قراءات نقدية

khudayir darwishمما عرفت عن الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف أن هناك من الدارسين من أسماه بشاعر الأشجار، ولقد لفتت انتباهي هذه التسمية، ولم يسعفني الوقت للإطلاع على إصدارات الشاعر السابقة لتحري مرد تلك التسمية، ولكني في حدود هذه المجموعة الشعرية أرى أن التسمية كانت في محلها المناسب، فهذه المجموعة بدءاً من عنوانها وانتهاءً بعنوانات قصائدها كانت مصاديق لتلك التسمية، إذ شكل اللفظ أشجار أغلب عنوانات المجموعة.

وبنظرة إحصائية وجدتُ إنَّ نصوص المجموعة لا تخلو من هذا اللفظ أو ما يحملُ دلالتهُ.

وفي مقاربة سيميائية للعنوان (الأشجار لا تغادر أعشاشها) بوصفه (نصاً عتباتياً موازياً) أستطيع القول: إن الشاعر بانتقائه لهذا العنوان الذي هو في الأصل عنوانٌ لواحدٍ من نصوص المجموعة استطاع أن يجعل هذه العنوان مشيراً سيميائياً يشي بدلالات نصوص مجموعته كلها.

وفي تحليلنا للعنوان بمستوياته المختلفة ابتداءً بالمستوى المكاني نجد من العلامات ما يشير الى الثبات والتجذر ويُستشَفُّ ذلك أولا: من اختيار الشاعر للفظ (الأشجار) والابتداء به، فالشجرة ثابتة وثبوتها متأتٍ من تغلغل جذورها في التربة بعيداً، ويتجلى الثبات ثانياً في الفعل المضارع المنفي (لا تغادر) أما على المستوى الزماني ففي هذا الفعل المضارع المنفي ما يشير الى دلالة الثبات في الزمن الحاضر امتداداً الى الزمن الأتي.

وتتأكد صفة الثبات أيضا في المستوى اللغوي في فرعه النحوي، فقد تشكل العنوان من جملة اسمية والأسماء مثلما هو معروف تحمل دلالات الثبات والاستقرار.

وعلى المستوى الدلالي فانّ ما يلفت النظر في هذا العنوان أنَّ الشاعر شكَّلَهُ على أساس مما يمكن أن نسميه هنا التشكيل الإبدالي اللغوي فقال : (الأشجار لا تغادر أعشاشها).

والإبدال على مستوى التشكيل اللغوي بمستواه اللفظي هنا تأكد من حالة المغادرة بمستواها الإجرائي التي تجسدت بالفعل المضارع المنفي (لاتغادر) الذي تعلَّق في هذا التشكيل بالأشجار إسنادياً، ذلك إنَّ الفاعل المقدر إنما هو عائد عليها فجعل الشاعر الأشجارَ الثابتة الراسخة فضلاً عن إنها المكان الأول والأوسع جعلها قابلة للحركة والتغيير من خلال حركية الفعل (تغادر) بمستواه الإجرائي، وأسند حالة الثبات لما هو أحق بالتغيير (الأعشاش) بوصفه مكانا جديدا فهو مستوطن في مكان سابق لوجوده. ثم إن الأعشاشَ على المستوى السيميائي تشير إلى منشئها وهي الطيور وكأنَّ الشاعر في نهاية الأمر أراد أن يقول إن الأشجار لا تغادرُ طيورَها، وهذه هي حقيقة الإبدال اللفظي في التشكيل اللغوي.

والأشجار على المستوى السيميائي تشي بالثبات والاستقرار المؤسسين على علاقتها بما سواها مما هو قابل للتغيير وعدم الثبات، فقد تكون الأشجار الأوطان أو الإباء أو الأمهات فهذه جميعها تتسم بصيغة الثبات قياسا بعلاقاتها بمن هو أقرب لها في سلم درجات القرب. هذا أولا أما الأمر الآخر في المشير السيميائي للأشجار هنا فيتمثل في صفة التمسك أوعدم التفريط، فالأوطان حين يغادرها مواطنوها تبقى متمسكة بهم وتظل أحضانها الملاذ الدافئ لهم، وكذلك الأمر فيما يخص الآباء أو الأمهات عندما يفارقهم أبناؤهم .

هذه هي قراءتي للعنوان الذي كان الشاعر موفقا في صياغته بهذا النحو، وهو ردي في الوقت نفسه على من تمنى على الشاعر لو أبدل العنوان فقال (الأعشاش لا تغادر أشجارها) معللا ذلك بملازمة الأشجار لحالة الثبوت فهي لا تغادر إنما ما يغادر هو الأعشاش بحسب رؤيته في قراءة سطحية فوقية.

وفي قراءة تحليلة لقصيدة (الأشجار لا تغادر أعشاشها) وهي القصيدة التي شاء الشاعر موفقا أن تكون عنواناً لمجموعته الشعرية التي ابتدأها بهذه القصيدة التي يقول في مستهلها :/ الأعشاشُ التي أمطرَها الخريفُ / بوابلِ الذهولِ / .

في البدء أقول أن الشاعر ذهب إلى اجتراح رموزهِ الخاصةِ ليُحملَّها على المستوى السيميائي إشارات تتضمنُ مصاديقَ الغاية الشعرية التي سعى الى تحقيقها بتشكيلاته الشعرية. ففي الحقيقة أن الأشجار والأعشاش والخريف هنا هي ليست ما عهدنا وعرفنا في حياتنا، وإنما هي رموزٌ تأثَّثتْ في وجدان الشاعر ليؤسس من خلالها تشكيلاته الشعرية المصورة، وهنا استعمل الشاعر الأعشاش رمزاً للبيوت، والطيور رمزاً للناس، والخريف رمزاً للقسوة وهذا ما سوَّغهُ قوله فيما بعد / بوابل الذهول / فتشظت على يد الغياب /.

والملاحظ أن الشاعر حاولَ أن يوائم بين المستويين الزماني والمكاني في تشكيلاته الشعرية، فتمثل المستوى الزماني بالخريف في قسوة أمطاره التي تشير سيميائيا إلى الحزن والابتلاء، وتمثل أيضا بالغياب الذي جاء نتيجة لما سبق . أما المستوى المكاني فتمثل بالأعشاش في إشارة إلى البيوت وفي التشظي إشارة إلى التفرق والارتحال .

وعلى المستوى البلاغي فان الشاعر استعمل التشكيل الإستعاري، فاستعار المطر من الغيوم الى الخريف، واستعار الوابل من المطر إلى الذهول ليشكل بذلك صورة تجريدية تحصلت من اقتران المحسوس (المطر) بالمجردين (الخريف والذهول) لتتحصل بنتيجة ذلك حالة التشظي التي تشير إلى حالتي التفرق والارتحال اللتين قصدهما الشاعر حين قرن هذا التشظي بالغياب الذي استعار له اليد في تشكيل إستعاري أيضا (يد الغياب) فأنسن الغياب تجسيداً حين استعار له اليد التي قرنها به اضافياً ليسند لها عمليتي التفرق والارتحال بمستواهما الإجرائي.

وهذا الغياب الذي وصفه الشاعر بالتشظي إمعانا في رسم صورة قسوته التي تتضحُ صورتها من خلال الوصف للمكان الأول متمثلا بالوطن والمكان الثاني الذي يمثل مكان الغربة الاضطرارية، وكأنها الرحلة من الحياة الى الموت، وما يؤكد ذلك التشكيل الوصفي الإستعاري لحالة الارتحال تلك إذ يقول الشاعر :/ متنكبةً سارية الفجيعة /.

إنها حالة التشظي والانتقال من حالة العلو إلى الأسفل التي يؤكدها بقوله :/ لترفرف واطئةً على / مشارف حلمها الذي استحال قفصاً / بمرايا زائفة .../ . هنا رسم الشاعر صورة الوطن البديل بحس وطني واجتماعي إبتدأ بالهبوط ليصل إلى حد الاستحالة إلى قفص .

إن صورة ذلك الحلم إنما تصورت انعكاسا بمرايا زائفة وليست حقيقية، ويعلل لذلك بقوله : / لا تعكس خضرة / حقول الأسى/ المرتبكة بالثمار / . والشاعر هنا أراد رسم صورة المكان الجديد فذهب إلى تصوير ذلك مستعملا المرآة ولقد كان موفقا هنا حين أراد لها أن تكون الوسيط في التصوير، وكأنها أعين الناس الآخرين الذين يحاولون تجميل أماكن الهجرة للآخرين، لذا جاء بهذا التشكيل الإستعاري اللوني التجريدي، فهذه المرايا لا تعكس خضرة حقول الأسى، فهو قد جعل للأسى حقولاً وللزيادة في ذلك جعل تلك الحقول مخضرة للدلالة على كثرة الأسى، وزيادة في المبالغة جعل تلك الحقول (حقول الأسى) مرتبكة بالثمار، وما يعزز صورة ذلك الأسى الابتهالات والتضرع المقترنان بأحاسيس الأطفال وتساؤلاتهم التي يضيع صداها في الريح فلا من مجيب.

وحين تبتعدُ الأحلامُ وتتوارى الآمالُ ويتعالى التوترُ النفسي بغياب المسرة والابتهاج تستحيلُ غصونُ الأشجار بما ترمزُ إليه إلى أسراب مُهاجِمةٍ تجعلُ الناس يلوذون بحقول الأسى التي صورتها المرايا الخادعة، وكأنهم بذلك يتجاوزون حالة الخجل التي أنتجتها خيبةُ ملامسة الأحلام الوردية ممثلة بالضياء المزعوم.

ويعتمد الشاعر الإبدال اللغوي على المستوى اللفظي ليجترحَ دلالة خاصة مختلفة عن السائد، حين يجعل الاكتواء بالمطر بديلاً عن الاكتواء بالحرارة بقوله :/ المحلقون بين النخيل/ يكتوون بغربة الغيمة/ مطر السوء/ الذي أمطرتهم إياه / فؤوساً تلجُّ بذبحِ أشجارنا / من الجذور الى الجذور/.

لقد رحَّلَ الشاعر إستعاريا حالة الاكتواء بنار الغربة وهو المألوف الى الاكتواء بغيمة الغربة التي حمَّلَها المطر لتأكيد حالة الشمول، وهو ليس مطراً عاديا إنما هو مطر سوء قرنه إسنادياً بالفؤوس فأحال بذلك الفؤوس غيمةً محملةً بمطر السوء حين جعلها كما يقول :/ تلجُّ بذبحِ أشجارَنا /.

وهنا لابد من الوقوف على فطنة الشاعر وتوفيقه بهذا التشكيل الشعري، فهو لم يقل (تقطع) وهو الفعل المضارع الأنسب للفؤوس وإنما قال  (تذبح) فجعل الأشجار تُذْبَحُ بالفؤوس لتتأكد لنا الدلالة الرمزية للأشجار التي سبق الحديث عنها، فضلا عن إن اللفظ (ذبح) بصورته الصوتية وبتأثيره على المستوى النفسي أكثر مناسبة لرسم صورة الأسى كما رآها الشاعر التي تتأكد بقوله أيضا:/ من الجذور الى الجذور /. وفي هذا التشكيل تتأكد حالة التشظي على يد الغياب التي أشار لها الشاعر في أول قصيدته، وهو بذلك أراد أن يقول بأن هجرة الناس أوطانهم مُقابَلةً بهجرة الطيور أعشاشها هي أكثرُ إيلاماً وأشدُّ وجعاً على المستوى النفسي.

وإذ يستمر الشاعر في رسم صورة تلك الأشجار المذبوحة من الجذور الى الجذور، يسعى في الوقت نفسه الى تصوير دلالتها الرمزية بصور متعددة تؤكد أنسنتهُ لتلك الأشجار كما يتوضحُ ذلك في قوله :/ غير إنها كلما سقطت من عليائها شجرة / وارتفع غبارُ الأرض من تحتها / وارتجَّ رأسُها بأسفلت / مخالب الظلام / وفاح منها عطر الدم / والأمنياتُ الوئيدةُ / لفَّتْ أغصانَ أُمومتها / على الأعشاش / وحكت لهم / حكاية البدء ........ / فاقتلاع الأشجار بطريقة الذبح من الجذور الى الجذور كما أرادها الشاعر تعني الانتقال من الحياة إلى الموت، وفي هذه التشكيلات الشعرية التي يرسم فيها صورة الموت يؤكد الشاعر التداخل بين الرمز والمرموز لهُ، فيستحيل أحدهما إلى الآخر مع ثبوت الدلالة الرمزية بينهما، فسقوط الأشجار من عليائها وارتجاج رؤوسها بإسفلت مخالب الظلام وفوحانها بعطر الدم ووئد أمانيها إنما قصد به الشاعر الناس ممثلة بالأشجار بمستواها الرمزي، لذا ستلفُّ الأشجار التي استحالت أُماً أغصانَ أمومتها على الأعشاش، وهو تشكيل إستعاري ذهني أحال به الشاعر الأشجار إلى أمٍ تحتضنُ أبناءها ممثلين بالطيور في الأعشاش لتحكي لهم حكاية البداية الجديدة قبل أن (تغمض خضرتها) كما يقول.

وهنا يتجلى التداخل الرمزي بوضوح في هذا التشكيل الإستعاري اللغوي بجملته الفعلية، فالإغماضُ إنما هو للإنسان والخضرةُ للشجر، فتكون الدلالةُ المتحصلةُ : إن إغماض الأشجار خضرتها يعني إغماضَ الإنسان عينيه في رقوده النهائي الذي يقرنهُ الشاعر بالحلم، لكي ترتسم حياةٌ جديدةٌ تتشكّلُّ بالعودة إلى البدايات والنشأة الأولى التي يترك الشاعرُ بعدها تنقيطاً طويلا وهو الفراغ الذي تركه ليشير به إلى مستويات تشكُّل البداية وتنوعها.

وفي مقطع آخر من القصيدة يقول الشاعر :/ الأعشاش زغب / تفتحُ وردَ دفئِها / تحدّقُ في المدى / والمدى جنونٌ فادحُ الأسئلة / كلمّا همّتْ بتحليقٍ / باكرَتْها الأسئلةُ /.

هنا يقيم الشاعر تشكيلاته الشعرية على أساس من التقابل بين الداخل ممثلاً بالأعشاش والخارج بالمدى، فالأعشاش بزغبها إنما هي الوطن بأبئانه مشبهين بصغار الطير وهم يتطلعون إلى الخارج ممثلا بالمدى الفسيح الذي وصفه بقوله :/ والمدى جنون فادح الأجنحة /. ليشير به إلى التمكن والقوة مقابل الضعف في زغب الأعشاش التي جعلها تتردد في الإقدام على التحليق بذلك المدى الشاسع.

وفي المقطع الأخير من القصيدة يرسم الشاعر صورة معاناة الإنسان وخيباته فيقول :/ أحلامُنا الوئيدةُ / تلك التي قتلتها المداراتُ / الشوارعُ المحتقنةُ / وجومُ الجدران / سكاكينُ الإنتظار / السفنُ العائدةُ بجثثِ انتصاراتنا / المثخنةِ بالتهويل /. فهو هنا يصور مأساة الشعب وخيبته على مدى أعوام طويلة مضت، قُتلتْ فيها أحلامُهُ وضُيِّعتْ آمالُهُ، فلم يجنِ إلا تشتتاً واستلاباً وانكساراً في تجارة حروب خاسرة، فعَزَّ عليه أن يعيش حياة إنسانية كما يريد، فهو لايزال مُعلَّقاً بحبال الأمل بين أحلامه الوئيدة بسكاكين الشوارع المحتقنة وبين مِدى الإنتظار، متأرجحاً بين حاضر مؤلم ومستقبل يرسمه بهيئة حلم .

فالشاعر في هذه التشكيلات الشعرية الإستعارية يصور لنا حالة ناسهِ بسعادتهم المُستلبةِ وأحلامِهم المؤودةِ، فيردُّ ذلك إلى أسبابه التي يحددها بالتشتت والإقتتال واليأس والإنتظار الطويل الذي يستعير له السكاكين ليكون أكثرَ إيلاماً والحروب الخاسرة التي تأكلُ الحرثَ والنسل إذ يقول :/ السفنُ العائدةُ بجثثِ انتصاراتِنا / المثخنةِ بالتهويل / وهو تشكيل إستعاري ضدي أحال فيه الشاعر الإنتصارات إلى خسارات في إبدال لفظي إستعاري، وكذلك فعلَ في قوله :/ المثخنةِ بالتهويل / فأبدلَ الجراح وهو المألوف في مثل هذا التشكيل بالتهويل ليرتقي بالتشكيل الشعري على المستوى الفني ويحققَ الغايةَ من مبتغاة الشعري بالصورة التي أرداها.

 

أ.د.خضيردرويش

 

abdulkadir kabanمن يقرأ عنوان المجموعة القصصية "الوعر الأزرق" للكاتب السوري إبراهيم صموئيل سيجده حتما يحتمل من الكثافة الدلالية ما يحوله إلى ميكرونص كاف بذاته كما يسميه أهل الاختصاص. بمعنى آخر بلاغة العنوان تنبثق عن اتصاله بالمضمون السردي لقصص المجموعة، كونه عتبة أولية تدعونا لولوج واحته الغناء لتفكيك مجاهيله الدلالية التي جمعت بين ثنائية الخوف والتحدي إجمالا في نصوص صموئيل،  فكلمة "الوعر" تشير إلى معنى صعوبة المكان المخيف أما "الأزرق" فيدل على لون البحر، ذلك المغمور بالمياه المالحة والذي يغري صاحبه لركوب أمواجه الماكرة.

لقد نجح القاص في كتابة اثني عشرة قصة لا تخلو من الترميز والمفارقة، حيث تعكس ملامح الشخوص المحبطة والخائفة في كثير من الأحيان لكنها لا تخلو من الجانب الإيجابي الذي يدفعها إلى التحدي بعفوية مطلقة، كما جاء في القصة الأولى الموسومة "العتمة" أين يجد البطل نفسه وسط صالة عرض أحد الأفلام، غير أن الجميع يستاء بعد انقطاع الكهرباء المفاجئ فيلجأ إلى الصيحات والتعليقات والسباب الصريح والتحذيرات وغيرها: (من الصعوبة تحديد المدة التي دامت فيها تلك العتمة، لدقيقة ربما أو بضع دقيقة... غير أن الصالة، في تلك الفاصلة من الحلكة، هبت عن آخرها. تفجر الحاضرون فيها مثل ألغام موقوتة، لكأنما الناس، إذ تحتويهم العتمة معا في مكان مغلق، يتحولون، في برهة، إلى كائنات أخرى غيرهم!)1.

القصة الثانية جاءت تحت عنوان "الصمت" أين يشعر البطل بالخوف وبمرارة الحياة أيضا، بعد خيانته لزوجته مع صديقتها لحظة غيابها، وما يقتله هو صمتها الرهيب ونظرتها المحيرة: (عزمت، وقد هدني الهرب، على أن أقفل مثل تلك الشاة. أقفل دون أن أعرف ما سيحدث، إذ لم يعد يهمني أبدا.)2.

استعان صموئيل في القصة الثالثة "وقالت خديجة لخديجة" بتكنيك المونولوج الداخلي ببراعة مطلقة، وهو ما استخدمه وطوره مذهب "تيار الوعي" ومن بينهم وليام فوكنر وجيمس جويس... لنجد بدورنا البطلة تتحدث مع نفسها ولنفسها ولا تجد لها منصتا لحكايتها الحزينة سوى المتلقي، ليستشعر هذا الأخير حضور الكاتب في القصة بعينها وبأنه خالق البطلة فيها، وهو الذي ينطقها ليحكي لنا ما وقع لها مع والد ابنها الحقير الذي تصفه لنا بالخنزير: (أتصدقين. وهو فوقي يفعلها، ما رأيت غير أبيك وهو يضرب جبينه متذكرا دواء أخيك المريض. رأيته يعاود الضرب مرة، ومرتين، وثلاثا، وألفا.. ضربا مبرحا، داميا، كمن يحاول قتل نفسه.)3.

القصة الموالية "ومضة" تكشف لنا بشكل آخر إثارة المشهد السينمائي الذي وظفه صموئيل كذلك حين جمعت الصدفة البطل بتلك الفتاة وسط سيل من السيارات المنطلقة بسرعة البرق، لكن كليهما قررا تحدي لحظة الموت مع سبق الإصرار: (والغريب في الأمر حقا هو أن نعزم معا، كأنما، هي الأخرى، قدرت تقديرا طائشا كما قدرت!)4.

يظهر القاص بامتياز معالم وسمات شخوصه النفسية والاجتماعية وهي باحثة لها عن ملجأ للحنان وسط ضوضاء الحياة، كما يبدو ذلك جليا في قصة "في حافلة صغيرة" أين يجمع القدر البطل وزوجته وطفله الصغير بتلاميذ الحافلة اللقطاء: (وما كادت زوجتي تناولني الصغير، وتتخلص من زحام التلاميذ بمداعبة رؤوسهم والابتسام لهم، ثم تهبط وأهبط خلفها شاكرا السائق.. حتى اندفعوا إلى النوافذ المقابلة لنا، فبدت وجوههم، لاضطراب تزاحمها وشدة التصاقها بالزجاج المغبش، كعصافير ملونة تواقة.)5. 

نفس الشعور يتولد لدى تلك الطفلة في قصة "المسافة" التي تتعلق بالبطل –صديق والدها- الذي تتكرر زيارته لبيتهم ليجعلها تتعلق به، بل يصبح جزءا من متعتها التي لا تكتمل إلا بركضها العاصف الضاج ببراءتها: (..وحين ركضت وطوقت عنقي، حلقت بها كما لم أحلق يوما، معاهدا نفسي وبهجتها ألا أكرر حيلتي أبدا.)6.

لقد استعان إبراهيم صموئيل في معظم قصصه بالضمير المتكلم العليم ليجمع بين شخصيته كقاص وشخصية أبطال قصص "الوعر الأزرق"، وذلك ليقف بدوره مع الأحداث لا خلفها مستوقفا القارئ ومحفزا له بشكل آخر على التأمل كطرف مشارك في سرده القصصي، الذي لا يخلو من دلالات الوجع والحزن والهم والتحدي في آن واحد.

 

..........................

 هوامش:

1.إبراهيم صموئيل، الوعر الأزرق، دار الجندي للنشر والتوزيع، دمشق، ط2، 2004، ص:6.

2. المصدر نفسه ص23.

3. المصدر نفسه ص31.

4. المصدر نفسه ص38.

5. المصدر نفسه ص71.

6. المصدر نفسه ص89.

*كاتب وناقد جزائري

 

alwarth alhasanمن نافلة القول، الإشارة إلى أن الإنتاج الأدبي، شعرا كان أو نثرا، يتضمن من بين ما يتضمنه، تداخل عنصري الذات والموضوع. وبحكم هذا التداخل، رأينا في دراستنا للشعر العربي القديم من جهة الذات والموضوع، أن نأخذ دورهما بعين الاعتبار، إيمانا منا بوجود علاقة جدلية لا انفصام فيها بين هذين المستويين. ونحن إذ نختار هذا المسلك، فإننا نقتفي آثار كثير من الباحثين، مثل زكي مبارك، الذي كتب قائلا: « من الواجب أن نتعمق في دراسة حياة الشاعر [...] وأن نعنى فوق ذلك بمعرفة العهد الذي عاش فيه الشاعر، بما لذلك من الأثر في معرفة أحوال وأذواق الشعراء [...]»(1) . وكان عباس محمود العقاد قد أكد من جهته هذا الطرح، بقوله: إن « معرفة البيئة ضرورية في نقد كل شعر، في كل أمة، وفي كل جيل [...]»(2).

ويرتبط إيماننا بأهمية هذا المنهج أيضا، لما يكتسيه الحديث عن الذات والموضوع من دور في معرفة العوامل المؤثرة في شخصية  الشاعر المبدع وأثر تلك العوامل في شعره، وما يتداوله من ألفاظ وتعابير، والتي تتطلب من الباحث  ولاشك،« [...] حين يوازن بين شاعر وآخر، أن يعرف حياتهم [...]، وأن يثبت مما أحاط بهم من مختلف الظروف»، على حد قول زكي مبارك(3).

فما هي إذن طبيعة هذه العوامل المؤثرة في حياة عنترة بن شداد العبسي ؟

ومن تم، نهدف من هذا الموضوع، الحديث عن أهم العوامل المؤثرة في شخصية عنترة(4) قصد الوقوف بقدر الإمكان على آثارها في شعره، وبالتالي في أسلوبه وأفكاره ومقاصد شعره الفنية والنفسية والذاتية .

 

1. عامل البيئة والطبيعة:

عرفت شبه الجزيرة العربية ظروفا طبيعية ومناخية صعبة، بحكم طابعها الصحراوي، اضطر معها الإنسان في الجاهلية إلى الترحال والتنقل في أكثر الأحيان طلبا للنجعة، وبحثا عن سبل العيش، بكل ما تعنيه الرحلة من تعب وخوف ومخاطر.

وقد واجه عنترة،كغيره من أبناء عبس، طبيعة هذا النظام البيئي، وجرب الرحلة وحياة التنقل، وقابل بيئات مختلفة، وعاش بين الجدب والقحط أحيانا، وبين الخصب والعطاء أحيانا أخرى، وتكيف كغيره من بني قومه، مع كل لون من ألوانها الطبيعية، وابتهج لعطائها وجمالها، وشقي لجفافها وقحطها. نقول هذا الكلام، وحجتنا عليه ما ورد في أشعاره من وصف لشتى المظاهر الطبيعية ومختلف الأماكن والمواضع، بنباتها وحيواناتها المتعددة.

وأشهر ما روي عنه، قوله في وصف الروض:

أوْ رَوضَــةً أُنُـفـاً تَـضَـمّـن نَـبْـتَـهـا

 

غَـيـثٌ قَـلـيـلُ الدِّمْـنِ لَيْسَ بِـمَـعْلَمِ

جَـادَتْ عَـلَـيْـهَـا كــلُّ عَـيْـنٍ ثَــرَّةٍ

فَـتَـركْـنَ كُـلّ حَـديـقَـةٍ كالــدِّرْهَـمِ

سَـحًّـا وتَـسْـكَـابـاً فـكُـلَّ عَـشِـيَّـةً

يَـجْـري عَـلَـيْـهـا الـمـاءُ لمْ يَتَصَرَّمِ (5)

وقوله في وصف الناقة:

هــلْ تُـبْـلِــغَــنِّـي دَارهـا شَـدَنِــيَّــةٌ

لُـعِـنتْ بِـمـحْرومِ الشَّـراب مُصَـرَّمِ

خَــطّـارَةٌ غِــبَّ الــسُّــرى زَيـَّافــةٌ

تَـقِـصُ الإكَـامَ بـكـلِّ خُـفٍّ مِــيْـثَمِ

وكَـأَنَّـمَـا أَقِـصُ الإكَــامَ عَـشِــيَّــةً

بـقَـريـبِ بـين الـمَنْسِـمَـيْـن مُصَلَّمِ(6)

وقوله في وصف الحمام:

أفَمِــن بُــكـاءِ حـمـامـةِ فـي أَيـْكَةٍ

ذَرَفـتْ دُمُوعُك فوق ظَهْر المَحْمل(7)

و قوله في وصف الغزلان:

فــكَـأنَّـمـا الْـتَـفَـتـتْ بـجِيدِ جَدايَةٍ

رَشَــإٍ مــنَ الــغِـــزْلانِ حُــرٍّ أَرْثَـمِ(8)

وقوله في وصف النعام:

يَـأْوي إلَـى حِزَقِ النَّعَام كمـا أَوَتْ

حِــزَقٌ يَـمَـانـيَّـةٌ لأَعْـجَـمَ طِـمْـطِمِ

يَــتــبــعْـن قُــلّــةَ رأسِــه وكـــأنّــه

زَوجٌ عَــلــى حَــرجٍ لــهُـنّ مُـخـيَّمِ

صَـعْلٍ يـعُـود بذي الـعُـشَيْرة بيضَهُ

كالـعَبد ذي الفَرو الـطَّويل الأصْلَمِ(9)

وقوله في وصف الديار وعرصاتها:

طَـال الثَّـواءُ عَـلى رُسـوم الـمـنزلِ

بـيـن اللَّكـيكِ وبين ذاتِ الـحرْمَلِ

فَـوقـفـتُ فـي عَـرصَـاتِهـا مـتَـحيِّراً

أسَـلُ الـديـارَ كـفـعل مَنْ لَم يَذْهَلِ

لـعـبَـتْ بـهـا الأنْـواءُ بـعـد أنِـيسِها

والـرّامِـسـاتُ وكـلُّ جَـوْنٍ مُسْبِـلِ10)

وتجعلنا هذه الشواهد، وغيرها11)، نعتقد أن طبيعة البيئة التي عاشها عنترة شكلت إحدى العوامل المحددة لشخصيته، وحددت من جهتها القيم الأخلاقية عنده، «[...] فعودته الصبر والخشونة والجفاء لجفافها، وعودته القوة والبسالة والإقدام والعصبية لعدم الاستقرار وكثرة الترحال، وعودته الوفاء والأمانة والصدق ونصرة الجار وحماية الديار والحفاظ على الأعراض والكرم لخصوبتها [...]»12).

ومن جهة أخرى، لم يكن التغني بالطبيعة، ببيئتها الجافة أو الخصبة عند عنترة، هدفا في ذاته، وإنما مجرد وسيلة لإبراز مشاعره وفقا لتصوراته الخاصة، « ليحقق التكامل بين نفسه وبين الاشكال الأساسية للعالم الطبيعي، وإقاعات الحياة، إذ رأى أن هذا هو الطريق أو الأسلوب الأصدق في التعبير عن نفسه»(13 .

 

2. عامل العبودية:

من الصعب على كل باحث إذا تكلم عن عنترة أن لا يستحضر روايات القصاصين عن بشرته السوداء، وما عانه من جرائها من احتقار وتهكم، وسباب وحرمان، وقسوة العيش، ومهانة الدار، خصوصا بعدما نبذه والده، ورفضته عشيرته.

وبقدر ما سببته العبودية لعنترة من متاعب أثرت في نفسيته وشخصيته وحياته، بقدر ما كانت عاملا من عوامل مجاهدته على إثبات ذاته بين أهله، كما تعبر عن ذلك صرخاته المنظومة، مصداقا للقول المشهور « إن الفنان يلون الأشياء بدمه»(14). فلقد كان عنترة يحمل في نفسه الرغبة في الحرية والانعتاق من العبودية، ولما قصر عن الوصول إليها وقامت أمامه عقبات قاهرة، انعكست هذه الرغبات إلى باطن نفسه، فشكلت له عقدا نفسية، لكنه لم يستسلم، ولم ينطو على نفسه، بقدر ما قاوم بعنف بشجاعة وبطولة تبعات المهانة (15). بل لقد وجد في هذه البطولة خلال المعارك التي خاضها إلى جانب قومه، ما شفع به لنفسه، كما في قوله مفتخرا:

أنَـا الـعَـبـدُ الــذي يَـلْـقـى الـمَنايا

غَـدَاة الـرَّوْع لا يَـخْشى الـمَحَاقَا (16)

وفي قوله مذكرا أهله بأياديه البيضاء عليهم:

قدْ أَطَعنُ الطَّعْنَةَ النَّجلاءَ عن عُرُضٍ

تَـصْفَـرُّ كَـفُّ أَخِيـهـا وهُوَ منْزُوفُ(17)

ومن تمّ، انبعثت صورة عنترة البطل التي يمثلها في شعره، ويعرضها في نظمه، وتضخمت الأنا في ذاتيته إلى حد الاعتزاز والافتخار، فكان بذلك يريد أن يثبت فكرة الوجود، التي كان يعتقد أنها ضرورية له، كي يبرز بين أفراد قبيلته، وبالتالي يؤكد فكرة حريته(18) .

فنراه يذكر أهله ببطولته الخارقة في قوله:

وحَـلـيـلِ غَـانـيـةٍ تـَركْـتُ مُـجَـدَّلا

تَـمْـكو فَـريصَـتـُه كَـشِدْق الأعْـلَمِ

عَـجِـلـتْ يَـدايَ لَـه بـمَـارنِ طَـعْنةٍ

ورَشـاشِ نـَـافِــذةٍ كَـلـوْنٍ الـعَـنْـدَمِ(19)

ونجده يسخر شجاعته ليغطي وضاعة نسبه في قوله:

إنّي امرؤٌ من خَيـرِ عبسٍ مـنــصباً

شَـطري وأحْـمي سائِري بالـمُنْصَلِ(20)

وفضلا عن افتخاره ببطولته وفروسيته وشجاعته، لم ينس عنترة أن يبتهج بخصاله الحميدة، وأخلاقه الفاضلة رغم سواد لونه، كما في قوله:

وأغَـضُّ طَـرْفـي ما بَدتْ لي جَارتي

حــتـّـى يُـواري جَـارَتـي مَـأواهـاَ

إنِّـي امـرؤٌ سَـمْـح الـخَـلِيقةِ مـاجِدٌ

لا أُتْـبِـعُ الـنـفـسَ اللَّـجُوجَ هواها (21)

وفي قوله أيضا:

هـلاَّ سـَأَلْـتِ الـخـيـلَ يا ابنَةَ مالكٍ

إن كُـنـتِ جـاهـلـةً بما لـم تـعْلمي

يـخـبـرُكَ مـن شَـهِـدَ الـوقـائعَ أنني

أغْشى الوَغَى وأعِفُّ عـندَ الـمَغْنَمِ (22)

وفي قوله:

أغْـشـى فَـتـاةَ الـحيّ عنـد حَليلِـهـا

وإذا غَــزا فـِي الـجَيْشِ لا أغْشاهَا(23)

وفي قوله كذلك:

ولقَد أبـيتُ عـلـى الـطَّـوى وأَظَلُّـه

حَـتّـى أنـالَ بـه كَـريـمَ الـمَــأكـلِ(24)

وهذا كله، يعني أن الحرية كانت المحرك الأساسي لعنترة إزاء المعوقات الخلقية، وخصوصا ما تعلق منها بالعبودية، وما ارتبط بها من احتقار واستهزاء وتهكم.

وباختصار شديد، نستطيع القول، باطمئنان، إن المعاناة من الدونية كان لها بدورها دور مهم في تحديد الملامح الأساسية لشخصية عنترة ولشعره.

 

3. عامل الحب:

لقد أغرم عنترة بابنة عمه عبلة، وصار يكن لها حبا جَمّا، ويتمنى رضاها ولا يعير غيرها نظرا، بل يخلص لها وحدها(25)، كما في قوله:

ولـئِـن سَـألتَ بِـذاكَ عَـبـلةَ خَبَّرتْ

أنْ لا أريـدُ مِـنَ الـنِّـسـاءِ سِــواهَـا

وأَجـيـبُـهـا إمّـا دعـتْ لـعَـظـيـمــةٍ

وأُعِـيــنُــهـا وأكُـفُّ عـمّـا سَـاهـَـا(26)

لكن أنّى له هذا الحب؟ وهو العبد الراعي، الأسود اللون، المحتقر من طرف أبناء القبيلة، وهي ابنة سادة بني عبس المصونة، يتمنى أبوها أن يزوجها بذي حسب ونسب وجاه. ورغم هذه المعوقات، ظل عنترة متعلقا بعبلة، عاشقا لها، ولم يكف عن التمني في كسب قلبها، على نحو قوله:

ولَـقَـد نَـزَلْـتِ فَـلا تَـظُـنّـي غـيْـرَه

مـنِّـي بِـمـنْـزلةِ الـمُـحبِّ الـمُكْرَمِ (27)

وقوله يصف جمالها:

رمــتِ الــفُــؤادَ مَـلـيـحـةٌ عـذْراءُ

بِــسِــهَـامِ لـحـظٍ مـا لَـهُــنَّ دَواءُ

مَـرَّت أوانَ الــعِــيـدِ بـيْـن نَـواهِـدِ

مـثْـل الـشـمـوس لـحـاظـهن ظباءُ

فـاغـتـالـنـي سقمي الذي في باطني

أخـــفـــيــتــه فــأذاعــه الإخـفـاءُ (28)

وقد كان عنترة يدري أكثر من غيره بأن حبه محكوم عليه بالتعثر. لكنه، رغم ذلك، أخذ على نفسه بميثاق تحمل كل المشاق للعبور إلى مقصده. كما يبدو من قوله:

ولأجْـهـدَنَّ عـلـى اللّقاءِ لكي أرَى

مَا أرْتَـجِـيـه، أو يَـحـيـنَ قَـضـائـي(29)

وهذه وجهة قاسية، فيما يظهر، ارتضاها عنترة لنفسه، بفعل شغفه بعبلة، كما في قوله:

وكَــمْ جَـهْـدِ نــائــبـةِ قـد لَـقِـيـتُ

لأجـلِـكِ يـا بنْتَ عـمّـي ونَـكْـبـهْ (30)

فهذا الرجل المغرم كان يقابل كل المآسي بثبات، بل لقد تغزل بحبيبته وهو يعلم أن عرف القبيلة يقضي بحرمان من يتشبب بامرأة من أن يتزوجها. وقد ساعده على ركوب التحدي ثقته بنفسه وبقدرته على كسب الرهان، كما تعود ذلك في نزاله لأعدائه بساحة الوغى. وقد عبر عن ذلك بقوله، مثلا:

يـا عـَبْـلُ كم مِـن غَـمْـرةٍ بـاشَرتُهَا

بالنَّفسِ ما كادتْ لَـعـَمْرُكِ تَنْجَلي

فـيـهـا لَـوامـعُ لـوْ شَـهِدْتِ زُهَاءها

لَـسَـلـوْتِ بـعـد تَخَضُّبٍ وتَكَحُّلِ (31)

لكنه لم ينس في المقابل الإشارة إلى ما يتمتع به من طيبوبة، وما يتحلى به من تواضع، كما في خطابه لعبلة:

أثْـنِـي عـلـيَّ بـمَـا عـلِـمْـتِ فـإنّـني

سَـمْحٌ مُـخَـالـقَـتـي إذا لَـم أُظْــلَـمِ(32)

إلى أن يقول:

فــإذا شَـرِبـتُ فـإنّـنـي مُـسـتـهلكُ

مَالـي وعِـرضِــي وافــرٌ لَم يُكْلَمِ

وإذا صَحوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَـنْ نَدَى

وكَـمَـا عَـلِـمْتِ شَمَائِلي وتَكَرُّمِي(33)

فهل نجح عنترة في استقطاب عبلة؟

مهما كان الأمر، فمعاناته كانت شديدة، ورغبته « في انتزاع نفسه من ابتذال الواقع، والسمو فوق الآخرين بمآثر استثنائية»(34) تبقى واردة، مما يؤكد أن وقع المعاناة كان شديدا، وأن ما رواه شعرا عن هيامه، وحبه، كان خلاصة تلك المعاناة.

وإذا تركنا جانبا هذا الفخر، وما يرتبط به من إشهار للمناقب، والمزايا، وتجاوزنا إمكانية كون ذلك مجرد تمرين كلامي فحسب، واستحضرنا الحجج الاستنكارية الموجهة لعبلة، أمكننا الوقوف من خلالها على شهادات أخرى دالة على تتمين الذات العنترية من جهة، وانتزاع إعجاب عبلة من جهة أخرى. ويتعزز لدينا هذا التأكيد حين ننظر مليا إلى مفهومي: "البطولة" و"الحب" لدى عنترة. ففي الوقت الذي كان يجابه فيه هذا الرجل عداء محيطه الاجتماعي، ويتأثر بجفاء عبلة حياله، فإنه كان يسعى إلى تذويب مأساته بالانغماس في الحروب، وانتشال نهاية بطولية أقسى وأخطر من تلك التي تسلط بها ميدان الحب، على اعتبار أن الحب يصبح إشكاليا بالنسبة لعنترة، على الطريقة التي تؤدي إلى تحقيق العمل البطولي...(35) .

يقول مؤكدا شجاعته وبطولته وعدم جزعه من الموت:

ولَـقـد غَـدوتُ أمـامَ رايـةِ غـالـبٍ

يـومَ الـهـِيـاجِ ومـا غدوتُ بـأعْــزَلِ

بَـكـرتْ تُـخَـوِّفُـنـي الحتوفَ كأنِّني

أصبحتُ عن غرضِ الحُتوفِ بـمعزل

فــأجـبـتُـهـا إنّ الـمـنـيَّـة مَـنــهــلٌ

لابـدَّ أن أُسْــقـى بـكـأسِ الـمـنْـهَـلِ(36)

وعلى كل، فقد كان العامل العاطفي عند عنترة محددا أساسيا لشخصيته، وباعثا تكوينيا لمنظومته الشعرية، لما له من ارتباط بالشعور الداخلي، وبكيانه الذاتي ووجوده. وتظهر آثار هذا العامل بوضوح في محاولة عنترة التوفيق بين الآخر، "المحبوبة" وبين ذاته، وفي اختلاط  عاطفة الحب عنده بنزعة البطولة الحربية والقيم الأخلاقية؛ ففي هذه الأخيرة يحصل على وجوده كإنسان، وفي الحب يحصل على دليل عملي لهذا الوجود.

 

4. عامل النظام القبلي:

من المعروف أن القبيلة كانت تتخذ في ظل طبيعة الحياة البدوية في العصر الجاهلي، جملة من الأعراف والأنظمة والتقاليد التي تجعل الرقابة العرفية بمثابة المؤطر التشريعي الذي يراقب كل فرد على حدة داخل المجتمع. وبناء عليه، كان خروج فرد أو إخلاله بالمألوف من بنود هذه التشريعات المنظمة، يعني تعرضه حتما لمرسوم الانصراف أو الخلع أو الطرد، الذي يصدر في حقه من لدن قبيلته. لهذا، وخوفا من مغبة هذه العواقب، كان أبناء القبيلة مشدودين إلى ولائها المقدس، حريصين على الأخذ وتطبيق أسسها المشتركة، القائمة على القرابة والمنفعة والمصلحة.

لكن هذه الأعراف والتقاليد المنظمة، لم تكن منصفة لبعض الفئات، ونخص بالذكر منهم أبناء الإماء، أو الغرباء، أو الهجناء، إذ كانوا عرضة للنفي والخلع والتجريد من الهوية أو النبذ والدونية.

وقد تأثر عنترة بهذا التمييز، لكونه أسود ابن أمة حبشية. الأمر الذي حكم عليه بالدونية في قبيلته، خصوصا بعد أن تنكر له والده، ونبذته عشيرته. ومن ثم، تولد لدى صاحبنا شعور دفين بالعزلة والغربة في قبيلته، وشعور مماثل بالغبن، والظلم من قومه. وقد عبر عن هذا الإحساس كثيرا في أشعاره، مثل قوله:

أُعـاتب دهـراً لا يــلِــيـنُ لـعـاتـبِ

وأطـلبُ أمْـناً من صُروفِ النَّوائبِ

وتُـوعِـدنـي الأيّــامُ وعــداً تَـغرُّ بي

وأعــلــمُ حــقـاً أنّـه وعـدُ كـاذبِ

خَـدمـتُ أُنـاسـاً واتَّـخـذتُ أقَاربـاً

لِـعـونِي ولكن أصَبـحُوا كالعقَاربِ

يُـنـادونَـنِـي فـي السِّلم يا ابنَ زَبيبةٍ

وعـنْد صِدامِ الخيْل يا ابنَ الأَطايِبِ(37)

ومما كان يزيد من ألم عنترة وحسرته، استغلال قومه له، عندما تدعوهم الحاجة الماسة إلى خدماته، ولأنه كان مضطرا لتلبية دعوتهم، لإظهار قوته وشدة بأسه، رغبة منه في إثبات أن لا فرق بين الحر والعبد، وأن عظمة الإنسان إنما هي في نفسه، وفي قدرته، وكفاءته، وشخصيته القوية، كما في قوله:

دَعوني أُوَفّي السّيْفَ بالحربِ حقَّـهُ

وأشْـربُ مـن كـأسِ الـمَنيّة صَافـيا

ومَـن قَـال إنِّـي سـيّـدٌ وابـنُ سـيـّدٍ

فسَيفي وهذا الرُّمحُ عمّـي وخـالـيا(38)

وفي قوله يصف قتله لأحد الأبطال:

جَـادتْ يـدايَ لـه بـعـاجـلِ طـعْـنـةٍ

بـمُــثَـقّـفٍ صَـدقِ الـقَـنـاةِ مُـقـوّم

بِـرحِـيـبةِ الـفَرْغـيـنِ يَهدي جَرسُها

بـالليلِ مُـعْـتـسَّ الـسِّـبـاعِ الـضُـرَّمِ

وتـركـتُـهُ جـزرَ الـسِّـبـاع يَـنُـشْـنـهُ

مـا بـيـن قُـلَّـةِ رأســهِ والـمِـعـصـمِ(39)

وكانت رغبة عنترة في إثبات وجوده وانتمائه لقبيلته وفي إبراز قدراته، تزداد إلحاحا، كلما ازداد أهله وأبناء عشيرته في نبذه، ولسان حاله يردد:

وذَكَّـرنـي قـومـاً حفِظتُ عُهودهمْ

فـمـا عَـرَفُـوا قَدْري ولا حَفِظوا عَهْدي

ولَـولا فـتـاةٌ فِـي الـخِـيـامِ مُـقِـيمَةٌ

كمَا اخترتُ قُربَ الدَّار يوماً على البُعْد(40)

وهذا يعني، أن عنترة اختار البقاء في قبيلته بدل الهجرة أو الصعلكة، وفضل أن يرفع ظلم ذوي القربى عوض الاستسلام لإهاناتهم، فوجد ضالته في شجاعته، وبطولاته،ولسانه، للوصول إلى حريته، ولم يجعل تلك البطولات فردية لذاته، وإنما جعلها مرتبطة بالذات مرة، وبالقبيلة مرة أخرى، إلى أن حصل على الاعتراف به: « وأصبحت مظاهر القبيلة عنده، أشد ظهورا وأعظم بروزا»(41)، وفي هذا الصدد يقول: 

أنـــا الـهَـجــيــنُ عــنــتــرهْ

كـل امــرئٍ يـحــمي حِــرهْ

أسْــــــــودَهُ وأحـــــمَــــرهْ

والــشَّـــعــراتِ الـمُـشْـعرَهْ

الــــوارِداتِ مِـــشْــــفَــــرهْ(42)

وهكذا يبدو واضحا أن طبيعة النظام القبلي، كانت من العوامل التي أثرت في شخصية عنترة، ومن البواعث التي ساهمت بدورها في تكوين شعره. ونستطيع القول في النهاية، إن الظروف الطبيعية، والمعاناة من العبودية، وما ارتبط بها من نفي وغربة، وأحباط عاطفية، كان لها الدور الأساسي في تحديد الملامح الأساسية لشخصية عنترة، ولشعره، ولعلها كانت وراء خصوصية الأساليب الإنشائية التي أبدع بها تلك الأشعار. 

 

بقلم: الدكتور الوارث الحسن / المغرب

إستاذ باحث في الأدب العربي القديم

.........................

الهوامش:

1)  الموازنة بين الشعراء، زكي مبارك، ص 22.

(2)  مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية، عبد الحليم حفني، ص: 58.

(3)  الموازنة بين الشعراء، ص: 30.

(4)  هو أحد شعراء الفرسان العرب المفلقين في الجاهلية، رغم ما سجله عليه بعض النقاد القدامى من مؤاخذات، فأخروا رتبته.  فهذا محمد بن سلام الجمحي يعتده من شعراء الطبقة السادسة. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/152. والأصمعي لم يعده من الفحول. انظر: فحولة الشعراء ص: 44. بل يصرح الفرزدق بأسماء أخرى من أشهر شعراء الجاهلية، غير أنه يسقط عنترة بالكلية. انظر: تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان 1/87. ورغم ذلك، فميراثه الشعري عامة يبقى ثروة فنية لها رصيدها، وأهميتها، حيث عدّ من جهة أخرى، من أصحاب الواحدة النادرة. انظر: الشعر والشعراء، ابن قتيبة 1/258.  وكما ذهب الأصمعي إلى أن عنترة من أشهر الفرسان. انظر: فحولة الشعراء ص: 27. "وذكره أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء الجاهليين" انظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين. الأعلم الشنتمري 2/109. في حين عده خير الدين الزركلي، من شعراء الطبقة الأولى من أهل نجد. انظر: الأعلام 5/91.

