المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

عندما بكى نيتشة

rahman khodairabasتنتمي هذه الرواية الى الجنس الروائي ذي المنحى الفكري والفلسفي، بمعنى انها تعتمد على أفكار فيلسوف معين وصياغة آرائه ومناهجه وماتوصل اليه، بشكل تبتعد عن الصيغ العلمية الصارمة والتي يتميز بها حقل الفلسفة. وتقدم الى القاريء تلك المفاهيم في طبق من المتعة والمعرفة.

إنه الجنس الروائي الذي إنتهجه الاديب الأمريكي أرڤين ديڤيد يألوم وهو كاتب وطبيب نفسي أمريكي ولد عام ١٩٣١ وقد اشتهر بكتابة رواياته عن الفلاسفة وافكارهم وطبيعة سلوكهم ومن مؤلفاته (عندما بكى نيتشة) و(مشكلة إسبينوزا) و(علاج شوبنهاور).

وفي كل أعماله يستند في بنائه الروائي على سلوك أبطاله -الفلاسفة - ويقوم بعملية تحرّ عن أفكارهم والغوص في شخصياتهم، ومن ثم يخرج بنتائج مختلفة لتقديمها الى القرّاء بشكل أدبي وسردي. مع العلم أنه يؤسس العمل من خلال حقائق تأريخية موجودة ولكنه يتصرف بها بشكل يختلف عن المواد التي استعارها بحيث تأتي الرواية بشكل مغاير عن الواقع التآريخي . فشخصية نيتشة موجودة وكذلك شخصية بريوير ولكنهما لم يعالج احدهما الآخر، ولم يلتقيا أبدا . ولكن قدرة الكاتب جعلتهما يلتقيان ويختلفان او يتفقان

لانه أراد ان يطرح فكرة هموم الفكر الفلسفي وعلاقته بالهموم البشرية.

والرواية تتحدث عن طبيب نمساوي اسمه جوزيف بريوير. يحاول معالجة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بعد ان تلتقيه شابة فائقة الجمال اسمها لو سالومي في إجازته بمدينة فينيسيا وتطلب منه ان يحاول معالجة صديقها نيتشه المصاب بداء الكآبة والرغبة بالانتحار. وتقول له ان مصير الفلسفة الألمانية بين يديك. ولكن الطبيب يفشل في إقناع نيتشه بالعلاج لان الأخير يأبى الرغبة في المساعدة وانه يميل الى فكرة الموت او الانتحارعن طريق إهمال العلاج . فيلجأ بريوير الى حيلة مفادها ؛ أنه بحاجة الى مساعدة نيتشة لانها يعاني من تصدعات نفسية. فيتفقان الى ان يعالج كل منهما الاخر . ولكن هذه الحيلة التي تؤدي نتائجها بإقناع نيتشة، تجعل الطبيب بريوير تحت مجهر العلاج النفسي وبمرور الوقت نشعر ومعنا بريوير بانه اصبح صيدا للعبة أراد اصطياد نيتشة بها او كما يقال وقع في الحفرة التي حفرها لنيتشة. فنكتشف الأعماق القصية للنفس البشرية.ممثلة بهتين الشخصيتين اللتين تحملان تشنجات العالم وهمومه .

لقد كانت صفحات الرواية البالغة٤٤٠ صفحة تدور على لذة التعمق والتشخيص واكتشاف البؤر الخفية في النفس البشرية . بين طبيب يؤمن بالعلاج النفسي قبل ان يكون متداولا او معروفا. ولكن هذا الطبيب المشبع بالعلم والمعرفة. هو بالمحصلة انسان في قوته وضعفه وفي فشله ونجاحه. وفي تأرجحه بين فحيح الرغبات الجنسية مع مريضاته بإعتباره إنسانا وبين موقفه المهني والأخلاقي كطبيب. وهذا ما وجدناه في علاقته مع بيرثا التي عشقها وكان مغرما بجسدها اثناء سويعات المعالجة. مما جعله يبتعد عن زوجته ماتيلدا. والتي يعود اليها بعد ان مر بتجربة اللاوعي التي تعرض لها اثناء تنويمه المغناطيسي، فيصل الى قناعة بان هذه الشابة الحسناء التي هام بها مجرد هيكل آدمي لاروح فيه. فيعود الى زوجته بعد ان يتخلص من علله النفسية الشائكة والتي اكتشفها في مجرد لعبة لاقناع نيتشة بالبقاء والعلاج.

