المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

قراءة نقدية تحليلية برؤية براغماتية (ذرائعية) لنص: وهل تعاقب البراءة.؟! للأديب العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي

أولاً – المقدمة: قد تكون شهادتي بالأديب الناقد العراقي الأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي، شهادة مجروحة كوني تلميذته التي تدين له بالكثير من المعارف التي تلقتها منه طوال سنتين مضتا من الآن، تطورت عندي فيها الكثير من المعارف، وتغيرت عندي أيضاً الكثير من المدارك التي كنت قد حصّلتها سابقاً من مصادر متنوعة، لكني أمام علم النقد الذي تخضع له كل النصوص الأدبية، و بعد طي أسماء كاتبيها مهما كانت قاماتهم سانية، وبإيمان منهم أن نصوصهم بأيد أمينة، طالما كان النقد علمياً وبمنهجية منطقية يتلقاها العقل، وتتقبلها النفس بقبول حسن، من هذا المنطلق أتجرّأ على أن أنقد لأستاذي، معتمدة على أحدث الرؤى النقدية التي كان لي شرف العمل بها بعد أن استقيتها من مصدرها مباشرة، أنقد نصاً برؤيا نقدية تحليلية براغماتية (ذرائعية) ...

وأبدأها بالتعريف بالكاتب:

أديب وناقد ومترجم عراقي من مدينة الناصرية، علّق على جدار الأدب العديد من المسامير الأدبية المطبوعة، نعدد منها:

1-  أهمية التواصل في عملية تعلم اللغة الإنكليزية .. كتاب علمي في طرق تدريس مادة اللغة الإنكليزية.

2-  العبور إلى الضفة الأخرى .... أدب عالمي مترجم

3-  هواجس اليأس.... مجموعة شعرية

4-  سنوات العمر الهاربة ....مجموعة قصص قصيرة

5-  أجنحة المعاني....مجموعة قصص قصيرة

6-  ترانيم سومرية ....مجموعة شعرية

وتحت الطبع أربع مجموعات وهي:

1- أحاسيس مبعثرة....مجموعة شعرية

2- انتحار قلب....مجموعة شعرية

3- تيه في مجاهل الغربة ....رواية

4- جمهورية الصفيح.... رواية

كتب تحت الإنجاز:

1-  كتاب نقد أدبي

2-  مجموعة قصص قصيرة

ثانياً- الشكل البصري للنص:

 النص قص قصير، حرص فيه الكاتب على الإتيان بالنص على الشكل النموذجي للقصة القصيرة، ترتيب العنوان والسطور والجمل والفقرات، واستخدام أدوات التنقيط النقطة والفارزة وعلامات التعجب والاستفهام، والهوامش .

والنص قص قصير رمزي فلسفي وعظي وجداني يميل إلى التشاؤم، يتبع نظرية الفن للمجتمع .

ثالثاً- البناء الهيكلي أو الإخباري أو الفني للنص:

1- العنوان: بوابة النص، وهو ملخص موضوع القصة، وواجهته الإعلامية،

(وهل تعاقب البراءة....!؟) العنوان سؤال استنكاري، بدأ بواو زائدة، يُفهم منه مباشرة أن النص يتحدّث عن جريمة استوجبت عقاباً مستنكراً كون المُعاقب طفل نستدل عليه من الصفة الدالة عليه (البراءة).

2- الفكرة العامة للنص والزمكانية:

تتلخص القصة بإقدام أب على معاقبة طفله الذي لم يتعدَّ الثانية من عمره، لكسره إحدى حاجيات البيت من دون قصد منه، والعقاب هو وخز يديه بدبوس وخزات عديدة، الهدف من هذا الفعل،على زعم الأب تبعاً لمعتقده وفهمه هو تربوي، حتى يعلم الطفل فداحة ما قام به، ويحرّم فعل ذلك، ولأن الدبوس كان مجرثماُ وصدئاً، تلتهب يدا الطفل،وتصابان بالتسمم، وكحل علاجي كان لا بد من أن تُبترا من الرسغين، الطفل البريء يعدُ أباه بألّا يكررفعلته، راجياً إياه أن يعيد إليه كفيه ...

وأمام هذه البراءة، كان لزاماً على الأب أن يطلق على رأسه المتخلف رصاصة الرحمة،منهياً عذابات الندم ...

القصة حدثت في عصرنا هذا، عصر التحضر المصطنع، ويكاد كلّ الوطن العربي أن يكون مؤهلاً ليكون أرض الواقعة.

3- الصراع الدرامي:

إن الخير والشر هما البطلان الرئيسيان في كل القصص، والصراع بينهما هو أساس بناء أي قص، يتجسدان في شخصيات تتوالى إلى مسرح الأحداث، إلى أن تلتقي على خشبة العرض في وقت واحد في صراع يخيل إلينا أنه أزلي، ثم فجأة وفي لحظة الالتقاء تلك، وهي لحظة ذروة (عقدة) ينقلب الصراع االذي تصاعد سلبياً ليهبط إيجابياً متخذاً مساره نحو الانفرج، حاسماً الصراع بنهاية يعلن فيها انتصار أحد الفريقين على الآخر...