(5) ديوان عنترة، ص: 196-197. الأنُف: التي لم تُرع واشتقاقها من الاستئناف. والدّمَن: البعر. والمعْلم: المكان المشهور، شبه رائحة فم محبوبته بريح روضة كاملة النبت وجعل ما أصاب نبتها من الغيث قليل الدمن، أي: لم يصادف فيها دمنا لبعدها عن الناس. وقوله، ليس بمعلم: أي ليس بمشهور موضعها فهو أحسن لنبتها وأتم له، وأبعد لها من أن توطأ وتدمن. والعين: مطر دائم. والثرة: المطر الغزير . وكالدرهم: شبه بياض الماء واستدارته حين امتلأت الحديقة منه بالدرهم.

(6) نفسه، ص: 199. شدنية: هي ناقة منسوبة إلى فحل يقال له شدن. ولعنت بمحروم: أي سبت بضرعها. والمصرم: المقطوع اللبن. والخطارة: التي تخطر بذنبها يمنة ويسرة بنشاطها. والسرى: سير الليل. وغب السرى: بعده. تقص الإكام، أي: تكسرها بأخفافها لشدة وطئها وسرعة سيرها. والإكام: ما ارتفع من الأرض. والميثم: الشديد الوطء. وقوله، بين المنسمين: يريد الظليم. والمصلم: المقطوع الأذنين، شبه ناقته بالظليم لسرعتها. وقال عشية: لأنه وقت إعيائها وفتورها.

(7)  نفسه، ص 247. ذرفت دموعك، أي: قطرت. والمحمل: حمالة السيف. والأيكة: شجر ملتف.

(8)  نفسه، ص: 214. قوله: التفتت بجيد جادية، شبه عنق محبوبته بعنق الجداية، وهي الغزالة الصغيرة ( والرشأ منها). وقوله: حر أرثم، أي: كريم. والأرثم: الذي على انفه سواد أو بياض، ويقال: هو الذي في شفته العليا بياض أو سواد.

(9) ديوان عنترة، ص: 200-201. يقول: يأوي هذا الظليم إلى حزق النعام، وهي جماعاتها، واحدتها: حِزْقة وحَزِيقة، والطمطم: الذي لا يفصح شيئا، شبه النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم، يسمعون كلامه ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم (يعني: الحبش). وقوله، يتبعن قلة رأسه، أي: ينظرن إليه من بعيد رافعا رأسه، فيتبعنه، يريد: الظليم، وقلة الرأس: أعلاه. والزوج: النمط . والحرج: عيدان الهودج، ويقال هو سرير الموتى. والمخِيم: الذي جُعل كالخيمة، والخيمة ما استظللت به من خشب أو شجر. شبه الظليم في إشراف خلقه بهودج جعل كالخيمة. والصعل: الطويل العنق، الصغير الرأس، يعني: الظليم. وذو العشيرة: موضع. وكالعبد: شبه ما عليه من الريش بعبد حبشي قد لبس فروا. والأصلم: المقطوع الأذن، وإنما جعل العبد أصلم، لأن الظليم أصلم، فوصف العبد بذلك لما شبه الظليم به.

10 نفسه، ص: 246-247. الثواء: الاقامة. والليلك وذات الحرمل: موضعان. وعرصاتها، أي: عرصات الديار. ومتحيرا، أي: قد غلب عليه الحزن وحيره. ومعنى يذهل: يسلو عما هو فيه ويتركه يعني: أن الحزن غلب قلبه، فجعل يشأل الديار ولم يذهل عن ذلك. والأنواء: الرياح. والجون: الأسود من السحاب. ومسبل: المنسكب بالمطر.

11إلى جانب ذلك، رأى بعض النقاد أن عنترة واحد من الشعراء الأوائل الذين تنبهوا للمخلوقات الصغيرة، والمرئيات التافهة، كالذباب ونقر الماء،... وجعل منها موضوعات في شعره، من ذلك قوله في وصف الذباب:

فتَرى الذُّبابَ يُغَنّي وحْدَه      هَزِجا كفِـعـلِ الشّاربِ الـمُترنِّـمِ

غَرِدا يسُنُّ ذرَاعَهُ بذِراعِه   فِعْلَ الـمُكِبِّ على الزِّنَادِ الأجْذَمِ                                              ß

ß ديوان عنترة ص: 197-198. قوله: فترى الذباب بها يصف روضة بأنها كثيرة العشب، والذباب يألفها ويغني بها. والهزَج: المتتابع الصوت. وقوله: كفعل الشارب، شبه غناء الذباب بغناء الشارب، والمترنم: الذي يترنم بالغناء أي: يمد صوته ويرجعه. والغرد: الذي يمد في صورته ويطرب. وقوله يسن، أي: يحدد، ومنه سن الثوب إذا صقله. وأراد بالزناد: الزند، وهو العود الأعلى. والأجذم: المقطوع الكف. ومعنى البيت: أنه شبه الذباب حين وقع في هذه الروضة، فحك إحدى ذراعيه بالأخرى برجل مقطوع الكفين يوري زنادا فهو يمده بين ذراعيه إذ لم يكن له كفان يمسكه بينهما.

فقال ابن قتيبة: « ذلك مما سبق إليه ولم ينازعه فيه» الشعر والشعراء، 1/259.

وعلق الجاحظ على ذلك الوصف بقوله: « ولم أسمع في المعنى بشر أرضاه غير عنترة». الحيوان، 3/312.

12 أدب العرب في عصر الجاهلية، حسين الحاج حسن، ص: 17.

(13التفسير النفسي للأدب، عز الدين إسماعيل، ص: 65.

14 التفسير النفسي للأدب، عز الدين إسماعيل، ص: 65.

15 والأخبار بعد ذلك عن بطولته وفروسيته كثيرة« قيل لعنترة: أنت أشجع الناس وأشدها؟ قال: لا، قيل: فبم إذاً شاع لك هذا في الناس؟، قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما ولا أدخل موضعا لا أرى لي منه مخرجا. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع، فأثني عليه فأقتله». الأغاني، 8/251. ديوان عنترة ص: 41.

وروى أبو عمرو الشيباني « أن عبسا غزت بني تميم وعليهم قيس بن زهير، فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة ولحقتهم كبكبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر، وكان قيس بن زهير سيدهم فساءه ما صنع عنترة يومئذ، فقال: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء». ديوان عنترة ص:42.

وقال عمر بن شبة: « قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك؟، قال: كان قيس بن زهير فينا، وكان حازما فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم». الأغاني، 8/251.

وقد عد عبد الملك بن مروان عنترة، واحدا من أربعة هم في رأيه أشجع شجعان العرب، وهم: عباس بن مرداس السلمي، وقيس بن الخطيم، وعنترة بن شداد العبسي، ورجل من مزينة. انظر: فارس بني عبس، حسن عبد الله القرشي، ص: 50.

هذا، ووقائع عنترة كثيرة ومتعددة، وقد تجلت شجاعته وبطولته ومهارته في خوض المعارك، أعظم ما تجلت في أيام (داحس والغبراء). انظر: خبر الحرب في: المعارف، ابن قتيبة، ص: 262. العقد الفريد، ابن عبد ربه، 6/14. أمالي المرتضى، 1/208. نهاية الأرب، أحمد القلقشندي، ص: 405. الشعراء الفرسان، بطرس البستاني، ص: 44-45. أدب العرب في عصر الجاهلية، حسين الحاج حسن، ص: 235. عنترة بن شداد، فوزي محمد أمين، ص: 16 وما بعدها.

16شرح ديوان عنترة، ص: 93.

17 ديوان عنترة ص: 271. النجلاء: الواسعة. والعرض، أي: أعترض القرن فأطعنه. وقوله، كف أخيها، يعني: صاحب الطعنة، أي: ينزف دمه فتصفر كفه.

18 حكى ابن الكلبي: أنه كان سبب ادعاء أبيه إياه، « أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس، فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم، فقاتلوهم عما معهم، وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: كُرَّ  يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر، فقال: كُرّ وأنت حر، فكَرّ وقاتل يومئذ قتالا حسنا، فادعاه أبوه بعد ذلك، وألحق بنسبه». الأغاني، 8/246.

وحكى غير ابن الكلبي: أن السبب في هذا « أن عبسا أغاروا على طيء، فأصابوا نعما فلما أرادوا القسمة، قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيبا مثل أنصابنا لأنك عبد، فلما طال الخطب بينهم، كرّت عليهم طيء، فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عدوهم. واستنفذت طيء الإبل فقال له أبوه: كُرّ  يا عنترة، فقال: أو يحسن العبد الكر؟ فقال له أبوه: العبد غيرك:  فاعترف به، فكر واستنقذ النعم» نفس المصدر، 8/246. وراجع: ديوان عنترة، ص: 38.

وذكر السيوطي رواية هذا الخبر في شكل قصة. راجع: شرح شواهد المغني. جلال الدين السيوطي، 1/481.

19  ديوان عنترة ص: 207. الحليل: الزوج. والغانية: الشابة. والمجدل: المصروع بالأرض. ومعنى تمكو: تصفر بالدم وتصوت. والفريصة: لحمة بين الجنب والكتف من الدابة. والأعلم: البعير، سمي بذلك لشق مشفره الأعلى، شبه صوت الطعنة عند خروج الدم منها بصوت شدق البعير إذا هدر. والمارن: الرمح اللين عند الهز. والرشاش: نضح الدم. والنافذة: الطعنة. والعندم: صبغ أحمر.

20 ديوان عنترة، ص: 248. المنصب: الحسب، والأصل، والمنصل: السيف. يقول: شطري شريف من قبل أبي، فإذا حاربت حميت شطري الآخر من قبل أمي، حتى يصير له من الشرف مثل ما صار للشطر الأول، وسائر الشيء بقيته، واشتقاقه من السؤر، وهو ما فَضُل من الشيء.

21  نفسه ص: 308. يقول: أغض بصري إذا بدت لي جارتي حتى تدخل منزلها فيواريها، ولا أتبعها نظري. وقوله، لا أتبع النفس اللجوج هواها، أي: إذا هويت نفسي ما يكون فيه غضاضة (علي). ولـجّت في إرادته: منعتها منه ولم أتبعها إياه.

22  نفسه، ص: 209 . قوله، أعف عند المغنم، أي: إذا غنمت شيئا تركته لأصحابي.

23  نفسه، ص: 308. قوله أغشى فتاة الحي، أي: أزورها واصلاً لرحمها ما دام حليلها معها، فإن خرج غازياً لم أغشها محافظةً عليها، وصيانة لعرضي وعرضها.

24  نفسه ص: 249. الطوى: الجوع، وهو مصدر طوى إذا خَمِصَ بطنه من قلة الأكل. وقوله، أظله أي: أظل على الجوع نهارا، يعني لا آكل شيئا وإن طويت يوما وليلة وأكثر من ذلك، حتى أنال من الطعام أطيبه وأكرمه.

25 راجع: ديوان المعاني، أبو هلال العسكري، 1/110. وديوان عنترة، ص: 68.

26  ديوان عنترة، ص: 308.

27 نفسه، ص: 191. يقول لمحبوبته: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فال تظني غير ذلك.

28  شرح ديوان عنترة ص: 2. العذراء: البكر، يعني ان حبيبته الحسناء البكر أصابت قلبه بنبال نظراتها ما لهن دواء، أي: ليس لجرحه من دواء يشفي. وقوله ( مرت أوان العيد...) يعني أنها مرت عليه يوم العيد بين فتياتßßكالشموس حسنا عيونهن كعيون الظباء. واغتالني، يعني: أهلكني من حيث لا أدري مرض الحب الذي أكتمه، فكان الكتمان سببا في إذاعته وظهوره.

29 شرح ديوان عنترة، ص: 3.

30نفسه، ص: 5.

31  ديوان عنترة، ص: 255. الغمرة: شدة الحرب، وأصلها معظم الماء، فاستعيرت لكل أمر عظيم، وقوله، باشرتها، أي: قاسيتها والتبست بها حتى انجلت بعد عسر، وما كادت تنجلي من شدتها، وعظمها. وقوله، فيها لوامع، أي: في تلك الغمرة سيوف لوامع. وزهاؤها: كثرة عددها. وقوله، لسلوت بعد تخضب وتكحل، أي: رجعت عما أنت فيه من الزينة والتنعم.

32 نفسه، ص: 205.

33  ديوان عنترة، 205-207. قوله، سمح مخالقتي، أي: سهل معاشرتي. وقوله، إذا لم أظلم، أي: أحتمل الأمور وإن شقت علي، ما لم أنل بظلم وذل. وقوله، مستهلك مالي، أي: يهلكه بالعطاء. والعرض هنا الحسب، أي: لم أُلَم فيقدح في حسبي ويُنتَقص شرفي، وضرب الكلم مثلا، والكلم: الجرح. وقوله، وإذا صحوت، أي: إذا صحوت من سُكري، فأنا أتكرم وأجود. والشَّمائل: الخلائق، والمعنى: أنني إذا شربت الخمر فرويت منها فإنني أهلك مالي وأفرقه، فيكون عرضي وافرا، وإذا خرجت من سكري لم أقصر أيضا عن الندى، والندى: العطية.

34 سوسيولوجيا الغزل العذري، الطاهر لبيب، ص: 54.

35  نفسه، ص: 64

36 ديوان عنترة، ص:251، الهياج: شدة الحرب. والأعزل: الذي لا سلاح معه. يقول: غدوت في مقدمة الجيش عند هياج الحرب وأنا حامل السلاح غير أعزل. وبكرت، يعني: عادلته، أي: عجلت عليه بلومه على اقتحامه للحروث وتعرضه للحتوف. وقوله: بمعزل، أي: بناحية لا تدركني فيها المنايا. يقول: لابد من الموت فلم أخوف به.والمنهل: الماء المورود. يقول: الموت كالمنهل المورود الذي لاغنى عن وروده. وكذلك الموت لابد منه.

37 شرح ديوان عنترة ص:21. صروف النوائب، أي: أحداث الدهر. وقوله، تغر بي، أي: تخدعني به. والأطايب، أي: يتملقونه بأشرف الأسماء.

38  نفسه، ص: 160.

39 ديوان عنترة، ص: 210.

40  شرح ديوان عنترة، ص: 58.

41 ديوان عنترة، ص: 67.

42  نفسه، ص: 330. أسوده وأحمره، يعني: أن كل امرئ يحمي أهله من النساء ويقيهم بنفسه من الأعداء أبيضا كان أو أسودا.كنى بالاحمر عن العجم، وبالأسود عن غيرهم. والشعرات المشعرة، أراد بها: القبيلة. 

 

ahmad alkhozaiاللغة هي من أهم وسائل التواصل الإنساني، وإحدى المدركات الحسية القادرة على خلق حالة من الانسجام النفسي والمادي بين البشر، وهي جزء لا يتجزأ من نمطية التطور الفكري والمادي، فهي قابلة للتطور والتكيف مع تطور الإنسان، ولغتنا العربية تعد من أكثر اللغات إثراء وغنى بالمفردات والتراكيب، وأوسعها افقأ في التعاطي مع المعنى للمفردة الواحدة، وهذا الغنى قد ولد هاجسا لدى سيبويه  وخوفه من أن ينتج عن هذا التمدد اللغوي الفضفاض إلى خلق تراكيب ومفردات وجمل جديدة، يصعب التعامل معها من حيث الصرف والإعراب وتفسير المعنى الحرفي لها بشكل دقيق، لذلك نجد إن أهم مظاهر تطور الأدب العربي في العقود السبعة الأخيرة هو تطور اللغة لديه وتحولها إلى وسيلة لإيصال أفكار وأحاسيس وتصورات  الإنسان العربي المعاصر، بعد أن كانت غاية، فنجد معظم ما كتب قبل هذه المرحلة على مستوى النثر بدءا بالمقامات إلى المقال وانتهاء بالسرد القصصي والروائي كان الاهتمام منصب فيه على اللغة بصورة متجردة وبمعزل عن فحوى النص وفكرته، فنجد الكاتب يكون جل اهتمامه هو كيفية إبراز هذه اللغة بصورة جميلة وفي حالة اتساق مع ما كان شائعا آنذاك، فيلجا إلى المحسنات اللفظية والبديع والجناس والسجع واختيار تراكيب لفظية تعاني جمودا حسيا، وهذا ماعانا منه السرد العربي في تلك المرحلة والسرد العراقي بوجه خاص كونه كان متلقيا نهما لما يصدر عن المنظومة الأدبية العربية وبالأخص ماياتي من سوريا ومصر فتأثر بهذه السياق المعرفي الجديد وتناوله بشيء من التبعية والرتابة، ولم يستطيع السرد العراقي من التخلص من هذه المعضلة إلا في نهايات الأربعينيات من القرن الماضي، بعد أن بدء يستلهم فنون السرد من منابعها الأصلية وتأثر بما ترجم وما وصل إليه من الأدب الغربي بشقيه الواقعي الروسي والرومانسي الفرنسي والانكليزي، فكان لهذا الاحتكاك المباشر أثره في اللغة وتطورها وانسجامها مع تشابك مشاكل الإنسان المعاصر وتعقيدها .. وهنا ومن هذا المنطلق أود أن أسلط الضوء على تجربة عراقية واعدة في السرد القصصي قد وجدت لها أفقا خاصا بها في عالم السرد وشغلت حيزا متميزا فيه على الرغم الفترة القصيرة التي رافقت ظهورها على الساحة الأدبية العراقية، والتي جعلت من اللغة قاربها لتمخر فيه عباب عالم القصة القصيرة.. انه القاص عبد الكريم ألساعدي القادم من وجع الجنوب وأصالته وغناه الفكري والإنساني، في تجربته الثانية في السرد، مجموعته القصصية (كوميديا العالم السفلي) والتي صدرت عن (بورصة الكتب للنشر والتوزيع / مصر) 2016.. والتي احتوت على خمسة عشر قصة قصيرة، حاول فيها القاص ان يرسخ مفهومي الزمان والمكان  والقفز على النمطية الكلاسيكية في السرد القصصي، مستعينا بأسلوب حكائي جعل من اللغة التي اقتربت من القصيدة النثرية في الكثير من المحطات، أداته في إيصال ما يريد إيصاله إلى المتلقي عبر انتقالات لغوية متنوعة تحمل دلالات نفسية غاية في العمق والتعقيد، وتنم عن نضوج معرفي وثقافي تمتع بهما القاص، استطاع من خلالهما الولوج إلى أدق تفاصيل  النفس الإنسانية، في جميع حالاتها ( الحزن والفرح، الخوف و الطمأنينة، اليأس والأمل، اللامبالاة والدهشة).

(الولادة) : عمد القاص على استخدام تراكيب لغوية تقفز على المألوف لتصوير لحظة الولادة تلك الرحلة الخطرة التي تقود إلى المجهول، لحظة الانسلاخ من العدم إلى الوجود ..(كنت وحدي حين هبطت من ذلك الشاهق، أراوغ غيبتي وانتظر)، ويستمر القاص في تصوير هذه المشهد الدراماتيكي بنوع من الدهشة والترقب ..( دثار من أطياف الذر يلتف حولي يوقع عهدا  بنفحة بيضاء، يمسح غبار العتمة عن وجهي أتلو بنوده فأتوهج بشهقة تكويني)، لوحة سيريالية يحاول القاص فك رموزها، وجدلية فلسفية يستوقفنا عند بعض مفاصلها وأسئلتها المهمة والمبهمة، إنها جدلية الوجود، ماهيته ؟،  هل هو فعل إرادة أم فعل خضوع وانقياد ؟ ليختمها بصرخة رفض تضيع في صخب الحياة ..( أطلق صرختي في المدى، لكنها تضيع وسط موجة من الهلاهل ملأت الفضاء).

(كوميديا العالم السفلي) : نص استخدم فيه القاص تقنية التضاد اللفظي في سياق الجملة الواحدة، وهو الاستعانة بصفة تقف إلى الضد من الموصوف، أي وصف الاشياء بصفات متناقضة مع حقيقتها، آو استخدام مفردتين ذات معنيين متعاكسين، وهذا دال على الحالة السيكولوجية المأزومة التي يعيشها البطل، ويبدو هذا واضحا من خلال عنوان القصة المستمد من عمق التاريخ وأساطيره، العالم السفلي ورمزية الرعب والعذاب والجحيم التي يشير إليها هذا المكان، ليربط هذه العبارة بالكوميديا بدلالاتها النفسية والسلوكية التي تشير الى الفرح والسرور، في مقاربة مع كوميديا دانتي وتناقضاتها، تصوير غاية في التعقيد لحالة الإنسان العراقي البسيط في ظل سطوة النظام السابق وماسيه  ..(أرى أشلاء القتلى تطوف حول ظل لوحاته، تنز بين ثناياها قوافل قطيع الأحلام، يشيعها عويل من نساء محنات بالوحل، مكحلات بالدمع).. وفي موضع اخر من القصة يعود القاص الى نفس المتوالية اللغوية مستغرقا في وصف حالة الياس والقنوط التي كان يعيشها الإنسان هنا، مستخدما ضمير المتكلم، كنوع من تبني القاص لما ورد في النص .. (اتأمل آخر لوحاته، امرأة في ريعان الشيخوخة، تلتحف النحول، لكنها مبتسمة، ساخرة من الذين رحلوا).

(سروال داخلي): قصة تتناول الزمن في اللغة، استخدام تقنية الاسترجاع والاستذكار، والوقوف عند زمن ميت، عبر مشهد بانورامي تتداخل فيه الصور والرؤى والأزمنة في المسافة الفاصلة بين نصب الحرية وجدارية فائق حسن، يتداخل فيه الماضي مع الحاضر والمستقبل ولحظة انتظار يعيشها البطل عبر هذه الأزمنة المتشابكة املا في ان يلتحق به (سعده) الذي يفتقده منذ الولادة، وتاه عنه في خنادق الحروب .. (الوقت عصر اقتفي خطوات الأمس فرحا اتبع اثري أتوق إلى ملامح تهلل باللقاء اشتياقا اجتاز محطات ترجلت عندها أسماء وطقوس الملم ذاكرتي .. كم مرة التقينا في ذات المكان ؟ أنا أقف تحت الجانب الأيسر لنصب الحرية بموازاة الثور الهائج مثل كل مرة سيأتون على الموعد سوى سعدي).. ثم ينتقل السرد إلى حوار بين  البطل  وبين أناس مفترضون عن أحلام مؤجلة أحلام طال انتظار تحقيقها، في مجتمع سحقه الخوف والظلم والاستبداد، وهنا يصور القاص لحظة الدهشة التي عاشتها الجماهير وهي تعيش زمن الخيبة، خيبة لم تكن تتوقعها بعد ان تنفست هواء الحرية بعد عقود من الاستبداد، في إشارة إلى الأحداث التي جرت بعد التاسع من نيسان 2003، نراها تعود إلى نصب الحرية لتجد جزء من عالم الأمس القريب لازالت ماثلة .. (في المسافة مابين نصب والخيمة وحده سعدي كان غارقا في موجة دهشة).

(غبار القصائد) : ثيمة غرائبية يتناول فيها القاص قامة من قامات الشعر العربي عبر مر التاريخ، وهو الشاعر أبو الطيب المتنبي، ليزجه في مزاوجة تاريخية اختلط فيها عنصري الزمان والمكان وتداخلا، في عملية استحضار لها دلالاتها ورمزيتها، حين يلتقي السارد مع هذا الشاعر في شارع الرشيد، وتعرض الأخير  لمفارقات ناجمة عن تأثير الزمن في السلوك الإنساني وتعاطي مع الآخر، لينتهي هذا اللقاء العابر بان يقرر المتنبي العودة الى زمنه لكنه أراد من صديقه الطارئ والذي أطلق عليه مفردة (بني) في إشارة على ان البطل السارد كان يمثل القاص نفسه، أن يلقنه بعض  الوصايا المتعلقة بأهمية اللغة ووجوب المحافظة عليها ودورها المهم والمحوري في الأدب بصورة عامة.. (أوصيك بني والشعراء، أن تطعم حرفك بهاء الصدق، وعظيم المعنى، اجعله وهجا تهيم به فراشات الحب والجمال، ولا تخشى إلا الله).

 (رقصة فزع) قصة استعمل فيها القاص الأفعال المضارعة وفق نسق سردي متوالي، لشخص يسير في طريق يقوده إلى بيته، لكنه كمن يدور في حلقة مفرغة، بعد أن أغلق طريق العودة عليه جنود الاحتلال الأميركي ..طبيعة الأفعال المستخدمة توحي بحجم التيه والتخبط اللذان كانا يعيشهما البطل، بعد صور القاص البعد المكاني والزماني لذلك المشهد، كانت الأفعال توحي بوجود إرادة مكبلة مشلولة يحاول البطل من خلالها فعل شيء مجدي.. (يحط، يسلك، يجد، يدق، يبحث، يرى، يغور، يتكور، ينتظر، يصحو، يلقي) وهكذا تستمر الأفعال المضارعة لتشكل اصطفافا لغويا يشير إلى الحركة والاضطراب، هذا السيل من الأفعال ينم عن قدرة امتلكها عبد الكريم ألساعدي في توظيف الفعل في سياق السرد ضمن جمل مقتضبة موحية.. بعدها تتحول الأفعال المضارعة بصيغة المتكلم، توحي بفعل إرادة بعد أن كانت فعل نكوص وخوف، حين قرر ان يصل الى بيته بغض النظر عن الثمن الذي سيدفعه جزاء قراره هذا وكانت الأفعال كالأتي..( أتسور، اصعد، انظر، ابتسم، ارتدي، ارمي).

(امراءة القمر): في هذه القصة التي تصور لحظة هيام يعيشها البطل يطرح خلالها عدة تساؤلات يبدو انه كان يعرف جوابها، نجد تكرار الا النافية في سياق السرد بصورة ملحوظة، بدءا بمطلعها..(لا ادري متى، وكيف أتيت الى هذا الإسطبل، لكني على يقين إني كنت مختلفا تماما عما عليه الآن)..وتستمر تداعياته الفكرية التي توضح حجم الوحدة التي يعيشها المشبعة برغبات وأمنيات مفقودة افتراضية ليس لها مكان على ارض الواقع، وقد عبر عن ذلك بقوله.. (لا جواب سوى صدى الخواء).. تعطشه للآخر في تلك العزلة القسرية التي يعيشها جعلته يفقد الاحساس بعنصري الزمان والمكان وهنا انتقل السرد من ضمير المتكلم الى ضمير الغائب.. (لا يعرف سوى شيئا غير النهر، وشجرة الصفصاف التي توسد ظلها، وأحصنة تعرفه جيدا أكثر من كل شخص آخر، لا يعرف سوى انه سائس إسطبل يقع في طرف إحدى القرى النائية).

(1700) استخدام تقنية المشاهد والصور السينمائية، عبر انتقالات مكانية وفضاءات متعددة، ضمن حيز واحد لبانوراما وحشية دموية، تصور مجزرة سبايكر التي ارتكبها الإرهاب بحق 1700 مقاتل عراقي اعزل .

الصورة الأولى: تبدأ بمقطوعة نثرية هي اقرب الى لغة الشعر منها الى السرد القصصي، يصور فيها جزء من هذه المجزرة في منطقة صحراوية.. (قفار ترتدي أشلاء القتلى عند منعطف الخديعة، كان وحيدا يسمع صدى صراخ عن بعد، صراخ يناهض ارتعاشه الخراب).

الصورة الثانية: النهر هو مسرح الجريمة .. (كان النهر يرتدي قمصان فجر اثم، يجهش بالموتى، عند بوابة قصر اله من وهم).

الصورة الثالثة: العودة إلى لغة الشعر في التعبير عن مشهد آخر من المجزرة وهو المدينة.. (تعتري افقه مدن تتقلص وجعا، يراقصها هجير صبوة العربان، فحيح الخيانة تلامسها فصول الوسواس).

الصورة الرابعة: استخدم فيها القاص حيز مكاني آخر ضمن نفس الزمن وهو القرية، التي شهدت جزء من هذه المجزرة.. (تمتلكه لحظة تنوء بحجرشة قرى عالقة بغبار الذكرى، تصطف أمامه دروبا من نخيل، يتأرجح بين اللهفة والحسرة حين أدرك مساءات مضيئة بالبوح).

الصورة الخامسة: مفترق طرق يؤدي الى مدن أخرى ملؤها الموت والخيانة.. يطرح من خلالها القاص على لسان بطله سؤال ينم عن دهشة كبيرة وخيبة أمل .. (أني لأعجب كيف تزدحم المدن بالخيانة).

الصورة الأخيرة: كانت خارج اطر الزمان والمكان، لوحة افتراضية لأرواح أجساد مغدورة تبحث عن السكينة بعد محنة عاشتها أجسادها .. (ثمة أشباح في الأفق أسكتتها الجهات، تحمل شموعا من دمع وقلق تبكي خطاها ).

(ذات الأثر): كان لحضور الأسماء في هذه القصة أثره النفسي ودلالته الفكرية، لإيصال جوهر ما أراد إيصاله عبد الكريم ألساعدي، في تناوله لهذه الثيمة المحملة بالشجن والعاطفة، واستحضاره لشعيرة دينية لها حضورها المؤثر على المتلقي، وهي عملية توظيف لفظي تمكن القارئ من فك رموز الأحجية والإجابة على جدلية تاريخية وفلسفية، تشير إلى الارتباط الفطري للإنسان مع جذوره البيئية والعقائدية حين يكون حب الحسين جزء من ميراث أب ميت (تعانق أم حسين كل ليلة صدى صوته، تتدثر بعباءة المكان الذي عشقه لخدمة العابرين إلى النور دون خوف).. فكان لاسم (حسين) أثره الواضح في سياق السرد وربطه بالشعائر الحسينية التي تتكرر كل عام، عبر توظيف لفظي كان عنوان القصة جزء من الإجابة على هذه الجدلية .. وفي تصوير جميل لحالة العوز التي تعيشها تلك الأسرة الصغيرة التي فقدت معيلها نجد القاص يرتب الأولويات ضمن نسق اجتماعي ممزوج بعاطفة دينية جياشة.. (كل شيء يأفل إلا خدمة الزائرين).

 

احمد عواد الخزاعي

 

madona askar"أنا لم أنته بعد...

مازلت في انتظار القصيدة الأم التي ستَلِدني دفعة واحدة." (يوسف الهمامي)

 

- القصيدة الأم/ باكورة القصائدة ... البدء والمبدأ. 

منذ البدء كانت القصيدة. ذاك أوّل ما نقرأه بل نعاينه في هذه الشّذرة السّرّ الّذي يدعونا إلى التّأمّل بمبدأ كونيّة الشّاعر. والمبدأ في هذه الشّذرة يترادف والبدء من ناحية حضور القصيدة الأزليّة الكائنة. القصيدة أمّ الشّاعر وحاضنة كيانه الشّعريّ. ولدته من فيض كينونتها، وبه ولدت القصائد.  فأمسى الشّاعر جزءاً لا يتجزّأ منها. ولمّا كان الشّاعر مولوداً من القصيدة الأم/ المبدأ، حيا في كنفها وتشكّل كونه الشّعري في ظلّها وقاده وحيَها إليها.  وارتباط الشّاعر الحميم بالقصيدة الأمّ يمنحه القدرة على الإصغاء لصوتها وتلمّس حقيقة حضورها الّذي يخلق الشّاعر كلّ لحظة بشكل مستمرّ، يخرج عن نطاق الزّمنيّة والمكانيّة. (أنا لم أنتهِ بعد...). نستشف من عبارة (لم أنتهِ) بدءاً سابقاً منحته القصيدة الأمّ امتداداً وأبداً  شعريين لا يزولان. بمعنى آخر ولد الشّاعر من القصيدة ويخلص إليها ويكتمل بها. تؤكّد المعنى كلمة (بعد) إذ إنّها لا تحدّد نهاية ما، بل تشير إلى امتداد من نوع آخر، أو بداية النّهايات. كما أنّها توحي بحالة انتظاريّة للمبدأ الأصل، للحالة الأولى ما قبل ولادة الشّاعر. هذه الحالة الانتظاريّة حياة قائمة ترنو إلى الولادة الكاملة، إلى اكتمال كيان الشّاعر الّذي بلغ ذروة الالتحام بالوحي الشّعريّ حتّى بات ينتظر ما بعد الوحي. (ستلدني دفعة واحدة). الشّاعر المنغمس في الوحي الشّعري، المنقاد به وإليه، الملتحم به حدّ التّماهي، ينتظر انبعاث كيانه الشّعريّ من رحم القصيدة الأمّ الأزليّة، أي أنّه ينتظر أن يتحوّل إلى لغة.

وكأنّي بالشّاعر مشرف على النّهايات أو يتلمّسها فينتظر. يحاكي الولادة الجديدة الّتي توقظ رعشة الخوف في قلب الشّاعر. خوف أشبه بخوف الطّفل المستعدّ للخروج إلى العالم، وأشبه بخوف رجل يواجه نهاية العالم.

 

abdulhaq alsalikiسأمحور القول حول: شعرية الكتابة الصوفية، باحثا من خلال هذا المكون عن خصوصيات هذه الكتابة التي ارتبطت في أعلا مدارجها بأحوال تخرج بالإنسان من ظاهره الطبيعي الى تمثلات روحانية ؛ يدفعنا الفضول وحب المعرفة الى الوقوف عندها، بغية تجلية مظاهر النص أولا، لتحديد دلالاتها وأبعادها الاشارية ثانيا .

 

أولا: تحديد المفاهيم

يقتضي الاجراء المنهجي الوقوف على مصطلحات هذه المداخلة: " شعرية "، " الكتابة "، " الصوفية " ؛ قصد تحديد دلالاتها، وحدود توظيفها .

مصطلح " شعرية " Poétique " كما انتقل الينا عبر التقاليد يعني أولا، كل نظرية داخلية للأدب . وثانيا، أنه يطبق حسب اختيار الأديب من بين كل الامكانات الأدبية (وذلك مع الترتيب الموضوعاتي الذي يخضع له تكوين الأسلوب، الخ) " شاعرية فكتور هيجو " مثلا، وثالثا، أنه يرجع الى القوانين المرسومة، والتي يجب الخضوع لها، من طرف كل مدرسة أدبية . ولن نهتم هنا إلا بالتحديد الأول للمصطلح (1) .

فنرصد الخصائص البنائية والوظيفية التي تميز الكتابة الصوفية من غيرها، وهي الأركان التي بدونها، وبدون انسجامها لا تكون هناك كتابة صوفية وهي: " الغرض المتحدث عنه، والمعجم التقني، وكيفية استعماله، والمقصدية "(2) .

لقد اهتم بهذا المفهوم ثلاث مدارس أساسية هي:

الشكلانيون الروس الذين أعطوا للمفهوم بعدا لسانيا

New criticism

 النقد المعروف بالشعرية .

ونلفت الأنباه الى أن الشعرية لا تهتم بالشعر فقط، وانما تهتم – حسب التقليد الأوربي – بالوصف والتنظير للنص الأدبي . تكشف عناصره، وتضع وتؤطر أدوات التحليل، تحدد المشترك بين النصوص.

" وتحديد الكتابة الصوفية أنها: تهدف الى تكوين انسان كامل بطرق خاصة في سياق معين " (3)، بوساطة اللغة، باعتبارها " وعاء التجارب، ودليل النشاط الانساني ومظهرالسلوك اليومي الذي تقوم به الجماعة . فاللغة هي أساس كل أنواع الأنشطة الثقافية، فهي أقرب وأنجع وسيلة لاستقصاء الملامح الخاصة لأي مجتمع كان . " (4)

أما نعت الصوفية فمن التصوف La panthéisme وهو مبحث يطلب معرفة الحقائق الالهية عن طريق تطهير النفس . والتطهير درجة من العبادة تقتضي التخلص من المادة والتحرر من عبودية الجسم والانقطاع الى العبادة قصد الوصول الى المعرفة الحقة، بالتقرب من الله . لا تكون هذه المعرفة بالجدل والبرهان، كما هو الشأن بالنسبة للفلسفة وعلم الكلام، وانما بالكشف ؛ حيث تنكشف الحقيقة التي تعجز اللغة عن وصفها، كما يقول الغزالي " ... ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال الى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا واشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه " (5).

 سمي التصوف بهذا الاسم لأن أصحابه يقصدون صفاء القلب، أو لكون المفهوم مشتق من الصوف وهو لباس الناسك الذي يحتقر الجسد، ويتخذ هذا اللباس الخشن شعارا له . وقد نشأ في البداية زهدا تمثل في الاعراض عن ملذات الدنيا والاقبال على الآخرة ؛ لينتقل فيما بعد – متأثرا بالفلسفة الشرقية من هندية وصينية وفارسية ، وبالأ فلوطينية – الى اتجاه اشراقي نفسي وعقلي . بل ابتعد عن اطاره المرجعي الذي هو الاسلام مع المتطرفين من المتصوفة .

اذا كان الزهد قد قام على الخوف من النار والطمع في الجنة، فان التصوف قد قام على الحب وحده . تقول رابعة العدوية " ان كنت أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، وان كنت أعبدك خوفا من نارك.

 

فاحرقني بها، انما أعبدك لأنك أهل للعبادة " . هذا الحب يعيشه الصوفي حالا لا مقالا، للدرجة التي لا يستطيع معها ضبط عدد ما يصلي من الركعات، ولا أن يأتي بالصلاة على وجهها . هذا الحب العرفاني سرعان ما اصبح نوعا من " النارفانا " أي اتحاد المتصوف أو الذوبان الكلي أو الحلول .

اذا كان التصوف قد نشأ في بيئة اسلامية، وارتبط بالإسلام ؛ فانه أخذ عن الديانة الهندية مفهوم " النارفانا " التي تقول بالتناسخ ، ومفاد هذه الفكرة: ان النفس ترجع الى الحياة عدة مرات تسمى أدوارا . وذلك من أجل التهذب فإذا اكتمل تهذيبها لم يبق لمجيئها هدف فتدخل في دور " النارفانا " أي التلاشي والانعدام والذوبان، وهذه أسمى مراحل النفس لأنها تفقد الشعور والاحساس بالألم الذي يسببه لها اتصالها بالأجسام .

ومن العنصر الصيني أخذ التصوف فكرة " الطريق " (التاو) وهي أسلوب في الحياة يساعد على تحقيق الهدوء والرضى . فقد تكلم عن هذه الطريقة الفيلسوف الصيني " لاوتسه تشانغ تسه "، حيث تمر النفس بثلاث مقامات: يبدأ المتصوف بتزكية نفسه حتى يتجرد من جميع شهواته، ثم يصل الى الاشراق حينما يصبح عمل الفضائل تلقائيا عنده، ثم يحصل له الاتصال، وعنده يصبح المتصوف قادرا على ادراك ما يجري في العالم وهو في بيته . أظن أن هذا الادراك غير ممكن، اللهم الا اذا كان المقصود به فهما خاصا . وما أظن المتصوف سيورط نفسه في هذا الادعاء الذي ستعود عاقبته عليه، لأنه أمر يسهل تفنيذه .

أما مفهوم وحدة الوجود فتم استقاؤه من الفلسفة اليونانية، ويعني أن مظاهر الطبيعة وأوجهها هي مظاهر ألوهية .كما نجد تأثير " الفيتاغورية " (نسبة الى فيتاغوراس) التي تقول: ان وراء العالم المادي عالم روحي تشتاق اليه النفوس ولكن لا تصل اليه الا بعد أن تتطهر .

ان المعرفة الصوفية معرفة غير مكتسبة ولا متعلمة، كما أنها ليست منطقية ولا جدلية، اذ هي الهام يصله المتصوف عن طريق المجاهدة القاسية، يتم البحث عنها في الباطن . بدورنا سنبحث عن شيء من ذلك داخل المتن الشعري بتحديد:

 

ثانيا: شعرية الشعر الصوفي بالمغرب

" الكتابة الصوفية أنواع متعددة: منها كتب طبقات الصوفية والشعر التعليمي الصوفي، والرجز الصوفي، والشعر الذي قيل في غرض التصوف، والكتب التعليمية الصوفية، والمؤلف الذي يجمع بين دفتيه غالب أنواع الثقافة العربية وكأنه من كتب الأدب العام . " (6) هذه التعددية،و الوفرة تفرض الانتقاء، وبالتالي الاقتصار على: شعرية بعض الشعر الصوفي .

 قبل تفصيل الكلام في الموضوع فإننا نفترض أن المتن الشعري الذي سنعتمده هو محقق تحقيقا أمينا

خاليا من كل تصحيف أو تحريف أو اضافة .. وغير ذلك مما هو موجود في ثنايا مخطوطات التصوف المحققة (7) . كما سنركزعلى العناصر البنائية للشعر الصوفي، والتي يمكن اختصارها اجمالا في

المعجم والغرض منه وتوظيفه ومقصده ؛ على اعتبار أن المعجم هو المشير الأساس والبارز الذي يجعل المتلقي يقبل على مأدبة المتصوف .

يقول الشاعر الصوفي المغربي أحمد بن عجيبة، وهو من متصوفة القرن الثالث عشر الهجري، في عينيته:

سقاني حبي من مدامة حبه = = فأصبحت من خمر الهوى أتضلع

فلما سقاني زاد منه تعطشي = = فكان فؤادي بالجوى يتقطع

فلو أن الكون عرشه مع رشفه = = كؤوس خمر الحب ما أنا قانع

صحا الناس من سكر الحبيب وأفرقوا = = واني على الصهباء في الحان جامع

و لي لوعة بالراح اذ فيه راحتي = = وروحي وريحاني وخيره واسع

سكرنا فهمنا في بهاء جماله = = وغبنا عن الاحساس والنور ساطع

تبدت لنا شمس النهار وأشرقت = = فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع (8)

 

تدخل هذه القصيدة في اطار الشعر الذي قيل في غرض التصوف، المجسد، هنا، لمعاني الحب الالهي أو (التلميحات الخمرية) . قصد، من خلالها، الشاعر التعبير عن حالة الامتلاء من الهوى بعدما سقاه حبيبه من مدامة الحب ؛ فزاده جوى وتعطشا . هذه الخمرة التي كل ما زاد منها شربا زادته ظمأ، ففيها راحته وروحه وريحانه . هذا السكر يرفع شاربه الى ملكوت الجمال، ويغيب احساسه في جو نوراني .

وقد وظف في هذا المقام معجما خمريا هذه عباراته:

(سقاني، مدامة، خمر، رشفه، كؤوس، صحا، سكر، الصهباء، الحان، الراح، سكرنا) .

هذا بالإضافة الى ا لمعجم ا لمساند لسياق الشرب والندامى مثل: (حبي، حبه، الهوى أتضلع، تعطشي، الجوى يتقطع، الناس، الحبيب، أفرقوا، لوعة فهمنا، بهاء جماله، غبنا عن الاحساس) .

ماذا لو لم أنسب، في البداية، هذه القصيدة لصاحبها أحمد بن عجيبة وقلت لكم: قال أبو نواس في خمرياته، وسردت الأبيات، أتراكم مصدقوني ؟

نعم،

ان هذا المعجم الذي يوظفه الصوفي في أشعاره يثير اشكالا متعلقا بالعلاقة بين الدالSignifiant والمدلول Signifie والمرجع Referent . فالدوال لمدلولات وحيدة ويرمز بها الى ما تدل عليه ؛ والذي له حق التصرف واعطاء دلالة ثانية أوثالثة .. هو السياق أو الاستعمال الاستعاري مثل: (العين = منبع الماء)، (العين = الجاسوس)، (العين = عين الركبة)، (العين = مدينة في الامارات العربية المتحدة)،(العين = زكاة العين)، (العين = عضو النظر)، (العين = حرف) ..

فاختلاف السياقات هو الذي يرجح معنى دون آخر . أما مع الشعر الصوفي فالدوال والمدلولات متحدة مع السياق، والذي يمكن أن يكون مخالفا هو المرجع، فما الذي يدل عليه ؟؟ اذ هو مضمر، خاص بالصوفي . بينما اللغة هي للجماعة التي تعبر بها عن أغراضها كما يذهب الى ذلك ابن جني لكي تكون هناك مفهومية .

ان الذي يفهمه المتلقي من البيت:

سقاني حبي من مدامة حبه = = فأصبحت من خمر الهوى أتضلع

هو، هو، سواء أقاله عمر أو قاله زيد، سواء أقاله أبو نواس أو قاله ابن عجيبة .. فألم يكن أجدر بالشعر الصوفي أن يضع لنفسه مصطلحات تفيد معاني الاتحاد والفناء في المحبوب بدلا من توظيف معجم الخمريات الذي يوقع المتصوف في شبهة،ثم أنه في هذا التوظيف يكون مستعيرا ن ومشبها لحاله بحال من لعبت الخمرة برأسه . والواقع أن المشبه يكون أقل من المشبه به مقاما وقدرا وصفة ؛ وهذا ما لا يرضاه الصوفي الذي ينشد الصفاء لنفسه، بل الكمال لروحه .

بالإضافة الى اشكال الاحالة الذي يثيره المعجم ؛ حيث ان المتلقي لا يعرف من الدوال والمدلولات الا ما تعود عليه في استعمالاته اللغوية فان الاشكال الثاني يتمثل في كيفية التفاعل مع الخمرة التي تنقل شاربها من حالة واعية الى حالة لا واعية . بينما الصوفي يظل محافظا على وعيه مع شربه وغياب حواسه . يقول الشاعر:

سكرنا فهمنا في بهاء جماله = = وغبنا عن الاحساس والنور ساطع .

اشكال آخر يرتبط بالسابق، وله علاقة بالمعجم الصوفي ككل ؛ اذ يتحدث المتصوف أو الداعي الى التصوف عن موضوعات مثل الحديث عن المرأة مثلا، ويستعمل عبارات غزلية كالتي يوظفها غير الصوفي .

يقول ابن العطاء أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل (ت 309):

أجلك أن أشكو الهوى منك أنني = = أجلك أن تومي اليك الأصابع

وأصرف طرفي نحو غيرك صامدا = = على أنه بالرغم نحوك راجع .

الا أن هذا الذي أعتبره نقصا لم يمنع وجود مصطلحات صوفية عرفانية مثل: (السالك، المريد،المجاهدة، مدارك، المقام،الأحوال، القطب، التعراج، المعرفة الاشراقية،الحضرة اللدنية (الحدسية)) .يذهب د . جميل حمداوي الى أن " هذا الاصطلاح العرفاني ليس مثل غيره من الاصطلاحات العلمية والفنية المقننة بدلالات حرفية معينة، وانما هو اصطلاح زئبقي تتغير دلالاته المفهومية والتصورية حسب كل صوفي ومقام سلوكي وتجربة عرفانية، وبالتالي، تدخل الكتابة الصوفية والاصطلاحية ضمن عالم مجرد مغلف بالمجاز، ومسيج بنسق مكثف من الاشارات والعلامات الرمزية، كما تتخذ هذه الكتابة أبعادا سيميائية ايحائية تنزاح عن الدلالات اللغوية والمعجمية الحرفية " (9)

 

ثالثا: المعجم الشعري وتجاذبات الواقع

تتجاذب القصيدة الحديثة وهي بين الرؤية والرؤيا اتجاهات فلسفية وفكرية ودينية من بينها التصوف، هذا الى جانب الاغراق في الذاتية والتعبير عن الصوت الداخلي للشاعر الذي يتخذ تجليات يصعب تأويلها، هذا في عالم تحكمه العولمة والتوجه البراغماتي، وتحقيق الصوت الوحيد المجلجل الذي يخرس التأوهات، وينأى بنفسه عن التضرع والمناجاة . انه الصوت الذي يملك لغة ليست على شاكلة ما يشنف به أسماعنا الشعر الصوفي وهو يريد أن يصفو بالروح، ويتطهر مما علق بها من أدران المادة .

