مهاد: بعد مرحلة سقوط الديكتاتورية العراقية 9-4- 2003، ظهرت موجة جديدة من الأدب شعراً ورواية لتواكب الحدث الأكثر دراماتيكية في الحياة العراقية منذ تأسيس الدولة عام 1921، وما تلاها من تغييرات دموية متلاحقة، ولعل الرواية كان لها الحظ الأوفر في التعبيرعن الأحداث وتفاصيلها بدقة وشمولية، فظهرت اعداد كبيرة من الروايات  تباينت في مستواها الفني ونضجها الفكري كماً ونوعاً، ولكنها أشّرت بقوة الى عودة الروح للرواية العراقية بعد انفكاكها من أسر الشروط والأسوارالتي وضعتها الثقافة السابقة بإداراتها المختلفة، ولعل شرط الحرية هذا قد أطلق العنان للكتابة الروائية بولوج آفاق وحفر أنفاق لم تكن متاحة للروائي بوصفها محرمات قاتلة . ومن الجدير ذكره دخول العديد من الشعراء الى حقل الرواية مستثمرين ثقافتهم ورؤيتهم وتجربتهم وعدتهم الشعرية وبصيرتهم وكمال رشدهم الإبداعي، فجاءت رواياتهم الأولى إضافة الى منجزهم الشعري الخاص والى الإبداع الروائي العراقي والعربي أيضا، ولعل رواية " هروب الموناليزا .. بوح قيثارة " للشاعرة الكاتبة بلقيس حسن نموذج ناجح للرواية العراقية الجديدة .

.................

 الرواية بوح شخصي و سيرة جمعية أيضا

عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر، بغداد، صدرت رواية الشاعرة والأديبة بلقيس حميد حسن،وهي تحمل عنوان " هروب الموناليزا.. بوح القيثارة .. فصل من سيرة ذاتية للكاتبة ولنساء عرفتهن في طريق الحياة ".

 الرواية تتحدث عن تراجيديا الحياة العراقية في ظلم النظام الديكتاتوري السابق، وحصريا على لسان حواء وأخواتها،إذ حفلت الرواية بالبوح الشجي الفردي والجمعي  الذي لمسنا فيه تجنب الروائية للوظيفة السردية التقليدية المُعرّفة  لتكون صوتا جمعيا صارخا في برّية الوجع متوافقا مع قسوة المصائر التي شهدتها بطلات الرواية على يد الأجهزة القمعية العراقية آنذاك، لقد تمتعت الروائية بلقيس بحس إنساني عالٍ، وقدرة موفقة للحفاظ على التوازن السردي ومسك مصائر الشخوص والأحداث والزمان والمكان بطريقة ناجحة،ومن رسائل الرواية انها عرّت سيطرة المجتمع الذكوري إجتماعيا و سياسيا ودينيا في عراق الوجع، وادانة ظواهر القهر بكل اشكاله، حتى وإن كان للمرأة حصة الأسد في البوح، ولكنها أيضا غاصت في عمق القهر المجتمعي العام .

لقد تحلت الكاتبة برؤية عميقة وثقافة قادتها الى النظر الى الأحداث وتحليلها بشكل شمولي منذ العهد الملكي حتى العهد البعثي الثاني،رغم انغماس رؤية الشاعرة في ثقافة المد اليساري الشيوعي العراقي تحديدا، فنرى المصائر المتقاطعة على رقعة الرواية، التي نجحت بلقيس في كتابة رواية "وثيقة " لتاريخ حقبة عراقية دامية، وهذا ما يجعل العمل الأدبي مدونة خالدة لتحنيط لحظات الزمن السائل ومحاكمتها كي لا تذهب دماء الابرياء بلا ثمن !، كانت الروائية على درجة عالية من اليقظة وهي تكتب شهادتها بصوت عالٍ " قد تختلط عليكم شخصياتنا، كما اختلطت عليكم معرفة مشاعرنا وتحيرتم . هل نحن بشر أم أقل من بشر ؟ وقد يرى بعضكم نفسه في بوحنا هذا؟ "

الرواية تسجل خيبة العراق مختصرة ببطلتها  " سومر"  وهو استعارة ذكية الى رمز أول حقبة حضارية عراقية- السومرية - وهي تتمرغ في وحل الدكتاتوريات، خيبة إثر خيبة " خيبة الوطن، خيبة الغربة، خيبة الحب الكاذب، خيبة الزوجة السرية، خيبة الفنانة المقطوعة من جذورها والملقاة قسرا في عالم غير عالمها،خيبة الانوثة، خيبة الجمال، خيبة الأمومة،خيبة الكائن، خيبة الجسد والروح، خيبة الحلم، خيبة اللغة، خيبة العادات والتقاليد،خيبة المبادىء، خيبة المناضلين، خيبة الوفاء، خيبة القلق، خيبة الحضارات والمدنيات، .. "

 ..................

 السرد .. معالجة جمالية أسلوبية

 بنباهة شعرية موفقة اختارت بلقيس لبوحها السردي أن يكون عزفا على أوتار قيثارة سومرية عراقية، وتختار لبطلتها وحاملة شعلة روايتها اسماً دالاً وهو – سومر – ليحمل في داخله دلالة ذكورية وانثوية مزدوجة،وهذا ما تفعله بلقيس في روايتها عندما تربط العام بالخاص والانوثة بالذكورة، وثنائيات متتابعة، ثم تتابع اللعب السردي بتناوب الحواربين الراوي العليم وسومر واحيانا تشرك أخرين للروي مما يساهم في كسر الملل ومتابعة السرد بطراوة، سيما وأن بلقيس اختصرت الرواية بفصول أطلقت عيها" أوتار، جمعتها في سبعة وعشرين وترا منذ – الوتر الهارب .. وحتى الوتر الطليق" وهذا يسجل للروائية الشاعرة سرديا وجمالياً، واللعبة السردية الأخيرة التي ختمتها بلقيس في أنها جعلت الخاتمة بداية الرواية مؤرخة مغادرتها العراق الى سوريا في عام محنة اليسار العراقي تماما 1979، لتفتح أفق القارىء الى بوح آخر يستوعب الأحداث القادمة منوهة بشكل خفي على تسلسل الرواية ربما بأجزاء قادمة " الآن استطيع أن أبتسم .... وهل سأنجب طفلي بظرف طبيعي ؟ كل هذا سيكون في بوح ٍ آخر "

ولأن بلقيس مخلصة لرساتها جعلها تهمل نوعا ما تقنيات كتابة الرواية الحديثة ومتاهاتها السردية منتصرة للحكاية كرسالة إنسانية أولا وجمالية ثانيا، متحصنة بالحس المعرفي العميق من خلال رواية تشد القاريء وتجعله يلهث ويتابع القراءة حتى الوتر الأخير، لتنتظم سمفونية الوجع العراقي ماثلة للتاريخ الإنساني، ولتصطف مع روايات الموجة الجديدة في المشهد الإبداعي العراقي .

 

 

لا أُحِبُّ الغَوصَ في معنى (النقدِ الأدبي) اللغوي، لذا سأكتفي بالمعنى الإصطلاحي العامِّ المتداولِ بينَ الأدباءِ وغيرِ الأُدَباءِ، وهُوَ التمييزُ بينَ جَيِّدِ الأَدَبِ ورديئِهِ على الأقلّ أو هُوَ تأويلاتٌ أُخرى، وما يُهمُّنا تأويلُ المتلقّي للنَّصِّ بوصفِهِ قارئاً مُتَخَصِّصاً في اللغةِ عارِفاً نفسيَّةَ الكاتبِ وتأريخَهُ بما يُمَكِّنُهُ من معرفةِ قَصْدِهِ، لأَنَّ النقدَ ــ وهوَ فَهمُ النَّصّ ــ يعتمِدُ على الموهِبَةِ اللغويةِ وفهمِ نفسيةِ الكاتِبِ كما نقلَ (نصر حامد أبو زيد) في كتابِهِ (إشكالياتُ القراءةِ وآليّاتُ التَّأويل) عن (شلير ماخر)( )،

   وعندَما تتسمُ التجربةُ الشعريةُ بصفاتٍ تنمازُ عَنِ الأُخرياتِ فهي ظاهرةٌ شعريةٌ بغَضِّ النَّظَرِ عن كونِها جيدةً أَو غيرَ جيدةٍ، المُهِمُّ أن تكونَ الظاهرةُ لا تُشبهُ أخرى ولم تُقَلِّدِ الأخرياتِ التي تُجاورُها شكلاً وأُسلوباً وقد تَشبَهُها مَضموناً لأنَّ المعاني مطروحةٌ في الطريق كما عبَّر الجاحظ، وهذا لا يَعني أَن نُقصيَ المعنى ونتَّكئَ على الأُسلوب فالجاحظُ نفسُهُ كانت عنايتُه بالمعاني لا تقلُّ عن عنايتهِ بالأُسلوب؛ وقد أشارَ إلى ذلك في أكثرِ من مناسبة؛ ولعَلّي لَمْ أَكُن مُّبالغاً حينَ أَدَّعي أنَّ تجربةَ الشاعرِ وهاب شريف باتَتْ ظاهرةً شعريةً متفرِّدَة ــ حَسْبَ قِراءاتي أنا ــ تستحقُّ الدراسةَ، وخُصُوصاً بعدَ مَطبوعِهِ الأَخير؛ فَحينَ تقرأُ لوهاب شريف (شاعرِ الغُربةِ والقَلَقِ) يبغتُكَ تفاعلٌ تتحسَّسُ أَسبابَهُ بعدَ شُعورِكَ بأنَّه يقرأُ عليكَ حياتَهُ إنساناً شرقِيّاً مضطَهداً مَقْهوراً راضِخاً مرةً ومعترضاً أُخرى، ويبعثُ رسائلَ، مفادُها أنَّهُ شاعِرٌ متفرِّدٌ، لأنَّهُ لم يتأَثَّرْ باللونِ السّائدِ منَ القصيدةِ العموديَّةِ التي تَدَّعي الحَداثَةَ، وقد تكونُ فارغةَ المُحتوى إلا مِنَ الصُّوَرِ المادّيَّةِ التي تُحيلُ لمعانٍ ساذجةٍ بعضَ الأَحيانِ بالإضافَةِ للوزنِ والقافيةِ، كما لَم يتأَثَّرْ بِقَصيدَةِ النَّثر التي يلجَأُ إليها من لايملكونَ أَهمَّ الأَدواتِ وَهيَ اللغةُ مُطلِّقينَ الإرثَ الشِّعري العربيّ؛ باستثناءِ بعضِ شُعَراءِ قصيدةِ النَّثرِ الذينَ امتَلَكُوا ناصيةَ الشِّعرِ في القصيدةِ، والتي تتَحسَّسُ الدَّربَ فتَصِلَ مرامَها؛ وكلُّ مقطوعةٍ شعريةٍ مهما كانَ عدَدُ أبياتِها، أَو عددُ كلماتِها وتصلُ لمقصودِها فهي (قصيدة)، على زنةِ فَعيل؛ ولذلك نقولُ على البيتِ الواحدِ الذي يبدأ وينتهي بقصدٍ: إنَّهُ قصيدةٌ ولا أُطيلَ كي لا أَنسى ما حفَّزني لما سأكتُبُ والحقيقةُ أَنَّ ما حفَّزَني للكتابةِ، ديوانُ وهاب شريف الذي أَهداني نسخةً منهُ بعُنوان (تأويلاتُ قميص..فَلسَفَةُ رَبطةِ عُنُق)؛ وسآخذُ قصيدةَ (حالات غريب بين قومِهِ أُنموذَجاً).

 فالشّاعرُ يبدأ تذَمُّرَهُ من العُنوانِ الرَّئيس للديوان فتأويلاتُ القميصِ تفتَحُ أَمامَ المتلَقّي قراءاتٍ عدَّةً منها، أَنَّ قميصَ الإنسانِ قشرُهُ لا جوهرُهُ؛ ومنها أَنَّ وقتَنا وقتُ مظاهر لا جواهر وهو يذكّرني بمقولة سلامة موسى في مقالاتِهِ الممنوعة، (حسب ذاكرتي) بما معناها: (إنَّ الأُمَّةَ إذا اهتمَّتْ بالظَّواهر وتركتِ الجواهر فاعلَمْ أَنَّها في حرَكَةٍ لا يُرجى لها معَها الفلاح)؛ ومنها: أَنَّكَ حينَ تقرأُ الجملةَ الثانيةَ يتبادرُ لِذِهنِكَ، أَنَّ الذينَ يحكمونَنا لم يُفَلسِفوا لدولتِهِم بل أَعطوا ربطةَ العُنُقِ الحرّيَّةَ في وضعِ فلسفةٍ للدَّولةِ التي يحكمونَها، وهو صَريحٌ جدّا في هذا الطَّرح؛ وكانَ اختيارُهُ لربطةِ العنقِ التي ظَهَرت على غِلافِ الديوان موفَّقاً إذ لم تلتَفَّ على عُنُقٍ، وهذا يعني أَنَّها فارغةُ المحتوى.

 وعندما نقرأُ قصيدتَهُ (حالات غريب بين قومِهِ) نجدُ شعورَهُ بالغربة بينَ قومِهِ وهو لا يحكمُ بأنَّ الآخرينَ سببُ غربتِهِ إلا أنَّهُ يستطيع ــ بمقدرةٍ لغويةٍ تصحبُها مفرداتٌ حياتيةٌ عبارةٌ عن مفارقات يوميَّةٍ نعيشُها ــ أن يُّوحيَ لكَ بما تتحسَّسُ من خلالِهِ آلامَهُ وآمالهُ معاً؛ فهو يتَّخِذُ من الإيجاز جسراً لإيصال هُمومِهِ ومن الكَلمات، إشاراتٍ لأَكثرَ من قراءةٍ فَها هُوَ يقولُ في قَصيدتهِ:

(القناةُ الأُولى تتحدث عن حاسوب بمواصفات عالية،

صديقي في النقال يدعوني إلى زفاف ابن أخته

بائعُ الماءِ يُنادي

بائع الغاز ينادي

جامعُ النفاياتِ غائب

جامع السعادات غائب

زميلي في الدائرة شامت من خسارة برشلونة)

فهذه الجملُ السبعةُ تتكفَّلُ إعطاءَ القارئ انطباعاً بأن وهاب شريف مصوِّرٌ سينمائيٌّ يقتنصُ من مفردات الحياةِ ما يُوحي لك بما معناه أَنَّ القنوات الفضائية مشغولةٌ عن تثقيف المشاهد بعرض التقنيات الحديثة، هذه التقنيّاتِ التي جعلت من صديقِهِ يدعوه برسالةٍ على الهاتف، لا كما كان الواحدُ منّا يعتني صاحبَهُ ليدعوَهُ مستأنِساً داخلاً بيتَهُ مسلِّما على أَهلِها دالاً بذلك على عمق العلاقة التي بينهما، فَيُصوِّرُ بعدسةٍ حسّاسَةٍ كيف أنَّ البطالةَ انتشرت حيثُ بائعُ الماءِ ينادي كما بائعُ الغاز؛ في الوقتِ الذي من المفروضِ أَن يَّكونَ جامعُ النِّفاياتِ حاضِراً كما الأَخلاقُ التي أَشار إليها بقولِهِ: (جامعُ السَّعادات غائب) لأَنَّ جامعَ السَّعاداتِ من أشهر الکُتُبِ في علمِ الأَخلاقِ من تأليفِ محمد مهدي النّراقي، أوْ هُوَ يتَمنّى أن يحضرَ الشارعَ جامعُ النفايات ليجمعَها من الشارع الذي يقطن، كما يحضرُ جامعُ السعاداتِ المواطنينَ ليجمعَ سعاداتِهِم، ولكن هيهات؛ أما الجملةُ الأخيرة عن زميلِهِ الذي شمتَ بهِ بسببٍ من خسارة برشلونة فيا لتفاهته حين لا يُحِسُّ بما حولَهُ غيرَ أنَّهُ مهتمٌّ بالدَّوري الإسباني؛ ثمَّ يقولُ:

(ولدي يحدثني عن هزائمَ وانتصارات

الكتاب الذي بيدي عن المفارقات

كلُّهُم جديرون بموتي)

وهوَ يتحدَّثُ عن هُمومِ بيتِهِ فولدُهُ غَسّان مقاتِلٌ في الحرس الوطني، عرفتُ ذلكَ من صفحة التواصل الإجتماعي، ويتحدَّثُ عن الهزائمِ التي أدَّت لانتشار الإرهاب في الوَطَنِ وعنِ انتِصارِ القواتِ الأَمنيةِ والحشدِ الشَّعبيِّ كما يتحدَّثُ عنْ حَياتِهِ التي استقرَّتْ بنظرهِ كتابَ مفارقات؛ أَو لأَنَّ بينَ يديهِ كتابَ مفارقاتٍ حقيقةً، وها هو يوجزُ إيجازاً بليغاً حيثُ الدلالةُ موجودةٌ على أَنَّ كلَّ من في المفارقاتِ جديرٌ بأَن يَّكونَ سبباً في موتِهِ؛ وهنا يطلبُ النَّجدةَ من الله حيثُ يقولُ في القصيدة:

يا ألله يا ألله يا ألله..أَنا جائعٌ جائعٌ جائع

لا أحتاج إلى كلِّ ذلك..

أَنا أَحتاجُ إليكَ..إليكَ، فقط..إليكَ وسطَ هؤلاء.

فقولُهُ يا ألله ثلاثاً يتبعُها بأَنَا جائع تعبيرٌ عن عوزهِ وحاجتهِ لكلِّ شيء فالجائعُ ليس لديه شيء، وهو لا يحتاج لكلِّ ما تقدَّم، وهو يحتاج إليه فقط وسط حاجاتِ هؤلاءِ من التقنياتِ الحديثةِ وأحاديثِهِم التافهة بنظره.

ثمَّ يقولُ في قصيدتِهِ:

(بائِعُ الماءِ يحبُّني

بائع الكتُبِ يحبُّني

بائعُ الخبزِ يحبُّني

أَفرادُ الفرقِ الشعبيةِ لكرةِ القدم في منطقتنا

أفرادُ نقطةِ التفتيشِ في مركزِ المدينة

أَفرادُ أسرتي وإخوتي وشقيقاتي

كلُّهُم يحبّونَني ويمازحُونَني

وَيشعُرونَ بالسعادة حينَ أَكونُ قربَهُم

أَنا غريب

أَنا وحيد

أَنا أَختنق

الشَّخصُ الذي أَتَمنّاهُ لا أَجدُهُ بين هؤلاء)

فهو يُكَرِّرُ البائعينَ، وكانَ بائعُ الماءِ وغيرُهُ منَ المذكورين سابقاً للوصفِ لا أَكثرَ، ولكنَّهُ الآنَ فعَّلَ وجودَهُم، إِذ إنَّهُ في المرةِ الثانية، أَشرَكَهُم في القصيدةِ ويمكنُ أَن أَقولَ بأَنَّ وهاب شريف وفيٌّ في عَلاقاتِهِ ذلكَ أَنَّهُ حينَ ذكرَ البائعينَ في القراءةِ الوصفيةِ لشارعِهِ أَلزمَ نفسَهُ أَن يَّذكرَهم قبل غيرِهِم في التفاعل الإجتماعي الذي يعيشُهُ فقد ذكرَهُم بحبِّهِم لهُ قبل الأَفرادِ كُلِّهِم وحتّى قبلَ أُسرَتِهِ وإخوتِهِ وشقيقاتِهِ، وقد يتبادرُ لذهن القارئ سؤال، هو لماذا قال إخوتي ثمَّ قالَ شقيقاتي فأَنا أَعرفُ أَنَّهُ لديهِ إخوةٌ من أَبيه ولكنَّ أَخواتِهِ هنَّ شقيقاتُهُ من أُمِّهِ وأَبيه وهذهِ دلالةٌ على صدقِ الشّاعرِ، فهو لم يتأَثَّرْ بأَقرانِهِ الذينَ يزوِّقونَ القصيدةَ بعضَ الأَحيانِ في تكرار المتشابهات؛ وعودةً لغربَتِهِ فهو يقول: إِنَّ هؤلاءِ جميعَهُم يُحِبّونَني ويمازحونَني ويشعرونَ بالسَّعادةِ قربي، ولكنَّني غريبٌ لشعوري بالبُعدِ عن الرَّمزِ الديني أوِ الرَّمزِ الأَخلاقي الذي يُعَبِّرُ عنهُ بقولِهِ:

الشَّخصُ الذي أَتَمنّاهُ لا أَجدُهُ بين هؤلاء،

ثمَّ يقولُ:

غالباً ما أَراهُ مع غيري

غالباً ما أُحِبُّ شخصاً يبتِسمُ بدِفءٍ ولكن مع غيري.

وهو شعورٌ آخرُ بالغربةِ التي يُحِسُّها.

وحسناً فعلَ حينَ أَنهى هذا المقطعَ وفصلَهُ عن المقطعِ الآخر من القصيدةِ ما يقولُ فيهِ:

(طلبةُ الصفِّ السّادسِ الأَدبي أُحِبُّهُم وأُحِبُّ أَيضاً

الشَّبابَ الذينَ يغرزونَ عيونَهُم في نقالاتِهم بعمق،

وهم يتجمَّعونَ عندَ نقطةِ الإنترنت قربَ المقهى)

ذلكَ أَنَّهُ في هذا المقطع يذكُرُ طلبةَ الصَّفِّ السّادسِ الأَدبيِّ كما يذكرُ الشَّبابَ الذينَ يغرزونَ ..إلخ قولِهِ، متمَنِّياً عودةَ أيّامِهِ لتلكَ المرحلةِ التي درسَ فيها السادسَ الأَدبيَّ، ومرحلةِ مراهقتِهِ أَيامَ كتَبَ مجموعتَهُ الأُولى (الأَملُ العاشق) عام 1983م ثُمَّ يصرِّحُ بحبِّهِ للحياةِ لحدِّ الآن، وهنا أُحبُّ أَن أَقولَ كلمةً لابُدَّ من قولِها وهي أَنَّ الشاعر لم يهتمَّ بجمال الكلمة صوتاً بعضَ الأَحيانِ من أَجل إيصال المعنى الذي يريد إذ قالَ: (يغرزون) ولم يقل (يغرسون) لأنَّهُ أَقوى في المعنى وهي نقطةُ تحتَسَبُ لَهُ لا عليه؛ ثمَّ يقول:

(أُحِبُّ الحياةَ والمطر والحكومةَ والمتسوِّلينَ أَيضاً)

تأكيداً لحُبِّهِ للحياةِ، حتى للحكومةِ تعبيراً عن سلميَّتِهِ ثمَّ يفاجئُكَ الشاعرُ بعد ما تقدَّمَ بانعطافةٍ كبيرةٍ إذ يقول:

(لا أَحدَ يُحِبُّني، لا أَحدَ يقتربُ مِنّي، لا أَحدَ يقتنِعُ بي)

فهذهِ الجملةُ انعطافةٌ كبيرةٌ في مجرى القصيدةِ، إذ إنَّهُ سُرعانَ ما تخلّى عن كلِّ ما قال سابِقاً من حبِّ كلِّ ما تقدَّمَ لَهُ، كيف؟

ويأتي الجوابُ في ما بعدَها إذ يقول:

(أَذهبُ يوميّاً مشياً إلى مدرستي مُسرِعاً

 أَعودُ بِبُطءٍ إلى البيتِ عند الغروبِ يائِساً

أَغلقُ بابَ الحَمّامِ وأَفتَحُ الماءَ وأَبكي

أَنا أَسمرُ (طوخ) قبيحُ الوجهِ فارغُ الجيوب)

فذهابه للمدرسةِ مسرِعاً وعودتُهُ ببُطءٍ دلالةٌ على خيبتِهِ من ذلك، لعدَم تحقيقهِ لأَحلام المراهقينَ وقتَها، أو لأَيِّ شيءٍ آخرَ لم يتَحقَّقْ فيدخلُ الحمّامَ ويغلقُ البابَ ويبكي مُعَلِّلاً ذكَ باسمرارِ وجهِهِ القبيحِ بنظرهِ وفراغِ جيوبهِ، ولكنَّهُ يضربُ ضربتَهُ الأَخيرةَ في القصيدةِ بإيجازٍ محكم إذ يقول:

(لم أَطلب شيئاً من رَبّي إلى الآن.)

والتَّقديرُ لم أَطلب شيئاً من الله عزَّ وجلَّ وقد تحقَّقْ، يُدلُّكَ على ذلك العقلُ فليس من المعقولِ اَنَّ الإنسانَ منذُ ولادتهِ للآن لم يطلبْ من رَبِّهِ شيئاً وقد مَرَّ قبل قليل قولُهُ:

يا ألله يا ألله يا ألله أَنا جائعٌ أَنا جائعٌ أَنا جائع.

في الختام هذه قراءةٌ وصفيةٌ لهذه القصيدة وليست قراءةً معياريَّةً لكنَّها بالنِّسبةِ لي على الأَقلّ، قصيدةٌ تستحقُّ القراءةَ وإلا ما أَتعبتُ نفسي في تنضيدِ حروفِها وأَنا أَدعو الإخوةَ الأُدباء لقراءةِ بعضِهِمِ

 

فاهم هاشم - النجف / العراق

 

 

 أولاً: مقدمة: إذا كانت الموسيقى لغة عالمية تفهمها وتتفاعل معها كل مخلوقات الكون من بشر وحيوان ونبات وجماد، وإن كان الأدب انعكاس وجدان الأديب على مرآة من ورق، يحدد ملامحه بقلم من فكر، يستمد مداده من روحه ومعتقده، جاعلاً من تجاربه الشخصية والعامة مخزوناً لا ينضب، يضخّه كلما ضغطته الحياة، فإن الشعر تحديداً هو متنفس النفس وحديث الروح للروح، والقلب للقلب، والعقل للعقل، حديث محمول على بساط من الخيال، يطير بنا عبر الأثير، ينقلنا عبر الأزمان والأماكن والأكوان، فنهيم مع قائله في كل وادٍ، نتقافز مع بطولاته، ونتأوه مع آلامه، ننتشي بانتصاراته، نتأجج بحماسه، ونجاريه في عشقه وولهه...

والشعر هوية، إن لم نقل أنه بصمة يتفرد بها كل شاعر، تتضافر في صنعها عوامل شتى، أو خلفيات مختلفة تنبت في تربة الشاعر الرسالية والنفسية والتربوية والإنسانية والأخلاقية، وتشكل بالمجمل شخصية الإنسانية والفكرية التي توسمه كبصمة تمييز، ومنه ينطلق نحو الانتشار والشهرة ً، لذلك ليس من السهل أن نقيَم أي عمل أدبي بمعزل عن هذه البصمة، وهذا ما يسمى بالتكنيك ، أي بصمة الشاعر التي يتميز بها عن الآخرين، فإن لم تكن موجودة فيه، فهو، إذاً يقلّد ، كما أنه ليس أن نقييم العمل الأدبي مَا لم نمتلك قاعدة نقدية عريضة، تمكّننا من الغوص في عمق أعماق العمل الأدبي دون وجل، وفيها نتمكّن من استخراج ما غاب عن النواظر من مخبوءات من تلافيف وجدان الأديب عموماً، أو الشاعر خصوصاً، آخذين بعين الاعتبار أن الشاعر قد ائتمننا على دواخل الحشا، وعيَننا حراساً على نبضات وجدانه، ووضع بين أيدينا عصارة فكره ومشاعره، فلا نستسهل ولا نستهين بما بين يدينا، بل علينا أن نحمله بمنتهى العناية، ونتفحّصه بكل اهتمام وعناية، ونتعامل معه بكل احترام وتقدير ....

وقد اتجهت المناهج الأدبية الحديثة الغربية وما بعد الحداثة اتجاهاً مادياً بحتاً مع الأدب ونقده، لم تجد فيه إلّا عملاً لغوياً، لم تعبأ بما يحمله النص الأدبي العربي الرصين من قيم وفكر أو فلسفة أو رسالة، ولم تعد تهتم بوظيفته ودوره في التعبير عن هموم المجتمع العربي، ولا صلته بالناس والحياة...وهذا انحراف خطير لا يتفق مع المنهج الإسلامي الذي يقدر الأدب بما يحمله من رسالة وخصوص النصوص القرآنية المقدسة والكتب السماوية الأخرى، حيث أن قيمة الكلمة في المنهج الإسلامي، موظفة بما يخدم رسالة إنسانية بقيمتها ومدلولها، إذ لا يكفي أن تكون جميلة الإيقاع، رنانة، باهرة مدهشة وممتلئة، بل يجب أن يقترن الدال والمدلول فيها، والجوهر والمظهر، وقيمة الأدب في مادته وأدائه، وفي مضمونه وشكله، ولا يجوز بحال من الأحوال إسقاط إحدهما أو إيثار الآخر، لا عند الشاعر ولا عند الناقد .....

وقد كثرت الممارسات السلبية، ومارس الكثير من النقاد ظلماً كبيراً بحق المبدعين، حيث جلدت سياطهم نصوص العديد من المبدعين، إلى أن ظهرت في النصف الثاني من القرن المنصرم، أفكار وأيديولوجيات ونظريات تنصف الأديب وتعطيه الحق بالدفاع عن نفسه، حينها ماتت البنيوية التي كانت تتعمد التدخل في أحاسيس الأديب، وتوجيه إحساسه مادياً نحو آراء متبعيها في الفردية المبنية على الجهل والتسلط والأنانية والتشدق، بعدها جاءت النظريات التفكيكية التي أنصفت الأدب، وسلّحته بمنهجية علمية في التقييم وهو النقد التفكيكي، وأنقذت الأديب من نهش ذئاب النقد المتبنين للنظرية البنيوية والنظريات الأخرى التي تركز على الأخطاء اللغوية، والأخطاء التعبيرية، وتهمل مكنونات النص، ونذكر من النظريات التي أنصفت الأديب النظرية السيميائية، التي أعلنت موت الأديب بعد نشر نصه، واعتبرت النص نقدياً ملكاً للمتلقي والناقد، وليس ملكاً للأديب، والمتلقي يفهمه كيفما شاء، حسب وعيه وثقافته ومخزونه الإنساني والثقافي، بشرط أن يكون النص مستوفياً لمبدأ التنصيص Texualization بشرط أن يحوي النص الميزات ا السبعة، الربط Cohesion والانسجام Coherence ، القصدية intentionality ، الموقفية situationality ، الإخبارية informality ، المقبولية acceptability والتناص intertextuality،،،،

ويذكر أندرسن إمبرت في مقدمة كتابه (مناهج النقد الأدبي):" الأدب تعبير والنقد دراسة"، ودون شك حركتي الروح هاتين، التعبير والدراسة، تلتقيان في الشخص الواحد نفسه، ففي كل شاعر ناقد يساعده على أن يعنى ببناء قصيدته، وفي الوقت نفسه يوجد في أعماق كل ناقد شاعر يعلمه من الداخل كيف يتعاطف مع ما يقرأ، والأديب الجيد يبقى في تجديد مستمر، لا يرضى عما يكتب بسهولة، بل يبقى يعدّل وينقد ويبدّل كل كلمة في كل قراءة من قراءاته لنصه، وقد يستمر في ذلك عدة أشهر أو حتى عدة سنوات، حتى يشعر أن النص قد استقر تماماً......

ثانياً: توطئة:

لما ذا اخترت الرؤية التحليلية الذرائعية (البروغماتيكية) في قراءة هذا العمل الادبي:

وأنا هنا في نقد هذا الديوان سأتبع/ الرؤيا النقدية الذرائعية في تحليل النص الأدبي /

Pragmatic Opinion in Analyzing the Literary Text

يذكر الناقد العراقي، الأستاذ عبد الزراق عوده الغالبي، من خلال متابعته لمدة عشرة سنوات تقريباً وأكثر خلت، للمسيرة النقدية في العالم:" خرجت بفهم يقر أهمية النص الأدبي العربي الإنساني للمجتمع، مقابل النظريات النقدية المادية التي تغطي المنظومة الفكرية والادبية العالمية، وهو شيء غائب عن ذهن المتلقي العربي الذي لا يعي معطيات تلك النظريات التي لا تلائم الدين الإسلامي، ويعتبر التفكيك أهم نظرية حديثة تحترم النص المبني على اللاغوس، والذي لا ينسجم مع الرؤية العربية الإسلامية، لكون التفكيك) (قاد تياراً نقدياً عرف (ما بعد البنيوية)، وهو ضد النظرية البنيوية، التي استكانت لافتراض التناسق في بنية النص الأدبي بناء على ما ينطق، وقوانين لغوية صارمة وحاسمة لا تقبل النقص أو التغيير أو التعديل، ولا تتأثر بشيء خارج نطاقها، لذلك لجأت النظرية التفكيكية إلى التشكيك بالعلاقة اللغوية ذاتها، وفي منطق اتساقها وقوانينها، إذ لم يعد النص - في نظرها - يمثل بنية لغوية متسقة منطقياً، تخضع لنظم دائمة وتقاليد ثابتة يمكن رصدها، بل يمثل النص تركيبة لغوية تنطوي في داخلها على تناقضات وصراعات وكسور وشروخ وثغرات عديدة، تجعل النص قابلاً لتفسيرات وتأويلات لا نهاية لها، وليس هناك من نص يستعصي على التفكيك كي يخرج من باطنه ما يخفيه، لذلك تبدأ النظرية التفكيكية بتكسير السطح اللامع للنص الأدبي لكي تبلغ أعماقه المعتمة والتي لا يبوح بها، ومن هنا تختلف الرؤية البراغماتية في تحليل النص الأدبي، فهي تحترم الظاهر والباطن معاً، خصوصاً للنصوص القرانية والكتب المقدسة الاخرى، فبعضهما يكمل بعض، والكثير من النقاد والمتلقين لا يعرفون مضمون تلك النظريات وخطورتها على النص الأدبي العربي، ولا ماهية النص الأدبي العميق، بشكل حقيقي، فاتباع تلك النظريات، يقود نحو الهرطقة، وتهديم الشكل الجميل للنص الأدبي العربي، لذلك حاولت الرؤية النقدية الذرائعية(البروغماتيكية) تعديل هذا المسار الجائر والتعريف بالنص العربي، من أرض ولادته وحتى نضوجه ونشره بعد خروجه من تحت قلم النصّاص أو الأديب، ومعرفة ماهية النص أمر مهم، ليتسنى للقارىء او الناقد قراءته وإقرار أهميته .....

لذلك انفردت تلك الرؤية بالخروج على تفكيك دريدا النقدي، لكونه تهديم للنص، نحو رحاب التحليل الذرائعي، من خلال بوابة الاختلافات التي تعد نقصاً وثغرة في جوهر التفكيك الموجهة، بشكل خاص، نحو النص الأدبي العربي، وهو دفاع مشروع عن النفس والمقدسات، على الاقل .. بذلك خرجت الرؤية الذرائعية عن التفكيك، بالجانب الذي لا ينسجم مع التفكيك او التهديم، والوقوف بجانب عمق النص وظاهره الأدبي العربي وخصوصياته التجنيسية والبصرية والسردية التي تعد خصوصية منفردة، تميز النص العربي عن باقي النصوص في اللغات الاخرى، والتي تقود الى خصوصية وعظمة اللغة العربية وقوتها في التعبير.

 فقد تعتمد الرؤية الذرائعية تلك، على الجانب التحليلي للنص الأدبي العربي وليس التقكيك وذلك لعظمة شكل النص العربي واعادة بناء مفاصله مرة اخرى بعد التحليل، ضمن معطيات نفسية وسلوكية تتحكم في عقل الأديب العربي والقارئ في نفس الوقت ....."

من خلال هذه الرؤية، سأبدأ بدراستي النقدية لديوان / الأخير الأخير / للشاعر محمود أبو الهيجاء .

ثالثاً: تعريف بالشاعر:

الشاعر محمود أبو الهيجاء، شاعر أردني، من الشعراء الشباب، يكتب الشعر العمودي والحر، والنصوص النثرية، له دراسات صوفية في المعرفة الصوفية والتصوف كمنهج فكري ومعرفي وديني، له اهتمامات بالحكمة وومطالعات بالفلسفة ومثله الأعلى وقدوته العملاق / محمود درويش /.

مجموعة / الأخير الأخير/هو اول إصدار ورقي له، وهناك أخرى بصدد النشر هي / رؤيا الغريب /

رابعاً– مبحث الشكل اوالتكوين البصري

لا يمكننا بحال من الأحوال فصل النقد عن الأدب، فالعلاقة بينهما علاقة أبوية روحية، حيث يعتبر النقد عراب الأدب بشكل عام، لا يمكن لأي جنس أدبي أن يستقيم بمعزل عن النقد، فالنقد هو الذي يضع الأنظمة والقوانين والمصطلحات التي تجعل الأدب ينتظم في طريقه، والنقد الأدبي فن وعلم معقد يستلزم أدوات يجب أن تتوفر لدى النقاد والأدباء من كتاب وشعراء، ونقد الشعر تحديداً، أكثر تعقيداً من باقي أجناس الأدب بالشكل، كون الشعر من أهم الأجناس الأدبية وأكثرها انتشاراً، وأوسعها معنى وتعبيراً، ولا يقتصر النقد فيها على المبنى والمعنى، بل يتعداها إلى دراسة وحدة المبنى والموسيقا، والغوص في العاطفة والحالة الشعورية للشاعر، وهذا يقتضي من الناقد أن يفرد بحثه التحليلي على كل جوانب ومفاصل النص الشعري لإعطاء التحليل الشكلاني الأولي المستوفي لجميع الشروط النقدية من خلال النقاط التالية:

1- الموسيقي الشعرية:

إن المطّلع على ديوان (الأخير الأخير) للشاعر محمود أبو الهيجاء، يمكنه أن يلحظ بسهولة أن القصائد فيه تنتظم بتنضيد سليم، حرص عليه الشاعر، وأولاه عناية فائقة.

والموسيقى نوعان، داخلية تخص الشعر والنثر، وخارجية خاصة بالشعر فقط .

الموسيقى الداخلية: وهي ذلك النغم الخفي الذي تحسه النفس عند قراءة أو إلقاء النص الشعري أو النثري، نغم يشعرنا بالحزن والكآبة، وآخر بالحماس، ومصدر هذا النغم هو حسن اختيار الأديب لكلماته بدون تنافر بين الحروف وسهولة بالنطق، وقد لاحظ النقاد أن حروف الهمس (السين والصاد والزاي) تناسب أوساط الفخامة كمجالس الملوك التي يغلب عليها الهدوء والاحترام، حروف المد (الألف والواو والياء)تكثر في أدب الرثاء لأن طول الصوت يناسب الحزن .

الموسيقى الخارجية:

وهي المتولدة من الأوزان، والقوافي وهي خاصة بالشعر وتشمل الدراسة العروضية والتفعيلة، موسيقى اللفظ والتأليف، من ضمن الأدوات التي يجب على الشاعر أن يحرص عليها ويوليها اللاهتمام اللازم، ويتجلى ذلك في جرس الكلمات والوزن والقافية والسجع والتفعيلات، وفي الموسيقى الداخلية المنسجمة المناسبة لمضمون النص، وقد لمسنا ذلك عند شاعرنا، استخدم ألفاظاً فصيحة مناسبة لمواضيعه، بعيدة عن الابتذال، ما دلّنا على ذائقته العالية وتمكنه اللغوي وثقافته الواسعة، امتزج فكره بالعاطفة، واستعان بالخيال والصور الكثيرة التي نقل لنا من خلالها أحاسيسه ومشاعره بأناقة وتنسيق لافت، أظهرتها عباراته وألفاظه المشرقة

تنوعت القصائد في الديوان بين شعر التفعيلة والنص النثري، وجدت قصيدة واحدة شعر قريض أي شمل كل الحالات الموسيقية، وبدأ ديوانه بقصيدة قريض عنونها ب / تجليات/:

ألا في سجود الروح سرٌ لرؤيتي

   ورؤيا بسري بين روحي ولذّتي

وغيّبت نفسي عن هواها فما قضَت

   إلا لسرّ القرب من سرّ غيبتي

سلام على قلبٍ أصابته صعقةٌ

   فيا أيها الحبّ رفقاً بصعقتي

وما اخترتُ وصلَ الروح إلا بمذهب

  سبيل في الجمال مذهب صحوتي

 

وكثر في الديوان قصائد التفعيلة أذكر منها قصيدة / حالة حب عذرية/ والتي يقول:

إنه يحبها بوضوح النصف الأول من

عواطفه

ويغني الليلَ قصيدةً للحياء

والنصف الآخر لا يُرى من

فرط الشفافية

كشجرة ثابتة حبُّه

فرعها هنا .. وأصلها في السماء

النصوص النثرية كان لها نصيب لا بأس به، وأشير هنا إلى/بصر وبصيرة /

أيها الحب أرني أنظر إليك

إنك لن ترى – قال الحب واحتجب –

سأمسح البصر بعرق السر منك لعلي أرى

تجلّى الحبّ على بصري

فخر قلبي صعقاً

الموسيقا الداخلية في القصائد موجودة بدون كسور تذكر، وهذه نقطة هامة تُحسب للشاعر، تصب في ميزان قدراته الشعرية.

أما التفعيلات، وجدتها في بعض القصائد موزونة بتفعيلة على حرف واحد، بتفعيلات متقاربة ومتباعدة في نفس القصيدة وبتناسق موسيقي جميل مع الموسيقى الداخلية الشاملة للنص وبجمل أدبية شعرية قصيرة .

 ومثالي على ذلك قصيدة / ترتيب الوجع/

سأعيد ترتيب المساء

هنا حلم

وهنا أنا

وهنا ما لا أريد

سأعد ترتيب ثقافتي المسائية

بعبثية جديدة

هنا حب

وهنا موت بحياة

وهنا ربما المزيد

سأشتق من أنايَ

معنى آخر لمعناي

هنا خطاي

تلك رؤاي

وهنا في الذاكرة ..

وجع جديد

...........

ونثرت قصائدي في وجه الريح

جهة الأرض المدنسة

كيف ستسعني الحياة

الليل أقصر من حلمي

سأرتب حلمي الليلة بعد الفجر

سأحلم من غير خجل ..

سأجتهد بتأويل ما أرى

سأجتهد وحدي

أنا هو المتعدد..

وأنا

هو الوحيد.

وبعدها تتباعد التفعيلة حتى نظن أنه قد أغفلها ليفاجئنا بها تعود في نهاية القصيدة بجمل متكاملة طويلة كتدوير، ليدوّر القصيدة موسيقياً على حرف الدال من خلالها، وهذه نقطة تحسب للشاعر بحصر القصيدة موسيقيا بتفعيلتين واستهلالية ونهائية على حرف الدال، كأنما حصر القصيدة بين قوسين موسيقيين جميلين .

وهنا أخذ مداه في مساحات بصرية أتاحت له حيزاً معقولاً من الحرية لإغناء النص بالمزيد من المعاني والخيال، وليتمتع بدرجات انزياح مناسبة، تبعده عن المباشرة في التعبير في الجمل الشعرية المحبوكة، ليلقي بالمفردات من خارج جدار النص، ما أكسب النص أبعاداً رمزية تضيف للشاعر نقطة بالتفوق النصي، وجمال بياني وبديع، بمفردات جسّد فيها الغير ملموس ملموساً، فرافق المساء من كل جهاته وكأنه يحتضنه، وجعل الليل يؤذي ليله، وأعطى لليل أرضا مقدسة، وهنا نرى عبقرية الشاعر بالتلاعب بالمفردات وإعطائها عمقاً دلالياً رمزياً خيالياً، وبذلك تفوق الشاعر برسم صور شعرية جميلة، وكأنه رسام يرسم بالكلمات بدلاً من الألوان، أو عازفاً يعزف بالكلمات بدلاً من الأنغام، كما نرى بالمقطع التالي...

سأرافق المساء من كل جهاته

لعلي أرى ما فعل الليل بليلي

اخلع نعليك قبل أن تطأني

إن أرض الليل مقدسة

فكلما عجلت لتلك الأرض

تركت خلفي جسداً يلهو بسحر الفتيات

فإن عدتُ غضبتُ

هناك قصائد كانت فيها التفعيلة على حرف واحد لكن متقاربة جداً، بجمل قصيرة كما في قصيدة / كناية الحب/ وهذا ما جعلها تقترب من الغنائية بالمجمل:

إذ أكون

ترافقني كظلي

أخبئ نصفي مني

فتسرقني كلّي

تناجي أكثري

فيخجل أقلّي

هي مناسك عشقي

حين يداعبني التجلّي

فتفنى مني الروح

ويختلط آخري بأولي

أصوم عن ذكر وجودي

وأذكرها

حين

أصلي

2- شكل اللغة أو الألفاظ:

تراوحت بين كلمات مبسّطة- لكنها سهل ممتنع- وبين كلمات عميقة، لم أجد مفردات قديمة، لا يحتاج من يقرؤها إلى فتح القواميس، مبتعداً عن فوضى السريالية وغموضها، ما جعل شعره في متناول شريحة واسعة من المتلقين، بمستويات ثقافية متباينة، وفئات عمرية مختلفة، إذ أن حرصه على الوصول إلى النفوس والقلوب جعله يتحرّى في البحث وانتقاء الألفاظ والجمل، مستخدماً الأسلوب الأدبي المبسط دونما إسفاف أو سطحية، أسلوب سهل ممتنع وعميق المعنى، أجراه على كلا النوعين، شعر التفعيلة وقصيدة النثر يشكل نغمي مموسق، الموسيقا الداخلية حاضرة فيهما كليهما .

في نص صوت وصوت:

يرتدّ إليّ صوتي من الصدى

ويعانقني

عناق الورد للندى

هنا ثمة شيء

وقد حرص الشاعر على الإتيان بالفواصل وعلامات الترقيم أو أدوات التنقيط ما أعطاها الشكل الطبيعي الأنيق للنص العربي، كما حرص الشاعر على ترتيب جمل القصيدة والنص النثر بأعمدة وتنسيقات بصرية تلاءمت مع الألفاظ والسياقات الشعرية واللغوية، والتي منحت النص الشكل الذي يجب أن يكون به متكاملاً شكلاً ومضموناً وموسيقياً، حتى يتخذ موقعه المحدد من الشعر المحسوب، وعلى هذا الاساس، يمكننا أن نجنس النصوص الواردة في الديوان بصرياً بأنها (مسلينيا) تنوعت بين شعر حر بتفعيلة، وقصائد نثرية وشعر قريض.

3- درجة العمق والانزياح نحو الخيال:

تنطوي قصائد الشاعر محمود أبو الهيجاء تحت نظرية الفن للفن في معظم قصائد العشق التي حفل بها الديوان، رأينا فيها المدرسة الرومانسية بوضوح وطغيان بيان التشخيص (personification) بصور واضحة حين جعل من الطبيعة والجمادات مجسدة وناطقة .

جاء الانزياح بدرجة عالية في الكثير من القصائد أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر قصيدة/ حالة حب عذرية /

كان ينتظر قمراً يسقط في حضنها

لينكسر ظلُّها وتظهر كالنور بلا ظلّها

كان ينتظر قدراً يكشف نومها المغطى

بغمامة بيضاء

كان ينتظر مطراً جديداًيغسل قمرها

المعتّق بالعاطفة

والحال هو ذاته في معظم القصائد .

أما أسلوب المباشر والتقرير فجاء جزئياً وبخيال بسيط كالحال في قصيدة / عذرية القهوة /

وحدها لي

كلما استطاعت إليّ سبيلا

وحدها لي

كلما استطعتُ

أن أعلّق هزائمي التي انتصرتُ بها في

الحبّ

على جدران قهوتي

*أسلوب مختلط، مباشر وخيالي (درجة الانزياح نصف)

ومثال عليه قصيدة /حديث الحب/

كلما غفوت مشت النجمة على قلبي

لتصوّب أخطاء الحلم

وترتب حديث الحبّ في المنام

كلما صحوتُ أبصرتُ النجمة

كيف تصعد بسري

لتروّض التأويل هناك

حيث يبتعد بعيدُها عن اليعيد

أصدّق_ أحياناً_

أن الحبّ مكان مجازي

قرب نجمةٍ مجازية

الخيال هو الملكة التعبيرية التي يسبح فيها الإنسان في أثير السحر اللامحدود، حيث يسافر الشاعر قاطعاً المسافات متجها نحو النجوم والقمر والشمس، وهو جالس على كرسيه ماسكا قلمه، وهو عنصر أصيل في الأدب العميق الآخاذ بالسحر وفي الشعر بوجه خاص، ويقلَ في شعر الحكمة والموعظة، ويكثر في الأغراض الوجدانية، تتجلى أهميته عندما نرى إبداع الأديب في تصوير مواقف مألوفة ومعتادة في حياتنا، لكن الشاعر يبث فيها حياة وحركة ووجدان، تضفي عليها الإثارة والطرافة، والشعر الخالي من الخيال لا يعد شعراً، فهو قليل التأثير في النفوس، لذلك كان لزاماً على الشاعر، ولضمان أن تبقى قصيدته –إن لم نقل خالدة، نقل مؤثرة- في نفس المتلقي، وهذا بحد ذاته هدف أسمى يسعى إليه الشاعر، عليه أن يجيد الكتابة بالأسلوب الأدبي العميق والأسلوب الأدبي، الذي يعتمد الممازجة بين الأسلوب الخبري والانزياحي (الخيالي) ليأتينا بلهجة حيوية حميمية، يستعين بالصور والأخيلة التي تجعل المتلقي يسرح بالخيال، فتشارك الطبيعة وتحيا الجمادات، وتبرز ذاتية الكاتب بكل أفكاره وعواطفه ورؤاه ..

وفي معرض ذلك، لابد من استخدام المحسنات البديعية كالجناس والطباق والمقابلة والتورية ..

 

بقلم: عبير خالد يحيي

 

 

يبدو أن الشعرية العربية لها قوانين تختلف عن الشعر في العالم. فالعرب منذ بواكيرهم اختاروا أن يترنموا بالعاطفة وأن يعبروا عن كل ما يحد من الذات وانطلاقها في فضاء أوسع. وفي عصرهم الذهبي لم يستفيدوا من الفتوحات وحافظوا على قوانين وحساسية شعريتهم الخطابية، فقد كان هناك فصام  بين الأفكار والتطبيقات.

بالمقارنة كان الشعر في الغرب حكائيا، ولدينا أمثلة لا يمكن أن يطويها النسيان ولا سيما الإلياذة لهوميروس، فهي ملحمة شعرية لا تزال تلقي بظلها على الشعر العالمي، وضمنا القصيدة النثرية المعاصرة في أمريكا، أو ما أسميه بالعالم الجديد.

وفي هذا المثال المرفق للشاعرة الشابة سارة أ. ساهار نموذج حكائي يعبر عن دراما بسيطة ونوع من النوستالجيا للماضي  وبكل ما فيه من شقاء وسعادة وكدح وتآلف.

وصورة الأب في هذه القصيدة  لا توازيها غير صورة الأسلاف في الشعر الروسي. حيث أن الاستبدال يكون دائما بالذاكرة وبإضفاء جو من الحنين إلى الجذور أو الماضي البعيد، ابتداء من الجد وحتى بدايات الخليقة.

الشاعرة ساهار كاتبة أمريكية مهتمة بأدب الأطفال، وتدير موقع مجلة poetryinternational  وتكتب القصيدة النثرية، وتعمل معلمة في مدارس أوهايو، وهي تحمل إجازة في الأدب الإنكليزي.

 

Raspberries

Poem by Sara Aslagson-Sahar

 

On the other side of raspberries

is my Dad.

Smiling,

chatting,

grabbing a handful out of the slotted container,

Green paper underneath.

Both of us standing at the kitchen sink;

Knowing all of the raspberries will be devoured in a moment.

 

Before

my stepmother came along.

Before I

was too grown.

Back when

we made pizza from scratch,

the grit of the cornmeal covering the table,

the flour painting it white.

When I was Daddy's little girl,

and there was no one else to interfere.

 

I once heard:

Not making a decision

is a decision.

And it hurts

that he didn't

choose me,

But we can          continue to share raspberries.

But we can          both choose raspberries.

 

 

I can still join him

in that snack.

Emulate him.

Call him my own.

Still be Daddy's little girl,

Every time,

every bite.

 

Maybe that's why it hurts so much

when the container is rotten,

when the raspberries are moldy and dull,

because We are rotten.

 

And I just want to go home.

but they're selling        my blue painted bedroom.

Well she's selling         the rubber duck themed bathroom,

and he will never say no.

On this side of raspberries

I stand alone.

 

د. صالح الرزوق

.......................

المصدر: مراسلات شخصية مع الشاعرة

قد يكون معلوما أن عنوان النص الشعري ــ بوصفه نصا موازيا ــ يحمل ثنائية ما في معنى الإحالة التوصيفية المتبلورة بين ما يشير إليه الشاعر في حالات النص الخارجية وبين حالة اتصاله الأشهارية على نحو من الأنحاء في بنية النص الداخلية وبدرجات تبدو مكينة من قابلية خلق الأحوال والأوصاف التي قد تبدو من جهة هامة شبه مقاربة لجوانية التداخل الضمائري والأفعالي والصفاتي وعلى نحو تشكلات هذه المحاور: (برقية / فنتازيا / مكان / خفايا / تحولات) . ونحن نقرأ قصيدة (أحدهم كانت يده مضيئة) للشاعر طالب عبد العزيز ساورنا الأحساس الاحتمالي بأن عناصر بيئة الموضوعة الشعرية لديه كانت قادمة وموغلة في مفاصل تشكيلات فضائية متعددة منها شعورنا في استثمارية الشاعر في تشكيل دوائره التنقلاتية في مساحة الأمكنة المناخية والطبيعية والفنتازية وصولا الى منطقة الانزياح الاتصالي والإحالي نحو نقطة محورية الآخر ومصدره المبهم في فعالية وتشعبات مدار الصورة المرورية في القصيدة . وعندما نتعامل مع القيمة الفنية الكامنة في ثريا العنونة المركزية في النص نجدها تستفيض بصورة إحالات الشاعر وصولا الى ذلك الآخر الحلمي الذي بات يشكل ارتباطه في دال النص كمحصلة انتظارية ترميزية وفنتازية أو لربما هو الأنا الأخرى للشاعر نفسه . وعلى هذا الأساس نفهم من وراء دلالة عنونة (أحدهم كانت يده مضيئة) بأن هناك دلالة تشكيلية خاصة تشترك وبالمقابل العرضي مع أفعال وحالات الأنا الشاعرة وبرفقة جل تنقلاتها المكانية البرقية التي راحت بدورها تلمح وتنوه بكشوفية ذلك الدال (أحدهم) مما جعل مجموعة اللقطات الصورية في المتن الشعري تتلوى وتنحسر وترتبط بأجواء فنتازية فضاءات حركية تلك الأشياء التذويتية وبحساسية برقية دامغة في محوريتها الأتساعية المقفلة في تمفصلات مساحة بياضات الفاعلان في مسار دوال تمظهرات القصيدة.

الصورة حركية مؤلفة بحساسية المتفاعل المراوي

في قصيدة (أحدهم كانت يده مضيئة) قد نعاين مدى فاعلية حساسية وإجرائية (الفاعل الشعري) وعلى نحو راح يجعل من كل صورة في القصيدة تشكل بذاتها ثمة حركية مستقلة بشفروية ما . أي بمعنى ما أن موقعية الراوي الشعري الأرتباطية وبوصفيته الزمنية والمكانية غدا يشكل دليلا اسناديا وطبيعة اللقطة الصورية المتصلة بإنجاز مفعولية محتوى دلالية مركزة إزاء مستوى وجودها المؤول نحو رؤى الإمكانية التواصلية في عتبات النص:

غطته السحابة الكبيرة

لم يعد في القمر نور يكفي

فأتخذت يدي هاديا ، أتلمس الطريق

الى البيت .

إذ ان فعل القراءة لهذه الأسطر الشعرية الأولى من بيئة النص العتباتية تقودنا نحو مقاربات دلالية / مكانية خاصة فهي تهم بذاتها الى رسم علاقاتها الدينامية بوعي راحت تتكشف من خلاله سيميائية العنونة ذاتها والتي بدورها أخذت تديم علاقة ترابطية دلالة جملة التصدير (غطته السحابة) مع فحوى تجليات دلالة العنونة المركزية (كانت يده مضيئة) وبصرف النظر عما تحمله دلالة (أحدهم) من متواليات اضافية حسية ما في دلالات النص . فالشاعر راح يأخذ قوة الإحالة لديه نحو منطقة الدال المتني بتوجه آخر راح يتجلى بحدود مساحة الصلات الصورية الدينامية الأولى محاولا خلق استجابة توصيفية مرنة مع حيثيات ملحقات المكانية الذواتية بـ (خطته السحابة ــ لم يعد في القمر نور يكفي = هيمنة الدال المناخي = تكريس خطي متقارب الأفق بالمخالف = بث راو ذاتي يتصل على نحو مغيب بالشاعر) وتبعا لهذا تتجه كاميرا الدوال المراوية نحو تماثلات لجوئية أخذت تراوي الى تذويت شخصانية علاماته الحركية الهادية (فأتخذت يدي هاديا) أن دلالة حاصلية هذه الجملة لربما تقودنا نحو مؤول ذلك الآخر (أحدهم) الذي هو يشكل بذاته الدليل الهادي الى (أتلمس الطريق الى البيت) ولربما يكون الأمر بذلك الآخر في النهاية بديلا احتماليا عن وحشة الذات الشعرية في جل توهماتها وأيهاماتها الاقتراحية المفترضة في تمظهرات منطقة وحشية الظلام:

 

قدمي أيضا كانت تعينني على سمت

الأرض

و أمتها ، لكني كثيرا ما

أخطأت موضع الحجارة ، تلك

التي كنت اتخطاها في النهار .

يشتغل الشاعر هنا على بث روح الخيبة الذواتية لتكون مجمل حالات هذه المقاطع ضاجة بالأحالات التوصيفية التي أخذت تعيد لذاتها أحاسيسها ورؤى مسالكها في وضح النهار إزاء ما عليه هي الآن (وأمتها لكني كثيرا ما اخطأت ــ موضع الحجارة ــ تلك التي كنت اتخطاها في النهار)

حلولية دال الأشياء في سياق المروي القصدي

إذ لاشك في أن أفعال دلالات (غطته السحابة / لم يعد في القمر نور يكفي / أتلمس الطريق / لكني كثيرا ما أخطأت / تلك التي كنت أتخطاها في النهار) فهذه التماثلات وصلية ما في أدوات الفعلية والصفاتية جميعها راحت تقودنا قرائيا نحو بؤرة حلولية دال استجابة الأشياء في سياق المروي القصدي الخارجي من زمن (النص / الراوي) وصولا الى جملة حالات مركزة تركيزا شيئيا شديدا يقوم به الراوي نحو مسار عمق احساسه المرهون بالخيبة الظرفية والأحوالية وما تتولد عنه من رؤى وقيم راحت تتجسد على نحو فنتازي / طيفي يلخص حكاية عودته المتشبثة بأشباح وأذيال أعشاش دوال التشكيل المكاني والوصفي في موجهات النص:

أغصان غرب وخيال من سدرة هنا

سعف وزوائد قصب

كانت تجمعها يدي فأمر ، غير واثق ،

مستعينا بالسياج الطيني ، صرت لصقه

حتى أني شممت رائحة العفن

في التراب على قميصي الليلي .

أن الدوال المرتهنة بحكاية عودة الراوي الى بيته تتمثل بـ(أغصان غرب ــ وخيال ــ من سدرة هنا ــ سعف وزوائد قصب ــ كانت تجمعها يدي فأمر غير واثق) أن الرواي هنا لا يتلبث في هذه المنطقة بوصفها دليلا شعريا هادف بل أنه راح يصنع لمشهديته الوضعية قناعا مروريا لدخول هوية ودلالة العنونة المركزية (أحدهم كانت يده مضيئة) ولكن يبقى السؤال مطروحا هنا ، من هو صاحب هذه اليد المضيئة؟ أهو الشاعر نفسه؟ أم الراوي عنه؟ أم تضاريس حركة ضياءات القمر المنفصلة عنه بين الحين والآخر انسحابات كتل الغيوم؟ أم هي عوالم إيهامية فنتازية راحت تغرق الشاعر بتصورات وجود ذلك المنجد الواهم له؟ فيما راح يستجيب المتن النصي لأستجابات تيه الراوي / الشاعر وهو في طريق عودته الى المنزل كما يتضح الأمر لنا في هذه المقاطع الأتية:

قناطر من ظلال تخطيتها ، قافزا

خلتها ترعا ، سواقي تروى في النهار

لم يفزعني طائر الظلمة التي كانت ترين

فتجاوزت الشجر والجداول والظلال

الى الباب .

أن حركية الدال الشيئي التذويتي في هذه المقاطع الشعرية (قناطر من ظلال تخطيتها / قافزا خلتها ترعا) لا يتوقف في حدود ذاكراتية ظرفية ومكانية منسحبة الأبعاد التصورية للراوي بل أنها تتجلى في ذاكرته النهارية كعادته حين مروره بها نهارا ولكنه عندما جاءها ليلا باتت تشكل له (خلتها ترعا) غير أنها تحت شمس النهار كانت تشكل في حقيقتها البيئية الواقعة محض (سواقي تروى في النهار) يبقى الفضاء الحميمي ذات الشكل العلائقي محايدا في انتاج رؤى وتوهمات بين حالة الكشف اليقيني والتباس أملاءات حكاية ظلمة الذاكرة وطبيعة دلالة تلون الأشياء بحالات الطابع اللحظوي من مشاهدات عين الراوي وهو في جوف الظلمة: (لم يفزعني طائر الظلمة / فتجاوزت الشجر والجداول والظلال) .

تعليق القراءة

أن فاعلية محاور الحالات اللقطاتية في مشاهد القصيدة أخذت تؤول لذاتها نحو انموذج المستكين بين حضورية (أنا الشاعر) وبين مشاهد تصويره وتصوره الذي راح يختط لنفسه ذلك الأطار الحيوي من علامات رؤية الأمكنة الليلية وفي مشهد من الاستعادة الذاكراتية لذلك الحيز من فضاءات المخيالية الواهمة في منطقة احالاتها للأشياء الماثلة في روح سيناريو المشهد النصي:

ظل النور هامدا هناك .. في الأعالي

لا أعلم كم سحابة غطت القمر الليلة تلك

قبل أن يصحبني أحدهم ،

كانت يده مضيئة بما يكفي

لأتبين طريقي الى السرير .

من هنا تنفرج اللقطة الختامية الكاشفة بقول الشاعر: (قبل أن يصحبني أحدهم / كانت يده مضيئة بما يكفي / لأتبين طريقي الى السرير) بديهي أننا نقول بأن ذلك الآخر لربما هو (الفانوس) أو لربما هو آلة (المصباح اليدوي) حيث تنتهي عندها معطيات الدافع الأساس لخفايا ذلك الآخر (أحدهم) بالتصنيف المتآتي من لهب شعلة الفانوس أو من خلال شعاع ضوء المصباح . أن الواقع الأفتراضي المتواتر في مباحث تمفصلات شروحات مقالنا قد تبدو لنا وللقارىء محض رؤية مؤولة باحتمالية وجود هكذا معنى خاصة وان الأحداث والوقائع والحالات والصور الكامنة في المتن الدلالي تشير الى وجود ثمة مخيالية مراوغة لقارىء القصيدة .و الحال لربما يكون في حقيقته محض صورة فنتازية أخذت من كنية الآخر لذاتها بالتوالد التمويهي بعدا لخصوصية رؤية أخرى من شأنها الأحتجاب في مواطن حلمية فضاءات الشاعر والأمكنة الذاكراتية المقيدة لديه تحديدا في دوال خفايا ذلك الآخر الشعري . 

 

حيدر عبد الرضا

 

 

تتشكل صورة المكان  في مجموعة الشاعر عمار المسعودي (يزع بهجاته) الصادرة عن المركز الثقافي للطباعة والنشر العراق/بابل لسنة 2016  عبر ثلاثية اللغة ، الأسلوب ، المعنى  حيث ينشد الشاعر من خلال هذه العناصر الوصول إلى ترابط أسلوبي فلسفي عميق في الفكرة والإحساس يتيح للشاعر مساحة من الحرية الفنية والفكرية في خلق عوالمه الشعرية بسلاسة وانسيابية عاليتين ما يضفي على القصائد خصائص  فنية وأدبية مميزة .

الأسلوب 

يعتمد الشاعر في جميع قصائد المجموعة على تراكيب جملية قصيرة (ومضة) لكن بصيغة    حوارية تواصلية باتجاه الآخر لاكتشاف  الذات  وهو ما يعطي للخيال بعدا اكبر في صناعة القصيدة ،لذا  نجد أن قوة الصورة عند الشاعر لا تقف عند المرئي او المجسم العام (الشكل) بل تتجاوزها إلى نطاق النفس واللاشعور( المضمون)  الذي يرتكز على عاملي التأثير والإيحاء، لذا يبدأ الشاعر قصائد المجموعة بسؤال الأنا الشعري المختلف عن أناه الواقعي اي الشاعر كفرد منفصل (سألني عن البداية قلت لم ابدأ) ص5 يستعيد الشاعر تجاربه الأولى التي أثرت في ذاته المرتبطة بالمكان الأول البساتين والأنهر والأشجار(أنا المتربع على أخضر السواقي عن يباسه وصده) ص5 رغم انها صورةحسية مباشرة  للشاعر لكنها تحمل الكثير من الأبعاد  الدلالية حول ارتباط وانغماس الشاعر في جذور المكان بكل تنوعه البيئي كونه يشكل هوية الشاعر الإنسانية وهو ما يجعل صورة المكان  تختلف من حيث الذائقة والتمثل عن غيره من الأمكنة،و يعطي للصورة الشعرية حضورا مميزا في جميع قصائد المجموعة  ،معززا ذلك  بلغة  مفعمة بالإحساس والتساؤل إضافة إلى الصور النفسية والفكرية  التي تتيح للشاعر تفجير طاقات اللغة من دلالة ،وتراكيب ،ومجاز ،وإيقاع ،وتجانس وغيرها ... فكل قصيدة من قصائد المجموعة تمثل حدس وإحساس الشاعر اتجاه الوسط المعيش (المكان) وتشكل جزءًا من صورة أسطورية متكاملة يسعى الشاعر عبر أسلوب المحاكاة  (الصورة )من جعلها أكثر رسوخا وتأثيرا  في أشكال  التلقي (رؤيتي مكتوبة في هذا الأخضر من الامتداد )ص22.

معمارية النص:

تقوم معمارية النص  على بنية حكائية سردية أي لكل قصيدة حكاية تروي هم الشاعر وأحلامه ورغباته وانساقه المضمرة تجاه المكان ، لذا كان فعل الروي يمثل خطابا مرسلا من الذات الى مرسل اليه (الأخر المتلقي) عبر وسيط  لغة /مكان ،الذي يروي حكاية البحث عن تمثلات الشاعر لصورة المكان (كان صوتها النازل من أعالي الأشجار موجعا اسمعه فأتفقد أمي التي تركتها قبل قليل تسف حصيرا من أحزان)ص23 كما وتشترك هذه المعمارية في دمج صورة الواقع المعيش الطبيعة الريفية ،والمدن ، والأزمات ، مع صورة المتخيل الفني الجمال ،والسلام ،والأنوثة  ( أقول متسائلا متى ستنزل أيها النبات من هذه السنادين المعلقة في واجهات المرمر ؟)ص35.

سعى الكاتب الى جعل المكان فضاءً سرديا أسطوريا يعكس فلسفة الشاعر لوجوده المتخيل اكثر منه مكانا جغرافيا، وذلك بفعل التكثيف لصورة المكان الأليف الذي شكل ملاذا وجوديا خاصا يستدعيه الشاعر طول مرحلة اغترابه خارج الذات  (المدن) ففي  أماكن الاغتراب ، نجد الشاعر يحاور الحقل والنهر والغيم والأشجار، الردم حالة الضياع ، لكن هذا التكثيف الوجودي لصورة المكان الأول سرعان ما يتشظى إلى عدة اتجاهات وألوان وتصورات (الأخضر والأبيض والأصفر) ثم يعود ليلتئم حول ذات الشاعر كوحدة وجود  مركزية لبناء النص  ( ها...إني قد رأيت البحر أخيرا سأعود إذن الى موجتي من النخيل : لأتسلق من أعلى سعفاتها ما يطول من أحلامي ) ص46  وبما ان النخيل يرمز للعلو والشموخ والقوة والعطاء ظلت صورة المكان تعني الوطن والانتماء .

اللغة

يحاول الشاعر عبر ألاعيب اللغة ،الاستعارات الصورية ، والمجاز، والدلالة  كسر حالة الثبات في صورة المكان  (أمي تمشط المساء في شعر أختي الكوز يتقطر وبطيخة خضراء تركها أبي  في جوفه لتبرد) ص25 . اعتمد الشاعر على لغة شعرية مكثفة رمزية ،وصورية ، وفكرية (أنا انزل أتقطر حزنا كما الكوز أصور بعيني فأرتين كل هذه المشاهد )ص26 وهو ما جعل من لغة المجموعة تنفتح على عدة  تحولات نصية وأجناسية تعكس قصدية ورغبة الكاتب في إحداث إزاحات فكرية ونفسية وعاطفية في بنية المكان السائد (أنا حفنة ماء لا تغري عطشى) ص 38 فهذا التمازج مابين حفنة الماء والعطش يفسر رغبة الشاعر بتكسير الصورة السائدة لذكورية المكان التي ترمز للبطولة والتكامل كما ترمز للوحدة والغياب  وهو ما يبرر  الحضور الدائم  لصورة المرأة في جميع القصائد والتي دائما ما ترمز للحياة والثراء والعطاء، الشجرة ، والمدينة ،والطيور، والغيمة، تعبيرا عن ديمومتها التي تعني الأمل بالنسبة للشاعر (كي أريح حروبي مع مدن الخراب ؛ اتدرب على بيروت) ص 47 او في قصيدة اخرى (سأتسلق خضرتها هذه النبتة التي ستصير شجرة) ص43 . يعيش الشاعر صراعه الوجودي ما بين الريف والمدينة عبر ثنائية الواقع /المتخيل التي اجاد الشاعر دمجهما في جسد النص  بشكل متجانس ومتسق مستثمرا ثراء خزينه اللغوي (أجمل القرى تلك التي لا تباشرها المدن من جهة) ص88 فالجدل ما بين المكان الواقع يتشكل عبر المتخيل (الصورة) لإنتاج اللغة التي تترجم وعي الكاتب من خلال سيل الأسئلة التي يحاول الشاعر اثارتها على شكل تمرد واحتجاج اتجاه الثبات السائد للمكان (لقد قررت- أخيرا في بيروت أن أتدرب على كل شيء) ص48.

المعنى

جهد الشاعر في ضخ دفق روحي جديد للمعنى داخل النص الشعري بفعل المزاوجة مابين الصورة المكان ،واللغة   كمعنى رمزي وذلك بفعل الانهماك في تعميق وتفجير المعنى أكثر من تثبيت للمعنى لإحداث إزاحات في شكل المعنى  (اللحظات التي لا تستطيع الإمساك بها ، دعها تهرب عنك بعيدا) ص54 ،

وهو ما ارتبط بهاجس وجودي قلق مسكون بهمِّ الشاعر  تجاه المكان- الوطن الذي مزقته الحروب والصراعات المتواصلة  (أرنو مثل انتظار يملأ المحطات) او في نفس القصيدة (مثل مواعيد لا أحد يحصي لهفاتها) ص56 فهذا الهم الوطني هو من يحفز ذات الشاعر على البوح بكل همه الشعري ( لا أنوي- أبدا –استبدال صمتي ولو بأغاريد طير) ص69 وكأن المعنى  لدى المسعودي يمثل وطنا وهوية وطنية  ذات صيرورة دائمة ، وهو ما يفسر الإيقاع الحزين للمجوعة (ربي..إني بسرب سحاب أغسل سمرتي... ربي.. بذكرى وطن أنافس الدائرين عليه) ص91 لذا كان هذا الضياع والخفاء والحنين للمكان هو التجلي الذي يزرعه الشاعر  ليحصد بهجاته (لا أكتب عن الذي أحب بل اجمع نداه وأفرقه حتى يصير غيما).

 

بقلم حيدر جمعة العابدي

قراءة قصيدة سعيد الباز، هي قراءة مصاحبَة بدهشة، لا تتخلى عنك... دهشة منفلتة من عاديات ما تعوّدت عليه. فهي قصيدة ذات شفافية لامعة تسلب من المتعاليات سلطتها.. وتنطلق من لغة تريد أن تَشُبّ عن الطاعة، لغة تَشْحَدُ كامل بريقها لتسفك دم الهيكل التصويري للجملة الشعرية، الذي يتمّ الاشتغال عليه بفعل العادة.

فهي قصيدة لا تُوَلِّف مسالكها من ضروب البلاغة وفنيتها المزدهرة بالمجاز، والتجميع الذهني الشكلاني والبارد، كما في غالب ما يخطر على البعض من قريحة. بقدر ما هي تَلَأْلُؤٌ للشعر، يتمّ رصده من خلال حياة شاعرها.. ضمن مسيرة اليومي والعادي. فاعله داخلها هو حدسه كرؤية وفاعلية وحركة اتجاه الوجود و ما يترتب عليه.

بلغة أنيقة نستشف بذخها المعاصر، يكتب سعيد الباز، قصيدته المضيئة، التي يعمل على تهريبها من مجالها المحدود بالرؤية إلى مجال انزياحها الترميزي.. الترميز هنا ليس اشتغال على علامات بأدوات مستهلكة، وإنما هو بنية ذات قوة واضحة، ومُمَنهَجة لا تبتغي التوسط للإدراك الذي يمنع القارئ من النظر مباشرة لعيني القصيدة. يمكن القول بدقة أكبر، أن الترميزية، هنا، هي إخلاص للواقع اللا زمني، وهذا ما يجعل هذه الترميزية تصير بمجرد ارتطامها بفعل القراءة، إلى حدس عام. ليس شرطه تلك الإرغامات المحددة لمجموع المسارات التأويلية، في توتر بين نظام الحرية وفعلها الذي يقوم بإثرائها بإستتباعات جديدة، مستمَدة من النزوع المستمر إلى البساطة وينابيعها في القول الشعري، ما يضمِرُ داخل هذه القصيدة انفتاحا غير مُفتَعَل على السرد وجمالياته الغنائية المطرزة بعلاقات مُعْجمية غير مألوفة، تقوم على تحرير الكلمات من شبكية ذاكرتها. وإطلاقها من جديد.

إن إنزال اللغة من أوهام عضلاتها البلاغية في محاولة ذات اجتهادات واسعة، لتهشيم الجمجمة الكلاسيكية للأسلوبية المتداولة، هو ما يطبع فعل الكتابة لدى هذا الشاعر، الذي لا يكتب عن الحياة من وراء أقنعة، بقدر ما يعبّر عن ندوبها الذاتية، هذه التي نشهدها في قصيدته التي ما انفكت تتوسع في كل مرة إلى حقول جديدة، متوسلة بصداقة المضيء المستتر في الذات العزلاء. إنه شعر الذات الأكثر التصاقا بالصدق في زمننا هذا، الذي اتسعت شواهد كذبه واتسخت.

فهي قصيدة صَفَفت فتنتها عن لغة تعبُّ مجازها بلا ادعاءات رسولية، أو استعارات عاطفية لتنخرط في فضاءات إبداعية جديدة لا تحاكي تجنيسا، بقدر ما هي لغة متماسكة لا تَنْأسِر بخط أو تَنْسَجِن بشكل.. تُخَفّف عن حمولتها أدوات الشعر، وتبقي على ناره مشتعلة، بوقود الشفيف والضارب في العمق الجمالي والإنساني.