استخدم الكاتب في بناء صراعه الدرامي، طريقة السرد المباشر، ما أتاح له الحرية لكي يحلل شخصيات قصّه، وأفعالها تحليلاً دقيقاً وعميقاً، تجعل القارئ يدرك أن الأحداث هي من صميم الإنشاء الفني، بعيداًعن طريقة الترجمة الذاتية التي يتكلم فيها الكاتب بضمير المتكلم، مقحماً نفسه في سير نمو الشخصيات، مما يجعل القارئ يظن أن الأحداث المروية هي تجارب ذاتية وحياتية خاصة بالكاتب ...

تتميّز نصوص الأديب العراقي عبد الرزاق الغالبي، بتواجد معظم عناصر الطبيعة إلى جانب الصفات والمدلولات الحسية والمصادر، كل منها تنتظر أن تؤدي دورها على مسرح أحداث النص، ناطقة حيّة، سيّما في المقدمة التي يقصد أن يضع فيها عصارة فكرته، و انعكاس خلفيته الأخلاقية والأدبية، حتى ليخال لنا أن النص مكوّن من عدة نصوص مترابطة، وكلها لها حبكة وعقدة ونهاية ...هذا تكنيك تميّز به الكاتب ...

وقد وظّف الكاتب هذا التكنيك كاستهلال موفق جداً، ننظر كيف رأى الطفولة (خير) كتاباً بصفحات بيضاء، مدرستها الأولى الأمومة (خير)، تخط الحياة على بياضها ألواناً من حب وأمل (الخير)، تلك الصفحات التي تقلبها رياح البراءة (خير) في دنيا الله في حرية وبهاء (خير)، نلاحظ كيف جعل الخير يتوالد في شخصيات عديدة، لتأتي بعدها هجمات الوجع في عصا الأمومة أو الأبوة منحرفة بمعتقد تربوي جاهل (شر)، ثم يأتي بمخالب الظروف، وقساوة القدر،لسعات الألم (شر)، تسوّد بياض الصفحات، فينتحر البياض(شر)، تتشوه الصفحات ويعلوها الصدأ والصلابة والقبح(شر)، يصعّد الكاتب الصراع أكثر وأكثر بعد أن حشد جيوش الخير والشر برمزية كل منهما و ليجعل لقاءهما على مسرح الإنسانية، وهنا نصل إلى:

4- العقدة:

هنا عقدة الرمزية مخبوءة، ذبح البراءة، بسكين الجهل، فوق مذبح الغضب والجهل والمرض النفسي، والتربية السيئة، وماذا بعد القتل ؟ بعد أن تلطخ الفصل الأول من الكتاب بدماء الجريمة ؟ لابد بعدها للصراع أن يغير طريقه هبوطاً، يتمزق الرابط الأبوي المهلهل أصلاً، ويبدأ الاندهاش والشعور بفظاعة ونتانة ما حدث، وألسنة تعاتب وتستهجن، سلوك كل أطراف الشر بما فيهم الأمومة التي وقفت متفرّجة على الطفولة- وهي تصلب كالمسيح- بجبن وانحراف ...

يستمر الصراع بالهبوط ليعرّج على أعين تبكي ألماً وغضباً، من جوامد حرّكها الكاتب حتى فاقت في حسها الدم واللحم والروح، أشجار وأغصان وأوراق وجدران وأبواب غدا لها أكف تصفق محوقلة،تستهجن الجريمة، وتبكي ندماً وغضباً من الفاعل....

وهنا - ولأول مرة – ينقلنا الكاتب إلى أرض الواقع، لنواكب الصراع بواقعية بدأها منذ بداية الصراع الدرامي الهابط، العقدة الظاهرة، صوت آدمي نسمعه للمرة الأولى، أزاح الجوامد قليلاً، والتي نابت عن الشخصيات الحقيقية، وكانت أقرب ما تكون إلى الشخصيات البديلة(كومبارس) التي يستعين بها المخرج السينمائي لأداء مشاهد يعجز عن إدائها البطل الحقيقي، كونها تمتلك براعات ومواهب لا يملكها،

الصوت لطفل مازالت البراءة تسكنه، طفل في الثانية من العمر، يطلب من والده الصفح، لن يكرر فعلته المشينة، ويرجوه أن يعيد له يده المقطوعة ...!

وهنا يعود الكاتب ليسرد لنا الصراع كما جرى بالواقع بطريقة الخطف خلفاً

Flash back

ليروي لنا الأحداث كما جرت بالواقع، طفل احتفل ببلوغه السنتين بالشهر الماضي، كسر شيئاً من أساس البيت، والآن تتحدّاه ملعقة الطعام أن يمسكها.....!