ان التوجه الصوفي الصحيح قد يشكل الملاذ، وصوت الضمير لذات أنهكتها فضاضة الآلة ؛ فصارت تحن الى الانعزال، والخلوة مكتفية بالخشن من اللباس، والخشاشة مما تجود به الأرض ؛ مما يحوجنا الى معجم أكثر نفاذا الى نفس يعمل على اعدادها للترقي بها نحو مدارج الكمال .

فهل يكون ذلك ؟؟

 

.......................

المصادر والمراجع

(1)Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov , dictionnaire encyclopédique des sciences du language .p .106 . édition du Seuil , 1972.

(2) د . محمد مفتاح:دينامية النص، ط 1، 1987،المركزالثقافي العربي، بيروت – لبنان . الدارالبيضاء – المغرب، ص 129-130 .

(3) نفس المرجع، ص 129 .

(4) زهير قوتال (شعبة الفلسفة جامعة سطيف 2، الجزائر): " معمارية القول الفلسفي "، مجلة، أفكار، عدد 10، أكتوبر / نونبر 2016 .

(5)الامام الغزالي: المنقذ من الضلال .

(6) د . محمد مفتاح: دينامية النص، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدارالبيضاء، ط 1، ص 130 .

(7) وقف د . محمد مفتاح على عدة نماذج اختلافية بين تحقيق كل من: د . عبدالقادر أحمد عطا ، وتحقيق د . محمد الكتاني ل " روضة التعريف ... " .

راجع كتاب د . محمد مفتاح: النص: من القراءة الى التنظير، شركة النشر والتوزيع – المدارس الدارالبيضاء، 2000، ص 131 وما بعدها .

(8) ديوان أحمد بن عجيبة ص 102-103 .

(9)file:///c:/Documentsandsettings/Administrateur/Bureau/جميل حمداوي المصطلح الصوفي.htm

 

karem merzaالشاعركثير عزّة كان قبيح المنظر ، قصير القامة ، رث الثياب، من شعراء العلويين ، ملأ الدنيا  ، وشغل الناس، فلما رأه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، إزدراه ،وقال له تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فأجابه كثير: يا أمير المؤمنين ، كل عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى السناء؛ ثم أنشأ يقول:

وجـرّبت الأمور وجرّبتني ** فـقد أبدتْ عريكتيَ الأمورُ

وما تخفى الرجال عليّ إنّي ** بـهم لأخـو مـثابته خبيرُ

ترى الرجل النحيف فتزدريه ** وفـي أثـوابه أسدٌ هصورُ

ويـعجبك الـطرير إذا تراه ** فيخلف ظنك الرجل الطريرُ

بـغاث الطير أطولها رقاباً ** ولم تطل البزاة ولا الصقورُ

خشاش الطير أكثرها فراخاً ** وأم الـصقر مـقلات نزورُ

ضعاف الأسد أكثرها زئيراً ** وأصـرمها اللواتي لا تزيرُ

وقـد عظم البعير بغير لبٍّ ** فـلم يـستغن بالعظم البعيرُ

يـقوّده الـصبي بكلِّ أرضٍ ** وينحرهُ على الترب الصغيرُ

فـما عظم الرجال لهم بزينٍ ** ولـكن زيـنهم كـرمٌ وخيرُ

فقال عبد الملك: لله دره ، ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه ، وأطول عنانه ! والله إنى لأظنه كما وصف، فاستشعرالحرج و تسرعه فيما قال ، فاعتذر من كُثــير عزة و قربه إليه و رفع مجلسه.

 

كثير عزّة:

في (البداية والنهاية) /الجزء التاسع/ لابن كثير سنة ثمان ومائة ، وفيها توفي كثير عزة الشاعر المشهور:

وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، أبو صخر الخزاعي الحجازي، المعروف بابن أبي جمعة، وعزة هذه المشهور بها المنسوب إليها، لتغزله فيها، هي أم عمرو عزة بالعين المهملة، بنت جميل بن حفص، من بني حاجب بن غفار، وإنما صغر اسمه فقيل كثيّر، لأنه كان دميم الخلق قصيرا، طوله ثلاثة أشبار.

قال عنه المرزباني: (كان شاعر أهل الحجاز في الإسلام لا يقدمون عليه أحد، أخباره مع عـزَّة بنت جميل الضمرية كثيرة، كان عفيفاً في حبه، قيل له: هل نلت من عزة شيئاً طول مدتك ؟ فقال: لا والله، إنما كنت إذا اشتد بي الأمر أخذت راحتها فإذا وضعتها على جبيني وجدت لذلك راحة.

وقيل لكثير: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر ؟ قال: أطوف في الرباع المحيلة والرياض المعشبة، فإن نفرت عنك القوافي وأعيت عليك المعاني فروَح قلبك، وأجمَ ذهنك، وارتصد لقولك فراغ بالك وسعة ذهنك، فإنك تجد في تلك الساعة ما يمتنع عليك يومك الأطول وليلك الأجمع.

قال ابن خلكان: كان يقال له رب الدبان، وكان إذا مشى يظن أنه صغير من قصره، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان يقول له: طأطأ رأسك لا يؤذيك السقف، وكان يضحك إليه، وكان يفد على عبد الملك، ووفد على عبد الملك بن مروان مرات، ووفد على عمر بن عبد العزيز.

قالوا: ودخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:

على ابن أبي العاصي دروعٌ حصينةٌ ** أجاد المدى سردها وأدالها

قال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معد يكرب:

وإذا تجيء كتيبةٌ ملمومة شهبا ** يخشى الذائدون صيالها

كنت المقدم غير لابس جبةً * بالسيف يضرب معلما أبطالها

فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق و وصفتك بالحزم.

ودخل كثير عزة على عبد الملك فأنشده وعنده رجل لا يعرفه، فقال الرجل لعبد الملك هذا شعر حجازي دعني أضغمه لك ضغمة (الضغم: العض) . قال كثير: من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: هذا الأخطل، فالتفت إليه فقال له: هل ضغمت الذي يقول:

والتغلبي إذا تنحنح للقـرى ****حك آسته وتمثل الأمثالا

تلقاهم حلماء عن أعدائهم** وعلى الصديق تراهم جهالا

والأخطل ( 19 هـ - 92 هـ / 640 - 710 م ) ، هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي من أهل الحيرة ، كان مسيحياً

ودخل  كثير يوما على عبد الملك وهو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فإن أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها، فذكرت قولي:

إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه * حصان عليها نظم درٍّ يزينها

نهته فلما لم تر النهي عافــه ** بكت فبكى مما عراها قطينها

قال: أصبت فاحتكم.

قال: مائة ناقة من نوقك المختارة.

قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة وهو مفكر في أمره، فقال: عليَّ به، فلما جيء به قال له: أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟

قال: نعم!

قال: والله؟

قال: والله، قال له عبد الملك: إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على مذهبي، فإن أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة.

فقال: أي والله يا أمير المؤمنين فاحتكم.

قال: أحتكم حكمي أن أدرك إلى أهلك وأحسن جائزتك، فأعطاه مالا وأذن له بالانصراف.

وقال حماد الراوية، عن كثير عزة: وفدت أنا والأحوص، ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة، ونحن نمت بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، لما كان بالمدينة، وكل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة، فنحن نسير ونختال في رحالنا.

وفدت عزّة الضمرية على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال لا أقضيها لك حتى تنشديني شيئاً من شعر كثيّر، فقالت: لا أحفظ لكثيّر شعراً ولكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال فيَّ هذه الأبيات:

قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزّة ممطول معنَى غريمها

وقد سألت أم البنين عزّة عن ذلك الدين، قالت: وعدته قبلة فتحرجت منها، فقالت أم البنين أنجزيها وعليَ إثمها.

فقال عبد الملك: ليس عن هذا أسألك ولكن أنشديني قوله:

وقد زعمتْ أني تغيرت بعدها*** ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيرُ

تغيّر جسمي والمحبة كالذي**** عهدت ولم يخبر بذاك مخبرُ

قال فاستحيت وقالت: أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكون عنه، ولكن أحفظ قوله:

كأنّي أنادي صخرةً حين أعرضتْ*** من الظلم لو تمشي بها العصم زلّتِ

صفوحٌ فما تلقاك إلا بخيلــــــــــة  ****ومـــن ملَ منها ذلك الوصل ملّتِ

فقضى لها حاجتها ورد عليها ظلامتها وقال: أدخلوها على الحريم ليتعلموا من أدبها.

وروي أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب ! وامتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر.

وروي إنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك، فقالت: ويحك لا تفعل ألست القائل:

إذا وصلتنا خلّة كي تزيلنــــا *** أبينا وقلنـــا: الحاجبيــة أولُ

فقال: بأبي أنت وأمي، أقصري عن ذكرها وأسمعي ما أتقول:

هل وصل عزّة إلا وصل غانيةٍ * في وصل غانيةٍ من وصلها بدلُ

قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومن لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال: أقلبه فيتحول لك، قال: فسفرت عن وجهها وقالت:

أغدرا وتناكثا يا فاسق، وإنك لها هنا يا عدو الله، فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل، ثم قالت: قاتل الله جميلا حيث يقول:

محا الله من لا ينفع الود عنده * ومن حبله إن صد غير متينِ

ومن هو ذو وجهين ليس بدائم * على العهد حلافا بكلّ يميــنِ

ثم شرع كثير يعتذر ويتنصل مما وقع منه ويقول في ذلك الأشعار ذاكرا وآثرا

وقد ماتت عزة بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان، وزار كثير قبرها ورثاها وتغير شعره بعدها، فقال له قائل: ما بال شعرك تغير وقد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة ولا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما ينشأ الشعر عن هذه الخلال.

وكانت وفاته ووفاة عكرمة في يوم واحد، ولكن في سنة خمس ومائة على المشهور. وإنما ذكره شيخنا الذهبي في هذه السنة - أعني سنة سبع ومائة - والله سبحانه أعلم.

 

كريم مرزة الأسدي 

 

saleh alrazukلبرهان الخطيب مشروع روائي ناجح بعض محطاته نقاط علام في مسيرة الأدب العربي. غير أن روايته (غراميات بائع متجول) تصطدم بجدار المغامرة الروائية في عدة أمور. بعضها له علاقة بمفهومنا المتسامح عن الرواية.. هل هي للتسلية والترفيه أم أنها أداة تربية وثقافة.

قد تجد الإجابة عن ذلك عند المعلم غراهام غرين الذي يقسم أعماله ولا سيما الروايات إلى نوعين: أدب ترفيه ومنها (رجلنا في هافانا) و(الرجل الثالث). وأدب تحرري يهتم بقضايا إنسانية وفلسفية عامة مثل (قضية منتهية) و(نهاية غرام) وسواها.

وتفتح (غراميات بائع متجول) ملف هذه المناظرة الفنية. وتدعونا لتقليب النظر في ماضي الرواية العربية وحاضرها.

ولكن حتى لا ننجرف كثيرا مع العموميات والتهويمات النظرية بودي مقارنتها مع (أجملهن) للدكتور المرحوم عبد السلام العجيلي الذي لا نعرف عنه أي تجربة في أدب الترفيه. وإن اقترب في بعض الحالات من فن المقامة العربية والقصص الساخرة التي تشبه من قريب أو بعيد نوادر حجا ونوادر البخلاء وما شاكل ذلك.

والحق يقال يوجد في (غراميات بائع) القليل من السخرية والنكتة السوداء. ولا تجد ولو النذر اليسير منها في (أجملهن). لكن يبدو لي أن هناك علاقة لا شعورية وغير مقصودة بين العملين.

يبني برهان الخطيب فكرة روايته على حكاية أصلان العراقي ورحلاته المكوكية بين موسكو للدراسة ثم لبيع الكتب وبين استوكهولم للإقامة والتجارة. ويربط هذا القلق المعرفي بحكاية غرام مع الروسية هيلينا وهي بائعة خبز رقيقة ومتزوجة من أفاق سكير. ومثله يتابع العجيلي رحلة استجمام سعيد في النمسا واللوكسومبورغ. وحبه لسوزان النمساوية.

لكن تشابه الأفكار يدعمه لاحقا تشابه في البنية. أو في الفكرة الفنية لفلسفة العمل كله.

كلاهما يراهن على فلسفة وتكتيك صراع الشرق والغرب. وإذا كانت حرب الحضارات عند الخطيب بين ثلاثة أطراف: بغداد (أمة العرب الجريحة والمتخلفة) وموسكو (التي تشهد قيامة سياسية ورمزها البيروسترويكا واقتصاد السوق) واستوكهولم (الوادعة والتي تمثل الطرف القوي في الحرب الباردة) فإن العجيلي يبدو أقرب للفكرة المعروفة عن التفسير الجنوسي لصدام الشرق والغرب.

لو تناسيت الجانب التنويري في هذه الرحلات يمكنك أن تتوقف عند الترميز الجنوسي للمثاقفة. فالحبكة واضحة وبحدود الضرورة. وهي عن شرق مذكر وغرب مؤنث. الشرق يحمل بضاعته وهي الليبيدو أو شحنة الغرائز والغرب يمارس تسلطه بسيف الأنوثة وإغراءات إستاطيقا الجسد. ولا تجد مجالا للمحبة أو لنداء الروح.

إنها فقط حرب ضروس في المخادع. ينتقم فيها ابن المشرق لكرامته المهانة والجريحة بركوب فروج النساء. وهذا التعبير الأخير لجورج طرابيشي.

ومع أنه تعبير مبالغ به. لكنه لا يشكل أي ضرر على أصل الأطروحة.. أن ابن المشرق هو مجرد غريق وضائع. ويتراوح في نظرته إلى الغرب من التبعية المطلقة إلى الرفض الجازم. ويستند في موقفه على تاريخه العقلي ومصالح الطبقة التي ينتمي لها. وباعتبار أن الرواية الحديثة متعددة الأصوات تتوفر فيها أيضا عدة أشكال من التبعية للغرب أو التباهي بجوهر الشرق الروحي والنفسي  كما يقول محمد كامل الخطيب في (المغامرة المعقدة).

وهو ما يؤكد عليه االصيني يان ليانكي في روايته التهكمية (في خدمة الشعب). فركوب عسكري لزوجة آمره عبارة عن تجسيد لمشاعر الانتقام من الضباط الذين يغلون يديه بالقيود والنواهي.

وعلى ما أرى هناك شبه اتفاق أن أخلاق المقاومة تبدو غامضة. وأصبحت في عصر التوسع والشركات متعددة الجنسيات مجرد بحث عن الذات في حفرة من العدم النفسي بلغة وين جين أويان. وهذه هي كل المسألة.

لقد كان لزاما على الرجل المتباهي بفحولته أن يحرص على مكامن الرجولة والذكورة. وأن ينظر للمرأة كفرس طيع ولنفسه كفارس لا يشق له غبار. وهذه واحدة من الطرق السلبية في الدفاع عن الذات من الانتقاص.

ولعل هذا التكنيك من أهم خطوط التوازي في بنية أبطال (أجملهن) و(غراميات بائع).

فالبطل سائح أو تاجر. والبطلة معشوقة ويمكن اختصار مؤهلاتها بجسدها. وكأنها رمز للمدينة الميتروبول. لديها الجمال الطاغي. ولديها القدرة على اتخاذ القرار في لعبة الصد والجفاء أو القبول والاستسلام.

فأصلان في نهاية الرواية يجد نفسه وحيدا. بلا هيلينا التي تختار ابنها وبلدها وتدعه لمصيره. وقل نفس الشيء عن بطل العجيلي. في النهاية يفترق عن سوزان التي تتراجع عن الخطيئة الأصلية وتغتسل من أدرانها بالتبرع لخدمة الرب.

ومن الواضح أن منطق النهايات ينير عقل الكاتب. فالموقف الوطني المشرف لهيلينا يعارضه الموقف الروحي والميتافيزيقي لسوزان. غير أن كلتا المرأتين لهما مقاربة إيجابية من الإنسان إما بأسلوب واقعي أو بأسلوب إيماني.

وتذهب الروايتان لشوط أبعد في التشابه. وتنتقلان من الفكرة إلى الشكل. وتوظفان تكنيك حكاية داخل حكاية. الخطيب يفتح نافذة على عالم الذكريات القريبة ويقف على أطلال بغداد التي ينهبها صراع دموي. ويفرض عليها منعطفا دراميا. يقودها من شمولية العسكر إلى ديمقراطية التخلف والفوضى.

في حين يدمج العجيلي قصته السياحية والترفيهية مع ذكرياته عن حب قديم للراهبة ندى وهذه تموت بدورها في ظرف مأساوي.  وهي تعبر الحدود بين دمشق وبيروت. كـأن العجيلي يريد أن يساوي بين منطق البدايات وفلسفة النهايات. ويحول مصير الإنسان إلى قدر غاشم مقرر سلفا. فكلنا نسير بعيون مفتوحة وعقول مطبقة إلى نفس الحفرة. ويبرر ذلك  بضرورة الوصول إلى المعرفة بغير العقل المحدود الاستطاعة. ص 113.

وهذا يضع العملين بشكل رأس أمام رأس.

النظرة السياسية والاجتماعية المباشرة عند برهان الخطيب. والتفسير الحضاري ومن فوق الواقع الملموس عند العجيلي المعروف بإسقاطاته الخرافية على شرط الوجود..

إن التشرد في (غراميات بائع) يضع الإنسان قبل الأرض. ويعادل بين الفكرة العملية والقلب الرومنسي. وربما يقف ذلك خلف أسلوبه المونولوجي الذي يصور أصلان بشكل الإنسان وقرينه وبمهارات شكسبيرية عالية. فكائن الظل عند شكسبير يماثله التجريد النفسي عند الخطيب. وهذه هي نقطة القوة في الرواية كلها.

في حين أن النظرة السياحية عند العجيلي تضع ستارا شفافا بين الشخصية والأحداث. وتبدو لك عواصم الشمال كأنها صور أو أفكار. لا يمكن أن تشعر بلهيب الواقع واتقاد العاطفة. ويغلف كل شيء جو من البرود الذي تخلو منه أعمال العجيلي الأخرى .

في (أجملهن) نحن أمام مجسمات لشخوص وليس شخصيات تنبض بالحياة. كل شيء يبدو جاهزا ومسبق الصنع. أو مجرد رمز لعنصر غائب عن الوجود. لقد ضاعت عاطفة العجيلي في هذه الرواية بين الأخلاق الشرقية والإطار الغربي.  بعكس الترابط العضوي في رواية الخطيب.

مع أنها توليفة من الرومنس والمفاجآت والغرام والخطيئة فقد هضمت خلفياتها.

بمعنى أنها وظفت عناصر من رواية التشويق كما يكتبها جون لي كاري وعناصر  من رواية السلوك والأخلاق كما عودنا عليها غراهام غرين بالإضافة لعناصر من الرواية السياسية ذات المضمون التاريخي والتي طور فيها رؤيته منذ شقة في (شارع أبي نواس) وحتى (على تخوم الألفين).

وبهذه الطريقة أصبح بمقدورنا أن نقترب من روايته هذه من عدة محاور.

وسواء اتفقنا معها أو كانت لدينا ملاحظات عليها فهي تجربة تستحق الاهتمام والتنويه. إنها ورقة أخرى تضيف لكاتبها رصيدا ملحوظا. 

 

صالح الرزوق - حلب

 

هذه واحدة من روائع بدر شاكر السياب الشعرية، إنْ لم نقل من روائع الشعر العربي الحديث عموماً. كتبها الشاعر الخالد سنة 1953 بعد انتفاضة شهر تشرين الثاني من عام 1952، التي فجرتها جماهير الشعب العراقي ضد النظام الذي كان قائماً آنذاك. كتبها السياب، بعد فشل الانتفاضة، وهو مشرد يضرب في آفاق الغربة، هارباً – من خوف – بعد مساهمته الفعالة – مواطناً وشاعراً- مع مَن ساهموا في تلك الانتفاضة الخالدة الذكر في ضمائر الطيبين من أبناء شعبنا، وقد حطَّ به رحْل الهروب، حينئذٍ، في إحدى مناطق الخليج العربي (الكويت)، مشرداً صفر اليدين، بعيداً عن الديار وعن الأحبة. فلا غرابة، إذن، أن تطغى ظلال الغربة والضياع والأسى والحنين وما سوى ذلك من عناصر معنوية على أجواء هذه القصيدة التي وظف فيها السياب، توظيفاً ناجحاً، ضربين مميزين من الأضرب العديدة التي يحتويها البحر الكامل، هما (متفاعلانْ – المذيَّل) و (متفاعلاتن – المرفـّل)، بما ينطويان عليه من قيم موسيقية تثير في نفس المتلقي شتى الأحاسيس والانفعالات. هذا فضلاً  عن العناصر المادية، من طبيعية تحيط بالمكان الذي تفجرت فيه عاطفة الشاعر عن هذه القصيدة الفذة – كالبحر الذي هو (أوسع ما يكون)، والريح اللاهثة حيناً والصاخبة حيناً آخر، وقلوع السفائن التي (تظل تُطوى او تُنشر للرحيل)، والرمال الخليجية التي جلس عليها الشاعر (الغريب)، مسرّحاً بصره المحير وهادّاً أعمدة الضياء بنشيجه العالي، والعباب (معظم السيل) الهادر الرغوِ، والمد الصاعد، والموج المعول... هذا ناهيك عن العناصر البشرية المتمثلة بالشاعر المشرد ذاته، وبأولئك الرجال الحفاة العراة من جوابي البحار، الذين زحموا مياه الخليج بقلوع السفائن التي كانوا ومازالوا يكتدحون أجراء لأربابها ومالكيها المترفين.

وقد استطاع الشاعر أن يجسد عناصر الطبيعة تلك تجسيداً ينبض بالحياة والحركة التي تتفجر عنهما شتى الأصوات التي تشكل الصور الشعرية المعبرة عن الأجواء المادية المحيطة بالمكان، من جهة، والمتغلغلة في ذات النفس البشرية – وفي مقدمتها نفس الشاعر المعبِّر- ، من جهة أخرى. وقد استعان، في سبيل إبراز صوره الشعرية بأدوات التشبيه حيناً، لكي يقابل لوحة بأخرى، وفي اللجوء الى الاستعارة، حيناً آخر، متخلياً – بذلك – عن استعمال الأدوات التشبيهية التي يخيل الينا أنها قد طفحت عن الكيل، فأدرك الشاعر، او تدارك، أنها ربما توشك أن تفسد أجواء عمله الفني: الريح كالجثام – الصوت المتفجر كالمد الصاعد، كالسحابة، كالدموع – باب كالقضاء- جوع كجوع كل دم الغريق الى الهواء – الأرض كالأفق العريض – كأن كل دمي إشتهاء – بقيا النعاس كالحجاب من الحرير – الفرح الخفي كالضباب ...

وقد يبدو بعض هذه الصور التشبيهية او أغلبها غريباً، لكنها غرابة محببة، سرعان ما يألفها المتلقي، لما تنطوي عليه من طرافة وجمالية، ولا سيما إذا ابتعدنا عن النظر الجزئي الى طرفي التشبيه (المشبه والمشبه به) ونظرنا الى العملية الابداعية هنا نظرة شمولية – الألفاظ داخل النص الذي وردت فيه. ولنتمعن – مثلاً – في إحدى هذه الصور التشبيهية التي تبدو غريبة أول وهلة: (باب كالقضاء) – بما يتولد عن التشبيه من صورة مرئية في أحد جانبيها ومتخيلة في جانبها الآخر- مادية ملموسة (باب) ومعنوية متصورة (القضاء)، الذي هو الحكم او الموت. التشبيه يبدو غريباً إذاما استللناه من مجموع النص – كما نستل عضواً من جسد متكامل. لكن الغرابة ستزول إذاما أعدناه الى مكانه الطبيعي :

1- (ووراء بابٍ كالقضاءْ

2- قد أوصدته على النساءْ

3- أيدٍ تطاع بما تشاءُ، لأنها أيدي رجال ...)

الباب إذن محكم الإغلاق قد أوصدته ايدي رجال شداد غلاظ... هذا ما ترفدنا به الصورة التشبيهية المسوغة الغرابة حينما تطل علينا من داخل النص بكامله.

وثمة صورة تشبيهية أخرى مماثلة ذات حدين أحدهما (المشبه) مادي والآخر (المشبه به) معنوي: كأن كل دمي  إشتهاء  .

وتنعكس الصورة في لوحات تشبيهية أخرى، إذ يجيء المشبه معنوياً، في حين يأتي المشبه به مادياً، مثل: بقيا النعاس كالحجاب من الحرير – فالمشبه هنا (بقيا النعاس) معنوي، والمشبه به (الحجاب من الحرير) مادي. ومثل ذلك ايضاً: الفرح الخفيُّ كالضباب...

أما الصور المتولدة عن التشبيهات التي تخلى فيها الشاعر عن استعمال الأداة، لتحل الاستعارة فيها محل التشبيه حيناً، او تبقى محتفظة بطرفي التشبيه – دون الأداة -، حيناً آخر، فيمكن أن نورد لها الأمثلة الآتية: الريح تلهث – الريح تصرخ – الموج يعول – القرى المتهيبات – وجه أمي وصوتها المتزلقان مع الرؤى – العراق دورة اسطوانهْ – وهذه الدورة هي دورة الافلاك من عمر الشاعر، وهي وجه أمه و صوتها، وهي النخيل، وهي المفلية العجوز...

وتثير انتباهنا هذه الصور المتولدة عن دورة الاسطوانة بما تحمل من تداعيات تعود بالشاعر من ديار الغربة الى أرض الوطن الحبيب والى عالم الطفولة البريئة والطبيعة العراقية الجنوبية بما تزدحم به من صور ولوحات مألوفة، مازجاً عالم الواقع المعاش بعالم الخيال النابض في حكايات العجائز:

1- (بالأمس، حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراقُ...

2- وكنت دورة اسطوانهْ

3- هي دورة الافلأك من عمري، تكور لي زمانه

4- في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه،

5- هي وجه أمي في الظلامِ

6- وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنامْ

7- وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروبِ

8- فاكتظ بالاشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ

9- من الدروبِ،

10- وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حِزام)

11- وكيف شق القبر عنه أمام (عفراء) الجميلهْ

12- فاحتازها ... إلا جديله...)

إن الصور تتلاحق في هذا المقطع ويأخذ بعضها بتلابيب البعض الآخر حتى نصل الى نهاية المطاف مع الاساطير المحاكة حول الشاعر العاشق عروة بن الحزام وحبيبته الجميلة عفراء.

ويستمر الشاعر في عرض لوحاته التصويرية باسلوب يمزج فيه بين عالمين: عالم الحلم المحكي وعالم الواقع المرئي، فنشعر من خلال (دورة الاسطوانة) ان السياب بعيد غريب عنا، من جهة، وحاضر قريب منا، من جهة أخرى. بعيد مادياً – بجسده، وقريب معنوياً – بروحه، بأحاسيسه، وبذكرياته المتداعية من خلال (دورة الاسطوانة) إياها:

1- (زهراء، أنتِ... أتذكرينْ

2- تنورَنا الوهاج تزحمه أكف المصطلينْ؟

3- وحديث عمتيَ الخفيضَ عن الملوك الغابرين؟

4- ووراء بابٍ كالقضاءْ

5- قد أوصدته على النساءْ

6- أيدٍ تطاع بما تشاء، لأنها أيدي رجالْ –

7- كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلالْ.

8- أفتذكرينَ؟ أتذكرينْ؟

9- سعداءَ كنا قانعينَ

10- بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساءْ .

11- حشد من الحيوات والأزمان كنا عنفوانَهْ،

12- كنا مداريهِ اللذينِ ينال بينهما كيانَهْ.

13- أفليس ذاك سوى هباءْ

14- حلمٌ ودورةُ اسطوانه ؟!)

وفي هذا المقتبس المبتدئ بكلمة (الأمس) والمنتهي بكلمة (اسطوانه) يبهرنا الشاعر بتدفق موسيقاه ذات الايقاعات المتولدة من تكرار القوافي النونية خاصة، الساكنة المجردة، سواء الداخلية منها، الواقعة ضمن تفعيلات (الحشو)، او الخارجية التي تشكل قافية تفعيلات (الأضرب)، او تلك القوافي النونية غير المجردة، ولنقل (المزيدة) – في مصطلح علم الصرف -، مثل: اسطوانَهْ – زمانَهْ – مكانَهْ – عنفوانَهْ – كيانَهْ.

وتواجهنا أمثال هذه النغمات الايقاعية المتولدة من تكرار القوافي الداخلية والخارجية على مدى المساحة التي شُيَّد فوقها صرحُ القصيدة – ففضلاً عن تكرار قوافي حرف النون نلاحظ ايضاً قوافي الكلمات: الخليج – عراق – الاجنبية – (خطيه).

 

بقلم: أ.د. حسن البياتي

 

amir salihقال شكسبير: "الحرب لا تنتهي، إنها تستريح" 

منذ ان تدخلت السعودية وقطر وتركيا والرجعيات العربية، ثم إيران وروسيا والحركات الموالية للنظام السوري في اطار تحالفاتها الاستراتيجية مع نظام الأسد لم تعد الثورة السورية كما بدأت ملامحها الأولى في مسحة طموحاتها نحو الديمقراطية الحقة والتعددية الحزبية وحرية الرأي بعيدا عن ضغوطات حكومة الحزب الواحد التي عفى عليها الزمن، فقد تحولت سوريا الى حلبة صراع لتصفية صراعات أقليمية يقف على طرف نقيضيه السعودية وأيران، وحلفاء كل منهما الصغار والكبار، من ميليشيات وفصائل مسلحة لاتعد ولا تحصى، الى جانب روسيا وأمريكا وتركيا وبقية العالم الغربي والأسلامي !!!.  

ولكن بزمن قياسي تم حرف مسار الثورة السورية واختراقها وخاصة من الفكر الديني الارهابي المتطرف ومن الحركات الأصولية المسلحة الدموية والتي تقودها وتغذيها في السر والعلن السعودية وقطر وتركيا وغيرها، حتى تحولت ساحة الصراع السورية الى مفرخة فصائل مسلحة أرهابية ومعتدلة لا تعد ولا تحصى لا تمتلك برنامجا واضحا ما بعد الأسد، بل انها فصائل وتنظيمات تتقاتل فيما بينها على تقاسم كعكة السلطة المرتقبة، والأسد لازال حي يرزق. وفي إحصاء لهذه الفصائل فقد بلغ المائة أو أكثر، وأبرزها: 

داعش، جبهة فتح الشام، جيش الأسلام، أحرار الشام، الجبهة الشامية، الجبهة الأسلامية، درع الفرات، حركة نور الدين الزنكي، فيلق الشام، السلطان مراد، تجمع فأستقم كما أمرت، كتائب أبو عمارة، ثوار سورية، أحرار سورية، الفرقة 16، أحرار مارع، فيلق الرحمن، جيش الفسطاط، جيش المجاهدين، جيش التحرير، ألوية سيف الشام، ألوية شهداء سورية، ألوية الفرقان، لواء التوحيد، لواء الفتح، لواء الأسلام، لواء أنصار السنة، لواء شباب السنة، لواء الانفال، لواء عامود حوران، لواء توحيد كتائب حوران، لواء السلطان محمد الفاتح، لواء الشهيد زكي تركماني، ألوية شهداء دمشق، ألوية أشبال العقيدة، لواء العاديات، لواء جيدرون حوران، لواء الحرية الأسلامي، اللواء العاشر بالساحل، لواء صقور الجبل، لواء صقور جبل الزاوية، لواء الشهيد غسان طويرش، لواء فرسان الحق، اللواء الاول مشاة، لواء الحق، لواء شام الرسول، حركة شام الأسلام، ألوية قاسيون، كتائب الفاروق، كتائب الوحدة الوطنية، الجبهة الاسلامية السورية، جبهة أنصار الأسلام، جبهة الأصالة والتنمية، جبهة تحرير سورية الاسلامية، تجمع صقور الغاب، تجمع كتائب وألوية شهداء سورية، تجمع انصار الأسلام، تجمع أحرار البادية، فرقة الحمزة، فرقة فجر الإسلام، فرقة الحسم، فرقة عمود حوران، فرقة العشائر، فرقة فجر التوحيد، الفرقة الأولى الساحلية، الفرقة الثانية الساحلية، الفرقة 13، الفرقة 101 مشاة، الفرقة 16 مشاة، الفرقة الوسطى، الفرقة الشمالية، هيئة درع الثورة، المجلس العسكري في القنيطرة، فيلق حمص، جند بدر، صقور الشام، ألوية الحبيب المصطفى، تجمع أمجاد الاسلام، ألوية وكتائب الصحابة، كتائب شباب الهدى، لواء درع العاصمة، كتائب أبو عمارة، كتائب ثوار الشام، لواء أنصار الخلافة، كتائب تركمان سوريا، لواء الفتح، جيش العزة، لواء سيف الاسلام، لواء سيف الله، حركة بيارق الإسلام، لواء شهداء الاتارب، أحفاد صلاح الدين، لواء المعتصم، لواء النصر، لواء الصديق، حركة الشام، جيش النصر، أنصار الشام، لواء الأبابيل.

ما أفرزه صراع الفصائل المسلحة فيما بينها من جهة، وبينها وبين النظام السوري من جهة أخرى هو خراب شامل للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث التدمير الكامل والشامل للمناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة، وما نتج عنه من خسائر بشرية في الارواح والمشردين والمتسولين واليتامى والثكالى من النساء، وتحول هذه المناطق الى مدن أشباح، تقام فيها شرائع الغاب من سبي وقتل وقصاص وعقوبات، لا حياة فيها ولا عيش ولا حد أدنى من الطمأنينة، وقد بلغت خسائر المجتمع السوري المادية الى ما يقارب 200 مليارد دولار، الى جانب اكثر من سبعة ملايين مشرد وقتيل، في بلد لايملك نفطا ولا أقتصادا متنوعا، وأن ما خسره هو تراكم قدرات الدولة لعقود خلت. فهل لكل هذه الخسائر الفادحة في الارواح والاقتصاد مبرر لسقود نظام الأسد وبناء " ديمقراطية " يتخاصم ويتناحر عليها أكثر من مئة فصيل مسلح، وفي معظمهم غير مؤمن بالديمقراطية أصلا. الآجابة قطعا بلا، فالديمقراطية لا تقام في مدن الأشباح ولاتقام بغير المؤمنين بها !!!!.

أن عودة حلب أو استرجاعها من الناحية الرسمية الى الجيش السوري لا يعني بكل الاحوال نهاية للحرب فيها، فهناك مدن أخرى لا تزال هي مناطق حرب مكشوفة، كأدلب والرقة والباب، ومفتوحة على مختلف الاحتمالات السيئة، وهناك معضلات اقتصادية وأجتماعية وسياسية وثقافية واعادة بناء المدن المدمرة، واعادة الحوار الوطني واعادة النظر في النظام السياسي القائم بشكل جدي، بما يضمن مصالح الشعب السوري ومستقبله لاحقا، وهي مهمات صعبة للغاية، واذا حصل ان هناك هدوء نسبي في جبهات القتال الداخلية فرضته قوة السلاح، فأن الحلول السياسية يجب ان تكون متزامنة معها لضمان تحول سوريا الهادئ صوب الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية !!!.

أن ما حصل في سوريا تاريخيا هو ما حصل للعالم العربي حيث توقفت فيه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود خلت، أفرزت ظواهر الفقر المدقع، والتدهور المستمر للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والعلمية والصحية، والتعليمية والخدمية، وانخفاض مستوى العيش بصورة عامة، وفي وقت عملت فيه الأنظمة الاستبدادية عبر عقود على منع تشكيل أي كتلة حرجة ثورية منظمة ومقاومة عبر ممارسات التفتيت والإجهاض والترغيب والترهيب والرقابة الأمنية والبوليسية المشددة وأبعاد وقتل أي بادرة للتفكير البديل. ونستطيع القول هنا انه لا توجد شريحة اجتماعية واقتصادية إلا ولحق بها التهميش والحرمان والإقصاء باستثناء النظام وحاشيته. لقد خلقت هذه الأوضاع نواة التغير الثوري في رحم هذه الأنظمة. وعلى خلفية ضعف دور العامل الذاتي المتمثل بضعف الأحزاب السياسية التاريخية والنخب السياسية الحقيقية، جاءت الثورات العربية شبابية بطابعها العام متأثرة بعوامل كونية، كالثورة المعلوماتية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، الذي سهل اندماجهم في مجموعات فاعلة وايجابية وشكل لديهم دافعية اكبر للفعل الثوري جسدت ملامحه آنذاك واضحا على الأرض العربية مبتدئة بالشرارة التونسية المعجلة لذلك، إلى جانب كون الشباب يشكلون كتلة سكانية كبيرة تتجاوز نسبة 50% من مجموع السكان، وبالتالي فهي معنية بالتغير والمستقبل قبل غيرها، إلى جانب الشرائح السكانية والاجتماعية الأخرى !!!!.

لقد نشأت تلك البؤر الثورية بين الشباب في ظل انفلات المجتمعات العربية بكل تنوعها الاجتماعي ومكوناتها الاثنوثقافية من كل ضوابط الفكر الفلسفي والتفكير المنطقي، وغياب روح النقد والنقد الذاتي ونقد الخطاب السائد والمعرقل لاي نهضة فكرية ومعرفية، وفي ظل بيئة من سلطة بطريركية عشائرية وطائفية ومناطقية وقبلية وأثنية، مما سهل تشبعها بالثقافة النصية والنقلية المتخلفة " القيل والقال ونقلا عن فلان أبن فلان "، مما سهل إحكام الاسلاموين سيطرتهم في تصدر " نكبة " الربيع العربي. وكان من الطبيعي أن ينجح منظري الاسلام الخرافي في عرقلة ثورة الشباب في ظل غياب خمائر الفكر النقدي والمنطقي، وغياب عقل فلسفي يقطع الصلة مع عقل وفكر القرون الوسطى، ويحتوي طموحات الشباب الثائر وهواجسهم المشروعة لبناء مستقبل آمن. وليست من المستغرب أيضا ان تتصدر أضعف الدول وأكثرها تخلفا مثل قطر والسعودية المشهد السياسي وتصبح راعيا  " لنكبة " الربيع العربي. وقد سبق ذلك احتلال العراق في عام 2003 من قبل بريطانيا وأمريكا وما أعقبه من تدمير للدولة العراقية ومؤسساتها، أحد الاسباب المهمة في خلق بيئة مواتية للارهاب واتساع نطاقه !!!. 

أن تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة، حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة !!!.

يقابله في الطرف الآخر " المعارضة " ويجسده ذلك الاحساس المفرط بالمظلومية والاضطهاد والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية، هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل، ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة، وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي، في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية !!!.

 

karem merzaمسألة التحكيم: بحرالعلوم حكماً بين النحوي والنواب والأعسم يقرض بين 1775 م - 2016م

تمهيد: قد يتساءل بعض القرّاء الكرام، ممن لم يتعمق في خفايا الأدب العراقي وأسراره، وعظمة القائل قبل القول في عصور - ومنها عصرنا - تقدس عظماء رجال الدين والأدب و التاريخ، وتتأثر بأقوالهم وآثارهم وأعمالهم، فتتأجج بادراتهم، وتشتعل كالنار في الهشيم، وتشع أنوارهم البهية على المسيرة الأدبية ..!!

على مهلكم !! سيروا معي خطوة خطوة، لتتلمسوا أثرهم وتأثيراتهم، وإنّ غداً لناظره قريبُ ...!!

أقول ....ليقول لي هذا البعض !!: لماذا الاهتمام بهذه المسألة التحكيمية، والمعارك الخميسية، وقد أكل الدهر عليها وشرب؟!! وإلى أين أنت ذاهب يا رجل؟!!، أضع أمام سيادتك ما يلي، والحديث شجون وشؤون:

أ - أنا ذاهبٌ إلى حيثُ شئتُ أنا، لا إلى ما شئت أنت، لك أن ترضى ...!!، ولك أن تأبى ...!!! والمرء حرٌّ حيثما جعله ..!! والحياة تتسع لجميع الأراء، ويعجبني قول المتنبي العظيم :

أنا الذي بين الإله به الأقد****ارُ والمـرء حيثما جعله

سيظهر الجهلُ بي وأعرفهُ **والدرُّ درٌّ برغم من جهلهْ

يا ستار ...!!

رويدك لا تستعجل ... الأمور بعواقبها ...!!

ثم السيد الشنفرى، أليس هو القائل ؟!!:

وفي الأَرِضِ مَنَأى لِلْكَرِيمِ عَــــنِ الأذَى**** وفيها لِمَنْ خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ

لعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئ** سرى راغباً أو راهباً وهو يعقلُ

ولكن - جزماً - أنا لست مع  ابن هانيء الأندلسي، وقوله المجنون، في مخاطبة حاكمه الآمر بنفسه، كبقية الحكّام، يا ويلهم من صولة الشعوب، و حاكم الحكّام:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ *** فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

و كأنّما أنتَ النبيُّ محمّـــــدٌ ****وكأنّما أنصـــاركَ الانصارُ

أنتَ الذي كانتْ تُبشِّرنَا بــهِ *****في كُتْبِها الأحبارُ والأخبارُ

أنا لستُ دكتاتوري بسلوكي، ولا شوفيني بفكري، بل رجل بسيط، لي فم وأذنان، وقلم وعينان، والجميل يجر الجميل، والأدب متعة وفسحة، وفكر، وخيال ...خذها مني ...!!

ب - نعم أنا شاعرٌ، وكاتبٌ أدب وثقافة واقعي، لست بفقيهٍ متعبد، ولا بمتفلسف منظر...!! أتجول بين الرّبى والأزهار والرياحين، وأقتني كل ما هو جميل بديع في لغتني الخالدة، وأنشر طيبه بين الذوق والناس، لا أخشى لومة لائم، ولا أبحث بين جذور وأصول وعقائد من أكتب عنهم سوى الحقيقة الحلوة، وأترك الحقيقة المرة إليك ...!!  فتراني مرّة بين بودلير وغوته وإليوت وطاغور والشيرازي وشللر ...وطوراً بين المتنبي والمعري وابن الرومي وابن زيدون والسيد بحر العلوم، والشيخ كاشف الغطاء، والسيد الحلي والجواهري وشوقي والقباني والدكاترة مبارك ...وووو .... ونسيت الدرويش، فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر ...!!

ج - السيد محمد مهدي بحر العلوم والشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير ليس برجلين عاديين، وإنما من عمالقة عصرهما دون منازع على المستويين الديني والأدبي، بل والاجتماعي، ونوهت لك أنّ ناس عصورنا وعصرنا تقدس أعمال وأقوال هؤلاء الرجال الأفذاذ، لذا مسألة التحكيم والمعارك الخميسية أثرت تأثيراً بالغاً وفعّالاً في تأجيج جذوات النهضة الأدبية في كل العراق ... بغداد .. الحلة .. البصرة ... الموصل ... وبقت النجف رائدة ومتميزة بأشواط عن غيرها...إلا هذا اليوم الأدبي الأكشر ... والدنيا تدور، والأرض المشرفة، مباركة معطاء، وستبقى... !!

د - دعنا أن نشارك  د. عبد الرزاق محي الدين الرأي في (حاليه وعاطله) حول الموضوع: معركة الخميس، معركة أدبية جرت أحداثها في النجف في مجلس كان يعقد كل خميس من كل أسبوع وفي هذا المجلس يلتقي أعلام الأدب والدين لمناقشة القضايا الأدبية خلال عطلة الأسبوع وفراغهم من الدراسات الدينية، وكانت إحدى مظاهر النشاط الأدبي الذي طرأ على الحياة الدينية..... لقد امتدت النهضة الأدبية التي شهدتها النجف خلال هذه المرحلة إلى الحلة وبغداد والموصل والبصرة، وظهرت آثارها في تدرج متلاحق متكامل في شعر عبدالباقي العمري، والأزري، وعبدالحيسن محي الدين، وآل النحوي والبلاغي، وتدرج الأثر في تكامل شعر السيد حيدر الحلي والسيد الحبوبي والسيد رضا الهندي والشيخ جواد الشبيبي، وامتدت مستمرة في آثار الشيخ محمد رضا الشبيبي، والشيخ علي الشرقي، ومحمد مهدي الجواهري، وأحمد الصافي النجفي .....إن النهضة الشعرية في العراق ستظل مدينة إلى الأوساط الدينية وبخاصة النجف ـ حتى عهد قيام الدولة ونشوء الدواوين والمعاهد والجامعات ...(11)

سنأتي على هؤلاء الرجال حسب حقبهم الأدبية، وأدوارهم، وأزيدك جامعاً مانعاً، والتوفيق من الله، وهو المستعان على كل حال .

 

أ- مسألة التحكيم:

يقول سلمان هادي الطعمة في (تراث كربلائه): كانت تعقد في كربلاء مجالس أدبية، ونوادي علمية يلتقي بها رجال الأدب وأكابر رجال البلد والوجهاء والأغنياء والشعراء والأدباء من شيوخ وشباب يقضون أوقاتهم في سمر ومنادمة، ويتحدثون ويتغنون بخرائد المنظوم وروائع المنثور، لا تخلو من وجود أساليب التسلية واللهو ليلاً ونهاراً .فقد كان سراة القوم يجتمعون بالعامة من الناس لدراسة أمورهم المعاشية وحل معضلاتهم، فيحتكمون عندهم فيحكمون لهم في كل كبيرة وصغيرة دون أن يعدم لأحدهم حق، فضلاً عن اتخاذها ندوات أدبية يتطارحون فيها الشعر ويتذاكرون فيها سيرالأولين ويقصون روائع الأسمار وطرائف القصص ما يخلب الألباب . وتنسيهم مشاكل الحياة وهمومها فيقضون ساعات في جو من الغبطة والارتياح .(12)

مسألة التحكيم ليست بمعارك أدبية مستمرة كمعارك الخميس، وإنما مساجلة شعرية عابرة حدثت في عصر السيد محمد مهدي بحر العلوم، ولجأ فيها شعراء وأدباء كبار لتحكيمه فيها، . وتناولتها عدة مصادر كأعيان الشيعة وديوان السيد نصر الله الحائري والبابليات وشعراء الحلة، وتراث كربلاء والفوائد الرجالية وغيرها، فحواها:

كان للأديب الكبير أحمد النواب (13) ديوان أدبي في كربلاء مطلع القرن الثالث عشر الهجري، يرتاده كبار الشعراء من حاشية ورجالات المرجع الديني الكبير السيد محمد مهدي بحر العلوم كالشيخ أحمد النحوي ( ت 1183 هـ/ 1769م) - لا أعتقد من شعراء مسألة التحكيم - وابنه الشيخ محمد رضا النحوي (ت 1226هـ /1811م)، والشيخ محمد علي الأعسم (ت 1233 هـ /1817م)، والشيخ محمد بن يوسف الجامعي العاملي النجفي (ت 1219هـ / 1804 م)، الشيخ محمد مهدي النراقي (ت 1209 هـ1794م)، السيد محسن الأعرجي الكاظمي ( ت 1227هـ / 1812م) وغيرهم ...

ذات يوم استعرض الجماعة قصيدة العلامة الكبير الشاعر السيد نصر الله الحائري(14) المستشهد بأسطنبول سنة ( 1168 / 1754م)، وهي التي قالها في مدح تربة كربلاء، ومطلعها:

يا تربةً شرفتْ بالسّيد الزاكـــــي *** سقاك دمع الحيا الهامي وحيّاكِ

ومنها قوله:

أقدامُ من زار مغناك الشريف غدتْ ** تفاخرُ الرأسَ منهُ، طابَ مثواكِ

الأبيات من البحر البسيط التام، العروض مخبونة، والضرب مقطوع شرط الردف .