ومن الناحية الأخرى فالكاتب يبحر بِنَا في مجاهيل نيتشة وفي شخصيته المعقدة والعسيرة على الفهم . ذلك الفيلسوف الذي يؤمن بالقوة.، حتى على صعيد الوحدة والعزلة " لاشيء هو كل شيء. فلكي تصبح قويا يجب ان تضرب بجذورك عميقا في العدم، لتتعلم أقصى درجة من درجات وحدتك. "

لقد كان نيتشة يروم الانتحار ويتمنى الموت لانه لا يجد في الحياة ما تستحق أنْ تُعاش، لذلك في البداية كان شديد المرض ويتقيأ دما ولكنه يرفض العلاج. رغم انه يعرف قسوة الموت. او كما يقول الكاتب على لسان نيتشة " ان الموت قاس. وان الجائزة النهائية للموتى هي أنهم لن يموتوا ثانية " لكن هذا اليائس اعني نيتشة يعرف التفاصيل الدقيقة للحياة والسلوك الإنساني . فهو يرفض ان يكون ضعيفا ويتطلع الى السمو من خلال فكرة التجلي والارتقاء عن كطريق العذاب. وحينما واجهه بريوير واتهمه بان الناس يعتقدون بانه سيّء السلوك والسمعة. يرد نيتشه عليه بقوله " مواجهة سمعة سيئة أحسن من مواجهة ضمير سيّء " لقد تناول الاثنان – الطبيب والفيلسوف – مفردات الحياة والموت. وعلاقة الانسان بالعقيدة وإشكالية الخلق والتصورات الإنسانية في ظل سيطرة الكنيسة كما تناولا النقاط غير المرئية في النفس البشرية كالعلاقات بين الناس وارتباطها الوثيق باللاوعي. عن أثر الأمكنة في الانسان وعن علاقة الاحلام بالواقع . عن المعاني الدفينة للسلوك البشري عن الاحزان والاحقاد والحب والمخاوف. ولعل تعريف الروائي للمخاوف جدير بالإشارة حينما طرحه على لسان نيتشة. "المخاوف لاتولد في الظلام. انها كالنجوم تكون كامنة لكن نور الشمس يحجبها "

وفي النهاية يقترب الاثنان (الطبيب والفيلسوف) من المكاشفة والمصارحة حتى أنهما يصبحان اكثر إنسانية ولاسيما نيتشة الذي بكى ومادموعه المنهمرة الا علامة على تغلب الدوافع العاطفية التي تجعله أكثر أنسنة وهذه هي الثيمة الرئيسية لعمل الكاتب أرفين الذي استطاع ان يقنع القاريء بفحوى هذه المقابلة الحادة بين النقيضين ؛ العلم والفلسفة.

كما تتعرض الرواية بشكل عابر وسريع لبعض الشخصيات الهامة ومنها شخصية العالم سيجموند فرويد الذي كان في شبابه ولكن صوته يكون خافتا في مجرى الاحداث العامة .وهو لايعدو كونه صديقا لبروير شأنه شأن صديقه الذي يلاعبه الشطرنج . كما تعرضت الرواية لشخصية (لو سالومي) وهي شخصية حقيقية وكانت صاحبة اكبر تأثير على نيتشة الذي كان يعشقها حد الجنون . لقد أحبها نيتشة وكان يكتب لها الرسائل القاسية . وقد اعتمد الروائي على مسودات من رسائل نيتشة الحقيقية كانت موجودة فعلا .

ومع ان الرواية تعتمد على الانسجام والانفصام والتلاقي او المواجهة بين فكرين متمثلين بفلسفة نيتشة الذي يدعو الى القوة وبين النتائج السريرية لعالم وطبيب، وانه من خلال هذه المعايشة الواعية بين هذين القطبين تتجلى الكثير من القيم والمفاهيم الظاهرة او الباطنة رغم أنّ اللقاء بينهما لم يستند على حقيقة تأريخية. فنيتشة المولود في عام ١٨٤٤ والذي كان عالم لغويات وقد كتب بحوثا نقدية حول الدين، وهو فيلسوف وشاعر وكاتب وملحن وتربوي وأستاذ جامعي وناقد موسيقي. لم يلتق ابدا بالطبيب والمحلل النفسي جوزيف بريوير المولود في نفس الفترة التاريخية ١٨٤٢ والذي مات بعد نيتشة بربع قرن. ولكن عبقرية الروائي أرفين ديفيد هي التي صاغت أفكار الرواية. مستفيدا من قدرات هذين العلمين المهمين اللذين أثّرا على أجيال كاملة .

ورغم ان الرواية تقوم على فكرة الحوار المتأني وذي القدرة الثقيلة على استنباط المفاهيم الإنسانية العامة. لكنها تخلو من الاحداث والمفاجآت او من الشد الروائي. ومع ذلك فإنها تمتلك متعة لاحدود لها. وذلك من خلال جمال اسلوبها وثراء أفكارها، إضافة الى قدرتها على إثارة الكثير من الأسئلة.

 

رحمن خضير عباس

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-17 14:23:33.