وقبل أن يستأنف الكاتب سرد الوقائع، ينشب صراع من نوع آخر، صراع داخلي نفسي وعقلي، نرى فيه العقل قد ذهل من هول ما رأى، وهرب من مستقره، يلحقه الضمير محتجاً أيضاً، ليأتينا الكاتب بشخوص أخرين، يتصارعون على أرضية فلسفية وجدانية، لينظروا في أمر جريمة ارتُكبت بشرف الإنسانية جمعاء، والسؤال مطروح للجدال، الأب الذي عاقب طفله على جريمة كسر غرض في البيت، بوخز يديه الغضتين بدبوس مجرثم، وخزات تسببت بتسمم الكفين، والحكم عليهما بالبتر، هذا الأب هل يحق له أن يكمل مشواره الأبوي في الفصل الثاني من كتاب تلطّخ بدم طفله ...؟ أم أن الزمن سينحّيه ويترك التأليف للقدر ...؟

 عند هذه العقدة تحديداً تم طرح سؤالَي العقدة الاعتياديَّين: ماذا بعد ؟ ولماذا؟

لنرى أنها عقدة حققت التتابع الزمني للحدث حتى بلغ الذروة مرتبطاً بالسببية ...

أوصلنا إلى ذلك حديث الكاتب مع نفسه بصوت لم يسمعه إلا ضميره، رابطاً الحدث بمسبباته، وطارحاً جدلية أخرى، أعتبرها مخبوءة، يشير إليها الكاتب بشك، "بما أن الأبوة قد انتحرت فوق عتبات بوابة الفشل، فهل الأمومة ستفشل أيضاً في كتابة الفصل المنوط بها في هذا الكتاب ؟"

هذا السؤال (ماذا بعد ؟) يُبقي النص مفتوحاً أمام كل الاحتمالات ....

ليتولّد سؤال استنكاري آخر، فيه تدوير وعودة إلى بادئ ذي بدء، سؤال لا يختلف عن السؤال العنوان كثيراً، بل ربما مترادفاً معه، فإن كان سؤال العنوان تستّر بالكناية، فإن هذا السؤال جاء صريحاً مقرّاً بجواب نعم للسؤال العنوان، ومستأنفاً " وهل يحدث ذلك كل يوم ...؟!

فكان جواب الضميرأنه لا يظن، لكن المؤكد أن اليباس قد تسلل إلى البراعم، بسبب التحضّر والتطوّر الساقط العكسي، الذي اختنق في مجتمعات يحكمها التخلّف والأمراض المزمنة التي تنهك جسد الإنسانية، والوضع غير مطمْئن أبداً، بل إن التشاؤم هو المتسيّد، ولعله المنجّي من الصدمات المحتملة، في حال انفلت هذا التحضر من عنق زجاجة التخلف ...

هذا هو جواب سؤال: (لماذا؟)

5- الانفراج أو الحل:

الأب العائد من معركة الظلم الخاسرة، بين ضميره وإحساسه،ممزق بين التربية والوعي والأبوة والإنسانية والعطف والتسامح، أنهى هذا الصراع بإطلاق رصاصة الرحمة على رأسه، منهياً حياته، كما يتم إنهاء حياة الجواد الذي ما عاد ينفع بالسباقات ....

فهو لن يخط الفصل الثاني بكتاب البراءة، لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً على الاحتمالات، هل تقوم الأمومة بذلك ...؟

رابعاً- النسيج الجمالي في النص:

 1-  الأسلوب Style:

إن للأديب رزاق الغالبي أسلوب موسوم به كبصمة، أقولها وأنا واثقة من ذلك، نطلق عليه تعبير (تكنيك)، لم أجده عند غيره، وإن وُجد فعند مقلّدٍ له حتماً، فهو يوظّف لمعانيه مفردات وجمل أدبية شديدة العمق، يبرع في توشيتها بألوان البلاغة والبديع والبيان، ما يجعلها محط أنظار من يقدس الأدب الرصين، فكيف لا وقد حوى العمق السردي والخيال والانزياح الأدبي، الذي يصل في كثير من نصوصه إلى درجة 100%، وتكنيك أستاذ رزاق يقوم على توظيف الخيال والرمز في نصوصه بما يخدم الفكرة التي يريد إيصالها، بعيداً عن المباشرة والإخبار، وفي هذا النص استخدم الطبيعة والجمادات أعمدة رمزية عكست غاياته الوعظية والفلسفية، أي جعلها كائنات حية مميزة، عرض من خلالها أفكاره، وقدّم رؤاه جعلها تقول انفعالاته، تغضب و تبكي، تثور، تضرب، تندم، تندب، وتقتل، تعلن الحداد ....

جعل من الجمادات والصفات الحسية شخصيات حية .. لا يمكننا أن نفرقها عن الشخصيات الواقعية، وكلها مسخّرة لتأدية دورها في جذب القارئ، باعتماد عنصر التشويق، كما نلاحظ تناسق الألفاظ والجمل، وانتظامها بإيقاع، قام الكاتب بضبطه بدوزان دقيق، وقد اختار الكاتب الأسلوب الجزل أو السامي الذي يصلح للمأساة، الألفاظ مختارة من صندوق الألفاظ السهلة، لكن التراكيب هي من ملكت صفات الرفعة والعمق والإيقاع والفاعلية، والحق يقال أن الكاتب كان بارعاً في نسج اللغة، واللعب بألفاظها، متمكناً من صناعة الكلام بحرفنة لا تخفى على أحد، بلغ في اللغة مستويات رفيعة، فهو بنصه هذا مستكشف بارع، ونسّاج ماهر ....