اعترض بعض الأدباء الحاضرين على قافية هذا البيت وادّعى أنها نابية، وبدلها بكلمة " (حين وافاك) غير أن " النواب " لم يرتض التبديل مدعيا صحة القافية الأولى، وكان لكلٍّ فريق، وطال الشجار بين الفريقين، فاقترح النواب تحكيم السيد بحر العلوم له بالأمر، وأن قوله هو الفصل، فصوت الحاضرون - بالاجماع - على هذا الاقتراح . وقال النواب للشيخ محمد رضا النحوي، اكتب إليه:

" إنّا جعلناك - يا أقضى الورى - حكما "

فأجازه النحوي بقوله - البسيط التام المخبون عروضه وضربه -:

إنّا جعلناك يا أقضي الورى حكما ** فأنت أعدل من بالعدل قد حكما

إنّا اجتمعنا ببيتٍ قد علا شرفـاً **** هام الثريا بمن قد حلّه، وسما

وقد حوى من علا (النواب) بدرعلاً * ومن بهاء ابنه نجماً سما ونما

وضمَّ كلّ أخي علــــمٍ وذي أدبٍ **** حتّى غدا حرماً للعلــــم والعُلما

وعاد سفْليّهُ علْويّ كلّ علا **وأرضه من نجوم الفضل - وهي سما -

فأنشدوا بيت شعرٍ فيه قافيةٌ *****أتـــمَّ فيها نظام البيت مَــنْ نظما

فقال ذو أدبٍ منهم ومعرفةٍ: ***لو بدّلتْ صحَّ نسج البيت وانسجما

فثمّ بدّلها من كــــان بدّلها *** بغيرها، فاســــــــتقام النظم وانتظما

فمذ رآها أديبٌ منهم فطــــنٌ ***** ما زال يستخدم القرطاس والقلما

سما بترْجيْحهِ الأُوْلى،وقال:هي الْـ * أَوْلَى، فأكْرمْ بهِ من حاكمٍ حكما

والكلُّ منهم غدا يدلي بحجّتـــــه **** فيها، ويزعم أن الحق ما زعما

فاعتاص ظاهرها عنهم وباطنها ***** وباعدت ما غدا من أمرها أمما

والتاث منطقهم عنها ومنطقها ***** عنهم، ومعربها قد عاد منعجما

وكلّما استنطقوها أظهرت خرسا ****** وكلّما أسمعوها جدّدت صمما

فاكشف نقاب الخفا عن وجهها وأمط * عن عينها،لا لقيت السوء،كلّ عمى

اختر لذا البيت من هاتين قافية **** يغدو بها مثل سمط الدر منتظما

فأنت عونٌ لنا إن أزمةٌ أزمتْ ******* وأنت غوثٌ لنا إن حادثٌ هجما

وامنن بعفوٍ إذا طال الخطاب، فعا** داتُ المحبين أن لا يوجزوا الكلما

كما لموسى العصا،حال السؤال لهُ * عنها، فأسهب وصفاً بالذي علما

هذي عصاي التي فيها التوكؤ لي **** وقد أهش بها في رعيي الغنما

ولي مآرب أخرى، كي يسائله ******* عنها، فيظهر فيها كلّما كتمــا

كلّ هذا التوضيح والتفصيل والأطناب في إجازته لشطر الأديب أحمد النواب، وللشيخ محمد رضا النحوي (مآرب أخرى)، لنرى إجابة السيد محمد مهدي بحر العلوم .

فلما عرضت هذه القصيدة على السيد، طلب أن تكون المحاكمة على روي وقافية قصيدة الحائري جرياً على نسق واحد، فانبعث الشيخ النحوي، وهو لها، إذ كان الشاعر المحلق الأول، وقال - الأصل فيه تحريف وتصحيف، نقحتها وحرّكت بعض الحروف اللازمة، قدر الوقت المتاح - :

يا نبعةً نبعتْ من أحمد الزاكي **ونفحةً نفحتْ من عرفه الذاكي

ومن غدتْ قبلةً للقصد وجهتهُ * ونجعةً روضها غــضٌّ لهـــلاكِ

ومن برى خلقه الباري لمعدلةٍ * وأخْذ حقٍّ من المشكوِّ للشــاكي

إنّا إليك تقاضيْنا فأنت فـــــتىً **** منزّه الحكم عن شكٍّ وإشراك

قد ضمّنا منزلٌ قد زيد منزلةً **** بباسمٍ في وجوه الوفد مضحاك

(صدرُ الممالكِ(محمود المسالك،خوّاض المهالكِ،غوث الضارع الباكي

قد زيّنتْ علماء العصر ناديــــــهُ ****** كأنّهم في ذراهِ شهب أفلاكِ

فعاد منه ومنهم حين ضــــمّهمُ ***** وضمّهُ ربــــــع أملاكٍ وإمـلاك

فأنشدوا بيت شعرٍ في مديح فتىً ***** دقت معاليه عن حـسٍّ وإدراك

أعني ابن فاطمةٍ المولى الشهيد ومن * لرزئه المجد أمسى طرفهُ باكي

من قطعةٍ من علاه كـــان مطلعها ***" يا تربة شرفت بالسيد الزاكي "

" أقدام من زار مغناك الشريف غدتْ * تفاخر الرأس منه طاب مثواك "

فعاب قافيةَ البيت الأخير فـــتىً ****** مبرّأً قوله عن إفـــــــك أفّـــاك

فقال: لو بدلت صـــــحّ النظام بها **** وعاد كالدرِّ منظومــــاً بأسلاك

فبدلت فاستقام البيت حين حكى *** باقي البيوت، وكان الفضل للحاكي

" اقدام من زار مغناك الشريف غدت * تفاخر الرأس منه حين وافـــاك "

فمذ رأى الحال( صدر الملك) مال لترْ**جيْح القديْمة عن حـــذقٍ وادراكِ

وكرّ للبحث في تحقيق مطلبــــهِ **** بمقولٍ مثل حدّ السّــــيف بتــــــاكِ

وللأخيرة ذاك الحبر رجّح عـــــن ****** رأيٍ لســـرّ الخفــــايا أيّ درّاك

وقام يملي عليها من أدلّتـــــــــــهِ **** كالغيث ان جــاد لا يمني بإمسـاكِ

وطال بينهما فيها النزاع وقـــــــد **** كرّا بعزمٍ - يروض الصعب - فتّاك

وكلّما قرّباها منهمـــا بعـــــــدت **** كالصيد منفلتاً مــــن قـيد أشـــــراكِ

وكلّما أسمعوها أظهرتْ صممــــاً ***** عـــن قول كـــلّ بليغ القول ســفّاك

وارتج البابَ حتى ليـــــس يفتحه ****** سكاك فتح ولا " مفتاح " سكاكي

فوجهوها إلى عليـــــاك وانتظروا ****** والكلُّ يرنو بطرفٍ شاخصٍ شاكي

وأرسلوها وهم في أسرها ثقـــــــة ٌ***** منهم بمولى لقيـــــــد الأسر فكّاكِ

فافلق برأيك عـــــن ظلمائها فلقاً ***** واكشف دجى شكّها عــن كل شكّاك

واخترْ لذا البيت مـن هاتين قافيةً ****** يغدو بها كعروسٍ حـال إمٍــــــلاك

وخذ صفايا العلا واترك نفاوتهـــــــا ****** فأنت أفضـــــل أخّاذٍ وتـــــرّاك

ولا تزال بك الأيام صالحــــةً ******** يذكو شذى عرفها من عرفك الذاكي

ولا تزال الليالي فيك باسمــــهً ******* رضاً وطرف العدى من غيظهم باكي

 

فأجاب السيد بحر العلوم بما لا يتوقعه أصحابه الشعراء، وكان حكمه الخروج عن القافيتين، فلا النواب حظى بـ ( طاب مثواكِ )، ولا النحوي فاز بـ ( حين وافاكِ)، يقول السيد الأمين في أعيانه: " فقد اختار السيد للبيت قافية غير القافيتين السابقتين. والذي أراه انها لا تجاري واحدة منهما ولكن رياسة السيد أسكتتهم." (15)، اقرأ رجاءً جواب السيد بحر العلوم:

ملكتما في القوافي غير مــــلّاكِ *** ولا محكّـــك رأيٍ فيك سفّاكِ

وقلتما:اخترْ لنا من (تين) قافيةً * حتى نميز به الأزكى من الزاكي

كلتاهما نسج داود وناســـــجها ***** مقدر السرد في نظم بأسلاك

وللأخيرة في فن القريض سمتْ ***** بحسن حبك فتىً للنظم حبّاك

فتىً إذا قال بذّ القائلين، وإنْ ***** يمسك فعن كــرمٍ يدعو لإمسـاك

ما قدّم الصدر(صدر الملك) زيد علا * أولاهما، فهو في غلواء إدراكِ

لكن حمى ضعفها إذ لاث لوثتها * وهو الحمى للضعيف الضارع الشاكي

مهما شككت - وليس الشكُّ من خلقي - ** فإنني لست في حكمي بشكّاك

لكنني لا أرى للبيت قافيــــةً ******* مثل التي ليس يحكى فضلها حاكي

" أقدام من زار مغناك الشريف غدتْ * تفاخر الرأس إذ أرست بمغنــــاك "

السيد البحر العلوم يدور هتا بمهارة ربان مقتدر، محنك، إذ مهر واسطة العقد بالبيت القصيد، والحكم الفصل، فردَّ العجز على الصدر بصيغة بلاغية، ولا أروع !، وحسن تخلص ولا أبدع !... فلم يبق للنواب والنحوي إلا رفع الرايات البيض ...لا غالب ولا مغلوب ...ولا عاتب، ولا معتوب، ولا ( طاب مثواكِ)، ولا ( حين وافاكِ)...، اكمل القصيد، ولله ا لأمر من قبلُ ومن بعدُ ...!!

أضحت تطاول شأواً كل ذي أدبٍ * وان سما رتبة من فوق أمـــــــلاكِ

استغفر الله ما قصدي الفخار ولا ** فخري القوافي وان خصّت بأملاك

 

العلامة الشاعر الشيخ محمد على الأعسم قرضها بقوله:

ما ذات ضوء جبينٍ مشرقٍ حاكى *** شمسا تجلت لنا من فوق أفــلاكِ

حييّةٌ ما رآها غيـــــــر حليتها ***** ولم يذق ريق فيها غير مســواك

ولو تمر على النّسّاك لافتتنوا ***** وأصبحوا فــــي هواها غير نساكِ

يوما بأبهى سنا من قطعةٍ نظمتْ ***** فيها محاكمة مـــــا بيــن أملاكِ

لمّا وقفتْ عليها طرتُ من فــــرحٍ ***** لكنْ تداركني صحبي بإمــــساك

إن قلت سحرا وحاشى ليس يشبهها ***** سحر فما أنا في قولي بأفــاكِ

تحكى بأحسن نظم " وقعة " عجزوا **** عنها بنثرٍ وكان الفضل للحاكي

تبدي اختلافاً وشكوىً والرضا معهم *** ولا اختلاف ولا شكوى ولا شاكي

ولا نكيرٌ إذا خاضوا بمعضلـــــــةٍ ****** لم يدركوها وكانــــوا أهل إدراكِ

والحقُُّ ينتظر " المهديّ " فيه إذا ***** أعيى علـــى كلِ نقــــــادٍ ودرّاك

فقف على الشيخ نجل الشيخ ثمَّ وقل **** " يا نبعةً نبعتْ من احمد الزاكي ( 16)

ويا ذبالته من نوره اتقــدتْ ***** " ونفحة نفحتْ من عرفــــــه الذاكي "

ملكتم النظم والنثر البديع، وكم ****** سما لدعواه قـــــــومٌ غير مــــلّاكِ

وكم لكم آيـــــةٌ غرّاء بانَ لهــــا ****** نهج الهدى لم تدعْ شـــــكّاً لشكّاكِ

 

وقال الشيخ هادي ابن المرحوم الشيخ أحمد النحوي أيضا:

أكرمْ بحاكم عدل منصف الشاكي *** أمن المروع أمان الخائف الباكي

أكرم بـــــهِ ربَّ آراءٍ وإدراك ***** لكـــلّ معجمــــــةٍ غمّــــــاءَ درّاك

فكّاك معضلةٍ حلّال مشكلــــةٍ ****** أكرم بحلّال إشكالٍ، وفكّــــــــاكِ

حكّمتما عادلاً في حكمهِ ثقةٌٌ **** لــــم يبق شكّاً لمرتـابٍ وشكّـــــاك

يقضي القضا لا يحابي عنده أحداً * ما زال يرضى به المشكو والشاكي

كم قد هدى برشاد الحق كل أخـــي * غيٍّ، وكــــــــم ردَّ من إفكٍ وأفّاكِ

وكم أنار لنا طخياء مظلمة ً ****** منارها لم يبـــــنْ يوما لـــــــسلاكِ(17)

نكتفي بهذا القدر الوافي الشافي عن مسألة التحكيم، وهي البادرة الأولى في تاريخ أدب القترة المظلمة في العراق لتفتح بعدها الآفاق لمعارك الخميس الشعرية، وبند النهضة الحلية، ونقائض ومساجلات المجموعة البغداية، وتجمع حقبة العشرة النجفية، وتكلل برواد النهضة الشعرية والأدبية في القرن العشرين ....الحركة بركة، والمسيرة تبدأ بخطوة جادة حازمة مؤثرة، لو كنتم تتذكرون ...!!

 

كريم مرزة الأسدي

....................

(*) قصائد المساجلة التحكيمية في كلّ المصادر التي عثرت عليها غير منقحة ولا محققة، لا حركات ولا شدّات ولا تنوين، وبعض الهمزات ساقطة، وبعض أبياتها غير موزونة للتصحيف والتحريف، فالشعراء كبار، حاولت مجتهداً أن أخرجها بالشكل المقبول الموزون، وذكرت البحر البسيط المخبونة عروضه، والمقطوع المردوف ضربه، عدا القصيدة الميمية للشيخ النحوي من البحر البسيط المخبون بعروضه وضربه، وطلب السيد بحر العلوم أن يعارضوا أبيات الحائري بالبحر نفسه والقافية ذاتها، وأعتذر عن كلّ سهوٍ عابر . نعم هنالك:

ديوان: السيد محمد مهدي بحر العلوم، جمع: محمد صادق بحر العلوم، تحقيق: محمد جواد فخر الدين .... حيدر شاكر الجد، الطبعة ألأولى/ 1427 هـ / 2006 م

ولكن لم أطلع عليه !!

(11) الحالي والعاطل: د. عبد الرزاق محي الدين -.

(12 ) تراث كربلاء: سلمان هادي الطعمة .

(13) يذكر السيد محسن الأمين في ( أعيان الشيعة ) ج عنه ما يلي:

أديب كبير كان يقيم في كربلاء في عصر السيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم . ولا يعرف عنه شيء اليوم، ويحتمل أن يكون من آل النواب في يزد وهم أسرة علوية من بقايا الصفوية، ويحتمل أن يكون من الأسرة الهندية التي كانت تستوطن كربلاء واليها ينسب بعض العقار إلى الآن والله أعلم، وهم غير آل النواب الذين يسكنون بغداد، فاولئك أسبق هجرة من سكان بغداد.

(14) يذكر السيد جواد شبر في (أدب الطف) ما يلي:

وكتب الشيخ محمد رضا الشبيبي في مجلة الاعتدال النجفية عنه فقال:

يُعد الاستاذ المحدث الأديب السيد نصر الله الحائري رحمه الله من أئمة الأدب في منتصف القرن الثاني عشر، شدت اليه الرحال وكانت له في الحائرمدرسة مشهورة وخزانة من أنفس خزانات الكتب في عصره جلب اليها النسخ المختارة من الأقطار البعيدة فقد كان الاستاذ المشار اليه رحالة كثير الأسفار وقد زار القسطنطينية وعواصم البلاد الايرانية وسواها غير مرة . وقد روى عنه وقرأ عليه أشهر أدباء العصر الذي يلي عصره أو الطبقة التي تلي طبقته ومنهم بعض آل النحوي ومنهم على الغالب الاستاذ اللغوي الأديب السيد صادق الفحام النجفي وهذا من أشهر أدباء العصر المذكورين الذين تخرجوا على الحائري والسيد مير حسين الرضوي النجفي.

في أدب الطف ومؤسسة السبطين استشهد 1168 هـ، وفي الفوائد الرجالية 1156هـ، وأنا أرجح الأول، لأن التاريخ الثاني ولد في سنتها جعفر كاشف الغطاء الكبير، ولم أعثر أنها قرنت باستشهاد السيد نصر الله الحائري !!

(15) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين --

(16) يقصد الشيخ محمد رضا ابن الشيخ احمد النحوي، وفيه تورية.

(17) راجع: الفوائد الرجالية: السيد محمد مهدي بحر العلوم -- ، أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين وما بعدها .

أدب الطف: السيد جواد شبر ج....

 

khalidjawad shbaylأبكي الذين أذاقوني مودتَهم – وكلما أيقظوني للهوى رقدوا

واستنهضوني إذا ما قمتُ منتهضاً – بثقل ما حمّلوني في الهوى قعدوا

جاروا عليّ ولم يوفوا بعهدهمو – قد  كنتُ أحسبهم يوفون إن وعدوا

هذا الشعر هو للشاعر العبّاسي العبّاس بن الأحنف، وإذا قيل أن الشعر مرآة صاحبه ويحمل بصمات فكره وعاطفته فإن القول ينطبق على ابن الأحنف، فهو شاعر الرِّقة والعاطفة المشبوبة الصادقة التي سكبها من كل جوانحه وجوارحه سكباً بصدق وعفوية وفنّية عالية ولغة سهلة خالية من الكلمات الغريبة والمبهمة، قارؤها ينساق وراءها (اللغة) انسياقاً ويُؤخذ بها أخذاً فلا يحتاج إلى معجم أو قاموس، هو شاعر بلغة النقد مطبوع لا تكلف عنده ولا زخرف لفظي ولا محسنات بديعية ولا ثقل ولا اعوجاج، لغتة تأخذ طريقها إلى مُهج سامعها فيهتز ويتعاطف مع قائلها!

 في هذه الأبيات وفي غيرها سنجد أن الشاعر جاءته البلاغة في أبسط صورها وهي " المقابلة البلاغية" التي تتعدى الجناس والطباق الى المقابلة بالعبارات الشعرية لا في الكلمات بل في المعاني أيضا..ثم تراه ينتقل بأزمنة الماضي والماضي البعيد التي تخدم معاناة الحاضر المتمثل ببقاء اللوعة وربما ديمومتها!

 والصوت؟ هامس دافىء على حروف متوائمة وأجراس كلمات معاتبة غير قاسية ترقُّ حانية على المسامع حيث تتعاقب القاف المقلقلة ، مع الهاء الخافته والحاء الحانية والسين المهسهسة  لتليّن الضاد الثقيلة والنتيجة خلطة نغمية ساحرة يتحسسها من يقرأ الأبيات بصوت عال..كل هذا على البحر البسيط الحزين..

قرأت أول مرة عن ابن الأحنف في كتاب الأدب العربي المقرر للسنة المنتهية من الثانوية الذي طالما كنت أقرأ به ضمن مطالعاتي الخارجية، فأُعجِبت به وبشعره كواحد من نماذج العصر العباسي الأول، واستقرت الأبيات أعلاه المنسوبة خطأ على الشبكة العنكبوتية لبشّار، فتمنيت أن أستزيد، وتحقق لي ما أريد بمقالات للشاعرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي، التي تذكره بإعجاب كبير في ما كتبت وما قالت فيه في مقابلاتها ومحاضراتها وهي أستاذة الأدب، ثم نعرف أن الدكتورة الشاعرة قد نالت الدكتوراه من السوربون وقامت بتحقيق ديوان العباس ابن الأحنف، فمن هو العباس بن الأحنف؟

ليس هناك من حسم في تاريخ ميلاده وحتى وفاته اكتنفها بعض الاختلاف ، وإن ذكر المؤرخون بأنه توفي في يوم وفاة النحوي الكوفي الكسائي وبناء على هذا يكون قد توفي وفق ما رجحه الذهبي في سير أعلام نبلائه ج9 سنة 189ه عن عمر قارب الستين..وقيل أنه من عرب خراسان وفد بغداد وبموهبته تقرب من هارون الرشيد ، وجالسه وأصبح من مقربيه يصاحبه حتى في رحلات الصيد وينشده الشعر، وبادله الرشيدُ الإعجابَ ونال عنده حظوة واحتراماً حسده عليه منافسوه من الشعراء.

 يُجمع كل من عرفه وذكره أمثال المبرِّد والجاحظ والبحتري والأصبهاني، بأنه إنسان شريف موسَر أنيق ترف، حلو الحديث، أشعر شعراء الغزل، لم يتكسب بالشعر قط، وبهذا يسقط الحجة عمّن يزعم أن الشعراء كلهم يتكسبون! فهو لم يمدح ذا سلطة أوجاه، ولم يكن مبتذلاً في شعره، بل سامياً في حبه، محترماً من قبل الجميع، وهو القائل في الحب:

وما الناسُ إلا العاشقون ذوو الهوى – ولا خيرَ فيمن لا يُحب ويَعشقُ

فمن هي معشوقته إذاً؟

لم يُنكر عشقه بل يذكره ويؤكده لكنه لم يُفصح عن حبيبته التي أصطلح عليها باسم جميل "فوْز" وفُسِّر بأنها كانت كثيرة الفوز في المسابقات!

فوز إذن لم يكن اسمها الحقيق لذا تراه يقول:

كتمتُ اسمَها كتمانَ من صان عِرضَها – وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ

فسمّيتُها فوزاً،ولو بحتُ باسمها – لَسمّيتُ باسمٍ هائلِ الذكرِ أشنعِ

 كان فخوراً بها يذكرها بخليط من الغزل الراقي والإجلال والعتاب فقد كان العاشق العذري في غير زمنه الإسلامي وإنما في العصر العباسي حين كان الغزل تشبيباً مادياً وفاضحاً في أحايين كثيرة!

لكن المحققة الدكتورة الخزرجي قد بحثت عن المعشوقة وتوصلت إلى أنها إحدى نساء البلاط العباسي، وعلى وجه التحديد عُلية بنت المهدي أخت هارون الرشيد ! فكيف لم تفطن له عيون العسس التي لا تفوتها أية نأمة أوحركة؟! ألم يذهب جعفر بن يحيى البرمكي الذي يقال أنه أحب العباسة أخت علية وهارون الرشيد الى الهاوية، ليس العاشق جعفرالبرمكي وحده وإنما كل البرامكة في نكبة اصطلح عليها بنكبة البرامكة! وسيتكرر العشق أيضا بعد قرنين في بلاط سيف الدولة حيث شغف الشاعرالمتنبي (303- 324ه) بأخت ممدوحه خولة، التي سارعت يدُ المنون باختطافها فرثاها عاشقها بقصيدة من أجمل مراثي الشعر العربي وقد كشف المستور في قصيدته:

يا أختَ خيرِ أخٍ يابنتَ خير أبِ – كناية بهما عن أشرف النَّسَبِ

إلى أن يقول بيته الخالد:

طوى الجزيرةَ جاءني خبرٌ – فزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ

    ويبدو أن الرسول سعداً حذق المهنة وأدى المَهمّة وأخلص للعاشقيْن، فيمتنُّ منه الشاعر العاشق ابنُ الأحنف ويستزيده الأخبار حين يقول:

وحدثتني يا سًعْدُ عنها فزدتني – جنوناً فزدني من حديثك يا سعدُ

هواها هوىً لم يعرفِ القلبُ غيرَه – فليس له قَبْلٌ وليس له بَعدُ

وهناك بيت يدانيه لمحمود سامي البارودي  قرأته في "فن التقطيع الشعري" للدكتور صفاء خلوصي كشاهد عروضيّ على التصريع بالزيادة في الطويل (مفاعلن إلى مفاعيلن)  قاله البارودي في استقبال سعد زغلول رئيس الوفد المفاوض عند عودته من بريطانيا:

فيا سعدُ حدّثني بأخبار من مضوا – فأنت خبير بالأحاديث يا سعدُ

والبحر والتصريع هونفسه عند بن الأحنف إضافة إلى المعنى!

***

هناك كثير من المشتركات بين الشاعر ابن الأحنف وبين الشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي التي جعلَتْها تختاره مادة لدراستها ونيل الدكتوراه ثم تقوم بتحقيق وتمحيص ديوانه، فالشاعرة الدكتورة كانت بمنتهى الأناقة في كل شيء في حديثها وفي شعرها وفي هندامها فقد كانت تصفف شَعرها بعناية بتسريحة فرنسية (ميز اون بليه)، وكانت ملابسها معظمها فرنسية تحسن اختيارها وحريصة على تناسق ألوانها، وكانت لها طريقة الإلقاء الأنيقة يشفع لها صوت موسيقي جميل النبرة تميزه بين مئين الأصوات يشد السامعين أكثر في إلقاء  الشعر، كانت متأدة في كل شيء في إلقائها كما في مشيتها، كانت حازمة.. كنت اراها كل يوم تمر في طريقها إلى موقف السيارات خلف قسم الكيمياء حيث تركن سيارتها، لم تكن الدكتورة جميلة جداً لكنها تحمل كثيراً من معاني الجمال..

سمعتها مراراً تلقي شعرها الصوفي وتتغزل بالذات الإلهية في كثير من اشعارها، كنت كباقي الشباب نتطلع للشواعر أن يبُحن بغزل أو بشيء من العاطفة، كنا نتمنى أن تتغزل هي وغيرها بشخص ما تحبه لنعرف عالم الحب لدى الشاعرة العاشقة فقد شبعنا من بوح الشعراء العشّاق وحفظنا أشعارهم، وشبعنا من الشعراء المتصوفة وعشقهم لله وها هي شاعرتنا تقول من قصيدة "بين يدي الله":

أحبك لو صحّ أن الهوى – تترجمه أحرفٌ او معانْ

أحبك للحبِّ لو أعربت – عن الحبِّ قافيةٌ أو بيان

أخال الهوى فوق ما في اللُّغى – أو أن اللغى دون ما في الْجَنان

أُحبك رباه فوق الهوى – أيا من به كنت والحبُّ كان

أحسُّ به في فؤادي هوىً – يعمّ الورى بين قاص ودان

عرفت بك الحب أنت الهوى – وفيك القصيد ومنك البيان

وأنت الجميل تُحب الجمال – فأنى تجليت كان افتتان

ومن الواضح أن القصيدة – وهي أطول- أقرب إالى المناجاة الدينية أوالصوفية، تتسم بلغة سهلة للغاية ذات عبارات شعرية خالية من التعقيد اللغوي خالية من الخيال شحيحة التصوير البلاغي ولكن تتسم بأناقة واضحة وهي تقترب أو تحاول ان تقترب من الخصائص الشعرية لشاعرها الاثير العباس ابن الأحنف.

لكنها تضاده تمام التضاد وهو الذي لم يمدح أحداً، حين تمتدح الرئيس الدكتاتور السابق بما لا أود أن اذكر ما قالت فيه.. الذكر الطيب للأستاذة الكبيرة والشاعرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي..

 

رام كم هنغ في 16ك1/ديسمبر 2016

 

saleh altaeiقصيدة "أعدمت أنوثتي" للدكتورة كريمة نور عيساوي إحدى المشاريع الجريئة التي تحاول استنطاق الموروث والتحدث عن قصة مؤرشفة بعناية في مخيالنا منذ بدء الخليقة إلى اليوم؛ وهي علاقة الرجل بالمرأة، تلك العلاقة التي تتأرجح بين هيمنة الذكورة المطلقة، وخنوع العشق، حيث تبادل الأدوار على أشده، فالسطوة قد تكون شاربا غليظا، يرسم صور النظام الأبوي التقليدي؛ الذي يمارسه البعض حتى مع محبوباتهم، وقد تكون رمشا ساحرا، يشل حركة الذكور ويُحيِّد قواهم، ويشعرهم بالخذلان والهزيمة، لكن دون أن يمس الكرامة.

إن تراجيديا العلاقة المتشنجة مرة، والحميمية مرة أخرى بين نصفي الكون العاقل (الرجل والمرأة) تشل تفكيرنا، وتُعَتِّقْ رؤانا، حينما يشعر أحدنا أن تلك الكلمات الحانية الناعمة القاسية الجارحة الرحيمة العذبة المُرة التي تتقلب بين التوسل والتهديد، والتنازل والشموخ، تعنيه وحده، تخاطبه من دون المجموع، تشير إليه بحروفها متحدية كبرياءه، تطلبه إلى منازلة مصيرية من غير أن يكون له سلاحا يدفع به عن نفسه غائلة الخوف من مصير لا يعرف كنهه ولا لونه، وهو أقسى تحد ممكن أن يمر به الرجل!

عَقِلْنا وفهما وتعلمنا من خلال تجاربنا التاريخية المريرة، وخبراتنا المكتسبة من قصائد العشاق المتيمين، ونصائح الحكماء المبجلين، وكلمات المعلمين الصالحين أن الجمال سلاح المرأة الأخاذ القاطع؛ الذي يسفح دماء الرجال ويسلبهم كبريائهم ووقارهم، ويدفعهم أحيانا إلى التوسل، ويصادر عقولهم ويحولهم إلى مجانين رسميين هو من أقوى الأسلحة التي لم يصمد أمامها الفرسان الشجعان، وكم من مجنون بليلاه في تاريخنا، الذي لم يجرؤ أن يذكر ولو واحدة مجنونة بقيسها، لكن كرم (كريمة) دفعها لتنتصر للرجل من خلال قلب المعادلة التاريخية، وبدل أن يبدو الرجل متوسلا، خانعا، ذليلا، منكسرا، رسمت صورة للمرأة المتوسلة بكبرياء، الراجية بعقل، الباحثة عن نتيجة:

 تخبو نضارتي

 أمام توهج عينيك

وتنطلق أنفاسي من سجنها صارخة:

 أرجوك

 اخفضهما

فإني أرى فيهما امرأة...

 

إن التجارب التاريخية أثبتت أن المرأة تعيش بكرامتها، وترفض أن تتنازل عنها لأي شخص، ولأي سبب، وتقاتل من أجل ذلك حتى النفس الأخير، بلا هوادة ولا كلل، ذلك لأنها تحمل موروث الظلم الذي أحاق بها عبر العصور، وتحاول أن تنتقم كلما سنحت لها فرصة، لتشعر بلحظة انتصار حقيقي، ولكنها تتفوق على نفسها أحيانا لتعلن الحقيقة دون وجل من بنات جنسها، لتعلن على رؤوس الأشهاد أنها مجنونة قيسها مثلما كان بين الرجال من هو مجنون ليلاه، حتى لو أدى ذلك إلى فقدانها أعز وأمضى أسلحتها (الأنوثة):

لقد أعدمت أنوثتي

على مقصلة الإهمال

وأقبرت أحلامي

في سراديب النسيان

 وصرت أسبح في جنون العصيان

علني أستطيع أن أحيا

 كلما أغمضت مقلتي….

إن النكاية العظمى تتمثل بشعور المرأة أنها ترضي غرائز الرجل السادية؛ التي تعرفها فيه منذ الأزل، ومع ذلك، وعوضا عن الاستبسال في الدفاع عن المعنى، تتنازل إلى درجة الركوع، إرضاءً لتلك السادية، حتى مع علمها أن الركوع لن يمنحها أكثر من وعد معسول، ولكنها تجربة قد تكشف لها الكثير مما خفي عنها في سر الكينونة، وهذا الكشف هو الذي يحدد مواقفها اللاحقة:

تصدر أوامرك

المعتقة بعبق الإذلال

فأركع طالبة

الصفح والغفران

لتتلذذ بساديتك المعهودة

وتغدق علي فنجان

من حنان معسول...

 

إن التجارب القاسية قد لا توصلنا إلى نتيجة ولكنها تعيننا في تحديد الهدف، ورسم الأبعاد الحقيقية لميدان المنازلة، بحثا عن نتيجة، فالصورة التي يبدو عليها المرء أحيانا وهو في منتهى الانكسار ربما تكون خادعة غير حقيقية، لا تعبر عن واقع الحال، يتخذها الإنسان وسيلة لتحقيق غاية، وهذا ما رسمته أبيات القصيدة، فالصورة السابقة، صورة الركوع لم تكن تنازلا بقدر كونها مسبارا كشف لها ظهر الخصم، وإذا بها لا ترى سوى صورةً شيطانيةً لمعشوقةٍ أخرى لا تشبهها، ولا تمت لها بصلة، الملامح ليست ملامحها، لا خصلات الشعر النافر، لا العينين السارحين، لا استدارة الوجه القمري، لا نضارة المحيا، لا الجمال الأخاذ؛ الذي تتباهى به، لأنها ليست هي، ليست صورتها التي أملت أن تراها في عينيه الوقحتين:

وفي لحظة انسجام

يظهر نابك الأزرق

وتلمع عيونك

لأرى العاشقة المتربعة فيهما تلهو…

وإذا ما كان الرجل ابن التجربة، فالمرأة بنت النتيجة، علمتها الحياة أن لا تتعجل الأمور، أن لا تقتبس، ولا تقلد، بل تبدع، وأن تكون في منتهى الحدية والصرامة إذا ما زال الشك وتحقق اليقين، وحينها لا تعلن الهزيمة، بل تسعى إلى الانتصار، فالنار التي بدت شرسة وهي تتناولها، وتحيل قسماتها إلى وهم راكع، تحولت إلى رماد، ولد من بين ذراته الناعمة عملاق شرس بعقل، ومن خلال صورة العملاق، عادت من جيد، تحمل كل نضارة الكون، مثل طائر العنقاء الذي بعث من بين رماد:

فافتح عيني من جديد

لأطهرهما من غباوة الدهر

فأتبتل في محراب العنقاء

ونسافر معا عبر متاهات الزمان

لتشع نضارتي المعهودة من جديد...

 

لقد حاولت الدكتورة كريمة نور عيساوي من خلال قصيدتها (أعدمت أنوثتي) أن ترتق فتق العلاقة بين الجنسين لا من خلال التسقيط وفرض السطوة القسرية بل من خلال الحكمة، والعقل، والمنطق، فهي تؤكد من خلال القصيدة أن لا الرجل ممكن أن يستغني عن المرأة، ولا المرأة ممكن أن تستغني  عن الرجل، فهما مثل رجلي الكون الذي لن يتمكن من إكمال مسيرته برجل واحدة، فالكون الأعرج لا يستقيم.

 

abdulkadir kabanلقد أجمع النقاد على أن شخوص سلوى بكر تؤدي دورها ببراعة في معترك الألم الذي يحيط بها كونها من طبقة الغلابة والمهمشين وتحديدا المرأة، وهذا منذ أولى مجموعة قصصية للكاتبة نشرتها على نفقتها الخاصة والتي جاءت تحت عنوان "زينات في جنازة الرئيس"، حيث كتبت عنها الناقدة التونسية نجاة العدواني ما يلي: (... رغم أن الكاتبة تعالج قضايا نسائية إلا أنها تطرح هذه القضايا في سياق اجتماعي وسياسي. ففي قصة "أم شحتة التي فجرت الموضوع" مثلا، تبين لنا من خلال هذه الشخصية النسائية العظيمة أن التنظيمات السياسية ممثلة بالمناضل السياسي حسين دياب كانت في انتفاضة يناير المصرية منغلقة عن الحس الشعبي والفعل الجماعي الذي تحرك بعفوية ضد السلطة اثر ارتفاع الأسعار مما أوقع الأحزاب السياسية في حيرة وارتباك أمام الموقف الجماهيري الذي تجسد بالانتفاضة التي تحملت أحزاب المعارضة نتائجها رغم أنها لم تكن الداعية اليها أو الفاعلة فيها. وهكذا كانت المرأة رمزا عميقا للجماهير المصرية.)1.

لقد استحضرت معظم قصص هذه المجموعة ذكريات الماضي الجميل رغم قسوة الظروف والحاضر بمرارة أيامه العصيبة كما يظهر ذلك في قصة "الزمن الجميل"، حيث تستعيد البطلة ذكرياتها يوم عيد الفطر تحديدا حينما حضر حبها الأول لزيارتهم فجأة ولمحت اختفاء بريق السعادة في عينيه، كما اختفى تماما طعم الحياة في أيامنا هذه: (أنا أيضا أشعر بأن الدنيا بلا طعم.. حياتي، وحياة الناس كلها، أقرأ ذلك، وأنا أطل على وجهي في المرآة كل صباح، وأراه على وجوه الناس في الشوارع، وعلى محطات "المترو" و "الأوتوبيس"، ويقوله زملائي في العمل، بالزفرات والتصعبات والآهات.. ومنذ زمن لم اسمع ضحكة حقيقية، ضحكها أحد من القلب، ورغم أن اليوم عيد، وأمي صنعت الكعك، وغطت المائدة بغطاء جديد، وابتاعت زهورا وحلوى، لا أشعر أن احدا قد فرح هذا الصباح...)2.  

أما في قصة "لوكيميا" فتمنح المبدعة سلوى بكر بطلتها ملامح البطلة المهمشة والمنبوذة من الآخرين، لكنها تظل تحتفظ لنفسها بنقاط تفوقها التي تخفي في العموم ملامح شخصيتها الحقيقية، كما جاء على لسان الساردة بضمير المتكلم العليم: (واكتشفنا انها جميلة حقا، وتمتلك روحا رائعة، لقد عرفنا من خلالها معان أخرى عديدة للجمال، اكتشفناها في انفسنا، وفي الناس الذين كنا نعرفهم، او الذين كانت تعرفنا عليهم لوكيميا.)3.

تمثل شخصية بطلة "امرأة على العشب" ملامح البأس والفقر والعوز والجوع بامتياز، حتى أنها تعيدنا منذ سطورها الأولى إلى زمن ريا وسكينة الذي كتب عنه المبدع صلاح عيسى، لنجد مساومة المخبر لبائعة الترمس لتكون خلف القضبان بتهمة التسول هي الوسيلة للحصول على المال في ظل أحوال البلد الصعبة: (ضحك الولد في سعادة وهو يمتطي الكلب، ويشده من ذيله، وراح يصيح على أمه لتراه في هذا الوضع، أما المخبر فقام من مكانه ومد يده الى جيبه، واخرج الجنيه، وامسك بيد المرأة ووضعه فيها واطبق عليها جيدا.)4.

تظهر نقطة التجريب السردي في قصة "ما جرى لبوسي"، أين تنقلنا فيها بكر بلغة بسيطة لا تخلو من الرمزية ما حدث للقطة بوسي بعد مضايقات الجوع والتعب، لتجد نفسها أمام بوابة مظلمة فدخلت لتجد ما تأكله بفضل العناية الإلهية هناك في بيت امرأة قد فقدت ابنها، وكانت في تلك الأثناء تصلي فتظن هذه الأخيرة أن روحه قد عادت فجأة لزيارتها: (كان النعاس قد بدأ يداعب المرأة، وبدأ غطيطها يعلو وهي تحلم بأن وليدها في حضنها يقاسمها الفراش، عندئذ كانت القطة قد ملت الرقاد، وقفزت الى الأرض باحثة عن نصف سمكة فضية أخرى.)5.  

لقد حاولت بكر مزج الواقع الذي يعيشه شخوصها بقسوته وبأسه مع جملة من الأبعاد التأملية والإيحائية، لتنقل لنا رسالة ذات بعد دلالي يدعو لصحوة الضمير الإنساني كما هو الحال في قصة "أصل الحكاية نمة" أين تتعدد فيها حكايات أهل الحارة وأحوالهم المتغيرة التي زرعت الجفاء بين القلوب، حتى أنهم لم يعودوا يأتمنون بعضهم بعضا أو يتبادلون أطراف الحديث كالجار للجار: (قلنا ان الجفاء، بين أهل الحارة، قد زاد، والرجال لم يعد يطيق بعضهم بعضا، ورغم ان كلب كفراوي قتل، والموظف ترك الحارة ورحل، مع اهله، والتاجر فصل تجارته، في النهاية، عن تجارة اخيه، الا ان الحكاية لم تقف عند هذا الحد...)6.

قصص المجموعة الإحدى عشرة جعلت القارئ فاعلا في نصوصها ومتفاعلا معها من خلال سرد الأحداث الواقعية التي لا تخلو من لمسة الخيال بإكسابها تكنيكا دلاليا رمزيا، وظفت فيه المبدعة سلوى بكر لعبة الضمائر أين نجد الضمير المتكلم في بعض النماذج يحيل على ذات الشخصية مباشرة بل ويعري أعماقها الداخلية للكشف عن نواياها الحقيقية، وأحسن مثال جاء في قصة "بسمة الموت" أين تحوم الذكريات كسحابة ممطرة حول البطلة التي تذكرت تلك العلاقة المتينة التي جمعتها يوما بصديقتها المتوفاة في حادث أليم: (كنت أظن انني التي يجب ان تموت... شعوري نحوها كان دائما انها افضل مني... بالمقياس العام الذي يحكم به الناس بيننا، كنت افوز انا.. الاجمل والاغنى... وكثيرا ما كانت امي تدهش من تعلقي بها... كنت أرى كل الاشياء عندها افضل... حتى بيتهم الصغير والفقير...)7.

يظهر ضمير الغائب بدوره في نماذج قصصية أخرى لهذه المجموعة كذلك كوسيلة يتوارى من خلالها السارد لتمرير ما يشاء من أفكار وأراء دون أن يكون تدخله صارخا، كما نجد ذلك جليا في قصة "العاشقة" حيث لا تشعر الممرضة –البطلة- بأنوثتها إلا وهي تسترخي على السرير حالمة بعد تعب شديد متناسية كل شيء من حولها: (منذ اليوم الذي لبست فيه فايزة الثوب الأبيض وثبتت الطرحة التلى على رأسها، بعد ان نتفت شعر جسمها ووجهها وسوت حاجبيها وزغردت لها نسوان الحارة والحواري المجاورة، ابتهاجا بدخلتها، وهي دائخة دوخة البهيمة في الساقية، فهي من البيت للشغل، حيث ينهد حيلها وينقضم وسطها من طيلة التوطئة والوقوف، بينما هي تغسل وتمسح وتطبخ.)8.

في الختام، يمكننا القول أن الكاتبة المصرية سلوى بكر استعانت بتلون الضمائر في باكورتها القصصية "زينات في جنازة الرئيس" لتخلق مناخا يستجيب لتلك الرسائل الخفية التي ساهمت في انتفاضة شخوصها الغلابة في وجه الألم وكلها أمل أن يصبح يوما في طي النسيان.

  

كاتب وناقد جزائري

.......................

هوامش:

1.سلوى بكر، عن الروح التي سرقت تدريجيا، مكتبة الأسرة، مصر، 2000، ص:103-104.

2.سلوى بكر، زينات في جنازة الرئيس، القاهرة، 1986، ص:23.

3. المصدر نفسه ص52.

4. المصدر نفسه ص12.

5. المصدر نفسه ص 71 .

6. المصدر نفسه ص125.

7. المصدر نفسه ص110.

8. المصدر نفسه ص60.

 

المقدمة: الدكتور حسن نعيم شاعر وفنان تشكيلي، عضو رابطة الكتاب السوريين، عضوالمبادرة العالمية للقيادات الإنسانية، سفير للنوايا الحسنة و حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

بالمختصر شاعر اتجه بمشاعره و جوارحه و وجدانه وعلم وأدبه نحو الإنسان بمفهومه الشامل، استغرقه الهم الإنساني، فغاص فيه إلى القاع، ثم عاد إلى السطح يحكي للقاصي والداني ما شاهده، وما أفزعه، وما أبكى مقله، وألهب بواطنه، ولأنه فنان تشكيلي برع في رسم كل ما أدركه وجدانه، لوحة ناطقة نكاد نسمع حكايتها، وصرخات شخصياتها وأقوالهم، ولا نشك بقدرة سفير برهافة شاعرنا في إيصال صوت المكلومين في وطننا الكبير إلى مسامع المجتمع الدولي، لعلّ الصوت يهزّ ضمير هذا المجتمع الذي حابى ومالأ كثيراً.

 

الصورة الكلية للقصيدة:

قصيدة منظومة في إطار الشعر المعاصر، شعر التفعيلة، تتناغم الألفاظ فيها مع المعاني في ترابط وتماسك لافت من أول القصيدة إلى آخرها، بعلاقة تبادلية مع بيئة الشاعر التي بدأها بفلسطين ثمّ  جعلها تتوسّع لتعمّ كلّ الوطن العربي، الذي صار فيه الوجع واحد، النص من النوع التعبيري الذي تطغى  عليه الصور الشعرية والإضاءات الجميلة، و يميل إلى العاطفة، وتبدو فيه التجربة الشعورية للشاعر جلّية واضحة.

نص غنائي،الغرض منه حكائي توصيفي لتاريخ مظلم بِظلام الجبّ الذي رمى فيه أخوة يوسف أخاهم المدلَّل  عند أبيهم، يحكمهم الغلّ والحسد و الشر، بدأه الشاعر بعنوان مقصود (ملحمة يوسف الفلسطيني) وبالفعل عندما نسمعه نسمع جلبة ملحمة تاريخية تحكي قصة سيدنا يوسف في كل زمان وكل مكان، التناص الذي اعتمده الشاعر مع قصة سيدنا يوسف كان اختياراً صائباً وموفقاً ومؤثراً جداً. وقد ساعد ذلك الشاعر في استحضار الكثير من الصور البيانية التي تدور حول تلك الفكرة بدعم وإمداد  وضخّ غزير.

يمزج الشاعر بين الوطن والمواطن في ملحمته تلك، فتارة نسمع صوت الإنسان، وتارة نسمع صوت الأوطان. وكلا الصوتين موجوع

 

البيئة التي قيل فيها النص:

وطن سليب، فلسطين .

الفكرة العامة للقصيدة (المعاني الجمالية):

ينطق يوسف هذا الزمان، يقف بين يدي أبيه يعقوب، نبي يشكو لنبي، ضحية يحكي قصة الجريمة التي ارتكبت بحقه، والمجرمون أخوته الذين جاؤوا من صلب أبيه، تجري في عروقهم ذات الدماء، لكن ما عمر فيه قلبه، عمرت قلوبهم بنقيضه ...

ثم ينسب يوسف نفسه إلى بلده، أنا يوسف الفلسطيني، ثم يحدّد انتماءه، أنا يوسف العربي، ثم يصف حاله، أنا يوسف المنفي، وهذا أدب بالخطاب، أن تعرّف عن نفسك ونسبك وانتمائك، ثم تصف حالك،

فلسطيني منفي من خمس وستين سنة عمر المأساة، يحرّك الشاعر المشهد، هذا قميصي يا أبي وكأننا نراه يتحرّك باتجاه أبيه الصامت، الذي لن ينطق أبداً منذ بدء القصيدة وحتى نهايتها، والحقيقة أن يعقوب جالس على كرسي على خشبة المسرح حاله حال الجماهير التي تشاهد العرض.. هو كل متلقي...

يحرّك يوسف قميصه الملطخ بدم كذب، التاريخ الملطَّخ  بالكذب، التاريخ الذي كان طاهراً يستر طاهراً، فدنّسوه بدم كذب تَبَرَّأ الذئب منه، وأشار إلى النفوس الإنسانية  وقد فاقته شرّاً، هو إن فتك فلفطرة البقاء التي فطره الله عليها، نتأمّل المشهد، يشير يوسف إلى أخوته، يتابع شكواه: يحتفلون بمنفاي أبي، يشعلون الشموع احتفاءً بنجاحهم في إنجاز جريمتهم، ما زالوا يعدّون المنفى لأبنائي وأحفادي، لشعبي، وبناتهم بنات صهيون يرقصن ويغنين مرفوعات على الأيادي وفي العلالي، الفلسطيني منفي عن بلده، والبغاة يعيثون فيها فساداً وانتشاراً، يلتفت يوسف إلى أبيه مذكراً: أنا يوسف يا أبي ! وكأن الأب مُغيَّب، ويسأل بحسرة متى ننتقل من جوع الحياة إلى شبع الخلود ؟ سؤال عميق بعمق الحياة وامتداد الخلود ..