إن ما نتابع مراتبه في نص سعيد الباز، هذا الذي لا يمكن أن نلتقيه إلا راميا نفسه في لُجّة الضوء، هو تَسَنْبُله عن حياة كاتبه.. فهو نص يُلفِفّ متنه بدفء صاحبه.

محايد مثل مسدس، وبريء كرصاصة.

إن خرق العادات البلاغية المتداول عليها، عند هذا الشاعر نتيجة لقوة الابتكارات التوليدية للاستعارة عنده. فأنت تجد أن الكلمة الشعرية لديه التي لا تحيل على أي شيء آخر غير ذاتها، ولا تدلّ إلا من خلال كيانها الخاص. عرفت صقلا مبرحا شَطَر جزءً غير يسير من ذاكرتها وحمولتها اليومية. لتغدو كلمة شعرية شفيفة بشكلٍ طائر على مستوى المقطع الشعري، وهو ما لا يتأتى إلا بدِربة وحسن اشتغالٍ بليغ.

إن الحديث عن تجربة الباز سيكون تافها دون استحضار مرحلة بأكملها من تاريخ الشعر المغربي، الأمر هنا لا يتعلق بتمثيل جيل ما، بقدر ما هو حديث عن أفق جديد وشاسع داخل هذه الشعرية. وهو ما يستدعي ترسانة أكاديمية لإنجازه.

فما يتمّ تكثيفه عبر هذه القصيدة، هو ما يتحول إلى مادة جديدة على مستوى اللغة، ينشدُ سلوكا خاصا مع ما تَسْتجدّه من لغة جديدة لها انزياحات على مجلات متعددة.

فهذه القصيدة تستفيد في معظم الأحيان من تركيبها التنظيمي الذي خطّه الشاعر داخلها، ليجعل المتلقي يجد نفسه محاصرا بمتلألئات دلالية، لا يستشعرها من جهة واحدة، تلألؤات عالية وشهوانية.. فهي قصيدة شريرة بهذا المعنى.. شريرة وجميلة. تُسْفِر على لياقة شعرية عالية بالنظر إلى طاقتها الهائلة المخربة لمفهوم القصيدة بشكلها السائد. وهو تخريب بالمعنى الإيجابي لا التجاوزي فقط. تحضر الذات داخلها في فعلها الحميمي واليومي، لتقول كل شيء. فالكلمات المُسَوّدة فوق الورقة دائما لا تقول إلا ما سودته.

فالرضا الذي يحسه القارئ لهذا النص مُسْتَعْطي من إدراك لفعالياته الجمالية. فهذا النص الذي يشغله كاتبه بوعي أن تكوين العلاقات اللفظية المركبة تركيبا اصطفافيا لا تقدم تجربة حقيقية، لهذا تجده متنا مُنتَجا عن معيش وحاصل تجربة، عبر رؤية ومشروع جمالي له ما يميّزه.

الكون ليس تراتبات من صياغات صلبة وجامدة ونهائية، كما يؤكد ذلك علماء الرياضيات، بل هو متحرك ومتغيّر، وكذلك نص سعيد الباز سواء الشعري أو المقالي، الذي دأب من خلاله على تسليط الضوء على جوانب هامة ومهملة أحيانا في مشهدنا الحياتي العام. بأسلوب يتفنن في انتخاب أدواته باستمرار، وبرؤية بليغة.  تنطلق من نسغٍ يتأمّل الواقع ويتجاوزه، لكي يصل لكنه الأشياء وجوهرها، في غمار تَعَلّقِه بالظلال الوافرة التي يفرزها السؤال البسيط. وهو تساءل يمثل فضاءات مشتركة للإنساني بصورة أشمل، مع ما يتمخضه عن ذلك من تجليات وجدانية وثقافية وسياسية.

كل كتابة عرس. عرس للعين والأذن. أما هنا فهي عرس مثقل بألم المغربي. وكأنها بيانات صغيرة وغير مهملة ضد حرب تخوضُنا جميعا في ضباب اليومي والعربي.

إلى جانب سعد سرحان وياسين عدنان وعبد الرحيم الخصار وآخرين رائعين، يعتبر سعيد الباز أحد الأسماء البارزة في الحساسية الجديدة في القصيدة المغربية. قصيدته نفاذ إلى ما تخبأه المرئيات من معان تقتنصها، وهي على ما فيها لا تسعى إلى التوصيف والتعيين، وإنما تعتمل وتسوية تحين المعنى ليتأتى في تعدده طاغيا على كل نزعة تصويرية داخله، يومئ لنفسه ولا يقربه.

أما على مستوى جسد القصيدة، فضاءها الخطي، ومساحتها، وتشكيلتها المكانية، وتوزعها على ثيمات بائنة، فإنها في مجملها مُشْتَغلة باندغام جمالي لا يستعير أدواته من المُنْطَبَع والسائد، وهو أيضا اندغام لا يَرْشَح بالضرورة من تلك الإلتِماعات التي أحكم الشاعر وعيه لصياغتها، فالكتابة لا يمكن أن تصبح محكمة لكامل خطاطة كاتبها إلا في علاقتها بالنسق المولد لها، والنسق بهذا هو سلسلة من الارغامات التأويلية التي تقوم من خلالها على إنتاج المستهلك القرائي، لكن هنا نجد أن سعيد الباز ما ينفك يوسع من نفث حياته بلا أي خطاطة داخل قصيدته. وهذا ما يجعلها حرة وكثيرة تجابه تأويلات بأشكال ومكونات ذات لحظات خصوصية جد متعددة، لكونها قصيدة متقدمة، بقوة وسعة عطاء.

 

عبد الواحد مفتاح

لا تخلو قصص "نافذة على الداخل" للكاتب المغربي أحمد بوزفور من بلاغة الوصف والواقعية الجديدة وعشق المرأة والطبيعة، وكأن كل نص جاء لينقل كلاما عن شخص-القاص- كي لا تبقى ذاته منفصلة عن الآخر –القارئ- فتنطوي على جملة ذكرياتها، لكنها لم تجد لها خلاصا سوى الاندفاع نحو البوح في توحد مع الآخر.

شغف البطل منذ طفولته بقراءة الكتب في قصة "المكتبة" جعلت المحافظ يطرده من فضاء المطالعة في الثانوية، وهدفه الوحيد هو الانفراد بعملائه من التلاميذ الذين يتآمرون بأمره في شن الحملات ضد كل أستاذ نزيه، غير أن البطل يجد نفسه وحيدا أيضا وهو يفتح كتابا يتجدد مضمونه يوميا كتجدد صفحات حياة البشر: "كتاب غريب. حين قرأته لأول مرة، كان يحكي قصة السندباد. وأعدت قراءته في الغد فوجدته يتحدث عن قصص الأنبياء، ثم وجدته في اليوم التالي يستعرض سيرة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. كتاب سحري يتجدد كل صباح" (1).

إن تهديد التعب للنفس البشرية واختراقه بنياتها ومشاعرها عبر الزمن، لا يخلف سوى مجتمعا مريضا بالكسل والفتور والتواكل على الغير في جميع الأمور، وهذا ما يظهر من خلال وقوع البطل في حالة تعب شديد بعدما نصبت له صاحبة العينان الخضراوان فخاخ الحب، ثم تعود وتصدمه برسالتها وخطها الخائف المتردد بحروفه الغير مكتملة: "وودعتها. لم أراسلها من بعد أبدا، ولم أتعرض لها قط." (2).

هيمنت صورة المرأة ومشاعرها العاشقة على نصوص هذه المجموعة إجمالا، حتى أن صوتها كان جريئا ومتمردا كما هو واضح المعالم في قصة "الحب"، والتي كتبها بوزفور على لسان عشيقة قد يخطر للقارئ أنها حية ترزق منذ الوهلة الأولى لكنه سيكتشف في النهاية أنها مجرد ذرات باردة في قبر تأبى أن يفارق من أحبت الحياة: "ابق هناك يا حبيبي... ابق هناك. صر عجوزا إذا شئت، لكن... لا تمت" (3).

لقد أثبت أسلوب بوزفور قدرته على التأثير في نفسية القارئ في معظم نصوصه القصصية التي لا تخلو من النكهة الشعرية، والتي يمكن أن نقول أنها جاءت أقرب إلى القصيدة النثرية كما هو الشأن في قصة "الصمت"، أين يقف البطل مناجيا حبيبته التي يجرح صمتها روحه المعذبة بعشقها الدفين: "أشعلت الضوء فلم يشعل

وتلمست فلم أجد الكرسي الفارغ

سريري البارد لم

والصرصار الأسود لم

لم.. لم.. لم

لم أر حولي، في خوف ظلامي،

إلا الصمت" (4).

استعان بوزفور بالحبكة المكثفة في معظم قصصه ليعكس دلالة رمزية كرسالة مشفرة للمتلقي، ليجعله بذلك يحلل ويفكر في خلفية كل نص يواجهه كقصة "الشك" التي قسمها الكاتب بدوره إلى أربعة أقسام تحت العناوين التالية:

1/بعضي على بعض: تخطف البطل جنية في هذا المقطع وتتزوجه غصبا وهو مجرد راعي للغنم، ثم تطلقه فجأة وتترك له طفلا اسمه الشك: "وخلفت بين ذراعي طفلها الرضيع الذي يصرخ باستمرار وهو يشير بسبابته الصغيرة إلى العالم... شاكيا؟ محذرا؟ متهما؟ ساخرا؟.. طفلا سميناه (الشك) لأننا لا ندري من أين جاء.. فأنا والجنية عقيمان" (5). 

2/يجلس في الصف الأخير ويبتسم: يسرد لنا البطل ذكرياته ودخوله المدرسة متأخرا وارتباطه الشديد بشخصية أينشتاين، والذي لطالما كان يحلم أن يصبح عالما مثله: "كنت أبتسم لأني... لم أكن أنا الذي يبتسم في الحقيقة... الطفل الذي أربيه (يربيني) في داخلي... هو الذي كان يبتسم... ساخرا من المعلمين، ومن العلم، ومن العالم... ومني... ومن أينشتاين" (6).

3/الشك شوكة... الشك وردة: يعترف البطل لنفسه وللقارئ على أن المعرفة تقع على اليقين لا على الشك الذي يحاصر النفس البشرية الفضولية، حتى يصادف فتاة اسمها وردة فيظنها تلك الجنية قد عادت لتراوده عن نفسه من جديد: "انتعلت شكي و... جريت... جرية واحدة دون أن ألتفت ورائي..." (7).

4/العنكبوت: يتخيل البطل نفسه عنكبوتا يشك في كل العالم من حوله، إلا الموسيقى التي توهمه بالنسق في الفوضى وبالجمال في البشاعة غير أنه يكتشف حقيقتها الكاذبة في نهاية المطاف: "الموسيقى تكذب. الحقيقة الأولى هي أن لا حقيقة في العالم... إذا كان العالم موجودا. والحقيقة الأخيرة هي أن الموسيقى تعنكب الأكوان. وأنا لست عنكبوتا. هل أنا عنكبوت؟" (8).

الطبيعة حاضرة بدورها في قصص "نافذة على الداخل" كمنبع للصفاء رغم تلك الظلمة التي تهيمن على النفس البشرية وطريقها الصعب في هذه الحياة، كما نقرأ عن ذلك في قصة "الكهف" التي قسمها بوزفور أيضا إلى ثلاثة أقسام (عيناها خضراوان-الكهف- عيناها دائما خضراوان)، أين يكتشف المتلقي أن البطل لا يزال يمشي وسط ظلمة ذلك الكهف وحيدا لا يرافقه سوى ظله العملاق ثم يجد نفسه فجأة تهوي، غير أن العناية الإلاهية تنقذه دون سابق إنذار: "وتعثرت فهويت في الجرف العالي أسفل باب الكهف لولا أن أنقذني غصن شجرة تشبثت به بيدي الاثنتين" (9).

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

..................

الإحالات:

(1) أحمد بوزفور، نافذة على الداخل، منشورات طارق، المغرب، 2013، ص 6.

(2) المصدر نفسه ص 17.

(3) المصدر نفسه ص 40.

(4) المصدر نفسه ص 51.

(5) المصدر نفسه ص 63.

(6) المصدر نفسه ص 64.

(7) المصدر نفسه ص 66.

(8) المصدر نفسه ص 67.

(9) المصدر نفسه ص 73.

 

الكاتبة (ميرفت الخزاعي)، عضوة "منتدى الأديبات البصريات" الذي أسسته، الهيأة الإدارية لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين- البصرة، في دورتها الراهنة - 2016، ويعقد جلساته الثقافية - الأدبية الفنية، نصف الشهرية، في مقر الاتحاد بتواصلٍ وحضورٍ نسائي - رجالي ملفت للنظر، أصدرت كتابها الأول المعنون " حرير فراشة الحكايات"، احتوى على (67) نصّاً، و بموجب، موجهات، الغلاف فهي" قصص قصيرة ". لكننا نجدها من ناحية الثيمات والحجم، والمنحى السردي، ومحدودية زمنها الفني، وفي الأهم تجليات السرد القصصي، تقع- غالبيتها- في دائرة (القصة القصيرة جداً) كونها تبتعد عن البناء المحدد بحثياً لجنس (القصة القصيرة). ويلاحظ، فيها، عدم الاهتمام على البُنى المشكلة للقصة، وفي الأهم تجاوز الإرباك والارتباك، والخسائر اللغوية الفائضة. وكذلك تجليات السرد وآفاقه، فالسرد له أساليب عدّة، تكون لدى السارد بما يشبه الأدوات بين يديه، والسارد يعمد في اختياراته الأداة والمنحى اللذين يناسبان ما يطمح لإظهار توجهاته وما يشعر به ويسعى لتقديمه، مستثمراً ما يراه ملائماً من تقنيات سردية - فنية. وكما معلوم إن السرد من الأساليب المتّبعة في القصص والروايات وكذلك المسرحيات و اليوميات والمذكرات، وهو ينسجم مع طبع الكثير من الكتّاب - الكاتبات، وأفكارهم- أفكارهن، وذلك لمرونته وكشف المقدرة والتوجهات الفكرية والقدرات الفنية، و يعد أداة للتعبير، ويقوم الكاتب- الكاتبة، بواسطته بترجمة الأفعال وردودها والسلوكيات والأماكن، بأسلوبه الخاص، وعلى وفق إمكانياته الشخصية وتوجهاته الفكرية - الاجتماعية، وقدراته الفنية، وبذلك يكون الكاتب- الكاتبة، قد قام بتحويل المحكي، والمتخيل، والوقائع المتحققة، وكذلك الغرائبي، إلى (نص)، ويجهد على ترتيب الأحداث فيه، بغض النظر عن الانسجام أو عدمه، بين توجهاته وأفكاره، عبر اللغة التي تطرح تلك المعاني. فالبنية السردية في القصة القصيرة هي الشكل الذي تُقدم فيه مادة القصة من خلال الأشخاص، والراوي، واللغة، والأحداث، إضافة للزمان والمكان وهي هنا بنية، ثابتة لا تتغير باختلاف النصوص، أما البنية النصية فهي الطريقة التي يوظف بها الكاتب/ الكاتبة/ جزئيات سرده عملياً في إنتاجه الذي قد يلتزم بكل عناصر البنية السردية أو بعضها. وفي السرد الفني تنعدم الحاجة لتقديم المواعظ والحِكم، وذلك لأن السرد يظهر كل ما هو ممكن، وإن حصل ما هو عكس ذلك فهو ترهل وحشو يضعفانه ويؤثران سلباً في بنيته، و ينشأ من هنا الضعف في تركيبته. للسرد صيغ متنوعة فيمكن أن يروى شفهياً أو كتابة أو حواراً أو أن يكون عن طريق الصور والإيماءات، وقد يقع أيضاً بصيغ مبتكرة يلجأ إليها القاص عندما تقتضي إليها الحاجة فنياً، وحسب (رولان بارت) فـ: السرود لا حصر أو عدَ لها. حول (السرد وتقنياته) يمكن العودة إلى عدد لا يُحصى من المصادر العربية والأجنبية المترجمة والشبكة العنكبوتية، و نؤكد على استفادتنا منها بتصرف. يمكن وضع " حرير فراشة الحكايات" ضمن دائرة، ومنحى وتوجهات (الحـكايات)، وهو ما يعد بمثابة الانجاز لـ"ميرفت الخزاعي و حرير فراشة الحكايات"، خاصة وهي تجربته الأولى في الإصدار الادبي الخاص بها، فالعنوان يشير إلى ذلك، و نجد بعد الإهداء، من خلال توجيه السؤال للأم :" من أين تأتي الحكايات؟.هل تأتي من بئر لا تنضب!.وماذا سيحدث إن جفَ ماؤها يوماً ما!". هذا الأمر، بمثابة الإعلان بأنها (حـكايـات)، و"ميرفت الخزاعي"، بوضوح، هي (الحكاءة)، والدلائل كثيرة، ومنها: " إشراك: " الموت حرقاً "، هوت مطرقة القاضي بالحكم على الرؤوس الأربعة، تزعم أنها تخلق من الطين كهيئة طيرٍ، تنفخ فيه وتطعمهم"- ص12، واستحقاق": برضىً، تستقبل عتابَ الله لها(؟!) تَوَجَّستْ خيفةً، كان الذنب لا يغتفر هذه المرة"؟!- ص18 . و" قيامة :خلف شاهدة القبر، راحت تُلقمهُ ثديها الضامر، علا صراخهُ، أسكته همسٌ هادر، الجميع هنا لازالوا جياعاً" - ص 22، و"تواطؤ: الحروف التي شعرتْ بالوسن، حين مرَّ، تركتْ عرشَ قلبي وتبعته" - ص 38، و" تلُبس:كانت في المخفر، تهمتها سرقة الرُزّ والخبز مع سبق الإصرار، ردتْ: ولكنَّ حاويةَ القمامة ليستْ ملكاً لأحد"، و" تجارة :دواوينه التي ألبسها الغبارُ حلةً قديمة، رقصتْ فرحاً، ارتفعَ ثمنُ حروفها في عيد الحب" - ص 59 . يندرج في هذا كل ما جاء في الصفحات (52 - 79)، بحجم متوسط - دار أمل الجديدة - دمشق- ط1- 2016 - الغلاف الفنانة التشكيلية (الهام ناصر الزبيدي). بهذه اللغة الواضحة، المقتصدة والبسيطة البعيدة عن التكلف والمثاقفة، والضربات النثرية المركزة، يمكن أن تعلن الكاتبة " ميرفت الخزاعي"، على الغلاف: " حـكـايـات". ولا إشكال في ذلك، فبموجب المصادر والمراجع المتوفرة بكثرةٍ، فان (الحكايات) تندرج ضمن الأعمال الأدبية - الفنية، وتنتقل إلى الأجيال المتعاقبة، شفهياً، ومع إنها تتحول دائماً بسبب، ضغوطات الظروف الاجتماعية المتعددة - المتغيرة والأزمنة المتعاقبة بتواصل لا ينقطع، إلى عملٍ مختلف بتاريخه وقصةٍ تروى، وقد أطلق عليها الباحث الألماني " ك- بوج" في تقصيه وبحثه المتواصل للحكايات، المتواترة - المتشابهة، في ما يصفه بالمروي المقدس، صفة " الخرافة"، التي تنتقل من بيئة لأخرى، لاستخدامات " نفعية- زمكانية"، لكنها "كمضمون" تعد بمثابة النص شبه الثابت، وآخر متحول، يتغير بحسب ظروف (الراوي- الناقل)، وتوجهاته في استخداماته لها، وضمن العصر الذي يعيش فيه، قد تكون الأحداث فيها واقعية أو خيالية و حتى غرائبية، و لا يعرف (مؤلف) الحكايات، بينما (الراوي- الناقل) في حكم الـ(معروف)، و يستند( الحكاء - الحكاءة)، على وقائع ربما قد حدثت.. وواقعنا العراقي - المحلي، الراهن بالذات، يضج كثيراً ويتميز، جداً، بـالـ" حـكـايـات"، المفجعة- الغرائبية، والتي لا تتطابق، إطلاقاً، مع أي منطق واقعي أو عقلي .

 

جاسم العايف

تقديم: عبر المقهورون والمحرومون والمهمشون والمقصيون والمستضعفون والمنبوذون على الدوام عن رفضهم للظلم واحتجاجهم ضد امتهان الكرامة، ذاك كان شأن الرعاة الرحل والفلاحين البسطاء أيضا. وقد جعلت الثقافة الشعبية من الحكايات الخرافية والأحاجي والأهازيج وعاء ضمنته هذا الرفض والاحتجاج، وحفظت فيه ذاكرتها ورفعت من خلاله صرختها الحقوقية الحادة والواضحة.

فلم يحصل أبدا في التاريخ أن سكت مظلوم عن ظلم أو رضيت ضحية عن عسف جلاد، وإنما هي وسائل المقاومة و التعبير عن ذلك، تختلف حسب القاعدة المعرفية والثقافية التي ينبثق عنها وعي المظلوم.

ولم يكن وعي القرويين ولا وعي نسائهم ساذجا وبسيطا كما يبدو ذلك لكثيرين اليوم، وإنما كان وعيا لاذعا ومبدعا، لقد كان ابن زمانه. إن الحلم الإنساني بالكرامة و العدل واحد عند الجميع، وعلى الذين يريدون التأكد من ذلك أن يراجعوا التاريخ. على الطيار الذي يحلق اليوم تحت سماء الله الرحيمة أن يعرف أن حلمه الذي تحقق اليوم، هو نفسه حلم ذلك الذي أبدع البساط السحري أو ركَّب أجنحة لذراعيه وجرب أن يرتفع عن الأرض.

وعلى الذين يحلقون اليوم في سماء الحقوق الفسيحة بأجنحة المواثيق الدولية والمعاهدات، أن لا ينسوا أن رجالا ونساء مظلومين محرومين مضطهدين فكروا مثلهم، وحلموا قبلهم بفجر الخلاص. غير أنهم لم يجدوا بين أيديهم من وسيلة للتحليق والطيران غير أجنحة الخيال وبِساط الخرافة ، وأن من جرب منهم تركيب أجنحة من ريش الرفض والتمرد والاحتجاج، دقت عنقه وسحقت عظامه بين فكي رحى الطغيان والاستبداد، وطمر حيا تحت ركام التراب، ثم طوى النسيان كل حلم بالعصيان.

ولتجسيد هذه الدعوى التي أدفع بها للتذكر والتفكر، أقترح قراءة جديدة لديوان خرافاتنا القديمة.

- أقترح أولا للتأمل حكاية خرافية في رفض الاستبداد الاجتماعي والسياسي.

- وأقترح ثانيا للتأمل أيضا، حكاية خرافية في رفض الاستعباد الجنسي الذكوري.

وكلا الرفضين هما رفض صريح للظلم والاستعباد. ونشدانٌ صريح للعدل وللكرامة.

رفض كل استبداد باسم السلطة السياسية .

ورفض كل استعباد باسم السلطة الذكورية.

الاستبداد الأول عام وشامل.

والاستعباد الثاني خاص بالنساء.

إذ للنساء دائما وضعيتهن الخاصة في المعجم الحقوقي القديم والحديث.

فهن ضحايا الاستبداد السياسي والاجتماعي وهن أيضا ضحايا الاستعباد الجنسي.

وضعية مزدوجة وعنف مضاعف.

فلنتأمل:

(1)

القاضي اللقلاق: في مديح العدل و مذمة الاستبداد

تلعب شخصية القاضي دورا مركزيا في الكثير من الحكايات الخرافية، وتحتفظ له الذاكرة الشعبية في مدونتها الشفهية بصورة سلبية قاتمة، فهو ظلوم غشوم متكبر متجبر، الأمر أمره والنهي نهيه ولا من يعلو عليه، وهو في هذه الذاكرة المشرع والحاكم والمنفذ، إنه يمثل السلط الثلاث مجتمعة، ولا شك بأن للأمر علاقة بتوزيع السلط في زمن نشأة هذه الحكايات، إنه مشرع بمستشاريه وحاكم بأمره ومنفذ بزبانيته وعبيده وأعوانه.

وفي الحكاية أن إحدى القرى ابتليت بواحد من هؤلاء القضاة، فلم يقف ركبه عند حد من الظلم والعسف والجور، وسام أهلها العذاب والهوان، وحكَّم هواه في رقابهم وأذاقهم من مر أحكامه ولفحات سوطه ما لم يتحمله صدر ولا ظهر.

جلد الفلاحين بلسانه وسياطه، وطمر الرعاة تحت الردم، ولم يشبع ذلك جوعه، فاخترع لهم من العذاب أشد الأنواع فتكا، إذ صار يربط المغضوب عليه منهم إلى جمل جوعان وآخر عطشان، ويضع أما م الجوعان مخلاة شعير وأمام العطشان دلو ماء، فيجري العطشان إلى الماء والجوعان إلى المخلاة فيمزقان بينهما الفلاح الشقي أو الراعي المسكين.

كل هذه الوحشية لم تكن كافية ليتوقف الجبار العنيد عن تمزيق الناس إلى أشلاء، ولم تكن كافية لإرضاء شهوته للقتل، أو إنهاء شغفه بالتفرج على مآسي المستضعفين، فأمر عبيده أن يصنعوا دكة ويضعوا عليها كرسي قضائه، ويجعلوا للناس تحت الدكة موقفا لا يتخطونه، ففعلوا، غير أن شكوى المتظلمين لم تعد تصله، فأمر بأن يُصنع لهم سلم يصعدون به إليه، وكذلك كان... ولم تمض غير أيام حتى مل من رؤية هؤلاء المحرومين الذين يثيرون الشفقة ويسدون أبواب البهجة، وهو لا يبتهج إلا بالسخرية على المآسي ولا ينشرح إلا إذا رأى الناس منبطحين ورجله فوق أعناقهم، لذلك أمر عبيده بمجرد أن يعتلي هو دكته ويتربع على كرسيه أن يدهنوا السلم بالصابون وينادوا على المتظلمين كي يصعدوا إليه، فما يكاد الواحد يضع رجله على درجات السلم حتى يهوي ساقطا على جنبه أو ظهره أو قفاه، فيلوي القاضي عنقه إلى الوراء ويطلق ضحكة غريبة لا يزال صداها يتردد بين طيات الحقب التي طوت آلام الناس تحت جناح النسيان .

لاق لاق لاق لاق لاق ....لق لق لق لق لق لق

لاق لاق لاق لاق لاق ...لق لق لق لق لق لق لق

سمع القرويون من كل الجهات هذه الضحكة الغريبة.

سمعها الفلاحون والرعاة فتركوا قطعانهم وحقولهم وقصدوا دكة القضاء ذات مساء ليروا بأعينهم ما لم تستطع آذانهم تصديقه.

تحلقوا حول دكة القاضي ليروا ما سيصنع بالناس.

جاء القاضي، صعد الدكة وتربع على كرسيه.

أمر عبيده بدهن السلم... وجلس ينتظر... لم يكن أحد يستطيع رد أمره أو رفض حكمه، كان المتظلمون يعرفون بأن السلم مدهون بالصابون ولكنهم كانوا يصعدونه برؤوس مطأطأة.

يصعدون الدرجات فتنزلق بهم ويتهاوى الجسم المكدود إلى الأسفل، يسقط الرجل فينكشف المستور من جسمه وتختلط أطرافه ببعضها فلا يعرف أين سقطت رجله أو أين سقطت يده، وإذ يحاول الوقوف مرتبكا يلوي القاضي عنقه إلى الوراء ويطلق ضحكته الغريبة.

لاق لاق لاق لاق لاق

لق لق لق لق لق لق

جأر الحاضرون بالشكوى وهم يرون أعراضهم تفضح وأستارهم تهتك وكرامتهم تمتهن من صغير ظن نفسه الأكبر.

رفعوا أكفهم للسماء، هالهم ما تفعله عدالة الأرض بأبناء الأرض، رفعوا أعينهم إلى السماء وهتفوا بصوت واحد الله أكبر الله أكبر.

ساد صمت رهيب ثم شقت الصمت الضحكة المعلومة نفسها.

لاق لاق لاق لاق لاق

لق لق لق لق لق لق لق

عاد القرويون بأعينهم إلى الأرض، نظروا إلى الدكة فرأوا فوقها طائرا غريبا برجلين طويلتين، طائرا يلوي عنقه إلى الوراء مثلما كان القاضي يفعل، ويطلق صوتا كضحكة القاضي.

إنه القاضي .

بين اللحظة التي رفع فيها المظلومون أعينهم إلى السماء واللحظة التي وضعوها على الدكة، كان القاضي قد مسخ لقلاقا.

كذلك سموه اللقلاق.

نزل اللقلاق من دكته.

نزل السلم الذي كان يسخر من الناس الذين يصعدونه.

وليس النزول كالصعود.

هم كانوا ينزلقون حين الصعود وهو انزلق وهو يجرب لأول مرة النزول على السلم المدهون بالصابون. هوى إلى الأسفل، اشتبك عنقه برجليه، حاول النهوض، حاول المشي، تعثرـ ومنذ ذاك و اللقلاق لا يحسن المشي- أراد الاقتراب من الناس الذين كان يستعلي عليهم بسلطته وزبانيته، ولكنه لم يعد كالناس، فر عبيده وفر مستشاروه وفر أعوانه، أدرك بأنه قد مُسخ كما تَمسخ السلطة من يلبس رداءها، ولم يعد قادرا على العودة إلى أصله الأول ..." مجرد إنسان ".

أعاد الكرة وحاول الاقتراب من جديد، فأخذ القرويون يرجمونه بالطوب والحجر، وهو ينط أمامهم ويحجل ولا يعرف كيف يمشي، حرك ذراعيه فانبسط الجناحان، رفرف وطار، ارتفع، أعلى من الحجر والطوب، ارتفع أعلى من أن يصله الحجر والطوب، وحط على رأس أعلى مرتفع صادفه.

"والخرافة ليست كذلك إلا بالقدر الذي تبدو لنا فيه خرافة"

اللقلاق صورة للمستبد الطريد المنبوذ.

ووقفته هناك في الأعلى ليست وقفة الوقور الزاهد ولا وقفة الحكيم الناسك ولا وقفة الإمام النادم على توضئه باللبن كما في بعض الخرافات المحلية الرعوية التي تقدس البياض.

تلك وقفة المستبد الرجيم.

تلك وقفة الهارب من حجر المقت وطوب اللعنات البشرية .

أكان القرويون سذجا وبسطاء وهم يبدعون هذه الخرافة ؟ أم كان وعيهم الحقوقي حادا وشعورهم بالظلم جارحا وحلمهم بالكرامة والعدالة مطلب الليل والنهار؟؟

ذلك هو السؤال الذي تحمل الخرافة نفسها قسما من الجواب عنه.

الشعور بالظلم ليس وليد اليوم ولا وليد الوعي الحقوقي الحديث كذلك . وإنما كل وعي ينبثق من القاعدة الثقافية والمعرفية لزمنه ويتكلم بلغتها ورموزها، وما علينا غير أن نفك شفرة تلك اللغة أو نتملك اللسان الذي تعبر به عن أحوالها. أو على الأقل نفهمه ونتهجاه، إن لم نستطع تكلمه.

لم يكن الرعاة ولا الفلاحون البسطاء سذجا، ولكنهم كانوا عزلا أمام قوة غاشمة ظالمة. قوة القهر والاستبداد السياسي والاجتماعي في تلك العهود القاتمة المعتمة.

أيديهم مشلولة أو مغلولة إلى الأعناق،، وألسنتهم غير قادرة على الصراخ أو الإفصاح عما يغلي في الصدور.

فلا أقل من أن تتدخل يد القدر الذي أحكم تنظيم كل شيء لترفع عنهم هذا البلاء، ذلك ما يتمنونه ويتوقون إليه،، ذلك ما يحلمون به، وذلك ما سيحولونه - عبر آليات يصعب رصدها كما يصعب رصد آليات نشأة الأحلام - إلى حكاية خرافية. إنهم بذلك يعاقبون المتسلط الجبار بما هو أشد من تسلطه وجبروته، يعاقبونه بجبروت الوصم الأبدي، سيحيى المستبد على الدوام كرسم معلق على أبواب الذاكرة، لقد أعطيت له الصورة التي تناسبه،" القاضي اللقلاق"، صورة لا تبلى ولا تفنى،، وستعلنه كل الأجيال عدوا لها،، ستستعيد ضحكته من بين كل الضحكات التي عبرت ليل الاستبداد البهيم وتلعنه في سرها وفي جهرها.

لاق لاق لاق لاق لاق لاق لاق

لق لق لق لق لق لق لق

لقد تدخلت يد القدر في الأماني الخفية فجعلتها خرافة " والخرافة ليست كذلك إلا بالقدر الذي تبدو لنا فيه خرافة"، لقد شلت يد القدر اليد التي تبطش بالعباد ولوت العنق وعطلت اللسان.

قامت الخرافة بدورها كاملا " غيرت وبدلت وحولت " باختصار حققت المسخ، مسحت صورة المستبد ورسمت بدلها الصورة التي حلم بها الضحايا على الدوام، طائر تتبرأ منه الأرض ولا يحط رجليه عليها إلا على رهبة وخوف من أهلها الحقيقيين. فالمستبد طائر الفراغ ، يحلق وحيدا ويحط وحيدا ولا يطوي جناحيه على غير الصرخات التي مزقت صدور ضحاياه ولم تغادر حناجرهم. من تلك الصرخات ومن ذلك الأنين سيخرج صوته الجديد.

لاق لاق لاق لاق لاق

لق لق لق لق لق

لم يكن بأيدي الرعاة والفلاحين البسطاء تغيير الظروف،، ولا تجاوز شرطهم الإنساني العسير، لكنهم تحايلوا على الظرف والشرط والزمان،، وأبدعوا وسيلة الخلاص والتحرر،، أبدعوا وسيلة إسقاط الوثن وشنق الصنم.

أبدعوا الخرافة.

" فسبحان الذي يبيتها في شان ويصبحها في شان "

بات المستبد قاضيا وأصبح لقلاقا بعنق طويلة طول غروره وتكبره، ورجلين طويلتين طول استعلائه وعجرفته وجوره.

الرجلان طويلتان طول السلم الذي كانت تُهدر عليه كرامة المستضعفين، والعنق طويلة طول السياط التي كانت تشوي ظهورهم وجنوبهم. وهو حين يلويها إلى الوراء فإنما يجلد ظهره، " يا لِسخرية التخييل الخرافي من حقيقة الواقع ".

يجب الانتباه هنا إلى أن كل عضو في جسم الطائر وكل حركة تصدر عنه تعبر عند البدو الرعاة والفلاحين على قيمة من القيم المرفوضة والمذمومة، وهم يُسقطون على طائر الخرافة هذا، رغبتهم في التخلص من هذه القيم ، إنهم يُحَمِّلونها له. يكسونه بريشها ، إنه الطائر الذي تعلق عليه الرغبات والمكبوتات والتطلعات، تماما كشجر الخرافة في الأضرحة والمزارات، شجر تعلق عليه النساء خرقا يُحملنها رغباتهن أو يتخلصن بها من هَمِّ يحملونه أو فشل لا يطيقونه. يحول القرويون القيم السلبية إلى جسم مادي حي، طائرا في حالتنا أو شجرة في حالات أخرى. فهذا الجسم الحي على الأقل هم قادرون على ترويضه وتطويعه وتطويقه و مطاردته ورجمه والتخلص منه، وهم بذلك وفي الآن نفسه يخلصون أنفسهم من ركام الحقد الراقد في القلب ونار الغل المشتعلة في الصدور، فيتطهرون من كل الشحنات السلبية التي تخنق أنفاسهم وتقتل إحساسهم . لقد صالحتهم الخرافة مع أنفسهم . إذ كيف لهم وهم الأحرار أن يرضوا بالذل والاستعباد.

2

 أنثى أبي الحناء في مذمة العقلية الذكورية ومديح الحرية

قبل أن تصبح المرأة عصفورة جميلة وصغيرة تحت مسمى أنثى أبي الحناء، كانت مجرد امرأة ، جاء بها الرجل من القرية المجاورة، جاء بها وهي بعد طفلة غضة العود لتملأ بيته بنينا وتدفئ فراشه ليلا، صارت تأكل معه من الصحن نفسه ويكسوها مرة في السنة، ومرتين يأخذها إلى بيت أهلها، مرة كل عيد، وهي لرد هذا الجميل، تطبخ طعامه وتغسل ثيابه وصحونه، وتحلب البقرات وتكنس الحضيرة وتجمع الحطب وتغزل الصوف وتهيئ له الخلف الذي سيرعى الخراف ويصهل كالبغل وراء المحراث وينحني كالهلال على المنجل.

كانت هي أمَته وكان الأولاد عبيده. وهو كان عبد سادة لا يبعرفهم.

كبرت الطفلة في صمت لا تحسنه غير البدويات بنات زمانهن، وقلة هن بنات الزمن كما كانت تهمس لها في ليالي الشتاء القديمة أمها وقريباتها اللواتي كن ينمن معها تحت الغطاء نفسه ، إذا حصل، وزرنها:" اصبري، اصبري" كن يقلن لها، ثم ينصرفن.

جاءها ذات مساء، طبطب على كتفها كأب رؤوف، وقال: " كم تعبت يا امرأة، كم تعبت، حمدا لله فقريبا سأريحك". رفرف القلب في صدرها وهي تسمعه يقول ذلك، إذن فهو يفكر فيها. تابع الرجل. بعد سبعة أيام يا امرأة سيحل بالبيت ضيوف، وأريدك أن تكرمي وفادتهم. أريدك أن تعدي البيت وتهيئي أحسن وليمة لاستقبالهم.

وكذلك كان، اشتغلت المرأة بجد وبدلت كل جهدها:" على الأقل، قالت، أرد له بعض الجميل، هو الذي فكر في تعبي ..."

سبعة أيام والمرأة تطن كنحلة..

فتلت حبات الكسكس، نظفت فناء البيت، كنست كل ركن من الحضيرة، طهرت خم الدجاجات وغسلت ضرع البقرات ليكون الحليب الذي يقدم لضيوف الرجل نظيفا، غزلت الصوف ونسجت له الجلباب، عرضت الأغطية والأفرشة لحرارة الشمس... وفي اليوم السابع، صلت الفجر ولازمت رُكَيْنَةَ الطبخ، تنتقل بين الأواني والصحون والقدور، تتذوق وتُتَبِّلُ الطعام، جاء الغروب فسمعت الزغاريد على مقربة من البيت ولم تتحرك من رُكَيْنَتِها، قال لها الرجل:" ابقي مكانك إذا جاء الضيوف، ولا تستقبليهم، أنا سأحمل طست الغسيل وقصع الطعام، وأنا سأخدمهم، أنت ابقي مكانك، أنا سأفرش لهم الأفرشة وأغطيهم وأحرس نومهم، وأنت فابقي مكانك. لا تطلي من الباب ولا تدخلي الغرفة حيث نكون. سمعت المرأة كلام الرجل وأطاعته. تلك الليلة بات الرجل بين ضيوفه وباتت المرأة بين الصحون والقدور، نامت وقامت قبل الجميع، لتهيئ الفطور، وضعت أعواد الحطب اليابسة بين حَجرات " الكانون "، نفخت على النار حتى دمعت عيناها، وضعت " الفراح" على الحجرات الثلاث، وضعت كرة العجين في الفراح وشرعت تبسطها وتمددها بيديها الاثنتين، استدارت الكرة وانبسطت بيضاء كالقمر، جلست المرأة تنظر إلى خبزتها وتنتظر أن تنضج لتقدم الفطور الساخن للضيوف، حمدا لله سيفرح الزوج أيما فرح، فجأة، أحست بشيء يتحرك خلفها،

استدارت في مكانها، تسمرت عيناها على جسم بض رشيق لطفلة في سن ابنتها الصغرى، قالت الطفلة: " هل الفطور جاهز؟" لم تفهم المرأة السؤال، فردت: " وأنت.. أنت من تكونين أنت؟ " صرخت الطفلة الغرة في وجها:" أنا الزوجة الجديدة وسيدة البيت " هل عرفت الآن هل عرفت؟؟ "

شهقت المرأة، ثم شرقت بشهقتها ولم يخرج من فمها صوت، امتدت يدها إلى الحجرة المتقدة الحمراء، انتزعتها من تحت " الفَرَّاح " ثم خبطت بها على الصدر مرات ثلاثة "خذ ياقلبي خذ يا قلبي خذ " قالت.

اشتعل صدرها وثيابها، اشتعلت كلها. صارت كرة من لهب، ومن النار خرجت عصفورة صغيرة وجميلة على صدرها وشمة حمراء من أثر الضربات التي هوت بها على الصدر بحجرة الكانون، طارت المرأة، ارتفعت وحلقت حول البيت كجمرة الغضب، رسمت دائرة أولى وثانية وثالثة حول المكان الأليف ثم غادرت... غادرت إلى الأبد.

أحيانا، أحيانا حين يشدو الرعاة باللحن الشجي لناي البعاد، تحط عصفورة الروح الصغيرة على أقرب فرع لشجر الحياة وتبكي حرقة صدرها في صمت.

أجوبة الخرافة على سوط القهر والاستعباد:

أكان الرعاة والفلاحون البسطاء يقبلون الظلم والاستبداد ويرضون بالتسلط والجور؟

أكانت المرأة القروية المستضعفة تقبل الإذلال والمهانة وترضى باستعباد الذكور؟

لا هذا ولا ذاك.

لقد وجد القرويون البسطاء في الحكاية وسيلة للتعبير عن الرفض والشجب والتنديد.

فالعصفورة التي تحمل وشمة الغدر على صدرها وبصمة القهر محفورة في القلب، هي نفسها المرأة المعنفة.

واللقلاق الذي لا يغادر المرتفعات والأعالي هو نفسه الظالم المستبد.

لكل ماسبق:

أزعم إذن بأن الحكاية الخرافية هي ديوان الرعاة والفلاحين بالمعنى الذي يُزعم فيه بأن الشعر ديوان العرب.

فهي الوعاء الذي حفظ الذاكرة من التلف وهي سجل الآلام والأوجاع وكناش الأفراح والأتراح وسفر الأحلام والتطلعات. هي اللوح الذي نقشت عليه أقدارهم ومصائرهم، وهم وهن، قرويون وقرويات، يناهضون عسف السلطة المستبدة للحاكم أو عسف العقلية المتسلطة للذكور..

إنها أيضا الرسالة/ الوصية/ الشهادة الشفهية التي بعثوا بها إلينا من ماضيهم ذاك المنسي، ومن وراء ردم المطامير التي دفنوا بها أحياء.

هناك ستظل أرواحهم وأرواحهن معلقة وممزقة حتى يتاح لأحفادهم قراءة الوصية. وفك طلسم مصائرهم العجيبة.

ومن أجل حفظ تلك الذاكرة ولا شك، ظلت الجدات ومن بعدهن الأمهات يحرصن كل ليلة على تكرار الحكايات نفسها على مسامع الصغار، لقد كانت الجدات ومن بعدهن الأمهات يعرفن بأنهن بذلك يحمين تاريخهن الخاص وجراحهن الخاصة من النسيان.

وللذين لا زالوا يعتقدون بأن الحكايات الخرافية للجدات مجرد مناسبة لتزجية الوقت والتخفيف من حدة الليل، أقول إن الأمر لم يكن كذلك، لقد كانت الجدات مؤتمنات على ذاكرة الرعاة والفلاحين البسطاء وأسرارهم، مثلما كن مؤتمنات على تراثهم المادي من غزل وطبخ ونسج وتوليد وتداو.. وخطبة وعرس إلخ، كن يحرسن ثروات القرى والدواوير والمداشر والخيام وينقلنها للأحفاد حسب قسمة متوارثة، للإناث نصيب مما تركت القبيلة وللذكور نصيب.

لقد كانت الجدة مؤرخة القبيلة، وحارسة التراث.

كثيرون قد عَبَروا هذه الأرض ( فقراء ومحرومون ومستضعفون ) مثلما يَعبرها البشر الفانون تاركين وراءهم بعض الحكايات التي تدعو الأحياء إلى التأمل والتفكير في المصير المُحترق.

والأطفال الذين تحلقوا حول الجدات في تلك السنوات البعيدة من تلك الليالي الطويلة القاسية، لم يكونوا أطفالا يتسلون بالإنصات لأحاجي الجدات وحكاياتهن حتى تنصرم حبات الليل من بين أصابع الوجود.

لقد كانوا هم أيضا حملة رسالة، هم أبناء المزارعين البسطاء والرعاة المتواضعين، حافظوا على الأمانة، وعبروا بها الحقب لكي تصل إلى القرية الحقوقية الكبيرة، أي إلى العالم الصغير أو الذي أصبح قرية صغيرة.

قد لا يجد البعض اليوم في الحكاية الخرافية ما يغريه بالانتساب لتاريخ هؤلاء الرعاة والفلاحين البسطاء ولمأساة أولئك النساء المستضعفات. لكن اللقلاق سيظل هناك في الأعلى معلقا ليذكر البشر الفانين بمساوئ الاستبداد.

وستظل أنثى أبي الحناء تحمل وشمتها على صدرها وصرختها في منقارها، ستظل العصفورة المسكينة تحوم وتحوم حول خيام القرية الحقوقية لتذكر رعاتها بخرافة الحياة.

 

...............................// القنيطرة/ المغرب

جمال الدين حريفي

 

 

 

 

 

 

 

 

اللغة: هي أهم صلات الترابط واستمرارية التواصل، ولا تعني اللغة بهذا المفهوم أنّها رباط مصلحي للتعبير عن حاجاتنا ومصالحنا فقط، بل هي كياننا ووجودنا ... حاضرنا العتيد وماضينا المجيد، وإن لكلّ مفردة إيحاءات تمتد إلى عصور ٍ مختلفة، وتشغل حيزاً في عقولنا تعجز عشرات الصفحات عن توضيح مدلولها وتفسير رمزها ...فكلمة (فرس) لا تعني هذا الحيوان الماثل أمام أعيننا بأذنيه وعينيه وذيله وأقدامه الأربعة ... كلّا وألف كلاّ فهو يشخّص لنا عنفوان الفرسان، وسنابك الخيول،... انتصارات الأمة ...فتوحاتها وانتكاساتها .. ساحات السباق ... وسباق الخيول وتترآى لنا من خلاله حارات دمشق وحواريها، وأزقة بغداد وسقّائيها ..مواكب الخلفاء، وقوافل الحجيج، فروسية عنترة ..وعزائم المتنبي، والخيل والليل والبيداء تعرفني ...!!

فحبّنا للغتنا الجميلة، وعشقنا للذاذة شعرنا الرائع ليس بدافع العبث وقتل الفراغ - حالنا كما هو حال الآخرين وحبّهم للغاتهم - بل تمنحنا اللغة عمر الأمة كلّه على أمتداد التاريخ، وتاريخ الأمم بكينونة ومض عمرنا الشخصي الضئيل العابر كلمح البصر، وبعبارة أدق: إنَّ اللغة أداة تكثيف الزمان والمكان وما يضمان، فحقّ لها آن نشمخ بها.

 

الشعر والشاعر والحداثة:

ومن اللغة الشعر بشكله ومضمونه، لأنّ لا مضمون بدون تشكيل ... ولا تشكيل بدون لغة، ومن هنا يأتي التمايز بين لغة النثر ولغة الشعر، وتذهب دائرة المعارف الإنكليزية في تعريفها للشعر، بأنه الطريقة الأخرى لاستعمال اللغة .

وشرعنا بكتابة الشعر العمودي لأنّه هو الأساس الذي يجب أنْ يُبنى عليه الشعر العربي، وإلاّ سيكون الشعرهش البناء، عديم الذوق والطعم، لا يمتّ ُبصلةٍ إلى الأصالة والنفس القومي الموروث عن تراث الأمّة ووجدانها، ويفتقد الشاعر لأهم المقومات الأساسية للموهبة الشعرية الصادقة، ويبقى نتاجه مجرد إرهاصات نثرية عقيمة لا تقوم لها قائمة، سيبتلعها الزمن مع عصرها . ولا أعني بطبيعة الحال الشعر الحر الموزون (شعر التفعيلة) الذي جُدّد على أيدي الروّاد، فالشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط، بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ... وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ إلى حال، ليصبح في صيرورة جديدة ... كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب " . يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:

 

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة.

 

الشاعر:

وتسأل عن الناس، فالناس أجناس، فمنهم - كما تصنف نازك الملائكة بما معناه وكما هو معروف - مَنْ يتذوق الشعر ولا يستطيع أنْ يدرك الموزون من المختل، وينطبق هذا على أكثر الناس، ومن الأقلية مَنْ تجده يستطيع أن ينظم الشعر بشكل ٍمتقن ٍ، ولكن لا تحسُّ بشعره نبض الحياة ونشوة الإبداع، وهذا هو الناظم، أمّا الشاعر فهو الذي يجيد النظم إجادة تامة، وتتأجج جذوته ليحترق، ويمنحك سرّ الإبداع، ولذاذة الشعر، تتحسّس بجماله، ولا تدرك أسراره - كما أسلفنا - والشاعر الحساس يرتكز لحظة إبداعه الإلهامية على مظاهر التأثيرات الوراثية التي تسمى بعلم النفس (الهو)، وما يختزنه في وعيه واللاوعي من معلومات وتجارب وعقد، ولك أن تقول ما في عقليه الباطن والظاهر (الأنا العليا)، ومن البديهي أن ثقافة المبدع بكل أبعادها الإيحائية واللغوية والمعرفية والسلوكية والفلسفية والتجريبية - والعلمية إلى حد ما - تؤثر على القصيدة أو النص الأدبي .

ومِنْ الشعراء المتميزين مَنْ يتمرد على التراث الشعري وهؤلاء من عباقرته الذين يمتلكون حقّ التجديد و التحديث، ومن الناس من يرفض القديم بحجة المعاصرة والتقليد، وهؤلاء يلجون عالم الشعر، وهم ليسوا بأهل ٍله، لأن ّ ما لا يكون لا يمكن أن يكون ! فالقدرة على الصياغة النغمية تكمن مع صيرورتها - وبدرجات مختلفة - الانفعال الشديد، والإحساس المرهف، والخيال الخصب، والإلهام الفطري، وهذه بذور الإبداع متكاملة مندمجة بماهية واحدة، وبدونها لا تنبت النبتة الصالحة لتعطي ثمارها و أُكلها .

فذلكة الأقوال نقول: نعم للتشكيل اللغوي المحكم، والتصوير الفني البديع، والتنظيم الواعي الدقيق دور كبير في بناء القصيدة، ولكنه دور مكمل يحتاج إلى قدرات عقلية كبيرة، وثقافة موسوعية عالية ورفيعة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم ُ)، ولكن - مرّة أخرى - الاعتماد على العقل وحده دون الغريزة الفنية و القدرة الموروثة أصالة أو طفرة (1)، لتتفاعل هذه كلـّها حيوياً لحظة الإبداع وصناعة القصيدة، وبكلمة أدق ولادتها (وخلها حرّة تأتي بما تلدُ)، كما يقول الجواهري . لهذا يبدو لي أن (نور ثروب فراي) لا يميل إلى قول العرب قديما (جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت بالصخر)، ويذهب إلى ما ذهب إليه الجواهري، فكلّ عباقرة الشعر يغرفون من بحر وتولد القصائد عندهم ولادة، ثم يجرون بعض التعديلات اللازمة عليها، فمن المفيد أن أنقل إليك - أيّها القارىء الكريم - هذه الفقرة من كتابه (الماهية والخرافة) (2) " القصائد كالشعراء، تولد ولا تصنع، ومهمة الشاعر هي أن يجعلها تولد وهي أقرب ما يكون إلى السلامة، وإّذا كانت القصيدة حية فأنها تكون تواقة مثله إلى التخلص منه وتصرخ ملء صوتها بغية التحرر من ذكرياته الخاصة، تداعياته، رغبته في التعبير عن الذات وكلك تتخلص من حبال سرته وأنابيب التغذية المتعلقة بذاته جميعا .

يتولى الناقد العمل حيث يتوقف الشاعر، ولا يستطيع النقد العمل دون نوع من علم النقس الأدبي الذي يربط الشاعر بالقصيدة . وقد يكون جزءا من ذلك العلم دراسة نفسية الشاعر مع أن هذه الدراسة مفيدة بشكل رئيسي في تحليل الاخفاقات في تعبيره ..." وأنا مع الناقد نور ثروب في هذا التحليل .

وأشرت إلى ذلك في هذه المقالة الموجزة من قبل، فالعقل وحده دون الغريزة الفنية لا يمكن أن يوّلد شاعرا كبيراً، ولا عبقرياً عظيماً في مجال الشعر، بل والفنون، والحديث شجون، ولله في خلقه شؤون !

 

التمرد والتجديد قديماً:

 وذكرت التمرد...وذكرت الرفض، وأنا بطبيعة الحال مع تمرد عباقرة الشعر، لأنّ التمرد ولود وهو ثورة في عالم الشعر، ولستُ مع الرفض لأنّ الرفض عقيم عاجز لا ينفذ إلى طريق ٍ مفتوح، بل إلى سردٍ مفتوح ... وما السرد بشعرٍ عند العرب، ولكل أمة لغتها وخصائصها ونطقها وموروثها ....!!

وأول من تمرد على بحور الخليل - حسب علمي - هو أبو العتاهية، لقد سُئل " هل تعرف العروض ؟"، فأجاب: " أنا أكبر من العروض " (3)، وجاء بوزن ٍشعري لم يكن معروفاً من قبل، وذلك عندما قال يهجو أحد القضاة:

همّ ُ القاضي بيتٌ يطرب ْ ***قال القاضي لما عوتبْ

ما في الدنيا الاّمذنــــــبْ **هذا عذر القاضي وأقلـبْ

وسمّي هذا الوزن من بعد (دق الناقوس) (4)، و الحقيقة أن الفراهيدي نفسه فاته هذا البحر، واستدركه من بعده تلميذه الأخفش، وسمّاه (المتدارك) (فعلن فعلن فعلن فعلن)، و (فعلن) هو زحاف طرأ على (فاعلن) كما هو معرؤف .

وإنّ عبد الله بن هارون السّميدع، وهو تلميذ الفراهيدي أيضا " كان يقول أوزاناً من العروض غريبه في شعره، ثم أخذ ذلك عنه، ونحا نحوه فيه رزين العروضي، فأتى فيه ببدائع جمّة "، كما يقول الأصفهاني صاحب الأغاني، وهي أوزان مهملة لم تشع على ألسنة العباسيين، فأوجدها المولدون عقبى امتزاج الحضارات ثم انقرضت، كعكس تفعيلات (الطويل) مثلاً الذي يسمى بـ (المستطيل)، فتفعيلات الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) مرتين، كقول امرىء القيس:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل ِ***بسقطِ اللوى بين الدخول فحومل ِ

أمّا المستطيل فتفعيلاته (مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن) مرتين، كقول القائل:

لقدْ هاجَ اشتياقي غرير ُ الطرف أحورْ ** أُدِيرَالصدغ ُمنه على مسكٍ وعنبرْ

وهكذا تفعيلات (الممتدّ) عكس (المديد)، وأجزاء (المتئد) مقلوب (المجتث)، و(المتوافر) محرّف (الرمل)، وللمضارع (مفاعيلن فاعلاتن) مرتين مثل:

 ألا منْ يبيعُ نوماً ***لمنْ قط ُّ لاينامُ (5)

أقول للمضارع مقلوبان وهما (المنسرد) وتفعيلاته (مفاعيلن مفاعيلن فاعلاتن) مرتين، و (المُطرد) وتفعيلاته (فاعلاتن مفاعيلن مفاعيلن) مرتين، وإليك من الأخير:

 ما على مستهام ٍ ريع بالصدِّ *** فاشتكى ثمّ أبكاني من الوجدِ

 

والحق ينسب للعصر العباسي وزن شعبي هو وزن (المواليا)، يقال إن إحدى جواري جعفر البرمكي رثته بشعر غير معرب، وجعلت تقول بعد كل شطر (يا مواليا)، وهنالك الكان كان، والقوما البغدادي الذي ينشد عند السحور (قوما نسحر قوما، وكذلك ظهر المزدوج، وذلك بأن تختلف القافية من بيت إلى بيت، وعادة تنظم من بحر الرجز ؟ بل أين الموشحات التي أخذت مدى بعيداً، وأشواطاً طويلاً،، وندع الآن الشاعرة نازك الملائكة تكمل المشوار في (قضايا شعرها المعاصر) .

" والواقع أن الشعر الحر قد ورد في تاريخنا الأدبي، وقد كشف الأدباء المعاصرون، ومن أوائلهم عبد الكريم الدجيلي في كتابه المهم "البند في الأدب العربي، تاريخه ونصوصه"، كشفوا أن قصيدة من هذا الشعر قد وردت منسوبة إلى الشاعر ابن دريد في القرن الرابع الهجري وهذا نصها، وقد رواه الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" وأدرجه كما يدرج النثر الاعتيادي؛ ولكني أوثر أن أدرجه إدراج الشعر الحر ليبدو نسق أشطره المتفاوتة الأطوال والأوزان:

رب أخ كنت به مغتبطًا

أشد كفي بعرى صحبتهِ

تمسكًاً منّي بالودِّ ولا

أحسبه يغير العهد ولا يحول عنه أبدًا

ما حل روحي جسدي

فانقلب العهد بهِ

فعدت أن أصلح ما أفسدهُ

إلا سيلقى فرجًا في يومه أو غدهِ

هذا والأستاذ الدجيلي لم يعد هذه القصيدة شعرًاً حرًّاً؛ وإنما التمس فيها شكل البند الذي رآه فيها بعض الأدباء، والواقع الذي لم يلتفت إليه الباحث الفاضل أن أشطر ابن دريد تجمع بين بحور دائرة المجتلب جميعها ففيها أشطر من الرمل وأخرى من الهزج وثالثة من الرجز. والبند كما أثبتنا في هذا الكتاب يستعمل وزنين اثنين هما الرمل والهزج فيتداخل هذان البحران وفق قاعدة دقيقة مذهلة .

كذلك نقل عبد الكريم الدجيلي من كتاب "وفيات الأعيان" أشطرًا منسوبة إلى أبي العلاء المعري تجري هكذا:

أصلحك الله وأبقاكَ

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الخالى

لكي نحدث عهداً بك يا خير الأخلاء

فما مثلك من غيَّر عهدًا أو غفلْ

 

إن هذه الأشطر شعر حر من الرجز ثم من الهزج، وهي مثل أشطر ابن دريد غير كاملة، وقد وقف الشاعر عند منتصف تفعيلة الهزج. " (6)

ثم يأتي البند الرائع، ومعظم تفعيلته الأساسية (مفاعيلن)، وهي تفعيلة بحر الهزج، ولكنها تتكرر دون تقيد بعمود الشعر وهزجه وأشطره ، كما هو حال شعر التفعيلة الحر ....وقد يأتي أحياناً بتفعيلة (فاعلاتن)، وهي تفعيلة بحر الرمل، فإمّا أن يأتي من (مفاعيلن) صافياً، أو من (فاعلاتن) صافياً، أو مزدوجاً من تفعيلتي (مفاعيلن) و (فاعلاتن) بنظام ...وفي أحيان نادرة يأتي البند من تفعيلة (مستفعلن)، وهي تفعيلة الرجز ...وربما تسألني عن السبب، أقول لك إن التفعيلات الثلاث (مفاعيلن) و(فاعلاتن)، و (مستفعلن) هي تفعيلات دائرة المجتلب بمعنى عند تداخلها في الدائرة تتشكل التفعيلات دون أن تتحسسها بسهولة، ولا يأتي البند من البحور الكامل، الوافر، المتقارب ...فهو جزء من شعر التفعيلة .

وإليك من بند ابن الخلفة الحلي الشهير:

ألا يا أيها اللائم في الحب،

دع اللوم عن الصب،

 فلو كنت ترى الحاجبي الزج،

فويق الأعين الدعج،

 أو الخد الشقيقي،

أو الريق الرحيقي،

أو القد الرشيقي،

..................

 أهل تعلم أم لا ؟

أن للحب لذاذات،

 وقد يعذر لا يعذل

من فيه غراماً وجوى مات،

 فذا مذهب أرباب الكمالات،

فدع عنك من اللوم زخاريف المقالات،

 فكم قد هذب الحب بليداً

فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيداً

صه: فما بالك أصبحت غليظ الطبع لا تعرف شوقاً،

لا ولا تظهر توقا،

 وبضم التصاق،(7)

 

وماذا بعد؟!!

الكرة الآن، وأحسبها كرتين في ملعبين متابينين، ملعب للشعر الموزون، وملعب للنص المنثور، يتقاذفهما الداني والعالي، القوي والضعيف، الصغير والكبير، ومن حق الناس أن تعبر عن مكنوناتها وبوحها وآلامها وأمالها وأتراحها وأفراحها كيفما تشاء، ولكن على أغلب الظن لا يبقى منه خالداً لدى أمتنا، إلا الدر الثمين لشعراء مرّوا بالتجربتين العمودية والتفعيلية، وأجادوهما ، و ربّما شاءوا أن يبدعوا بما يسمى بقصيدة النثر المستوردة، وابنيها الشرعيين النص المغلق والنص المفتوح، فقد يفتح الله عليهم ، وتُترجم نتاجاتهم للغات أجنبية، فتستطيع أن تنفذ بقدرة قادرٍ مقدر، والليالي يلدن كلّ عجيب، والله المستعان، لما في الوجدان .

 

 

....................

(1) هنالك دراسات وبحوث تشير إلى أن بعض خصائص العبقرية ومظاهرها تنتقل وراثيا من الأباء إلى الأبناء خصوصا على مستوى الفنون ومنها الشعر، وخصوصا إذا صقلت فيما بعد، ولكن ربما تحدث طفرة وراثية في الطور الاستوائي للانقسام الاختزالي في المراحل الجنينية للفرد، تؤدي في أحيان نادرة إلى صالحه، وتؤدي إلى عبقريته .

 (2) (الماهية و الخرافة دراسات في الميثولوجيا الشعرية) ترجمة هيفاء هاشم / دمشق1992 ص 19

 (3) لقد نظم أبو العتاهية على أوزان لا توافق ما استنبطه الخليل، ويقال إنّه جلس يوماً عند قصّار، فسمع صوت المدق، فحكى وزنه في شعره قائلاً:

للمنون ِ دائرا *** تٌ يُدرنَ صرفها

فتراها تنتقينا *** واحــداً فواحـــدا

فلمّا أنتقد في هذا قال: أنا أكبر من العروض ....وهذه رواية أخرى.

 (4) يسمي بعضهم (المتدارك) الخبب أو (ركض الخيل)، لأنّه يحاكي وقع حافر الفرس، أويحاكي (دق الناقوس)، يذكر السيد أحمد الهاشمي في (ميزان الذهب)/ طبعة دار الكتب العلمية / بيروت 1990م ص97 مايلي:" وليس أدل ّعلى تعليل ذلك إلا ّقول سيدنا علي في تأويل "دقّة الناقوس" حين مرّ براهب وهو يضربه فقال لجابر بن عبد الله أتدري ما يقول هذا الناقوس ؟فقال الله ورسوله أعلم قال: هو يقول:

حقاً حقاً حقّاً حقّاً **** صدقاً صدقاً صدقاً صدقاً

....." ينقل المؤلف أربعة أبيات، كلها من البحر المتدارك (دق الناقوس)، ولم يذكر الهاشمي أي سند أو مصدر للرواية، فأن ْ صدقت الرواية فهذا يعني ان البحر كان معروفاً منذ عهد الإمام علي(ع)(ت 40 هجرية)، على حين الفراهيدي (ت 174هجرية) , بينما تلميذه الأخفش الأوسط الذي استدركه عليه (ت 211هجرية)، وأنا لم أتحقق من صحة الرواية، ولكن على أغلب الظن الفراهيدي يعرفه وأهمله.

 (5) كما لا يخفى جاءت التفعيلة الأولى لكل من الصدر والعجز (مفاعيل)، وهي من جوازات (مفاعيلن) للبحر المضارع. .

 (6) (قضايا الشعر المهاصر): نازك الملائكة 1 / 5 - 11 - موسة المكتبة الشاملة

(7) راجع: (أدب الطف): السيد جواد شبر ج ص 98 - 99 .

 

 

لقد باتت تيمة الحق (عيسى راشد الطاروف) تحتوي بفعالية كبيرة الموانع والحواجز التي وقفت سابقا في وجه نجاح أمه جوزافين، والتي أيضا كانت تحول دون تحقيقه الملامح السليمة لنسقها الكلي، كمنظومة دالة في مختلف أوجهها المتكاملة فيما بينها: الهوية، الانتماء، المعرفة، الحرية، الكرامة والقيم، السعادة، الحقيقة .. مع انفتاحها التدريجي على تيمة السلطة المرتبطة هنا بمرحلة سقوطها، نظرا لتراجع وضعف مقاومة قمة هذه التيمة، نعني بها: غنيمة الطاروف  .

قال عيسى بهذا الصدد متحدثا عن جدته: " أصبحت جدتي تتقبلني أكثر فأكثر مما مضى "(49) .

ثم يضيف: " بعد أن كان دخولي إلى البيت مقتصرا على غرفة الجلوس وغرفة الطعام المفتوحة عليها، أصبحت أدخل إلى غرفة ماما غنيمة، كل يوم  "(50) .

  • العلاقة بالمسألة الطبقية الاجتماعية

عالج نص ساق البامبو، انطلاقا من الجزء الروائي الثاني، ومن خلال فضائه الكويتي، أثناء وجود عيسى في بيت جدته ووالده، المسألة الطبقية الاجتماعية، من منظور نقدي واضح، وفي سياق دعم التوجه التفكيكي الذي تمارسه تيمة الحق، بقيادة دائما عيسى راشد الطاروف، ضدّ الأطر المرجعية الفكرية لتيمة السلطة، سواء في شكلها الذهني والثقافي (غنيمة، نورية)، أو في شكلها السياسي والرمزي، كما عبر عنه راشد الطاروف، في مشروع روايته التي لم يكتب لها أن تكتمل وتخرج إلى الوجود، بسبب وقوعه في أسر الجنود العراقية. يقول عيسى: " تقول خولة: " يقول أبي في روايته التي لم يفرغ من كتابتها، أننا كويتيون وقت الضرورة وحسب .. يصبح الإنسان منا كويتيا وقت الأزمات.. ثم سرعان ما يعود للتصنيفات البغيضة ما إن تهدأ الأمور "(51) .

إن الصراع الطبقي الحاضر في المجتمع الكويتي بصفة خاصة وفي المجتمع العربي عامة، يفسره النص من منظور عيسى النقدي الذي يمثل موقف تيمة الحق، بشكلها المتطور والفاعل والمهيمِن، على تيمة السلطة، بصراع القوى الموجودة والمتفاعلة في الحقل الاجتماعي الكويتي، رغبة في تحقيق فرض الذات على الآخر المضاد، من أجل إخضاعه والهيمنة عليه، وكسب رهان الصراع الأبدي .

يقول عيسى بهذا الصدد: " شيء معقد ما فهمته في بلادي. كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها، وإن اضطرت لخلقها، تعلو فوق أكتافها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق أكتافها هي الأخرى "(52) .

هكذا يتكامل الملفوظ السردي لعيسى، في روايته ساق البامبو، مع المنطوق السردي لوالده راشد، في مشروع روايته غير المنتهي.  وبالتالي يحتل عيسى هنا موقع الحلقة الفكرية والإبداعية، وكذا الأيديولوجية التي واصلت مهمة فكر التحرر، ومبادئ نشر قيم الحداثة والديمقراطية والانفتاح  .

  • العودة إلى مسألة العلاقة الجدلية بين الحق - الهوية والسلطة الرمزية – الفقر الذهني

رغم أن هاجس الماضي الاجتماعي لعيسى راشد الطاروف ببعده الطبقي، يعتبر أساسيا لدى مكون تيمة السلطة، بل ظل يطارده إلى نهاية النص، فإن عيسى، من خلال تيمة الحق في هذا الجزء الروائي بالذات، استطاع تجاوز هذا الإشكال النفسي والفكري، بإصراره القوي على حقه الطبيعي والقانوني، في أن يتمتع بهوية كاملة.  يقول: "  أنا أعيسى راشد الطاروف .. شئتم أم أبيتم .. هذا ما ورثته من أبي.. أما أمي، وإن ورثتني ملامحها، فإنها لم تورثني وظيفتها القديمة في هذا البيت حين كانت الخادمة جوزافين "(53) .

غير أن القرار الذي اتخذه عيسى حين خرج من البيت، للحفاظ على إبقاء أخته خولة إلى جوار جدته في نفس البيت، يعتبر قرارا شجاعا وجريئا، من جهة أنه حاول به أن لا يكون سببا في خروج أختها من بيتها وتغريبها، وبالتالي مارس به فعل احترام العقل التقليدي المتشدد الذي له مشكلة مع مسألة الجسد (الذكر والأنثى في نفس البيت). ومن جهة أخرى، مكنه هذا القرار التاريخي في حياته من رفض التعايش مع الأفكار الجامدة غير الحضارية. كما أن اختياره ترك المنزل، يندرج في سياق بحث المستمر عن عوالم الحرية والاستقرار والكرامة الإنسانية، بعيدا عن عالم الإكراه والضغوط والتناقضات الاجتماعية، ومفارقات القيود الفكرية الوهمية السائدة في محيطه العائلي والاجتماعي .

قال وهو مقبل على ترك البيت: " جدتي، لأول مرة منذ وجودي في بيتها، احتضنتني بقوة حتى كدت أختنق بين ذراعيها ما إن علمت بقراري "(54) . لتبدأ مرحلة جديدة في حياة عيسى راشد، في خضم معاناة الغربة، في وطن يرفضه فيه أهله. قال: " للكويت وجوه عدة .. هي أبي الذي أحببته .. عائلتي التي تتناقض مشاعري تجاهها .. غربتي التي أكره.  انتمائي الذي أشعر به إذا ما أساء أحدهم إلى أبنائها بصفتي واحدا منهم .. الكويت هي خذلان أبنائها لي بنظرتهم الدونية .. الكويت هي غرفتي في ملحق بيت الطاروف .. مقدار كثير من المال .. وقليل من الحب لا يصلح لبناء علاقة حقيقية .. الكويت شقة فارهة في الجابرية يملأها الفراغ .. الكويت زنزانة ظالمة مكثت فيها يومين من دون ذنب "(55) .

إن الانفصال ولو جسديا، عن حياة بيت جدته غنيمة، مكّن عيسى من فهم أكثر قربا لما يجري في بنية تيمة السلطة.  تلك التي تمارس فعلها الحقيقي، ليس بالشكل المادي المباشر رغم أهمية هذا الفعل، وإنما خطورتها الحقيقية تتجلى في فعلها المتواري غير المرئي، والذي غالبا ما يساهم فيه ضحايا هذا الفعل أنفسهم، دون وعي منهم بفعلهم المضاد لمصلحتهم . هكذا يصرخ عيسى كاتبا ما يلي، طارحا السؤال الكبير الذي يورقه: " أي عار هذا الذي أجلبه لعائلتي حتى وأنا بعيد عنهم ؟ وما هي تلك السلطة التي يملكها الناس على بعضهم البعض ؟ وما سر تلك العضلة الغارقة في اللعاب والنميمة داخل الأفواه والتي يخشاها الناس في الكويت كما لا يخشون شيئا آخر ؟ "(56) .

غير أن مواجهة نورية الطاروف، التي تمثل هنا تيمة السلطة، لعيسى الطاروف، وادعائها بكونه مجرد ابن خادمة وزانية، لا حق له في ميراث الأخوة الذي من أجله جاء إلى وطنه الكويت، زاد في استفزاز وغضب عيسى، الأمر الذي جعله يخرج الورقة التي تثبت مدى شرعية الزواج العرفي لوالده راشد من أمه جوزافين. وبعد الاطلاع عليها، وتأكد الجميع من محتواها القانوني والشرعي، بدت أخته عواطف متأثرة بالوضع، واقتنعت حينها بموقف عيسى. قال بهذا الصدد: " مسحت بجزء من عباءتها تقول: " أنت كويتي .. أنت ابن أخي .. ابن راشد "(57) .

لعل الاعتراف بالهوية الكويتية لعيسى من قبل شخصية عواطف، هو إعلان جديد لسقوط نوعي آخر، لأحد أهم مكونات تيمة السلطة في نص ساق البامبو، بعد السقوط الكبير لقمتها القائدة سابقا (غنيمة).   وبالتالي، ففي الوقت الذي ازدادت فيه تيمة الحق قوة وقيمة وفعالية المعنى، لاحظنا مدى تقلص وانحدار وانكماش ما تبقى من بنية تيمة السلطة (نورية)، التي كلما تقدمت مسارات النص الروائية، كلما ارتفعت درجة خلخلة وتفكك عناصر تلك البنية. خاصة، مع واقعة الهزيمة المفاجئة التي منيت بها عمته هند في الانتخابات السياسية الكويتية.

يقول عيسى الراوي في هذا السياق: " دبت الخلافات في بيت الطاروف. عمتي هند  وعمتي عواطف على خلاف شديد مع نورية التي كانت وراء فصلي من العمل: " أتركي الفتى في حاله .! "  نورية حانقة على هند بسبب تصريحها وخسارتها في الانتخابات: " لو كان عيسى الطاروف على قيد الحياة لمات بسببك  " . ماما غنيمة في حالة سيئة بسبب ما يحدث في بيتها . الشقيقات على خلاف . خولة تركت البيت إلى منزل جدتها لأمها: " الوضع في بيت ماما غنيمة لا يطاق ". تقول أختي واصفة حال جدتي: " تضرب على فخذيها طيلة اليوم بحسرة .. ترفع كفيها إلى السماء: الله ينتقم منك يا غسان "(58).

2-2-2  لحظة التركيب

هكذا تنتصر وقائع النص الروائية النصية والخطابية، في الجزء الثاني من رواية ساق البامبو، لرهان مواقف عيسى وخولة وغسان الحقوقية (تيمة الحق)، ضدّ المواقف الاستبدادية العنيفة لغنيمة ونورية وعواطف وهند (تيمة السلطة)  .

 

2-3  الجزء الثالث من الرواية (ص 394 - ص 396): الانتماء لكونية الكتابة- مرحلة القرار

2-3-1  تراجع تيمة السلطة وخضوعها الكلي لتيمة الحق (سلطة الكتابة) 

إن اتخاذ عيسى القرار لكتابة الرواية، هو في حد ذاته انحياز غير مباشر لاستكمال طريق والده راشد، الذي توفي دون أن ينهي مشروع فكرة تأليف روايته. وبالتالي، تكون هنا تيمة الحق، التي باتت مسلحة بسلطة الكتابة الإبداعية، قد ربحت رهان صراعها مع تيمة السلطة، باعتبار الأولى ستبقي منطوقها السردي، منفتحا على كل ما هو مختلف، في تاريخ عائلة راشد الطاروف، بل في تاريخ حياة كل الشعوب. في المقابل، لم .. ولن تستطع الثانية تجاوز جدران بيت الطاروف المحاصر بالفكر المغلق..

 قال عيسى راشد: " قررت الكتابة بالفلبينية، وإن طابقت في حروفها الحروف الإنجليزية " (59) . وأضاف في موضع آخر: " فرغت الفصل الأول من هذه الرواية في آخر يوم لي في الكويت "(60) .

2-3-2  تحقيق الشكل الدائري الدال للمسار الروائي لنص ساق البامبو، تصبح نهايته هي نفسها بداية الرواية

إنها نهاية مفتوحة على بدايته المرتبطة بها نصيا وخطابيا .

