سوريا بإدارة الشاعر سامر زكريا وهايكو الجزائر بإدارة الأخضر بركة ومعاشو بو شمة، وهايكو فلسطين بادارة حسن أبو دية، وهايكو المغرب بإدارة  الشاعر عبد العزيز أبو الفوارس، وغيرها..

 

بقلم بكر السباتين..

 

wejdan abdulazizاليومَ نتحدّثُ عن نموذجٍ ثقافيٍّ تَمثّلَ بالشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، فهي شاعرةٌ مُبدعةٌ احتلّتْ مكانةً مُتميّزةً ومعروفةً، لكنّها حثّتِ الخُطى في طُرقِ الثقافةِ الأخرى، فمثّلتِ المُثقّفَ الّذي كرّسَ حالةَ المُواطنةِ في نفوسِ شعبِهِ، مِن خلالِ مُساهماتِها بتكريسِ حالةِ الانتماءِ للهُويّةِ الوطنيّةِ العربيّة، وذلكَ عن طريقِ بناءِ سياجٍ أساسُهُ الوعيُ العالي، والرّوحُ التّوّاقةُ للسّموّ الحضاريّ والارتقاءِ بالنّفسِ العربيّة، لكي تَتعالى على الصّغائرِ، وتُهاجرَ كلُّ هفواتِ النكوصِ والابتذالِ والتبعيّةِ، وصولًا إلى المُحافظةِ على الخصوصيّاتِ الحضاريّةِ المميّزة.

اليومَ أتحدّثُ عن واحدةٍ مِن قصائدِها الّتي تجلّتْ فيها روحُ الانتماءِ للآخرِ المُتمثّلِ في الحبيب هو الوطن، باعتبارِهِ هُويّة، وكانَ انتماؤُها بمثابةِ روحِ التصوُّفِ والذوبانِ فيهِ برومانسيّةٍ، ليسَ مِنَ النوعِ الهاربة، إنّما الرومانسيّة الآيروسيّة الخفيفة، قد تُمارسُ جسديّةً لا مرئيّةً أحيانًا، رغمَ أنّها تُحاكي طفلةً سكنتْ في داخلِها، والطفولةُ هي عالمٌ ورديٌّ مُزخرفٌ بألوانِ قوسِ قزح، تبعثُ البهجةَ والسّرورَ إلى القلب.. إنّهُ عالمٌ سحريٌّ خاصٌّ يتميّزُ بنقاوتِهِ وجَمالِهِ ورِقّتِهِ، عالمٌ مليءٌ بالتّشويقِ والسّحرِ والغموضِ والعفويّةِ المُطلقة، عالمُ البراءةِ الجميلة.. عالمُ الانطلاقِ بلا قيودٍ وبلا حدودٍ، والطفولةُ هي العيشُ لحظةً بلحظةٍ، دونَ التفكيرِ بالغدِ وبعناءِ المستقبل، وما يُخبّئُهُ لنا مِن مُفاجآتٍ، وهي أحاسيسُ صادقةٌ وقلوبٌ بيضاءُ، وأيْدٍ تمتدُّ وتعرفُ العطاءَ دونَ مُقابلٍ ودونَ حساب، ثمّ أنّها زهرةٌ بيضاءُ ناصعةٌ، تفوحُ منها رائحةُ البراءةِ القويّة، كزهرةِ الرّبيع تعطي مِن كلِّ زهرةٍ لوْنًا ورائحةً مُنعشةً. إذن؛ عاشتِ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان حالةَ استعادةٍ، فتقولُ في قصيدتِها (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟)1 :

طِفْلَةً

تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي

وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ

تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ

مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي

في قصيدتِها (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟) عاشت الشاعرة حالةَ اختلاطِ الأصواتِ؛ صوتُ النُّضجِ، وصوتُ الطّفولةِ، وصوتٌ ثالثٌ مخاطبٌ مِن قِبلِ الشاعرة، والصوتُ الثالثُ الأخيرُ أشارتْ لهُ بحرفِ الكاف، حتّى عاشتْ حالةَ التصوُّفِ و(حرير وجد)، فهل تكونُ تلكَ الطفلةُ هي القصيدةُ المُتمرّدةُ، التي تنبثقُ مِنَ الذاتِ في لحظتِها الشعريّةِ، ثمّ تتصيّرُ إلى وعيٍ إدراكيّ في حفلِ التتويج؟ لكن هذا الوعيَ يَشوبُهُ شكٌّ، فتتوالدُ الأسئلةُ في حينِها، وتقولُ الشاعرة :

قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ

تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي

تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي

وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ

لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!

*

رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك

بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ

زَوْبَعَتْنِي

فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!

إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً

عَلَى

سُلَّمِ

مَائِكِ؟

هذا القلقُ الّذي يَكتنفُ الشاعرةَ آمال عوّاد رضوان هو محضُ أسئلةٍ. إنّ السؤالَ عن الماهيّةِ، بصرف النظرِ عن هذهِ الأمورِ جميعًا، يُوجّهُ البَصرَ إلى أمرٍ واحدٍ، وهو ذلك الّذي يُميّزُ الحقيقةَ مِن حيث هي حقيقة أم لا، ولكن، ألا يتوجّهُ بنا السؤالُ عن الماهيّة، إلى فراغ التعميم الّذى يَكتمُ على أنفاس الفكر؟ أليسَ مِن شأنِ المُجازفةِ بمثلِ هذا السؤال، أنْ تُبيّنَ أنّ الفلسفةَ كلّها هاويةٌ لا تقومُ على أيّ أساس؟ إنّ مِن واجباتِ الفكرِ الّذي يتّجهُ إلى الواقع، أن يصرفَ جهدَهُ إلى إقامةِ الحقيقةِ الواقعيّةِ الّتي تُزوّدُنا اليومَ بالمعيار الذي نحتكمُ إليه، والسندِ الّذي نعتمدُ عليه، ليَحميَنا من اختلاط الآراءِ والظنون.

مِن هنا قلتُ إنّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في خضمّ القصيدةِ تعيشُ لحظاتِ لاوعي، بيْدَ أنّها تستدركُ الأمرَ لاحقًا، لتعيشَ حالاتِ الوعي، أي أنّها تُحلّقُ في حالاتِ تَجلّي، ثمّ تخضعُ لموجباتِ وعيٍ يُدركُ الواقعَ ولو جزئيًّا، وحتّى تُجلي الأمرَ بصورةٍ أوضح، لجأتْ إلى التّناصّ، ومعناهُ؛ نَصَّ الحديثَ يَنُصُّهُ نصًّا؛ رفَعَه، أي أنّ الشاعرةَ حاولت التوضيحَ بقوْلِها :

هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ

لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي

وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي

وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟

هيرا زوجةُ زيوس وأختُهُ وربّةُ الزواج، وقد امتازتْ شخصيّتُها بكوْنِها ملكيّةً ومَهيبة، وكانت في مَجمع الآلهةِ وفي جبل أوليمبوس بحسب الميثولوجيا الإغريقيّة.

هنا أسجّلُ للشاعرة آمال عوّاد رضوان امتلاكَها مَلَكَةً ثقافيّةً ثريّة، تحضرُ هذهِ الملكة بحضورِ الوعي اللّاحقِ بعدَ اكتمالِ ميلادِ القصيدة، ومِن خلالِ هذا التجلّي يتوضّحُ لنا انتماءَها وإبرازَ هُويّتِها، مِن خلالِ الآخر الّذي تُكوّنُهُ وتُجسّمُ صورتَهُ ذهنيًّا:

بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ

بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ

مِنْ مِعْصَمَيْكِ

علّقتُكِ نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ

وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ

تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ

جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!

هذهِ الانفعالاتُ والثوْراتُ أعطتْ سياقاتِ قوّةٍ، لإجازةِ مشروعِ القصيدةِ كمَشروعٍ ثقافيٍّ، لإثباتِ الذاتِ أوّلًا، والاحتكاكِ بالآخرِ ثانيًا، وتظلُّ الأصواتُ الثلاثةُ داخلَ القصيدةِ تتبادلُ الأمكنةَ والرؤى فتقول:

ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ

تُزَيِّنُكِ

فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!

*

هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي

بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ

أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ

إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي

وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!

(اعتبرت الفيلسوفةُ والمُفكّرةُ ميليكن أنّ مبادئَ اللغةِ شبيهةٌ بالوظائفِ الّتي تؤدّي إلى بقاءِ الأجناسِ البيولوجيّةِ حيّة. بكلامٍ آخر؛ مبادئُ اللغةِ مبادئُ بيولوجيّة تهدفُ إلى إبقاءِ التخاطبِ حيًّا. ومن هذه المبادئ مبدأ قولِ الحقيقةِ في خطابنا، الّذي يَضمنُ استمراريّةَ التخاطبِ معَ الآخر. على هذا الأساسِ تقولُ ميليكن: إنّ بعضَ الأنواعِ اللغويّةِ في التعبيرِ تستمرُّ في التداول، لأنّ إنتاجَها ونتائجَها تُفيدُ كُلًّا مِن المُتكلّم والمُتلقّي. هذا شبيهٌ بما يحدثُ للكائنِ البيولوجيّ الّذي يكتسبُ الصّفاتِ الّتي تُفيدُهُ في أنْ يبقى حيًّا. وكما أنّ البَشرَ يُكرّرونَ التصرّفاتِ الناجحةَ في تحقيق أهدافِهم، يَحدثُ تكرارُ صياغاتٍ لغويّةٍ مُعيّنةٍ، لأنّها مفيدةٌ في الوصول إلى نجاحاتِنا كبَشر. هذه الصياغاتُ اللّغويّةُ (كعباراتِ الشّرطِ مثلًا) تُشكّلُ الأعرافَ اللغويّة، فالأعرافُ اللغويّةُ تنشأ وتنتشرُ، كوْنَها تُقدِّمُ حلولًا لمشاكلِ المُتخاطِبين. من هنا، نستمرُّ في إنتاج بعضِ الأشكالِ اللغويّة، لأنّها تُؤدّي بالمُتلقّي إلى أنْ يَستجيبَ باستجاباتٍ مفيدةٍ في تحقيقِ أهدافِ المُتكلّم، لكن لا بدّ للأعرافِ اللغويّةِ أنْ تخدمَ مَصالحَ المُتكلّمينَ والمُتلقّينَ معًا، لكي تستمرَّ وتبقى.)2.

هكذا يبدو لي مسارُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في ابتداعِ المعنى الباطنِ في القصيدة، كي تُعطيَ للمُتلقّي الحقَّ في التأمّلِ في الظواهر، وصولًا إلى المعنى الكامنِ بينَ أسطرِ القصيدة، فالكتابةُ عندَ الشاعرةِ كينونةٌ، مِن خلالِها تجعلُ مِنَ الرمزِ نموذجًا للصّراع، لأجلِ توْطينِ المعنى وترسيخِهِ..

بقلم: وجدان عبدالعزيز

.....................

الهوامش:

1 ـ قصيدة (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟) الشاعرة آمال عوّاد رضوان

تاريخ النشر : 2017-04-09

2 ـ مقال (فلسفةُ المعنى والحُرّيّة) حسن عجمي/ موقع مركز النور

..................

 

أسْطُورَةُ الْتِيَاع؟ / آمال عوّاد رضوان

 

طِفْلَةً

تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي

وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ

تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ

مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي

*

قصِيدَةً

قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ

تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي

تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي

وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ

لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!

*

رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك

بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ

زَوْبَعَتْنِي

فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!

إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً

عَلَى

سُلَّمِ

مَائِكِ؟

*

هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ

لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي

وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي

وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟

*

إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ

يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ

يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ

أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا

عَلَى

قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ

وَعَلَى

اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ

*

كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ

تَنْفُشينَهَا

تَفْرُشينَهَا

بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي

كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ

وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟

*

بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ

بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ

مِنْ مِعْصَمَيْكِ

عَ

لَّ

قْ

تُ

كِ

نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ

وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ

تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ

جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!

*

أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟

أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا

يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟

*

قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ

يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي

آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي

يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ

عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!

*

أيْنَ مِنِّي "حَبِيبِي"

نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي

كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا

مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟

*

أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"

كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي

يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ

ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟

*

يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ

دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ

تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ

وَتُرْوِيكِ.. قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ

فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!

*

إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً

يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟

*

ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ

تُزَيِّنُكِ

فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!

*

هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي

بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ

أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ

إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي

وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!

 

alwarth alhasanمن المتعارف عليه لدى المهتمين بالفكر الأندلسي، أن القرن الخامس الهجري، يمثل الذروة على مستوى النشاط الثقافي، حيث نهضت العلوم والآداب، نهضة بلغت أقصى درجات الازدهار في تاريخ الأندلس الإسلامي، على الرغم مما شهدته بلاد الأندلس في هذا القرن، من تفكك وانحلال سياسي واجتماعي شامل، وإلى ذلك أشار صاحب المعجب بقوله: «إن عامة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها معدودن منها، فهي مطلع شموس العلوم، وأقمارها، ومركز الفضائل وقطب مدارها»(1).

وقد استطاع بنو عباد أن يجمعوا في دولتهم بين الزعامة السياسية والزعامة الأدبية . ذلك أن إشبيلية أصبحت في عهدهم، قطب الحركة الأدبية ومركز إشعاع شعري، ومستودع تراث الأندلس القومي والسياسي، وملجأ معظم الأسر الأندلسية العريقة، الذين نبغ منهم عدد كبير من الشعراء والأدباء.

ومن تم، تعددت مظاهر نشاط الحركة الأدبية في إشبيلية واتسعت رقعة الإبداع الشعري، بانتشار المجالس الأدبية من جهة، وإقبال أهل إشبيلية على قرض الشعر بمختلف طبقاتهم الاجتماعية من جهة ثانية، وكذا دخول كثير من الدواوين الشعرية المشرقية إلى الأندلس فضلا عن ظهور العديد من المؤلفات والكتب التي بدأت تتخصص في جمع الأدب الأندلسي، شعره ونثره من جهة ثالثة، بالإضافة طبعا إلى تشجيع أمراء بني عباد للشعر والشعراء.

و المتتبع لسير هؤلاء الملوك يلمس ولاشك هذا الاهتمام واضحا، حيث روي أن ظهور بني عباد في إشبيلية لم يكن حدا فاصلا لرواج الأدب وازدهاره . بل على العكس من ذلك تماما، إذ لاقى الأدباء والشعراء في عهدهم كل رعاية وعطف . ويبدو أن بني عباد هم أولى ملوك الطوائف الذين اشتهروا بذلك، حيث كانوا هم أنفسهم شعراء وكان بلاطهم منتدى الأدب في عصرهم (2).

هكذا، كان القاضي ابن عباد، محبا للعلم مؤثرا للأدب، مفرطا في إكرام من ينتسب إليهما . فقد جاء في البيان المغرب على لسان الحميدي، قوله: «كان أبو عمرو صاحب إشبيلية من أهل الأدب البارع والشعر الرائع، وقد رأيت له سفرا صغيرا، في نحو ستين ورقة من شعر نفسه، ومنه قوله:

كأنما ياسميننا الغض*** كواكب في السماء تبيض

و الطرق الحمر في جوانبه*** كخد عذراء مسه عض....»(3).

و هذا المعتضد، «يجعل يوما من أيام الأسبوع –الإثنين – للشعراء، يفدون به عليه، فيطارحهم الشعر ويستمع إليهم ويجيز السابق بينهم ويشحذ همهم للنظم »(4).ويحدثنا ابن بسام من جهته، عن صورته وأدبه، فيقول: «كان عباد أوتي من جمال الصورة، وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وبساطة البنان وثقوب الذهن ...و صدق الحس ما فاق به على نظرائه، ونظر مع ذلك في الآداب قبل ميل الهوى به إلى السلطان، أدنى نظر بأذكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علتها من غير تعهدها، ولا إمعان في غمارها ولاإكثار من مطالعتها ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة، في معان أمدته بها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة واكتتبها الأدباء للبراعة، جمع هذه الخلال الظاهرة والباطنة إلى وجود كف بارى بها السحاب »(5). ورغم قساوة المعتضد بالله في الأخذ بزمام الأمور، فقد كان لأهل الأدب الذين وفدوا عليه، وقربوا إليه العناية الكبيرة، وله في ذلك الوقائع المشهورة، منها ما ورد في البيان المغرب، إذ قيل: « وكان لأهل الأدب عنده سوق نافعة وله في ذلك همة عالية، ألف له الأعلم الشنتمري،أديب عصره ولغوي زمانه، شرح الأشعار الستة الجاهليين، وشرح الحماسة، وألف له غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس »(6).

و مما يروى عن محبة المعتمد للشعر والشعراء، قصة رويت حين فشل ابنه المعتمد في احتلال مالقة، مفادها: عندما خاب ضن المعتمد في ضم مالقة لإمارة بني عباد،أمر المعتضد « باعتقاله في رندة فأخذ يرسل إليه القصائد بمدح فيها كرهه ويلتمس عفوه ويستميل قلبه ويطلب رضاه، ويهون عليه الخسارة بالإشارة بسابق انتصاراته وباهر فتوحاته . وحاول أن يبرىء نفسه ويلقي عبء اللوم على البربر الخونة . ووصف ما انتابه من الحزن لإخفاق الحملة وما ألم به من الكرب وأنه قد أصبح زاهدا في كل متع الدنيا، ولا يرجو شيئا سوى عفو والده . وقال في أولى هذه القصائد التي استعطف بها أباه:

سكن فؤادك لاتذهب بك الفكر*** ماذا يعيد عليك البث والحذر

وازجر جوفك لا ترض البكاء لها***واصبر فقذ كنت عند الخطب تصطبر

و إن يكن قدر قد عاق عن وطر*** فلا مرد لما يأتي به القدر

و إن تكن خيبة في الدهر واحدة*** فكم غزوت ومن أشياعك الظفر

إن كنت في حيرة من جرم مجترم*** فإن عذرك في ظلمائها قمر

كم زفر في شغاف القلب صاعدة*** وعبرة من شؤون الدهر تنحدر

فوض إلى الله فيما أنت خائفه*** وثق بمعتضد لله يغتفر

واصبر فإنك من قوم ذوي جلد*** إذا أصابتهم مكروهة صبروا

من مثل قومك من مثل الهمام أبى*** عمرو أبيك له مجد ومفتخر

إلى أن يقول:

لم يأت عبدك ذنبا يستحق به***عتبا وها هو ناداك يعتذر

ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل***وفي لهم عهدك المعهود إذ غدروا

رضاك راحة نفسي لافجعت به*** فهو العتاد الذي للدهر يدخر

وعندما وصلت المعتضد هذه الأبيات، عفا عنه وأطلق سراحه، لأنه كان ممن يهزهم الضعر ويؤثر في نفوسهم »(7).

وحين ولي المعتمد عرش بني عباد، بز أباه في مضمار الشعر، حتى أصبح بلاطه مركز الحركة الأدبية في إشبيلية، فتسابق الأدباء إليه وتهافت الشعراء عليه (8) . وفي هذا الصدد، كتب صاحب المعجب: « واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع لملك قبله من ملوك الأندلس، وكان مقتصرا من العلوم على علم الأدب وما يتعلق به، وينضم إليه »(9).و غير عجيب أن يكثر وفود الشعراء على قصر المعتمد فهو، « ملك كريم وشاعر مطبوع »(10)، جمع صفات العطاء والجود والشجاعة إلى صفات الأدب والعلم بفنونه . ومن تم، كتب ابن بسام: « ... وكان مع اشتغاله بالحرب وسعة مجاله بين الطعن والضرب ... متمسكا من الأدب بسبب، وضاربا في العلم بسهم وله شعر، كما انشق الكمام عن الزهر لو صدر مثله عمن جعل الشعر صناعة واتخذ بضاعة، لكان رائعا معجبا، ونادرا مستغربا، فما ظنك برجل لا يجد إلا راثيا ولا يجيد إلا عاتبا . وهو مع ذلك يرمي فيصيب ويهمي فيصوب »(11).

و مما يروى عن المعتمد: « أنه أول ما تعرف إلى امرأته " اعتماد " الشهيرة بالرميكية، كان عن طريق الأدب . فقد زعموا أن المعتمد ركب في النهر ومعه ابن عمار وزيره، وقد زردت الريح بالنهر . فقال ابن عباد لابن عمار أجز: صنع الريح من النهر زرد

فأطال ابن عمار الفكرة، فقالت امرأة من الغسالات: أي درع لقتال لو جمد

فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به، مع عجز ابن عمار، ونظر إليها، فإذا هي صورة حسنة، فأعجبته، فسألها: أذات زوج هي ؟، فقالت: لا . فتزوجها، وولدت له أولاده الملوك النجباء »(12).

وكان المعتمد مع فرط حبه لاعتماد، ما يزال يخصها بأروع القصائد وأعذب الألحان .وقد أرسل إليها مرة، هذه الأبيات التي يتضمن الحرف الأول في كل بيت منها حرف من حروف اسمها، ومنها:

أغائبة الشخص عن ناظري*** وحاضرة في صميم الفؤاد

عليك سلام بقدر الشجو*** ن ودمع الشؤون وقدر السهاد

تملكت مني صعب المرا*** م وصادفت ودي سهل القياد

مرادي لقياك في كل حين*** فياليت أني أعطي مرادي

أقيمي على العهد ما بيننا*** ولا تستحيلي لطول البعاد

دسست إسمك الحلو في طيه*** وألفت فيه حروف اعتماد(13).

هكذا، كان شعر المعتمد صورة صادقة للشاعر الأندلسي، وأن حب هذا الأخير للشعر والأدب، كان حبا خالصا وذوقا شعريا بعيدا عن أي مظهر من مظاهر التباهي والتفاخر . ولهذا لا نعجب، أن نرى بلاطه قد أصبح ملتقى الشعراء، وناديا يتباهى فيه كل شاعر بما جادت به قريحته من قصائد .

نعم، لقد كان المعتمد من الحكام القلائل الذين وضعوا للشعراء ديوانا يرزقون منه، وكان له مجلس أسبوعي في فترات تواجده في القصر، يجتمع فيه بالشعراء والأدباء، أمثال: ابن زيدون وابن وهبون وابن حمديس وابن عمار ز غيرهم كثير . وكانت المناظرات تجري بينهم في إطار المنافسة الشعرية والصراع على اللقب . وكان المعتمد في بعض الأوقات يتولى بنفسه إجازة ما يسمع من الشعر.

ذلك أننا لا نتصور أن تكون حياته كلها عمل واهتمام بتسيير شؤون الإمارة، « لكنه كسائر البشر هو وحاشيته من الوزراء وكبار رجالات الدولة يحتاجون إلى ساعات للترفيه وإمتاع النفس »(14). و الأخبار على ذلك كثيرة ومتعددة . ودليل قولنا هذا، هو ما أوردته بعض كتب التراجم، في مقدمتها: نفح الطيب، والبيان المغرب وغيرهما من أنباء تخص مجالس اللهو التي كانت تعقد في حضرة المعتمد بن عباد . ففي إحدى المرات جلس المعتمد في مجلس احتفل في تنضيده وإحضار بعض الطرائف الملوكية فيه . وكان في جملة تلك الطرائف تمثال جمل من البلور، وله عينان ياقوتيتان، وقد حلي بنفائس الدر، وكان حاضر هذا المجلس، الشاعر أبو العرب الصقلي، وأنشد المعتمد قصيدة، فأمر له المعتمد بذهب كثير مما كان بيده من السكة الجديدة، وطمعت عين أبي العرب إلى تمثال الجمل، فقال معرضا بذلك: ما يحمل هذه الصلة إلا جمل . فقال به المعتمد: خذ هذا الجمل فإنه حمال أثقال (15). فارتجل أبو العرب شعرا، يقول فيه:

أهديتني جملا جونا شفعت به*** حملا من الفضة البيضاء لو حملا

نتاج جودك في أعطاف مكرمة*** لاقد تصرف من منع ولا عقلا

فأعجب لشأني فشأني كل عجب***رفهتني فحملت الحمل والجملا(16).

 أزورهم وسواء الليل يشفع لي***وأنثتتني وبياض الصبح يغرى بي

وروي أيضا، أن تلك المجالس لم تكن تخلو من مباحثات أدبية ونقدية، وتناولت تلك الأحاديث مرة قول المتنبي الذي كان يعجب النقاد القدامى إلى حد أن قالوا عنه، إنه أمير شعره، وهو قوله:

فقال المعتمد: ما قصر المتنبي في مقابلة كل لفظة بضدها، إلا أن فيه نقدا خفيا ففكروا فيه. فأخذ الحاضرون وهم من علية الشعراء والأدباء يفكرون في البيت ويجيلون فيه بصيرتهم الناقدة وأطالوا الفكر، ولكنهم لم يفطنوا إلى ما لاحظه المعتمد، فقالوا له مقرين بعجزهم: ما وقفنا على شيئ. فقال المعتمد: الليل لا يطابق إلا بالنهار، ولا يطابق بالصبح لأن الليل كلي والصبح جزئي . فتعجب الحاضرون وأثنوا على تدقيق انتقاده (17).

هكذا، نرى أن المعتمد، قد ساهم برعايته في إثراء العمل الشعري والفني، حتى ارتقى به إلى المرتبة اللائقة به . ومن تم، تهيأت لأهل إشبيلية، « أسباب الشعر، وتوافرت لديهم دواعيه، فطبعوا على الشغف به، وانبسطت ألسنتهم بقوله، حتى قل أن تجد منهم من ألم بطرف من الآداب ولم يقل شعرا »(18).

وقد كانت لطبيعة إشبيلية الفاتنة، أثر ولاشك، في طبعهم على هذه الشيمة، حتى لم تحل مدينة أو قرية من مدن أو قرى الإمارة من شاعر مجيد أو كاتب حاذق . ويمكن أن نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

*- ابن زيدون (394 ه- 463ه): هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، ولد بالرصافة، وسكن إشبيلية وتوفي بها . كان وزيرا وشاعرا، اشتهر شعره بولادة بنت المستكفي التي كان لها أثر عظيم في فنه وحياته الشعرية . وكان له بين الأمراء منزلة عالية لمواهبه الأدبية ومعرفته بأحوال المسلمين في الأندلس(19).

*- عبد الجليل بن وهبون: هو أبو محمد الملقب بالدمعة المرسي، وهو من فحول شعراء إشبيلية، الذين وفدوا على المعتمد وغشوا ساحته (20).

*- ابن اللبانة ( ت507 ه): هو أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة . كان المعتمد يميزه بالتقريب ويستحسن شعره . وقد عد من شعراء إشبيلية الكبار (21) .

*- ابن حمديس (447 ه- 527ه):وهو من الشعراء الذين رحلوا إلى إشبيلية ولزموا ديوان قصر المعتمد (22) .

*- ابن مرزقان الإشبيلي: وهو أحد الشعراء الذين استظلوا برعاية المعتمد بن عباد، وأثروا مجالسه الأدبية (23) .

*- أبو الوليد البطليوسي: والمشهور بالنحلي، وهو من علية الشعراء الذين وفدوا على المعتمد، وكان من أبرز شعراء زمانه (24) .

*- أبو العرب الصقلي: وهو من جلساء المعتمد في بلاطه، ومن الشعراء الذين اشتهروا بإخلاصهم التام للأسرة العبادية (25) .

*- ابن مسلمة: (ت 441 ه): وهو من الشعراء الأرستقراطيين الذين ظلوا بعيدين عن الحكم ومشاغله، حيث اعتزل الحياة العامة وانطوى على رسم عالمه الخاص، وهو عالم مليء بالجمال والنساء والحسان والغلمان والحدائق والزهور والكأس والخمر (26) .

*- ابن عمار : (ت 478 ه): والملقب بشاعر البلاط المتكسب . وقد كان دون شك، أسطع وجوه الأدب الأندلسي وأطولهم باعا، في نظم القريض وأكثر الشعراء الإشبيليين شهرة في المشرق والمغرب(27).

*- ابن الأبار: (كان حيا سنة 430 ه): وهو من أبرز شعراء هذه الفترة . وقد ازدهر نشاطه الشعري في عهد المعتضد بن عباد (28) .

*- ابن عامر الحميري: (ت 440 ه): وهو من الشعراء الذين نجحوا في تثبيت أقدامهم في بلاط القاضي ابن قاسم بن عباد . وتتمثل في قصائده الجدة والحداثة وتظهر فيها بيئة إشبيلية وطبيعتها الخلابة وتتجلى في أباياتها الصفة الأندلسية (29) .

و منهم أيضا، ابن باجة السرقسطي (ت 533 ه)، ابن عبد الصمد وابن القصيرة والمعري ومحمد بن عبد العزيز المعلم وعلي بن حصن الإشبيلي وغيرهم .

و إلى جانب هؤلاء الشعراء، فقد نبغ في إشبيلية إبان بني عباد عدة شاعرات، كان منهن طبقة من المحسنات البارعات، كالعبادية جارية المعتضد واعتماد زوج المعتمد الشهيرة بالرميكية وبثينة بنت المعتمد وغيرهن ... وكن جميعا موصوفات بجمال القد وحسن القول (30) .

وقد برع هؤلاء الشعراء، رجالا ونساء في الأغراض الشعرية المعروفة، من مدح ووصف وغزل وهجاء وما إلى ذلك ... وإذا ألقينا نظرة ولو موجزة على ما قيل من قصائد في هذا الشأن، فإننا نجد بأن الشاعر الأندلسي عموما،، « لم يشذوا بوجه عام، عن القواعد والأساليب التي اتبعها المشارقة في أشعارهم »(31)، رغم محاولاتهم الابتكار والتجديد .

ولقد كان لهم مع ذلك، الفضل في التخلص من الأوزان التقليدية باختيارهم الموشحات(32) واستعمالهم اللهجتين في لون جديد من ألوان الشعر المعروف بالزجل (33) .

و مما لاشك فيه، أن لحياة اللهو والمجون ولانتشار الشمر والبغاء في الأندلس خلال هذه الحقبة الزمنية، أثرا في اختراع هذا الفن وظهوره في هذه الأرض ذات الطبيعة الوارفة الظلال والبساتين المترامية الأطراف والحدائق الخلابة (34) .

و مما لاشك فيه، أن لحياة اللهو والمجون ولانتشار الشمر والبغاء في الأندلس خلال هذه الحقبة الزمنية، أثرا في اختراع هذا الفن وظهوره في هذه الأرض ذات الطبيعة الوارفة الظلال والبساتين المترامية الأطراف والحدائق الخلابة (35) .

من جانب آخر، فقد أخذت الحياة الأدبية والثقافية بصفة عامة إبان مملكة بني عباد، شكلا تنظيميا في جميع المحافظات التابعة لإمارة إشبيلية، فاعتني بالكتب وبذل فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت عنها خزائن الدولة العبادية . وقد كانت هذه الكتب تحوي جميع التخصصات في العلوم القديمة والحديثة على السواء، منها كتب الشروح الشعرية . وفي هذا الإطار، شجع بنو عباد حركة شرح الأشعار المشرقية، فعكف الأدباء على شرحها وتبسيطها، والتعليق عليها، لتكون سهلة بين أيدي المتعلمين، وكان النصيب الأكبر من هذه الشروح للشعر القديم .فعرف عن المعتضد، أنه كان من المعجبين به فاستهواه الشعر الجاهلي، ولهذا كلف الأعلم الشنتمري بجمع وشرح أشعار الستة الجاهليين وشعر الحماسة . في المقابل، أعجب المعتمد بشعر أبي تمام وأمر الأعلم أيضا بشرحه واستنساخه .

و مما ساعد على ازدهار حركة التأليف في إشبيلية وقرطبة في هذه الحقبة أيضا، هو استمرار التشجيع على التأليف من العباديين، فاتسعت حركة جمع أشعار الأندلسيين التي بدأت في الفترة السابقة، ومن تلك المؤلفات نذكر:كتاب التشبيهات للكتاني (ت 420 ه) وكتاب أخبار شعراء الأندلس لعبادة بن ماء السماء (ت 421 ه) وكتاب الفرائد في التشبيه لعلي بن محمد بن أبي الحسين (ت 420ه) وكتاب حانوت عطار لأبي عامر بن شهيد (ت 426 ه)و كتاب شعر الغزل للشطريجين(ت 430ه) وكتاب الارتياح في وصف الراح لمحمد بن مسلمة، وكتاب البديع للحميري (ت 440ه) .

و كان للأحداث والتقلبات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الأندلس في هذه الحقبة التاريخية أثرها ولاشك، على الأدب والأدباء ن حيث ظهر ما سمي بأدب النكبات وهو « أدب يرثي الأمة الإسلامية في الأندلس ومدنها التي تتساقط الواحدة تلو الأخرى، ويدعو إلى استثارة الهمم لتوحيد الصفوف ومواجهة الخطر المحدق بالبلاد »(36) .

و ممن نبغ في هذا الفن الأدبي، أبو حفص الهوزي (37)، الذي كتب رسالة إلى المعتضد بن عباد بعد نكبة بربشتر، يحثه فيها على الجهاد . ومنهم أيضا: ابن عسال الذي رثى بربشتر بعد سقوطها بيد المسيحيين، سنة 456 ه (38) .

هكذا، يتضح لنا من كل ما سبق، أن الأدب العربي في إشبيلية، قد بلغ أوج ذروته في عهد بني عباد، خاصة أيام المعتمد . ورغم أنه لم يستطع أن يتخلى عن أثر المشرق، فقد كانت الموشحات والزجل أظهر طابع امتاز به شعر الأندلس خلال هذه الحقبة، والذي نتج عن خصائص الحياة الجديدة في المجتمع الأندلسي.

 

د. الوارث الحسن

أستاذ باحث في الدراسات الأدبية والتربوية

.........................

الهوامش:

1- المعجب في تلخيص أخبار المغرب،(المراكشي) عبد الواحد بن علي، ص: 242. تح: محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي، دار الكتاب، الدار البيضاء، المغرب، ط: 7، 1978م.

2- في الأدب الأندلسي، جودت الركابي، ص:92، دار المعارف بمصر، (د. ط)، (د. ت).

3- االمعجب في تلخيص أخبار المغرب،(المراكشي) عبد الواحد بن علي، ص: 242.

4 –في الأدب الأندلسي، ص: 92.

5- المعجب في تلخيص أخبار المغرب،(المراكشي) عبد الواحد بن علي، ص: 79

6- البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، (ابن عذارى المراكشي) محمد بن محمد، 1/ 284، تح: ج. س. كولان وليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط: 2، 1980م.

7- المعتمد بن عباد، علي أدهم، ص: 80- 84، وزارة الثاقفة والإرشاد الأردني، (د. ط)، (د. ت).

8- في الأدب الأندلسي، ص: 92.

9- المعجب، ص: 189- 190

10- المعتمد بن عباد، علي أدهم، ص: 113 .

11- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام،1/ 41- 42 (ت: 542ه)، تح: إحسان عباس، الدار العربية للكتاب، ليبيا، (د. ط)، (د. ت).

12- في الأدب الأندلسي، ص: 92

13 - المعتمد بن عباد، علي أدهم، ص: 104- 105

14 – الشعر في قرطبة، محمد سعيد محمد، 1/80، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب(مرقونة). 15 – راجع: نفح الطيب، 5/393 . المعتمد،ص: 126.

16 – راجع: المعتمد بن عباد، علي أدهم، ص: 126.

17 – راجع: المرجع نفسه،ص 127.

18 – في الأدب الأندلسي، ص: 63

19 – راجع: الذخيرة، 1/369، المعتمد، ص: 113.

20 – راجع: المرجع نفسه، ص: 118

21 – راجع: المرجع نفسه، ص: 121

22 – راجع: المرجع نفسه، ص:122- 123

23 – راجع: نفح الطيب، 5/393

24 – راجع: المصدر نفسه

25 – راجع: المرجع نفسه، ص: 126

26 – راجع: إشبيلية في القرن الخامس الهجري، دراسة أدبية تاريخية، لنشوء دولة بني عباد في إشبيلية وتطور الحياة الأدبية فيها، صلاح خالص، ص: 153، دار الثقافة بيروت، لبنان، (د. ط)، 1965م

27 – راجع: المعتمد، ص: 151، 178 . الذخيرة 2/74 .

28 – راجع: إشبيلية في القرن الخامس الهجري، ص: 164

29 – راجع: الذخيرة 2/74 .

30 – راجع أخبار هؤلاء الشاعرات في نفح الطيب، فصل الأديبات من نساء.

31 – في الأدب الأندلسي، ص: 114

32 – راجع: المرجع نفسه، ص: 293

33 – راجع:، ملك إشبيلية، الشاعر المعتمد بن عباد، رضا السوسي، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ص: 42 .

34 – راجع: في الأدب الأندلسي، ص: 85- 86 . ملك إشبيلية،، ص: 42

35 – وردت أسماء هذه المؤلفات في: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرض وجذوة المقتبس للحميدي والصلة لابن بشكوال .

36 – ابن زيدون وابن عمار والمعتمد بن عباد، شعراء منكوبون بالأندلس في القرن الهجري الخامس، دراسة تاريخية وأدبية، لي جونغ هوا ص: 124، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة، جامعة محمد الخامس، الرباط، (مرقونة).

37 – راجع: الذخيرة، 1/ 81- 94.

38 – راجع: ابن زيدون وابن عمار والمعتمد بن عباد، ص: 124 .

 

amjad mohamadsaeedإشارة: أعرف الروائي والقاص العراقي أمجد توفيق منذ ما يقرب من خمسين عاما، في مدينة الموصل ثم في بغداد، ربما قبل أن ندخل، هو، وأنا، فعليا إلى دائرة الكتابة الأبداعية، وربما دخلنا عالم الكتابة في وقت متقارب، منذ ما بعد منتصف نهايات الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي بشكل خاص، هو في القصة القصيرة، وأنا في الشعر، مع كتابات صحفية مختلفة في مجالات الثقافة والفنون . كان قد بدأ أولى كتاباته السردية في مجال القصة القصيرة مثل أغلب كتاب السرد الروائي والقصصي من جيله خاصة، ونشر العديد منها في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وظل مقلا ودقيقا فيما يكتب وينشر حتى الأن .

ورغم علاقتي الحميمة والعميقة بالكاتب أمجد توفيق، واطلاعي على أغلب ما كتب من قصص وروايات، بل ربما اطلعت على بعضها قبل أن تنشر، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أتناول فيها عملا أو جانبا من أحد أعماله نقديا . ولقربي الشديد منه، وقربه الشديد مني، يبدو أننا لم نكن نحس أن هناك ضرورة ما لكي نقول ما نتداوله بيننا للآخرين حول نتاجاتنا، ربما كان ذلك أيضا نوعا من القناعة والزهد بما نكتب، والمتعة الخاصة التي تحققها الكتابة لنا، حتى أنني استغربت أكثر حين اكتشفت ذلك . أقول هذا لأنني أحس أن لما سأتناوله وأركز عليه في دراستي هذه، علاقة بمجمل شخصية الكاتب العامة، المعروفة للآخر، والخاصة التي لا يعرفها إلا أصدقاؤه القريبون منه، فالزوايا التي سأتناولها من روايته (الظلال الطويلة) هي تلك الأفكار والأستنتاجات والومضات التي تعْبُرُ الدورَ السردي الذي يؤديه عادة ما يُطلقُ عليه (الراوي العليم) أو السارد العليم إلى ما أسميتُهُ (الرائي الحكيم)، حيث يقدمها خارج السياق السردي العادي لأحداث الرواية، ولعلني أزعم أن هذا الإجراء الروائي، هو أحد سمات الكتابة السردية القصصية والروائية عند الروائي أمجد توفيق، فطالما كان الكاتب يتجرد بوعي مدروس، وخصوصية أسلوبية من علاقته بالسياق السردي العام، وينتقل حين يجد مبررا إلى تلك الومضات والإضاءات التي تكشف وتضيئ الطبيعة الشاملة لعناصر الرواية الأخرى . وذلك انعكاس طبيعي لكلية نظرته للكتابة الإبداعية من جهة، ومن جهة أخرى لسمات عميقة في شخصية الكاتب التي تتسم عموما بالجدية والأهتمام بالتفاصيل، وملاحقة الأمور إلى نهاياتها، والإيمان بواقعية الأحداث والأشياء التي تتشكل في مسيرة الحياة اليومية، كل ذلك جعل الكاتب يضيف إلى سرده للأحداث الروائية والقصصية بعدا تأمليا واضحا، تطور إلى ما يشبه الكولاج في اللوحة التشكيلية .

وأشير هنا إلى أنه ربما لا يوافق البعض من الدارسين الأكاديميين والباحثين والنقاد على هذا التواجد التأملي من لدن الكاتب، ولكن هناك في المقابل الكثيرين أيضا ممن يتطلعون إلى إعطاء الكاتب حرية أكبر فيما يعتقد أنه الصواب، أو أنه يتوافق مع طبيعة أسلوبه وشخصيته الروائية، خاصة بعد ما أبدعه الكتاب والروائيون في السنوات الأخيرة، في كافة أنحاء العالم من روايات تتداخل فيها عناصر السرد الروائي إلى مديات وتوجهات إبداعية غير مسبوقة . وصلت إلى حدود أن تتداخل أنماط من الفنون الكتابية في بعضها خدمة لهدف الرواية الإبداعي السردي الرئيسي، لا حدود إذن للإبداع، وهذا ما استندت عليه في دراستي هذه، التي تصدر عن قراءة حرة تتناسب مع تحسسي الخاص لمكامن الجمال والأبداع في الرواية، وفيما أتناوله عادة من نصوص تقع تحت دائرة إعجابي .

مدخل:

في ثقة وموضوعية ووضوح، يدخل الروائي والقاص أمجد توفيق، ليس عالما واحدا، إنما عوالم عديدة وخطيرة ومتباينة، تعج بالأحداث والمشاهد والصور والشخوص والكتل البشرية والجماعات المتحاربة مع بعضها البعض، بسبب الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي انفتحت على مصاريعها الجهنمية، والتي تقع في مساحات من الواقع الملموس، وأنها ما تزال قيد التشكل الذي أعقب انهيارات ما كان سائدا في مجتمع ظهر أنه هش متخلف، وأنه ظل طويلا يعيش محن ومشكلات الصراع الإنساني العام الغالب على الكثير من أفراده وتجمعاته، واتساع دائرة الكذب الشامل والزيف والنفاق الثقافي والعلاقات النفعية الأنانية المعتمدة على الأسس الميكافيلية الشيطانية، وفقدان الأمن الخاص والعام، ناهيك عن عوالم أخرى، ما تزال ذيول أحداث انهيارات بنيتها العمودية والأفقية واضحة المعالم، وحرائقها ما تزال عميقة التأثير في مجريات الواقع الراهن بعد ضياع القيم القديمة التي عاش عليها الناس طيلة قرن من الزمن .

في يقينية كاشفة، وحيادية واضحة، يتناول الكاتب في روايته (الظلال الطويلة) هذه العوالم التي ما تزال ملتهبة بنيران الأحداث والوقائع، والتي ما تزال هي الأخرى في طور النمو والصيرورة، ونحت المتغيرات صعوادا وانحسارا، لمن يمثل هذه العوالم القاسية الشديدةِ الفعل، الحادةِ الجارحة ردودِ الفعل . ذلك أنها وجدت نفسها في طرق مسدودة، وذات خيارات محدودة، نماذج بشرية وجدت أن مصائرها وأقدارها محشورة ضمن رهانات دموية جارحة لا بديل لها، بتأثيرات خارجية مجتمعية أحيانا، أو بتأثيرات داخلية نفسية مصروعة بالمتغيرات الدراماتيكية التي توشك أن تكون غير معقولة، حتى انكشفت النفوس البشرية على أدنى وأسوإ ما فيها من صور سقوط القيم، وانفلات العقل عن الموضوعية والعقلانية والتحضر .

 عوالم الرواية:

عوالم الرواية الإفتراضية هي بكل تأكيد صدى من العالم الحقيقي الذي انزاح بعضه من الواقع المادي إلى منطقة الخيال، عوالم الرواية ممسوكة بيد الكاتب، ومطوقة بانتباهاته الحيوية، ومرصودة بمراقبة دقيقة لا ينبغي لها أن تفتر أو تغمض عينا، أو تهمش زاوية أو مشهدا، إنها بكل بساطة تلك المقاصة الضرورية التي تتجنب الزوائد والاستطرادات، كما تحرص على تلافي أي نقص في إيراد مكونات وتفاصيل العوالم الروائية الضرورية . هذا ليس انتقاء، بل هو اكتشاف الحدود وتعيين المسارات، خاصة بين عالمين رئيسين، أحدهما مفتوح متدفق على ما لا نهاية، والآخر محكوم بطبيعة موضوعية فنية جزئية، يعمل الكاتب أو الروائي على أن يقدمهما لتكون شهادته لا ذاتية، عن أحداث تجري، وشخصيات تحيا، وأزمنة تمر، وأمكنة تؤثث بمجريات تخيلية لها جذور في واقع قريب، أو في واقع بعيد، وكما هو معروف جدا فإن الرواية ليست أي شيء، إلا رواية، ليست تاريخا، ولا علم اجتماع، ولا رحلة سياحية، أو منبرا فكريا، أو نشاطا سياسيا، إنها غير ذلك كله، ولكنها كل ذلك في آن واحد، ولكن بقياساتها الخاصة المتفردة . إنها تتشكل من عوالم عديدة لكل عالم خصوصياته وشخوصه ومفردات لغته وطبيعة تكوينه . وهذه العوالم تتناسل إلى عوالم أخرى أكثر خصوصية، وأكثف حضورا، وأدق حركة لشخصياتها ولأحداثها المختلفة . وهذه العوالم تتناقض أو تتواشج فيما بينها نسبة إلى حركية الدراما الداخلية للأحداث وصيرورة السرد الروائي العام والخاص لكل عالم وحدوده.

وحين يتتبع القارئ كل عالم من عوالم الرواية، سيجد أن الواقع يوشك أن يتحول إلى كابوس، (إن لم يكن قد تحول فعلا)، والناس من بشر إلى نماذج خارج المواصفات الطبيعية للبشر السوي، وتسرد الرواية تفاصيل مجتمعات قضمت تاريخها، وألقته في سلة المهملات، وحاولت نسيانه بقوة نكوص الذاكرة وقصديتها العجيبة، وأيضا بما توفر من ميكانيكا السلاح الغاشم الذي أصبح هوية جارحة، ولغة مدرعة بالدم والطلقات، وحيث الحوادث العجيبة الغريبة لا تخطر ببال أحد، إلا بعد أن ساد اللا معقول هذه العوالم، و بدلها من حال إلى ألف حال وحال .

ظلال طويلة:

أطلق الكاتب عنوان (الظلال الطويلة) على روايته، و لأنه لابد أن يقصد معنى له مقاربة رمزية ما مع جو وأحداث الرواية، وشخصياتها، فإننا نعتقد أنه نجح في إعطاء صورة بلاغية، تشي بتصوراته العامة لمجريات روايته ودلالاتها الرئيسية، والعنوان يتكون من كلمتين (الظلال) و(طويلة) أما الظل فإنه (عتَمَةٌ تَغْشَى مكانًا حَجَبَ عنه أَشِعَّةً ضوئيّةً حاجزٌ غيرُ شفَّاف)، والظِّلُ من كل شيءٍ: شخصُه، والظل من الشيءِ: أُوّلُه، ويصاحبه كظلِّه: لا يفارقه، وظِلُّ اللَّيل: سوادُه، وهو في ظل فلان: أي في كنفه، وإنّه ليخاف حتى ظلّه: يخاف من كلّ شيء، إلخ من المعاني الكثيرة للظل، وواضح أن الظل شيء ملازم للموجودات التي تقع تحت ضوء ما، وتتغير أشكالها وأحجامها بتغير موقعها من هذا المصدر، ولذلك فإنها لا تبقى على صورة واحدة، إنما تتبدل بتبدل الواقع الضوئي الكائن حولها أو وراءها، وبقدر حقيقية وجود الظل فإنه غير موجود ماديا، او ملموس واقعا، سوى أننا اعتدنا على ملاحظة وجوده في الطبيعة في أشكال مختلفة، والظل قد يطول وقد يقصر نسبة لموقع مصدر الضوء تجاه الموجودات، فإذا ما كان مساويا له فهو أقرب لطبيعة الشيء المادي الأصلي، وإن قصر كان أقل من حقيقته المفترضة، وإذا ما طال فهو يأخذ مساحة ودورا أكبر، ويأخذ حجما أكثر اتساعا، إذن فالعنوان مثلا يشير إلى أن الشخصيات والاحداث في الرواية تأخذ دورا في الوقائع أكبر من حجمها الطبيعي، ومن دورها المفترض، وهذا ينطبق على أغلب عوالم الرواية وشخوصها، إذ أن كلا منهم يتجاوز حجمه إلى ظلال أخرى، أو يقوم يأعمال ليست من صلاحياته، وليس له فيها حقوق واضحة . وبهذا التفسير يكون العنوان قد أشار إلى التجاوز على حياة وحقوق الآخرين، وأن هذه الظلال الطويلة نصبت نفسها على الواقع الذي ملأته بظلال صغيرة قامت بتسخيرها لخدمة أهدافها الخاصة . أما الإحتمال الآخر الوارد ربما على ذهن المؤلف، هو أن الظلال بطبيعتها تطول في حالتي شروق الشمس او غروبها، وأن كل أحداث الرواية تشير بكل تأكيد إلى غروب مجتمع واضمحلاله، وسقوط دولة بكل مؤسساتها، وانهيار قيم بكل ما فيها من إرث وحضور أخلاقي وسلم مجتمعي، وانشطار شعب إلى كتل وطوائف وإثنيات وآيديوجيات إختلط فيها الحابل بالنابل، وتمزق القاعدة الإقتصادية الإنتاجية في البلد وتراجع مخيف في الإبداع الثقافي والفني والتربوي العام .