أنا يوسف يا أبي، وهنا ينطق الوطن باسم يوسف، فلسطين تنطق باسم يوسف، تقول أنا يوسف يا أبي وهؤلاء الذين باعوني لصهيون، وسلموني لأموت وحيداً، ولأنطق وحيداً ولأدخل صلح مخزٍ وحيداً، هنا في أرض الأولياء يا أبي اهتزت قبورهم هلعاً، هنا كان سوق النخاسة الذي باعوا فيه الشريفات سبايا، القدس، بغداد، ودمشق، باعوا الستر وكشفوا عوراتهم، خانوا انتصاراتهم، خانوا حطين، وباعوا فلسطين، تاجروا بالشرف وجهلوا . ويكثر الشاعر من ترداد اسم الإشارة (هنا).

يعيد ويكرر أنا يوسف الفلسطيني أنا يوسف العربي وهذا قميصي، الدم الذي عليه هان على مشاهديه وأصبح ماءً، ثم احترق كما القضية فأصبح جمراً، ثم سَكَراً تغيب فيه العقول، ثم استحال إلى بلاء ووباء، هذا هو حال القضية الفلسطينية.

 في هذه البقعة وقع الشمال على الجنوب، وهنا أكل الغرب حضارة الشرق، وهنا سرق الخيل سرقت الأصالة، وتصاعد النحيب والعويل، من الأهوال والجرائم التي ارتكبت، وهنا قتلوا الزيتون في أرض الزيتون، وهنا جنود الرباط يقاتلوا أهل الردة، وهنا تتقارب الأبعاد، تكرار (هنا)، جسد المسيح المصلوب، وصخرة أحمد، وهنا جامعة الدول العربية، جامعة العهر العربي والشر العربي، وهنا رجموا فيي كل المذنبات  في بيارات البرتقال، رموا يوسف في  بردى والفرات، وأغرقوه في النيل، هنا ارتكبوا كل جرائمهم، هنا انطوى الشمال على الجنوب، وهنا دخلت التيه وحدي أمشي فيه مسافات إلى حيث لا أدري، يحتار يوسف، يتساءل ما أصعب أن تجبر على ترك مكانك، أبتي ما زلت أذكر وصيتك لي بألا أخبرهم برؤيتي حتى لا يكيدوا لي، هنا يا أبتي باعني العابرون بثمن بخس في بلد المنفى، وهنا تتغيّر النبرة باتجاه إيجابي،  سأتحوّل إلى حمامة سلام بيد المسيح، وإلى قمر على كتف أحمد، سلام بين إسلام ومسيحية، سأبقى صامداً أريق دمي دفاعاً عن العرب،  قميصي  يعبق  بعطر  الأنبياء، عطر يسوع وأحمد، نبضات حياة وقوة يطلقها الشاعر بين حسرات وتأسي.

وتعود الحيرة لتهبط مؤشر العزم والسلام، لتسجن يوسف، ليكون أسيراً في منفى الكلمات، ويعود الخوف ليهوي بالخط البياني أكثر، الخوف من خسة الأخوة، من خطط غدر تحيكها عتمة قلوبهم، ثم الشفقة على أب أغرقت دموعه لحيته حتى ابيضت عيناه، هو المبعد عن تلك العينين أعواماً وأعوام، و تعود وعود الخير لترفع الرسم البياني، سيكون عيناه، والوعد الصادق، يرتفع الإصرار على رفض المنفى، لا أرض جديدة ولا حياة جديدة، و لا انتماء جديد، الهوية جاثمة في القلوب الصادقة، في قلب الأم  والأب والأخت والطفل، وسرعان ما تعلو القريحة بعاطفة المقاومة، يحطم أصنام الصمت ويطلق سراح الروح، لتأتينا صورة جمالية استوقفتني طويلاًً، سأحمل  أنفاس اللحظة، وأستحم بحيض الشمس، وأطهّر نفسي، مغسولاً من اللعنات، الله ! الله! ما أجملها من صورة ! وما أطهره من غسل ! هذا تطهّر من دنس المنفى، وكأن المنفى كفر أسلم بعده يوسف، فوجب عليه غسل بشفق الشمس الأحمر الذي أشبه دم الحيض النجس، فكان النجس ماء طهر، يذهب رجس اللعنات، سيبقى طاهراً، حتى لو راودته الريح عن نفسه، سيبقى ماسكاً لزمامه، يحمل مفتاح جسده الذي أغلقه بعيداً عن شهواته، وهو من دعته أجمل النساء فاستعصم، لن يكتب الرسائل، فما زالت الرسائل خطرة، غير مقنعة من رجل ظنوه ميتاً منذ ميلاده، وأقاموا لوفاته مجالس عزاء، سجلوه في سجل المنفى، لكنه لم يمت ! ولم يفلحوا في محو ذاكرته، فهو يوسف الفلسطيني، ولمن يجهله هو حدود النار، والنصر بعد انكسار، بركان وإعصار، ويكسر الحصار، ويبزغ بعد الليل نهار.

الفكرة: في القصيدة أراها جديدة، التناص الذي اعتمده الشاعر و وظّفه في خدمة الفكرة أضاف إلينا و إلى الشعر إضافة جديدة أمتعتنا، وقرّبت إلينا الكثير من المواضيع التي عرض لها الشاعر في قصيدته، وهي غير مشكوك بصحتها كونها قضية معاصرة عشناها ونعيشها.

المعاني الشعرية:  جديدة بمعظمها، وهي عميقة في كل مستوياتها وأنواعها، كونها وجدانية يغلب عليها الوطنية و الحزن و القهر والإحساس بالغدر والخسة، والإصرار والتحدي على رفض المنفى، ثم بث التفاؤل والأمل، تسلسل المعاني في القصيدة منطقي ومرتب، يعكس مقدرة الشاعر و إتقانه في استخدام أدواته .

العاطفة: وجدانية إنسانية قومية، غابت عليها عاطفة  الحزن والقهر والغربة والوطنية، كلها شكوى من ظلم وغدر بني القوم والأخوة، تخللتها وبخجل، عاطفة إصرار وتصميم على المقاومة للفوز بحياة أفضل، التفاؤل جاء  في آخر القصيدة لتنهيها بحقيقة أن الليل يعقبه النهار.وهي عاطفة صادقة إذ لا تخفى هذه العاطفة على أي عربي مخلص .

 

 

خيال الشاعر:

كان خصباً ساعده التناص، في استقدام الكثير من الصور البيانية التي تنوّعت مع تسلسل المواضيع المثارة، والقصة التناص. 

أتاحت الفرصة للإتيان بالكثير من الصور البيانية، نستعرض بعضها:

(خمس وستون عجاف) استعارة وكناية

(متى نعبر من مجاعة الحياة الزمنية)  كناية

(هنا باعوا القدس ...) استعارة

(هنا تاجروا بجدائل المرأة) استعارة

(هنا وأدوا الياسمين) استعارة

(هنا ابتلع الغرب الشرق) استعارة

(هنا سرق الصهيل) كناية

(حل العويل)كناية عن الحزن

(سأتحول  إلى حمامة) كناية عن السلام

(سأحطّم أصنام الصمت) استعارة

(يلبسني الظل) استعارة

(أنا المنفي داخل الكلمة) استعارة

(أستحم بحيض الشمس) استعارة

 

الأسلوب:

أسلوب أدبي راق، استخدم فيه الكاتب العديد من الصور الجمالية، وعمد إلى تكرار الضمير (أنا) مع اسم العلم (يوسف) مع لفظ( الفلسطيني) و (العربي) المعرف بالألف واللام، دليل فخر واعتزاز بصفة الصدّيق، واعتزاز بالانتماء إلى  الأصل العربي والوطني القومي،  تكرارها كان اعتزازاً في بعض المواضع، وتذكيراً وتأكيداً على الأمجاد في مواضع أخرى، وحسرة على ما لحقه من ظلم وهو العزيز في مواضع أخرى، واستعمل اسم الإشارة (هنا) بكثرة أيضاً.

 استخدم الشاعر أيضاً الطباق بكثرة (موتي وميلادي)،(مجاعة، شبع)،(الموت، الولادة)،(الصمت، النطق)،(الشمال، الجنوب)،(الشرق، الغرب)،(الليل، النهار). (نصر، انكسار)، (أدري، لا أدري).

استخدم الإطناب بالترادف:

(يشعلون، يوقدون) 

(باعوني، أسلموني)

(ترقص، تغني)

(تهتز، ترتعش)

كما استخدم الجناس: (خمراً، جمراً)، (بلاء، وباء)

تأرجح أسلوب الشاعر في القصيدة بخط بياني يصعد تارك وينعطف منحدراً تارة أخرى، بين فخر واعتزاز، ثم حسرة وتأسي وحزن وظلم، ثم صمود وتصميم على المقاومة، بين ذُل وقهر، ثم إباء واعتزاز، لتنتهي القصيدة بالتفاؤل والأمل والصمود.

 

التمركز التفكيكي:

تمركز النص حول فكرة غدر بني القوم  و وضاعتهم، وبيع القضية الفلسطينية بالإطار الخاص، والقومية العربية بالإطار العام، وهذا التمركز لا يختلف عليه اثنين .

أما المتحولات فكانت مواضيع تدور في مدارات مختلفة حول هذه النواة المركزية، تختلف الرؤى حولها من متلقٍ إلى آخر، وهي اللآلئ المخبوءة التي يتفنن كل متلقٍ باصطيادها، تغطيها الصور الجمالية التي صوّرها الشاعر وترك لنا حرية تأويلها، وقد أشرت إليها في معرض تفكيكي للمعاني الجمالية للقصيدة، وإشارتي إلى الأسلوب الذي انتهجه الشاعر.

 

التكميم التفكيكي:

ويعتبر التكميم، أحد عناصر تحليل المضمون الهامة، في تفكيك النصوص، ويقصد به تحويل المعاني من مفردات أو تعابير أخرى إلى أرقام، ومن ثم اكتشاف دلالة الرقم، ويتم هذا التكميم أو التحليل الرقمي بمنهجية، وفق خطوات معروفة، ولغايات محددة، وتتوخى درجة الموضوعية و الحيادية فيه، وتجنب الأحكام الذاتية في هذا التحليل، و وحدات التحليل الأساسية هي:  الحرف، والكلمة، و العبارة، والفقرة، والفكرة، والشخصية، والزمان، والمكان ...ومن ذلك يكتسب هذا المنهج العلمي التفكيكي منهجيته العلمية، بأنه يمكِّن الباحث من التعمق والاندماج في صلب الموضوع، و يساعده  أيضاً على الوصول إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تثار حول النص، وذلك بفضل قدرة التفكيك على التفسير الذي يزيل الغموض، ويظهر الغايات المقصودة من النص بوضوح، وكذلك يساعد على إظهار المعاني الدفينة  والمخبوءة في النص، وإجلاء مضامينه على نحو دقيق، ويفيد هذا المنهج العلمي، المجتمع والباحثين في الأدب والعلوم الأخرى بأنه يصف الظروف والممارسات في المجتمع، ويبرز الاتجاهات المختلفة، ويساعد على الكشف عن نقاط الضعف والقوة والتناقضات، ويساعد على تطوير الأداء، و إظهار الفروق في الممارسات، وتقويم العلاقات بين الأهداف المرسومة وما يتم تطبيقه على الكشف عن اتجاهات الناس وميولهم.

وقد استخدم الشاعر نوعين من المفردات:

1-المفردات والمعاني الثابتة: وهي المفردات التي أخذت بنوعي المفردات النحوية الأساسية الاثنتين (مفردات المحتوى content words ومفردات التركيب function word): أنا يوسف العربي، أنا يوسف الفلسطيني، يا أبتي.

2- المفردات الدلالية المتكررة، وتلك المفردات حركها الكاتب بشكل فني  مدروس لإعطاء جمالية في النص، فأعطى لكل مفردة وظيفة معينة، وعمل على تكرارها بشكل واعٍ، لتعطي دلالات تضيف عمقاً لبنية النص

.حاولت تطبيق التكميم التفكيكي على النص، أجريت حساباً رياضياً لجميع الكلمات المعبرة، بعد أن حوَّلتها إلى أرقام بدلالات تفكيكية سيميائياً، ركزت على الكلمات التي تكررت في النص لأعطي دلالات تصوّر حسي لإحساسات الكاتب، تحمل معانٍ ودلالات تبيّن إمكانية الكاتب في كتابة النصوص بشكل متمكن .

وقد بلغ عدد التكرارات132 وحدة حسية موزعة بين إيجابية وسلبية.

 

الدلالات الإيجابية:

الاعتزاز والفخر:تكرار (أنا، أنا  يوسف العربي، أنا يوسف الفلسطيني):16

حب :(أبتي، أبي):14

فخر بالوطن: (هنا):4

صمود ومقاومة  وتصميم:25

 التحدي و رفض المنفى:8

التفاؤل:3

المجموع:70

 

الدلالات السلبية:

الحسرة والقهر والحزن:24

الغدر والخسة: 30

الشكوى من الغربة والحيرة: 8

المجموع 62

المحصلة:

70-62=8

نجد غلبة للدلالات الإيجابية بزيادة مقدارها8  وحدات إيجابية

لذلك نحكم علمياً وإحصائياً أن الشاعر في هذا النص وطني الهوية، عزيز النفس يشعر بالاعتزاز والفخر، تفاؤلي النظرة، صامد ومقاوم، يأبى الضيم والذل، وجداني المشاعر.

 

الخاتمة:

أتمنى أن أكون قد أخلصت في تناول النص بتحليلي التفكيكي هذا، وأن أكون قد أفلحت بالإحاطة بمفاصله، فمن حق النص ومن حق الشاعر على أن أكون قد فعلت، فإن قصّرت فعذري أنني بشر، وما زلت أحبو في عام النقد الرحب، فاعذروا تقصيري .

تحياتي إلى الشاعر والسفير والفنان المبدع الدكتور حسن نعيم، الذي أطلق صوته مغرداً بهذه القصيدة على مسرح عمون بالأردن وفي الكثير من الأمسيات الأدبية .

 

 

النص الأصلي:

ملحمة يوسف الفلسطيني

 

أنا يوسف الفلسطيني

انا يوسف العربي

أنا يوسف المنفي

وخمس وستون عجاف

وهذا قميصي وعليه دم كذب،

وهاهم إخوتي يا أبتي

يشعلون الشمع لعيد المنفى

يوقدوه لأولادي

يوقدوه لأحفادي

يوقدوه لموتي وميلادي

وبنات صهيون ترقص تغني

محمولة على الأيادي

أنايوسف يا أبتي

فمتى نعبر من مجاعة الحياة الزمنية ؟

متى ندخل إلى كمال الشبع الأبدي ؟

أنا يوسف يا أبي وها هم

الذين باعوني

وأسلموني للموت وحدي

للولادة وحدي

للصمت وحدي

للنطق وحدي

للصلح وحدي

للريح وحدي

هنا يا أبي تهتز قبور الأولياء

هنا تهتز ترتعش قلوب الضعفاء

هنا سوق النخاسة والبيع والشراء

هنا باعوا القدس

هنا باعوا بغداد

هنا باعوا دمشق

هنا باعوا حتى ورق التوت

باعوا فلسطين

ونصر حطين

هنا تاجروا بجدائل إمرأة

دوخت بسحرها الشمس

هنا وأدوا الياسمين

أنا يوسف الفلسطيني يا أبي

أنا يوسف العربي يا أبتي

وهاهم إخوتي

وهذا قميصي

وهذا الدم قد أصبح ماءً

أصبح جمراً

أصبح سحراً

أصبح خمراً

وبلاء ووباء

هنا سقط الشمال على الجنوب

هنا إبتلع الغرب الشرق

هنا سُرق الصهيل

وحل العويل

هنا قُتل الزيتون

هنا جنود الردة

هنا المسافات الأقرب

هنا جسدي

جسد المسيح المعذب

هنا صخرة أحمد الكوكب

هنا جامعة العهر والشر المذنب

هنا رجموني عند بيارات البرتقال

عند بردى والفرات

هنا أغرقوني

في دموع النيل

يا أبتي

أحتاج كثيراً

لأن أمشي وحدي

إلى حيث أدري .. ولا أدري

كم هو صعب يا أبي

أن تجبر على ترك شئ لازلت تريده

ولا زلت أذكر يوم قلت لي

لا تقل لهم

ماقلته لي وأنك ستطير فوق

وتآتي بالمطر

أنا يوسف يا أبتي

هنا باعني السيارة

لضلوع الموت

القبر المنفى

بالثمن البخس

هنا سأتحول إلى حمامة

في يد يسوع

وقمراً على كتف محمد

هنا سأبقى صامداً

هنا سأتبرع بدمي

ليعيش العرب

أنايوسف يا أبتي

فخذ قميصي

واشتم عطر الأنبياء

إشتم عبق يسوع ومحمد

أنا المنفي ياأبتي

داخل أسوار الحروف

أنا المنفي داخل الكلمة

أطوف بسؤالي حول السطور

وأسعى … أضم حزني وأدعي

ولا أدري

ما يرسم أخوتي في العتمة

قد يلفظ البركان الثلج

ياأبتي

لكن أخوتي

لن يلفظوا إلا الغدر والخسة

أنا يوسف ياأبتي

تفيض لحيتك قهراً ودموع

وتفيض جيوبهم ذلة

أنا المنفي في عينيك أعواماً

سأسرج لك عيوني

فلاتبكي سنلتقي

هناك على ضفة جرحي

حيث الوعد الموعود

هذي صلاتي

أنا الراحل العائد

الصامد كالزيتون

لا أريد حياة جديدة

ولا أرض جديدة

ولاهوية جديدة

ممزوجة منسوجة بالدم

فهويتي في قلبك يا أبي

في قلب كل أم وأخت وطفل

يلبسني الظل

ويتفيأ عمري

أعوذ بالله منه ومني

ها أنا ذا أحترق

في أنات الروح

والجسد المنفي المرهق

وأنتظر العودة والمفتاح

مغموس في جسدي

يا أبتي هل تسمعني

سأحطم أصنام الصمت

سأحمل أنفاس اللحظة

وأستحم بحيض الشمس

وأطهر نفسي

مغسولا من اللعنات

حتى حدود الريح

ومهما شهوتها راودتني

عن نفسي سأبقى

حامل المفتاح

في إنتظار الوصول

لخارطة الجسد

يا أبتي لازلت في إشتهاء

لن أكتب شيئاً

فالرسائل خطرة

وأنا في نظرهم

إنسان ميت

فلقد أقاموا صوان العزاء

من لحظة ميلادي

وسجلوا أسمي في

سجلات المنفى

ظنوا أنهم غسلوا ذاكرتي

لكن نبضي لم يزل يحمل هويتي

أنا يوسف الفلسطيني

أناحدود النار

والنصر بعد الإنكسار

والبركان والإعصار

فليأت الحصار

وليبنوا الأسوار

صامد أنا ياأبتي

وبعد الليل

سيبزغ النهار

 

د. عبير خالد يحيي

 

‏‫

يمثل المنظور او وجهة النظر في الفنون والاداب الموقع الثابت او زاوية الرؤية التي يتم من خلالها تصوير الموضوع/الخطاب والنظر اليه وتقييمه[1]، ترجع جذور المصطلح الى فن التشكيل، ويتلمس درجة حظور الرائي او السارد في الموضوع المرئي وموقعه الثابت في النظرة اليه، وقد حاول اوسبنسكي من خلال دراسته لوجهة النظر ضبط قواعد التأليف في الاداب والفنون بمجملها وذلك لاهمية المنظور البالغة في ادارة وتوجية الخطاب السردي سيمائيا وايديلوجيا.

في مجموعة"نساء تراب" للقاص والروائي"زيد الشهيد" نحن امام منظور ذكوري او هو" منظور الاخر" في طرح موضوعة المرأة، وبما ان محور التلقي محدد من قبل القارئة،  فأن قراءة المنظور الذي وجه به السارد خطاب المرأة ودرجة تمثله لكيانها ومعاناتها الانسانية ودورها الاجتماعي والفكري على مستويي التعبير والدلالة في حقبة تاريخية دقيقة وملتبسة وهي حقبة الارهاب والعنف سيكون مبتغى هذه المقاربة.

وقبل الدخول في الموضوع وكأطلالة تاريخية فأن منظور الاخر"الرجل" لم يفارق مسألة الدفاع عن المرأة في الثقافة والادب العراقي منذ بداية عصر النهضة في بداية القرن الماضي ونشوء حركة تحرير المرأة بوصفها مفصلا اساسيا في تحقيق تلك النهضة المنشودة، فقد جاءت البداية من الرجل بكتابات واشعار الزهاوي والرصافي، وقصص محمود احمد السيد[2]، واستمرت كتابات الرجل منصفة لدور المرأة وحقها في الحياة والتعليم واختيار الشريك وصولا الى الحرب العالمية الثانية وما تلاها حيث ظهرت الحركات الفكرية والحزبية وظهرت معها مجموعة من النساء المدافعات عن تلك التوجهات الجديدة واللواتي يعددن الان رائدات الحركة الثقافية النسائية.[3] نستشف مما ورد ان منظور الرجل في الادب العراقي كان الاسبق في الدفاع عن المرأة وليس من المستغرب ان يكون هو المتصدي الاول للكتابة عنها ولهذا فأن مجموعة "نساء تراب" لزيد الشهيد جاءت ضمن مسار تاريخي للأدب العراقي الانساني المؤيد لدور المرأة والدفاع عن قضاياها المصيرية.

لكنّ عجلة الزمن بدت متوقفة!،  وكأن تلك العقود التي بشرت بعصر جديد للمرأة اضحت هباء منثورا في الزمن الحاضر،  وبدا وكأن قضية المرأة تستدير راجعة الى بدايات القرن العشرين مما حدا بالقاص زيد الشهيد ان يعنون مجموعته ب"نساء تراب" مرجعا التسمية الى والدته التي تقول"كانت امي كلّما ارادت وصف امرأة منهكة، خاوية، تعبى، قالت انها امرأة تراب"، وبأشارة القاص الى امه يمنح حياة النساء بين اذار 2007 الى تموز 2011( وهو زمن كتابة القصص)[4] بعدا نكوصيا ارتداديا الى القرن الماضي حيث امهاتنا المكدودات والمتعبات من اعباء الحياة، والى  الموروث والعادات والممارسات الشعبية القديمة ومنها عادة التضمخ بالطين لدى النساء وتغطية شعر الرأس واحيانا العباءة به تعبيرا عن الحزن والنكبة ونزول الخطب الجلل.ولم يكتف زيد الشهيد بدلالة العنوان المباشرة فقد اضاف مقدمة للمجموعة زاد واكد فيها على ذلك النكوص والارتداد بفعل قوى الرجعية والظلام"نحن الذين نمسك بالقلم واجب ان نؤرخ بالكلمة ونصور بالادب  حقبة نعيشها مشحونة بالبغض الصارخ والكراهية المتفشية والحقد المتفاقم والسادية المتسيدة"[5]. ثم يأتي على ذكر النساء فيقول"كانت المرأة تتقدم تظاهرة الجراح وتتلقى سكاكين التشفي تطعنها الخناجر المشحوذة بالحقد الطائفي فتتركها تهيم في عالم سردي مجنون تصرخ فلا احد يسمع، وتترجى فلا يرد لها وعليها الرجاء"[6].

اذن هناك بعدان تريد قصص المجموعة تأكيدهما، الاول هو البعد التوثيقي لمرحلة صاخبة ومتلاحقة في الاحداث والمتغيرات، والبعد الاخر هو رفض واستنكار حالة الظلم والقهر التي وقع على المرأة بفعل العنف والاقتتال بين ابناء الوطن الواحد.

البعدان السابقان"التوثيق ومظلومية المرأة وحدهما منظور واحد هو.

"المنظور الشعري

لقد اصبحت شعرية السرد من اهم التقانات الاسلوبية الحداثية في الرواية والقصة على حد سواء، واذا كانت الشعرية بمفهومها المتداول على نطاق واسع" الدراسة النسقية للأدب كأدب، انها تعالج قضية ما الادب؟"[7].فأن الفوارق النوعية بين الاجناس الادبية تقتضي وضع تعريف للشعرية يتلائم مع الجنس الذي يضيفها او تستضيفه(شعرية المسرح، شعرية الشعر، شعرية الرواية،  شعرية القص).وقد كثرت المقولات النقدية التي حاولت وضع شعرية القص وشعرية السرد بصفة عامة في اطر وضوابط معينة، الناقد الفرنسي فانسون جوف في كتابه شعرية الرواية، وصف شعرية السرد بأنها" تدمج التحليل الشكلي في اجرائها، ولن يتم استدعاء المقاربات السردية والسيمائية وحسب، وانما ايضا التطورات الاخيرة في النقد السيكولوجي، والنقد الاجتماعي علاوة على المساهمات الحديثة جدا في لسانيات التلفظ ونظريات القراءة"[8].وبذلك تكون شعرية السرد لا تقتصر على ابعاد وصف الخطاب وتبيان بنائه الشكلي ولكن تتعدى ذلك الى التفسير والتأويل واشراك المتلقي في استكناه جماليات النص الادبي.في نصوص" نساء تراب" نلاحظ ان هنالك مقصدية للكاتب في التأكيد على شعرية الخطاب، فهو قد وضع تحت العنوان اشارة تقول ان القصص"قصيرة جدا"، وتعد النصوص القصصية القصيرة جدا من اكثر الاجناس خلخلة في الية التجنيس وتقتضي تقانتها الاسلوبية الانزياح عن عوالم القص الى شعرية قصيدة النثر، وقد صاغ بودلير مبادئ القصة القصيرة الجمالية"ان وحدة الانطباع وكلية التأثير مزية كبيرة بوسعها ان تمنح هذا النوع من التأليف تفوقا خاصا تماما، فضلا عن ذلك فأن بحوزة كاتب القصة القصيرة حشدا من الاصوات وفوارق اللغة الدقيقة"[9].

ومصطلحات مثل الايجاز وكلية التأثير ووحدة الانطباع هي المصطلحات ذاتها التي تتلائم مع قصيدة النثر، وبذلك تكون القصة القصيرة جدا من اكثر الاجناس اهتماما بالابعاد الادبية للخطاب ودائرة اشتغالها تتمحور حول وضع محددات لشعرية القص.

وقد حرص القاص على اخراج القصص اخراجا شكليا شعريا متناصا مع قصيدة النثر، فقد شكلها على هيئة الشجرة والاغصان، فكل قصة من القصص يوحدها الحدث والشخصيات ووحدة التأثير، وتقسم بحسب ايقاعها الشعوري والانفعالي والجمالي الى شذرات منفصلة الى ان تأتي الشذرة الاخيرة  الواصلة بين المفتتح والختام.

في القصة المفتتحة لنصوص المجموعة"يقظة الزمن الدفين" هنالك الثيمة الشعرية بالاضافة الى شحنات اللغة المكثفة بالغنائية والاحساس العالي، فالقصة تتحدث عن شابة توفيت بعد فترة وجيزة من زواجها فألتحقت بالعالم الاخر وهي لم تزل متعلقة بمباهج الحياة التي انتزعت منها انتزاعا، زوجها الشاب، جذوتها، القها، فساتينها، عطورها، لكن القدر هكذا شاء واغلق باب الحياة بوجهها ورزحت تحت وطأة القبر الثقيل ووحشته، وظلت تعيش في مكان التحت وهي مازالت ترنو للفوق، وبقيت تحلم من قبرها ان ينطوي الزمن مابين الحياة والموت ليلتحق بها زوجها الشاب الى العالم الاخر ويعيشا سوية او جنبا الى جنب ولو للحظة قادمة اخرى "وظلت تعوم في سراب الانتظار لاتدري كم طالت اذرع الزمن،  وما عدد السنين التي تعاقبت، سوى انها كانت تستيقظ على انهيال معاول هنا وهناك، ادنى حدود المقبرة فتفز لديها جملة الاسئلة المعادة "من يكون؟ هو ام غيره؟" [10].لقد حاول القاص ان يستنطق شعرية الموت ويدمجها بأيقاع الحياة ونبضها من خلال ذلك الحنين الجارف للحياة ومباهجها حتى عند الاموات وان كان تخيليا وليس واقعيا.

في قصة "هنالك الناي" تناول القاص الثيمة الانسانية الازلية التي تحتمل ملايين التنويعات وقد تكون تلك التنويعات عدد نبض القلوب التي تشعر بتلك المفردة الا وهي الحب..!.

وقد كان عزف الناي كناية عن الم الحب المبرح الذي عاشه شاب لم يأنس بحبيبته،  والتي قد تكون تزوجت او رحلت او خانت الوعد لكنه يظل يعزف الناي ليلا قرب النهر باثا اساه وشجونه ولوعته النهر والليل"الناظرون من على شرفات الحاضر بأمكانهم اللحظة رؤية الجموع يخرجون من عمق العتمة حاملين اهاتهم مشاعل تضئ درب القدوم الى حيث صوت الناي.."[11].

ان الاشتغال على الثيمة الشعرية سواء كانت الموت او الحب بالاضافة الى اللغة والتشكيل مع ربط كل ذلك بالعنونة اي"التراب" في الاشارة المباشرة في القصة "يقظة الزمن الدفين" الى تراب القبر، او الى الاشارة الى لوعة الوجد والحب التي تحيل القلب احيانا الى ذرات تراب، كل ذلك قد ركز خطاب القصتين حول الشعرية، اي ان المنظور السردي للموت او الحب لاشك ان يكون شعريا..لكن القاص اشار في مقدمته ان انشغاله الاساس سيكون على موضوعة العنف والاقتتال في المجتمع، فهل سيصح المنظور الشعري في مقاربة هول ما يعصف بالواقع التاريخي؟.

 

المنظور الفكري:

  احسب ان مجموعة "نساء تراب" التي قاربت موضوعة المرأة والعنف بوصفها اي المرأة نصا شعريا قبل كل شئ لرقتها وجمالها وعطفها ورقتها وانشغلت بتصوير لواعج واحزان المرأة في حالات شعورية وانسانية حرجة واستثنائية، نصوص المجموعة لم تتعمق في مقاربة موضوعة المرأة بوصفها نصا ثقافيا وسيميائيا منفردا له محمولاته التفسيرية والتأويلة المتباينة، وهذا ما رسخته مناهج الدراسات النسوية في الخمسين عاما الماضية ولا تزال تضيفه من ابحاث حول طبيعة المرأة وخصوصيتها النفسية والجسدية والثقافية

.فقد كان تعامل القاص مع اللغة و الحدث والحبكة اكثر مما تعامل مع المرأة جنسا له خصوصيته وانفعالاته،  فجميع القصص تستند الى ربط المرأة بحدث ما لغاية تقييمه اي الحدث المقترن بالعنف وليس العكس اي ان تقييم المرأة  يتم من خلال وبواسطة الحدث، ومن ثم فأن المرأة في النصوص كانت مجرد اداة ووسيلة لادانة العنف والاقتتال وليست هي بذاتها موضوعا وغاية للمقاربة والتقييم.

ما تقدم يبدو جليا في قصة"نساء تراب" عنوان المجموعة، القصة تتشكل من خمس شذرات شعورية ودلالية، بدأت ب"القبض على ماء الضياع" وفيها يتحدث السارد العليم الذي نراه هو بذاته من يتحدث في جميع القصص وبأسوب زمني يتراوح بين الاسترجاع والاستباق عن امرأة عراقية عايشت حياة البذخ والترف في عصر الرخاء والترف في السبعينيات من القرن الماضي ثم تلقي بها سنوات الجوع في التسعينيات الى خضم العوز والفاقة، وبعد ذلك في زمن لاحق يحدث لها"تناثر السبانخ منفرطا على الارض فتخضب الجميع بدماء الاب والابناء المذبوحين بسكين باشط قطع لهم الرؤوس، وثقب فيهم الاجساد.ولم تر بعدها غير الاشياء المشوهة والعقل الفالت الضائع!" [12].وفي الشذرات الاربع الاخرى ظل السارد يتابع رحلة جنون المرأة وتطوافها في الشوارع والازقة على خير هدى"العباءة موحلة والوجه ممتقع،  والكفان يفضحهما اهمال صارخ تخليا عن مصطلح النظافة ذلك انهما وسيلتها في الكلام مع الفراغ والتلويح بهما لمخلوقات وهمية"[13].

ان جنون المرأة التي لم تمنح اسما معينا لتكون حالة او رمزا انثويا عاما ما هو الا وثيقة ادانة صارخة لزمن العنف والقسوة والهمجية والذي جعل من الفة الشارع العراقي غابة للوحوش المتقاتلة،  وبذلك فقد العقل رشده وفقدت الروح طمأنينتها وفقدت البيوت امانها، وصار الشارع مسرحا للعنف والجنون.

في كل ذلك ظلت وجهة نظر الرجل هي النافذة في السرد وهي المسيطرة على مشاعر واحاسيس المرأة سواء من خلال تقنية السارد العليم الذي تكلم عن المرأة وبلسانها ولم يفسح لها المجال لتقول ما تريد، وقد تختار طريقا اخر غير الجنون بل قد تكون المرأة في معترك العنف اكثر صلابة واقتدارا على تحمل الحزن والفقد، اومن خلال اللغة الشعرية"الغنائية" التي اختارها السارد لتكون حاملا لخطابه المقارب لموضوعة المرأة والعنف، هذه الموضوعة التي تحتمل خطابات اخرى اكثر حداثة وتماسا مع حراجة اللحظة التاريخية ومنها خطابات السخرية والشفاهية والجسد والهامش  والسيرة والاعترافات وتهافت لغة النساء كل ذلك لم نجد له مصداقا في"نساء تراب" وكانت شعرية المنظور هي الطاغية في التأسيس والبناء . 

  

................

[1]- ينظر شعرية التأليف/بوريس اوسبسكي/ت /سعيد الغانمي/ناصر حلاوي/

[2]-ينظر نشأة القصة وتطورها في العراق/عبد الاله احمد/204

[3]-من امثال نازك الملائكة ونريهة الدليمي ولميعة عباس عمارة وغيرهن الكثير

[4]-لقد ذكر القاص تواريخ كتابة القصص جميعها باليوم والشهر والسنة تركيزا لدلالة توثيق الحقبة التاريخية المؤشرة

[5]-نساء تراب/قصص قصيرة جدا/تموز للطباعة والنشر/2012،  /8

[6]-نساء تراب/8

[7]-التخييل القصصي:الشعرية المعاصرة، شلوميت ريمون كنعان ترجمة لحسن لحمامة/10

[8]-شعرية الرواية/فانسون جوف/ترجمة لحسن لحمامة/14

[9]-قراءة في قصيدة النثر/ميشيل ساندرا/ترجمة/زهير مجيد مغامس/147

[10]-نساء تراب/يقظة الزمن الدفين/13

[11]-نساء تراب/هنالك الناي/28

[12]-نساء تراب/47

[13]- نفسه49

 

qusay askarيبدو اثر الفكر الروحي في أدب ماجد الغرباوي واضحا من خلال تأثره بالقران الكريم بخاصة ما يرسمه من لوحات فنية سواء في نصوصه المسماة " قصائد نثر" او نصوصه النثرية التي تزاوج بين القصة والسرد القريب من المقالة والخاطرة وهو مزج يدل على ان الأنواع الادبية يمكن ان تتلاقح حيث تزول الحدود بينها.

 والذي يطالع العنوان يجده ايضا مستوحى من القران الكريم فعنوان القصة جزء من اية وردت في سورة القمر " اقتربت الساعة وانشق القمر" فأجد ان الكاتب تصرف تصرفا ذكيا باختياره الجزء الثاني من الآية لان قصته او نصه الادبي اعتمد على زمنين هما زمن مباشر وهو زمن النص وزمن متتابع هو الزمن الموسيقي الكامن في النص والذي سندخل في تفصيلاته بعد قليل.

نقول ان القدامى انفسهم وقعوا في أشكال الزمن فنسبوا الى امريء القيس القول ادناه:

دنت الساعة. وانشق القمر  من غزال صد عني ونفر

من غير ان يعرفوا ان دَنا للمكان واقترب للزمان فنقول قطوفها دانية ومثل هذا الخطا لا يقع فيه شاعر جاهلي مثل امريء القيس الذي عاش قبل الاسلام بحوالي ١٥٠ عاما لذلك كله اختار السيد الغرباوي الجزء الثاني من الآية اذ ان قصته او نصه تتعامل في البدء مع لازمة مكانية فتتجه من الأعلى الى الأسفل بحركة تتوسل التطهير والتحول من الأدنى الى الأعلى.

 لتبيان الحال سأنقل آيات متتالية من سورة كريمة " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7" حتى أوضح انها تتجه من الأعلى الى الأسفل الشمس ثم النجوم ثم الجبال ثم السهول:النوق والوحوش ثم البحر لياتي دور الانسان ان السورة الكريمة بدأت بأعلى نقطة واتجهت الى الانسان لتذكره ان المكان اصبح الزمن نفسه النفوس زوجت فالحركة من الأعلى الى الأسفل تبدأ من السماء حيث الشمس مصدر النور ومنبعه لتهبط الى أدنى نقطة وهي البحر اذ الماء عماد الحياة هي عودة للسمو من هذا الفهم اعتمد كاتب النص سورة لياخذ بعضا منها فيجعله عنوانا لنصه متحاشيا لوقوع في اللبس لا سيما انا لانميز في عصرنا الحالي بين ما يتجه للمكان وما يتجه للزمان لكنه مع ذلك ينحاز المؤلف للتمييز حين يورد معنى قرآنيا اخر وذلك حين يقول في اخر القصة " ثم أرتفع، فدنا... فكان قاب قوسين او أدنى" مما يجعلنا على يقين من ان الكاتب حصر نصه بين معنيين قرآنيين هما " اقتربت الساعة وانشق القمر" فاكتفى بالجزء الذي هو " وانشق القمر" لدلالته على الكل و " دَنا فكان قاب قوسين او أدنى" ليلتحم الزمان والمكان عبر ثلاثة ازمنة هي زمن النص وهو الذي نجده في قراءتنا لنصه الإبداعي اي الزمن المباشر وكم يستغرق من الوقت ثم الزمن الإدراكي وهو الذي يدفعنا للتساؤل من هي ميامي وكيف انشق البطل عن نصف انسان وتأمل نفسه لنبقى نحن معه ننظر ونتأمل في زوايا النص المتعددة وبؤره وامتداداتها مع ذلك فنحن ازاء زمن متتال او زمن ملحمي يشكل لنا وفق التتابع والتماهي الموسيقي لوحة تتفرق في اكثر من مشهد وتلتم في مشهد واحد انها لوحة تبدأ بالنور ويختمها الظلام " لم يمكث طويلا حتى رأى طيرا أسود، عرفه من حفيف جناحيه .. حالت حلكة الظلام دون معرفة فصيلته" الفكرة حقا تلتزم معنيين روحيين احدهما هبط من السماء الى الارض لينشر الحياة بعد الموت والآخر ارتفع بالانسان من الارض الى السماء فكان قاب قوسين او أدنى وبين هاتين الحركتين أصبحنا نحن المتلقين نعيش أزمان التتابع والمباشرة والإدراك ليحقق الكاتب بينها جميعها فيما بعد حركة نصه في المشهد الاخير ، " استغيث، لا أجد لصدى دموعي سوى جثة هامدة، ولما اقتربت منها، سمعت صوتا هامسا:

أنتبه ..

هذا ..

سر نجاتك!!"

فالكاتب اخيرا جعل نفسه مدار الإدراك في حركة يخيل إلينا انها أفقية لكنها تحمل معنى الارتفاع والعلو فأي طير هذا الذي يتشح بالسواد ويخطف من جثة كلمة يطير بها ؟

ان هناك شرطا مهما هو ان نفهم الازمنة الثلاثة : المباشر، والمتابع، والإدراك ومن خلال التلاقح والتفاعل الزمني ايضا نعود الى سورتي " القمر" و " التكوير" الكريمتين فنجد ان المؤلف وضع حدين لنصه في البداية والنهاية هما الظلمة والنور جعل النور في البدء والظلام في نهاية النص مستوعبا حركة اخرى من الفكر الروحي باطار اخر، عندنا نحن المسلمين وعند اليهود ايضا وكذلك الأسطورة ان الظلام هو الأسبق وقد عبرت التوراة عن ذلك في الآية الاولى من سفر التكوين" في البدء كان هناك ظلام" ويعلل ذلك فلاسفة المسلمين ومؤرخيهم بان الظلام هو الاعم والأشمل اذن في البدء حسب النص الذي بين يدينا ينشق القمر وتسير الاحداث من اعلى الى أسفل وعندنا بعد ذلك بطل النص وميامي معه لكنه ينشطر فيصبح نصفا حيّا ونصفا ميتا هو ميامي ليحل ظلام بعدئذ ينشطر منه غراب(لم يحدد المؤلف نوع الطير لكنه وصفه بكونه اسود ينبثق من الظلام لذلك أميل الى انه غراب) يخطف كلمة ما.

لا شك ان الغراب في المفهوم الديني الاسلامي لايعني التشاؤم كما هو الحال في موروثنا بل يدل على الحكمة لانه هو الذي علم ابن آدم كيف يدفن اخاه وهو المفهوم ذاته عند سكان شمال اوروبا حيث ان الغراب رمز للمعرفة والأخبار.

ان النص بلا شك ذو مخزون جمالي ومعرفي وقد صيغ بأسلوب فني جميل شرط ان نفهمه زمانيا بأزماته الثلاثة المباشر والمتابع وزمن النص لندرك حركته العمودية التي انبثقت عبر الزمن من روح كاتبه.

 

وانشق القمر / ماجد الغرباوي

 

خرج على غير عادته .. تتبع حركة السواقي والأنهار .. بهرته الطبيعة بسحرها .. استدرجته .. حتى غاص في أعماق الحقول المجاوره، وتغلغل في أحراشها العالية.

كان الجو صحوا، والشمس ترسل أشعتها ندية.. تنعكس على صفحة أحلامه، فيحلّق مع ميامي، وتأخذه نشوة الحديث معها.

فجأة تلبّدت السماء، وأضرمت غضبها، فهطل المطر، بعد أن زمجرت وأبرقت، لتعلن عن بداية عاصفة هوجاء.

بحث عن ملاذ .. ضاقت به الأرض بما رحبت. همّ بالفرار .. خذلته إرادته. هرول ليحتمي بظل شجرة عارية .. دمدم الرعد، وراح سنا البرق يملأ الحقول والبساتين. وهو يتلفت مرعوبا، ينظر الى دواب الأرض كيف تلجأ الى جحورها. نزلت صاعقة مدوية فأحرقت كل ما حوله .. بهت مذعورا، يا إلهي ....

لم تمهله السماء طويلا، فصعقت ثانية، إلا أنها أحرقت نصف جسده الأيسر.. فظل مشدوها، فاغرا فاه، متشبثا بنصفه الثاني، لا يدري ماذا يفعل. راح يلملم جراحه، ويشد من أزره بارتباك .. ملتحّفا بخوفه وترقبه.

 

ماذا يفعل..؟ .. تساءل وهو في الرمق الآخير من الحياة.

عجز عن الكلام، غير أن علامة استفهام ارتسمت على صفحة حيرته، واندهاشه.

كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أن يعيش؟

علامة استفهام أخرى، طفت .. لكن هذه المرة على مساحة واسعة من الأفق .. كاد ان يحدد نهايتها، فارتد بصره خاسئا.

عاد يتلفّت .. لم ير الا أعمدة دخان، بعد أن أتت النار على كل شي، سوى نصفه الأيمن.

انتصب بما تبقى من جسده .. نظر الى نصفه الآخر .. وانهمرت دموعه شلالا من الأسى،.. لم يجد شيئا من معالمه، الا عينا، وشبح أطراف، وصدرا عاريا، وبضع كلمات.

نظر الى السماء .. راحت الغيوم تجر أذيالها، بعد ان أنهت مهمتها، والشمس أذنت بالمغيب، الا خصلات ذهبية، أضفت لمسة سحرية على ذكريات ميامي الجميلة. لكنها سرعان ما توارت، خلف أمله التعيس، ليبقى فريسة سهلة للظلام الزاحف بلا روية ولا رحمة.

عاد تحت هول الصدمة، ينظر لنصفه الأيسر، يتأمله، يدقق فيه. كان أول ما لفت نظره تلك الكلمات .. حاول أن يقرأها، فاستفزه صوت جسده بعد أن هبط الليل بثقله.. كان مرعوبا، لا يسمع سوى اصطكاك أسنانه العارية، وأنين الموتى القادم من أعماق الأرض .. ولا يرى سوى احشائه المتدلية، فلاح له سؤال حيّره، هل نصفه الأيسر أحترق، أم اختطفه ضوء الصاعقه فصيّره رمادا؟

كانت حيرة فهمه للسؤال أصعب عليه من الاجابة .. ما الفرق في ذلك؟ .. جسده الان ملقى، بعد أن انتزعت النار كل معالمه. لكن يبدو هناك لغز يتوقف على فهمه لهذا السؤال اللعين. سؤال محيّر فعلا، أين يعثر على شفرته؟

وسرعان ما جرفه سيل الأسئلة .. أين احشاؤه .. قلبه .. رئته؟ هل ما زالت هناك، حيث يرقد نصف جثته المتفحم؟.

ثم راح يتأمل فاجعة الإنسان بعد موته، ماذا يتبقى منه؟ كيف خمد جانبه الأيسر بلا حراك، وماذا لو كان مات كله، من سيكون الشاهد على مأساته؟ .. مغرور هو الإنسان، هل كل ما تبقى من جانبي الأيسر بضع كلمات؟ آه يا لحسرتي .. ربما هي كل ما تبقى مني .. من يدري، يلفنا الغيب من كل جانب، ولا نبالي. تحاصرنا الدنيا من كل زاوية، ولا نفكر بما هو آت.

آه يا إلهي .. اراد ان يصرخ، يستغيث، يتشبث بصدى صوته، لكن حيرة الدهشة والسؤال عقدت لسانه الثاوي.

 

جانبه الأيسر، كان نابضا بالحياة، كان قلبه يعزف موسيقى الصباح .. يدندن كل يوم أغنية جديدة. كانت ميامي لا تأنس الا به .. بايقاعه .. بنبضه. هل ستعود ميامي الى أحلامه أم اختطفها سنا البرق الأهوج؟؟ .. سؤال آخر فاجأه بينما بدأ الليل يجهز عليه، ولم تبق سوى نقاط بعيده من الضوء، لا تبعث على التفاؤل اطلاقا.

هل يرحل ..؟ .. كيف يترك نصفه الأيسر؟

سمع صوتا خافتا ينبعث من النصف المحطّم .. حاول ان يصغي له جيدا، لكن دون جدوى. عليه الاقتراب ولو قليلا.

كيف يقترب بنصف جسد خائر القوى؟. كيف يقطع المسافه بينه وبين نصفه الثاني؟

انها بضع خطوات.

لا .. لا .. لا .. ليست بضع خطوات، هي المسافة بين الحياة والموت .. اللغز الذي حير الإنسان منذ الأزل.

ليس من حيلة .. ألقى نفسه على الأرض .. زحف تحت جنح الظلام، سمع أصواتا غريبة .. ارتعدت فرائصه .. استلقى بجانب نصفه الآخر يرتجف، نظر اليه مليا، استغرب وجود تلك الكلمات .. حاول ان يصغي ثانية .. ركّز بكل جوارحه .. لم يسمع سوى صداها المحيّر .. تارة تتقاطع وآخرى تنتظم، أو ترسم عمودا من النور.