2-  السرد Narration:

السرد كان على لسان السارد، وهو هنا الكاتب بذاته، استخدم فيه جميع الأدوات الجمالية، وبعض العلوم مثل علم البيان والبديع والمعاني وعلم الجمال، سرد متماسك، تم فيه الربط بين أجزاء القصة وتتابعها تتابعاً فنياً متيناً، تميز بالاتساق بين الإخبار والخيال ...

3-  الوصف والصور:

وهنا يتّحد الأدب بالرسم والموسيقى لتتشكل وحدة الفنون، ليغدو الكاتب رساماً يضاهي أمهر الفنانين التشكيليين، لننظر إلى تلك اللوحات المبهرة التي رسمها الكاتب بريشة فنان:

- /كتاب صفحاته لا تعرف السواد، مترعة بلون الحب والأمل، منبع الألوان والمشاعر/.لوحة من ألوان زاهية فرحة

- /عندها يتمزق النقاء بين كثبان الأبوة الهش / الله ! وكأننا نرى الثلج متناثراً على كثبان الرمال، لونان: أبيض وأصفر

- / فتتعثر الإنسانية وهي تحمل صليب الوحشية على ظهرها المنهدّ/ لوحة من لوحات ماكيل انجيلو

- / لقد ذبلت حدائقنا، وغزا زهورها وبراعمها الاصفرار / لوحة من يباس ويأس في خريف أو صيف جاف.

أما الألحان التي عزفها الكاتب، فيمكننا سماعها في الكثيرمن الصور الجمالية،نستعرض بعضها:

- /فاضت كلماته دماً/ انهمرت دموع الملائكة / تعالى صوت نحيب الأشجار والأغصان / تصفق الأبواب أكفها ندماً، وهي تعلن الحداد /

4-  البلاغة وعلم البيان والبديع

وهي العلوم التي تنتظم فيها الصور الجمالية، المحسنات البديعية: طباق – الجناس – المقابلة – التورية - التصريح –

بياض – سواد / طباق

الأمومة – الأبوة / طباق

البيان:

-   يلثم المجتمع جسده الغض/ استعارة

-   ينتحر البياض/ استعارة

-   يتمزق النقاء ../استعارة

-   يخلع رداء الصفاء / استعارة

-   يرتدي ثوباً من خشب / استعارة

-   انهمرت دموع الملائكة / استعارة

-   تتعثر الإنسانية / استعارة

-   تعالى صوت نحيب الأشجار / استعارة

-   الكلام يحزن ويبكي كما البشر / تشبيه

-   تصفق الأبواب أكفها ندماً/ استعارة

-   تتحداه ملعقة الطعام / استعارة

-   يكذب الاعتقاد و يطرد الصدق / استعارة

-   ذبلت حدائقنا وغزا زهورها وبراعها الاصفرار / كناية

-   صوت الإطلاقة برأس حصان الأبوة المكسور / كناية

5-  الحوار Dialogues:

هو تبادل الحديث بين الشخصيات في قصة ما، استعمل فيه الكاتب اللغة الفصحى، وأجراه على لسان الشخصيات بما يناسبها، بحيث جاء ملائماً وموافقاً للشخصية، فحوار الطفل جاء عفوياً بسيطاً، بينما حوار الكاتب مع نفسه وضميره جاء فلسفياً عميقاً، حوار اعتمد التركيز والإيجاز والسرعة في التعبير عما في ذهن الشخصية.

6-  الشخصيات characters:

الشخصية القصصية هي أحد الأفراد الخياليين، او الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القص، وهي لا تنفصل عن الحدث، لأنها هي التي تقوم بالحدث(الحدث هو الشخصية، وهي تعمل)، ونميز في النص عدة شخصيات:

-   الشخصية الرئيسية: الأب

-   الشخصية المساعدة: الطفل

-   الشخصية المعارضة: وهي تمثل القوى المعارضة في النص، تقف في طريق الشخصية الرئيسية، وتحاول عرقلة مساعيها، وهي شخصية قوية، ذات فاعلية في القصة،وفي بنية حدثها، الذي يعظم شأنه كلما اشتدّ الصراع فيه بين الشخصية الرئيسية، والقوى المعارضة، وهي في هذا النص تتمثّل في شخصية السارد، الذي استقوى بضميره وخلفيته الأخلاقية مواجهاً الشخصية الرئيسية، كما أنه أنطق الجمادات بمخزونه الأخلاقي والوعظي، جاعلاً منها قوى مساندة له وفاعلة، وهنا تظهر قدرة الكاتب الفنية المذهلة،في تصويرهذا الصراع بين هذه القوى، والشخصية الرئيسية أو المساعدة.