نهاية النص:

" اسمي JOSE، هكذا يكتب . ننطقها في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه. وفي العربية يصبح، كما في الاسبانية، خوسيه. وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه. أما هنا في الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى ! "(61).  

بداية النص JOSE،،

" هكذا يكتب. ننطقه في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه. وفي العربية يصبح، كما في الاسبانية، خوسيه.  وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب، ولكنه ينطق جوزيه. أما هنا، في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى ! "(62) . 

لعل أهم تحول نوعي لصراع تيمة الحق (عيسى)، ضدّ تيمة السلطة الرمزية، في بعدها الاجتماعي والذهني (غنيمة)، هو اقتناع عيسى، كممثل وحيد لهذه التيمة، في المقطع الروائي الثالث، بضرورة ممارسة الكتابة الإبداعية (الرواية)، التي شكلت في النص منعطفا نوعيا جديدا، للصراع ضدّ الأفكار التقليدية العديمة الجدوى. وهي الأفكار الجامدة والعتيقة التي طرحتها بالنقد والمساءلة والتجاوز بالكتابة رواية ساق البامبو، بعد فشل عيسى من التقرب الجسدي والعائلي من موطن أبيه الكويت، وبالتالي، ليقتنع في النهاية أن سلاح الكتابة هو الأداة القوية الوحيدة التي بإمكانه من خلالها تأسيس الوعي، ومقاومة نوعية الفكر المغلق والبسيط والمسطح، الذي تستند إليه تيمة السلطة، وفي نفس الوقت، رد الاعتبار لهويته كإنسان قبل طويته المحلية بمعناها الوطني الضيق.  لهذا، خاطب عيسى عائلة الطاروف، وهو يستعد لمغادرة الكويت، كاتبا باللغة الإنجليزية، قبل أن يقرر الكتابة بلغة الأم الفلبينية التي يتقنها أكثر من سابقتها.  وهو مؤشر لاختياره الفكري جهة مواقف أمه جوزافين، وموطنه الطفولي أرض الفلبين.  لكن مع حمله لموطنه الأبوي: الكويت في الكتابة التي اقتنع بخوضها عند عودته  .

" أنا، رغم اختلافي عنكم، وربما تخلفي أيضا، في الكثير من الأشياء، ورغم شكلي الذي يبدو غريبا بينكم، ورغم لهجتي وطريقتي في لفظ الكلمات والحروف .. رغم كل تلك الأشياء، فأنا أحمل تلك الأوراق التي تحملون، ولي حقوق وعليّ واجبات مثل حقوقكم وواجباتكم تماما. كما أنني رغم كل شيء لم أكن أحمل لهذا المكان سوى الحب ولكنكم، ولسبب أجهله حلتم بيني وبين أن أحب المكان الذي ولدت فيه، والذي مات أبي من أجله. منعتموني من القيام بواجباتي، وحرمتموني من أبسط حقوقي"(63) .

ثم يكتب بعد ذلك إن " النباتات الاستوائية لا تنبت في الصحراء "(64) .

و أخيرا يطلق صرخته القوية: "خذوا هذه الأوراق، و أعيدوا لي نصف إنسانيتي، أو خذوا ما تبقى منها لدي"(65) .

3–   تركيب واستنتاج عام

هل يمكن تغيير الواقع بالكتابة ؟

لقد استحضرت خولة، في إحدى حواراتها مع أخيها عيسى، إبان عزمه على الرحيل، مدى انشغال أبيهما راشد بمسألة الكتابة ودورها الأساسي في تغيير الواقع.  يعني تغيير الذهنيات والأفكار السائدة بأداة المعرفة، خاصة في شكلها الإبداعي الروائي . تقول:

"  - لم يكن أبي مجنونا، كما تقول جدتي، عندما أراد أن يغير الواقع بالكتابة  .

أطرقت مستطردة:

-  لو أنه أنجز روايته قبل اعتقاله ..

-  لو أن الناس هنا .. يقرأون "(66) .

إنه السؤال الإشكالي المعرفي الجوهري الذي توصل إليه نص ساق البامبو، انطلاقا من اشتغاله النقدي على جدلية العلاقة بين تيمة السلطة، عبر امتداداتها الدلالية المختلفة، وفي علاقاتها الصراعية المتدرجة، من خلال العديد من المراحل النوعية والتطورات المميزة، ضدّ تيمة الحق، خاصة في مستواها الهويتي الإنساني، يجعلنا نتساءل بدورنا: هل توفق نص رواية ساق البامبو، فعليا، في كسب رهان تغيير الواقع الاجتماعي، الروائي المتخيل النصي، والواقعي الفعلي والتاريخي التسجيلي لشخصية عيسى، التي لم تكن في النص سوى الوجه الآخر لقضية الهوية الإنسانية الملتبسة، في بعديها المتعارضين والمتصارعين، على مدى تاريخ الإنسان منذ القدم: نعني بهما الهوية بتجليها الفكري التقليدي  المتعصب، والمنسجم نسبيا مع واقعها المهيمن، باعتبارها هوية ماضوية تفتقر إلى أداة الوعي النقدي لتحقق الحياة السعيدة المثلى. والهوية بتجليها الفكري العصري المنفتح والحداثي، الذي يتسم بعلاقاتها المتوترة مع الواقع السائد، وغير المنسجمة مع  محيطها المباشر، رغم انسجامها مع ذاتها، الشيء الذي يجعلها في وضعية الاصطدام، والقلق، والتساؤل الدائم. وبالتالي، تجد هذه الهوية الحداثية المنكسرة نفسها في بحث مستمر  وراء هدف أو حلم تحقيق التوازن الاعتباري، الذي يحرص عليه الكيان البشري الطبيعي الحر، والمؤمن بالتطور والتغير الدائمين، بألا يقبل أن ينتزع منه حقه في ذلك التحرر، بطريقة من الطرق كيفما كان نوعها. وهنا يأتي دور الكتابة كشكل معرفي و فني إبداعي، تعبر به الذات الإنسانية عن هويتها ومعاناتها وأحلامها، للاستمرار في الحياة بصفة طبيعية، وفرض الوجود اللائق، في خضم العلاقة التفاعلية والجدلية أحيانا، مع المحيط الاجتماعي في ظل الشروط الحضارية والتاريخية غير الطبيعية.

هكذا يمكننا القول أن نص ساق البامبو تفوق إلى حد بعيد، من منظورنا التحليلي، في التعبير فنيا ونقديا عن واقع اجتماعي كويتي وعربي، تتجاذبه وتتصارع فيه قوتان متناقضتان: قوة اجتماعية منفعِلة مُهيمنة، تدافع عن التخلف والثبات بالتقليد والجهل والتشدد، وجسدتها في النص تيمة السلطة. وقوة اجتماعية فاعِلة مضادة، تدافع عن حياة التقدّم والتغير بالتجديد والحوار والانفتاح على الاختلاف والعلم، وجسدتها في النص تيمة الحق. 

  

......................

الهوامش والإحالات

 1 سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو (بيروت: الدار العربية للعلوم،2013)، ط 10

2   نفسه، ص 211 

 3  محمد برادة، جريدة  الاتحاد الاشتراكي، عدد 1323، 1987

 4  محمد أعراب، >>القيم والتغير الاجتماعي<<، مجلة الكلمة الالكترونية (لندن)،  العدد  84، أبريل، 2014

5  جميل صليبا، المعجم الفلسفي(بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1978)، ص 670

6  حنان على عواضة،>>السلطة الرمزية عند ماكس فيبر<<، مجلة الأستاذ، مجلد 1، عدد  206 (2013)، جامعة بغداد – قسم الفلسفة .

7 سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو  (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2013) ط10، ص 211

8 بيير بورديو، الرمز و السلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي(المغرب، دار توبقال، 1986) ط 1، ص 52

9  عز الدين الخطابي،>> الحق، الواجب، الحرية، من أجل فلسفة فاعلة<<،في: دفاتر المدرسة العليا للأساتذة- مكناس، أسئلة الواجب والوجود الإنساني (مكناس: منشورات مجلة وليلي، 2005)، ص62

Andre Lalande - vocabulaire technique et critique de la philosophie                               10                                                                             ,PUF,10 edition ,1968, pp 250/253

  1. Doctrine kent ,du droit ,vrin,1971 ,p 128 11 

12  سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013) ط10، ص 17

13 نفسه، ص 389

14  منى السليمية، >>أسئلة الهوية في ساق البامبو<<،مجلة نزوى، عدد 77 (2014)، ص80

15  سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013) ط 10، ص 19

16  نفسه، ص 21

17  نفسه، ص 25- 26

18  نفسه، ص 27

19  نفسه، ص 61

20  نفسه، ص  79

21 نفسه، ص79- 80

22 نفسه، ص 19

23 نفسه، ص 31

24 نفسه، ص  29

25 نفسه، ص 30

26 نفسه، ص 51

27 نفسه، ص 51

28 نفسه، ص 124

29 مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور(المغرب: المركز الثقافي العربي، 2015) ط9،ص  140

30 نفسه، ص 101

31 نفسه، ص  151

32 نفسه، ص  158

33  نفسه، ص  202

34  نفسه، ص 203

35  نفسه، ص 204

36  نفسه، ص 160

37  نفسه، ص 81

38  نفسه: ص 121

39  نفسه، ص 168

40 سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،  2013)، ط10، ص 171

41  نفسه، ص 66

42  نفسه، ص 63

43  نفسه، ص 209

44  نفسه، ص 185

45  نفسه، ص 189

46  نفسه، ص 214

47  نفسه، ص 229

48  نفسه، ص 250

49  نفسه، ص 254

50  نفسه، ص 256     

51  نفسه، ص 277

52  نفسه، ص 279

53  نفسه، ص 287

54  نفسه، ص 294

55  نفسه، ص 324

56 نفسه،  ص 366

57  نفسه، ص 374

58  نفسه، ص 380

59  نفسه، ص 388

60  نفسه، ص 393

61  نفسه، ص 389

62  نفسه، ص 17

63  نفسه، ص 386

64  نفسه، ص 387

65  نفسه، ص 365

66  نفسه، ص 258- 259

 

قائمة المراجع

الكتب:

أ - بالعربية

1 – بيير بورديو، الرمز و السلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي(المغرب: دار توبقال، 1986) ط 1، ص 52

2 - جميل صليبا، المعجم الفلسفي(بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1978)، ص 670

3– سعود السنعوسي، رواية ساق البامبو (بيروت: الدار العر

بية للعلوم ناشرون،  2013)، ط10

4 – مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور(المغرب: المركز الثقافي العربي، 2015) ط9،ص  140

ب – بالفرنسية

1968- Andre lalande , Vocabulaire tichnique et critique de la philosophie,Puf , edition 10 ,  1 

E . Kent , Doctrine de Droit , vrin , 1971   2-   

المقالات و الدراسات:

- محمد برادة، جريدة الاتحاد الاشتراكي (المغرب)، عدد 1323، 1987

- محمد أعراب، >>القيم والتغير الاجتماعي<<، مجلة الكلمة الالكترونية (لندن)،  العدد  84، أبريل، 2014

- منى السليمية، >>أسئلة الهوية في ساق البامبو<<،مجلة نزوى، عدد 77 (2014)، ص80

- عز الدين الخطابي،>> الحق، الواجب، الحرية، من أجل فلسفة فاعلة<<،في: دفاتر المدرسة العليا للأساتذة- مكناس، أسئلة الواجب والوجود الإنساني (مكناس: منشورات مجلة وليلي، 2005)، ص62

- حنان على عواضة،>>السلطة الرمزية عند ماكس فيبر<<، مجلة الأستاذ، مجلد 1، عدد  206 (2013)، جامعة بغداد – قسم الفلسفة .

 

معنى الراهن .. يدثر (آلاء) بالوجع ومآقي دجلة

هُنَا مَنْفَى صُخُورٍ رَخْوَةٍ.. وَ هُنَاكَ.. فِي أُفُقٍ حَزِينٍ ..جَذْوَةٌ لِخُطَى غُبَارٍ مَلَّ مِنْ تَجْرِيبِ غَرْبٍ مَاتَ هَذَا الجِيلُ فِي أحْضَانِهِ..."

من هذا القفل / المفتاح يبدأ ذهولي وإعجابي بهذا النص " الكون " للناقد، الشاعر الفذ عبد القادر رابحي ..،في هذه البنيوية / التفكيكية، هذه القراءة الفلسفية التكاملية الإجرائية في " حقل ومحفل النص معا ." هذه القراءة" الفعل " القراءة " (الاستقرائية) التي أعادت إنتاج النص، قرأتَ (جيكور) السياب / ثورة " مظفر النواب " أباريق البياتي المهشمة .. ومسحتَ دموع (ألاء) بنت شاكر السياب الذي أحزنته كثيرا مثلما أحزنت (مشروطية العملية (الماورائية) لغائية (التضاد) في هذه القراءة (الكون) الناقد، الشاعر المرهف / عبد القادر رابحي،العائد من دمشق المتاخمة / لدجلة // لرياح تهب من (بغداد) فجاء الشاعر، الناقد عبد القادر رابحي في ' القراءة الكون) محملا بالغبار، وبالدموع المتحجرة على مشارف (ألاء) وهي (رميم) في (انبعاثية) لا تفارق وجدان الشاعر / الناقد / عبد القادر رابحي.

 .تحضرني اللحظة ثلاثية (رولان بارت) في استقرائية الأمكنة الزمكانية في (حقل النص) ثلاثية رولان بارت تصنف النص إلى ثلاثة فروع /

نص القراءة الأحادية

نص القراءة المتعددة ولكن المحددة

نص القراءة المتعددة اللامحدودة.

في (كونية) الناقد / الشاعر عبد القادر رابحي إنتاج للمعنى بكل المقاييس في عملية إسقاط مدهشة ..

الشاعر / الناقد عبد القادر رابحي لا يذر المساحيق على، -(الجيو – نصية) على لسان الساسة بشكل عبثي أو اعتباطي، بقدر ما يحافظ على نسل " (النصية) لديه ،ويكون الذر في مفاهيمه الإبداعية " ذاك " الذر " بمعنى الحفاظ على النص واجتثاثه بوعي من نسله سالما معافى دون عاهة ..وفي سياقات الفهوم اللسانية والوجدانية وعلى تخومها .

 من منطلق هذا الوعي الإدراكي يثمّن الشاعر الناقد عبد القادر رابحي الدكتور الأكاديمي، منهجية رؤاه النصية ، .، ولا يعبث بأوثانه وأصنامه، وإن وٌجدتْ، فهي لدى الشاعر الناقد جغرافية وفيزياء نصية .

من قرأ كتبه ودراساته الأكاديمية والنقدية المتعددة

وكذا دواوينه التسعة مثلا   (محل حديثنا) يدرك هذا البعد:

- الصعود إلى قمة الونشريس، دار الغرب للنشر و التوزيع، وهران، 2004.

2- حنين السنبلة، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2004.

3- على حساب الوقت. دار الغرب بوهران، 2006.

4- السفينة والجدار. منشورات ليجوند. الجزائر. 2009.

5- حالات الاستثناء القصوى. منشورات ليجوند. الجزائر.2010.

6- فيزباء. منشورات ليجوند.الجزائر. 2010.

7- أرى شجرا يسير. منشورات ليجوند.الجزائر. 2011.

8- مثلما كنت صبيّا. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق.2011.

9- مقصّات الأنهار. منشورات الوطن اليوم. العلمة. الجزائر.2016

 ومنها ديوانيه "فيزياء" و 'حالات الاستثناء القصوى' مثلا يدرك هذا البعد الدلالي في تعاطيه مع الصورة الشعرية .

هو ذاك المشرّع والمشرّح للنص ولمناحيه، ومأموله، من كوة شاعر مرهف وناقد طبيب يشخص الدلالة في مراحلها الأولى ويواكبها بعين شاعر وناقد في ذات الوقت قبل أن تصيبها وكعة دلالية أو(مضموناتية) هو الذي يضمن لمسارها جدوى البقاء، وصيرورة التجنّح نحو وصوب المأمول ..

مع توفّر الخاصيتين الرؤيويتين لدى الشاعر والناقد والدكتور الأكاديمي المشبّع بالتشريع المنهجي معا .. لتبقى تضاريسه تضاريس  وإن بغتْ ، فيلجمها ويروضها بمفعول إدراكه لحيثية الترويض والتلجيم 

تحية إكبار إليك، أيها الشاعر الكبير، الناقد المتمكن، في مشروطيتك هذه التي أيقظت مشاعرنا ووجداننا في (قراءة وثائقية) في بنيتها الخارجية والداخلية، في (تفكيكيتها (لتضاريس المعنى).

 إذا كان (رولان بارت) يذهب في المظاهر الإنسانية مثل (الأزياء والموضة)على أساس أنها لغة صامتة غير منطوقة، فإن (كونيتك) هذه لوحة ناطقة .. ترسم تجاعيدها (وآهاتها وزفراتها مياه دجلة وبقايا مداد التتار ..في معنى الراهن وفي تضاريس ماض يُبعث من جديد ليوقظ ويذكي مشاعرنا ووجداننا. ..

التناص هنا دثر الغائب بالحاضر وأسقط الجميع على الراهن تحية تقدير وإجلال وإكبار، أستاذنا الفاضل . عبد القادر رابحي

من عابر وقارئ بسيط لنص : منظمومة كونية للدلالة .. وعيارات من صلصال سرمدي ومن فوهة بركان يتأجج بلا توقف ..

 

كتب : أحمد ختاوي

 

من نافلة القول، الإشارة إلى أن الإنتاج الأدبي، شعرا كان أو نثرا، يتضمن من بين ما يتضمنه، تداخل عنصري الذات والموضوع. وبحكم هذا التداخل، رأينا في دراستنا للشعر العربي القديم من جهة الذات و الموضوع ، أن نأخذ دورهما بعين الاعتبار، إيمانا منا بوجود علاقة جدلية لا انفصام فيها بين هذين المستويين. ونحن إذ نختار هذا المسلك، فإننا نقتفي آثار كثير من الباحثين، مثل زكي مبارك، الذي كتب قائلا: « من الواجب أن نتعمق في دراسة حياة الشاعر [...] وأن نعنى فوق ذلك بمعرفة العهد الذي عاش فيه الشاعر، بما لذلك من الأثر في معرفة أحوال وأذواق الشعراء [...]»(1) . وكان عباس محمود العقاد قد أكد من جهته هذا الطرح، بقوله: إن « معرفة البيئة ضرورية في نقد كل شعر، في كل أمة، وفي كل جيل [...]»(2).

ويرتبط إيماننا بأهمية هذا المنهج أيضا، لما يكتسيه الحديث عن الذات والموضوع من دور في معرفة العوامل المؤثرة في شخصية  الشاعر المبدع وأثر تلك العوامل في شعره، و ما يتداوله من ألفاظ و تعابير ، والتي تتطلب من الباحث  و لاشك ،« [...] حين يوازن بين شاعر و آخر، أن يعرف حياتهم [...]، وأن يثبت مما أحاط بهم من مختلف الظروف»، على حد قول زكي مبارك(3).

فما هي إذن طبيعة هذه العوامل المؤثرة في حياة عنترة بن شداد العبسي ؟

و من تم ، نهدف من هذا الموضوع، الحديث عن أهم العوامل المؤثرة في شخصية عنترة(4) قصد الوقوف بقدر الإمكان على آثارها في شعره، وبالتالي في أسلوبه و أفكاره و مقاصد شعره الفنية و النفسية و الذاتية .

1- عامل البيئة والطبيعة:

عرفت شبه الجزيرة العربية ظروفا طبيعية ومناخية صعبة، بحكم طابعها الصحراوي، اضطر معها الإنسان في الجاهلية إلى الترحال والتنقل في أكثر الأحيان طلبا للنجعة، وبحثا عن سبل العيش، بكل ما تعنيه الرحلة من تعب وخوف ومخاطر.

وقد واجه عنترة ،كغيره من أبناء عبس، طبيعة هذا النظام البيئي، وجرب الرحلة وحياة التنقل، وقابل بيئات مختلفة، وعاش بين الجدب والقحط أحيانا، وبين الخصب والعطاء أحيانا أخرى، وتكيف كغيره من بني قومه، مع كل لون من ألوانها الطبيعية، وابتهج لعطائها وجمالها، وشقي لجفافها وقحطها. نقول هذا الكلام، وحجتنا عليه ما ورد في أشعاره من وصف لشتى المظاهر الطبيعية ومختلف الأماكن والمواضع، بنباتها وحيواناتها المتعددة.

وأشهر ما روي عنه، قوله في وصف الروض:

أوْ رَوضَــةً أُنُـفـاً تَـضَـمّـن نَـبْـتَـهـا            غَـيـثٌ قَـلـيـلُ الدِّمْـنِ لَيْسَ بِـمَـعْلَمِ

جَـادَتْ عَـلَـيْـهَـا كــلُّ عَـيْـنٍ ثَــرَّةٍ              فَـتَـركْـنَ كُـلّ حَـديـقَـةٍ كالــدِّرْهَـمِ

سَـحًّـا وتَـسْـكَـابـاً فـكُـلَّ عَـشِـيَّـةً               يَـجْـري عَـلَـيْـهـا الـمـاءُ لمْ يَتَصَرَّمِ (5)

وقوله في وصف الناقة:

هــلْ تُـبْـلِــغَــنِّـي دَارهـا شَـدَنِــيَّــةٌ             لُـعِـنتْ بِـمـحْرومِ الشَّـراب مُصَـرَّمِ

خَــطّـارَةٌ غِــبَّ الــسُّــرى زَيـَّافــةٌ            تَـقِـصُ الإكَـامَ بـكـلِّ خُـفٍّ مِــيْـثَمِ

وكَـأَنَّـمَـا أَقِـصُ الإكَــامَ عَـشِــيَّــةً              بـقَـريـبِ بـين الـمَنْسِـمَـيْـن مُصَلَّمِ(6)

وقوله في وصف الحمام:

أفَمِــن بُــكـاءِ حـمـامـةِ فـي أَيـْكَةٍ              ذَرَفـتْ دُمُوعُك فوق ظَهْر المَحْمل(7)

و قوله في وصف الغزلان:

فــكَـأنَّـمـا الْـتَـفَـتـتْ بـجِيدِ جَدايَةٍ               رَشَــإٍ مــنَ الــغِـــزْلانِ حُــرٍّ أَرْثَـمِ(8)

وقوله في وصف النعام:

يَـأْوي إلَـى حِزَقِ النَّعَام كمـا أَوَتْ             حِــزَقٌ يَـمَـانـيَّـةٌ لأَعْـجَـمَ طِـمْـطِمِ

يَــتــبــعْـن قُــلّــةَ رأسِــه وكـــأنّــه             زَوجٌ عَــلــى حَــرجٍ لــهُـنّ مُـخـيَّمِ

صَـعْلٍ يـعُـود بذي الـعُـشَيْرة بيضَهُ           كالـعَبد ذي الفَرو الـطَّويل الأصْلَمِ(9)

وقوله في وصف الديار وعرصاتها:

طَـال الثَّـواءُ عَـلى رُسـوم الـمـنزلِ           بـيـن اللَّكـيكِ وبين ذاتِ الـحرْمَلِ

فَـوقـفـتُ فـي عَـرصَـاتِهـا مـتَـحيِّراً           أسَـلُ الـديـارَ كـفـعل مَنْ لَم يَذْهَلِ

لـعـبَـتْ بـهـا الأنْـواءُ بـعـد أنِـيسِها             والـرّامِـسـاتُ وكـلُّ جَـوْنٍ مُسْبِـلِ10)

وتجعلنا هذه الشواهد، وغيرها11)، نعتقد أن طبيعة البيئة التي عاشها عنترة شكلت إحدى العوامل المحددة لشخصيته، وحددت من جهتها القيم الأخلاقية عنده، «[...] فعودته الصبر والخشونة والجفاء لجفافها، وعودته القوة والبسالة والإقدام والعصبية لعدم الاستقرار وكثرة الترحال ، وعودته الوفاء والأمانة والصدق ونصرة الجار وحماية الديار والحفاظ على الأعراض والكرم لخصوبتها [...]»12).

ومن جهة أخرى، لم يكن التغني بالطبيعة، ببيئتها الجافة أو الخصبة عند عنترة، هدفا في ذاته، وإنما مجرد وسيلة لإبراز مشاعره وفقا لتصوراته الخاصة، « ليحقق التكامل بين نفسه وبين الاشكال الأساسية للعالم الطبيعي، وإقاعات الحياة، إذ رأى أن هذا هو الطريق أو الأسلوب الأصدق في التعبير عن نفسه»(13 .

2- عامل العبودية:

من الصعب على كل باحث إذا تكلم عن عنترة أن لا يستحضر روايات القصاصين عن بشرته السوداء، وما عانه من جرائها من احتقار وتهكم، وسباب وحرمان، وقسوة العيش، ومهانة الدار، خصوصا بعدما نبذه والده، ورفضته عشيرته.

وبقدر ما سببته العبودية لعنترة من متاعب أثرت في نفسيته وشخصيته وحياته، بقدر ما كانت عاملا من عوامل مجاهدته على إثبات ذاته بين أهله، كما تعبر عن ذلك صرخاته المنظومة، مصداقا للقول المشهور « إن الفنان يلون الأشياء بدمه»(14). فلقد كان عنترة يحمل في نفسه الرغبة في الحرية والانعتاق من العبودية، ولما قصر عن الوصول إليها وقامت أمامه عقبات قاهرة، انعكست هذه الرغبات إلى باطن نفسه، فشكلت له عقدا نفسية، لكنه لم يستسلم، ولم ينطو على نفسه، بقدر ما قاوم بعنف بشجاعة وبطولة تبعات المهانة (15). بل لقد وجد في هذه البطولة خلال المعارك التي خاضها إلى جانب قومه، ما شفع به لنفسه، كما في قوله مفتخرا:

أنَـا الـعَـبـدُ الــذي يَـلْـقـى الـمَنايا               غَـدَاة الـرَّوْع لا يَـخْشى الـمَحَاقَا (16)

وفي قوله مذكرا أهله بأياديه البيضاء عليهم:

قدْ أَطَعنُ الطَّعْنَةَ النَّجلاءَ عن عُرُضٍ         تَـصْفَـرُّ كَـفُّ أَخِيـهـا وهُوَ منْزُوفُ(17)

ومن تمّ، انبعثت صورة عنترة البطل التي يمثلها في شعره، ويعرضها في نظمه، وتضخمت الأنا في ذاتيته إلى حد الاعتزاز والافتخار، فكان بذلك يريد أن يثبت فكرة الوجود، التي كان يعتقد أنها ضرورية له، كي يبرز بين أفراد قبيلته، وبالتالي يؤكد فكرة حريته(18) .

فنراه يذكر أهله ببطولته الخارقة في قوله:

وحَـلـيـلِ غَـانـيـةٍ تـَركْـتُ مُـجَـدَّلا             تَـمْـكو فَـريصَـتـُه كَـشِدْق الأعْـلَمِ

عَـجِـلـتْ يَـدايَ لَـه بـمَـارنِ طَـعْنةٍ             ورَشـاشِ نـَـافِــذةٍ كَـلـوْنٍ الـعَـنْـدَمِ(19)

ونجده يسخر شجاعته ليغطي وضاعة نسبه في قوله:

إنّي امرؤٌ من خَيـرِ عبسٍ مـنــصباً            شَـطري وأحْـمي سائِري بالـمُنْصَلِ(20)

وفضلا عن افتخاره ببطولته وفروسيته وشجاعته، لم ينس عنترة أن يبتهج بخصاله الحميدة، وأخلاقه الفاضلة رغم سواد لونه، كما في قوله:

وأغَـضُّ طَـرْفـي ما بَدتْ لي جَارتي         حــتـّـى يُـواري جَـارَتـي مَـأواهـاَ

إنِّـي امـرؤٌ سَـمْـح الـخَـلِيقةِ مـاجِدٌ             لا أُتْـبِـعُ الـنـفـسَ اللَّـجُوجَ هواها (21)

وفي قوله أيضا:

هـلاَّ سـَأَلْـتِ الـخـيـلَ يا ابنَةَ مالكٍ             إن كُـنـتِ جـاهـلـةً بما لـم تـعْلمي

يـخـبـرُكَ مـن شَـهِـدَ الـوقـائعَ أنني            أغْشى الوَغَى وأعِفُّ عـندَ الـمَغْنَمِ (22)

وفي قوله:

أغْـشـى فَـتـاةَ الـحيّ عنـد حَليلِـهـا             وإذا غَــزا فـِي الـجَيْشِ لا أغْشاهَا(23)

وفي قوله كذلك:

ولقَد أبـيتُ عـلـى الـطَّـوى وأَظَلُّـه             حَـتّـى أنـالَ بـه كَـريـمَ الـمَــأكـلِ(24)

وهذا كله، يعني أن الحرية كانت المحرك الأساسي لعنترة إزاء المعوقات الخلقية، وخصوصا ما تعلق منها بالعبودية، وما ارتبط بها من احتقار واستهزاء وتهكم.

وباختصار شديد، نستطيع القول، باطمئنان، إن المعاناة من الدونية كان لها بدورها دور مهم في تحديد الملامح الأساسية لشخصية عنترة ولشعره.

3- عامل الحب:

لقد أغرم عنترة بابنة عمه عبلة، وصار يكن لها حبا جَمّا، ويتمنى رضاها ولا يعير غيرها نظرا، بل يخلص لها وحدها(25)، كما في قوله:

ولـئِـن سَـألتَ بِـذاكَ عَـبـلةَ خَبَّرتْ             أنْ لا أريـدُ مِـنَ الـنِّـسـاءِ سِــواهَـا

وأَجـيـبُـهـا إمّـا دعـتْ لـعَـظـيـمــةٍ             وأُعِـيــنُــهـا وأكُـفُّ عـمّـا سَـاهـَـا(26)

لكن أنّى له هذا الحب؟ وهو العبد الراعي، الأسود اللون، المحتقر من طرف أبناء القبيلة، وهي ابنة سادة بني عبس المصونة، يتمنى أبوها أن يزوجها بذي حسب ونسب وجاه. ورغم هذه المعوقات، ظل عنترة متعلقا بعبلة، عاشقا لها، ولم يكف عن التمني في كسب قلبها، على نحو قوله:

ولَـقَـد نَـزَلْـتِ فَـلا تَـظُـنّـي غـيْـرَه             مـنِّـي بِـمـنْـزلةِ الـمُـحبِّ الـمُكْرَمِ (27)

وقوله يصف جمالها:

رمــتِ الــفُــؤادَ مَـلـيـحـةٌ عـذْراءُ             بِــسِــهَـامِ لـحـظٍ مـا لَـهُــنَّ دَواءُ

مَـرَّت أوانَ الــعِــيـدِ بـيْـن نَـواهِـدِ             مـثْـل الـشـمـوس لـحـاظـهن ظباءُ

فـاغـتـالـنـي سقمي الذي في باطني           أخـــفـــيــتــه فــأذاعــه الإخـفـاءُ (28)

وقد كان عنترة يدري أكثر من غيره بأن حبه محكوم عليه بالتعثر. لكنه، رغم ذلك، أخذ على نفسه بميثاق تحمل كل المشاق للعبور إلى مقصده. كما يبدو من قوله:

ولأجْـهـدَنَّ عـلـى اللّقاءِ لكي أرَى             مَا أرْتَـجِـيـه، أو يَـحـيـنَ قَـضـائـي(29)

وهذه وجهة قاسية، فيما يظهر، ارتضاها عنترة لنفسه، بفعل شغفه بعبلة، كما في قوله:

وكَــمْ جَـهْـدِ نــائــبـةِ قـد لَـقِـيـتُ               لأجـلِـكِ يـا بنْتَ عـمّـي ونَـكْـبـهْ (30)

فهذا الرجل المغرم كان يقابل كل المآسي بثبات، بل لقد تغزل بحبيبته وهو يعلم أن عرف القبيلة يقضي بحرمان من يتشبب بامرأة من أن يتزوجها. وقد ساعده على ركوب التحدي ثقته بنفسه وبقدرته على كسب الرهان، كما تعود ذلك في نزاله لأعدائه بساحة الوغى. وقد عبر عن ذلك بقوله، مثلا:

يـا عـَبْـلُ كم مِـن غَـمْـرةٍ بـاشَرتُهَا            بالنَّفسِ ما كادتْ لَـعـَمْرُكِ تَنْجَلي

فـيـهـا لَـوامـعُ لـوْ شَـهِدْتِ زُهَاءها             لَـسَـلـوْتِ بـعـد تَخَضُّبٍ وتَكَحُّلِ (31)

لكنه لم ينس في المقابل الإشارة إلى ما يتمتع به من طيبوبة، وما يتحلى به من تواضع، كما في خطابه لعبلة:

أثْـنِـي عـلـيَّ بـمَـا عـلِـمْـتِ فـإنّـني             سَـمْحٌ مُـخَـالـقَـتـي إذا لَـم أُظْــلَـمِ(32)

إلى أن يقول:

فــإذا شَـرِبـتُ فـإنّـنـي مُـسـتـهلكُ              مَالـي وعِـرضِــي وافــرٌ لَم يُكْلَمِ

وإذا صَحوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَـنْ نَدَى            وكَـمَـا عَـلِـمْتِ شَمَائِلي وتَكَرُّمِي(33)

فهل نجح عنترة في استقطاب عبلة؟

مهما كان الأمر، فمعاناته كانت شديدة، ورغبته « في انتزاع نفسه من ابتذال الواقع، والسمو فوق الآخرين بمآثر استثنائية»(34) تبقى واردة، مما يؤكد أن وقع المعاناة كان شديدا، وأن ما رواه شعرا عن هيامه، وحبه، كان خلاصة تلك المعاناة.

وإذا تركنا جانبا هذا الفخر، وما يرتبط به من إشهار للمناقب، والمزايا، وتجاوزنا إمكانية كون ذلك مجرد تمرين كلامي فحسب، واستحضرنا الحجج الاستنكارية الموجهة لعبلة، أمكننا الوقوف من خلالها على شهادات أخرى دالة على تتمين الذات العنترية من جهة، وانتزاع إعجاب عبلة من جهة أخرى. ويتعزز لدينا هذا التأكيد حين ننظر مليا إلى مفهومي: "البطولة" و"الحب" لدى عنترة. ففي الوقت الذي كان يجابه فيه هذا الرجل عداء محيطه الاجتماعي، ويتأثر بجفاء عبلة حياله، فإنه كان يسعى إلى تذويب مأساته بالانغماس في الحروب، وانتشال نهاية بطولية أقسى وأخطر من تلك التي تسلط بها ميدان الحب، على اعتبار أن الحب يصبح إشكاليا بالنسبة لعنترة، على الطريقة التي تؤدي إلى تحقيق العمل البطولي...(35) .

يقول مؤكدا شجاعته وبطولته وعدم جزعه من الموت:

ولَـقـد غَـدوتُ أمـامَ رايـةِ غـالـبٍ              يـومَ الـهـِيـاجِ ومـا غدوتُ بـأعْــزَلِ

بَـكـرتْ تُـخَـوِّفُـنـي الحتوفَ كأنِّني            أصبحتُ عن غرضِ الحُتوفِ بـمعزل

فــأجـبـتُـهـا إنّ الـمـنـيَّـة مَـنــهــلٌ              لابـدَّ أن أُسْــقـى بـكـأسِ الـمـنْـهَـلِ(36)

وعلى كل، فقد كان العامل العاطفي عند عنترة محددا أساسيا لشخصيته، وباعثا تكوينيا لمنظومته الشعرية، لما له من ارتباط بالشعور الداخلي، وبكيانه الذاتي ووجوده. وتظهر آثار هذا العامل بوضوح في محاولة عنترة التوفيق بين الآخر، "المحبوبة" وبين ذاته، وفي اختلاط  عاطفة الحب عنده بنزعة البطولة الحربية والقيم الأخلاقية؛ ففي هذه الأخيرة يحصل على وجوده كإنسان، وفي الحب يحصل على دليل عملي لهذا الوجود.

4- عامل النظام القبلي:

من المعروف أن القبيلة كانت تتخذ في ظل طبيعة الحياة البدوية في العصر الجاهلي، جملة من الأعراف والأنظمة والتقاليد التي تجعل الرقابة العرفية بمثابة المؤطر التشريعي الذي يراقب كل فرد على حدة داخل المجتمع. وبناء عليه، كان خروج فرد أو إخلاله بالمألوف من بنود هذه التشريعات المنظمة، يعني تعرضه حتما لمرسوم الانصراف أو الخلع أو الطرد، الذي يصدر في حقه من لدن قبيلته. لهذا، وخوفا من مغبة هذه العواقب، كان أبناء القبيلة مشدودين إلى ولائها المقدس، حريصين على الأخذ وتطبيق أسسها المشتركة، القائمة على القرابة والمنفعة والمصلحة.

لكن هذه الأعراف والتقاليد المنظمة، لم تكن منصفة لبعض الفئات، ونخص بالذكر منهم أبناء الإماء، أو الغرباء، أو الهجناء، إذ كانوا عرضة للنفي والخلع والتجريد من الهوية أو النبذ والدونية.

وقد تأثر عنترة بهذا التمييز، لكونه أسود ابن أمة حبشية. الأمر الذي حكم عليه بالدونية في قبيلته، خصوصا بعد أن تنكر له والده، ونبذته عشيرته. ومن ثم، تولد لدى صاحبنا شعور دفين بالعزلة والغربة في قبيلته، وشعور مماثل بالغبن، والظلم من قومه. وقد عبر عن هذا الإحساس كثيرا في أشعاره، مثل قوله:

أُعـاتب دهـراً لا يــلِــيـنُ لـعـاتـبِ             وأطـلبُ أمْـناً من صُروفِ النَّوائبِ

وتُـوعِـدنـي الأيّــامُ وعــداً تَـغرُّ بي           وأعــلــمُ حــقـاً أنّـه وعـدُ كـاذبِ

خَـدمـتُ أُنـاسـاً واتَّـخـذتُ أقَاربـاً              لِـعـونِي ولكن أصَبـحُوا كالعقَاربِ

يُـنـادونَـنِـي فـي السِّلم يا ابنَ زَبيبةٍ            وعـنْد صِدامِ الخيْل يا ابنَ الأَطايِبِ(37)

ومما كان يزيد من ألم عنترة وحسرته، استغلال قومه له، عندما تدعوهم الحاجة الماسة إلى خدماته، ولأنه كان مضطرا لتلبية دعوتهم، لإظهار قوته وشدة بأسه، رغبة منه في إثبات أن لا فرق بين الحر والعبد، وأن عظمة الإنسان إنما هي في نفسه، وفي قدرته، وكفاءته، وشخصيته القوية، كما في قوله:

دَعوني أُوَفّي السّيْفَ بالحربِ حقَّـهُ           وأشْـربُ مـن كـأسِ الـمَنيّة صَافـيا

ومَـن قَـال إنِّـي سـيّـدٌ وابـنُ سـيـّدٍ             فسَيفي وهذا الرُّمحُ عمّـي وخـالـيا(38)

وفي قوله يصف قتله لأحد الأبطال:

جَـادتْ يـدايَ لـه بـعـاجـلِ طـعْـنـةٍ            بـمُــثَـقّـفٍ صَـدقِ الـقَـنـاةِ مُـقـوّم

بِـرحِـيـبةِ الـفَرْغـيـنِ يَهدي جَرسُها            بـالليلِ مُـعْـتـسَّ الـسِّـبـاعِ الـضُـرَّمِ

وتـركـتُـهُ جـزرَ الـسِّـبـاع يَـنُـشْـنـهُ            مـا بـيـن قُـلَّـةِ رأســهِ والـمِـعـصـمِ(39)

وكانت رغبة عنترة في إثبات وجوده وانتمائه لقبيلته وفي إبراز قدراته، تزداد إلحاحا، كلما ازداد أهله وأبناء عشيرته في نبذه، ولسان حاله يردد:

وذَكَّـرنـي قـومـاً حفِظتُ عُهودهمْ             فـمـا عَـرَفُـوا قَدْري ولا حَفِظوا عَهْدي

ولَـولا فـتـاةٌ فِـي الـخِـيـامِ مُـقِـيمَةٌ              كمَا اخترتُ قُربَ الدَّار يوماً على البُعْد(40)

وهذا يعني، أن عنترة اختار البقاء في قبيلته بدل الهجرة أو الصعلكة، وفضل أن يرفع ظلم ذوي القربى عوض الاستسلام لإهاناتهم، فوجد ضالته في شجاعته، وبطولاته،ولسانه، للوصول إلى حريته، ولم يجعل تلك البطولات فردية لذاته، وإنما جعلها مرتبطة بالذات مرة، وبالقبيلة مرة أخرى، إلى أن حصل على الاعتراف به: « وأصبحت مظاهر القبيلة عنده، أشد ظهورا وأعظم بروزا»(41) ، وفي هذا الصدد يقول:

أنـــا الـهَـجــيــنُ عــنــتــرهْ            كـل امــرئٍ يـحــمي حِــرهْ

أسْــــــــودَهُ وأحـــــمَــــرهْ             والــشَّـــعــراتِ الـمُـشْـعرَهْ

الــــوارِداتِ مِـــشْــــفَــــرهْ(42)

وهكذا يبدو واضحا أن طبيعة النظام القبلي، كانت من العوامل التي أثرت في شخصية عنترة، ومن البواعث التي ساهمت بدورها في تكوين شعره. ونستطيع القول في النهاية، إن الظروف الطبيعية، والمعاناة من العبودية، وما ارتبط بها من نفي وغربة، وأحباط عاطفية، كان لها الدور الأساسي في تحديد الملامح الأساسية لشخصية عنترة، ولشعره، ولعلها كانت وراء خصوصية الأساليب الإنشائية التي أبدع بها تلك الأشعار.

 

بقلم: الدكتور الوارث الحسن / المغرب

...................................

الهوامش:

1)  الموازنة بين الشعراء، زكي مبارك، ص 22.

(2)  مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية، عبد الحليم حفني، ص: 58.

(3)  الموازنة بين الشعراء، ص: 30.

(4)  هو أحد شعراء الفرسان العرب المفلقين في الجاهلية، رغم ما سجله عليه بعض النقاد القدامى من مؤاخذات، فأخروا رتبته.  فهذا محمد بن سلام الجمحي يعتده من شعراء الطبقة السادسة. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/152. والأصمعي لم يعده من الفحول. انظر: فحولة الشعراء ص: 44. بل يصرح الفرزدق بأسماء أخرى من أشهر شعراء الجاهلية، غير أنه يسقط عنترة بالكلية. انظر: تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان 1/87. ورغم ذلك، فميراثه الشعري عامة يبقى ثروة فنية لها رصيدها، وأهميتها، حيث عدّ من جهة أخرى، من أصحاب الواحدة النادرة. انظر: الشعر والشعراء، ابن قتيبة 1/258.  وكما ذهب الأصمعي إلى أن عنترة من أشهر الفرسان. انظر: فحولة الشعراء ص: 27. "وذكره أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء الجاهليين" انظر: أشعار الشعراء الستة الجاهليين. الأعلم الشنتمري 2/109. في حين عده خير الدين الزركلي، من شعراء الطبقة الأولى من أهل نجد. انظر: الأعلام 5/91.

(5) ديوان عنترة، ص: 196-197. الأنُف: التي لم تُرع واشتقاقها من الاستئناف. والدّمَن: البعر. والمعْلم: المكان المشهور، شبه رائحة فم محبوبته بريح روضة كاملة النبت وجعل ما أصاب نبتها من الغيث قليل الدمن، أي: لم يصادف فيها دمنا لبعدها عن الناس. وقوله، ليس بمعلم: أي ليس بمشهور موضعها فهو أحسن لنبتها وأتم له، وأبعد لها من أن توطأ وتدمن. والعين: مطر دائم. والثرة: المطر الغزير . وكالدرهم: شبه بياض الماء واستدارته حين امتلأت الحديقة منه بالدرهم.

(6) نفسه، ص: 199. شدنية: هي ناقة منسوبة إلى فحل يقال له شدن. ولعنت بمحروم: أي سبت بضرعها. والمصرم: المقطوع اللبن. والخطارة: التي تخطر بذنبها يمنة ويسرة بنشاطها. والسرى: سير الليل. وغب السرى: بعده. تقص الإكام، أي: تكسرها بأخفافها لشدة وطئها وسرعة سيرها. والإكام: ما ارتفع من الأرض. والميثم: الشديد الوطء. وقوله، بين المنسمين: يريد الظليم. والمصلم: المقطوع الأذنين، شبه ناقته بالظليم لسرعتها. وقال عشية: لأنه وقت إعيائها وفتورها.

(7)  نفسه، ص 247. ذرفت دموعك، أي: قطرت. والمحمل: حمالة السيف. والأيكة: شجر ملتف.

(8)  نفسه، ص: 214. قوله: التفتت بجيد جادية، شبه عنق محبوبته بعنق الجداية، وهي الغزالة الصغيرة ( والرشأ منها). وقوله: حر أرثم، أي: كريم. والأرثم: الذي على انفه سواد أو بياض، ويقال: هو الذي في شفته العليا بياض أو سواد.

(9) ديوان عنترة، ص: 200-201. يقول: يأوي هذا الظليم إلى حزق النعام، وهي جماعاتها، واحدتها: حِزْقة وحَزِيقة، والطمطم: الذي لا يفصح شيئا، شبه النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم، يسمعون كلامه ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم (يعني: الحبش). وقوله، يتبعن قلة رأسه، أي: ينظرن إليه من بعيد رافعا رأسه، فيتبعنه، يريد: الظليم ، وقلة الرأس: أعلاه. والزوج: النمط . والحرج: عيدان الهودج، ويقال هو سرير الموتى. والمخِيم: الذي جُعل كالخيمة، والخيمة ما استظللت به من خشب أو شجر. شبه الظليم في إشراف خلقه بهودج جعل كالخيمة. والصعل: الطويل العنق، الصغير الرأس، يعني: الظليم. وذو العشيرة: موضع. وكالعبد: شبه ما عليه من الريش بعبد حبشي قد لبس فروا. والأصلم: المقطوع الأذن، وإنما جعل العبد أصلم، لأن الظليم أصلم، فوصف العبد بذلك لما شبه الظليم به.

10 نفسه، ص: 246-247. الثواء: الاقامة. والليلك وذات الحرمل: موضعان. وعرصاتها، أي: عرصات الديار. ومتحيرا، أي: قد غلب عليه الحزن وحيره. ومعنى يذهل: يسلو عما هو فيه ويتركه يعني: أن الحزن غلب قلبه، فجعل يشأل الديار ولم يذهل عن ذلك. والأنواء: الرياح. والجون: الأسود من السحاب. ومسبل: المنسكب بالمطر.

11إلى جانب ذلك، رأى بعض النقاد أن عنترة واحد من الشعراء الأوائل الذين تنبهوا للمخلوقات الصغيرة، والمرئيات التافهة، كالذباب ونقر الماء،... وجعل منها موضوعات في شعره، من ذلك قوله في وصف الذباب:

فتَرى الذُّبابَ يُغَنّي وحْدَه        هَزِجا كفِـعـلِ الشّاربِ الـمُترنِّـمِ

غَرِدا يسُنُّ ذرَاعَهُ بذِراعِه       فِعْلَ الـمُكِبِّ على الزِّنَادِ الأجْذَمِ                             

 ديوان عنترة ص: 197-198. قوله: فترى الذباب بها يصف روضة بأنها كثيرة العشب، والذباب يألفها ويغني بها. والهزَج: المتتابع الصوت. وقوله: كفعل الشارب، شبه غناء الذباب بغناء الشارب، والمترنم: الذي يترنم بالغناء أي: يمد صوته ويرجعه. والغرد: الذي يمد في صورته ويطرب. وقوله يسن، أي: يحدد، ومنه سن الثوب إذا صقله. وأراد بالزناد: الزند، وهو العود الأعلى. والأجذم: المقطوع الكف. و معنى البيت: أنه شبه الذباب حين وقع في هذه الروضة، فحك إحدى ذراعيه بالأخرى برجل مقطوع الكفين يوري زنادا فهو يمده بين ذراعيه إذ لم يكن له كفان يمسكه بينهما.

فقال ابن قتيبة: « ذلك مما سبق إليه ولم ينازعه فيه» الشعر والشعراء، 1/259.

وعلق الجاحظ على ذلك الوصف بقوله: « ولم أسمع في المعنى بشر أرضاه غير عنترة». الحيوان، 3/312.

12 أدب العرب في عصر الجاهلية، حسين الحاج حسن، ص: 17.

(13التفسير النفسي للأدب، عز الدين إسماعيل، ص: 65.

14 التفسير النفسي للأدب، عز الدين إسماعيل، ص: 65.

15 والأخبار بعد ذلك عن بطولته وفروسيته كثيرة« قيل لعنترة: أنت أشجع الناس وأشدها؟ قال: لا، قيل: فبم إذاً شاع لك هذا في الناس؟، قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما ولا أدخل موضعا لا أرى لي منه مخرجا. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع، فأثني عليه فأقتله». الأغاني، 8/251. ديوان عنترة ص: 41.

وروى أبو عمرو الشيباني « أن عبسا غزت بني تميم وعليهم قيس بن زهير، فانهزمت بنو عبس وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة ولحقتهم كبكبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر، وكان قيس بن زهير سيدهم فساءه ما صنع عنترة يومئذ، فقال: و الله ما حمى الناس إلا ابن السوداء». ديوان عنترة ص:42.

وقال عمر بن شبة: « قال عمر بن الخطاب للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك؟، قال: كان قيس بن زهير فينا، وكان حازما فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم». الأغاني، 8/251.

وقد عد عبد الملك بن مروان عنترة، واحدا من أربعة هم في رأيه أشجع شجعان العرب، وهم: عباس بن مرداس السلمي، وقيس بن الخطيم، وعنترة بن شداد العبسي، ورجل من مزينة. انظر: فارس بني عبس ، حسن عبد الله القرشي، ص: 50.

هذا، و وقائع عنترة كثيرة ومتعددة، وقد تجلت شجاعته وبطولته ومهارته في خوض المعارك، أعظم ما تجلت في أيام (داحس والغبراء). انظر: خبر الحرب في: المعارف، ابن قتيبة، ص: 262. العقد الفريد، ابن عبد ربه، 6/14. أمالي المرتضى، 1/208. نهاية الأرب، أحمد القلقشندي، ص: 405. الشعراء الفرسان، بطرس البستاني، ص: 44-45. أدب العرب في عصر الجاهلية، حسين الحاج حسن، ص: 235. عنترة بن شداد، فوزي محمد أمين، ص: 16 وما بعدها.

16شرح ديوان عنترة، ص: 93.

17 ديوان عنترة ص: 271. النجلاء: الواسعة. والعرض، أي: أعترض القرن فأطعنه. وقوله، كف أخيها، يعني: صاحب الطعنة، أي: ينزف دمه فتصفر كفه.

18 حكى ابن الكلبي: أنه كان سبب ادعاء أبيه إياه، « أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس، فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم، فقاتلوهم عما معهم، وعنترة يومئذ فيهم، فقال له أبوه: كُرَّ  يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر، فقال: كُرّ وأنت حر، فكَرّ وقاتل يومئذ قتالا حسنا، فادعاه أبوه بعد ذلك، وألحق بنسبه». الأغاني، 8/246.

وحكى غير ابن الكلبي: أن السبب في هذا « أن عبسا أغاروا على طيء، فأصابوا نعما فلما أرادوا القسمة، قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيبا مثل أنصابنا لأنك عبد، فلما طال الخطب بينهم، كرّت عليهم طيء، فاعتزلهم عنترة وقال: دونكم القوم، فإنكم عدوهم. واستنفذت طيء الإبل فقال له أبوه: كُرّ  يا عنترة، فقال: أو يحسن العبد الكر؟ فقال له أبوه: العبد غيرك:  فاعترف به، فكر واستنقذ النعم» نفس المصدر، 8/246. وراجع: ديوان عنترة، ص: 38.

وذكر السيوطي رواية هذا الخبر في شكل قصة. راجع: شرح شواهد المغني. جلال الدين السيوطي، 1/481.

19  ديوان عنترة ص: 207. الحليل: الزوج. والغانية: الشابة. والمجدل: المصروع بالأرض. ومعنى تمكو: تصفر بالدم وتصوت. والفريصة: لحمة بين الجنب والكتف من الدابة. والأعلم: البعير، سمي بذلك لشق مشفره الأعلى، شبه صوت الطعنة عند خروج الدم منها بصوت شدق البعير إذا هدر. و المارن: الرمح اللين عند الهز. و الرشاش: نضح الدم. والنافذة: الطعنة. والعندم: صبغ أحمر.

20 ديوان عنترة، ص: 248. المنصب: الحسب، والأصل، والمنصل: السيف. يقول: شطري شريف من قبل أبي، فإذا حاربت حميت شطري الآخر من قبل أمي، حتى يصير له من الشرف مثل ما صار للشطر الأول، وسائر الشيء بقيته، واشتقاقه من السؤر، وهو ما فَضُل من الشيء.

21  نفسه ص: 308. يقول: أغض بصري إذا بدت لي جارتي حتى تدخل منزلها فيواريها، ولا أتبعها نظري. وقوله، لا أتبع النفس اللجوج هواها، أي: إذا هويت نفسي ما يكون فيه غضاضة (علي). ولـجّت في إرادته: منعتها منه ولم أتبعها إياه.

22  نفسه، ص: 209 . قوله، أعف عند المغنم، أي: إذا غنمت شيئا تركته لأصحابي.

23  نفسه، ص: 308. قوله أغشى فتاة الحي، أي: أزورها واصلاً لرحمها ما دام حليلها معها، فإن خرج غازياً لم أغشها محافظةً عليها، وصيانة لعرضي وعرضها.

24  نفسه ص: 249. الطوى: الجوع، وهو مصدر طوى إذا خَمِصَ بطنه من قلة الأكل. وقوله، أظله أي: أظل على الجوع نهارا ، يعني لا آكل شيئا وإن طويت يوما وليلة وأكثر من ذلك، حتى أنال من الطعام أطيبه و أكرمه.

25 راجع: ديوان المعاني، أبو هلال العسكري، 1/110. وديوان عنترة، ص: 68.

26  ديوان عنترة، ص: 308.

27 نفسه، ص: 191. يقول لمحبوبته: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فال تظني غير ذلك.

28  شرح ديوان عنترة ص: 2. العذراء: البكر، يعني ان حبيبته الحسناء البكر أصابت قلبه بنبال نظراتها ما لهن دواء، أي: ليس لجرحه من دواء يشفي. وقوله ( مرت أوان العيد...) يعني أنها مرت عليه يوم العيد بين فتيات كالشموس حسنا عيونهن كعيون الظباء. واغتالني، يعني: أهلكني من حيث لا أدري مرض الحب الذي أكتمه، فكان الكتمان سببا في إذاعته وظهوره.

29 شرح ديوان عنترة، ص: 3.

30نفسه، ص: 5.

31  ديوان عنترة، ص: 255. الغمرة: شدة الحرب، وأصلها معظم الماء، فاستعيرت لكل أمر عظيم، وقوله، باشرتها، أي: قاسيتها والتبست بها حتى انجلت بعد عسر، وما كادت تنجلي من شدتها، وعظمها. وقوله، فيها لوامع، أي: في تلك الغمرة سيوف لوامع. وزهاؤها: كثرة عددها. وقوله، لسلوت بعد تخضب وتكحل، أي: رجعت عما أنت فيه من الزينة والتنعم.

32 نفسه ، ص: 205.

33  ديوان عنترة، 205-207. قوله، سمح مخالقتي، أي: سهل معاشرتي. وقوله، إذا لم أظلم، أي: أحتمل الأمور وإن شقت علي، ما لم أنل بظلم وذل. وقوله، مستهلك مالي، أي: يهلكه بالعطاء. والعرض هنا الحسب، أي: لم أُلَم فيقدح في حسبي ويُنتَقص شرفي، وضرب الكلم مثلا، والكلم: الجرح. وقوله، وإذا صحوت، أي: إذا صحوت من سُكري، فأنا أتكرم وأجود. والشَّمائل: الخلائق، والمعنى: أنني إذا شربت الخمر فرويت منها فإنني أهلك مالي وأفرقه، فيكون عرضي وافرا، وإذا خرجت من سكري لم أقصر أيضا عن الندى، والندى: العطية.

34 سوسيولوجيا الغزل العذري، الطاهر لبيب، ص: 54.

35  نفسه، ص: 64

36 ديوان عنترة، ص:251، الهياج: شدة الحرب. والأعزل: الذي لا سلاح معه. يقول: غدوت في مقدمة الجيش عند هياج الحرب وأنا حامل السلاح غير أعزل. وبكرت، يعني: عادلته، أي: عجلت عليه بلومه على اقتحامه للحروث وتعرضه للحتوف. وقوله: بمعزل، أي: بناحية لا تدركني فيها المنايا. يقول: لابد من الموت فلم أخوف به.والمنهل: الماء المورود. يقول: الموت كالمنهل المورود الذي لاغنى عن وروده. وكذلك الموت لابد منه.

37 شرح ديوان عنترة ص:21. صروف النوائب، أي: أحداث الدهر. وقوله، تغر بي، أي: تخدعني به. والأطايب، أي: يتملقونه بأشرف الأسماء.

38  نفسه، ص: 160.

39 ديوان عنترة، ص: 210.

40  شرح ديوان عنترة، ص: 58.

41 ديوان عنترة، ص: 67.

42  نفسه، ص: 330. أسوده وأحمره، يعني: أن كل امرئ يحمي أهله من النساء ويقيهم بنفسه من الأعداء أبيضا كان أو أسودا.كنى بالاحمر عن العجم، وبالأسود عن غيرهم. والشعرات المشعرة، أراد بها: القبيلة.

 

 

 

 

يبدو ان الصراع الذي أثاره تولستوي في هذا القصة يحمل طابعاً غريباً بعض الشيء، لان المجاميع المتناحرة في هذه القصة هي مجاميع مختلفة فكرياً وثقافياً و روحيا وكذلك دينياً. فالشعوب الجبلية (القوقازيين) تستمد وجودها من تمسكها بارضها و بما تحمله من ارث روحي، كان للدين الميزة البارزة في معتقداتهم، ولكن مع الاسف ان من امثال الامام (شامل) كان كل همه ان يبقى في السلطة ويفرض سيطرته على الجبليين، وفي ذات الوقت قد اظهر تولستوي الشعب الروسي متفككاً روحياً وفكرياً وكان للقيصر اليد الطولى في إدارة دفة السلطة، أما البقية التي تأتمر بأمر من القيصر هي مجاميع تركض وراء مصالحها ويشدها حب الجاه والمنصب والمال، اما الكنيسة كان لها دور سيء للغاية لأنها ببساطة وفرت الدعم الروحي ان صح التعبير للقيصر، فأخذ يشن الحروب بمباركتها. وهكذا لعبت الكنيسة دوراً سيئاً في شن الحروب آنذاك، لذلك الكاتبة الروسية تتيانا نيكولايفنا كوركينا قد تحدثت بإسهاب بخصوص هذا الموضوع بكتابها الموسوم قصة (الحاج مراد) بوصفها الوصية الفنية لليف نيكولايفيتش تولستوي )، الذي صدر حديثاً عن دار الشؤون الثقافية – وزارة الثقافة وهو من ترجمة د. تحسين رزاق عزيز، وتقول الكاتبة:* (والاهم بأي شيء استطاع الجيش الروسي بإرادة الامبراطور «تنوير» الشعوب « بحيث ربى فيهم شعوراً غير محدود « من النفور والاشمئزاز تجاه الروس). وبالتأكيد، هذا النفور والاشمئزاز تحول تدريجياً الى كره دائم. وبعد ذلك الكاتبة تبين اسباب تعاطف تولستوي مع الجبليين في قصة ( الحاج مراد) تقول: ** ( فتولستوي بلا شك يتعاطف في القصة الى درجة كبيرة مع محنة شعوب القفقاس لان الحرب جرت على ارضهم. والجيش الروسي يدمر قرى الجبليين ويحرق حقولهم ويقطع اشجارهم ويدنس مقدساتهم الدينية والأدهى من ذلك – يقتل ابناهم.). ومن ثم الكاتبة تجري مقارنة واضحة بين الشعوب الجبلية وحياة القرية الروسية وفي هذا المضمار استطاعت الكاتبة تتيانا ان تصف وصفاً دقيقاً لما اراده تولستوي من كشف عيوب تلك المجاميع المتناحرة. ولكن هنا يطرح سؤالاً مهماً: ماذا يريد تولستوي من قصة ( الحاج مراد)؟ وما الدوافع وراء انتقاد تلك المجاميع المتقاتلة؟ كل هذه الاسئلة قد اجابت عنها الكاتبة الروسية تتيانا بطريقتها الخاصة. نأتي للسؤال الاول: من البديهي ان الاحداث التي جرت على الشعوب الجبلية كما تسميهم الكاتبة تتيانا لها تأثيرها على الشعب الروسي فكان لتولستوي موقفاً منها، اما ماهي الدوافع لتولستوي هي كثيرة ولكن بإمكاني ان اقتبس شيئا من ما قالته الكاتبة الروسية تتيانا: (.. فتولستوي قد رأى في الدولة صورة الشر)، لذلك هو كشف عيبوهم وانتقدهم بصورة مباشرة. بعد هذه المقدمة دعونا ننتقل الى بطل القصة وما الدور الذي لعبه في هذه القصة ؟تصف لنا الكاتبة تتيانا نيكولايفنا كوركينا الحاج مراد بانه كان كثير التفكير وملتزم دينيا ويؤمن بمسالة الجهاد (الغزوات)، ويكن العداء للروس لأنه يعدهم منغمسين بالفساد الروحي والمادي، وفي ذات الوقت الكاتبة الروسية تتحدث عن مسالة جداً مهمة عن البطل، وتعده يخالف مبدا الجهاد لأنه يعلن الجهاد على الروس وهو يعمل مع الروس من اجل ينتقم من شامل الذي قتل اخية وهذا المبدأ يخالف الجهاد. وهذا الامر يبين لنا ان البطل عاش فترة مليئة بالتناقضات لان الظروف الصعبة هي التي اجبرته على فعل ذلك. ومن ثم توضح الكاتبة ان تولستوي وضع بطله في موقف لا يحسد عليه لان البطل كان بين نارين ان صح التعبير، اما ان يكون مع الروس والنتيجة ارضاء طموحه وهذا ينافي مبادئه التي تربى عليها، واما ان ينقذ عائلته من القتل على ايديهم. ومن ثم الكاتبة الروسية تتحدث عن مقتل حاج مراد وتصور المشهد بدقة ودراية تنم عن معرفة عميقة ببطل تولستوي، ولكنها لم توضح لنا لماذا تولستوي عمل على قتل بطلهُ في نهاية القصة؟ اعتقد كان بمقدور تولستوي يجعل حاج مراد نموذجاً للعنف و لكن دون ان يقدمهُ مقتولاً في نهاية القصة، واعتقد ان هذا سؤال مهم جداً ومحور القصة، التي الكاتبة لم تطرحهُ لا من بعيد ولا من قريب، ويبدو لي ان مقتل البطل هو اشارة واضحة من الكاتب الكبير تولستوي ان العنف في نهاية المطاف لا يجني الا العنف، بالرغم من تعاطف الكاتب مع البطل.                             

 

 حسين علي خضير الشويلي

.....................

*قصة (الحاج مراد) بوصفها الوصية الفنية  لليف نيكولايقيتش تولستوي / تأليف تتيانا نيكولا يفنا كوركينا؛ ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز / ص37

**المصدر نفسه / ص 53

 العلاقة بالكويت في الفلبين: لقد شكل وقوع الأب راشد الطاروف في الأسر، على إثر واقعة الحرب العراقية، حدثا هاما  أثر  بشكل كبير  في مجريات حياة عيسى.  قال: " ماعادت الكويت تمثل لي شيئا منذ أخبرنا إسماعيل الكويتي عن وقوع أبي أسيرا في الحرب.  انصرفت فكرة العودة إلى بلاد أبي من تلقاء نفسها "(30) .

لكن، تعرف عيسى على مجموعة من النماذج البشرية الكويتية الإيجابية أحيى الحلم القديم في نفسه، وأوقد في داخله الرغبة في تحقيق هويته كاملة. تلك الرغبة التي انتزعت منه حين تمّ طرد أمه جوزافين، وهو على متن ظهرها رضيعا، من طرف جدته غنيمة وأخواته. هنا يكذّب واقع الإنسان الكويتي، كما يعيشه عيسى في علاقاته الشخصية والاجتماعية، مع الأفراد والجماعات الكويتية التي صادفها في حياته العملية، واقعا آخر لهذا الإنسان، سبق أن تلقته أسماعه في طفولته وصباه، وبقي عالقا في ذاكرته، انطلاقا من أحاديث ومحاورات أمه جوزافين، عبر كل أطوار ومراحل حياته (سبعة عشر سنة) .

قال عيسى عندما كان يشتغل عاملا في شركة سياحية، حين اقتنع بهويته الكويتية، وتصالح مع ذاته:  "كم أحببتهم.  وكم كنت أطير فرحا إذا ما علمت أن المركب يضمّ شبابا كويتيين.  في البدء كنت أميز السياح العرب، أما في ما بعد، فقد أصبحت أميز الكويتيين من بينهم"  لأنني واحد منهم، كنت أحاول أن أقنع نفسي"(31) .

وأثناء لقائه بمجموعة أخرى من الشباب الكويتي على شاطئ البحر، وفي خضم حديثه وانسجامه الاجتماعي معهم، اعترف لهم عيسى بهويته الكويتية رغم وجهه الفلبيني الظاهر . قال:

" - انظروا يا شباب .. سأكشف لكم سرا  !

لم يفه أحدهم بكلمة.  واصلت :

-  أنا كويتي ..

رفعت رأسي بصعوبة أشاهد وجوههم . الدهشة تعلوها.

 -  اسمي عيسى ..

تبادلوا النظرات في ما بينهم"(32) .

لقد تغيرت نظرة عيسى الفلبيني، من جهة الأم، إلى هويته الكويتية من جهة الأب.  فكان هذا القبول للذات، ومصالحته معها، والاعتراف بالآخر الذي هو جزء من هذه الذات آلية أساسية، حرر بها عيسى أولا نفسه كإنسان موجود، من نوع من قيد الغربة والاغتراب، كان يعيشها وتسيطر عليه طيلة السنوات الماضية . قال: " فهمت لماذا كان ميندوزا، تحت تأثير التوبا يردد: " أنا وحيد .. أنا ضعيف " ! مثلك أنا يا ميندوزا، ومن دون توبا، أعترف .. أنا وحيد .. أنا ضعيف .."(33). وحررت بها ثانيا من جهة أخرى، تيمةُ الحق طاقتها وقوتها الكامنة فيها، والتي باتت انطلاقا من هذه الحقيقة السيكولوجية المحررة أكثر فعالية وحيوية وحرية .

ومن تمّ سيعترف عيسى بمدى تفاعله الإيجابي، وقبوله التام لبلد والده بقوله: " جميلة هي الكويت "(34). ثم أردف: " مع كل هذه الاختلافات، كنت أمني نفسي: " سوف أذوب بين هؤلاء "(35) . يعني جماعة الشباب الكويتيين الذي صادفهم في الشاطئ  .

هكذا يمكننا القول، أنه في الوقت الذي انتزعت فيه تيمة الحق، بمكوناتها الداعمة لها (المعرفة، الهوية، الحرية، الحلم..) بعضا من قوتها المشروعة، في سياق ظهور المؤشرات البدئية لتحقيق حرية عيسى، وذلك بانتزاعه الاجتماعي لهويته الإنتمائية الكويتية، تلك التي كانت مفتقدة طيلة المسارات الروائية للجزء الأول من الرواية (مرحلة التأسيس)، لاحت في الأفق السردي للنص بدايات أخرى لاختلالات وانكسارات عميقة، في بنية تيمة السلطة، خاصة على مستوى قمّة هرمها الذهني التقليدي الماضوي، كما جسدته شخصية غنيمة  ..لعلاقة بالموت في الفلبين

من بين أولى تجليات تفكك وضعف بنية تيمة السلطة، في الجزء  الثاني من الرواية، خاصة على مستوى فضائها الفلبيني، التركيز على مسألة الموت كتيمة وجودية، وكحدث يمثل سقوط قمّة هرم السلطة الرمزية الاجتماعية في النص (واقع الفقر – موت ميندوزا) . 

قال سارد النص: " هوزيه .. هوزيه .. هوزيه .. "

لم يكن ميندوزا صاحب النداءات هذه المرة . كانت والدتي، عبر الهاتف، في اتصال تلقيته بعد منتصف الليل، تبكي، وتتعثر بلفظ اسمي:

-  هوزيه .. هوزيه  .. !

تلتقط أنفاسها . تستجمع الحروف لتكون كلمات تصيغ الخبر:

-  قبل قليل .. مات أبي  !

-  احضر حالا .. يجب أن تكون هنا ! "(36) . 

لعل وفاة ميندوزا، باعتباره القمّة الرمزية لتيمة السلطة الاجتماعية، في هذا الجزء الثاني من الرواية، لنعدّه من أهم علامات بداية ضعف وانكماش تيمة السلطة، تاركة مكانها لفعل الاحتواء والتراجع، بعدما كانت في مرحلة قوتها، في الجزء الروائي الأول، تنتج فعل الصراع والهيمنة والقمع والإكراه .

 إذن، نلحظ هنا نوعا من تبادل الوظائف، وتحويل للأدوار بين تيمة الحق التي أصبحت متحكمة في الصراع، ومُهيمِنة على المسار الروائي للنص، بينما صارت تيمة السلطة تعيش مرحلة الانحلال والتفكيك تلو التفكيك.  وتوّجت بالسقوط الدرامي لقمة هذه السلطة، نعني به موت ميندوزا.  لكن، قبل فاجعة الموت هذه، آثر النص أن يمهد لها، حتى تتحقق بصفة سردية تدرجية، بالعديد من حلقات الضعف الصغرى  . 

لقد أصبح الجدّ ميندوزا علامة بئيسة في ذاكرة عيسى، الوضع الذي جعله يؤثر فيه، ويكون له منه موقف عدم الاعتراف به، بسبب فعل القمع والسلطة والهيمنة. لقد كان الجدّ يمارس كل أشكال العنف ضدّ حفيده، وهو طفل وفتى.  لكن في طور الشباب تمرد عيسى على جدّه، بترك البيت والخروج منها باحثا عن ذاته في عالم الأعمال .

قال عيسى: " أما جدّي ميندوزا، فقد أصبح، رغم سني الصغير ة، يجاهر بعدائه لي:

-  لو كان ثمة خير من وراء هذا الصبي لما تخلى عنه أهله هناك"(37) . قال أيضا: " لم أكن قد بلغت السابعة بعد، عندما بدأ ميندوزا يتسلى بخوفي من هذه الأمنية.  ما إن يقذف بأمنيته تلك، حتى أجدني، كالمجنون، أجري، يتملكني الخوف، باحثا عن حاجته في المكان الذي أرشدني إليه، وفي أماكن أخرى، في حين ينفجر هو ضاحكا "(38) .

لهذا، لم يكن لحدث وفاة الجدّ ميندوزا أن يؤثر ويحرك شيئا في نفسية هوزيه - عيسى، بل بسببه صاغ موقفا اختياريا من ذلك.  قال: " توجهت بنظري نحو غطاء التابوت . مددت كفي.  وبسبابتي وإبهامي انتزعت الشريطة التي تحمل اسمي من بين أسماء أفراد العائلة "(39) .

هكذا يعلن نص ساق البامبو، من خلال جزئه الروائي الثاني، الخاص بالفضاء  الفلبيني، بداية سقوط وانحصار وانحلال إحدى أهم مكونات تيمة السلطة، بجعلها تتدرج في عمليات السقوط هذه ابتداء بالمرض، ثم حالات الجنون المتكررة. فالموت كان آخر مرحلة لهذا المسلسل الانهزامي لتيمة السلطة الاجتماعية، كما مثلتها شخصية ميندوزا خير تمثيل  .

 لا بد هنا أيضا من إبداء موقف ابنته آيدا، التي كان لها نصيب كبير من القمع السلطوي الأبوي، من موت هذا الرجل .

قالت على لسان سارد النص عيسى دائما، لما  وصلها خبر وفاة ميندوزا: " مات أبي منذ زمن طويل .. منذ كنا أطفالا .. لا جديد اليوم سوى إلقاء جثمانه في حفرة مظلمة تشبه الحفرة التي دفعني إليها، عندما كنت في السابعة عشرة من عمري "(40) .

لعلاقة بالدين

تعتبر علاقة عيسى بالدين مكونا أساسيا في بنية تيمة الحق، لأن هذه العلاقة تشكل الوجه الآخر، لهويته كمواطن كويتي أولا، وكفرد إنساني وكوني ثانيا .

قال: " إنه قدري، أن أقضي عمري باحثا عن اسم ودين ووطن.  رغم ذلك، لن أنكر لوالديّ فضلهما في مساعدتي، من دون نية منهما، في تعرفي على خالقي.. بطريقتي"(41) .

ثم يعود عيسى ليركز المعنى الذي يقصده، بكونه يوجد في موقع متوتر، وعلاقته بالمسألة الدينية، لم تكن تقوم على أساس تربوي متين، نتيجة هويته المركبة من أصل ديني مسلم (ديانة والده الراشد الكويتي)، و(أصل ديني مسيحي (ديانة أمه جوزافين الفلبينية. لهذا عانى عيسى في طور شبابه من آثار هذه الهوية الدينية المركبة والمزدوجة، رغم أن أمه كانت تعده بالمعتقد الديني الإسلامي لوالده .

قال بهذا الصدد: " أهملت والدي تربيتي دينيا، على يقين بأن الإسلام ينتظرني مستقبلا في بلاد أبي.  ورغم أن أبي همس بنداء صلاة المسلمين في أذني اليمنى، فور ما حملني بين يديه، في المستشفى، بعد مولدي، فإن ذلك لم يمنع والدتي، فور وصولنا، من أن تحملني إلى كنيسة الحيّ الصغيرة، ليتم تغطيسي في الماء المقدس، في طقوس تعميدي مسيحيا كاثوليكيا.  لم يكن يقينها بعودتي قد ترسخ في ذاتها بعد "(42) . إذن، فعمليا، رغم أن أمه كانت دائما تعده بالتدين الإسلامي لوالده، حين عودته إلى الكويت، كانت في نفس الوقت تربيه، بصفة اجتماعية وإجرائية، التربية الدينية المسيحية  التي تدين بها في مجتمعها .

غير أنه في خضم بحثه عن هويته الدينية والتاريخية، اقتنع عيسى أخيرا في شبابه بفعالية المعتقد الإسلامي.  يقول: "بطولة السلطان المسلم لابو – لابو  وسيرته وتقدير عموم الناس له في الفلبين، على اختلاف أديانهم، واعترافهم بدوره في مقاومة المحتل، صور جميلة قربتني إلى الإسلام كثيرا..  جماعة أبو سياف بقتلهم الأبرياء والمبشرين، أبعدوني عن هذا الدين.. كثيرا "(43) .

نستنتج إذن، أن تيمة الحق باستنادها إلى آلية الهوية، في شكلها الديني وتجليها التاريخي، تكون قد خدمت ودعمت المنحى الإيجابي  لمسارات النص السردية النوعية، من أجل، أولا، مقاومة آلام الذاكرة التي عاشها عيسى راشد  في الماضي، وثانيا، من أجل تحريره الكامل لآماله وأحلامه، المتمثلة في العودة إلى بلد والده، وبالتالي تحقيق تلك المصالحة العميقة مع ذاته والاعتراف بها، هذه المصالحة الذاتية التي تتأسس عليها قوة شخصيته التي سيكون في أمس الحاجة إليها، عندما ستواجهه عراقيل ومعيقات تيمة السلطة التي تنتظره عمليا في أرض الكويت . 