 

في غمرة تأمله، وحيرته، عاد يتساءل: كيف يعيش بنصف جسد لو قدر له أنْ يعيش؟ وكيف يواصل حياته؟ وماذا عن احلامه مع ميامي؟

أفاق على أنين ميت قريب، أو كائن لم يفهم كنهه. تخيله يزحف اليه، اجتاحته قشعريره .. حاول أنْ يتجلد .. أنْ يتمالك نفسه، لكنه فشل.

استسلم للرقاد، او كاد .. أرعبته الاصوات ثانية.

التف بحيرته، ليس معه سوى نصف جسد متفحم .. انه جسده، وعينه اليسرى، وأربع كلمات، تتخذ أشكالا مختلفة.

 

ماذا يفعل؟؟

كان من الصعب ان يمسك بما تبقى من جسده، كان خائر القوى .. أصوات مخيفه. آه يا الهي .. تخيّل ان ذلك الأنين يصدر عن جثث أخرى. من يدري .. ربما هو لرجل عظيم، او امرأة صالحة..

 

لماذا يشكك الانسان بالموت، أليس هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامنا .. لماذا لا يردعه الموت؟

الإنسان؟ يا له من مخلوق عجيب .. كم هو بائس .. مغرور ..؟!!!

هل يخشى الإنسان ما بعد الموت؟ ربما .. لكنه عنيد، مكابر، لا ينصاع، الا حينما تسحقه الطبيعة بجبروتها.

يا للهول، أليس من حقنا ان نهرب منه؟ ماذا تبقى من نصفي الأيسر، سوى بضع كلمات. ما قدرها. نصفي الأيسر ذلك الكائن الجميل، الذي أرهق حياتي ..

لم يمكث طويلا حتى رأى طيرا أسود، عرفه من حفيف جناحيه .. حالت حلكة الظلام دون معرفة فصيلته، أخذ يحوم حولها، وينظر اليَّ بعين حمراء متوقدة، كجمرة في يوم شتائي قارص. أقترب من الجثة الهامدة، كتمثال أهمله تمادي القرون الطويلة، ثم أرتفع، فدنا... فكان قاب قوسين او أدنى .. تمتم بأصوات غير مفهومة، ارتبكت جثتي، ثم تجهّمت وأشتد غضبها حين خطف الطير إحدى الكلمات وحلق عاليا.

رأيت عيني اليسرى، كيف أجهشت بالبكاء .. توسلت بقواي كلها، لأقترب أكثر، وأصون ما تبقى منها. كنت أرتجف .. أصرخ .. استغيث، لا أجد لصدى دموعي سوى جثة هامدة، ولما اقتربت منها، سمعت صوتا هامسا:

أنتبه ..

هذا ..

سر نجاتك!!

.........................

للاطلاع

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2010/63486.html

 

 

madona askar"الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج" (محمد الماغوط).

لا يبكيكَ إلّا مَن قويَ على إخرج إنسانك منك وتجسيده أمامك. تعاينه بكلّ تناقضاته وتفاصيل تعقيداته، وتتنبّه لأمور كنت تعرفها عنك، لكنّك لم تجرؤ يوماً على استخراجها من ذاتك. بين أن تكتبَ عن الإنسان وأن تكتب منه فرق شاسع. فالكاتب عن الإنسان ينظر إليه من خارج، ويحكم على خبراته المرحليّة والظّرفيّة. وأمّا الّذي يكتب من الإنسان، فهو ذاك الّذي يغرف من ذرّات كيانه كلّ نَفَس لا ليمتّع  فكره وحسب، وإنّما ليعالج ما زرعه الوجود فيه.

أنسي الحاج العازف المنفرد، اخترق قارئه وقبض على أعماقه حتّى استحال طبيباً يمنحه جرعات يقظة، وخزات وعيٍ تنبّهه إلى عمقه المتناقض، وحالاته الإنسانيّة المتعدّدة. تفسّر له نرجسيّته وتواضعه، قلقه وطمأنينته، حبّه وحقده، وعيه وجهله، رغبته وزهده... انطلق أنسي من ذاته ليدرك إنسانيّة الآخر بشتّى حالاتها، فأتت كتاباته فلسفة خاصّة لا تشبه أيّة كتابات أخرى، بعيدة عن التّنظير والوعظ والكلام الّذي لا يجدي نفعاً. وكأنّ أنسي تماهى مع الإنسان ككلّ ليخرج منه ما لا يقوى هو ذاته على إخراجه أو البوح به.

"أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت"، يقول أنسي. هو الصّوت ذاته الّذي سيسمعه القارئ كلّما قرأ أنسي الحاج. الصّوت الآتي من وراء الموت، الّذي لا تتغيّر ذبذباته، ولا تنكفئ تأثيراته في النّفس. صوت ينعش الذّاكرة، يضمّخ الحاضر وبتمرّد خاطف يحوّل مسار العقل، ويصوّب وجهة وعيه. ما نفهمه من كلام الشّاعر الأردني إسلام سمحان، بعد لقاء له مع أنسي الحاج في بيروت: "بدأت أفكر وأؤمن في آن واحد، بأنّ الكتابة ليست مجرّد دفقات شاعريّة، انّما هي موقف ودفاع عن الأحلام والحبّ والحياة بطريقة أو بأخرى."(1). وكأنّ أنسي نهض بالشّعر والكتابة، وأجلسهما في مكانهما الحقيقيّ المعدّ لهما. لقد جعل من الشّعر أيقونة للتأمّل، لا كلمات استعراضيّة، أو بوح ساذج يعطّل حرّيّة الكيان الإنسانيّ. وجعل من الكتابة منهجاً علائقيّاً بينه وبين القارئ، فيمسي أنسي صديقك الّذي لم تقابله ولم تعرفه. إنّه الصّديق بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى، لأنّه لو استطاع أحدهم أن يقول كلامك ويحمل عنك ثقله، أو ينتقدك ويعرّفك الخلل المتشبّث بك لينقلك من العبوديّة إلى الحريّة، عندها يستحقّ رتبة الصّديق.

"ثمّة شعر عظيم كثير في العالم، شعر لا ينفد. بل قل ثمّة شعرُ شاعرٍ واحدٍ لا ينفد. شعر أنسي الحاج، هو شعر لا تستنفده القراءة، بل كأنّها تُكثّره. ولكن، أيضاً، رغم كلّ ما في العالم من شعر عظيم، ما زال يخرج فينا شاعر منّا، يأتي، وإن كان الأخير زمانه، بما لم يستطعه الأوائل، على حد فخر المعرّي أيّام كان يفخر قبل أن يعتزل الفخر والعالم. أنسي الحاج من الشّعراء الّذين لم يمنعهم كلّ شعر العالم العظيم المتراكم على كتفيّ الوجود من الإتيان بجديد."( الشّاعر السّوري حسام حنّوف).(2).

شعر لا ينفد، خلق متجدّد يتمرّس في وجدان القارئ حياة متحرّكة متجدّدة، تنفذ إلى مطاوي نفسه، تجمع شتاته وتدعوه لممارسة بشريّته بعيداً عن المثاليّات الزّائفة المقيِّدة. شعر، كلّما قرأته غرفت منه، كالبحر الّذي كلّما لامست عمقه أيقنت سرّ الجمال. تقرأ أنسي فيكثر فيك الجمال، تلامس ظلمتك بقدر ما تلامس نورك، فتقف بينهما وتتأمّل وتتمرّد، ثم تنهض لوعيكَ بحرّيّة غير تلك الّتي تسعى إليها عن غير وعي. ذاك هو الشّعر الّذي لا ينفد، ألا وهو كلمة من أنسي الحاج. كلمة واحدة تفتح مسامات روحك، وتهزّ كيانك حتّى يتعمّد بماء الكلمة وتسقط عنه سخافة الجهل البشريّ في الحبّ والجنس والفن والسّياسة والمرأة ...

" ما هو الشعر، أنسي الحاج؟

لم نعد نقرأ الشّعر منذ غيابك، آهٍ، لو تعلم؟

ولكن، ما هو الشّعر، يا ترى؟

الشّعر هو الزّمن الّذي لو سمح وتسامح، لحبس أنفاس الموت وجمَّده، مرّة أخرى وكنتَ بقيتَ لنا وبقيتَ معنا. قلْ لي فقط: كيف نعثر عليكَ؟ ونحن، بالكاد نتحرّك ... أنتَ الذي أصبح في الأعالي ونحن ما زلنا في الأسفل، في البرد ننتظر حلول الفصول الأربعة ونهاية الحرب والسّلام الأبدي. (جوزيه حلو- شاعرة لبنانيّة)

ولكن...

من هو أنسي الحاج؟ هل يمكن اختراق أنسي اللّغة، وتبيّن أسرارها، والإمساك ببهائها وعمقها؟ أم أنّها أيقونة للتّأمّل والإصغاء، حتّى يرتدّ الصوت في داخلنا فيفجّر الحبّ والجمال.

أجمل ما قيل في أنسي الحاج ما كتبه شكري جرجس في مجلّة (أخبار الأدب المصريّة) "أقرأ شعر أنسي الحاج في صمت، ولا أناقش الآخرين في شأنهِ، لا أتحدّث مع أحد عن شعره، وكأنّه طقس سرّي مُمتع، أتأمّله، أفكّر في هذه السطور، وأهمس لنفسي بكلام أنساه بعد لحظات، وأقول: لا تكتب عن أنسي، ولا تتحدّث عنه، احفظهُ كمحبّة لا تسقط أبداً" (3).

 

...................

(1)- صحيفة النّهار- لبنان- 7 كانون الأول 2016 - السنة 84 - العدد 26143

(2)- صحيفة الأخبار – لبنان- العدد ٢٥٢١ الاربعاء ١٨ شباط ٢٠١٥

(3)- صحيفة الجمهوريّة- لبنان- (أنسي الحاج... لا يُناقش)- طوني نجم- 19 شباط 2014

 

saleh alrazukمن الأصوات الهامة التي رفدت المكتبة العربية بأعمال متميزة في الرواية أذكر اسم كاتب هذا العمل الرقيق والمؤثر الدكتور قصي الشيخ عسكر.

في حياة الدكتور قصي مجموعة من التجارب المؤسية، ومع أنه كان بعيدا عن السلطات والعمل السياسي، لكنه مر بتجارب تشبه تفاصيل هذه الرواية (قصة عائلة).

وهي حكاية تجريم ضابط بقتل زميله مع أنه لم يكن هناك ساعة ارتكاب الفعل الشنيع.

 اشترك الدكتور قصي في الحرب الأهلية في لبنان ليدافع عن الأبرياء الفلسطينيين وضحايا حربين دمويتين هما النكسة والنكبة.

و وربما كانت أشباح الماضي وراء صور معاناة أسرة الضابط المتهم التي تضطر للملمة جراحها واللجوء لمدينة بغداد. كإشارة عن أول  نزوح في الداخل بسبب التمييز الإيديولوجي ، وهناك  تتطور الدراما، لتعيد تركيب مرحلة مضطربة من التاريخ السياسي الحديث للعراق.

و هو تاريخ البلاد بعد الاستقلال والصراع على السلطة بين العسكر، القوميين والشيوعيين.

و في خاتمة المطاف البعث الذي ترك بصمة مرعبة على المشهد السياسي  وحوله من مسرح ثقافة وتاريخ عريق إلى سلسلة انقلابات وإعدامات ومطاردة.

لو وضعت هذا العمل في سياقه ستجد أنه الأقرب للواقع.

فكل الأعمال التي ظهرت عن فترة الخمسينات والستينات غلبت عليها المرحلية، فكليزار أنور كتبت (عجلة النار) عن حرب الخليج الأولى، وعلي بدر كتب (ملوك الرمال) عن حرب الخليج الثانية، في حين تخصص فاضل العزاوي في (القلعة الخامسة) بتجربة السجون والمعتقلات.

ميزة (قصة عائلة) أنها تتكلم عن تاريخ عدة مراحل وبالتوازي معها، وتوظف، غير الوصف المباشر والاستبطان ومتابعة شعور الأفراد وبنيتهم النفسية، تقنية الأصوات.

فهي لا تتبنى وجهات نظر الراوي ولكن تغطي الأحداث من عدة زوايا.

أضف لذلك نضوج الوعي والإدراك عند هذه الشخصيات،

فالراوي الأساسي وبطل الرواية كلها ينتقل مع الأحداث من ولد بعمر سنوات، إلى شاب مسلح بالمعرفة والتجربة العملية، وخلال هذه الفترة يختزن هو نفسه أصوات عمره العقلي.

بتعبير آخر ما يراه بعيون ولد صغير ليس مثل ما يدركه وهو على مقاعد الدراسة في الجامعة، فقد كان يختلس الفرص السانحة ليغيب عن الواقع المؤلم بين صفحات الكتاب.

لدى الدكتور قصي إحساس خاص بالشخصية الروائية فهو يتقمص عالم تلك الشخصيات ويعيد إنتاجه دون التضحية باستقلاليتها.

و لذلك إن معظم كتاباته قصيرة وذات شريط لغوي مضغوط.

و المتابع لكتاباته لا يعرف أين يضعها بالضبط في عالم الرواية أم القصة الطويلة.

و هذه المعضلة الفنية لا تجدها إلا عند الكاتب السوري عبد السلام العجيلي.

مع أنه أساسا متفرغ وينذر نفسه لكتابة القصة لكن قصصه طويلة.

تذكرنا بفجر هذا الفن في مرحلته الطبيعية حينما كان نجومه هم فلوبير وبلزاك،

لا يوجد إحساس موباساني بالفكاهة الواقعية لا عند العجيلي ولا الشيخ عسكر.

بالعكس هما مع عنفية العالم النفسي للشخصيات مثل فلوبير في قصته الخالدة (قلب بسيط).

فكل حدث أو تطور يضعنا بمواجهة مرحلة من مراحل الوعي والإدراك.

و هكذا كان العجيلي يختزل دراما شخصياته، فالحوار لديه ليس هو الكلام المسموع إن شئت الحقيقة ولكن هو التقابل الذي يفرض نفسه بين وعي الإنسان واستقلالية الطبيعة عنه،

و هكذا تستطيع أن تدخل إلى عالم الدكتور قصي.

إنه يتابع ما يجب أن ننفصل عنه عقليا.

و منذ رواياته في الخيال العلمي وحتى أعماله الواقعية تجد شخصيات تنظر لما حولها بشيء من الاستنكار وعدم التهيؤ للقبول.

فإنسانية الإنسان لا يمكن أن تهضمها وحشية وبذاءة ظروف حياته.

و دائما تسحرني شخصية البطل في روايته (المقصف الملكي) وهو ضائع بين عدة اختيارات، إحداها يرمز للغريزة والثاني يرمز للواجب وإدراك المعرفة.

و هو ما يتكرر في (قصة عائل)ة، فكل شخصية تتخذ اختياراتها حسب الموقع الذي وقفت فيه.

أضف لذلك حسب مرحلة العمر التي تنظر الشخصيات من خلالها لدراما السياسة.

ماذا نقول عن (قصة عائلة).

هل هي عمل تاريخي يرصد عدة حلقات من الصراع على السلطة، أم أنه عمل اجتماعي يتابع تطور مدينتي بغداد والبصرة.

بمنظور التصنيفات المهنية إنها تحمل كل هذه الصفات، معا وفي وقت واحد.

فالروايات التاريخية في أدبنا الحديث ليست بريئة من التحليل الاجتماعي، وربما كانت الغاية منها الاختباء وراء شخصيات من الماضي لتوجيه نقد لاذع للحاضر دون خوف أو خشية من الرقابة.

و هذا هو ديدن سالم بن حميش في عمله الهام (مجنون الحكم) والذي يتطرق لكل أوبئة السلطة من قمع وتعذيب ولعب على الوتر الطائفي.

و إذا حذفت البند الأخير يمكنك أن تقول نفس الكلام عن (الزيني بركات) لجمال الغيطاني.

إنها مرثية لمصر التي خسرت الحرب عام ١٩٦٧. وبفرض أزياء تاريخية على زعيم البصاصين (المخابرات) والمحتسب (وزير المالية) والوالي (رئيس الدولة) تمكن من أن يمرر مقولات ما كان يجرؤ على مقاربتها.لا يمكن أن تعزل الجانب الاجتماعي عن الصيغ التاريخية للعمل الفني. وهذا تستطيع أن تلمسه لمس اليد في أعمال من الدرجة الثانية أو أقل في عالم الرواية السورية، وأود أن أذكر (تياترو) لفواز حداد، و(حسن جبل ) لفارس زرزور، إنها روايات تتابع المراحل عن مقربة وتضع انعكاسات تطور المرحلة السياسية على وعينا التاريخي والمعرفي بها.

و هي تغطي عدة مراحل بينها خطوط عزل وتحول من الانتداب إلى معارك التحرير وانتهاء بالاستقلال والصراع على الحكومة، أو شكل التعبير عن الإدراك المعرفي للحساسية الوطنية.مشكلة فواز حداد وزرزور أن الشخصيات لم تتبدل بتبدل المرحلة، فهي تتمسك بنفس الصوت واللهجة وتتخذ نفس الإجراءات من الواقع الاغترابي.

لكن في (قصة عائلة) ينتقل الدكتور قصي من رؤية إلى غيرها. ويغطي جزءا أوسع من مشكلتنا السياسية مع المجتمع.

كيف نضبطه ونديره وفوق ذلك كيف نعقله.

و أعتقد أن هذه هي أهم نقطة في الرواية.

 

صالح الرزوق ٢٠١٦

 

madona askarفي كلّ امرأة ملاك يبحث عن سماء يرفرف فيها بحرّيّة وحبّ دون أن يختلف العالم على تأديبه أو منحه هذه الحريّة. ملاك يتوق إلى التّفلّت من القيود والطّاعة الاستسلاميّة، وكأنّي به يريد العودة إلى جوهره الأصليّ، الملائكيّة الإنسانيّة. يقول بلزاك: "إنّ المرأة مخلوق بين الملائكة والبشر"، ما ستكشف عنه الكاتبة فتحيّة بن فرج في روايتها "ذاكرة الظّلّ"، وذلك بولوج الذّات الأنثويّة من خلال الّشخصيّة الرّئيسيّة في الرّواية (صونيا) الّتي تروي محطّات عدّة من مراحل حياتها يتشكّل من خلالها حضور الكاتبة بفكرها الباحث في دواخل المرأة التّائقة إلى الحرّيّة، بعيداً عن القيود الاجتماعيّة والعائليّة.

تقوم الرّواية على البحث في مكنونات المرأة الفكريّة والنّفسيّة والجسديّة الّتي تعبّر عنها الكاتبة على لسان الشّخصيّة الرّئيسيّة مبتنية عالماً استقته من الواقع بتركيبة بسيطة تداخل فيها الواقع السّياسيّ الكائن ما بعد الثّورة التّونسيّة، مع واقع (صونيا) المحاميّة الزّوجة والأم، وعلاقة صداقة أقرب إلى ما يشبه الحبّ بصديق افتراضيّ. وتجتمع الأحداث وتتهيّأ الظّروف ليحتلّ هذا الصّديق (جمال) مساحة في حياة (صونيا) وتظلّ العلاقة افتراضيّة حتّى تصبح واقعيّة فتتقابل الشّخصيّتان، ويشكّل هذا اللّقاء ما يشبه الانتقال بالرّواية إلى أحداث أخرى تكشف عن تسليط الضّوء على التّسلّط الفكري تحت غطاء دينيّ.

 

-"ذاكرة الظّلّ":

عنوان يحمل في عمقه الدّلاليّ معنى السّجن الّذي تحياه المرأة وسنراه متجليّاً في الشّخصيّة الرّئيسيّة (صونيا) كما في شخصيّة الجدّة (حسناء). فكلتاهما مسجونتان في حقيقة الذّاكرة مع اختلاف الظّروف والاختبار الحياتيّ، إلّا أنّهما تجتمعان في حضور الاستقلاليّة والانعزال والصّمت وحبّ التفرّد بالنّفس. "أحبّ كثيراً هذه الجدّة الّتي لم تلد غير أمّي دون أن أدري ما الّذي يشدّني إليها شدّاً وثيقاً هكذا! أخفّة روحها أم نقاء سريرتها أم صلابتها أم هي دماؤها الّتي تجري في عروقي. لم تكن تزورنا إلّا في مناسبات قليلة ونادرة حتّى أنّ أمّي كانت تلومها بشدّة على عزّة أقدامها وتدعوها باستمرار إليها ثمّ يئست واستسلمت لهوى الجدّة الّذي كان يدفعها للقدوم إلينا مرّة أو مرّتين في السّنة على الأكثر. وبمفعول الوراثة، مرّ إلينا حبّها للانعزال ونوعها إلى الوحدة والاستقلاليّة..."(ص 9-10)

الذّاكرة تحمل حقيقة الإنسان، فالماضي هو الصّديق الأمين الّذي يرافق الإنسان أينما حلّ. لكنّ الكاتبة تربط الذّاكرة بلفظة (الظّلّ) لتعبّر عن مرحلة ظلاميّة مرّت بها (صونيا) محفورة في عمق ذاتها. ولعلّ الظّل مرادف ل(صونيا) كشخصيّة احتجبت عن نورها الحقيقيّ في لحظة انتقال من حياة عاديّة اختارتها بنفسها، إلى حياة أُجبرت على عيشها كما سنشهد في نهاية الرّواية (هل أنا حقّاً كلّ هذا بعد أن شوّهوني وصنعوا منّي امرأة أخرى تنزف ذاكرتها بالأشلاء؟؟)(ص314)

 

- التّحرّر الأنثوي:

تسترسل الكاتبة فتحيّة بن فرج في وصف العالم الافتراضيّ الّذي شدّ انتباهها، كما تمعن في وصف شخصيّة (جمال) الصّديق المغربيّ الافتراضيّ الّذي ستسبر أغواره (صونيا)، موعزة هذا الاهتمام بعالم التّواصل الاجتماعيّ أو مبرّرة إيّاه ضمنيّاً بإهمال الزّوج لصونيا بحجة العمل السّياسيّ وخدمة الوطن، في مقدّمة الرّواية. (ماذا أقول يا جدّتي، ماذا عساي أقول، وقد بتّ أشعر بالوحدة في بيتي وبالغربة، إنّ وضعنا الجديد يخنقني كثيراً ويصيبني بالعفن، يخجلني، يحرجني، يشعرني بالدّونيّة. ما لنا نحن والسّياسة؟ بماذا يمكن لمهندس معماريّ أن يفيدهم في مجال السّياسة؟ (ص 14). كما تشير إليه في مكان آخر من الرّواية وذلك خلال العلاقة القائمة بين صونيا وجمال (في الأثناء كان زوجي منغمساً في أعماله السّياسيّة الّتي لم يكن يكشف شيئاً عن تفاصيلها، يقضي أغلب الوقت في مكتبه يغادر البيت في موكب مهيب...) (ص 60)

تنشأ علاقة روحيّة أو كما تسمّيها الكاتبة على لسان صونيا ما هو بعيد عن حالة الحبّ (هذا ارتباط حميميّ بعيد عن الحبّ) (ص 51)، وكأنّي بها تنقذ نفسها من مأزق المرأة المتزوّجة المقدمة على حبّ رجل آخر. في حين أنّنا نتلمّس من الحوارات القائمة بين صونيا وجمال، اتّصالاً روحيّاً يكشف للشّخصين معاً قربهما الرّوحيّ حدّ تعلّق الواحد بالآخر. لكنّ الأهمّ اقتناص ما بين السّطور من معانٍ أرادت الكاتبة إيصالها عن حاجة المرأة الرّوحيّة لروح تتآلف معها وتتصادق وإيّاها بحريّة ملغية كلّ الحواجز والقيود. يظهر ذلك في هذا الجزء من الحوار:

(- حاذري ستملكين روحي الّتي لا أكاد أملكها.

- الأرواح يا صديقي لا تنتظر إشارة منّا كي تتحرّك وتلتحم، وما ضرّ لو أنّنا صرنا توأماً) (ص 54)

فهل المرأة فعلاّ بحاجة إلى هذا الاتّصال الرّوحيّ الحرّ الّذي يعبّر عن حرّيّة داخليّة تتوق إليها؟ أم هل نحن أمام كائن تحاكي روحه الكون الواسع وتسبح فيه باحثة عن ضالّتها، روحها التّوأم؟ وكأنّ هذا الاتّصال الرّوحي مرادف لحريّة المرأة، وتسعى من خلاله إلى ولوج الكون بأسره والتّغلغل فيه والتّفلّت من الأسر. وما دمنا نتحدّث عن اتّصال روحيّ، فلسنا بصدد الفصل بين الجسد والرّوح، خاصّة أنّ الكاتبة توظّف الجسد بشكل أو بآخر بين (جمال) و(صونيا)، دون الولوج في علاقة حميمة، وإنّما في ملامسات توحي بحاجة (صونيا) إلى تحقيق أنوثتها بحرّية.

(متعة لا يتذوّقها إلّا معتوه. كم مرّة فكّرت بشهوة أن أجرّب المتعة الّتي لا يدركها إلّا الّذين أصابهم الجنون) (ص 72). والمتعة تأتي في سياق التّحرر الكيانيّ، كأن تخرج صونيا من ذاتها، وحضارتها، وثقافتها... لتلقى ذاتها العميقة. (لقد كبّلتني قيود المجتمع وقيود الحضارة، وقيود الثّقافة، وقيود العادات، وقيود القانون الّذي درسته فاستعمر ذهني وكاد يخنقني.) (ص 73) ما نشهده واقعيّاً في حياة المرأة من التزام قسريّ بالمجتمع والثّقافة والحضارة، ما يجعل منها كائناً مسجوناً في ذاته، منغمساً في الواقع حدّ الازدواجيّة. فالظّاهر يتناقض مع الدّاخل، والتزام ظاهري يتنافى والعمق الرّوحيّ والنّفسيّ الّذي يرجو كلّ لحظة التّخلّي عن كلّ شيء مقابل لحظة قرار حرّ.

لعلّ الكاتبة كانت خجولة في إبراز المشهد التّحرّريّ بقوّة، أو طرح هذا الفكر بجرأة أكبر، فالفكرة تضيع بين الحوارات الكثيرة بين (جمال) و(صونيا)، بل تشهد هذه الحوارات تعبيراً عن حرّيّة الرّجل مقابل حرّيّة المرأة وعلى القارئ أن يجتهد بعض الشّيء ليلمس بنفسه توق المرأة إلى الحرّيّة. ولعلّها ربطت حرّيّة المرأة بالانطلاق نحو اللّامعقول مع رجل تعلّقت به بادئ ذي بدء افتراضيّاً حتّى حلّ اللقاء الواقعيّ. فحين يطلب (جمال) من (صونيا) أن تكون له وحده وترافقه دون أن تعلم الوجهة الّتي ستخلص إليها، تستسلم لطلبه كطفلة صغيرة، ما يعوزنا أن نسأل عن مدى الحرّيّة في هذا الهجوم على اللّامعقول. (بمجرّد أن تخطو خطوة واحدة نحو اللّامعقول، تحسّ أنّ جناحين قد نبتا لك بزغب خفيف وكلّما أقدمت بشجاعة أكبر نحو الجنون والمغامرة استطال الجناحان أكثر ونما ريشهما فتجد في نفسك القدرة على التحليق عالياً.) (ص 237)./(ماذا سيحصل لو أنّني منحت يوماً واحداً وليلة واحدة لرجل تعلّقت به روحي وجعلته رفيقاً في رحلة مجنونة خارجة عن ترتيبات الدّفتر العائليّ؟) (ص 238)

 

- التّسلّط الفكري تحت غطاء دينيّ:

في حركة مفاجئة بعد سرد طويل كان بالإمكان تجنّب بعضه، تفاجئنا الكاتبة بظهور ما يشبه عصابة تخطف صونيا وجمال، وتستبيح جسدها وتنتهك كرامتها مرّات ومرّات. وتجنّدها في مهام ظاهرها إنسانيّ، مستغلّة حضورها في أمكنة محدّدة لتنفيذ أهدافهم التّدميريّة. إلّا أنّ الكاتبة تسمّي هذه العصابة أو المجموعة بالتّنظيم. ولعلّها هذه المرّة أيضاً ابتعدت عن تسمية الأشياء بأسمائها، فالتّنظيم ليس سوى توصيف للجماعات الإرهابيّة الّتي تهدّد مجتمعات ما بعد الثّورة تحت غطاء دينيّ والتي بلغت ما بلغته من سيطرة واستحكام على نطاق واسع، خاصّة أنّ الكاتبة تلمّح بالرّواية إليهم، في حديث مع أحد أعضاء هذا التّنظيم:

(ثمّ استجمع ثقة جديدة في نبرة صوته واسترسل يحدّثني عن الظّلم والقدر والعقاب والجزاء والجنّة والنّار وعن المسار الجديد الّذي يهيّئني الله له بينما كنت تائهة في سحابة من الغمّ لا أهتمّ لثرثراته التّافهة وحججه المتضاربة ومنطقه الأرعن) (ص 287)

ترتحل صونيا قسراً عن ذاتها، وتغدو امرأة أخرى شكلاً ومضموناً؛ مسجونة في جسد ليس لها، في ذاكرة هي الحقيقة الوحيدة في حياتها. (هذه أناي الجديدة الّتي كانت تسعد المجالس بحضورها وتزهر الطّرقات بمرورها صارت تثير غبار الأحزان وراءها) (ص 315). وهكذا أصبحت ذاكرة من ظل مسطورة في رواية قد تجد فيها كثيراً من الضحايا ضحايا الإرهاب نفسها هنا.

 

MM80 في مجموعتها الشعرية "ضباب ليس ابيض" تطرح الشاعرة غرام الربيعي الخيارات الشعرية الاصعب فهي تتخذ من قصيدة النثر فضاء" لنصوصها ،ويعد النثر الشعري النموذج الاشق في الكتابة الادبية بالرغم من اغراءته التي توحي بالبساطة وقرب المتناول ،وتكمن صعوبته بانه يعتمد على تطويع طاقة النثر التي تشتغل في مساحات نوعية لغوية تختلف عن الشعر وكما يقول ياكبسون ب"الشعر يرتكز على ائتلاف التماثلات اما النثر فلا عهد له بمثل هذا القصد في اثارة الانتباه بربط تماثل مقصود في اجزاء،فالسرد ينتقل من موضوع الى اخر بالتجاور،متبعا مسارات ذات طبيعة سببية او مكانية او زمانية" (قصيدة النثر، ميشيل ساندرا/44).

والخيار الاخر انها ارتأت ان تبتعد عن الهم الانثوي الذاتي الخاص الى الهم الانساني الوطني العام ففي اهداء الديوان تقول"الى...... والتاريخ" وهذا يدل انها تريد ان تدخل مدخلا سياسيا مقترنا بالسرد فالتاريخ رهين الزمن والذاكرة والمكان وهو بذلك اقرب للقص منه للشعر، وقد يكون التفسير لهذه الاختيارات الوعرة هو تجربة الشاعرة التي عرفت في بداياتها بوصفها فنانة تشكيلية ولم تلج عوالم اللغة والكتابة الشعرية الا الفترة الاخيرة وبعد ان اصبحت اما لأولاد وبنات في سن الشباب وهذا مما يجعلها تكون متحفظة ازاء الكثير من الموضوعات ذات السمة الانثوية الحساسة والتي تتطلب قدرا من الجرأة والتصريح الصادم في اللغة والاداء وهذا ما تحاول غرام الربيعي تجنبه او النأي بنفسها عنه، لذلك كان مدخلها الانثوي الذي تجيده وتقدسه هو الامومة وكانت موضوعة الوطن الجريح والمريض هي الانطلاقة والمدار لنصوص المجموعة، فالوطن هو الام الحانية وقد تكون القاسية  احيانا والشاعرة بدورها مثلما تشعر بالوطن شعور مرهف مفعم بحب وود عميق تحاول بدورها ممارسة امومتها على الوطن في محاولة لتبادل الادوار بينهما، فالشاعرة هي ام الوطن الحانية تارة تصف حالته المتردية وتارة تلومه على اقتتال ابنائه وتارة  تقرعه  وتارة تعاتبه على ركام الحزن والالم الذي يعيشه ابنائه،انها تريد لهذا الوطن ان يكون على شاكلة المرأة الام او انا الشاعرة حنّوا ورعاية وتضحية:

"انت بي وطن

وبك انا الغريب

ما الضير لو كنا بلا وطن

الضير انت بلا....نا"    (15)   وتقول ايضا

 

"على مشارف وطن

غير معافى

مذ ابيضّت ليالينا

والغسق اجهض حمرته

التعاويذ ترهلت

على جسد متناسل الرزايا"(16)

 

ما سبق هو مقاربة المجموعة من الجانب الدلالي اما اذا تطرقنا للجانب الفني اللغوي والتشكيلي وبألتاكيد انه ليس ببعيد عن الجانب الاول وكما سلف فأن المدخل التاريخي للمجموعة قد اسبغ على بعض قصائد المجموعة التعاطي مع فن القصة القصيرة مع الابقاء على روحية القصيدة في الايحاء والايجاز والتكثيف،ومن اجمل النصوص التي كانت ذات نفس قصصي وطاقة شعرية مكثفة،النص غير المعنون اذ ان حذف العنوانات الفرعية والاكتفاء بعنوان رئيسي لاغلب القصائد وهو "الغيمة" سمة قصدية لاغلب القصائد وتتسلسل القصائد يأتي على شكل"الغيمة الاولى، الغيمة الثانية، الغيمة الثالثة وهكذا،والشاعرة تبتغي من الغيوم الواعدة بالمطر ان تعادل الضباب الذي يلف البلد بكآبته وحزنه،مع ملاحظة ان الغيوم والضباب كليهما من مواصفات الفضاء الكوني الزمكاني وتأثر الشاعرة بالفضاء يعد جزءا من اهتماماتها الرئيسة بوصفها تشكيلية وهما اي الضباب والغيوم يشكلان طرفي من معادلة اللونية الصعبة بين السواد والبياض اللذين يكرسان وبقوة اللوحة التشكيلية.

تقول الشاعرة في الغيمة الاولى:

" ايقظ ذاكرتي

نشيد الدللول

بحثا عن ام لم تكمل عبور الجسر

لانها

على موعد مع الماء

عند توقيت الخيانة"  (11)

تستنهض الشاعرة الذاكرة وتستعيد رمز الام من خلال قولها نشيد الدللول،ومن ثم تؤسس نصها على قصة ام غرقت ولم تكمل عبور الجسر المتأكل وهذا ما يمكن ان يعيد المتلقي الى استعادة واقعة جسر الائمة الاليمة ،وتسترسل في قصة امها وفي الوقت ذاتها قصتها ،الى ان تصل بالقول الى:

"اني لم ابك يوما

الا يوم رحل ابي

ويوم

تمرغت سبابتي بالندم"   (12)

تأتي المفارقة الشعرية بين رحيل الاب الذي يمثل لحظة انهزام نفسي حزنا على ضياع الاب الراعي والحامي والمدافع عن ابنته وبين لحظة انهزام الوطن وفشلة في تحقيق الامان والكرامة للشعب بعد الانتخابات.

 

وتستعيد الشاعرة في اكثر من قصيدة رمزية قصة الطف الخالدة وتعكسها على الواقع الحالي، فتقول

"كان الحلم... على مقاس وطن

في ذاكرة الماء والنخيل

حزّ من قفاه

على مقربة من حروف ثلاث

والذكرى حروف تهجّى

تفض بكارة الوطن

لينزف موتى..موتى... خافتين"   (29)

 تقابل الشاعرة بين نزيف كربلاء الغائر في الذاكرة والوجدان ونزيف الوطن الماثل في الواقع والقصيدة:

ولكون غرام الربيعي فنانة تشكيلية في الاصل فأنها تدرك القصيدة كما اللوحة رؤية ولون وتعاضد محسوسات ومجردات على فضاء اللوحة لذلك نجد انها لاتؤسس لايقاع اخاذ تلتقطه الاذن والعين وتتأثر به مباشرة وانما تستند الى  الرؤية لزوايا النظر او الموضوع الذي تطرحه لذلك تظل نصوصها رهينة بأعادة القراءة مرارا لاكتشاف تواشجاتها النسبية صوغا وايقاعا والوقوع على مكمن جمالياتها الشعرية ،ومن تلك القصائد المتواشجة مع اللوحة التشكيلية قولها:

"احلام تراكمت

جعدت الشوارع

والمصفحات

تحلم بالسير فوق الجراح" (18)

    نلحظ هذا التناوب بين المحسوسات"شوارع،مصفحات،جعدت وبين المجردات" احلام،تحلم ،جراح الذي ولد لوحة تشكيلية مميزة وشكل ومضة شعرية رؤيوية مكثفة.

وللومضة الشعرية النصيب الاوفى في المجموعة،هذا اللون الشعري الذي يأخذ اهتماما متزيدا من شعراء قصيدة النثر في الاونة الاخيرة، ومن الومضات الجميلة

"كي امنحني رؤيتك

منحت اليقظة اجازة طويلة"   (55)،

والومضة الاخرى

"ولدتني امي

تاء

طال انتظارها"   ( 60 )

ان غرام الربيعي"الام العراقية" شاعرة مثابرة وتريد الوقوف بثبات على ارض قصيدة النثر الوعرة ونجدها في كل مجموعة جديدة تصدرها تجاهد وتتحدى الذات واللغة لكي تأتي بالشي الجديد المختلف ولتقف في وجه من يتهمون القصيدة النسائية الحالية بالفتور والضعف، وهم كثر!.

 

عالية خليل ابراهيم

 

khalidjawad shbayl كان أول موضوع قرأته في النقد هو مقالة كتبها الدكتور علي جواد الطاهر (1911-1996) في بداية الستينات في مجلة "المُعلّم الجديد" بعنوان "النقد سهل!"، ورغم أنني كنت يومها دون سن الحلم، إلا أن موضوعها الذي يحمل عنواناً "متهكماً" وأسلوب كاتبها الذي يجمع بين الجمال وحسن الإيقاع وجزالة وقوة التعبير ووضوح الأفكار قد أثرّ بي وجذبني لقراءة المزيد في هذا الضرب من الأدب. وبعد أن عرّف بالنقد وأهميته وشروطه، وكان من أهمها أن يكون الناقد ذا اطلاع واسع على الأدب وذا ذائقة سليمة مرهفة صقلتها وثقفتها القراءة الواعية لشتى ألوان الأدب وفنونه، وتتعداها الى شتى مجالات النشاط الإنساني لتعمق من سعة ثقافة الناقد الفاعلة.

 نجده من ناحية أخرى يؤكد على الأهمية التربوية للنقد في إشاعة القيم الجمالية وإزاحة القبح، ثم يؤكد على نزاهة الناقد في حكمه على النص، وألا يتأثر بالعلاقات الاجتماعية حتى ليفضل إلا تكون هناك أية علاقة شخصية بين الناقد والمنقود لكي لا ينعكس على الحكم النقدي، وزاد على أهمية أن يكون الناقد ملماً بلغة حيّة ليوسع مداركه ويُثري ثقافته ويواكب مجريات تطور الأدب والثقافة في العالم..

ولا شك أن ذلك كله يتطلب وضوح الرؤية وسلامة اللغة لكي تضمن للناقد الوقوف على لغة النص وتقويمها، كي لا يشيع اللحن ولكي لا يُفسد الذوق اللغوي أوينحرف القول عن غايته.. وبالرغم من أن هذه المقالة مضى عليها أكثر من نصف قرن إلا أنني أجدها تحتفظ بأهمية كبرى لحاجتنا القصوى إليها وإلى أخواتها بل إلى كل ما كتبه أستاذ النقد الراحل الكبير الدكتور علي جواد الطاهر، وزملاؤه الكبار.

***

وفي الحقيقة أن مسألة وضوح اللغة من الناحية السايكولوجية هو تعبير عن وضوح الأفكار وقوة إشعاعها؛ والاضطراب في اللغة هو الآخر يعبر عن اضطراب قائلها او كاتبها؛ بيد أن الغموض الفني الذي يستوقف القارىء ويجذبه ويشده إلى النص ويدفع به إلى استبطانه والوقوف على مكنوناته الفكرية والجمالية يكون محفزاً لتحريك الفهم وإنعام النظر فيه. وتاريخ الأدب يحدّثنا عن المجدد العبقري أبي تمّام (188-231ه/788-845م) الذي خرج عن تقليدية عمود الشعر إلى الغوص في المعاني، ما لم يحتمله معاصروه حتى أنه سئل ذالك السؤال الشهير ثم أجاب بذلك الجواب الأشهر والأبلغ والمُفحم معاً: لِمَ تقول ما لا يُفهَم؟ فأجاب: ولِمَ لا تَفهم ما يُقال؟!

ما أرمي إليه هو لا بدّ من التفريق بين الغموض الفني وبين الإبهام المستغلّق الذي بدأ يشيع ويطالعك أنى يممت ناظريك! وبالمُقابل هناك العبارات الإنشائية والتفخيم اللغوي التقليدي المكرر، وافتعال الخلاف الذي هو أقرب الى الصدى منه الى الصوت الذي يُستخدم لدى بعض الحابين على طريق النقد،  وهو ليس موضوعنا اليوم مؤمِلاً أن أقف عنده في مرة أخرى..

ويلجأ الفيلسوف المتصوف ابن سبعين (614-669ه/1217-1269م) في الكتابة أحياناً إلى استخدام رموز وألغاز، فيصبح كلامه مفككاً غير مسبوك؛ قال قاضي القضاة ابن دقيق العيد (625-702ه): "جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرداته، ولا تعقل مركباته". (ويكيبيديا).

يروي الدكتور علي الوردي (1913-1995) في " لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" في الفصل المتعلق بالشيخ أحمد الإحسائي (1166-1241ه)، أنه سئل من قبل أحد مريديه: متى يظهر الحجة (عج)؟ فقال: يظهر إذا اتصلت باء البينونة بكاف الكينونه، فمن فهِم جازاه الله....!

وفي الخمسينات أصدر بعض المثقفين في مصر بياناً عن "الأدب والثورة" وهو بيان يلزم الأدب بخدمة الثورة والجماهير الكادحة مبشراً وداعياً الى "الواقعية الأشتراكية"! وقد ردّ على البيان الدكتور طه حسين (1889-1973) في كتابه الهام "مستقبل الثقافة في مصر" رامياً المثقفين بالإبهام والغموض، مقتبساً كثيراً من العبارات التي سلط عليها جام غضبه لأنها ترطن ولا تُفصح، والحق أن الدكتور طه حسين كان محقّا بما ناقش ونقد..

ومع بزوغ عصر الحداثة وما بعد الحداثة وما جادت به من اتجاهات نقدية من البنيوية وما بعدها والتفكيكية التي فتحت أبوابها علينا ترجمات لبنانية، وما بشّر به أدباء يحسنون لغات الغرب ولا يحسنون الترجمة في الأعم؛ وإذا نجد بعض نقّادنا وجدوا بها ملاذاً يسمح لهم أن يصولوا ويجولوا فيزيدوا المبهم إبهاماً ويبتدعوا مصطلحات وتراكيب لا دلالة لها ولا معنى.. تماماً بمثل ما وجد الماشون على طريق الشعر حبواً في قصيدة النثر ملاذاً لتتفتق القرائح عن عبارات شعرية لاشعورية لا يبلغ مرامها إلا من أتوا بسلطان علم عظيم! وهكذا خلق هذا النوع من "الشعر" نقده، وهكذا شجّع هذا النوع من "النقد" شعره، فأصبح إبهاماً فوق إبهام. وفي الحقيقة أن هذا الإبهام لا ينفع الطرفين ولا يستفيد منه القارىء ويعرض عنه ويصدّ أيما صدود، لأنه يخدع باللغة ويعطي فهماً أن الشعر الجيد هو جيد بلغته المبهمة وهنا تكون الخديعة! لأجل هذا شاع هذا النوع من النصوص الهابطة حين لقي من يروّج له ويسوّقه..

أحسب أن الانفتاح على ثقافة الغرب والشرق أمر بالغ الأهمية وهو يعنينا شئنا أم أبينا فالمثاقفة هي من سمات عصر ثورة الاتصال بل هي من محصلاتها، فلابدّ من الوقوف على الأهم النافع الذي يغني ثقافتنا ويوّسع من آفاقنا الابداعية، فلم تعد هناك جدران اسمنتية بين الشعوب وثقافاتها..على ألا نغرق سوقنا الثقافية بالمستورد وأن نكون مبدعين في ما يَفِدنا لا مقلدين تقليداً أعمى!

ولكي لا يكون كلامنا مُرسلاً فلا بد من أمثلة، في كتابه " مقالات في النقد الأدبي"، للناقد الأكاديمي الدكتور محمد مصطفى هدّارة (1930-1997)، تعرض في نقده الى ظاهرة الغموض والإبهام، وأخذ عينة من كتاب زميله الناقد الدكتور مصطفي ناصف (1922-2008) " الصورة الأدبية"، التي لا شك ستخدم جوهر موضوعنا ومن أمثلة ما جاء في كتاب ناصف: " إن مذهب امتزاج الذات والموضوع ينبغي أن يتناول بحذر من أجل أن نكون تمييزات معينة، وفي خلال تكوينها نأذن بالتغاضي نها لبعض الأغراض" ثم يقتبس د. هدّارة من موضع آخر من كتاب د.ناصف: " فالتجربة الاساسية متميزة من التأثيرات التي تحاك في أعصابنا وأنفسنا، وإنما هي بصيرة تتم بفضل الخيال، ومن المهم أن نتذكر أن هذه الحركة الخيالية لا يمكن أن تختصر في تأثيرات متعلقة بالجهاز العصبي" أكتفي بهذا، ولي أن أعقب أن سبب هذا الإبهام هو أن النصوص مترجمة ترجمة حرفية الأمر الذي غمرها بغموض أقرب إلى العجمة.

قبل أيام قليلة كنت أقرأ لناقدين نشرا في موقع رصين، مقالتين متقاربتين زماناً ومكانا، وكنت متابعاً الأستاذين الكريمين منذ وقت غير قصير، فأجدهما ينشران ألغازاً وأحاجيَ بلغة مفتعلة مركّبة تركيباً متعسفاً لنصوص هي الأخرى غامضة فيزيدان الغموض غموضاً والإبهام إبهاماً، وينطبق ما قلناه أعلاه عليهما أكثر من غيرهما، من خداع القارىء باللغة واصطناع المصطلحات وإيهام القارىء بأنه هو النقد الذي يحتاج الى مدارك واسعة وذهن ثاقب لفهم الناقد والمنقود، ما يجعل كثيراً من القرّاء يصابون بالخيبة ويشكّون بقدراتهم الذهنية التي لا تقوى على فك طلاسم هذه النصوص، وتلك هي الطامة!

لا أريد أن أذكر اسميهما ولا عنواني المقالين كي لا أتهم بالشخصنة كما حصل معي ذات مرة حين تناولت مادة في نقد النقد متوجها لكاتب لا أعرف شخصه ولم أذكر حتى اسمه قط.

سأختار عيّنات عشوائية في نقد قصائد وتأويلها سأنقلها على طولها كي لا أتَهَم بالاجتزاء وبتر النص:

  "أن عملية تشكل وتشآكل الشيفرات الإيحائية والإنزياحية في عوالم شعرية (حذفت العنوان/خ) من شأنها أولا وأخيرا خلق حالة من حالات أمكانية المتغير الأسلوبي والدلالي في التعامل مع إطارية النص انطباعيا وقرائيا . لذا فأن جوهر شكل قراءة نصوصه الشعرية يسمح بصورة خاصة من أن نميز لدال جوهرا وشكلا كما تسمح الحالة القرائية لدى الشاعر من أن نميز للمدلول جوهرا وشكلا وبحسب هذه الكيفية المعيارية يمكننا أن نحدد بأن لمفهوم وفكرة قصيدة الشاعر ثمة معادلات تنوعية خاصة تتآلف مع نسيج المعنى الداخلي والخارجي الذي يحث بدوره على إيصال الوظيفة القصدية في أتون الدوال الى أقصى جهات مجموعة الوحدات المركبة في دائرة موضوعة النص".