الرائي الحكيم:

ولابد من الإشارة هنا إلى أنه مع احترامنا للنظريات العديدة التي عالجت عالم الرواية، فإننا نعتقد أنه لم يعد ممكنا الإكتفاء بدراسة الروايات دراسات نقدية أكاديمية شديدة التخصص، تكتفي بمعالجات فنية، وتحليلات نظرية وحسب، دون الأخذ بنظر الإعتبار الخلفيات الإجتماعية والثقافية والسياسية والإقتصادية وغيرها، مما يشكل العمود الفقري لكل رواية، ولم يعد مقنعا ذلك التناول الذي يعتمد موت المؤلف كما يقال، وتعقب خطوط طول وعرض لفحص الهيكل العظمي للرواية، دون تعقب حياة الكائن الذي كانه هذا الهيكل العظمي، والذي قضى، أزمانا وأوقاتا ذات حضور مادي ما، وعايش بشرا ومجتمعات وأحداثا، و وعاش في مناطق ومدن وأقطار، وأثر فيما حوله سلبا وإيجابا، يشير الدكتور حمدي السكوت في كتابه (فصول نقدية وأدبية) الصادر حديثا إلى عودة المعنى إلى النص الأدبي ويقصد بالمعنى، هو كافة المضامين والأبعاد الفكرية والإجتماعية والثقافية والإنسانية وغيرها، ويضيف أنها لا تعرض بشكل مباشر وإنما تعرض متضمنة ومستترة في ثنايا النص الأدبي، وكل هذه أمور كان يهتم بتحليلها وتقييمها الناقد الأدبي جنبا إلى جنب مع إبراز الجوانب الفنية للنص، ص41 .

أما الناقد الدكتور خالد علي مصطفى فهو يشير في مقدمته للرواية، بأن العمل الأدبي ليس حيادياً ؛ فهو مثقل بالعواطف والإنفعالات والأفكار التي تدل على صاحبها، أو على ما يريده منها صاحبها، وفي هذه الحال يجد القارئ نفسه مجبراً على أن يتخذ، هو الآخر، موقفاً منها، رفضاً، أو قبولاً، نقاشاً، أو تأملاً . أما ـ القارئ الحيادي ـ فليس إلاّ خرافةً أدبية، ككثير من الخرافات الأدبية التي يجب أن تحال إلى ـ علم الأساطير ـ .

الروائي أمجد توفيق قرر أن لا يكتفي بدور السارد العليم أو الراوي العليم في روايته الظلال الطويلة، إلى جانب رواة آخرين في تضاعيف السرد، إنما استطاع أن يقنعني أنا كقارئ ومتابع للرواية الحديثة عربيا واجنبيا، أن يكون إن صح التعبير (الرائي الحكيم) حيث يستنبط من الأحداث أمثولتها، ومن منحنيات الشخصيات إنزياحاتها، ومن مجريات الأزمنة والأمكنة أصداءها وترجيعاتها . ذلك فإن الذي حدث لا يسرد لمتعة القراءة فقط، على أهميتها، إنما لابد أن نستخلص منه جملة من تأثيرات عملية السرد الحديثة، وتتجاوزها، دون الإخلال بفنية الرواية وشروطها السردية العميقة .

 وربما يكون الروائي أمجد توفيق من أولئك الروائيين والكتاب العراقيين الذين لديهم بانوراما شديدة الإتساع والوضوح لمجريات الإحداث، وقراءة الشخصيات، وملاحظة التغيرات المجتمعية الشاملة وتغطية مساحاتها من النقيض إلى النقيض، ولديهم الأفق الذي يحفل بالكثير من ما يشكل قاعدة رئيسية، لأحداث ما تزال فصولها جارية على أرض الواقع وما تزال شخصياتها ذات نفوذ وتأثير في صياغة الحاضر والمستقبل، وذات علاقة بما يجمع بين المشاهد الماضية والحاضرة، ولذلك فإن روايته تنطلق من أرضية ملآى بالحقائق، قريبة من زمكان الأحداث، وغير بعيدة عن تأمل تجمعات بشرية بمختلف الصور والأشكال والتصرفات والسلوك، وبسبب ذلك ايضا، لم يستطع الروائي أن يكون مجرد راو ينقل الأحداث عبر سردية وظيفية متجردة، بل كان شاهدا ومحللا وراويا عليما، وإضافة إلى كل ذلك كان (كما أقترحُ أنا إن، كان لي ذلك الحق كقارئ غير محايد على قول خالد علي مصطفى) (رائيا حكيما)، لما جرى ويجرى على أرض الواقع، لم يستطع الكاتب أن يتقبل فكرة أن يكون راويا عليما وحسب، إنما كان رائيا يستنبط في سياق سرده الروائي، حكمة صعود وهبوط البشر إلى قمم الصدق والشرف والتضحية والحب، أو على الإنهيار والسقوط إلى مهاوي مستنقعات الرذيلة والجريمة والكراهية والكذب والقتل والتدمير و الأنتقام، إنه قرر أن يمتلك زمام السرد وتطويعه مكانيا وزمانيا وتفاصيل، وما بعد ذلك من وقفات تأمل في عمق ما جرى ودوافع أسبابه وخفاياه، ذلك أن أحداث الرواية ليست مجرد حكاية مصنوعة خيالية من حكايات ألف ليلة وليلة، إنما هي أحداث ذات جذور شديدة الواقعية، شرخت جدران التاريخ والجغرافيا، وسلخت مجتمعات أصيلة من واقع إلى واقع، وغيرت شخصيات من ضفة إلى ضفاف أخرى، وبدلت قيما من نمط إلى نمط، بل أشاعت تفسيرات جديدة لبديهيات ماضية منذ مئات السنين .

لذلك سوف تركز هذه القراءة على وقفات التأمل الحكيمة، وسوف تشير إلى بعض ما نطق به (الرائي الحكيم) من خلاصات معرفية استنبطت مما وراء أحداث الرواية، ومن نظرات تأـملية في الحياة والمجتمع، أضاءتها تشابكات الأهداف والمصالح الذاتية، وكشفها سلوك شخصيات عامة ورمزية، كان، لها الواقع والرواية، وسيظل لها الواقع، تأثيرات في توصيف نزوع الإنسان إلى الإستئثار، بما وهبته الطبيعة للكائنات الحية من مفردات الحرية والعدالة والإنصاف، ولعل أول ما سيواجهنا، تلك النظرات العميقة والإشارات الدالة التي ابتدأ بها الرائي الحكيم، قبل أن يبدأ السارد أو الراوي العليم الدخول إلى عالم الرواية الأول، الذي هو مدينة بغداد ما بعد الإحتلال الأمريكي لها، وهو (المدخل)، المدخل الذي لا يبدو أن له علاقة واضحة لمجريات الأحداث، وها هو يقول:

 (تموت الأشجار إذا نقلت من أرض لأرض ..

 وتموت الطيور إذا غادرت بيئتها ..

 وتموت الحيوانات ..

إنها تدفع ثمن صدقها، والصدق عندما يكون نقيا أصيلا، فإنه يصبح وجها آخر للمـوت، فالمـوت يحفظ للصـــدق نقاءه .. إنه يقتله ..

 وبرغم القسوة والجمر الذي ينشف مآقي العيون، يكون الموت في حالات كثيرة محورا تتوازن الحياة على محيطه، فهو سرها، وفكرتها العميقة، ورعبها الذي يبتـدع آلاف الوسائل للنسيان أو الكذب ..

ليست الأشجار بحاجة إلى الكذب ..

ولا الطيور أو الحيوانات ..

لسبب سهل هو أنها لا تتذكر .. هكذا يقولون!!)

إلى ماذا يلمح الرائي الحكيم هنا، وإلى ماذا يشير ؟ الصدق حين يصبح موتا، أو حين يكون الموت نتيجة صدق الكائن، بشرا، أو حيوانا، أو حتى جمادا؟ بمفهوم فيزيائي أو كيميائي ما، ويكون من ملامح هذا الصدق، الإرتباط بالجذور وبالأصول، فإذا ما أرغم الكائن على مغادرة موطنه الأصلي أصبح بحكم الميت، وسيكون الموت هو الوجه الآخر للصدق، وسيكون الموت الوسيلة الأخيرة لإنقاذ الصدق من الإنحراف عن الجادة، أو التحول إلى كذب، وهكذا يكون الموت حالة خلاص للكائنات النقية التي تفضل الرحيل عن العالم إلى موت أكثر نقاء من حياة كاذبة، أو أنها تعيش كذبها يوميا، ثم تحاول أن تنسى أنها تكذب لتبرر لكذبها أن يسود ويسوَّق ولتخادع به قبل كل أحد، نفسها الكاذبة .

وإذا استعرضنا مجريات الرواية منذ احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف سنجد أن سقوط بغداد يمثل ذلك الإنهيار الكامل لبلد عريق له من أوجه التاريخ والحضارة والقيم الشيء الكثير، هذا السقوط الذي جلب فيما بعد كل تلك التحولات الدراماتيكية الخطيرة، هل يشير الرائي الحكيم إلى أن ما حدث هو بالضبط قتل للبلد، وليس تحريرا، كما ادعت القوات الغازية، بدليل أن ما جرى، وما يجري الان مكشوف على الطاولة، ولا أحد يستطيع أن يصفه إلا بالإنهيار الكامل رغم ما يدعيه البعض الذي يسوغ لأمريكا وحلفائها وأعوانها في الداخل العمل على إسقاط الدولة واحتلال البلد . لا بل إن أساطين الإحتلال انفسهم إعترفوا أخيرا على رءوس الأشهاد، بأنهم كانوا على خطأ في احتلال دولة العراق، هم قالوا إنه خطأ، ولكن الحقيقة تقول إنهم أجرموا في حق البلد وحق أبنائه إلى يوم الدين .

هل (الحكمة أن نتأمل، ونصمت، فلا مسوغ لإطلاق أحكام لا تتوافر لدينا القدرة على الإحاطة بتشابكات علاقاتها وسعتها ..) كما يقول الرائي الحكيم في مدخل الرواية ؟ ولكنه هو نفسه لم يصمت، فقد حاول أن يؤشر ولو من بعيد ملامح وأبعاد الواقع الجديد، وما هو متوقع من ملامح قادمة، بعد أن غادرت غرناطة (الرمز) (بغداد) الواقع (مجدها في اليوم الذي بكى فيه آخر ملوك الطوائف على أرض الأندلس بدل أن يدافع عنها)، ولكنه يؤكد من جديد أن:

(المدن لا تموت ..

 إنها تتنكر .. تغير جلدها، وصوتها، وعطرها، وتسريحة شعرها، لتوفر إمكانيةً للقول إنها تتجمل بدل طعنها بالكذب ..

 أتتجمل المدن أم تكذب؟

ليس ثمة تناقض بين الفعلين إلا بالقدر الذي يحدثانه من أثر، فاللغة تحمي الفعل الأول، وتمده بمسوغات الدفاع، أما الفعل الثاني فلا يجد مسوغاته إلا في نفوس جامحة تعيد ترتيب المعنى عبر الأثر ..

أما المدينة نفسها، فلأنها بلا ذاكرة أو أن ذاكرتها مطعونة بالتشابه مع الذاكرة الضعيفة للجمهور، فإنها تنصب شراك الغواية، ولا فرق عندها بين راهب وغانية ..

 هذا ما اعترفت به المدينة في لحظة صحو تأتي كنقطة في مسلسل من دوار عميق ..

وإذن (المدينة في دوار، أما الكلمة فإنها تبحث عن النقطة في لحظة الصحو.. ولحظة الصحو هذه تجرح الشجرة والطير والحيوان عندما تبحث لهم عن صفات إنسانية ..). هل غرناطة الرمز هي بغداد الواقع – الرواية، بكل تأكيد، ولكن بترتيب مختلف، ولكن إذا كانت غرناطة قد ذهبت ولم، ولن تعود ثانية، فهل مصير بغداد أن تذهب هي الأخرى ولن تعود ثانية؟. ربما .

إشكالية الهروب:

في الفصل الثاني من الرواية، يعود الراوي أو السارد العليم إلى عالم ما قبل الإحتلال الأمريكي للعراق، ليروي لنا جانبا آخر من الأحداث، من العاصمة الفرنسية باريس هذه المرة حيث معاناة الموظف السياسي العراقي العامل في سفارة بلاده والخائف من العودة إلى العاصمة (بغداد) إثر شكوك ذاتية وموضوعية مدمرة، في أنه سيتعرض إلى حساب وعقاب من دولته، وهو الرجل السياسي الدبلوماسي الذي وقع في دائرة الشك والإتهام، وها هو يحتار في تلبية استدعاء من حكومته والرضوخ لمطالب زوجته التي ترغب برؤية بلدها ومن ثم تشجعه على الموافقة على السفر إلى بغداد، أو يرفض تلبية الطلب وعدم السفر خاصة بعد ما ترده تحذيرات من عواقب عودته من جهات أجنبية، أمريكية بالذات، أخيرا يقرر قطع علاقته بالعمل وعدم العودة والبقاء خارج الوطن وطلب اللجوء السياسي في فرنسا، وهنا يتقدم (الرائي الحكيم) ليحتل الصفحات الأولى من الفصل الثاني، وفي روية وهدوء، وحوار داخلي، يقدم الرائي الحكيم درسا عميقا في إشكالية الهروب والخوف، ويعطي تنويعات على أسباب ونتائج الهروب، وطرق الهروب وما إلى ذلك من تفصيلات:

(مِمَ يهرب الإنسان؟

ثمة اقتراحات عديدة لإجابة تتوافر على إحاطة ..

يمكن القول إن الإنسان:

 يهرب تخلصا من أمر ما ..

 يهرب من جدران سجن أو أسلاك معتقل ..

 يهرب من جوع أو عطش ..

 يهرب من خوف أو ألم ..

 يهرب من عري أو فضيحة ..

 يهرب من عقاب أو ملاحقة ..

 يهرب من وشاية أو تهمة ..

 يهرب من خطر أو رعب ..

 يهرب من عوز أو إفلاس ..

 يهرب من جدب وقلة حيلة ..

 يهرب من فشل أو إخفاق ..

 هذه الاقتراحات جميعها تركز على الأسباب في المكان الذي ينوي الإنسان الهرب منه، وأية قراءة منصفة لهذه الأسباب لا تقود إلى إعطاء تميز إيجابي للهارب، ذلك أن الفعل مطعون بدلالات كونتها الاستخدامات اللغوية للفعل منذ اليوم الذي بدأ أول عربي الحديث بلغته، ومن الممكن جدا أن يكون للفعل ـ هرب ـ استخدامات مشابهة أيضا في اللغات الأخرى ..

 وإذا ما تم تغيير صيغة الجملة من:

 يهرب الإنسان من ..

 إلى

 يهرب الإنسان إلى ..

نجد أن مساحة إضافية أو رؤية متسعة الزاوية قد تنتج من هذا التغيير، فيمكن القول:

إن الإنسان:

 يهرب إلى الحرية ..

 يهرب إلى الاستقرار ..

 يهرب إلى عيشة متوازنة ..

 يهرب إلى الأمل ..

 يهرب إلى فرص اقتصادية أو سياسية أو ثقافية ..

 يهرب إلى دور جديد ..

 يهرب إلى أمن ..

 يهرب إلى واقع جديد ..

 يهرب إلى ظروف جديدة ..

من الواضح أن الانتقال إلى المكان الذي ينوي الإنسان الهرب إليه، يعطي دلالات جديدة ومغايرة للدلالات الأولى ..

فعلى الرغم من استخدام الفعل المطعون ذاته، فإن ما يترشح من دلالات جديدة جديرة بقراءة عميقة ..

ماذا إذا قرر إنسان ما التمادي في اللــعب أو التفكيـــر أو التأمل ليسأل:

 كيف يهرب الإنسان؟

 متى يهرب؟

 من يهرب؟

من المؤكد أن مساحات غير محـدودة ستنفتح وتقود إلى أحد أمرين:

الأول: إغراق الأصل بالتفاصيل ..

الثاني: تكوين رؤية متسعة الزاوية تتوفـر لها الإحاطة والعمق، وتنفتح على أفكار واتجاهات ومدارس ..

 أفكار .. اتجاهات .. مدارس) ص49

يعود الرائي الحكيم هنا لكي يقدم لنا مدخلا آخر شديد الخصوصية والعمق عن قضية إنسانية كبيرة زاولها الإنسان، وما يزال حتى ساعة كتابة هذه الدراسة، حيث آلاف البشر (مثلا) يعبرون البحر الأبيض المتوسط بغية الوصول إلى أوربا هربا من واقع قديم، وصولا إلى واقع جديد . ولكنه مجهول، ورغم احتمالات الموت والضياع والاعتقال، فأن اللاجئين من الدول التي تفتقد شروط الحياة الحرة الكريمة، يقدمون على المخاطرة بأنفسهم وبأرواح عوائلهم للوصول إلى شاطئ الطمأنينة والسلام، ولكن الرائي الحكيم هذه المرة يقترب أكثر من الراوي العليم، سيكون عبوره من دور إلى دور أكثر سلاسة وطبيعية، بحيث يشكلان شخصية تتماهى مع الدَوْريْن وتشدهما ببعضهما . وقضية الهروب أو الهرب ليست إشكالية بسيطة، أو قرارا سهلا يتخذه الإنسان متى شاء، يحاول الرائي الحكيم أن يتوسع في معاني الهروب، وأسبابه ودوافعه ونتائجه، وردود الفعل إزاءه، وكيفية تحقيقه والعبور به من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، وانعكاس كل ذلك على مصير الهارب ومستقبله، وما يحيط هذا المستقبل من غموض وتساؤلات كثيرة . تحيلنا هذه الإشكالية إلى مئات من قصص الهروب الناجحة والفاشلة، ليس في بلد بحد ذاته، إنما إلى مختلف البلدان وعبر آلاف السنين، مرجعا الذاكرة إلى مئات الشخصيات التي وردت في أدبيات التاريخ والجغرافيا والرحلات، وما قامت به من محاولات، وما مر بها من تجارب، وما رافق ذلك من نتائج كان لبعضها أثر كبير في تبديل مصائر، وإقامة دول وانتشار أفكار وفلسفات وأديان، إن قضية الهرب من مكان إلى مكان ومن بيئة إلى أخرى تجربة لا يكاد يخلو منها تراث وفولكلور وتاريخ كل الشعوب في العالم .

يقول الشاعر العربي الشنفرى:

وفي الأرض مَنْأىً، للكريم، عن الأذى

وفيها، لمن خاف القِلى، مُتعزَّلُ

لَعَمْرُكَ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ

سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ

ولذلك فإننا نستقبل التحليل الذي قدمه الرائي الحكيم بكثير من الاهتمام وبكثير من التمعن والتمحيص . وسنجد أن معاناة السياسي أحد أبطال الرواية الرئيسيين، وقراره البقاء في فرنسا وعدم العودة إلى بغداد قرارا صائبا وفق السياقات التي وردت عبر أحداث الرواية، وما حفلت به من ممكنات إيجابية وسلبية، ومن توقعات يمكن لأي منها أن تكون واقعا حقيقيا مباشرا . ولذلك سينتظر السياسي في باريس ويستقر فيها مع عائلته لاجئا سياسيا حتى انهيار النظام بعد الإحتلال الأمريكي وانفتاح البلد على مصراعية دون رقيب او حسيب . وبذلك يكون الهروب قد حقق على الأقل سلامة السياسي التي ربما كانت معرضة للخطر، ولكنها ربما تكون أيضا وهما من أوهام الخيال .

إشكالية القوة:

في الفصل الثامن يعود الرائي البصير ليطل علينا مرة أخرى ولكن هذه المرة في منتصف الفصل ليطلق جملة من الإضاءات الحكيمة، ولكنه هذه المرة يتناول قضية (القوة) سواء أكانت القوة التي تفرضها الدول الكبيرة القوية المتطورة على الشعوب والدول الضعيفة العاجزة عن الدفاع عن نفسها، أم قوة الجماعات البشرية غير المنظبطة الأكبر ضد الجماعات الأصغر، أم أي قوة أخرى حتى تلك القوة التي تستخدم للدفاع عن الشرف او الوطن او المبادئ الأنسانية، ويفند خصوصا إدعاءات القوة الغاشمة التي تمنح لنفسها صفات القوة المبصرة أو القوة الخيرة، ويؤكد أن كل تلك المجاميع من أصحاب القوة إنما يدافعون في النهاية عن مصالحهم، وأن القوة في النهاية لا تقذف الحلوى إنما تقذف الرصاص الذي يجلب الموت وأن شرط القوة هو العمى، يقول الراوي الحكيم:

(هل ثمة قوة مبصرة وأخـرى عميـاء؟

شرط القوة العمى

ويخطئ من يظن أن ثمة قوة خيرة تنقاد إلى المبادئ والقيم ..

القوة الساكنة شيء

والقوة المتحركة أو المنطلقة شيء آخر تماما ..

فلا وجود لدبابة تقذف الحلوى ..

كل دبابات العالم وطائراته إذا ما انطلقت فإنها لا تستهدف سوى الموت، أما محاولات التجميل والبحث عن الذرائع فإنها مطعونة بالجهل إذا ما افترضنا حسن النية ..

قد يقاتل الإنسان دفاعا عن شرف أو كرامة أو وطن أو قضية، لكن رصاص هذا الإنسان أعمى أيضا، فالطلقة لا تجيد التفكير، إنها تجيد الاختراق لا غير ..

فإذا ما تمت الموافقة على اعتبار الدفاع عن القيم السابقة ذا مشروعية يثلمها عمى الرصاص، فكيف يمكن تصنيف رصاص السراق ورجال العصابات والعدوانيين والمحتلين؟

إنه أعمى ينطلق من قاعدة عمياء ..

وتكرار العمى يؤكد ولا ينقض ..

طريقة واحدة يمكن أن تخفف درجة العمى أو تلغيها، هي أن تتوافر إمكانية صنع رصاصة تميز بين جسد الطفل والمرأة .. جسد البريء والمذنب.. الشريف والمحتال .. المناضـل والدجال ..

ولأن المحاكم تفشل أحيانا في إصدار أحكامها برغم كل ما تمتلك من وسائل التدقيق والزمن المطلوب، فإن من المستحيل الوصول يوما إلى طلقة حكيمة تجيد التفكير، وتنجح في إطلاق الأحكام وتسدد في الاتجاه الصحيح ..)... وهذه دعوة حقيقية كبيرة غير مباشرة إلى السلام في العالم يطلقها الكاتب في ثنايا التأمل، دعوة لتحقيق ما بعد السلام أيضا من عدل وحرية سيكون شرف للرواية أن تكون من حاملي رايتها .

خاتمة:

في عالم تسوده الحماقة والغباء واللاإنسانية، وتسيطر عليه قوى الجهل والعتمة والضياع، تقوم دوائر البغي والعدوان والهمجية والعشوائية، باستغلال الظروف والأحداث، وتهيئ لنفسها المجالات الحيوية التي تلبي طموحاتها، ومصالحها الذاتية، وهي بذلك تعلي من شأن الفوضى والعبث والقتل المجاني والسيطرة على مقدرات الأمور، وأمام مثل هذا الوضع المأساوي الخطير لابد من وجود أصوات عاقلة حكيمة تؤشر مكامن الإنهيارات والتصدعات وتكشف ما خفي من حلقات التخطيط والتنفيذ، وتستنتج من كل ذلك مقترحات إشارية لا مباشرة، تقترب كثرا من حالات التأمل الفلسفي والفكري الذي يجد صداه في النفوس البشرية النظيفة، ولكي تتعامل مع مراكز التلقي الإنساني والإستجابات الواعية لدى الآخر، ثم تودعه في أكثر القوالب الفنية قدرة على الوصول به إلى الإبداع الأدبي، ذلك ما فعله الروائي أمجد توفيق في روايته (الظلال الطويلة) التي لم تكشف فقط عن الأحساس الكبير والواقع المأساوي بالفقد العظيم لوطن هو أصل التاريخ المدني كله، إنما ايضا الفقد العظيم لكل القيم الثقافية والحضارية التي سطرت على طين شواطئه بقصب أهواره وأنهاره .

الرواية تستخلص الحكمة من الحدث، وتحلل القوة الغاشمة إلى نوازعها البشرية الأولى، وتفكك رغبة الإنسان بالهروب من واقعه إلى واقع آخر حفاظا فطريا على حياته وأمنه وحنان أبنائه وأطفاله . كما تؤسطر (الموت المفهوم)، المؤسطر أصلا ب (الموت الواقع)، ليقوم الموت بتشييد الحياة، ولينسجم مع أكبر حالات وقصص التضحية في التاريخ، بما يؤمن به الأنسان، وافتدائه القيم والمثل إبتداء من قصة هابيل وقابيل وحتى الان . وها هو أخيرا يؤنسن المدينة ويمنحها حياة دافقة عبر حياة أبنائها وعبر الحيوات المعبر عنها بمسيرة التاريخ والفن والثقافة، الذي يجدد أشجارها وماءها ويصقل سماءها من جديد، المدن لا تموت إذن ولكنها تبقى حية في ضمير نفسها، وضمير صيرورتها المتواصلة، وفي ضمير ترابها الذي يتشكل كل مرة أيقونات وأهلة ومدادا .

 

 أمجد محمد سعيد - القاهرة

saleh alrazukتفتح قصة (ريبيكا: بطاقة نعي) لقصي الشيخ عسكر، المنشورة على حلقات في صحيفة المثقف،  نافذة في جدار الذاكرة ومنها نلقي نظرة على حاضر وماضي الدكتور محمود الداوودي، وهو مهاجر يهرب من الموت. ولكن سرعان ما يعلن الأقارب والأصدقاء نبأ وفاته. ويحدوه ذلك للعودة وطلب إلغاء الخبر.

ومن خلال الفلاش باك وتيار الوعي ( ربط الأمكنة المتباعدة والأزمنة غير المتسلسلة) تتابع القصة الأرشيف السري لشخصية الدكتور الداوودي.

وتعمل على توضيح الزوايا المعتمة من الذاكرة. وبأسلوب يشبه ما فعله هنري باربوس في الجحيم.

لكن مع الاحتفاظ بفارق جوهري.

فباربوس ينظر من فتحة في جدار الغرفة على مشاهد قصيرة الأجل من حياة أفراد من المجتمع.

بمعنى أنه يتلصص عليهم. ليكتشف قوانين وجودنا الطارئ وقصير الأجل.

بينما الشيخ عسكر ينقب في ذاكرته عن انعكاس الأحداث والتصورات على شخصيته.

وتصبح العلاقة بينه وبين الواقع مثل مرآة أمام مرآة مماثلة. كل ما فيهما صور وانطباعات. ولكن أي منهما لا تشبه مرآة بياجيه. فنحن لسنا في طور التعرف على الذات. وإنما في طور بنائها وترميم الأجزاء المفقودة والضائعة.

ويمكن أن نقرأ أكثر من نصف القصة على هذا الأساس.

لقد كانت أحداث لبنان تهمه مثل حروب الخليج عام 1980 و1991 .

ورأى أنها تمهيد لا بد منه.

وكان الداوودي منذ البداية متورطا في اللعبة. وعمل مع رجال الأمن لفحص المعتقلين وإسعافهم.

وإذا استغل هذه الفرصة لتدوين مشاهداته وما يرافقها من انفعالات فقد اتخذ في نفس الوقتا موقفا إنكاريا.

وإن صحت التسمية كان وعيه يتحرك بالتوازي مع وجدانه.

فهو لم يبرر الإفراط بالعنف وتحرك بدافع من الخوف والترهيب.

وبضوء هذا الصراع غير التقليدي بين العاطفة والعاطفة المضادة (الذي يذكرنا بصراع الواجب والعاطفة عند الرومنسيين) كانت الأولوية لغريزة البقاء.

ويمكن أن تفهم من مواقفه وأفكاره أنه يدعونا لاحترام سلطة القوة.

ولعدم التهور وأيضا عدم الثقة بالقوة الخفية التي تعمل من فوق الواقع. فالطاقة النفسية برأيه لا يمكنها أن تتحول إلى فعل إلغاء.

وعلى ما أرى إن سياسة بناء الذاكرة في القصة تؤكد أن الكاتب لم يكن يفاضل بين خيارات متاحة أمامه.

لقد حزم أمره على واحد من إثنين.

التضحية بالمضمون الروحي للإنسان والتمسك بالممانعة بمعناها السلبي.

فالهجرة لديه كانت بمثابة تعطيل لعاطفته..

لقد عطل الجانب الرومنسي من معنى الهوية أو الانتماء .

ولذلك كانت حياته افتراضية.

وللتوضيح.

كانت حياته في المنفى بلا ارتباطات.

 فقد عاش بلا ذاكرته وأيضا خارج المجتمع المضيف. وهذا دمر في وقت واحد العلاقة التكافلية (symbiotic relations ) التي يمكن أن تتحكم بتبادل المنافع بين كل الطراف المعنية.

ويمكننا القول (بتحوير طفيف لثنائية سارتر عن الوجود والعدم) إنه كان حاضرا لكنه غير موجود.

ويرمز الشيخ عسكر لذلك بمجموعة من الصيغ والتعابير المباشرة: منها قوله عن بطل قصته: إنه الميت الحي.

أو قوله عن مدينته:  مكان أعرفه ولا أعرفه.

أو قوله أيضا: الشيء المألوف الغريب.

ويختم هذه السلسلة من المتعاكسات بكلام مفيد ومختصر عن النواح على الميت، فهو برأيه يوقظ فينا ذكريات النعيب والصراخ الذي ينطلق من المولود وهو يرى النور لأول مرة.

فهل أراد أن يقول إننا نعول على انفسنا فغي كل الحالات؟.

يبدو أنه توجد قصدية لهذا الكلام.

فخلال معراجه من المطار إلى داره وإلى سرادق العزاء كان يتأمل مشاهد الدمار على أطراف الطريق. والعلامات التي تركها الجيش الأمريكي خلفه.

فقد أصبحت البصرة مثل فتاة رائعة هاجم وجهها الجدري. كما قال بالحرف الواحد ساعة دخوله المدينة.

لقد كان حدسه منذ البداية فجائعيا.

وكان لا يرى من حوله غير آيات تدل على الهدم والحصار وليس إطلاق الحريات والبناء.

وهو ما يتوقف عنده مطولا.

باعتبار أنه مخاض إن دل على شيء يدل على المعاناة. البشلاية بالمعنى الملحمي للكلمة.

لو بهذا السياق لا يمكننا أن ننكر أن إلغاء الوفاة في المشهد الختامي هو بمثابة تنفيذ لنصيحة "أبو الخيزران" المهرب الذي قاد الشباب الفلسطينيين الثلاثة في (رجال تحت الشمس) لغسان كنفاني.

فقد سألهم بعد أن قضوا نحبهم في الصحراء داخل الشاحنة: لماذا لم تدقوا على جدران الخزان؟؟.

وعلى ألأغلب احتفظ الدكتور الداوودي في لاوعيه بهذه النصيحة

وحتى لو أنها جاءت متأخرة. فقد استعمل قبضته في النهاية وضرب على الجدار.  لقد أنكر موته.

وفي نفس الوقت وضع قيد البحث جملة من الإشكالات.

الانتماء .. هل هو صدفة أم أنه اختيار؟.

والهوية. هل هي مكتسبة أم أنها وعي وإرادة؟.

وكيف تكون علاقة المسؤولية بالحرية؟.

وقد حاولت القصة أن لا تسقط في فخ الجدل البيزنطي، وأن لا تلعب على وتر الوطنيات الفارغة، وحرصت على توجيه وعينا وإدراكنا باتجاه الخلاص.

وهو ما يعبر عنه الدكتور الداوودي بقوله: إذا قرعت الحرب الأبواب، يجب أن أبتعد إلى مستقبل آخر.

وقوله لاحقا: يجب المبادرة لإلغاء هذه المهازل قبل فوات الأوان.   

تبقى نقطتان.

الأولى "ريبيكا". وهو اسم زهور تنمو في حديقة بيت الدكتور الداوودي في البصرة وفي إنكلترا. وربما أراد أن يرمز بها لإمكانية الحياة في المنفى دون أي تأثير على موطن الصبا والطفولة. لكن أن يأتي بعدها "بطاقة نعي" هو دليل على ضرورة الاختيار.

ومع أن القصة تخلو من الخلفيات الاستشراقية كانت تعمل وفق آلية إدراك المعرفة. بمعنى أن ما يصلح لظرف ينتهي بزوال الظرف الموجب حتما.

النقطة الثانية أنها قصة طويلة.

وأهم من تخصص بهذا النوع هو عبدالسلام العجيلي. لكنه استشراقي وكاتب في أدب السياحة والسفر. وينظر للنفس البشرية وللحياة على أنهما من مادة وروح. وما تعجز المادة عن التفاهم معه تحله الظواهر الإحيائية التي تستند لديه على ميتافيزيقا لها علاقة بالتخلف والبداوة. و يمكنني أن اقول إن رحلاته لا تخرج من قيود وضعه البشري، وكأنه واحد من البدو ويتجول في تيه هو العالم. وسوء التفاهم بين العجيلي والواقع ملحوظ في كل جملة وكل سطر.

بالعكس من الشيخ عسكر. فعلاقته بنفسه تتطور من خلال مؤثرات خارجية. وإذا كان لا بد من تصنيفات. أعتقد أن (ربيكا) أقرب لقصص صدقي إسماعيل الطويلة، ومنها (الله والفقر) التي تتابع أيضا مسيرة أسعد الوراق وإمكانيات اكتشاف الذات في عالم يؤثر بنا. وعلينا أن نفهمه حتى لا نكون من ضحاياه.

 

صالح الرزوق

حلب / نيسان 2017.

 

amjad mohamadsaeedإستفادة: يبدو فن السرد القصصي في مشهده الحالي شديد التنوع، ويشهد الكثير من الآراء والمقترحات ووجهات النظر وفقا لتطور المشهد الثقافي العام، قبل أيام وأنا أهم بكتابة هذا المقال عن القاصة والكاتبة العراقية بثينة الناصري، أعجبتني أسطر نقدية للناقد والكاتب العراقي (سعد محمد رحيم) قرأتها على الفيس بوك، ووجدت أنه يعبر بشجاعة عن رأيه الخاص بفن القصة القصيرة، يقول:

(لكل جنس أدبي وعوده، ووعود القصة القصيرة، باعتقادي، هي الأكثر رقياً وأرستقراطية.. هنا أتكلم عن الجمال، عن صناعة الدهشة. فكاتب القصة القصيرة هو الصانع.. إنه المعني أكثر من أي مشتغل في الفنون الأدبية الأخرى بالدقة، والخفة، والإنسجام، والتماسك، أي بتلك الفسيفساء من القيم الجمالية العالية كلها. لا لأن هذا الكاتب / الصانع عليه أن يقتنص العالم في لحظة خاطفة ويعيد تشكيله وحسب، بل عليه أيضاً أن يكون حاذقاً في صياغة نصِّه، دقيقاً، صبوراً، يفصح عن مهارة لا تُكتسب بيسر) .

كتاب المغامرات:

تحت عنوان (كتاب المغامرات) وبجزأين أنيقين من الحجم المتوسط، صدرت في القاهرة عام 2016 المجموعة الكاملة لقصص القاصة والمترجمة والباحثة العراقية بثينة الناصري عن دار (كتبخانه للنشر والطباعة والتوزيع)، المجلد الأول يحتوي على مجموعاتها الثلاث (حدوة حصان، موت إله البحر، وطن آخر) وهي تمثل الفترة من 1974 – 1994، والمجلد الثاني يضم المجموعتين (الطريق إلى بغداد – يوميات الكوفي شوب) وتمثل الفترة من 1994 -2015 . يضم كتاب المغامرات أكثر من سبعين قصة مختلفة الموضوعات والأحجام والأساليب .

وقد اختير للغلافين الأول والأخير مساحات شبه مجردة ومشهدا طفوليا عاما، يمثل صورة تخطيطية لطفلة مرسومة بأسلوب كاريكاتيري يشبه رسوم الأطفال، وهي رافعة ساعديها بسعادة، وكأنها ترقص أو تهتف أو تصرخ أو ربما تبعثر بعض الأوراق المكتوبة، مع بعض رموز بسيطة تعطي دلالات معينة، هنا وهناك، على سطح حليبي اللون مرة، ومرة على سطح شذري اللون .

وتضمن الغلاف الأخير الجمل التالية التي أرادتها المؤلفة كتعريف عام لتجربة الكاتبة والكتابة:

(كتاب المغامرات:

 إذا سئلت لماذا أكتب، أقول: أكتب لأخلق عوالم جديدة فيها كائنات أتحكم في مصائرها وأحدد مساراتها، ولكن أحيانا تفلت مني فتكتب هي نهاياتها . فالكتابة مغامرة، والحياة مغامرة، والموت مغامرة، وهذا كتاب المغامرات) .

إشكالية العنوان:

لعل عالم القصة القصيرة العصي على التقنين، هو الذي دفع القاصة بثينة الناصري لِأن تختار عنوانا لمجاميع قصصها الخمس الكاملة المنشورة، هو (كتاب المغامرات – القصص الكاملة) وأن تتحاشى ذكر كلمة (القصيرة) التي لم ألحظ وجودها أبدا في كل الكتاب، بجزأيه . وهذا الإبتعاد المقصود حتما عن الإشارة إلى كلمة (القصيرة) هو ساتر صد احترازي لأي نقد قد يوجه إلى ما تضمنه الكتاب من قصص، من حيث بنية التعريف، ومن حيث كونها تتراوح ما بين القصة القصيرة جدا، وما بين القصة الاعتيادية، والقصة الطويلة نسبيا، وما بينهما من قصص تقترب من هذا، ومن ذاك، ناهيك عن محاولات الكاتبة التجريبية في أن تكتب وفق أساليب سرد قصصي مفتوحة على صياغات مبتكرة وجديدة، تأتي لتوسع من مدارات تعريف القصة القصيرة التقليدية، دون الإلتفات إلى الحواجز والموانع المفروضة التي قد يضعها البعض لتحجيم حرية الكاتب في الإنطلاق بها إلى مداها الأقصى .

تقول الكاتبة في مقال لها بجريدة الأهرام مشيرة إلى بعض تقنياتها القصصية:

(اللمحات التي لا تثير في أحيان كثيرة اهتمام الناس المنغمسين في معارك الحياة، هي ما أستهلم منها كتاباتي. أنقل لكم فيها ما غفلت عنه حواس البعض لشدة انهماكهم بأحوالهم الخاصة. وأعتقد أن هذه هي وظيفة خالق القصة، أن يبدع قصة حين تنتهي من قراءتها، تدفعك للتفكير بطريقة مختلفة، أو في أشياء لم تخطر على بالك، وربما تقول في نفسك » كيف فاتتني هذه الفكرة؟« مع أنها بسيطة وفي متناول اليد؟ أو تساعدكم القصة على تغيير مساراتكم في الحياة أو فهم أنفسكم أكثر، وبالتالي تحقيق ما كنتم تريدون فعله ولا تعرفون كيف. القصة ينبغي أن تفتح لكم أبوابا جديدة للمغامرة، والمغامرة في رأيي هي (التفكير في غير المألوف والمتعارف عليه) وهو ما أعنيه في الكلمة التي كتبتها على ظهر (كتاب المغامرات) .

ومعنى المغامرة التي تعنيها الكاتبة، كما تقول هو (التفكير في غير المألوف والمتعارف عليه) وقد أضيف أنا، أنها أيضا: تلك الأحداث التي لا تنبني على منطق سردي معروف ومقنن تقنينا دقيقا، أو هي تلك النتائج التي ليست ناتجة بالضرورة عن مقدمات تفضي إلى مثل هذه النتائج المتوقعة، لذلك نتوقع أن نجد قصصا تخالف المنطق السردي التقليدي، ونصادف قصصا تتمرد على السياقات المعروفة للسرد . لا يوجد هنا شيء صحيح أو شيء خطأ، إن كل شيء ممكن وفق منطق المغامرة الذي تنادي به الكاتبة، ووفق منطق الإبداع الذي لا نهاية لأشكاله وصوره .

والحقيقة أنني لست بعيدا عما تكتبه الناصري، سواء في القصة القصيرة، أو غيرها، أو ما تترجمه من اللغة الإنجليزية، وأعرف طبيعة اهتماماتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والوطنية . وأنا أوافقها في بعض آرائها، أما تعليقاتها حول القصص والتي أوردت فيها ما يمكن أن يكتشفه القارئ بنفسه، فهي إضافة مفيدة لفهم بعض شئون الوهج الإبداعي لدى  الكاتبة، إن الذي يعنينا ونحن نقرأ قصص بثينة الناصري (وغيرها من الكتاب) مدى استجاباتنا الشخصية لجمال القصة من حيث الفكرة والموضوع والأسلوب واللغة وطبيعة الحدث المسرود وغير ذلك من مقومات العمل الأدبي.

وفي سياق قراءتي لكتاب المغامرات سأركز على بعض القصص التي أجد فيها ما ينسجم ورؤيتي الأدبية والفنية والإبداعية التي تجعل من الفن والمتعة والجمال، سابقا على أي شيء آخر،

لا شك أن قراءة قصص خمس مجموعات قصصية قراءة نقدية يتطلب جهدا كبيرا، ووقتا طويلا، ويعطي المتلقي الكثير من التفاصيل المختلفة، ولذلك سأحاول في هذه الدراسة أن أختار بعض القصص للإشارة إليها، والتعليق على بعض ما أراه فيها من جوانب إبداعية، بحيث تمثل كل قصة نموذجا مختلفا عن الآخر، وسأدع نفسي دون وازع نقدي جامد أو مقنن بتعاليم غير مقدسة، تستجيب لمصادر الإبداع والجمال الفني، وللقيم الإنسانية التي طالما أكدت عليها الكاتبة في الكثير من نشاطاتها الإبداعية والعملية، وللهموم الإنسانية التي تركز عليها القاصة . ولذلك ستكون قراءتي لقصص (كتاب المغامرات) مستجيبة لمقولة الكاتبة (إن الكتابة مغامرة، والحياة مغامرة .. والموت مغامرة) .

عوالم القصة:

تهتم بثينة الناصري في قصصها بقضية الإنسان وحريته، وسعادته، منطلقة (حسب تصوري) من جذور تنتمي إلى مدرسة الواقعية الأشتراكية، التي كانت معروفة بنضالها من أجل تحرير الشعوب وتقدمها وبناء مجتمعاتها بناء إشتراكيا عادلا، يجتث الفقر والمرض وينشر العدالة والمساواة بين البشر، وبوقوفها ضد الإستعمار والرأسمالية الغربية والأمريكية التي تسعى إلى إذلال الشعوب وخاصة شعوب العالم الثالث .

كما اهتمت الكاتبة في قصصها بعالم المقاومة العربية والفلسطينية والنضال ضد الكيان الصهيوني، وضد كل أشكال الإضطهاد التي تتعرض لها المجتمعات العربية .

وأعطت الكاتبة اهتماما بالغا لمسألة الفرد وما يتعرض له من مشكلات إنسانية ووجودية شديدة التاثير على كيانه الروحي والفكري والنفسي .

ولا شك أن عالم المرأة عموما قد استحوذ على الكثير من قصص كتاب المغامرات، المرأة بشكل عام مع التركيز على هموم ومعاناة المرأة العراقية والعربية، إضافة إلى البعد الإنساني في هذه المعاناة التي تتساوى أبعادها لدى أي امرأة في العالم .

وتضمنت القصص أشكالا سردية ذات زوايا فنية متنوعة بحيث أصبح لدينا العديد من القصص ذات تكنيك مختلف وسوف نشير إلى ذلك في سياق الدراسة .

عالم المرأة:

وسيكون عالم المرأة في اعتقادي المشهد الأفضل لدراسة قصص بثينة الناصري، من خلال دراسة تأثير فعالية كون الكاتبة (إمرأة) وأنها مهتمة اهتماما طبيعيا وإبداعيا بقضايا الإنسان ومنها قطاع المرأة العريض، ومن خلال دراسة شخصية (المرأة) ومشاغلها، وكيفية ظهورها في السرد القصصي العام للكاتبة، وذلك لتحقيق المقاربة بين عالم الحياة الحقيقي الذي تعتبره الكاتبة مغامرة، وعالم القصص الإفتراضي الذي تعيشه المرأة كمغامرة خيالية مصنوعة ومنعكسة من المجتمع الذي تصورة القصص ذاتها . ومن أجل ذلك كانت دراستي تحمل عنوان (بثينة الناصري في قصص (كتابِ المغامرات) - مغامرةُ الحياةِ والكتابة - المرأةُ نموذجاً) .

وسأتناول مجموعة من القصص التي تمثل كل منها نموذجا مختلفا عن بقية القصص، وأرى ما هي طبيعة المشهد الإنساني والحياتي الدرامي الذي ظهرت فيه المرأة، وما هي الموضوعات التي عالجتها الكاتبة في المشهد النسوي هذا، وماهي المقاربات ما بين الكاتبة وبين بطلات قصصها، إن وجدت، وما هي الأساليب الفنية السردية التي اتبعتها الكاتبة في سردها القصصي .

ولكن ذلك في كل الأحوال، لن يعطي الصورة الكاملة للمشهد القصصي النسوي عند بثينه الناصري، فقصصها تعمل على خلق الكثير من العوالم النفسية والاجتماعية والسياسية المختلفة للمرأة العراقية والعربية .

نموذج (1) القارب:

ولعلني سأبدأ حواري مع قصص بثينة الناصري بتناول قصة (القارب) من مجموعتها الأولى (حدوة حصان)، والتي أريد من خلالها تأكيد الموهبة الأصيلة للكاتبة، وبداياتها الرصينة وفهمها المبكر لطبيعة القصة القصيرة، أي منذ وقت مبكر من حياة وإبداع الكاتبة، القصة منشورة سنة 1974، وقصة القارب هي القصة الثانية من المجلد الأول، وأعتقد أن هذه القصة تتميز باحترافية شديدة، وتطبيق يكاد يكون مثاليا للتعريف النقدي المتعارف عليه للقصة القصيرة، تدفق سريع للسرد، لغة تتناسب مع طبيعة الشخصيات ومستواها الاجتماعي والثقافي، شخصيات محدودة من عامة الناس، زمن ملموم في ساعات من ليلة ظلماء، ومشهد مكاني واحد على قارب يرسو بشاطئ دجلة في بغداد، حوار سريع، دراما عالية تنتهي بمقتل المرأة بخنجر على يد خلف المعتوه، المرأة القتيلة شابة فقيرة مصابة بمرض السل وهاربة من قدرها إلى قدرها . القصة صورة تمثل قاع المدينة وشوارعها الخلفية التي تتعرض فيها المرأة للمهانة والفقر والمرض والإستغلال الجنسي، والخوف، وأخيرا القتل  فيما تكون المرأة كأنها الرمز التاريخي الديني والإجتماعي للأضحية البشرية التي تلطخ دماؤها جدران القارب الخشبي الجديد،  يقتنص الشاب المرأة الصبية ويأتي بها إلى قاربه ولكن الموت يترصدها . وينتهي بها جثة طافية على مياه دجلة، ليظل القارب الجديد وصاحبه مركونين على هامش الحدث، تدفعه أمواج النهر الحزينة يمينا ويسارا في صمت الليل والجريمة العميق . المرأة هنا وحيدة ضعيفة خائفة مريضة مضطهدة فقيرة وأخيرا مقتولة، لا أحد يساندها، ولا قوة تقف إلى جانبها، حتى أن دمها المجاني يذهب أدراج رياح المجتمع وإشكالياته الزمنية .

(أشار برأسه للمرأة المنسلة خلفه أن تتبعه، لفّت العباءة حول جسدها، انزاحت أطرافها عن نعلين مزركشين تأرجحا إثر خطواته.

هبط مدارج طبيعية من الحجر ناتئة في السدة الترابية، ثمة – في رطوبة الظلال منها – أعشاب برية وصخور مرصوفة بهندسة فجة.

حددت عيناه الصقريتان موضع قاربه، فخبّ نحوه يطوّح بالزجاجة الملفوفة بكيس ورقي. جلبابه الأسمر يرفّ حول ساقيه.. يلتصق بهما كاشفا خطوط جسده الشاب المديد. خلفه كانت المرأة ناحلة وقميئة، تتبعه كظل مختصر.

رأته يطفر إلى قارب مركون عند منحنى رملي تفوح منه رائحة صبغ نفاذة.

حكت أنفها، وسلمته يدها فجذبها إلى الداخل. ضحكت، فهمس: اش ش.)(القارب ص19).

 (ترتفع يده ب الخنجر المدمى، وتهبط بضربات متلاحقة. يفغر الجرح فاه.. وينبجس دم أحمر قان يرش بياض جدران القارب.وبعد قليل، حين توكأ الرجل العاري على حافة القارب ليفرغ أمعاءه في النهر، تركت أصابعه طبعات حمراء على البياض ..) (القارب ص 30) .

