المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الإيقاعُ في أغنيةِ (طيرالحمام) لـ(رضا الخيّاط)

لن يختلفَ منصفانِ في أنَّ الموسيقى تُشكِّلُ غذاءً جوهريَّاً للروح، وأنَّ النفسَ تستدعيها في حالتي الفرحِ، والحزنِ المتضادَّتينِ في الانفعالِ؛ وهاتانِ العاطفتانِ لا تُشبهانِ بقيَّةَ العواطفِ الوجدانيّةِ ، كالغضبِ، والهياجِ، والخوفِ، و الرعب، وما إليها، لأنَّ الانفعالاتِ الوجدانيّةَ ترتبطُ بمؤثِّراتها الآنيَّةِ، لهذا كانَ الغناءُ، والرقصُ الموقَّعينِ تعبيراً عن الفرَحِ، والشعورِ بالسعادةِ ؛ وكانَ الشجنُ، والنُواحُ تخفيفاً عن إحساسِ الإنسانِ بالألمِ المُمِضِّ، وإفراغاً لشحناتٍ قد تقودُ صاحبَها إلى مالا يُحمد عقباها لو أنَّها تصاعدت، ولن يكونَ هذا التخفيف بغير وساطةِ الموسيقى المعبِّرة عن تلك الحالات من اللوعةِ والألم.

 ويبدو أنَّ فيثاغورس الذي وُلِدَ قبل الميلادِ بنحوِ ستَّةِ قرونٍ تقريباً-570 ق. م- كان أكثر وعياً من بعضنا حين قال: (العالمُ مبنيٌّ بناءً موسيقيَّاً)، وهو قولٌ أكَّدهُ نيتشة على نحوٍ آخر حين قال : (العالمُ بدون موسيقى غلطة كبرى)، مع أنَّ ابنَ سينا الذي سبقَ نيتشة بثمان مئة عامٍ وخمسين رأى في الغناء الجميلِ مسكِّناً للأوجاع حين قال : (إنَّ من مسكِّناتِ الأوجاعِ ثلاث : المشي الطويل، الغناء الطيِّب، الانشغال بما يفرحُ الإنسان.)

 وعلى وفقِ ما مرَّ فإنَّ الموسيقى تبعثُ في نفسِ الإنسانِ النشوةَ، وتهدئ الأعصاب، فضلاً عن أنَّها تفكِّكُ الأحزانَ ، وتسكِّنُ الأوجاع، وتُحدِثُ في السلوكِ تغييراً ، ولستُ أغالي إن قلتُ : إنَّ بعضَ أغانِ السبعينيَّات، والثمانينيَّات قد دخلت قلوب العراقيينَ دون استئذانٍ قبل أنْ يعيروها أسماعَهم حين أدَّتها أصواتٌ شجيَّةٌ مفعمةٌ بالحنينِ صقلتها التجربةُ، وصفَّتها حناجرُ تمتلكُ كيمياءَ التأثير في نفوسِ المرهفين، فتوافقت أنغامُها اللحنيّةُ المعبّرةُ مع نصوصِها الجميلةِ، ومنها أغنية (طير الحمام) التي صاغها وغنَّاها الفنَّان المطرب رضا الخيَّاط، ولحّنها الملحّن الفنّان محسن فرحان.

*****

 كان الرملُ إيقاعاً لهذه الأغنية، وهو بحرٌ تتألَّفُ وحدتُهُ الإيقاعيَّةُ من تفعيلة فاعِلاتُنْ:

فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ ... فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ

 وهو من بحورِ الطربِ الغنائيّةِ التي تُثيرُ النشوةَ في سامعها، وقد كثُرَ استخدامُهُ في الشعر التفعيليِّ لخفَّتهِ ومرونتهِ، ولعل قصيدة نازك الملائكة (الخيط المشدود في شجرةِ السَّروِّ) التي كتبتها في العام 1948م خير دليلٍ على ذلك، فقد أوفت تلك القصيدةُ على مئةٍ وعشرينَ بيتاً، ودارت في سبعةِ مقاطع من غيرِ ضروراتٍ عروضيَةٍ، أو عيوبٍ وزنيَّةٍ، وهذه بعضُ أشطُرها من المقطعِ السابعِ : 

 

ويراكَ الليلُ تمشي عائداً

فَعِلاتُن  فاعِلاتُنْ  فاعِلُن

 

في يديكَ الخيطُ، والرعشةُ، والعرْقُ المدوِّي

فاعلاتُن  فاعِلاتُن  فَعِلاتُنْ  فاعِلاتُن

 

(إنَّها مـاتت...) وتمضي شارِداً

فاعلاتُنْ  فاعِلاتُن  فاعِلُن

 