ودونكم مقتبس آخر للكاتب ذاته في موضع آخر من المقالة:

"ندرج أستعمالي لمفهوم عنونة مقالنا ب (حذفت العنوان/خ) ضمن محاولة أن يستفهم القارىء من خلالها مفهوم النص الغائب وصولا الى الأهتداء بمفهوم اللامنظور في قصيدة الشاعر وهو مالم يتم من طرف الشاعر نفسه من حيز ممارسة إجرائية واضحة المحاور والدلالة في مواطن مسرح محددات دوال نصه وسلوكه . فالنص لدى الشاعر كان في طور الهجرة والانتقال من قصدية معنى ما الى معنى آخر . لذا وجدنا اللامنظور الموضوعي في القصيدة راح يكشف في الوقت نفسه عن دلالة محتمل المنظور نفسه وذلك من خلال صور ووقائع النص الخفية والغرائبية المنصهرة عبر وحدة متلاحمة على نحو أمتداد القصيدة بكاملها . وتتوالى النقاط والتقاطعات بالتشكيل عبر الفضاء النصي وصولا الى الصورة الفنائية التي أخذت تؤكدها هذه المقطعية التي يحتل مدلولها رقعة خاصية الخاص من سننية التحولات في أفق محور المحتمل المنظوري المجلى في أختيارية النص." . 

سأنتقل إلى ناقد آخر وسأقتطف منه ما يعبر عن لغته :

"ان الصورة التخييلية التي تعكس الكثير مما في ما وراء المكان \ داخله وخارجه \ تضفي بشقيها الواقعي، أو التخييلي فضاء صوريا لا يخلو من مقصدية مسبقة انطلاقا من بنية مكانية تكاد أن تكون هي الاهم في العملية الشعرية وما يترشح منها . ان الامكنة الضيقة والمحددة مكانيا اخذت اهتماما كبيرا من الشعراء لأنها – في بعض الاحيان - تعبر عن قلق وجودي (من الوجود) داخلي يعتري الشاعر لحظة الانقياد وراء تصوراته الشعرية او الفكرية وإزاء ما يحيط به ليصل بمنتجه الشعري الى اقصى طاقة تبليغية بواسطة اللغة المكثفة التي يبتدعها. هذا النوع من النزوع الشعري يحاول ان يؤسس لتحول تنقلي نوعي يذهب بالمتلقي من التركيز على حقل بصري او سمعي الى حقل ما بعدي يعتمد فائض الرؤية لبناء القصيدة. ".

ودونكم مقتطف آخر للناقد من المقالة ذاتها:

"ان احتواء الفارزة للغمام هو احتواء معنوي من اجل التواصل الفكري وكأن الشاعر يريد ان يقول لنا كيف نفسر غموض الاشياء بواسطة التوقف اللحظوي الذي تشترطه فوارز الحياة . ان الفارزة – هنا – دلالة عن الاستغناء عن بعض الكلام وتحويله الى احاسيس لا يمكن ان تترجمها الالفاظ الا عبر ما هو رؤيوي . لقد قدم – فلان/خ - نصا شعريا جميلا حلق بنا في سماوات لم تعرفها العصافير . انه نص مموسق طري يمتلك كل ادوات الابداع بمفهومها الحقيقي.".

 

أحسب أن الناقد الثاني أقل غموضاً وإبهاماً، وأن لغته أفصحت ما شاء لها أن تفصح، لكن المهم أن الناقد تجاوز الغموض في القصيدة حين استطاع و " فسر غموض الأشياء بواسطة التوقف اللحظوي الذي تشترطه فوارز الحياة.". لذلك استطاع بهذا أن يرى في النص: " نصاً شعرياً جميلاً حلق بنا في سماوات لم تعرفها العصافير". وليتني أملك جناحين لحلّقت أنا الآخر مع العصافير...

بقي لدي سؤال: لوكان الناقدان الكبيران طه حسين وعلي جواد الطاهر وغيرهما من الكبار أحياء، ترى ماذا سيقولان على هكذا نقد؟!

 

خالد جواد شبيل

رام كم هنغ في 9ك1/ديسمبر/2016

 

المقدمة: الشاعر المهندس سليم الجط، شاعر سوري من بلد الياسمين، نشأ على ضفاف بردى، وانتشى عبقاً بياسمينها، وانطلق ينشد في حبها عشرات القصائد، هو عصفور دمشقي وهذا لقب حازه بجدارة، من يسمعه وهو يلقي قصائده، يسمع تغريد العصفور الدوري الأسمر،الذي لا يتوقف عن الشدو، وكأنه إن فعل توقف عن تنفس الحياة ..

لكن نصه هنا مختلف، فيه الكثير من الحزن والتأسي، شاعر وجداني وقف قلمه في خدمة الوجدان الإنساني، واستحق بحق لقب

العصفور الدمشقي.

 

الصورة الكلية للقصيدة:

القصيدة شعر عمودي من بحر مجزوء الوافر

مفاعلتن مفاعلتن     مفاعلتن مفاعلتن

النص وجداني  فيه صرخة إنسانية  غاضبة كلها أسى وجلد للذات على التفريط بما مضى والمحاسبة على ما أتى، أسئلة حيرت الشاعر وجعلته يدور في فلك الاستنكار، واستعراض لواقع مأساوي، حزن وخوف جهل، وحرب وويلاتها، تهجير وتشريد وجوع وعري، فراغ فكري، ذُل وهوان،  تقريع شديد اللهجة، ثم تلين قليلاً لتنتهي بدعوة إلى العودة من الغربة، غربة الروح والجسد،مع بث روح التفاؤل والثقة بعطاء الله.

النص متماسك، والعلاقة بين الألفاظ والمعاني علاقة مترابطة تبادلية محسوسة، إذا أسقطناه على بيئة الشاعر نجد اندماجاً شبه كامل..

النص وجداني بالكامل، من العنوان إلى نهايته، زخر بالصور الشعرية التي تنوّعت بتنوّع المواضيع فيه.

العاطفة جياشة تركت لتأخذ مداها في كل نواحي النص.

 

البيئة التي قيل فيها النص:

بلده المكلوم سوريا، وبالمجمل كل الوطن العربي .

 

الفكرة العامة للقصيدة (المعاني والقيم الجمالية):

النص قصيدة من الشعر القريض، من مجزوء الوافر، هذا البحر الجميل الذي تنساب موسيقاه سلسة متناغمة، تتفاعل معها الأذن تفاعلاً إيجابياً جميلاً، قافيتها حرف الألف، من حروف المد التي تنطلق من الجوف لتنتشر في الهواء بامتداد يتوافق مع شدة العاطفة والمعنى.

تبدأ القصيدة باسم استفهام (لماذا) مع ثلاث إشارات استفهام دليل على شدة الحيرة .

السؤال الذي يبدأ ب (لماذا) جوابه تعليلي وتفسيري يبدأ ب (لأن)،لكن الشاعر لم يحِرْ جواباً، لذلك انتقل من التساؤلات الحائرة إلى التقريع وجلد الذات والتهكم على واقع الحال وتعرية أمراض المجتمع ككل.

يستكثر الشاعر عذاباته بأسئلة حيرى، لا يجد جوابها، يستعرضها، لماذا يجري الحزن فينا جري الدم في العروق ؟ ولماذا يطغى على أغانينا، قدرنا أن يطربنا ويسامرنا، و إلى متى يقيم الجهل فينا؟ شبهه بالجن الذي يتلبّس بالجسد فيسلبه الإرادة ويحيله مجنوناً، يطرح مرضا ثالثاً ابتلينا به، الحرب بويلاتها وتوابعها، الشقاء العراء، التهجير والتفريق بين آلاف بل بين ملايين البشر، تقتلنا تخنق أنفاسنا، وتقدّمنا أضاحي وقرابين على النصب..

مرض آخر أصابنا نحن العرب ليس من فقر أصيل وإنما من ثراء، لكن الواقع المزري جعل من الجوع وحشاً ينهش فينا..وجعل من الفقر داءً مستديماً.

وآفة أخرى تجذّرت فينا، الخوف الذي بنى أعشاشه بالعيون، والذل الذي يقتلنا، والموت الذي نتجرعه شراباً.. الشهوة والأنانية التي أعمت بصائرنا، ووطن نأسف أنه غدا سكيناً يطعننا، تتوالد الآهات فينا، تلك الأمراض التي تكالبت علينا، من يملك لنا منها شفاء وبراء؟

وتأتي مرحلة أخرى وهي تعداد الخسائر والخيبات، فقدنا الأصالة، وخسرنا العروبة،الأماني، أصابنا الخواء الروحي، نرتمي في المجهول،  اجتهدنا اجتهادات الخيبة، أصدرنا الفتاوي التي استبحنا بها المحارم، القتل، والتكفير والمحاسبة، وضعنا قوانيننا الوضعية وكنا أول من خالفها، بعنا الكرامة، وصاحبنا الشياطين في سبيل غاياتنا، دفنّا أمجادنا فما زالت الحمراء بأسبانية تذكرنا و تبكينا حضارة سادت ثم بادت، وخنّا انتصاراتنا، بعنا القدس وخنّا حطين، ويسخر الشاعر مهنئاً: تهانينا تهانينا، ماتت فينا المحبة و قبرنا الفكر والعقل، واتبعنا الكذب والهلهلة، و بتنا كأن لا زمن ولا تاريخ ولا ماضٍ يجمعنا، وكأن كل ذلك كان وهماً وسراباً، عبدنا المال وسيّدنا الظلم، وحكَمَنا الأنذال من الأقوام الذين عاثوا فساداً في ديارنا، ضاع العمر وبَقى خيالنا المريض يصوّر لنا أننا ملائكة وأن الباقي شياطين، لا نقبل الآخر ونظن أننا معصومين عن الخطأ، وما زلنا بعقلنا القاصر، ندعو الله ان يرزقنا الصبيان، تخيم علينا جاهلية عار البنات..

ويشتد تقريع الشاعر وتعلو نبرته، أين أنتم يا من تغرّبتم عن ذواتكم؟ لم تجعلكم الغربة لا وروداً، ولم تفُح منكم رائحة الرياحين، 

 يلين الشاعر قليلاً وبنبرة متخافتة يدعو أهله وشعبه إلى العودة، فهو يرى في عودتهم خيراً كثيراً، ويبشرهم بأن الخير لا بد آتٍ، يتدفق تدفق النهر، فقط ليحسنوا الظن بكرم الله وليتفاءلوا بالقادم، ويؤمّنوا على الدعاء.

الفكرة في القصيدة ليست جديدة، كونها تحكي حالاً ما زال قائماً منذ عقود، لكنها وعلى الرغم من أنها قصيدة عمودية فقد طرحت عدة قضايا، بخلاف القصيدة العمودية التي تحكي فكرة واحدة ..

لا نشك بصحة المواضيع لأنها معاشة .

المعاني الشعرية أيضاً ليست جديدة، لكنها مرتبة ترتيباً يجعل وقعها مباشراً دون التواء أو مخاتلة، عميقة جداً رغم تعدد مواضيعها، وهي تعكس مقدرة الشاعر على استخدام وتوظيف أدواته بدقة ومهارة .

 

العاطفة:

وجدانية إنسانية وطنية، حيرة وارتباك، وحزن وتأسي، سخرية سوداء، و تقريع وجلد، ثم دعوة بالحكمة إلى ترك الغربة والاتحاد، والعودة إلى الأصل، والثقة والتفاؤل بخير الله.

وهي عاطفة صادقة جداً، مجرّبة عند كل ذي وجدان .

 

خيال الشاعر:

لا يكاد بيت من القصيدة يخلو من صورة بيانية وعلى سييل المثال لا الحصر

(لماذا الحزن في دمنا) استعارة

(كجن ساكن فينا) تشبيه

(تجعلنا قرابينا) تشبيه

(الجوع ينهشنا) استعارة

(فوضى الروح تأكلنا) استعارة

(صار المال مولانا) استعارة

-

-

-

 

الأسلوب:

أدبي راقٍ، استخدم فيه الشاعرةالتراكيب الغنية بالصور البيانية والخيال والوصف، ألبس المعنوي ثوب المحسوس

(الحزن في دمنا)

(أيبقى الجهل أعواماً  كجن ساكن فينا)

(وصار الجوع ينهشنا)

(الخوف يسكننا)

(يعشعش في مآقينا)

-(الشهوة تمزقنا)

-(وآهاً أثمرت آهاً)

-

وألبس المحسوس ثوب المعنوي:

(تجعلنا قرابينا)

(قصائدنا ممزقة)

 

ولم تخلُ القصيدة من الحكمة والنصح ورسالة واضحة بالعودة إلى الأصل والوحدة، والتفاؤل بالمستقبل

 

التمركز التفكيكي:

تمركز النص حول فكرة الغربة عن النفس وعن الواقع وعن الوطن، وكان الحزن والخوف والألم والسخرية والتفاؤل والحكمة  هي المحاور التي دارت حول هذه النواة المركزية،

 

التكميم التفكيكي:

ويعتبر التكميم، أحد عناصر تحليل المضمون الهامة، في تفكيك النصوص، ويقصد به تحويل المعاني من مفردات أو تعابير أخرى إلى أرقام، ومن ثم اكتشاف دلالة الرقم، ويتم هذا التكميم أو التحليل الرقمي بمنهجية، وفق خطوات معروفة، ولغايات محددة، وتتوخى درجة الموضوعية و الحيادية فيه، وتجنب الأحكام الذاتية في هذا التحليل، و وحدات التحليل الأساسية هي:  الحرف، والكلمة، و العبارة، والفقرة، والفكرة، والشخصية، والزمان، والمكان ...ومن ذلك يكتسب هذا المنهج العلمي التفكيكي منهجيته العلمية، بأنه يمكِّن الباحث من التعمق والاندماج في صلب الموضوع، و يساعده  أيضاً على الوصول إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تثار حول النص، وذلك بفضل قدرة التفكيك على التفسير الذي يزيل الغموض، ويظهر الغايات المقصودة من النص بوضوح، وكذلك يساعد على إظهار المعاني الدفينة  والمخبوءة في النص، وإجلاء مضامينه على نحو دقيق، ويفيد هذا المنهج العلمي، المجتمع والباحثين في الأدب والعلوم الأخرى بأنه يصف الظروف والممارسات في المجتمع، ويبرز الاتجاهات المختلفة، ويساعد على الكشف عن نقاط الضعف والقوة والتناقضات، ويساعد على تطوير الأداء، و إظهار الفروق في الممارسات، وتقويم العلاقات بين الأهداف المرسومة وما يتم تطبيقه على الكشف عن اتجاهات الناس وميولهم.

وقد استخدم الشاعر نوعين من المفردات:

1-المفردات والمعاني الثابتة: وهي المفردات التي أخذت بنوعي المفردات النحوية الأساسية الاثنتين (مفردات المحتوى content words ومفردات التركيب function word)

2- المفردات الدلالية المتكررة، وتلك المفردات حركها الكاتب بشكل فني  مدروس لإعطاء جمالية في النص، فأعطى لكل مفردة وظيفة معينة، وعمل على تكرارها بشكل واعٍ، لتعطي دلالات تضيف عمقاً لبنية النص .

حاولت تطبيق التكميم التفكيكي على النص، أجريت حساباً رياضياً لجميع الكلمات المعبرة، بعد أن حوَّلتها إلى أرقام بدلالات تفكيكية سيميائياً، ركزت على الكلمات التي تكررت في النص لأعطي دلالات تصوّر حسي لإحساسات الكاتب، تحمل معانٍ ودلالات تبيّن إمكانية الكاتب في كتابة النصوص بشكل متمكن .

وقد بلغ عدد التكرارات الحسية((68وحدة حسية

بدلالات سلبية تشاؤمية مقدارها)(62)وحدة حسية

ودلالات إيجابية تفاؤلية مقدارها((6وحدة حسية

تفصيلها كما يلي:

 

الدلالات السلبية:

الحيرة:٦

الحزن:٣

الحرب:١٠

الخوف:١

الجهل:٣

الذل:٢

الموت والمرض:٤

التقريع: ٢٩

الأسف:٢

الأنانية:٢

الفقر ٢

الظلم:١

المجموع =٦٢

 

الدلالات الإيجابية:

الحب:٢

الخير:٢

الأمل: ٢

المجموع =٦

فإذاً هناك غلبة كبيرة للدلالات السلبية، تنبئنا أن الشاعر تشاؤمي في هذا القصيدة، وهذا أمر طبيعي في قصيدة عرض فيها الشاعر لأمراض الواقع في أبيات امتدت من العنوان على مدى ((41بيتاً، بينما اقتصرت الدلالات الإيجابية في ال(5) أبيات

الأخيرة المتبقية.

 

بالنهاية: أتمنى ألا أكون قد قصّرت في إيفاء هذه القصيدة حقها، أتمنى أن أكون قد وُفّقت بالإحاطة بمفاصلها إحاطة مقبولة، وإن قصّرت فمن نفسي، فاعذروني ..

تحياتي إلى الشاعر المبدع  العصفور الدمشقي: سليم الجط.

 

النص الأصلي:

لماذا؟؟؟   

   * سؤالٌ كم° يُعَذِّبُني  

         ولا ألقى مُجيبينا     

   *لماذا الحزنُ في دَمِنا

      وباقٍ في أغانينا؟؟ 

   *  ويُطرِبُنا،ويُسكِرُنا

      ويشدو في ليالينا

   *أيَبقى الجهلُ أعواماً

        كَجِنٍّ  ساكِنٍ فينا؟؟

   * فيسلِبُنا إرادتَنا

       ويُبقِينا مَجانينا

   * فلا صَيفٌ غَدَا صَيفاً

      ولاتِشرينُ  تِشرينا

   * لماذا الحربُ تقتُلُنا

     تُشَرّدُنا،تُعَرّينا؟؟؟

   *  تُهَجِّرُنا، تُفرِّقُنا

      أُلُوفاً،بل° مَلايينا

   * وتخنُقُنا بلا ذنْبٍ

        وتجعَلُنا قرابينا

   *  ونبقى رَغمَ ثروَتِنا

      بلا مَأوىً، مَساكينا

   * وصارَ الجوعُ ينهَشُنا

      وكادَ الفقرُ يُضنِينا

   * لماذا الخوفُ يَسكُنُنا

       يُعَشِّشُ في مَآقِينا؟؟

   * وهذا الذُّلُّ يَقتُلُنا

     وكأسَ الموتِ يَسقينا

   *فواأسَفاً على وطنٍ

     غَدَا في القلبِ سِكّينا

   *وآهاً أثمَرَت° آهاً

    هُنا في الصَّدرِ تكوينا

   * وشهوَتُنا تُمَزِّقُنا

     وحُبُّ الذاتِ يَعمينا

   *غدَونا كُلُّنا مَرضى

   فمَن° يأتي ويشفينا؟؟؟

   * أصالتُنا فقدْناها

   عُروبتُنا،أمانينا 

  *وفوضى الرُّوحِ تأكُلُنا

    إلى المجهولِ ترمينا

  * فكم° فتوى وضَعناها

 عنِ المعبودِ تُلهِينا

*وحاسَبْنا،وكَفَّر°نا

 وقطَّعْنا شرايينا 

  *وكم° جِئنا بقانونٍ

  فدُسْناها  القوانينا

  * هنا بِعنا كرامَتَنا

 وصاحَبْنا الشياطِينا

 * سَلُوا الحَمراءَ تَذْكُرْنا

فنبكِيها، وتبكِينا

 *وأمجادٌ لنا دُفِنَت°

   وخُنَّا نصْرَ حِطّينا

 *  وبِعنا القدسَ والأقصى

    تهانينا،تهانينا

 * هنا ماتت° مَحَبّتُنا

    نسَينا الحَقَّ والدِّينا

 * هنا لِلفِكرِ مَقبرَةٌ

بَنيناها بأيدينا

* قصائِدُنا مُمَزَّقةٌ

وكاذِبةٌ قوافِينا

* فلا التاريخُ يَجمَعُنا

    ولا الأزمانُ تعنِينا

* كأنَّا لم° نكُن°أبداً

    وَوَهْماً كانَ ماضينا

* وصارَ المالُ مَولانا

      وصارَ الظلمُ والِينا

* وكم° عاثت°حُثالاتٌ

   فسَاداً في أراضينا

*وضاعَ العُمرُ من° يَدِنا

     ومازالت° مآسِينا

*  ومازِلْنا ملائِكةً     

   وباقي الناسِ خاطِينا

* نُصَلّي في مَعابدِنا

   لَعَلَّ اللهَ يَهدِينا

*  ويَر°زِقُنا بصِبيانٍ

  فعَارُ البِنتِ يُؤذينا

* لماذا لاأرى فيكم°

وروداً أو  رَياحِينا؟؟

* ومنكم°أشتهي عِنباً

ومن°أشواكِكُم° تِينا

* كأني لستُ أعرِفُكُم°

ولا كنتُم°أهالِينا

* فعُودوا من° تَغَرُّبِكُم°

تناديكم° شواطِينا

* أحبائي لكُم° قلبي

وبعضُ الحُبِّ يَكفِينا

* سَيَجري الخيرُ أنهاراً

ربيعاً في رَوَابينا

* وفي عينيَّ أغنيةً

نغنّيها،  تغنِّينا

 * وبالآتي لنا أمَلٌ

فقُولوا الآنَ آمِينا

 

د. عبير خالد يحيي

 

alwan slmanقراءةٌ في قصيدة بِــالتَّــرَقُّــبِ .. تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي/ آمال عوّاد رضوان

التجربةُ الشعريّةُ هي عمليّةُ الحياةِ والحركةُ العضويّةُ بأكملِها التي تسيرُ في الكون، على حدّ تعبير هربرت ريد.

إنّ النصَّ الشّعريَّ المَقطعيَّ (بِــالتَّــرَقُّــبِ ... تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي)- مِن الدّيوان الشعريّ الرّابع (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ)، منسوجٌ بأناملِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، والذي شكّلتْ فيهِ الحداثةُ مبنًى ومعنًى، بتحالفِها والتحوّلاتِ الفكريّةِ والفنّيّةِ والمؤثّراتِ الخارجيّةِ، لخلقِ عالمِها المُتماشي والعصر بديناميّةٍ لا تعرفُ السكونَ، وعبْرَ لغةٍ زئبقيّةٍ، منها تتوالدُ الصوَرُ الفكريّةُ والوجدانيّةُ وتتراكمُ حولَ بعضِها، والمنتجةُ (الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان) توقظُها، لتنسجَها بعقلانيّةٍ مَشوبةٍ بالخيالِ المُستفزّ لذهنِ المُستهلِكِ (المُتلقّي)، وتُسهِمُ في نبشِ ذاكرتِهِ، لتستنطقَ الصوَرَ وما خلف الألفاظ الرامزة، والتي هي (أداةٌ فكريّةٌ للتّعبيرِ عن قيمٍ غامضةٍ لغرضِ تصعيدِ التكنيكِ الشعريّ)، إذ فيهِ ترتفعُ التجربةُ الشعريّةُ الى حالةٍ كونيّةٍ، بانفتاحِها على آفاق إنسانيّةٍ مُتجاوزةٍ بتشكيلاتِها الصوَريّةِ، والتي تُشكّلُ رؤيا مُعبِّرةٍ عن إحساسٍ شعوريٍّ مُحقّقٍ لوجوده في المخيّلةِ الشعريّة، ولاتّسامِهِ بخصوصيّتِهِ التركيبيّةِ ووحدتِهِ العضويّةِ، مع إيحاءٍ وتَفرُّدٍ في الإيقاعِ المُنبعثِ مِن بينِ ثنايا الألفاظ، ومِن خلالِ الصوَرِ واللّغةِ الرامزةِ المُنبعثةِ مِن بينِ مَقطعيّاتِهِ الشعريّةِ..

أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي

وَيَا عِطْرَ جَسَدِي

دَعِينِي أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ

كَحَالِمٍ .. بِثِيَابِ زَاهِدٍ

لاظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا

ت.. ا.. ئِـ.. هًـ.. ا

بَيْنَ أَحْضَانِكِ!

  النصُّ يَمتلكُ وعيًا داخليًّا معَ حضورٍ اجتماعيٍّ سرديٍّ، يَتمثّلُ في عطاءاتٍ روحيّةٍ بنموٍّ نفسيٍّ مأزومٍ، ودِقّةٍ مُتناهيةٍ في الحِسِّ، وعاطفةٍ مُلتهبةٍ، معَ  قلقٍ مندافٍ بحزنٍ شفيفٍ، وقدرةٍ تصويريّةٍ للأشياءِ مِن الداخلِ، وحلولٍ صوفيٍّ يَجرُّ المُتلقّي صوبَ ابنِ الفارضِ بقوْلِهِ:

أدِرْ ذِكْرَ مَن أهوى وَلوْ بمَلامي            فإنّ أحاديثَ الحبيبِ خيرُ مُدامِ

لِما في عباراتِهِ مِن تجرُّدٍ وتَجَلٍّ، مُحتضِنًا الصوَرَ المُنتزَعةَ مِن عالمِ الحِسِّ والحزنِ الذي يَلفُّ رؤى المنتج (الشاعرة آمال عوّاد رضوان)، والذي كانَ خطابُها خطابَ الذّاتِ ومناخاتِها، للتّعويضِ عن بعضِ الاغتراباتِ الّتي تُحِسُّ بها، فكانت رؤيتُها الشعريّةُ تتّصلُ بطبيعةِ نفسِها، وبتكوينِها الفكريِّ والروحيِّ، وبوجودِها والواقع، باعتمادِ الوحدةِ والكثافةِ الغنائيّةِ الّتي تعتمدُ ضميرَ المتكلّمِ الّذي يُميّزُها عن السرد، مع توهُّجٍ وانزياحٍ لغويٍّ عن المألوف، فضلًا عن توظيفِها سيميائيّةِ التّنقيطِ الّتي تُشيرُ إلى علامةٍ مِن علاماتِ الترقيمِ (دلالة الحذف)، الّتي تُشكّلُ نصًّا صامتًا، تتعطّلُ فيهِ دلالةُ القولِ، إضافةً إلى أنّها تُضفي بُعدًا تشكيليًّا يَفتحُ بابَ التأويلِ، فيَستدعي المُتلقّي لفكِّ مَغاليقِ النّصّ وإسهامِهِ في مَلْءِ فراغاتِهِ، وهناكَ تَقانةُ التقطيعِ الكلاميّ، الذي يَعني تعطيلَ القدرةِ التواصليّةِ للّغةِ، والكشفَ عن الحالةِ النفسيّةِ للذّاتِ المُنتِجةِ المُنفعِلةِ والمُتفاعِلةِ والواقع..

سَأَنْتَظِرُ عَيْنَيْكِ .. شَفَتَيْكِ

شِعْرَكِ .. وَشَوْقَكِ كُلَّهُ

سَأَنْتَظِرُكِ

بِأُفُقِي الْمُشَرَّعِ عَلَى مِصْرَاعَيْكِ!

الشاعرة آمال عوّاد رضوان تُترجمُ الأحاسيسَ والانفعالاتِ، بنسْجٍ شِعريٍّ يُحقّقُ وظيفتَهُ، مِن خلالِ الفكرةِ والعملِ داخلَ اللغةِ، عن طريق خلق علاقاتٍ بينَ الألفاظِ المُوحيةِ، بوحدةٍ موضوعيّةٍ مُتفرّدةٍ بعالمِها المُتناسقِ جماليًّا، مع دقّةٍ تعبيريّةٍ ودلالةٍ مُكثّفةٍ، عبْرَ تقاناتٍ فنّيّةٍ مُحرِّكةٍ للنصّ، كالرمزِ السّمَةِ الأسلوبيّةِ التي تُسهمُ في الارتقاءِ بشِعريّتِهِ واتّساعِ مساحةِ دلالتِهِ.

وهناكَ التّكرارُ؛ الدّلالةُ الأسلوبيّةُ الّتي تُشيرُ للتّوكيدِ، باعتبارِها ظاهرة صوتيّة تحتضنُ دلالةً نفسيّةً وعاطفيّةً خارجَ الذّات، فتُعبّرُ عن الحالةِ القلقةِ الّتي تُعانيها الشاعرة، وهي تُقدّمُ نصًّا شعريًّا مُعتمِدًا التّكثيفَ بصمتٍ إيحائيٍّ مَقروءٍ، إضافةً إلى توظيفِها تقانةَ النّداءِ؛ (الحركة الزمنيّة المُتراكمة بتأثيرِ الصوَرِ في وجدانِ الشاعر تراكُمًا كثيفًا مُترابطَ الوحداتِ، وهو يعتمدُ النّموَّ الزمنيَّ)..

سَلامًا مُدَلَّهًا .. أَعْصِرُنِي

لِنُورِكِ الْبَهِيِّ

يَتَأتَّانِي

مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ

لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ

أَلْفُ مَعْنًى وَمَغْنًى!

الشاعرة آمال عوّاد رضوان بوجدانِها تحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشعوريّة، عبْرَ نسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المَعاني، مِن أجلِ توسيعِ الفضاءِ الدّلاليِّ للجُملةِ الشّعريّةِ، باعتمادِ اللّفظةِ المُركّزةِ المُكتنزةِ بالإيحاءِ، والمُتميّزةِ بانسيابيّتِها وتدَفُّقِها شعوريًّا، بوحدةٍ موضوعيّةٍ، وفكرةٍ مركزيّةٍ يُحلّقُ حولَها المعنى.

النصُّ بمُجمَلِ دلالاتِهِ اللفظيّةِ كتلةٌ مُعبّأةٌ بفكرةٍ وحدَثٍ وزمكانيّةٍ وعُقَدٍ دراميّةٍ، مع ضربةٍ رؤيويّةٍ وإيجازٍ لغويٍّ إيحائيّ، يَكشفُ عن دلالاتِهِ، عبْرَ ألفاظِهِ المُكتنزةِ بأبعادِها الجَماليّةِ والفكريّةِ، والمُكتظّةِ بهاجسِها الإنسانيّ، وهي تستندُ على تحليلٍ نفسيٍّ، لتصويرِ العواطفِ والأحاسيسِ الدّاخليّة بجُمَلٍ قصيرةٍ حادّة، تُعلنُ عن الحالةِ الشعوريّةِ والنفسيّةِ بأسلوبٍ ديناميٍّ حالمٍ، وعُمقٍ دلاليٍّ يَتداخلُ والسّياق الجمْعيّ بقدرتِهِ التعبيريّةِ المختزلةِ لتراكيبها الجُمَليّة، المتجاوزة للقوالبِ الجاهزةِ، والخالقة للصوَرِ المُجرّدةِ المُعبِّرةِ عن الحالةِ القلقةِ للذاتِ الشاعرة، مِن خلالِ الفكرةِ والعملِ داخلَ اللغةِ، بذهنيّةٍ مُنفتِحةٍ ورؤيةٍ باصرةٍ لوَعيِ الفكرة..

بِــالتَّــرَقُّــبِ .. تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي/ آمال عوّاد رضوان

أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي

وَيَا عِطْرَ جَسَدِي

دَعِينِي أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ

كَحَالِمٍ .. بِثِيَابِ زَاهِدٍ

لِأَظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا

تَــ~ا~ئِــ~هًـــ~ا

بَيْنَ أَحْضَانِكِ!

فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ

يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟

***

أَنَا الْمُتْرَعُ .. بِرَوْعَتِكِ

وَكَأَنَّنِي .. شَرِبْتُ كَأْسًا أُسْطُورِيَّةً

أَهْـــدَيْـــتُـــهَـــاكِ!

***

أَيَا مُلْهِمَتِي.. وَيا نُوَاةَ فَرَحِي

بِرُوحِكِ .. اِحْزِمِي حَقَائِبَ حِقَبِي

وَبِعَيْنَيْكِ الظَّامِئَتَيْنِ

اِرْوِي نَهْرَ خُلُودِي!

***

سَأَنْتَظِرُ عَيْنَيْكِ .. شَفَتَيْكِ

شِعْرَكِ .. وَشَوْقَكِ كُلَّهُ

سَأَنْتَظِرُكِ

بِأُفُقِي الْمُشَرَّعِ عَلَى مِصْرَاعَيْكِ!

***

سَأَنْتَظِرُكِ

كَمِثْلِ أَمِيرَةٍ سَاحِرَةٍ

لتُلَوِّنِي حِكَايَاتِي بِالتَّرَقُّبِ!

وَكَمِثْلِ قَصِيدَةٍ تَتْلُونِي

وَمْضَةُ لِقَاءِ حَضْرَتِكِ!

***

سَلَامًا مُدَلَّهًا .. أَعْصِرُنِي

لِنُورِكِ الْبَهِيِّ

يَتَأتَّانِي

مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ

لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ

أَلْفُ مَعْنًى وَمَغْنًى!

 

بدءا ذي بدئ: إذا كان إشكال ثنائية الشعر والنثر قد أسفر عن تمييز بينهما بشكل سطحي؛ اعتمادا على "الوزن" و"القافية"، فإن الدراسات الحديثة، خاصة منها المنصبة على "قصيدة النثر العربية" حاولت أن تميز في صميم هذا الاشكال بين الوزن والايقاع سواء بالعودة الى التراث النقدي العربي، أو العلوم الانسانية والنظريات الحديثة .

 

1- دفاعا عن الإيقاع في التراث العربي القديم

إذا أمعنا النظر وجدنا أن الوزن؛ لايعدو أن يكون عنصرا ضمن مفهوم عام وشامل هو الايقاع. فالقصيدة العربية لم تكن – في حقيقة الأمر- لتستقيم شعريتها بالوزن فقط، بل بالايقاع الذي يرتبط بالجانب النفسي والدلالي، وطريقة التركيب اللغوي أي الموسيقية التي تعد أعم من الوزن في حد ذاته وبهذا، "فإن تعميم حكم الجزء على الكل لا يستقيم، لأن تعميم الفرع الوزني على الأصل الموسيقى يختزل إمكانات وزنية أخرى محتملة بخلاف ما استقر من أوزان)...) " .

فبالعودة إلى التراث النقدي العربي؛ نجد عبدالقاهر الجرجاني ) ت 471 ه ) -على سبيل التمثيل- لم يول أهمية للمكون الصوتي"داخل نظريته في النظم المدعومة بالمنظور الاعجازي ،المتعالي، وغير القابل للمحاكاة والقياس" ، فالتمييز بين الوزن وشعرية القصيدة التقليدية أدى إلى الفصل بين الشكل والمضمون بالمنظور الحديث أو بين اللفظ و المعنى بالمنظور القديم، فالكثير من الشعر هو نظم لا شعرية فيه و بالمقابل القليل من النثر هو شعر وإن لم يكن منظوما وقد "جاء معدما من الوزن والقافية، ولكن ليس معدوما من الإيقاع بأي حال من الأحوال" .

كما نجد، أيضا، "حازم القرطاجني" يلفت انتباهنا الى أن النقد العربي القديم قد اهتم بالوزن الذي لاقيمة له أساسا، ولم يهتم بالايقاع الداخلي، لذلك يعتبر"الأوزان المعروفة في الشعر العربي، لا تعدو أن تكون قوالب مفرغة ومنسقة تجريديا صرفا )...) أما الإيقاع الداخلي للكلمات، أي إيقاع الحركات والسكنات بما فيها من قوة أو لين، ومن طول أو قصر، ومن همس أو جهر، فنسيء قلما يدخل في التقدير وهو على كل حال لا ضابط له ولا قاعدة محكمة" .

 

2- الإيقاع يحكمه تجديد في المضمون.

وهذا لايعني أنهم لم يعرفوا الإيقاع أو الإيقاع الداخلي الناظم والضابط لدلالة القصيدة، لكنهم رضوا بجانبه السمعي، دون الخوض في باطن علته، فبقي حدسيا بلا علم يذكر، حتى أنهم عمدوا الى الحلي  والسبائك و الأقراط (...) تمثيلا للإيقاع وجرسه الفاتن لأذن المتلقي الذي اعتاد ثقافة سمعية وشفهية وتوازناته القائمة على التناسب والتكرار. وبذلك فالشكل ليس مجرد "وزن" بقدر ما هو "نوع من البناء، لهذا يبقى ككل بناء قابلا للتجدد والتغير" ، في نطاق الربط بين الشكل والمضمون، وكل واحد يتخلق في الآخر دون سافة فاصلة بينهما كما يكون الكائن الحي . فشعرية القصيدة ليست قائمة على تناغم بين أجزاء خارجية أو سطحية بل تنبع من التناغم الداخلي وحركيته هي سر الموسيقى في الشعر، وإن كان خارج القياس و التعليل شأن "الوزن" .

فكلما كان مضمون جديد، لابد له من شكل جديد يحتويه، والشكل بالمقابل ضامن له . وهذا هو عمق الابداع، فالمضمون سابق عن الشكل، وليس العكس، ومن ثمة، فقصيدة النثر لم تعد في حاجة الى هذا الشكل، بهذا المفهوم "لأن احتياجها منصب على الحقيقة الجوهرية للشعرية التي لازمتها منذ أطلت على الواقع العربي القديم . هي حقيقة النصية ولاشيء سواها" ، ومن ثمة تستمد إيقاعها من البنيات النصية المشكلة للدلالة، وإن جاءت منقطعة عن مفهوم الإيقاع التقليدي الذي تم حصره في الوزن، ليتم الانتقال من"فلسفة الثابت التي كرسها الشاعر العربي القديم ممثلة في الزي الشعري الموزون المقفى، إلى فلسفة المتحول العابر للأنواع التي يتبناها الشاعر المعاصر" .

 

• وملاك القول

رغم القطيعة التي سقطت فيها "قصيدة النثر العربية" مع "الوزن" باعتباره شكليا و سطحيا، فهي تعكس لنا جانب الاستمرارية على مستوى الايقاع وإن بمنظور جديد؛ الذي يراهن على تراكم كمي، لكن له "أنساق وأنماط إيقاعية لا تحصى وهنا تقع صعوبة"  تأطير هذا الجانب الخاص بقصيدة النثر، القائم على جرس الألفاظ، والجناس والتكرار والتوازي وضروب البديع  والنبر و التنغيم وغيرها من الأنظمة التي تقوم أساسا على مدى براعة وإبداعية الشاعر في الاشتغال على اللغة على حد تعبير "بارت".

 

....................

هوامش

1  -  عبدالقادر الغزالي؛ الشعرية العربية (التاريخية والرهانات). دار الحوار للنشر والتوزيع. سوريا. ط1. 2010. ص 289.

 2 -  عبداللطيف الوراري؛ نقد الإيقاع في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب. دار أبي رقراق للطباعة والنشر. الرباط. ط1. 2011.ص45 .

 3 -  نفسه.  ص87 .

4  -  حازم القرطاجني؛ منهاج البلغاء وسراج الأدباء. تحقيق محمد الحبيب بلخوجة. دار الغرب الإسلامي. بيروت- لبنان. 1986. ص252.

 5 -  أدونيس؛ زمن الشعر  دار العودة بيروت. ط.2 .1978 .ص14 .

6  - اُنطر محمد أحمد العزب؛ طبيعة الشعر( وتخطيط لنظرية في الشعر العربي). منشورات أوراق. البيضاء. ط1. 1985. ص39.

7  -   Roman Jackobson ; Huit Questions de preotique . Bd seul . 1977. p : 14

  -  محمد عبد المطلب ؛ الحابل والنابل تقلا عن مجلة الدوحة ج 4 / 13.

8  -  مسعود وقاد؛ قصيدة النثر وشعرية التجاوز. مجلة علوم اللغة العربية وآدابها. منشورات جامعة الوادي. الجزائر. ع 4. مارس  2012. ص23.

9 -  عزالدين المناصرة ؛ إشكالية قصيدة النثر. نص مفتوح عابر للأنواع. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. لبنان. ط 1. 2002 . ص221 .

malika asalتوطئة: ما الكتابة الشعرية وكيف نكتب الشعر؟

الكتابة الشعرية، هي الفسحة التي ينزوي في ركنها الشاعر متسلحا بشطحات الخيال، ورحابة التأمل، وتنوع الثقافة، بالإضافة إلى الموهبة، ليتفحص عناصر الكون عنصرا عنصرا بمزيج من الذاتي والغيري والعابر والظرفي والتاريخي والحلمي، قاطعا كل مسافة بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي في توحد تام، ليعبّر عما يتختر في قلبه من ألم وجراح، خلفتها ضربات السهام المقبلة من المحيط، وبالتالي إعادة ترتيب فوضى الأشياء المتنافرة في وضع لائق وجميل، موغلا في مناطق المجهول بحثا عن النور، عما يضيء السراديب المعتمة والأنفاق الغامقة .. الكتابة الشعرية إذا، هي محاولة إدراك الأسرار المبهمة للحياة والكون لفك أزرارها ... هي أولا وأخيرا محاولة الإجابة عن سؤال أو أسئلة عالقة ..

 

1ــ ماهو الشعر إذا؟؟

الشعر من أرسخ وأقدم أشكال التعبير الفنية التي عرفها الإنسان، وهو جنس أدبي مشترك بين جميع الشعوب والأمم، يتميز بمخاطبة الجانب الوجداني والتخييلي والرمزي في الإنسان، بالتعبير عن المواقف، والصور والمشاعر، تعجز اللغة العادية عن القيام به أو التعبير عنه، الشعر يعكس معاناة الإنسان، وقلقه إزاء الغموض والغرابة اللذين يكتنفان مظاهر الحياة، وأسرارها وآفاقها، الشعر يجسد أسمى وأرقى القيم التي يكافح من أجلها الإنسان لتحقيقها، كالحرية والحب والحق والخير والتسامح، والاحتواء وقبول الاختلاف، والرأي والرأي الآخر، كما يحقق متعة فنية ولذة جمالية تسُر القلوب، وتنعش الروح ؛وبالنسبة لي الشعر هو فرديتي وشخصيتي، وإنسانيتي، وأرى في القصيدة الشعرية مملكتي بحراسها وجنودها وعسسها، أتربع على عرشها لأمارس طقوسي كلما تمردَ علي المساء، دون أن أحاور وزرائي، ولا أن أمتثل لرأي مستشاريّ ..الشعر لحظة تأملية في صمت، انطلاقا من وجداني، ومشاعري، وجهازي العصبي لمكنون الحياة، بحثا عن شيء جميل، لأستريح عندما أنزل ذاك الثقل الجاثم من على صدري في قالب شعري اسمه القصيد.. فالشعر عملية خلق وبناء الصورة، أو الرؤيا، وإنتاج الرمز والدلالة، بأسلوب جمالي إيقاعي ورؤيوي، بإعادة تركيب اللغة البسيطة العادية، إلى لغة تهتز بين الدوال والمداليل والترميز والانزياح، للقبض في غور المستحيل عن جواب لسؤال منفلت وهارب، لتحقيق المأمول،  لرتق شقوق الروح، ورأب الأثلام ..فالشعر إذا صرخة كبرى في وجه المواجع التي تؤلم الإنسان، ضد الشر، ضد البؤس، ضد كل الأشكال القبيحة التي تهدده، ولا ولن تخرس صوته دبابة ولارصاصة، ولامقصلة، وحتى أوضح أكثر :

ــ الشعر متعة المبدع والمتلقي معا فهو الخيط والإبرة في نفس الوقت للجمع بينهما بالتجدد والتمدد والاكتمال ..

ــ الشعر حركة تكسر الجمود، فتحول الكون بكل عناصره وحيثياته إلى مشهد درامي ممتع ..

ــ الشعر ومضة من النور تلامس العمق في صمت ..

ــ الشعر ملاذ فاتن يفر إليه الشاعر من محارق الواقع، وأعطابه المستفحلة ..

ــ الشعر هو ذاك النبض الذي يأتي كالسهم إلى قلب الشاعر من محيطه، من الأشياء، من الناس ..

الشعر الحداثي بين القبول والرفض

لقد جاءت الحداثة رافضة المباشرة والتنغيم اللفظي والقرائن التقليدية، معناه على الشاعر أن يعيد تأمله من جديد، بإعادة النظر في كل خصائص الشعر :بناء وتركيبا وأسلوبا، شكلا ومضمونا، فكان الغموض والإبهام والاضطراب، من أبرز مميزات الشعر الحداثي المهيمنة ؛ حيث خلخلت قصيدة النثر أو القصيدة الحداثية النموذج التقليدي بكل مقاييسه، فقلبته رأسا على عقب، وطبعا هذه الخلخة لم تأتِ عبثا، أو من فراغ، فهي حصيلة تحولات كبرى زمانية ومكانية ومجتمعية وثقافية، وتطورات عرفتها المراحل السابقة كقواعد اساسية بنيت على أنقاضها، حيث تخلى الشعر عن وظيفته السابقة الإعلامية والثقافية والسياسية، بما فيها من مدح أو هجاء أو رثاء أو إخبار أو تفاخر، يعتمد كليا على الصنعة والتكلف، بغية الإرضاء، أو الحصول على أجر، أو للرفع من الشأن، أو الإطاحة به ؛ وغيرها من الأغراض التي كانت تُعد العمود الفقري..بينما الشعر اليوم نحا منحى آخر، واتخذ وِجهة أخرى، وهي مخاطبة الوجدان الإنساني، وخلخلة دواخله بشكل عفوي مختلف، وبلغة في حلة أخرى غير متداولة ؛ ترفرف بأجنحة غير مألوفة، تعيد التجدد والحيوية والحركية عبر مساحات الخيال، للتوغل في مناطق غير مأهولة. وإعادة التشكيل للمألوف والمعتاد منها بمنطق آخر يضرب موازين الدهشة، تصبح معه القصيدة الحداثية ثرة، تفسح مجالها للقراء بأكثر من دلالة، وبأكثر من موقف، وبأكثر من تفسيرات آنية ومُستقبلية عن طريق التوالد والتأويل، مما يثريها ويجعلها تتجدد وتحيا ....

 

الشعرالحداثي والمتلقي

لم يعد الشعر الحداثي ملكا للمبدع وحده، بل أصبح له شريك في هذا الإبداع، وهو المتلقي الذي أصبح له دور في إعادة بناء القصيدة من جديد عن طريق التأمل والتداول والمقارنة والتحليل والتركيب، والارتقاء إلى مستوى الجمال والتخييل والترميز والكشف، وسبر الغور، لملامسة الدلالة الخفية والعميقة، بقراءة مابين السطور وملء الفراغات، فتصبح للقصيدة الواحدة عدة قراءات من منظور كل قارئ، كل قراءة لاتشبه الأخرى، لأن كل متلق يقوم بإعادة إنتاج دلالات جديدة للنص من زاويته الخاصة، وطقوسه المستفرَدة ؛ وهذا لا يأتى للقصيدة لمجرد أنها حداثية وحسب؛ بل من اللغة الشاعرية التى يحرص عليها الشاعر كواحدة من تقنيات إبداعه، قبل أن تكون واحدة من عناصر الطرح الحداثى ذاته.وقبل أن تكون موضوعا للقراءة ..

والمشكل الحاصل أن هذه الحداثة لم تواكبها حداثة في الأذهان والعقول المتلقية بشكل واسع، لأن الحداثة لم تطَل المجتمع وبنياته المؤسساتية الثقافية والسياسية، وعليه فالشاعر يعيش وضعا محرجا ومقلقا في نفس الوقت، حيرة جامحة يتأرجح على خيوطها، لم تمكنه من إيجاد جواب لسؤال ساخن يطرق بابه، ماذا عليه أن يفعل ؟؟؟

ـــ أينزل عند الجمهور وفق مستواهم لتصل الرسالة ؟؟؟ ..لكن هي عودة إلى التحجر والركود، والتخلف عن الركب الشعري الحضاري ...