نموذج (2) يوميات الكوفي شوب:

سأنتقل انتقالة مباشرة ومثيرة من قصة (القارب) المنشورة عام 1974 إلى (يوميات الكوفي شوب)، ضمن الجزء الثاني من (كتاب المغامرات) . والفرق بين زمني كتابتهما أكثر من أربعة وثلاثين عاما . أربع عشرة يومية مختلفة الطول كتبت ما بين 2004 و2008، معنونة بالتواريخ، والواقع أن هذه اليوميات كأنها قصص فرعية، ذلك أن كل يومية تكاد تكون قصة بمفردها، وإن كان الإطار العام الذي يجمعها هو اليوميات، الساردة هنا معروفة تقريبا وهي الكاتبة نفسها، فكأنها تقدم جوانب سيرذاتية تتطابق مع بعض جوانب حياتها الحقيقية، المكان واحد هو مدينة قريبة من القاهرة شبه صحراوية، تعج بحركة الطلبة العزاب الوافدين للدراسة من الدول العربية أو من أقاليم مصرية، في معاهد وجامعات المدينة الناشئة، شخصيات اليوميات أكثر قليلا مما هو معتاد في القصة القصيرة،أو أقل أحيانا، المرأة صاحبة الكوفي شوب هي أهم رابط يشد اليوميات بعضها مع البعض الآخر. المرأة هنا هي مركز اليوميات جميعها، يبدو عليها سنها المتقدم قليلا، بحيث أن لديها أبناء متزوجين وأحفادا، يبدو عليها أيضا استعدادها الطبيعي لتحمل المسئولية وقيادة عمل حر مثل إنشاء كوفي شوب دون مساعدة من رجل، المرأة هنا وحيدة وقوية وقادرة على مواجهة عالمها الداخلي النفسي، وعالمها الخارجي في التعامل مع مصاعب العمل والإشراف على متابعة شئون الكوفي شوب، وتلبية مطالب الزبائن وتحمل إشكاليات العمل العام الحر، ولا يبدو على هذه المرأة قلق كبير من الحياة، إنها تتعامل ببرود وهدوء ولا أبالية مع كل الأحداث التي تمر، طبيعة الأحداث شبه عشوائية بطيئة،غير مفهومة أحيانا ولا تتواصل مع نتائجها، حتى المرأة فقدت الرغبة بالتطلع إلى الآتي بقدر ما تتطلع إلى الماضي المنتهي الفعالية، وكل رغبتها الآن أن تأخذ صورة للذكرى مع محل الكوفي شوب الذي أنشأته وتركته خاسرا، ويبدو أنه يعمل الان جيدا تحت إدارة أخرى، يوميات الكوفي شوب دون الإشارة إلى تفاصيلها، شظايا قصة قصيرة مثل لوحة زجاجية مكسورة، وحياة مهدورة في ما لا طائل من ورائه، صورة من الواقع المرير الذي تتركه المرأة للصدف القادمة دون شعور بالضرورة أو الإحتدام، لتعود إلى حياة عادية فاقدة لأبسط شروط التطلع الحياتي إلى الأمام، أو لتحقيق أي نجاح يذكر . دراما حياة أصبحت شديدة الخواء باهتة الزمن، صحراوية المكان، فاقعة العلاقات الإنسانية . وتنتهي اليوميات بالمقطع التالي:

(وقفت خلف الكاونتر، وأمامي الشواية والخلاط، وبعض الأدوات يعلوها التراب، عدلت شعري، وابتسمت للكراسي المصطفة .. يجلس عليها عشرات من الزبائن . وجوه ضاحكة، حزينة، مشتاقة، متذمرة،غاضبة، ممعنة في الجدال،صامتة، شاردة، منتظرة .. جمهور يملأ المكان .. إبتسمت لهم إبتسامة عريضة).(ص 259) .

نموذج (3) المنزل:

في قصة (المنزل) تطل علينا شخصية نسوية أخرى لتكون بطلة القصة، سيدة قاربت المئة عام من عمرها، تعاني من التعب والنسيان، عاشت في بيتها الكبير الذي تحول الآن الى ما يشبه الخراب سوى غرفتها المطلة على حديقة البيت (السيدة عمرها قارب القرن . وجه مجعد مليح، وشعر أبيض معقوص بعناية، وثوب نوم بدون كمين يلوح منه ذراعان رقيقان . تتطلع الى الحياة المائجة خارج نافذتها، وتصيح بصوت مرتعش لحوح: إبراهيم .. إبراهيم .. إبراهيم) . (ص 167) .

وإبراهيم البستاني إبن المرحومين الوصيفة والطباخ اللذين كانا يعملان في البيت منذ أيام عزه الأولى، ومعه زوجته يقومان بخدمة السيدة:

(يدق باب  الغرفة الذي تغلقه على نفسها بالمفتاح ليلا ونهارا، فيأتيه صوتها:

- من ؟

- إبراهيم

- من ؟ من أنت ؟

- أنا إبراهيم !

- إبراهيم ؟ ماذا تريد ؟

- أنت التي طلبتني ياهانم !

تصمت فترة طويلة ثم يسمع صوتها متسائلا بضعف:

- أنا تغديت ياإبراهيم ؟) (ص 168)

كان في مضى قد حوَّل الحديقة إلى جنة غير أنها تحولت الآن إلى غابة متوحشة من الدغل والنباتات الطفيلية . وأصبحت السيدة صاحبة المنزل عبئا على إبراهيم وزوجته التي تنتظر موتها بفارغ الصبر ورغم تمتعها بلحظات صحو صباحية إلا أنها ستعود بالتأكيد إلى حالتها المعتادة، سيدة في سن المئة عام .

في قصة المنزل لا توجد أحداث، الأحداث شبه ساكنة، لا تطور فيها، كل شيء قد أخذ سياقة المعتاد دون زيادة أو نقصان، عدا تكرار المشاهد اليومية الروتينية لسلسلة مطالب السيدة ونوبات نسيانها وأوقات نومها .

من جانب آخر هناك مقاربة رمزية ما بين تألق السيدة في الماضي وتمتعها بوقتها المشغول بنوع راق من الحياة والثقافة حيث البيانو والكتب وطبيعة ملابسها وما بين زهو الحديقة السابق والأزهار والأشجار المنسقة، أما الآن فقد انتهى كل شيء سوى ذكريات أوقات صحو السيدة التي تحاول استرجاع تلك الأيام:

(ومع إطلالة النهار ..  وبعد ليلة مؤرقة حافلة بالخيالات .. تدفع السيدة بيديها الواهنتين ضلفتي الشباك وتجلس هادئة على المقعد المواجه للحديقة في لحظة خاطفة من لحظات وعيها ..

يلتمع شعاع الشمس على بياض شعرها .. ترى أشجار الياسمين مزهرة وطرقات الحديقة نظيفة والحشائش مقصوصة وأحواض الورد مبتلة بالندى .

- الافطار جاهز ياهانم .

ومن مكانها ترى صفية الوصيفة ترتب منضدة مدورة تحت شجرة الليمون ثم تروح وتجيء بالطباق وإبريق الشاي بالنعناع .. ويأتي إبراهيم .. شابا، يافعا،  مهندما ليضع كعادته باقة ورد منمقة في زهرية صغيرة وسط المائدة .. ويكون ذلك إيذانا لها بالنزول ..

تهبط السلم المرمري .. درجة .. درجة ..

ويبدأ يومها  الحافل ...) (ص 170)

إستطراد فني:

عبر أكثر من سبعين قصة ضمها (كتاب المغامرات) لبثينة الناصري قدمت الكاتبة، خلاصة شاملة لإبداعها القصصي الذي أنجزته خلال المرحلة السابقة من حياتها الحافلة يالإنجاز في مجال السرد القصصي .

وقد تنوع المشهد القصصي لدى الكاتبة تنوعا شديدا يوحي للقارئ بنتيجة حقيقية هي أن الكاتبة ذات أفق إبداعي واسع، وذات رغبة في التجاوز المستمر لما أنجزته، والواقع أنها منذ البداية كانت تمتلك أدواتها الفنية، ورؤيتها الموضوعية والفكرية الواضحة لما تريد أن تحققه، والأهداف التي تسعى إلى تسليط الضوء عليها من خلال فن القصة القصيرة .

من الواضح أن القاصة الناصري ومنذ بداياتها تسعى لتأكيد مفهوم الحداثة في كتاباتها، منطلقة من مفهومها للحياة والثقافة، ومستندة إلى رؤية فكرية تعتمد فلسفة الواقعية الإشتراكية، ثم تطلع إلى نوع من الليبرالية الحياتية كما سبق أن ذكرنا، حتى وإن كانت أغلب التجارب الإشتراكية قد سقطت من خلال الممارسات السياسية لهذه المدرسة الفكرية المهمة، كما سقط غيرها على صعيد العالم كله ليس فقط الأمة العربية والعراق، كما تسعى إلى تنويع أنماط قصصها، وهكذا نجدها تعتمد الكثير من محاولات التجريب الفني والموضوعي وفي طريقة السرد القصصي وطريقة تقديم الشخصيات، وطرح المشكلات، بحيث يتطابق ذلك مع مفهومها الخاص لمنطق القصة القصيرة الحديثة .

قصة بثينة الناصري عبر جزأي كتابها ليست قصة مترفة فارغة سطحية، إنما قصة مهمومة مسئولة مشغولة دوما بقضية الإنسان المتعب المهمش المظلوم عموما، وتصوير واقعه الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي، وتأشير مواطن الخلل لتجاوزه والوصول دائما إلى الحالة الأفضل، القصة مثل بقية الفنون الأخرى هي عين راصدة للواقع في نظام الحياة اليومية، وخاصة للظلم الذي تتعرض له الفئات الأكثر فقرا وحرمانا، واقتراح الحياة البديلة التي من أهم شروط الفن الإنساني .

- وإذا ما استعرضنا شخصيات قصص بثينة الناصري نجدها في الغالب من قاع المجتمع، أو على الأكثر من المستويات التي تعاني في حياتها من مصاعب جمة في تسيير حياتها بشكل طبيعي، سواء أكانت من النساء أو الرجال، أناس عاديون يبحثون عن فرص لتحقيق مباهجهم البسيطة العادية في مجتمع غالبا ما يعرضهم إلى صعوبات ومشاكل كثيرة في سبيل تحقيقها .

(في مكان ما من الليل تصطف صفائح لا لون لها، تطفح بأحشاء المدينة النائمة . ومن عمق الظلام يظهر رجل محلوق الرأس محني الظهر يسدل على عظامه ملابس لا شكل لها، يتقدم من صفيحة، ويغرس ذراعه داخلها ناثرا الزبالة حوله على الأرض، تخرج يده بأوراق خسّ . يتأملها ثم يضعها في جعبة قماش تتدلى من عنقه . يدفن ذراعه مرة أخرى فتخرج بعظمة مازالت نتف لحم ودهن عالقة بها . يقربها من أنفه، ويقلبها مرارا ثم يدسها في الجعبة . يعود إلى البحث بأناة وصبر. تغوص يده في لزوجة .. ينظر إليها ثم يمتص أصابعه بتلذ واحدا .. فواحدا .) (قصة جوع ج1 ص 235) .

- من جانب آخر أعتقد أن العديد من قصص (كتاب المغامرات) والعديد من أجواء قصص أخرى فيه، ما هي إلا جوانب من ذكريات شخصية للكاتبة، وأن ما يرد فيها ما هو إلا شكل من أشكال السرد السيرذاتي، ذلك أن التطابق يكون أحيانا حميما جدا بين الحياة الحقيقية للمؤلفة، والحياة الخيالية المفترضة في القصة القصيرة، طبعا أنا لا أعتبر ذلك عيبا في القصة طالما كانت تعبر عن شخصية تناقش موضوعا محددا في وقت محدد وزمن محدد، وإن كنت أعتبر أن استخدام صيغة المتكلم غير ضرورية في هذه الحالة، على الرغم من أننا لا يجوز لنا أن نفرض على القاص شيئا من الخارج، وطالما قرأنا روايات عظيمة وقصص رائعة كانت مقتبسة من حياة مؤلفيها وسيرتهم الذاتية .

في قصتها المعنونة (الرواية التي أكتبها) تكاد شخصية بطلة القصة أن تتطابق مع شخصية الكاتبة تطابقا شبه كامل، عدا تفصيلات جزيئة غير هامة، وبعض ما يؤثَّث به المشهد القصصي العام:

(قلت لصديقتي صفاء بفرح " إني أكتب رواية" كانت قد اتصلت هاتفيا، وقالت أن أمها ماتت، منذ عشرة أيام، وأنها تحس بالإختناق وبأشياء غريبة، واقترحتْ أن نذهب إلى السينما. واقترحتُ أن نقضي سهرة في بيتي.

- عندي إحساس بأني أتخلص منه على صفحات الرواية.

قالت:

ومن يدري؟ ربما بعد أن تنهي الرواية، تجدين أنه من المحزن التفريط بمثل هذا الحب، فتعودين اليه.

كانت تدخن بشراهة. عزمت عليّ بسيجارة. نفثتُ دخانها، وأنا أقول:

-لا أدري. لا أظن. زمان، عندما كنت أصغر سنا، كنت أقول لا كبرياء في الحب، الآن تبدو الأمور محيرة، فمن ناحية، يجب أن أكون سعيدة، لأني أجد حبا كبيرا في هذه السن، ربما كان ينتظر أن اقدم الكثير من التنازلات، لهذا السبب. ولكن من ناحية اخرى، تبدو مسألة الكبرياء، وكأنها آخر مايتبقى للواحدة منا) .(قصة الرواية التي اكتبها ص 182).

- من الملاحظات التي أجد أنها جديرة بالإنتباه في قصص (كتاب المغامرات) محاولة الكاتبة أحيانا إضفاء أجواء مؤسطرة وحلمية على العالم الكلي للقصة، وبناء توقعات على ضوء أحاسيس ومشاعر ذاتية محضة، مستندة إلى فهم عميق للطبيعة البشرية، وللهواجس التي تنتاب الإنسان وهو يقارع كل يوم مشكلاته، ويصارع أقداره . مثل هذه الإشارات نجدها مثلا في قصة القارب، والحديث الذي يأتي عدة مرات حول ضرورة الأضحية للقارب الجديد كنوع من الموروث الديني الأسطوري الشعبي، وكيف تصبح دماء القتيلة كأنها هي البديل القدري لذلك . وكذلك في الشهد الذي يظهر فيه الناس والصيادون إلى الساحة العامة ويفاجئون بتحطم التمثال الموجود في وسط ساحة المدينة وأن ذلك سيجلب النحس على الناس والمدينة كلها في قصة (موت إله البحر):

(- تلفت حوله وبالغ في الهمس:المسألة وما فيها أنه قيل لأم عرائس البحر إنها تستطيع أن تفك السحر عن بناتها لو ناحت عليهن أربعين سنة، وليلة الحادثة كانت تمام الاربعين، إن كنت تفهم ما أعني .. لكني أظنها لم تحسب حساب ماحدث .

-  لماذا ؟ ما الذي حدث ؟

-  لم ينفك السحر عن بناتها فقط وإنما عن إله البحر أيضا وهكذا تبعهن إلى الأعماق .

وأشار إلى البحر، وبعد أن أقسم أن روايته صحيحة، بشهادة شهود عيان، إستأذن وانصرف).

- في بعض قصص بثينة الناصري نوع من التأمل المطلوب الذي يعتمد على قابلية المتلقي وحساسيته في تأويل ما تخفيه الكاتبة وفي معاينة الحدث معاينة بعيدة عن حركية السرد السريع، فمثلا في قصة (إعلان في صحيفة دمشقية) أثارني في الحقيقة ما أشارت إليه القاصة حين قالت:

(في طيِّ كتاب أخفيت ورقة شجرة – لا أعرف جنسها – لكني تحتها بت ليلة باردة في صوفيا، وفي إحدى الحقائب – لا أدري أيها – مزق رسالة من رجل يحسن الكذب والكتابة، نويت دفنها في تربة بيتي أو أن أزرع فوقها نخلة علّها تثمر شيئا غير الوهم)(ص 46):

بتأملنا للقصة تنفتح أمامنا إثر تأمل المقطع السابق نافذة لتحليل مجمل حدثها، فهي وإن كانت قد حزنت لفقدان حقائبها الثلاث، فلإنها في ذات الوقت تخلصت من أعباء تجارب مرة وفاشلة منها ما لم يعط دفئا إنسانيا، ومنها ما يورث الوهم، لذلك فبطلة القصة تزرع فوق الوهم نخلة عراقية صلبة عريقة النسب حلوة الثمر صامدة إزاء الزمن .

- في قصة (وطن آخر) تقدم القاصة الناصري تجرية مهمة على صعيد تقنية السرد، وتطور الحدث القصصي، فهي في مفصل حيوي من القصة تعطي احتمالين لتطور الحدث، .. الشاب العربي في لندن يتوجه إلى عنوان صديق، الاحتمال الأول هو بيع الصديق لمنزله منذ عامين، والاحتمال الثاني هو استقبال الصديق له، في المنزل . وهذه التقنية موجودة وخاصة في مجال الأفلام السينمائية . تقول القاصة:

(عند هذا الموضع من الحكاية.. يحتج بطل قصتنا لأني عصفت بآماله سريعا ولم أُتح له فرصة لقاء صديقه بعد أن قطع كل هذه المسافات من الشوق واللهفة. وهكذا أجدني مضطرة لإعادة النظر في أحداث القصة .. ولنبدأ منذ أن وقف أمام الباب يضرب الجرس ..)(وطن آخر ص 209).

ولكن الملفت للنظر في القصة هو أن النتيجة المخيبة للآمال هي واحدة في كلتا الحالتين . بل إن الخيبة كانت أشد إيلاما حين وجد الصديق صديقة دون أن يساعده في بناء وضعه الجديد في هذه المدينة الغريبة .

خاتمة:

- كانت هذه الدراسة أو القراءة سياحة أولية في عالم (كتاب المغامرات) للكاتبة والقاصة العراقية بثينة الناصري، ولا نستطيع أن نقول إنها أحاطت بمجمل الصورة البانورامية لتجربة واسعة وعريضة كتجربتها في مجال كتابة القصة امتدت لحوالي خمسين عاما . قضتها الكاتبة وهي تعمل بجد في سبيل ترسيخها وبنائها بشكل متين .

- ولعل من حرص القاصة على إيصال أفكارها وتجربتها، أنها تحاول من حين إلى آخر، أن تورد ملاحظات وهوامش وتفسيرات لما تعتقد أنه قد يغمض على القارئ، أو أن يسهم في إيضاح الصورة الحقيقية لما تريده، وخاصة ما يتعلق بالجوانب التقنية والفنية في بناء القصة، وأشرنا في سياق حديثنا إلى بعض ما أوردته الكاتبة، وإن كنت أعتقد أن ترك ذلك  للمتلقي هو فرصة للتعمق في عوالم الكتابة وأنه أقرب إلى غموض مقبول في هذا المجال السردي .

- من جهة أخرى وكانطباع شخصي وجدت أن القاصة تكون أكثر تألقا في تلك القصص التي تتناول هموما فردية، أو معاناة ذات أبعاد شخصية تعكس هموما جمعية، وأنها في حوارها السردي مع القارئ تكون أكثر حميمية ورفقة وهي تهمس له بالحكايات الجارحة التي يتعرض لها البشر دون أن يستطيعوا فعل شيء، من تلك القضايا الكبيرة التي تتعلق بمجاميع وأحداث عامة وكبيرة، وخاصة القصص التي تتحدث عن قضايا النضال والمقاومة في فلسين والعراق ورموز كوانتانامو وتشرين وبغداد وغيرها من الرموز السياسية التي تجبر القاصة أحيانا على الإستعانة ببعض الشعارات والقضايا ذات البعد الواقعي، على الرغم من الروح الوطنية والقومية الوثابة التي تتمتع بها الكاتبة . 

- وبثينه الناصري عموما هي نفسها أقرب إلى القصة القصيرة حتى في طبيعتها الإنسانية، فهي تختصر حتى في حديثها الإعتيادي، ولا تسهب كثيرا، تحاول أن تحسم الأمور بسرعة حتى لو كان ذلك يسبب لها خسائر غير ضرورية . تكون أحيانا واضحة جدا ومباشرة في التعامل مع الطبيعة والحياة .

وهذا ينسجم أيضا مع لغتها الدقيقة المقتصدة في تصوير الأحداث فهي في الغالب لا تستطرد في الوصف، تتخلص من الحروف جهد الإمكان، حواراتها مسبوكة بطريقة لا نجد فيها إضافات بعيدة عن صلب الحوار أو الموضوع، وحتى في استخدام المفردات الشعبية تنتقي تلك التي تؤدي وظائفها بصورة محددة ودقيقة .

- اعتقد في ختام هذه القراءة أن كتابة القصة لدى بثينة الناصري هي مغامرة فعلا، ولكنها مغامرة محسوبة بدقة، ومغامرة هيأت لها الكاتبة كافة مستلزمات الولوج إلى مجاهيل الإبداع إضافة إلى مجاهيل الحياة .

 

أمجد محمد سعيد - القاهرة

 

ibrahim ohseenكان الشعر ولايزال ذاك التعبير الإنساني العاطفي الصادق، النابع من الشعور الداخلي، والناتج عن مختلف المؤثرات الخارجية المحيطة بكل ذات شاعرة . إذ لا مناص لكل ذات من تبادل مظاهر التأثير والتأثر مع محيطها، مهما بلغت من درجة الانطوائية والانعزالية، ومهما تبنت منطق الفيلسوف المقدوني "ديوجين" الذي آثر إتمام ما فضل من حياته في برميل !!

ولئن أردنا  تعريف الشعر بالشعر أتينا في هذا المقام بأبيات اختصر فيها الشاعر حقيقة هذا الإبداع البشري بقوله:

الشعــر عاطفــة تقتـادُ عاطفــة == وفكــرةٌ  تتجلــى بين أفكـــــار

الشعــر إن لامس الأرواح ألهبهـــا ==كمــا تقابــل تيـــار بتيــــار

الشـعر أنشـودة الفنــان يرسلــه  == إلى القلوب، فتحيا بعــد إقفـــــار

فقل لمـن راح للأهـرام يرفعهــــا  == الخُلْدُ في الشعر لا في صف أحجـــــار

وعليه يستقيم قولنا كون الشعر وجدانا يخاطب آخر في المتلقي المتعطش للجمال والرقي اللغوي، وإن كان كذلك يستطيع مخاطبة المنطق والعقل العلميين في أحايين أخرى. وسوف لن نسهب كثيرا في موضوع الشعر ومنابعه، لأنني متلهف في الحقيقة لأن أقدم للقارئ الكريم هذه الباكورة الشعرية الأمازيغية، التي اختارت لها الشاعرة الشابة " حنان أمجوض " عنوان "إرَفانْ" (العطش)، والعنوان كما يبدو يحيل على ظرفية دقيقة ترصد مختلف الأوضاع الحائقة بنا من كل جانب .فكل منا على الأرجح يعيش عطشه الرمزي، كما أن لكل منا ماءً رمزي يطفئ به ويخفف وطأة لهيب العطش ذاك. فما أكثر العطشى في زمن شحت فيه الآبار والنفوس على السواء !! فكانت الكاتبة بهذا الاعتبار موفقة إلى حد كبير في اقتناص عنوان عملها.

1029 hanan

الشاعرة "حنان أمجوض" في مجموعتها الشعرية الماثلة بين أيدينا، حاولت ما أمكن أن تقارب المعاناة الإنسانية، من خلال المعيش اليومي المكابد على المستوى الشخصي، ومن ثم على مستوى الإنسانية جمعاء، وكأن الإنسان في كل زمان ومكان يفترض أن يجتزئ لنفسه نصيبه من المعاناة البشرية الوجودية الكبرى، ولله در القائل:

وكلنا في طباع النفس منفردٌ == لكننا في بلاءِ الدهر نشتركُ

فعندما ندلف لقصيدة ( تكاسْ= الآلام ) و( تبضيتْ = الفراق ) و(تمَّارا أومسيفاضْ= معاناة الهجر) و(إكيكيلْ= اليتيم) وقصيدة (أزواكْ=السفر)، فلا شك أننا نستشعر قدر ووقع المحن اليومية على الذات الشاعرة المحترقة. تقول في قصيدة (أزواكْ):

نيغاسنْ إستوفامْ أييتافيمْ أفسّايْ

إيولينو ليجْدْرنْ سْكَارْ تيمتارْ.

وتضيف في قصيدة (يُودا= كفى) متسائلة:

إزدْ تودْرتادْ أوركيس أبْلا كارْ؟

والشواهد في هذا السياق عديدة تتخلل قصائد عدة، مما يسمح لنا أن نؤكد كون الشاعرة في ما يقارب نصف الديوان، باتت تتقمص دور "سيزيف" المتألم أبد الدهر . بل ولم تضع قلمها دون التعريج على الألم القديم والحديث في نفس الآن، ووضع الأصبع على الجرح العربي المشترك المعروف بالقضية الفلسطينية. هذه القضية التي أبت إلا أن تمتد منذ اندلاعها إلى يوم الناس هذا، وكأنها حكاية ببداية وبلا نهاية. تقول الشاعرة في قصيدة (أناروزْ ن تدرفيتْ= أمل الحرية) داعية الخالق عز وجل أن يعيد غزة لحضن فلسطين، إيمانا منها ربما بأننا أمة لا تملك إلا أكف الدعاء والرجاء والعويل، في حين تفتقد سواعد العمل والإيجابية حسب ما يقتضيه الواقع. تقول:

رْبي رداغْ ياوسْ أدنرارْ غزة ليكانْ-

تينغْ دْ تنونْ أرْ تِكِيرا أوسانْ.

كما تضيف في قصيدة (غْتكيرا تِنْغْ أتْكا= أخيرا هي لنا):

ماشْ هياغْ ديسْنْ أرْ أسّْنَّا ديوي ربّي تدرفيتْ إ فلسطين.

وتتوالى الانكسارات على بساط القصائد المذكورة، وحُقَّ لها ذلك نظرا للأوضاع المعاشة على مدار الدقيقة، والتى تجعل الإنسان يلتحف المزاج المنخولي الذي لا يرى إلا السواد. لكن يبقى الأملَ خيطُ "أريان " المضيء القادر دوما على مرافقتنا للاهتداء إلى أفق الخلاص والانعتاق. وهنا تنعطف بنا الشاعرة انعطافة ذكية إلى أنهار الأمل الدائمة الجريان، رغم المتاريس التي تنصبها أمامنا الأتراح والأحزان. كأنها إذن تريد أن ننتصر على ذواتنا وأن لا نستسلم للسواد، وهو أعظم انتصار كما ادعى أرسطو.  فتأتي القصائد المعنونة ب: (توادا= المسير) و(تومرتْ= السعادة) و(أزُوزْوُو=استجمام) و(أفولْكِي=الجمال) كاستراحات مقاتل على أديم الحياة، لاستعادة الأنفاس والانطلاق من جديد. تقول الشاعرة في قصيدة (توادا):

ربي دوماغْ أفولكي

هان إلكمْ أوزمزْ نتيدْ عْدْلنينْ .

وتضيف في قصيدة (ياواسْ غوسَّانْ=يوم من الأيام) قولها:

لحنانْتْ أتْعُمُّو أكالْ والا إكنْوانْ .

ويبدو أنه قول، بل حلم أفلاطوني ربما،لكنه على كل حال قد لا يدخل في باب المستحيلات.

هذا نزر قليل من أفياء الباكورة الشعرية الوارفة، وإلا فديوان " إرفان " حافل بقصائد تناسب كل من ملك ذائقة شعرية ولهفة لاستكناه المعاني المبطنة بين ثنايا القصائد والأسطر الشعرية المنطوية على فلسفة شخصية وحكم بليغة، كأن الشاعرة رغم صغر سنها بلغت من العمر ما يجعلها قادرة على قراءة الحياة بهذا النضج والوعي الكاملين.لذلك لا أريد أن أساير شغفي بحرق كل أعواد الثقاب، وأترك الوقت الكافي للقارئ الكريم ليهيئ عُدَّتَهُ ويستعد لفك شيفرات القصائد قصيدة قصيدة، ليعلم أن الشعراء لا يحترقون ولا ينزفون عبثا. فالشعر في آخر المطاف كما قال الشاعر الإنجليزي "بيرسي تشيلي": ليس  مجرد كلمات مصفوفة يقرؤها الناس فيطربون لنغمتها، أو يتسلون بأفكارها، إنه يجمع بين الانفعال والإلهام الإلهي والقانون الوضعي والمعرفة البشرية .

وبهذا يكون الشعر أخلد من حجارة الأهرام ومن حدائق بابل ومن كوليزيزم روما، وهنيئا لرفوف المكتبات بديوان "إرفان" للشاعرة حنان أمجوض،هذا الوافد الجديد الذي يزيدك عطشا كلما ارتشفت منه رشفة.

 

إبراهيم أوحسين

 

husan sarmak"كومة ضمير"

تحليل قصّة "الكومة"

"إنّ اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت لا يقلّ شأناً عن اهتمامهم بدفن موتاهم"

"بوسويه"

في قصّة (الكومة) يضعنا القاص أمام معضلة نفسيّة شائكة ترتبط في جانب منها بشخصية بطلها (القصة تُحكى بضمير الغائب)، في حين يرتبط جانب آخر منها بعوامل أخرى سنلتقطها بعد حين . فالقصّة تتحدّث عن رجل يمارس هواية الركض الصباحي فجر كل يوم، ووفق منهاج ثابت كتقليد في حياته اليومية . يقتطع القاص حدثاً عارضاً – كعادة القصّة القصيرة التي لا تتحمّل بنيتها، إذا أريد لها النجاح والإقتدار، أكثر من ذلك – يحصل للرجل في ممارسته الصباحية، ويلاحق هذا الحدث العارض لمدة ثلاثة أيام . يستهل القاسمي نصّه بوصف حالة الطقس السلبية حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له اشباحاً أخطبوطية:

(كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن) (ص 253) .  وحيث الوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) الذي يُظهره وكأنه يؤدّي طقساً قسريّاً، ولكنه يتناغم مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة حيث المسرح المكاني للحكاية:

(كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه . وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك . وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله) (ص 253) .

ويلتحم هذا الإيقاع الجسدي الذي يحوّل هذه الجولة من هواية إلى ممارسة مازوخيّة تقريباً، بالوصف العام للمكان الموحش في مشهد تمهيدي أعدّه القاص – على الطريقة الشكسبيرية - لاستقبال نذُر وممثلي "المُثكل" كما يصف جدّنا جلجامش الموت . وقد تمثّل هذا النذير الممثّل للمُثكل بـ "كومة" لمحها الرجل بسرعة في أثناء جريه .. وأهملها:

(وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ . ولم يكن لديه متّسع من الوقت، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ .) (ص 253) .

ومن المستحيل فصل النصّ مهما كان جنسه ونوعه عن مبدعه، ولا يمكن – وبتلك الخفّة البنيوية التي أعلنها "رولاند بارت" – إعلان موت المؤلّف بأي قدر من الإمكان . رأى بارت بأنّ النص – وبمجرّد إنهاء كتابته – سوف لا يكون له شأن بكاتبه إلّا بدرجة ضئيلة جدّاً . ويستطيع القارىء وضع أي تفسير للنص يراه مناسباً . وهذا سيمنح القارىء حرّية كبرى في التأويل وفي إهمال نوايا الكاتب . وقد نظر بارت لمتعة القارىء المُستقاة من هذا اللعب الحرّ مع النصّ بأنّه يشبه المتعة المستحصلة من الاتصال الجنسي . لكن حتى في هذا الاتصال يجب أن ترى شريكك ويكون من لحم ودم وليس شبحاً ورقيّاً ميّتاً . المهم أن جوهر الأطروحة هي أن بارت يرى أنّ اللغة هي التي تتكلّم وليس المؤلّف . اللغة تخلق المتكلّمين بها، اللغة تعرف الموضوع ولا تعرف المؤلّف . ولا أعلم كيف يقتنع ناقد و"فيلسوف" مثل بارت بفكرة أن المجرّدات (الحروف والكلمات والأصوات) تعقل وتفكّر وتتكلّم، والأشياء الجامدة (الورقة) يمكن أن تشعر وتخطّط وتبلّغ . اللغة هي مطيّة اللاشعور تحت رقابة مضنية من الشعور . ومهما كان المؤلف بعيداً أو "أجنبيّاً" عن المتلقي أو ميّتاً، فأنّه يتمرأى خلف نصّه أمام عيني القارىء كـ "مؤلّف" من لحم ودم .

ولكن قد يسأل قارىء ذكي ومعاند: وإن لم يعرف قارىء (إسباني مثلا) بأن مؤلف هذه القصّة (الكومة) هو علي القاسمي، هل ستفسد متعته وتضعف دقّته في التأويل والإستجابة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل الكبير نتحوّل إلى موضوعة مركزية حاولت مدارس نقد استجابة القارىء، بل مدارس ما بعد الحداثة، تدميرها، ألا وهي موضوعة (قصدية المؤلف أو المبدع – intentionality) . فـ (حينما تعمد إحدى المدارس النقدية إلى تجاهل المعنى أو الدلالة، كما فعلت الشكلية الروسية والبنيوية الأدبية في تركيز واضح على آليات الشكل وجمالياته في الأولى، وكيفية تحقيق الدلالة في الثانية، يصبح الحديث عن القصدية من باب العبث الصريح . والقول نفسه ينطبق بصورة أكثر إلحاحا حينما تعمد مدرسة أخرى مثل مدرسة التلقي إلى نقل السلطة كاملة إلى المتلقي الذي (يقرأ النص الذي ينتجه هو) أو حينما تعمد رابطة مثل التفكيك إلى تأكيد الغياب في الحضور، وغياب أي مركز للإحالة والمراوغة الدائمة للنص) (10) .

ولسنا من السذُّج بحيث نطلب من هذا القارىء الإسباني مساءلة القاسمي عن (قصده) وهو في المغرب، وقد يكون ميتا لا سمح الله . لكننا مثل الكثيرين من النقّاد الذين اتخذوا مواقف مخالفة لفوضى المناهج النقدية، بعد الحداثية (ما بعد البنيوية / التفكيكية / استجابة القارىء .. إلخ) نرى (أن قدرة اللغة على الإيحاء لا تنفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها، على الأقل حسب نظرية فعل الكلام المعروفة – speech act theory، التي تربط فعل الكلام بقصد قائله . ولو تخيّلنا للحظة ان كاتب (الكومة) ليس علي القاسمي، بل  - حاشاه - قردٌ نشط ضغط على مفاتيح الآلة الكاتبة، أو لو أننا عثرنا على كلماتها وسطورها محفورة على صخرة على شاطىء البحر بفعل الأمواج أو عوامل التعرية، فإن النتيجة ستكون اختفاء القصدية بسبب غيبة الفعل المقصود / فعل السرد المقصود . ولن يبقى أمامنا غير تفسير وحيد أقرب إلى الصحة هو التفسير الذي يتفق مع قصد المؤلف / القاص، والذي يوجد فقط لو أننا سلّمنا بأن (القاسمي) هو كاتب القصّة، وليس القرد أو أمواج البحر، أي أننا نستطيع أن نرفض فكرة قدرة اللغة على تحقيق معنى، مستقلة عن القصد البشري . ويمكننا تطوير الأفكار السابقة حول أهمية القصدية في النص بالقول: إننا لو عثرنا مصادفة على قسم من الرواية منقوشا على الرمال ثم شاهدنا موجة تغطي الكلمات لتمحوها، مخلفة وراءها القسم الباقي ؛ فسوف يتأكد لنا أن الرواية لم تنتجها قريحة إنسان بل جاءت إلى الوجود مصادفة وبصورة عفوية، وشتّان بين الحالتين: حينما اعتبرنا الآثار على الرمال سردا كنا نفترض صفة القصد فيها، أما حينما اتضح أنها بلا مؤلف فإنها لا تصبح كلمات على الإطلاق ؛ إن حرمانها من مؤلف يعني تحويلها إلى تشابهات عفوية للغة ؛ فهي ليست، على رغم كل شيء، نموذجا لمعنى من دون قصد، وفي الوقت الذي تصبح فيه (الكلمات) بلا قصد تصبح أيضا بلا معنى ... إن العلامات التي تخلّفها الأمواج وراءها في انحسارها ليست لغة على الإطلاق، بل شبيهة باللغة . إن المعنى دائما مقصود، وإن اللغة لها طبيعة قصدية، ومن ثم فإن محاولات تفسير نص لغوي في عزلة عن المؤلف أو القصدية محاولات عبثية عديمة الجدوى . إننا حين نطلب من النادل فنجان قهوة فإنه لا يرفض، لا يصبه فوق رؤوسنا، بل يحضره إلينا، ما ندّعيه أن التفسير في حضور منتج قول ما والذي يرى أنه تفسير ملائم هو النموذج الصحيح لتفسير قول في غياب منتج ذلك القول) (11) .

و(رحم الله عبد القاهر الجرجاني الذي قدم ضوابط التفسير الجوهرية وفي مقدمتها تحمّل النص اللغوي والنص الأدبي للتفسير المختلف، وكأنه كان يتنبأ بفوضى القراءة في القرن العشرين قبل حلول ذلك القرن بما يقرب من تسع مئة عام:

(فأما الإفراط فما يتعاطاه قوم يحبون الإغراب في التأويل ويحرصون على تكثير الوجوه، وينسون أن احتمال اللغط شرط كل ما يعدل به عند الظاهر، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تقله من المعاني، يدعون من السليم من المعنى إلى السقيم ويرون الفائدة حاضرة قد أبدت صفحتها وكشفت قناعها فيعرضون عنها حبّاً للتشوّق أو قصداً إلى التمويه وذهابا في الضلالة) (12) .

وعليه، وبعد هذه المداخلة الطويلة نسبيّاً، لكن الضرورية، والتي استخدمتها في مناسبات سابقة لأنها شافية كافية في تقويض أطروحة موت المؤلّف أقول: إنّ "الارتباك" الذي سيلاحظه السيّد القارىء في صياغة الجمل في الأسطر الثلاثة الأخيرة والراوي يتحدّث عن "الكومة" التي شاهدها الرجل في جريه، ليس ارتباك اللغة بتراصف كلماتها واصطفاف حروفها التي لا معنى لها من دون قصديّة القاص المؤلّف، الحي الذي لا يموت في عمليّة الإبداع، فمن المرّات القليلة التي يكرّر فيها القاسمي مفردةً بهذه الصورة التي تثقل الدلالة وتخرج عن السياقات النحوية التي يعرفها باقتدار:

(لاحت له كومة .. ليمعن النظر في الكومة .. حسبها مجرّد كومة !!) (وعلامات التعجّب منّي) ..

فهل هذه الربكة اللغوية الظاهرة تعبير عن تشوّش وجداني على مستوى أعمق في ظلمة اللاشعور يلوب فيها قلق الكاتب من الموت؟ هل جاءت بفعل الانهمام المسبق لدى الكاتب بالمعنى الذي اختزنه للكومة وما يمثّله من رمز أمومي مثلاً؟ ثمّ أي كومة أحجار هذه أو ركام أغصان في حديقة عامة تتم تغطيتها بعباءة؟

تساؤلات كثيرة ومهمّة لا يمكن الإجابة عليها بدقّة وكفاية إذا لم نضع في حسابنا وجود مؤلّف من لحم ودم وراء النص من جانب، وأن لهذا المؤلّف قصديّة مسبقة تحكم مجريات النص من جانب آخر .

في اليوم التالي، وفي الغَلَس (ظُلْمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح) كما يقول القاص، وهو وقت مُبكّر جدا لممارسة رياضة الجري، ويعبّر عن توقيت مُرتبك، انطلق الرجل كعادته كل يوم في ممارسة رياضة العدو في الحديقة العامة المجاورة لمنزله، هذه العادة التي لم يشر إليها القاص في المقطع السابق حين رأى "الكومة" لأول مرّة من أجل أن لا تُفسد "العادةُ" المفاجأةَ، لأنّ الحديث عن عادة يوميّة يُضعف استقبال الأحوال العاصفة، التي واجهها الرجل لأول مرّة، حين نضع في احتمالنا أنّه يمكنه التراجع عن عادته لصباح واحد . يوحي إصراره بدوافع قلقة تشي بقدر من "فوضى" داخليّة تتسق مع الفوضى الخارجية في الطبيعة والمكان .

ومن جديد، يستخدم القاص مفردة "الغلس" للتعبير عن الوقت الذي خرج فيه الرجل للركض، ولأنّه قد أشار في مقدّمة هذه الفقرة إلى توقيت أعمّ (في فجر اليوم الثاني ...)، فإن هذا التخصيص يبدو وكأنّ الرجل فيه قد قطع شوطاً طويلاً في جريه ليصل مرحلة "الغَلَس" التي يأتي تخصيصها لتعزيز "دراميّة" عمليّة لمحه للكومة مرّة ثانية، وهو تخصيص ودلالة تعكس شدّة انفعال القاص بموضوعته خصوصاً أنّ الفعل قد انتقل من المصادفة في اليوم الأول: (لاحتْ له كومة قاتمة على جانب الممر) إلى التصرّف الإرادي: (لمَحَ الكومة ما تزال في مكانها على جانب الممرّ) . كما حصلت نقلة في "التأويل" بين اليومين، ففي اليوم الأول اعتبر الكومة كومة أحجار أو ركام أغصان، ولكن، الآن، في اليوم الثاني، ندّت حركة مُريبة كما يصفها الرجل ـ فافترض أنّها حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً . وفي الحالتين يبرّر عدم تقرّبه من الكومة لغرض معرفة ما فيها أو تحتها بعدم وجود متّسع من الوقت لديه . لم يفكّر أبداً في أي احتمال آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة "إنساناً" مثلاً . أبعد عن ذهنه مثل هذا الإحتمال المُقلق، فهو احتمال قد يثير مخاوف دفينة لديه هو "الراكض" وكأنّه هاربٌ من "شيء" ما يطارده . وفي المرّتين ينبثق "صوت" يختم موقف الرجل في الحالتين بالتعليق: (لا يهمّ) . فقد صرنا نشهد انسحاباً لدى الإنسان نحو ذاته، إنسحاب يجعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ شيء . صار الفرد يتوحّد بما يقوم به من أفعال ناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيّرات تستحق الالتفات . إنّ هذا الركض اليومي الذي يعكس انهمام عميق للرجل بصحته وسلامة جسده وكماله يعبّر عن نرجسية مفزوعة من الموت ؛ مفزوعة بتكتّم ينفضح بالحدّ الذي لا يستوقف الشخص ويمنعه من إكمال شوطه الفجري (الغَلَسي) أيّ شيء . طبعاً بالإضافة إلى مبرّر اللحاق بالعمل الذي هو مبرِّر واهٍ لا يمنعه من مجرّد التأكُّد إلّا إذا كان يتوقع بقدرٍ ما أنّ في الكومة "شيئاً" قد يفرض عليه التزامات وتداخلات خارج احتياجات الحجارة أو الأغصان أو الكلب السائب . فلمجرد أنّ الرجل قد فكّر بماهيّة الكومة وقدّم تفسيرات احتمالية لها (حجارة، أغصان، كلب، قطّة) واحتمالا اليوم الأول: حجارة، أغصان، تناقض احتمالي اليوم الثاني: كلب، قطّة، من ناحية حجم وتناسق وثبات الكومة في كلّ منها، فإنه قد أزاح عن ذهنه الاحتمال الأكثر توقّعاً ومنطقيّة . لقد جفّت مشاعرنا واستعبدتنا متطلّبات الحياة، وتمّ تدريبنا – للأسف – على السلوك الهروبي، والانشغال بذواتنا وسلامتها فحسب . لعلّ هذا من الدروس الأخلاقية الكبرى التي يريد القاسمي توصيلها إلى متلقّي نصّه هذا . (لا يهمّ) .. هذه الجملة البسيطة تعبّر عن اللااكتراث وتبلُّد العواطف، والانحشار الأناني في خانة ذات منشغلة بذاتها ومتطلّبات حياتها . (لا يهمّ) .. هذه الجملة البسيطة هي مفتاح خراب الحياة في أيّ مجتمع، وقد توصل إلى الكوارث الجسيمة التي لن يفيدنا أن (نهتمّ) بها بعد فوات الأوان . وهذا ما حصل في اليوم الثالث، ولا أدري لماذا تكتمل دورات أغلب الأمور في اليوم الثالث وخصوصاً المصائب . ففي اليوم الثالث تراءى للرجل وهو يركض كالعادة مقترباً من الكومة في المكان نفسه على جانب الممرّ، تراءى له ما يُشبه اليد ممدودة منها . ومع ذلك تجاوزها بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء . الآن اتضحت هويّة "الكومة" . لم يفكّر هذا الإنسان بأي احتمال غير الاحتمال "المادي" .. الإحتمال المرتبط بالعوز والحاجة للمال (الذي قد يكون واحداً من مصادر القلق التي "يركض" منها !) . أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض .

تُرى ألم ينظر إلى وجه هذه العجوز التي مضت عليها ليلتان وهي في عراء وبرد الحديقة؟ ألم يتمعّن في تعبيرات وجهها قبل أن يفكّر بمتطلّبات "يدها"؟ لقد فكّر في اليد قبل الوجه .. فكّر في اليد الممدودة كتعبير عن الحاجة للمال ولم يخطر بباله أن يكلّم هذا الجسد ليتعرّف على ما يبغيه، فقد يكون في غنىً عن المال، ولديه حاجة أخرى . لم نعد نرى من أخينا الإنسان سوى علامات عوزه وفاقته وجوعه .. لم نعد نسمع نداءات روحه .. تلك النداءات التي لا تسكّنها أوراق النقود ولا تشبعها غير الاستجاية الحيّة من روح إنسان مُعين وصبور ومتعاطف . صار همّنا أن نحصل على بيت دافىء لا نتخلّص فيه من سياط البرد والعواصف حسب، بل نتخلّص فيه من مجرد التفكير بمن لا منازل لهم من إخوتنا . ما الذي حصل لضمائرنا؟ وهل صارت تركض معنا مما يواجهها من مسؤوليات؟ هل صارت ضمائرنا لا تفكّر بـ " الأمانة " التي رفضت حملها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها؟ هل هذه هي الأمانة التي تصدّى الإنسان – الغشوم الجهول – لحملها؟ هل سأل رجل القصّة نفسه يوماً ما، أو حين رأى الكومة، عن "أمانته" التي تسلّمها من الله؟

إنّه يصرّ – من جديد - على وضع النقود في يد عجوز الكومة:

(التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود . لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة . ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه . وأ﴿شاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً . وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة) (ص 254) .

وإذا كان في مشهد سقوط جثّة العجوز الأخير الكثير مما شاهدناه في الأفلام السينمائية، فإن السؤال المزلزل الذي سوف يلاحقنا بعد أن ننهي هذه القصّة هو: ألم يكن بإمكان هذا الرجل الركّاض (وهو في الحقيقة "مركوض" .. ومن معاني الجذر رَكَضَ الإضطراب والتقلّب المعبّر عن القلق .. والفرار أيضاً ﴿إذا هم منها يركضون﴾ الأنبياء/12 – وكلّها تنطبق عليه) التقرّب من الكومة في الغَلَس الأول ومعرفة ما فيها؟

وهل كان من الممكن – لو اكتشف أنّ فيها عجوزاً - أن لا تموت هذه العجوز؟

طبعاً هذا ممكن .. ولكن عندها لن تبقى حكاية أبداً، بل خبراً عابراً باهتاً لا يُرجف أعماقنا ويدفعنا نحو هذه التأمّلات الرهيبة . الموت هو صاحب الفضل الاول والأكبر على الحياة وليس العكس . لا حكاية من دون الموت . وخطاً أن نقول أنّ فلاناً تعلّم من "دروس الحياة" . في الحقيقة نحن نتعلّم من "دروس الموت" ؛ الموت هو المعلّم الأوّل والأخير .

إنّ علينا ألّا نستخف بـ "النذر" الصغيرة التي تقابلنا مصادفة . لا توجد مصادفات في دروب المثكِل . ولو تأمّلنا تاريخ البشرية، وحياتنا اليومية على حدّ سواء، لوجدنا أنّ نذر الموت الموصلة إلى الخراب والفناء تكون دائماً بسيطة وصغيرة . خذ الدرس من سيّدة الحكايات: ألف ليلة وليلة . فالعشرات من حكايات الدمار والتمزّق الذي يلحق بحيوات الشخصيات يبدأ بمتغيّر عابر ومبتذل وقد يكون مُحتقراً: شعرة من رأس، رسالة، وشم بسيط، قنينة، خرزة، فردة حذاء ... إلى أخره من الأمور والأشياء التي نستهين بها عادة، وفيها يكمن مفتاح فنائنا، وكأنّ سيّدة الحكّائين الفيلسوفة "شهرزاد" تريد تذكير الطاغية شهريار بأن لا يؤمن بعقله المتنفّج كل الإيمان، فتعمى بصيرته عن رؤية حكمة الله والحياة والقدر مبثوثة في أضعف المخلوقات وأبسط الاشياء، وأهمها حكمته العظيمة: في أننا نموت . وأينما نولّي فثمّ وجه الموت . ولأنّ سيّدة الحكّائين هذه أدركت سرّ الحكاية، فقد تناسلت على يدها لألف ليلة وليلة .. بل لمئات السنين حتى يومنا هذا .

تبقى ملاحظة أخيرة في الجانب اللغوي وتتعلّق بالعنوان: "الكومة" . فالكومة قاموسيّاً هي مؤنّث " الكَوْم "تعني (كلُّ ما اجتمع وارتفع له رأسٌ من تراب أو رمل أو حجارة أَو قمح أَو نحو ذلك) أو (القِطْعَةُ الْمُتَجَمِّعَةُ مِنَ أَيِّ مَادَّةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، كَوَّم الفلاّحُ التّبْنَ جمعه وألْقَى بعْضَهُ فوق بَعْض وارتفع له رأس، جعله كومًا:- كَوَّم حجارةً / قمْحًا / الترابَ / الحصى / المتاعَ .

وعليه فإنّ الكومة لا تنطبق على الشيء المُفرد كالكلب أو القطّة، بالإضافة إلى أنّها لا تكوّم بالطريقة المشار إليها أعلاه . وقد يعكس هذا الإستخدام ربكة الكاتب اللاشعورية بفعل ضغوط قلق الموت الذي ينبغي أن نشير إلى أنّه – حين نَعِيه – من أقوى العوامل الخلّاقة الدافعة نحو الإبداع والنضج المعرفي والحضاري .