 في الفضاء  الكويتي

تواصل تيمة الحق هجومها المصرّ، بقيادة عيسى راشد  الذي حقق حريته باقتناعه الفكري والاجتماعي بضرورة انتزاع هويته الوطنية الكويتية، كوجه آخر لهويته الفلبينية، لتبقى الهوية الإنسانية المنفتحة والمتسامحة المتعددة، هي رهان المتن الروائي الذي نحن بصدده .

لقد كان في عمر عيسى ثماني عشرة سنة، حين وصل إلى مطار الكويت، تلبية لدعوة صديق والده غسان .

قال: " مطار كئيب ذلك الذي حطت به الطائرة يوم الأحد، الخامس عشر من يناير 2006 "(44) .

إلا أنه ستبدو أولى تجليات تيمة السلطة، في مطلع هذا الجزء الروائي الثاني، على مستوى فضائه الكويتي، نتيجة تغيير غسان لوجهة عودة عيسى الراشد لبلده الكويت. فبدل التوجه مباشرة إلى بيت أبيه، جعله مرافقه غسان يتوجه إلى شقته في الجابرية، وقاية له لتحقيق فعل التفكير الأسطوري لعمته غنيمة.  قال: " كيف ستتقبل مجيئي إلى الكويت في الوقت الذي توفي فيه الأمير ؟ ألا يكفي ما سببناه أنا وأمي من قبل ؟ وصول أمي وقت تفجيرات الموكب الأميري في منتصف الثمانينات، ولادتي واختطاف الطائرة، سفرنا والإفراج عن ركابه ! " وجودك، في هذا الوقت تحديدا، يؤكد فكرة لعنة جوزافين التي تؤمن بها الخالة غنيمة "، قال غسان.  ولهذا السبب، تأجل لقائي بجدتي إلى الشهر الذي تلا وصولي "(45).

انبعاث العلاقة بالهوية في الكويت

إن المواجهة التي تمت بين تيمة الحق (عيسى، خولة)، وتيمة السلطة (غنيمة، نورية، هند)،  في شكلهما النوعي المتطور والجديد، في هذا الجزء الروائي الثاني، يدل على استمرار مشكلة الهوية، كإشكال أساسي يشغل تفكير عيسى أينما حل وارتحل.  لهذا، كان رفض الجدّة غنيمة لفكرة استقرار عيسى في البيت، يشوبه نوع من الحيرة والمساءلة وعدم وضوح الرؤية.  لأن لعيسى " اسم يجلب الشرف .. "، و "وجه يجلب العار ". قال: " أنا عيسى ابن الشهيد راشد .. وفي الوقت نفسه أنا .. عيسى ابن الخادمة الفلبينية  !"(46) .

لعل تحقيق أول انتصار لتيمة الحق، في علاقتها الصراعية ضدّ تيمة السلطة، يكمن في وصول عيسى راشد إلى بيت والده في الجابرية.  يقول: " إن قبول جدتي لي قبولا منقوصا.  ملحق البيت ليس البيت ذاته.  هو مكان مفصول في فناء البيت الداخلي، يسكنه الطباخ والسائق.  لا يسكن في البيت سوى أصحاب البيت، والخادمات في الطابق الأخير. تقبلت الأمر برحابة صدر، ليس لشيء سوى أن غرفتي في ملحق المنزل كانت، ذات يوم، الديوانة التي يجتمع بها أبي بأصدقائه "(47) .

 إضافة إلى اعترافه الداخلي بمدى تحرره الحقيقي من بعض آثار الذاكرة الموجعة، التي اعتبرناها سابقا من الآليات الداعمة لتيمة السلطة في نص الرواية .

علاقة المصالحة بين الحق والسلطة

لعل تواجد عيسى راشد في بيت والده، مكنه من كسب ثقة جدته غنيمة بصفة تدريجية، وبالتالي ارتفعت درجة التواصل والقبول، وكذلك الانفتاح الإيجابي والتفاهم المثمر بين الطرفين. يجعلنا هذا التطور النوعي، في العلاقة بين تيمة الحق وتيمة السلطة، نقرّ هنا ببداية تراجع فعل الصراع وردود الأفعال المضادة. ذلك الفعل الذي ساد بينهما لفترة طويلة، في الجزء الروائي الأول، لصالح فعل وتجربة القبول والمصالحة والانفتاح على الآخر المختلف، ولو بشكل نسبي. فتكون هنا تيمة الحق، التي يقودها عيسى راشد، قد ربحت رهان صراعها السابق ضد تيمة السلطة، بسبب قوة الإرادة والإصرار، وكذلك إيمانه الملح بقضيته. تلك القضية التي ميزت كل مواقف عيسى راشد، عبر جميع المسارات السردية والخطابية للنص، لإثبات شكل الحرية والكرامة لهويته وإنسانيته .

لا بد من الإشارة هنا إلى أن علاقة المصالحة والقبول أعلاه، كان من الممكن أن لا يكتب لها التحقق، دون الاعتماد على آلية مهمة، كان لها الدور المحوري في مساعدة عيسى على انتزاعه القوي الاعتراف به كإنسان كويتي، من طرف جدته غنيمة. نعني بها آلية خبرته المهنية في مجال طب التدليك، حيث اشتغل في إحدى مراحل حياته بالفلبين، في المركز الطبي الطبيعي الصيني، المخصص لهذا الغرض. وقد صادف تواجده في البيت، تفاقم مرض المفاصل الذي تعاني منه جدته في ساقيها، ليتطوع نتيجة لذلك مقترحا خدماته الطبية التدليكية لصالح جدته. فأقنعها عمله الجيد والجاد، لأنه كانت له نتائج علاجية مهمة. بل أكثر من ذلك قرّبته هذه المهمة الطبية، التي مارسها عيسى من أجل ساقي جدته، من تحقيق الهدف الأساسي الذي جاء من أجله إلى الكويت، وهو إقناع عائلة الطاروف التي نبذته في الماضي رفقة أمه، بمشروعية ومصداقية حقه في الانتماء إلى هويته العائلية العربية الكويتية والإنسانية، وبالتالي تكذيب الموقف الانفعالي المتصلب والمتشدد، والممارسة السلوكية المجحفة التي أنتجتها سلطة العقل التقليدي الوراثي المتعصب، ضده وضدّ أمه كإنسانين، قبل لوني بشرتهما وطبقتهما الاجتماعية، عندما رفضهما هذا العقل (هو وأمه الأسيويين)، بل طردهما من بيتهما الطبيعي، لسبب واه غير منطقي، ولا يمت بصلة لما هو حقيقي إنساني، باعتباره محكوم بمعتقد متعسف غير حضاري قبلي وقديم، يستند إلى نظرة الأعراف العتيقة والهشة، دون روية فاحصة ونظرية عقلية تلك النظرة التمييزية والقاصرة التي لا تكون دائما على صواب .

قال عيسى معبرا عن ابتهاجه الكبير للتقرب النوعي والوظيفي، الذي حققه بسبب عمله الطبي لصالح قضيته أولا، وخدمة لجدته المسنة غنيمة ثانيا، تلك التي اعتبرناها في النص قمة تيمة السلطة الرمزية: "لو كان تدليك ساقيها يقربني إليها لقضيت عمري كله في هذا العمل"(48) .

 

 

 

"الحبُّ لا يصنعُ المعجزات

هو، بحدِّ ذاتِهِ، معجزة" (سوزان عليوان)

يتجلّى الحبّ في ديوان "لنتخيّل المشهد"، عذباً  رقراقاً كالنّدى المنسكب على وريقات الورود عند الفجر. أرادته الشّاعرة كذلك، وخلقت مفهوماً شاملاً للحبّ، اختزلته بعاشقين جعلت منهما رمزاً لهذا الحبّ.

يلاحظ القارئ بوضوح ارتباط الحبّ عند سوزان عليوان بالطّفولة، لكنّه يأخذ الأبعاد النّقيّة البسيطة المتجذّرة في هيكليّة الطّفل، دون المساس بالنّضج العاطفيّ والعلائقيّ. فللطّفولة عند الشّاعرة أهميّة كبيرة، إمّا لأنّها تحنّ إلى استعادتها، أو أنّها تحيي في داخلها تلك الطّفلة الّتي تاهت بحكم ظروف معيّنة أو نتيجة اختبارات شخصيّة أفقدتها الحسّ الطفوليّ. لكن لا ريب في أنّها تعرّف الحبّ ككائن طفوليّ يحمل في ذاته مقوّمات الطّفل المرادفة للبراءة، والعفويّة، والنّقاء، والخيال، والحلم...

تحكم الشّاعرة ديوانها بين قصيدة افتتاحيّة "لنبدأ بالنّهاية" (ص3) وقصيدة ختاميّة "من يكملُ الحلم؟" (ص 49). فيأتي الحدث معاكساً للنّمط التّقليديّ، لتبدأ من النّهاية وتنتهي بالحلم، أو بمعنى أصحّ، تعبّر الشّاعرة عن الحبّ الحلم الغريب عن العالم، المنفصل عنه. ترسمه لوحات استمدّتها من عالم الشّعر ومن عمق ذاتها حيث يسكن إنسانها العاشق الحقيقيّ.

إذا قرأنا الدّيوان بطريقة تقليديّة من القصيدة الأولى إلى القصيدة الختاميّة، نرصد معاناة الحبّ في هذا العالم القاسي والمرعب. فالقصيدة الأولى وإن حكت عن افتراق عاشقين، إلّا أنّها تحمل  ما بين سطورها غربة الحبّ في عالم يصعب عليه تقبّل الحبّ المتجرّد والمتفلّت من مقوّمات العالم:

عاشقان في اللّيل.

 خائفان

كدمعتين

في عينيْ طفلٍ

مثقوبِ القلب

وردتُهُ مجروحة.

 

معطفُهُ على كتفيها

ذراعُها حول عنقِهِ

يرتعشان

بردًا و عتمة

مثلَ ورقتيْ شجرةٍ

شبهِ عارية.

المشهد قاتم وقاسٍ تدعمه دلالة الدّمعتين في عينيّ طفل، والارتعاش برداً وعتمة، لتقبض الشّاعرة على وجدان القارئ وتحرّك فيه الوعي العاطفي، فتحثّه على استدراك مشاعر الحبّ الحقيقيّ لتنقذه من قسوة العالم.  وتنساب القصائد تباعاً لترسم كلّ واحدة منها رسماً فنّيّاً خاصّاً حتّى تكتمل معاني الحبّ بالمفهوم الّذي أرادته الشّاعرة، وبالمعنى الّذي يتوق إليه القارئ من ناحية اختلاج المشاعر، وارتعاش القلب، واستيقاظ الحبّ المعجزة الّذي يحوّل القارئ من مشروع إنسان إلى إنسان.

بالمقابل، إذا تمّت قراءة القصائد بطريقة معاكسة، تصاعديّة، بدءاً من القصيدة الأخيرة "من يكمل الحلم؟"، سيتعرّف القارئ إلى حلم الشّاعرة، حلم الحبّ، بل سيشاركها الحلم، إذ تفتح له آفاق إكماله. كما أنّها تدخله في عالم الأحلام، والخيال دون أن تفقد الواقع قيمته، وإنّما تهدف إلى زرع الحبّ في كلّ ذرّة من الإنسان.

في قصيدة "زمن الوردة" (ص48)، تُدخل الشّاعرة القارئ في مشهديّة أشبه بأسطورة لتبيّن تفاصيل الحبّ، والعلاقة الوطيدة الأبديّة بين عاشقين الّتي يغفل عنها الإنسان، ليتحدّث عن الحبّ بشكل عام دون أن يهتمّ للتفاصيل الّتي ترتكز عليها الحالة العشقيّة. وبهذا فإنّ الشّاعرة تتحدّث عن حبّ حقيقيّ خارق، يتجذّر في التّراب لينبت في الأعالي. ما يغفل عنه العالم قطعاً:

يُحكى

أنَّ عاشقيْنِ

في زمنٍ قديمٍ

دُفِنا في حفرةٍ واحدة.

لنتخيَّلَ المشهد:

هيكلان عظميَّان

مُمدَّدان جنبًا إلى جنبٍ

كما لو أنَّ الترابَ سريرٌ من عشبٍ

والدودَ الذي ينهشُ اللحمَ الباردَ

فراشاتٌ تنقلُ القبلاتِ في رحيقِها.

 

هل قُتِلا؟

انتحرا معًا؟

أم أنَّهُما من ضحايا الكوليرا؟

الزّمن القديم يعود بالحبّ إلى أصوله الأولى، والدّفن في الحفرة الواحدة، يرمز إلى أزليّة هذه العلاقة العشقيّة الّتي لا تسقط حتّى وإن احتضنها التّراب. بل وكأنّ الشّاعرة تبرز المعنى المتجدّد الأبديّ للحبّ، وتسكبه في إطارٍ قصصيّ خياليّ لطيف، يحوّل الفناء إلى حياة (الترابَ سريرٌ/ الدّود فراشات). لكنّه في ذات الوقت يطرح تساؤلات عدّة، ويكشف سذاجة العالم، استهتاره، اهتمامه بما لا فائدة منه بدلاً من الاكتراث والاعتناء بالتّبشير بالحبّ:

تجاهلَ الرّواةُ

عبرَ العصورِ

هذه التّفاصيل العابرة

لتسطعَ

في الحكايةِ

وردةٌ حمراء

نبتَتْ

من التّرابِ الّذي احتضنَ العاشقيْنِ في عناقٍ أخيرٍ

جذورُها عظامُ أصابعِهِما

المتشابكةُ في الموتِ

كما في الحياة.

لا يحتاج الحبّ إلى طرح إشكاليّات وجدليّات وشروحات نظريّة. يكفي التأمّل  بوردة حمراء منسيّة حتّى تفيض معاني الحبّ ودلالاته في تفاصيل يعتبرها العالم عابرة، إلّا أنّها ذات دلالات عميقة:

بعدَ ألفِ عامٍ تقريبًا

من زمنِ الوردة

وفي زاويةٍ صغيرةٍ من جريدة

خبرٌ عن طائرةٍ تحطَّمَتْ

عن علبةٍ سوداء مفقودة

عن غوَّاصٍ من فرقةِ الإغاثة

عثرَ

في أعماقِ البحرِ

على ما يُشبِهُ وردةً حمراء:

يدان متعانقان

انفصلتا عن جسديْهِما

دونَ أن تنفصلَ الواحدةُ عن الأخرى

دونَ أن يفترقَ العاشقان.

يأخذ الحبّ عند سوزان عليوان بعداً إنسانيّاً شاملاً، فلا يتحدّد في علاقة بين شخصين، بل ينطلق من الشّخص إلى المحيط. ويُظهر الأعماق الإنسانيّة الّتي يعوزها أن تحبّ لتعاين الجمال، وتشعر بالآخر، وتتلمّس العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والطّبيعة وجميع الخلائق. فيرتقي الإنسان وتسمو المعاني الإنسانيّة، ويحيا النّقاء والصّفاء:

لأنَّهُ يحبُّها

يصعدُ

كُلَّ ليلةٍ

على سلالمِ العتمةِ

بقدميْنِ حافيتيْن

خشيةً  أن يدنِّسَ السماءَ بحذاءٍ

لا ينزلُ

إلاَّ والقمر في يدِهِ

رغيفًا يفتِّتُهُ

على شكلِ كواكب ونجوم صغيرة

دونَ أن يهدرَ حبَّةَ قمحٍ واحدة

ولئن احتلّ الحبّ هذه الرّتبة في عليائه واستحال قوتاً ضروريّاً للعالم (القمر/ الرّغيف)، امتدّ إلى الكون بأسره ليشبع النّفوس الجائعة:

بالتّساوي

بالعدلِ الذي لا تعرفُهُ سوى أصابع عاشق

يوزِّعُ كعكاتِهِ الدّافئةَ

على أطفالِ الشّوارع

على شبابيكِ النّائمينَ دونَ عشاءٍ أو أمل

على الكلابِ والقططِ الضالَّةِ أيضًا.

في الحبّ يتجلّى مفهوم العدالة، والرّحمة، والخلاص. لا بدّ للكون بأسره أن ينغمس في الحبّ كي يخلص، كي تتحقّق فيه العدالة والحرّيّة لأنّ الحبّ لا يحابي الوجوه، ينطلق حرّاً باذلاً ذاته مجّاناً:

فقط

لأنَّهُ يحبُّها.

من أحبَّ إنسانًا

أحبَّ الناسَ جميعًا. (كواكب و نجوم من قمح/ ص 12)

بالحبّ ترى ما لا يُرى، وتدرك معاني الإنسانيّة الأصيلة، وتستخرج الجمال من القبح، أو ما تعتقده قبحاً. ذاك ما رآه طفلان صغيران متعانقان في متسوّلٍ بعينين مفقوءتين، يتوسّل نظرة حنان واحدة:

وحدهما الولد والبنت المتعانقان

ضفيرةً من لحمٍ ودم

تحتَ مظلَّةٍ ملوَّنة

وضعا، برفقٍ، في ثقبيْهِ العميقيْنِ

قطعةً من الخبزِ المُحلَّى

وكمشةَ زبيبٍ وياسمين

متوهِّميْن أنَّهُ شجرةً

وأنَّ تجاويفَ جمجمتِهِ

- هذه التي تقرفُ الناسَ

وترعبُ الأطفال-

أعشاشَ عصافير.

ذاك ما يعوز كلّ إنسان ليكون إنساناً، وهو أن يعود طفلاً. وحدهم الأطفال ينفتحون على حقيقة الحبّ، ويسمحون لها أن تتسرّب إلى قلوبهم دون فلسفة الأشياء. ببساطة وتلقائيّة، يحتضنون الحبّ في قلوبهم ويعكسون صورته على العالم. هم فقط يفهمون معنى المعجزة، يدخلون في سرّها ويحبّون حتّى المنتهى.

 

مادونا عسكر

 

 

لا يزال شخوص الأديبة الأردنية سناء الشعلان ينحازون إلى التحرر من قيود المجتمع رغم كل العذابات والانكسارات التي تقيدهم، فهم يصرخون في وجه الآخر المستبد للمطالبة بشرطهم الإنساني الحيوي، وهذا ما نلمسه إجمالا من خلال قصصها "مقامات الاحتراق"، والتي كتبتها أنمال أنثى بقلم متمرد في محاولة منها للكشف عن الجروح وتضميدها في آن واحد.

ويظل اسم الدكتورة سناء الشعلان ذات الأصول الفلسطينية يعبر بحق عن جدارتها في عملية السرد القصصي وغيره من الأجناس الأدبية الأخرى، رغم التشكيك المتواصل في قدرة المرأة على الإبداع، حيث تذكرنا بمقولة للدكتورة نورة الجرموني التي ترى أن الكتابة النسائية لا تكتسي طابعها الإيجابي إلا في ظل كتابة مسئولة وواعية تعبر عن عمق إحساس المرأة بالجرح، وتشير التساؤلات وتخلخل القوالب الجاهزة والأفكار المشكوكة دون إهمال لآليات اشتغال الكتابة (1).

يبقى العنوان الجزء الأساسي الذي يعكس بدلالته مضمون قصص هذه المجموعة، والذي يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها (2).

تستوقفنا كلمة "مقامات" في هذا العنوان لتذكرنا بفن نثري –المقامة- قد ظهر في القرن الرابع للهجرة، وازدهر في عصر الانحطاط، وهي شبه قصة قصيرة مسجوعة تشتمل على عظة غير أن قصص الشعلان لا ترتكز على ذلك، بل تتسم تارة بطابع ساخر في العموم لتكشف خبايا المجتمع، أما كلمة "الاحتراق" فهي تصف ما يغور في أعماق نفوس شخصياتها المتألمة والتي تكاد تحترق فتهلك يأسا.

يستسلم البطل في قصة "كائن ليلي" منكسرا بين أحضان أم الخبائث التي تدفعه للكتابة والقراءة وسماع الموسيقى العالمية ومعاشرة بائعات الهوى، كما جاء على لسان الساردة: "...ويتقيأ على نفسه وعلى تاريخه الفارغ، ويعلن لعشرات العشيقات اللواتي يلبس إحداهن في كل ليلة أنه كائن ليلي، ولذلك يستبيح الليل، وسلوكيات الكائنات الليلية المنبوذة" (3).

تحلق القاصة في فلك الصراعات بين الأنا والآخر في أغلب نصوصها، التي تنوعت بين القصة والقصة القصيرة جدا وهي اليوم تعرف انتشارا واسعا في زمن السرعة، وكمثال تستوقفنا قصة "أصابع وقحة" لنشاهد ملامح ذلك البطل الضحية لمجتمعه الذي ينقض عليه دفعة واحدة، ويمارس عليه القمع بشتى الطرق البشعة: "فأحرقوا قبره اللعين، فأصبح مزارا لعشاق الأشباح المتمردة، والأصابع الوقحة" (4).

بطل قصة "الكف" يحاول هو الآخر اكتشاف ما يخبئه له المستقبل من خلال خطوط كف يده، غير أن الوالي يقطع له كفه دون سابق إنذار: "يصمم على أن يعرف طالعه، يفتح كفه لكل قارئ، أحدهم يقول له: قدرك أن تفني العمر في البحث" (5).

للشعلان أسلوبها الخاص لرسم اللقطات الفنية المؤثرة، لتختصر لنا المسافات كي نفهم المقصدية المباشرة أو غير المباشرة في نصوصها القصصية، كما هو الحال في قصة "المطاردة" أين تحاول الظبية عقد هدنة مع الشبل الذي سارع لمطاردتها فوجد هذا الأخير أنها فكرة جميلة، استحسنها تحت عنوان الصداقة: "قال الشبل وهو يحاول أن يجمع شتات أفكاره: لأنك ظبية، وأنا شبل، والأشبال تطارد الظباء، هذا هو قانون الغاب" (6).

قصة "أمينة" مأثرة للغاية وكأننا أمام مشاهد لفيلم سينمائي قصير، لأنها تعكس الحالة النفسية المنكسرة للبطلة، والتي تصبح بين ليلة وضحاها فريسة للرجال من النخبة المثقفة بعد وفاة زوجها الرسام التشكيلي، غير أن البطل يتعاطف مع حالتها محاولا كبح جموح رجولته الشيطانية أمامها: "...وانكفأت على الحائط، وشرعت تبكي بحرقة، فهي لم تشعر بالكبرياء وهي ترتقي صخرة، ويكسوها النور، وتشرئب إليها الرؤوس والعيون، بل شعرت بأنها عارية، فخجلت من عريها، وبكت بشدة، فأمينة لم تخلق لتكون عارية..." (7). 

توقف المصعد المفاجئ جعل شخوص قصة "المصعد القديم" أسرى بين جدرانه الحديدية، حتى أنهم اعترفوا بذنوبهم لكن سرعان ما تناسوا ذلك بعدما فتح الباب: "وعندما فتح باب المصعد بعد خمس ساعات طالع كل ساعته، وتأفف بعمق، وغادر المصعد دون ابتسامة وداع..." (8).

لقد تجاوزت الشعلان بأسلوبها السرد المباشر البسيط إلى ما هو بياني ومجازي في "مقامات الاحتراق" ضمن ما يمكن تسميته بلاغة الانزياح والخرق الجمالي، لتعكس لنا صورا من صراع الأنا مع الآخر داخل المجتمع، حتى أنها تفتح أمام المتلقي بابا للتحليل والتأويل وهذا هو المؤشر الايجابي لخلق فضاء التفاعل بين النص وقارئه.

 

 

.... بقلم عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

......................

الإحالات:

(1) نورة الجرموني، الأدب السردي النسائي وإشكالية التسمية، مجلة الراوي، النادي الثقافي جدة، المملكة العربية السعودية، ع 23، سبتمبر، 2010، ص 41.

(2) جميل حمداوي، السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، الكويت، ص 96.

(3) سناء شعلان، مقامات الاحتراق، نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، قطر، 2006، ص-ص 65-66.

(4) المصدر نفسه ص76.

(5) المصدر نفسه ص77.

(6) المصدر نفسه ص 94.

(7) المصدر نفسه ص 59.

(8) المصدر نفسه ص 75.

 

 

1 - مالك بن الريب يندب نفسه:

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي ** سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

فللهِ درِّي يوم أتركُ طائعاً ***** بَنيّ بأعلى الرَّقمتَينِ وماليا

وأشقرَ محبوكاً يجرُّ عِنانه * إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

خذاني فجرّاني بثوبي إليكما **فقد كنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا

يقولون: لا تَبْعَدْ وهـم يَدْفِنونني ** وأيـنَ مكانُ البُعدِ إلا مَكانيا

فيا ليتَ شعري هل بكتْ أمُّ مالكٍ **كما كنتُ لـو عالَوا نَعِيَّكِ باكِيا

اقلبُ طرفي حول رحلي فلا أرى *به من عيون المُؤنساتِ مُراعيا

وبالرمل منا نسوة لو شَهِدْنَني*** بَكينَ وفَدَّين الطبيبَ المُداويا

فمنهنّ أمي وابنتايَ وخـــالتي *** وباكيةٌ أخـــرى تَهيجُ البواكيا

قصيدة رثاء ليست كبقية قصائد الرثاء، فلا تجد نظيرتها لدى الشعراء، فرثاء النفس أشجى، وأدمى، وأمرّ، وأقسى مواويل البكاء والنحيب والندب، لا تقدر أن تطيع نفسك إلا أن تطاوعها، فالإنسان وجهة الإنسان، هو سانحه، وهو بارحه، هو شارقه، وهو غاربه، يرى في مماته يوم مماته، ويرى في دنياه أنس حياته، الإنسان وإن طال المدى هو الإنسان، تتعلق به، وتتبع أخباره، تتجادل حوله، وقد تموت لأجله،، وإن مضى ومضى أجله، وهنا سرّ عظمته، وتميّز خلقته، ألم ترَ الناس يتركون الجبال الشاهقة الشامخة، لأنها بنت الطبيعة الساكنة الجامدة، ويحجون فيعجّون بين الأهرام، وما الأهرام إلا من صنع الإنسان، ويعكفون عن اللآلئ والمرجان، ويتزاحمون على المتاحف والآثار والبلدان، لأنها من بدائع خلق الإنسان، فمن هذا المالك بن الريب الذي خلب قلوب الناس، وأشجى نفوسهم، وأدمع عيونهم، وكسر خاطرهم من قديم الآباد والأزمان حتى عصرنا، وهو يثير الأشجان بالوجدان ؟ !!

مالـك بـن الريـب (توفي نحو 60 هـ / 680 م) من شعراء الواحدة،أي من الذين اشتهروا بقصيدة واحدة خلدتهم على مدى العصور،ولم تعرف لهم قصيدة أخرى- ربّما لهم مقطوعات نادرة - ونذكّ أمثال رك بعدّة منهم دوقلـة المنبجـي، ابن زريـق البغـدادي، سحيـم عبـد بنـي الحسحـاس،توبـة بن الحِمْيَـرْ، ومالك بن الريب، محور حديثنا الحالي .

ولو أنني أميل أن أضيف إليهم عدّة شعراء آخرين ذاع صيتهم بخريدة واحدة،ولو أنَ ديوانهم ضمّ قصائد أخرى بقيت في بطون الكتب خامدة جامدة، المهم هذا المصطلح يعود إلى أول كتاب نقدي أدبي عربي، وهو (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي، وكان يعني بهم من أجادوا بقصيدة، واشتهروا بها، بالرغم من كثرة أشعارهم كعنترة في ميميته، وطرفة في داليته، وكلتاهما من المعلقات، الموضوع يحتاج لحلقات مستقلة، نرجع للمالك !!

يذكر خير الدين الزركلي في (أعلامه):

مالك بن الريب بن حوط بن قرط المازني التميمي: شاعر، من الظرفاء الادباء الفتاك، اشتهر في أوائل العصر الاموي، ورويت عنه أخبار في أنه قطع الطريق مدة، ورآه سعيد بن عثمان ابن عفان بالبادية في طريقه بين المدينة والبصرة، وهو ذاهب إلى خراسان وقد ولاه عليها معاوية (سنة 56) فأنّبه سعيد على ما يقال عنه من العيث وقطع الطريق واستصلحه واصطحبه معه إلى خراسان، فشهد فتح سمرقند، وتنسك، وأقام بعد عزل سعيد، فمرض في (مرو) - قلب طهران حالياً - وأحس بالموت فقال قصيدته المشهورة، وهي من غرر الشعر، وعدتها 58 بيتا. (1)

أمّا ابن قتيبة في (شعره وشعرائه)، قيذكر عنه:

" هو من مازن تميم، وكان فاتكا لصا، يصيب الطريق مع شظاظ الضبي الذي يضرب به المثل، فيقال ألص من شظاظ ومالك الذي يقول:

سيغنينى المليك ونصل سيفى *** وكرات الكميت على التجار 

وحبس بمكة في سرقة، فشفع فيه شماس بن عقبة المازني، فاستنقذه وهو القائل في الحبس

أتلحق بالريب الرفاق ومالك *** بمكة في سجن يعنيه راقبه

ثم لحق بسعيد بن عثمان بن عفان، فغزا معه خراسان، فلم يزل بها حتى مات .

ولما حضرته الوفاة قال:

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة *** بجنب الغضا أزجى القلاص النواجيا

فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه ** وليت الغضا ماشى الركاب لياليا " (2)

وقال أبو علي القالي: كان من أجمل العرب جمالاً، وأبينهم بياناً، وقيل لما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه، فإذا حية في داخلها فلسعته، فلما أحس الموت استلقى على قفاه ثم أنشأ قصيدته يرثي بها نفسه، وأن مالك يوم أو ساعة أحس الموت، أحس إحساسا مأساويا عميقا بالغربة، وندم ندما شديداً يوم أصبح في جيش ابن عثمان غازيا وفي بلاد غريبة، ودفن في مكان غريب في قفرة بعيداً عمن هو عزيز عليهن، ولذلك تسمى أحياناً بالقصيدة المبكية المحزنة، إذ تصل إلى القلوب،وتذهل العقول لمن يفقه الأدب العربي حقّاً وصدقاً، ومثل ما أقدّم لكم مراراً وتكراراً هذا المخزون التراثي العربي، لعلّنا نتذكّر و تتذكرون، ونشكر وتشكرون، إليكم إياها !!:

1 - ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً ** بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

2 - فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه* وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

3 - لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى ** مزارٌ ولكنَّ الغضى ليس دانيا

4 - ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى ***وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا

5 - وأصبحتُ في أرض الأعاديَّ بعد ما ** أرانيَ عن أرض الآعاديّ قاصِيا

6 - دعاني الهوى من أهل أُودَ وصُحبتي* ** بذي (الطِّبَّسَيْنِ) فالتفتُّ ورائيا

7 - أجبتُ الهوى لمّا دعاني بزفــرةٍ ****** تقنَّعتُ منــــها أن أُلامَ ردائــيا

8 - أقول وقد حالتْ قُرى الكُردِ بيننا ****جزى اللهُ عمراً خيرَما كان جـازيا

9 - إنِ اللهُ يُرجعني من الغزو لا أُرى ***** وإن قــلَّ مالي طالِباً ما ورائيا

10 - تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي **** سِفـــــارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

11 - لعمريْ لئن غالتْ خراسانُ هامتي**** لقد كنتُ عن بابَي خراسان نائيا

12 - فإن أنجُ من بابَي خراسان لا أعـــدْ ****إليها وإن منَّيتُموني الأمــــانيا

13 - فللهِ دّرِّي يــــوم أتركُ طائــــــعاً ***** بَنيّ بأعلى الرَّقمـتَينِ وماليا

14 - ودرُّ الظبَّاء السانحات عشيــــــــةً **** يُخَبّرنَ أنّي هالك مَـنْ ورائيــا

15 - ودرُّ كبيريَّ اللذين كلاهـــــما * ****عَليَّ شفــــيقٌ ناصح لـو نَهانيا

16 - ودرّ الرجال الشـــــــاهدين تَفتُكي *****بأمريَ ألاّ يَقْصُروا مــن وَثاقِيا

17 - ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي ***** ودّرُّ لجـــاجاتي ودرّ انتِهائيا

18 - تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجــدْ *****سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا

19 - وأشقرَ محبوكاً يجرُّ عِنانـــــــه **** إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

20 - ولكنْ بأطرف (السُّمَيْنَةِ) نســـــوةٌ ** ** عزيزٌ عليهنَّ العشيـــــةَ ما بيا

21 - صريعٌ على أيدي الرجــــــال بقفزة **** يُسّوُّون لحدي حيث حُمَّ قضائيا

22 - ولمّا تراءتْ عند مَروٍ منيتـــــي****** وخلَّ بها جسمي، وحانتْ وفاتيا

23 - أقول لأصحابي ارفعوني فإنّــــــه **** يَقَــرُّ بعينيْ أنْ (سُـــهَيْلٌ) بَدا لِيـــا

24 - فيا صاحبَيْ رحلي دنــا الموتُ فانزِلا ***** برابيــــــةٍ إنّــــي مقيمٌ لياليا

25 - أقيما عليَّ اليوم أو بعضَ ليلــــةٍ ***** ولا تُعجلاني قـــــــد تَبيَّن شـــانِيا

26 - وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيِّئـــــا ***** لِـيَ السِّدْرَ والأكفــانَ عند فَنائيا

27 - وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعــــي ** **** ورُدّا علــــى عينيَّ فَضْلَ رِدائيا

28 - ولا تحسداني بــــــاركَ اللهُ فيكما **** من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا

29 - خذاني فجرّاني بثوبي إليكمـــــا *****فقـــــد كــنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا

30 - وقد كنتُ عطَّافاً إذا الخيـــــل أدبَرتْ ***** سريعاً لدى الهيجا إلى مَنْ دعانيا

31 - فَطَوْراً تَراني فـــــي ظِلالٍ ونَعْمَــةٍ ***** وطوْراً تراني والعِتــــــاقُ رِكابيـا

32 - ويوما تراني في رحاً مُستديــــــرةٍ ***** تُخـرِّقُ أطرافُ الرِّمـــــاح ثيابيـا

33 - وقوماً على بئر السُّمَينــــة أسـمِعا *****بها الغُرَّ والبيضَ الحِسان الرَّوانيا

34 - بأنّكما خلفتُمـــــــاني بقَفْــــــرةٍ ***** تَهِيلُ عليّ الريحُ فيــــــها السّوافيـا

35 - ولا تَنْسَيا عهدي خليليَّ بعــــد مـا ***** تَقَطَّـــعُ أوصالي وتَبـلى عِظاميا

36 - ولن يَعدَمَ الوالُونَ بَثَّا يُصيبهــــم ***** ولـــــن يَعدم الميراثُ مِنّي المواليا

37 - يقولون: لا تَبْعَدْ وهــــم يَدْفِنوننـــــي ***** وأيــــنَ مكـانُ البُعدِ إلا مَكانيا

38 - غداةَ غدٍ يا لهْفَ نفسي علــــى غــــدٍ ***** إذا أدْلجُوا عنّـي وأصبحتُ ثاويا

39 - وأصبح مالي مــــن طَريفٍ وتالدٍ ***** لغيري، وكان المالُ بالأمس مالـيا

40 - فيا ليتَ شِعري هل تغيَّرتِ الرَّحــا ***** رحا المِثْلِ أوأمســتْ بَفَلْوجٍ كما هيـا

41 - إذا الحيُّ حَلوها جميعاً وأنزلــــوا ***** بهـــــا بَقراً حُمّ العيون سواجيا

42 - رَعَينَ وقد كـــــادَ الظلام يُجِنُّــــها *****يَسُفْنَ الخُزامى مَــــرةً والأقاحيــا

43 - وهل أترُكُ العِيسَ العَوالـــيَ بالضُّحى ***** بِرُكبانِها تعلـــــو المِتان الفيافيا

44 - إذا عُصَبُ الرُكبانِ بـــينَ (عُنَيْزَةٍ) **** و(بَوَلانَ) عاجوا المُبقياتِ النَّواجِيا

45 - فيا ليتَ شعري هل بكتْ أمُّ مــــالكٍ ***** كما كنتُ لـــــو عالَوا نَعِيَّكِ باكِيــا

46 - إذا مُتُّ فاعتادي القبورَ وسلِّمــــي ***على الرمسِ أُسقيتِ السحابَ الغَواديـا

47 - على جَدَثٍ قد جرّتِ الريحُ فـــــوقه ***** تُـــــراباً كسَـــحْق المَرْنَبانيَّ هابيـا

48 - رَهينة أحجارٍ وتُـرْبٍ تَضَمَّنــــــتْ **** قرارتُها منّـــي العِظــــامَ البَوالـيــا

49 - فيا صاحبا إمــا عرضــــــتَ فبلِغــاً **** بنــي مــــازن والرَّيــب أن لا تلاقيا

50 - وعرِّ قَلوصي فـــــي الرِّكـــــاب فإنها ***** سَتَفلِقُ أكبــــاداً وتُبكي بـــواكيا

51 - وأبصرتُ نارَ (المازنيـــــاتِ) مَوْهِناً *****بعَلياءَ يُثنى دونَها الطَّرف رانيـا

52 - بِعودٍ أَلنْجوجٍ أضاءَ وَقُودُهــــــا *****مَهاً فـــي ظِلالِ السِّــدر حُوراً جَوازيا

53 - غريبٌ بعيدُ الدار ثـــــاوٍ بقفـــــزةٍ *****يَــدَ الدهر معروفاً بأنْ لا تدانيـــا

54 - اقلبُ طرفي حـــــول رحلي فلا أرى *****بـــه مــن عيون المُؤنساتِ مُراعيا

55 - وبالرمـل منّــــا نسوة لو شَهِدْنَنـــــي *****بَكينَ وفَدَّين الطبيــبَ المُــداويا

56 - فمنهنّ أمــــي وابنتــايَ وخــــــالتي *****وباكيـــةٌ أخـــــرى تَهيجُ البواكيـا

57 - وما كان عهدُ الرمل عندي وأهلِـــــهِ ****ذميمـــــاً ولا ودّعتُ بالرمل قالِيا 

يشرع قصيدته بهذا المطلع الإنساني الرائع:

ألا ليت شعري هل أبيتاً ليلة*** بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا

هذا المقطع - على أغلب ظنّي - جاء بعد تأوّهٍ وبكاء وتجهش، وربما كفكف الدموع بأردانه أو يده، والحق هذا الموقف يخالج نفس كلّ إنسان غريب تنقطع عنه كلّ أسباب حياته بين أهله وناسه وبيئته التي نشأ فيها وترعرع بها، فجاء ذلك على شكل استفهام التمني (ليت شعري)، وأعقبه بـ (هل)، فصبت بمصب التمني، وما أمنيته - يا ترى - أن يكون جنب (الغضى)، وهو شجر يكثر في نجد، كنى به عن الحياة بين أهله وناسه وأصحابه وصويحباته !! وهو يلاحق ناقته الفتية السريعة التي طالما أنجته من السقوط المهلك !!

 فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه **** وليت الغضى ماشى الركاب لياليا

هذاالبيت فيه تمني مستحيل، لأن الغضى قد قطع الركب عرضه ومضى، وتم الأمر، وليس كتمني البيت الأول، ثم هل الركب يقطع عرض الغضى ؟!! كيف؟ وكيف السيد الغضى يمشي؟ هل هو إنسان، يمشي ويركض؟ طبعاً هنا استعارتان مكنيتان، حذف المشبهان، وهما أحد أوجهي الشبه في التشبهين، وكذلك في البيت الثالث الآتي شبّه الضلالة بالشيء الذي يباع (استعارة مكنية)، وهنالك طباق بين الضلالة والهدى:

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى **** وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا

وهكذا تستمر القصيدة على هذا المنوال الشاعري القديم الجميل الملهم الذي يدخل القلوب دون استئذان، تقرأ، ولا تملّ، وتنتشي بسرّ خفي، وتطلب المزيد، وتزيد، لأنها أحاسيس إنسان شاعرة صادقةغير مزخرفة، ولا مغلفة بدلالات مبهمة غامضة، لا يحلّ رموزها، إلا شيطان رجيم، وفي أحسن الأحوال ملك رحيم !!!

الشاعر يصب مواويله، والدنيا تأمّله، والموت يترقبه،ابنته تقول، و(لله درّي) يقول، وهو أسلوب مدح مألوف، في تعظيم الإنسان لعمله الصالح، ويعقبه بأسلوب قصر، ينفي ويستثني (فلم أجد سوى السيف ...)، والسيف والليل والخيل من رفاق الشعراء القدماء، فلا بد له أن يذكر (الأشقر المحبوك)، والحق المرأة العربية هي رفيقة الرجل الأولى من امرئ القيس حتى امرئ (الفيس)، ولكن النقاد العرب، إما غفلوا أو تغافلوا، وقد كان مطلع قصيدتي عن المرأة في عيدها السنوي : (رفيقة الدّهر هل باليوم تذكارُ)، وهذا المالك الريب يقدم النسوة على الرجال في سؤالهنّ عليه، وشعورهن به:

ولكن بأكناف السمينة نسوة***** عزيز عليــهن العشية ما بيا

فياليت شعري، هل بكت أم مالك **كما كنت لو عالوا بنعيك باكيا

على أغلب الظن هذه (أم مالك) هي زوجه، وليست أمه، لأن أمه باكية باكية عليه، لا محالة، فلا يعقل أن يسأل عن بكائها ونحيبها .

لا أطيل عليك، إنّها لبكائية لا متناهية في حزنها، من عاش ملذات الحياة، وتطلع إلى مباهجها، وأمّل نفسه في تخيّله لمفاتنها، يصارع كالطير المذبوح جزعاً للبقاء في مغانيها، وتغريد أغانيها، ولطف غوانيها، والشاعر المرهف الحساس أكثر الناس تعلقاً بها، لاجرم أن يبث أشجى خوالج نفسه للتعبير عن الأسى لفقدانها، والتحسر المؤلم لفراقها:

فلله دري يوم أترك طائعا *** بني بأعلى الرقمتين وماليا

هذا التحسر المؤلم يكرّ عليه في لحظة، وإذا بلحظة أخرى تدهمه، فيصحو إلى فروسيته:

وقد كنت عطافا اذا الخيل ادبرت *** سريع لدى الهيجا الى من دعانيا

وهكذا ولدت قصيدة عشق الحياة إبان عوالج الممات !!

تم الممات، وفاتت الأسباب، سيان بسهام أم لدغات، يا حسرتي !! ماذا تجدي نداءات الأمنيات أو أنّات الكسرات؟ مالكٌ لا يناجي إلا مالكاً، ولا مجيبٌ في وحشة القفار، وغربة الديار، ضنكٌ ويأسٌ وأخطار.

تارة يحاور نفسه، ويتشبث ربما بمن يسمع أنين صوته:أقول وقد حالت،يقولون: لا تَبْعَدْ، أقول لأصحابي ارفعوني .

وطوراً تمنيات ...نداءات ...تساؤلات، ألا ليت شعري!، هل أبيتن ليلة؟ فليت الغضا ! هل تغيَّرتِ الرَّحا؟ هل بكتْ أمُّ مــــالكٍ؟ ...أساليب بلاغية فنية رائعة، تبثها آهات وزفرات نفسية حرمت، فتذكًرت، فانفجرت، ما كان يدورفي ذهن هذا المخلوق في تلك الديار والقفار؟!! وكم أثرت المرأة في حياته حتى احتلت كل مساحة وجدانه:

فمنهنّ أمــــي وابنتايَ وخــــــالتي ***وباكيةٌ أخـــــرى تَهيجُ البواكيا 

لا أريد الإطالة، وأمامنا شاعر يرثي ابنه، وفلذة كبده، هذه هي الحياة، " وما تدري نفس بأي أرض تموت " الموت حقٌّ، وقد قال الشاعر ذات يوم:

مشيناها خطى كتبت علينا **** ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كتبت منيته بـأرضٍ ***** فليس يموت في أرض سواها

نعم الموت هو الموت، والحق هو الحق، ولكن ليس بإمكان كلّ إنسان أن يصف مشاعره، وخلجات نفسه، وما يجيش في وجدانه،فيجيشك مشاعراً، ويثيرك عواطفا،، ويبكيك دموعاً، وينزفك دماً، مهما يكن من أمر، نترك مالكاً شاعراً نابضاً حيّاً على الدوام بقصيدة واحدة خالدة، وإلا جمع وحقق شعره الدكتور نوري حمودي القيسي بديوان صغير (3)، أدمى قلوبنا هذا القلب الدامي من يومه حتى هذه الأيام !!

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) - الجزء 5 ج5 ص261 - دار العلم للملايين - الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م

ويذكر الزركلي : وللدكتور حمودي القيسي " ديوان ملك ابن الريب، حياته وشعره - ط "، ثم يدوّن المراجع التي ترجمت له:

خزانة البغدادي 1: 317 - 321 وجمهرة أشعار العرب 143 والمحبر 213 و 229 - 30 وسمط اللآلي 418 ثم 3: 64 ورغبة الآمل 5: 25 المتن والهامش. وفي المرزباني 364 أن الّذي عفا عنه وآمنه " بشر بن مروان " وأنه كان مع " سعيد بن العاص " ومجلة المجمع العلمي العربيّ 38: 524، 732، وأمالي القالي 3: 135 والمورد 3: 2: 232.

(2) الشعر والشعراء ابن قتيبة الدينوري 1 /71 - مصدر الكتاب: الوراق - الموسوعة

الشاملة .

(3) ديوان مالك بن الريب بتحقيق الدكتور نوري حمودي القيسي

مستل من "مجلة معهد المخطوطات العربية" مج 15، جـ 1

 

 

 

 يركلُ كُرَة النّارِ يأخذها في حجرهِ كأنها قمر بارد.

لله درّ هؤلاء كم هم غاوون ووشاة أيضا.وأي شطحات تلك للمخيال ؟ تأنف أن تتزمَّلَ بغير قميص زمنها (هي) نكاية في راهن تجاوزنا بأشواط عدةّ،أبحقّ نكون قد تخلّفنا عن مواكبة مجازره وساديته وجبروته الذي يتلوّن بغبار شياطين تتجدد لمحاربتنا والقضاء علينا حدّ الانقراض، بين الفينة والأخرى صانعة كل هذه القيامة وكل هذا الهول...؟

إنهم وباختصار شعراء حقبة تُكتبُ بالدم، لم يعد في وعيهم خيط رابط بتعاليم المدينة الفاضلة.طلّقوا أبراجهم العاجية ليركبوا موجة احتواء مشاهد الواقعية والنهل من تفاصيل الآني على نحو يسعف في صياغة جديدة لذات التشظي وحياة الانشطار.

ذلكم الواقع الأشبه وإلى حدّ بعيد بكرة من نار ،من مثالب المهارة الإبداعية، أخذ تلك الكرة الملتهبة في انكفائها على عوالم متداخلة ومتشابكة ،الكفة الراجحة فيها للمفارقة والغرائبية والأنانيات المريضة والدموية والاضطراب، فيما الخاسر أولا وأخيرا جراء كل ذلك الإنسان والضمير الحي وصوت الفطرة ونواميس الاعتدال.

قلت أخذ تلك الكرة من الجحيم، ثمّ وضعها ــ بشجاعة ـ في الحجر وكأنها مجرّد قمر بارد، تماما مثلما يطالعنا بنظير ذلك شاعرنا المتألق يونس عطاري، على سبيل الاستعارة الكلية إذ تغالب التنميق اللغوي لتجذب إلى عروض صورية مشوّقة تضخّ في طرف التلقّي زخما وباقة من حكم محيلة على ما يفيد العزف على قصب المزاج وشقّ كوة في أفق الكتابة حال الانسداد الروحي واختناق الذات كضحية لجلاد أكبر اسمه راهننا المفتوح على مزيد من احتمالات الوجع والتلاشي والدمار.

لعلّ هذا ومثله غيض من فيض لما يمكن أن تشي به التجربة المغايرة مثلما يرسمها ركوب موجة جديدة للحكي، للبوح بمعزل عن الصوت الباطني أو رد الفعل المتسرّع في جنايته الشنيعة على شتى ما يتيح تغذية أيديولوجية وفنية على حد سواء مناهضة بالتمام لجملة الطلاسم والمعميات المعمّقة لإفراغ الذات وتشتيت طقوس الإشباع.

إنه وبمنظومة رؤى على هذا الطراز، يطالعنا المبدع الأردني النّبيه يونس عطاري بأجدد إصداراته عن دار الأهلية / عمان .. الأضمومة الموسومة بعتبة مستفزة جدا ومقلقة ومثيرة للجدل ومغرية جدا وباعثة على افتضاض بكارة ما تحجبه ما ورائيات ألوان شعرية هامسة بعذابات الذات وتخبطاتها والتواءاتها مع الدروب المقنّعة للحياة المعاصرة ضمن حدود المواجهة غير المتكافئة ولا العادلة التي تحاصرنا بها المادية الحديثة.

تلك بعض ملامح الذات في محاولات فكاكها من سلطة الواقع كضرب من تكالب على نورانية وأخلاقية وفردوسية وطفولة المحذوف.

شعرية ديوان (الجبال التي أحبّت ظلي) كاشتراط يمليه توهج البصيرة، يزدري المحاباة،إشفاقا علينا وهو ينزع بنا صوب ما وراء الخطوط الحمراء النارية وفي مغامرة كلامية باذخة تهدم لتبني وتُردي لتهب الحياة.

لنتملى سوية هذه الاقتباسات ليتبين لنا بعض ما ذهبنا إليه:   

" يرشُّ

بالرّحيلِ

ظهري

فأسندُ إليهِ قلبي

وأُعلّقُ الفاكهة."

..............

" ولا قدَم لدي

لا سكنْ

علّقتُ بالنّخلةِ قلبي

واهتديتُ:

أنّ هوايَ هو الهوى."

...............

" يا ذا القامة المئذنة

إني أصلّي وأحتسبُ المُشتهى

تعالَ

بكوزينِ من الذرة المشوية

لتدخلَ المنام."

...............

" من هزّ الأرضَ كي أنامَ في انشغالِ

الجيرانِ بِتلاوةِ الكتابِ على الذاهبين؟

وتركَ نجمتهُ بلا اتّساع ــ في أيلولَ ــ

ليراني؟

 

هذا الوجعُ متواضعٌ جدّا يكفي اثنينْ

كي يكونَ أحدهما منفيّا

والآخرُ قطارْ:

الحزنُ وقتٌ كاملْ

الدّربُ ضيقة."

................

" غريبٌ عن المطرِ

وداركَ منْهلٌ يسحُّ منه ماءُ الورق

وأقوالكَ تسقطُ في الرّيح

يسدُّ نسجكَ باللغة كوة كمن يرتّقُ ثوب " الخطاب"

دوّنتُ كالورّاق جسرا من الحرف أو التّنك

صيدُك حرف قربَ قلبكَ المنجلي يقطفُ الوردة الدمشقية

دون أن يرتفع ذلك المهماز في خاصرة الفرس."

...................

" في حضور الفراشة لا تُجدّل مداراتُ عُزلتكِ على هواكَ

خلِّ لقلبك العائد من سفر النحلةِ فضاءً كافيا فالسارق الماهرُ

يركُلُ كرة النار يأخُذ ها في حجره كأنها قمر بارد."

..................

" .. والآنْ

أغصُّ بالحنينِ وفقْدِ الأمكنةْ

أستُرُ وقتَ النّداء بين الرّاحتينِ

وأجاورُ الوعدْ "

...................

" أعلنتُ طيشي

وارتدَتْ رملها الروح

فترامتْ وارتميتُ"

...............

" خيولُ الموج

تدافعتْ تحاورُ الاستواء العالي

عند ارتفاع الدهشةِ الأولى

وقالتْ:

لن أزفَّ إلى الترابِ حبيبي

أنا فتاةُ الماءِ..

اغتسلتُ تحت عرش الدوالي

بالبارودِ

والحنّاءْ"

...............

"هي

البلدانُ طلَلُها.. والغيمةُ أيضا

فهلْ للشجرةِ دخولٌ

.. أو مسافةْ؟

لبستِ العتمة في دائرةِ الماءِ والفخِّ

وغابتْ

.. أسمعُ سيرةَ جهلي

تركُض فيّ:

أين اكتشفـتِ عباءةً للقولِ؟"

..................

" التّاريخُ ظلُّ قبّعتك

في هذا الحرِّ

 

..ادنُ من قصبِ المزاجِ

فالدخول في محجركَ:عري

الخروجُ منهُ لباسك في انجذاب الرّاحلينَ

إليكْ"

....................

" برملٍ قليلٍ

وقشّ

أبني بيتي وأحلامي"

..................

" أعيد ترتيب الإله بين الصخور

والطين

أشعلُ الأزرقَ

أسكُبهُ في صحونٍ من وجعي

 وأحتمي بالهواءِ

بالنّدى

والنوافذْ "

.................

" كلنا جلاد

وكل وطن ضحية"

..................

"أنا الصّريخُ

أحبُّ فاكهة الشام

يا من أخذتكِ

الرّجفةُ

تفرّين من "نجد " كما "الحجاز"

فتنتُكِ الشآمُ

تُضلّكِ وتهديكِ

 

الوجوهُ تغرفُ من النّهر."

طرائد نصية تتنوع وتتوزع حسب التدفّق الواعي لتيار الكامن وتبعا لمنسوب الشحنات الوجدانية والمعرفية،تتفشى تصاعديا وباعتماد نفس متقطع يلوّن المرحلة بمعالجات تقتضيها النرجسية المقبولة إذ تصقلها الثيمة المحتفية بمرآة الآخر.

هنا يتمّ تشكيل القصيدة من داخل الذات، تماشيا وتناغما مع إيقاعات سيرية، تشحذ نزيف الواقع الذي لا يتوقف لحظة .

كحالة ترنّم تُتيح لمزاوجة رهيبة بين الفجائي والغنائي، تروم ترجمة مشوهة مقصودة لهذا الواقع على اختلاف مناحيه،ومن ثم افتعال ترتيبات له وقفا على إملاءات مناخ الاغتراب والمنفى والعزلة الإبداعية.

كذلك هي القصيدة بعدّها انقلابا على الذاكرة والانصهار في بوثقة زمكانية محدّدة ومسطّرة سلفا.. كفعل إبداعي يحدث وتتواتر فصوله ضدا في واقع تجاوزنا بسائر ما نراه ونشهده ونتخيله.

 

احمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

 

 

 

رواية عابرة للأجيال، راسخة في عراقيتها، هادئة سلسة، تشم بين طيات حروفها عبق طين العراق، وتتذوق ملحه الندي، (طشاري) الصادرة 2013عن دار الجديد في بيروت، والتي أرادت لها أنعام كجه جي، ان تكون سفرا لتاريخ العراق الحديث، بكل ما حمل بين ثناياه من أفراح وأحزان، انتصارات وهزائم، نظم شمولية وفوضى .. طشاري هي ركام سنوات الحروب واليباب، ونهايات مفتوحة على المجهول، انتقلت بنا الروائية انتقالات زمنية ومكانية شاسعة لكنها سمحت لنا أن نتمسك بخيوط نصها المنساب بهدوء وروية، اختزلت فيها الأزمنة العراقية المختلفة والتي تمتد لأكثر من ثمانية عقود، وأمكنة تعددت أوجهها وبيئاتها وظروفها الاجتماعية، غير إنها استطاعت أن تنسجها بدقة وحرفية، لتصنع منها خارطة وطن منكوب تشبث به أبطالها، وعاشوا حاضرهم وغربتهم، بنكوصهم إلى ماضي جميل عاشوه على أرضه، ماض شوهته الدكتاتورية وأطاح به الاحتلال.

بلغة بسيطة مرنة خالية من التعقيد والإسهاب، وقدرة استثنائية على صياغة الجملة الغير تقليدية، تحكي لنا أنعام كجه جي حكاية الدكتورة وردية، والتي تمثل خطا بيانيا للوجه الحضاري والثقافي والمعرفي للعراق عبر تاريخه المعاصر، ومؤشر على أزمنة الحب والخير والآمان والتعايش السلمي، وأزمنة الكراهية والحروب والقحط والفوضى.. الدكتورة وردية ابنة الموصل المسيحية العقيدة، قادتها أقدارها لتصبح طبيبة في لواء الديوانية في خمسينات القرن الماضي، لتعيش غربة قسرية فرضتها عليها مهنتها الإنسانية، ولكنها سرعان ما تتبدد هذه الغربة بعدما اندمجت في ذلك المجتمع البسيط المختلف عنها عقائديا وبيئيا، بعدما لامست عفويته مشاعرها الغضة، وأصبحت بمرور الزمن جزء منه، حين وجدت رفيق دربها الدكتور المسيحي جرجيس الذي أصبح زوجها وأبا لأبنائها فيما بعد، وذابت في تلك المنظومة الاجتماعية والأخلاقية التي أحاطت بها وغمرتها بالحب والعطف ومدت لها يد المساعدة، بغض النظر عن انتمائها البيئي والعقائدي، والتي لم تكن تشكل هذه الجزئيات يوما حاجزا نفسيا في العلائق بين أبناء المجتمع العراقي.. عاشت الدكتورة وردية هناك وتزوجت وأنجبت وقررت البقاء في الديوانية بالرغم من انتهاء مدة أقامتها الطبية هناك، وولد على يديها المئات من أبناء تلك المدينة الفقيرة، لتصبح بمرور الأيام جزء من نسيجهم الاجتماعي، وإحدى العلامات المتميزة في المدينة، تلتقي صلواتها مع صلواتهم ودعائها مع ادعيتهم عند بوابات السماء، تشاركهم أفراحهم وأتراحهم،  ويحترمون ويجلون معتقداتها، صورة جميلة اقتطفتها لنا أنعام كجه جي عن حقيقة جميلة كانت ماثلة يوما ما على ارض العراق، ونقلتها برؤية أدبية صادقة، وهذا ما منح (طشاري) كل هذا الزخم والحضور .. يعرف الناقد البلغاري تودروف الرؤية (أنها أهم شيء في العمل الأدبي، في الأدب لا نواجه إحداثا أو أمورا في شكلها العام، وإنما نواجه أحداثا معروفة بطريقة ما، وتتحد جميع مظاهر أي شيء بالرؤية التي تقدم لنا عنه).. فقد تناولت الروائية هذه الجزئية المهمة والراسخة في وجدان كل إنسان على وجه هذه الأرض، وشعوره اللاإرادي بالانتماء والحنين إلى الوطن والأحبة، وتعاطيه مع الغربة وقسوتها، تلك المتلازمة السيكولوجية التي تحدد حراك هذا الإنسان وقدرته على التعاطي مع الآخر .. في رواية (طشاري)  تم تبويب هذه الجزئيات المهمة عبر شخصيات عدة، عانت هذا الاستلاب بظروف مختلفة عن بعضها، لكنها أنتجت شكلا متقاربا من ردود الأفعال، اتجاه أقدارها التي قادتها نحو المجهول .. كانت رؤية الكاتبة ووجهة نظرها حول ما حدث ويحدث في العراق، منبثقة عن شعور وطني متجذر يلمسه القارئ في الكثير من محطات نصها، حين تكون أنعام كجه جي حاضرة خلف ابنة سليمان شقيق الدكتورة وردية، التي أرادت لها أن تكون جسرا لتنقل لنا جزءا من رسائلها الينا، سارد داخلي موازي يسير جنبا إلى جنب مع الكثير من الأحداث .. فقد أوكلت الروائية جزء مهم من السرد إلى ابنة سليمان شقيق الدكتورة وردية، بعدما منحتها القدرة والمبررات على ذلك، لتبقى نمطية السرد ولغته وأسلوبه وصوره ثابتة لا تتغير على امتداد النص، فجعلتها شاعرة وأديبة كأبيها سليمان، إن هذه التقنية يلجا إليها الكثير من الكتاب لإضفاء جوا من الطمأنينة للقارئ على صدق الأحداث، التي تناولتها نصوصهم الأدبية، وهذا ما يعبر عنه الناقد سعيد يقطين ( وهم الإقناع) .. حيث يكون هناك راو داخلي يتحدث بطريقة (الأنا الشاهد والأنا المشارك).

بعد مرور سنوات طويلة على حياة الدكتورة وردية في مدينة الديوانية، تقرر الانتقال إلى العاصمة بغداد، بعدما أصبحت جزء من الوجه الحضاري والإنساني لتلك المدينة، تفتح عيادتها الجديدة بالقرب من سكنها الجديد، ويبقى جزء من ماضيها الجميل يلحق بها إلى بغداد، واستمرت نساء الديوانية بالتوافد على عيادتها الجديدة بصورة منتظمة.. ليقع الحدث المفصلي في الرواية والذي قذف بحياتها إلى مديات خطيرة وقادها إلى نهاية حزينة غير متوقعة أو مألوفة، وقع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وحدثت الفوضى العارمة واختلطت الأوراق، عندها بدأت رسائل الموت تقض مضجعها، رسائل محشوة بالرصاص وبعبارات تهديد تطالبها بتسليم ابنتها المتبقية لديها (ياسمين) إلى الجماعات الإرهابية لتصبح جارية عند أمير الجماعة.. ومن ثم حدث أن جاءت إحدى الإرهابيات وحاولت تفجير نفسها في عيادتها، عندها غادرت الدكتورة وردية ارض الأجداد وتتخلى عن جذورها الضاربة في ارض العراق لآلاف السنين، وينتهي بها المطاف لاجئة في فرنسا، وقد قارب عمرها الثمانون عام ،  بعدما زوجت ابنتها ياسمين لأحد أقربائهم الذي يعيش في الإمارات، لتبدأ رحلة الحنين والاستذكار والارتداد إلى ماضيها الجميل، والى أبنائها الذين تفرقوا في بلدان الأرض.

حملت رواية (طشاري) أحلام وأفراح وأحزان ثلاثة أجيال عراقية متعاقبة، فتداخلت الأحداث فيها وتنوعت المشاهد، وتقاطعت الأفكار والرؤى والأمزجة والتطلعات بيت إبطالها، غير أن مشتركات خارجة عن سياق حراكهم فرضت نفسها عليهم، هذه المشتركات التي قادتهم لتوقفهم على أعتاب وطن ظلوا ينشدون العودة إليه، وطن سلبه منهم المغامرون والمقامرون، الذين قادوا العراق إلى جحيم الحروب، ومحنة الحصار، ومن ثم فوضى الاحتلال.. انعكس هذا الإرث التراكمي عليهم رغما عنهم .

(اسكندر) الشاب الصغير، حفيد سليمان شقيق وردية والذي يمثل جيلا ثالثا متأخرا، الذي لم يرى العراق، وكل ما تحفظ ذاكرته الفتية عنه، مجموعة من الحكايات القليلة، وارث اجتماعي وثقافي تعلق بابويه، حملوه معهم في غربتهم .. اسكندر ورث ثقافة الموت، الملازمة للعراق، هذا الشاب الذي نشا في باريس ونهل من ثقافة الحياة والحب والجمال السائدة هناك، ظل جزء خفي منه مشدود لبلد الآباء والأمهات والأجداد، بلد أدمن ثقافة الموت والحزن والبكاء، لذلك نجده ينشا مقبرة افتراضية، على حاسوبه الشخصي، جمع فيها كل الذين رحلوا عن هذه الحياة من أهله وأقربائه، وأقام شواهد قبور حتى للأحياء منهم، هذه الثقافة الراسخة في اللاوعي العراقي، يستحضرها اسكندر  في مقبرة افتراضية ليجعلها بديلا عن وطن، لشعب شردته الحروب والقحط والفوضى حتى غدا طشاري.. (تمددت شاشته واتسعت وصارت مأوى مثاليا للمخاوف العابرة مرقدا موقتا لموت متعدد الوجهات، يكفي أن يلمس اسكندر مفاتيح الحروف، فيتحول الحاسوب الصغير إلى بوصلة تدل على موقع موتانا الموزعين هناك، ثم الملمومين هنا).

يأتي الجيل الثاني الذي يتحمل العبا الأكبر من المحنة.. (هندة، ياسمين، ابنة سليمان، براق) حكايات أخرى موازية لحكاية وردية، ترافقها مسيرة الغربة والحنين، إلا ان أصحابها كانوا جيل وسطي عانى إشكالية الانتماء بكل ما تحمل هذه المفردة من تقعيد وتأثير نفسي وسلوكي على الفرد، هذا الجيل الذي يعيش أزمة حقيقية في غربته، يحاول أن يتأقلم مع عوالم غريبة عن موروثه الاجتماعي، الجيل المهاجرين الأوسط، الذي يخشى على نفسه من تلاشي ثقافته الحتمية، وموروثه الإنساني بين ثقافات تلك الشعوب،  تحاصره أسئلة كثيرة وكبيرة تفرض نفسها عليه.. كيف له أن ينشا جيل يحمل ثقافة الآباء والأجداد؟ كيف له أن يصنع متاريس ثقافية تمنع أبنائه من الذوبان في تلك المجتمعات الغريبة عن طباعه وأعرافه؟ .

في صورة تعبر عن محاولة تشبث يائسة بالوطن، تقوم بها هندة ابنة الدكتورة وردية، وهي في ارض المهجر، حين رفضت بيع بيتها الذي في العراق، على امل ان يعود اليه ولديها في يوم ما.. (لا تريد أن تحرمهما من موطئ قدم في بلد سيبقى وطن ينتميان إليه مهما شرقا أو غربا، الوطن الأم).. لذا اختارت أنعام كجه جي أن تكون ابنة سليمان شقيق الدكتورة وردية هي من يقع عليها استعراض هذه البانوراما لسفر العراق الاجتماعي والسياسي .. ولم تختار الدكتورة وردية صاحبة الثمانون عام، بعدما ماتت عند  الاخيرة الدهشة بالأشياء، ولم يعد يعنيها غير استذكار ماضيها الشخصي الجميل، وحنينها لأبنائها الذي أصبحوا (طشاري) في أصقاع الأرض.. حتى انها طلبت من حفيدها اسكندر ان يزيل شاهد قبرها من مقبرته الافتراضية ..(هكذا هي الدنيا صداقات وخيانات، ومفاجئات لا تنتهي لاشيء يستحق الزعل ولا الدموع).. تتنحى الدكتورة وردية جانبا لتروي لنا ابنة شقيقها جزء من الأحجية العراقية .. أسماء وأماكن شكلت محطات مهمة في تاريخ العراق الحديث، ومهن وحرف هي جزء من الموروث الاجتماعي العراقي عبر عقود طويلة، استعراض يستمر لصفحتين تستذكر فيها ماضي العراق الجميل وتنزف ألما على حاضره الحزين.. (تتواتر صور الملوية والزقورة وقصر الاخيضر والثيران المجنحة وملكات الحضر وتاج شعباد، وقباب المساجد وكنائس النجف وطاق كسرى ومراقد الأئمة ..... تأتي صور الفيصلين وغازي .... يقوم الرصافي من قبره والملا عبود الكرخي والجواهري ونازك وتبقى ذراع السياب ممدودة عند شط العرب ... فلفل كرجي وحسين نعمة ووحيدة خليل، مقامه القبنجي ..أضاعوني وأي فتى أضاعوا...) ويستمر هذا النزف حتى ينتهي بعبارة (بلاد طويلة عريضة بكل حضارتها الفخمة وحاضرها البائس تتمدد على الشاشات).

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

 

2 – جدلية العلاقة بين تيمة السلطة وتيمة الحق في نص رواية ساق البامبو

تشتغل تيمة السلطة، بامتداداتها النصية والدلالية والخطابية المختلفة، في سياق نص رواية ساق البامبو، كمكون دلالي كلي مهيمن، في علاقته الصراعية الخاضعة للنمو والتطور، عبر الجزأين الروائيين للنص، مع تيمة الحق المضادة، بمكوناتها التابعة لها دلاليا ووظيفيا ومبدئيا. هذه العلاقة التي لم تنته كما بدأت نصيا، وإنما تدرجت عبر عدة مراحل، وخضعت أيضا للكثير من التطورات العديدة، والتحولات النوعية الأساسية، حسب مسارات وقائع السرد الروائي للنص، انسجاما مع لعبة جدلية، تلعبها بالحكي والسرد الروائي، شخوص روائية متعبة، عرفت كيف تجعل من معاناتها وأحلامها، بالحكي الشفوي (جوزافين) أو بالكتابة الإبداعية (عيسى \ هوزيه)، سلطة مضادة لقيم بارزة قادتها يقينا إلى بوابة النصر المنشود.  بحيث كانت الغلبة والسيطرة الواضحة لتجليات تيمة السلطة، بمعناها القهري والقمعي الإكراهي (ميندوزا \ غنيمة)، ضدّ مظاهر تيمة الحق، بمكوناتها القيمية الإنسانية (جوزافين \ راشد) في بداية الرواية (الجزء الأول). في حين، تميز وسط النص بعلاقة صراعية متكافئة، سادها نوع من التوازن والتراضي، غير أن بوادر نهاية النص تميزت بالعودة القوية لتيمة الحق، بتحكمها المتين، وبمكوناتها القيمية والإنسانية الهادفة والعليا، في هذا الصراع والتفاعل الجدلي بين التيمتين، وبالتالي صارت رموز قوة الحق وأبعاده الحقوقية كمبادئ في النص الروائي، هي القوة الفارضة لمنطقها الفكري الجمالي والثقافي والاجتماعي، وأيضا لمنطقها السردي والفضائي والزمني .. (الجزء الثاني)  .

فما هي مواصفات وتجليات هذه العلاقة الصراعية بين تيمة السلطة وتيمة الحق، في نص ساق البامبو الذي نحن بصدد قراءته ؟  

2-1  الجزء الأول من الرواية (ص17- ص 150): جوزافين الفلبينية، تحكي كأم لابنها هوزيه: الطفل والصبي حتى حدود المراهقة، شاهدة على تناقضات مجتمعها، ومفارقات تيمة السلطة في علاقتها بتيمة الحق، في نص الرواية .

   2-1-1 لحظة التجليات: جدلية السلطة كفاعِل مُهيمِن، ضدّ قوة الحق، كموضوع مُنفعِل ومُهيمَن عليه .

 في البدء، عملنا على تحديد فضاء هذا الجزء الأول من الرواية، من الصفحة 17 إلى الصفحة 150، اعتمادا على مفصل فكري ودلالي أساسي، متمثل في اعتراف سارد النص (شخصية هوزيه) بذاته، ومصالحته مع حقيقة وضعيته السيكولوجية والفكرية (الواقع والذاكرة)، كشكل من الأشكال الدلالية الذي اختاره النص عامة، في سياق الدعم غير المباشر لتيمة الحق، باعتبارها هنا: البحث المستمر عن هوية شخصية هوزيه المفتقدة (الهوية الكويتية)، ضدّا على قوة وجبروت تيمة السلطة (الواقع والنسيان). هكذا نلاحظ كيف نجح النص في تشغيل آلية الذاكرة كجزء من الهوية لدعم أطروحة تيمة الحق.  في حين، ارتبطت تيمة السلطة في النص بآلية النسيان كوجه آخر لممارسة السلطة، وعرقلة فعل تحقيق الوصول وانتزاع الحق من طرف أصحابه الشرعيين. وبالتالي، نكون هنا بصدد علاقة جدلية صغرى بين آلية الذاكرة التي تخدم تيمة الحق، وبين آلية النسيان التي تخدم تيمة السلطة. فينشأ هنا عن هذا التفاعل والتجاذب بين الجانبين ما سميناه بالصراع الجدلي بين قوة فاعِلة مُهيمِنة (سلطة النسيان)، وبين قوة مُنفعَلة مُهيمَن عليها (سلطة الذاكرة). وهو الوجه الآخر المكتمل لوضعية الأصل: الصورة الجدلية الكبرى للعلاقة بين تيمة الحق وتيمة السلطة في الرواية.

ويمكننا التمييز، في نص ساق البامبو، وأساسا في الجزء الأول من الرواية الذي يغطي الفضاء الروائي الفلبيني، كما يغطي الفضاء الروائي الكويتي كمكان وكزمان وكمجتمع، وعلاقات خطابية وأحداث سردية، بين محورين رئيسيين لنسق تيمة السلطة، باعتبارها هنا سلطة رمزية واجتماعية، تعبر عن وضعية الفقر والتناقضات المجتمعية، وتمثلات الجهل المركب ومفارقات الذهنية البشرية المستبدة، نتيجة لذلك الجهل المرتبط بدوره بالواقع المجتمعي الفقير، وبالإقصاء الاقتصادي والمعرفي الممنهج؛ المتسم بالضعف والتهميش والهشاشة العامة .

أ - في الفضاء  الفلبيني 

يمكننا النظر إلى شخصية "ميندوزا" كعنصر محوري، يؤدي في النص ككلية سردية، وفي هذا الجزء  الأول من الرواية بالذات، وظيفة التأسيس الدلالي والفكري والخطابي السردي لقاعدة تيمة السلطة الصلبة، باعتبارها تمارس فعل الاستبداد والقهر والجبروت في حق الآخرين المحيطين بها، والمتواجدين ضرورة في نسقها الاجتماعي والتربوي والثقافي ( الحقل الاجتماعي الأسري والعائلي) .

يقول هوزيه، مشخصا الوضع الاجتماعي الفقير العام لأسرته الفلبينية، والتي من أجلها اضطرت أمه الشابة (جوزافين )، في سن الزهور، لاختيار سبيل الهجرة  إلى أرض الغربة بالكويت، لتعمل هناك كخادمة في بيت أسرة ميسورة الحال: " ساقت الظروف والدتي لترك بلادها وأهلها وأصدقائها للعمل في الخارج، وعلى صعوبة هذا، بالنسبة لفتاة في العشرين من عمرها، فإن مصيرها كان أفضل بكثير من ذلك الذي سيقت إليه أختها، آيدا، التي تكبرها بثلاث أعوام.  فحين تحالف الجوع مع مرض والدتها والديون التي أثقلت كاهل والدها المقامر، الذي أفنى ماله في تربية ديوك المصارعة، لم يجد الأبوان بدا من تقديم ابنتهما البكر، ذات السبعة عشرة آنذاك، مجبرة، إلى سمسار يوفر لها فرصة عمل في مراقص وحانات المنطقة، والنزول عند شرطه بأن يأخذ حصته، جسدا ونقدا، من الفتاة في نهاية كل يوم عمل"(15) . 

تشتغل تيمة السلطة هنا، باعتبارها سلطة الفقر  والحاجة والإقصاء الاجتماعي؛ من حيث إن قمة هذه السلطة؛ والمنفذ لفعلها التدميري الذي هو الأب ميندوزا، يعدّ المسؤول غير المباشر  عن دفع البنت آيدا لامتهان البغاء، وبالتالي إحداث شرخ عميق في الجسد الاعتباري والقيمي والأخلاقي لأسرة جوزافين أولا، وفي الجسد السردي لتيمة الحق ثانيا، لأن شخصية آيدا التي كانت مُكرهة لبيع جسدها، تحقيقا لكسب القوت اليومي لوالديها الضعيفين العاجزين، ستتمرد لاحقا على وضعها البئيس، وتعلن عصيانها الغاضب ضدّ سلطة والدها المستبد، هذه السلطة الأخيرة التي تشكل حسب النص الأداة الأساس المنجِزة لسلطة واقع الفقر الاقتصادي والاجتماعي لأسرة ميندوزا.. 