ــ أيواكب الحداثة ويعلو مع السرب لملامسة آفاق الشعر الراقي، قد تفصله عن الجمهور قمم شاهقة تجعل رسالته عقيمة لادور لها، فأدت هذه المعضلة إلى العزوف عن قراءة الشعر الحداثي، والحضور لأمسياته، وعدم اقتناء دواوينه، بل ورفضها كليا من قبل بعض المؤسسات التي تطبع بالمجان، وهي ظاهرة منتشرة في العالم كله، ويعود ذلك حسب اعتقادي:

ـــ إلى عدم تحقيق الشعر لتطلعات الجمهور ..

ــ تلون الشعر الحداثي باللبس والرمزية مما يعسر فهمه وبلوغ معناه ..

ــ نظرة الجمهور انطلاقا من موقف نفعي، باعتبار الشعر ترفا، ونخبويا لطائفة معينة، لايحقق أي منفعة أو فائدة مادية ...

أراء بعض النقاد في الشعر الحداثي

لقد خلق الشعر الحداثي سجالا واسعا في صفوف بعض النقاد، باعتبار الحداثة والتراث لهما علاقة تاريخية جدلية، لايمكن الانكباب عن التراث القديم تجنبا للسقوط في التردي والضعف، ولايمكن في نفس الوقت الارتكان إلى الحداثة بقطع الصلات مع التراث، الشيء الذي يجعل القصيدة غريبة وبلا جذور، أو خارج التاريخ ..، وعليه فالحداثة كما يرى البعض هي تحولات حضارية، أتت بها سيرورة تاريخية، ضمن حركة تطور التاريخ والمجتمع، تنبعث من داخل بنية اجتماعية حضارية، تتعرض لتحديات وتحولات على كثير من المستويات، مع الاعتراف بالتأثيرات الحضارية الخارجية بطبيعة الحال، عبر التثاقف والثقافة المتبادلين بالتأثر والتأثير بين الشعوب والأمم، إما بواسطة الترجمة أو عن طريق الاحتكاك، والحداثة لاتعني التنصل كليا من التراث، فلا بد من خيط رفيع يربط بينهما، فكم من الشعر التراثي ضرب أوجه الحداثة في أسمى تجلياتها، (شعر المتنبي مثلا). ..وكم من قصيدة ظُنّ بها حداثية، لكن بينها وبين الحداثة قمم شاهقة لاتمس الحداثة في شيء .. إذا فالحداثة لاتعني تمثل الشعر الغربي والسير على منواله بقوالبه وخصائصه، لأن الظروف الغربية بتربتها/ بمحيطها /بعناصرها، ليست هي نفسها لدى الواقع العربي :معناه لابد من الاحتكاك وتبادل التأثر والتأثير، لكن في قالب عربي، ومن تربة عربية، وإلا يعد في خانة التقليد..كما لاتعني الحداثة التخلص من الوزن والقافية، فكم من شعر قيس على هذا المنوال، وضرب جذورالحداثة بامتياز ...

فريق آخر رأى قصيدة النثر شكلا شعريا حداثيا مستقلا عن الأشكال الشعرية الأخرى، ومنقطعا عنها تماما . فهي ليست مجرد تطور أو تجديد في الحركة الشعرية، بتعاقب الحقب الزمنية والعصور، بل حدثٌ نزل بضربة مقص، فتفجر بعصا سحرية كثورة جذرية على كل ما سبقها من الأشكال الشعرية ومفاهيمها.وقرائنها التقليدية، وأسلوبها وحتى لغتها، كأرقى شكل من أشكال الكتابة، تعتمد الرؤيا والصور الشعرية بترميزها وإيحائها تؤثث للمدلول بلغة مختلفة غير مألوفة، بعيدة كل البعد عن الرؤية، والصور العيانية التي نقبض على معناها الأوحد من أول قراءة، بلغة مباشرة متداولة لدى الجميع .. فالقصيدة الحداثية حررت اللغة الشعرية من طقوسها الكلاسيكية القديمة، لتنعم بشبابها فضخت دماء جديدة في المعجم الشعري، واخترقت الممنوع من الأماكن، ولامست المجهول من المناطق ..معناه أنه شعر منقطع النضير ..

ونخبة ثالثة ترى أن الشعر الحداثي نوع أدبي مهجن من عدة أجناس بالعديد من السمات والخصائص، كقواسم مشتركة بينه وبين الأنواع الأدبية الأخرى ..فهو يلتقط بعض الملامح من السرد من حيث الأسلوب والصياغة، واهتزازات سمفونية من الموسيقى، والحركات الدينامية من المسرح، والصور بألوانها القزحية من الفن التشكيلي، وعلى النقاد ألا يتحاشوا قصيدة النثر، أو تغييبها باستحضار نظرية نقدية والاهتمام بمعاييرها أكثر من حاجيات النص، على حد قول الدكتور حسن مخافي

(فاعتماد النقد العربي على المناهج والمفاهيم المتصلبة والمتخشبة جعله نقدا معياريا).. فالآراء مختلفة ومتشعبة، ولاتستقر على نهج نموذج يمكن الاقتداء به ...

على سبيل الختم

من خلال ماتقدم، فقصيدة النثر سواء كامتداد للثرات بشكل متطور، أو كثورة عليه بقطع الصلات معه، أو كخليط من الأجناس الأدبية الأخرى، فقد فرضت وجودها بخصائصها، وقبضت على مكانتها بالعض على النواجذ، واحتكمت خصوصياتها، وعلى التجارب النقدية أن تبذل ما في وسعها لإنشاء رؤية نقدية خلاقة، ترتهن بالإبداع الفلسفي والكشف مطعما بالإبستمولوجي والسيميائي، والنظرية الفكرية في مجال القيم والمعرفة والبحث عن أدوات علمية ناضجة، لتبلور حركة نقدية مواكبة/ مضيئة للنصوص التجريبية الحداثية، وتقريبها من المتلقي بتوضيح سراديبها، وإنارة المناطق الغامضة ..ومن الممكن استثمار القراءات العاشقة والانطباعية، والمتابعات للتنظير لقصيدة النثر، وتحديد خصائصها الشكلية والدلالية بالاستناد على مرجعيات متنوعة، لايهم إن كانت غربية لكن شريطة ألا تصبح هي الأسمى، وألا تغيّب النصوص ...

 

مالكة عسال

 

 

madona askarعنونت الشّاعرة اللّبنانيّة ندى الحاج مقدّمة كتاب "كان هذا سهواً" بكتاب من ذهب وهي محقّة. إلّا أنّ أنسي الحاج، هو الكتاب الذّهب. كلّ خاطرة مرّت بذهن أنسي، وكلّ رجفة قلب أيقظت حبر القلم لينثر لنا عمق الفكر الأنسيّ شرارات ذهبيّة انسكبت في كياننا. حطّمت الأقنعة لتكشف عن الإنسان فينا بكلّ ما يحمل من تناقضات بشريّة، وحاجات يقمعها لأسباب عدّة.

 

أنسي الحاج مدرسة حبّ تنثر في كلّ قلب زهرة حتّى يعاين الإنسان إنسانه ويكتشفه فيعرفه

قد يمكن الغوص في خواتم أنسي الحاج وتلمّس بعضاً من رؤيته والقبض على مقاصد عمقه الإنسانيّ. وقد يتسنّى التهام معان احتجبت في عمق نهاه، إلّا أنّ استنباط  فحوى الحبّ الّذي اختبره أنسي فلا يمكن إلّا لعاشق حقيقيّ أن يفهمه ويدرك وجعه. الحديث عن الحبّ لا بدّ أن ينقله اختبار حقيقيّ واقعيّ، ولا يقدر الخيال أن يمنح وفرة المعنى، ولا يقوى الوهم على تثبيت ذبذبات الحبّ في قلب القارئ.

"كلّ قصيدة بداية الشّعر/ كلّ حبّ بداية السّماء" يقول أنسي الحاج. إنّه الاختبار العشقيّ بكلّ مكنوناته وبساطته وتعقيداته، مروراً بالبشريّة وصولاً إلى الارتقاء العشقيّ كقيمة مقدّسة. قيمة العشق المتمدّد في الكيان كلّه، والمشكّل قوّة خالقة، تُلبس الإنسان رداء جديداً، تبدّل نظرته، تجذبه إلى الدّاخل ليعاين أدقّ تفاصيله الممزوجة بالرّغبة والحرمان والشّوق والكره. فالشّوق إذا بلغ أوجه وقابله الحرمان استحال أقصى الحبّ إلى أقصى الكره. دقيق جدّاً هذا المعنى العميق للحبّ الحقيقيّ الّذي أراد أنسي من خلاله أن يشرح المكابدة في الحبّ بين الظّفر بالمحبوبة والحرمان منها.

أقصى الحبّ أقصى الكره. بين الرّغبة في الاتّحاد الكلّيّ جسداً وروحاً بالمحبوبة، والحرمان منها ينبت الكره برداء الحبّ. بمعنى آخر يوهم العاشق نفسه إذا ما استحال الظّفر بالمحبوبة أن ذاك  هو الحبّ الحقيقيّ. فيساوي بين الحرمان والحبّ. ما هو غير حقيقيّ بحسب أنسي، لأنّه في هذه الدّوّامة القاسية يتولّد شعور الكراهية برداء الحبّ. هذه الحالة اللّحظيّة تربك الرّوح، تشرذمها، تولّد فيها الحزن المرافق للحبّ. وكأنّي بالعاشق يتآكل من داخله، ويلامس نار الحبّ الأبديّة.

لسنا بصدد الحديث عن الحزن كنقيض للفرح، أو كخللٍ مرحليّ ظرفيّ نتيجة  صعوبة معيّنة. وإنّما الحديث هنا عن حزن ملازم للحالة العشقيّة، رفيق درب، ينتج عن حالة الحبّ ذاتها المركّبة من الحزن والفرح في آن. الفرح بالمحبوب والحزن من عدم الظفر به ونشوء حالة الكره برداء الحبّ. لأنه ستتنازعه شهوته لمن يحب ولن يستطيع، فالرّاحة ألا يحبّ إذن.

" يا لكذب القلب!

تأتيك غادة فتذوب لها، ولكنّك تظلّ تحفر عميقاً حتّى تُشقِّق الحلم، بخلفيّة غيرتك السّحيقة من جمالها، بكرهك أن تكون هناك تحفة وتسلّمك ذاتها، فيما كنت تؤثر أن تظلّ تشتكي من الحرمان لتريح نفسك من جميل أن تحَب، لئلا تحِب...

وهذا الكره كلّه في رداء الحبّ.

يا لكذب القلب!..." (ص 233)

 

kamal alhardiعندما نتحدث عن الرواية فنحن بالضرورة نتحدث عن نص إبداعي مفتوح الاحتمالات، وقد يتمرد على بعض الضوابط الروائية الفرعية. وعندما نتحدث - تحديدا - عن أحد أهم الضوابط الكبرى في السرد الروائي المتعلق بالكم النصي لكل مسار من مسارات السرد، عند ذاك نتوقف أمام قواعد ينبغي ألا يتجاوزها الروائي لئلا يصاب منتجه الروائي بنتوءات أو فجوات تفسد رونقه وتقوض بنيانه.

 

القاعدة الأولى: حدد المسارات الأساسية والفرعية في الرواية.

المسارات الروائية هي الأحداث، وكل حدث إما أن يكون جوهري / بنيوي، أو شكلي / تكميلي. الأحداث الجوهرية هي الأعمدة التي يقوم عليها بنيان الرواية، والأحداث الشكلية هي المعززات لتماسك الأحداث الجوهرية. ويجب التنبه إلى حقيقة أن كل حدث في الرواية جوهر إلا أن موضوع الرواية هو ما يجعلنا ننحو ذلك النحو التقسيمي لأغراض التصنيف والتحديد.

 

القاعدة الثانية: ضع الأحداث الجوهرية في تسلسل بحسب الأهمية.

التسلسل الرقمي بحسب الأهمية يعطي الراوي تصورا مبدئيا عن حجم النص الذي ينبغي أن يخصص لكل حدث جوهري ؛ فمثلا لو كانت في الرواية ثلاثة أحداث جوهرية (أ، ب، ج) وكان:

أ = 1

ب = 2

ج = 3

فإن:

(أ) يساوي تقريبا ( 50 %) من مجمل أحداث الرواية.

و (ب) يساوي تقريبا (30%).

و (ج) يساوي تقريبا ( 20%).

 

القاعدة الثالثة: حدد الأحداث الفرعية لكل حدث جوهري في الرواية.

لكل حدث جوهري عدد من المسارات المساندة لبناء الحدث والداعمة لمنطقيته. ووفقا" لذلك، يجب تصنيف الأحداث الفرعية إلى فئتين: الأحداث الفرعية الأساسية، والأحداث المتفرعة.

 

القاعدة الرابعة: قم بترتيب الأحداث الفرعية الأساسية إلى ثلاث فئات:

وثيق الصلة (بالحدث الجوهر)، قريب الصلة، بعيد الصلة. ثم ضع كل حدث أو مجموعة من الأحداث في الخانة المناسبة، وأعطها ذات القيم الأولى (50%)، (30%)، (20%).

 

القاعدة الخامسة: كرر نفس الخطوات التي في القاعدة الرابعة مع مراعاة التالي:

1. إذا كان الحدث المتفرع بعيد الصلة بالحدث الفرعي فيجب دراسة مناسبة تضمينه أو إلغائه ؛ فإذا كان أقرب إلى النتوء منه إلى التكميل وجب شطبه تفاديا للزج بالقارئ في دوامة التكرار أو الملل. وهذا عيب قاتل للمتعة في الروايات الطويلة التي ﻻ يكتب لها النجاح جراء هذا الخلل.

2. هب أن الرواية مكونة من 40.000 كلمة، فستكون حصص التقسيم بالتقريب كالتالي:

الحدث الجوهر أ = 20.000 كلمة.

الحدث الجوهر ب = 12.000 كلمة.

الحدث الجوهر ج = 8.000 كلمة.

ثم نأتي إلى تقسيم الحدث الجوهر (ج)، على سبيل المثال، فيكون تقسيم المساحات النصية كالتالي:

الحدث الفرعي الأساسي (4.000 كلمة.

الحدث الفرعي الأساسي (ب) = 2400 كلمة.

الحدث الفرعي الأساسي (ج) = 1600 كلمة.

ثم نأتي إلى الأحداث المتفرعة من الحدث الفرعي الأساسي (ج) على سبيل المثال:

الحدث المتفرع (أ) = 800 كلمة.

الحدث المتفرع (ب) = 250 كلمة.

الحدث المتفرع (ج) = 150 كلمة. 

 

وبهذا التحديد للمساحات النصية لأحداث الروائية يصبح لدى الراوي رواية جميلة ورشيقة وخالية من الدسم الكتابي.

 

ahmad alhili"كانت مزهوّة بفتنتها الطاغية، تُحبُّ لونَها الخلاسي اللاهبَ وقوامَها الفارعَ النابتَ من عمق التراب الأفريقي، مغرمةً هي باستداراتها السافرة وانحناءاتها الغنِجة، وكانت ممتنة ممتنة لمرآتها القدرة على استدعاء كلّ هذا البّذخ دُفعةً واحدة "

ما من شكٍّ فإن هناك عدداً  محدوداً جداً من الروايات العربية التي استطاع كاتبوها أن يُمسكوا بتلابيبنا من بداية رواياتهم حتى نهايتها، ومن بين من استطاعوا فعل ذلك الروائي الأرتيري حجي جابر المولود في العام 1976  بمدينة مصوّع الساحلية، والذي يعمل حالياً في ميدان الصحافة بإحدى دول الخليج العربي بالإضافة إلى عمله مراسلاً للتلفزيون الألماني DW، وهو كان أصدر قبل ذلك روايتين إحداهما بعنوان " سمراويت" التي حاز عنها على جائزة الشارقة للإبداع العربي في العام 2012 والأخرى بعنوان " مرسى فاطمة " ...

قدّم لنا الروائي صورة ً وملامح استثنائية لبطلة روايته، قلما نجد لها مثيلاً في روايات عربية أخرى، مع ملاحظة أنه لم يختر لها اسماً، فالإسم هنا لا يحمل أية أهمية، فجميع أبطال هذه الرواية وشخوصها ليست لهم أسماء، وذلك يعود بحسب اعتقادنا لسرعة وجسامة وتتابع أحداث الرواية التي تتقصى بواطن الأمور وما وراء الحجب ...

 وكما يتبدّى لنا من المقطع السابق، فقد اعتادت بطلة الرواية أن تُحسَّ بأهمية جمالها وسطوة السحر الذي يبثّه في قلوب الرجال وكذلك نوازع الغيرة والحسد لدى النساء الأخريات من حولها ....

نعلم من خلال مجريات أحداث الرواية أن المرأة شابة في مقتبل عمرها، وقد تخرّجت للتو من كلية الفنون بالعاصمة أسمرا، وهي تقيم مع جدتها لأمها، هذه الجدة تمتلك شخصية قوية ساحرة، وهي إحدى المناضلات القديمات اللواتي حاربن من أجل استقلال البلاد، وقد كرّمتها الثورة بإعطائها راتباً تقاعدياً وبيتاً صغيراً في إحد أحياء المدينة الراقية، ومع ذلك فإن هذه الجدة لا تكف عن ممارسة هوايتها المفضلة ؛ الإمساك بمغزلها والشروع بحياكة عدد من الملابس الصوفية والقطنية لتقوم بعد ذلك بتوزيعها بنفسها على عدد من من فقراء المدينة ...

وأثناء قيامها بالحياكة اعتادت أن تقص على حفيدتها عدداً لا يُحصى من الحكايات، التي تقوم بتأليف عدد كبير منها ...

" كانت الجدة تهدهدها بحكايات مغنّاة حتى تنام، لم تكن تعي ما تسمعه، لكنها اعتادته، اعتادت اللحن والكلمات المبهمة، حتى صار من غير الممكن أن تنام من دونها" ...

ويوماً بعد يوم، تجد نفسها وقد انتقلت إليها عدوى الحكي، كان كل شيء يستثير مخيلتها، في إحدى المرات تخبرها الشجرة الكبيرة في باحة مدرستها أنها ترى حريقاً هائلاً يلتهم الصفوف العليا، نظرت إلى الأعلى لكنها لم ترَ شيئاً، فقد كانت قامتها أقصر من الشجرة بكثير، هرولت من فورها وأخبرت معلمتها التي هرعت إلى إخراج التلاميذ من فصولهم قبل أن تعود غاضبة وهي تصفها بالكاذبة ..." .

تحاول الفتاة أن تعرف من جدتها شيئاً  عن مصير والديها الغائبين، ولكنها لم تحصل إلا على إجابات مبهمة مقتضبة لا تروي ظمأها، كانت الجدة تتحدث عن نضالهما واستشهادهما بشرف على عتبة التحرير، كانت هذه الحكاية هي الوحيدة التي لا تصل لتمامها أبداً، ما أن تبدأها الجدة مرغمة تحت إلحاح وتوسل حفيدتها حتى تُنهيها وهي تُشرق بدموعها، على الرغم من الأقاويل التي تصل إلى سمعها في بعض الأحيان من فتيات أخريات يشاكسنها من أن والدتها تعرّضت لحادث بعيد عن المعارك وأخريات أخبرنها أن أمها ماتت معلولة العقل، ووصل الأمر ببعض من خاصمنها من رفيقات الدراسة إلى حد وصم والدتها في شرفها، وفي المقابل، لم يكن أحد يأتي على ذكر والدها الذي غامت سيرته على هامش الأقاويل التي تحوم حول والدتها ...

نتتبع خطوات بطلة الرواية منذ البداية وهي تحصل على وظيفة لها في إحدى دوائر الدولة المهمة، وظيفة ذات حساسية كبيرة لأنها تتعلق بأمن الدولة وقادتها ....

هذه الدائرة  تُعنى بجمع المعلومات ثم أرشفتها وفق سياقات معينة بعد إجراء بعض التعديلات عليها من قبل موظفين مختصين، حيث يتم تقسيم الوثائق التي يراد تفريغ محتواها في حواسيب أعدت لهذا الغرض بحسب أهميتها  إلى ثلاثة أصناف ؛ الأول يُربط بشريط أحمر والثاني بشريط بني والثالث بشريط أصفر ...

ومنذ البداية يوكل إليها العمل على الوثائق ذات الشريط البني، فيتاح لها أن تطلع على أسرار كثيرة مما دونه مقاتلو حرب التحرير وحكاياتهم حول أنفسهم ورفاقهم، الأمر الذي يثير حفيظة بعض الموظفين ولا سيما النساء تجاه هذه الوافدة الجديدة التي استطاعت بسرعة أن تنال حظوة لدى رئيس القسم ومدير الدائرة، كلٌّ منهما يريد أن يتقرّب إليها ويخطب ودها . بعد فترة من عملها على الوثائق البنية يدفعها فضولها لأن تطلع على الأسرار التي تتضمنها الوثائق ذات الشريط الأحمر، أخيراً وبمساعدة رئيس القسم تستطيع أن تطلع على عدد منها، يسحرها الخط الجميل الذي يقوم صاحبه بإجراء التعديلات على معلومات بعينها، لاحظت أيضاً أن صاحب الخط الجميل يقوم بإجراء تعديلاته على المعلومات المتعلة بسيرة السيد الرئيس، تحاول جاهدة أن تتعرف على هويته، وأخيراً يخبرها رئيس قسمها أنه الرئيس نفسه، فتزاد غراماً وهياماً به، شأنها في ذلك شأن عدد كبير من فتيات البلاد اللواتي يرين فيه بطلهن وفارسهن، خاصة وأنها سبق لها وأن قامت برسم لوحة زيتية كبيرة له  واحتفظت بها لنفسها في غرفتها الخاصة .

يتاح لها أن تعلم من خلال الوثائق أن الرئيس لم يكن متفوقاً في القتال وإدارة البلاد في أحرج الظروف فقط، وإنما هو فنان أيضاً، فيده المدربة جيداً على معظم أنواع الأسلحة كانت يد نحّات بارع، تقرأ في وثيقة أخرى ؛ " اشتُهر السيد الرئيس بوسامته الطاغية، فهو يحتفظ منذ شبابه بقوام فارع وجسد عضلي مصقول ولياقة عالية لم تخذله حتى بعد انتهاء الحرب واستقراره في القصر، شاربه الكث كان مثار إعجاب الفتيات، أسلوبه الساحر في الكلام توّج كل ذلك ليجعله فارساً تحلم به  كل فتاة، لكن السيد الرئيس لم ينجر وراء شهواته، كان رجلاً ملتزماً لا يتيح لضعفه الإنساني أن يأخذه بعيداً عن هدفه، لم يكن يعاقر الخمر، ولا يستسلم لحبائل النساء المغوية، وهذا سبب آخر يجعل منه قائداً مختلفاً " ...

تتحدث وثيقة أخرى عن فتاة انضمت مؤخراً إلى صفوف المقاتلين، كانت جميلة جداً ؛ " كان جمالها من النوع الذي يأسر الأبصار منذ اللحظة الأولى، لم يجرؤ جنديٌّ على محاولة استمالتها، حيث شاع تنافس القادة الكبار على كسب قلبها، وكانت الفتاة من جهتها متمنّعة للغاية، فلم تمنح أيّ ضابط أو جندي فرصة الاقتراب منها لغير دواعي القتال، ما جعل قلوب القادة تتأرجح رغبةً فيها، وحده السيد الرئيس كان خارج هذا التنافس المحموم، فلم يلتفت إليها مطلقاً أو يمنحها اهتماماً يفوق ما يعطيه لأصغر جندي لديه ..." .

تتابع في وثيقة أخرى ؛ " تعود هذه المقاتلة من إحدى المعارك وقد أصيبت إصابة خفيفة، فهرع السيد الرئيس إلى خيمتها وأشرف بنفسه على العانية بها، فكان يزورها كل مساء، يطمئن عليها، ويتحدثان لساعات طويلة، حتى أغرم بها وعرض عليها الزواج ...."

تضطرم نوازع الغيرة في قلب الفتاة، تتأمل الوثيقة فتعمد إلى إجراء تعديلات عليها، فتصف هذه المقاتلة بالقبح والجبن وتجردها من كل الصفات الجميلة التي تنعتها بها الوثيقة .

إلا أنها تفكر ملياً بما ورد في الوثيقة وتحاول الوصول إلى أصلها قبل إجراء التعديلات عليها، وبالفعل تحصل على مرادها فتكتشف أن السيد الرئيس قام باغتصاب هذه الفتاة على مرأى ومسمع من جنود حراسته، حيث دخل خيمتها في إحدى الليالي بحجة الإطمئنان عليها، لم تمر أشهر حتى تأكد الجميع مما حدث حين رأوا انتفاخ بطنها، وكانت الفتاة قد تغيّرت كثيراً وخفَّ وهجها فاعتزلت الناس، ورفضت في الوقت نفسه تسريحها، وحين أنجبت طفلتها، كان أول ما طلبته أن يأخذوا الرضيعة بعيداً عنها، لكنهم ما أن يفعلوا ذلك حتى تجهش في البكاء وهي تطلبها ليعيدوها، فتصرخ لابعادها، ثم ضُبطت وهي تحاول قتل الرجل القوي أثناء نومه، فصدرت بحقها عقوبة مشددة، غير أن الرجل القوي تدخل لتخفيفها شريطة أن يتم تسريحها، وهو ما تم أخيراً، حيث خفت ذكرها شيئاً فشيئاً . وقد قيل إن المرأة قد حسمت صراعها النفسي بأن تخلّت عن طفلتها لأمها، واختفت دون أن يعرف أحدٌ وجهتها .

خرجت من فورها من دائرتها تحمل الوثيقة  وذهبت إلى المنزل، رأت جدتها واقفة عند الباب فصرخت بها، احتضنت الجدة بكل قوتها، أرادت أن تخترقها، أن تختفي فيها، أن تتلاشى فينتهي كل هذا العذاب، لم تُفلح كل محاولات الجدة لتهدئتها، حتى جاء سؤال الفتاة أخيراً متقطّع الأوصال بفعل النشيج ؛ " هل هذه أمي؟

أيقنت أن والدها هو السيد الرئيس .

سيد العبث في عالمها، انتصر السيد الرئيس وهُزِم الأب .

أمسكت باللوحة الأثيرة التي رسمتها له، ومزّقتها بعنف كبير، نثرت أجزاءها في كل مكان، استغرقت في النشيج .

اعتادت أن تقرأ في الوثائق الحمراء عن بر السيد الرئيس برفاق رحلته النضالية، ولكنها تقرأ في الوثائق الأصلية  التي دوّنها شهود عيان أنه كان شديد القسوة والبطش بمنافسيه وأعدائه على حد سواء،  وإزاء هذا الواقع تهتز صورة السيد الرئيس المرسومة لديها، ويظهر أمامها كوحش يكشر عن أنيابه،

تنتابها سورة من الغضب والنفور والتقزز من مثالها الأعلى، تمسك بالوثيقة، فتقرر إجراء التعديلات على مرويات السلطة ؛

" استدعت كل قاموسها العدواني والشرير، وغيّبت به كل الصفات الحسنة التي كان يسبغها السيد الرئيس على نفسه، أو حتى يصفه بها الآخرون، وضعت الخيانة في كل سطر تحدّث عن أمانة الرجل، وانعدام الشرف كلما ورد ذكر المروءة، أدخلت القبح والجبن وسوء الطوية والغدر والخسة والكذب والغرور والغباء وانعدام الحيلة والبلاهة، شعرت بالإعياء وهي تستنزف كل طاقتها اللغوية والجسدية في تشويه الرجل، لا هي لم تكن تقوم بتشويهه، كانت فقط تعيده إلى حقيقته، تزيل عنه الأصباغ التي ما انفك يضعها على وجهه ..." .

وخارج هذا الإطار تُحس الفتاة بوعكة صحية  فتذهب إلى عيادة أحد الأطباء

" تظل ممددة على السرير بعد أن انتهى الطبيب من قياس ضغطها، بعد أن كان سألها عن بعض تفاصيل حياتها ووظيفتها، كانت تريد المكوث لفترة أطول وحسب مضت دقائق بدا فيها الطبيب محرجاً من بقاء مريضته في الغرفة دون مبرر "

ثم اعتدلت وجلست على الكرسي قبالته، كان يُغريها انشغاله بعمله عنها، لم يتبعها كالآخرين بعيون جائعة، لم يُطرِ جمالها، أو لم ينتبه له حتى، " أمعنت النظر في ملامحه فانتبهت متأخرة إلى دمامته، كان قصير القامة ووجهه مليء بالبثور، أنفه قصير معقوف وشعره متآكل يبر جبهة عريضة، دون أن يُخفي ذلك كله لمعة نباهة تشع من عينيه " . ولكنها أرادت أن تطريه فتقول ؛ لديك صوتٌ جميل !

كانت هذه الجملة أشبه الزلزال الذي هز كيان الطبيب، اكتفى بالتحديق في وجه الفتاة وهو يمسح قطرات عرق بدأت تتفصد عن جبهته، فهو لم يكن غافلاً عن جمال الفتاة، لكنَّ قبحه الذي يعرفه تماماً، كان بمثابة جدار صلب طويل يمنعه من الإقتراب من النساء عامة والجميلات منهن بوجهٍ خاص . حاول أن ينطق، أن يشكر إطراءها على الأقل، لكنَ لسانه لم يُطاوعه تحت تأثير الصدمة . همّت بالمغادرة، لكنّ الطبيب أمسك يدها بقسوة أوجعتها، حاولت الإفلات، فتشبث بيدها أكثر ولم ينطق، أفلتت يدها بقوة وغادرت مرتبكة .

ودون أن يعي يخرج آلة تسجيل من درج مكتبه، يلقمها أحد الأشرطة ضغط زر التسجيل وبصوت عال قال ؛ " أنتَ صوتك ... جميل ...".

تخرج في اليوم التالي من دائرتها فتجد الطبيب منزرعاً أمام بابها، يحاول الإعتذار عن حضوره بدون موعد مسبق، يُخرج من جيبه شريطاً ويعطيه لها متعللاً بأنها أبدت إعجابها بصوته ...

وعلى أية حال تجد أنه لا مفر لها من هذا الطبيب البائس  الذي يقتحم حياتها عنوة وبكل هذه الفجاجة، وإزاء تجربة عملها في دائرة الأرشفة والحقائق المهولة والمريرة التي تكتشفها، تجد نفسها وهي تتقبل إقامة علاقة تفتقد إلى الحميمية مع هذا الطبيب، أو لنقل إنها محاولة  لتخفيف الضغط النفسي عليها، وخلال ذلك تبوح له ببعض أسرارها وما عزمت عليه  .

في لحظة ما، وإزاء شعوره بالصغار وانعدام الحيلة تجاهها،  يُحس الطبيب بأن كرامته قد أُهينت وأن لاجدوى من الركض واللهاث وراءها، فيتخذ قراره بضرورة الإنتقام منها، يحمل سماعة الهاتف ويتصل بالقصر الرئاسي ويخبرهم بأن لديه معلومات خطيرة تتعلق بأمن الدولة وأمن السيد الرئيس بشكل خاص، يخبره الطرف الآخر بضرورة حضوره إلى القصر حالاً .

يضعنا كاتب الرواية أمام حذلقة من طراز خاص، حين يُقحمنا منذ  البداية  بتفاصيل واقعة  وضع لها عنواناً هو ؛ " لليلة الأخيرة دائماً مذاقٌ مختلف "، وهو هنا يستعمل تقنية الإختباء والمفاجأة، حيث  يضعنا وجهاً لوجه مع الحدث الدراماتيكي الأبرز الذي من المفترض أن يأتي بعد عدة مراحل تصعيدية، وهو ينجح في الفقرة التالية بالإيحاء لنا بأن ما حدث لم يكن إلا مجرّد حلم بينما هو ليس كذلك بالمرة .

تقترب الفتاة من الميدان الذي يقام فيه الإحتفال الكبير بيوم الاستقلال، كان شاغلها أن تجد مكاناً قريباً منه، تمنت لو تستطيع الوقوف في وسط الميدان، بحيث يمر أمامها تماماً يصطدم بها، يخترقها وهو يعبر طريقه وصولاً إلى المنصة، زاحمت المصطفين حتى بلغت أقرب نقطة تستطيعها، خمّنت أنه يستطيع رؤيتها بوضوح من مكانها هذا، من بعيد ظهر الرجل الفارع أخيراً، ظهر رجلها يتبعه عدد كبير من حرّاسه، حاولت الاقتراب أكثر، لكنّ جندياً وقف في وجهها بملامح صارمة، غفل الجنديُّ قليلاً، فانسلّت من أمامه وركضت بأقصى طاقتها، لم يكن يفصلها عن رجلها سوى أمتار قليلة، كانت تنظر في عينيه تماماً، أرادت أن تصل إليه في أبهى زينتها، ألّا تفقد شيئاً مما أعدّته لليلتها الأخيرة ؛ فستانها الأصفر الطويل، حقيبة يدها، وقلادتها المنتظمة في نحرها، أرادت أن تصله مكتملة، بقوامها الممشوق، وأحمر شفاهها، والعطر الجديد، فلا يتخلّف شيءٌ منها عن لحظتها المنتظرة، التفت إليها، فالتقت العينان أخيراً، لامست رقبته، رأت لأول مرة نظرة مذعورة، فشعرت بالزهو، سقطت على الأرض، فارتبك هندامها، فقدت حقيبتها، وغاص فستانها الأصفر في الدماء، وحده العطر الجديد ظل معها يُظللها كغيمة حنونة، شعرت بالرضا، أراحها الذعر الذي أسكنته عينيه، فابتسمت برضا، وأغمضت عينيها بهدوء ....

وكما يتضح لنا فإن الروائي استطاع أن يتمثل الوضع النفسي لأبطال روايته هذه ويعكسه لنا في صوره المختلفة ...

بقي أن نشير إلى أن الرواية حفلت بعدد من الجمل ذات الدلالات المعبرة التي لا تُمحى، ويطيب لنا أن نثبّت ما راقنا منها ؛

* اللوحات كائنات لئيمة، تبادلك الحياة طالما تعمل عليها، وما أن تنتهي حتى تُركن إلى الموت، ولا يُعيدها إلى الحياة إلا إحساسُكَ بها .

*فوجئت برد الجدة وهي تقول لها إن الكلمات مراوغة لا يُمكن الوثوق بها، وهي كالفخاخ، ننصبها بحذر وإتقان دون أن نضمن تجنّب الوقوع في شراكها .

* يقول الطبيب مع نفسه  واصفاً إياها ؛ " هي جميلة وجميلة جداً، وربما لم يُتح لك معرفة من هي في فتنتها الطاغية، لكن جمالها مرهق ومتعب وزائد عن الحاجة، جمالها عبءٌ في حضورها وفي الغياب " .

*ا وعلى لسانه أيضاً ؛ " لجمال الطاغي غلالة تحجب طعم الأشياء، لكن الأكيد أن الأمور تكون أكثر وضوحاً أمام الدميم، ثم يخاطب نفسه ؛ " أنتَ تلعب هنا دور العصا التي يستند إليها الأعمى" .

*إن بذور الهزيمة تستوطن القبح، فتأتي الخسارة من الداخل، دون حاجة إلى الخصم، ودون خوض أي معركة حتى .

* لا شيء أصدق من لحظة الولادة، وكل ما يليها هو تراكم للزيف ليس إلا .

* أب سيّء موجود أفضل ألف مرة من كل الآباء الطيبين الغائبين .

* تتنازعها مشاعر متناقضة ؛

" كانت بحاجة إلى شيء يشطر ذهنها شطرين، بدأت تراه شخصين، شخصاً قبيحاً لا يُطاق، يستدعي كل أحقاد الدنيا، وآخر يُمكن التماس العذر له ككل الآباء السيئين" .

* النهايات التي نختارها وهمٌ كبير، العبرة دوماً بالنهايات التي تختارنا .

* الناس لا تكتمل متعتهم بالجمال ما لم يمتلكوه .

* خطر لها أن الحكايات الملتبسة هي أكثر صدقاً وبقاءً وأن الحياة ما هي إلا حكاية كبيرة ملتبسة .

*  " لا يتغيّر الانسان دون عذاب؛ لأنه النحات والمرمر في آنٍ معاً"

هذه الجملة للكاتب أليكس كاريل وقد ثبتها الكاتب في صفحة الرواية الأولى .

 

 

 

madona askar"لن تعرف نفسكَ حقاً إلا إذا خرجتَ منها"، كما يقول الشاعر أدونيس، وكذا يعرّفنا الشّاعر سميح محسن عن ذاته الشّعريّة بعد أن أُخرِج من أناه، لنستدلّ على الشّاعر الكائن فيه. فنستقرئ في ديوان "في غيابة ليل" التّركيبة الوجدانيّة لشخصيّة الشّاعر الّتي تتدرّج شعريّاً حتّى تبلغ مقام الرّؤى، بدءاً من طقوس الكتابة حتّى يرتقي بنا سلّمه الشّعريّ شيئاً فشيئّاً إلى موطن الشّعراء، عالم الجمال الحرّ.

 

- الشّاعر ابن الشّعر كحالة حرّة:

إذا كان الشّعر عالم الحبّ والجمال وموطن الحرّيّة الكاملة، حيث يتحرّر الشّاعر من قيوده ويتفلّت من أناه ومن قيود اللّغة، ليحقّق الحرّيّة المتكوّنة في أفق الشّعر. وإذا كانت الحالة الشّعريّة وحياً ينسكب في ذات الشّاعر فينفتح على نوره ويستدلّ على الاستنارة الشّعريّة، فالشّاعر هو ذاك المستنير الخارج عن الأنا والمتّحد بالحالة الشّعريّة اتّحاداً كاملاً. فيخرج من الإطار الإنسانيّ إلى الإطار الشّاعريّ. ذاك ما نقرأه في قصائد الشّاعر سميح محسن، وتنقلنا القصائد إلى عالم الشّاعر وترتفع بنا إلى ما بعد الكلمة حتّى ندرك به ومعه عوالم لا يدركها البصر، وإنّما تعاينها البصيرة وتتلمّس جمالها.

الشّاعر حرّ نسبة للعالم الّذي ينتمي إليه، عالم الشّعر. ويعتنق مذهب القصيدة الّتي بفعلها يتحرّر من عتمة الأرض ليستنير بنور الشّعر. 

عيونٌ سوفَ ترقبني

ولكنّي أحرّرُ صورتي منّي

أخبئُ سرّها

أفضي إلى غصنينِ من شجرٍ تدلى

من فضاءاتٍ،

سماواتٍ،

على بحرِ الإفاضةِ في دلالاتِ المعاني

وتحملني على وجعي،

مفاعيلُ الكآبةِ،

والكتابةِ،

والحكايةِ (1)

يتّضح من هذه السّطور تحرّر الشّاعر من أناه ومحيطه وعالمه ليستحيل سرّ القصائد، وسرّ الشّعر الوحي. وبهذا نفهم أنّ الشّاعر لا يؤلّف القصيدة أو يصنعها، بل هي اليد الممتدّة إلى قلبه حيث تولد المعاني الشّعريّة. إلّا أنّ الحزن والكآبة تتداخلان في وجدانيّة الشّاعر لأنّ ثمّة انفصالاً يولد مع كلّ قصيدة، وثمّة تجرّداً يفرض نفسه بفعل الحالة. كما أنّ المعاني الجديدة تفرض نفسها والرؤّية تتبدّل وتخرج الشّاعر من عالمه ليراه بوضوح أكبر، فيتألّم ويحزن.

أكتفي بالخبز دونَ خميرةٍ

أو ملح،

وأمّا قهوتي كالوقتِ أشربُها

فيّا نصي انتفِضْ يوماً على صوتي

وكُنْ ما شئتَ في فجرٍ يطُّلُ عليّ ملتبساً

كعصفورٍ يحُرّرُ نفْسَهُ من ظلمةَ القفص (2).

ما للعالم يبقى في العالم، وما للشّعر يسمو إلى عالم الشّعر، فلا يعود القوت ذاته، ولا ملامح الوقت تتقيّد بشروط الزّمان والمكان. يتفلّت الشّاعر من ذاته فيولد القصيد، ويتحرّر من صوته فيعلو صوت القصيدة، وتتجلّى ملامح حرّيّة الذّات الشّعريّة. عندها تستحيل مهمّة الشّاعر تبليغ هذه الحرّيّة والانقلاب على ما هو تقليديّ وكلاسيكيّ كيما تنبلج الذّات الشّعريّة وتؤثّر في نفس المتلقّي:

أريدُ الآن تحريرَ الحكاياتِ القديمةِ من تماثيلِ القداسةِ،

في الكتابةِ لي رؤى طفلٍ،

ورغبتُهُ الشديدةُ في امتلاكِ الوقتِ والألعاب،

ولي طقسٌ يماثلني تماماً،

كلّما حلّت فراغاتُ الهواءِ مكانَ أقلامي وأوراقي(3)

الشّاعر بحسب ما يستشفّ من نصوص الشّاعر سميح محسن أشبه بطفل لم تتكوّن لديه بعد الأنا المدركة للمحيط تمام الإدراك، بمعنى أنّه يرى الأمور بنقائها وطهرها ويسقط هذا الطّهر على رؤيته الشّعريّة كي لا تلمس الأرض وتتلوّث بالواقع. ليس الطّفل في الشّاعر من يصوغ القصيدة، وإنّما القصيدة تصوغ الشّاعر وتعيد إليه بهاءه الأوّل قبل أن تدرك الأنا خبرات الواقع وقبل أن تخوض غمار قسوة المحيط الإنساني. يقول الشّاعر التّونسي يوسف الهمامي: "الشّاعر الشّاعر تكتبه قصائده"، في دلالة على أمومة القصيدة وتبنّيها للشّاعر وانصهاره بها. فالشّاعر لا يكتب وإنّما يُكتَب، وبالتّالي تستبين الذّات الشّعريّة من خلال القصيدة، وتعرف عن الشّاعر وترسم ملامحه الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة.

 

- تدرّج الذّات الشّعريّة:

كما تنمو الذّات الإنسانيّة  وتمرّ بمراحل عدّة، كذلك الذّات الشّعريّة تتدرّج حتّى تبلغ مقامها الأرفع. ولا بدّ أنّ الذّات الإنسانيّة ومذ وجدت تتأمّل ذاتيّتها وتفكّر في طبيعتها وتتصادق معها. ما هو مشابه تماماً للذّات الشّعريّة مع الفرق أنّ الشّاعر أو الذّات الشّعريّة ترتفع عن المحسوسات لتتأمّل معالم اللّا منطق واللّا واقع.

يجوزُ لنا،

معشرَ الشعراءِ،

الذي لا يجوزُ لأيٍّ سوانا(4)

وجواز الشّيء من عدمه لا يندرج هنا في إطار القيم والأخلاقيّات، أو الاختبارات الإنسانيّة والحياتيّة، وإنّما في كون عالم الشّعر مخالف للعالم الإنساني، ولكونه حالة حرّة متفلّتة من القيود حتّى النحويّة منها ليبرز تمام كمال الشّعر. وكأنّي بالشّاعر  في موطن القصيدة ينقلب على عالمه الأساسي، ويرفض أيّة إملاءات أو أسر أو تكبيل، موظفا الشّاعر هنا المقولة الكلاسيكيّة "يحق للشاعر ما لا يحقّ لغيره"، ومستفيداً من ذلك الإرث النّقدي العربي الذي أجاز للشاعر الخروج عن مألوف اللغة المتحدّث بها أو الّتي يكتب بها النّثر، وكأنّ الشاعر يقول: الشّعر لغته خاصّة، فليكن حراً مما يقيّده.

لنا:/ حين تطلب زوجاتُنا الانتباهَ/ إلى ركوةِ البنِّ كي لا تفور على الغازِ،/ أن لا نعيرَ انتباهاً لأقوالهنَّ،/ لنا:/ عندما يطلبُ الأصدقاءُ زيارتَنا فجأةً،/ لَيّ الحقيقةِ في موعِدٍ مُسْبَقٍ مَعْ طبيبِ العيونِ،/ أنْ نخُاصمَ كُتّابَ أعمدةِ الرأي والنقدِ، والصحفيينَ/  أن نخالفَ قاعدةَ النحوِ والصرفِ باسمِ الحداثةِ،/ أن ندوسَ القوانينَ تحتَ الدواليبِ/ ثمَّ نؤنّب ضابطَ دوريةِ السيّر... (5)

 

- الشّاعر الرّائي:

ما إن ينفتح الشّاعر على الوحي الشّعريّ حتّى يستنير بالحالة الشّعريّة، ما يمنح بصيرته آفاقاً لا حدّ لها، فيقوى على رؤية ما لا يُرى وكشف ما لا يُكشف.

 

ذاتَ مساءٍ رأيتُ فضاءاتِ روحي مجللةً بالبياضِ

فساءلتُ أنايَ

هو الحلمُ؟

ثلجٌ تساقَطَ فوقَ الملاءاتِ

أم صحوةُ النومِ وقتَ المغيبِ؟ (7)

يشير (الحلم) إلى الرّؤى الشّعريّة ويحيل القارئ إليها، وهو غير المصطلح المفيد في قراءة الماضي، بل هو قراءة للحاضر من وجهة الذّات الشّعريّة وارتشاف للمستقبل المرجو. فالشّاعر المنغمس في الحالة الشّعريّة يستشف نقاء الأمكنة وجملها، ويحتمي في نورها، ويتغذّى من صفائها.

أقول لكم إنني قلتُ للموتِ لمّا رآني:

سأفتحُ من باطن الروحِ نافذةً

فافسحوا لي طريقاً

إلى غيّمةٍ لم يدنسْ رداءَ طهارتَها الماءُ

تمطرني فوقَ سطحِ المساءِ الشتائيّ

تغسلني بالبَرَد،

وبيتٍ من الشعرِ لم يكتملْ (8)

الشّاعر الرّائي يرى ملامح العالم الآتي، هو المتبصّر النّقيّ يرتقي فوق الموت، وذاك الارتقاء؛ ابتداء من انصهاره بالحالة الشّعريّة وحتى اكتمال القصيدة. يعاين بدء تكوين الشّخصيّة الشّعريّة ويعلو على الموت، لأنّ الشّاعر يتحوّل إلى لغة، وبالتّالي يخلد بلغته.

وإنْ لم يكنْ ما رأيتُ هو الموتُ

ناديتُ:

يا أيّها الآتي تَمّهَل

وكنْ حذراً في الطريقِ إليّ (9)

والشّاعر الرّائي يحمل الهمّ الإنسانيّ ويتألّم، وقد يرجو إزالته بالشّعر وذلك بنثر عطر الجمال في النّفوس. فذاته الشّعريّة وإن كانت محلّقة في عوالم الشّعر ترفق بالحال الإنسانيّ الواقعيّ وتبحث في تفاصيله وتحمل همومه بصمت.

وهو إذا ما بلغ تكوين شخصيّته تمامها صار آخراً. فهل نقول إنّ الشّاعر تخلّى عن إنسانه، أو انفصل عنه؟ والجواب الدّقيق يكمن في شخصيّة الشّاعر سميح محسن وفي التّركيبة الشّعريّة المتلازمة والإنسانيّة الّتي نتلمّسها في القصائد. بيد أنّ الشّاعر ارتقى إلى رتبة الشّعر، وهي رتبة استحقّها بفعل اتّحاده بعالم الشّعر.

أنا يا روحَ هذا الليلِ

لا أُمْسِي فراشاتي

تمرّ على جبالِ الصمتِ

أغنيةً بلا موال

فأعطيني الأمانَ

لأمتطي سرجَك

أنا أخشاكِ من عبثك

بأنْ تستبدلي جسدي

وتعطيني سواي (10)

 

....................

* الديوان من منشورات مركز أوغاريت الثقافي، رام الله – فلسطين، الطبعة الأولى، 2012

(1) (2) (3) طقس للكتابة- ديوان في غيابة اللّيل- ص 11

(4) (5) يجوز لنا ما لا يجوز!- ص 15

(6) متتالياتُ حروفِ الجرّ- ص 28

(7) (8) (9) أرى ما أرى- ص 33

(10) نصيحة- ص 94