استخدم الكاتب ضمن هذه القوى أيضاً نوعين من الشخصيات:

-   الشخصيات البسيطة: وهي ثابتة تبقى على حالها من بداية القصة إلى نهايتها، لا تتطور لأنها بالأساس تولد مكتملةعلى الورق لا تغير الأحداث طبائعها، وهي كل الشخصيات التي مثلت الأفكار أو الصفات (الجهل، التخلف، القسوة، التربية،الظلم،الجبن،....)

-  الشخصيات النامية:التي تتطور من موقف إلى آخربحسب تطور الأحداث، تتكشف ملامحها خلال السرد أو الوصف، تتطور تدريجياً بتأثير الأحداث أو الظروف الاجتماعية، يكتمل تكوينها مع اكتمال القصة (البراءة، الأبوة، الأمومة، الضمير ...)

-   وقد اعتمد الكاتب الطريقة التحليلية في عرض الشخصيات، طريقة مباشرة، يشرح الكاتب عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تتكشف فيه شخصيته، وتوجيهه لأفكار شخصياته وفق حاجته والهدف الذي رسمه لها، ويصف ملامحها الخارجية على لسانه .

كما حرص الكاتب على إظهار الأبعاد الثلاث، التي يجب على كل كاتب أن يلم بها للإحاطة برسم الشخصية: البعد الجسمي، البعد الاجتماعي، البعد النفسي .

خامساً- النظريات العلمية المستخدمة في هذا النقد:

*المنظور السلوكي:Behaviorism Theory

إن الرؤيا النقدية الذرائعية - التي اخترتها لنقد هذا النص- تتيح لي أن أحلل النص عن طريق السلوك النفسي للقارئ أو الناقد، حسب المفهوم السلوكي النفسي، وتطبيقتلك النظرية في التحليل، يعتمد على عناصرها الأساسية بالبحث عن جميع التساؤلات، التي يطرحها الكاتب في نصه، والتي تحتاج إلى إجابة أو رد فعل فلسفي أو سياسي ...الخ ... أو إشكالية معينة تثير جدلية أو جدليات تُغطّى بنقاشات مهمة ومفيدة للمتلقي والمجتمع على حد سواء .... وقد أشرت إلى ذلك آنفاً.

*المنظور الاستنباطي: Inference and Empathy Theory

تقوم هذه النظرية على مجال التقمص الوجداني، أي أن الناقد إن ملك القدرة والدراية العلمية، على تقمّص حالة الأديب السلوكية، بناءً على تجارب سلوكية سابقة مشابهة مرّ بها الناقد،سينتج عن هذا التقمص الإنساني استنباطاً لما يجول بخاطر الأديب، فيستنتج ويستنبط الأفكار المخبوءة ما بين السطور، وهذا هو الواجب النقدي الأساسي، استخلاص العصارات الفكرية الإنسانية لرسالة الأديب ونشرها كجزء مهم من المنظومة الأخلاقية للمجتمع.

*المنظور العقلاني:

لم أجد في النص أي تناص مع المعقوليات (القرآن الكريم وباقي الكتب السماوية)، كما لم أجد تناصاً مع نصوص أخرى، وهذا يعني أن للكاتب رؤية جديدة، لم أعهدها، ولم أجدها في الكثير من النصوص التي سبق لي نقدها ...

هذا رأيي طبعاً، وهو في نطاق معرفتي .

سادساً- البؤرة الأساسية الثابة للنص: Static core

وهي أيديولوجية الكاتب الأدبية والفكرية، ونظرته نحو مجتمعه، ولا يجوز للناقد تغييرها، أو التلاعب فيها نقدياً، وهي رسالة إنسانية تميّز بها الأديب عبد زراق عوده الغالبي في معظم نصوصه، فهو يكتب عن الفقراء، ويلاحق الظلم، ويمقت التخلف والجهل، ولا تُخفى أيديولوجيته التربوية في معظم نصوصه، فهو أستاذ تربوي قدير، علمه الغزير بالبسيكولوجية، وتجربته الكبيرة في فن التواصل، وقدرته الفائقة على إيصال أفكاره وعلومه، مكّنته من تكوين محطة ثابتة، تُعنى بإيصال رسالة لأبناء مجتمعه العربي الكبير، رسالة وجدانية يشير فيها إلى الفقراء، ويدعو إلى مقاومة الجهل والتخلف، بأسلوب رمزي فلسفي تربوي وعظي، شأنه بذلك شأن كبار الأدباء .

سابعاً- الاحتمالات المتحركة في النص: Dynamic Possibillities

وهي حصيلة غير نهائية من الأفكارالتي تتوالد بشكل تلقائي، من عقلانية النص وتلاقح أفكاره، وتلك السمة، التي تسمى بالرصانة أو الحبك في التنصيص، ويسمى الكاتب المجيد لهذه الظاهرة النصّيّة بالنصّاص،وهو نعت يضع الكاتب بمكانة سامية في التعبير الأدبي الرصين ....