قال هوزيه، كسارد ثان لحكاية أمه جوزافين، التي تعتبر السارد الأول والأصلي، لتفاصيل رواية النص: "صارت آيدا مصدر دخل للعائلة، تعود مع ساعات الفجر الأولى حاملة حقيبتها الصغيرة في يدها، تحتوي على ما تنتظره أمها المريضة وأبوها المقامر بفارغ الصبر  "(16) .  غير أنها، وعلى إثر إنجابها لابنتها الوحيدة ميرلا، تمردت آيدا ضدّ سلطة واقع القهر  الذي تعاني منه أسرتها، ورفضت الاستمرار في لعبة لا تقتنع بها في الأصل.  لكن هذا الموقف المضاد  الذي أنتجته تيمة الحق باسم شخصية آيدا القوية، لم يتحقق إلا بعد خروجها عن سلوك الصمت والخوف والخضوع الذي كان يسيطر عليها سابقا، وإعلان مواجهتها المباشرة لقهر سلطة أبيها المستبدة، دون وعي ولا قصد منه طبعا .

قالت آيدا ثائرة وغاضبة في وجه والدها ميندوزا، معلنة عصيانها ضدّ جبروته  ذات صباح :

" -  كل الرجال الذين قدمت لهم جسدي .. ديوك ..

شيء من الندم، أو ربما الخوف، بدا على وجه أبي الذي لم يتزحزح من مكانه"(17).  فتمكنت بعد ذلك آيدا من تحقيق حريتها التي تحلم بها، ووضعت حدا لاستبداد والدها.  قالت جوزافين تحكي لابنها هوزيه: "ليتني كنت أستطيع التخلص من عبوديتي أنا الأخرى، ولكنني لست آيدا "(18) .

غير أن الأب ميندوزا، في مرحلة متطورة من المسار السردي والخطابي للنص، سيكشف هو نفسه عن جانب مهم من واقع حقيقة سيكولوجيته المتدمرة، بفعل تجربة الحرب القاسية  التي عاشها وخضع لتأثيرها في الحرب الفيتنامية عام  1966، ليرفع النص ها هنا، ونتيجة لذلك، رهان تحد جديد يغني به تكوين بناءه السردي والروائي العام، خاصة على مستواه الخطابي، ونعني به بعده التسجيلي والتاريخي الواقعي الذي تمّ استحضاره في أكثر من موقف روائي.  يقول السارد هوزيه، نقلا عن والدته جوزافين: "في جبال فيتنام، سلب الثوار الموالين للشمال إنسانية أبي"(19) . ثم بعد ذلك، يعترف ميندوزا بمدى تأثير الحرب على ذاكرته وعقله.  يقول متحدثا مع جوزافين، بعد انتشار خبر مشاركة زوجها راشد الطاروف كجندي في الحرب العراقية الكويتية  (1991):

" - أتمنى أن لا يفقد في الحرب ..

يقول .. مخاطبا لا أحد.  في حين تنقر والدتي خشب الأريكة، حيث تجلس، بمفاصل أصابعها  يردف جدي:

-  أو تفقد الحرب عقله  ..

اعتراف ضمني من ميندوزا، صاحب الحرب الحربية، يشي باضطراب عقله هو الآخر.. "(20) . ثم يضيف قائلا :

-  هكذا هي الحرب  ..

يتحدث من دون أن يوجه كلامه لأحد. عيناه ثابتتان على شيء ما، وكأنه يشاهد صورا في أعماقه:

-  ليست الحرب هي القتال في ساحة المعركة، بل تلك التي تشتعل في نفوس أطرافها. تنتهي الأولى، والثانية تدوم"(21) .

هكذا يبدو تأثير الحرب على نفسية وذهنية ميندوزا واضحا، وبالتالي يمكن القول، إن تيمة الحرب كآلية دلالية، اعتمدها النص كإحدى العوامل المساعدة لتنفيذ مخطط تيمة السلطة، باعتبارها فعل عنف اجتماعي واقتصادي وثقافي، وجد لخدمة وظيفتها التكسيرية والتدميرية في حق باقي مكونات تيمة الحق كالهوية والذاكرة والحرية .. الخ. 

وإذا نجحت آيدا في عملية مواجهة والدها والتمرد ضدّه، بعد استعبادها واستغلالها لأمد طويل باسم قيمة الأبوية، فإن أختها الصغرى جوزافين، وأمّ هوزيه، كسارد أصلي (المحكي الشفوي) لنص ساق البامبو، قاومت تعسّف وجبروت الأب ميندوزا، بالهجرة إلى بلاد الغربة في الكويت، حيث ستعمل هناك كخادمة، في منزل إحدى الأسر المحلية الغنية. لتحقق بذلك تيمة السلطة فعل عنف رمزي عميق الأثر، باعتباره فعل نتاج أوضاع واقع الفقر الاجتماعي، وأيضا الفقر الذهني والمعرفي. وبالتالي، كانت قوة السلطة هنا، محاولة لإخضاع آيدا، لرغبتها الوظيفية التدميرية (تدمير منظومة القيم)، على الأقل في مرحلتها الأولى، تحقيقا لفعل تعسفي أكثر شراسة، يمكننا نعته بفعل مرحلة العبودية، كما جاء على لسانها هي نفسها، لتنتفض آيدا ضدّه، لاحقا، بعد مرارة خضوعها المكره الطويل لتجربة حياة لم تقتنع بها، وأيضا لعدم قدرتها على الاستمرار في مسار نفس اللعبة، في مرحلتها الثانية التي يمكننا تسميتها بمرحلة التحرر والحرية.

في المقابل، استطاعت شقيقتها جوزافين، وبسبب ميولاتها الثقافية والمعرفية، الاحتفاظ بالوجه القيمي لأسرتها ولإنسانيتها، وأيضا الانفلات من فعل الإكراه الاستعبادي والاستغلالي، الذي أنتجه قهر السلطة الاجتماعية في حق أختها الكبرى آيدا بالفلبين .

يقول السارد هوزيه: " كانت أمي لا تحلم بأكثر  من أن تقتني كتابا بين وقت  وآخر، تشتريه أو تستعيره من إحدى زميلاتها في الفصل.  تقول " قرأت الكثير من الروايات، الخيالية منها والواقعية" (22) .

ثم يضيف السارد نقلا  كلام أمه دائما، في علاقتها بالكتابة والقراءة، باعتبارهما مدخلها الأساس إلى قلب وفكر  زوجها هي، وأبيه هو: راشد الطاروف، في الكويت، قبل العودة إلى الفلبين، مطرودة من بيت السيدة الكبيرة، أم راشد: غنيمة، بعد افتضاح أمر حملها معه، في إطار العلاقة الزوجية غير المعترف بها (الزواج العرفي)، من طرف سلطة الذهنية التقليدية، ذات النزوع المحافظ والطبقي والانغلاق المتشدد.

تقول: " كان سعيدا بي، كما يقول، لأنني مثله أحب القراءة"(23) .

هكذا نستنتج أن تيمة السلطة المنجزة هنا، باعتبارها رمزية إكراهية واجتماعية، من خلال مواقف الأب ميندوزا النفعية والاستبدادية تجاه محيطه العائلي والأسري الصغير، حاولت مواصلة عملها التأثيري التكسيري، وفعلها الوظيفي التدميري، كسلطة عنف مُهيمِنة، في دينامية النص السردية، وخاصة على مستوى تيمة الحق، في بعدها القيمي والاعتباري. غير أن هذه الأخيرة (تيمة الحق)، وفي سياق صراعها المستميت مع عنف السلطة والتسلط الممارس ضدّها، اعتمدت في حالة آيدا ضدّ ميندوزا، على آلية التجريب والتمرد التي يستند إليها نص ساق البامبو، كشكل دائري واسع مكوّن لتيمة الحق، وكعنصر وظيفي أساسي، يشتغل في إطار الدور التكميلي المساعد لتيمة الهوية، تحقيقا لأفق تيمة الحرية والتحرر والانعتاق الكامل للذات والذاكرة .

هكذا يصل بنا التحليل إلى التأكيد على ملاحظة وجود نوع من دينامية علاقات التيمات في نص ساق البامبو، ككل متناغم فنيا ودلاليا. تستند تيمة الحق هنا، دائما في هذا الجزء الأول من الرواية، في حالة جوزافين ضدّ الأب ميندوزا، إلى آلية القراءة والمعرفة، كآلية مهمة اعتمدها النص لإنقاذ جوزافين ولو نسبيا، كمرحلة أولى، من واقع الاستعباد السلطوي والاستبدادي، ولجهل وجبروت والدها ميندوزا، من جهة، ومن عنف تيمة السلطة، الأكثر تشددا وانحلالا وتفككا، في الفضاء الفلبيني، من جهة أخرى .

ب - في الفضاء  الكويتي 

إذا كانت تيمة السلطة في الفضاء الفلبيني، الخاص بهذا الجزء الأول من الرواية، فعل إكراه وعنف، ضدّ  شخصية آيدا، يبيح فيه الأب (ميندوزا) بيع جسد ابنته، مخالفة للتقليد الأخلاقي العام، وانسجاما مع واقع الفقر الاجتماعي الذي يعيشه، فإنها في الفضاء الكويتي، تقوم تيمة السلطة بنفس الوظيفة التكسيرية والإكراهية، لكنها تستند هنا هذه المرة  إلى أداة مختلفة، نعني بها منع ورفض الزواج (العرفي)، الذي تمّ في الخفاء بين جوزافين، كخادمة في بيت أسرة غنية، وراشد، كابن هذه الأسرة الذي تطاول على الخروج عن نسق تقاليد العائلة الموروثة، ورغب في الزواج بفتاة ليست فقيرة فقط، وإنما أيضا هي فتاة فلبينية، من جنس غير الجنس العربي المسلم !! فتكون هنا تيمة السلطة في موقع مستواها المتشدّد، باعتبارها فعل إكراه، يقوم على أساس ثقافة التقليد والتشدد، والميز الجنسي والطبقي والعرقي، وأيضا على أساس التفكير المحافظ المنغلق على ذاته، مكتفيا في التعامل مع الآخر، بالإقصاء ورفض الاختلاف، بدل الانفتاح عليه والتعايش معه، حفاظا على "قدسية الجسد"  النسائي، حسب ادعائه .

تعتبر شخصية غنيمة، أو السيدة الكبيرة، كما تسميها جوزافين، خير من يجسد تيمة السلطة، ببعدها الثقافي التقليدي العنيف، ضدّ تيمة الحق، المرتبطة هنا طبعا بالشخصية الأساسية في النص: جوزافين، خير من يمثل هذه التيمة. فكانت علاقة غنيمة بجوزافين، حتى قبل أن يكتشف أمر حملها وزواجها من ابنها راشد، علاقة صراع غير متكافئة. بحيث كانت تمارس ضدها كل أشكال التسلط والتعنيف الرمزي، من أجل محاصرتها أولا، ثم لاحقا إخضاعها وإفراغها من محتواها الثقافي، ومن طموحها الإنساني.

يقدم نص ساق البامبو هذه الشخصية (غنيمة)، سارده الأساس، عيسى هنا في الكويت الذي كان سابقا، في بلد أمه الفلبين يدعى هوزيه: " كانت جدتي غنيمة، أو السيدة الكبيرة كما تناديها والدتي، حازمة، عصبية المزاج في غالب الأحيان"(24) .

بالإضافة إلى أن تيمة السلطة في وضعية غنيمة، كسيدة مستبدّة، تشتغل في هذا الجزء الروائي الأول، بآلية التفكير الخرافي، في الوقت الذي لاحظنا بخصوص وضعية شخصية الأب ميندوزا الطاغية، تشتغل في نفس الجزء الروائي، وفي سياق الفضاء الفلبيني، استنادا إلى آلية الذاكرة في إطار تيمة الحرب.

يقول سارد النص، متحدثا عن التبرير الخرافي الذي فسرت به جدتُه غنيمة، وأم أبيه راشد، بخصوص ربطها المباشر بين وصول جوزافين إلى الكويت قصد العمل، والحدث التفجيري الرهيب الذي تعرض له الموكب الأميري الكويتي. قال راشد الطاروف، موجها الخطاب إلى أم عيسى جوزافين : " وصلتِ إلى بيتنا، يا جوزافين، في الوقت الذي تعرض فيه الموكب الأميري لتفجير كاد أن يودي بحياة أمير البلاد لولا عناية الله ..  وأمي ترى بقدومك طالع نحس ! "(25) .  

بعد واقعة مقتل صديق أبيه وليد، في الطائرة المخطوفة، نجح عيسى في الاتصال بأمه غنيمة التي كانت ترفض الاستجابة لاتصالاته السابقة. قالت السيدة الكبيرة غنيمة، وهي تخاطب هاتفيا ولدها راشد، مستخدمة أسلوب المزاوجة بين التفكير الخرافي (النحس، البركة) وأسلوب الترهيب والترغيب. تقول:

"  - لم أكن راغبة بالرد، ولكن، لتعلم فحسب .. أن النحس سيطاردك . انظر ماذا حل بصديقك بعد ولادة ذلك الشيء البغيض . إنه، مثل أمه، لعنة "(26) .

أضافت مهددة: " اقذف بهما خارجا، وانظر كيف ستحل البركة عليك .. ومن تم عد إلى بيتك، وستجدني، بقلب الأم، أغفر لك ذنبك العظيم"(27) .

إنه نفس البعد الانتهازي، والتفكير الخرافي والأسطوري الغيبي الذي عاملت به قمةُ تيمة السلطة، في الفضاء الفلبيني سابقا، الأب ميندوزا، سارد النص الحالي هوزيه، وهو طفل في السابعة من عمره، بعد طرده محمولا على ظهر أمه جوزافين، من لدن قمة تيمة السلطة، في الفضاء الروائي الكويتي الحالي، غنيمة، وعودتهما المفاجئة إلى أرضهما الفلبين .

قال السارد: " ما عادت تلك الأسطورة تثير الرعب في نفسي، وإن كرر جدي ميندوزا أمنيته على مسمعي كل يوم: " أتمنى لو تنبت لك ألف عين لتتمكن من رؤية الأشياء بوضوح " ولكن، رغم ذلك، ما زلت غير قادر، منذ معرفتي بتلك الأسطورة، أن آكل الأناناس "(28) .

هكذا يتضح، كيف تؤثر السلطة كقوة رمزية اجتماعية وذهنية قاهرة على الفكر، فيتجلى تفكيرا خرافيا غيبيا، يحارب ويرهب القوى المختلفة والمضادة المتفاعلة معها في نفس الحقل الاجتماعي العام.  فسلطة غنيمة الذهنية التقليدية تعاقب جوزافين، بادعائها كونها شيء ولعنة. وسلطة الأب ميندوزا القهرية الاجتماعية كانت تعاقب الطفل هوزيه بفزاعة فعل التخويف والتضعيف . وكلاهما (غنيمة وميندوزا) يمارسان لعبة التفكير الخرافي الغيبي  أعلاه بنوع من الرغبة الممتعة المستفيضة . 

2-1-2   لحظة التركيب

إذن، نستنتج أن تيمة السلطة، في هذا الجزء الأول من رواية ساق البامبو، سواء ببعدها الإكراهي الاجتماعي (الفقر المادي \ ميندوزا)، أو ببعدها الثقافي والذهني (الفقر  الفكري \ غنيمة)، تشتغل في علاقتها الصراعية ضدّ تيمة الحق، الموجودة هنا في موقع الدفاع والمقاومة، اعتمادا على مرجعية التفكير الخرافي الغيبي التقليدي، واستنادا إلى أدوات أيديولوجية، إما لها علاقة بالأسطورة والماضي (الحرب - الفقر - ميندوزا)، أو بالاستعلاء والتكبر، بدعوى المحافظة على الدين وإرث السلف الصالح والهوية (الجهل - غنيمة) . فالإنسان الموجود في وضعية قهر وضعف، لا يقدر في العادة على تجاوز واقع ضعفه وعجزه ومأساته، إلا إذا "لجأ إلى الحلول الخرافية والسحرية، إذا عزت السيطرة المادية على المصير، حاول المرء توسل الأوهام يعلل بها النفس ويجمل بها الواقع، ويستعين بتصوراتها على تحمل أعبائه"(29)  .

2-2   الجزء الثاني من الرواية (ص 151 - ص 396): عيسى الكويتي، كابن جوزافين، يحكي كاتبا، للقارئ العربي والعالمي، شاهدا على قوة عودة تيمة الحق وتموقعها المهيمن في النص  .

2-2-1  جدلية مكونات تيمة الحق كفاعِل مُهيمِن، وعتبة ضعف وتراجع قوة تيمة السلطة.

آثرنا تسمية هذا المستوى من تحليل نص ساق البامبو بمرحلة التيه. باعتبار أن الشخصية الأساسية في النص (عيسى)، وفي خضم بحثها الجاهد عن هويتها الذاتية، وانتمائها الوطني والاجتماعي والثقافي والديني، اصطدمت بجملة من الحواجز والعراقيل التي جعلتها تعيش مكرهة، في إطار وقائع وتطور أحداث النص، نوعا من التيه النفسي والحيرة الفكرية، سواء على مستوى الفضاء الفلبيني الذي تميز بعلاقة بداية احتواء تيمة الحق لبعض مكونات تيمة السلطة (غنيمة، عواطف)، أو على مستوى الفضاء الكويتي، حيث حققت التيمة الأولى ضدّ الثانية تطورا وتحولا نوعيين مهمين، في سياق القدرة الكبيرة لعيسى راشد الطاروف هنا على مواجهة وتحدي مكون سلطة غنيمة التقليدية الماضوية المتجبرة، عندما نجح في الوصول إلى الدخول والعيش لمدة معينة في بيت أبيه راشد الطاروف، كفرد من أفراد عائلة الطاروف، رغم صعوبات التقليد القمعي، والعقلية الثقافية المتكبرة السائدة، تلك التي واجهته بشكل عنيف في بداية الأمر .

كما أن خروج عيسى من فضاء بيت والده، في نهاية النص، لم يكن سوى خروج اختيار فكري، وبالتالي اقتناعه الأكيد باستحالة التعايش مع الأفكار الجامدة (نورية)، وليس هروبا من واقع أخذت فيه هيمنة السلطة الاجتماعية تخف وتضعف وتتراجع، باعتبار أن عيسى، كقمة رمزية لتيمة الحق في النص ككل، تمكّن من استكمال المشروع الثقافي والهويتي (من الهوية)، الذي بدأه والده راشد الطاروف في حياته، والذي لم تسعفه انشغالاته المهنية والصحفية والسياسية الأيديولوجية إتمامه في بلاده. ونعني به مشروع التفرغ لفعل الكتابة الإبداعية، من أجل تأليف رواية، انتقد فيها واقع التناقض والتخلف الذي تعيشه الأسرة العربية الكويتية، والأسرة الأسيوية الفلبينية، بل يمكن أن تعيشه كل أسرة في العالم، ومردّ ذلك غياب حكمة العقل المعرفي الحضاري المتحرر. 

هكذا، لم نعد نلمس في الجزء الثاني من رواية ساق البامبو علامات العلاقة الصراعيةالحادة  التي لاحظناها مهيمنة، في سياق وقائع وتطور أحداث جزؤها  الأول .

ورغم ذلك، فعلى المستوى الخطابي للرواية، يمكننا تسجيل نفس المسار التنظيمي الفضائي لوقائع الحكاية في النص، بحيث نميز هنا، لضرورة منهجية لا غير، كما فعلنا في الجزء  الأول من الرواية، بين فضاء فلبيني أولي، اشتغلت فيه تيمة الحق، في علاقة احتواء سلسة مع تيمة السلطة الآخذة في فعل التراجع التدريجي، دون أن تستسلم بصفة نهائية.  في المقابل، تابع عيسى راشد لعبته السردية، كصوت راو مُهيمِن وحيد هذه المرة على مسارات السرد، في هذا الجزء الثاني للنص، داعما تيمته الحقية، على حساب بروز اختلالات وتفكيكات معينة، في بنية تيمة السلطة (غنيمة)، في الفضاء  الكويتي اللاحق   .

أ – في الفضاء  الفلبيني

بدءا، لابد من الإشارة إلى أن عنصر المكان الروائي في النص ككل، اشتغل إيجابيا لصالح تيمة الحق، ضدّ تيمة السلطة، باعتبار أن عيسى لم يتمكن من تحقيق هويته وحريته، بالعودة إلى أصله الوطني الكويتي، إلا بعد مضي ثمانية عشر سنة كاملة، وهو عمره الزمني، حين طلب حقه الطبيعي والشرعي، كابن عائلة الطاروف، تنفيذا لوصية أبيه عبر صديقه غسان، وأيضا استجابة لحلم ورغبة أمه جوزافين في العودة إلى بلد والده الكويت، كوريث شرعي وقانوني. 

غير أن تيمة الحق تطورت وتقوّت، موازاة مع تطور ونضج ومراكمة شخصية عيسى لتجارب عديدة وخبرات حياة متنوعة، انطلاقا من مجموعة من الأعمال والانشغالات المهنية التي مر منها، وجعلته يتنقل بالكثير من الأمكنة، وأن يحتك أكثر وبطريقة مباشرة بالواقع العيني، في انتظار تحقيق حلمه الكبير الذي كان يراود دوما أمه جوزافين.  نعني به العودة إلى أرض الكويت، وانتزاع الوجه الآخر من هويته الوطنية  والإنسانية المغتربة، كمواطن كويتي وإنساني. 

 

 

أقضم عابرا للسبيل بعض منافي التجلي في مجموعة "تغريبة المنافي" للشاعر الفذ جمال رميلي، لم أكن متأبطا زادا مثقلا بنظريات النقد المطلة من "جملة" بنيوية أو من ثلم "سميائية" استعراضية كانت أو من ماء النقد المحدث أو "البرغماتية التطبيعية".

كان العبور على مشارف المنافي: منفى يوشّح منفى ويتقيأ نفيا لكن دون الوقوف عند المناهج ما بعد الحداثة والتي هي كما هو معلوم ارتبطت أيما ارتباط بمرحلة ما بعد السبعينات، حيث أن الشاعر جمال رميلي ينتمي لهذه الموجة، .

هذه "الفهوم" التي تتوزع على العددية،التناص، إعادة الاعتبار للمبدع والمتلقي. مع تضمين " المقصدية وكل السياقات الخارجية لهذا التجلي، دون إغفال الذكورية والأنوثة وغير ذلك من "الفهوم" والمفاهيم، وصولا إلى التركيز على مسلك التفكيك ولواحقه في تشريح النص والتناص معا، وكذا الخطاب والتأويل ..وصولا إلى النظرية الجمالية الجديدة ..والمادية الثقافية وغيرها من مصطلحات النقد الحديث ..وتراكماته ..

إذا كان أقطاب هذه المعابر عبر مساءلة للنص قد اجتلوا المرامي في كثير من المناهج على سبيل المثال المنهج التفكيكي، تحت زعامة الكثيرين من رواده ـ وقد اقتصر على بعضهم أمثال: جاك دريدا، وزمرة ييل الامريكية المعروفة، وسيميوطيقا التأويل عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور وعبد الله الغدامي، ومجاري المقاربات التي اقترنت بالفرنسي جان بول روسبير وكذا مقاربات الإثنوسينولوجية التي عانقها في مجال المسرح والدراما خاصة جان ماري براديي، وغيرهم من أقطاب ما بعد الحداثة ..

كل هذه " الحمولة التنظيرية، لا طائل وراءها- في اعتقادي - في هذا العبور، ليس لكونها لا تحمل زادا معرفيا ممنهجا وإنما لكونها تثقل المُموسق والمقدس والملائكي عند الشاعر جمال رميلي

إذا امتطت صهوة أبنيته "المعمارية" أو كانت عقدا على جيده الاستطيقي، .

- اي السيمائية و الاستطيقيا السيميائية، والجمالية الممكنة - فستصبح في هذه الحالة عجوز شمطاء ومذهب قريب من المدنس، عدو المقدس عند الشاعر ..

الشاعر الفذ جمال رميلي المنزه على هذا الثقل الكمي وهذا التضاد في " الإقرار " وقد تتوزع مدارك كل توقف من هذا القبيل فتلطخ ثورته المعمارية والبنيوية الصرفة لديه. .

الشاعر الجميل جمال رميلي، بقدر ما هو جميل هو ثائر على جملة من السلوكات التي قد لا تفضي "إيجابا" إلى منتجع القول، وقد تصبح من وجهة أخرى " سمسرة " مجانية أيضا لا طائل وراء ربحها الأجوف ..

لذلك كانت توطئني بهذا المدخل الفهومي، والمفهوماتي فقط لأصل برا، جوا، بحرا وعبر كل الثقوب والفصول إلى " مفصلية التسامي " عند الشاعر جمال رميلي من منطلق أن الشاعر يحمل عبر قصائد " اشتهاء الدلالة والمنحى " وقدسية التناغم والتموسق، ومجاري ينابيع لا تستبيح عبور الوحل ولا الأتربة الزائدة وهي في غنى عن كل حمولة تثقل كاهل رؤاه ..

هو شبل الأوراس .

 يقول ممتشقا سيفه في هذا المنحى الدلالي :

لكن "

وإن ملأوا المدى غبشا ..

واستنفروا الموت الذي ..

حرسوا ..

أن يصبغ المغنى ..

بميسمنا ..

هذا الذي ..

من وأده يئسوا ..

سنعد من نبض لنا ..

قبسا ..

ولسوف يرسم نبضنا القبس "..

هذا بركان يطلق حممه من فوهة الشاعر جمال رميلي، هذه الرمية ..القزحية حقل رماة من عيار ثقيل لكن في قفازة من ورد ومبدأ وثورة كامنة، وهو رد على "الأخر" مهما كان الأخر .. أو هذا الغير.

هذا قبس من قبس من رائعته " قبس " أول قصيدة في مجموعته التي تتوزع عبر 31 قصيدة ..

هو ذا الشاعر جمال رميلي الذي أهداني مجموعة " تغريبة المنافي " مشكورا ممهورة بتوقيعه .. وهذا عبور استهلالي مني بعيدا عن النظريات وبمنأى عن كل ركام نقدي يفسد إطلالة قوس قزح في تجليات هذا الشاعر الذي يذهلنا ببسالة نحته وحفرياته عبر مداه وعلى جميع الأصعدة : ثورة كامنة وتوقا إلى مدى كان يرشح بمداه ومداده، عبر ما تؤججه المداخن وما أسفرت عنه بلغة الساسة مواجعه في التناص والترويض والتدوير وهندسة كل لازمة، وهي تعبر صدى الكون لديه، هي ذي كينونته، وقد نعود للمجموعة في وقت لاحق عند تفّر الظرف لذلك متسع آخر، هذا عناق حميمي من معجب بالشاعر والمجموعة كمتلق وليس كناقد ..

وهذا عبور مني للتحية وللتحلية ومحاولة الاقتراب من " المموسق " الملائكي .. عند هذا الشاعر الفذ الذي كان فارسا مغوارا بامتياز بحقل " الرماة بملتقى ربيع الشعر البليدي بالبليدة أين جمعنا منتجع القول ذات لقاء .

 

كتب أحمد ختاوي

 

 

"من أشباح الماضي أصنع ليلاً مريحاً، إن الحاضر الراهن شمس لوشئت، والمستقبل سماء زرقاء، وإذا كان نظرك حاداً فإنه يخترق الجدران ويتجاوزها، فإذا الجدران لا تحجب الأفق"

يوجين يونسكو / الهروب

 

توطئة

يخشى الكثير من كتاب القصة السياسية الوقوع في مصيدة المباشرة والتقرير، وعلى الضد منهم واجه قحطان الهرمزي في مجموعته القصصية القصيرة (كسيح امام المرقص) ـ هذا التحدي في جملة من الإختيارات الصعبة لتطويع الفكرة ولإضفاء بعدٍ إبداعي على نتاجٍ أدبي يتناول بلغة ٍ سلسة، هموماً تضج مضاجع الآخرين، في مجتمع ٍ بدأ يفقدُ نضارته، ويتراجع فيه التآلف الى بُعد ٍ مريع، فيما جهد الهرمزي نفسه للبحث عن الأسلوب الأمثل لتجسيد رؤاه السياسية والإنسانية، فيلج مسلكاً شائكاً، متمترساً بأدوات دقيقة تتمثل بالإنسابية والتبسيط، في مواجهة مواضيع في غاية الحساسية والتعقيد كالمدينة الهلامية المهددة بالتغيير والتطهير العرقي والإستيطان القسري، والإنتماء والهوية والمصير الواحد .. واخيراً وربما أولاً الحب !

والبساطة المقترنة بمقتربات الرمز والإيحاء سمةٌ لازمةٌ لأدب قحطان الهرمزي منذ عقودٍ مضت، وها هو يعود لأسلوبه المعهود في مئة قصة قصيرة وقصة متلاحقة، إستطاع بحرفيةٍ عالية أن يأخذ بتلابيب القارئ ليقحمه في مسائل ٍملّ منها وعزف عنها منذ زمن طويل، إنه يتكلم عن حب ٍ آسر وإنسان ٍ تكالبت عليه العسس والهوام، لينتزعوا منه داره، ومدينته الجميلة الآمنة، وحتى إسمه الذي لا يملك غيره، فكان عليه أن يتكأ على الخبرة المحكمة لهذا الأديب الفذ، ليطرح قضيته أمام الملأ، بجملٍ عادية، غير مركبة، تتصدى لمعادلة ٍ صعبة، ومعقدة، أي الى وضع مشروع البساطة في مواجهة مأزق الإنفلات من الوقوع في شِرك الإسفاف الأسلوبي، فإختار مفردةً بديلة، موحية، وسخية، وحيّة، مفردة تجسد المعنى وتصيب الهدف، بلغة ٍ رمزية مفعمة بالإحساس والمعاناة والتدرج بالحب المزدوج (الإنسان/ الوطن) و(الحبيبة) الى حيث الدهشة، في تلقائية ٍ فريدة تتحدى أحياناً حتى قدرات اللغة التقليدية .

فالرمز إذن في قصص(كسيح أمام المرقص) ليس هو الرمز الذي يصفه الناقد الكبير إدمون ولسون في كتابه الممتع (قلعة أكسل)، بأنه محاولة إيصال مشاعر ٍ شخصية عن طريق وسائل مدروسة بعناية بواسطة (تداع ٍ معقد للأفكار) ناجم ٍ عن خليطٍ من الصور، الرمز في هذه المجموعة تعبير عن قضايا يومية، وهموم مؤرقة معتادة في حياة شريحة من الناس هم جزء من عائلة الوطن الكبيرة، كما أنه تجسيد لأحداثٍ تجرح الإنسان في الصميم، بفعل شبكة من التأثيرات السياسية المخطط لها بدهاء في أقبية سرّية معتمة، ولكن بلغة ٍ غير مباشرة، لذا إختار الكاتب توظيفه في مفردات تحمل أكثر من تفسير، بحيث لا تعين على خلق أداة جديدة تضاف الى تراثٍ ضخمٍ من تلك الأدوات القسرية التي حطمت إنسانية الإنسان، وجردته من أبسط حقوقه في الأمان والقوت اليومي، وعزاؤه في ذلك إضفاء مسحة من الأمل على عالمٍ يعتريه العنف والظلم والعقم والفوضى، عبر خلق ٍ إنساني فني رفيع، يجسد ذلك الأمل النبيل ببراعة ناجحة محسوبة، وصقل ظاهر ممتع !

 

المدينة .. الدخيلة الصامتة !

يبرر بطل (كلا) إنهيار منظومة التعاضد الإجتماعي في المدينة من منطلق عمومية المشكلة التي أحاقت بالجميع دون إستثناء، فطبيب الباطنية في القصة قال:

إن رئتيك لم تعد تتحملان هذه المدينـــــــة فعليك مغادرتها فوراً، ثم سأله بعد ان وجد منه الرفض: هل يمنحك أحد من مواطني هذه المدينة الذين أحببتهم رئتيه؟ أجاب: كلا .. قال: لماذا؟ قلت: الإصابة عامة !!

وتلك معضلة لا حلّ لها كما يبدو، إلاّ ان تحديد حجم هذه المعضلة والتصدي لها يوجب أصلاً أن يدرك الجميع حجمها، وأن يواجهوا ظاهرة (الغرباء) الذين إنتشروا في نسيج المدينة كالأرضة أو الفيروس، لا بل إحتلوا الدور، وشردوا مالكيها وسكانها حيث الخيام الكبيرة المنصوبة أزائها بوقاحة لا نظير لها، خيام تقضم نوازع الكبت المكظوم والغضب المضطرم بفك ٍ مفترس !

هذا الفهم قد يبدوا بسيطاً للبعض، لكنه عارمٌ بالعاطفة، فالمدينة جذرٌ ومنبت، والمدينة نسغ شجرة الحياة، تمدّ الإنسان بعصارة التواصل، وهي ذاتها، مشحونةٌ بالإحتمالات المتعددة، ومنها أن يخسر الإنسان وعيه فيها بإرادته، وهذا الإحتمال يتوافق مع مضمون قصة الغلاف (كسيح أمام المرقص) حيث يجد البطل ضالته في مشرب المرقص القريب:

من الخيمة المنصوبة في العراء، حدّق الرجل الى الدار الكبيرة القائمة أمام الخيمة .. إستنفر قواه من خلال صمته الذي يمور بإصطخابٍ مكبوت، ولكنه لم يستطع أن يتذكر ما حدث، إن هاجسه المضطرم كان يُشعره بأن الدار داره، وكان هو وعائلته يسكنونها تحت ظلال وارفة من السعادة: ما الذي جرى؟ ولماذا هو الآن أمام المرقص كالكسيح؟ ومن هم هؤلاء الغرباء الذين حلوّا محله في داره؟ تذكر ولده في قاعة الإعدام .. غاص في عمق شعوره وتمتم: يجب أن يلتذ المرء بالشراب حتى ينهار كل شئ حوله.

الغرباء هم الذين تبادلوا الأدوار، فسكنوا دارصاحب الداربالقوة الغاشمة، فيما لاذ الأخير من هجير العسف الى الخيمة الكبيرة، إنها مأساة الإنسان في مدينته عندما تنهار من حوله المرئيات والموجودات بل والقيم الداعمة لوحدة النسيج الإجتماعي والإنساني التي تضمن وحدة الأوطان والبشر . فالغرباء كما في قصة (المسافر قسراً) لم يكتفوا بإغتصاب الدار وإنما إمتدت أيديهم الى محتوياتها الزاخرة ليحشروا حجم حقيبة سفرصغيرة واحدة فقط وقالوا له: خذها وإرحل، وكان عليه أن لا يعترض، لكن ..

أدركتُ أن العيون المحدقة اليّ والمتطايرة شررا ًسوف تحرقني إذا أتيتُ بأية حركة ٍ معاكسة، لذا كان عليّ أن أسافر بلا حقيبة !.

فإذا كانت مأساة المدينة الضبابية، الضائعة، المنكوبة، المتداعية في العقل والقلب معاً، ترتقي الى مستوى الفاجعة، وتتغلل عميقاً في سلوك المؤسسات القمعية المتراصة مع الغرباء في إجتثاث إبن المدينة من ترابها، فإن مأساة الإنسان لا تقل عنها، إلاّ أنها مأساة إنتماء وهوية، وتلك لعمري أبشع حالات الإضطهاد التي تستهدف الإنسان في زمنٍ يفترض إنتمائه الى عصرالمساواة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني .

وقد يظن القارئ بأن إنسان قحطان الهرمزي مهزوم في داخله، يختار التقهقر الى الوراء، بل هو مجرد كيان ضائع لا يدرك ما يدور حوله، خاصة ً أن (الغرباء) باشروا بنصب جسر بين ضفتي المدينة حيث بدأ الناس يطأونني أثناء عبورهم من والى الضفة الأخرى، وعندما لم أجد أحداً أعرفه بين العابرين، إبتسمت في ذاتي إبتسامة أسف وأنا أقول: يا للغفوة لكم إمتلأت مدينتي بالغربــاء وأنا لا أدري؟ ـ قصة الغرباء ـ

لكنه ذات البطل الذي لا يكل عن المحاولة، إنه سيزيف كركوك وهذه ميزة نادرة تسجل له، فتسلق الجبل العاصي لإعادة حمامة عنيدة الى عشها محنة يومية شاقة، فلا هو يستطيع رفض المحاولة ولا الحمامة تكف عن الطيران، لذا فهو يظل يصعد ويهبط وتظل الحمامة تحط وتطير، فيفقد الزمن هنا خاصيته بإعتباره جزء من أجزاء المد الكوني، إنه يعود ويعود مفجراُ نفسه كالقنبلة المتشظية على إمتداد مساحة العمر كله !

هل إكتفوا بتهجيره وسلبه مدينته؟

يوماً بعد يوم رأيتني أتضاءل، ولما وجدوا ضخامة مخدعي لم تعد تتلائم وجسمي الضامر المنكمش على نفسه بفعل عمليات تقطيع الأوصال التي مارسوها ضدي طعنوني الطعنة الأخيرة وألغوا إسمي من سجلات الأحياء وكتبوا على إضبارتي: ليس له حق الحياة !

الإنسان .. مقهوراً .. متمرداً

لنسلم إبتداءً بأن الخيط المشترك الذي يربط قصص المجموعة يتمثل بالقهر اليومي، والنهايات المنطوية على الحزن، وفي التشتيت القسري عن مدينة مهددة بالضياع في جحيم من الإحساس بالقلق، فيكرر أبطالها أنفسهم من خلاله بشئ من الإلحاح الممض الذي قد يقود الى الملل أحياناً، ومثلما وجدنا فأن الموت رغم أنه لا يقهر العشق (ألم نتفق على لقاءٍ في زاوية من زوايا الجنة؟)، فإنه من الطبيعي أن يجد القارئ نفسه بعد كل قصة أمام تساؤل ٍ منطقي: ما هو الجديد في القصة التالية؟، فالشخصيات والمواقف والأمكنة ولحظات الألم والكبت والعزاء، هي أنساق مسلكية،وكل هذه المعطيات السيكولوجية والسيسلوجية تنبع من نفس المعادلة وتؤشر الى المغزى ذاته، لكن الذي يدفع القارئ الى المجاراة حتى النهاية، هو ما تتمتع به بما يسميه (ملارميه) أكبر شعراء زمانه الفرنسيين بـ (كبرياء الحياة الداخلية)، ذلك لأن البطل (صبور، غير مكترث، فيه رقة مع شموخ، وهو يتأمل قبل أن يتكلم، ويصوغ دائماً حديثه في صيغة سؤال)، والكبرياء هو الذي يقود الى التوتر الذي أصله الحياد والدعة الحقيقية، وكأننا في حضرة ذهنية فلسفية تسعى الى فهم الأسباب والدوافع، وتربط بين عناصر الفكرة المتباينة لبلوغ الذروة .

لنتريث برهة ونسأل: هل المرارة تكمن في إنحياز المرء الى ما لايريده لنفسه من الإمتهان الشكلي، والمذلة الظاهرة؟

عندما كانت القوافل تسير، تعلقتُ بأثواب قافلة متقدمة، قائلاً: وأنا؟، قالت القافلة: ودورك في المسيرة ماذا يكون؟ أجبتُ بسرعة ٍ خارقة: النباح ياسيدتي ! ـ النباح ـ

من الواضح أن سلب إنسانية المرء، آدميته، هو جزء من مؤامرة فعلية، وهو حافز مقنع لرفض هذا الهوان، ولو بأقل الإحتمالات تواضعاً، أي في إمتناع كلامي لايقترن بفعل ٍ عنيف ضد هؤلاء العتاة:

سلبني كل ما أملك !

* ماذا فعلتَ؟

ــ قدمتُ شكوى ضده

* لن ينفعك ـ

ـ كيف أسترد ما سلبه إذن؟

* بالقوة ـ

ـ ليس لي القدر الكافي منها

* إذن إسحب شكواك !

ـ الشكوى ـ

إنهم يستكثرون الشكوى، مجرد الرفض غير المقترن بالفعل، ولكن بالمقابل هناك من ينفخ في الروح عسى أن يدفعه ليقول (كلا) فقط .

عندما إنفعلتُ تمتت شفتاي لا، قال عما قليل ستهدأ وتقول نعم، ونادى: إجلبوا السياط !)

ـ الرجل الذي قال لا ـ

التقهقر الى الداخل خيار شائك، هناك في القعر المنزوي بعيداً عن أعين الآخرين، يجد الفرار ضالته في حديث ذو شجون، يتجاهل ما حوله، يهيم في الطرقات، ولا يدرك للأسف أنه يفتقر الى خصوصية باتت هي الأخرى عسيرة المنال:

كنتُ أسير في الشارع وكان رجل البوليس يمشي خلفي في الشارع نفسه، ظهراً رجعتُ فوجدتُ سكان المحلة كلهم في بيتي، ولما سألتُ: ما الذي جرى؟ اجابوني في دفعة واحدة: بل قل لنا كيف نجوت؟ ـ رجل البوليس ـ .

في دخيلته رفضٌ مذل، بل وصراخٌ صامت، لإنه الفعل المحرك الذي يعصف في صدره، وفي شرايينه، ولا يستطيع أقرب الناس إليه أن يدرك أبعاده، إنه ذلك المبهم المستحيل، الرائع الرهيب، الذي يجعل الخوف يسطع كالبرق ثم يختفي، إنه الخوف الذي يقود الى أن لا يكون من يكون !!

في قصة (من أنا) طلب منه رجل السلطة بطاقته فعندما قدم هويته التقاعدية التي تثبت كونه موظف دولة متقاعد طالبه بدليل، وهكذا في سياق مسلسل البرهان على كائن موجود، قدم له الجنسية العراقية ثم هوية الأحوال، ثم بطاقة السكن المصدقة .. ثم عرفه بنفسه . إلا ّأنه (عن طريق جميع هذه البطاقات والتي تحمل صورتي الشخصية الحديثة لم أستطع إقناعه من اكون؟ بدأت أحاور نفسي: إن لم اكن من خلال هذه الأدلة القطعية: قحطان الهرمزي .. إذن من اكون؟)

إنه لا يكتف بإزاحة الستار عن البطل، إنه يبادر الى تحطيم الحائط الرابع لنكون معه على مسرح الأحداث وجهاً لوجه !

 

ولإزالة سوء الفهم، لندلف الى أجواء واحدة من اجمل وأروع قصص المجموعة من حيث الدلالة والمعنى ـ الإحتلال ـ والتي كتبت عام 1994، وقال عنها قحطان الهرمزي بأنها قصة حدسية، وهي كذلك، لإنه شكلت إختراقاً لجدران لم تتمكن من حجب الأفق نحو المستقبل، والقصة تحكي وقوف البطل أمام الضابط الذي هو الحاكم العسكري المحتل للمدينة (!)، منتصباً، شامخاً، متحدياً، فيسأله الحاكم عما إذا لقي معاملة غير لا ئقة عند إستدعائه فينفي ذلك ثم يسأله: لقد درسنا طلبك، ألاّ تنوي بناء دار تسكن فيها عائلتك؟ ألم يمض على طلبك خمسين عاماً؟ ثم سأله: لماذا كانوا يرفضون طلبك؟ فيجيبه: كانوا يقولون أنت ضيف والضيوف لا يبنون بيوتاً . يعود الحالكم ليسأل بخبث ٍ لعين: خمسون عاماً تعيش على هذه الأرض ويعتبرونك ضيفاً؟ فيجيبه: بل الآف السنين، هي أرض أجدادي من السومرييين الى الآن، ثم لندع القصة تكمل نفسها:

هز الضابط المحتل رأسه بأسف وقال لي: الآن أنت حر في بناء بيتك وإقتناء ما تريد . لحظتئذٍ مرّت أمامي وجوه الحكام السمراء الذين كانوا يستدعونني .. كان حراسهم يسوقونني إليهم بالسياط يلهب ظهري وأنا معصوب العينين بخرقة سوداء، وكنتُ دائماً أصل الى المسؤول فاقد الشعور، مشوش الرؤيا، دامي الجسد، وكان المسؤول يمطرني بدوره بوابل من الشتائم، ويمطر الحراس بشتائم أقبح لأنهم لم يؤدبوني جيداً . ثم يعود ليقول لي: لا حق لك في بناء سكن، انت ضيف .. أفهمت أنت ضيف، وفي إحدى المرات بغتة جاءتني شجاعة وقلت للمسؤول: وهل من الأصول سوق الضيوف الى جبهات القتال الأمامية؟

وبقامتي المنتصبة نفسها، وبنبض ثابت لقلبي مضافاً إليهما حبي لوطني قلت للضابط المحتل: أرفض طلبكم !! .

يا إلهي .. إنه قاب قوسين او أدنى من حلم العمر، جدوى حياته الطويلة المعجونة بالألم والإنتظار، وإذا به يرفض العطاء القادم من محتلٍ يهب ما لا يملك، ذلك لأنه كان وفياً لكل تلك العذابات .. لا أيها المحتل أرفض عطاياك !

إنك أيها الكاتب الممنوع من الصرف، امير أسطوري تجيد لغة القرون السحيقة .. تنحاز الى الوطن الجائر دون مواربة، وتركب متن الريح العاصف لتمرق الى القلب دون إستئذان !

الحب ..مكشوفاً

وكالمزنة الباذخة في يوم قائظ، تطل الحبيبة، ومثلما يقول وليم بتلرينس .. إنها تشكل صوت الوحشة، الصوت الصارخ في البرية، الصوت الواعد في النهاية بالخلاص، لكن الحبيبة المغرمة كالوطن الجريح، كالناس الملسوعين بفقدان القدرة على التعبير عن الرأي الآخر، تعاني هي الأخرى من داء الصمت وفقدان أداة التعبير !

 

(في مطعم صيفي، إتفقنا أن نأكل سمكاً، ولما جاءت صينية الأكل بدأنا نلتهم محتوياتها، وعندما تمت مراسيم الأكل وجدنا السمكة لم يلمسها أحدٌ من .. وعند مغادرتنا للمطعم تحسسنا أننا بلا شفاه !) ـ في مطعم صيفي ـ

و (ثلاث ساعات جلسنا جنب الى جنب صامتين، لا يكلم أحدنا الآخر، ولمّا إنتهت الجلسة قالت لي: لم أرتو من حديثك بعد !) ـ الصمت الناطق ـ

وعلى مائدة المرأة الباذخة لا مفر من الحديث عن موضوعها الأثير لدى قحطان الهرمزي، ربما يظن القارئ نفسه عندما يغوص في كنه الصور الأكثر جرأة في كتاباته وضمن المفاهيم التقليدية إنه امام نتاج ٍ صارخ ٍ ينتمي الى الأدب الإباحي، فسطوة الجسد الذي يئن تحت وطئة الرغبة المحمومة في هذه الكتابات، هي ذاتها سطوة النفس الثاقبة التواقة الى الإنعتاق والحرية والتحليق في الفضاء اللامتناهي، إلاّ أن التعامل وفق هذه المعالجة الجاهزة والأحادية لأدب قحطان الهرمزي في المرأة والجنس لن يكون منصفاً .

وفي مجموعة (الكسيح أمام المرقص) تنهمك قصص مثل (الرضيع، حمامتان، نهداك للمرة الألف، نهداك للمرة بعد الألف، طيران ...) في إثارة زخم شجي من هذا الأدب الرومانسي المعجون بالواقعية (الصدمة) والمثير للجدل، وفي طرح ٍ يجعل المتلقي كالمراهق الذي يشهق لمرأى إمرأة عارية للمرأة الأولى في حياته:

 

(تطلعتُ الى نهديك النائمين من خلال فتحة قميصك ونحن جالسان تحت ظل شجرة صنوبر شامخة، ولما قلت: هل أوقظهما بلسمة ٍ من يدي؟ قلتِ: لا، قلت: لماذا؟ أجبتيني: إذ توقظهما سوف يأويان الى حضنك ويتركاني وحيدة أتألم في غيابهما) ـ نهداك للمرة الألف ـ

إلاّ أن الجنس هنا موضوع ٌ سام يرتقي الى مرتبة التقديس، إنه سيلٌ متدفق من الأحاسيس الراقية كما لدى كيتس وأراغون ومحمد الماغوط ونزار القباني وأدونيس وغيرهم، فالشفتان نذير نضج ســـنبلتا قمح ٍ ممتلئتان تتناجيان في الحقل المجاور، والحلمتان مزنة صيفٍ مدهشة تشيع النماء في الجدب وتمنح الوليد نعمة الأمان، والقبلة رمزٌ زاخر بمدلولات توّحد الجزء في الكل، إنها بمجموعها متوالية زاخرة من العصف، ونبع يتفجر بين الصخور في هجير الظمأ المقدس، في مفردة تضج بالنبل والرقي، تكتسح وجل العشاق وخجلهم الطفولي .

(عندما داعبتُ حمامتيها العاريتين، قالت لي: ولما الإندهاش من صخب غرورهما، ألستَ الذي عودتهما أن يقتاتا إلاّ العسل في جوف يديك؟) ـ حمامتان ـ

بهذا الفيض من التلقائية، أقحمنا قحطان الهرمزي الى عالمه المسحورمع كسيحه الفيلسوف الواقف أمام مسرح التناقضات والتآلف صعب المنال، وهو في السياسة والحياة يجد أنه بالتسامح، لا بل بالحب وحده يستطيع أن يقمع السطوة العمياء الثاقبة، وبه أيضاً يفتح مغاليق الأسرار والدخائل، ويسترد الشهيق المتلاشي في بيداء العنت ونداء الجسد المحموم .

هذا ما فعله صديقي المفضل، لقد إنحاز في النهاية الى القلب تماماً !

 

محمد حسين الداغستاني

..................................

(*)     نشرت الدراسة في اسبوعية (الاديب) بعددها (153) الصادر في 10/ 10/ 2007

(**) أديب وشاعر وكاتب مسرحي باللغتين العربية والتركية . ولد في العام 1936 ونشـر الكثير من القصائد والقصص والمسرحيات في الصـــحف المحلـية والعربية , له عدد من المجاميع المطبوعة منها (أيام شديدة البؤس) و(نخب العالم المنهار) و(كسيح أمام المرقص) و(قارب في الصحراء) و(الخروج من الجنة) والأخيرة صدرت باللغة التركمانية، هو أحد مؤسسي جماعة كركوك، توفي في نيسان من العام 2009 م اثر نوبة قلبية مفاجئة وذلك اثناء مشاركته بمؤتمر في إسطنبول بتركيا .

 

 

1 - مدخل نظري لقراءة  نص الرواية: نعتبر كل عمل إبداعي، خاصة الرواية و الأعمال السردية، يقدم إمكانية قابليته الفعلية أن يقرأ  ويفهم، ويدرس علميا وموضوعيا، ويعالج معالجة نقدية دقيقة، انطلاقا من طبيعة موضوعه ومحتوياته، ونوعية بنائه الفني وتركيبه التقني ومواصفاته الجمالية.  بمعنى أنه يتمّ التعامل مع المسألة الإبداعية هنا، ليس ارتباطا بنظرية الأنواع المعروفة نقديا وأدبيا، بل وفق إمكانيات النص المتعددة المستويات الإبداعية، والممتدة عبر مجمل النصوص المعرفية، ومختلف المرجعيات الفكرية والواقعية والثقافية التي يؤسس عليها هذا النص معناه أو معانيه، سواء منها المتعلق بالزمن السردي الراهن، أو الزمن المقروء التاريخي السابق على كتابته.

هكذا، يطرح علينا نص رواية ساق البامبو إشكالية القراءة المنهجية الناجعة والمناسبة فعليا، للطبيعة الدلالية النوعية للنص، خاصة على مستوى علاقات تيماتها المتفاعلة، وأدواتها الفنية الجديدة، وجرأتها الفكرية الملفتة في طرح واختيار موضوع له حساسية اجتماعية وثقافية قوية. باعتبار أن هذا الموضوع يشكل قضية حينية (الوجه الآخر للسلطة هو فقر في توفر الرأسمال الرمزي)، ما يزال محتضنا من طرف قوى اجتماعية مهيمنة في بلد عربي كالكويت، مسقط رأس كاتب النص، البلد الموجود راهنا في طور التحول التاريخي والحضاري، تحميه وتكرسه وتناضل وتعيش من أجل وجوده و استمراره، بكل الأدوات الممكنة والوسائل المتاحة لها.

من هنا لاحظنا، بل اعتبرنا تيمة السلطة، بمفهوم السلطة الرمزي، من  التيمات الأكثر حضورا وهيمنة، في المسارات السردية للرواية ككل، سواء على مستوى الأسرة الفلبينية أو الأسرة الكويتية التقليديتين بطابعهما الممتد.  لهذا ارتأينا قراءة هذا النص الروائي المتميز، من منظور منهجي سوسيولوجي، انطلاقا من أساس طبيعة هذه الهيمنة الكبرى لتيمة السلطة، في علاقتها الجدلية مع باقي التيمات الأخرى التي تنتظم العوالم الروائية الواقعية والمتخيلة للنص، في مجموعه كنسق دلالي، يعبر باللغة الوصفية البسيطة، وبالفعل السردي الحكائي التشكيلي والمركب، عن ظاهرة اجتماعية (سلطة قيم التقليد الاجتماعية ورفضها للتغيير، باعتبارها سلطة ذهنية ورمزية تروم إبقاء الوضع كما هو) يعاني منها المواطنون، بصفتها سلطة عنف رمزي تعرقل حركية المجتمع، وتحدّ من نموه الطبيعي، ومن تحوله الإيجابي المفترض، وتغييره الممكن نحو المجتمع الأفضل، في ظل سيطرة سلطة الإكراه الثقافي والاجتماعي والذهني لهذا المجتمع.  ونذكر أنه في وضعية هذه التيمات الأخرى للنص، في إطار علاقاتها الصراعية الصغرى، تحقق تيمة السلطة، بسيرها الطبيعي حينا، والمتوتر العنيف أحيانا كثيرة، علاقتها الصراعية الكبرى بالتيمة المضادة لها في النص. نعني بها تيمة الحق، بامتداداتها التيماتية التكوينية العديدة في كلية دلالة النص، كالهوية، والحرية، والمساواة، والتسامح، والذاكرة، والمعرفة، والتحدي، والتحديث، والديمقراطية، باعتبارها جميعها مظاهر الحق الذي يحاول النص تبنيه والدفاع عنه، ضدّ نبذه لمظاهر السلطة ومساعديها الأساسيين الذين يعرقلون تحقيق ذلك الحق كالتقليد، والغربة، والاستعباد، والظلم، والتعصّب، والنسيان، والاكراه الاجتماعي .. إلخ.

وقبل البدء في ضبط ورصد وتحليل تجليات ومميزات تيمة السلطة، كما لاحظناها في نص ساق البامبو، نعرّف مفهوم التيمة أولا، ثم ماذا نعني بالسلطة لاحقا، حسب استخدامنا لها في التحليل، ومفهوم الحق، باعتباره تيمة رئيسية في النص، لا وجود لتيمة السلطة في غياب تيمة الحق، مبيّنين كيف تمّ توظيف الدلالة العملية لمفهوم الحق، والدفاع عنه من قبل فعل الممارسة الفكرية الفلسفية، وكذا الإبداعية الروائية في النص، كفعل كتابي مختلف ومبدع خلاق، بمفارقاته الجدلية بين الهدم والتأسيس. الفعل الذي لا قيمة له عندنا، دون أن يخدم قضية المجتمع والإنسان، في أقصى صورهما الجدلية الحقوقية والطبيعية والمجتمعية، بالمعنى السوسيولوجي لمسألة الكتابة الروائية وعلاقتها بالعمق المجتمعي    .

1-1 مفهوم التيمة

لعل التيمة كمفهوم نقدي، نستعمله في بحثنا كإجراء منهجي، نعتمده هنا للمقاربة الدلالية النصية، وممارسة القراءة النقدية المعنية. وتنتمي التيمة thème كمفهوم منهجي إلى التحليل الموضوعاتي.  أو لنقل تحديدا، ارتبط عمليا منذ ظهوره بالمنهج النقدي الموضوعاتي الذي يتمّ فيه التعامل مع مفهوم التيمة كأداة تحليلية مركزة، وذلك "من خلال غطس موضوعة ما، داخل سياق يشتمل على مواقف مختلفة، وعلى تفاصيل، فتكون التيمة مشخصا لمجموعة من المغايرات الملموسة، يمكن إرجاعها إلى كيان أو مفهوم تجريدي، وهي أيضا أداة لوصف النص ولتأويله "(3) . فلم تكن تيمة السلطة، بهذا المعنى، في نص ساق البامبو الذي نحن بصدده، سوى الوجه الآخر لاختلالات عميقة طبعت منظومة القيم في المجتمع الكويتي خاصة، و في المجتمع العربي عامة، نتيجة التحولات الكبيرة والمتغيرات السريعة التي يمرّ منها على كافة الأصعدة. وذلك كما هو معروف في الحياة العملية لكل المجتمعات، فإن "القيم ليست ثابتة، وأنها على العكس من ذلك، تتغير بتغيرات المجتمع. فإن خصوصية تطور القيم تكمن أساسا في كون هذا التطور ليس له نفس الإيقاع  الذي تعرفه ظواهر اجتماعية أخرى، باعتبار أن القيم لها علاقة وطيدة بوعي الإنسان، وبالعقليات والذهنيات. إنها تخضع لزمنية خاصة، يمكن أن تتميز ببطئها أو بإمكانية عودتها ورجوعها  إلى قيم قديمة في أشكال وصور حديثة"(4). تلك التحولات والمتغيرات العميقة التي يعبر عنها، ويمثلها في نص ساق البامبو بوضوح ما سميناه بمفهوم الحق، باعتباره يشكل حجر زاوية هذا النص الروائي الذي يفكر ويحلل، ويناقش وينتقد، مدافعا حينا، ومكرّسا حينا آخر لمجموعة من الحقوق الإنسانية الكونية، ضدّا على ما تنتجه وتكرسه وتؤسسه مؤسسة السلطة المتعسفة من شروط العرقلة والتعطيل والتشويش على حركية ودينامية المجتمع الطبيعية، في إطار صورتهما التيماتية وعلاقتهما الصراعية والجدلية المتفاعلة في النص. نعني بهما:  تيمة الحق من جهة، وتيمة السلطة من جهة أخرى.

1-2 مفهوم السلطة

ماذا نقصد بالسلطة في قراءتنا النقدية لرواية ساق البامبو ؟

انسجاما مع استهلالنا السابق، بكون هذا النص الروائي يقدم لنا مسألة الكتابة الإبداعية السردية كظاهرة اجتماعية، فهو إذن يغوص بالتفكيك والتشريح داخل المجتمع، محاولا طرح ومساءلة وانتقاد أهم القيم السائدة في واقع المجتمع الكويتي والعربي عامة، ونعني بها قيم التقليد والثبات والمحافظة باعتبارها سلطة رمزية، ضدّ قيم التغيير  والتحول والاختلاف والحداثة .

غير أن نص رواية ساق البامبو بإبداعيته المتميزة، ناقش وانتقد وكشف عن أعطاب مفارقات وتناقضات تيمة السلطة التي تعني هنا السلطة الرمزية تحديدا، باعتبارها سلطة اجتماعية وذهنية وثقافية وعرفية، تقودها العقلية التقليدية، المعتقِدة أنها تنفرد بحماية قيم الأسرة والعائلة والمجتمع، وذلك بالدفاع عن قيم التقليد والثبات، ضدّ قيم التغيير والتطور والتقدم، خاصة على مستوى قبول الاختلاف، ورفض الانفتاح على الإنسان وقيمه الكونية، مهما كانت حضارته ولغته وثقافته ومعتقداته. نستحضر هنا طبعا هاجس ثقافة التسامح المطروحة في هذا النص، بطريقة ضمنية غير مباشرة، الأمر الذي يضفي على تناول الكاتب لموضوع السلطة، في علاقته الصراعية مع مسألة الحق، في روايته هذه، ذلك الطابع الشعري الرمزي من جهة، والفلسفي الاجتماعي السوسيولوجي من جهة أخرى، باعتبار أن النص، بالحلم والأمل في ثقافة التسامح المضمرة، بكل أبعادها الإنسانية، يبدو لنا، كقراء في عمقه ودلالته المتوارية، كتجل طاغ ومهيمن لصوت السلطة بمعناها الاجتماعي والثقافي الإكراهي، يخترق المسارات السردية الحكائية  للنص  ككل.

 لننظر الآن، إذن، في مفهوم السلطة، حسب بعض الكتابات والدراسات والأبحاث النقدية التي تناولته بالدرس والتحليل. 

لقد عرّف المعجم الفلسفي لجميل صليبا معنى السلطة من الناحية اللغوية، وأيضا من الناحية الاجتماعية التي تعنينا هنا، باعتبارها "القدرة والقوة على الشيء والسلطان الذي يكون للإنسان على غيره..  وجمع السلطة سلطات، وهي الأجهزة الاجتماعية التي تمارس السلطة كالسلطات السياسية والسلطات التربوية والسلطات القضائية وغيرها"(5) .

غير أن العالِم السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر يربط السلطة بالعنف، على أساس تبرير هذا العنف الذي تمارسه تلك السلطة، مؤكدا على ثلاثة نماذج للسلطة(6) وهي :

1-2-1  النموذج التقليدي:

نعني به سلطة الأعراف وقداسة الاعتقاد في السلف.  وهو النموذج الذي تمثله مواقف شخصية غنيمة في النص الذي نحن بصدده  .

1-2-2 نموذج السلطة الكارزمتية:

يقصد بها الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص خارق استثنائي، بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية. قدم النص شخصية  "ميندوزا"، في الجزء الروائي الأول، وشخصية  "نورية"  في جزئها الثاني، كأفضل نماذج بشرية تمثل هذه السلطة .

1-2-3  نموذج السلطة القانونية:

تستمدّ من الاعتراف العملي بمعقولية التشريعات والقوانين. غالبا ما يمثل هذا النموذج سلطة الدولة التي تكاد تكون غائبة، أو لنقل بتعبير أدق سلطة صامتة وضعيفة، أو تتسم بحضور محتشم في نص ساق البامبو، لأنها توارت خلف سلطة المجتمع المهيمنة، بصوتها الدفاعي الوحيد والفعال، باعتبارها كانت هي السلطة الطاغية والأقوى، وبالتالي فرضت عليها مشروعيتها، وصارت سلطة الدولة، بسكوتها المختار، جزءا مكملا لسلطة المجتمع. إن انشغال النص بفعل السلطة العنيفة الإكراهية لما هو ثقافي واجتماعي وذهني للمجتمع في علاقتها الصراعية ضدّ فكرة الحق وذوي الحقوق، فرض ضرورة على السلطة بمفهومها المادي والسياسي، كما أسلفنا، نوعا من التواري والاختفاء الذي هو وضعية طبيعية، نظرا للسيطرة المطلقة التي تفرضها تيمة السلطة في النص، بامتدادات مفهومها الرمزي والاجتماعي. وبالتالي، فسلطة المجتمع هنا تؤدي بنجاح كبير دور سلطة الدولة التي لم يعد لدورها أو تدخلها المباشر أية قيمة تذكر في سياق تفاصيل اللعبة السردية للنص. لأن " كلام الناس هنا سلطة "(7)، لا يحتاج إلى تدخل الدولة، كما قالت شخصية غسان لرفيقه عيسى، وهما في طريقهما إلى شقته بالكويت في النص.

هكذا، يفرض علينا إذن نص ساق البامبو، منهجيا ودلاليا على الأقل، التعامل مع مفهوم السلطة، كما هو مستعمل ومستخدم وموظف في المسارات السردية للنص، كنسق دلالي كلي، بمفهوم السلطة الرمزي الاجتماعي، المرتبط بالمرجعية الفكرية السوسيولوجية، كمنظور نقدي ومنهجي. باعتبار أن البعد المتواري للسلطة وسلطان السيطرة، بمعناها الاجتماعي والفكري التقليدي السائد والمفروضة من قبل مُنتجها (كفرد أو جماعة)، دون أن يدري (أو تدري)، هو العنصر الأساسي والجوهري في تحليلنا للنص، وهو الفاعل الممارِس هنا أيضا في إطار العلاقات الجماعية، وصراع القوى والأفكار والطبقات الاجتماعية، من أجل فرض وجودها، كقوى فاعلة ومتصارعة ومتواجدة في نفس الحقل الاجتماعي. يقول بورديو في هذا الصدد: "إن السلطة الرمزية هي سلطة لا مرئية، ولا يمكن أن تمارَس إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، بل ويمارسونها "(8) .

هكذا يبدو لنا نص ساق البامبو نص السلطة الرمزية بامتياز. هذه السلطة التي توجد في وضعية صراع دائم ضدّ سلطة الحق، كقيمة عليا تحددها أفعال وسلوكيات أفراد المجتمع، تلك التي يؤسسها نص الرواية، كموضوع لقراءتنا، ذلك التأسيس التدريجي التطوري المتصاعد، باحثا عنها بالتفكيك والهدم حينا، وبإعادة التأسيس والبناء حينا آخر، من خلال مواقف شخصية جوزافين وابنها هوزيه/عيسى .

 إن المرجع الأساس لتيمة السلطة الرمزية المعنية هو الحقل المجتمعي التقليدي الثابت، كنسق لتفاعل وصراع القوى، ومُنجزها الرئيسي في النص هو شخصية "غنيمة الطاروف"، في الفضاء الروائي الخاص بالكويت كمكان، وشخصية "ميندوزا" في الفضاء الروائي الخاص بالفلبين. في حين، يبقى مرجع تيمة الحق ببعده الإنساني، كقيمة كونية عليا، باعتبارها هوية وحرية ومساواة وكرامة، مرتبطة بشخصية "جوزافين"، كمرجع أصلي لثقافة الحق الحداثية، ثم تليها لاحقا شخصية "هوزيه"/ "عيسى"، ابنها الوحيد، كشخصية تسلّمت مشعل الصراع والمقاومة، عبر لسان الحكي السردي المستمر لأمه "جوزافين"، من أجل فرض الذات والوجود، بحثا عن المعنى والقيمة وجدوى الهوية، والدفاع بالفكر والإبداع عن ثقافة فكر الحق والانفتاح والتنوير والتغيير وتحديث المجتمع.  وبالتالي، يمكن النظر إلى شخصية "عيسى"، باعتبارها تركيبا فكريا حداثيا وأيديولوجيا، انتصر به الكاتب لقيم الحق والتقدم والتواصل والانفتاح على كل ما هو حضاري ومختلف، ضدّ قيم السلطة والانغلاق والثبات والإقصاء، رغم عودة "عيسى" الجديدة إلى بلاد أمه بالفلبين، في نهاية النص، باعتبار أن عودته هذه كانت عودة نوعية وقوية، رفقة بداية كتابة نص رواية ساق البامبو. فصارت الكتابة الروائية هنا، إحدى الأدوات الفكرية البديلة الأساس  التي أعاد بها بطل النص "عيسى" الاعتبار والتوازن لذاته، ذلك الاعتبار والتوازن المفتقدان عنده في واقع مجتمعه الكويتي.  أي أنه فرض عليه من طرف قوى  ومعاوني تيمة السلطة في النص (عائلته الطاروف)، أن يفتقد حقه المشروع، ويحرم من الانتماء إلى هوية أبيه "راشد الطاروف" .  فماذا نعني بمفهوم الحق، كما سنستعمله وسنوظفه في تحليلنا لنص ساق البامبو؟

1-3 مفهوم الحق

لعل التفكير في مسألة الحق، من منظور فلسفي، يحيلنا على مختلف الأبحاث النظرية، والدراسات الفلسفية الهامة التي تناولت هذا المفهوم، باعتباره مفهوما غنيا وشموليا، لأنه يتركب من العديد من المكونات والمبادئ الأساسية التي لها علاقة بمنظومة القيم عامة، كالعنف والشرعية والمشروعية والسلطة والاستبداد والديمقراطية وحقوق الإنسان (9) .

من هنا يرى أندري لالاند في معجمه الفلسفي، أن كلمة حق recht،right، droit يمكن ربطها بفكرتين أساسيتين هما :

1- إن الحق هو ما يكون مطابقا لقاعدة محددة، وبالتالي فإن إقراره يعتبر مشروعا. مثلا لكل المواطنين الحق في اللجوء إلى القانون  .

2 - إن الحق هو ما يكون مسموحا به، مثلا ما جاء في الإعلان 1789 لحقوق الإنسان، (الفصل 11-) من كون حرية تبادل الأفكار و الآراء، هي أثمن حق من بين حقوق الإنسان. لهذا ركزت مختلف الإعلانات عن حقوق الإنسان على الحقوق الطبيعية كالحق في الملكية، والأمن، والحرية، والمساواة، ومقاومة القهر والاستبداد ..

كما ميز لالاند بين ثلاثة أنواع من الحق هي:

" أ - الحق الطبيعي الناتج عن طبيعة البشر، والعلاقات القائمة فيما بينهم، باستقلال عن كل تشريع  .

ب - الحق الوضعي الناتج عن القوانين المكتوبة أو الأعراف التي أخذت القانون، مثل:  الحق المدني والحق الروماني  ..

ج - حق الناس الذي تأسس على مبدأ المساواة، وتمّ في البداية تطبيقه على الأجانب غير الخاضعين للقانون الروماني، واتسع في العصور الحديثة ليشمل العلاقات بين الدول، وأيضا العلاقات بين المواطنين المنتمين لهذه الأخيرة "(10) .

هكذا نستنتج أن مفهوم الحق، متصل أقوى الاتصال بقيمة الحرية، والإرادة الحرة للفرد المنتمي إلى جماعة معينة، باعتبار أن الحق هنا هو "مجموع من الشروط التي يمكن للإرادة الفردية لكل واحد منا، أن تتآلف في إطارها، تبعا لقوانين كلية"(11) . وبالتالي، فاشتغال تيمة السلطة كعنصر نصي فاعل، رهين بحركتها وصرعها مع تيمة الحق بمكوناتها المساعدة، وكعنصر مضاد متفاعل أيضا .

فما هي تجليات وخصوصيات حضور تيمة السلطة هذه ببعدها الاجتماعي والرمزي، في نص رواية ساق البامبو ككل  ..؟ علما، أننا عملنا، إجرائيا، على تقطيع النص إلى جزئين روائيين كبيرين ورئيسيين، بالإضافة إلى جزء روائي قصير بمثابة خاتمة للنص، ليس فقط تسهيلا لعملية القراءة والبحث المنهجي في دلالة هاتين التيمتين المهيمنتين اللتين تخترقان النص في شموليته العامة، بل ارتباطا أيضا وانسجاما مع طبيعة النص كلعبة سردية، وكيفية طرحه دلاليا، وتفكيره العميق في مبحث السلطة والمجتمع، كحقل لصراع القوى، وبالتالي، فهو نص روائي بوجهين كوجهي سارد النص نفسه تماما: (هوزيه \ عيسى) الفلبيني والكويتي.  أعني نصا بجزأين كبيرين، يحمل كل منهما اسم الفضاء السردي والروائي، حيث تجرى أحداث الرواية، بجميع مكوناتها السردية الأخرى، ووصولا إلى الجزء الأخير / النهاية السردية الفكرية المتقدمة التي اختارها الكاتب لنصه وحكاية راويه، ذات الشكل الدائري، بحيث تصبح نهاية النص هي بدايتها عينها.  ليبدأ النص بقول سارده:

" " اسمي jose "

هكذا يكتب.  ننطقه في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه . وفي العربية يصبح، كما في الاسبانية، خوسيه.  وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب، ولكنه ينطق جوزيه.  أما هنا في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى ! "(12) .  

وفي نهاية النص التي صارت بدايته مشكلة مسار النص السردي، على شكل دائرة ولنفس الصوت، يقول عيسى في الصفحة 389: " أمسكت بالقلم، وبالفلبينية كتبت:  اسمي  jose، هكذا يكتب.  ننطقه في الفلبين، كما في الانجليزية، هوزيه.  وفي العربية يصبح، كما في الإسبانية، خوسيه.  وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه.  أما هنا، في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى! "(13) .

وهي، على كل حال، نهاية تنتصر بلا شك لقيم الحق والإنسان والتقدّم ولقيم الدمقرطة والحداثة، وتحتفي بأفكار التمدن والتسامح والحوار، والمثاقفة والتواصل بين كافة الشعوب، مهما كانت ألوان بشرتهم، واختلافاتهم الجنسية والدينية واللغوية والثقافية.. بعيدا عن ثقافة التحجّر، وفكر التقليد المطابق والإقصاء المنهجي، وسلطة الرفض المجاني، والعنف اللفظي والاجتماعي المتعالي، كما مارسته شخصية الجدة "غنيمة" في الجزء الأول من الرواية وابنتها الحاملة لنفس نزعة السلطة المُهيمِنة شخصية "نورية"، تجاه راوي النص، وقيم تيمة الحق في الجزء الثاني من الرواية، دون أن تعيا بمحمولهما، وكذا مجتمعها الأنثوي المستلب المثالي، الباحث عن حلم عقل ذكوري في عالم الأوهام الفسيح المنفلت، الذي لا مكان له إلا في رؤوسهما الضئيلة.. 

من هنا نظرنا إلى نص ساق البامبو، باعتباره نصا تسلّح بالجرأة الفكرية في طرح سؤال السلطة كإكراه اجتماعي وسياسي، ضدّ نقيضه سؤال الحق في خوض الصراع الاجتماعي إلى أقصاه، سعيا لانتزاع ذلك الحق المشروع. وتفعل رواية ساق البامبو كل ذلك بالمساءلة والمناقشة والتفكيك، منتقدة وكاشفة في كل ذلك، عن مسألة سلوك وموقف السلطة المتعسّف، بمعناها الرمزي الاجتماعي والتقليدي، خاصة وأن عائلة الطاروف في النص، ليست "سوى النمذجة التي تتخذها الطبيعة الاجتماعية المقترنة بالحساسية القبلية في المجتمع الكويتي"(14) .

 

من النصوص القصصية التي تناولتها بحضور أصحابها في "بيت السرد" بدار الثقافة ببن عروس/ تونس، "المخابرة" لمصطفى المدايني، "التميمة" لعمار العوني، "مقام ضيع المقال" لسلوى الراشدي، "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايري، وهي نصوص كتبت حديثا وعبرت عن هموم نفسية ازاء التغيرات الاجتماعية العاصفة التي غيرت الكثير من مضامين القص، ولكنها عبرت عن أشياء حدثت وأخرى ستقع من حيث لا نتوقع، وآن الأوان لننظر فيها وأن نسبر أغوارها انطلاقا في التفرس في الذات والواقع، عبر معالجات فنية تختلف من قاص الى آخر وحسب أفقه المعرفي وآليات معالجته لهذه الفكرة التي تلقي بثقلها على هذه النصوص القصصية.

"المخابرة" لمصطفى المدايني

"المخابرة" هي لوحة قصصية بقلم الأديب مصطفى المدايني، عبرت عن الاحساس الشخصي للشخصية القصصية عبر الاعترافات والخطاب الباطني. إذ يفيق الراوي على صدى مخابرة شخص يدعوه لمقابلته، وتتداخل عليه الأمور بين الوعي واللاوعي إن كانت المخابرة حقيقة أم محض هذيان. وفي المقابل فهو يجمع أحداثا وصورا ويتمعن فيها في ركن المنزل الذي يحتفظ بأدراج الذاكرة، في محاولة منه لربط الصلة بين محتوى المخابرة وبين الأشياء المخزونة في ذاكرته. 

فالمخابرة حدث يفضي إلى التذكر في حالة الصحو، بل هناك مثيرات أخرى وظفت في النص للتعبير عن حالة التيقظ: القهوة، مواجهة المرآة، الرؤية بوضوح، الحركات المستقيمة والمنظمة للراوي.ثم يقوم بدمج الحلم بالواقع، المتخيل بالحقيقي عبر عملية التذكر.