القصة التي تم تحليلها:

الـكـومـة  د. علي القاسمي

كانت العَتَمة تلفُّ أشجار الحديقة العامَّة ونباتاتها، فـتُخـيَّل إليه كأشباحٍ سودٍ طويلةٍ وقصيرةٍ ذواتِ أذرعٍ متعدَّدة متحرِّكة مثل إخطبوط هائل داكن. وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعًا يتكسَّر تحت وقع قدميْه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيَّةٌ تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أُذنيْه وأنفه وشفتيه فتحيلها حمراءَ قانيةً كعرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله. وفيما هو يجري مسرعًا مكدودًا، لاحتْ له كومةٌ قاتمةٌ على جانب الممرّ. ولم يكُن لديه متَّسع من الوقت، ليمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة؛ فاكتفى بأنْ حسبها مجرَّد كومةِ أحجار جُلِبتْ لترميمِ سياج الحديقة العامَّة، أو ركام أغصان تجمَّع من جراء تشذيب الأشجار. لا يهمّ.

في فجر اليوم الثاني، انطلق كعادته كلَّ يوم يمارس رياضة العدو في الحديقة العامَّة المجاورة لمنزله. وفي الغَلَس، لمحَ الكومةَ ما تزال في مكانها على جانب الممرّ. وعندما اقترب منها هذه المرَّة ندَّت منها حركةٌ مريبةٌ. ولم يكُن لديه من الوقت الكافي ليدقّق النظر أو يطيل التأمُّل، إذ كان عليه أن يعود إلى المنزل مباشرة للاستحمام، وتناول طعام الفطور، والتوجُّه إلى مقرِّ عمله في المصنع قبل الساعة السابعة صباحًا؛ ولهذا اكتفى بافتراض أنَّ الحركة صادرة من واحدٍ من الكلاب أو القطط السائبة التي تتّخذ من الحديقة ملجأً. لا يهمّ.

في اليوم الثالث، وفيما هو يركض مقتربًا من الكومة ذاتها في المكان نفسه على جانب الممرِّ، تراءى  له ما يُشبه اليد ممدودةً منها. وبعد بضعةِ خطواتٍ، توقَّف عن الجري ليعود القهقرى إليها، ويحدّق فيها؛ فإذا بها امرأةٌ عجوزٌ متلفِّعةٌ بعباءةٍ سوداءَ، تسند ظهرها إلى شجرةٍ كبيرةٍ من أشجار الحديقة. ظلَّ مطرقًا هنيهة، ثمَّ دسَّ يده في جيبه وأخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء. ولكنَّها لم تقبض النقود، فسقطتْ على الأرض. التقط النقود، وحطّها مرَّة أُخرى في يدها، ونبهها بالمناداة، ولكنَّها ظلّت صامتةً، ولم تقبض النقود. لمسَ كفها وحرّكها بلطف لعلَّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنَّ برودةً مريعةً سرتْ من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّسًا. وقبل أن يتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثةً هامدة.

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

ahmad alshekhawiفي تجارب مهمة  على هكذا منوال، لعلّ السؤال العريض  الأكثر إلحاحا ، من جهة منحه إيانا انطباع أنّه جدير بالتوّقف عند حدوده،ومن حيث هو، أيضا تجاوز لكل التوقعات،باعتباره إنما نُقش في جدار اللاوعي، بأحرف من دم لا حبر فقط ،دم فوّار يغلي مع ما يشهده الراهن من تقلبات في الأحداث وتسارع محموم عاصف بالآمال الإنسانية ومذوّب لفسائل استنبات ساحة ملائمة لفضّ عقد القبح والنتانة والتشوهات، من أجل عالم متناغم والنبض الإنساني المستجلب لقوى مؤثّرة تعيد له هدأته و توازنه المنشود.

جاعلا إيانا في دوامة ، بلبوس حمّى تحسّس الشقوق الضمنية المؤدية إلى جملة من التوليدات الزاخرة والضاجة بنوعية من دوال ذاتية تفيد الحسّ الثائر والإيقاع المتمرّد.

قلت لعلّ السؤال وإن تقنّع بأوجه عدّة مراوغة قابعة في المابين،المنطقة الرمادية و مفردات التعرية والمكاشفة، والطابعة لخصوصيات وحساسيات معينة، ضاغطة ومضغوطة، تنهض عليها ملامح الفروق والمفاضلة بين جيل وآخر يعقبه، بيد انها تلتقي جميعها لتضرب بجذورها في لحظة الانشطار الذاتي والتمزّق الوجودي بشتّى صنوفه وتجلياته.

السؤال لماذا..؟ اطرادا مع المسكوت عنه وسائر ما يضمره هذا المُختزَل،ويفضي إليه من عوالم تحتية طيفية ومحايثة لمسارات تفشّي الوجع المتراخي والمثقل بثقافة الشخصنة و الفرادنية وأعراض التوحد، مع موجبات إدخاله وتوظيفه في الفسيفساء التي قد تتيح له الوصف بكونه جرعة مضاعفة من إفرازات التلاقح الحضاري المحاصر بتحديات جمّة يعزب حصرها، فيما تتوجب الإحاطة ببعض جنباتها، من زوايا ليّ عنق الكلمة،في نطاق عاكس لما يسعفنا في التوغل ، تدريجيا ، في طقوس شعرية  الهزلي،بعدّه ثيمة مشاكسة،تتمّ المراهنة عليها في نسيج المواقف الهلامية الطيعة للمخيال في اغترافه من تفاصيل اليومي،والتعويل على قوالب لا تتعثر في صياغة هواجس التجدد واجتراح سراديب المنسي والمعطّل، كضرب من مسايرة محققة للصدمة والصعق ومعارضة لما هو امتداد في جغرافيا الاستحواذ المادي وجبروته على مكامن الكينونة و خبايا الروح التواقّة للإستقلالية والانحياز إلى المطلق واللامحدود، ضمن خارطة لتداخل وتكامل الأفقي والعمودي، انطلاقا من ذات الرّفض، وعودا إلى تخومها.

في الإضمامة " كادر باتساع المشهد" والتي هي قيد الطبع،سرب المعنى الذي نرومه،ونزعمه هاهنا، وإمعانا في طرحنا، ليس ثمة بدّ من التعريج على بعض ظلال ذلك، عبر الاقتطاف الومضي الخاطف، التالي، من المخطوط الذي نأمل له رؤية النور عما قريب، لأهميته و نوعيته ولأغراضه المكتنزة بروح المغامرة والتجريب قبل كل شيء آخر:

" ... تبرئ ذمتك

وترمي رعاياك

بالغباء السديم

وتجهر في وجه الرب

كنت نعم الأب

ياأبانا في شرم

كلما تذكرنا شعرك الفاحم

وأنت في الثمانين

ووجهك الصبوح

ومشيتك الخيلاء..."

...................

"... بوعزيزي

شكرا عود الثقاب

علمتنا كيف

نضيء بأرواحنا

دمس الوطن..."

..................

" ... المسحولة

لابكاء بعد اليوم

لاخجل

فالملائكة حفتك بالطهارة

ساعة الخزي

ولعديمي النخوة

العري الأبدي..."

....................

" ... يارب هبني ذاكرة

م

ث

ق

و

ب

ة

وحولا بسيطا

فحماة الله ملئوا دنياي

أنا عاشق الحياة صخبا

وغبارا... "

.........................

" ... ياسادة

لجسد الميت قداسة

وهذا أبي المبعوث في الشعر رسول

هذا أبي ليس وطننا المنكوب

المنكود المصلوب شقاقا

دعونى أملأ عيني

بالوجة الحاد قسمات

المنحوت كبرياء... "

....................

" ... لاتعجلي بقيامتي

يا دنياي هو الحلم الزائف

خانني فخسرت حريتي

وأبقت الأيام على

إرث خيبتي..."

................

" ... الزوجة المشتهاة :قالت

رمضان ولى

فتعال من أول النهار

ارتع في جناتي وفى المساء

دع الساق تشكو لهفتها للساقي

واصلب على القد الناتح شوقا

آهاتي..."

.................

"... للنيل

ألا يرد التحايا على العاشقين

الصبايا

الجالسين همسا على كتفه

وأن يولي بوجهه

فيوم عسرته

تركوه

والأحزان

وحده والهموم

يداوي الجرح

الذي كاد يرديه

لولا  أحبته الغيوم ..."

..............

" ... أماه

فى دواوينك المهترئة وردة

تفيض حياة

رغم مرور الأيام

أماه

لم كل هذه الدموع ؟!!!!"

................

"... النيل يبكيك يا آخر العناقيد

في كرمة المخلصين للنهار

للوئام للوطن المبتلى

 بفراق الأبرار الصالحين

النيل يبكيك... "

...............

" ... راجين الأرض

أن تهبنا مخلّصا جديدا

والسماء تمسح عن الوطن

السديم

ياآخر ال

                 ق

                       ن

                           ا

                                د

                                     ي

                                         ل..."

لماذا...؟ ذلكم المفصل الحيوي المحيل على وقفات تمليها عتبة الديوان/ كادر باتساع المشهد، هذه الإفادة بما هو باعث على الاستغراب والاستنكار الواشي بالمعرفة المسبقة والتمكن من أجوبة لفيض وطوفان من استنطاقات ،مثلما تستدعيها إقحامات مقصودة ، لا عرضية، ويبسطها حال التلاعب بالمعطى الوجودي المغرق في صوفية الارتكان إلى نتوءات جوانية تغطس في معالجات درامية مغلّفة بخطاب ملحمي لاذع بكوميدياه المتفحّمة.

فضلا عن أن المناورة لا تبصم مشاهد لعبة الذات المكلومة والمأزومة، إبداعيا، بسوى اعتناق النفس الملحمي الملتزم بإرسالية بين شعرية المطولات و النص الومضي المشدود إلى الوحدة العضوية، في التحام تام ودورات مكتملة وانفلاتات ما تفتأ ترمّم التحامها بعتبة المنجز انتهاء.

لتتأتّى جماليات الغرض،وتبرز أكثر وعلى شاكلة تبرر مناحي انتشار سياقات النصوص وتعلل منسوب أدائيتها المكتظة بالحمولة الوجدانية المتشربة من أيديولوجيات تحاول مناهضة الوضع السياسي القاتم القائم.

لماذا تمّ ويتم إجهاض كل ثورة يسعى أصحابها إلى الخلاص من جلْد وسرطان طال، ويتأممون البديل سياسيا واقتصايا وثقافيا واجتماعيا، لأوطانهم...؟

منذ فجيعة البوعزيزي،وربما قبلها،وإلى الآن وكما سيكون فعل الدناءة والبهيمية والخسة ، في ما سوف يأتي كذلك، دونما ريب.

إنها زمرة من الشعراء الذين أبوا إلا أن يخطّوا أو يوثّقوا أحلامهم المشروعة، ويسجلوا براءتهم من حقبة أكثر دموية،وعصر متوحش يتمادى بابتلاع أبناءه قاطبة دون تمييز،بنهم، بلا هوادة.

الحقبة التي سرعان ما تفضح زيف المجدّفين خلافا لتيار المواكبة، والكتابة بسوى النار والدم المقابل بل والمتجاوز للغة النار والدم ،لتدين جحافل المتعالين، المتشدقين من أبراجهم العاجية،وآل السمسرة والمتاجرة بجرح يتعمّق وتئزّ أخاديده المترعة قيحا وصديدا.

ضدا على هؤلاء ممن يمثلون وينتسبون إلى الأبواق المخزنية المتصادية مع النرجسية المقيتة، نلفي الزمرة التي أشرت إليها،وقد طفت على الساحة بفعل فاعل، لا من العدم،لتغرّد بما هو حقّ وأكثر من مجرد رد فعل ، واعتراض على سياسة هوجاء تخول لآل الحماية برواسب أخطاء التاريخ،وتشجعهم على التشبث بشرعية مزعومة، مكرسة لكاريزما وبريق كراسي العروش، ومنظومة ما تعتّم عليه من عنتريات وسادية وأدوات مسخرة للجلد والردع والقمع، ومخلّدة لسلطة الاستبداد والطغيان واستعباد الشعوب المقهورة أصلا.

 

احمد الشيخاوي

 

karem merzaما أشبه الليلة بالبارحة، وأعني بصرة الأمس وموصل اليوم ...متى نتعظ؟!!

 ذادَ عن مقلتي لـــذيذ المنــام*** شغلها عنه بالدموع السجام ِ

أيُّ نوم ٍمن بعد ما حلّ بالبصـ ****ـرةِ من تلكمُ الهنات العظام ِ

إنَّ هذا من الأمـــورِ لأمـــــــرٌ *** *كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهام ِ

لهف نفسي عليك أيّتها البصـــ ***ــرة ُلهفا كمثل لهبِ الضّرام ِ

العبقري الخالد ابن الرومي يبكي خراب البصرة  إبان ثورة الزنج (255 - 270 هـ)، في أروع رثاء إنساني، إبراهيم عبد القادر المازني يقول عنها: "  قصيدة في الطبقة الأولى من الشعر، لو غيرت ما فيها من الأسماء والمحليات لخيل إليك أنها مما قال " بيرون " في سبيل استقلال اليونان أو " توماس هاردي " في إبان الحرب العظمى"

إليكم القصة، ونقصُّ عليكم القصص، لعلكم تتذكرون وتتقون:

ابن الرومي علي بن العباس بن جريج، الشاعر العبقري الخالد من نكبة البصرة العظمى في التاريخ، والرجل عراقي المولد والنشأة والإقامة والنفس والأحاسيس، وعربي الشعر والشعور، وإنساني النزعة والجذور، لا عيب في روميته، لا سابقاً، ولا لاحقاً، الا أنّه رومي !:

والشـِّعر ُكالشـَّعر فيهِ ***مع الشبيبة شيبُ

كمْ عائبٍ كلَّ شيءٍ ****وكلُّ ما فيه عيبُ

قدْ تحسن الرومُ شعراً **ما أحسنتهُ العُريبُ

يا منكرِ المجد فيهمْ **أليس منهمْ صهيبُ؟!

عاصر الشاعر النكبة النكباء، وهو في ريعان شبابه (عمره 36 سنة)، مثله مثل الطبري المؤرخ العظيم، فابن الرومي من مواليد بغداد سنة 221هـ / 835 م، وتوفي مسموما فيها على يد الوزير القاسم بن عبيد الله سنة 283 هـ / 896 م، لم يغادر بغداده طيلة حياته سوى ثلاثة أشهر، لم يتوفق بالوصول الى الخلفاء، ولما وصل الى كرسي الوزارة دُحرج مسموما، خوفا من سلاطة لسانه، وإنطلاق قلمه، فالرجل كان شاعر الناس،، حامل همومهم، وكاشف كروبهم، مكمن أحلامهم، ومبيـّن آلآمهم، لا في عصره، إذ كان تعيساً مغمورا، وموسوساً معذورا، وعبقريا مهدورا، بل بما عكسه للأجيال عنهم، فمن حسن حظنا، وحظ تاريخ الأدب العربي، أن يرسم بريشته الفذة ملامح أحداث المأساة البصرية لحظة لحظة، وصورة صورة، صور حية ناطقة، لا يستطيع حتى من شاهدها عيانا، أن يدركها إحساسا، نترك الأستاذ الكبير ابراهيم عبد القادرالمازني أن يبدي رأيه في ابن الرومي و: " قصيدته الرائعة لما اقتحم الزنج البصرة، وأعملوا في أهلها السيف، وفي مساكنها ومساجدها النار، فقال ميميته الفريدة في لغة العرب، واستنفر فيها " الناس " - الناس أي الجمهور لا الخليفة ولا وزراءه ولا الأمراء - وجعل يستنفرُّ نخوتهم فيها بوصف البصرة وعزّها وفرضتها (مينائها) ثم بالأهوال التي حلّت بها من غارة الزنوج والفظائع التي إجترحوها، والحرمات التي استباحوها، ثم بتصوير الخراب الذي حلّ بها، والهوان الذي أصابها، ثم بتصوير الموقف في الآخرة حين يلتقي الضحايا والقاعدون عن نجدتهم "عند حاكم الحكام " ...وهي - والقول ما زال للمازني - قصيدة في الطبقة الأولى من الشعر، لو غيرت ما فيها من الأسماء والمحليات لخيل إليك أنها مما قال " بيرون " في سبيل استقلال اليونان أو " توماس هاردي " في إبان الحرب العظمى" ...وإنه لعجيب أن تخلو القصيدة من كل ذكر أو إشارة، صريحة أو خفية، للحكام، وليس يسع القارىء إلا أن يذكر بها ما كان يستفز به الكتاب والشعراء والجماهير في أممهم في إبان الحرب العظمى الأخيرة " حجارة بعصفورين - والأمثلة تضرب ولا تقاس - شاركنا رأيٌ آخر بابن الرومي وقصيدته العصماء، وتذكـّرنا وذكـّرنا بأحد أعمدة الكتاب العرب الكبار المعاصرين، فإنْ نظمَ الأولُ عقده عن قرب زماني وبعد مكاني، وأثنى الثاني وهو أبعد وأبعد، فأنا أكتب عن بصرتنا لفضل التعلم والتعليم والعرفان، وحق الإستضافة والإقامة والإحسان، وواجب الوطنية والقربى والإنسان، فهي أقرب من القريب، وإن كانت أبعد من البعيد !! المهم أنّ القصيدة وإنْ لا تعتبر من مطولات ابن الرومي كهمزياته في عتاب أبي القاسم الشطرنجي (149 بيتا)، وفي الوزير الذي صرعه مسموما القاسم بن عبيد الله (216 بيتا)، وداليته في مدح صاعد بن مخلد (282 بيتا)، ورائيته في رثاء المغنية بستان جارية أم علي بنت الرأس (165 بيتا)، ولاميته العملاقة في مدح وعتاب علي بن يحيى النديم (337 بيتا)، وميميته في مدح عبيد الله بن عبد الله (303 بيتا)، وميميته الرائعة في رثاء أمه (205 بيتا)، ونونيته الفريدة في مدح اسماعيل بن بلبل (231 بيتا) ...، نقول إنَّ القصيدة البصرية بالرغم من قصرها نسبة للمطولات الرومية، فإنها تعتبر ملحمة في المقاييس الشعرية، تبلغ أبياتها ستة وثمانين بيتا منضدا، ولكن الأكثر من هذا منزلة وأسمى روعة، إن البواعث للقصائد المشبهة بطولها شخصية، سيان لمصلحة تـُرتجى أو لوجدان يـُرتقى، اما الدوافع في رثائه للبصرة ذات نزعة إنسانية شاملة، انتقل فيها من مجال الفرد الى أفق النوع في زمن لم تكن صورة الوطن مرتسمة في العقل الجمعي الا بالسكن والألفة المعاشة، وقوله الشهير (ولي وطن آليت آلأأبيعه ...)، لا يعني فيه الا سكنه ! ثم لم يلجأ فيها للعدل والإنصاف سوى حاكم الحكام، وكفى بالله شهيدا، والقصيدة متماسكة، لايمكن تجزأتها، فليرجع إليها من شاء، ولو اننا نقتطع منها أجزاء للذكرى والوفاء، فيبدأها بالتحسر واللوعة والبكاء:

ذادَ عن مقلتي لـــذيذ المنــام*** شغلها عنه بالدموع السجام ِ

أيُّ نوم ٍمن بعد ما حلّ بالبصـ ****ـرةِ من تلكمُ الهنات العظام ِ

إنَّ هذا من الأمـــورِ لأمـــــــرٌ *** *كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهام ِ

لهف نفسي عليك أيّتها البصـــ ***ــرة ُلهفا كمثل لهبِ الضّرام ِ

ويتلهف عليها مرارا، ويعيدها تكرارا، ويعضه إبهامه، ويزداد غرامه على مدى أعوامه، لأنها معدن الخيرات، وقبة الإسلام، وفرضة البلدان، ومن بعد لِمَ لا؟! وجمعها متفان ٍ وعزّها مستضام فيواصل لوصف ما حلّ بها بالصارم الصمصام في مدلهم الظلام، وإليك بعض الصور المأساوية، مع تحفظي على (عبيدهم)!، كما تحفظت من قبل على (العبد) المتنبي، لكلّ زمان ٍ عرفه ودلالته:

بينما أهلهـــــــــا بأحسن حـال ٍ**إذْ رماهم عبيدهم باصطلام ِ

دخلوها كأنهم قطــــــع الليـــــ**ــــل إذْ راحَِ مدلهمَّ الظلام ِ

كمْ أغصّوا من شاربٍ بشراب ٍ**كمْ أغصّوا منْ طاعم ٍبطعامِ

كمْ أخ ٍ قدْ رأى أخـــاه صريعاً **تربَ الخدِّ بين صرعى كرام

كمْ أبٍ قدْ رأى عزيزَ بنيـــــهِ ** وهو يصلى بصارم ٍصمصامِ

كمْ فتاةٍ بخـــــــــاتمِ الله ِ بكــرٍ ***فضحوها جـهراَ بغير اكتتامِ

كمْ فتاةٍ مصونــة قد سبوهــــا **بارزاً وجههــــــا بغير لثـــِامِ

ألف ألف ٍ في ساعة ٍ قتلوهـمْ**ثمَّ ساقوا السّّباء كالأغنــامِ ِ

لا تتخيل رجاءً أنني قد جمعت لك كلّ (كمكماته) الخبرية التكثيرية حتى وصلت معه ومعك إلى (ألف ألف)، كلا وألف كلا، فابن الرومي يجرّك من يديك، ويدور بك على الضحايا فردا فردا، بيتا بيتا، زنقة زنقة!! حتى يتيقن من أنك قد استوفيت الصورة مندهشا، منحنيا له برأسك، ولا يكتفي بهذا، ولا يهدُّ يديك ! الا وقد تأكد أنّ صوره: ومعانيه استنفدت تماما، لا مطمع فيها لأحد، ولا بقية لباق، فهو ضنين بها، حريص عليها، على حد تعبير ابن رشيق في (عمدته)، وابن خلكان من بعده في (وفياته)، نسيت أن أقول لك عندما ينتهي من (كمكمكاته)، يقذفك بسيل من (رُبّاته)، ولا تذهب بك الظنون انه خففّ الوطأ، ومال الى التقليل بالتغيير، كلا ..إنه يريد أن يمهد لذاكرتك الطريق للإنتقال من البصرة المتدهورة الى البصرة المزدهرة لتقارن وتتأمل باستخدام كلّ الأساليب البلاغية، وليبث خوالجه وعوالجه، ويريد منك أن تربت على كتفه، وتأخذ من خاطره، وتقول له: أحسنت وأجدت، وهو جدير بهما أي جدارة، إقرأ معي:

رٌبّ بيع ٍهنــاك قد أرخصوهُ *** طال ما قد غلا على السّوام ِ

ربّ بيتٍ هنـــــاك قد أخرجوهُ ** كان مآوى الضّعاف والأيتام ِ

ويواصل، رُبّ قصر دخلوه، وكان صعب المرام، وربّ ذي نعمة تركوه محالف الإعدام، وربّ قوم تشتت شملهم بغير نظام، ثم ينوح ويولول متسائلا عن بصرته العامرة بـ (أين)، وهو الأدرى بالجواب الصواب، خذ - وقد أدخلك مرغما الى المرحلة الرابعة من فكرته دون أن تدري - أين ضوضاء الخلق فيها، وأسواقها ذوات الزحام؟ وأين فلك فيها وفلك إليها؟ .. مكنياً بذلك عن الحركة والإزدهار أيام زمان، وقبل أن تتنفس الصعداء، وتعلق الآمال، يدمج الصورتين، ويخلط اللونين، ويرسم صورا متداخلة، ناطقة بالآثام، صارخة بالآلآم، نازفة الدماء لأجسام مقطعة الأوصال، حُشيت جروحها بالرمال، ويستعير الذل والهوان، ليكني بهما عن النعال تشبيها (استعارة مكنية)، ويقابلهما بالتبجيل والإعظام، ولكن نشرع ببُدلت:

بدّلت تلكم القصــــــور تلالاً ****من رمادٍومن ترابٍ رُكـــــامِ

وخلت من حُلولها فهي قفـــرٌ **لا ترى العين بين تلك الأكام

غير أيدٍ وأرجل ٍ بائنـــــاتٍ *** نُبذت بينهنّ أفلاق هــــــــــام

ووجوه ٍقد رملتها دمــــــــاءٌ * بأبي تلكم الوجـــوه الدوامــــي

وُطئت بالهوان والذل ّ قسراً **بعد طول التبجيل والإعظــــام

لماذا هذا التصعيد يا شاعرنا، وقد قلبت صفحة من قبل؟، ربما - لو كان حيا - سيجيبني ويجيبك: ما لكما كيف تحكمان، إن كنتما ذوي إلمامِ؟!، ويشير بأنامله العشر الى المسجد الجامع قائلا:

فأسألاه ولا جواب لديـــــــه ***أين عبّادهُ الطوالُ القيـــــام ِ؟

أين عمّـاره الأولى عمّــروهُ ***دهرهم في تلاوةٍ وصيـــــام ِ؟

أين فتيانهُ الحســان ُ وجوهاً **أين أشياخهُ أولو الأحــــــلام ِ؟

كم خذلنامن ناسكٍ ذي اجتهادٍ***وفقيهٍ في دينــــــــــــهَ علاّم؟

إذا تجاوزنا الطباق الأيجابي في البيت الأول (فأسألاه ولا جواب)، وهذا المضاف (الطوالُ) المعرف بتعريفين، الألف واللام والإضافة، وهو مغتفر، ويكثر منه ابن الرومي، أقول إذن شاعرتا صعد لغته، وأعاد كرّته، ليشجب موقف المتخاذلين، وصمت المجتهدين، ويحث المتقاعسين عن نصرة المظلومين، ويحيل الأمر لرب العالمين:

واحيائي منهم إذا ما التقينا ***وهم عند حـــــاكم الحكـّـــــام ِ

أي عذر لنا ٍوأيّ جـــواب ٍ***حين ندعى على رؤوس الأنام

القصيدة قصيدة، وابن الرومي ابن الرومي، وبهذه العجالة، لم نزد من قيمتها شيئا، ولم نرفع شأن صاحبها مقاما، إنها مجرد نظرة عابرة بلمحة خاطفة، تذكرنا فيها بصرتنا الرائعة في أيامنا الضائعة، والذكرى نافعة، والله من وراء القصد، وكفى بالله شهيدا، وكفى !!

 

كريم مرزة الأسدي

.................

المصادر

(1) الطبري:تاريخ الرسل والملوك -ج 3، 4، 7 -دار المعارف بمصر - القاهرة 1970 م

(2) تاريخ اليعقوبي - ج 2 - دار الشريف الرضي -قم 1414 هـ

(3) الحموي: معجم البلدان - ج ا - دار صادر - بيروت - 1957م

(4)علي.. محمد كرد: خطط البصرة - المجمع العلمي العراقي - بغداد - 1986م

(5) يعقوب سركيس: مباحث عراقية - بغداد- 1957 م

(6) د . مصطفى.:... صلاح عبد الهادي:البصرة في العصر العباسي الأول - موقع الكتروني

(7) الاسدي ..كريم مرزة: تاريخ الحيرة..الكوفة ...الأطوار المبكرة للنجف الأشرف - النجف -

2007 م

 

mohanad salahالقراءة المعرفية هي الإنتقالة النوعية داخل الصفة الموسوعية لذاكرة المتلقي، التي تذهب به نحو مناطق التماس مع الكتابة للتوغل المعلن الذي يمارسه في عالمه النصي الخاص، مع تباين أشكال هذا النص والأدوات المتاحة لهذا القارئ، والتحديات التي تدفع به لتحديد مؤشرات الوعي داخل التراكيب اللامحدودة التي تتقافز أمام كامراته الداخلية بمجرد ممارسته لعملية النحت الموضوعية في جرف النص، والتي من الممكن أن يتعرض لها إثناء (عملية الفحص والتلقي)، والأمر برمته ليس بحاجة لمسافات عمرية أو تاريخية تفصل بين النتاج والقارئ، بل على العكس من ذلك، فمجسات التلقي تمارس عمليات مستمرة من النزوح نحو السؤال عن حجم وعمق الخزين الفكري الذي من الممكن إمتلاكه كي يؤهلنا لنكون قراء من الطراز الرفيع . فعمليات الكشف التي تمارسها أدواتنا الخاصة على أي عمل تمثل الفسحة التي نستطيع من خلالها أن نعيد الثقة بذائقتنا في تجديد إدراكنا لغواية (الكلام)، والتي بدورها تفجر داخل سماء المعرفة (ثورة) لا مناص منها على كل ما هو (معتاد أو مكتسب) .. يحاول بعض بائعي أرصفة الفكر الإرتزاق علي سذاجة العقول وبحسابات إحتيالية، حيث يبرزون أنفسهم على إنهم (الواسطة) الحتمية والواجب وجودها والغير مستغنى عنها بين (الكاتب) كمنتج نصي ومعرفي، و(المتلقي) كحاضنة تفاعلية لمحصلة هذا النتاج . ولمحاولة تجريب آلية (القراءة المعرفية) دون الحاجة لبعض المحتالين ممن يطلقون على أنفسهم (نقادا) سوف أتخذ من مجموعة (أحاور الصدى) للشاعرة فاطمة الزبيدي . محطة أنطلق منها نحو مناطق القراءة الأدواتية، والتي تستغني عن الواسطة بيني كقارئ وبين الشاعر كناص، وذلك طبعا يحتم على رؤيتي القرائية شروط إمتلاكي لأدوات تلقي النص وتفكيك لغته ..  يقول الكاتب (ميشيل ساندرا) في كتابه الموسوم (قراءة في قصيدة النثر) في بابه الثاني المعنون (تاريخ ونظريات): (يقترن مصطلح قصيدة النثر في أذهان قراء اليوم بإسم بودلير على الفور، إذ أدرك كاتب قصائد نثر صغيرة غرابة عمله المطلقة . وعلى الرغم من إن مصير مصطلح قصيدة النثر مدين له حصرا، فإن أشكال النصوص التي يشير اليها قد ظهرت في الأدب الفرنسي قبل عام 1830، كما إن استنباط قصيدة النثر - كما أشارت الى ذلك نتالي فانسنت مونيا - كان من نتاج الرومانسيين القاصرين ويندرج المصطلح كما هو الشأن بالنسبة للكتابة الجزئية في حركة حذر تجاه اللوحات الشعرية الكبيرة الشاملة والملحمية للعصور السابقة والرومانسية الظافرة، وعلى الضد من قصيدة النثر هي من بنات أفكار القرن التاسع عشر . ولكنها ما كانت لترى النور لو لم يتم طرحها بصورة مستفيضة طوال القرن الثامن عشر. لو لم يتم الاعتراف بإمكانية الشعر بالنثر) !!!!! .. ان محاولة (ميشيل ساندرا) وغيره الكثير ممن إشتغلوا في (غربنة) قصيدة النثر.  هي مجرد عمليات تشويه مرحلية لإخفاء حقيقة مهمة، وهي إن قصيدة النثر صاحبت الامتياز الأول في النتاج الشعري الشرقي وهي (عراقية) بإمتياز. وهذا طبعا متوقف على إيماننا بأن العالم لم يخلو من الشعر يوما ما . ومع معرفتنا بأن الشعر بشكله العمودي لم يكن المخلوق الأول لهذا النتاج، فلا بد بالتالي من إدراك حقيقة

1027 fatima

 (قصيدة النثر) المتجذرة مع أولى الحضارات وإنسلاخها في الكثير مما تبقى من الرقم الطينية، كي تكون دليلا واضحا لا يمكن للطرفين المزيفين في عملية التشويه التاريخي إخفاءه أو تدنيسه . فالطرف الأول هم اللاهثون خلف الإعتقاد بأن قصيدة النثر هي نتاج غربي صدر الى الشرق، والقصيدة العربية ما هي الا نسخة مقلدة من هذا النتاج . والطرف الآخر هم المزيفون من رهط القراء أو الكتاب لقصيدة (العمود) الكلاسيكية .. والتي لم تحمل جدارة قصيدة النثر في تكوينها الابداعي الذي جعلها القديمة الحديثة في الوقت ذاته .. سيكون الولوج لمجموعة (أحاور الصدى) للشاعرة الزبيدي مدخلا بسيطا نحو قصيدة النثر (الشرقية / العراقية) والتي لا علاقة لها بغربنة المهرجين .. رغم أن لوحة الغلاف لم تكن موفقة لتمثل حجم الكثافة الشعرية والصورية للمجموعة، إلا إنها كانت تصيبني كقارئ بتعب مر . يشبه البدء بالكشف عن حضارة غمرتها خشونة الحروب . وأن أقف أمام إهداء يشبه الى حد كبير قبلة وداع على جبين الأبناء . فهذا بحد ذاته يجعلني أغامر برحلة مليئة بالوجع . ففي بعض إهدائها تقول الزبيدي: (الى شموع حياتي . أبنائي: عذراء، عمار، نزار وساره . لولا نوركم في حياتي لكانت قصائدي في عتمة النسيان . إلى أحفادي: تذكروني) .. أحاول أن أستمر لأصاب بإنتكاسة غير متوقعة عند قرائتي للمقدمة العجولة التي كتبها الدكتور سمير الخليل، والتي يبدو إنه أما كان خجلا من الإعتذار عن الكتابة، أو إنه كتبها دون أن يحترم طرفي العملية الإبداعية (النص / القارئ)، وللجميع حق الإطلاع على المقدمة ومقارنتها مع الخط البحثي العميق الذي عرفنا الدكتور الخليل من خلاله .. فمجموعة نصية كأحاور الصدى تتوغل نحو مناطق إشتغال عالية الشعرية .. في نص (ظمأ النخيل) :

(على مرمى غمامة ونورس / نصبوا حبالا مرئية / رأسي يتدلى / قدماي تؤرجحهما الذاكرة / أيتها الروح الغارقة في روحي / إنتشليني / إمنحيني تأريخك / لأمتلك تاج الشعر وصولجانه / مباركة أنفاسك) .. ان هذا الاشتغال الواضح على مناطق (جوهر الشعر) والذي تدسه الشاعرة داخل لغة النصوص ربما بعفوية . يوضح مدى النكهة التي تملأ القصيدة الشرقية، والتي من الصعب جدا أن تشم روائح حروفها داخل النص الغربي، بل إنك أحيانا تجد نتاجا (مقلدا) للعمل الشرقي . ولأن بعضهم تعود أن ينظر للبضاعة الغربية على إنها هي الأفضل دائما، وإن كل ما هو شبيه لها مجرد نسخ مقلدة . فإن هذا البعض غفل الحقيقة أو تغافل عنها .. في النص السابق إشتغال واضح للغة الإيماء وإستنطاق إدراكي وحسي لبعض مناطق الجسد (رأسي يتدلى / قدماي تؤرجهما الذاكرة) وهي محاولة للبدء نحو رحلة طويلة من (الكلام) الشعري، الذي يؤرشف ربما للكثير من الأحاجي التي تحاول الشاعرة أن تضع حدا لها بلغة الشعر ..

أما نص (أعاتبك شوقا) :

(قد أحملك خيباتي فلا تبتأس / أكتب في سيرتك تهم التصحر، وأنت بريء منها / على عاتقك أنحت أبجدية أنوثتي / وأعود لأسر محبتك طائعة / قد أكون ملهمتك أنا / وأعترف إنك من صب على رأسي دلو الإلهام / كيف لي أن أستنسخ ذاتك؟) .. تحاول الإشعاعات

(الايروسية) الواضحة أحيانا داخل هذا النص وغيره الكثير من نصوص المجموعة . أن تجعل القارئ يبتعد عن (الروح النقية) للحب وعدم تمييزها عن اللهاث الآيروسي الذي يتعمده هذا القارئ (أحيانا) لدرجة إنه يحاكم (الناص) بأشياء لم يفعلها، وهذا ما وجدته في أغلب نصوص المجموعة التي تحاول أن تضع حوارا مليئا بالحب، وكإنني للحظة أضع إصبعي على أحجية اللعبة الشعرية التي تمارسها الشاعرة وتعتقد بأنها قد إستطاعت أن تخفي معالمها عن القارئ . فهي تحاول أن تبث الروح بشخص قد رحل عنها ولم يعد لجسده وجود، وقد نجحت في أن تجعله حيا ما بقيت حروفها حية ..

أما نص (حكاية الأنا ..... وأنا) :

(كم بللها رذاذ الشوق / وهي تنقل خطواتها على يسار الخوف / سلبت حق المجازفة / فالبوح محظور في عاصفة المنافي / أحسها كشهيق ملء أوردتي / كخفقة الريح / في عطائها مزن / وهنااا / ثمة أنا) .. تحاول الشاعرة الزبيدي أن تفتعل نظاما شائعا في قصيدة النثر تكون فيه وحدة العرض متأثرة بآليات تتنوع مع تنوع بصمة الكتابة من (ناص) لآخ . كل حسب مناطق إشتغاله .. حيث من الممكن أن يتوهم القارئ بأن خطى الشاعر بدأت في لحظة ما بالتلاشي داخل ثيمة النص . دون أن يعي بأن هنالك صوتا ثالثا يؤسس داخل النص لكل عمليات البناء وحالات الجذب . التي تكون عبارة عن آليات حوار دفينة بحاجة فقط لقراءة جيدة ومحترفة كي تفضح جماله . وهو ما إستخدمته الشاعرة في بعض نصوصها . وما جعلها موفقة، هو عدم تخطيطها المسبق لهذه الآلية، أو محاولة تصنع حدوثها . فهي قد أنتجتها داخل النصوص بالفطرة ..

و في نص (عزف لشهرزاد) :

(كنت أدري / أن رعدا يعتلي قلب الوتر !! / كلما يقسو / أرى العتمة تدنو / تملأ الأقداح صمتا / تجلد البوح المعنى / يتوهج .. يستفيق / بمناديل الصباح / كفكف .. السر المباح) ..

تحاول قصيدة النثر (الشرقية) أن تكون منفردة ومتميزة عبر إستعمالها للأصوات بشكل متعدد ومتقن . يختلف في كل مرة عن مثيله من الاستعمال الغربي الذي ينقصه أن يدرك روح الصوت . ويحاول أن يفتح قنوات لا حدود لها مع جسد الكلام . وهذا يلزمه لغة متجذرة في التراكيب لا تمتلكها قصيدة النثر (الغربية) .. ففي النص الأخير يتحول السرد الى شعر بطريقة لا تترك للاخر المجال أمام إختراع مسميات مبتذلة خرج بها البعض هذه الأيام مثل (الشعر السردي والسرد الشعري) وغيرها الكثير مما يحاول تشويه معالم قصيدة النثر او الوصول بها الى إعتبارها مجرد نص سردي ينتمي الى القص اكثر منه الى الشعر . متناسين بأن القراء الجيدين قد إطلعوا على هكذا تجارب تطبيقية تم إشتغالها على قصيدة النثر الغربية ولا يختلف إثنان على مصداقيتها ونجاح أدواتها البحثية . لكن من غير الممكن تطبيق أدواتها مع ما يتم إنتاجه من (شعر النثر) / (الشرقوعراقي) فهو غير قابل لهكذا طروحات أو تطبيقات لإختلاف النسيج اللغوي فيه عن نسخته المقلدة في الغرب وليس العكس . وأحيل القراء الى مراجعة الدراسات البحثية للأستاذ الشاعر (خزعل الماجدي) الذي تحدث كثيرا عن القصيدة الشرقية وإمتدادها التاريخي . وأحب أن أضيف أيضا ان الكثير ممن لا تعجبهم أبحاث الماجدي . يحاولون أن يجنبو قرائهم السذج، قراءة هكذا أبحاث، لأنها ستكشف حجم الزيف الذي يلفهم، وتفضح الطرق الإحتيالية التي يمارسونها لايهام الاخر بأنهم في الإتجاه الصحيح ..

في نص (في أحضانها مرافئ الجنان) :

(عند ذروة الجرح / تقف مكتوفة الآهة / هي ترنيمة أم .. وغفوة رضيع / تحرق بخورها شعرا / تمتطي خيولا من ضياء / أمنياتها أطياف المطر / وشهيقها / أنفاس فراشات يبكيها الندى على تويجات الصباح / تساقط أوجاعها في صدى القصيد / نبيلة كصليل الحروف حين تشاكس وجه المرايا / تنام يقظة على قارعة فكرة) ..

مجرد المحاولة في تحريك نقاط الوقوف داخل اللغة . تعد من الحالات التي لم تشتهر بها قصائد النثر الغربية، بل إن قصيدة النثر العراقية تتمرد لتفجر هذه اللغة، وتصنع من تشظيها نقاطا مشعة لا يمكن الخروج من وهج إحداها حتى تمسك الأخرى بعين القارئ الراصدة، فتجذبه نحوها دون أن تدع له المجال كي يفقد روح التلقي لديه . كما إنها تمارس أدوار الغواية المتعمدة كي تؤسس داخل المجال القرائي أنواعا من الصناعة المتقنة لشعرية (النثر) ..

إن محاولة وضع قراءة أدواتية لديوان أو مجموعة ما . تختلف عن الجدولة البحثية الأكاديمية التي يستعملها الطلبة في الجامعات داخل طروحاتهم . لذا من غير الممكن أن يتناول قارئ ما نصوص أي مجموعة يقرأها ليوظفها داخل مقال قرائي، لكنه يستطيع أن يشير إلى نماذج تمثل هذه المجموعة دون أن تكون هذه النماذج هي الأكثر شعرية داخلها. بل إنه مجرد إختيار لا على التعيين .. تجب الإشارة الى إن مجموعة (أحاور الصدى) للشاعرة فاطمة الزبيدي . هي من إصدارات (المتن) للطباعة والنشر، وهي تقع في (84) نصا إبداعيا، وكانت خاتمتها قراءات ل (فائز حداد - عمر مصلح - أحمد فاضل) كان أكثرها قربا من المجموعة هي قراءة الشاعر فائز حداد، والتي كانت تستحق أن تكون هي المقدمة بدلا عن قراءة الدكتور سمير حداد العجولة ....

 

مهند صلاح

 .

amjad mohamadsaeedمنذ أكثر من خمسة واربعين عاما، اعرف الشاعر الكبير معد الجبوري، قبل الشعر والادب والسفر والدراسة، اذ نحن من منطقة موصلية توشك ان تكون واحدة (أنا من شهرسوق وهو من باب العراق، او شغسوق وباب عْغاق باللهجة الموصلية) وبين المنطقتين خط وهمي بعرض شعرة لا يرى بالعين بل يتداخل بالمشاعر والرؤى، ثم جمعتنا بعدئذ الدراسة الجامعية في بغداد، وكان قد التحق بها قبلي بعام .

ومنذ منتصف الستينات حتى الآن ظل معد أكبر من صديق وأخ ورفيق درب، وكما قال في حفل عام: إننا لم نفترق الا لضرورات السفر، ولم يُكَدِّر احدنا الآخر مطلقا. وحين سافرت الى اللاذقية نهاية عام 2004ومنها الى مصر منتصف 2005، كان معد آخر من كنت التقيهم يوميا من أصدقائي، على محبتي العميقة لهم جميعا اخوانا ومبدعين ورفاق عمر جميل، وظلت العلاقة شبه يومية بيني وبينه من خلال الهاتف والانترنيت والبريد الألكتروني، حيث ينقل لي المشهد الموصلي بصحوه وغيومه، وانقل له بانوراما القاهرة .

منذ بداياته الشعرية اللافتة للنظر في منتصف ستينات القرن الماضي، أشعل معد الجبوري شمعة القصيدة في ظلام هذه الحياة  التي عاشها، وعشناها معه، وأطلق من فضاء مكاننا القصي بين البيوت الموصلية الجصية العتيقة المتداخلة في بعضها البعض، شمس القصيدة التي ما غابت أبدا منذ طلعت، متحدية قوانين الفيزياء الزمكانية المؤقتة . كان مثل دجلة ينساب هادئا صافيا بين ضفتي الفستق والزيتون، ولكن بقوة ورسوخ ومعرفة الشاعر الموهوب.

وأنا اعتقد أن معد الجبوري ولد شاعرا بالسليقة والفطرة، حتى إذا تقدم الزمان صقل كل ذلك بحفر عميق في جسد القصيدة، وعندما أختار شكل القصيدة الحديثة، اقصد قصيدة التفعيلة، فأنه عرف وأصر على أنها ستكون الشكل الأكثر قربا اليه، والتي آمن أنه سيبني عليها مشروعه الشعري الكبير الذي توجه أخيرا بأصدار مجموعته الشعرية الكاملة في القاهرة، واعقبها بمجموعة شعرية جديدة هي (مخطوط موصلي)، كانت كأنها تختصر بعض مسافات معد الشعرية والحياتية، وتقدم مشاهد اكثر شفافية واغزر دمعا .

ورغم أن معد الجبوري كتب القصيدة العمودية بأقتدار عالٍ منذ الستينات حين كان طالبا في كلية الشريعة ببغداد، ونال جوائز على مشاركاته في مهرجانات السنوات الاولى من تلك الفترة في بغداد، الا انه ظل يعتبر ان شعره الحقيقي، هو الذي ينجزه عبر قصيدة التفعيلة الحديثة، وربما اقتنع أخيرا بأن شيئا من النثر داخل القصيدة، سيكون نوعا من الحال المقبول، في عصر بدأت فيه قصيدة النثر تأخذ حيزا ثقافيا وأدبيا واضحا على الساحة الادبية العربية .

غير ان معد الجبوري، ظل صارما دقيقا في بناء قصيدته، بحيث تبقى جزءا من حركة التطور الشعري العربي المحسوب بدقة، والمنطلقة أساسا من مرجعياته الفنية التراثية والتاريخية، وظل بعيدا عن التأثر بانحيازات حداثوية غير محسوبة، كما رأيناها في الستينات والسبعينات والثمانينات، حتى غدت الآن واقعا ملموسا، تراه هنا وهناك، سواء أكانت تمتلك مشروعية فنية وصدقا ابداعيا، أم كانت احدى مظاهر التخبط العشوائي السائد المغطى بدعوات أقلام غير مبدعة تستخدم الحداثة للتغطية على نقص مواهبها .

في قصيدة معد الجبوري تستطيع ان تتتبع القصة او الموضوع او التجربة، وتعرف ما يريد الشاعر قوله بوضوح غير مخل، وتعرف بأية طريقة اوصله الى المتلقي، وما هي أساليب القول الفني التي استخدمها، وستعرف ان الشاعر معد الجبوري، سيحسب بموضوعية متبادلة بينه وبين القارئ المسافة التي ينبغي له ان يقف عندها بقافية مستمرة، او بقافية جديدة، ولم يتخل ابدا عن القافية ولم يتهاون في التعامل معها، حتى قرأت له في آخر دواوينه مخطوط موصلي، بعض قصائد تدافعت فيها الجمل مثل السيل الهادر، وتشابكت دون اصرار سابق على ايراد القافية الا بعد حين، فهو يحسب حساب النغمَ والسكتة وأخذ النَفَس كجزء من موسيقى القصيدة، هو في التفاعل مع الموسيقى الشعرية واحد من ابرز من عرفتهم من الشعراء الذين يمتلكون احساسا عميقا بتنوعها واختلافاتها سواء في شكلها الكلاسيكي او الحديث، ولا اعتقد انه خرج يوما عليها، او حاول اللعب في استخدامها، استجلابا لنوع جديد من التأثير الموسيقي في قصيدته .

كتب الشاعر معد الجبوري القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة والومضة، كما كتب بأقتدار مشهود نصوصه المعروفة في المسرح الشعري، التي لاقت استحسانا لافتا وقدمت مرات كثيرة على مسارح العراق وترجمت للغات اخرى .

والباحث الأكاديمي الذي يتعامل مع شعر معد الجبوري، سيجد الكثير من الاشكال الفنية التي استخدمها، سواء بالاستفادة من انثيالات العالم الرومانسي، اواستنهاض القدرات الدرامية للشعر، او الاستفادة من الموروث الثقافي العراقي والعربي والعالمي، واستخدام الاقنعة التاريخية والمعاصرة. وعبَّر معد الجبوري بشكل كثيف ومتنوع وأساسي عن الموروث الخاص لمدينته الموصل، وما تزخر به من جماليات في المكان، وما تحفل به من أعاجيب الزمان، وتواريخ شاهدة على الاصول والفروع، وديالكتيك الموت والحياة .

كان صوته دائما واضحا جليا وهو يدافع عن قضايا وطنه وامته العربية والشأن الانساني العادل ضد قوى البغي والعدوان، وها هو ذا يعري بقصائد غاية في الثورة والغضب، والحزن والامل، جريمة احتلال بلده وتدمير شعبه ووطنه، وسيأتي الزمن الذي يراجع فيه النقاد المنصفون الاحرار من وقف ضد الاحتلال، ومن طأطأ رأسه استسلاما لديمقراطية الاجنبي الزائفة، ولنوازع وقتية مشوهة .

اما لغته فظلت فصيحة وصحيحة وجميلة في الوقت نفسه، واضحة مبنية على الاسس المعرفية للغة العربية، التي تعمق فيها من خلال قراءاته الخاصة ودراسته الأكاديمية  التخصصية. لغة حافلة بالظلال والانزياحات في الصور المبتكرة الجديدة، والمعاني النابعة من سماوات الدهشة والفجاءة .

معد الجبوري، شاعر، اهتم ببناء مشروعه الثقافي الشعري كأهم ما يشغله في الحياة، لا يداني هذا الهم أي هم آخر، ما كانت القصيدة لديه مظهرا اجتماعيا زائفا، ولم تكن سُلّما لغاية اوهدف، بل ظلت لديه فنا مقدسا، وحالة ابداعية ذات مردود جمالي يملأ النفس والعقل والقلب .

لقد كان رائدنا الذي سار في الطريق قبلنا، وظل يتقدمنا الى الامام في طريق الشعر والابداع، تعلمنا منه الاخلاص لقضية الشعر وكم أفادنا بملاحظاته العميقة، ونحن به وبشعره فرحون مستبشرون .

وبالرغم من كل ما كتب عنه، الا انه لم يأخذ حقه من النقد العراقي الذي عاصره، والحديث عن ذلك ذو شؤون وشجون، حتى بدأ المنصفون يلتفتون اليه (والى بعضنا)، ولن يبقى الا الاصيل الجميل الجميل .