وأنا من خلال تمحيصي وبحثي عن المخفي والمخبوء من الأفكار في هذا النص، اكتفيت بصيدي، وتركت ما بقي للماورائيات، وصيدي كمية من الاحتمالات الأيديولوجية الرسالية قد أختلف فيها مع الآخرين من النقاد والمتلقين.

اللافت جداً أن الكاتب جاءنا بهذا النص، وهو بكامل الجاهزية القتالية، أعدّ نفسه إعداداً جيداً، وجاء مدجّجاً بأسلحته، الفكرية والأخلاقية، والعاطفية، والفلسفية، والحكمة والموعظة، ولم ينسَ أن يستخدم حتى المدفع، ضميرٌ يصرخ حتى يصعق من يسمعه، لم يفته أن يتهم الأمومة التي جبنت وهي ترى المسيح يصلب، شكك في إمكانياتها بمتابعة المسيرة مع الطفولة المبتورة، وكان مبضعه قاسياً جداً ولكنه ذهب عميقاً في استئصال الآفة، حينما حكم على المجرم بل ونفّذ فيه حكم الموت بالإطلاقة المهينة، الجواد الذي يفشل بالسباقات يُقتل ...!

ويحفظ ما بقي من كرامته عندما ينتحر ... ليلاقي عند ربه أيضاً الجزاء المستحق، فالجريمة كانت مخلّة بشرف الإنسانية .

تساؤلاته الفلسفية والوجدانية وضعتنا أمام حيرة الأجوبة ...! لكنه لم يجعلنا نقف طويلاً، بل أسعفنا بأجوبة من فيض تجاربه التربوية، ومحاكاته العقلية للكثير من الثقافات الأخلاقية المطّلع عليها، من العلوم النفسية والفلسفية ...

لم يكتفِ بإعداد نفسه، بل جيّش كل ما يمكن أن تقع عليه العين من جمادات فأنطقها، وبث فيها الحركة والحياة حتى حاكت أي كائن حي من أولي الألباب ...

كما استقدم الصفات من عالم غير المرئيات، وأطلقها تبكي وتنتحر وتموت وتُغتال وتشمئز وتندد وووو....

أي خيال هذا وأي ابتكار ....؟!

إن القصة بالواقع، قصة معروفة، لكن الأسلوب الذي حملها الكاتب به إلينا، أسلوب هو غاية بالإمتاع الأدبي، وجوهرية الرسالة التي أراد إيصالها، ضمّنها بلفافة فخمة جميلة الألوان مذهّبة، قشرته الجمالية تجعلنا نقف أمامها طويلاً، نهاب المساس بها، إن كان لابد لنا من نزعها لنرى جوهرها، فالنزع كان بتأنّ مفرط،وحرص متعب، استلزم مني أن استنفر كل حواسي وجوارحي، مبتعدة عن كل ما يمكن أن يشغلني أو يدخلني بغفلة، تكون نتيجتها إهمال صغير، أستحق عليه كل لوم، إن تجعدت تلك اللفافة ...

ثامناً – الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة: Moral Background or Theme

لقد نجح الأديب في تثبيت المظاهر الأخلاقية للمجتمع، فجعل كل ما فيه يدين تلك الجريمة المخترقة لكل الحواجز والموانع، مع أنها ارتُكبت تحت ستار التربية والإرشاد، وجعل المجرم ينفّذ الحكم - الذي نأى المجتمع عن تنفيذه بدعوى أن الأب يتمتع بحق الولاية والوصاية- بنفسه، وهنا رسالة خفيّة أيضاً أراد الكاتب تبليغها، وهي تخص المجتمع، الذي عليه مهمة جليلة، قد يتهاون بها أحياناً، وهي حماية الطفولة ضد أي اعتداء جسدي، من أي شخص مهما بلغت درجة قرابته ... بسن قوانين رادعة لا تستثني أحداً، ونشر ثقافة أسرية تربوية قويمة، وتدعيم الأمومة، بحيث تخرج المرأة من حيّز الخوف والتبعية العمياء، إذ كيف لأم أن ترى ما حصل لفلذة كبدها كما ورد في هذه القصة، وتجبن عن أي موقف هجومي أو دفاعي ...؟!

تاسعاً- التحليل الرقمي الذرائعي الساند: Supporting Digital Analysis

ولأسند تحليلي للنص على جدار نقدي علمي قوي، علي أن أختبر هذا التحليل test))، بجمع جميع الدلالات الحسية والأعمدة الرمزية وتحليلها، ثم حسابها رقمياً، لأثبت رجحان الدلالات وموازنتها مع بعضها البعض، وتحديد درجة الميل لكل واحدة منها، وبذلك أكون قد أسندت آرائي النقدية رقمياً وحسابياً، بأحكام رقمية بحتة، لا تقبل الشك، وتزرع اليقين لدى كل متلقٍ أو ناقد ...ومن خلالها نحدد هوية الكاتب وهوية النص (تجنيس النص)، ونعني به فعالية استنباط هوية الكاتب والنص أدبياً وإنسانياً و ودراسة عمقه الأدبي ودرجة انزياحه الأدبي الحالي ورمزيته،وهنا نقوم باستخراج جميع الأعمدة اللسانية والدلالات الحسية وحسابها ودرجة تكرارها في النص، أو ما ينوب عنها من مرادفات ومعاكسات، وتحويلها إلى أرقام بطريقة حسابية، وكانت النتيجة مايلي:

الدلالات الحسية الإيجابية:

براءة:3

بياض: 3

الحب: 1

الأمل:1

حرية:1

بهاء:1

النقاء:3

 المجموع:13

الدلالات الحسية السلبية:

عقاب:3

سواد: 3

قساوة: 5

عنف: 2

الغضب: 5

القبح:1

الجبن:2

البكاء والحزن:5

المآسي:3

التشاؤم:4

اليأس والندم:3

الفشل:4

موت وحداد:3

المجموع: 43

نلاحظ أن هناك غلبة كبيرة للدلالات الحسية السلبية على الإيجابية بمقدار

43- 13=30

الكاتب في هذا النص متشائم، وهذا طبيعي كون النص يحكي جريمة اجتماعية بحق الإنسانية

الدلالات الحسية الاجتماعية:

أبوة: 7

أمومة:4

انحراف:2

أمراض:3

ظلم:3

انتحار:4

كذب: 3

ضياع: 4

إنسانية: 6

تخلف وجهل:8

دماء وذبح:5

المجموع= 49

موضوع النص اجتماعي وجداني، يرصد أمراض وجدانية واجتماعية قد تصل إلى الجريمة

فالكاتب وجداني يكتب الهم الاجتماعي، يرصد أمراض المجتمع ومآسيه ويميل إلى التشاؤم .

دلالات رمزية فلسفية:

كتاب وصفحات:9

الفصل:4

صلب المسيح:2

مهلهل: 3

تكسير: 4

تساؤلات:13

تعجب واستنكار: 14

عقل وضمير:9

المجموع=58

فإذاً- وكنتيجة نهائية - النص رمزي فلسفي وعظي وجداني يميل إلى التشاؤم

عاشراً – الخاتمة:

أنهي جولتي بين جنات هذا النص الأدبي الرائع، وكلّي يقين بأني لم أفِهِ حقه، فالغوص فيه كما يستحق قد يأخّذ مني الكثير من الصفحات، ما لا مجال لنشره،

أتمنى أن أكون قد تمكّنت من سوق فكرة جيدة ومعقولة عن الرؤيا التحليلية النقدية البراغماتية، والتي كانت نتاج جهد استمر لسنوات من قِبل واضعها، وأن أكون قد نجحت بتطبيقها عملياً، تحياتي إلى الأستاذ الأديب والناقد الكبير عبد الرزاق عوده الغالبي، على ما يتحفنا به من روائع النصوص، وأرقى علوم النقد الأدبي .....

 

د. عبير خالد يحيي

.....................

وهل تعاقب البراءة....!؟

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

نستهل برهة حياتنا الأولى، كتاباً من أوراق ناصعة البياض، مدرستها الأولى أمومة، كتاب صفحاته لا تعرف السواد، مترعة بلون الحب والأمل، منبع الألوان والمشاعر، تتقلب تلك الصفحات في رياح البراءة، في دنيا الله بحرية وبهاء، تجهل معاني هجمات الوجع ومخالب الظروف، أحياناً تسوقها عصا قساوة الأمومة أو الأبوة معاً، وأخرى، قساوة الأقدار والظروف و بطر الزمن، حتى يلثم المجتمع جسده الغض، بلسعات من ألم، فينحرف المسار نحو السواد، وتندلق العطور فوق هامات الأحاسيس، و رائحة الأمومة المنحرفة قليلاً عن خط أفق النقاء، فينتحر البياض، وتتشوّه الصفحات، حين يعلوها الصدأ والصلابة والقبح، ويتلطخ الفصل الأول من هذا الكتاب بدماء البراءة المذبوحة بسكاكين الجهل، فوق قارعة طريق الغل و الغضب والأمراض والمآسي، عندها يتمزق النقاء بين كثبان الأبوة الهش، ويخلع رداء الصفاء المهلهل، من لسعات الظلم و التشدُّد الكاذب، و يرتدي ثوباً من خشب، فتتعثر الإنسانية وهي تحمل صليب الوحشية على ظهرها المنهد، تتساءل بفاه مفغور اندهاشاً، عن جهل التصرف ونتانة السلوك ونتائج التغيير المعكوس، عتب قاس يعلو شفاه السلوك، أن يقبل بانحراف التصرف، ويشاهد المسيح وهو يصلب فوق صفحات هذا الكتاب من جديد وبصمت، أهو جبن أم انحراف؟!....عجباً...!