 فالمخابرة هي صدى للواقع وإن كانت تهيؤات أو مكالمة حقيقية، هي تصوير لهم نفسي في عصر معقد يستطيع أن يلتقط تفاصيل الإنسان وما يجول في باطنه عبر وسائل الاتصال الحديثة القادرة على تذكير الإنسان بان حقيقة أخرى تنتظره، هؤلاء الذين يدعونه إلى التمعن جيدا في ذاكرته، وينبهونه إلى اشياء ستحصل في نوع من الاستباق.لذلك بني النص، على الارتداد للماضي المفضي للحاضر.

 قصة "التميمة" لعمار العوني

  قصة "التميمة" لعمار العوني أو "العوذة التي تعلق على الإنسان لأن العرب يعتقدون انها تمام الدواء والشفاء".

يستهل السارد القصة بمشهد قنديل يطفو ونار تزداد سعيرا بالبخور وطرطقة اللبان الذكر. والنار من منظور سحري تمثل طقسا لاستثارة اللامرئي والمخفي أو الجن والأرواح الشريرة. وقرب القنديل تتجسم صورة العجوز يلقي على الشاب دم الصحابة ليبوح، فيعود بنا إلى تاريخ دموي للتنازع على الخلافة.

تنكشف دلالة النار في لون الدم، وتكتمل الصورة حين يكشف الشاب عن ظهر لسعته السياط. وتأثير السياط على الظهر يشير الى التعذيب عبر ما عبر عنه بالعلاج الروحي بيد الشيخ الذي بدا مبتهجا وهو في حالة بلل مما يعطي للنور مدلولا جنسيا فهي متنفس عن كبت. وهي تشير الى مراجع أخرى خارج النص تجسمت رمزيا وهي الحلول الماورائية/ الدينية في مجتمعاتنا التي أفضت الى العنف الجسدي تحت ما يسمى الطهارة، وكأن الأفراد كانوا في حالة إثم وأن السبيل لتطهيرهم هو العقاب المسلط على الجسد.

 النار في النص تستثير ما هو تأملي أيضا، فيخترق السحر عوالم الطبيعة من خلال بعض الطقوس والتمائم.

ولم نلاحظ شخصيات عجيبة تتشكل في هيئات غريبة تحدث الرعب وإنما نحن ازاء شيخ يكتسح لحظات هذيان الراوي وهي يتمثل العديد من الصور، في حين بدا الشيخ في حالة نشوة وهو يستحضر صورة الحلم في شكل امرأة مغرية. 

كل ما هو سحري هو شعري ورمزي بالأساس لأنه يخاتل الواقع ويعبر عن الحلم المشتهى، في اعتقاد منه أنه يحرر الذاكرة من القسوة ومن الألم، ويطهر الجسد، وهو يسترجع صورة الحلم التي وشمها الشيخ على زنده.  وفي رغبة منه لاستحضارالعجيب والغريب وقدرته على استحضار الحلم الغائب عبر تقديم علاج سادي للواقع.

القصة مشحونة بالرموز، وتعبر عن الرعب من واقع يقدم علاجا لا يقوم على العلم والعقل بل عبر اضطهاد الجسد.

"مقام ضيع المقال" لسلوى الراشدي

نقطة انطلاق هذا النص الأدبي هي الواقع الاجتماعي بعد الثورة بعين مدير صحفي. فالنص القصصي قادر على استيعاب الواقع المكتظ بالتفاصيل في مشهد هستيري، أشبه بدفتر مسودات يخلو من النظافة والنظام، اضرابات، فوضى هجرة سرية، غلاء الأسعار، افتكاك أملاك الغير، والكل يبحث عن التموقع، الخيبات، والصحافة تجابه باللامبالاة فهي تزعج الجميع النادل والزوجة والمؤسسة، ولا يبقى إلا حلم مخدر كرحيق النخيل النازف في مدينة يكسوها الدمل ربيعها خريف. وقد غاب الحوار في النص وحلت محله لغة الرسائل والحوار الباطني.

 عنوان النص يشير الى كتابة مقال يجب أن يفصل على قياس صاحب المقام، بطريقة تنسف المشهد كما هو وتستعيض عنه بعبارات النظافة والتناسق  ويبدو أن وظيفة الكتابة الأدبية ودوافعها لا تقل اهمية عن وظيفة الصحافة الحقيقية كسلطة. والدافع لكتابة قصة هو ذاتي وهو نقدي يجرح هذا الواقع المتشظي.

وظيفة المونولوج  في هذا النص هو البوح الذي يعري شخصية منغمسة في الواقع شاهدة عليه بالصمت. لتنكشف الشخصية المحورية بالشكل الكافي، وهي في النهاية تكشف عن معاناتها فهي واعية بهذا الكم من الهموم ولم تجد الطريق السالك لمواجهتها بالقلم، الكتابة بدورها مسودة او خرقة يقابلها الجميع باللامبالاة.

"نذر الصباحات يركض وراء فكرة مستعصية وحروف غير مطيعة"، وفي المقابل صديقة غير مبالية لا يعنيها غير المتعة.  وعلى الرغم من كثرة هذه الأفكار فقد حاكتها القاصة بسلاسة حتى أن الحدث نواة القصة فقد جسد ثنائيات بين عالمين متناقضين. عالم نسغ بكلمات مقتضبة في رسائل هاتفية وعالم صاحب قلم مكتظ بالهموم وبالصور الاجتماعية، وجه لا مبال وآخر يتفرس في عمق الأزمة. طرف يبحث عن آخر بدون قضايا وبدون هموم وبدون قلم يزعج السلطة.

و قد توزعت القصة بين سرد داخلي وبين صوت خارجي يؤدي وظيفة تواصلية وأخرى مجازية ابداعية تدعو إلى المغامرة "طين جسدك كاتم يقيك من هذا الانهيار العصبي الجماعي".

المونولوج يتحدث عن واقع مرير يبدو الراوي غير قادر على مواجهته.عن الغربة والاحباط "لم أعد من فرط اكتظاظي ألحق على المخشب من الاغصان ولا اليابس من الاعواد".المونولوج هو نتاج عجز عن التصريح على الورق فتقوم الشخصية بفضح نفسها بصوت عال. وبقدر ما تطول لحظات المونولوج بقدر ما تنكشف أفكارها ومواقفها.

التماهي الحكائي قصدي في هذه القصة نظرا لحضور الواقع الخارجي بكل مكوناته اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية والفترة التاريخية.

والنص ينطوي على أكثر من حكاية:حكاية الصحفي مع الكتابة وحكاية الصحفي مع صديقة تدعوه للمغامرة الجسدية وهو بين هذا وذاك مشغول بأزمة يقع علاجها بما عرضته الصديقة،حتى أنه اختار المغامرة الجسدية على المواجهة الفكرية وهو يكشف عن شخصية حسية في واقع تعوزه الأفكار النقدية. 

الفراشات لا تغضب لسليمى السرايري

في نص "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايري يبدو النص وثيقة أدبية رومنسية لتحصين النفس من توتر المجتمع وتجاذباته، لا يخلو من الصدق التخيلي كتب بلغة مرهفة شفافة تصطفي شخوصها من الطبيعة، كائنات حرة شفافة تصدر موسيقى في أجواء مناخية متقلبة للتعبير عن الاحساس بالبهجة، تعبر فيه الكاتبة عن أفكارها من خلال لغة نثرية فنية، فيكشف النص التمثل النفسي للانفصال عن الواقع والنظر للعالم من خلال زاوية "طبيعية منفصلة جميلة" تحل محل الواقع في مواجهة الهزات الحياة الرامزة اليها عن طريق الريح. فالفراشة رمز للجمال الغريزي والعصفور رمز للحرية وموسيقى الروح تبعث كون جديد عبر تجربة شعرية، وقد اعتمدت على مفردات تتميز بعاطفة شعرية وخيال أثيري، والنثر الفني يختار مفرداته الموحية يهندس عبر صور مشهدية شاعرية لبناء نص قصصي فرضت اللغة أسلوبه وطريقة بناء القصة وطريقة السرد. نحن ازاء قصة شعرية بشخوصها وأحداثها وأطرها.

 

بقلم هيام الفرشيشي

 

 

من يصطدم بكتابات الروائية والقاصة المصرية نهى محمود سيلمس في جوهرها بعدا ذات طابع سير ذاتي بالدرجة الأولى كما هو الحال في نصوصها الموسومة "بنت من ورق" وهي من مدونتها (كراكيب نهى)، ولعلها من أهم العناصر التي تميز كتابات هذه الأديبة كروايتها "هلاوس" والتي قد نسميها

كتابة البوح الحميمي.

قراءة نصوص هذه الكاتبة ذكرنا بمقولة لجورج طرابيشي والذي كان يرى أن الرجل المبدع يكتب بعقله بينما المرأة المبدعة تكتب بقلبها، ويقول بأن العالم هو محور اهتمام الرجل، أما المرأة فمحور اهتمامها الذات، حيث تستمد جمالية الكتابة في المقام الأول من ثراء العواطف وزخم الأحاسيس (1).

ربما حاولت نهى محمود كغيرها من الأديبات المصريات كسهى زكي اختيار التدوين كوسيلة جديدة في سياق التجريب للبوح الأنثوي على خلاف الأديبة نوال السعداوي التي اختارت لها نهج المذكرات لتخرج كأنثى متمردة من الشرنقة النفسية والاجتماعية والسياسية، لتعطي فلسفة جمالية لأعمالها الأدبية أين نذكر لها هنا على سبيل المثال "مذكرات طبيبة" و "امرأة عند نقطة الصفر" و"مذكراتي في سجن النساء"...

يمكننا اعتبار نصوص "بنت من ورق" سردا نثريا تستدعي من خلاله نهى محمود الراوي الذاتي ليروي لنا مثالب شخصيتها ومحاسنها، من خلال حديثها عن طقوس الكتابة لديها واهتماماتها بالطبخ والكتب والأفلام والموسيقى والأحلام وخذلان البشر وغيرها من الأمور الشخصية بأسلوب اعترافي صريح.

ما أجمل أن تحلم الساردة كالأطفال ببابا نويل الذي غالبا ما يكون عجوزا ضحوكا يرتدي بزة يطغى عليها اللون الأحمر وبأطراف بيضاء وتغطي وجهه لحية ناصعة البياض، وهي تكتب له في نصها الموسوم "أحضان الحبايب" أمنيتها في ورقة بيضاء، وهي أمنية بسيطة قد افتقدناها اليوم في عصر التكنولوجيا للأسف الشديد وهي حضن يجمع كل الأحضان القديمة التي احتوت أوجاع الكاتبة وأحزانها وبهجتها: "مثل ذلك وأكثر طلبت حضنا من سنتا كلوز. مثل ذلك وأكثر أجلس كل نهار في فراشي وأتمهل قبل مغادرته لأني في انتظار- حضن" (2).

تحاول الساردة الهروب من أرق الكتابة في العديد من نصوص "بنت من ورق" بالمزيد من الدقيق الأبيض الذي تليه مهمة القص كما هو الحال في نص "رسائل"، غير أن الذاكرة تباغتها بصور من الماضي لتتفقد من جديد تلك الخطابات بين أوراقها القديمة: "كنت طفلة خجولة جدا، أظن الآن أن الكتابة أنقذتني من تخلف عقلي وشيك. كنت أخجل أن أتحدث فأكتب" (3).

في حين يبرز نص "البنت التي تكتب" حالة الرجل الذي تعشقه البطلة وهو يراها فتاة غير عادية، لكنها ترى أنها شبيهة للأخريات، حتى أنها تكتب لأن الكتابة هي وسيلتها الوحيدة للحياة كالرسامة الشهيرة فريدا كاهلو التي تعشق كونها خلفت وراءها تراثا تشكيليا رائعا، جسدت من خلاله مقدار الوجع والقلق والمعاناة خلال سنوات عمرها القليلة كالكثيرات من النساء: "تكتب له في الصباح قصيدة ولا تنسى أن تكتب له على الوسادة عدد مرات ممارسة الحب بينهما في الليلة الفائتة كجزء من هوسها بتسجيل الأرقام بسبب الوسواس القهري الذي تعاني منه" (4).

ما يلاحظه المتلقي عموما من خلال هذه النصوص هو تطابق الساردة مع شخصية الكاتبة، وهو ما تفترضه السيرة الذاتية من خلال استخدام الضمير المتكلم العليم، وهو ما يطلق عليه جيرار جينيت (السرد القصصي الذاتي) أثناء تصنيفه لأصوات الحكي (5).

يطغى على بعض النصوص تأثر المبدعة نهى محمود ببعض الأديبات من أمثال الساحرة الشيلية إيزابيل الليندي والأديبة السورية غادة السمان والجزائرية فضيلة الفاروق التي أثارت جدلا في الوسط الأدبي بصدور روايتها "اكتشاف الشهوة"، وهذا ما يبدو جليا في نصها "وأطير" الذي تفوح منه رائحة البرائة لطفلة مغامرة، عرفت كيف تتعلم دروسا في حياتها وسط العناء، البهجة والصخب في هذه الحياة: "منذ أيام نظرت للسماء وكان هناك نجم أعرفه وأحبه وسألني أن أطلب منه شيئا، فقلت بخجل أحتاج لمعجزة" (6).

هذا الاهتمام نلحظه كذلك في نصها الموسوم "عن الأشياء" حينما تحاول الخلاص مما يعكر صفوها من خلال جرأة تلك المبدعات: "فأضبطني في الصباح وأنا أغسل وجهي أرفع عيني للمرآة وأتحدث عن شيء في بناء رواية 'اكتشاف الشهوة' شيء جعل رأسي يترنح طيلة ليلة –بنت اللذين!!" (7).

في حين سيكتشف القارئ تعرض الساردة لكسور وخدوش في جسدها من خلال نص "يشبه الكسر" فتمتنع من الالتقاء بمن تحب، حتى أنها تخرج رواية أطياف للكاتبة المصرية رضوى عاشور وترى أنها مناسبة لهذا الظرف: "تتذكر كل من تحب، وتفكر في كل من خذلها، ثم تنهض من جديد وتنظر من الشرفة على نفسها التي قفزت منذ قليل قبل أن تعود للداخل في هدوء، متحسسة أوجاع الروح وخدوش الجسد" (8).

سنلمس أن مشاعر الفرح تحوم حول الساردة في نص "مثل ساحرة طيبة"، وهي تنثر بسعادة غبار الحب السحري على أصدقائها كجنية طيبة تنوي اقتسام أسرار الأمل مع الآخرين: "بشارات الأمل، طاقات النور، تلك التي بقت سنوات تعد تعاويذها دون كلل ولا يأس، جاء أوان حصادها أخيرا" (9).

تحاول المبدعة نهى محمود في نصوص "بنت من ورق" لم شتات جملة من ذكرياتها وخيوط تجاربها التي يتضارب فيها الألم والأمل معا ببوح سير ذاتي، يبحث له عن أفق جديد كنوع من الاعتراف، كما وقد صدر مؤخرا للكاتبة المصرية مجموعة قصصية تحت عنوان "الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب" (بتانة، القاهرة) أين تنثر كذلك جملة من أحلام البسطاء وأوجاعهم في هذا العالم.

 

بقلم عبد القادر كعبان

....................

الإحالات:

(1) مهدي ممتحن وشمسي واقف زاده، الأدب النسائي مصطلح يتأرجح بين مؤيد ومعارض، مجلة التراث الأدبي،السنة الثانية، العدد السابع، ص 3.

(2) نهى محمود، بنت من ورق "نصوص من كراكيب نهى"، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013، ص 13.

(3) المصدر نفسه ص 20.

(4) المصدر نفسه ص 30.

(5) جيرار جينيت، خطاب الحكاية (بحث في المنهج)-ترجمة محمد معتصم وآخرون، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ط2، ص-ص 24-25.

(6) المصدر نفسه ص 40.

(7) المصدر نفسه ص 43.

(8) المصدر نفسه ص 72.

(9) المصدر نفسه ص 62.

*كاتب وناقد جزائري

 

 

تعتبر مجموعة لطيفة باقا "منذ تلك الحياة"، الثانية في مشوارها بين أضمومة "ما الذي نفعله" التي فازت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، ومجموعة "غرفة فيرجينيا وولف" التي لاقت التفاتة نقدية مهمة، وحسن تلقي سريع مكن لها مكانة مريحة، وسط المجاميع القصصية البارزة في الأوساط الثقافية اليوم.

طوال الوقت كانت لقصص لطيفة باقا وأناقتها الفنية، مساحة دفء كامل داخل قلبي، إلا أن مجموعة "منذ تلك الحياة" احتفظت بمكانة خاصة لدي - كما لكثيرين - داخل منجزها، هذا الذي يصير له أن يحدث انتباها لما خطته في تأن كامل، داخل فضاء القصة القصيرة: موصولة الذكر بالحداثة من حيت النشأة والتطور وسهولة التموقع في وصف فن إبداعي، فاعل في تكوين الخيال العمومي، والأكثر قدرة على عكس صورة تفتت الوجود الإنساني، وكشف تعقيداته في اختزالية صادمة فاتنيتها.

إن العلاقة التي تربطني بقصص لطيفة باقا، هذه الباذخ عاملها، يرتسم عن الإدراك والاستجابة لوقع الإثارة اللحظي الذي تحدته، ما يجعل الانطباع حالتي، والتدبير القرائي هو ما أحاول بسط سيطرتي عليه، في هذه الورقة.

فلهذه القصص معياريتها التي تميزها عن الخارج الواقعي، في ماديته وصياغته، بفتنة بالغة الكرم مبسوطة على فضائها النصي، وتركيباته، التي تتجاوز بكثير الخط الأفقي في البناء، بامتهان التنوع والكثافة فاعل المتعة، والإيهام القوي بالصفة الشخصية للكاتبة بالمقصوص، هذه التي يتسم مفتول الحكي لديها بشدة الارتباط بالواقع المغربي، ما يبعث عن فضحه.

شخوص على الهامش أغلبها، تتصارع، والتضاد الحاصل مع واقعها، داخل ما تحبل به ذاكرة القاصة ومعيشها، قد لا أبحث لهذا الهامش عن ألفاظ بمعجمها تدل عليه، لأنه بنية وشعور ضمني، له تجلياته على رُقعة واسعة من مربع السرد، الحافل بخصوبة موضوعية وأسلوبية، في صبغة المحلية الطافحة عن الإنساني والكوني.

حبكة باقا داخل مجموعة "مند تلك الحياة"، حبكة أفعال، فالشخصية تَتقلب داخل أوضاعها، في بنية اصطناعية بالأساس، لأن ما يحرك النهاية لا ينطلق من لبنة الأحداث، حيت القصة هنا تصير مرآة بعض لغتها واصف والبعض موصوف، وهي لغة لا يفوتني أنها شاعرة، تسهم في نسج الحبكة ومنحها حيوية متلألئة، واتساعا يعيرنا منظارا داخل العمق، بأدوات سينمائية ماكرة.

تدور الكتابة على نفسها كتقنية مرآوية، بأسلوبية تعبيرية، تنثر معها جملا قصيرة، مخافة أن تفقد قوة هدفها، ما يجعلها تحدث وقع شدة ناجع وفعال، فضمير المتكلم كالشخصية المحورية في أغلب قصص المجموعة، يعي وضعيته بيد أنه لا يملك لها تغييرا .. بلا قرار .. مند تلك الحياة.

هناك عنصر شفوي وازن على امتداد سند الحكي، وهو عنصر شفاف، وضوحه وقوة هذا الوضوح، تعري عن جوانب طالما غيبتها سيادة (الطابو)، عن الجو الحميم للمرأة المغربية، وهو طابو لا تُذَوبه هذه القاصة، كبهارات تنثرها داخل طنجرة الحكي بشكل مجاني، "يحضرني هنا أن لطيفة باقا إحدى الأديبات الفاعلات في الدفاع عن حقوق المرأة سواء بكتاباتها المقالية أو النضال إلى جانب عدد من الهيئات والمنظمات إلا أن حضورها القوي داخل الساحة الثقافية غطى كثيرا عن نشاطها الحقوقي".

تعرض عالم شخصياتها، وتحكيه بكفاءة البديهة، التي تحكم مساحة مسرودها الذي لا يتحقق الحوار داخله إلا ذهنيا في الغالب، بتركيبة لغوية مقيدة باختيارها البؤري، الذي تلزمه دراسة خاصة لبنيتها ومعماريتها اللاخاضعة لمعيار، وإن تشاركت وقصيدة النثر في جنوحها إلى التكثيف الفانتاستيكي.

لا أستلطف كثيرا، ولا أجده من اختصاصي، تهشيم بنية الحكاية ومعماريتها، بآليات هي عندي عنف تدميري، للبحث عن الترميزي داخلها، فمجال اللذائذية وعنصر الذاتية الذي يحكم سيادته على هذه القصص, التي تصوغ وضع المرأة في مجتمع يضعها بين كماشتيه: الفضح هنا بالجر إلى اختراق الطابو وتشريد حجيته بمواجهة السؤال الضمني والمضمر وتشريح الوهم. حيث تهيم وتقنيات الترجيع الذي يشكل معادلا كاملا لواقع عاشته لن يتكرر، تحضر استعادته من الذاكرة بلبنات شعرية كمقابل موضوعي للحكي ليس من وإنما عن الداخل، في بنائها الموشوم بالاختلاف والمفارقة والانزياح المولد للفنية.

لم تستدعِ الورقة هذه إظهار مسارات للتأويل، بإيعاز مقتطفات من المجموعة تستدعيها سنن التواصل الأدبي، فالقيم الجمالية والفنية الناظمة لأي منطوق تأويلي، تبقى هنا حالة شديدة البياض، تدل على نفسها، وهي تصير إلى شكلها العمومي، حالة متفردة.

يبقى الكثير من العمل أمام قراءات عديدة تجد هنا منحى تحديث آلياتها وتَحيين أدواتها. قراءة تشد إزار إدعائها بالوصول لحقيقة العمل الإبداعي بحواريته الحارقة. أعمال لابأس بها لقصاصين وروائيين مغاربة لا تزال تنتظر نفض اللامبالاة النقدية إزائها، وتثمينها، بافتكاك النظرة إليها عن التعميمية والمعيارية، في ظل الإحساس لدى عدد من المبدعين بالتهميش والإهمال، وأن القصة المغربية لا تلقى الالتفات إلا في إطار المناسبات.

 

عبد الواحد مفتاح

 

 

بين معادلة لحظوية التمني وحسية ابعاد الاستدعاء الزمني راحت تكتنز الدوال الشعرية في مجموعة قصائد (بوابات بصرياثا الخمس) للشاعر الصديق كاظم اللايذ اكتنازا خصبا حيث تلتئم بلوغات معادلاته الثرية بذلك التوازن المكوناتي في لغة تداخل الأشياء والحالات والذاكرة والأصوات الايقونية عبر شبكة مدلولية متواردة من جملة الاشارات والعلامات والحساسية الشعرية التي أخذت لها بعدها التوسعي العميق والمركز لإختراق وخلق طبقات كشوفية في انموذجية الدوالية المصورة والمتخيلة في فضاء شعرية الفاصلة الدلالية المركزة .

بلاغة شعرية المصور / المتخيل

أن عملية الاقتراب من روح وتفاصيل التأملي الحالم تنطوي عليه خبروية وكثافة إجرائية يذهب بالقصيدة الى شاطىء الحيرة والخيبة والتساؤل والاخفاقية الزمنية والعمرية:

يقلب عينيه بين والوجوه

و يرسل نظرته في النوافذ

حيث يجيء الضياء

و فوق الأرائك حيث تنام الظلال

فتأخذه غفوة ..

فهل كان يسأل

أو يتقصى

وهو ما زال لا يحسن صنع السؤال؟

أن الفضاء المتصور / المتخيل الذي حصلت فيه حالات مدلول الوليد حيث راحت تحيل وبفعل الثنائية التضادية (فهل كان يسأل / وهو ما زال لا يحسن صنع السؤال) أن الفضاء الدوالي المباغت هنا حصل في غفلة من الزمن والمكان والصورة وصولا الى تفصيلية الحال (يقلب عينيه بين الوجوه) إذ إن الأشارات الاحوالية المكبرة للصورة الموقفية تحيل بذاتها نحو دلالة السياق المركز نحو مرارة تجربة عمر الأنسان وخداعها فيما راحت تصورات المصور تحمل الخطاب في النص مجموعة إيحاءات تقود دلالة الوليد الصارخ نحو تموضعات صياغية من شأنها تشكيل هالة دلالية فاصلة في معين الحد الدوالي المتخيل (و يرسل نظرته في النوافذ / حيث يجيء الضياء) ولا شك في أن الدوال تحفز حال دلالة الوليد نحو رؤية تضامنية خارجية تطلعية لا تخلو من اداة حسية التفاعل بين وجهين ومقولتين وجهتين وعالمين (و فوق الأرائك / تنام الظلال / فتأخذه غفوة ..) فالتقابلية التفاعلية هنا تكمن بين تمثيل السياق الفعلي الذي راح يحرك (يقلب عينيه) وبين حاصلة النظرة التضافرية في موضعية دلالة الحال (بين الوجوه / ويرسل نظرته في النوافذ) تتكشف هنا الحالة المصورة عن قيام الآخر (فهل كان يسأل) بما تمليه أنا الشاعر المتخيلة مع النموذج الحضوري بالإفتراق (فتأخذه غفوة) وصولا الى حالة المفارقة الاستفهامية الأحوالية التي تظهر صراع الوليد وصراخه بين الأنموذجين (المصور / المتخيل) فألاختلاف التقابلي في حالات النص يبدأ بالصيغة المغايرة المشتركة (يقلب عينيه = علاقة أولى = سقوط في فراغ الأشياء /: ويرسل نظرته في النوافذ ــ بين الوجوه = الدخول في متاهة التساؤل = تعقيد خاضع لنسق ماضوي يرفض نزعه منه /: حين يجيء الضياء ــ وفوق الأرائك تنام الظلال = إدراج احوالي في صفات مسميات الصياغة خاصية تحكي عن مصدرية الأحوال الظرفية /: فتأخذه غفوة = زوال عن طاقة استنهاض حركية ذلك الوجود ومحتوى غرائبية المكان /: فهل كان يسأل = لحظة شروع السارد أنا الشاعر المتخيلة وهي تقيم اجراءاتها المتصورة عميقا في باطن وجدان ذلك الدال المتخيل .)

إفناء المصور وسطو المتخيل

غالبا ما يتداخل الحس المصور الخارجي لدى الشاعر وشراسته وسطوته للإخلال بقيمة إجرائية رؤية الذهن المتخيل الداخلي . غير أننا ومن خلال مقاطع ووحدات قصيدة الشاعر الموسومة بــ (العجوز) وجدنا العكس تماما. فالمتخيل هنا قد غدا  لدى الشاعر عبارة عن محطة حركية تنطوي على كثافة إحالة جوهرية بوصفها مرتكزا أصيلا ترعاه خاصية محورية المتخيل الأحوالي الذي من شأنه حجب الرؤية من الأمام ليرتد بها الشاعر الى الخلف وعلى نحو أخذ يشيع حالات التشكيلية الدوالية وعلاماتها المتجهة نحو فضاء اللاواقع المتخيل:

ألا .. أيهذا العجوز

الذي جاوز الألف

مرتحلا في المفازات

متنقلا في الفصول

ألا .. أيهذا القديم

كأيقونة

طمرتها السيول دهورا

ثم ثانية دفعتها السيول

ويا أيهذا العجوز

الذي ما زال صبيا

بدشداشة

يتسلق نخل البساتين

يركض خلف الفراشات

مندفعا في الحقول .

فالحكاية العمرية هنا متعلقة بدلالة الصوت الحلمي المتخيل بنموذجه العاطفي والرمزي والشعري حيث ترتبط من حوله حدود الأدوات الحلمية المتخيلة نحو جوهر تشغيل اداة قولية تسعفها أدوات الأزمنة وصوت المفازات: (كأيقونة طمرتها السيول دهورا / ثم ثانية دفعتها السيول) تسعى الذات الشاعرة هنا الى توكيد حالة حضورها في سياق ميراثها الزمني المتخيل قهرا بالمصور الواقعي المتاح في زمن شيخوختها (طمرتها السيول دهورا) مثلما راحت تسعى هذه الذواتية في الوقت ذاته الى توكيد وتحويل موتها المصور الواقعي الى أداة حلمية / متخيلة منطلقة نحو إيجاد مساحة تعويضية ما عن غياب أداة تفاعلها الديناميتي الواقع بينها وبين الآخر المنادى داخل السياق: (ويا أيهذا العجوز .. الذي ما زال صبيا) وتنفتح لغة التصريح بالمصور الحياتي الواقع على خصوصية الفضاء الزمني المتعين لحالة واقعة تلك الذات بهذه الصورة:

يطوف بشيبته في المواخير

ليبحث عن ذاته

و يرخي بظل مصابيحها الحمر

حبلا ذلول .

أن التصريح بالحب والعودة بالدعوة القلبية الى ما فات أوانه من العمر راح يدفع بالذات الشاعرة المتخيلة نحو تشغيل ألة الزمن الحاضر لأدراك صوت القلب الشائخ / الشاب وما يتمخض عنه من قابلية تشغيل فضاء أداة قولية متخيلة قسرا:

ويهفو الى قهقهات العواهر

في آخر الليل .

وهكذا يستمر تتابع حالات تلك الشيخوخة السائرة الى فجر شبابها الغارب تتالى عليها الأحوال الظرفية القاهرة لتحيل زمنها المتخيل الحالم (و تلمحه نجمة الفجر .. غاطسة في الظلام فتأتي / لترعى ترنح خطوته في الرصيف قبيل الأفول)إذ تتبأر المنطقة المتخيلة التي راحت ترد في قول الأنا اللازمنية في دال قناعي يواري شيخوخة زمن العجوز وعلى النحو الذي يظهرها وهي على شفا الأفول العمري الأخير . فالنداء القلبي الموجه الى صوت ومرحلة الشباب في أتون ليل ذلك العجوز راح يتمحور داخل علاقة بؤرة طلبية ذات تمركز حلمي واضح ليعود في مونولوج داخلي نقلا على لسان حالة الذات الشاعرة ليتساءل عن أسباب زوال مصير عمره في الحدود والمكان والزمان .

ستعثر يوما

و يجرفك الماء

نحو الجحور

يطول مكوثك في هذه الأرض

أم لا يطول .

تعليق القراءة

أن القارىء لمجموعة قصائد (بوابات بصرياثا الخمس) يعاين بدقة مدى انتقال المسافات العمرية بعمقها الزمني والمكاني والدلالي القاهر الى منطقة انكشاف المساحة الوجدانية الأخيرة من صورة انفعالية وشعورية الواقعة في ظل زوايا حدوس الزوال العمري:

البحر الأسود

يمتد مع الغيم الى الظلمات

و أنا في ظلمته

حوت أعمى ..

يقذفه اليم الى الساحل

أو يدفعه الماء الى الأعماق

ترثيه الفقمات

و تبكيه طيور البحر

و يسخر من حيرته القرصان ..

أنا ..

ما بين الظلمة والظلمة

في البحر الأسود

حوت أعمى ..

أن حكاية المبدع (كاظم اللايذ) عبر مجموعة (بوابات بصرياثا الخمس) المنفتحة على حساسية بنية الفقدان والمنفتحة على آلية تصويرية من شأنها حيوية الضغط على حركية جوهر غياب كينونة الأنسان في وطن ليس بوطنه كما وتحكي حال الحالة الشعرية المشحونة مع ذاته بالمفارقة الزمكانية والنفسانية وعلى النحو الذي راح يؤسس سيرة أزمنة ذواتية شعرية تعمل على زوال كل ما هو جميل وحي في مكنز ذاكرتها الراحلة نحو فضاء المصور والمتخيل في مشاهد شعرية الفاصل الدلالية التي راحت تتبنى الحدود والمشاهد الخاصة والعامة من أيقونة رؤية الشاعر لذاته والموصولة دلاليا بالذاكرة الطفولية والشبابية والشيخوخية الخاصة بحياة الأشياء المكثفة على ورقة بياض الإيقاع العمري الملتحم بحميمية وألفة الحراك التصوري الشعري المقذوف بحساسية خاصة أخذت تنعش الذاكرة المتخيلة لدى الشاعر وتوفر من جهة أخرى للمشهد الشعري لديه ثمة طاقة مشتغلة في استرداد وعيها الزمني العائد الى الحاضر والمنفصل عن الماضي أو هو العائد الى الماضي والمنفصل عن الحاضر بمسافات مدلولية أخذت تتيح لشاعرها وهلة تصوير أزمنته العمرية المصورة والمتخيلة عبر لحظة شعورية مطعونة بالأسى على ذلك وعلى هذا الزمن واصفا إياه وصفا زمنيا مزحوما بثراء توصيفي بالغ الدلالة والتدليل في حدود وصفه المباشر والمتصل والمصور والمتخيل في واقعة الدلالة الفاصلة .

 

حيدر عبد الرضا - البصرة

 

 

لا شكَّ أنَّ كتابةَ النصِّ المفتوح أو ما سُمِّي بـ (قصيدة النثر) تحتاج إلى وعيٍ خاصٍ،لأنَّ هذه القصائد هي قصائدُ تأملٍ، في حين أنَّ الأيقاع َفي قصيدةِ الشطرينِ، وقصيدةِ التفعيلةِ يُعين كثيراً على إدراكِ النصِّ وتدفقِ صورهِ، وفهمِ مغزاه ..

 في النصِّ المفتوحِ لابدَّ أنْ يكونَ الشاعرُ أو صانعُ النصِّ قادراً على أن يقبضَ على جمرةِ النصِّ الشعريِّ، من غير أن تحترِقَ أناملهُ، كالظليم (ذكر النعام) الذي سبق أن أشرنا إليهِ مراراً، فهذا المخلوقُ عندما يُستثارُ يزدردُ الجمرَ ازدراداً، ويبدو أنَّ العربَ انتبهتْ إليه، وأسمته بـ (الظليم)، أي المظلوم، فهو حين يُستثارُ لا يؤذي أحداً غيرَ نفسه، فقصيدةُ النثرِ ـ أيها الأصدقاء ـ تحتاجُ ظليماً قادراً على مسكِ جمرةِ النصِّ الشعريّ باقتدارٍ وتمكّنٍ، لأنِّنا وجدنا الكثيرين ممن يكتبونَ في هذا الشكل، غيرَ مقتدرين، وليسوا متمكّنين، ونصوصَهم سطحيّة جداً، وعليهِ فهذه النصوص ليست هي التي ننتظرُها، ولذا نقولُ: إنَّ القابضينَ على جمرةِ النصِّ المفتوحِ قلَّةٌ، والشاعرُ سعد ياسين يوسف هو واحدٌ من هذه القلّةِ بامتياز.

 في قراءتِنا النقديةِ للنصوصِ الإبداعيّةِ يجبُ أن نخدِمَ أطرافَ العمليّةِ النقديّةِ برمّتِها، وهذه الأطرافُ ثلاثة هي: القارئ (أو المتلقّي)، والمبدع (أو صاحب الأثر)، والأثر الإبداعي(النصّ)، سواءٌ أكانَ هذا الأثرُ شعراً أم نثراً.

 فهو يخدم القارئ لأنه يوفرُ عليه الوقتَ بما يختارُ له من نصوصٍ جيّدةٍ يرشده إليها، ويدلّه على عناصر الجمال فيها، ليزدادَ فائدةً، ويحقّقَ المتعةَ المطلوبة، كذلك يخدمُ المبدع َ بتقريبهِ من القرّاء، فيشيرُ إلى مواطن التفرُّدِ في إبداعهِ، وما يتمتعُ به من اقتدار، وما يجب عليه تجاوزهُ من هناتٍ، أوعيوب، أمَّا خدمتهُ للعمل الإبداعيِّ، فتتمثلُ في كونِ الأحكام النقديةِ التي تصدرُ عن الناقدِ يجبُ أنْ تكونَ في صالحِ الأثرِ، وتجعل الآخرين يلتفتون إلى مكامنِ القوةِ فيه، فيطورونها في تجلياتهم القادمة، ويبتعدون عما يشينُ الإبداع َمن عيوبٍ أشار إليها الناقدُ، وطلبَ تجنبها، فضلاً عن إشادتهِ بالنصِّ إذا كان جليلاً مغايراً،كي يعمِّقَ هذا المبدع ما انتهى إليه،.. وهكذا تقدّمُ هذه العمليةُ النقديةُ خدمتها للقارئ، والشاعر، والنص .

  حينَ قرأتُ مجموعة الشاعر سعد ياسين يوسف الموسومة بـ (الأشجار لا تغادر أعشاشها) لم أكنْ بصدد تحليل نصوصها واحداً تلو الآخر،أو تفسيرها، لكونها (كما أزعم) نصوصاً شفّافة ً لا تحتاج إلى كدِّ ذهنٍ،أو تنطّعٍ إنشائي، إنَّما أردتُ الإشارة إلى تقنياتٍ مهمة فيها، وأنْ أقف على بعض ما وجدته من تميز في اشتغالِ شاعرها على بعض الصور، والأفكار، وفلسفة النص، وقد تمثّل ذلك في الآتي:

 1 ـ إرضاءُ الذاتِ الشاعرة: يميل الشاعرُ إلى إكمالِ الصورة مسترسلاً في الكثير من النصوص، فهو حينما يبدأ بقضية تحتاج إلى إجابة لا يعطي الجواب بعُجالةٍ، بل يكمل الصورة بصور متدفقةٍ أخرى بإلماح من الذات الشاعرة كما في قصيدة شجر القداس، ص23:

(القُدّاسُ المُتواري

خلفَ تراتيلِ الفيروزِ المعقود ِ

على جيدِ الذَّاكرة ِ...

ووقعِ لآلئِ المطرِ المرتطمِ،

بأجنحةِ الطُّوفانِ

نحوَ سماءٍ ثامنةٍ

أنبتَ أشجارَ شموع ٍ)

فقد اندفع الشاعر في تدفقه الشعري مابين الجملة الشعرية الأولى (القداس المتواري) و(أنبت أشجار شموع) بدافع إحساسه الداخلي ـ لملء الفراغ ـ بتدفق صوريٍّ، وهذا الكلام هو إكمال للصور حينما تتداعى الجمل (جملة تقود إلى أخرى) ثم يجيء الجواب لإكمال الصورة المعنويّة كما ينبغي، وهو إرضاءٌ للذات الشاعرة الملحّةِ،وكما في ص 47:

(يا نَورَسةَ الأسئلةِ

كلَّما أجهشَ البحرُ

لمْلمَ الصُّبحُ ناياتٍ مُهَشمةً

وأوغلَ في الغناءِ

أطلقتِ للريحِ جناحَ المغفرةِ

وابتنيتِ...

ألفَ سرابٍ

أو سلالمَ يرتقيها الراكضون

في شوارعِ اللهاثِ خلفَ الرغيفِ

ورَسمْتِ،

مشهدَ الأفقِ..."

 لم يقل: (يا نَورَسةَ الأسئلةِ أطلقتِ للريحِ جناحَ المغفرةِ) على نحوٍ مباشر، بل سعى إلى توظيف تدفق الصور؛ هذا التدفق الذي تطلبه الذات الشاعرة في الإبداع أحياناً يضطر الكاتب إلى التوسع في الجمل الشعرية أحياناً، وإلى الإيجاز في أحايين أخرى، فالقرارُ (كما ألمعنا) للذات الشاعرة ليسَ غيرَ.

وفي قصيدته " ما تعسر من شجرة البحر" نجد هذا التدفق جلياً حينما يبدأ بوصف الغريق:

(يا أيّها المسكونُ بالصلواتِ)

ويواصل تدفقه الشعري ليقول:

(بالدمعِ بالتهجدِ،

بابتهالاتِ العيونِ وهي

ترسمُكَ الموجةَ الأعلى

أمنيةً هدهدها البحرُ

على لمعانِ موجتهِ البعيدةِ)

ليصل إلى هذه الجملة الشعرية:

(وما كنتَ سوى زجاجةٍ

مختومةٍ بسرِ انطلاقتِها )

فهي إكمالٌ للصورةِ ليس إلا.

 

2 ـ الاقتباس: معظم الشعراء يقتبسون، أو يضمِّنون، وللتوضيح نقول: الاقتباس هو أن يُضمِّنَ الشاعرُ أو السارد كلامه شيئاً من القران الكريم، أو الحديث النبويّ الشريف، وهذا الاقتباس على نحوينِ: إمّا اقتباسٌ نصيٌّ، أو اقتباسٌ إشاريٌّ .أما التضمين، فهو استعارةُ الشاعر شطراً، أو بيتاً من غيره . وعلى وفق هذا فهنالك فرق بين التضمين والاقتباس، وكثيراً ما التبس على بعضهم، فظنّوا التضمين اقتباساً، ودراسة هذه الضروب الصناعيّة مهمة جداً لأنها ترشدنا إلى مصادر الشاعر، فنعرفها من خلال الاستقراء... ماذا قرأ؟ بمن تأثر؟ ما مصادره؟ هل كان يكتب جزافاً اعتماداً على الاستعداد من غيرِ الاهتمام بالاكتساب؟ أم أن ثقافته توسَّعت نتيجة قراءات قرآنية، وشعريّة، وتاريخيّة، إلى غيرها من مراجع معرفيّة مهمة.

 في قصيدته (شجرة الارتطام) ص 71، ثمة اقتباسانِ إشاريَّان:

الأول "هززتها " يأخذك إلى سورة مريم في قولهِ تعالى: (وهُزِّي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقِطُ عليكِ رطباً جنيّاً ...) الآية 25 .

 

(يدُ المَخاوفِ حَولَنا ... أفعى

تلقفُ ما تشاءُ

من آياتِ طَمْأنَتي لها

لاتَحْزَني:

لا تَحْزَني ….

هَززْتُها

لا تَحْزَني

غيرَ أن اللهَ ساعتَها

لم يكنْ مَعنا !!! )

و " لا تحزني " هي أيضا إشارة لسورة التوبة في الآية 40:

(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَاۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.)

وفي قصيدته (شجرة الأشواك) ص93 نجد مثالا آخر على الاقتباس حيث يقول:

(ألقِ عصاكَ

ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارةَ

في عينِ بئرِك

كلَّ مَن ... ...

تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ........)

وهو اقتباس إشاريٌّ لعصا نبيِّ الله موسى عليه السلام.

 وفي ص 104 ثمة اقتباس آخر في قصيدة (ما رآه الواسطيّ):

(والقوافلُ في صحراءِ" رحلةِ الشتاءِ والصيفِ "

شتى بلا اتجاه ٍ

تعد ُّ ثقوبَ الرّملِ)

بمعنى أنَّ هناك أشياء في وعي الشاعر، ولا وعيه حين يحتاج إليها تنبثق فتصعد من الأسفل إلى الأعلى، كما في قصيدة " سحر باطل " ص81:

(ما أن يعلو في المئذنة ِ

صوتُ اللهِ

ويندحُر الشيطان ُ...

ستلقفُ عصايَ أفاعيَهم

الزاحفةَ نحوي)

3 ــ المسكوت عنه: اشتغل الشاعر سعد ياسين يوسف في مجموعته " الأشجار لاتغادر أعشاشها " على المسكوت عنه الذي لا ينبغي ذكره، ولا يقبل التصريح أو التأويل، وللتوضيح نقول: في أحايين كثيرة لا تحتاج بعضُ النصوصِ إلى تفسير، أو شرح، أو تأويل، فإن تنطَّعنا بتأويلها قتلنا براءتها، لكونها تحملُ معانيها بنفسها، أو بعبارة أخرى يمكن القول: إنَّ هذه النصوصَ تفسِّرُ نفسهَا بنفسها، وهي واضحة للقارىء، كما في قول المنخّلِ اليشكريِّ:

وأحبُّها وتُحبُّني ..... ويُحبُّ ناقتَها بعيري

 فهذا البيتُ لا يمكنُ تأويله، أو تفسيره لأنه واضح وضوحَ الشمسِ في نهارٍ صيفيٍّ؛ ولتعميق الفكرة نورد البيتين الآتيين للشاعرِ نفسه:

 فإذا أنتشيتُ فإنني ..... ربُّ الخورنقِ والسديرِ

وأذا صحوتُ فإنَّني..... ربُّ الشويهةِ والبعيرِ

 فمثلُ هذه النصوص لا تُفسَّر، ولا يجوزُ شرحُها على الإطلاق، فإنْ فعلنا ذلك نكونُ كمن يتكلَّفُ، مع سبقِ الإصرارِ والترصُّد.

 وقد تبنّى شاعرنا أسلوبَ المسكوت عنه حينما أدركَ جليّاً إنَّ ذكره قد يزري بالنصِّ، فقرّرَ عدم الإتيان به، كما في شجرة الابواب، ص26:

(يا ... أيَّتُها المُفضِيَةُ لي

كوني شجرَ الوحدةِ

علّي استوقفُ سربَ يماماتي

ليلةَ قدرٍ

أسألُها أن تهدلَ للأبوابِ

حتىّ الفجرِ ...

أن انفتحي ..

لا فرقَ لديَّ الآنَ

للجنَّةِ كانت

أم ....)

فقد سكت بعد (أم)، ووضع عوضاً عن المسكوت عنه نقاطاً، لأن المتلقي سيكمل قائلاً: (للنار) فلا داعي لذكرها ما دامت النقاطُ ستومىء إليها، وكما في قصيدة موج ص 47:

( ورَسمْتِ،

مشهدَ الأفقِ...

تعرَّيتِ

وقلتِ للفاقدينَ عيونَهم:

ها أنا

ارقصوا

وراقصوا ناري التي اشتعلتْ

بعينينِ من دمعٍ

و....)

 فلم يكمل ما بعد الواو، لأنه مسكوت عنه، وهذا المسكوتُ عنه سيهتدي إليه القارئ الذكيُّ ويقولُ: (ونار)، لذا نقول: إنَّ هذه النصوص التي تضمنتها مجموعة الشاعر سعد ياسين يوسف تحتاج إلى قراءة تأملية في بعضِ ألأحيان. ولعلَّ أوضح مثالٍ للمسكوتِ عنه يتجلّى في قصيدة (اللعبة) ص 87:

(تاركاً ظِلَّ التَّوجُّسِ

الذي أحاطكِ بذراعِ الارتباكِ

وعفَّركِ بترابِ أجنحةِ الفراشاتِ المُتَهالكةِ

مِن رَأسكِ ...

حتى أخمصِ الذاكرةِ،

مقتلعاَ جذورَكِ التي

ظننتُها جذورَ ماءٍ،

وما كانتْ سوى

جذورٍ مِن .....

ياااااااللأسى ....)

فقد سكت عن شيء في التي كتب عنها القصيدة، مستذكراً الحديث النبويَّ الشريف: (إيّاكم وخضراءَ الدِّمن)، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: (المرأة الحَسناء في المنبِت السوء)؟

وفي قصيدة (شجرة يونس) ص96 نجد أيضاً مثالاً آخرَ للمسكوت عنه:

تصاعدتْ من بعدما

تشظَّتِ المنارةُ ..القبابُ

وتزلزلَ الضريحُ

وحدَهُ

سيسألُ اللهَ

عن هتافهم

(.... ....)

 فقد سكت بعد (سيسألُ الله عن هتافهم) ووضع نقاطاً، فماذا قصد الشاعر بالنقاط هنا ...؟ بالتأكيد قصد هتافهم: (الله أكبر) وهم يفجرون أضرحة الأنبياء، ويذبحون الناس الأبرياء، ويهتكون الأعراضَ.

 هذا هو المسكوت عنه في الشعر الذي سيهتدي إليه المتلقّي الحاذق مباشرةً.

4 ــ مخالفة السائد: ينحو شاعرُنا في بعضِ نصوصهِ إلى مخالفة السائد، ومعاكسته، وهو ذكاءٌ يتمُّ فيه خلق المخالف الجديد الرافض للتقليدِ الفجِّ الذي يتكرّرُ في النصوصِ المفتوحة، ومن شأنِ هذه المخالفة ـ بمرور الزمن ـ أن تحفِّز الآخرين على التمرّدِ، والبحثِ عن الجديد المختلف .

 ومخالفته للسائد في هذهِ المجموعة وردَ في أكثر من نصٍّ، لكنَّنا سنشير إلى ثلاثةِ أمثلةٍ: تعلّقَ اثنان منها في الوقوف ضد الإرهاب، وتعلَّق النصُّ الثالثُ بفجيعة الذات الشاعرة وهي ترثي حالها.

 كان الأوّل في قصيدته (غصن الرغيف) التي أراد فيها أن يهجوَ القتلة، لكنه لم يسر على وفق ما سار عليه السابقون الذين يهجون على نحوٍ مباشر، إنما انتهج مغايرةً خالفت نمطيّة الخطاب السائد، فقال ص 49:

(الرَّغيفُ الطَّالعُ

مع الصَّباحِ

حلمةً ...

حالماً بفمِ الصِّغارِ

باغَتهُ انفجارٌ

فاحترقَ .

طارَ

دمعةً في مُقلةِ السَّماءِ

ومن غيرِ وداعٍ

اختفى

وما زالَ الصِّغارُ

بانتظارِ وجهِ اللهِ

مُبتَسماً على مائدةِ

الصَّباحِ .)

 فيا لهذا الهجاء من مغايرة، فهجاءُ الدمويين القتلة لم يجئ مباشراً، إنما تمَّ بعد توظيف قرص الخبزِ ليكونَ جسراً إلى مقصده، فهذا القرص الذي طار نتيجة الانفجارِ الإرهابيِّ ربما كان يحمله والد أولئك الصبيةِ الصغار(أو أحدُ أفرادِ العائلة)، فاستشهد مع الرغيف ...وهذا هو الجديد المغاير الذي يرفض النمطيَّة، ويبحث عن المغايرة، وإن كانت في الهجاء ليس إلا.

 وكان الثاني في قصيدة (رأس الفرات) وهو يصف هول الفجيعة ص 61:

(الكاسِرونَ مرايا الصَّحوِ

أمسَكوا عنقَ الفراتِ...

لوَوهُ

قطَعوهُ

ليَدخُلوا أسوارَها

غير أنَّ النهرَ أبى أن يستديرَ

تُوغلُ الأفاعي

تنفثُ الموتَ

في شارعِ الموكبِ

لكنَّه مازالَ

يبحثُ عن رأسهِ

بين أشلاءِ انفجارِ بابل

الأَخير . )

 لقد أنسنَ الشاعرُ الفراتَ حينما قال: أمسَكوا عُنقَ الفرات.. لووهُ.. قطعوهُ، غير أن النهر أبى أنْ يستدير ليعبر عن الشموخ، على الرغمِ من هولِ الانفجار الهائل الذي استشهد فيه أكثر من 75 مدنيّاً بريئاً، وأصيب فيه أكثر من 150 مواطناً من أبناء بابل التاريخ والحضارة.

أمّا الثالث الذي تجسَّدَ فيه مخالفة السائد على نحوٍ رائع فقد كان في قصيدة (غصن الرحيل) ص 51:

(منذُ أن رحلتِ

أدركتُ أني بلا عائلة .

وكلما قالوا لي:

- سلِّم لنا على العائلةِ

أضحكُ... ثم أبكي في سِرّي ..

وأنا أتحسَّسُ جدرانَ

خيمتِنا التي هَوتْ ...

لأظلََّ غصناً مكسوراً

يتدلّى من شَجرتِها

الصاعدةِ لسماءٍ

لا تعرفُ

كيفَ تجيبُ عن

الأسئلةِ المذبوحةِ)

 مخالفة السائد هنا كانت في الرثاءِ، هكذا دون تصريح مباشر بهِ، وقد نجح في إيصالِ شحنة الحزن إلى المتلقّي على نحوٍ مدهشٍ .

5 ـ الانزياح: يميل شعراء هذه المرحلة إلى تقنيةِ الانزياح (والانزياح هو تغيير في نسق التعبير المتوقع المعتاد إلى نسق آخر يؤدِّي دلالةً مخالفةً . فهو خرقٌ للثابت وعدولٌ عنه إلى قصدٍ توليدي يخالفُ مقتضى الظاهر.)

فالانزياح عدولٌ عن قضيةٍ من نسقٍ، إلى نسقٍ آخر على نحوٍ عامدٍ، والكثير من شعرائنا المعاصرين يميلون إليه، وفي قصيدة (شَجرةُ الصَّباح) صورةٌ منه، ص30:

(ما إن تبزُغ أغصانُها

حتى نستعيذَ بالحياةِ،

من عتمةٍ

تنتظرُ الضوءَ فينا ..)

 ففي قولَه: (حتى نستعيذَ بالحياة) انزياحٌ، أو عدولٌ عن نسقٍ آخر قد يكونُ مضمراً، أو ظاهراً اختصاراً لجملة (حتى نستعيذ من الظلمةِ بالشمسِ .)

 كما كانت له صورة أخرى في قصيدة (اللعبة) ص87:

مِن رَأسكِ ...

حتى أخمصِ الذاكرةِ،

فقوله: (حتى أخمص الذاكرة) انزياحٌ، أو عدولٌ عن الأصل المعتاد الذي هو(حتى أخمص القدمِ).

6 ـ التابو والمقدس: وقد تناوله الشاعرُ هامساً على نحوٍ سرديٍّ، وظّفَ فيه تقنيةِ المحاورة بذكاءٍ وصولاً إلى تحقيقِ مقصدهِ في جملة التوتّر التي انتهت عندها القصيدة، وكان ذلك في (شجرة الصباح) ص30:

(يئِدُ رجلُ الحافلةِ

صوتَ الموسيقى

... ... ...

أستيقظُ !!

أفتحُ نافذةً

يُداهمُني دُخانُ المحروقاتِ

صراخُ الشرطيِّ المتربِّصِ:

-     لا تتوقفْ،

أسرِعْ ... أسرِعْ .

أغلقُها ..

اسألُ أن تنطلقَ الموسيقى

ثانيةً..

فيضجُ الركابُ بصمتٍ

يقطعُهُ صوتٌ:

-     استغفر ربَّك

فالساعةُ آتيةٌ لا ريبَ....)

 ففي صوتِ الراكب القاطع الذي يقولُ لبطل القصيدة: (استغفر ربّكّ ... فالساعةُ آتيةٌ لا ريب ...) يكمن الحسم، وكأنه القولُ الفصل، وهذا هو التابو الذي لا يمكنُ مناقشته في العراقِ اليوم، لوجود دكاكين الأحزاب المخيفة، لكنَّ القصيدةَ أوضحت موقفاً تجلّى برفضِ المبدعِ للقطعيّة الصارمة التي يتعكّز عليها بعضُ أدعياء الدين.

7 ـ استحضار الرمز: استخدام الرمز يُثري النصَّ في التعبير عن شواغل الذات الشاعرة إذا تمَّ توظيفه كما ينبغي، لاسيّما إذا كان طيّعاً في إطار المزج بين أزمنةٍ مختلفة، وفضاءاتٍ متباينة، وجعلها تشي بأشياء ذات دلالات مجازيّة، أو تستثمرُ توريةً خاصّةً تقودُ إلى غنى التجربة الفنيّة.

 وقد سعى شاعرنا في هذه المجموعة إلى استحضار شخصيّة رمزيّةٍ من تراثنا الإبداعي لم يستحضرها قبله شاعرٌ، ليحمّلها الفعلَ الخلاق الذي أراد التعبير عنه، وهذه الشخصيّة التي تمَّ توظيفها عبر قصيدة (ما رآه الواسطيُّ) هي شخصيّة الرسّام (يحيى بن محمود الواسطيّ) فقد جعلَ منها قناعاً للتعبيرعن رؤى ذاتهِ الشاعرة، وجعلها تنطقُ بأفكار تلك الذات تحديداً.

 تكشفُ لنا القصيدةُ أنَّ الشاعرَ كان قد مرَّ بتمثالٍ جسّدَ رسّاماً عراقيّاً قديماً وُلِدَ في مدينة واسط جنوبيّ العراق في بداية القرن الثالث عشر الميلادي هو (يحيى بن محمود الواسطيّ ـ الذي يُعد واحداً من مؤسسي مدرسة بغداد للتصوير) كان قد اختطَّ نسخةً من مقامات الحريريِّ في العام 1237، وزيَّنها بمئةِ منمنمةٍ من رسومهِ، جسَّدَ فيها مقامات الحريريّ الخمسين، فانتبه إلى أهميّةِ رمزيَّتِهِ، وعمد إلى توظيفهاِ شعريّاً، فتماهت الألوان بالصور الشعريّة، وتمَّ المزجُ بين الريشةِ والقلم، وكأنّهما يتبادلان الحواس.

 إنَّ ولادةَ هذه القصيدة كانت شأناً مدروساً، فحين اتسعت الهوَّةُ بين موقفي المتزمّتين والتنويريين في قضايا الفنِّ عموماً لاسيّما التشكيليّ منه على نحوٍ خاص بعد سقوطِ الدكتاتوريّة انبرت ذاتُ الشاعر لتعلنَ موقفَها المنحاز، فلا يمكن للحياةِ أن تُستساغَ بدونِ جمال، وهكذا كانت ولادة هذا النصّ الجميل الذي رأى أنَّ ما أبدعه الواسطيُّ كان بمثابة المقامة الحاديةِ والخمسين، وأنَّ توظيفها فنيَّاً يدلُّ على انحيازِ للحياة، ورفضٍ للعقم؛ علماً أنَّ رسومات الواسطيِّ، ومنمنماته قد أعجبت الناسَ في أهمِّ عواصم العالم الغربيّ، ووصلت إلى لندن وباريس، وأُلفتْ عنها دراساتٌ فنيّة أكاديميّة عديدة.

 إنَّ استلهام سعد ياسين يوسف لإبداعِ فنانٍ تشكيليٍّ عراقيٍّ عاش ظروفاً مماثلة لما نعيشه نحن اليوم منح القصيدةَ ألقاً مبتكراً، كما منحَ الواسطيُّ (عبرلوحاتهِ المدهشة) مقاماتِ الحريريِّ خلوداً مضافاً ..لأن العمل الذي قدمه الواسطيُّ عن تلك المقامات وراويتِها (الحارث بن همام) تشكل إيماءةً لشخوصٍ هم أجزاءٌ من حركة الفعل الخلاق.

 إنَّ تصاعد قصيدة (ما رآه الواسطيُّ) دراميَّاً كان واحداً من عواملِ تفرّدِها، فضلاً عمّا كان من انسيابيّة إيقاعها الداخليِّ الذي مالَ إلى التدفّقِ فأفضى إلى تداخل الصور، وما فيها من قوة تأثير، لاسيّما حين تحدَّثَ عن الدمِ الذي يتحوّلُ لونه من الأحمرَ إلى الأبيض، وكأنه يريد أنْ يوكد أنَّ موتَ الإنسانِ المبدعِ الفاعلِ سيكون سبباً في ولادة سلام قادم ..وهذا دليلٌ على أنَّ المبدعَ لم يكن إلا حمامةَ سلام بيضاء ..وكأن الدم (الذي لا يُستساغُ ذكرهُ في الشعرِ) شكَّلَ رؤية شعرية جديدة مغايرة لمفهومِ الموت:

وكلما نُودي باسمهِ

يا يحيى.....

نزَّ من رأسهِ دمٌ

وارتفعتْ فُرشاتُهُ

تبحثُ عن دمِها الأبيضِ

بينَ دماءِ الألوان.

 كما أومأت القصيدة إيماءً ذكيَّاً إلى الطفولةِ العراقيّةِ وما عانتهُ من جورِ الصراعات، وآلامها التي مرّت على العراق على نحوٍ نابهٍ، لتهمسَ للمتلقّي أنَّ العراقَ كانَ فيها مجبراً لا مخيَّراً:

يا ابنَ محمودٍ

دمُنا وافرٌ تستلذُ بهِ الخناجرُ...

أغمسْ فرشاتَكَ

هنا الدمُ طفلٌ يُكركِرُ فوقَ الخضرةِ

أزهارُهُ فراشاتٌ ترفرفُ

فوقَ ما رسمتَ.

 إنَّ قصيدة (ما رآه الواسطيّ) ليست قصيدةً سهلة، بمعنى أنّها لا تُعطي نفسها لقارئها بسهولةٍ، إنّما تحفّزُهُ على التأمّلِ المفضي إلى معرفةِ عوالمها المتشابكة المقصودة، فاختيار الشاعر تجربة الواسطيِّ، والاشتغال على توظيفها انحيازٌ لاستلهامِ إيماءات اللوحات التي تفرّسَ صانعُها (الرسَّامُ) بتكوينِ ألوانٍ كادت تنطقُ بالشعرِ، لهذا بذلَ شاعرُنا جهداً كبيراً حاول أن يوازي به تلك اللوحات، لهذا يمكن القول: إنها المرّة الأولى التي نقف فيها على قصيدةِ نثرٍ عالجت موضوعاً تشكيليّاً على هذا النحوِ من التقنيةِ التي حمّلتِ الحرفَ طاقةً تعبيريّة فاعلة شدَّت المتلقّي وأثارت فيهِ الرغبة في فتح مغاليق النصِّ.

 ومع أنَّ مثل هذه التجارب ليست جديدة في استحضار التشكيل في الشعر، وأنّ للمنصف المزغنِّي في (حنظلة العليّ) الذي قدّمه الشاعر الرائد الراحل (بلند الحيدري)، ولـ جواد الحطّاب في (بروفايل للريح... رسمٌ جانبيُّ للمطر) سبْـقَهما في هذا الاستحضار، وكانا من رادتِه، فإنَّ استحضارَ شاعرِنا لايقلُّ أهميّةً عن تينِكَ التجربتينِ في هذا الشأن، فقد تناولت القصيدة ما عاناه العراقيون جميعاً من صراعات طائفيةٍ، وقتلٍ على الهوية، ودماء تسيل كلَّ يومٍ بفعلِ وحشيَّةِ الارهاب .

  نعم .. يمكن القول: إنَّ لوحاتِ الواسطيِّ كانت المقامة الحاديةَ والخمسينَ للحريري بالألوان، وإنَّ قلمَ سعد ياسين يوسف جسّدها نصّاً.

 

...........................

* نصُّ المحاضرة التي ألقيت يوم الخميس 27/10/ 2016 في (بيت الشعر) بتونس العاصمة وتناولت تقنية (الأشجار لا تغادر أعشاشها) لـ سعد ياسين يوسف .

 

 

 

منذ غلاف رواية "ذهب الرّقيم" يحبسنا مؤلفها الدكتور عبد العزيز اللبدي في حيز المساحات التّاريخيّة عندما يسجّل على الغلاف أنّها رواية تاريخيّة، وبذلك يعلن بصراحة أنّنا أمام أداة سرديّة هدفها الأوّل والأخير هو التّاريخ، فهو مبتغاه الأعلى وفق حقائقه المثبتة في إزاء دحض الأكاذيب، وبذلك يمنعنا من تفلتات المخيال، ويربطنا قهراً بسلطته السّرديّة بوصفه الرّاوي العليم في مساحات تاريخيّة شاسعة، ولنا عندها أن نقوم بإسقاطاتنا من منطلق هذا التّاريخ الذي يخلّصه مّما علق به من أكاذيب وافتراءات صهيونيّة،  إلاّ أنّه لا يطيق صمتاً فيصرّح لنا علانيّة في نهاية روايته عن بغيته قائلاً:"لقد حاولت أن لا أتأثّر بالنّظرة والتّفسير التّاريخي للعلماء الأوربيين، والذي اعتمد على التّفسير التّوراتيّ وموائمة تاريخ المنطقة العربيّة مع التّاريخ التّوراتيّ الذي لا يستند لحقائق تاريخيّة، بل أساطير دينيّة، يحاول من خلالها تكييف المنطقة لتلائم اليهود" (2)

وهو من يستعير في بداية الرّواية جملة محمود درويش القائلة " آن أن نصحّح تاريخنا كي نضاهي الحضارات قولاً وفعلاً"(3)، وقلقه إزاء تصحيح هذا التّاريخ يجعله لا يلهث وراء الشّكل الحداثيّ للرواية، بل يرتدّ بها إلى ما قبل الحداثة حيث الشّكل الكلاسيكيّ الرّتيب، ليجعل منها متناً ضمن متون تاريخيّة أو بحث زمنيّ تراكميّ، ولذلك يمهرها بمقدّمة تاريخيّة حول علاقته كراوٍ بتاريخيّة السّرد الذي يصنعه في الرّواية في قصّة بطل الرواية "كرمل"، ويستعرض جهوده البحثيّة في بناء أرضيتها التأصيليّة والتّوثيقيّة، وينهي الرّواية بملحق تاريخي عقده تحت عنوان "عن الأنباط "(4) في نحو ستٍ وعشرين صفحة  كي يزجّ فيه بأرثه التّاريخيّ الذي يخشى أن يتفلّت من وعي الملتقّي وهو يقرأ عمله هذا أو يغيب عنه أو يكون جاهلاً به بشكل أو بآخر، وعلى الرّغم من أنّ هذا السّلوك التوثيقي قد يُعدّ تشويهاً للبعد السّرديّ الرّوائيّ بوصفه نسقاً كاملاً لا يجوز أن يفسّر في وجود جسد سرديّ آخر خارج عنه، وهو بذلك يهزم النّص في معركة التّجريب وسعار ابتكار الأشكال السّرديّة الجديدة القادرة على كسب رهان الإيهام والتخييل والإدهاش ولفت الانتباه والاهتمام، إلاّ أنّه يُفسّر ويُسوّغ ضمن هدف الرّوائيّ من هذا العمل الذي يحرص على تاريخيته أكثر من حرصه على فنيّات السّرد ومستجدّاتها وفنونها وأفانينها وانزياحاتها ومحمّلاتها وإمكاناتها، إلى جانب أنّه سلوك تفسيريّ وتوضيحي لجأ إليه الكثير من كتاب الرّوايات التاريخية إن جاز التّعبير، أو الذين يرهنون أعمالهم السّرديّة لصالح التّاريخ.

ومن هنا يغدو هذا العمل الرّوائيّ الضخم هو سجل تاريخيّ جديد للجغرافيا التي تؤرّخ لها الرّواية، وهي منطقة الرّقيم، وذلك في غائيّة واضحة ومعلنة، وهي انتصار التّاريخ والجغرافيا للنضال العربيّ الفلسطينيّ في إزاء أكاذيب الصّهيونيّة وافتراءاتها، إذن هذا العمل هو انتصار تارجغرافيّ(تاريخيّ جغرافيّ) للإنسان العربيّ على عدوه الصّهيونيّ الذي يُعمل عدوانه وخبثه في سبيل تزييف التّاريخ وتشويه نضال الإنسان العربيّ، وتقزيم قضيته.ومن هنا تغدو هذه الرّواية وثيقة جماليّة سرديّة في لعبة من تداخل النّصوص السّرديّة والبصريّة والسّمعيّة والحركيّة في سبيل تقديم رؤية الرّوائيّ بطريقته الخاصّة، والرّوائي في هذه الرّواية انتصر للتّاريخ، وانتصر به، وقدّم ذلك عبر وثيقة زمنيّة تدور أحداثها في ضوء استحضار لكامل تاريخ المنطقة عبر قرون عديدة تمتدّ إلى ما قبل التّاريخ، بوعي كامل بأنّ الرواية التّاريخيّة تقوم بإعادة بناءات السّرديّات عبر منظور تاريخيّ خاصّ يستدعي الماضي ليفسّر الحاضر، ويغادر الحاضر ليفكّك الماضي، ولكن لماذا كلّ لك؟ إنّه لهدف سامٍ وملح وحاضر في ذهن كلّ من المبدع والمتلقي والنّاقد في آن، وهو تفكيك معاني الإسقاطات، وتفسير الحاضر بوعي من منطلقات الماضي، وتشكيل الرّؤية للحقّ وأدواته وغاياته وكيفيّة تحصيله عبر تفنيد الحوادث، وتحليل الحقائق، وردّ الشّبه، وتهشيم الأكاذيب.

لا يستطيع من يقرأ هذا العمل الرّوائيّ إلاّ أن يتساءل عن حياة مؤلفه وفكره ونضاله، والإجابة عن هذه الأسئلة ستكون مفسّرة لسبب ولادة العمل، وإلحاحه في اتكائه على التّاريخ الذي هو لغز الصّراع ومغزاه في قضية العدالة والعرب والمسلمين، أعني طبعاً القضية الفلسطينيّة.

والرّواية التّاريخيّة هي في خلاصة الأمر عمل فنّي له آليته الخاصّة، فما كانت البدايات التّاريخيّة للسّرد التّاريخي مثل سير الأبطال وأيام العرب والحكايات الشّعبيّة ضرباً من التّسلية وحسب، بل هي آلة من آلات التّربية والتحفيز والتّذكير وإلهاب المشاعر والضّمائر وإلهام الهمم، ثم استوت الرّواية التّاريخيّة في القرن الماضي لتغدو هي حياة جديدة للعبة الحكي والسّرد والحوادث، وذريعة للإسقاطات، وتفسيراً ذاتيّاً للحاضر والمستقبل فضلاً عن الماضي في ظلّ حقائق تاريخيّة جمعيّة يتشاركها الرّوائيّ مع المتلقّي ليقرّر كلّ منهما بطريقته الإبداعيّة الخاصّة ماذا يريد الروائيّ أن يقول؟ وماذا يفهم الملتقّي منه، والدكتور عبد العزيز اللبدي في هذه الرّواية لا يرهقنا في فكّ إسقاطاته، بل هو يصرّح بها قبل الدخول في المتن الرّوائيّ، أيّ منذ المقدّمة التي جعلها في بداية الجسم الورقيّ لمتنه الروائيّ، إنه يتخذ دور الملقّن والمصحّح التّاريخيّ، ويجعل من نفسه سادناً على الزّمن الذي لا يسمح بأن يُشوّه أو يُسمّم أيّاً كانت المؤامرات والخطط الشّيطانيّة ضدّه.

إنّنا أمام جهد تاريخيّ عملاق لا يخفى على خافٍ، ويشي بشخصيّة الرّوائيّ المغرق في الجدل الفكريّ والمتوافر على ثقافة لا يُستهان بها، وهو سرد تاريخيّ يمتدّ من زمن الحارث الأوّل إلى زمن الحارث الثّاني حيث يولد "كرمل" بطل الرّواية، أيّ أنّ هذه الرّواية تمتدّ عبر جيلين، ولكنّها فعليّاً تضيء أحداثاً تاريخيّة عبر قرون عديدة، وهذا العمل هو تاريخ يتخفّى في رواية لما للرواية من تأثير وسحر ومريدون وجمهور نقديّ وبحثيّ لا يُستهان به، ولذلك لا نخالف الحقيقة إن قلنا إنّ هذه الرّواية هي تاريخ احتوى على سرد قصصيّ، أكثر من أنّها رواية فيها متون تاريخيّة؛فالرّوائي الذي أوهمنا كثيراً بأنّنا أمام عمل روائيّ خالص يتكئ على التّاريخ، إلاّ أنّه في كثير من مواطن الرّواية، يغدو تاريخاً صرفاً لا علاقة سرديّة حقيقيّة للرّواية به، إنّه يتحوّل في كثير من الصّفحات إلى تاريخ صرف لا علاقة له بالرّواية، ولو قمنا بقطع تلك الصفحات من الرّواية لما أثّرت على مجراها أو تماسكها أبداً، هذا طبعاً في غالب الأحوال.وهو في هذه الحالة لا يستطيع إلاّ أن يُقدّم نفسه إلاّ على اعتبار أنّه نص سرديّ لا غير، ولا علاقة له بالرّواية، حتى وإن حاول الرّوائي أن يحيل التّاريخ إلى متون وهوامش مرفقة ومرفوعة إلى مصادرها وقائليها، إلاّ أنّ النّص يظلّ تاريخاً صرفاً لا يبذل أيّ جهد لإثبات وجوده في دفع السّرد في الرّواية، بل هو حقيقة الأمر يعطّله في كثير من المواضع.

ولكن في مواضع الأخرى ينساح التّاريخ بشكل ذكي في الرّواية، ويغدو جزءاً منها عندما ينجح الرّوائيّ في نسجه في متون الرّواية ومرجعياتها وسردياتها لا سيما عندما يتحدّث عن القبائل والصحراء وأهلها وتاريخها وكلّ ما ينتمي إليها من حيوان وطبيعة وحيوات وصناعات وتجارات ومهارات وحرف وحكايا وأساطير، ثم ينتقل إلى الحديث عن الكثير من بؤر الحضارات ومدن التقدّم في حضاراتنا البائدة، إلى جانب استحضار تفاصيل الحياة فيها وسلوكياتها المعاش فيها، وطبائع حيواناتها ومرجعياتها المثيولوجيّة بما يخصّ موروثها من الآلهات والمعبودات

والإغراق في التاريخيّة قاد اللبدي وجوباً إلى الدّخول في فضاءات الجغرافية التي يصحّ أن ندرجها تحت مساحات المكان السّرديّ، أو الفضاء السّردي، أو الحيّز السّرديّ، أو المكان السّردي، أو أي مصطلح يشير إلى عنصر المكان في الرّواية،  مهما تعدّدت التسميات وتباينت المصطلحات، وعلا جدل النّقاد في تصنيفها وتبويبها، إلاّ أنّها تتفق جميعاً على أنّها مصطلح يشير إلى الحيز المكانيّ الذي يحتضن عناصر الزّمن والحدث والشّخوص والصّراع مهما تعقّد تشكيل التّداخل بها أو سهل.فهذه ليست هي القضيّة.

والمكان في هذه الرّواية هو الرّقيم في الإعلان الظاهريّ السّطحي، ولكنّه فعليّاً مكان قابل للإسقاط على كلّ مكان عربيّ، وهو في الوقت ذاته مكان ينساح في تاريخيّته، ويأخذ حدوده الجغرافيّة من المحمول التّاريخيّ الذي يستحضره الرّوائيّ، وبذلك تتمدّد تخوم هذا المكان لتغدو أماكن مركّبة بفعل تراكم الحدث التّاريخيّ فيها، فالمكان الواحد هو عدد غير متناهٍ من الأماكن بفعل احتضانه للتّاريخ العابر فيه، ومن هنا تبرز قدسيته وأصالته، فهو مكان يحمل تاريخ النّضال، والانتصار على الأعداء، ودحرهم المرة تلو الأخرى، ولعلّ هذه الخاصيّة بالتّحديد هي من ينهض عليها المحرّك الدّاخلي في الرّواية كي تستحضر الجغرافيا التّاريخ، وتعيد دفع عجلة التّاريخ ليعيد نفسه، فيطرد العرب أعداءهم الطّامعين في أوطانهم مهما استطال الشّر، وعظمت قوته.

المكان في هذه الرّواية يتبأر في الرقيم، ولكنّه يمتد عبر جغرافيا عملاقة تغطي حضارات المنطقة وممالكها ومدنياتها، ثم تنتظم جميعها في عقد الأصالة والعروبة مقابل الوجوه الغريبة التي تأتي إلى المنطقة طامعة، ثم تُدحر على أيدي أبناء أبنائها الأشاوس، وذلك عبر استعراض طويل النّفس لتّاريخ هذه الجغرافيا بما اشتمل عليه من حضارات وشعوب وقبائل وأمم وممالك وساسة، وأبطال الرّواية وشخوصها يُدشنون إلى هذه الجغرافيا ويعيشون تفاصيل تاريخها ويتأثرون بها، وينحتون حيواتهم من حيوات هذه الحضارات، وجميعهم يؤكدون حقيقة واحدة ناصعة بلجاء، وهي أنّ هذه الأوطان هي أوطاننا نحن العرب، ولا مكان فيها للغرباء الغازين، ولا لأيّ أكاذيب مقحمة على التّاريخ مثل أكاذيب الصّهاينة بأحقيتهم بفلسطين.