أمجد محمد سعيد - القاهرة

 

abdulsalam musbahإضاءة: صدر عن"معهد التعاون مع العالم العربي"سنة1990 كتاب يضم أشغال الندوة الثقافية حول"الترجمة والنقد الأدبي" التي احتضنتها مدريد أيام 24/ 27 ماي 1988، وقد أغنى جلساتها بأسئلة المقاربة النقدية والتجريب نقاد من العالم العربي وأسبانيا. ولكن اللافت في تلك الندوة؛ أن جميع المداخلات التي ساهم بها المغاربة كانت باللغة العربية (عبد الله العمراني،محمد السرغيني،إبراهيم الخطيب،محمد الدحروش) باستثناء العرض الذي شارك به الدكتور عبد الله اجبيلو الذي قدمه باللغة الإسبانية. وفيما يلي ترجمته.

المترجم

.....................

مدخل

يوجد بين المغرب وأسبانيا علاقات تاريخية أقامها الشعبان الشريكان في تراث ثقافي مشترك. شكلت أسبانيا خلال الحضور العربي "حلقة بين المسيحية والإسلام"، وكان لها تأثير حاسم في الثقافة الشرقية. لكن إذا كان الموضوع المطروق عالج موضوع الثقافة بين الشعبين؛ مع ذلك بقيت بعض الجوانب في حاجة إلى توضيح. بديهيا؛ فإن تلك العلاقات تظهر في التكوين الأدبي والفن المعماري لكلتي ضفتي المضيق. لكن إذنا كان الموضوع العربي في الأدب الأسباني موضوعا مستمرا منذ وصول العرب إلى أسبانيا فائضا في المكتبات والخزانات، والذي أصبح يدرس من طرف المستعربين الكبار؛ فإن الموضوع الأسباني في الأدب المغربي ظل مجهولا تقريبا.

بعد نشر ّديوان الحداثةّ (1)، الذي هو عبارة عن مختارات للموضوع العربي في الحداثة الأسبانية وأمريكا اللاتينية؛ بدا لي أن العمل كان جزئيا وغير تام، وأنه ما زال هناك الوجه الآخر للعُملة؛ جعلنا نفكر في إعداد مختارات للموضوع الأسباني في الشعر المغربي المعاصر الذي سيرى النور قريبا مترجما إلى اللغة الأسبانية . في هذا العرض الموجز حددنا فقط تخطيطا هو واحد من المواضيع "الأجنبية الأكثر سيادة في الأدب المغربيّ، لكن لا يعالج موضوعا بعيدا كما قد يفترض؛ بل يتعلق الأمر بأن الشاعر يسترده، لأنه يشكل جزءا من ماضيه.وإذا كانت الأندلس محترمة من الرومانسيين والحداثيين كما لو أنها "عتبة الشرق" في الأدب المغربي؛ لأنها تقوم بدور معاكس إلى جانب العلاقات الأخرى؛ فإن اهتمام الأدب المغربي لما هو أسباني يتمحور حول ثلاثة أسماء:

الأندلس: حاضرا وماضيا.

غرناطة وغارسيا لوركا:رمزا وأسطورة

الأندلس

إن موضوع الأندلس يشكل حجر الزاوية ليس فقط في الأدب المغربي؛ بل جميع الأدب العربي عموما منذ الحضور العربي في شبه الجزيرة الإبيرية. الأندلس أرض محولة إلى رمز ، والشعراء المعاصرون الكبار أهدوها العديد من قصائدهم التكريمية (2).في إعادة خلق الأندلس يركز على انصهار وتآخي الشعبين، وكذلك حول التأثير العربي الذي لا يقبل الجدل.في هذا المعنى كتب عبد الغلي الوزاني :" خرجنا من ولم نخرج من تاريخها، ومن ذوقها القديم، ومن سحنات أهلها، وهندسة بيوتها...لم نحمل معنا سوى أوجاعنا وأحزاننا ودموعنا...تركنا كل تراثنا العظيم الذي انهمكنا في تكوينه على مدى ثمانية قرون". ويضيف : "أجل، خرج العرب من إسبانيا ولم يخرجوا من تاريخها...إنهم هناك في فصائل الدم، وفي أطياف الخيال، وفي صلب الحقيقة، وفي رؤى الوسنان، وفي هدوء المكتبات، وفي انحناءة الأقواس، وفي كبرياء القصور...(3)

كذلك في المقدمة التي كتبها الأستاذ محمد الكتاني لمختاراتنا،حيث نستطيع أن نقرأ :"لا غرابة إذن أن تتحول - الأندلس - إلى إيقاع إبداعي ينوس على كل قلب عميد، ويرف فوق كل شفة شاعرة، يغذيه الأسى والحنين، ويجد فيه الشاعر العربي المهزوم والمكلوم بالنكسات القومية الملاذ الوحيد لكرامته"(4).

يعيد الشاعر أبداع الأندلس كترميمات أثرية باعثا الروح في الشخصيات الأندلسية السكان القدامى لتلك الجدران الشعرية التي هي قصورهم وبيوتهم الجميلة. يكتب محمد الميموني في قصيدته :

"حنين إلى الزهراء من الضفة الأخرى"

مَازِلْتُ أَسْمَعُ يَا زَهْرَاءَ أَبِي

الْوَلِيدِ أَلْمَسُ نَارَ الدَّمْعِ وَالْقُبَلِ

وَعِطْرُ وَلاَّدَةَ الْهَيْفَاءِ يُسْكِرُنِي

وَشعْرُهَا فِي يَدِ الْكِتَابِ وَالرُّسُلِ(5)

إنها قصيدة مشحونة بالذكرى والحنين،كما يشير عنوانها نفسه، وحيث يبدو الزمن موقوفا، وأن كل شيء يسير على وتيرة واحدة.

عبد الكريم الطبال يهدي أيضا بعض "أغنيات إلى الزهراء"معتبرا إياها كمعبد ويتساءل:

فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِكِ

أَنْتِفُ رِيشِي

أَخْرُجُ مِنَ جَسَدِي

أَتَوَضَّأُ فِي صَهْرِيجِ الْوجْدْ

أَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الشَّمْسِ

ثُمَّ أُصَلِّي

فَأَنَا نَغَمٌ يَحْلُمُ أَنْ يَسْكُنَ

فِي قٍيثَارٍك(6)

ليس الشاعر المغربي هو الوحيد الذي تصبح له ذكريات عند زيارة الأندلس لسكانها القدامى. ولا يمكن أن تكون بشكل آخر.كتب غارسيا لوركا:"الحقيقة،ان في أجواء قرطبة وغرناطة قد تبقى إيماءات وخطوط لشبه الجزيرة العربية، كما هو واضح في الكتابة التي ما زالت آثارها واضحة في حي "البيازين" حيث تظهر استدعاءات مدن ضائعة" على أن في هذه الاستدعاءات الأندلسية، ابتداء من مدينة الزهراء إلى غرناطة، كما سنرى في فقرة أخرى، توجد إشارات إلى مدن أخرى حيث يثير الانتباه التأثير لما هو عربي، لكن هذه الآثار لم تعد تعرف أصحابها.

يكتب عبد الكريم الطبال متعقبا"أبو البقاء الرندي"عبر شوارع رندة:

أَلْتَجِئُ إِلَى دَارٍ

كَانَتْ مِحْرَاباً لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْس

يَنْكُرُنِي فِيهَا النَّاقُوس

وَتَطْرُدُنِي الْبَاب.

أحيانا تترك الأندلس"الجبرية والمسلمة" مكانا للأندلس الحالية والخالدة بفولكلورها الغني وشعرائها الكبار .

كتب أحمد عبد السلام البقالي قصيدتين في ذكرى زيارته للإسبانيا عنوانهما:"فلامينكو"و"رجع إلى الأندلس"(7).

في القصيدة الأخيرة يستدعي الحضور العربي، لكن في القصيدة الأولى يصور جو هذا الرقص الأندلسي :

كَقِيثَارَةٍ نَشْوَى

وَأَحْلاَمُ الْعَذَارَى حَوْلَهَا

مُتَرَاقِصَات...

بِصُدُورهِنَّ الْعَارِيَة

كَالْجُلنَّار ...

وَذُيُولِهِنَّ الزَّاهِيَة

طَاحُونَةٌ مِنْ نَار

فِي الْحَلَبَةِ الْحَمْرَاء...(8)

ويصف محمد الغزاوي في "ليلة في غرناطة" الحركة الإيقاعية والرشيقة لإحدى الراقصات:

فَتَنْفِشُ الرِّيَّاشَ الْبَدِيعَة

تَخْتَالُ كَالطَّاوُوسِ

بَيْنَ الْحُجُولِ

كَالرُّوحِ

مِنْ قَلْبِ الرَّبِيعِ أَنْتِ

فِي صَحَارَى الْعُجُول .(9)

بخصوص الفولكلور؛ نجد كذلك بعض أصداء "العيد الوطني"، مهرجان مصارعة الثيران، في القصيدة التي كتبها محمد الحلوي بعنوان "لعبة القرون"؛ حيث ينتقد الشاعر هذا التقليد ، ويعتبره ك "بطولة مزيفة"، وك"مبارزة حيث القوتان ليستا متساويتين":

غَصَّ بِالْوَافِدِينَ كُلّ صَوْبٍ

فِي اشْتِهَاءٍ إِلَى الم الْمَيْدَانُ

لَمْ يَعُقْهُمْ حَرُّ الصَّيْفِ وَلَفْحُ

الشَّمْسِ تَصْلَى بِوَقْدِهَا الأَبْدَانُ

أَيُّ عُرْسٍ تَلْقَى عَرَائِسُهُ الْمَوَ

تَ وَيَشْدُو فِي حُزْنِهِ الإِنْسَانُ(10)

أما بالنسبة لأحمد صبري؛فإن ذلك المهرجان"عرس دم"؛ كما يشير إلى ذلك في قصيدته : "الثور، الميعاد والضياع"

ومع ذلك؛ فإن واحدا من الشعراء والكتاب الأكثر أهمية: محمد الصباغ، الأكثر معرفة بالأدب الإسباني والمترجم والمشارك في تحرير المجلتين المغربيتين/ الإسبانيتين :"المعتمد"وّكتامة"(11) وأحد الشعراء الأكثر اتصالا بالثقافة الإسبانية .لذلك فهو يعتبر الأكثر استدعاء للموضوع الإسباني في إبداعه الأدبي. عن زيارته للأندلس كتب هذه الخاطرات :

- قطف زهرة في الأندلس؛غني ميلاد عاشق.

- 12شتمبر: في مثل هذا اليوم من كل سنة تلد اشبيلية" اعتمادا"جديدة.

- تحت كل صمت في اشبيلية كنز من غوالي الذكريات .(12)

غرناطة وغارسيا لوركا

تعتبر غرناطة،في الأندلس،المدينة الأكثر استدعاء ليس في الشعر العربي فحسب؛ بل في الشعر العالمي أيضا. لكن غرناطة في الشعر المغربي المعاصر تتحول إلى رمز لماض متألق ؛ حيث الشاعر يتطلع إلى استرجاعها.

يستدعي آيت وارهام غرناطة في قصيدته أن تتحرر من الأسر وتتبعه، لكنها لا تتكلم نفس اللغة :

بَلْ أَنْتِ مَدَارُ الْقَلْبِ

سَارَتْ فِي أَزِقَّتِهِ شَمْسِي

قُرُونُ الطِّيبِ تَمْخُرُ فِي دَمِي

وَأَنَا أَهْوَاكِ

حَاضِن كُلَّ الْحَمْرَاء

أُحَاوِلُ أَنْ أَسِيلَ

كَمَا الأَنْهَار فِيك

أُحَاوِلُ أَنْ أُرَاقِصَ نِيفَدَا

فِي أَعْرَاسِ صُبْحِك (13)

ويتوجه محمد الشيخي وحاضي بوشتى إلى غرناطة باعتبارها الملجأ الوحيد للانحطاط العربي:

غَرْنَاطَةُ...

إِنَّا بَنَيْنَا فِيكِ

جُسُورَ الْوَاقِعِ وَالرَّمْز

فَاخْرُجِي مِنْ غِطَائِك

وَانْكَشِفِي لِلنَّهْرِ الْجَامِدِ

فِي أَعْيُنِ الْفُقَرَاء (14)

بينما يكتب حاضي بوشتى:

غَرْنَاطَة،

سَامِحِينَا

فَمُهِمَّتُنَا الْبُكَاء،

مُهِمَّتُنَا، مُنْذُ قَرَون،

اغْتِيَالُ التَّارِيخِ

وَ"الأَنْبِيَاء"(15)

ومع ذلك؛ لا يمكن استحضار غرناطة دون ذكر واحد من شعرائها الكبار:فيديركو غارسيا لوركا فهما يمتزجان، ويبدو أن صورتهما الشعرية تمليها هذه المدينة بوجه وقلب العربي الذي ما زال يمارس تحجبه وانزواءه.

يعنون محمد الصباغ إحدى قصائده :"مصرع لوركا" ، إنها مرثية عميقة وذات مدلول في موت الشاعر العبقري. يحاول محمد الصباغ، عبثا،بعث الشاعر، نزعه من براثن الموت، باحثا عنه في جميع الأماكن :"في رحم الموت المستحيل"الطبيعة نفسها متألمة:

مَاتَ شَاعِر،

وَيَشْعُرُ الْكَوْنُ بِجُرْح

وَبِاحْتِضَارٍ فِي الأَحْشَاء..

كما كتب ميغيل هيرنانديثMiguel Hernadez. وأشياء الشاعر تسأله"أنتظر عودته من النافذة". ومع ذلك توجد وحدة وغياب لكل شاهد على موته:

لاَ عُصْفَورة،

لاَ حَمَامَة،

لاَ قَوْسَ قُزَح فِي الْفَضَاء،

لاَ أَحَدَ شَهِدَ الْمَأْسَاة (16)

في مقالة وداع موجهة إلى" بيثينطي أليكسندريVicente Alexandre" (17) حيث يشيد بصاحب جائزة نوبل الإسبانية ، يكتب الشاعر التطواني:

"يَنْثرُ فِي الْكَلِمَاتِ نَقْرَالْعُود،

وَعَبْقَ النَّرْجِسِ،

وَتَرْنِيمَةَ السَّاقِيَة".

لكي يشير بعد ذلك إلى السمر الشعري حيث كان الحديث يدور عن الشاعر لوركا.

القصيدة الثانية للطبال معنونة ب"ذات مساء"(18)، وهي قصيدة قصيرة جدا، حيث يبكي حظ  البرتقال التي بقيت يتيمة بعد موت غارسيا لوركا.

لكن، كما قيل، فإن غرناطة ولوركا اسمان يسيران معاً ويتَّحدان في هذا الاستدعاء الغرناطي في الأدب المغربي؛ حيث القصيدة المشار إليها لحاضي بوشتى والمعنونة "غرناطة"، الإشارة إلى لوركا إلزامية؛ يكتب:

لُورْكَا الْعَرَبِيُّ

يَطُوفُ

أَرْجَاءَ غَرْنَاطَة

يُغَنِّي فَقَرَاءَ الْعَالَمِ

أَشِعَارَ الثَّوْرَة

يَمْتَدُّ أَمَامَهُمْ

جِسْراً جُنْدِيّأً

فْي صُفًوفِ الْفَتْحِ الْعَرَبِيّْ

لُورْكَا

سَلاَماً

كذلك في قصيدة أحمد صبري "أغنية أندلسية حزينة"، حيث يضع كخاتمة لها بيتاً من شعر لوركا "يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنِّي مُتُّ"، مستحضراً مسرحيته "عرس الدم":

النُّورُ لَمْ يَجِفْ

فِي مَآقِي فِيدِرِيك

غَرْنَاطَة الْمَسَاء

أُهْزُوجَةٌ

مَحْمُومَة...

يحاول أحمد الطريبق أن يماثل شاعر الغجر بما هو عربي:

رَأيْتُهُ،

فِي يَقْظَةِ "الأَنَأ"

وَالصَّحْوِ:

يُنَاظِرُ الْقَوَافِي والأَوْزَان،

يُتَوْئِمُ "الفلاَمِينْكُو"

بِالْمَقَامِ وَالَّسَّمَاع،

وَيَرْشِفَ النَّبِيذَ كَوْثَراً

وَشَايَ أَطْلَسٍ،

يَفُوحُ بِالْعَبِيرِ وَالنَّعْنَاع(18)

بينما يكتب عبد السلام مصباح في قصيدته "رسالة إلى الأطفال الكبار":

لُورْرْكَأ

الْفَارِسُ الْمَعْبُودُ

فْي الْقَرْيَة

فَمَا أَخْبَارُهُ؟

هَلْ عَادَ لِلْحَقْلِ

يَلمُّ

الْقَمْحَ

وَالنَّعْنَاعَ

والتَّمْرَ(19)

هكذا إذن، يكون حضور لوركا وغرناطة في الشعر المغربي مماثلان لأسطورة ورمز. غرناطة هي ماض متألق وغارسيا لوركا رمز خالص ونجاة؛ إذ أنه شهيد الشعر.

لا نستغرب إذا أراد أحمد الطريبق أن يجعل منه مدافعاً عن استقلال المدينتين المحتلتين، ولكن الأكثر أهمية - تأمل الأستاذ بِيدْرُو مَارْتِينِيثْ مُونْطَابِيثْ- هو أن غارسيا لوركا لا يشكل فقط موضوعاً للترجمة والدراسة، بل ينتصب أيضاً كموضوع شعري، كقلق متحرك طليق لاندفاق غنائي"(20).

لكن لا توجد فقط إحالات إلى غارسيا لوركا، بل نجد كذلك قصائد يستدعي فيها أصحابها الشاعر بيكيرBecquer؛ كما في قصيدة أحمد بيميمون: "خرج قلب بيكير من إشبيلية"، وإحالات أخرى إلى الرسامين مثل :بيكاسوPicassoوغوياGoyaفي نصوص آيت وارهام :"بِيكَاسُو مَاتَ فَلْتَرْقُصْ مَدْرِيد"،وفي الحسناء العاريةLa Maja Desnuda"(21)لمحمد الصباغ، على التوالي.

خاتمة

بهذا العرض الموجز للموضوع الإسباني في الشعر المغربي المعاصر حاولنا أن نثير الانتباه إلى موضوع لا يتجلى فقط في الشعر بل أيضاً في المقالات والروايات وفي المواد الصحفية.

أما الروائيون المغاربة، فقد اختاروا شمال المغرب أيام الحماية الإسبانية على هذه المنظقة كمسرح تجري فيه أحداث رواياتهم؛ هذه حالة الخضر الريسوني في روايته "أشعة فوق الطريق"، ومحمد شكري في سيرته "الخبز الحافي".

إلى جانب ذلك؛ يوجد آلاف من المستعربين في اللغة الإسبانية يرون أن "أي فضولي ملاحظ يصل إلى المغرب يستطيع أن ينتبه من اللحظة الأولى، ودون جهد كبير، انتشار كلمات إسبانية محرفة يستعملها غالبة غالبية المغاربة- خاصة سكان المدن- (22) في حديثها اليومي"، كما يؤكد ابن عزوز حكيم في مقدمة كتابه "معجم ل1500 كلمة إسبانية مستعملة بين المغاربة في اللهجة العامية.

إن الأسماء الثلاثة التي أشرنا إليها كمحاور بارزة في الشعر المغربي لما هو إسباني:الأندلس، غرناطة ولوركا، ليست خاصة بالشعر المغربي، بل كذلك بالشعر العربي عموماً.

يعتبر غارسيا لوركا تراثاً عالمياً، أسطورة ورمزاً، بشعره، بحياته، بموته...على الرغم من انتمائه إلى جيل الشعراء الكبار، كجيل27، فإن اسمه أكثر صدى في الأدب العالمي.

 

ترجمها عـــن الإسبانية

عبد السلام مصباح

..................

هوامش

1- كتاب "ديوان الحداثة، صورة الشرق".مدريد.Tauros.مختارات "مواضيع من إسبانيا".عدد170/ 1986.

2-أنظر "أغنيات عربية جديدة إلى غرناطة". ترجمة بيدرو مارتينيث مونطابيث.مجلة"Encuentro".مدريد.ع88/89.غشت/ شتنبر1979

3- عبد العلي الوزاني "يا أخت أندلس".مجلة المنهل.المغرب ع22 - 1981

4-"الأندلس والأسيرتان في الأدب المغربي الحديث".د.عبد الله اجبيلو -تطوان - 1988.

5- "الديوان المغربي، حول غرناطة وغارسيا لوركا".ترجمة د.عبد الله اجبيلو. ملحق مجلة"Postdata".مورسية.العدد الثاني.1986.

6- مجلة "أقلام" – الرباط . العدد54 .1981.

7و8- انظر ديوانه :أيامنا الخضراء". الرباط.1976

9- الديوان المغربي – المصدر السابق . ص14

10-جريدة "العلم".23/04/1985

11-عنقود ندى . الدار البيضاء .1964 .ص154

12- الديوان المغربي - المصدر السابق . ص22

13- الديوان المغربي - المصدر السابق . ص13

14- "الأدب والفكر المغربيان المعاصران".مدريد. المعهد الإسباني العربي للثقافة.1981 . ص425

15- نفس المصدر. ص363.

16- نفس المصدر. ص367.

17- نفس المصدر. ص380.

18- قصيدة غير منشورة.

19- الأدب والفكر المغربيان المعاصران".مدريد. المعهد الإسباني العربي للثقافة.1981 . ص413.

20- "حضور لوركا في الأدب العربي"، ضمن كتاب "ارتيادات في الأدب العربي الجديد". مدريد. المعهد الإسباني العربي لليقافة. 1979 . ص43

21- "المرأة العارية" لوحة للفنان الإسباني فرانسيسكو غويا موجودة بمتحف "برادوPrado" بمدريد (المترجم)

22- مدن المنطقة الشمالية التي كانت تحت النفوذ الإسباني::شفشاون، تطوان،طنجة، العرائش، القصر الكبير، الناظور، الحسيمة...(المترجم)

 

jawdat hoshyarأقرأ بمزيد من الدهشة والإستغراب ما نشره عدد من النقاد والكتّاب العرب من كتب ودراسات عن "القصة القصيرة جداً"، وكأنها جنس أدبي جديد ظهر في الأدب العربي المعاصر في التسعينات من القرن الماضي، إستجابةً لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المستجدة في المنطقة والعالم ..

ووصل الحماس بالبعض الى حد المطالبة بإدخال هذا (الجنس) الإبداعي الجديد الى المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم الثانوي والجامعي . وهم يتحدثون عن خصائصها الفنية بإسهاب . ويسترسلون في الأطناب التنظيري لها. ويحددون اركانها، وشروطها، ومعاييرها . ويقولون أن القصة القصيرة جداً قصة او حكاية تتسم بالجرأة والوحدة والتكثيف والإقتضاب، والمفارقة والسخرية، وطرافة اللقطة، والإدهاش وفعلية الجملة، واستخدام الرمز والإيماء والتلميح والأيهام، والأعتماد على الخاتمة المتوهجة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها، وما الى ذلك من خصائص لا تقتصر على القصة القصيرة جداً، بل هي خصائص متجذرة في فن القصة القصيرة، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وتتجلى بأوضح صورها في قصص أقطاب كتّاب القصة القصيرة في العالم .

واذا كان المعيار الأساسي هو حجم النص، فإنه لا يوجد تحديد واضح ومحدد لحجم النص القصصي الذي يمكن اعتباره قصة قصيرة جداً، ويحتفظ في الوقت ذاته بكل العناصر الأساسية للقصة القصيرة . ووفقاً للتقاليد الأدبية الإتجليزية، يحدد هذا الحجم بـما لا يزيد عن (300 الى 1500) كلمة . وفي الأدب الروسي يقاس بعدد الأحرف أو الصفحات، حيث يعتبر النص الذي يقل عن 2000 حرفا أو ثلاث صفحات قصة قصيرة جداً. ويطلق الروس على القصة القصيرة جداً مصطلح " النثر المصغر " أو الـ" منمنمة " . وتوجد في الأدب الروسي الكلاسيكي نماذج كثيرة لنصوص قصيرة للغاية، يقل عن نصف صفحة .

ومع شيوع استخدام شبكة الإنترنت اصبح من المريح اعتبار النص قصيرا جدا اذا لم يكن المتصفح بحاجة الى التمرير العمودي للنص على الشاشة. ومن الواضح أن مثل هذا التعريف ليس دقيقا، لأنه لا يأخذ في الاعتبار الاختلاف في ابعاد الشاشة وحجم الحروف .

 الجذور التأريخية للقصة القصيرة جداً

 والحق أن " القصة القصيرة جداً" ليس فناً او جنسا ادبيا جديدا، ولا يعود ظهورها الى التسعينات من القرن الماضي . بل هي نصوص أدبية تتسم بالإيجاز البليغ، وتتوافر فيها البراعة القصصية وأحيانا، كل العناصر الفنية للقصة القصيرة الناجحة، ونجدها في الأدب الغربي لدى جمهرة من كتّاب القصة القصيرة .منذ أكثر من قرن من الزمان .ولا أحد من النقاد الغربيين يربطها بالتغيرات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية، التي شهدتها مجتمعاتهم، أو بالظواهر الدولية أو الكونية، بل بنظرون اليها كلون لطيف من ألوان الأدب القصصي المركز، ساهمت شبكة الإنترنيت في شيوعه وترسيخه .

يعد ايفان تورغينيف (1818-1883) أول من كتب النصوص النثرية القصيرة وذلك في اواخر السبعينات من القرن التاسع عشر، وتحتفل روسيا سنويا بما يسمى مهرجان " النثر المصغر " تخليدا لذكرى هذا الكاتب الروسي العظيم، الذي يعد المؤسس الحقيقي لهذا النمط المقتضب من القصة القصيرة . وقد صدرت في روسيا أنطولوجيا " النثر المصغر " تخليدا لذكراه، وتضم مختارات من نتاجات الكتاب الروس المعاصرين البارزين في هذا النمط الإبداعي، وهي لا تختلف عن القصة القصيرة جداً، وان اختلفت التسمية . كما ان العديد من الكتّاب العالميين كتبوا نصوصاً قصصية قصيرة للغاية، وفي مقدمتهم أنطون تشيخوف (1860 – 1904) وايفان بونين (1870 – 1953)، وفرانز كافكا (1880 – 1924)، وأو. هنري (1862- 1910)، وهوارد لوفكرافت (1890- 1937)، وارنست همنجواي (1899- 1961) ومن الكتاب الأميركيين المحدثين راي برادبري (1920 – 2012) . وفي بريطانيا آرثر كلارك (1917- 2008) . وفي اليابان ياسوناري كاواباتا (1899 – 1972) . وفي الأرجنتين مايسترو (القصة القصيرة والسرد القصير) خوليو كورتاثر (1914- 1984) .

وفي البلدان الناطقة بالإسبانية برز في هذا المجال الكاتب آوغوسطو مونتيروسو (1921-2003) الذي كتب احدى اقصر القصص في الادب المدون بالاسبانية. وخورخيه لويس بورخيس (1899-1986) واغناسيو مارتينيس كافيرو، ورومون غوميس، وخوسيه مارينو، وخوان ميلياس .

ويقول الناقد والكاتب الكوبي من اصل ايطالي ايتالو كالفينو (1923-1985) أنه كتب في هذا النمط السردي مستلهما تجربة بورخيس، وكذلك الكاتب ادولف بيئوي كاساريسا، وهو الذي قال ان بأن مونتيروسو كان أفضل الكل، وانه نفسه كتب تحت تأثير هذا الكاتب ..

ويتناسى منظرو وكتّاب القصة القصيرة جداً في العالم العربي، ان نجيب محفوظ هو اول كاتب عربي كتب العديد من المنمنمات القصصية، ولم يدر بخلده أن يقول أنه ابتدع جنساً أدبياً جديداً، مع أن تلك المنمنمات ترتفع بمستواها الفكري والفني الى مصاف اجمل ما كتب في هذا النمط الابداعي . ورب قائل ان جبران خليل جبران كان اسبق من نجيب محفوظ في كتابة هذا اللون القصصي، ولكن تجارب جبران كانت أقرب الى " الخواطر " منها الى المفهوم الحديث للقصة القصيرة جداً .

نماذج من القصة القصيرة جدا في الادب العالمي

في أواخر القرن التاسع عشر أجرت احدى المجلات الأميركية مسابقة للقصة القصيرة جداً، شريطة أن لا تتجاوز 55 كلمة (في اللغة الأنجليزية)، وتتوافر فيها كل عناصر القصة من بداية، وذروة، ونهاية، وحبكة . وقد فاز في المسابقة الكاتب الأميركي الشهير أو.هنري (1862- 1910) .

 " كان سائق سيارة يدخن عندما أنحنى ليرى مستوى البنزين المتبقي في خزان الوقود. كان الفقيد في الثالثة والعشرين من عمره "

 وكتب فرانز كافكا مجموعة كبيرة من القصص القصيرة جدا . وقد سبق لنا ترجمة طائفة من هذه القصص الى اللغة العربية، ونشرت في بعض المجلات والصحف البغدادية في أوائل السبعينات، في وقت لم يكن شيء من اعمال كافكا قد ترجمت الى اللغة العربية، ما عدا قصة "التحول" التي ترجمت تحت عنوان "المسخ". وهذه ثلاثة نماذج من القصص القصيرة جداً لفرانز كافكا التي قمنا بترجمتها ونشرها قبل أكثر من أربعة عقود .

الأشجار: "ما دمنا نحن مثل أشجار مقطوعة في الشتاء، فإن هذه الأشجار تبدو لنا وكأنها قد تدحرجت على الثلوج ببساطة، وإننا ما أن ندفعها قليلاً، حتى تتحرك . كلا ليس بمقدورنا أن نفعل ذلك، لأنها تجمدت، فالتصقت بالأرض . اقترب منها وجرب، وسترى ان هذا ما يخيل اليك فحسب .

القرية المجاورة: "كان جدي يقول أحياناً – ما أقصر الحياة ! حينما أتذكر حياتي الماضية، فان كل شيء فيها يبدو متراصاً ومتلاحقاً على نحو يجعل من الصعب عليّ أن أفهم كيف يتجاسر شاب على السفر ولو الى قرية مجاورة ممتطياً جواده، ولا يتملكه الخوف - ليس فقط من كارثة في الطريق، بل من أن حياة اعتيادية، ولو كانت موفقة لا تكفيه ابدا للقيام برحلة كهذه " .

 الفساتين: " حينما أرى الفتيات الحسان وقد ارتدين الفساتين الجميلة، التي زينت بالكشاكش والثنايا الفخمة، وطرزت بالنقوش المتنوعة، يتبادر الى ذهني، ان الفساتين لن تحتفظ بمظهرها وشكلها لمدة طويلة: الثنايا تنكمش، ولا يمكن إستعادة شكلها الأصلي، والنقوش يكسوها الغبار، ولا يمكن تنظيفها . وليست ثمة إمرأة واحدة ترضى أن ترتدي من يوم الى يوم، ومن الصباح حتى المساء، الفستان الفاخر نفسه، لأنها تخشى أن تبدو بائسة ذليلة، بيد أني أرى فتيات جميلات، رشيقات القوام، ناعمات البشرة، لهن شعر كثيف باهر، يظهرن بذات الأقنعة التي وهبتها الطبيعة لهن، ويريحن وجوههن المعتادة على الأديادي ذاتها . ولكن في بعض الأحيان فقط، عندما يعدن الى بيوتهن في وقت متأخر من المساء، بعد حفلة راقصة، ويتطلعن الى أنفسهن في المرآة، يخيل اليهن أن وجهاً مغبراً، منتفخاً، مهلهلاً ينظر اليهن . وجه اعتاده الجميع وبلي الى حد كبير " .

أما ارنست همنجواي المعروف بأسلوبه الذي وصفه بنفسه أنه أشبه بجبل الجليد، الذي لا يرى منه سوى ثمنه، اما الأجزاء السبعة فهي مغمورة في الماء . فقد كتب اقصر قصة قصيرة مؤثرة في تأريخ الأدب العالمي وهي تتألف من ست كلمات فقط: ” For sale: baby shoes , never used

" للبيع: حذاء أطفال، لم يستعمل قط "

وثمة قصة قصيرة للغاية لمونتيرّوسو، وهي تحت عنوان: “الدّيناصور” وهي مؤلفة من سبع كلمات: “عندما إستيقظ، كان الديناصور ما زال هناك…”

قصة من مائة كلمة Drabble

ثمة نمط متميز من الوان القصة القصيرة جدا، انتشر في المملكة المتحدة منذ العام 1980 تحت اسم " درابل فلاش فيكشن ". ومن أهم شروط قصص "درابل" ان تكون القصة في مائة كلمة بالضبط (ما عدا العنوان)، وتتوافر فيها العناصر الأساسية المعروفة للقصة القصيرة .وهو نمط صعب يتجلى فيه قدرة المؤلف على التعبير عن فكرة ذات معنى بشكل مقتضب في عدد محدود من الكلمات .

ولدت قصص"درايل" في جامعة برمنغهام كشكل من أشكال اللعب اللفظي، قبل ان تتخذ شكل المسابقة الأدبية .

واللعبة مستوحاة من كتاب ساخر يحمل عنوان " كتاب مونتي بايثون الكبير الأحمر " الصادر في لندن سنة 1971، لمجموعة مؤلفين - تهكماً بكتاب ماو " الكتاب الأحمر الصغير" . يصف المؤلفون في الكتاب الكبير "لعبة كلمات" حيث يجتمع عدد من الأصدقاء حول موقد النار، يحتسون البراندي، ويتبادلون الأحاديث الممتعة، ويتنافسون فيما بينهم، في تأليف قصة قصيرة جداً، لا يتجاوز عدد كلماتها مائة كلمة بالضبط، ويعتبر فائزاً اول من ينتهي من تأليف القصة،مهما كان موضوعها او اسلوبها .

صدرت منذ ذلك الوقت العديد من مجموعات قصص "درابل" لكتاب معروفين في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وأميركا اللاتينية والعديد من دول العالم .

قصة من 55 كلمة

 في عام 1987 عدّل ستيف موس، رئيس تحرير مجلة " نيو تايمز " شروط كتابة قصص (درابل)، واعلن عن مسابقة أدبية جديدة لكتابة قصة قصيرة جداً، لا يتجاوز طولها 55 كلمة . وكانت شروط المسابقة عديدة وصارمة، ولكن يمكن ايجازها في ما يلي: " ينبغي كتابة قصة قصيرة جدا تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة، وذات حبكة واضحة،وبطل واحد او اكثر، ونهاية غير متوقعة ". وقد استلمت المجلة عددا هائلا من القصص القصيرة جداّ، وفازت في المسابقة قصة الكاتب الأميركي جون دانييل .التي تحمل عنوان " الغيتار"

 "عندما كنت طفلاً، كانت زوجة أخي الأكبر تشتكي لي دائما بأن زوجها لا يعيرها أي أهتمام حين، يعزف على الغيتار . وكانت تقول، أنني متأكدة أنه يحب غيتاره أكثر مني . وبعد بضع سنوات انفصلا عن بعضهما . أعتقد بأن هذا كان الحل الأفضل لحالتهما " .

ان اهم شرط لنجاح مثل هذه القصص، سواء كانت مؤلفة من (100) أو (55) كلمة، هو أن ان ينسى الكاتب تماماً ما يحدث في الواقع، ويطلق العنان لخياله، وان تكون القصة ممتعة، يقرأها المتلقي بشغف في أقل من دقيقة، مثل هذه القصص قد تكون خيالية، أو بوليسية، أو عبثية، أو مرعبة، أو مؤثرة . أي ببساطة قصة غير عادية .

وقد اختار موس افضل القصص المشتركة في المسابقة وأصدر انطولوجيا تحت عنوان "اقصر القصص في العالم". وكتب للأنطولوجيا مقدمة ضافية حدد فيها أهم عناصر وخصائص هذا النوع من القصص ..

لم يتوقع موس أبداً أن تدخل القصة القصيرة جداً المؤلفة من (55) كلمة فقط الى المناهج الدراسية، واستلم عدد كبيراً من الرسائل من الأساتذة والطلبة يشيدون بجهوده المبذولة في هذا المجال ويشكرونه، لأن تجربة كتابة قصص من هذا النوع تعلّم الطلبة التعبير عن الأفكار بوضوح ودقة، وتدربهم على إعادة النظر في النص مراراً وتكراراً، وعلى اكتساب المهارة في استخدام تقنيات الكتابة .

هذا اللون الإبداعي مفيد أيضاً لكتّاب القصة القصيرة والرواية، حتى المعروفين منهم، لأنه يعلّمهم الأقتصاد في الكلمات . وثمة اليوم في معظم دول العالم كتاب مشهورون يمارسون كتابة هذا اللون اللطيف من القصص المختصرة الى جانب القصة القصيرة والرواية، ومنهم الكاتبة الروائية الأميركية ليديا دافيس (ولدت عام1947) التي إشتهرت بقصصها القصيرة جداً، ونالت عنها جائزة البوكر الدولية لعام 2013 . وهي جائزة تمنح كل عامين للأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الأنجليزية أو المترجمة اليها . وقال رئيس لجنة التحكيم لجائزة البوكر الدولية السير كريستوفر ريكس في الإحتفال الذي اقيم في 22 أيار من ذلك العام في متحف (فكتوريا والبرت) بلندن تكريماً للكاتبة:

"يمكنكم اطلاق اسم " المنمنمات، أو المشاهد، أو المقالات، أو الحكايات، أو الأمثال، أو الملاحظات، أو حتى الخرافات، أو الأدعية، على هذه النتاجات " .

أي أن مفهوم " القصة القصيرة جداً " في الأدب العالمي أرحب بكثير مما يتصوره

اولئك الذين يميلون الى وضع هذا اللون الإبداعي في خانة ضيقة وتقنين شروطه ومواصفاته .

 

جودت هوشيار  

 

 

1023 suzanتحتفل سوزان بحبها وحبيبها ولم تبخل ولم تتوانى في أن تجدل قصائدها أبياتاً تزرع اسم حبيبها في صفحات ديوانها (وزرعت إسمك ص16) فهي وأن اختلفت عناوين رسائلها أو قصائدها والتي يظهر ترابطها في سياق المعاني التي ترشح بحبر المحبة الذي يغرف من محبرة القلب التي لا يجف مدادها لتكتب أبجدية من ذهب (ص69) ضياء القمر مدادها (ص 21) .

تأثير النص الديني يظهر في أماكن عديدة من الديوان جبهةٍ ترنو السجود والقطعانُ تجري لمستقرٍ لها (ص 28) وفي (ص 34) تقول: وأراودُ الحكايات عن أفكارها، وكذلك يبرز في قصائدي الآتية ص 62 النفسُ أمارةٌ بك، وفي قصيدة صوت مخنوق (ص 64) تقول جنة قطوفها دانية. لا تخفي الشاعرة تصميمها لأنها لا تعرف اليأس وهي تعيش الحياة حيث تقول: أن لا يأس مع الحياة (38) ونراها في قصيدة لن أبوح به (ص39) تستعمل التورية اللغوية بأصابع من عنفوان لتعاهد زمان حبيبها أن يبقى سرّ حضارتها.

هذا الحب المكثف إن صح التعبير في عمقه وصمته وتضحايته وجنونه الذي لا قرار له (ص45) وفي قلبي يسكنُ حبا لا قرار َله.

فهي تريد أن تُسمع حبيبها لإنها لا تريده أن يقطع الرجاء : اسمعها منّي ولا تقطع بعدها الرجاء (ص41) لأن قصائدها اعتادت التحليق  بالحب لحد الشعور بالخرس إن لم تكتبه (ص 42) وبالرغم من كل ذلك فهي تتدثر برداء من سلام (ص45) ولتؤكد على عمق هذا الحب كتبت قصيدة صمت وعتب ولوم (ص53)

وكما يقول المثل العامي "على قدر المحبة العتب كبير" فها هي مرة أخرى تبوح بما صنعه هذا الحب وتسرد في قصيدة  مُذْ حبيبي (ص57) حتى تشتاق لنفسها أكثر وكأنها تريد أن تقول إن نفسها هجرتها إليه، وهذا ما يتجلى في قراءتها رسائله المدهشة التي تعيد قرآتها كما تقول (ص 61) ولكن الكرة غداً صباحاً.

كل ما تقدّم لم يدع الهمّ الوطنيّ  يغيب عن الديوان، فها هي تُبرز عمق الجرح الذي يعانيه الوطن في قصيدة النجمات تسكن قافيتي (ص50) حيث يجتاحها موجً غامض ومع ذلك نراها بعزيمة الحب تستنهض مارد الأرض (يا مارد الأرضِ انهضْ..) وتنتظر النصر.

وللبعد الإنساني حصته من غيرة سوزان عون ففي قصيدة الصوت المخنوق تعرج على فرح الاطفال الذين تريد لعيونهم أماناً وعلى وسادة الفرح اطمئناناً (ص64).

ولم تنسى الشاعرة ما للأم من ديون على أبنائها، الأم التي تقول عنها في قصيدة كأقواسٍ ملونة مطيرة (ص100) فكنتِ لي حصناً بحجم الوجود.

هذا الكم من الحب المنتشر على صفحات ديوان سوزان عون جدائل على أكتاف الحب إن دل على شيئ فإنه يدل على أن الإنسان العاشق والمحب الصادق في حبه وأحاسيسه لن يتوانى عن إطلاق حبه ليصل الى المدى وتتردد أصداؤه على جنبات قلوب العشاق، على وجوهم في مدائن الحب المعلّقة على أهداب الكلمات المنثورة على صفحات الديوان، فالشاعرة لم تتوارى خلف مشاعرها، بل أطلقتها من سجونها بكل تَرَوَّ وسؤدد وحب وتحايا من الفؤاد سكبتها الشاعرة همسات أنسانية في عالم السرعة والصخب الهارب على قارعة الانسانية.

باختصار، إن سوزان عون قالت كلمتها، قالت حبها، قالت أنسانيتها، قالت أنوثتها جهراً، وعلقت قلادة على صدر الشعر الانثوي المعاصر.

 

عباس علي مراد - سدني أستراليا

يستوقف نص بلقيس الملحم "احفظوها عني .. "القاريء لعدة اسباب ستأتي،فهذه من المرات المفرحة نقرأ في نص نسوي،يحتوي على مستويات متعدد من الجمال بدءا من مضمونه الشعري الذي ينطوي على جمالية شفيفة من بداىته الى نهايته بالرغم موضوعه المؤلم يليها جماليته اللغوية وجمالية البناء الذي يتداخل فيه الشعر مع السرد بطريقة يصعب التمييز بينهما انه نص يحتوي على طبقات متعددة من الجمال تتراوح بين اللغة والبناء و"المضمون" ووصفه بالنص غير كاف للتعبير عن هويته فنقول باختصار انه نص نثري!

جذور هذه الكتابة او هذا النوع من الكتابة ممتدة من الانشاء النقدي العربي القديم وخير مثال على ذلك مؤلف الباقلاني الضخم : "اعجاز القران" ينطوي على نصوص لم تكن بالاساس غاية المؤلف لكن اذا عزلناها عن الكتاب نجدها عبارة عن قصائد نثرية فائقة الدقة والجمال لغة وبناءا خاصة التي تتناول شعر امرؤ القيس بالنقد اللاذع وفيه تحامل غير مبرر على الشاعر امرؤ القيس . تتفوق على ما يصطلح عليه قصيدة النثر او الشعر النثري .ونجد امثلة مشابهة لدى النثر النقدي القديم لقدامة بن جعفر فيه تميز وجمالية خاصة تفوق جمالية الشعر النثري المعاصر بما لا يقاس، والمدهش ان تعقيدات التجنيس للفصل بين اجناس الكتابة لدى النقاد في عصرنا اشار اليها الباقلاني في كتابه "اعجاز القران" بينما يظن الكثيرون بانها من المعضلات النقدية المعاصرة وجدت مع كثرة وانتشار المدارس النقدية في الغرب منذ مطلع القرن الماضي او اوائل القرن العشرين . فكان الباقلاني يسمي كل ما هو غير موزون ب نثر مخصوص بجنسه، وهو ما تنحت على اساسه المصطلحات للتمييز بينها في وقتنا الحالي فنقول قصيدة نثرية او شعر نثري او سرد او نثر قصصي او رواية ونثر روائي..

يبدأ نص بلقيس الملحم بما يشبه الهتاف ليلفت النظر لموضوعه او ان شئت شعريته او مضمونه :

"قبل الشُّروع في الصلاة على أرواح وأجساد "السبايا" سأصف لكم الألم الذي تواطأ مع قلمي فقام بتطهيري من كل لوثة كونية. منحدرة في السهول وملوِّحة لصفائح الموت التي شوى عليها الظلاميون جثة النهر وشال العذراء وصرخة الحرية"..

هذه "نبرة" النص النثري الذي تتكرر فيه لازمة تجمع شتاته " يا لله" توحي بان كل ما يقوم به الظلاميون من عسف بامر منه! مع جمل رديفة تؤدي نفس المهام ك:اقولها لله" و "هل حان وقت الصلاة" و "يا الله". وهذه تقنية جميلة تضفي على النص وحدة تكاملية وتعمل كمنبهات صوتية تتخلل النص باكمله

وكادانة لما تلاقيه المرأة من عبودية في المجتمع باسم الدين ومن ممثليه زورا:

لا تتركهم أرجوك..

لا تتركهن في كمد

أشجارهن غدت صولجان أصفر

وتنُّورهن يفور بالماء!

كنَّ يتنفَّسن..

يغنِّين داخل بيوتهن المسيَّجة بالبرتقال

ينشرن مواعيدهن على حبل الانتظار

يحكمن تغطية القدور

ويتدفأن بأغاني الوطن المقهور.

يا الله

و :

كنَّ وحدهن.. حتى شمَّت السماء رائحة شواء أجسادهن

ومع ذلك تأخر المطر!

ومات الراعي من العطش

مات بزهرة تعثَّر بها نهاية الوادي!

يا الله

انه احتجاج على ما يفعله الظلاميون باسم الله وضد ارادته، تجتمع فيه هموم ومعاناة المرأة بشكل عام ويذهب الى الاحتجاج على السلطة التي هي اس البلاء ولولاها لما استطاعوا ان يعبثوا بحياة الناس ل

درجة حرمانهم من حقهم الطبيعي في الحياة التي وهبها الله لهم جميعا:

"استجمعت قواي. حرَّكت شفتي بنيَّة رفعتها للسماء. هي اللحظة التي شعرت فيها بعبوديتي لله، ذاتها أحالتني إلى شمعة خجلت من لهب "إذلالهن لعبوديتهم" فماعت وانتهى بكائي لكن النشيج استمر.. حتى جرى على لساني أسماء "السبايا" ..

نكاية بصمت الإنسان، وببقايا الشرانق المعلقة في الأشجار.

ببيوت العناكب التالفة وهدير الجدول في رأس الحياة

بقصائد الغزل المتفحِّمة وهي تنبش الرماد بحثا عن إصبع مجهولة

نكاية بالدموع التي يبست في صدري

فراحت تنقر باب الليل، تستجدي منه عتمة مخيفة أو وحشة خرساء أو سياطا تجحظ منها أنفاسي وتشهق..

اشبه بصرخة ضد الموت والسبي والعبودية التي ترتكب باسم الدين ضد "المرأة" بشكل خاص وضد الانسان والحياة،وادانة للسلطة المتواطئة مع القمع ايا كان مصدره طالما يؤكد وجودها واستمراريتها وطالما من الممكن ان يتحول الى اداة من ادواتها الكثيرة في قمع المرأة والمجتمع . ولكن بتفائل عنيد يتجاوز الاستسلام او القبول بالامر الواقع :

احفظ عنَّا

كل وردة

وقبلة

وصبر

ومناصرة

وانحناء للمرأة – مسلوبة الحقوق –

احفظها عن ظهر حق في وجه الباطل:

بأن الإشراق والنهوض من سيكونا درب الإنسان القادم

وسيكون بالتأكيد للمرأة الدور الاساسي بتغيير واقعها الذي وجدت نفسها فيه فالاستسلام للامر الواقع غير وارد في النص بل تعبر عنه بشاعرية متفائلة في المستقبل واشراقه وتؤكد ذلك ::

"نحن هنا لرفع الغبن والجور والعبوديّة عن جسد المرأة وروحها المتمثل في "السبي" و "الأسر في زمن العبودية المعاصرة" الذي اقترفته بعض الجماعات التكفيرية".

باسم الدين طبعا لتكون ضحية اضطهاد عرفي وديني وفق سلسلة من السلطات القامعة للمرأة والمجتمع والحريات العامة .

النص يقف ضد السلطة ولكن اي سلطة انها السلطة القامعة فيبرأ السلطة " الالهية" لانها لا تريد الشر بالناس والمجتمع، انه ضد السلطة الدنيوية القامعة باسمه،التي تستغل الدين لتسويغ الاضطهاد والقمع ضد المرأة وضد المحتجين في المجتمع عموما القمع اوالاضطهاد الذي لا يمت الى الدين الحنيف بصلة من قريب او بعيد .او كما تقول الشاعرة : "احفظها عن ظهر حق في وجه الباطل" .

ونتيجة لهذا العسف فالمرأة مطالبة ببذل المزيد من الجهود للتخلص من وصاية وعسف الرجل، مرة باسم الدين بتحريف مقولاته ومرة باسم المجتمع الذكوري الذي ينظر الى المرأة كموضوع جنسي لا غير .

قيس العذاري

.........................

سيتعمق فهمنا ااكثر للنص مع الاشارة الى انه كتب بمناسبة عيد المرأة في شهر اذار، والوقوف على معناة المرأة في الجزيرة العربية وما تعانية من اضطهاد وتمييز ومصادرة لابسط الحقوق الانسانية للمرأة .