فاضت كلماته دماً، وقد انهمرت دموع الملائكة، ونزل غيث نواظرها غضباً، وتعالى صوت نحيب الأشجار و الأغصان، وحشرجة الأوراق، جدران البيت تضرب بيديها أسفاً، وتصفق الأبواب أكفها ندماً، وهي تعلن حداداً، وتقترب السقوف من رأسي، فتغاضيت لانبهار مسامعي بما لا يصدق:

- " أبي أعدك، لن أكون وقحاً بعد اليوم ....أعد لي يديَ المقطوعة، وأقسم أني لن أفعلها مرة أخرى....!؟"

ولأول مرة أكتشف أن الكلام نفسه، يحزَنُ ويبكي كما البشر، حين يلقيه لسان بريء، و قد أطفأ شمعتين، في الشهر الماضي، احتفال جميل، و كان يزهو بين الحضور، حزمة ملونة من زهور، والآن، تتحداه ملعقة الطعام أن يتمكّنها، شيء لا يقبل عنواناً أو توضيحاً، سوى أن تقول:

- "معقول أن يكون التخلف بهذا الجبروت...!؟"

ضاع الفكر وهرب العقل من جمجمتي، وأنا أرى يديه المعصوبتين بضماد المشفى، وقد غاب عنهما الرسغين، يدان بلا رسغين ما فائدتهما ؟ لكن للجهل رأي في ذلك، وتساءلت:

- " أيعقل أن يكون العقاب موتاً بحياة، مصيراً محتوماً لبرعم من زهر أتمّ ربيعاً ويسعى نحو الأخر بخطىً سريعة....!؟"

 كارثة إنسانية عديمة الماضي وعصية على التصديق، قررالعقل الهرب من جمجمتي جزعاً، وحاول الضمير أن يفعلها احتجاجاً، فالموقف غطّى كل شيء ولا يتحمل الصمود، الجلد فبكى، نحن في عصر تكرر فيه كل قول وحدث، ولا نجد من جديد يحدث أو يقال، وكذَّب الظنَّ، و ما فوق مسرح الموقف الآن، يكذِّب الاعتقادَ ويطرد الصدقَ، إن حضر، فما يحدث يندى له جبين الصدق عرقاً، أجدّ من الجديد وأغرب من الغرابة، و حتى من الواقع نفسه، جناية مخلّة بشرف الإنسانية، برعم يكسر حاجة في البيت، يعاقب بإغراق رسغيه وخزاً بمسامير الحاجة المكسورة، يتسمم الرسغان، يتبعها القطع علاجاً سريعاً لإنقاذ ما تبقى منه، فهل لهذه الأب الحق أن يكمل كتاباً، فصله الثاني ملطخ بدماء طفله...؟ أم سيطرده الزمن ويترك التأليف للقدر.....!؟"

هو تساؤل صعب منحسر عن الإجابة، أب يتصور أنه كتب فصل الأبوة الثاني في كتابه الأبيض المفتوح برجولة وكبرياء، وهو لا يعلم حجم التخلف والفشل في مدرسة الأبوة المشروخة، حين تعوّق الكتاب وفشلت الأبوة في كتابة فصلها، وفي التأليف بتفوق في الوحشية والتخلف، وتسلّم الزمن التأليف ليكمل بنية المأساة، قلت لنفسي بصوت خافت لا يسمعه إلا ضميري الذي يهم بالهروب هو أيضاً:

- " مادامت الأبوة قد انتحرت فوق عتبات بوابة الفشل، فهل الأمّومة ستفشل أيضاً، في كتابة فصلها من هذا الكتاب.....!؟"

عجز ضميري عن الإجابة لكل تلك التساؤلات، كان مأخوذاً بهول الموقف، يحاول أن يلحق عقلي بالفرار، لولا إشغاله بتساؤلاتي المتكررة تلك، فقلت مخاطباً:

"وهل يحدث ذلك لبراعمنا وزهورنا، كل يوم....!؟" أجاب ضميري بتلعثم، وهو يهتز من الغضب من هول ما يتحرك على مسرح الموقف:

- " لا أظن، لكن ما أدركه أنه قد ذبلت حدائقنا وغزا زهورها وبراعمها الاصفرار، وما يحدث من تحضر عكسي وتطور ممجوج، حشر في عنق زجاجة التخلف الذي ينتاب جسد الإنسانية المزدحم بالأمراض، يجعلني جازماً و متشائماً بشكل متشائم لدرجة أني أحببت التشاؤم نفسه، وقررت العيش فيه، هروباً من الصدمات التي أراها كل يوم...فما بالك لو تحرر هذا التحضر من عنق زجاجة التخلف....!؟"

هززت رأسي ويدي، لجواب ضميري المعتوه، اليائس وأنا أربت - دون شعور- فوق كتف الأب العائد من معركة الظلم الخاسرة، وهو مهلهل الضمير والإحساس والأوصال، حين تكسرت التربية والتعليم والوعي والأبوة والإنسانية والثقافة والحنان والتسامح والعطف على صخرة التخلف الصلبة.....

أيقظني من هذا الظلم، صوت الإطلاقة برأس حصان الأبوة المكسور،،،،

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-05-17 08:13:28.