هذه الرّواية تقول ظاهراً بنفس ممتد عبر نحو مئتين وثمانين صفحة هذا هو الرّقيم، وهذا تاريخ الأنباط العظماء، هذا هو الرّقيم حيث الحضارة وازدحام الأمم، وصنع أبجدية الكتابة العربيّة، وأسرار الذّهب، وتكدّس البشر فيه حيث امتزاج الحضارات والثقافات والأعراق، ولكنّ هذا الظّاهر هو ما يبطّن المقصد الدّاخليّ السّامي الذي يقصده من هذه الرّواية، وهي أنّ هذه أوطاننا وحضاراتنا وتاريخنا، فمن أنتم أيّها الغرباء؟ الروائي عبد العزيز اللبدي يسأل هذا السّؤال للغرباء عبر رواية عملاقة تقول بأسانيد تاريخيّة ثابتة: هذه أوطاننا نحن العرب، ولا مكان فيها للغرباء.ونحن نقول ما قاله د.عبد العزيز اللبدي في روايته هذا، ونتساءل معه التّساؤل ذاته: من أنتم أيّها الغرباء؟ هذه هي أوطاننا.

خلاصة القول إنّ الروائي عبد العزيز اللبدي قد قال كلمته صادقة صريحة، وسجّلها بشرف في سِفْر إبداعه.فطوبى له.

  

بقلم د.سناء الشعلان/ الأردن

...............................

الإحالات:

1- الدكتور عبد العزيز طاهر اللبدي، روائي أردني من أصول فلسطينيّة من اليامون، وهو طبيب جراحة، درس الطّب في بون/ألمانيا، وتخرّج منها عام 1974، تخصّص في الجراحة العامة، ثم حصل على شهادة الدكتوراة في الطبّ من أكاديميّة الدّراسات العلية من برلين عام 1984، مؤسس أكبر موقع طبيّ عربيّ، كان من كوادر العمل السياسيّ في حركة فتح الفلسطينيّة، وعمل في الهلال الفلسطينيّ منذ تخرّجه حيث عاش مأساة مجازر مخيم تل الزّعتر عام 1976، وعاش فصول صموده وكبريائه، وأُنتخب عضواً في المكتب التّنفيذي عام 1978 إلى عام 1994، حاز على جائزة الطّب العربيّة من اتّحاد الأطباء العرب والرّئيس الجزائريّ، عمل في جامعة القدس في فلسطين المحتلة.من مؤلفاته:أوراق تلّ الزعتر، الهلال الأحمر الفلسطيني، الأوضاع الصّحيّة والاجتماعيّة في فلسطين من 1982- 1986، تاريخ الجراحة عند العرب، القاموس الطّبي العربيّ، وردة كنعان.

2- عبد العزيز طاهر اللبدي:ذهب الرّقيم، ط1، دار الشروق، الأردن، عمان، 2014، ص268

3- نفسه:ص11

4- نفسه، ص ص 252-280

 

 

 

 

البيئة الطبيعية الأندلسية

الأندلس بلاد جميلة، منحها الله من طيب الخيرات ما حرمه الكثير من الأقطار ففيها الأشجار الخضراء والحدائق الغنّاء والبساتين الفيحاء، وفيها الأنهار الدائمة الجريان، والسماء الصافية والمناخ الملائم، يقول لسان الدين بن الخطيب ([1]): (خص الله بلاد الأندلس ما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها) ففي حدائقها أكثر أنواع الأزهار وأروعها.

وقد اشتملت على كثير من مزايا الأقاليم فهي: (شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها،هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظيم جناتها) .

ويرى المراكشي: أن الله خصها من دون الأقاليم بأطايب الأشياء وأفضلها فهي كما يقول ([2]):   (مطلع شموس العلوم وأقمارها،ومركز الفضائل وقطب مدارها أعدل الأقاليم هواء وأصفاها جواً، وأعذبها ماءً، وأعطرها نبتاً، وألذها ظلالاً، وأطيبها بكراً مستعذبة وآصالاً) .

فالأندلس بلاد ساحرة الجمال، فاتنة المنظر عذبة المياه، مكسوة الأرض بالخضرة مزدانة الأشجار بالنضرة، تخترقها الأنهار الكثيرة، منها نهر شقر ونهر الوادي الأبيض والوادي الكبير وغيرها .

هذا الجمال وهذا السحر، صوّرها جنة الخلد في نظر شاعرها وابنها البار ابن خفاجة، فهتف قائلاً  ([3]):

يا أهل أندلس لله دركم    ماء وظل وأنهار وأشجار

ما جنة الخلد الا في دياركم   وهذه كنت لو خيّرت أختار

وقد تحدثت المصادر ولاسيما الجغرافية منها عن الطبيعة الأندلسية وسجلت خصائص الأقاليم وميزات المدن من حيث الأرض والتربة والسماء والأشجار والأنهار والثمار والفواكه والطير والحيوان وكل ما أسبغه الله عليها من نعمه التي لا تحصى . ([4])

وقد أطنب في وصفها الواصفون وانتهى المقري الى أن ([5]): (محاسن الأندلس لا تستوفي بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره وأنى تجارى وهي الحائرة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق) .

 

شعر الطبيعة

الطبيعة أم حانية على الإنسان، وان قست عليه أحياناً فهي قسوة الوالدة المشفقة، في قسوتها الرحمة وفيها الخصب والعطاء والحب .

   ولقد هام الإنسان بجمالها وصفاء سمائها، وأعجب بأشجارها وأنهارها وترنم على نوح ورقها وتغريد أطيارها، فجادت قريحته بالخالد من القول والرائع من الفن في مجالي الطبيعة، الطبيعة الصائتة والطبيعة الصامتة ونقصد بالأولى: كل ما اشتملت عليه الطبيعة وحوته من أحياء ما عدا الإنسان .

 ونقصد بالثانية: مظاهرها وظواهرها ووجودها ممثلاً في أرضها وما اشتملت عليه من سهول وجبال ووديان وتلال ونبات وثمار .

   وفي سمائها وما فيها من نجوم وأفلاك، تزين سمائها وتسير في مداراتها أو تسبح في أفلاكها ومن شمس وقمر، وغير ذلك من الظواهر الكثيرة كالبرق والرعد والمطر .

  فشعر الطبيعة اذن، هو الشعر الذي يمثلها في قسميها: الصائت والصامت كما خلقها الله سبحانه سابغاً عليها الشاعر من خياله ما يزيدها جمالاً وروعة وبهاء ومن نفسه ما يزيدها انسانية وحياة ([6])، وشعر الطبيعة قديم في أدبنا العربي، عرفه الشعراء في الشكل الذي أوحت به بيئتهم البدوية، فتأملوا الطبيعة وافتنوا بها وبثوا آلامهم وأشركوا في أحزانهم وهمومهم .

إلا أنه لم يتميز وقتذاك فناً شعرياً قائماً بذاته، وإن كان استقلاله أخذ يظهر في الشعر العباسي، وبلغ ذروته على يد الشاعر أبي بكر الصنوبري شاعر الشام، وتابع شعر الطبيعة تطوره بتطور العرب أنفسهم وصعودهم سلم الرقي الحضاري إلى أن وصل درجة رفيعة من الانفراد والاستقلال وأصبح فناً شعرياً مستقلاً له شعراؤه في الأندلس .

 

بواعث شعر الطبيعة في الأندلس

كان لهذا الجمال الطبيعي أثر كبير عند الشعراء، فشغفت بها قلوبهم وهامت بها نفوسهم وأغنت قرائحهم، فأخذوا يترجمون هذا الشغف وذلك الهيام شعرا يعبرون به عما يعتمل في صدورهم ويجيش بين ثنايا ضلوعهم، وما تعلقت به نفوسهم، فكانت الطبيعة غذا طيبا لقرائحهم ومصدرا لا ينضب لشعرهم فهي الجنة ويكفي أن تهب نفحة نسيم عليل لتحرك مشاعر الشاعر ابن خفاجة، فيصرخ منشدا: ([7])

إن للجنة، في الأندلس،    مجتلى حسن وريا نفس

فسنا صبحتها من شيبِ     ودُجى ظلمتها من لعسِ

   فإذا ما هبّتِ الريحُ صباً     صحتُ: وا شوقي إلى الأندلسِ

فلهذه الطبيعة الرائعة الخلابة التي عبرت فيها الأرض عن نفسها أجمل تعبير وأروعه، بما أطلعته على سطحها ونثرته في مختلف أرجائها وشتى مناحها، والشغف بهذه المحاسن التي حبا الله بها الطبيعة في الأندلس والفتنة بهذا المجال السحري عدة بواعث منها:

  • استلهام الشعراء واستمدادهم منه فيضا لا ينضب من شعر الطبيعة الذي قالوه تمجيدا لجمال بلادهم وتخليدا لمحاسن وطنهم .
  • مجالس اللهو والطرب والأدب دور كبير في شعر الطبيعة .
  • المجالس الأدبية التي جعلت الأندلس أشبه بقيثارة ترسل ألحانها هنا وهناك في كل الأوقات .
  • حب الأوطان والحنين إليها وخاصة عند الرحلة أو الانتقال من مدينة إلى أخرى .

و من ذلك قول ابن زقاق البلنسي: ([8])

 بلنسية إذا فكرت فيها       وفي آياتها أسنى بلاد

 واعظم شاهدي منها عليها    بأنَّ جمالَها للعينِ باد

   كساها ربّنا ديباج حسن      له علمان من بحر وواد

لقد دخلت حياة الأندلسيين الطبيعة التي خالطت نفوسهم وتغلغلت في أشعارهم، وأبرز ما يدل عليه:

- الطبيعة والمرأة: تشبيه محاسن المرأة بالطبيعة، ومن ذلك ما قاله المعتضد بن عباد:

نضت بردها عن غصن بان منعم    نضير كما انشق الكمام عن الزهر

- الطبيعة والخمر: وكثيرا ما حلت المرأة والخمرة معا في شعر الطبيعة، مثال ذلك قول ابن عباد:

 شَرِبنا وَجَفنُ اللَيلِ يَغسِلُ كُحلَهُ    بِماءِ الصَباحِ وَالنَسيمُ رَقيقُ

- الطبيعة والمديح: تجلت هذه الظاهرة المحدثة على نحو أبرز في كثير من مدائح الأندلسيين، ومن ذلك قول أبو بكر بن عمار:

 أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قـد انـبـرَى     والنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى 

- الطبيعة والشعر الحماسي: تعانقت في أحيان كثيرة معاني الطبيعة ومعاني الحماسة في شعر الأندلسيين، ومن ذلك قول المعتمد بن عباد:

 أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم     لما رأيت الغصن يعشق مثمـرا 

 

بواكير شعر الطبيعة في الأندلس

أما في الأندلس وفي هذه البيئة الجديدة، وجدوا كل ما افتقرت إليه بلادهم من حدائق فيحاء وبساتين غناء وأشجار خضراء وأزهار متفتحة وورود زاهية وبحار واسعة وأنهار جارية وحقول فسيحة ومراعي خصبة، إلى غير ذلك مما اللب ويخطف الأبصار .

و من أوائل المقطوعات الشعرية التي قيلت في الطبيعة الأندلسية، وأخذ شعر الطبيعة ينمو قليلا قليلا، ويدرج رويدا رويدا، إلى أن بلغ ذروته في القرن الخامس الهجري، وقيل هذا نجد بواكير شعر الطبيعة، حيث تناول شعراء الطبيعة الصامتة والصائتة، فهذا مثلا أحمد بن عبدربه المتوفى سنة (328هــ) يصف روضة فيقول: ([9])

و ما روضة بالحزن حاك لها الندى    برودا من الموشي حمر الشقائق

يقيم الدجى أعناقها ويميلها            شعاع الضحى المستن في كل شارق

إذا ضاحكتها الشمس تبكي بأعين     معللة الأجفان صفر الحقائق

و وصفوا في الطبيعة الصامتة الورود والأزاهير وفضلوا بعضها على بعض، فهذا الشاعر محمد مسرور الجياني يدعونا إلى مصاحبته والتطواف بعرش الياسمين قائلا: ([10])

اعتبط بالياسمين وليا    فستؤتى منه خلا وفيا

     يغدر الروض فيمضي ويبقى   نوره طلعا وغضبا جنيا

و هم إلى جانب وصفهم الطبيعة الصامتة ممثلة في نباتها وأنهارها وكواكبها وظواهرها وصفوا الطبيعة الصامتة، فعند الشاعر أبو الحسن علي بن حصن، يصف فرخ حمام:

و ما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف     على فنن بي الجزيرة والنهر

مفـستق طـوق لازورد كلــكل       موشى الطلى أحــوى القوادم والظهر

 

الطبيعة في شعر القصيد

  • الطبيعة الصامتة

تنعم الطبيعة الأندلسية بجمال آثر، وفتنة آسرة، وتصطبغ بظلال وارفة وألوان زاهية، فتنت الشعراء، فاندفعوا بشاعريتهم تذكيها المناظر الخلابة التي وقعت عليها عيونهم، فكانت ميدانا رحبا لفتهم، وبالإجمال لم يدع شعراء الأندلس شيئا مما يخلب اللب ويفتن البصر إلا وقد وصفوه وذكروه .

أولا: الروضيات

و هو وصف الرياض والحدائق فقد تغنى الشعراء بوصف بيئتهم واستطاع الشاعر أن يميز رياض الحزن ورياض السهل، فرياض الحزن، أنظر وأجمل وعطرها أضوع، ومنها قول ابن خفاجة:

و النور عقد والغصون سوالف     والجذع زند والخليج سواد

ثانيا: الزهريات

و هي النواوير والأزهار والورد والنرجس والرياحين وشقائق النعمان والقرنفل والبهار وأزهار الأشجار المثمرة، مثل: الخوخ واللوز وغيرها، ومن ذلك قول أبو محمد عبدالحق بن عطية متعجبا بزهرة النرجس، قائلا:

 

نـرجس باكـرتُ منـه روضـةَ      لذّ قطعُ الدهر فيها وعذُبْ

حثّت الريح بها خمرَ حيـاً    رقصَ النبتُ لها ثم شَرب

ثالثا: الثمريات والشجريات

أي افتتان الشعراء بالأشجار والثمار، فوصفوا شجر النارج والتفاح والسرو والفاكهة الحلوة، ومن ذلك وصف ابن خفاجة للعنب الأسود، قائلا: ([11])

 واسْوَدّ معْسولُ المَجَاج لو أنَّه    لمى شفةٍ لم أرْوَ يوماً من القُبَلِ

حكى ليلة الهجر اِسْوداداً وإنَّهُ    لأشهى وأندى من حتى ليلة الوصْلِ

رابعا: المائيات والثلجيات

و جاء الشعر هنا في وصف الماء والثلج والأنهار والبحيرات والبحار، ومن ذلك وصف الشاعر أبو الوليد يونس بن محمد القسطلي غديرا في لوحة غناء يتلألأ منسابا إلى بحيرة يصب فيها، قائلا:

 وفوق الدوحة الغنا غدير   تلألأ صفحة وصفا قرارا

إذا ما انصب أزرق مستطيلاً    تدور في البحيرة واستدارا

 

  • الطبيعة الصائتة

لم يتوقف الأمر على اهتمام الشعراء بالطبيعة الصامتة فقط وإنما تعدى ذلك حتى ارتبط شعرهم بالطبيعة الصائتة كذلك الأمر ووصف الطبيعة الحية كما في قديم الشعر العربي، ومن ذلك وصف الخيل والحيوان والعصافير والحمام من الطيور، ومثال ذلك قول الشاعر ابن الزقاق يصف فرسا يطير إلى الحرب:

يخترق النقع على أشقر     ينقض منه في الوغى كوكب

تطير في الحضر به أربع    يطوى لها المشرق والمغرب

و من ذلك أيضا وصف الذئب والكلب، وهذا الوصف ليس جديدا على الشعر العربي وكثر وصف الذئب والكلب في البيئة الأندلسية كونها بيئة زراعية، ومن ذلك وصف كلاب الصيد عند ابن المرعزي النصراني الإشبيلي، وقوله: ([12])

لَمْ أَرَ مَلْهًى لِذِي اقْتِنَاصِ    وَمَقْنَعَ الكَاسِبِ الحَرِيصِ
كَمِثْلِ خَطْلاءَ ذَاتِ جِيدٍ    أَغْيَدَ   تِبْرِيَّةِ   القَمِيصِ
كَالقَوْسِ فِي شَكْلِهَا وَلَكِنْ    تَنْفُذُ كَالسَّهْمِ  لِلقَنِيصِ

و في ذلك أيضا وصف الطير، وقد كثرت الطيور في البيئة الأندلسية، لأنها بيئة شجرية، وفي وصف ذلك قال الشاعر أبي بكر سوار، قائلا:

و لم أر من بكاء بعثنه    فزدن به في لوعتي وغرامي

 

الطبيعة في الموشحات الأندلسية

الموشحات لون جميل من ألوان النظم في الأدب العربي، اتخذت سمتا معينا بالنسبة لتعدد الأوزان الشعرية، وقد نشأت في الأندلس واشتملت على أغراض الشعر التقليدية من غزل ومدح ورثاء وزهد وتهنئة ووصف .

و من الأغراض التي تناولها وشاحوا الأندلس البيئة الطبيعية الأندلسية حيث حظيت برعايتهم ونالت حظا وافرا من عنايتهم فوصفوها في مجالس أنسهم ولهوهم ممثلة في ورودها وأزهارها وأشجارها ورياضها وبساتينها وأنهارها وبروقها وسحابها ومن كبار الشعراء الذين رفضوا تمثيل شعر الطبيعة في الموشحات ورفضوا أن يسلكوا طريق الوشاحين واعتبروها غرضا، أمثال: ابن خفاجة، وابن الزقاق البلنسي، وابن صارة، وابن العطار . ومن الموشحات النادرة التي جاءت وقفا على الطبيعة وحدها، موشحة لأبي الحسن علي بن مهلهل الجلياني، حيث وصف الطبيعة وصفا رقيقا في موشحة، يقول: ([13])   


النهر سل حسامًا       على قدود الغصون
وللنسيم             مجال
والروض فيه         اختيال
مدت عليه           ظلال
والزهر شق كماما       وجدًا بتلك اللحون
أما ترى الطير         صاحا
والصبح في الأفق       لاحا
والزهر في الروض      فاحا
والبرق ساق الغماما      تبكي بدمع هتون

أعلام شعراء الطبيعة في الأندلس

كانت بلاد الأندلس تمثل الجناح الأيسر للدولة الإسلامية الفسيحة وبلغت الحضارة في ربوعها مبلغا رفيعا، فاتسعت فيها آفاق العلوم والفنون والآداب والفلسفة وساعدت الطبيعة الفاتنة هناك على نضوج الشعر وحلاوته وكان لمجالس الأنس والبهجة الأثر الكبير في تنوع أغراض الشعر بخاصة شعر وصف الطبيعة، فوصف الشعراء الطبيعة الفاتنة، كما وصفوا الحدائق والقصور والأبنية وما بها من صور وأشكال وتماثيل وبرك ووصفوا مجالس الشرب والسمر والغناء والرقص وآلات الطرب، ومن أبرز هؤلاء الشعراء: ([14])

  • أبو الحزم بن شهور، واصفا الزهريات:

الورد أحسن ما رأت عين وأز    كى ما سقى ماء السحاب الجائد

  • أبو بكر بن هذيل:

هبت لنا ريحُ الصَّبا فتعانَقت             فذكرتُ جيدَكِ في العناقِ وجيدي

  • محمد بن الحسين:

و النهر مكسو غلاله فضة     فإذا جرى سيل فثوب نضار

  • أبو الحسن بن زنباع:

أبدت لنا الأيّـام زهـرة طيبهـا      وتسربلت بنضيرهـا وقشيبهـا

  • أبو الصلت أمية بن عبدالعزيز الإشبيلي:

قم يا غلام ودع مخالسة الكرى     لمهجر يصف النوى ومغلس

  • ابن خفاجة:

وأتحفـنـي فـيـهـا الـربـيـع بـــورده    عبيـراً بـه الأنفـاس إذ فتـق النـورا

  • ابن الزقاق البلنسي:

و حدائق خضر المقاطف ألبست    من حسن بهجتها ثياب زبرجد

  • أم علاء الشاعرة:

لله بستاني إذا يهـ   فو به القصب المندى

  • أبو الحسن بن حاج:

حكم من التدبير أعجزت الورى    ورأى بها المخلوق ألطف خالق

  • ابن حمديس:

يا باقة في يميني بالردى ذبلت    أذاب قلبي عليها الحزن والأسفُ

  • أبو الوليد بن

انظر إلى خد الربيع مركبا    في وجه هذا المهرجان الرائق

 

  • ابن غالب البلنسي الرصافي:

حمراء عاطرة` النسيم كأنها       من خد مقتبل الشبيبة مترف

  • ابن الورد:

نرجس باكرت منه روضة    لذ قطع الدهر فيها وعذب

  • الصنوبري

مررنا بشاطئ النهر بين حدائقٍ     بها حَدَقُ الأزهار تستوقف الحَدَق

  • أبو الوليد بن زيدون

دونَكَ الراحَ جامِدَه   وَفَدَت خَيرَ وافِدَه

و مجمل القول أن شعراء الطبيعة الأندلسيين قد جودوا التجويد كله في تناولهم شعراء الطبيعة، وكانت أخيلتهم معينة وأساليبهم متقنة الصنع، وقد استفاد فريق من شعراء المشرق حتى نسجوا لنا فنا قديما حديثا وجميلا معبرا، يصور لنا مدى جمالية الأندلس وروعة وصف شعرائها .

 

الخصائص والملامح الفنية لشعر الطبيعة

 يتميز شعر الطبيعة بالأدب الأندلسي، بمجموعة من الخصائص الفنية، أبرزها:

- النسيج اللغوي: حرص الشاعر على اختيار ألفاظه واهتمامه بانتقاد مفرداته، لأن الكلمة هي مادة الأدب .

- التأثر بالمشارقة: ولا غرابة في ذلك، فاللغة واحدة وهم يحنون إلى المشرق حنين المحب وحنين رحلة علم وأدب .

- الابتكار والتجديد: الأصالة في الشعر وقدرة الشاعر على تصوير البيئة الطبيعية في الأندلس، بحيث يبني عن استعداد فطري عند الشاعر وموهبة حقيقية .

وأما ملامح شعر الطبيعة الفنية فأبرزها، ما يلي:

- التصوير الحسي: وهي تتبع الشاعر الأندلسي للظاهرة الحسية أو المادية .

- النظرة التجزيئية: تصوير المشهد في البيت الشعري من جميع جوانبه، وإعطاء كل بيت معنى خاص ومستقبل وكأن الشاعر يصوغه مفردا .

- الاندماج العاطفي: أن يعد الشاعر نفسه جزءا من الطبيعة، ويحرص على الالتصاق بها ويضفي عليها من نفسه ومشاعره ما يزيدها تألقا وحياة . 

الخاتمة

لقد شمل شعر الطبيعة وصف الطبيعة الأندلسية بشقيها الصامت والصائت، بكل مظاهرها وظواهرها كما خلقها الله فهم يصفون رياضها وبساتينها وزهورها وأشجارها، كما يصفون سماءها وأرضها ونجومها وأفلاكها وأنهارها وطيرها وحيوانها .

و قد انعكست الحالة النفسية للشاعر على المنظر الطبيعي، فهي ضاحكة وطروب في أوقات السرور والبهجة باكية حزينة في أوقات الألم والشدة وإن كانت السمة الأولى هي الغالبة عليها في أشعارهم وموشحاتهم .

و وصف الطبيعة عند الشعراء مرتبط بالغزل والخمر ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الموضوعات تعد وثيقة الصلة ببعضها، فهم يخرجون إلى الحدائق والبساتين، فيعقدون مجالسهم ويسمرون فيدور عليهم الغلمان بالقداح وتعنيهم القيان، فتفعل الخمرة في نفوسهم فعلتها .

كما أن الصلة وثيقة بين المرأة والطبيعة، إذ كثيرا ما نجد المرأة ماثلة في وصفهم الطبيعة، وقد عني بعض الشعراء بتشخيص الطبيعة ومناجاتها، واختفاء الحياة عليها كما فعل ابن خفاجة في بعض قصائده .

كما أن الشعراء في عصر المرابطين لم يقتصر على تقليد اخوانهم المشارقة والاحتذاء بهم إنما تجاوزوا ذلك إلى التجديد والابتكار في كثير من الصور الشعرية كصياغة الشيء الواحد مرات كثيرة بطرق مختلفة وتصوير حالهم من خلال الطبيعة وقوة التشخيص، ويبقى الموشح قمة التجديد والابتكار عند الأندلسيين، ويكفيهم فخرا أنهم أول من اخترعه ونظم فيه .

  

إعداد وتقديم: شادي مجلي سكر

...........................

المصادر والمراجع

أحمد بن محمد المقري (ت: 1041 هـ)، نفح الطيب من غصن الأندلسي الرطيب، تحقيق الشيخ محمد بن محيي الدين عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت .

- أبو نصر الفتح بن خاقان القيسي (ت: 529 هـ)، قلائد القيان ومحاسن الأعيان، ط 1 .

- أبو منصور الثعالبي، يتيمة الدهر، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، ط 1، القاهرة – مصر .

- جودت الركابي، (1970 م)، الطبيعة في الشعر الأندلسي، طبعة الشرقي -  ط 2، دمشق .

- جودت الركابي، (1960 م)، في الأدب الأندلسي، ط 2، دار المعارف في مصر.

- ديوان ابن زقاق البلنسي، قدمت له عفيفة محمود ايراني، ط 1، دار الثقافة – بيروت .

- ديوان ابن خفاجة، (1961 م)، أبي إسحاق ابراهيم، ط 1، دار الثقافة – بيروت .

- شهاب الدين التلمساني، (1939)، أزهار الرياض في أخبار عياض، المجلد الأول، مطبعة القاهرة .

- عبدالمنعم الحميري، (1988 م)، صفة جزيرة الأندلس، ط 2، دار الجيل، بيروت – لبنان .

- عبدالواحد المراكشي، (1947 م)، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة .

- عمر الدقاق، (1975 م)، ملامح الشعر الأندلسي، ط 1، دار الشرق – القاهرة .

- محمد رضوان الداية، (2009 م)، في الأدب الأندلسي، دار الفكر – بيروت .

- مصطفى الشكعة، الأدب الأندلسي، دار العلم للملاين، ط 10، بيروت –  لبنان .

  هوامش

[1] - أزهار الرياض في أخبار عياض. تأليف شهاب الدين أحمد التلمساني.198.المجلد الأول، ص 61 .

[2] - المعجب ص 115

[3] - ديوان ابن خفاجة، تحقيق سيد غازي، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ط2، 1979م.

[4] - صفة جزيرة الأندلس، الروض المعطار، المغرب في حلي المغرب، نفح الطيب، صفحات متفرقة كثيرة.

[5] - النفح125:1

[6] - جودة الركابي، الطبيعة في الشعر الأندلسي، ص: 12 – 13

[7] - ديوان ابن خفاجة، ص 136

[8] - ديوان ابن زقاق البلنسي، ص 135

[9] - يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، لأبي منصور عبدالملك الثعالبي .

[10] - المصدر السابق

[11] - ديوان ابن خفاجة، ص 274

[12] - الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، مصطفى الشكعة، ص 80

[13] - المصدر السابق

[14]  - المصدر السابق

 

إن الحديث عن التجربة التشكيلية للفنان  محمد الجعماطي؛ هو حديث بالضرورة عن جيل ما بعد الرواد في الحركة التشكيلية المغربية وتحديدا بمدينة تطوان مسقط رأس هذا الفنان دون فصلها عن مدينة مرتيل التي تعتبر المشتل الذي ترعرعت فيه ونشأت أهم الأفكار الجمالية التي تولدت عنها ثمرة تجربة لا يستهان بها في مجال الفن التشكيلي.

فضلا عن تقلد محمد الجعماطي مسؤولية تربوية وتأطيرية لأساتذة الفنون التشكيلية بالسلك الثانوي الإعدادي وكذلك مزاولته مهمة التدريس لسنوات طويلة جداً في السلك الثانوي التأهيلي  وأستاذا زائرا بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان. لتأتي بعد ذلك انشغالات أخرى لها طابع إبداعي ارتبطت بكتابة الشعر الذي ساعده على إخراج أحاسيسه لكي تكتمل مع التشكيل في قالب تفاعلي يجمع بين  جمالية الإحساس و بلاغة المكان . بالإضافة إلى ذلك نجد انشغالات سياسية نقدية في قالب كاريكاتوري ومقالات أخرى تكشف المسكوت عنه في تاريخ الفن بالمغرب وكذلك تميط اللثام عن الوضع السياسي والاجتماعي المعيش .

وعلى هذا الأساس يمكن بسط الأسئلة الآتية:

أين تكمن بلاغة المكان عند الفنان محمد الجعماطي؟  وما هي الأسس والمقومات التي تتخذها هذه البلاغة؟ وهل لسخرية الكاريكاتير دور في تقويض الخطاب السياسي والاجتماعي وطرح بديل جديد  لتقويمه؟

وإلى أي حد يمكننا الوقوف عند الصريح والمضمر في ثنايا  هذا الخطاب التشكيلي؟ وماهي أهم الأدوات المنهجية والإجرائية التي يمكن توسلها لتحليل مضامين وفحوى هذا الخطاب التشكيلي؟

يتأطر هذا المقال ضمن علم الجمال أو الإسطيتيقا، أي فلسفة الفن. والمراد بفلسفة الفن كما عمل هيجل على تحديدها وتأسيسها بمزيد من الدقة في قوله: " الجمال الفني خاصة دون الجمال الطبيعي."، وذلك من منطلق أساسي مؤداه أن الجمال الطبيعي من أصل إلهي، إذ إن فلسفة الفن تهتم بالجمال الفني الذي هو إنتاج للعقل أو الروح المطلق، والروح هنا يمكن أن تصل إلى معانقة ما هو مقدس نظرا لرحابة معناها. يقول هيجل: " والحال أن الفارق بين الجمال الفني والجمال الطبيعي ليس محض فارق كمي. فالجمال الفني يستمد تفوقه من كونه يصدر عن الروح، إذن عن الحقيقة، إذ إن كل ما هو موجود لا يوجد إلا بقدر ما يدين بوجوده لما هو أسمى منه (...) إن الجمال الطبيعي انعكاس للروح. وعليه، ينبغي أن نفهمه على أنه كيفية ناقصة للروح، كيفية متضمنة بذاتها في الروح، كيفية مجردة من الاستقلال وتابعة للروح." (أنظر: هيجل، مدخل إلى علم الجمال ) . 

وبما أن فلسفة الفن أو الإسطيتيقا تنبني على السند الجمالي وتتخذ من السؤال والتأمل مسعى للتحليل والتأويل، فإن هدف هذا المقال يقوم على تأملين أساسيين: الأول يرتبط بالمكان وبلاغته في الجمال الفني في أعمال محمد الجعماطي؛ أما الثاني فإنه يقوم على تأويل مفهوم السخرية في علاقته بالرسوم الكاريكاتورية بغية فك شفرتها، عن طريق الخروج من الدلالة المجازية الصريحة نحو الدلالة الحقيقة الثاوية خلف تأويلنا لهذه الأعمال.

يقول الفنان التشكيلي والناقد شفيق الزگاري عن تجربة الفنان محمد الجعماطي:

"كانت كل أعماله وبدون استثناء، ترجمة للحب والعشق الذي يكنه لبلده، قامت تجربته بالاشتغال على المكان، بكل تفاصيله، خاصة عندما وظف الحمامة في جل لوحاته، بشكل لافت للنظر، تأكيدا لما يكنه لهذا المكان من تفاؤل في أفق نظرة مستقبلية بحرية تخضع لشروط وجودية يلتقي فيها الجمال بحرية التعبير، فكانت مواضيعه مستمدة من هذا الوجود بطبيعته ومناظره وبحره بغروبه ورماله وطيوره وقواربه، مشتغلا في هذه المرحلة بالذات على قضايا إنسانية تركت في نفسه جرحا عميقا بعدما كان يتلقى أخبار المهاجرين من غرقى عابري البحر الأبيض المتوسط بحثا عن لقمة عيش شريفة، عن طريق القنوات الإسبانية القريبة للحدود المغربية...".

يظهر لنا من خلال هذا الملفوظ أن الفنان محمد الجعماطي عاشق للمكان ولتجلياته بقدر عشقه للتعبير عن عاطفته، إذ إن توسله للمكان بوصفه طريقا يسير على منواله ويعبِّر به؛ إنه طريق إخراج الأشياء التي لا نراها بالعين المجردة داخل الطبيعة نحو إعادة صقلها وتركيبها بتلمس طرق وأدوات جديدة تؤثث لانطباعية المكان بنظرة واقعية. وتأتي بعد ذلك المقومات الجمالية الثاوية خلف بلاغة المكان لكي يعمل على استرجاعها بأسلوب يجعل المتلقي يتساءل عن خبايا ونتوءات وأشكال خفية تختلف عن المكان المألوف بالنسبة لنا.

إنه مكان يعجُ بأحاسيس انطباعية للمناظر الطبيعة الجميلة  اتسمت بها مدينة تطوان وكذلك هو الشأن بالنسبة لعمرانها المعماري والبشري الذي حاول الفنان الجعماطي أن ينقله للوحة بطريقة اختص بها عن نظرائه من فناني مدرسة تطوان.

 قد تجد شرفة لمكان مجهول تقبع بجوارها حمامة،  وعلى جوارها ساحة فارغة، أو دراجة هوائية داخل غرفة مظلمة تعكس عملية خلط الألوان التي تستدعي حضور الظل والضوء بوصفهما مكونين أساسيين لجميع أعمال هذا الفنان.

ويمكن للمتلقي أيضاً أن يجد في أعمال محمد الجعماطي حضورا واسعا لمفهوم الفراغ الذي  على أساسه ندرك قيمة الوجود ودور الموجودات الطبيعية والإنسانية في ملئه حتى يتسنى للوعي بالذات أن يدرك ذاته وحقيقة وجوده بالنظر إلى هذه المقومات. إنه وعي رسمه هذا الفنان بدقة متناهية وبألوان خاصة تدل على افتتانه بجمالية المكان.

وما يثير فضول التأمل الذي اتخذناه طريقا إستيطيقيا لتتبع بلاغة المكان عند هذا الفنان المخضرم الذي عاش فترة جيل الرواد وما أعقبها من تحول في طريقة الاشتغال على اللوحة في مرحلة ما بعد الرواد التي تميزت من خلالها مسيرته الفنية. فهو لا يتعامل مع اللوحة تعاملا أكاديميا بامتياز مطبقا تلك القواعد التي تجعل من الفراغ في الأعلى وفي الأسفل الموضوع وخصائصه المرتبطة به، حيث عمل على قلب هذه المعادلة جاعلا من الفراغ في الأسفل والموضوع تارة تجده في الأعلى وتارة أخرى يتوسط الحامل، وأحيانا يصعب القبض عليه في مكان بعينه.

 إن هذه التقنيات في التعامل مع اللوحة وفق طبيعة الموضوع والغرض الذي يهيمن على أفق تفكيره، بالإضافة إلى عملية خلق تصور جديد للواقعية من خلال تقنية خلط الألوان وطريقة توظيفها إلى درجة تيه المتلقي أمام نسيج منجزاته الفنية هل هي ابنة هذا العصر أم إنها تنتمي إلى تاريخ موغل في القدم؟

 

هكذا هو الفنان محمد الجعماطي، يؤرخ للماضي في الحاضر ويجعل هذا الأخير نفسه ماضياً ما فتئ يريد العودة من جديد، لكي يقول قوله بأن سؤال التاريخ لم ينته بعد.

فكيف يمكن للماضي أن يصير موضوع معرفة في الحاضر؟ وهل باستطاعة الفنان التشكيلي أن يعيد صياغة هذا الإشكال لكي يعبّر عن سؤال التاريخ من داخل الفن التشكيلي؟

إن الجواب عن هذا الإشكال يستدعي منا الانتقال إلى الشق الثاني من هذا المقال  وهو الشق المتعلق بسخرية الكاريكاتير عند الفنان محمد الجعماطي؛ وهي سخرية ترتبط بتاريخ قديم لنضال متواصل عزم من خلاله هذا الفنان على فضح ما هو مسكوت عنه في التاريخ المغربي الحديث والراهن. ذاك التاريخ الذي ارتبط بمشكلة التعليم، الشأن السياسي، الزبونية والمحسوبية، أزمة الوظيفة العمومية، المسكوت عنه في تاريخ التشكيل المغربي...

ولعل طريقة الرسم التي يوظفها محمد الجعماطي إما بقلم الحبر أو الرصاص على الورق؛ هي الطريقة الأنجع في التعبير عن هموم مجتمع ومشاكله التي تتراكم يوما بعد يوم، لكي تتكرر بنفس الطريقة في سائر القطاعات الكبرى للدولة وعلى رأسها:

التعليم والصحة والعدل...

والجدير بالذكر أن طابع السخرية الذي تكتسيه رسومات محمد الجعماطي، هو نفسه الذي يجس نبض  الجوانب الاجتماعية للحياة اليومية وما التصق بها من هموم المواطنين مع الإدارات العمومية ومع المنتخبين من ممثلي المجالس  البلدية والبرلمانية، أولائك الذين تجدهم على نفس المنوال وفي قالب يتكرر بين كل من يريد أن يمارس السياسة داخل المجتمعات المتخلفة.

وخير دليل على ذلك رسم كاريكاتيري عنونه الفنان محمد الجعماطي بتعبير عامي بليغ وهو:"مسقيين من مغرفة وحدة" الذي لخص من خلاله جميع الممارسات السياسوية التي نجدها داخل المجتمع المغربي، وهي ممارسات تتساوى مع نفس الأشخاص رغم تغير وتطور المجتمع وميلاد فكرة "الانتقال الديمقراطي"، إذ تظل العقلية هي نفسها تورث وتتكرر بطريقة تصاعدية نحو وجهة محددة وهي جمع المال والثروة من طرف السياسيين الذين صاروا وحوشا ضارية تلتهم الجميع، وصدق المفكر والشاعر الفرنسي سان أوجست بقوله: "لقد أبدعت جميع العلوم معارف وفنون جميلة، إلا السياسة فقد أبدعت وحوشا".

إن هذه السخرية تعبير فعلي ارتبط بقناعة ترسخت لدى الفنان الجعماطي، وهي أن جميع المجتمعات البشرية لا يمكن أن تتقدم وتتجه نحو الأمام ما لم تعطي الأولوية للتعليم وتجعله أول شيئ يجب للدولة أن تقوم عليه.فمعيار تقدم المجتمعات يقاس بدرجة وعيها وعلومها وفنونها وما أنجزته تاريخيا، أي معيار ما راكمته من ثقافة ومعارف تعود بالنفع الحضاري والإنساني عليها وعلى الإنسانية جمعاء.

يقول: "(...) عبر تاريخ الأمم كان الفنان في الصفوف الأمامية الريادية ضد الظلم والقهر والاستبداد، حاملاً مشعل الأنوار والسلام، العدالة، الحرية... من دولاكروا في لوحته الشهيرة: "الحرية تقود الشعوب" إلى لوحة بيكاسو: "لا گيرنيكا" التي أوصى باسترجاعها من متحف نيويورك بعد بناء ديموقراطية بإسبانيا...

في عالما العربي ساهم بعض الفنانين في تأصيل الأنظمة الديكتاتورية، بل كانوا أدوات عملية في يد من أحكموا القبضة على رقاب شعوبهم ولم يفلت من هذه القاعدة سوى من تبنى نظرية الفن من أجل ذاته بمعنى يصير الفن معبرا عن همومهم الذاتية فقط ولا يعبر عن آلام وهموم الشعوب."

إن وظيفة الفن حسب الفنان الجعماطي ترتبط بنفس وظيفة الفنان، ألا وهي المقاومة والانخراط في صميم ما هو مشترك وإنساني وداخل هموم المجتمع بمعناه الجوّاني والبرّاني. يستطرد قائلا: "إن الفنان يصير كائناً معطلاً بمحض الإرادة لعدم انخراطه في حركية المجتمع. هذه المقاربة العجيبة يتبناها، بل يفتخر بها كثيراً جداً من التشكيليين والفنانين عموما، لا تكاد تجد فناناً عندما تطرح عليه قضية سياسية إلا ولى وجهة شطر الوجهة المريحة، معللا موقفه بشتى الأسباب والافتراضات الغير منطقية، بل هروبا خارج مظاهرالحتجاج والمقاومة. (...)".

وعلى هذا الأساس انبنت فكرة المقاومة والانخراط الفعالان في صميم ما هو اجتماعي لجل القضايا التي يمكن للفنان أن يُقَوِّضَ من خلالها كل الأطروحات التي تبتغي هدم الكيان الواعي للمواطن المغربي، إنها فكرة اختمرت في الأعمال الكاريكاتورية للفنان محمد الجعماطي وفي نصوصه ومقالاته وقصائده التي تعبّر عنها، إذ تبتغي الخلاص للجنس البشري وهو خلاص الوعي والتقدم العلمي والمعرفي لكي نضاهي الغرب في منافسة شريفة بما راكمناه من علوم ومعارف وفنون جميلة. إن هذه المضاهاة هي الكفيلة برسم أفق مستقبلي لكي نحدد على منواله طموحاتنا ونصقل على أساسه جل معارفنا وخبراتنا، حتى يعم الخير على البشرية جمعاء وترقى إلى مستوى تطلعات كل مواطن يفتخر ببلده ووطنه.

 

د. محمد الشاوي - فنان تشكيلي وأستاذ فلسفة بالأكاديمية الجهوية طنجة - تطوان

 

 

بناء الزمن الروائي في الروايتين(زمن القصة وزمن السرد)

لقد أراد اليساري شكري المبخوت من خلال روايته الطلياني القفز زمنيا على الواقع وتبني الثورة التونسية " الربيع التونسي" كإنجاز مضمر ومتخفي داخل التسلسل السردي  نتج بفعل نضال "عبد الناصر" الطالب اليساري في إطار الحركة اليسارية المتعددة الأوجه خلال النصف الأخير من القرن الماضي  في هذه الرواية وهو الشيء نفسه الذي طمح إليه وطار من خلال إبراز زيدان كمنظر لثورة التحرير الجزائرية وما الاختلاف الحاصل في جزيئات التناول الأسلوبي في الروايتين إلا نتيجة التفاوت  الزمني فنص وطار ينتمي إلى المرحلة التقليدية الذي اقتدى فيها بالغرب فبرزت الواقعية الاشتراكية المتأثرة  بعصر الثورات التحررية المسلحة في بلدان كثيرة من العالم ومنها فيتنام والجزائر وكان يمكن القول أن الظروف التاريخية وتأثير وعي الذات القومية العربية عاملان تحكما في مضمون السرد لدى الطاهر وطار باعتباره عايش الفكر الثوري التحرري واستمد جرأته من قوة المد الشيوعي باعتبار أن الشيوعية كانت في أوج قوتها ما بين 1950 و1970 فها هو الدكتور يوسف عز الدين الذي حاول في كتابه الاشتراكية والقومية وآثارها في الأدب الحديث المحرر في نيسان ط 1968 دعوة الشباب العربي لتبني الاشتراكية كمنهج وفكر حيث يقول في مقدمة كتابه "أنني عنيت بالاشتراكية أكثر من عنايتي بالقومية لأنها موضوع بكر بالنسبة للفكر العربي المعاصر "فالاشتراكية تاريخيا كانت القطب الثاني في العالم ولكنها انهزمت كفكر وثقافة في صراعها  مع القطب الرأسمالي بعد عدة عقود من الحرب الباردة ليحل محلها الفكر الإسلامي بعمقه التراثي وهو أمر جعل اليساريين ينضوون تحت لواء الفرانكفونية في محاولة منهم للانبعاث من جديد هذا التغير الجذري على كل المستويات زمني القصة والسرد في رواية الطلياني ظهرت ملامحه بوضوح باعتبار أن للسرد أطر للقصة من موقع الأيديولوجية المهزومة رغم ذلك نلمس أيضا بوضوح التنظير نفسه بوسائله البدائية  مستمرا في كل مراحل القصة كمنهج استراتيجي ملزم مع أن المرحلة مرحلة التجديد .

وهكذا فإن زمن القصة وهو زمن المادة الحكائية في شكلها ما قبل الخطابي في رواية "اللاز " تحكي وقائع فترة محددة 1954-1962  وإن كانت البداية من سنة 1965 وبتقنية الارتداد الزمني يعود وطار بشخصياته إلى مرحلة الثورة بحيثياتها فيصنع لها عالما يساريا وصل الارتداد الزمني فيها إلى أحداث 5 مايو 1945 وانتخابات 1947 وقد خصّ الطاهر وطار هذين التاريخين بالذكر كأرقام دون غيرها من التأريخات الأخرى التي اكتفى بالإشارة إليها كأحداث فقط وهو بذلك يبغي تبسيط ما حدث فيهما وإحاطته بالشكوك للقول أن محاكمة زيدان وتصفيته إنما كانت كعمل انتقامي جماعي حاقد نتيجة الخلافات السياسية وهو ما جسدته هذه الفقرة "قالها بتأثر وصور انتخابات 1947 تتراءى له "([1]) هذا من جهة ومن جهة أخرى لتبييض مواقف الحزب الشيوعي المخزية بعد مجزرة 1945 حين واصل دعمه لسياسة الإدماج متهما الحركة الوطنية بالوقوف وراء مظاهرات 8 مايو 1945([2]). وأما زمن السرد الذي يفصله عن زمن القصة عقد من الزمن باعتبار أن الرواية صدرت سنة  1974  فإن تأثيره واضح على عملية السرد وذلك لأن السارد كان يتمتع بحرية فكرية في ظل جزائر  تمارس الفكر الاشتراكي وتفرض فكره اقتصاديا وسياسيا وثقافيا فمزج بين حاضره وزمن القصة بيد أن زمن القصة في رواية الطلياني تبدأ في نهاية جوان أو بداية جويلية 1990 تاريخ وفاة الحاج محمود والد الطلياني ([3]) وبنفس تقنية الارتداد الزمني تبرز المعالم الزمنية بكل مناحي القصة مرتبطة بأحداث تاريخية واقعية حديثة أهمها عودة بورقيبة  1955 ثم الانقلاب على نظامه في نوفمبر 1987 فكان التتابع الزمني واضحا لا غموض فيه وتجلت التأريخات كأرقام أغلبها مرتبط بنضالات اليسار التونسي أو بأحداث سياسية حاول المبخوت كيساري إبراز دور اليسار فيها أو تبنيها بالكلية جزافا.وخاصة النشاطات الطلابية وما سمي بأحداث الخبز 1984 كإشارة استباقية واضحة إلى تبني ما سمي بالربيع التونسي ويبقى السؤال رغم ذلك مطروحا فيما يخص الأرقام التاريخية الكثيرة التي تخللت النص فهل كانت لغرض إعطاء مصداقية للنص على ضوء هذه الأحداث التاريخية..؟مستغلا ما  كانت"لديه من معلومات كثيرة، ومعرفة بالصراع الطلابي في تونس جيدا وربما كان جزءا منه لأنه تقريبا في عمر "عبد الناصر"([4]) كعملية تمويهية لإخفاء الأيديولوجية المتسلطة أم هي من باب رؤية نقدية خاصة للمبخوت في ( أن الزمن هو الشخصية الرئيسة في الرواية المعاصرة ) ([5])..؟ فحاول انطلاقا من هذا المفهوم حشو النص بأرقام تاريخية بداع ومن دونه.مما أدى بالنص بالانزياح بعيدا عن الخيال فكل شخوص الرواية وأحداثها طغت عليها الرتابة .

 

الشخوص ،المصطلحات والمشاهد الجنسية

من منطلق تفسير تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية و البروليتاريا (الرأسماليين والفقراء) حسب الأطروحة الشيوعية ، ذلك "الصراع الطبقي المرير الذي سيستمر حتى يرجع الناس إلى الشيوعية الأولى"حسب زعم الشيوعيين ([6])  تلتقي شخوص الروايتين (الطلياني/اللاز) في الكثير من الخصائص والصفات وفي تعاملها مع ما يحيط بها في تصديها للظلم والمعاناة التي ترزح تحتها بفعل المجتمع كأفراد برجوازيين ومن السلطة القائمة ،لا فرق في ذلك بين الاستعمار والأنظمة العربية (الاستعمار الفرنسي /حكم بورقيبة ) حتى تلك التي تحكم باسم الاشتراكية باعتبار أن الحكم قائم بحد القوة والسلاح وتميزها الدائم والمستمر بالثورة على واقعها فزيدان لم ينضو تحت لواء جيش التحرير لمحاربة فرنسا كمستعمر ثقافي ديني وعرقي وإنما لأنه نظام إقطاعي أي أن الصراع لا يعدو أن يكون صراعا مصلحيا حسب المفهوم الوارد بنص الرواية : ."الثورة ليست سوى التمرد على الأسياد على كل شيء على هؤلاء الأسياد كما يقول أخوه زيدان لم يفهموا ولا يريدون أن يفهموا إلا أمرا واحدا ، هو مصلحتهم " [7]

لقد عمد الكاتبان مبدأ الإنتاج المادي كأساس لحياة البشر وتاريخهم في تصورهما للمجتمع (التونسي/والجزائري) في الروايتين فبدا منحطا فاسدا منتكس الفطرة ومنحلا تتوارى فيه القيم الإنسانية بمفهومها العقدي انغمس فيه الرجل والمرأة في الرذيلة والإباحية على حد سواء فبدت الروابط بين أفراد المجتمع منعدمة حتى وإن ظهرت فهي إما فاترة و حذرة  أو مصلحية متوترة كما في رواية  "الطلياني" أو مبنية على علاقات شاذة منحرفة أو أيديولوجية جبرية قسرية أساسها الخوف من التصفيات الجسدية  كما في رواية "اللاز " تصب كلها في الاتجاه الأيديولوجي الأوحد.

لقد بدت صورة المرأة في رواية الطلياني "نجلاء للاّ جنينة  ـ مريم " ، مهزومة تقليدية وعاهرة و وصولية([8]) حتى الأم " الحاجة زينب "لم تسلم من التدنيس ورغم ذلك كان للمرأة دور تأثيري هام على مجرى الرواية في صراعها المرير مع الرجل (الصراع الطبقي) فزينة تريد التحرر من كل القيود حتى زواجها من عبد الناصر أرادته أن يكون مسألة خاصة لا دخل فيها للمجتمع وترى أن الرابط الوحيد فيه هو الحب وقد انتهت العشرة بانتهائه وما ذلك إلا تجسيدا لنظرية إنجلز" القائلة :"إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعني إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها "[9] وكان للمرأة أيضا دور فسيولوجي شبقي أنثوي كـ "للاجنية .نجلاء ومريم"أو قوادة كالحلاقة " وأخريات اللواتي كن يمثلن عاهرات الثورة البروليتارية [10] في حين أن المرأة في رواية "اللاز" لم تكن حاضرة إلا بجسدها الشبقي فلم تؤثر البتة في الأحداث إلا من حيث هي كنتائج لفعل الرجل عليها فكانت بحق عاهرة الثورة البروليتارية ويمكن أن يكون وطار قد قزم دورها لظروف الحرب وما تستدعيه من قوة فسيولوجية  ويجعل منها مجرد أيقونة ضمن نزوات  الرجل المستبد الطاغي وفقا للأخلاق الشيوعية غير القارة في خضوعها لمصالح نضال البروليتاريا الطبقي .أما الرجل عند المبخوت فاقتسم دور البطولة بالتساوي مع المرأة فظهر الرجل العصري مضطرب السلوك بلا ثوابت منحرف ينتابه الشك في كل ما يحيط به حتى السياسيين وذوي الثقافات العالية كانوا في أغلبيتهم انتهازيين وشواذ "عبد الناصر عبد الحميد ومدير الجامعة الأساتذة " وأما الرجل التقليدي فمحصور في معتنقي الصوفية بكل انحرافاتها بين جاهل  الحاج محمود (والد زينة) ودرويش (علالة) أو مختل سلوك (بوك علي) و ظلامية ورجعية  بين سذج وجهلة لا يميزون بين البعرة والدرة " الفصيل الإسلامي" [11]

من منطلق شيوع الملكية فشيوع الجنس وعلى خطى  الطاهر وطار" في بواكير أعماله الذي "انغمس في أجواء الرذيلة وامتهان مختلف القيم الإنسانية السامية في روايته " عرس بغل" حيث ارتقي درجات الوصف كلها ليشّرح بالتفصيل أحط أنواع الممارسات التي قد تحدث بين شخصين، أكثر من ذلك يتفنن في تصوير المواقف المخلة بالحياء ليطعمها ببعض مشاهد العنف "[12] وإن كان في رواية " اللّاز" ابتعد قليلا عن أسلوب الإثارة فإنه ارتكز في تناول أحداث روايته على وقائع جنسية مخلة بالحياء من لواط وفحشاء وزنا المحارم وسعى لشرعنتها من خلال إضفاء أدوار بطولية على مرتكبها ك"بعطوش" الذي نال من خالته "حيزية " ثم قتلها ليكفر عن سيئاته بعد ذلك بتنفيذه لعملية عسكرية ناجحة [13] أو "اللاز" ذلك اللقيط الذي يمارس اللواط مع قائد الثكنة ويبرر فعلته بانضوائه تحت لواء جيش التحرير و"حمو" الذي يمارس الجنس مع ثلاث أخوات " خوخة –الدايخة–مباركة " مجتمعات ثم عندما تحبل إحداهن تقتل جنينها وترسله له ليحرقه في فرن الحمام الذي يعمل به[14] وقد عمد الكاتب إلى  التبسيط في تناول هذه الأفعال مجسدا نظرية "كأس الماء" التي تقول بأن تلبية الغرائز الجنسية والحاجة إلى الحب لن تعدو في المجتمع الشيوعي أن تكون أكثر من أمر بسيط تافه كاجتراع كأس من الماء [15] وربما الخوض سردا في تفاصيل العلاقات الجنسية أبسط بكثير من شربة الماء تلك .

على نفس الخطى يبث شكري المبخوت في رواية الطلياني مشاهد شذوذ ولواط وزنا المحارم ويصنع من أكثرها متعة لنصه حتى  يُخيل للقارئ وهو يقرأ رواية الطلياني أو اللاز  أنه أمام فيلم إباحي مقيت مخرجه يدعو للمثلية تدور أحداثه داخل مجتمع غربي فاسد بهيمي الرغبات فاعتماد الوصف بدقةٍ تفاصيلَ علاقاتٍ حميميةٍ بات أمرا يلجا إليه كل روائي بدعوى أن هذه المشاهد الجنسية هي عنصر مهم وضروري من عناصر الإثارة خدمة للحبكة الفنية في الأعمال الروائية ولكني كالكثير من القراء شعرت أن إفراد فصول  وفقرات كاملة  لمشاهد جنسية تكررت فكانت بطريقة عرض بشاشة كبيرة "من شأنها تُفقد الإنسان كل قيمه الاجتماعية ليتحول إلى مجرد آلة تشتغل بأوامر الغريزة، هذا التناول المهين و المفجع لقيمة الإنسان يجعلنا نطرح تساؤلا بريئا عن الهدف الذي يتوخاه الكاتب من كل ذلك الوصف مع أن السياق العام للرواية"[16] يشير للنضال اليساري الثوري ضد طغيان البورجوازية بوجهيها الاستعماري والديكتاتوري فهي مجرد نزوات لم تكن لضرورة يقتضيها المبنى الحكائي للنص فلا هي مسرودة بذلك المقدار الكافي ولا بالكيفية التي كان يجب أن تعالج بها المواقف الجنسية فبدا الحشو ظاهرا فكانت وسيلة للمتعة واللذة الجنسية على حساب بنية سردية  مهترئة حيث كثرت الألفاظ المقززة في وصفها لعمليات الشذوذ الجنسي (سكاكين اللحم والمصمصة الأخيرة قبل غلق المصنع )([17])  و هذه الحالة  تعرض إليه الكاتب الناقد الأستاذ الدكتور حبي مونسي حيث قال أن "آفة السرد الكبرى أن تُحشا الفقرات بالمشاهد كما يُحشا الوساد بالصوف". ويقصد بذلك المشاهد الجنسية ([18])فحتى الأم الحاجة زينب بشخصيتها الفضة  القاسية والتي كان يفترض أن تبعد عن المشاهد الجنسية والتوليف الغرائزي المثير لمدعى إنساني أخلاقي بعيدا عن المعتقد الديني يحفظ للأمومة كرامتها كمرجع إنساني ويصونها كقيمة من كل دنس وجدناها تمارس الجنس ككل بطلات الرواية على سبيل التلميح تارة وتارة أخرى توضع موضع  شك وريبة في الكثير من المواقف وهي تهمهم بالقول عن ابنها " ولد الحرام لا ينتظر منه غير العيب "([19]) أو في سؤال إحداهن (من أين أتيت به ؟ ) [20]أو البحث عن أوجه الشبه بين عبد الناصر والطلياني من خلال تعدد وتكرار التساؤل  في سياق ملؤه الريبة يقينا هي إشارة واضحة لسقوطها في وحل الخيانة وهي القناعة التي تأتي  نتيجة  التفاعل بين تخبل المروي له والنص. ويبقى التساؤل عن نسب عبد الناصر مطروحا فهل كان فرنسيا أم يهوديا ،إيطاليا أم مالطيا([21]) رغم أن الراوي فصل في الأمر حين كناه بالطلياني .

إن إجماع الروائيين الطاهر وطار وشكري المبخوت على تجسيد صورة سلبية للمرأة العربية في كل الأحوال سواء المثقفة "زينة " في رواية الطلياني  أو غير المثقفة "زينة " في رواية اللاز فرغم أن زينة الطلياني كانت مثقفة عالية الذكاء ومتحررة حد التفسخ أي أنها متشبعة بالفكر الشيوعي إلا أنها كانت سلبية انتهازية عاهرة وبذلك تساوت الشخصيتان من حيث القيمة فالعنصر النسوي الذي بدا في النصين سلبيا حتى في التحرك المكثف لزينة "الطلياني" يجعل الأمر يبدو غريبا لأن الكاتبين كمنتميين لليسار الذي طالما تغنى بدفاعه عن حقوق المرأة قد عمدا لتشويه صورة المرأة العربية  وفي المقابل وكظاهرة لا يمكن تفسيرها عمدا إلى إبراز صورة المرأة الأوروبية كشخصية مثالية ، مثالية في ثقافتها وفي تصرفاتها وسلوكها مع الشخوص الأخرى بالرواية وفي علاقتها مع الطرف الآخر "الذكر"ففي رواية اللاز تظهر "سوزان . " زوجة زيدان الفرنسية وإن لم يكن لها دور بطولي فعال في النص  ولكنه كان متميزا تمثل في ترقية زيدان والوقوف إلى جانبه حتى اكتملت شخصيته ورغم أنها غابت إلا أنها كانت بالنسبة للراوي المرأة المثالية في رقتها ونقائها إذ لم يورطها في أي فعل جنسي بل نجده يصفها على لسان زيدان وكأنها ملاك "ذات يوم قادتني من يدي إلى دار البلدية لنسجل عقد زواجنا وفي كل ليلة قبل أن ننام تقبلني وتهمس في أذني ستدخل الجامعة الشعبية  " وليلة احتفالنا بتخرجي من الجامعة الشعبية همست سوزان في أذني : سنرحل إلى موسكو للدخول في مدرسة القيادة الوطنية "[22]أما في رواية الطلياني فظهرت انجليكا أخت زوجة صلاح الدين في أبهى صورة ممكنة للمرأة  في عصرها .. فهل هو من باب إعجاب أصحاب هذه الأيديولوجية بالمرأة الأوروبية في تحررها وقدرتها على التأثير فيمن حولها أم هي نظرية المغلوب المولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله وعوائده كما بين ابن خلدون في مقدمته, أم أنه مجرد تناص فكري وروائي فقط.؟

 

مظاهر الاستهتار والاستهزاء من المعتقد الديني  في الروايتين اللاز والطلياني كالتزام شيوعي

نحن هنا لسنا بصدد إجراء نقد عقائدي مرتبط بايدولوجيا ذات بعد ديني نعتمد عليها في أحكامنا على النص لتوضيح مخالفاته لعقيدة دينية محددة  فهذا أمر له أهله ولكن هذه الدراسة التي بين أيدينا هي التي اقتضت الخوض في هذا الجانب مثله مثل الجوانب الأخرى التي خضنا فيها وهذا لعدة أسباب أولا لتوضيح مدى تشابه كتابات اليساريين العرب وثانيا للتأكيد على مدى تعلقهم والتزامهم بالفكر الماركسي وثالثا حتى نتطرق إلى عامل الدين كأحد أسباب نفور الشعب العربي المسلم من اليساريين وعدم الانخراط في سياساتهم والتطلع إلى كتاباتهم الأدبية فالشيوعية كتنظير علماني مادي لا يؤمن بالدين كأحد مقومات الشعوب ولا ينكره فقط و إنما يقوم بمحاربته على المستويين السياسي والفكري  ويبرر لينين هجوم الشيوعية على الأديان بقوله: "إن حجر الزاوية في رأي كارل ماركس و إنجلز في الدين هو قولهما المأثور: (إن الدين أفيون الشعب). وتتجسد هذه المقولة فعليا في الكثير من مراحل الحكي عند وطار في "اللاز" في فلم يكتفي بإقصاء العامل الديني من أي دور كأحد العوامل التي فجرت الثورة التحريرية بل وجدناه يسخر من كل ما يتصل بالدين الإسلامي مبرزا الجوانب البدعية التي حاربها الشيخ عبد الحميد بن باديس  عارضا إياها على أساس أنها جزء راسخ ويقيني من الدين الإسلامي وهنا نستعرض هذا الحوار الذي دار بين شخصيات الرواية:

"ماذا كنت تشتغل قبل أن تتجند

أبيع الريح وأقبض الصحيح

معلم قران إذا  ...طالب

هأهأ أتعرفون أن الطالب والكلب لا يتعاشران

ويبتسم زيدان ( الشيوعي)ويضيف كجواب

بسبب العظام هأهأ.. لا أحد منهما يطمع في الآخر هأهأ[23]"

ثم يقوم بخلط عمدي بين الفلسفة والدين وفي حديثه عن مصر فيقول على لسان زيدان (الشيوعي)""هاهي مصر تزيده تعفنا أم الدنيا ، جدتها تحاول مرة أخرى أن تبعث بموسى ويوسف واريوس وأفلوطين[24] "

والموقف الأكثر غرابة هو هذه الفقرة التي صيغت على لسان زيدان "إنني مقتنع إنني لا أستطيع الكف عن الحنين إلى هذا الشيء المحرم (يعني التدخين الذي منع أثناء الثورة التحريرية ) إلى أين يقول "لقد كان النبي محمد مثالا في حياته إلا في المرأة ... لم يقهر إنسانيته في هذه القضية فعاشها حتى الأعماق ..قبل الجميع تبريراته بدون نقاش كانوا يفهمونه " ([25])  نجد أنه هنا يشبه الحاجة إلى التدخين بالحاجة إلى المرأة في الظاهر ولكنه يثير قضية التعدد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفذ منها إلى الاستهزاء بالدين وهو أمر سبقه إليه اليهود والنصارى. أما في رواية الطلياني فقد كان المبخوت أكثر تحفظا من وطار فهو وإن لم يهاجم الدين الإسلامي مهاجمة صريحة فإنه أقال الدين من أي دور داخل المجتمع التونسي حين صنع من خصوم عبد الناصر الإسلاميين مجرد جهلة كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك وحاول هو الآخر إبراز ما لصق بالدين من بدع على أنه الدين الإسلامي مبرزا الطريقة الصوفية لـ "سي الشاذلي"  كإسلام وسطي وراح يبين ميزاته حيث قال الراوي "كان من الطبيعي أن يصبح سي الشاذلي أمام الخمس في المسجد  ’’ أنفق سي الشاذلي مالا كثيرا ثم إن تقواه لا يرقى إليها الشك  [26] فسي الشاذلي فنان أيضا فنان صوفي يحفظ الأناشيد على الطريقة الشاذلية والقادرية وله تطويرات في الإنشاد الديني و.و.و[27] منتقدا على لسان زينة التي تمثل وجهة نظر قرامشي  الكثير من الجوانب العقدية في الإسلام كالتعدد في الزواج  و إلصاق العنف بالإسلام ليصوغه في صورة الإسلام بكل طوائفه   "خصوصا أن الظرف السياسي العام وتنامي عنف الإسلاميين"[28]

ولكن ما يستشف كفكر لدى "زينة /عبد الناصر" من خلال سلوكهما وتعاملها مع المحيط هو عدم الاعتراف بالدين داخل مجتمعهما فهم يرونه عائقا لكل تحرر وتقدم وهو أمر التزم الراوي بالتكتم عنه ولكنه في نفس الوقت لم يجهر بالإلحاد الذي هو أساس الفكر اليساري بينما في رواية اللاز نلاحظ أن الراوي بين إلحاد زيدان كشخصية شيوعية وجدت ضمن حركة التطور الديالكتيكي والواضح أن سبب هذا التباين والاختلاف في التعرض للفكر الإلحادي في الروايتين بهذا الشكل كان بسبب تغير الظروف السياسية والثقافية بين زمني السرد والقصة في الروايتين فما جعل المبخوت يلتزم بالقليل من التحفظ هو انتشار الوعي الثقافي ثم الديني لدى عامة الشعب العربي وإدراكه لحقيقة تعاليم الإسلام من جهة وتقهقر الشيوعية وانحصار فكرها من جهة أخرى  وهو سلوك برره لينين في عام 1905 وهو يجيب عن تساؤله بالقول : لماذا لا نعلن في برامجنا أننا مُلحِدون؟ إننا نفعل ذلك لكيلا نزوِّد خصومنا بسلاحٍ يهاجموننا به، فعدد المؤمنين بالله لا يزال يفوق عدد الملحدين.ثم نجده في عام 1927 يقول: إننا نقوم بالدعوة ضد الدين الآن لأننا أقوى من أن ينال خصومنا منَّا عن طريق التشهير بإلحادنا، ولقد كنَّا نحرص في الماضي على عدم إعلان إلحادنا لأننا لم نكن أقوياء،" وقياسا عليه فهو اعتراف ضمني من الراوي "شكري المبخوت " على تقهقر الفكر الشيوعي ويعكس عند وطار القوة التي تمتعت بها الشيوعية فترة تطبيق الاشتراكية بالجزائر 1968/1978 علما أن زمن السرد في اللاز كان سنة 1974 تاريخ نشر الرواية .

تمجيد التراث الغربي في روايتي الطلياني واللاز حد الحشو

إذا كانت استجابة القارئ يقينية فإنها بلا شك  تتفاوت ملامحها بحسب الوعاء الثقافي للتلقي ولكن قد يبلغ المبدع حدا من الترميز في توظيفه لنصوص أخرى داخل نصه إما دلاليا أو تقاطعا ما يجعله مصدر إثراء لعملية التلقي فيفتحها على فضاءات ثقافية وأدبية أخرى فتكون المتعة واللذة وتزداد نسبة المقروئية ولكن ينعكس ذلك كله إذا وظف هذا التوظيف إما للتباهي بطول النفس الروائي أمام المتلقي و باتساع الاطلاع وإما للتوظيف فقط كعملية حشو ابتغاء الكم .وبعيدا عن المصطلحات والنظريات الأيديولوجية ذات التوجه الشيوعي التي احتلت حيزا واسعا في روايتي"اللاز / الطلياني" كما أوضحنا فإن الروائيين  وربما للأسباب التي ذكرناها مجتمعة  تعمدا إدغام نصوص أخرى داخل النص بشكل ملفت وربما كان هذا الأسلوب أكثر حضورا برواية اللاز  حيث كان الحضور باهتا ومعقولا لرواية " لمن تقرع الأجراس" لهمنغواي وقويا منفرا يدعو إلى التساؤل لرواية " تيربز دي كيرو " لفرانسوا مورياك . فاحتلت حيزا واسعا في الرواية ورغم أن وطار حاول تبرير حضور شخصية تيريز من خلال ذلك النقاش الذي دار بين زيدان بطل رواية اللاز وأصدقائه الشيوعيين الذين تساءلوا عن علاقة " تيريز"  بالراهن في أوضاعهم و أوضاع الجزائر ولم يجدوا جوابا مقنعا وهكذا لم يفلح وطار  في هذا التوظيف فظهرت كمجرد محاولة فاشلة لإخراج بطل روايته  من الموقف الانهزامي اليائس إلى فضاء التمرد والثورة ضد الواقع  مقلدا الشخصية  " تيريز " تلك المرأة العلمانية  الخائنة الغادرة التي لجأت بخساسة إلى محاولة قتل زوجها ، بعد أن عشقت رجلا آخر وبذلك ظهر النص دخيلا لا علاقة له بمرجعية النص الأساسي  فبدا كهذيان وهستيريا ما قبل الإعدام وهو ما يطرح عدة تساؤلات من بينها هل كان التوظيف مجرد نزوة تنم عن عشق وطار لهذه الرواية  كنقطة تلاقي مع الجنرال ديغول، الذي كان يكنُّ حباً خاصاً لرواية «تيريز دي كيرو"هذا الحب الذي كان سببا في شهرتها بين جمهور القراء الفرنسيين أم أنه كان إعجابا منه بتراث الغرب كتعبير عن رفض التراث العربي الإسلامي الذي لا يخلو من المواقف البطولية التي كان يمكن استحضارها في الكثير من المواقف  أم هو انبهار  بالروائي فرانسوا مورياك الصديق الحميم للجنرال ديغول .. فعلا إنها مفارقات عجيبة لا يمكن تفسيرها إلا من وجهة أيديولوجية تحتقر كل ما هو عربي إسلامي .

أما في رواية الطلياني فقد وردت أسماء كثيرة لأعلام غربيين منهم ديدرو و المركيز دي ساد وستاندال و بلزاك . دوستويفسكي. تشيوخوف وشكسبير ،مارلو بونتي، ستارتر وروسو [29] وبإسهاب حاول التعمق في فكر الباحث الاجتماعي الفرنسي  بيار بورديو[30]حيث تم التعرض لعرض أطروحاته وأفكاره ولكن على غرار وطار فإن التوظيف هنا كان جيدا وفر ترابطا بين الأحداث والأفكار.

 

الخاتمة

على حد تعبير الدكتور منذر عياشي دائما فإن الايدولوجيا تقبل أن تكون أداة لكلما وردمن أفكار ولكن في حال الهيمنة والتسلط المطلق فإنها  تغلق النصوص وتمنع التعدد وتشجب الغياب وترتاب من الغموض وتغلق من المجاز وتعتقل القارئ لتجعله بوساطة السلطة يكرر الشعار الواحد والرؤية الواحدة  [31] وللقارئ العربي بعد هكذا فعل أن يثور ويرفض ترديد الشعارات الجوفاء لسلطوية النص في ظل ثورات عربية فاجأت الحركات السياسية في العالم العربي وخاصة ما سمي بالربيع التونسي الذي انطلق خارج أسوار الجامعات بعيدا عن كل التنظيرات الثورية التي زكاها شكري المبخوت استباقا وما حالة التظاهر من خلال رواية الطلياني في هذا الوقت بالذات إلا نوع من أنواع القفز فوق منابر ما سمي بالثورة بغية الاستحواذ عليها وتبنيها وما محاولة نقد الماركسية فيها على لسان زينة إلا تماثل مع أفكار غرامشي الذي حاول أن يخرج المثقف من دائرة التحزب ويبعده خارج البروباغندا الحزبية لكن يبدو أن دور المثقف اليساري لم ينفذ أبدا خارج المنظومة وهو ما بدا واضحا في روايتي الطلياني واللاز لأنه حسب المفكر عزمي بشارة فإن ما قام به غرامشي  كان محاولة للتوفيق بين واقع الحركة الشيوعية وفكرها من خلال التوفيق بين الماركسية التقليدية وواقع المجتمعات الأوروبية فهو لم يكتشف دورا للمثقف داخل المنظومة الشيوعية بل كل ما قام به هو شرعنة دوره داخلها لأن الشيوعية لا يُعترف في فكرها للمثقفين بدور خاص [32]  ويظل اجتهاد اليساريين لتفتيق طاقتهم الأيديولوجية  ضرب من الخيال.فالكاتب منهم لا يكتفي بإظهار موقفه الإيديولوجي من قضايا ومشكلات فكرية خلقية اجتماعية معاصرة أو تاريخية وتلمس اللاوعي لدي القراء لإقناعهم ضمن الوظيفة التبليغية بل نجده كمتكلم يرى أن أيديولوجيته الخاصة عقيدة تعبر عن الوفاء والتضحية والتسامي ويرى في أيديولوجيات الخصوم أقنعة تتستر وراءها نوايا خفية لاواعية يحجبها أصحابها حتى على أنفسهم لأنها حقيرة لئيمة وإن أيديولوجية المتكلم تنير الطريق فتهدي الخلق إلى دنيا الحق والعذل بينما تعمي أيديولوجية الخصم الناس عن سبيل الحقيقة والسعادة[33] فرغم أن الطاهر وطار عايش نتائج الثورة "الحرب التحريرية "التي خاضها خصومه السياسيون وأدرك بشكل واقعي ملموس أن أيديولوجية زيدان ما كانت لتصل إلى النتائج نفسها لو لم يسلك أيديولوجية الخصوم إلا أنه ظل مصرا على اعتقاده ولم يكلف نفسه حتى مجرد انتقاد زيدان داخل النص بل وجدناه يطرحه كبديل واستمر يحتقر على أيديولوجية الخصم على لسان بطله الشيوعي زيدان الذي قال "وضع الشيوعيين في هذا الهيكل العظمي المسمى العالم العربي الإسلامي " [34] فهو يشبه العالم العربي الإسلامي بالهيكل العظمي لما لهذه الصفة من دلالات تنفتح في أكثرها سيميائيا على الفناء والموت وكمادة جامدة في كل الفنون فهو قمة الخواء والاضمحلال الجسدي للكائن الحي فالاستعمال هنا جاء ليعبر عن احتقار ويمكن أن يعذر كاتب اللاز لأن الشيوعية العالمية لم تكن قد أعلنت تقهقرها بعدُ زمن سرد النص ولكن المبخوت لا يمكن أن يُصنف إلا كشيوعي متحجر يباشر ديكتاتورية البروليتاريا  حين تتجلى في نصه تلك(الأنا المنتقمة )بصورة أوضح من وطار .