وهج الانوثة  في قصائد "ليلى حتى الرمق الاخير" للشاعرة سوزان عون

قيس العذاري

هل يمكن ان نقول في قصائد “ليلى حتى الرمق الاخير” لسوزان عون بانها تجسيد غير موارب للانوثة، قد يكون في هذه العبارة او التوصيف بعض الاختصار لما لا يختصر،لان القصائد عبارة عن تجسيد شعري لحالة المرأة بهويتها الانثوية مقابل الرجل، المرأة المتمسكة بانوثتها كأمرأة ذات كيان مستقل .

سوزان عون احس امرأة تفيض شعرا،دون ان ينتابها الوهن او الضعف بثقة مفرطة بقدرتها على تحويل العادي والمكرر والمألوف والطبيعي في الحياة الى شعر مؤثر له سماته المميزة كقصيدة النثر او القصائد النثرية، تقف على النقيض من اميلي دنكسن التي دفعها احساسها المفرط بانوثتها الى التقوقع والعزلة ووجدت في الطبيعة ما يعوض او يلغي تلك العزلة واتهمت بالانانية لكنها كانت في عزلة خارج تلك الضوضاء التي تثيرها حياتها الشخصية وعزلتها عن الحياة اليومية العادية، عكس سوزان عون المحتفلة دائما بنصوصها وشعرها بالحياة والطبيعة التي تمثل عنفوان المرأة وخصوبتها او انها جزء من الطبيعة وخصوبتها :

مواسم الأرض نمَتْ من خطوط كفي

التي عجزتَ أن تقرأها

طالت جذور صوتي

سيصلك جرح أغانيه مع حلول الشتاء البعيد

عكس اميلي دنكسن التي تتخذ من الطبيعة ما يشبه الملاذ للخفيف من وحدتها وتدرك بحسها بانها الاقرب اليها كأمرأة تعاني من الوحدة ومكابدات الشعر حتى تبدو اشعارها كانها قادمة من اغوار بعيدة في الطبيعة تؤنسنها في وحدتها وتحولها الى قصائد غاية في الجمال بصوت خافت يهمس شعرا :

ليالي التوحش يا ليالي التوحش

حيث كنت معك

وعلى الليالي القاسية ان تكون

نعيمنا الريح لا جدوى منها

لقلب في الجانب الايسر

حدد له بالبوصلة

ثبت على الخريطة

تجديف في جنات عدن

اه! يابحر

هل ممكن ان ارسو

الليلة هناك!

او:

“اللحن في الشجرة”،

يقول المتشكك

فاجيب :

“لا ياسيدي، انه بداخلك”

الوحدة دائما ما تؤدي الى الضجر والملل، تحاول دنكسن ان تبددهما بين الطبيعة التي تمنحها فرصة لرؤية نفسها كامرأة والشعر المتوحد بالطبيعة حين تمنحها احاسيسها ومشاعرها الحقيقية، فتشعر بالدعة والامان اكثر مما لو اندمجت او سايرت صخب الحياة اليومية من حولها، بينما نجد العكس لدى سوزان عون :

بدون أصباغ زائفة لوجهي اليتيم

لا يقلقني الغد

ولا تلك المسافات الفارهة;

التي بيني وبين المستقر

لا أضجر ولا أايأس

ففانوس الحلم في يدي

وسندباد رحلتي لم يقلع بقاربي بعد .

والمقارنة هذه ان صحت ان نسميها مقارنة لا تتعلق بالشعرية او بتشابه عوالم الشاعرتين وانما بالطريقة المختلفة للجوء المرأة الى الطبيعة، وتعلقها بها باعتبارها الاقرب الى كيانها كأمرأة، رغم ان ذلك لا يعني ان المرأة الوخيدة التي اتخذت من الطبيعة وسيلة للتعبير عن كيانها ووجودها في الشعر او التعبير عنها بوسائل اخرى كالفنون التشكيلية والكتابات الادبية والابداعية .. وفي فن الرسم على الخصوص .

قيس العذاري

 

 

alkabir aldasisiيستمر الروائي، الفنان والسيناريست المغربي عبد الرحيم بَهير في تشييد عالمه السردي لبنة لبنة فبعد كتاب سيناريو عدد من المسلسلات التلفزيونية والسينمائية التي قربته أكثر لعامة الجماهير منها سيناريو مسلسل دوايـر الزمـان، 2000، وقبله بسنة مسلسل أولاد النـاس سنة 1999 فسيناريو سلسلة بسمة، إضافة إلى كتابة سيناروهات بعض الأفلام السينمائية المطولة كفطومة، والطيور على أشكالها تقع، وشهادة حياة، وعودة عزيزة...

وبعد عدد من الروايات التي تغوص بالقارئ في عوالم المغرب بمنظور وجودي يقارب تيمات الموت والحياة، الواقع والخرافة، تداخل المتخيل بالسيرة والواقع التاريخي .. منها رواية "الفقدان" الصادرة عن دار قرطبة البيضاء 1993 ورواية "المرأة التي" الصادرة عن نفس الدار سنة 1995، ورواية "مجرد حلم" الصادرة عن دار الثقافة مؤسسة للنشر والتوزيع البيضاء 2004 ورواية "صلواتهم" عن دار القرويين الدار البيضاء 2007، قبل أن يتعامل مع مؤسسة الرحاب الحديثة اللبنانية في روايتين هما "زحف الأزقة" 2014 ورواية "طقوس العبث" 2016. ليعود متم سنة 2016 للتعامل مع دار نشر مغربية من خلال روايته الجديدة (جبل موسى) التي انضافت إلى سلسلة عقده السردي في دجنبر 2016 بدعم من وزارة الثقافة المغربية. وهي من الروايات العربية القليلة التي تشد أنفاس القارئ، إن ابتدأ قراءتها، وتحتم عليه تعليق مشاغله وتأجيل التزاماته إلى أن يلتهم كل صفحاتها المائة وستون، وقد تستمر هزاتها الارتدادية أياما بعد قراءتها متسائلا كيف تمكن خيال هذا الكاتب من نسج شلال من الأحداث الصادمة في قالب سردي كسر نمطية الخطوط السرية المعهودة، وقد اختار لهذه الرواية عنوان (جبل موسى)... وهو عنوان سيوحي لكل قارئ بفرضيات معينة لكن مهما سعت تلك الفرضيات الى الاقتراب مما يحويه المتن الروائي فالأكيد أن الرواية ستخيب أفق انتظار قارئها وترمي به في عوالم صادمة وبعيدة عما كان يتوقعه...

فما مضمون هذه الرواية؟؟ وما دلالات الجبل (جبل موسى) في هذه العمل؟؟

تبتدئ رواية (جبل موسى) والسارد المعلم الشاب (مروان) ينتقل عبر سيارة نقل عمومي في اتجاه قرية صغيرة تدعى (بليونبش) المحاذية لمدينة سبتة المحتلة شمال المملكة المغربية، حاملا معه تعيينه الجديد للعمل مدرسا هناك، وتقوده الظروف ليكتري شقة في بيت السيدة فتيحة الأرملة، ليكتشف أن لها ابنا معاقا كسيحا لا يتكلم ولا يتحرك إلا بكرسيه المتحرك في المحيط الضيق بين غرفته وشرفة البيت، يرتاح لأجواء العمل ولطيبوبة السكان، وبدعم من السيدة فتيحة يربط مروان علاقة بابها الشاب محمد حكيم المعاق، ويتفاجأ بالعالم الذي يتحرك فيه الشاب: صور الفلاسفة، وأقوال للمفكرين الكبار، ويتعرف على موسوعية الشاب بعد أن اهتدى لطريقة التواصل معه بالكتابة، تتطور الأحداث وتموت الأم وهي توصي المعلم مروان خيرا بابنها الوحيد الذي صدم المعلمَ مروان يوم وفاة أمه بأن كشف له طلاقة لسانه، وأنه كان يتظاهر بالبكم .. يطلب الشاب محمد حكيم من المعلم مروان بأن يساعده على تسلق قمة جبل موسي، المطل على مدينة سبتة والمقابل لجبل طارق في الضفة الجنوبية لإسبانيا، تجشما عناء صعود الجبل بمعاق على كرسيه المتحرك، وفي القمة يفاجأ مروان بأن الشاب لم يكن ولا كان معاقا، وإنما هناك أسباب حتمت عليه التظاهر بالبكم والإعاقة....

على قمة الجبل ينطق لسان محمد حكيم يسرد تفاصيل حياته، كيف كان (والده) عبد الحكيم يشتغل في التهريب وتجارة المخدرات في عزوبيته، وكيف تمكنت فتيحة بعد زواجهما من تغيير مسار حياته وإقناعه (بالحياة الحلال)، فاكتفى بإدارة متجر صغير و عاشا سعيدين لا يعكر صفو حياتهما سوى قطع نسلهما، لذلك لما وجدا طفلا قطعة نيئة طرية أما باب مسكنها فرحا بها واعتبراه هدية من السماء، وتعويضا على صبرهما فاختارا له اسم محمد حكيم، وربياه ابنا لهما، وحرصا على تعليمه التعليم المناسب موفرين له كل الشروط لمتابعة تعليمه بمدينة سبتة المحتلة... وبما أن طموح الأب عبد الحكيم كان جارفا فقد اهتدى إلى ضرورة اقتحام عباب السياسة ليحقق أحلامه، وكان له ما أراد، فتسلق في المناصب المنتخبة من الجماعة إلى البرلمان وبدأ يحلم بالوزارة... وفي غمرة لقاءاته وسمره مع الأعيان تعرف إلى فتاة جميلة (إلهام) وتزوجها في السر (احتراما) لزوجته فتيحة، في تلك الأثناء كان ابنه محمد حكيم قد حصل على شهادة الباكالوريا، فالتحق بكلية الطب بالرباط، ترعرع الشاب وأضحى أكثر وسامة، لذلك ما أن رأته إحدى الفتيات حتى أغرمت به وغدت تتحين الفرص للاختلاء به في الفنادق وأحيانا في بيتها، تتطور علاقتهما وتسقط الفتاة حاملا، ولتخفف عنه دهشته، أخبرته بأنها متزوجة برجل يكبرها بثلاثة عقود وأن الابن سينسب زوجها، وأن هذا الزوج سيطير فرحا بهذا الحمل الذي انتظره طول حياته، يعيش الشاب معاناة وصرعا داخليا لما علم أنها متزوجة، وتحول هذا الصراع بركانا داخليا لما زار والده يوما واكتشف أن إلهام حبيبته الحاملة منه هي زوجة أبيه، وينفجر البركان ثورانا عندما أخبره إلهام أن زوجها عاقر ولا يمكنه الإنجاب وأنه ليس والده... تثور ثائرته ويبحث عن الحقيقة عند أمه التي عرفته على حقيقته وأنه ابنهما بالتبني. يفقد توازنه دون أن يقطع علاقته بإلهام وهو يشعر أنه أصبح (سيد البيت في بيت السيد الوالد) بعد ازدياد ابنه(أدم) الذي يعتبره أبوه أبنه... وفي قمة الانفعال بعدما أخبره والده بأن يشك في زوجنه، وأنه يضع كامرات لمراقبة تحركاتها(في الشقة وفي غرفة النوم دون علمها...) مما رفع الضغط على محمد حكيم وخاف أن يفجر الأسرة التي احتضنته فآثر صدم السيارة المسرعة التي يقودها وبجانبه والده وهما في طريقهما إلى تطوان بشاحنة، لتكون النهاية وفاة والده الذي رباه، ودخول الشاب في غيبوبة، لما استفاق منها تظاهر بالإعاقة وفقدان الصوت خوفا من أن يجره لسانه ويجبره على قول الحقيقة لأمه التي ظلت تكن الحب والاحترام لزوجها، مفضلا حبس نفسه ولسانه على جرح المرأة التي ربته وأحسنت إليه، مؤنبا ضميره على ما اقترفه في حق الرجل الذي رباه واعتبره ابنه، لذلك ما أن وافت المنية السيدة فتيحة حتى أطلق العنان للسانه وغدا يسرد لصديق مروان تفاصيل حياته...

الرواية بهذا المتن الحكائي المليء بالمفاجآت المشوقة والصادمة للقارئ، تنطلق من عالم صغير وقرية منسية في أقصى شمال المملكة المغربية، لا يعيش أهلها إلا على التهريب وما يجود به البحر لترمي بالقارئ في عوالم لا شواطئ لها من الفكر،الفلسفة،التربية والسياسية والمواقف من الحياة الوجود قد تقف بالبطل على حدود الإلحاد، في بناء سردي ومبنى حكائي محبوك....

رواية جبل موسي لعبد الرحيم بهير تستحق لأن تكون موضوع دراسة أكاديمية، لذلك لن يعطاها حقها في مقال مهما كان حجمه لتعدد القضايا والأبعاد التي قاربتها الرواية وكل بعد منها يمكن أن يكون في بحث خاص من تلك الأبعاد:

البعد التربوي : اختيار معلم راويا وبطلا للرواية، وتوظيف المعلم لما تعلمه من طرق تربوية بيداغوجية في التعامل مع الشاب الكسيح المعاق، ونجاحه في أخراج ذلك الشاب من عزلته ...

البعد السياسي : اختيار عبد الحكيم لطريق السياسة بدل التهريب للاغتناء والحفاظ على الوجاهة الاجتماعية في خط يعكس واقع الساسة في العالم العربي، مع تلميحات لكيفية تأسيس الأحزاب ووصول غير المثقفين لمناصب القرار ...

البعد الاقتصادي: اختيار قرية حدودية يعيش سكانها على التهريب فضاء لمسرحة معظم أحداث الرواية، والاعتماد على الطرق غير الشرعية للاغتناء وتبيض الأموال للحفاظ على الوجاهة الاجتماعية...

 البعد الفلسفي : حضور عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين العرب والأجانب وإن اختار السارد من فلسفة نيتشه الخلفية الفكرية لبطل روايته ونظرته للحياة والوجود جاعلا من نيتشه الأب الروحي للبطل محمد حكيم...

والروية إلى جانب هذه الأبعاد وغيرها حبلى الدلالات الرمزية، لأن كل شيء فيها مختارة بعناية ودقة فائقتين انطلاقا من المتن فالمبنى مرورا أسماء الشخوص وانتهاء لاختيار فضاءات تحرك تلك الشخوص إذ يكتشف القارئ أن اسم كل شخصية مشحون بدلالات تتوالد منها دلالات أخرى كالأورام الحميدة:

فتيحة صيغة مبالغة لفاتحة، وهي التي فتحت لحكيم مسارات جديدة في حياته وأبعدته عن التهريب إلى التجارة فالسايسة وظلت على إخلاصها له حتى وفاته لا علم لها بزواجه ولا بحمل زوجته من أبنها الذي ربته

 محمد حكيم :البطل الرئيس للرواية، اسم مركب يجمع بين محمد وهو من خيرة أسماء العربية فخير الأسماء ما حمد وعبد، واسم يحيل على(خاتم الأنبياء) و(حكيم) الذي يحمل إحالات على الفلسفة والطب وقد كان لهاتين التمتين حضور هام في الرواية وارتباط بشخصية هذا البطل، من حيث التحاقه بكلية الطب، وتأثره بالحكمة (الفلسفة) وترديده لمقولات فلسفية في الحياة، الزمن ومصير الإنسان والهدف من وجوده على هذا الكوكب وتقلبه بين عدد من الديانات وانتهاؤه إلى غاية الدين والحكمة سعادة الناس وأن (الحياة من غير حب لا يعادلها إلا الموت) ...

 وكذلك كان لكل شخصية اسم يتوافق وميولاتها وأفكارها ومواقفها من الواقع المعيش ولا يتسع المجال في مقال للوقوف على كل شخصيات الرواية وإلا سيطول شرحه....  

لكن يبقى الجبل رحم الإحالات في الرواية لحضوره في عدد من مشاهدها انطلاقا من المشهد الأول في الرواية حيث البطل متجه الشمال (راح محرك السيارة يجلجل كلما انبلج الطريق الجبلي صعودا إلى القمم) ص 5 إلى آخر مشهد فيها ( في سفح الجبل ظهر حكيم وأمامه شابة ذات حسن وبهاء وكل منهما طوق خصر الآخر بذراعيه في حنان) ص160  وكأن أحداث الرواية تتمسرح بين صعود الجبل والنزول منه مما يعطي الحق في طرح أسئلة مثل: لماذا اختار الكاتب جبل موسى عنوانا لهذا العمل..؟ وما دلالات الجبل في هذه الرواية؟

لا خلاف حول كون الجبال والكهوف قد ارتبطت في الثقافة الإنسانية بعدد من الأحداث الفلسفية والدينية الأسطورية... وتكفي الإشارة إلى دلالات الكهف في أسطورة أفلاطون، ودلالات جبل أولمبيوس أو جبل الأولمب في الميثولوجيا الإغرقية ... وفي ثقافتنا العربية الإسلامية ما يكفي من الحكايات، الأساطير، قصص الأنبياء... التي يعد الجبل محورها الأساس بل قلما وجدنا نبيا لم تكن له قصة مع جبل ما: ففي قصة إبراهيم الخليل إشارات إلى جبل عرفات، الصفا المروة... و لا يمكن الحديث عن حياة خاتم الأنبياء دون الإشارة إلى جبل حراء، جبل أحد وجبل ثور... ويبقى الجبل الأقرب إلى جبل هذه الرواية جبل طور أو جبل موسى في قصة موسى عليه السلام على الأقل من حيث الإحالة الإسمية (جبل موسى)

إن كل الأنبياء والفلاسفة الذين ارتبطت قصصهم بالجبال قصدوا الجبل للعبادة، التنسك، الخلوة،وتلقي الوحي... فكان الجبل سببا في تفريج كربهم، وحل ما أشكل عليهم: ففي الجبل نزلت أولى آيات الوحي على محمد (ص) وفي جبل ثور نجا الرسول من المتربصين به بمساعدة الحمامة والعنكبوت.. وفي الجبل أيضا كانت فدية إسماعيل بل تكاد ترتبط معظم مناسك الحج بحبال الصفا المروة عرفات... وتجمع الديانات الثلاثة أن في جبل موسى أو جبل طور كلم موسى ربه وتلقى الوصايا العشر، ونظرا لأهمية هذا الجبل فقد اختاره سبحانه وتعالى دون غيره من الجبال ليقسم به (التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين)

 الرواية اختارت (جبل موسى) عنوانا وفضاء لمعظم الأحداث، وجبل موسى هذا يقع في أقصى شمال المغرب يطل على جبل طارق بالجنوب الإسباني و في الغالب سمي بجبل موسى نسبة إلى موسى بن نصير الذي كان واليا على أفريقية مقابل تسمية الجبل الذي يقابله في الجنوب الأوربي نسبة لقائده طارق بن زياد قائد الفتح الأندلسي....

 وشاء القارئ أو أبى سيجد نفسه –وهو يقرا هذه الرواية - يستحضر نصوصا وأحداثا غائبة لها علاقة بجبل موسى بسناء، فكما صعد موسى عليه السلام الجبل وتجلت له الحقيقة الإلهية، وحلت عقدة لسانه وكلم ربه ... أوقفت الرواية الأحداث- والبطل على قمةالجبل- لتحل عقدة لسانه في لحظة اعتراف بحقيقة صادمة كان البطل مصرا على كثمانها إلى أن يلقى ربه...

في الجبل تحرر البطل من ماضيه ومن الضغط الذي جعله يتظاهر بالصمم والإعاقة الحركية فنراه يسائل ويأمر صديقه المعلم بسؤال يحمل دلالة التمني فيقول (لماذا لا نتحرر من التبعية والطقوس والمقدسات ؟ حرر نفسك بالعلم والمعرفة اخرج من السرب وكن كالطائر الحر في سماه) ص 151  لتجعل الرواية من الجبل مكانا للتسامي وفضاء للتعالي على كل أدران الواقع الموبوء وقد ورث البطل ذلك عن والده الذي كان (الجبل يستهويه، كان من عشاق الجبل كانت له علاقة روحية بهذه الصخرة العالية) 150 و(كان يصعد الجبل تاركا هموم السياسة في السفح ... كان يقطع الاتصال مع العالم الخارجي ) 151...

 والبطل الذي فضل الاعتراف لصديقه المعلم على قمة الجبل اختار أيضا أن يكون هذا الاعتراف وفق وطقوس مستوحاة من عدة ديانات يقول السارد (أخذ حكيم حقيبته وأخرج منها شمعة وأشعلها وضع صورة والده أمامه وجلس القرفصاء كراهب بوذي يقوم بطقوسه الصغيرة أحرق بخورا متنوعة فاحت روائحها الزكية وانتشرت حولنا فأعطت للمكان نوعا من القدسية ....) قبل أن يضيف ( بفضل هذه البخور الهندية المقدسة اتصلت بروح والدي وأخبرته أنني حصلت على حريتي اليوم) 151

على الجبل إذن قرر البطل أن يبدأ حياة جديدة يقول (سأطوي صفحات الماضي وسأنطلق من جديد سألج عالم السياسة وسأكرس حياتي للسياسة لخدمة وطني وربما سأتبوأ المراكز التي كان يحلم بها أبي رحمه الله ص151

إن الجبل ارتبط في الرواية بالنقاء والصفاء والحب، بل وجذناه في إحالات اخرى ارتبط بالتضحية والقرابين، فكما حدث في جبل عرفاة عندما هم سيدنا إبراهيم بدبح سيدنا أسماعيل، وبما أن البطل لسي نبيا لم يتم فداؤه بل وجدنا السارد (مروان) يعيش كابوسا مروعا وهو يرى صديقه يكبل ويذبح على قمة الجبل من طرف متعصبين بعد أن اتهمهم باستغلال الدين للسيطرة على عقول البسطاء يقول: (صعدوا به أعلى الصخرة على قمة جبل موسى وهم يرفعونه فوق رؤوسهم ثم أخرج أحدهم مدية من تحته وهو يصيح الله أكبر. تملك صاحبي رعب شديد ... يحاول الإفلات منهم، لكنهم عروا عن نحره كما يفعلون بخروف العيد وبأعدائهم من البشر وهم يكبرون .... وبحركة واحدة ذبحوا صاحبي من الوريد إلى الوريد فانفجرت العروق بالدماء وأمسكوا بأطرافه ورموا بجسده من فوق الجبل فسقط وتهشم رأسه فوق الصخور رأيت بياض مخه ونور روحه وهي تصعد إلى السماء) ص 96-97

هذه مجرد ملاحظات سريعة في قراءة عاشقة لعمل يستحق عناية اكبر، والأمل على السيناريست عبد الرحيم بهير أن يعرف عامة المغاربة والعرب على هذا العمل من خلال تحويله لسيناريو مسلسل تلفزي وهو الذي أشار مستهل الرواية أن فكرة هذا العمل راودته وهو في قرية قرب مراكش (كانت الغاية نسج سيناريو مسلسل تلفزيوني طويل، غير أن الواقع كثيرا ما يتداخل بالرغم منا ليفرض نفسه علينا وعلى الفن والإبداع هكذا تخليت عن شخصيات المسلسل وتركتهم مكرها في العراء...) ص4 لتعيده الأيام إلى الفكرة المنسية ويتذكر شخصياته (وبعد حوار طويل أقنعوني بالسفر إلى الشمال وإلى قرية بليونيش وبالضبط إلى جبل موسى لأستلهم العنوان، وعند سفح الجبل باحوا لي بأسرارهم لتولد حكاية مغايرة) ليظل القارئ متعلقا بأمل تحول الحكاية لمسلسل أكيد أنه سيشد الأنفاس إذا ما توفرت الشروط التقنية، الإبداعية والمالية لإنجاحه...

 

ذ. الكبير الداديسي

ahmad alkhozaiتميز الأدب العراقي بظاهرة تعدد الأجيال، في فترة قصيرة من تاريخه الحديث، حتى أصبح الحديث عن الأجيال أمراَ ملزما لكل باحث في الأدب العراقي، وبالأخص السرد بشطريه (الرواية والقصة القصيرة)، والملفت للنظر في هذه الظاهرة الأدبية، ان عمر الجيل الأدبي الواحد لا يتعدى العقد من السنين، ولا نكاد نجد صلة كبيرة بين جيل واَخر، أي وجود قطيعة فكرية ومنهجية بين تلك الأجيال المتعاقبة، بحيث لايتم جيل مانجزه الجيل الاَخر، فشكل السرد العراقي حلقات منفصلة بعضها عن بعض.. لذا تعد تجربة محمد خضير الأدبية في القص العراقي تعبيرا واضحا عن هذه الظاهرة، فقد تفرد هذا القاص بأسلوبه (الواقع الأفتراضي) المفعم بالغرائبية والعوالم البديلة، التي تقذف بمخيلة القارئ الى مديات بعيدة من الدهشة والتفكير والتحليل، وتدخله في أجواء ساحرة مبهرة تمثل صورة أخرى للواقع، عبر عنها في نتاجاته الأدبية من خلال عدة مجموعات قصصية، كتبت  ما بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي (المملكة السوداء، في درجة 45 مؤية، بصرياثا، رؤيا خريف) .. في قصة (ساعات كالخيول) وهي أحدى قصص مجموعة صدرت له عام 1998 حملت أسم (تحنيط)، وضمت عدة قصص نشرت في مجموعات قصصية سابقة .. تبدأ هذه القصة بتقنية (الأستباق) أي ذكر عبارة كانت هي في الأصل خاتمة لهذا النص (فأجده نائما على فراشي، يدير وجهه للحائط، ويعلق عمامته الحمراء على المشجب) .. سارد داخلي يمثله شاب صغير، يروي قصته مع ساعاته القديمة، التي ورثها من عمه الذي كان يعمل بحارا (مازلت أملك حتى اليوم مجموعة من الساعات القديمة، تلقيتها من عم لي كان بحارا على سفن شركة اندروير) .. من هذه العتبة السردية، ينطلق بنا محمد خضير في عوالمه الغرائبية نحو الدهشة، مستخدما عنصر الزمن بكل دواله الحسية والمادية (الساعات، دفتر المذكرات، فصل الربيع، الماضي، الحاضر) هذا الزمن، شكل محور رئيسي دارت حوله رحى السرد القصصي (الزمن المحشو كقطن قديم في حشية صغيرة).. ساعد في بلورة هذا المفهوم الأبراز الجميل لثقافة المكان كما عرفها فوكو (أخراج المكان من عالم السكوت الى المنطق) كما في النص الاَتي (ثم هاهي ارصفة الفاو، تقود المصابيح جسورها الخشبية فوق الماء الى مسافة، وترسو في الفسحات بينها زوارق متجاورة تتأرجح أضواؤها).. ان أتحاد هاذين العنصرين المهمين في السرد ( الزمان والمكان ) بهذه الطريقة الفنية الجميلة، جعل من الضرورة الخوض بمصطلحين سرديين هما (واقعية العمل السردي، وفنية العمل السردي) .. حملت القصة تفاصيل تمثل حركة البطل داخل النص، وتصوير المشاهد ووصفها، والحوارات المقتضبة، مما جعل جزء منها يحمل سمة واقعية انطباعية الى حد كبير.

يقرر الشاب بطل القصة، حمل أحدى ساعات عمه القديمة العاطلة عن العمل في جيب سترته، فيدله (قهوجي) المقهى الذي جلس فيه، على مصلح للساعات القديمة يسكن مدينة الفاو، التي تطل على الخليج العربي،  أقصى جنوب محافظة البصرة، مسرح أحداث القصة (الطريق الى الفاو موحل، ومازلت اؤجل السفر، حتى كان صباح فيه مشمس، فاتخذت مكانا بين الركاب في باص، أنطلق بنا محملا بالأمتعة) ..كان كل شئ في النص يرتد نحو الماضي، ويخوض في الماضي ..الشوارع، الأبنية، الأسواق، بيت مصلح الساعات الذي تحول الى اَلة كبيرة للزمن، مُلأت باحته وجدرانه بالساعات القديمة، التي تدق حسب التوقيت في كل بلدان العالم.. ( ثم ضجت القاعة بالرنين: هل دقت سبعا؟ الليل في اندنوسيا.. أتميز الدقات الأثنتي عشرالأخيرة ؟ أنهم يغطون في سبات في أقصى الغرب من الأرض...) .. وقد رسخ حضور الماضي بكل تجلياته، القصص والحكايات التي رواها البحار القديم (مصلح الساعات) لذلك الشاب، عن رحلاته الغريبة، والتي تعد أنتقالة سردية في متن النص بين الواقعية الانطباعية التي بدأ بها وبين حكايات غرائبية هي اقرب الى الخيال، أستحضرها البحار القديم، في عملية (أسترجاع خارجي) كما عبر عنه الناقد جيرار جينيت، كان هذا الأرتداد يمثل للبحار القديم، كنوع من التعويض النفسي عن حالة عزلة فرضها على نفسه في بيته، أمتدت لأكثر من ثلاثة عقود، تلك المشاهد شكلت واقعا أفتراضيا موازيا للواقع، زج به القاص ليقدم لنا رؤية اجتماعية ونفسية مركبة، حين أنتقل السرد من الشاب الى ذلك البحار القديم، هذان الراويان الداخليان، اللذان تربطهما علاقة أيجابية نامية كما عبر عنها (فوستر)، شكلا حالة من التبئير السردي، كانا فيها في حالة أنسجام مع طبيعة الشخصية المتحركة داخل النص (الراوي= الشخصية).. تلك الرؤية التي عرفها تودروف (انها أهم شئ في العمل الأدبي، ففي الأدب لا نواجه أحداثا أو أمورا في شكلها العام، وانما نواجه أحداثا معروفه بطريقة ما، وتتحد مظاهر أي شئ بالرؤية التي تقدم لنا عنه) .. فقد اشارت تلك الرؤية الادبية في جزء منها، الى وحدة ثقافات منطقة الخليخ العربي، والأمتزاج الحضاري والفكري والأنساني بين سكانها، كما في قصة البحار القديم التي روى جزء منها الى الشاب (تزوجت في البحرين من امرأة، أنجبت ثلاث بنات أعطيتهن لأبناء البحر).. وقد حمل هذا النص بالأضافة الى سمة الواقعية الممزوجة بعوالم غرائبية، سمة فنية جمالية خلاقة، من خلال تقنية الوصف الدقيق للأشياء،  واللغة المستخدمة في السرد والتي كانت سهلة منسابة، تتماهى مع الايقاع السردي الذي طغى على النص، والمتسم بالحوارات الهادئة، والأنتقالات السردية الأنسيابية .. وأما العنوان الذي يمثل مفتاح العمل، والعتبة الأولى لدخول عوالم النص، فانه كان يعبر عن تداخل فكري عفوي حدث في مخيلة البطل الشاب، كنتاج لسماعه قصص البحار القديم (مصلح الساعات)، في رحلاته الغريبة وعمله مع تجار الخيول عبر البحار، وصدمته وأندهاشه لرؤيته الساعات الكبيرة والقديمة التي كانت تغطي جدران بيته وفناء داره (فتحت الغطاء، كانت العقارب تدب، اطبقت على الساعة راحة يدي، وأنصتنا للبحر يدوي في ساعات القبو، القوائم الرشيقة للخيول تجري في شوارع الميناء).

يشكل أدب محمد خضير علامة مضيئة في تاريخ القص العراقي، وعليه يجب العمل على تحويله الى منهجية أدبية، تدرس لذوي الأختصاص في هذا المجال، للحفاظ على ديمومته، خشية من حدوث أي قطيعة أدبية معه، تؤدي الى أندثاره.

 

احمد عواد الخزاعي

 

karim ghtaffa (تل الذهب) رواية للكاتب العراقي (حسن عبد الرزاق) صادرة عن دار (ميزوبوتاميا) 2016.  رواية قصيرة عدد صفحاتها (106) بالتمام، يمكن للقارئ أن يقرأها بجلسة واحدة، ليس لقصرها، بل لقوة الحبكة التي تمكن منها الكاتب بمهارة عالية أولاً وثانياً لتمكنه من لغة الرواية. أقول (لغة رواية) لأنه لم يتوسل لا بلغة الشعر ولا بلغة الصحافة المملة التي ترهق في العادة نصوص كتاب الرواية وتدفع بها للترهل. كتبها بلغة روائية هجينة تزاوج بين السخرية والتراجيديا. الجملة عنده قصيرة مكتنزة بدلالات ومحمولات من السهل على القارئ استعادتها بعد حين وربطها بما مضى من أقوال وأفعال.. لغة خفيفة الدم خالية من الدهون.

أما حكايتها فلم تكن سوى رحلة داخل خرافة بدوية قادمة من زمن الأساطير، قابلها الراوي- الكاتب ومنذ البداية بـ(عفطة) عراقية..!! لكنها (الحكاية) التي لم تستحق أكثر من تلك الـ(عفطة) كانت قادرة على سحب القارئ ليلاحقها حتى آخر صفحة.. وهذا ما حصل معي.

الراوي (ناجي نعيثل) جندي قد تسّرح حديثاً من جندية حروب دامت دهراً وهو في طريقه إلى مدينته الناصرية. يصطدم بإلحاح رجل عجوز في ساحة الطيران يعرض عليه كتاب قال له "أنه يفيدك". الرجل ليس من هواة الكتب أصلاً ناهيك أنه لا يبحث عن أساطير وخرافات، بل عن رائحة أنثى عسى أن يمن بها الحظ ويجمعه معها على ذات الكرسي في السيارة التي ستأخذه إلى مدينته. أنثى يستمتع بمجرد الإحتكاك بجسدها مع تموجات ومطبات الطريق. لكنه مع ذاك اشترى الكتاب بسعر زهيد. ولم يكن الكتاب سوى حكاية خرافية عنوانه (حكاية غدك).

من هنا يدخلنا الكاتب في وهم أو إلتباس متعمد بين حكايتين تتقاطعان في ذات المكان. والمكان عبارة عن أرض جرداء تحادد الصحراء فيها ما يشبه البستان وخيمة وحيدة لبدوي مع زوجته الشابة المليحة.  هنا تتعطل السيارة ويخيم الليل ولم يبقى من المسافرين غير أربعة أشخاص لم يسعفهم الحظ بسيارة أخرى تقلهم؛ هم الراوي (ناجي نعيثل) الاسم الوحيد في الرواية، إذ ظلت الشخصيات الأخرى بلا أسماء مع طالب جامعي ظلت ملامحه باهتة على طول السرد لأن الكاتب أبقاه صامتاً مع قروي وزوجته. يبدأ الإيهام المتعمد بين حكاية هؤلاء المسافرين الأربعة وما جرى لهم وحكاية الكتاب.

حكاية الكتاب أو حكاية (ناجي نعيثل)، لم تكن غير ترجمة لمقولة قديمة (أرض السواد بستان قريش).. استعاض الكاتب عن قريش بقبيلة (الغوانم) كما استبدل سكان أرض السواد بقبيلة المغنومين.  للغوانم كنز من الذهب تحت تل تركه لهم أسلافهم.. لكنه (التل) المحروس بكل أقوام الماضي التي تبادلت غنيمة أرض السواد. وما على سليل الغوانم الأولين البدوي الذي استضاف الأربعة في تلك الليلة؛ سوى أن يحصل على كنزه بمساعدة المغنومين الأربعة. المغنومون الذين يتحولون في الصباح من ضيوف إلى أسرى. من الآن تبدأ (حكاية غدك). يسوق البدوي مغنوميه الأربعة على سيارة مكشوفة إلى تل الكنز. لتتحول  الرحلة إلى رحلة داخل الزمن باتجاه الماضي. يلتقون بثلاثة أقوام يتناوبون عليهم على التوالي أسراً وسبياً واغتصاباً.. ومع كل قوم يبتدع راوي الأسطورة وسيلة ينقذ بها المأسورين الذين اصبحوا الآن ستة بإضافة البدوي وزوجته الشابة المليحة. القوم الأولين الذين يتكلمون اللغة العربية الفصيحة عزلوا الرجال عن النساء.. حكموا على الرجال بالذبح وعلى النساء بالسبي والإغتصاب وكانت القروية والبدوية هما موضوع الإغتصاب المتعدد من الغوانم.. والقوم التالين رغم أنهم امتداد للأولين إنما لغتهم كانت هجينة وغير مفهومة وبدوا أنهم قد ملوّا فروج النساء واستبدلوها بالولدان المخصيين.. ويكون أول الضحايا هنا الطالب الجامعي لوسامته وشبابه.. أما القوم الأخيرين فلم يكونوا سوى الحمر البيض الذين يتكلمون لغة غير مفهومة.. (الإنكليز).. هؤلاء لا يذبحون ولا يغتصبون لكنهم يحولون المغنومين إلى جنود يحرسون لهم الكنز.. واضح أن الرسالة المضمرة هنا تشير إلى تأريخ أرض السواد الذي تناوبت عليه أقوام كثيرة بدأً من أولئك الذين يتكلمون العربية الفصحى إلى التالين من سلاجقة وبويهين وعثمانيين.. ووصولاً إلى الإنكليز.

وفي كل المراحل لم يستول الغوانم على كنوز هذه الأرض فحسب، بل استولوا كذلك على سلوكيات سكانها.. كل قوم يضيفون شيئاً من إرثهم الثقافي إلى هذه الأرض من عادات وتقاليد وأفكار تظل مزروعة لحين مجيء غانم جديد يبنى فوقها.. حتى وصل الأمر أننا نجد القروي المعاصر وهو سليل حضارات هذه الأرض القديمة (كما يُفترض) في واحدة من المحطات يلجأ إلى ذبح زوجته بالسيف، لأنها أُغتصبت كسبية أمام عينيه.!! ورغم أنه لم يفعل شيئاً لإنقاذها بل حصل العكس هي والبدوية من أنقذهم من الأسر والذبح؛ بعد أن تخّدر الحراس بنشوة التناوب عليهما وناموا.. نجد هذا القروي الغبي المأسور فكراً وسلوكاً للبدوي والذي لا يعرف سوى الطاعة لأوامر البدوي، نجده يلجأ للفعل الوحيد الذي سيطر على عقله ومشاعره ألا وهو (غسل العار). الفعل الذي لم يفعله حتى البدوي سليل عادات الصحراء بزوجته المليحة والتي هي الأخرى أُغتصبت أمام عينيه، حتى هو يعاتبه بعد إتمام الجريمة:

- لماذا ذبحتها.. المرأة بهيمة..!!

البدوي هنا نطق عن ثقافة أسلافه الأباعد، إذ المرأة عندهم مثل بقية أملاك الرجال ليست أكثر من موضوع للسبي والأغتصاب لمن يفوز بالغزو.. مرة تكون أنت الغانم ومرة يكون الغانم خصمك..!!

رواية قصيرة سردت حكاية طويلة بطول دهور الإستلاب والغزو والاحتلالات  التي مرت على أرض السواد. رواية كتبت بلغة متقشفة خالية من الإنشائيات التي تضخم روايات كثير من الكتاب المأخوذين بالحجم إذ كلما كانت روايته كبيرة الحجم كلما أشعرته بالزهو.. لغة جميلة.. لكن كان لها أن تكون أجمل وأكثر ألقاً لو ترك الكاتب شخوصه يعبرون عن أنفسهم وسلوكياتهم بلهجاتهم، علماً أنها ضمت بين دفتيها شخصيات متنافرة غاية التنافر في الخلفية اللغوية ليس أقل من التضاد بين الصحراء والريف، البدوي والقروي، الطالب الجامعي والجندي وسائق السيارة..إلخ لكل من هؤلاء لهجته وطريقته في استخدام اللغة.. بالنسبة لي لغة الرواية ليست لغة الكاتب فقط، بل مجموعة من الأنساق اللغوية التي يديرها الكاتب ويضبط تناسقها مع بعضها كما يفعل قائد الأوركسترا بآلاته المختلفة والمتعددة النغمات والأصوات.. عدا هذا هي (اللغة) امتداد لشخوصها أبطال الحكاية. لكل لهجة محكية محمولاتها النفسية والإنفعالية التي تعكس بالضرورة طبيعة المكان.. ناهيك عن أن اللغة وطريقة استخدامها تكشف عن مستوى وعي المستخدم والمستويات متفاوتة هنا كما هو التفاوت في الأمكنة والبيئات وتأثيرها على ساكنيها.. أريد الوصول إلى ما يسميه (النقاد) بـ(الفضاء الروائي) أي الزمان والمكان الذي على الكاتب أن يكون أميناً له. حين يمنح الكاتب لغته الأدبية لشخصياته مهما كان مستواهم الفكري وبيئاتهم سيحولهم شاء أم أبى إلى شخصية وحيدة هي شخصيته.. ناهيك عن حرمان القارئ من التنوع الموجود أصلاً في الفضاء الذي اختاره لكتابه.. أتمنى أن أقرا للكاتب حسن عبد الرزاق نصوصاً أخرى..

 

كريم كطافة

saleh altaeiفي عالمنا المضطرب المليء بالمفاجئات قليلون هم الذين نجحوا في التناغم مع الواقع بكل ما فيه من إرهاصات ورؤى ومواقف وحالات وعلاقات وتوجهات، وأقل منهم من نجحوا في ترجمة تناغمهم إلى كلمات، اصطفت سوية لتشكل مقاطع قصيرة كأنها لا تريد أن تثقل على إنساننا المثقل بالهموم، ربما هي من أروع ومضات الشعر وربما يراها البعض ليست شعرا، ولكنها في الحالتين تحمل روح الشعر في خلجات معانيها، فالشعر في عالمنا الذي يركض دون توقف لم يعد بحاجة إلى الأوزان الموروثة بقدر حاجته إلى ترجمة الشعور والإحساس المتأجج قلقا.

إن الشعر ولادة رغبات غائرة في عمق النفس الإنسانية تحمل صفات إنسانيته التي بدأ يفقد متعتها. الشعر واحدة من محطات العطاء الروحي، عطاء مشاركة الآخرين بأحاسيسك؛ التي يحمل بعضها الكثير من طوابع السرية، وربما السخرية، وبالتالي هو أسمى أنواع العطاء، فالعطاء لا يعني كرما ماديا فحسب، بالرغم من كونه لصيق هذا الفهم، العطاء هو الكلمة التي تمر على الآخرين وكأنها نسمة عذبة في ظهيرة تموزية في صحراء التيه؛ التي فقدنا بها بوصلتنا، ولم نعد نهتدي إلى سبلنا.

الكلمة هي العطاء الأمثل والترجمة الحقيقية لبشرية الإنسان، ولذا افتتحت رسالات السماء بها بوابات الولوج إلى النفس الإنسانية، وبالتالي أصبحت الكلمة أكبر صدقة يمكن أن يمنحها الإنسان إلى إنسان قد يكون بأمس الحاجة إليها، وكم بيننا من يحتاج إلى كلمة طيبة أكثر كثيرا من حاجته إلى لقمة طعام، فالروح مثل الجسد تحتاج هي الأخرى إلى غذاء يجعلها تستمر في العيش، والكلمة الرصينة العاقلة العاملة الناعمة الهادفة أطيب أنواع غذاء الروح.

إن اختيار الكلمات يشبه اختيار اللباس، فأناقة الكلمة تعني أناقة الفكر، وأناقة الفكر تعني أناقة المشاعر، وأناقة المشاعر تعني أنك إنسان قبل أي شيء آخر، ومن هنا أجد أن أناقة الكلمة فن لا يجيده سوى الذين فهموا إنسانيتهم، وفهموا دورهم في الحياة!.

والظاهر أن الأديب زهير البدري والمشرف الدكتور علي حسون لعيبي كانا واعيين لهذه المعادلة، ولذا افتتحا المجموعة الشعرية باقتباس من "أرجوارجون": "قلت لي: اقلع عن الاوركسترا الصاخبة لأنه يوجد الآن كثير من الفقراء لا يستطيعون شراء قواميس ومعاجم يستنبطون منها معاني ألفاظي فهم يفضلون ويحبون الألفاظ العادية التي يمكنهم ترديدها. وأجيبك أنني سأفعل، سأترنم بما يترنم به كل فم".

من هذا الفهم، وسعيا وراء البساطة وعدم التكلف، اختار الأديب زهير عناوين مقطوعاته لتبدو وكأنها ماركات لمحطات الوجع في المجتمع: الغربة، الغجر، آخر المحطات، المذبحة، الملاذ،، الموت، أوراق متساقطة، حلم، ثمل، خاتمة الأسفار، خطوة، سؤال وحيرة، لا أعرف، كيف حصل، لهفة، هويتي، وهم، وصية، وطبعا أنت وأنا.

كلها عناوين تحمل تجليات واقع فيه الكثير من المرارة والوجع، الكثير من الخيبة والفشل الذريع والحسرة التي جعلت هذه المفردات تتأقلم مع المحيط، لتكون محور ثقافة مجتمع أنهكته الأيام إلى حد الوجع، فأصبح الحلم أمنية صعبة التحقق، حيث لا أمل يلوح في الأفق، فالعتمة تملأ الفضاءات.

إذاً هي معركة بين الأنا والأنا، بين الروح والجسد، بين واقع مر معقد يبدو إكراهيا قسريا حاد الحافات منهكا بفعل الأحداث، وبين أمنية وحلم كنا ننتظر تحققه منذ الجمهورية الأولى مرورا بجمهورية الخوف، وصولا إلى جمهورية الضحك على الذقون، ليبدو وكأنه أصبح أزليا يمتد إلى حدود العماء البوهيمي، وكان الإنسان العراقي فيه بكل فئاته هو الخاسر الأكبر.

في أجواء التعقيد هذه يحتاج الإنسان إلى الكلمة أكثر من حاجته حتى إلى الوطنية، والتباهي بالشعارات الزائفة، وكثيرا من الأشياء الأخرى؛ التي أصبحت في الواجهة، وتصدرت الموقف، بما فيها بعض المقدس؛ وهي بمجموعها لا تستحق أكثر من أن تكون خادمة للإنسان، هذا الكائن الأسطوري العظيم؛ الذي أكرمه الله فجعله خليفته في أرضه.

مجموعة إننا معا هي باكورة إنتاج الأديب زهير البدري، وهي من سلسلة إصدارات مجلة الآداب والفنون، تضم (42) مقطوعة، تُقرأ بجلسة واحدة، ولكنها تحتاج إلى أن تُقرأ عدة مرات، إحداها للمتعة، متعة القراءة، والأخرى لفهم المعنى، والثالثة لمطابقة الفهم مع الواقع.

أمنياتنا للأخ الأديب زهير البدري بمزيد العطاء ودوام النجاح

 

صالح الطائي 

 

bakir sabatinالرواية ذلك النهر الجاري الذي يشق الغابة، ويأخذ من خصائص الطبيعة نكهة الحياة وتعدد المشارب وأخيلة الظلال وحواراتها مع زهرة النور، ومجسات الرواة وفي أياديهم عصيّ الترحال، وعلى رؤوسهم يحطّ السنونو، ليستمر النهر في الجريان عبر الزمن وصولاً إلى بداية الشلال قبل أن يقول المؤلف كلمته، وأبطال الرواية الذين يتشابكون في صراعاتهم هم من يحددون طبيعة الأحداث التي تشق مجرى النهر مُوْدِعَةً حكاياتِها المتوالدة وجدان المتلقي، الذي سيغوص عبر الصور الشعرية التي تشكل تيارات الوعي فنزبد عند جوانب الضفتين، قبل أن يتكون السؤال في ذروة الشلال المعربد بقلق شديد حيث تكمن في طياته الدهشة.. والأحداث المتداعية تنثال حتى أعماق المعنى كالسؤال الذي سينتهي به المطاف ليذوب في بحر النهاية ممتداًحتى آخر الأفق الذي لا بد ويستيقظ على الخاتمة، أما مصير الراوي فإنه سيحمل عصا الترحال مقتفياً أثر السندباد بينما شخوص الرواية تشيعه بعيونها المفتوحة على المجهول. فيما يتوارى المؤلف خلف جمهرة المتلقين وكأنه إنسان محايد.. وفي المحصلة فإن الرواية وإن كان الكاتب خارج النص فلا يتدخل بالشخوص فإنها مقابل ذلك ستمثل موقفه غير المحايد.. لأن الكاتب دائماً تحدوه نزعته وانحيازة لقضية ما إما إلى جانب الإنسان أو السلطة بكل أنواعها السياسية أو الاجتماعية في إطار العادات والتقاليد.. من هنا جاء موقف الروائي السوداني (الرُّبان) الطيب صالح وهو يقبض على طرفي دفة الأحداث في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" التي كتبها وهو في غيبوبة التغيير حيث خرج بها كمحصلة صراع الحضارات وتفاعلاته مع مجتمع شبه منغلق على نفسه، ويفرض عليه الاستعمار ظروفاً أدخلته في أتون الصراع الجلي مع التغيير القادم من الغرب. إذْ تعتبر رواية "موسم الهجرة من الشمال" من الأعمال القليلة التي صدرت نهاية ستينيات القرن المنصرم، حيث ركزت على صراع الحضارات من خلال رواية مفعمة بمشاعر التغيير وذاكرة خصبة مليئة بالصراعات بين الحياة في لندن ونقيضها في السودان ليثبت الطيب صالح بأن النتيجة لا تتجاوز حقيقة أن الإنسان واحد في كل زمان ومكان.. فمصطفى الفاسد المنحل أخلاقياً والناجح عملياً عاد إلى السودان بشخصية لم تقدر على التأقلم الإيجابي مع المجتمع، هذا اليتيم الذي تفجرت طاقاته ليخالف مبادئ مجتمعه في الغربة عندما أتيح له البديل؛ جاءت شخصيته خلافاً لشخصية الراوي الذي عاد من ذات المكان، ومارس حياته في الغربة وفق متطلباته الغرائزية المضبوطة ليعود إلى السودان فيضع خبراته لخدمة بلاده.

اختيرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي، ونالت استحسانا وقبولاً عالميا وحولت إلى فلم سينمائي. إجمالاً تتناول الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب. وتعد "موسم الهجرة إلى الشمال" من الأعمال العربية الأولى التي تناولت لقاء الثقافات وتفاعلها وصورة الآخر الغربي بعيون الشرقي والغربي بعيون الآخر الشرقي الذي ينظر إليه كشخص قادم من عالم رومانسي يسوده السحر ويكتنفه الغموض

تقوم الرواية على ذاكرتين مكانيتين الأولى في بريطانيا حيث كان يدرس بطل الرواية المتمثل بالراوي مجهول الهوية، والثانية في السودان وهو مكان تناما فيه الزمن المتراكم في الذاكرة القريبة حيث التقى بطل الرواية الثاني المتمثل بالراوي مع الشخصية الرئيسة مصطفى.