عابثاً بالخيطِ تطويهِ وتلويْ

فاعِلاتُنْ  فاعِلاتُن  فَعِلاتُن

غيرَ أنَّ أغنيةَ (طير الحمام) تخلّصت من رتابةِ التقسيمِ الخليليِّ، فجعلت الصدر من ثلاثِ تفعيلات، وخفَّفتِ العجزَ فجعلتْهُ من تفعيلتين، وجعلتْ ضربَهُ مقصوراً، والقصرُ عِلَّةٌ، وهو حذفُ ساكنِ السببِ الخفيفِ في (فاعِلاتُنْ) وتسكين التاء المتحرّكة فتصيرُ (فاعِلاتْ) وتنقلُ إلى (فاعِلانْ) المساوية لها بالحركاتِ والسكناتِ. كما أنَّ الشاعرَ أفاد من تفعيلة القصر في بعضِ الأعاريض، مع ملاحظة وجوب حذفِ بعض الحروف عند تقطيع الشعر الشعبيّ، ودمج حرفٍ بآخرَ، والتنبُّه إلى أنَّ (الرمل) قد سُمّيَ باسمِ نوعٍ من الغناء الجاهليِّ، وهو بحرٌ يمكن عدُّهُ من فصيلة الرجز على وفقِ رؤيةِ الشيخ المرحوم جلال الحنفي، لذلك تتداخل أحياناً تفعيلة الرمل (فاعلاتن) بتفعيلة الرجز (مستفعلن) في الشعر الشعبي تحديداً.

 وإليكم الكلامُ مقطَّعاً عروضيَّاً :

 

بالله يا طير الحمام اللي تسافرْ ...... ودِّي لحبابي السَّلامْ

فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ......... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

واحمِلِ ابجنحك رسايلْ من تِهاجِرْ ......لِلِّي حرموني المنامْ

فاعِلاتُنْ     فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

 

بالله يا طير الحمامْ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

*******

بالله يا طير البراري اللي تغنِّي.......... فرِّح الدنيا بغناكْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

واخذِ ويَّاك الحبيبي اجمل سلامْ ....... وكَلَّه ما لحظة نِساكْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

زايد بكَلبه الهِيامْ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ....... فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ

*******

مرْ يطايرْ وابسماهمْ ديرةْ ديرةْ ..... خل يشوفونك حبيبْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

وكَلهم المحبوبْ ما ناسي اللياليْ....... بعدِ فركَاهُمْ غريب

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ  ....... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

راح من عينه المنامْ ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلانْ.......   فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

*******

كَلهم اورود الحدايق  تنتظرهم ........ تنتظرْ عِشرَةْ زمانْ

فاعِلاتُنْ    فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ........... فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

والليالي جنَّةْ صارتْ وبـ إسمهمْ ..... فاضت الدنيا حنانْ

فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ   فاعِلاتُنْ...         فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

 

وراح من عينه المنامْ ....... بالله يا طير الحمامْ

فاعِلاتُنْ     فاعِلانْ.......   فاعِلاتُنْ   فاعِلانْ

*****

 وإليكم رابط الأغنية التي طالما دخلت وجداني دون استئذان:

https://www.youtube.com/watch?v=AkEmCCQOwi8

 

 

 

تعليقات (5)

  1. جمعة عبدالله

الناقد الكبير
قراءة نقدية قيمة وغنية , واضافت الى قيمتها الجمالية , هو روعة الربط بين الموسيقى , واغنية ( طير الحمام ) والتشخيص الرائع في اهمية الموسيقى , بأنها غذاء للروح , في الافراح والاتراح . وبين تحليل الوزن الشعري للاعنية طير الحمام , بالصوت العذب للمطرب الرائع رضا الخياط .
دراسة نقدية غنية وممتعة
ودمتم بخير وصحة

 

الأستاذ الأديب جمعة عبد الله

شهادتُكَ أيها الصديق قيّمةٌ ، وثمينة، لأنَّها صادرة عن قلمِ كاتبٍ حصيف

تقبّل امتناني لمرورك الجميل ، ولأبجديَّتِكَ الزاكية.

 

الناقد القدير...امتعتنا كما امتعتنا الاغنية بتحليلك الوافي لايقاع اغنية من اجمل اغاني رضا الخياط...بعض الالحان تعلق في الذاكرة ومايزيدها تالقا هذا البحث الراقي...احب للفنان رضا الخياط اغنية((غالي)) لحنها ايضا شفاف وجميل...دمت سيدي ودام ابداعك

 

أخي الأستاذ الكريم أحمد فاضل فرهود

شرَّفتني بمرورك البهيِّ، وأكرمتني بمداخلتِكَ الجميلة، وأنا معكَ فيما قرَّرتَه يا سيِّدي من أنَّ (( بعض الألحان تعلق بالذاكرة)) ، وهذا عينه الذي دعاني إلى تناول هذا اللحن

تقبّل عرفاني مدافاً بمحبّتي أيها العزيز.

 
  1. شلال عنوز

قراءة تحليلية رائعة بيّنت لنا الوجه الجمالي والنفسي لآغنية جميلة ورائعة كنا ومازلنا نعشقها وهي من الأغاني الخالدة في تاريخ الفن العراق وذاكرة الأجيال...رائعة في كلماتها وصورها الشعرية الجميلة وحلاوة تنغيمها وما إكتنفها من حزن شجي يعشقه يتناغم مع ذوق المستمع ويحاكي وجدانه.....دمت ناقدا مبدعا متميّزا لك كل إعتزازي وتقديري...

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-03-20 03:28:36.