فبعد سبع سنوات قضاها لغرض الدراسة في أوروبا، يعود الراوي إلى قريته (ود حامد) الواقعة قرب نهر النيل في السودان وذلك بعد أن أصبح مستوعبا لعادات وأجواء الشعب البريطاني. لم يشعر الراوي بالراحة في بادئ وصوله القرية ولكن سماعه لأصوات الحمام وصوت الريح وهي تداعب أشجار النخيل جعلته يشعر بالهدوء والدفء. وبعد يوم من عودته لقريته وعندما كان يتناول الشاي مع والديه، تذكر الراوي رجلا في متوسط العمر لم يألف وجهه من قبل كان يقف بين الجموع المستقبلة صامتا وعند سؤال الراوي لوالده عن هوية هذا الشخص ، رد الوالد بأنه (مصطفى سعيد) وهو غريب انتقل للعيش في (ود حامد) قبل خمس سنوات وقد اشترى (مصطفى) مزرعة وتزوج ابنة محمود ولكنه ظل منعزلاً ولا أحد يعرف عنه الكثير.

الرواية جاءت في وقت كانت العلاقة فيه بين الغرب والشرق استعمارية (كولونيانية) الطابع، يحكمها الشك وعدم الثقة.. قائمة على الاستكشاف والبحث عن مساحات للتلاقي الاجتماعي والفكري من أجل التفاهم على مسار إنساني لهذه العلاقة بعيداً عن المناكفات التاريخية، وقد نجح الطيب صالح في التمهيد لهذا المسار لتلاقي هذه الرواية قبولاً استثنائيا لدى الشرق والغرب من خلال روايته المدهشة " موسم الرحيل إلى الشمال" وهي رحلة تأخذنا في المستويين الثقافي والاجتماعي من السودان الذي كانا يعاني مظاهر التخلف إلى بريطانيا التي تمتعت آنذاك بمظاهر التحضر والتقدم في كافة الأصعدة.

فقد تذكر الراوي - في سياق الفصل الأول للرواية- انه رأى مصطفى بين الحشود التي دفعها الفضول لسؤال الراوي القادم من بلاد الغرب اسئلة عديدة عن انجلترا، كانوا يريدون معرفة الطقس هناك وكيف يحصل الناس على المال، وهل الأوروبيون لهم سلوكيات غير أخلاقية ام لا. أجاب الراوي عن أسئلتهم بقوله أن الأوروبيين مثلهم مثل القرويين في كل مجالات الحياة فهم ينجبون ويحبون ويعملون ولديهم أهداف، وكان الراوي يرغب في أن يشرح أكثر للقرويين عن صفات الأوربيين ولكنه لم يفعل ظنا منه أن القرويين ليس أذكياء بشكل كافٍ ليفهموا قصده.

فبحث الراوي مدفوعاً بفضوله عن مصطفى في الذاكرة المكانية والزمانية دون أن يعثر عن تفاصيل جديدة تخصه إلى أن جاء ذلك اليوم الذي طرق عليه بابه.. فكان مصطفى بشحمه ولحمه.. قائلاً له بأنه هنالك أمراً ما يجب أن يخبره به وأن عليه – أي الراوي- أن يزور منزله في وقت لاحق. دفع الفضول الراوي للذهاب إلى بيت مصطفى، الذي استقبله قائلا بانه سيخبره الحقيقة عن هويته حتى لا يجمح خياله وحتى لا يخبر بقية القرويين شكوكه فيما يخص مصطفى وبعد أن أقسم الراوي بأن لا يخبر أحدا بما سيسمعه، قام مصطفى بإخراج شهادة ميلاده وجواز سفره المليء بأختام دول أوروبية وآسيوية عديدة وبعدها بدأ مصطفى بالرجوع بالذاكرة وتذكّر ماضي حياته ليدخلنا الراوي إلى فصل الرواية الثاني محملين بالدهشة والتشويق والخيال التي سيأخذ المتلقي إلى منطقة افتراضية تتأجج فيها الأسئلة بلغة سلسة غير متوترة انتهجها هذا الراوي الممتلئ بالتجارب القائمة على التغيير.

ففي الفصل الثاني بدأ (مصطفى سعيد) بإخبار الراوي قصة حياته. مصطفى هو الابن الوحيد لتاجر جِمال من الخرطوم توفي قبل ولادة مصطفى. ترعرع (مصطفى) وحيدا برفقة والدته والتي كان يحسها بعيدة عنه ولكن علاقتهما كانت ودية وكان مصطفى أكثر استقلالية وأقل عاطفية من باقي الأطفال في سنه. وفي ذلك الوقت (بداية القرن العشرين) كان العديد من السودانيين خائفين من الجهد الذي يبذله البريطانيون لبناء المدارس لأهل البلد فكانوا يخفون أطفالهم من رجال الحكومة الذي كانوا يجوبون البلاد لإقناع الأهالي بإخراط أولادهم في المدارس ولكن مصطفى تطوع للذهاب إلى المدرسة بعد أن رأى موظفا في الحكومة يرتدي قبعة جميلة أعجبته فأحب أن يصبح موظفا في الحكومة كي يستطيع ارتداء واحدة مثلها. وعدّ مصطفى هذه الحادثة بأنها مهمة لأنها أول قرار اتخذه بمحض إرادته. وبمساعدة ذاكرته القوية وموهبته في حل المشاكل سرعان ما أصبح مصطفى الطالب الأنجب في مدرسته محتقراً صداقة باقي أقرانه بسبب الاختلافات الذهنية بينهم. وشبه مصطفى نفسه بمدية حادة، وعندما بلغ من العمر اثنا عشر عاما، رتب (مستر ستووك ويل) لمصطفى الذهاب لثانوية في القاهرة لإكمال دراسته حيث لم يكمل في السودان في ذلك الوقت مثل هكذا مدارس غير أن مصطفى لم يشعر بأي امتنان نحو هذا الرجل. وبعد وداع بلا عواطف لأمه توجه (مصطفى) للقاهرة.

في القاهرة، اسُتقبل (مصطفى) من قبل (مسر روبنسون)، وهو مدير المدرسة التي سيلتحق بها مصطفى في محطة القطار برفقة زوجته (مسز روبنسون). ويذكر مصطفى أنه اثير جنسيا عندما طوقته (مسز روبنسون) بذراعيها أثناء تحيته، وذكر مصطفى أيضا أنها كانت صديقته الوحيدة عندما اعتقل بجرم القتل عندما أصبح يافعاً. وفي السنوات الثلاث اللاحقة أخذ (مستر روبنسون) - والذي يتحدث اللغة العربية والمهتم بالحضارة الإسلامية – أخذ (مصطفى) لرؤية الأماكن الثقافية المهمة حول القاهرة أما (مسز روبنسون) فقد ثقفته وقدم إليه كتاّب الغرب ومؤلفيه.

وبعد أن بلغ الخامسة عشر؛ قُبل مصطفى في جامعة لندن فحزم أمتعته للسفر إلى هناك وذكر مصطفى أن حياته في القاهرة لم تكن واضحة وأنه توجه إلى لندن لاكتشاف آفاق جديدة غير معلومة. وبعد وصله انجلترا اكتشف مصطفى الفرق الشاسع بين ضجيج القاهرة وهدوء لندن في كافة الأصعدة، فتحرر هناك من كبته الجنسي ليتحول إلى زير نساء فتعرف في ظل تلك الأجواء على (جين) التي جذبته بسبب غرورها العالي وجمالها عندما دخلت الغرفة التي يجمع فيها عشيقاته.. رغم أنها قالت له في لقاء ثانٍ بأنه يملك أقبح وجه رأته على الإطلاق فقرر (مصطفى) أن يجعلها تدفع ثمن ما قالت، وذلك بتعرفه على فتاة إنجليزية عذراء تدعى (آن هنمد) ليفض بكارتها ويحولها إلى عاهرة والنتيجة كانت أنها انتحرت فوجدت الشرطة قصاصة ورق كتب عليها: "مستر سعيد، لعنة الله عليك".

وفي مشهد محاكمته حين اتهم بعدة جرائم قتل، عزا محامي مصطفى أستاذه السابق (ماكس ويل فوستر كين) جرائمه إلى صراع الحضارات وأن مصطفى غير الملام على موت الفتيات لأن الحضارة الغربية أقل تحضرا مما يجب أن تكون عليه. ومن خلال سطور الفصل نعلم بأن مصطفى أصبح محاضرا في الاقتصاد في جامعة لندن عندما كان يبلغ الرابعة والعشرين وأصبح مشهورا في دعوته لتحقيق الإنسانية في شؤون الاقتصاد.

وتذكر مصطفى أيضا رؤيته لامرأة جميلة ناضجة واسمها (إيزابيلا سيمور) في زاوية في حديقة الهايد بارك وعند رؤيته لها تذكر (مسز روبنسون) . دعاها (مصطفى) للقائه على شاطئ البحر حيث قبلت دعوته . وحتى يلفت انتباهها أخذ يلفق لها قصصا عن" صحراء ذهبية الرمال وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها". وأثناء تسامرهما، سألته ( إيزابيلا) عن عرقه حيث أجابها بأنه مثل عطيل عربي افريقي" وأعطاها اسماً مزوراً.

لكنه بعد أن مارست معه الجنس أخبرته بأنها تحبه فتزوجها.

في هذا الفصل تعود الرواية لتروى من وجهة نظر الراوي (الطيب صالح). يخبرنا الراوي أنه وفي شهر تموز يوليو وبعد فترة زمنية غير محددة من إخبار (مصطفى سعيد) له بقصة حياته ، اختفى مصطفى اثناء قيامه ببعض أعمال الحقل أثناء إحدى فيضانات نهر النيل. وكانت زوجة مصطفى منذهلة وشديدة الاضطراب بينما قام القرويون بالبحث عنه بشكل مكثف على شاطئ النهر ولكنهم لم يعثروا على جسد مصطفى فتوقع الجميع بأن التماسيح قد أكلته وفي أثناء حصول هذه الحادثة كان الراوي في العاصمة الخرطوم وقد سمع لاحقا من والده بخبر موت مصطفى.

وهنا يبدأ الراوي بسرد بعض الاختلافات بينه وبين (مصطفى سعيد) وعلى الرغم من أن الراوي قد عاشر نساءً انجليزيات وعاش في المجتمع الانجليزي إلا انه – كما يذكر-عاش معهم على السطح لا يحبهم ولا يكرههم.. وخلال فترة عيشه في انجلترا كان ملازما لبيته يستذكر ذكرياته في قريته العزيزة (ود حامد) وتأكد حينها بأن لا فرق بينه وبين البريطانيين وحالما يعود سيستعيد أصله دون شوائب خلافاً لما جرى مع مصطفى.

وبعد سنتين من وفاة مصطفى اكتشف بمحض الصدفة بأن مصطفى كان في بريطانيا خبيراً اقتصاديا مشكوكا بأمره هذا ما قاله أحد معارف مصطفى ويدعى (ريتشارد) في أن مصطفى كان معروفا لدى الجناح اليساري لللبويهميين وأنه لو تجنب اليساريين وواصل العمل الأكاديمي لقام بفعل عظيم لبلده السودان الذي لازالت تحكمه الخرافات كما قال. أما الراوي فيقول بينه وبين نفسه بأن خرافات السودانيين وإحصائيات هذا الرجل الانجليزي ما هي إلا فروع مختلفة من عقيدة واحدة وان الاستعمار البريطاني كان مشهداً سيتحول مع مرور الزمن إلى خرافة عظمى بعد التحرر من سطوة الشخصية الاستعمارية المهيمنة على الثقافة والمجتمع لكنها ظلت عاجزة عن اعتقال الروح السودانية.

وقد جاء أسلوب الرواية ليمثل رشاقة السرد بجمله المسترسلة في بعض الأحيان، إضافة لبعض الصور الجميلة المدهشة.. مع التوظيف النسبي لتيار الوعي والذي أدخلنا من خلاله الراوي إلى ذاكرة مصطفى في بريطانيا منقباً عن ماضيه كي يظفر بالإجابات التي تفسر ما أحاط به من أسئلة ظلت تطوف بالراوي حتى آخرها.

ويحاول الروائي إثبات أنه مهما اختلفت طبائع الأمم فإنهم يتشابهون على صعيد الإنسان.

كذلك ليثبت أيضاً بمدى ذلك الفرق بين التقليد الأعمى للغرب الذي قاد مصطفى إلى المهالك، وبين أخذ زبدة الفائدة من ذلك المجتمع المتقدم لخدمة السودان كما فعل الراوي.. إنه كما وصفا الطيب صالح صراع الحضارات الذي ما فتئ الشغل الشاغل للمفكرين حتى عصرنا هذا..

 

بقلم بكر السباتين.

 

husan sarmak"معجزة طعام .. وانهيار حضارة"

تحليل قصّة "جزيرة الرشاقة"

(ها هي إذن معجزة حضارتكم .. جعلتم الحُبَّ قضية اعتيادية)

ستندال في "الأحمر والأسود"

في قصّة "جزيرة الرشاقة" يضعنا القاسمي أمام مسائل إبداعية شائكة كثيرة لعلّ في مقدّمتها ما يتعلّق بالدور الاجتماعي للأدب من جانب، وما يتطلبه من الأديب من التزام تجاه قضايا مجتمعه بشكل خاص وهموم الإنسان في كل مكان بشكل عام من جانب ثانٍ مكمّل . فبعض اتجاهات المدارس النقديّة الحداثية وما بعدها، تسعى وبحماسة، لفصل النصّ و "منشئه" عن أيّة عوامل خارجية مهما كانت خصوصاً ما يتعلّق منها بالأحوال الاجتماعية والتاريخية التي تحيط بهذا "المُنشيء" . ولاحظ أنّ وصف "المنشىء" هو وصف حداثي جديد وضع ليحلّ بديلاً عن مصطلح "المؤلّف" الذي تعارفنا عليه، والذي أعلنت بعض مدارس الحداثة النقديّة موته . ومن وجهة نظري أرى أنّ الموقفين – إعلان موت المؤلّف وفصل النصّ عن حاضنته الإجتماعية والتاريخية – هما موقفان متساوقان مع مدّ العولمة الكاسح الذي ستعيقه – ولو نسبيّاً – ايّ محاولة للتمسّك بهويّة النصوص أو الأشخاص في محاولة خلق عالم بلا حدود على الإطلاق . ما يخدم هذه الحركة العاتية هو "تغييب" المصادر والمؤلّفين، وتوحيد الملامح وفق الأنموذج الغربي، وضياع الأصول مثلما تضيع "أصول" و "مصادر" صنّاع "النص" العالمي السياسي والاجتماعي والتاريخي من خلال الشركات المتعددة الجنسيات العابرة للحدود والقارات . ويمكن النظر حتى لأطروحة "التناص – Intertextuality" – عندما لا تقف عند حدّ أو ضابط - ضمن هذا الإطار الفكري الممهّد والمتساوق مع طوفان يبغي اكتساح كل المحدّدات الشخصية والقومية . صار الحديث عن همّ قومي وإنساني من قبل الكُتّاب سُبّة وعلامة تخلّف وشُبهةَ تمسّكٍ بأفكارٍ ومواقف مُتحجّرة . وكل ذلك يصبّ في مصبّ رئيسي شعاره الإعلان عن "موت الإنسان" الذي وضع أسسه الفيلسوف "نيتشه" ، وصعد به إلى ذراه المدوّخة المفكّر الفرنسي الشهير "ميشيل فوكو" الذي يعلن صراحةً:

(لا يوجد ذات إنسانية ثابتة في التاريخ، ولا توجد حالة طبيعية إنسانية، ولا يوجد شىء في الإنسان (حتى جسده) ثابت بما فيه الكفاية يصلح أساسا ليتعرف الإنسان على ذاته وليفهم الآخرين) ..

يقول المفكِّر "نعوم تشومسكي" أن كلّ مساعدات الولايات المتحدة الاقتصادية الخارجية منذ عام 1966 وحتى اليوم تذهب إلى الأنظمة المعادية لحقوق الإنسان! وكل المؤرخين يجمعون على أن الولايات المتحدة استخدمت القنبلتين الذريتين ضد اليابان بلا سبب، واختارت مدينتين محاطتين بالسلاسل الجبلية لضمان عدم هدر حرارة القنبلة لتحقيق أكبر قدر من الشواء البشري . مئات، بل آلاف الأدلة، التي تثبت أن الولايات المتحدة – كأنموذج لجزيرة الرشاقة التي يتحدّث عنها علي القاسمي كما سنرى - هي الدولة الديمقراطية الأولى في الداخل، والعدوانية الشيطانية الأولى في الخارج . قد يعترض بعض النقّاد والقراء "الحداثويين" بالقول أن هذا ليس نقداً "حداثوياً"، فأستدعي هنا ما كنتُ قد استدعيته من قبل – ولأكثر من مرّة - من مداخلة للروائي العراقي الراحل "مهدي عيسى الصقر" – وقد عاش مصرّاً على التمسّك "الكلاسيكي" بقضايا الإنسان المسحوق ! - حين تحدث عن الروائي الفرنسي "ألن روب غرييه" وموجته في "الرواية الحديثة" حيث قال:

(فلو أخذنا الروائي الفرنسي (ألن روب غرييه) الذي يعده الكثيرون من أعمدة الرواية الحديثة المركزية، فسنجده لا يهتم بالإنسان إلا قليلا في أعماله . القصة يجب أن تقف على قدميها بعيدا عن هذه الأمور حتى لو كانت بالطريقة التقليدية أو أي شكل آخر، إذ يجب أن تشد القاريء، وأن يكون فيها حس إنساني وإقناع بصرف النظر عمّا إذا كانت واقعية أو خيالية أو أسطورية . وبالنسبة لي أعتبر الحس الإنساني أهم من كلّ شيء، على عكس جماعة "الرواية الحديثة" الذين لا يعنون فيه. إذ أن العملية قائمة عندهم على اللعب بالكلمات، والبناء كله كلمات . والمؤسف أن بعض الشباب بدأوا يكتبون بهذه الطريقة بعد أن سوّغها لهم بعض النقاد . فمثلا رواية " الغيرة " لألن روب غرييه، يتحدث الكاتب فيها عن أشجار الموز وعددها وعدد صفوفها وحجمها وغيرها من الأمور، بينما يمر على الأفارقة الجالسين مرور الكرام . وينطبق هذا الأمر على القصة أيضا) (5).

إن الحضارة الغربية، ومنذ بزوغ البنيوية، وصيحة فوكو، تبشّر بموت الإنسان. وعليه، علينا جميعاً - كبشر مسحوقين مذلّين مهانين - أن نشدّ على يدي كل كاتب يواجه بعزم هذا المدّ، وينتصر للإنسان في نصوصه، ويسخّر منجزه الإبداعي لخدمته وللتعبير عن عذاباته وخيباته . فتحيّة مسبقة للمبدع "علي القاسمي" في انتصاره لمحنة إنسان بلاده المحطّم .

ولعلّ من أشدّ مخاوف المناصرين للالتزام إلحاحاً، هو الخوف من سقوط الكاتب في مصيدة الشعارية على الطريقة "الجدانوفية" إذا جاز التعبير من ناحية، وإضعاف الجانب الجمالي الذي هو روح الإبداع من ناحية ثانية . لكن علي القاسمي وفّر الناحيتين في نصّه هذا: "جزيرة الرشاقة"، فقد تخيّل جزيرة للرشاقة لا يمكن للقارىء - وفق مرجعياته التأويلية التاريخية والحضارية والسياسية - إلّا أن يضعها رمزاً لحضارة متسيّدة في الزمن الذي يتكلّم عنه الراوي، وهو هنا صوت ضمير المتكلّمين الـ "نا":

(كنّا نحن الأطفال نسمّيها "جزيرة الرشاقة" . وكان بعضنا يتقعّر في كلامه فينعتها بـ "جزيرة الرشاقة والأناقة" . أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث .

كنّا نسمّيها "جزيرة الرشاقة" لأن بناتها وأبناءها الذين راحوا يؤمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدر مدهش من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة . قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعر أشقر، وعيون زرق أو خضر، وملامح وسيمة، ووجوه مُشرقة، وابتساماتهم أخّاذة) (ص 245) .

وقد اتضحت، الآن، الأصول العرقية لهؤلاء الزائرين السيّاح، وتكفي المتلقي العربي خصوصا، والشرقي عموما، هذه الإشارات السريعة إلى الشَّعْر الأشقر والعيون الزرق لكشف هويّة هؤلاء القادمين من "جزيرة الرشاقة" إلى بلدة فقيرة جرداء لا يوجد فيها أي مصدر للتسلية كما يقول الراوي ؛ فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات سينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحية مزوّدة بملاعب رياضية أو مسابح أولمبيّة . لم يكن فيها ما يُغري هؤلاء السيّاح على القدوم إلى هذه البلدة، فهي مجرّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيّة من الطين أو الآجر، المسقّفة بسعف النخيل، يتوسّطها مسجدٌ صغير، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة . فما الذي كان يجذب هؤلاء السيّاح الذين كانوا يأتونها زرافات ووحدانا؟:

(كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمّ مدينة بابلية قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبق منها إلّا أطلال وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة . مجرّد شوارع مهجورة، وقاعات بلا سقوف، وأعمدة رخاميّة متصدّعة، وجدران متهدّمة نُحتت عليها كائنات غريبة الأشكال، بعضها برؤوس حيوانية واجسام آدميّة، وبعضها الآخر برؤوس بشرية واجساد حيوانية مُجنّحة . وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفّنة بالتراب، مسلّة حجريّة، عليها كتابات مسمارية ونقوش وزخارف، وكان في مدخل المدينة، تمثال ضخم من حجر صلد لأسد مرعب المنظر، يربض على صدر امرأة جميلة مستلقية على ظهرها) (ص 245 و246) .

وهنا تحين مقارنة جارحة، لكنها مُنصفة، بين "ورثة" هذه الحضارة العظيمة القديمة الذين يتعجبون من اهتمام السيّاح القادمين من جزيرة الرشاقة بهذه "الخرائب" التي لا تنفع ولا تضرّ كما يقول الراوي معبّراً عن نظرة جمعية مُجحفة لدى الورثة . السيّاح يأتون من الجزيرة البعيدة قاطعين آلاف الأميال، ليتأمّلوا هذه الآثار والخرائب، ويستكشفوا معانيها من كتبٍ يحملونها أو من شروح الأدلّاء الذين يرافقونهم، في حين أن معلومات أهل المنطقة لا تزيد على ما تعلّموه في المدرسة الأوّلية الوحيدة في البلدة . أهل جزيرة الرشاقة يتأمّلون هذه الآثار باهتمام بالغ في حين يندهش أهل البلدة من هذا الإنشغال بخرائب لا تضرّ ولا تنفع . ولعلّ المعادلة الدقيقة والمؤلمة التي تصف علاقة أهل المنطقة بآثار حضارتهم القديمة قد لخّصها الراوي بالقول:

(خرائب لا تضرّ ولا تنفع تقبع في مكانها على مرمى حجر مِنّا منذ آلاف السنين ولا نعيرها بالاً، أو بالأحرى نحن الذين نسكن بالقرب منها وهي لا تعيرنا اهتماماً) (ص 246) .

لقد أربك هؤلاء "الغرباء" - بالمعنى النفسي - القادمون من جزيرة الرشاقة حياة أهل المدينة الرتيبة البليدة . فهم الذين يأتون ولا يأتون، ويغادرون ولا يغادرون ! ففي كل مرّة تتشكّل لهم "بقية" في النفس المنجرحة و "أثر"، بقية وأثر تكشفان البون الشاسع والشُّقة الهائلة بين عالمين: عالم حديث يمثله أهل جزيرة الرشاقة، وعالم قديم متخلّف يمثله أهل البلدة . العالم الأوّل بدأت أخباره المُذهلة تصل أهل البلدة، قصص وروايات اقرب إلى الخيال منها إلى الواقع تفضح الواقع المُخزي، الذي يعيشه أهل البلدة الذين يعتاشون على بقايا خرائب متربة وحكايات ماضِ مجيد، لكنه احتضر ومات منذ آلاف السنين . في حين أنّ حاضر بلاد أولئك السيّاح مُشرق ويمثّل مجتمعاً فردوسيّاً لا تستطيع عقول أهل البلدة الصدئة استيعاب مظاهر حضارته، مجتمع غني بالمصانع والمزارع .. أناسه يمتلكون الدور الجميلة والسيارات الفارهة التي تفتح بوّابات المرائب باضوائها، ويسافرون بطائرات ضخمة أو ببواخر مجهّزة بمطاعم ومراقص ومسابح .. والحياة فيه تسيّرها وتيسّرها المخترعات العجيبة والمُكتشفات المُذهلة كالتلفزيون والإنسان الآلي والعقول الإلكترونية .. وغيرها الكثير الذي يتجدّد كل لحظة (ص 247) . وقد استغرب أهل البلدة لأن واحداً منهم قد سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة هناك، بل استهجنوا ذلك، ثم استكانوا حين علموا أنّه صار يبعث لأهله بالمال والهدايا، فظهرت عليهم أمارات الثراء . ثم علموا أن هناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم يهاجرون إلى جزيرة الرشاقة .

ولأنّ سكّان البلدة الضامرة المتهرّئة قد تثبّتوا على درجة الحاجات الفسيولوجية الإشباعية الضرورية للبقاء من سلّم الحاجات وهي درجة واطئة جدا نتشارك فيها مع الحيوانات حسب "هرم ماسلو" (6)، ولأنّهم عبارة عن أنابيب تصل بين المطبخ والمرحاض إذا ساغ الوصف حسب تعبير بعض الباحثين الإجتماعيين الحداثويين، ولأنّ حتى هذه الحاجات الأولّية لا يتوفر إشباعها في بلدة المومياءات الحضارية إذا جاز التعبير، فإنّ الموجّه الاساسي لعملياتهم العقليّة الإدراكية هي الدوافع النفسية والجسدية الأكثر إلحاحاً، وهي المرتبطة بشروط بقائهم وفي مقدّمتها حاجات أمعائهم ! وهذا ما كشفه الراوي بلا تردد:

(ولكنّ الحكايات التي كان يسيل لها لعابنا، وتأخذ أفواهنا بالتلمّظ عند سماعها، كما يفعل الهرّ وهو يترصّد فأراً صغيراً، هي حكايات الطعام والمطاعم في جزيرة الرشاقة . فقد بلغنا أن أسواقهم زاخرة بأصناف اللحوم والأسماك والطيور والحبوب والفواكه والخضار . وكلّها تُباع بأزهد الأثمان) (ص 247) .

إنّها أعجوبة جزيرة الرشاقة أو العالم الحديث هذا .. إنّها بالنسبة لأهالي البلدة المسحوقين معجزة "غذائية" .. المطاعم فيها مُنتشرة انتشار الفطر في البادية أيام الربيع، وهي تتفنّن في إرضاء زبائنها بأحدث الخدمات التي توفّر عليهم بذل أيّ جهد من أجل التهام الوجبات اللذيذة، وفي أي وقت فالمطاعم هناك مفتوحة أربعاً وعشرين ساعة يوميّاً .. وصارت الوجبات "متحرّكة" عبر استخدام الأواني النبيذة .. جزيرة الرشاقة بالنسبة لأهالي البلدة الذين يعيشون على النزر ويأكلون بأيديهم، وتطبخ أمّهاتهم الطعام ولم يتعلّمن حتى في مدرسة ابتدائية، هي "معجزة الطعام" حيث الوفرة في جميع أنواع الأغذية، والطريقة المتطوّرة والآلية في تناول الطعام، وحيث الكلّيات والدراسات الجامعية التي تعدّ الطهاة . هناك كتب تعلّم الطهي في حين لم يرَ جماعتنا غير الكتب المدرسية (ص 248) .

عجائب جزيرة الرشاقة بالنسبة لأهالي البلدة تكمن في مخترعات فذّة لتسهيل تناول الطعام في أي وضع، فحتى سائقو السيارات هناك ملاعق آلية تضع الطعام في أفواههم !! (ص 249) .

وحتى الآن، والقصّ يسير في مسار كلاسيكي ثقيل بلا حبكة أو مفاجآت بالنسبة للمتلقّي المعاصر . لكن من هنا سيبدأ مكر القاص بالتحرّك على المسار الأوّل المرتبط بالتزامه بهموم إنسانه المعذّب حين يجعل الرواي يقول:

(كنّا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا . فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورة أعمق، ونفهم . واستمرّت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة . سمعنا أن حكومتها تلقي سنويّاً بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين) (ص 249) .

انتهى عهد الإنبهار السريع بالأجسام الممشوقة والشعور الشقر والعيون الزرق، وصرعات الكتب والمجلات، ووقفات تأمّل الخرائب والآثار الحضاريّة، وجاء عهد النضج المتأمّل الذي ينظر إلى ما وراء الأستار السلوكية والممارسات الثقافية العامّة، ليستكشف الدلائل المرتبطة بإنسانية الإنسان .

وقفة:

لا يستطيع أحدٌ منّا إنكار مروره بمرحلة "الانبهار" هذه بمعجزات جزيرة الرشاقة ؛ بعضنا ما زالوا يعيشون في غيبوبة مرحلة الانبهار تلك، مسحورين بالمنجزات المادّية لتلك الجزيرة، مغيّبين عن الانتباه إلى تلك الشروخ العميقة في أرواح سكّانها . لنقرأ هذا النصّ الدموي الوحشي:

(النصّ يتحدّث عن تطهير منطقة نيويورك من حثالة السكّان الأصليين (المقصود الهنود طبعاً):

(لقد أتوا أفعالاً تليق بالرومان عندما قتلوا كل ذلك العدد من الناس النائمين (لاحظ: النائمين!) حيث انتُزع الرُضّع من على أثداء أمّهاتهم ومُزّقوا إرباً أمام ذويهم، ورُمِيت أشلاؤهم في النار وفي النهر . أمّا الرُضّع الآخرون الذين كانوا مربوطين إلى مهودهم الخشبيّة الصغيرة فقد قُطّعوا بالسيوف وطُعِنوا وذُبِحوا بوحشية تحرّك قلب الحجر . وعندما رُمي بعضهم في النهر أحياء وحاول آباؤهم وأمّهاتهم إنقاذهم لم يسمح لهم الجنود بالعودة إلى اليابسة وجعلوا كلّاً من الآباء والأبناء يغرقون) (6)

هذا النص صدم المؤرّخ والمفكّر الأمريكي "نعوم تشومسكي" فهو من النصوص المقرّرة على طلبة الصف الرابع الابتدائي في ولاية بوسطن . يقول "تشومسكي":

(لقد استيقظت ذكرياتي الخاصّة قبل أسابيع من انكشاف مجزرة "ماي لاي" عام 1969، وذلك في أثناء تصفّحي لأحد نصوص كتاب الصف الرابع الابتدائي الذي يتحدّث على استعماريي "نيوإنغلند" . كان الكتاب مقرّراً دراسيّاً في ضواحي "بوسطن" المعروفة بجودة مدارسها، ويقرأ الأطفال سرداً معقول الدقّة لمذبحة "البيكوت" التي يمتدحها الكاتب كثيراً ) (7) .

عودة:

هذا ما يحصل في قلب جزيرة الرشاقة والأناقة التي أبهر مظهر سيّاحها وسلوكهم السياحي لبّ أهالي البلدة المساكين أيّام كانوا في مرحلة الطفولة "العقليّة" التي تسحرها المظاهر الصارخة والالوان وقطع الحلوى التي كان يوزّعها هؤلاء الغرباء الرشيقون على أطفالها الذين كانوا يتجمّعون منسحرين بالزوّار الرشيقين الجميلين . لكنّهم يعيشون الآن مرحلة "نضج" عقلي معقول يساعدهم على التساؤل والتأمّل والغوص إلى ما تحت السطح البرّاق الظاهر . ولعلّ واحداً من العوامل الكبرى التي أسّست لهذا النضج العقلي الصحّي الموصل إلى الحقيقة العارية هو الأدب الملتزم شعراً وقصّة ورواية، والفنّ الملتصق بهموم البشر المُستغلّين، ناهيك عن الدور الجبّار لوسائل الإعلام المختلفة والأحزاب السياسية الثورية . كلّ هذه السبّل – وخصوصاً الأدب – أُغلقت الآن بوجه صوت المظلومين . بل بالعكس صارت وسائل تُستغل لخنق اصواتهم . وإلّا قُلْ لي بأيّ حقّ يطبّل النقّاد العرب – ناهيك عن مؤسسات النشر الغربية التي باعت من الرواية 40 مليون نسخة – لرواية صهيونية توراتية مسمومة من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، يعلن فيها مؤلّفها أنّ نجمة داود هي المرجع الأوّل لكل تجلّيات الحياة منذ فجر الخليقة حتى يومنا هذا .. حتى كارتون الليث الأبيض وتوم وجيري من منجزات الفكر التوراتي !! هذه الرواية هي رواية "شفرة دافنشي" التي انسحر بها نقّاد البلدة الحداثويون وصاروا يروّجون لمعجزتها بين أهاليها المساكين الذين وضعوا ثقتهم بهم، فصاروا لعنة على عقولهم يساهمون في تضليلها وإعادة انسحارهم السلبي بنتاجات جزيرة الرشاقة ومنجزاتها حقّاً وباطلاً .

لكن مازالت هناك بقية من أقلام مبدعة عرفت سرّ الحكاية، وتصرّ على كشفه وتوصيله، كما هو، لأهل بلدتها . أقلام يمكنك أن تثق بها . ومنها هذا القلم الذي مزّق غشاوة "سكرة" الانسحار وأمسك بعروة "فكرة" الاقتدار، فصار يرى بعين ضميره اليقظ الراصد ما يجري حوله، ويقارنه بما يسمعه ويراه عن سلوك أهل جزيرة الرشاقة . ففي الوقت الذي كان سكان تلك الجزيرة الحديثة يرمون بأطنان القمح والرز في البحر، كان الناس في البلدات المتخلّفة – بلدات الخرائب الحضارية – يجوعون ويموتون بسبب التصحّر والفاقة ونقص الطعام . كل يوم يموت (1000) ألف طفل أفريقي بسبب الجوع:

(.. وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين . وكان التصحّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيماً تذروه الرياح . ويجوع الفقراء ) (ص 249) .

ومع هذا المسار ينتهي الخوف من سقوط القاص في مصيدة المباشرة وجفاف نبع التوظيف الجمالي في النصّ، وأن يتحوّل إلى حكاية شعارية أو مقالة حكائية . يبدأ الكاتب بمسارٍ موازٍ لمسار التزامه الذي بدأ يكشف فيه "المستور" من السلوك اللاإنساني لسكان جزيرة الرشاقة، ويتمثل في لعبة خيالية (فنتازية - غرائبيّة) يحاول فيها رسم تصوّر لـ "عقاب" يصيب سكّان جزيرة الرشاقة السادرين في غيّ الإفراط في تناول الطعام وملذّاته الملحقة من شراب وحلوى . هذه اللعبة توفّر واحداً من أهم الشروط الحاسمة في تأسيس العلاقة بين النصّ وقارئه، وهي "المتعة" . فكلّ نصّ – مهما كان جنسه ومهما كانت غاياته – ينبغي أن يُكتب أوّلاً لتوفير المتعة للقارىء حتى لو كانت ذات مسحة سادو – مازوخية . إذا أردنا تحليل السلوك الإستغلالي اللاإنساني لسكّان جزيرة الرشاقة، هناك ألف محلّل يستطيعون تقديم صورة أدقّ مما يقدّمها أي قاص أو روائي على الصعد كافة، صورة مُدعمة بالمعلومات العميقة والإحصائيات الدقيقة . لكن هؤلاء الألف مُحلّل لن يستطيعوا ملامسة القلب، ولن يقدروا على تحريك خلجات الروح لدى المتلقّي . هذا سحرٌ يقوم به المبدعون . وعلي القاسمي يقوم هنا بـ "سحره" فيتصوّر أنّ سكّان جزيرة الرشاقة قد أوغلوا في إشباع غريزة الجوع النهمة التي جعلت أجسامهم الرشيقة الأخّاذة تترهّل وتتضخّم بدرجة كبيرة:

(وأخذنا نشاهد أثر الرفاهية والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا . فقد أخذت أجسامهم تزداد طولا وعرضا وضخامة وقوّة . لا بُدّ أنّهم يأكلون اللحم بكمّيات هائلة، فتنمو عضلاتهم، وتمتلىء كروشهم، وتتضخّم اردافهم . وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسّع من مقاسات مقاعدها لتتّسع لهم . وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهّل صدورهم، وتضخّم أطرافهم . ولم نعُد نسمّي جزيرتهم "جزيرة الرشاقة") (ص 249 و250) .

وهي فعلاً لعنة "سحريّة" يُحلّها الراوي على أولئك الرشيقين الذين صار انهمامهم بالأكل يتجاوز حدود حاجة الإشباع الضروري للبقاء ليدخل في دائرة السلوك "العصابي" إذا جاز القول، فقد أصبحت حالة السمنة والترهّل الجسدي الجديدة مقزّزة - أوّلاً - مسخت تلك الرشاقة الساحرة التي كانوا يتمتعون بها والتي سحرت أذهان ونفوس أهالي البلدة . وقد بدأت – ثانياً - تعيق حياتهم العامة حيث صار لزاماً عليهم تغيير مقاسات كل الأشياء التي يستخدمونها في الجزيرة من أثاث ومقاعد وملابس ومبانٍ . كما صاروا – ثالثاً – غير قادرين على الذهاب إلى أعمالهم، ولا على الحركة، بسبب ثقل أجسامهم . ولكن على الرغم من كلّ مظاهر هذا الخراب الشامل الذي اصاب حياتهم لم ينقطع أهل الجزيرة عن تناول الطعام ليلاً ونهاراً مكتفين بالجلوس في بيوتهم التي صارت تضيق عليهم إلى حدّ أن الشرطة في الجزيرة تُضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهوراً في مسكنه وهو يأكل ويأكل . وحتى هذا الحل لإنقاذ "المُحاصَرين" كما صاروا يُسمّون – وشتّان بين هؤلاء المُحاصرين بسبب الشراهة، ومَن حاصرهم أهالي الجزيرة من شعوب مسكينه حدّ تقتيلهم جوعاً ! – بات مستحيلا بعد أن تضاءل عدد افراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب (ص 250) .

لكن هذا السلوك يتسع ويشتد ويتصاعد مُنذراً حتى بتهديد حياة من صار محور حياتهم مثلما يهدّد طبيعة الحياة في جزيرتهم . صار الإنسان هناك "آلة" لالتهام الطعام . هذا الإنشغال الرهيب الذي قد يوصل إلى الفناء، هو شكل من أشكال "الجنون السوي" وفق المصطلح المخفّف للمحلل النفسي الشهير "إريك فروم" حين وصف بدقّة انشغال إنسان جزيرة الأناقة، أو المجتمع الحديث، بسلوكيات ينسحب فيها من كل نشاط خارجي، وينسى روابطه الإجتماعية، لـ "يلتهمه" نشاطٌ واحد يُكسّر كل اهتماماته . أصبح كثير من أبناء الجزيرة يفضّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام (ص 250)، وقد استشرف فروم هذه الحالة قبل خمسين عاماً حين وصف السلوك المستقبلي لإنسان الحداثة:

(سيكون من دواعي دهشتي ألّا يقدَّم إنسان علم التحكم أحاديّ التفكير صورة لسير فصام الحد الأدنى المزمن ؛ الشيزوفرينيا – schizophrenia، - باستخدام المصطلح من أجل التبسيط . فهو يعيش في جوّ لا يقل إلّا كمّياً عمّا يجري في الأُسر الفصامية (المُحدثة للفصام) . وأعتقد أن من المعقول ان نتحدث عن " المجتمع غير السوي "، ومشكلة ما يحدث للإنسان السوي في مثل هذا المجتمع . فإذا أنتج مجتمع من المجتمعات أكثرية تعاني من الفصام الشديد، فإن ذلك سوف يضعضع وجوده . والشخص مكتمل الفصام يتصف بأنه قد قطع كل العلاقات بالعالم الخارجي، إنه منسحب إلى عالمه الخاص، وأهم سبب يجعله يُعدّ مريضا بشدة هو سبب اجتماعي ؛ فهو لا يؤدي وظيفته اجتماعياً، ولا يستطيع أن يُعنى بنفسه كما ينبغي، ويحتاج إلى مساعدة الآخرين بطريقة أو بأخرى .... والمجتمع، إذا لم نتحدث عن مجتمع ضخم ومعقد، لا يمكن أن يديره أشخاص فصاميون . ومع ذلك يمكن أن يديره على ما يُرام أشخاص يعانون من فصام الحدّ الأدنى، وهم أشخاص قادرون تماماً على إدارة الأمور التي تُدار إذا كان المجتمع يؤدي وظيفته . وهؤلاء الناس لم يفقدوا القدرة على النظر إلى العالم " واقعياً "، شريطة أن نعني بذلك تصوّر الأمور عقلياً كما هم بحاجة إلى أن يتصورهم الآخرون ليتعاملوا معهم عاطفيّاً . وقد لا يكونون قد فقدوا كليّاً قدرتهم على خبرة الأشياء شخصيا، أي ذاتيا، ومن قلوبهم . ويمكن للشخص مكتمل النمو أن يرى وردة، مثلا، ويَخْبرُها على أنها ناشرة للدفء أو ملتهبة (وإذا صاغ هذه الخبرة في كلمات فقد ندعوه شاعراً)، ولكنه يعلم كذلك أن الوردة – في مجال الواقع الفيزيائي – لا تُدفىء كما تُدفىء النار . والإنسان الحديث لا يخبُر العالم إلّا من حيث غاياته العملية . ولكن نقصه ليس أقل من نقص مَن يسمّى الشخص المريض الذي لا يستطيع أن يخبُر العالم " موضوعياً "، ولكنه احتفظ بالمقدرة الإنسانية الأخرى عن الخبرة الشخصية، الذاتية، الرمزية .

وأعتقد أن " سبينوزا " في كتابه " فلسفة الأخلاق " أول من عبّر عن مفهوم " الجنون الطبيعي":

تستحوذ على الكثيرين من الناس العاطفة نفسها باتساق شديد . فتكون حواسّه كلّها شديدة التأثر بشيء إلى حدّ أنه يعتقد أن الشيء موجود ولو لم يكن موجودا . وإذا حدث هذا الأمر عندما يكون الشخص مستيقظاً، يُعتقد أن الشخص مجنون . ولكن إذا لم يفكر الشخص الجشع إلّا في المال والممتلكات، ولم يفكر الطامح إلا في الشهرة، فلايعتقد المرء أنهما مجنونان، ويكون لدى المرء احتقار لهما عموما . ولكن الجشع والطموح وما إلى ذلك ؛ هي بالفعل من أشكال الجنون، على الرغم من أن المرء لا يعتقد في العادة أنه " مرض " .

ويغدو التحوّل من القرن السابع عشر إلى عصرنا واضحاً في أن الموقف الذي يقول سبينوزا إنه " يكون لدى المرء احتقار ... [له] عموماً، لا يُعدّ اليوم محتقراً بل جديراً بالثناء .

وعلينا أن نتخذ خطوة أخرى، إن " أمراض الحالة السويّة " نادراً ما تتدهور إلى الأشكال الخطيرة من المرض الذهني لأن المجتمع يُنتج الترياق المضاد لهذا التدهور . وعندما تُصبح السيرورات المرضية محتذاة اجتماعيا، تفقد خصيصتها الفردية . بل على العكس، فإن الفرد المريض يجد نفسه في بيته مع كل الأفراد الآخرين المُصابين بأمراض تشبه مرضه . والثقافة الكلية مرتصفة مع هذا النوع من الأحوال المرضية وتدبّر الوسائل لتقديم الإشباعات التي تلائم الأحوال المرضيّة . والنتيجة أن الفرد العادي لا يعيش تجربة الإنفصال والإنعزال التي يشعر بها الشخص الفصامي تماما . وهو يستأنس بالذين يقاسون من التشوّه ذاته ؛ وفي الواقع، فإن الشخص السوي تماما هو الذي يشعر بالعزلة في المجتمع غير السوي – وقد يعاني كثيراً من العجز عن التواصل بحيث هو الذي قد يصبح ذهانيا) (8) .

لقد صمّم علي القاسمي شكلاً فريداً وغريباً من أشكال "نهاية الحضارات"، وذلك حين يصبح الإنسان عبداً لغرائزه، فقد كانت الجزيرة مكاناً للرشاقة والأناقة حين كان سكّانها يأتون قاطعين آلاف الأميال لرؤية بقايا ممّا أنجزه البشر القدماء على طريق الحضارة الطويل، الذي يُعمَّد بالعرق والعناء والسهر وكدّ العقول والتضحية بجانب كبير من الغرائز أو "إسمائها وتصعيدها – Sublimation".

لكن هذا التخييل عن "انهيار الحضارات" برغم كونه كناية عن عبوديّة الإنسان – وهي نتيجة تسير إليها الحضارة الغربيّة الماديّة حثيثاً - يحمل بدوره ملامح عصابيّة "نكوصيّة"، وهو أمر متوقّع كجزء من أواليات التفكير المبدع الذي – وفق آراء معلّم فيينا – يحمل الكثير من مظاهر التفكير العصابي الإشباعي السحري والنكوصي والتعويضي ... إلخ . ويعكس الإخراج الذي وضعه القاص لمسار وقائع حلّ حبكته والمفردات الوصفيّة المُستخدمة (الجاموس .. الجرب في البدن .. وغيرها) شحنة عالية من العدوان الذي انفلت بعد أن كان مُحتبساً . هذا العدوان يهمّه في بعض الأحوال أن تعمّ المصيبة كي تهون كما تقول الحكمة الجمعية الباهرة، فيساوي الراوي، في تخييله، بين مصير جزيرة الرشاقة الخرابي المُقبل، ومصير بلدته الترابي الطللي القائم، عائداً بشحنة العدوان، أو بجزء منها، إلى الذات التي ستستقبله بتشفٍّ مازوخي أقل وطأة:

(.. انخفض الإقبال على العمل واضطر كثيرٌ من المؤسسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج ... وبعضها أوصد أبوابه . ولم تجد المنازل من يرمّمها، ولا الآلات المعطوبة من يُصلحها ... وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري الجرب في البدن، حتى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابلية القابعة بالقرب من بلدتنا ) (ص 251) .

ذيل من التداعيات:

لا تكمن أهمية النص القصصي في ما يتعاطى معه الناقد من أفكار ووقائع وسلوكيات شخصيات يعرضها الكاتب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن – وهذا ما لا يقل أهمية وقد يفوقه في بعض الحالات – في ما يثيره من تداعيات في ذهن الناقد، وحتى المتلقي ؛ تداعيات قد تبدو بعيدة عن ساحة النص ولكنها ترتبط به بوشائج تحليلية مستترة . فأمام هذه القصّة قد تثور في الذهن تساؤلات جوهريّة عن حال هذه البلدة البائسة التي يسبت ابناؤها كالمومياءات بجوار أطلال حضاراتهم القديمة العظيمة .. يأكلون ويشربون وينامون .. ألا نقف أمام انحطاط "عصابي" من نمط آخر يلتقي في النتائج مع سلوك أبناء جزيرة الرشاقة ؟ ألم يرسم ابناء البلدة – بكسلهم الحضاري ولا إكتراثهم - مصيرهم الخرابي قبل أن تنحطّ حضارة أبناء الجزيرة؟ ألم يصل هذا الإنحطاط العصابي بالراوي وأبناء البلدة حدّ أن يتصوّروا، أو يتمنّوا - لا فرق – أن يلتقي المصير الأسود النهائي لجزيرة الرشاقة والأناقة بالمصير الراهن التعيس لبلدتهم .. بلدة الفاقة والإعاقة ؟ (ومن مصادفات اللغة العربية العظيمة هي أنّ الإبل إذا تعست صار لونها أبيضَ تخالطه شُقرة !) . إنّ من يتأمّل حال أبناء بلدتنا بعين محايدة وبروح موضوعية، يمكنه أن يؤشّر جنوناً سويّاً راهناً مقابلاً للجنون السويّ لأبناء جزيرة الأناقة، لكنه الآن الجنون السويّ لأبناء صحراء بلدة نفط جديدة . يقول الروائي الراحل "عبد الرحمن منيف":

(إن الوفرة المالية المتاحة لعدد كبير نسبيا، والتي حصلت دون مشقة، جعلت الكثيرين ينظرون إلى المال بخفّة ودون مسؤولية، ولجأوا إلى تبديده بإسراف مبالغ فيه . فإذا كان عمر السيارة مثلا، ووسطياً، خمس سنوات ﻓﻲ اﻟﻤﺠتمعات الصناعية، فإن عمرها قلما يتعدى السنة بالنسبة لكثيرين ﻓﻲ الجزيرة والخليج . ليس ذلك فقط، فإن من مظاهر الإرتقاء ﻓﻲ السلم الاجتماعي: عدد السيارات المملوكة، ونوعها، وسنة الصنع. ولعل من التعبيرات التي لا يوجد ما يماثلها ﻓﻲ أي مكان ﻓﻲ العالم التعبير المتعلق بشراء السيارات، إذ كثيرا ما يطلب المشتري " حبّتين " أو " ثلاث حبّات " من السيارة المرغوبة. هذا ﻓﻲ الوقت الذي لا تموت فيه السيارة مطلقا ﻓﻲ بعض الأماكن، كسورية مثلا، حيث تتجدد مرة بعد أخرى نتيجة الحاجة والنظرة الاقتصادية. وينطبق الأمر ذاته على السلع الصناعية الأخرى، إذ توجد ﻓﻲ أكثر البيوت أعداد تفيض عن الحاجة أو عن المعقول من هذه السلع كالفيديو مثلا. وينشأ عن ذلك ثقافة وعادات من نمط معين كتبدّل مواعيد النوم واليقظة، وبالتالي مواعيد العمل للرجال، وعلاقة الأم بأولادها، إذ كثيرا ما يُترك الأطفال للمربيات والخدم، ولأنواع من الثقافة والمعرفة لا تتناسب وأعمارهم. أما الأغذية التي يتم تناولها ﻓﻲ عدد كبير من البيوت، من حيث الكمية والنوعية والمواعيد، فإنها لا تتلاءم مع الطقس، أو تلبية الحاجات الفعلية للإنسان، وقد انعكس ذلك بوضوح على الصحة وعلى الهيئة، خاصة وأن القليلين يمارسون الرياضة . ولعل من مظاهر الإسراف والهوس بالاقتناء أن مجموعة كبيرة من السلع الثمينة الغالية السعر تصنّع خصيصا للدول النفطية، كالساعات واﻟﻤﺠوهرات، وتجد هذه السلع أعدادا متزايدة من المشترين، خاصة إذا أُحسن توصيلها والدعاية لها . أكثر من ذلك: تعترف شركات صناعة العطور الأوربية، الفرنسية تحديدا، أن سوق الخليج أحد أهم الأسواق لمنتجاتها، خاصة العطور التي يستعملها الرجال، والتي تفوق ما تستهلكه النساء ) (9)

القصّة التي تم تحليلها: جزيرة الرشاقة

كنّا نحن الأطفال نسمّيها "جزيرة الرشاقة". وكان بعضنا يتقعَّر في كلامه فينعتها بـ "جزيرة الرشاقة والأناقة". أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث.

كنا نسمّيها "جزيرة الرشاقة" لأنّ بناتها وأبناءها الذين راحوا يؤمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدرٍ مدهشٍ من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة. قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعرٌ أشقر، وعيونٌ زرق أو خضر، وملامحُ وسيمة، ووجوهٌ مشرقة، وابتساماتهم أخّاذة.

كانوا يفدون إلى بلدتنا سُيّاحًا من نوعٍ خاصّ، فلم يكُن فيها ما يسلّيهم. فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات للسينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحيّة مزوَّدة بملاعب رياضيّة أو مسابح أولمبيّة، ولا أسواق عامرة بأصناف البضائع اليسيرة الأثمان. لم يكن في بلدتنا ما يغريهم بالقدوم إليها. فهي مجرَّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيَّة من الطين أو الآجر، المسقَّفة بالجَرِيّد (سعف النخيل)، يتوسّطها مسجدٌ صغيرٌ، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة. ومع ذلك كانوا يأتون إلينا باستمرار جماعاتٍ ووحدانًا.

كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمُّ مدينة بابليّة قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبقَ منها إلا أطلالٌ وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة. مجرَّد شوارعٍ مهجورة، وقاعاتٍ بلا سقوف، وأعمدةٍ رخاميّةٍ متصدِّعة، وجدرانٍ متهدِّمةٍ نُحتت عليها كائناتٌ غريبةُ الأشكال، بعضها برؤوسٍ حيوانيّةٍ وأجسامٍ آدميّة، وبعضها الآخر برؤوسٍ بشريّةٍ وأجسادٍ حيوانيّةٍ مُجنَّحة. وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفَّنة بالترابِ، مَسلَّةٌ حجريّةٌ، عليها كتاباتٌ مسماريّةٌ ونقوشٌ وزخارف. وكان في مدخل المدينة، تمثالٌ ضخمٌ من حجرٍ صلدٍ لأسدٍ مرعبِ المنظر، يربض على صدرِ امرأةٍ جميلةٍ مستلقيةٍ على ظهرها.

كان أولئك السيّاح الشقر يطوفون في أرجاء تلك الأطلال، يتملّون جنباتها، وهم يسترقون النظر إلى كُتب يحملونها بأيديهم، أو يستمعون إلى دليلٍ يرافقهم ويزوِّدهم بالشروح. وكنّا نحن الأطفال نعجب لهذا الاهتمام الذي يبديه أولئك السيّاح بخرائبَ لا تنفع ولا تضرّ، وهي تقبع في مكانها على مرمى حجرٍ مِنّا منذ آلاف السنين ولا نعيرها بالاً، أَو بالأحرى نحن الذين نسكن بالقرب منها وهي لا تعيرنا اهتمامًا. كلُّ ما تعلّمناه عنها في المدرسة الأوليّة الوحيدة في البلدة، أنّها بقايا حضارةٍ قديمةٍ عظيمةٍ، قامت وسادت، ثمَّ انهارت واندثرت، ولم يبقَ منها إلا تلك الخرائب.

كان بعض أولئك السيّاح ذوي الأجسام الرشيقة والوجوه المشرقة، يبتسمون لنا نحن الأطفال عندما نتجمّع حولهم ونحملق فيهم، ويقولون لنا كلامًا بِلغتهم لا نفهمه، فنحسبه تحيَّة مودَّة، خاصَّةً أن بعضهم كان يشفع ما يقول، بقطعة حلوى يعطينا إياها. وكان عددٌٌ من شباب البلدة الذين يجيدون لغة السياح، يقتربون منهم ويتبادلون الحديث معهم ويرافقونهم أحياناً إلى الفندق الذي ينزلون فيه لليلة أو ليلتين على الأكثر، وهو بناية من طابقين تطل على الخرائب.

وتسرَّبتْ إلينا، عن طريق أولئك الشبان، أخبارٌ استقوها من محادثاتهم مع السيّاح ومن الصحف والمجلات التي يرمون بها بعد الانتهاء من مطالعتها، فيتلقّفها الشبان. أخذنا نسمع قصصًا ورواياتٍ أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الذي نعرفه، قصصًا مضخَّمةً فيها كثير من المبالغة والتهويل عن حياة أولئك السيّاح، ورفاهية بلادهم، فتأسر أسماعنا وتبهر عيوننا، ونبني منها قصورًا في مخيلتنا، تخلو منها بلدتنا ذات البيوت المتراصة المتواضعة.

سمعنا أنّ بلادهم غنيّة عامرة بالمصانع المُنتِجة والمزارع المُثمِرة، وأنّ الناس هناك يمتلكون الدور الجميلة والسيّارات الفارهة التي تفتح بوابات المرائب بأضوائها، وأنّهم يأتون إلى بلادنا بالطائرات التي لم نرَها نحن إلا مُحلِّقة في السماء، أو بالبواخر الفخمة. وكلّ باخرةٍ تضمُّ مطاعمَ راقية، وملاعب، ومسابح، ومراقص ليليّة يُمضي فيها الركاب سهراتهم، راقصين على أنغام الموسيقى التي تعزفها فرق موسيقيّة، حتّى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، ثمَّ يأوون إلى مقصوراتهم المجهَّزة بأَسِرّةٍ مريحةٍ، وفرشٍ وثيرةٍ، وحماماتٍ نظيفة.

وعلمنا ذات يوم أنّ أحد أبناء البلدة سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة في إحدى جامعاتها الراقية. وتهامس بعضنا باستنكار:" إنّه قرر الإقامة هناك ولن يعود!" وتساءل بعضنا الآخر: " وكيف يرضى أهله بذلك ؟!" وجاء الجواب: " إنّه يبعث إليهم بالمال والهدايا، وقد ظهرت عليهم أمارات الثراء." وقيل لنا إنّه ليس الوحيد الذي يهاجر إلى جزيرة الرشاقة، فهناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم، ومنهم مَن يواتيه الحظّ، فيصبح من أصحاب الملايين.

وأغرقت القصص، التي كنّا نسمعها عن جزيرة الرشاقة، في الخيال عندما أخذت تتناول أخبار المخترعات والمكتشفات المذهلة، مخترعات لم نسمع بها من قبل: تلفزيون يأتيك بصور الناس وأخبارهم من أماكنَ نائيةٍ، كما كان يفعل جنُّ سليمان، وإنسانٌ آليٌّ يحلُّ محلَ العمّال في المهمّات الشاقَّة، ومركباتٌ فضائيّةٌ تسبح في الكون كالكواكب قاصدة القمر والمريخ، وعقولٌ إلكترونيَّةٌ تأتي بالعَجب العُجاب.

ولكنّ الحكايات التي كان يسيل لها لعابنا، وتأخذ أفواهنا بالتلمُّظ عند سماعها، كما يفعل الهرّ وهو يترصّد فأرًا صغيرًا من بعيد، هي حكايات الطعام والمطاعم في جزيرة الرشاقة. فقد بلغَنا أنّ أسواقهم زاخرةٌ بأصنافِ اللحوم والأسماك والطيور والحبوب والفواكه والخضار. وكلُّها تباع بأزهد الأثمان.

وأعجب ما في جزيرة الرشاقة مطاعمها الفاخرة الكثيرة، المنتشرة انتشار الفُطْر في البادية أيام الربيع. فبينَ كلّ مطعمٍ ومطعمٍ مطعمٌ. وتفنَّنت المطاعم في إرضاء زبائنها وتلبية رغباتهم بأسرع ما يمكن دون طويل انتظار. فعندما تلج بعضها وتجلس إلى الطاولة التي تختارها، تجد عليها قائمة الأطباق وأمام اسم كلّ طبق زِرٌ، فتضغط على أزرارِ الأطباق التي ترغب فيها، فتُضاءُ إشارةٌ في المطبخ تحمل رقم طاولتكَ وأرقام الأطباق المطلوبة، فيجلبها النادل إليكَ فورًا.

واتّبعت مطاعمٌ أُخرى طريقةً مختلفةً؛ فعندما تلجها، تجد مائدةً عامرةً بأصناف الطعام وألوان المآكل، فتختار منها ما تشاء وتملأ صحنك بنفسك، ثمَّ تعود وتملأه ثانية وثالثة، وتأكل كلَّ ما تشتهي نفسك حتّى تشبع، دون أن يزيد ثمن الوجبة المحدَّد سلفًا. وعندما تجلس إلى إحدى الطاولات، وتضع صحنك العامر بالطعام أمامك، يسرع إليك النادل بكأسٍ من الشراب الذي تفضّله، وقبل أن تشربه كلَّه يملأُه النادل مرّة ثانية وثالثة ورابعة، دون أن تدفع ثمنًا إضافيًّا لما تشرب. وتختم وجبتكَ بأصناف المثلَّجات اللذيذة وأنواع الحلويات الشهيّة التي تنتقيها بنفسك من عربةٍ متحرِّكة يجلبها النادل إلى طاولتك.

وضحكنا كثيرًا عندما قال أحدنا:

ـ " والطهاة والندل والسقاة هناك يتخرَّجون في الجامعات."

وسأل أحدنا ساخرًا:

ـ " أتصدّق أن الطهي يحتاج إلى دراسات جامعية؟! دكتوراه في الثريد مثلاً!"

وأيّده ثالث قائلاً:

ـ " أمهاتنا يطبخن ولم يتعلَّمن حتّى في مدرسة ابتدائية."

واعترض آخر قائلاً:

ـ" ولكن أخبرني أخي الكبير بوجود كُتُب متخصِّصة بإعداد الأطباق المختلفة."

وحتّى ذلك الحين لم نكُن رأينا في بلدتنا من الكُتُب إلا كُتُب القراءة والحساب المدرسيّة.

ويبدو أن أهالي جزيرة الرشاقة اكتسبوا ولعًا خاصًّا بالأكل، لوفرته وجودته ومذاقه اللذيذ؛ فكثر الإقبال على المطاعم، حتّى صارت تفتح أبوابها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، وهي تقدِّم لك ما تشتهي نفسك من وجبات دون التقيّد بأوقاتٍ معيَّنة. فتستطيع أن تطلب من النادل أن يأتيك بوجبة عشاءٍ غنيّة باللحم في أوّل الصباح، وتطلب وجبة الفطور في المساء، وتجمع بين وجبتين وقت الغداء، فأنتَ حرٌّ في اختياراتك. وجزيرة الرشاقة هي جزيرة الحرِّيَّة كذلك. وكلُّ واحدٍ حرٌّ في أن يأكل ما يشاء، ومتى ما يشاء، وحيث ما يشاء، وكيف ما يشاء. يتناول طعامه واقفًا، أو جالسًا، أو ماشيًا؛ في المطعم، أو المنزل، أو المدرسة أو المعمل.

والمطاعم في جزيرة الرشاقة مجهَّزة بما يلزم لتلبية رغباتك. فقد ابتكروا صينيّات من الورق المقوّى يُحمَل فيها الطعام، وأواني وملاعق وشوكات بلاستيكيّة تُرمى بعد استعمالها مَرَّةً واحدةً، وأكوابًا مُغلقةً تخترق أغطيتها أنابيب ورقية تمتص بها دون أن يندلق السائل منها وأنت تشرب وتسوق سيّارتكَ في الوقت نفسه. وكان يصعب علينا تصوُّر جميع تلك الأدوات لأنّنا كنّا نأكل بأيدينا.

وأخذت مصانع السيّارات تستجيب لاحتياجات أهل الجزيرة الغذائيّة، فرُكِّبتْ أدواتٌ إضافيّةٌ في السيّارة أمام السائق، حواملُ معدنيّةٌ تُثبَّتْ فيها أكواب الشراب وصحون الطعام، وهكذا لا ينقطع صاحب السيّارة عن الأكل والشراب وهو يقود سيّارته. وتنافست شركات السيّارات في إرضاء أذواق الآكلين، فوضع بعضها ملعقةً آليَّةً أمام السائق تحمل الطعام له من الإناء إلى فمه دون أن يلوي عنقه أو يستعمل يده.

أمّا الذين يفضّلون البقاء في منازلهم لمشاهدة برامج التلفزيون أو مزاولة ألعاب الحاسوب، ولا يرغبون في تكليف أنفسهم مشقَّة الذهاب إلى المطعم، فما عليهم إلا مهاتفة مطعمهم المفضَّل، فتصلهم أكلاتُهم إلى منازلهم خلال دقائق معدودات. فالأطباقُ مُعدَّة سلفًا في مطبخ المطعم، وتسخينها بالمايكرويف لا يتطلَّب إلا بضع ثوان، ونقلُها من فرع المطبخ الأقرب إلى دارِكَ على دراجةٍ بخاريّةٍ فائقةِ السرعة، والطَّعام مُدثَّر بلحافٍ خاصٍّ يحفظ حرارته، لا يستغرق أكثر من دقائق. وسيوضع الطعام إلى جانبك لتتناوله، وأنت تستمتع بمشاهدة برنامجك التلفزيونيّ المفضَّل، ممدّدًا على كرسيّك الطويل المريح.

كنا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا. فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلِّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورةٍ أعمق، ونفهم. واستمرت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة. سمعنا أنّ حكومتها تلقي سنويًّا بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين. وكان التصحُّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيمًا تذروه الرياح. ويجوع الفقراء.

وأخذنا نشاهد أثر الرفاهيّة والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا. فقد أخذت أجسامهم تزداد طولاً وعرضًا وضخامةً وقوة. لا بُدَّ أنّهم يأكلون اللحم بكمياتٍ هائلةٍ، فتنمو عضلاتهم، وتمتلئ كروشهم، وتتضخّم أردافهم. وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسِّع من مقاسات مقاعدها لتتَّسع لهم. وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيِّين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهُّل صدورهم، وتضخُّم أطرافهم. ولم نعد نسمّي جزيرتهم "جزيرة الرشاقة".

وبتضخّم أحجام الناس طولاً وعرضًا وثخنًا، تغيَّرتْ مقاسات الأشياء في الجزيرة. فأصبحت شركات الأثاث تصنع أسِرّةً أكبر حجمًا وأصلب عودًا، ومقاعدَ أوسع وأقدر على الاحتمال. وبعد أن كانت في الجزيرة بضعة محلات متخصِّصة بالملابس الكبيرة الأحجام، أصبحت هذه المحلات هي المعتادة. وأخذ البناءون يوسِّعون الأبواب ومساحات الغرف والممرّات والأدراج في العمارات.

وتضاءل وصول السيّاح من الجزيرة إلى بلدتنا. وسمعنا أنهم صاروا أبطأ حركة، وأعسر تنقلاً، بسبب ثقل أجسامهم، وأنهم صاروا يفضِّلون البقاء في منازلهم وتناول أكلاتهم الشهيّة. ولعلّهم لا يجدون ما يكفيهم من الطعام إذا خرجوا من جزيرتهم. بل أكثر من ذلك، تناهى إلى أسماعنا أنّ كثيرًا من أبناء الجزيرة يفضِّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام، قانعين بما يحصلون عليه من راتب الضمان الاجتماعيّ الجيِّد المخصَّص للعاطلين عن العمل. لقد أدمنوا على تناول الطعام حتّى صارت عادة الأكل جزءًا من طبيعتهم.

وأخذنا نسمع أخبارًا يصعب تصديقها. سمعنا، مثلاً، أنّ الشرطة في الجزيرة تضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف، لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهورًا في مسكنه وهو يأكل ويأكل. وتواترت الأخبار عن مثل هذه الحالات حتّى أصبح الأمر لا يثير أيّة غرابة في الجزيرة. ولم تتوقّف نجدة المحاصرين (وهو المصطلح الذي أُطلق على الذين لا يستطيعون الخروج من مساكنهم من فرط السمنة) إلا بعد أن تضاءل عدد أفراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب.

وتكاثر غياب العمّال عن مصانعهم، وازداد تغيُّب الموظفين عن مكاتبهم، ولجأت الإدارات إلى تمديد فترة تناول وجبة الغداء إلى ساعتيْن وثلاث ساعات بدلاً من الساعة الوحيدة المقرَّرة سابقًا، ترغيبًا للناس في العمل. واتّخذت معظم الشركات إجراءات تشجيعيّة متنوِّعة مثل زيادة فترات تناول القهوة أثناء العمل، فكلّ ساعة عمل تعقبها ساعة استراحة لتناول القهوة. ولم تعُد كلمة القهوة في الجزيرة تعني ذلك السائل المعروف، وإنّما جميع ما يرافقه من حلويات ومعجَّنات ومكسّرات ومقليّات ومشويّات، إلخ. وأصبح العمّال يأكلون ويأكلون ولا يعملون.

وبالرغم من جميع تلك المُغريات انخفض الإقبال على العمل، واضطر كثير من المؤسَّسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج، وبعضها أغلق عددًا من الأقسام أو أوقف طائفةً من الخدمات، وبعضها الآخر أوصد أبوابه. ولم تجِد المنازل، التي هي في حاجة إلى ترميم، مَن يرمَّمها، ولا الآلاتُ المعطوبة مَن يُصلِحها. وتوقَّفتْ آلاف السيّارات عن السير في الشوارع، لأنّ أبوابها الضيقة لا تسمح بدخول أبناء الجزيرة فيها. وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري الجرب في البدن، حتّى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابليّة القابعة بالقرب من بلدتنا.

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة - أواخر 2014

 

hashem mosawiلا شك وأن كثيراً من النصوص الأدبية الراقية خالفت قواعد البلاغيين وقواعد النحو، وكانت الغاية من كل ذلك هو إبراز الجمال الذي يتطلبه الإبداع الأدبي، الذي يحكم بنيته.. وعندما نتحدث عن النصوص الأدبي، فإننا نقصد بها تلك الكتابة الإبداعية التي هي من نتاج الخيال الأدبي والتي تشمل الشعر والنثر (القصة القصيرة والرواية خاصة)، والدراما والمسرح.

وقد تم تسجيل كثير من العوائق التي توضع بوجه التفضيل الجمالي بحجة الالتزام بقواعد النحو والبلاغة، والتي أدت إلى إجهاض الانطلاقات الأسلوبية المبدعة في الأدب.

إن الأحكام المعيارية لا تستطيع فكمغاليق النصوص الأدبية المتميزة التي ترفض الخضوع الجامد للقواعد.

والأدب بشكلٍ عام يُعتبر مادة شديدة الرهافة، خاصةً عندما تتعلق هذه المادة بانفعالات مثل الحب والكراهية أو بقيم مثل الحرية والعدالة والمساواة، فهل يُمكن ملاحظة هذه الانفعالات والقيم؟ وهل يمكن جعلها قابلة للملاحظة، ومن ثم كيف يمكن دراستها موضوعياً.

قام بعض النقاد في بداية القرن العشرين بمحاولات مهمة في هذا الاتجاه، ولعلّ أشهرهم هو الناقد الإنجليزي ريتشاردز I.A.Richards خاصةً في كتابه "النقد التطبيقي" "Practical Criticism" الذي ظهر في عام 1929، في وقتٍ لم يكن علم النفس فيه مهتماً بدرجة كبيرة بالأدب. وتظلّ هذه الدراسة – كما يشير تشايلد – مثيرة للاهتمام داخل علم النفس حتى الآن. لقد أعطى ريتشاردز خلال تلك الدراسات – التي قام بها – عدداً من القصائد غير محددة المؤلف إلى طلاب يدرسون الأدب في الجامعة الإنجليزية، التي كان يقوم بالتدريس فيها، وطلب من كلٍ منهم أن يقرأ كل قصيدة بعناية، وأن يكرر هذه القراءة ثم يعلّق على القصيدة ويعطيها تقييمه الخاص.

وقد راجع ريتشاردز "استجابات الطلاب لكل قصيدة" وسعى من أجل الوصول إلى الصياغة، والتحديد للمعاني المختلفة للقصائد المختلفة، والتي كانت معانيها تختلف من قارئ إلى قارئ، وحاول أن يحدد كيفية صدور الأحكام الجمالية على القصائد، عندما يكون الفهم لها صحيحاً أو غير صحيح.

قبل ذلك كان ريتشاردز، بالتعاون مع أوجدن Ogden، في كتابهما "معنى المعنى The Meaning of Meaning" (العام 1923) قد حاولا التمييز بين المعنى العقلي، والمعنى الانفعالي للكلمات، ومن خلال تحليله للقصائد في كتابه "النقد التطبيقي" كان ريتشاردز يحاول أن يفك المعنى الانفعالي إلى ثلاثة مكونات هي: شعور الشاعر نحو الموضوع الذي يكتب عنه، والنغمة السائدة الموجهة نحو القارئ في القصيدة، ثم النية أو القصد الذي يقصد من ورائه التأثير في القارئ. فمن خلال القصيدة يشتق القارئ الانفعال والنغمة والقصد، وهي الجوانب التي تكون مسؤولة أو مفسرة للعمل الكلي الذي يقرأه أو يسمعه. إن الفهم المناسب للقصيدة – كما رأى ريتشاردز – يشتمل على التأويل المناسب أو الصحيح لهذه الجوانب الثلاثة من المعنى التوقعي  Expectatonal Meaning، وهو المعنى الذي يرتبط بعمليات التوقع أو الاستباق لما سيأتي في القصيدة أو داخلها، كما يشتمل أيضاً على تلك الجوانب الخاصة بالمعنى الدلالي أو المرجعي Referential Meaning، الذي يحيل إلى أشياء أو صور خارج القصيدة، وقد يتداخل الفشل في فهم المعنى التوقعي (الداخلي) مع الفهم الصحيح للمعنى الدلالي (الخارجي) فتعاق عملية التذوق.

كان كتاب ريتشاردز عندما صدر "إلى جانب كونه تمرداً على فوضى النظريات النقدية، محاولة منهجية صادقة لإقامة النقد على أساس علمي راسخ، وكان ريتشاردز في ذلك متأثراً بالنزعة التجريبية التي كانت غالبة على تفكيره، وهي النزعة التي دفعته إلى التعاطف مع المدرسة السلوكية في علم النفس، ومن ثم التركيز في فهم التجربة الجمالية على الاستجابة السلوكية التي تخلقها هذه التجربة في المتلقي من ناحية، وعلى صلة هذه الاستجابة بنظرية في القيمة، من ناحية ثانية، وأخيراً على نظرية هي التوصيل لا تقل عنها في الأهمية.

كذلك قام داوني J. Downey في بدايات القرن العشرين بدراسة استكشافية كي يتعرف من خلالها على أسس تفضيل الأفراد للجميل والسار من الشعر، وكذلك أنواع الانفعالات والصور العقلية المرتبطة بتفضيلات الأفراد لأنماط معينة من الشعر. واستخدم هذا الباحث نماذج من أشعار "براوننج" وبيرون وشلّي ومالارمية وغيرهم، وكان يطلب من الأفراد كتابة تقارير استنباطية عن خبراتهم التي يشعرون بها خلال قراءتهم لهذه الأشعار، وخلال محاولتهم لتنظيمها داخلياً، وميّز بين ما سمّاه الشعر الانفعالي وما سمّاه شعر الصور Imagery Poetry أو شعر التفكير بالصور، وقال أنّه في النوع الأول يكون الانفعال هو السائد، وفي الثاني تكون الصور هي السائدة، حتى لو لم يكن هناك انفعال ما كبير يهيمن على القصيدة. وقد وجد داوني أن المحصلة العامة لدراسته هي أن الاستجابة العامة للشعر الانفعالي أكثر ذاتية من الاستجابة العامة لشعر الصور العقلية. كذلك وجد هذا الباحث أن الألفة بالمادة الأدبية تعمل على خفض الفروق بين الأفراد، وأيضاً أن المضمون الخصب انفعالياً وتصورياً من المادةالشعرية يساهم مساهمة كبيرة في عمليات التفضيل الجمالي، وأن آثار الفروق الفردية في التفضيل الجمالي تكون واضحة جداً بدرجة يمكن من خلالها تجميع الأفراد في فئات متميزة على أساس نمط استجاباتهم.

وخلال دراساته المبكرة، وجد بيرت كذلك أنّه حتى بعد استبعاد الفروق في الذكاء العام بالأساليب الإحصائية المناسبة، ظلّ هناك عامل كبير تشترك فيه كل الاختبارات المستخدمة في قياس التذوّق الفني، وقد نُظر إلى هذا العامل على أنّه بمنزلة العامل العام للقدرة الفنية. وقد أشار بيرت نفسه إلى أن هذا العامل ليس مقصوراً على "الفن" بمعناه الضيق، لكنه يدخل أيضاً في كل تجليات ومظاهر التذوّق الجمالي السمعية، والبصرية، واللفظية، والملموسة. وقد أشار بيرت أيضاً إلى أنّه عندما تم التحكّم الإحصائي في الذكاء العام، والتذوق العام (أي استبعد تأثيرهما أو حُدّد بالأساليب الإحصائية المناسبة)، ظهرت عوامل أخرى أكثر تخصصاً بالنسبة إلى تذوّق الأدب (الشعر والنثر) والموسيقى، والتصوير، والنحت، والعمارة، والرسم، أي عوامل خاصة بالأنواع الفنية مختلفة المحتوى، وقد دعمت بحوث بيرت وتلاميذه التالية هذه النتائج التي يبدو أنها تتضمن الإشارة إلى وجود استعدادات متخصصة فطرية بالنسبة إلى التذوّق أو المهارات اللفظية، والبصرية، والسمعية، والحركية، وأنّه خلال المرور عبر هذه الأقسام الفرعية – وفقاً لمحتواها – يمكننا أن نجد أيضاً عوامل قطبية تشير إلى التفضيلات (أ) للأساليب الكلاسيكية من الفن ومنها الشعر والنثر في مقابل الأساليب الرومانتيكية، و(ب) المعالجة الواقعية في مقابل المعالجة الانطباعية. وهذه العوامل يبدو أنها تعتمد، في جانب منها على الأقل، على العوامل المزاجية.

رغم كل ما ذكر آنفاً، فإن النظريات النقدية الشكلانية لـ(موكاروفسكي أباكوبسون مثلاً) تقدّم تفسيرات مُقنعة خاصة بالتغيرات الجمالية. وكذلك لم تستطع نظريات أخرى خارج الشكلانية، مثل نظريات نيكمان وماير وكوهين تقديم تفسيرات مقنعة حول الاتجاه الخاص، الذي يمكن أن تأخذه التغيرات في المحتوى الجمالي، وإحدى مزايا هذه النظرية التي قدّمها "برلين" و"مارتنديل" كلٌ بطريقته الخاصة. هي أنها تقدّم تنبؤات خاصة محددة حول التتابع الخاص بالمحتويات والأساليب المتوقعة في أي تراث أدبي.

وبالرغم من وجود كثير من الدراسات والتجارب حول المنحى الموضوعي للتفضيل الجمالي للأدب.. إلا أنني أجد بأن الإبحار في موضوع مثل "كيفية تحليل النصوص الأدبية العربية" سيكون محفوفاً ببعض الصعوبات والمخاطر وسيواجه كثيراً من العقبات، لأنّه يُعتبر أولاً علماً متطوراً، لا يستطيع الناقد أن يُمسك بقواعده التي ليس لها ثبات. وثانياً، لأني قُمتُ بالاستعانة بمصادر قام بوضعها مُنظّرون أجانب متخصّصون في الأدب الحديث، في بلدان تعجّ بالنظريات والدراسات والأبحاث، يندر أن نجد لها مثيلاً في النقد الأدبي المتواضع المستوى حالياً في بلداننا العربية..

أتمنّى أن أكون قد وُفّقتُ

 

د. هاشم عبود الموسوي

 

ali mohamadalyousifفي المقدمة النقدية لدراسة الكاتب والناقد منصف الوهايبي عن الشاعر المجدد المعاصر اللبناني شوقي بزيع (1) ان جيل ديلوز يميز بين ثلاثة انماط من الخطاب اللغوي المعرفي، حيث الخطاب الفلسفي معقودا على التوسل ب (المفهوم)، فيما الخطاب الفني معقودا على التوسل بفعل (الادراك)، اما الخطاب الديني فمعقود على (الانفعال والوجدان ) .

ويضيف: ان الذات الرومانطيقية انما هي ذات انفعالية لذلك يمكن اعتبار الادب الرومانطيقي اقرب الى (الديانة) مستدركا انه يجازف بهذا الرأي ولا يدعي له الوجاهة حتى يتم اختباره والقطع بصحته .

وبرأيه ايضا : ان الذات في فضاء الشعر ادراكية، ومسألة الذاتية تظل شرط امكان المشاركة في (كونية الشعر) والكونية التي يقصدها نطاقها وساحتها الطبيعة البشرية المأهولة –كوكب الارض . وهي كونية محدودة عالميا وليست فضاءا غير منته غير محدودSpace  .

والكونية مقصود بها مراد منها مشاركة الذات الشعرية،و هي نقيض / ضد العولمة بمفهومها الايديولوجي السياسي والتاريخ الفلسفي المعاصر الدارج، بدليل قوله: (الكونية افق محدود يجدر الانسان الانخراط به، فهي لاتلغي الاختلاف والتعدد، بل تسعى ادماجهما في سياق التناغم ....) بينما العولمة بتعبير الوهايبي (على نحو ما يصرفها اهلها، اهل السياسة وتقنيو الاقتصاد العالمي تقوم على المجانسة والتنميط، ومحو تاريخ طويل صرفت فيه الشعوب حياتها وافنت  مصائرها من اجل اغناء تنوعها وتطوير اختلافها وخلافها ايضا ...)

لنا مداخلة بضوء التوطئة التي مررنا يها: مايتعلق بالشعر

- اشارة الوهايبي لتيارالرومانتيكية في الادب والفن التي كانت بدايات ظهورها في المانيا القرن التاسع عشر،نوفاليس،شيلينغ،فريدريك شليغل،التي دعت اضافة الى الهيام الرومانسي الحالم في تمجيد الحب،والتفاني بالحياة و الطبيعة،والمناجاة الشعرية في الليالي الهائمة في العشق،والتغني بالغريزة الجنسية والخيال.. ومصير الانسان الفاجع في الموت — معظم الشعراء والادباء الرومانتيكيين ماتوا في عنفوان شبابهم - واضافة الى ما طبع نتاجهم الرومانتيكي،فقد كانوا دعاة الغاء الفروقات الفنية والاسلوبية الجمالية التي تميز  الاجناس  الادبية  واكثر  من هذا، كانوا دعاة الغاء الفروقات  اللغوية الفنية المتواضع عليها ادبيا في تمييز الشعر عن النثر.من هنا يمكننا التساؤل هل كانت اشارة الوهايبي للرومانتيكية هدفها ربط تعالق الشعر بالدين بحسب اجتهاده التنظيري، ام كانت تمهيدا مقصودا في دراسة الشاعر،الذي لاعلاقة لشعره بالرومانتيكية. كما اجد في تعالق الدين بالشعر له اشارات في موروثنا العربي تفيد ان العرب في الجاهلية قبل الاسلام كانوا يقدسون الشعر وينشدونه على قبور موتاهم.

- لااعطي  نفسي  حق مجاراة الناقد المتمكن منصف الوهايبي في دراسته القيمة عن الشاعر المجدد شوقي بزيع، لكن انطباعي من مطالعتي بعض قصائد الشاعر المنشورة على صفحات مجلة الاداب اللبنانية،انه يمتلك خصوصية  لغوية شعرية بين كبار مجايليه من الشعراء المجددين، في عبارته الشعرية القصيرة،انها لا تتخلى عن الغنائية تماما وحسب بل تذهب الى اعدام الايقاع الداخلي كلية في ترابط المفردات الشعرية  لدرجة الالتقاء بالنثر الرمزي الملغز والمقتصد حد التكثيف، فتكون العبارة الشعرية عنده كباقي معظم شعراء جيله، عصية على التلقي والفهم،كما ان العبارة تعطي معناها الحدسي  في تضادها  اللغوي . وقام  الناقد الوهايبي  ياضاءة جوانب شعرية الشاعر شوقي بزيع باقتدار متمكن يحسب له. ومع تحفظنا الشديد في  تكرار ماقيل كثيرافي الخطاب النقدي الشعري، من ان نصوص الحداثة باتت لاتضع نصب اهتمامها متاعب وهموم ايصال (معنى) للمتلقي -- هذا التوجه على قدر اهميته من الناحية الجمالية الفنية الصرف،الا انه بات مشكلة لا يستهان بخطورتها على مستقبل الشعرية العربية،وانحسارمتلقي الشعر،اذ تشير احدى الاحصائيات الى ان من بين 300 مليون عربي لا يقرأون الشعر و يتابعونه اكثر من مائة الف قارىء فقط،على كل حال هذا ليس موضوعنا و يحتاج دراسة معمقة بضوء النظريات اللغوية المعاصرة،في ثنائية النص - المتلقي .

ان سعي الشعر الحديث المعاصر في توخي تواصله تحقيق تجاوب انفعالي يستوقف المتلقي حتى وان جاءت العبارة الشعرية في ومضات لغوية اشارية،ورموز تشتت المعنى في خلق تشكيل لغوي خارج المعتاد،وانعدام التناغم وفقدان الانسجام، الذي يصل حد الصدمة في غرابته في ملفوظ القول ومكتوبه في النص الشعري .لا يدخل في هذا القول،شعر العمود ولا الشعر الشعبي.

- الشعر الذي هو بؤرة مركزية في الاجناس الادبية،يتأرجح فيه المتلقي حسب مقدمة الناقد الوهايبي،وفي مرجعيته التي اعتمدها عن جيل ديلوز ان الخطاب اللغوي بأجناسه الثلاثة،الفلسفي الذي يتوسل المفهوم في التلقي، والخطاب الديني الذي يتوسل الانفعال الوجداني،والخطاب الفني الذي يتوسل الادراك،يكون الشعر الذي هوضرب من الفن في تعالقه مع الخطاب الديني،متأرجحاً في الجمع بين الفهم الادراكي،والتلقي الانفعالي الوجداني،اذا ما أخذنا صحة فرضية الوهايبي،ان الشعر الرومانتيكي يقترب من الفعالية الدينية ويتعشق معها بمشترك الخطاب اللغوي. هذا التعالق بين خطابي الدين والشعر ضمن استقلالية بنائية كل خطاب منفردا لوحده،يتوسطهما الشعر في فعالية التلقي بين المنحيين،و تكون الذات المستقبلة للشعر ادراكية وجدانية معاً.

- يشترط الناقد الوهايبي ان يكون شرط الذات المبدعة – ذات الشاعر- المشاركة الفاعلة في (كونية الشعر) اي عالميتهِ المنفتحة على افق بشري محدود،وليس عولمة الشعر بالمفهوم الايديولوجي السياسي الشمولي السائد في سحب مؤثرات واهداف العولمة- ان كانت هذه التقديرات والمخاوف في محلها- على روافد الحضارة الانسانية من ثقافات وفنون الامم و الشعوب قاطبةً... هذه المخاوف التي ترى ان للعولمة مجالات استهداف اخرى غير السياسة والاقتصاد والتكنولوجييا والمعلوماتية والاتصالات، ليصل الدمج والهضم والتذويب الى مجالات الهويات والثقافات والفنون والمعارف وروافد الحضارة الاخرى المتنوعة في مصاهر العولمة!! 

وكونية الشعر، او بالمعنى الاشمل كونية الاداب والفنون والافكار و المعارف و الفلسفات، لن تكون ضريبة عالميتها بالضرورة في اللقاء مع العولمة، بالتبعية والصهر والاذابة بالصبغة الاحادية، فهذا برأينا من الصعوبة بمكان كون جميع تلك الفعاليات الثقافية والمعرفية والحضارية محصنة ذاتياً بخصوصيات مشروطة تتأبى على مصهر العولمة!! ولاتخضع هذه المجالات في ملامحها الفنية الخاصة، كما يتجلى في مخاوف البعض امكانية ان تفعل العولمة مع الاداب والفنون والمعارف ما تفعله في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. ان التنوع الثقافي والادبي والفني والحضاري سماته التمايز والتعدد النوعي بتعدد امم وشعوب العالم،ولن يكون من اليسير السهل صهر وتبعية ذللك التنوع عولميا، مهما كانت ادوات ووسائل ايديولوجيا العولمة نافذة فاعلة في مجالات قاطعة اخرى اسهل من مجالات روافد الحضارة واكثر طواعية في التبعية والاندماج الاحادي الذي لم يثبت لحد الان تطبيقات له . لذا لاخوف على عالمية الحضارة وكونيتها من عولمة القطب الواحد.

 

علي محمد اليوسف

madona askar"سال سرّه على لسانه كأنّه دمٌ تعذّر منعَه" (نجيب محفوظ)

كذا يشعر الّذي يقرأ المجموعة القصصيّة "أنزفني مرّة أخرى" للكاتب الأردني عمّار الجنيدي. فسرّه المدفون في الأعماق ينبئ بنزف مزمن بطيء مرادف للاستنزاف على المستوى الفكريّ والنّفسيّ والرّوحيّ. فالكاتب يتأمّل محيطه بل عالمه بدقّة لا متناهية تستدعي نزفاً خارجيّاً داخليّاً. خارجيّاً، على صعيد التّدقيق في تفاصيل الحياة اليوميّة، والسّلوكيّات الإنسانيّة المقزّزة، كالإهمال، والشّجع، والادّعاء الإيمانيّ، والحبّ النّاقص المرتبط بالمصلحة أو الظّاهر، والظّلم اللّاحق بالإنسان بشكل عام. داخليّاً، تنعكس هذه التّأمّلات الدّقيقة وجعاً في نفس الكاتب، تترجمه القصص القصيرة المشابهة لنزفه. بمعنى آخر، يقطّر الكاتب همّه الإنسانيّ في قالب قصصيّ، أشبه بنزيف أفقده قدرته على احتمال الوجع. فالقصص إذ أتت معبّرة عن هذا الوجع القديم/ الجديد إلّا أنّها لم تكتفِ بالتّعبير بل ساهمت بالاستنزاف. ما دلّ عليه عنوان المجموعة "أنزفني مرّة أخرى". فالنّزف سابق، بل متجذّر في عمق الكاتب، متمكّن منه حتّى سال على الورق حبراً ممزوجاً بالدّمّ.

لا يشكّل الاستنزاف حالة لا إراديّة، أو ردّة فعل على الواقع المؤلم وحسب، وإنّما هي حالة تماهٍ معه، وتفاعل إراديّ على الرّغم من أنّها لا تحتّم نتائج مبدّلة لهذا الواقع. فالكاتب ينزف وينتقد. وسيشهد القارئ في هذه المجموعة كاتباً وناقداً في آن:

"سأظلُّ أسأَلُني:

- ما جدوى أن أَنْزِفُني مَرَّةً أُخرى؟!

فيُجاوبني ناقِدٌ مُنْتَبِهٌ انفِعالِ أسئِلَتي:

- حتى يظَلَّ دَمُكَ طَرِيّاً بين يدَيَّ.

يَتَشامَخُ قلقي، وأواصلُ النزيفَ". (ص 10)

وإذا رمز الدّم إلى الحياة فليدلّ على سيلان الوجع وتدفّقه لعلّه يجرف شوائب المجتمع، وآلام الإنسان، وأمراض الوطن. وإذا رمز النّزف إلى الموت، فليؤكّد على مشاركة الكاتب الوجع القائم حتّى المنتهى. (يتشامخ قلقي وأواصل النّزيف). القلق النّاضج، المعاين للتّركيبة الإنسانيّة وسلوكيّاتها المؤدّية إلى نتائج تنعكس سلبّاً على المستوى الإنسانيّ الخاص والعام، ارتدّت إلى داخل الكاتب نفسه.

القلق/ الوجع المتمكّن منه والمتجذّر في أعماقه عزله عن العالم وانفرد بنفسه، ليس هروباً، بل للتمكّن من معاينة التّفاصيل بشكل أشمل. (سأظلُّ أسأَلُني/ فيُجاوبني ناقِدٌ مُنْتَبِهٌ انفِعالِ أسئِلَتي). وانفعال الأسئلة ما هو إلّا هذه الحالة الوجدانيّة المقلقة والمسبّبة لاضطرابات جسديّة ونفسيّة، يهتزّ لها الكيان الإنسانيّ. إلّا أنّ الكاتب لا يعاني من اضطراب نفسي بل من اضطراب معرفيّ. فالقصص أشبه بتساؤلات يقينيّة، حتّى وإن أتت في سياق سرديّ ينقل واقعاً ما. وما سيتناوله القارئ في القصص القصيرة، حتّى وإن كان معروفاً، سيبكيه على حاله وحال محيطه الوجوديّ.

" قيل للشاعر العربي: "خذ أطنان الورق هذه، واكتب عليها ما تشاء بكل حُرّيَّة"

ارتبك. فوجئ. استغرب الأمر. حَريَّتْهُ المفاجأة. لم يصدق.

أَخَذَ الأوراق، وعبَّأَها كلها بالدموع". (ص 14)

هذه القصّة الواردة تحت عنوان (حرّيّة)، تحاكي الواقع من جهة، ومن جهة أخرى تطرح تساؤلات حول ماهيّة الحرّيّة في المجتمع العربي، وماهيّة ممارستها وكيفيّة تحقيقها. هل الحرّيّة أمر يحدّده مانحها؟ أم هي قيمة تكتسب بالجهاد والاجتهاد؟ وهل المجتمع العربيّ قادر على ممارسة حرّيّته كما ينبغي أم إنّه غير قادر على تبيّن أهميّتها؟ أم إنّها مجرّد حبر على ورق؟

لكنّ الكاتب يجعل من الشّاعر العربيّ محور القصّة، ولعلّه أراد بذلك سجن الحرّيّة في إطار من الحلم الّذي قد لا يتحقّق. (أخَذَ الأوراق، وعبَّأَها كلها بالدموع).

يقابل هذه القصّة أخرى تحاكي حرّيّة الإنسان في بعدها القيميّ الوجوديّ، كما في بعدها الواقعيّ الخالي من الاحترام لكينونة الإنسان وكرامته.

"اليومَ حرّروا لِسانه من القيود، وَفَكّوا الأغلال من معصميه، فمضى على قدمين من ارتجاف نحو رفاق زنزانته. ودَّعَهُم ومِشى إلى قريته، وحين اقترب من بيت أهله، استقبله الأهل والأحبة والجيران بزغاريد الانتصار، ومواويل الانتظار الطّويل، وكأنّه لم يُشاهَد له مثيلٌ منذ سنوات أربع. وبعد حفنة من الزغاريد؛ كانت قوّات الأمن تحاصر المكان.

اعتقلوه بتهمة التّحري وتنظيم مظاهرة، وساقوه إلى السّجن مكبلاً بالإحباط والحديد." (ص 22)

الإنسان ماضٍ في سجنه، ومن سجن إلى سجن، ومن اعتقال إلى اعتقال تنزف حرّيّته ببطء حتّى الرّمق الأخير. يمشي بخطىً متثاقلة، تحيطه الكوابيس بدل الأحلام المرجو تحقيقها، ولا يقوى إلّا على ذرف الدّموع.

"صحا من الكابوس الفظيع وما زالت الصّرخات تحتقن في حنجرته. ومن خلال الظّلام الحالك، استطاع أن يرى أباهُ وهو يقف بمحاذاة الباب. كذلك استطاع أن يَتَبَيّن حركة شاربيه وهو يقول بغضب:

- ألن تنام وتريحنا؛ لقد أقرفتنا بهذه الكوابيس اللّعينة؟!

دسّ رأسهَ تحتَ الِّلحاف، وراح ينشج في نحيبٍ متقَطِّعٍ" (ص 26).

الكابوس الحقيقيّ ليس ذلك الّذي يداهم الإنسان أثناء نومه، وإنّما هو ذلك الألم المتأتّي ممّن يُفترض أن يكونوا الأقرب إلى قلبه وعاطفته. وإذ يجعل الكاتب من الأب كابوساً في عينيّ الابن في قصّة حملت عنوان (كابوس). فلينقل واقع العلاقات الأبويّة البنويّة المضّطربة غالباً في مجتمعاتنا. وبهذا ينفذ الكاتب إلى مكان أعمق في النّفس، حيث يتعشّش الخوف والوجع معاً (وراح ينشج في نحيبٍ متقَطِّعٍ).

هذا المشهد المتواصل النّزف، يعبّر عن حالة تتعارض واحترام العاطفة الإنسانيّة. فالكوابيس بطبيعة الحال تظهر نتيجة اضطرابات فسيولوجيّة ونفسيّة، فتسبّب الأرق، واضطراب في النّوم. إلّا أننا نرى في هذا المشهد ردّة فعل عكسيّة. فالشخصية التي تعاني من الكوابيس أثناء النّوم، تعود إليها هرباً من الكابوس الحقيقيّ.

لقد تغلغل الكاتب في ذاته وفي الإنسان عميقاً ليستخرج منها هذا الهمّ المؤرق، أي الكابوس الشّخص. لكنّه ما يلبث أن يعود إلى الواقع، ليروي بسخرية لا مسؤوليّة الإنسان تجاه عمله، ممّا يؤدّي إلى خلل في المجتمع ككلّ. والعودة إلى الواقع لا تتعارض مع العمق الإنسانيّ. فبنظر الكاتب الكل يشكّل سلسلة مترابطة الحلقات. إذا ما تفلّتت واحدة لحقت بها الأخريات:

"لَسعْتهُ عَقْرَبٌ في يده، فأسرع من فوره إلى مستشفى (الإيمان). دخل إلى قسم الطّوارئ فوجد الطّبيب مشغولاً بمغازلة إحدى الممرّضات. نبّهتهُ لوجود مريض، فتركها وتوجّه إليه. بادَرَهُ بالقول:

- افتح فمك

فتحَ فاهُ.

- مُدَّ لسانك

مَدّ لسانه، وقد بدأ السمُّ يأخذ مفعوله.

- ليس بك أيُّ خلاف، ومع ذلك فإنّني أنصحك بالامتناع عن التّدخين

تركه الطّبيب، وأسرع لإكمال مَهَمَّتِهِ". (ص 32)

يقابل الإيمان منتهى اللّامسؤوليّة، وبذلك يعكس الكاتب الواقع الإيمانيّ المزيّف، الّذي ينتقده بشكل لاذع في هذه القصّة. ويعالج نقديّاً الظّاهر الإيمانيّ المتفشّي في المجتمعات الّذي لا يعبّر إلّا عن ادّعاءات مزيّفة، دون أن يحقّق هدفه المرتبط بالإنسان وقيمته.

ولئن فقد الإنسان قيمته وصار مجرّد حدث عابر، استحالت قيمته الوجوديّة نكرة. ما يضيف وجعاً إلى وجع ويواصل نزيف الإنسانيّة ككلّ.

ولئن كان الكاتب مقتنعاً تمام الاقتناع بصعوبة التّغيير، يروي قصّة رجل أصرّ على الاحتفال بعيد ميلاده السّبعين، ودعا الأصدقاء المقرّبين طالباً منهم تدوين انطباعاتهم وآرائهم فيه في كتاب. ولمّا أتت النتيجة سلبيّة صاعقة كما دلّت عليه آراء الأصدقاء، لم يسعَ الرّجل إلى فهم الأسباب بل جُلّ ما قام به تجاهل الانطباعات وعدم الاكتراث لتشوّه العلاقة القائمة ضمنيّاً بينه وبينهم:

"أذهلته المفاجأة لدرجة الإرباك. جال ببصيرته عبر الأعوام السّبعين الّتي انقضت من حياته. داهمته صورة الأصدقاء فامتعض قليلاً، ثم لوّح بالكتاب عالياً. انتبه إلى بندقية الصّيد المركونة على الجدار الغربيّ. تناول البندقيّة، عبّأها بالرّصاص، وأطلق النّار على الكتاب". (ص 90)

قصص مشحونة بالوجع الإنساني العميق ترتدي ثوب السّرد المفتوح على شاعريّة اللّغة والتّكثيف الجمالي، لمساءلة الواقع وهزّ مرتكزاته الهشّة بكلّ ما أوتي من بلاغة التّركيب. هذه البلاغة الحاضرة بسوداويّة المشاهد القصصيّة، تترك القارئ مفتوحاً على مجموعة من الأسئلة تثيرها هذه المجموعة: وماذا بعد كل هذه الهشاشة؟ وأين المفرّ؟ بل متى يكون الخروج من عنق الزجاجة؟

 

مادونا عسكر/ لبنان