ومن هكذا منطلق نجد قارئ الطلياني الباحث باعتباره مرويا له عن اللذة في النص التي عرفها رولان بارت على أنها ذلك النص الذي يُرضي فيملأ فيهبُ الغبطة [35] سيجد نفسه وهو المُخاطب  مجرورا إلى إتباع هذا النمط من السلوك المعارض في تعامله مع المتن الحكائي وما هو في الحقيقة  إلا نتاج الفعـل التأثيـري ( un acte pperlocutoire)  الذي يكتسح نفسيته في إطار العملية التواصلية فيظهر لديه نوع من التمرد  على سلوكه القراءاتي كردة فعل "اكتساب حركات جديدة" كشكل من أشكال الرفض، وقد يتعدى ذلك إلى البحث عن شخصية الراوي داخل النص ولا استثني نفسي من دائرة التأثير هذه هنا وأنا أحلل أو أؤول غير أن "لكل فعل تواصلي (acte de communication)   نتائج معينة[36]" قد تكون معاكسة تماما لمقاصد الراوي لأن النص وقراءته شيئان منفصلان وما حالة التعارض الكبرى إلا وجه من أوجه الفشل في تأدية الوظيفة التبليغية العامة لدى الفئة المعارضة باستثناء طبعا عصبية الراوي الأيديولوجية التي تراه قد نجح في تأدية مهمته الحزبية، هذا المنحى العقائدي المكثف بجلاء في روايتي "اللاز الطلياني "فغلبت اللهجة الماركسية على المبنى الحكائي أو الحبكة وغطت بذلك على البؤرة النصية بشكل كامل معتبرة ما دونها معارضة طبقية لا جدوى منها على حد قول رولان بارت[37] بل حتى مواطن الطبقة الأقل أو البروليتاريا أو جذوع البطاطا [38] كما نعتها الراوي من منطلق أيديولوجيته التي ترى ما حولها بدونية لم تسلم من التهميش والاحتقار  وهذا الفعـل الإنــــجـازيun acte illocutoire)  (أو الفعل الخاص والمحدد (L’acte spécifique)  الذي يقصد المتكلم إلى تحقيقيه كما عرفه "أوستين"[39]جعلها تطفو آو تعبر فوق النص لأن التفاضل في لذة النص لا يقوم على أساس أيديولوجي إنما هو الوحدة الأخلاقية التي يلح المجتمع على وجودها في كل إنتاج إنساني[40] أي ذلك الذي ينحدر من الثقافة فلا يحدث القطيعة معها ولاشك أن لا أحد يعارضني في أن ثقافة الشعب التونسي لا تمت بصلة إلى الشيوعية في الكثير من ممارساتها وما يدور في فلكها لأن تنظيرها الثوري الذي دام طويلا لم يقدم لمعتنقيه أدنى نتيجة . ومن ثمة فإن هذه القطيعة داخل المتن الحكائي يقينا ستنعكس سلبا على نفسية المسرود له فتجعله في  قراءته للأحداث التاريخية المسرودة التي تم حشوها لإضفاء  صفة الواقعية على النص ستولد لدى المروي له رغبة في دخول الصراع بغية الرد دفاعا عن نفسه وسيتوجه بالضرورة بحثا عن الراوي مباشرة داخل المتن الحكائي وخارج انسجام الخطاب أو تماسكه الداخلي في تحليل لا شعوري قد يرقى في بعده الأدبي إلى التحليل السيكولوجي للمبدع "الراوي Narrateurلارتباط سيكولوجيته وحالته الاجتماعية في عملية بلورة الإبداع السردية والحكائيةNarrativité  لديه لما للعاطفة من دور أساسي في إنتاج الأدب أو تلقيه .وإذا كان جيل النقاد والأكاديميين الذين عاصروا الطاهر وطار قد مجدوا رواية اللاز لأن الفكر الشيوعي كان هو المسيطر آنذاك ولنا في ما ورد بكتابات بعض النقاد مثل الدراسة النقدية بعنوان  الطاهر وطار تجربة الكتابة الواقعية الرواية نموذجا للكاتب واسيني الأعرج سنة 1988 خير دليل ، فإن شكري المبخوت لن يلقى نفس العناية التمجيدية لأن  زمن الشيوعية قد ولى من غير رجعة .

 

أبو يونس معروفي عمر الطيب

......................................

المراجع:

  1. الطاهر وطار رواية اللاز ص 218
  2. الطاهر وطار رواية اللاز ص 182
  3. شكرى المبخوت رواية الطلياني ص 8
  4. أحمد إبراهيم الشريف يكتب:"الطليانى" لـ"شكرى المبخوت"رواية منزوعة" الخيال"جريدة اليوم السابع, السبت، 16 مايو 2015 - 01:04 م
  5. حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، بيروت ، ط 1 ، 1990ص112
  6. موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة الفصل الرابع: المذاهب الفكرية المعاصرة المطلب السادس والخمسون: الشيوعية ومرجعه في
  7. ثامن عشر: الرد على مزاعم الشيوعية ومرجعه المذاهب الفكرية المعاصرة غالب عواجي  1212/2
  8. الطاهر وطار رواية اللاز ص 41
  9. هل يمكن أن ينتصر النصّ في تصوير البطل المهزوم ...؟ رواية "الطلياني " أنموذجاجليلة عمامي 2015-06-05
  10. كتاب " المرأة والاشتراكية " ( ص 51 من الترجمة العربية )
  11. رواية الطلياني شكري المبخوت ص
  12. رواية الطلياني شكري المبخوت ص 67
  13. مقالة بعنوان الفضيلة في الرواية الجزائرية بقلم يوسف بن يزة منشورة بمدونة الدكتور حبيب مونسي
  14. الطاهر وطار : رواية اللاز ، ص146
  15. الطاهر وطار : رواية اللاز ، ص23/24
  16. جريدة المناضل عدد 41 لينين والمسالة الجنسية كلارا زتكين
  17. مقالة بعنوان الفضيلة في الرواية الجزائرية بقلم يوسف بن يزة منشورة بمدونة الدكتور حبيب مونسي
  18. رواية الطلياني شكري المبخوت ص23
  19. مدونة روضة الأديب الأستاذ الدكتور حبيب مونسي مقالة بعنوان المشهد الجنسي في الرواية العربية  الجزائر نيوز 22  جانفي 2010
  20. رواية الطلياني شكري المبخوت ص8
  21. رواية الطلياني شكري المبخوت ص23
  22. رواية الطلياني شكري المبخوت ص24
  23. الطاهر وطار رواية اللاز ص165
  24. الطاهر وطار رواية اللاز ص156
  25. الطاهر وطار رواية اللاز ص168
  26. الطاهر وطار رواية اللاز ص 135
  27. شكري المبخوت رواية الطلياني ص326
  28. شكري المبخوت رواية الطلياني ص328
  29. شكري المبخوت رواية الطلياني ص 175
  30. شكري المبخوت رواية الطلياني ص 73
  31. شكري المبخوت رواية الطلياني ص 68
  32. حوار مع الدكتور منذر عياشي مقدمة لكتاب رولان بارت  لذه النص  ص13
  33. دراسة عن المثقف والثورة  عزمي بشارة " مجلة تبين العدد 4 " مايو 2014 صفحة  06و05
  34. عبد الله الغروي مفهوم الإيديولوجيا المركز الثقافي العربي الطبعة 5/1993 ص 10
  35. الطاهر وطار رواية اللاز ص 161
  36. رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش الطبعة الأولى 1000/12/1992 ص39
  37. [1]60 - J. Austin Quand dire c'est faire ,P: 109.
  38. رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش ص 58
  39. رواية الطلياني شكري المبخوت ص 62
  40. رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش  ص62

 

الهوامش

[1]- الطاهر وطار رواية اللاز ص 218

[2]- الطاهر وطار رواية اللاز ص 182

[3]- شكرى المبخوت رواية الطلياني ص 8

- [4]أحمد إبراهيم الشريف يكتب:"الطليانى" لـ"شكرى المبخوت"رواية منزوعة" الخيال"جريدة اليوم السابع, السبت، 16 مايو 2015 - 01:04 م

- [5]حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، بيروت ، ط 1 ، 1990ص112

- [6]موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة الفصل الرابع: المذاهب الفكرية المعاصرة المطلب السادس والخمسون: الشيوعية ومرجعه في

ثامن عشر: الرد على مزاعم الشيوعية ومرجعه المذاهب الفكرية المعاصرة غالب عواجي 1212/2

- [7] الطاهر وطار رواية اللاز ص 41

- 8 هل يمكن أن ينتصر النصّ في تصوير البطل المهزوم ...؟ رواية "الطلياني " أنموذجا جليلة عمامي 2015- 06- 05

- [9]كتاب " المرأة والاشتراكية " ( ص 51 من الترجمة العربية )

- [10]رواية الطلياني شكري المبخوت ص

[11]- رواية الطلياني شكري المبخوت ص 67

- [12]مقالة بعنوان الفضيلة في الرواية الجزائرية بقلم يوسف بن يزة منشورة بمدونة الدكتور حبيب مونسي

[13]- الطاهر وطار : رواية اللاز ، ص146

[14]- الطاهر وطار : رواية اللاز ، ص23/24

[15]- جريدة المناضل عدد 41 لينين والمسالة الجنسية كلارا زتكين

[16]- مقالة بعنوان الفضيلة في الرواية الجزائرية بقلم يوسف بن يزة منشورة بمدونة الدكتور حبيب مونسي

[17]- رواية الطلياني شكري المبخوت ص23

[18]- مدونة روضة الأديب الأستاذ الدكتور حبيب مونسي مقالة بعنوان المشهد الجنسي في الرواية العربية الجزائر نيوز 22 جانفي 2010

[19]- رواية الطلياني شكري المبخوت ص8

[20] - رواية الطلياني شكري المبخوت ص23

[21]- رواية الطلياني شكري المبخوت ص24

[22]- الطاهر وطار رواية اللاز ص165

[23]- الطاهر وطار رواية اللاز ص156

- [24]الطاهر وطار رواية اللاز ص168

[25] - الطاهر وطار رواية اللاز ص 135

- [26]شكري المبخوت رواية الطلياني ص326

[27]- شكري المبخوت رواية الطلياني ص328

[28]- شكري المبخوت رواية الطلياني ص 175

- [29]شكري المبخوت رواية الطلياني ص 73

[30]- شكري المبخوت رواية الطلياني ص 68

[31]- حوار مع الدكتور منذر عياشي مقدمة لكتاب رولان بارت لذه النص ص13

[32]- دراسة عن المثقف والثورة عزمي بشارة " مجلة تبين العدد 4 " مايو 2014 صفحة 06و05

[33]- عبد الله الغروي مفهوم الإيديولوجيا المركز الثقافي العربي الطبعة 5/1993 ص 10

[34]الطاهر وطار رواية اللاز ص 161

- [35]رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش الطبعة الأولى 1000/12/1992 ص39

[36]60 - J. Austin Quand dire c'est faire ,P: 109.

[37]- رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش ص 58

[38]رواية الطلياني شكري المبخوت ص 62

39-

 - [40]رولان بارت لذة النص ترجمة الدكتور منذر عياش ص62

 

تحليق في رؤى الابداع، في هذا النص المشترك (القصيدة - المقامة) بما يمثل في تفاعها الوجداني الصادق . قمة المتخيل الفني والبلاغي البليغ ، بهذه المفردات الصوتية والسمعية، التي ترن في لحنها الجنائزي، بعباراتها البليغة في التعبير والوصف  والايحاء الموجع والمؤلم، في وجدانها الملتهب والساخن . في (قلب شكا وقلب هفا) انها مطارحة روحية ووجدانية، في شجن الحزن والنكد والنوى والوجد، والوجع المشترك، انها مرثية الحياة، التي اسودت في الجفاء والجفاف والخواء، بأنها اصبحت  صحراء قاحلة، تمرغ الحياة بالخواء والالم واليأس والاحباط والخيبة . ان هذا الابداع المشترك، يمثل منولوج الحياة الواقعية والفعلية، في نص مفتوح على كل الجراح، في ميلودراميتها التراجيدية، لتكشف عن مضمور من الجبال، من لواعج الهموم، والهواجس المعفرة، بلوحة الحياة السوداوية، وهي تحمل صدق المعاناة ومصداقية الوجدان، وهو يكشف عن مرارة القيح الذي يغور ويمور في الصدر، ليكشفها، لتشكل لوحة نفسها بنفسها، ولكن الريشة السوداء احتلت كل ضفاف اللوحة الرسمية، وهي تترجم محنة الحياة والروح، بالشكوى والعتاب والمناجاة، في زمنٍ لايرحم، وقدرٍ دلف في عتمة الدهاليز المعتمة، بأن يصرع القلوب الصافية والطاهرة والنقية، لكي يهزمها في كهوف الهموم الموجعة المعتمة  . ان النص المشترك (القصيدة والمقامة) تكشف لعبة الزمن التعيس، وعبث القدر اللعين . ان هذا الابداع المشترك، من الممكن ان يتحول الى نص درامي مسرحي من التراجيدية السوداء، وهو يكشف ألتقاء الروحين في روح واحدة، في الانسجام التام، في الهم والغم والكدر، لذا احاول محاولة اكتشاف ثنائية التوحد والالتقاء،  في حثيثات وتجليات، في هذا الابداع المشترك، في عناوين هذه المكونات، وهي :

1 - الجرح :

يا زاحــم َ بن جهادٍ مـسّنــــي النَكَـــدُ

 

أنّتْ جراحــــي ولم يأبـهْ بهـا أحــــدُ

الجواب: (أية كبد حزينة مفجوعة حَرّى؛ تحمل كل هذه الزفرات الحَرّى؛ يا جميل ان مسًك النكد فقد مسًني؛ كما آلمك فقد آلمني؛ وان انًتْ جراحاتك فقد انًت قبلها جراحاتي؛ وان ادلهمت لياليك فقد ادلهمت امسياتي وصباحاتي)

2 - غربة في الديار، والغربة في الاغتراب

وجدتُ نفســيَ في صحـراءَ محرقة ٍ

 

والجـرحُ ينزفُ والأحبـابُ قدْ فـُـقِدوا

× الجواب :

( فان كنتَ غريبا حرا خارج الوطن؛ فانا غريب اسير داخل الوطن؛ اعاني شدة المحن وشرّ الفتن؛ اسمي محسود من الزنيم؛ كرمي غير محمود من اللئيم؛ صائر بين خنجرالخوان الاثيم وسيف حاطب ليل غشيم . )

3 - الاختناق في الروح :

ظمـآن أبحث ُ عنْ مـاءٍ وقد يبسـتْ

منّــــي الشفــــاهُ ولا عونٌ ولا مـَــددُ

× الجواب

( الرياح لا تأبه ولا تصغي وان يمّمتْ لها وجهها الجراح؛ الرياح تنحني وتلوي اعناقها لصاحب القوة والسلاح؛ فليس لذوي القروح لا ماء قراح ولا خمر صراح؛ هم اهل الحب والصلاح حتى لو كانت ارضهم براح؛ يسقون الارض بالدم والدموع )

4 - الكبرياء في النفس:

سُلِبتُ فردوســيَ الموعود مـن زَمنٍ

فلمْ يعُـــدْ واعــدٌ يُعطـــي الذي يَعِـــدُ

الجواب :

(النفس الابية البريئة؛ تتخذ من الصبر الجميل دريئة؛ حتى لو كان الصبر مع المحنة خطيئة؛ فكيف اذا كانت المحن اكبرواعظم من الصبر؛ صبرنا اذن على صبر امرُّ من الصبر)

5 - الزمن الارعن والقدر الاعمى:

ظمـآن أبحث ُ عنْ مـاءٍ وقد يبسـتْ

 

منّــــي الشفــــاهُ ولا عونٌ ولا مـَــددُ

× الجواب:

( اذا صار رب البيت من اهل الطنبل والطرطر؛ والجاهل استوى على المنبر؛ والاهوج صار قائدا على العسكر؛ ومن يجهل ابجدية الحروف؛ صار في اول الصفوف؛ ومن في عوده تقرض الجرذان صار ملهما للالحان؛ فكيف يدرك الضالع شأو الضليع؛ وكيف يتساوي الشريف الرفيع بالسافل الوضيع)

6 - قذارة الزمن وسوداويته

ساءلــتُ نفســيَ والرمضاءُ تحرقني

أينَ الزهــــورُ وأيـــنَ الصادحُ الغَرِدُ

لمْ يبق َ لي اليومَ مِنْ أمس ِ الجميل سوى

ذكـــرى هيَ النارُ في الأعماقِ تتّقــدُ

× الجواب :

(لا ليلنا ليل ولا نهارنا نهار؛ ليلنا قلق وتحسب ونهارنا خوف وترقب؛ وكل صاحب راية يضعضع ويكعكع؛ والمواطن يخاف ويصعصع؛ وانفجار يلعلع؛ وسلاح يقعقع . حائر بين الملط الخلط؛ والضرط السقط؛ ومن كنا نراه زينا ردناه عونا؛ فاذا به يصير علينا فرعونا؛ في القول يخرط؛ وفي العمل يخربط؛ يعد ولا يفي؛ يشي ويرتشي؛ كذاب آشر؛ فاجر عاهر؛ تارة بعد تارة؛ صعد من القذارة الى المنارة.)

7 - قدر العشاق :

يا زاحــــم َ بن جهــــادٍ والهوى قَـدَرٌ

إنَّ المُحبّيـــــن َ أهلٌ أينمــا وجـِــدوا

العاشقــونَ طريـقُ الحـبّ يجمعـــهمْ

فمــا يُفرّقُـهــــمْ عِــــرْقٌ ولا بَـــــــلَدُ

× الجواب :

(نعم ان العذاب للعاشقين قدرقد كتبا؛ وجميل العشق في ناره ان تتعذبا؛ والعاشقون وَحَّدَهم العشق لا يفرقهم قرب او بعد؛ ولا عرق او بلد؛ ولا طائفية او اثنية؛ ولا قومية اوعنصرية؛ لانه ينظر الى الانسان كأنسان؛ ونادى به في كل الاكوان والازمان قبل الاديان؛ العشاق ذابت انفسهم في البهاء والجمال؛ فانشغلوا بما احبوا كالاطفال؛ وابحروا في طريق العشق غير مبالين؛)

8 - بعث الحب بولادته الجديدة بعد الموت:

لا قوا العواصــفَ والأمواجَ هائجـــة ً

بلا اكتراث ٍ فلــمْ يُشـغَلْ لهم خـَـــلـَــدُ

كمْ مرة ٍ أُحرقـــــوا كم مرّة ٍ دُفِنُــــوا

لكنّـــهم بُعِثـــــوا، بالحـب ِّ قد وِلـدوا

× الجواب:

عن الذي ياتي او الذي لا ياتي غير آبهين؛ فلاقوا الامواج الهادرة والاعاصيرالهائجة؛ ولم يكترثوا ولم يشغل لهم خلد؛ هددوا وطردوا؛ وعذبوا وغيبوا؛ وقُتلوا ومُثِّلوا؛ وسُلخوا وصُلبوا وآُحرقوا؛ ودفنوا مرات ومرات؛ ولكنهم بعثوا من جديد مع كل ربيع لانهم بالعشق ولدوا وبالعشق ماتوا.)

 انها مأساة من تراجيدية الحياة والواقع

وشكراً لكم في هذا الالتقاء الروحي النقي

 

جمعة عبد الله

..................................

قلب شكا

 جميل حسين الساعدي

 

 يا زاحــم َ بن جهادٍ مـسّنــــي النَكَـــدُ

أنّتْ جراحــــي ولم يأبـهْ بهـا أحــــدُ

فيمّمـــتْ وجْهها للريـــــحِ صارخــة ً

والريـــحُ تجري فلا تصغي وتبتعدُ

صبـري كبيـرٌ ولكن محنتـي عظمتْ

فكـــانَ أكبرَ من صبـري الذي أجِدُ

أنـــــا المتوّجُ بالأشجــــانِ مملكتـــي

يصطافها الحُزنُ طولَ الوقتِ والكَمَدُ

مســــافرٌ مثل موجـــاتِ الضيا أبـدا ً

تمضـــــي السنــونُ ولا أهلٌ ولا بَلَـدُ

سُلِبتُ فردوســيَ الموعود مـن زَمنٍ

فلمْ يعُـــدْ واعــدٌ يُعطـــي الذي يَعِـــدُ

يا زاحـــــم َ بن جهــادٍ لـمْ يَعُدْ مطـرٌ

يهمــــي علــى أرضنــا والماءُ مُفتَقدُ

وجدتُ نفســيَ في صحـراءَ محرقة ٍ

والجـرحُ ينزفُ والأحبـابُ قدْ فـُـقِدوا

ظمـآن أبحث ُ عنْ مـاءٍ وقد يبسـتْ

منّــــي الشفــــاهُ ولا عونٌ ولا مـَــددُ

ساءلــتُ نفســيَ والرمضاءُ تحرقني

أينَ الزهــــورُ وأيـــنَ الصادحُ الغَرِدُ

لمْ يبق َ لي اليومَ مِنْ أمس ِ الجميل سوى

ذكـــرى هيَ النارُ في الأعماقِ تتّقــدُ

أيّــام َ روحي مع َ النجمــات ِ هائمةٌ

شوقـــا ً تذوقُ الذي مـا ذاقـَـهُ الجَسـَدُ

***

يا زاحــــم َ بن جهــــادٍ والهوى قَـدَرٌ

إنَّ المُحبّيـــــن َ أهلٌ أينمــا وجـِــدوا

العاشقــونَ طريـقُ الحـبّ يجمعـــهمْ

فمــا يُفرّقُـهــــمْ عِــــرْقٌ ولا بَـــــــلَدُ

غابتْ نفوسُهـــمُ في الحُسْنِ فانشغلوا

بمـا أحبّــوا ــ كما الأطفالُ ــ واتّحدوا

قدْ أبحـروا حين َ فاضَ الشوقُ ما سألوا

عـنِ الذي سوف َ يأتــي والذي يَفِــــدُ

لا قوا العواصــفَ والأمواجَ هائجـــة ً

بلا اكتراث ٍ فلــمْ يُشـغَلْ لهم خـَـــلـَــدُ

كمْ مرة ٍ أُحرقـــــوا كم مرّة ٍ دُفِنُــــوا

لكنّـــهم بُعِثـــــوا، بالحـب ِّ قد وِلـدوا

 

وقلب هفا / زاحم جهاد مطر 

يا جميل

أية كبد حزينة مفجوعة حَرّى؛ تحمل كل هذه الزفرات الحَرّى؛ يا جميل ان مسًك النكد فقد مسًني؛ كما آلمك فقد آلمني؛ وان انًتْ جراحاتك فقد انًت قبلها جراحاتي؛ وان ادلهمت لياليك فقد ادلهمت امسياتي وصباحاتي؛ فان كنتَ غريبا حرا خارج الوطن؛ فانا غريب اسير داخل الوطن؛ اعاني شدة المحن وشرّ الفتن؛ اسمي محسود من الزنيم؛ كرمي غير محمود من اللئيم؛ صائر بين خنجرالخوان الاثيم وسيف حاطب ليل غشيم .

يا جميل

الرياح لا تأبه ولا تصغي وان يمّمتْ لها وجهها الجراح؛ الرياح تنحني وتلوي اعناقها لصاحب القوة والسلاح؛ فليس لذوي القروح لا ماء قراح ولا خمر صراح؛ هم اهل الحب والصلاح حتى لو كانت ارضهم براح؛ يسقون الارض بالدم والدموع وهم يشتعلون كالشموع؛ فتزهر مروج العشق بالزنابق وتتزوق بروج المحبة بالشقائق؛ تزدهر الليالي ببدر العشق الذي تم وكمل؛ وتتنفس الصباحات بتراتيل تنشد الامل.

 

يا جميل

النفس الابية البريئة؛ تتخذ من الصبر الجميل دريئة؛ حتى لو كان الصبر مع المحنة خطيئة؛ فكيف اذا كانت المحن اكبرواعظم من الصبر؛ صبرنا اذن على صبر امرُّ من الصبر؛ هذا هو قدر العشاق؛ بلا اهل بلا رفاق؛ تمضي السنون وتلد وهم بلا بلد او تلد؛ اهلهم كل العشاق والمحبين؛ واوطانهم قلوب المسحوقين والمتعبين؛عشق الجمال دينهم؛ وحب الانسان مذهبهم؛ التضحية والايثار ديدنهم؛ والوفاء والسماح دأبهم .

 

يا جميل

ايها المتوج بالاشجان؛ يا صاحب العنوان الواضح للعيان؛كيف لا يصطاف الحزن مملكة العقلاء؛ وقلوب النبلاء؛ اذا صار رب البيت من اهل الطنبل والطرطر؛ والجاهل استوى على المنبر؛ والاهوج صار قائدا على العسكر؛ ومن يجهل ابجدية الحروف؛ صار في اول الصفوف؛ ومن في عوده تقرض الجرذان صار ملهما للالحان؛ فكيف يدرك الضالع شأو الضليع؛ وكيف يتساوي الشريف الرفيع بالسافل الوضيع .

 

يا جميل

لا ليلنا ليل ولا نهارنا نهار؛ ليلنا قلق وتحسب ونهارنا خوف وترقب؛ وكل صاحب راية يضعضع ويكعكع؛ والمواطن يخاف ويصعصع؛ وانفجار يلعلع؛ وسلاح يقعقع . حائر بين الملط الخلط؛ والضرط السقط؛ ومن كنا نراه زينا ردناه عونا؛ فاذا به يصير علينا فرعونا؛ في القول يخرط؛ وفي العمل يخربط؛ يعد ولا يفي؛ يشي ويرتشي؛ كذاب آشر؛ فاجر عاهر؛ تارة بعد تارة؛ صعد من القذارة الى المنارة.

 

يا جميل

في وسط البحر الرجراج؛ رجراج يرجرج رجرجة من لا عقل له؛ ويجعجع جعجعة من لا فعل له؛ ويفتي افتاء من لا دين له؛ ويقضي قضاء من لا عدل له؛ ويعلّم علم من لا علم له؛ له ولخواصه يُشًرْعِن الحرام ويُحَرِّم الحلال على العوام؛ شيطان اكثر من الشيطان الخنّاس؛ عالم في السرقة والاختلاس لاموال الدولة والناس؛ مراوغ خدّاع؛ للخير منّاع؛ امام الامير ذليل؛ وامام الفقير جليل؛ ومن ها المال حمل جمال .

 

 يا جميل

ايها المسافر مثل موجات الضياء؛ بين البلدان والاوطان؛ منذ سنين وعقود؛ وانت تبحث عن الفردوس المفقود والامل المنشود؛ لا مطر على الارض يهمي؛ والرمضاء تحرق وتدمي؛ لا دواء للداء يشفي؛ ولا ضوء للظلام ينفي؛ لا ماء للضمأ يروي؛ ولا ظلّ من القيظ يحمي؛ لا زاد كاف؛ ولا بلسم شاف؛ والطريق طويل؛ والحمل ثقيل؛ الامر وبيل؛ فكيف اهوِّنُ الامرعلى القلب العليل؛ للشاعر الجميل جميل ؟.

يا جميل

امس مضى وغدنا سيمضي مثل الامس؛ اناخ علينا البؤس بالكلكلة؛ ونحن في جلجلة وبلبلة بعيدة عن الهديل والبلبلة؛ لا زهر ولا ورد؛ ولا صادح غرد؛ وفي القلب جذوة تتقد؛ ووجع لم يذقه جسد؛ نسأل عن الذين فقدوا ولهم نَحِّن ونفتقد؛ لكن ارواحنا تبقى مع النجمات هائمة؛ وبالامال الجميلة حالمة؛ لقد وهبت لك العيون؛ لتجعل يا جميل منها ينابيع وعيون؛ المحب للمحب حبيب؛ والغريب للغريب قريب .

 

يا جميل

يا صديق وجعي؛ دمعك دمعي؛ جرحك جرحي وقرحك قرحي؛ يا من همك همي؛ والمك المي؛ ان الهوى للمحبين قدر؛ العشق ارتحال وسفر؛ وعطاء بلا سؤال؛ تحمل بلا ملال؛ وكرم بلا كلال؛ شموع تنير للسائرين؛ واغصان تظلل للمتعبين؛ عيون للعطاشى تروي؛ وامطار للارض تسقي وتروي؛ اقلام تسير على حافات السكاكين؛ فراشات تطير لا تخشى ثورة البراكين؛ العشق يجعلنا نحمل صليب المعذبين؛ وهموم المظلومين وامال المستضعفين والمسحوقين؛ العشق علّمنا ان القاتل برصاصة او بسكين الغدر في الظلام؛اوهن من القاتل في رابعة النهار للاحلام؛ نعم ان العذاب للعاشقين قدرقد كتبا؛ وجميل العشق في ناره ان تتعذبا؛ والعاشقون وَحَّدَهم العشق لا يفرقهم قرب او بعد؛ ولا عرق او بلد؛ ولا طائفية او اثنية؛ ولا قومية اوعنصرية؛ لانه ينظر الى الانسان كأنسان؛ ونادى به في كل الاكوان والازمان قبل الاديان؛ العشاق ذابت انفسهم في البهاء والجمال؛ فانشغلوا بما احبوا كالاطفال؛ وابحروا في طريق العشق غير مبالين؛ عن الذي ياتي او الذي لا ياتي غير آبهين؛ فلاقوا الامواج الهادرة والاعاصيرالهائجة؛ ولم يكترثوا ولم يشغل لهم خلد؛ هددوا وطردوا؛ وعذبوا وغيبوا؛ وقُتلوا ومُثِّلوا؛ وسُلخوا وصُلبوا وآُحرقوا؛ ودفنوا مرات ومرات؛ ولكنهم بعثوا من جديد مع كل ربيع لانهم بالعشق ولدوا وبالعشق ماتوا. 

 

 

يرسم فيليب تيرمان في قصيدته (سنغر بين الحمامات) بورتريه لمعلمه وملهمه الكاتب البولوني اليهودي إسحاق بوشفيز سينغر، وإذا كانت سمعة سنغر عند المفكرين القوميين بنسختهم الكلاسيكية أنه يدخل في عداد أدوات دولة إسرائيل (انظر مجلة الأقلام، العدد الخاص بالأدب الصهيوني، بغداد)، لدي هنا مداخلة من ثلاث نقاط،

١- عالم سينغر له بعد روحي وإيماني، فهو يعيد النظر بالعلاقة الشائكة بين الإنسان وخالقه، ويتعامل مع هذه الفكرة على أنها ضرورة لتنقية الواقع من الشوائب وروح الأثرة والتهالك على الضرورات، بمعنى أن يهوديته دينية، فهي تعكس العالم الداخلي لثقافة الإنسان وتحض على التضحية وفعل الخير والعطاء. ويميل في تفسير الدين للفكر الإصلاحي ويدعو إلى إسقاط التاريخ على المعنى الاجتماعي لضرورة الدين. ويمكن أن تجد كل ذلك في أهم أعماله ومنها (اسبينوزا شارع السوق) و(أعداء،قصة حب)، و(الولد الصغير الباحث عن الله) وغيرها...

٢- وباعتبار أنه يستعمل لغة منقرضة وهي الييديش، لغة يهود أوروبا الشرقية، يغلب عليه الشك والخوف. فلا هو يستعمل لغة التوراة، ولا هو يعرف لغة المجتمع المضيف، لذلك تتفاقم مشاعره بالضياع والتيه الذي يربطه بتيه نبيه موسى عليه السلام. وبمعاناة الشعوب اليهودية عبر العصور. أضف لذلك مشكلته مع التباس الهوية، فهو ضمنا وروحيا يهودي، لكنه مصنف على أنه أمريكي من أصول بولونية. بمعنى أنه ليس على أرضه. فهو يفكر بالأرض المقدسة ويتذكر غيتو وارسو ويحيا في العالم الجديد. وكما تقول عنه موسوعة إنكارتا: إن أعماله تركز على عاطفة البقاء واليأس في لحظة موت التقاليد والماضي الروحي.

إنه مجرد صورة لفكرة لا يمكنها أن تنتمي مثل أي طائر يحلق في الفضاء.

٣- هذا لا يعني أنه لا يضخم أساطير الشعب اليهودي، فهو مثل غيره يضفي الفكرة القومية على موضوعة ميتافيزيقا الدين ويستعمل الجانبين وكأنهما رمز لشيء واحد. وأعتقد أن أسطرة التاريخ الديني شيء نعاني منه جميعا، ويكفي أن أذكر بمشكلة حروب الردة والفتوحات الإسلامية لغرض المقارنة والتشبيه (انظر: تداعيات السلطة في العراق، لطارق الكناني وماجد الغرباوي،منشورات دار الأمل الجديدة،دمشق،٢٠١٧).

 

القصيدة باللغة الإنكليزية

 

‏Singer Among the Pigeons

‏Philip Terman

 

‏There are laws against you,

‏how you shit over everything—

‏noisemakers, nuisances, stalkers

 

‏of rooftops and statues, stealing

‏underfoot, gathering in gangs,

‏subject to regulations, legal

 

‏poisons, experimental research.

‏But then: Who knows? he said,

‏Your spokesman, your messiah—

 

‏In the next generation, perhaps

‏we’ll all return as hungry pigeons.

‏Feeding you on the corner of Broadway

 

‏and West 86th on his daily walk

‏to the corner table at the café

‏where he met his characters

 

‏for a vegetarian lunch—potatoes

‏and knish, a glass of cold tea—

‏you perched in gutters, waiting.

 

‏He was reliable as the faded

‏bathrobe and shabby slippers

‏he wrote in, typing his stories

 

‏straight through, as dependable

‏as his destroyed streets of Bilgoray,

‏the houses with low roofs covered

 

‏with tiles and moss, the rooms

‏of his own house, the bookshelves,

‏all the holy books, each word and letter,

 

‏as faithful as the Yiddish scholars and peddlers,

‏the dialect he spoke to you in, the shmeggege,

‏Convinced you’d understand him, the putz,

 

‏speaking in a dead tongue to rejected birds.

‏God’s creatures, he called you, an odd bird

‏himself with his flappy ears and wide eyes,

 

‏pale cheeks and beaked nose, awkward,

‏like his heroes, a bit of schlemiel, like Gimpel,

‏ugly, like you, a luftmensch living on air,

 

‏his bald head, you all agreed, a good target.

‏Once, one of you landed on his hat: a pigeon

‏wouldn’t land on just anyone, he asserted—

 

‏They can distinguish a Jewish writer

‏and wouldn’t do anything to hurt him.

‏That’s the way he thought, this believer.

 

‏Some of you might even be his ancestors,

‏his grandparents the rabbis or his mother—

‏though it was forbidden—the Talmudic scholar,

 

‏his father the wise man of Korchmalna Street.

‏Some of you may even have been all the Jews

‏he left behind, the ones he couldn’t save,

 

‏and now, perhaps one of you—which one,

‏among the tens of thousands scattered

‏and hungry throughout the city?—

 

‏coos in a language so stubborn it will not die.

 

صالح الرزوق/سوريا.

...............................

تجد الترجمة العربية مع تصرف طفيف اقتضاه السياق العربي على الرابط التالي:

http://www.almothaqaf.com/tarjamat/%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA

 

 

 

1 - أبو العلاء المعري (973 - 1058م / 363 - 449هـ):

أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، عربي النسب من قبيلة تنوخ اليمانية، ولد في معرة النعمان، وأكسبها شهرته، بالرغم من أنّ عائلته كريمة فاضله شهيرة بالرئاسة، يسودها القضاة والعلماء والأدباء، ثم نكبه الدهر بفقد بصره عقبى إصابته بالجدري ـ وعمره أربع سنوات وتمم عماه في السادسة، ولم يرَ إلا اللون الأحمر، ولكنه خرج علينا بتعليل غريب عجيب”

قالوا العمــى منظرٌ قبيحٌ *** قلتُ بفقدانكم يهــــونُ

واللهِ ما في الوجودِ شيءٌ ** تأسى على فقده العيون ُ

 تتلمذ على أبيه، وكان من دعاة الفاطميين الذين يقدسون العقل، وما زال شيخ عقلهم حتى اليوم رمزا، وروتْ جدّته أم سلـّمه بنت أبي سعيد الحسن بن إسحاق عليه الحديث، وكانت تـُعدُّ من شيوخه، وأخذ على بعض علماء مدينته المشهورين، وبدأ بقرض الشعر، وعمره إحدى عشرة سنة، وهاجر إلى حلب حيث أخواله من آل سبيكة المعروفين بالتجارة والشرف والكرم، وحلب - كما لا يخفى - حاضرة سيف الدولة سابقا، ومركز العلم والأدب، وأخذ العلم عن تلاميذ ابن خالويه ومنهم محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، راوية المتنبي، فتأثر به وتعصب لمتنبيه، وضاقت به الدنيا فعرج على إنطاكية، فحفظ كثيراً من علوم مكتباتها العامرة، وخصوصاً البيزنطية منها، ومنها ذهب إلى طرابلس في صباه - على أغلب الظن - للتعلم والتثقف، ولكنه سرعان ما قطع دراسته فيها لوفاة أبيه سنة 377هـ /987م على حد رواية ياقوت في كتابه الجامع المانع (1)، وهو صبي حيث عانى الفاقة والعوز، فبقى معتكفاً في بيته حتى العشرين، إذ ترك له والده عقارا، يكريه بمبلغ زهيد يقارب ثلاثين ديناراً فيقتات مع خادمه منه، وللخادم النصف !

 انكب على دروسه الأدبية واللغوية والفلسفية، وفي سنة 392 هـ / 1001م رجع مرة ثانية إلى طرابلس وحط رحاله في مكتبتها - ولم تكن لبني عامر في حينها -، فتفرغ لها، ونهل منها ما نهل من علوم جمّة لحافظته القوية، وذكائه الحاد، وعبقريته الفذة ومنها عرج إلى اللاذقية، وانبهر بصخبها، وزار أديرتها، وبالأخص الفاردوس واستمع إلى رهبانها عن إصول الديانات المسيحية واليهودية وفرقهما، وغيرهما، لذلك ليس عبثاً أن يقول”

في اللاذقية ضجّة ٌ***ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوس ٍ يدقُّ *** وذا بمئذنــــةٍ يصيحْ

كلٌّ يمجّدُ دينــهُ ** ياليتَ شعري ما الصحيحْ

وقوله”

هفتْ الحنيفة ُ والنصارى ما اهتدتْ ***ويهودُ حارتْ والمجوسُ مضللة

اثنان أهلُ الأرض ِذو علــــم ٍ بلا عقــلٍ ****وآخــــر دينٌ لا عقـــل لـــه

وتشعب في تساؤلاته وشكوكه إبان شرخ شبابه - ومن المحال نقل كل الأقوال - ومثله من يملك عقلاً جباراً لابدَّ أن يجعل من الشك أساساً لليقين أخيراً ثبت إيمانه، وخلاصة التفكير الإنساني الواعي للنابه الرفيع، لملمها المعري لنا وأشار إليها، أعرف أنك ستقول هذه الأمور بسيطة كل واحد يعرفها، أقول لك رجاءً قف عند حدود الضياع، كلّ الأمور موجودة في الحياة تمرّ على الجميع، وتعبر إلى ذاك الصوب، العبقري من يمسكها، ويلفت نظرك إليها لتتأمل وتتمعن وتتفكر”

حياة ٌوموتٌ وانتظار قيامةٍ *** ثلاث ٌأفادتنا ألوف معان ِ

لملم علومه اللغوية، وفنونه الشعرية، وفلسفته البيزنطينية والإغريقية، وما تعلم عن عقائد الأديان، وعقله، وتشككه، وحافظته، ورواياته، وأحاديثه، وعلوم القرآن، وتفسيره، واستأذن أمه الحلبية العجوز، فرفضت بادئاً، فاقنعها، فوافقت على شفق، ثم توجّه إلى بغداد حاضرة الدنيا أو تكاد !

 

أبو العلاء إلى بغداد”

نعم قصد بغداد عاصمة العباسيين (398- 400 هـ / 1007 - 1009 م)، في عهد الخليفة أبو العباس أحمد القادر بالله (2)، ولكن السلطة الفعلية كانت بيد السلطان بهاء الدولة البويهي بن عضد الدولة (3)، وكان غرضه تحصيل العلم، واكتساب الشهرة، العبقري الخالد قضى سنة وسبعة أشهر في بغداد، وغادرها على مضض موجغ الفلب، وقال فيها عدة قصائد تشير إلى وجدٍ، لم يبق ِله وجدا!”

أودعكم يا أهل بغداد والحشا **على زفرات ٍما ينين من اللذع ِ

وداع ضناً لمْ يســـتقل وإنّما ** تحامل من بعد العثار على ظلع ِ

فبئس البديلُ الشام منكم وأهلهُ **على أنهم أهلـــي وبينهم ربعي

ألا زودوني شربة ًولو أنـّني**** قدرتُ إذاً أفنيتُ دجلة بالكرع ِ

هذا الشعر لا يمكن أن تبثـّه*** خوالج نفس سيمت الخسف من سيد بغداد في زمنه، ولولا وصول رسالة من أهله تخبره بمرض أمه، ولابد أدرك بحدسه أنه الموت، فقال”

إذا نأتِ العراقَ بنا المطـايا ** فلا كنـّا ولا كان المطيّ ُ

على الدنيا السلامُ فما حياة ٌ ***ذا فارقتـــــكم إلا نعيُّ

ولما نعى مشى، وشدّ رحاله مع الركبان إلى معرّة النعمان......

رجع الرجل البصير إلى مدينته المعرة الطيبة حين سماع نبأ وفاة أمه الحنون سنة (400هـ)،فجزع، ورثاها برثاءً موجع عليم شفيق حائر، مكسور جناحي الحنان والرعاية”

سَمِعْتُ نَعِيّها صَمّا صَمَامِ **وإنْ قالَ العَوَاذِلُ لا هَمَامِ

وأمَتْني إلى الأجْداثِ أُمٌّ ***يَعِزّ عَلَيّ أنْ سارَتْ أمامي

وأُكْبِرُ أنْ يُرَثّيها لِساني *** بلَفْظٍ ســـالِكٍ طُرُقَ الطّعامِ

وظل يعاني من عقدة فقدان أمه التي أثرت في نفسيته تأثيراً جلياً، ومما يخيل في ذهني أنّ البيتين التاليين انعكاس لما كانت تردده أمه أمامه مراراً،اقرأ وتأمل رجاء:

العيش ماضٍ فأكرم والديك به **** والأم أولى بإكرام وإحسانِ

وحسبها الحمل والإرضاع تدفعهأ**مران بالفضل نالا كل إحسانِ

 ثم اعتزل طيلة نصف قرن، وحدثتْ في عصره الحروب والفتن بين الحمدانيين والفاطميين، وغزوات الروم،وحصار أسد الدولة صالح بن مرداس لمعرّته الجميلة ( 417 - 418 هـ / 1026 - 1027 م)، الذي أفحمه بأبياته الرائعة بعد إلحاح أهلها لخروجه إليه، وهذه المرة الأولى والأخيرة التي خرج فيها من منزله طيلة اعتزاله، فرجع الصالح خجولا خائبا، فكان هو الأسد، وكان أسد الدولة هو الحمام، باعتراف الصالح الهمام ! ( 4)، إليك التعريف بالصالح المرداس، ثم القصة الملهاة المحكاة ....

 

2 - صالح بن مرداس الكلابي

 أسد الدولة صالح بن مرداس (414-419هـ / 1024-1029م) أول أمراء أسرة بني مرداس التي حكمت حلب خلال أعوام 414-472 هـ / 1024-1079 م، على أنقاض الدولة الحمدانية. استولى على حلب سنة 414 هـ من مرتضى الدولة منصور بن لؤلؤ الجراحي غلام أبي الفضائل ابن سعد الدولة نصر بن سيف الدولة الحمداني نيابة عن الخليفة الفاطمي الظاهر بن الحاكم بأمر الله الفاطمي. فأرسل إليه الفاطميون جيشاً بقيادة أنوشتكين أمير دمشق، التقى بصالح وجيشه عند موقع الأقحوانة (5) شرقي بحيرة طبرية، فقُتل صالح وأحد أولاده عام 419هـ/1029م وحمل رأسيهما إلى مصر. وكان حكمه لحلب 6 سنوات، ثم خلفه بالحكم ابنه نصر الذي نجا من تلك المعركة . (6)

 وجاء في (سيرة أعلام النبلاء ) للذهبي عنه “

الملك، أسد الدولة الكلابي، من وجوه العرب "

تملك حلب، وانتزعها من مرتضى الدولة نائب الظاهر العبيدي سنة سبع عشرة وأربعمائة، فأقبل لمحاربته المصريون، عليهم الدزبري فكان المصاف بالأقحوانة في جمادى الأولى سنة عشرين، فقتل صالح. وكان بيده بعلبك أيضا.

ونجا ولده أبو كامل نصر، فتملك حلب، ولقب سيد الدولة . وبقي إلى سنة تسع وعشرين، فاقتتل هو وعسكر مصر عند حماة، فقتل نصر، وأخذ الدزبري حلب والشام كله، إلى أن مات بحلب في سنة 434 فأقبل من الرحبة ثمال بن صالح وهو معز الدولة فتملك حلب إلى سنة أربعين، فقاتله المصريون، فهزمهم، ثم التقوه، فهزمهم، وتمكن، ثم صالح صاحب مصر، وراح إلى مصر فتوثب ابن أخيه محمود وحارب وتملك، وجرت له أحوال، حتى مات سنة ثمان وستين وأربعمائة . وقام بعده ابنه نصر بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس أياما، وقتل، فتملك أخوه سابق فدام إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة . فانتزع منه صاحب الموصل حلب . وهو مسلم بن قريش."(7)

 

3 - قصة ابي العلاء المعري مع حاكم حلب صالح بن مرداس”

لزم المعري داره لم يخرج منها مدة تسعة وأربعين سنة، أي من أيام رجوعه من بغداد ( 400 هـ) بعد سماع خبر وفاة أمه حتى أن وافته المنية ( 449 هـ)، سوى مرة واحدة، يقول الحموي في (معجم أدبه) “ حكي أن صالح بن مرداس صاحب حلب، نزل على معرة النعمان محاصراً، ونصب عليها المجانيق، واشتد في الحصار لأهلها، فجاء أهل المدينة إلى الشيخ أبي العلاء، لعجزهم عن مقاومته، لأنه جاءهم بما لا قبل لهم به، وسألوا أبا العلاء تلافي الأمر، بالخروج إليه بنفسه. وتدبير الأمر برأيه، إما بأموال يبذلونها، أو طاعة يعطونها، فخرج ويده في يد قائده، وفتح الناس له باباً من أبواب معرة النعمان، وخرج منه شيخ قصير يقوده رجل، فقال صالح: هو أبو العلاء، فجيئوني به، فلما مثل بين يديه، سلم عليه، ثم قال: الأمير - أطال الله بقاءه -، كالنهار الماتع، قاظ وسطه، وطاب أبرداه، أو كالسيف القاطع، لان متنه، وخشن حداه، " خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين " فقال صالح: "لا تثريب عليكم اليوم" قد وهبت لك المعرة وأهلها، وأمر بتقويض الخيام والمجانيق، فنقضت ورحل، ورجع أبو العلاء وهو يقول”

نجى المعرّة من براثن صالحٍ *** ربٌّ يعافي كلَّ داءٍ معضلِ

ما كان لي فيها جناح بعوضةٍ **** الله ألحفهم جناح تفضّلِ

قال أبو غالب بن مهذب المعري في تاريخه، في سنة سبع عشرة وأربعمائة

صاحت امرأة يوم الجمعة في جامع المعرة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغتصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع، وهدموا الماخور، وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة في نواحي صيدا، فوصل الأمير أسد الدولة، فاعتقل من أعيانها سبعين رجلاً، وذلك برأي وزيره تادرس بن الحسن الأستاذ، وأوهمه أن في ذلك إقامة للهيبة، قال: ولقد بلغني أنه دعي لهؤلاء المعتقلين بآمد وميا فارقين على المنابر، وقطع تادرس عليهم ألف دينار، وخرج الشيخ أبو العلاء المعري إلى أسد الدولة صالح، وهو بظاهر المعرة، وقال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الأجل، أسد الدولة، ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع، اشتد هجيره، وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع، لان صفحه، وخشن حداه، " خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين " .

فقال صالح” قد وهبتهم لك أيها الشيخ، ولم يعلم أبو العلاء، أن المال قد قطع عليهم، وإلا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعراً وهو:

تغيّبتُ في منزلي برهــــــةّ *** ستير العيون فقيد الحسدْ

فلما مضى العمر إلا الأقل *** وحم لروحي فراق الجسدْ

بُعثتُ شفيعاً إلى صالـــحٍ **** وذاك مـن القوم رأي فسدْ

فيسمع مني سجـــع الحمام ***** وأسمع منه زئير الأسدْ

فلا يعجبني هذا النفــــــاق *****فكم نفقتْ محنةٌ ما كسـدْ(8)

وفي رواية أخرى” قال له صالح، أنشدنا شيئاً من شعرك يا أبا العلاء، لنرويه عنك، فأنشد ارتجالاً في المجلس”

تغيّبتُ في منزلي برهــــــةّ *** ستير العيون فقيد الحسدْ

......... الأبيات

فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد، ثم أمر بخيامه فوضعت،ورحل عن المعرة . (9)

ووقع المعري آخر حياته بين يدي أبي نصر بن أبي عمران، داعي الدعاة بمصر، وإليكم خلاصتها كما يرويها الحموي في (معجم أدبائه)، مبدياً رأيه”

 " قرأت في كتاب فلك المعاني، أن كثيراً من الجهال يعد الموت ظلماً من الباري عز وجل، ويستقبحه، بما فيه من النعمة، والحكمة والراحة والمصلحة، وقد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري مع تحذلقه ودعواه الطويلة العريضة، وشهرة نفسه بالحكمة، ومظاهرته”

ونهيت عن قتل النفوس تعمداً *** وبعثت أنت لقتلها ملكين

وزعمت أن لنا معاداً ثانياً **** ما كان أغناها عن الحالين

وهذا كلام مجنون معتوه، يعتقد أن القتل كالموت والموت كالقتل، فليت هذا الجاهل لما حرم الشرع وبرده، والحق وحلاوته، والهدى ونوره، واليقين وراحته، لم يدع ما هو برئ منه، بعيد عنه، ولم يقل”

غدوت مريض العقل والرأي فالقني ***لتعلم أنباء العقول الصحائح

حتى سلط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران، داعي الدعاة بمصر، فقال له: أنا ذلك المريض رأياً وعقلاً، وقد أتيتك مستشفياً فاشفني، وجرت بينهما مكاتبات كثيرة، أمر في آخرها بإحضاره حلب، ووعده على الإسلام خيراً من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام، سم نفسه ومات، وليته لما ادعى العقل خرس، ولم يقل مثل هذه الترهات التي يخلد إليها من لا حاجة لله تعالى فيه .

قال المؤلف: لما وقفت على هذه القصة، اشتهيت أن أقف على صورة ما دار بينهما على وجهه، حتى ظفرت بمجلد لطيف، وفيه عدة رسائل من أبي نصر، هبة الله ابن موسى، بن أبي عمران، إلى المعري في هذا المعنى، انقطع الخطاب بينهما على المساكتة، ولم يذكر فيها ما يدل على ما ذهب إليه ابن الهبارية، من سم المعري نفسه. ونقلها على الوجه يطول، فلخصت منها الغرض، دون تفاصح المعري وتشدقه ." (10)

الرسائل شهيرة، والرجل لم يسم نفسه، كثرت حوله الأقاويل، واختلف الناس حوله، شأنه شأن عباقرة الدنيا ...!!!

هذا هو أبو العلاء عاش عفيفاً ...زاهداً ... متفلسفاً ...شاعراً ...كاتباً ...رحوماً .. ناقماً ... متشككاً ...مؤمناً، ألزم نفسه ما لا يلزم .. وذهب إلى رحمة ربّه قائلاً”

هذا جناه أبي عليّ**** وما جنيتُ على أحدْ

والحقّ ما درى شيئاً”

سألتموني فأعيتني إجابتكم *** مَن أدّعى أنه دارٍ، فقد كذبا

والله يدري كلّ شيءٍ، وهو علّام الغيوب ....!!! 

 

............................

(1) فيما يذكر ابن العديم في تاريخ حلب وفاته 395 هـ 1004م بدليل قوة ونضوج قصيدة رثاء أبيه

(2) هو أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله، حكم بعد الطائع بالله ابن المطيع ابن المقتدر، أي بين (381هـ - 422 هـ / 991م - 1031م

(3) هو أبو نصر فيروز ابن عضد الدولة، تسلطه بعد أخيه شرف الدولة،أي بين ( 380 هـ - 404 هـ / 990 - 1013م ).

(4) راجع (شعر وشعراء ...دراسات أدبية وقراءات نقدية - شعراء عباسيون )” كريم مرزة الأسدي - ج2 - ص 258 - 262، ص 286 - دار فضاءات - 2016م - ط1 - عمان .

 (5) وهي مكان على طريق الأردن- سوريا- فلسطين جنوب مدينة طبريا على نهر الأردن.

 ( 6) راجع الموسوعة الحرة” مادة البحث” صالح بن مرداس، عن”

- الكامل في التاريخ الجزء الخامس، ص:195

 - تاريخ ابن خلدون الجزء الثاني، ص:101 - 102

(7) سير أعلام النبلاء” محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - ج 17 - ص 375 - 376 - سنة النشر: 1422هـ / 2001م - مؤسسة الرسالة.

(8) معجم الأدباء” ياقوت الحموي - ص 132 - 133 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

وراجع رواية أخرى في”

 - بغية الطلب في تاريخ حلب” ابن العديم - 1 / 291 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

 المؤلف” ابن العديم

 مصدر الكتاب” موقع الوراق

(9) المصدر “ فصلية العاديات بحلب

 صالح عبد العزيز زكور عضوجمعية العاديات بحلب .

 (10) معجم الأدباء” ياقوت الحموي - 1 / 124 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

 

يبدو أنَّ الشعر عملية تداخل الوعي واللاوعي، وهو يمارس صياغة " فهم الوجود وسبر أغوار الكينونة المتنوعة الأبعاد عندما تخضع لآلية الكشف، وهي تحاور العالم الخفي، بوصفَّ الشعر يجوبُ آفاقاً جديدة في الوجود، وهو يبتعد في أعماقه عن عالم المحسوس، ويندس في فضاءات الخيال ؛ مؤسساً رؤية اكتناه العميق "(1) فيحلِّق في فضاءات اللاشعور الجمعي، إذ إنَّهناك عالم الأساطير ؛ لذا فالشعر يفتح نافذةً على العالم البعيد، لكنَّه لايريد العيش به، إنَّما يفتح نافذةً عليه من الواقع المعيش .

ويتَّفق علماء الاجتماع " بوجهٍ عام على ضرورة تفسير الأسطورة ضمن إطار البناء الاجتماعي والثقافي السائد في المجتمع الذي تنتمي إليه " (2)على الرغم من أنَّ هناك مدارس تميل إلى الفصل بين الأسطورة وسياقها الإجتماعي، ودرسها كشكل فني مستقل، ومن هذه المدارس المدرسة البنيوية، ولعلَّ رأينا في كثير من النصوص الأدبية أن لانقطع ما يعتري النفس الإنسانية المبدعة وما تستشعره وتعبِّر عنه ممزوجاً بالمؤثرات الخارجية ومنها الثقافة المكتسبة وتأثيرات المجتمع عليها كلّ ذلك يشكِّل وحدة متكاملة يتعاطاها النص الأدبي ؛ كي يجد نفسه مولوداً ولادة شرعية من رحم المنتج ومحيطه .

ولما كان عالم الأسطورة مدهشاً وساحراً كما يرى (ستراوس)، وهي كالحلم عند (فرويد، ويونغ) ؛ لذلك نرى الإنسان لاسيما الشاعر يستجيب لهذه البنى الثقافية، لما تحمله في فضاءاتها من معاني مجترَحة يمكنها أن تعبِّر عما تختزنه أعماق الذات الإنسانية من تلك المعاني القابلة للفهم والتأويل، فالأسطورة هي ماهية رمزية يستعذبها الشعراء في حمل دلالات عميقة المرمى، فهي كالموسيقى ترقى إلى مستوى الرموز متخطيةً المحسوس والمعقول معاً (3).

والشاعرة القديرة ليلى الماجد لها رؤيتها الشعرية المستقلة، إذ نجدها تعبِّر بشفافية هادئة عمَّا يعتملها من شعور رقيق دافيء، نراها تطرزه بأعذب المفردات وأندى المضامين، كما نرى رؤيتها المستقلة في بعث الحياة،" فالرؤيا الشعرية، في حقيقة الأمر مسعى يستهدف الشاعر لا القصيدة أي إنَّها تعنى بتجديد الشاعر أولا وعياً وثقافة وذائقة ونظرةً إلى الحياة والعالم قبل أنْ تعنى بالنص" في لحظة حياتيةٍ ما (4) .

وشاعرتنا المُجيدة ليلى الماجد في قصيدتها (سميرا ميس) تحلِّق بنا في أجواء الخيال، وهي تشبِّه روحها بالنوارس ؛ لما تمتلك تلك الطيور من شفافية عذبة تتوق لها النفس كما أنَّ لونهاً يوحي بالنقاء، فهي العائدة إلى أعشاشها من جديد، لكن نرى شاعرتنا تعرض عودتها بميوعة الاستكانة والغنج ؛ يوميء بذلك شيوع أصوات الهمس في فضاء قصيدتها، فهي تقول :

كما النوارس روحي

تهاجرُ إليك،

تحوم حولك أطيافها

هي عودة الحياة

إلى ربوع النخيل

إلى الجذوة الوارفة

فالأصوات المتكررة (النون، السين، الحاء، الهاء، التاء) هي أصوات هامسة تتناغم وماتستشعره شاعرتنا مناغمة مايتطوَّف في أفق مخيلتها، وما تستبطنه من شعور ؛ لتترجم لنا هواجس الشوق التي تعتريها ؛ مما يجعلها تحلِّق في عالم الخيال المُستَعذب الجميل، إذ نجدها في لغتها، تحاكي رموز الطبيعة (فالنوارس، والنخيل، والجذوة) تشير إلى العطاء المعنوي والمادي كلاهما معاً، وهي تتعالق فيما بينها، فـ (النوارس) كما أسلفنا رمز النقاء، والعودة إلى أوكارها من جديد لابد أن تتمتثلها معاني النقاء والنوايا الصافية الأغراض، و(النخل) هو رمز العطاء والإيواء لتلك النوارس، حتى شدَّد رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديثه الشريفة على رعاية النخلة فقال " أكرموا عمتكم النخلة " ؛ لما لها من خير وارف، بينما (الجذوة) إشارة إلى النار التي كانت وماتزال الوسيلة لتسهيل مهمة الإنسان للعيش في الحياة، والجذوة جوهر النار التي يستعملها الانسان لطهو الطعام وتذليل معوقات الطبيعة وتسخير معادنها لخدمته والذي يغري أنَّ الشاعرة تلوح لأسطورة (بروميثوس) سارق النار من الآلهة، حين جعلها بيد البشر، ألا يستحق الحبيب بروميثوس عودة النوارس لرحابهِ مرَّةً أخرى .

ثم تمازج السيدة الشاعرة بين مطلع قصيدتها الممثَّل برمز النوارس و سميراميس التي تمثل كاهنة الحمام في المعتقدات الإغريقية القديمة فنراها تقول :

سميراميس

أعلنت العودةَ

لمحرابها

كاهنةً

تظلُّ تداري الحمام

وتبعث للسلام الهدايا

وللضحكةِ جميلَ الوئام

تواري أساها

للبسمة

للشذا

لعيون السلامْ

فهي تشير إلى " البطلة الآشورية التاريخية الأسطورية سميراميس أو كاهنة الحمام التي ربَّتها الحمامات، ثمَّ رباها الرعاة، فصارت فتاة جميلة يتعشَّقُها كبار الفرسان، وقد تزوجها الملك نينوس، فخلفته على العرش بعد موته، وقامت بفتوحات باهرة وقيل : إنَّها تحوَّلتْ إلى حمامة وأُلِّهتْ " (5) ؛ مما جعل الشاعرة تستوحي رمز سميراميس ؛ لتجعل من نفسها ذات الاعتداد العالي من أنَّ شخص سمير اميس الملكة التي تحولت إلى نورسة اشتاقت للعودة إلى مملكتها والعيش مع مَن فارقته في موقف حياتي ما مانحةً رمزها ذات الوصف من النقاء والطهر والتعبد في محراب الحبيب الذي يأويها بهمسه وحنانه، ولعلها وهي تعيش هذا الإحساس نراها قد عبَّرتْ عنه بشذا نفحها للكلمات الرقيقة، إذ نجدها تشيع ألفاظ المحبة والوئام التي أوردتها في أروقة النص ومنها : (السلام، الهدايا، الضحكة، الوئام، البسمة، الشذا) وهذه الألفاظ توميء إلى حرصها الشديد ؛لأنْ تجعل من القصيدة روحاً واحدة تعبِّر عن سرورها في العودة إلى مملكتها التي غربتْ عنها في لحظة حياتية وفي زمن قد مضى، وهكذا يأتي الشعر" استجابةً لهذا العلو الكامن في جوانيَّة الإنسان، ذلك الفن التائق أبداً للتمظهر عبر الكشف الذي لايصله الإنسان إلا من خلال لغةٍ كشفية، استبطانية صوفية قادرة على الولوج إلى أعماق أعماق النفس حيث تكمن الحقيقة الإنسانية الخالدة والجوهرية " (6)، وللارتقاء باللغة من المستوى التداولي إلى المستوى الكشفي ؛ كي تتصل الروح بالجوهرالخالد المتعالي فهناك مكمن الحقيقة الناصعة، وهي تترجم مايعتمل شعور الانسان

شكرنا للأستاذة الفاضلة ليلى الماجد التي جعلتنا نتطوَّف في ربوع خيالها ونتضوع من مضامين قصيدتها أقحوان المتعة المؤنسة ومن ربيع أسلوبها ذوقاً شفيفاً هامس التلاوين .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

..................

(1) النبوءة في الشعر العربي الحديث، د. رحيم الغرباوي : 51 .

(2) في نقد الفكر الأسطوري والرمزي : د. أحمد ديب شعبو : 27 .

(3) ينظر المصدر نفسه : 28- 29 .

(4) ينظر في حداثة النص الشعري : د. علي جعفر العلاق : 11 .

(5) معجم أعلام الأساطير والخرافات، د. طلال حرب :204 .

(6) الرمز في الشعر الفلسطيني الحديث والمعاصر، د. غسان غنيم : 22 .

 

كأنك تجلس في مقهى قبل مئة عام من الآن وتستمع لحكواتي، سارد عليم بكل شيء يحكي ويشرح ويفسر ويلقن، أو انك تجلس في مسرح وتشاهد عرضا مسرحيا تجريبيا يحمل قيمة فنية وفكرية رصينة، هكذا بدت رواية ( تسارع الخطى) للروائي احمد خلف والتي صدرت عن مؤسسة المدى سنة 2014.. لقد علمني احمد خلف درسا جديد في كيفية قراءة النص وفهمه، بعد ان شعرت وأنا إقراء الثلث الأول من الرواية بأنه كان يخدعني كقارئ، ويستدرجني إلى فخ جميل بكل ما تحمل العبارة من تناقض.. حكاية غريبة من الزمن الصعب، يرويها سارد عليم يعرف ما يريد والى اين يمضي بالقارئ، في هذه الرواية خاطبنا احمد خلف بصورة مباشرة ليقول لنا (توقفوا رجاءا كي تسمعوا حكايتي، التي لابد ان ارويها لكم، كي نجد حلا لبعض طلاسمها) .. تبدأ الرواية بمقولة تمهيدية استهلالية للشاعر الفرنسي سان جون بيرس.. (هذه حكايتي سأرويها ، هذه حكايتي ستُسمع .. هذه حكايتي سأرويها كما يليق ان تروى.. سيكون سردها لطفا يفرض الاستمتاع بها).. حقيقة أراد لنا الروائي أن نسمعها ونتقن فن الإنصات، حقيقة بشعة البسها قناعا أدبيا وفنيا جماليا، كي نتقبلها، أراد لها أن تستفز عقولنا وأحاسيسنا عبر مشاهد وأحداث وانتقالات سردية سريعة، وتدوير لزمن السرد، تسلط الضوء على الواقع العراقي بعد التغيير، بكل ما يحمل من فوضى وتعقيد، عبر ثنائيات أزلية كان لها حضورها الآني في النص.. هذا الصراع  الذي خلقته أزمنة الحروب والقحط والفوضى، لتسحق كل ما هو جميل، وتحيله إلى مسخ قبيح.. صراع بين سماسرة السلطة الطارئين على العراق،  كان ضحيته المواطن البسيط والقوى الناعمة من الشعب العراقي (أدباء، فنانون، مثقفون، أكاديميون) .

تبدأ الرواية بصوت أنثوي، ينبثق من وحشة المكان، ورعب اللحظة التي كانا يعيشهما بطل الرواية (عبد الله)، وهو يعيش محنة الخطف من قبل أناس مجهولين لديه، كان الكلام قد حمل بعدا فلسفيا وإيحائيا عميقا، تجاوز ثقافة المتكلم والبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، ومستوى وعيه وإدراكه وفهمه، حتى يعتقد القارئ انه صوت صادر من عالم اخر، وليس من فتاة صغيرة تعمل خادمة في بيت الدعارة الذي احتجز فيه رهينة.. لكننا ندرك بعد حين، كغيرها من الفخاخ التي وضعها لنا الروائي، ان هذه الفتاة في احدى صورها، ما هي إلا رمزية غارقة في التعقيد لشريحة واسعة من مجتمعنا تعاني الاستلاب، مغلوبة على أمرها، منقادة لأقدارها بصورة قسرية، تبحث لها عن متنفس لتطلق صرختها الاحتجاجية على كل ما هو قائم.. (أي خديعة قادك إليها أيها القدر مرغما؟ كم من السنوات ضاعت وتلاشى بريقها الان؟ في أي شارع أو زقاق منسي التقطوك وأرغموك على المجيء معهم..) .. تتداخل بعدها الأحداث والصور والمشاهد والأصوات، ويتم تدوير الزمن داخل النص وتتعدد الاماكن، ليتداخل الماضي بالحاضر، الخيال بالحقيقة، العالم الحقيقي بالعالم الافتراضي.. وتتقاذف السرد عدة ضمائر بصورة مفاجئة وسريعة،  (ضمير المتكلم، ضمير الغائب، ضمير المخاطب).. ان هذا التداخل بين متن النص الرئيسي والثيمة المحورية، وبين تضمين سردي وثيمات ثانوية ، مسرحية وقصصية، يمثل تكنيكا جديدا على الرواية العراقية، كما في مسرحية (الصرة) ومسرحية (الحانة) التي ختم فيها الروائي نصه، واللتان كانتا مشروعا مسرحيا للبطل عبد الله لم يريا النور بعد، سلطتا الضوء على المشكلة العراقية المزمنة بكل أبعادها ( الإرهاب والفوضى والفساد المالي) وقد منح هذا التضمين الرواية مرونة كبيرة في التعاطي مع أصل المشكلة القائمة في العراق الآن، ساهم هذا التداخل في خلق بناء سرديا يحمل بعدا فنتازيا رمزيا .. يأتي بعد صوت الخادمة صوت آخر أراد ان يكون الروائي حاضرا من خلاله، وهو (أبو العز) الفنان، البطل الظل، صديق عبد الله، وهذه التقنية غالبا ما يلجا إليها احمد خلف في أعماله السردية فنجده حاضرا في النص بصورة متوارية، من خلال بطل ظل، كما فعل في رواية ( نداء قديم) في شخصية أيوب .. أبو العز كان صوتا احتجاجيا استشرافيا.. (ضاع، ضاع العراق بين اللصوص والقتلة، والإرهاب الدولي).

يهرب عبد الله الكاتب والممثل المسرحي من خاطفيه بمساعدة فاطمة، ليهيم على وجهه في ارض وعرة في منطقة (سبع البور) وهي منطقة نائية تقع شمال غرب بغداد، ليتوقف به الزمن هناك وتتداخل الأحداث، بين ترقبه وخوفه من ملاحقة خاطفيه،  وبين عالمه السابق وحياته الفنية، ومشاريعه الأدبية المؤجلة، وحزنه على ابنة أخته وقلقه عليها، (هند) التي صارحته بمشكلتها بعد أن فقدت عذريتها في حماقة ارتكبتها مع زميلها الثري في الجامعة (رياض) الذي صنعته الصدفة وفوضى التغيير كما صنعت الآلاف غيره في عراق ما بعد 2003، وكيف عجز هو عن إيجاد حلا لها، حين منعته حادثة اختطافه من لقاء رياض وإقناعه بالزواج منها.. ليكتشف القارئ بعد أن يغوص في ثنايا النص، أن رياض هو من دبر حادثة الاختطاف، وان البيت الذي احتجز فيه عبد الله هو نفسه البيت الذي فقدت فيه هند عذريتها.

وهنا أود تسليط الضوء على أهم المحاور التي تأسست عليها البنية الهرمية لرواية (تسارع الخطى):

1- أزمة المثقف العراقي: شكلت أزمة المثقف، النافذة الرئيسية التي أطلت بالقارئ على المشكلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في عراق ما بعد 2003، عبد الله الفنان والكاتب المسرحي، كان يمثل رمزا للقوى الناعمة التي فقدت بوصلتها في خضم فوضى الشد والجذب بين، القوى السياسية من جهة، والإرهاب والفساد من جهة أخرى.. (إذن أنت المسرحي الذي يحرص البعض منا على العثور عليه، ماذا تقول في مسرحياتك؟ هل تتحدث عن النساء الجميلات؟ أم عن التجار المفلسين؟ وعن حرامية الكهرباء؟ عن أي شيء تتكلم في مسرحياتك؟ أم تتحدث عن الخطف والاغتيال وسرقة المال العام؟ ).

2-      الرمزية: كانت مسرحية الحانة التي تضمنتها الرواية ، اهم المحطات لرمزية النص وبعده السياسي والاجتماعي، هذا المكان الذي حاول فيه الروائي أن يجمع المتناقضات العراقية فيه، وفق رؤية فنتازية (المثقفون والفنانون والتجار والسياسيون والسماسرة والفاسدون) .. وقد أشار احمد خلف الى هذه الرمزية بحوار دار بين عبد الله وصديقه أبو العز.. (الحانة يمكن أن تصبح بديلا او رمزا عن جماعة أو كتلة مضطهدة او كيان يصارع قوى اكبر منه).. إضافة إلى رمزية الحانة نجد إن الأسماء كان لها بعدها الدلالي ..(عبد الله) هذا الاسم يحمل بعدا شاملا فضفاضا، لعبيد الله من العراقيين المغلوبين على أمرهم وسط هذه الفوضى العارمة ..( لماذا لا يكون شخصا آخر اسمه عبد الله هو المطلوب؟ هل تضن انك الوحيد من يحمل اسم عبد الله؟ ).. وفي تحول مفاجئ نجد أن عبد الله يطالب أصدقائه بان ينادوه باسم ايوب بكل ما يحمل هذا الاسم من مضامين دينية ومثولوجية ترمز للصبر:

- أي اسم تريدنا ان نناديك به؟

- الاسم الذي يليق بنا، إذا أردت أن تناديني أيوب من يمنعك؟

وقد ورد اسم أيوب في رواية (نداء قديم) بنفس الدلالة والإيحاء، وهذه التقنية تتكرر في أعمال احمد خلف، فتكرار الأسماء نجده واضح بين الروايتين..( مزهر القصاب، حامد النجار).

3-      التنوع في اللغة السردية: تنوعت اللغة في النص، بطريقة تحكم فيها تنوع التضمين السردي التي رافقه، فنجد الوجه العام للغة، بأنها لغة روائية حداثوية، سلسلة ومرنة، خالية من التعقيد والإسهاب، ثم نلاحظ دخول ألفاظ كبيرة ومركبة عليها بصورة مفاجئة مثل (اشتد الوغى، جندلوه بضربة، في غيهم عنه سادرون، أهل لكل الخطوب والملمات....) أن ورود مثل هذه الألفاظ والعبارات، هي محاولة من الروائي في تذكيرنا بين الحين والآخر، بأنه ما زال يرو لنا الحكاية التي أراد لنا أن نسمعها جيدا، بطريقة الحكواتي وأسلوبه وألفاظه التي يتعاطى معها.. وفي مكان اخر من النص، تتحول اللغة الى مسرحية، حين تهيمن أجواء المسرح على النص الروائي كما في مسرحية الحانة:

- لم هذه الضجة في الخارج؟

- أنهم يحاولون اقتحام الحانة.

- من يقتحم؟

- يقال الشرطة تصاحبها مجموعة من البدو.

رواية (تسارع الخطى ) للروائي القدير احمد خلف، هي رؤية مغايرة لقراءة الواقع العراقي، تناولها بطريقة التعاطي مع الجزئيات الصغيرة، ليتيح لها المجال في ان  تتراكم في ذهنية القارئ،  وتتحول الى صورة ثلاثية الأبعاد، تمكنه من معرفة ما حصل ويحصل على ارض عراق ما بعد التغيير.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

إن الأتجاهية التسجيلية السردية في جملة اشارات وتضمينات ووقائع خالقية الإنجاز الروائي تدفع بالنص الروائي أحيانا الى إحداث ثمة متغيرات مخيالية وسردية ووظيفية واسعة أو محدودة تبعا لماهية نسقها المرجعي المستند الى مركزها حيثيات النص الروائي قدما . أن الأستثمارية عادة لمثل هذه الحالات والأشكال الروائية ما يؤدي بالنص نفسه الى تقنية وحدات الدلالة الوقائعية التي من شأنها إدخال حزمة وظيفة الحكي في خواص ومتغيرات تفاعلية خاصة تقود بذاتها نحو عملية الكشف الذروي والنواتي الى متاريس علاقات تمظهرية متشعبة ومركبة في آلية تشكيل الفضاء التكويني في النص الروائي وعبرة مجالية العقد التفاعلي بين بنى المسرود ووظائف الدلالة الوقائعية الكاشفة تسجيلا . إن جماليات وقائع رواية (حارس التبغ) لعلي بدر تمتلك في ذاتها مرجعية خارجية خاصة راحت تتسم بشكلها المتحول من جراء تلوينات حدثية ومرويات وأخبار وتقارير وتنقلات عديدة الى حد الإسراف داخل متن يافطة الزمان والمكان حيث نجدها أحيانا تبدو ربطية مباشرة بتلك المرجعيات الخارجية فيما تبدو أحيانا تحكمها شرطية علاقات وثائقية سابقة تتعلق بسيرة حياة الموسيقار اليهودي الأصل يوسف سامي صالح فتكون الرواية بهذا التحديد وكأنها دوائر حياتية سيرية صرفة لاسيما وإن وقائع قصة هذه الرواية تعود لحياة تنشطر ما بين المخيلة الروائية والوثيقة المرجعية وعلى هذا الأساس مرت هذه الشخصية بتحولات صراعية الهوية وفجوات تحولات المرونة الذواتية المنشطرة الى جملة وحدات شخوصية مصدرها ثلاثية اسمائية شخصانية بل أنها راحت تدخل في صلب آلية التفاعلات الشخصانية الأحادية المتعددة بوضوح أحدية الأهداف التي استحضرها الروائي من أجل ترسيم ملامحها التداخلية حينا والانفصالية حينا آخر لذا يلعب المرموز الوظائفي الشخصاني لأحدية هذه الشخصية ثمة لعبة إدائية حاذقة مصدرها تمظهرات مرجعية خاصة تختص بوظيفة تعدد الذوات في قناع أفق الأنا الواحدة وبخواصها التفاعلية والدرامية في مسرح صراع بؤرة الشد النسقي والأرسالي في مجاليات بناء جدلية (الأصل / البديل) .

 

آلية الذات الروائية وظهوراتها في أقنعة المتغير

قد ذهب (كاسيرر) في مذهبه الفلسفي الى محاكاة النظرية البيولوجية التي وصفت كل كيان عضوي حسب تركيبه التشريحي حيث يمتلك جهازين : جهاز استقبال وجهاز تأثير .. ولا بقاء للكيان نفسه إذا لم يتعاون الجهازان ويتوازنا . وهذان الجهازان هما حلقتان في سلسلة واحدة يسميها يوكسكل (الدائرة الوظيفية) وكانت محاكاة كاسيرر لهذه النظرية بأن أيدها وأضاف أليها حلقة ثالثة هي التي يمكن أن نسميها (الجهاز القناعي المتحول) وعدها وحدة تحول حيوات الأنسان المنشطرة الى جملة أشكال وعقبات ومصائر موقفية وتحولات في حيثيات دائرة الهويات الذواتية في كافة أبعادها الحقيقية في مركب وعناصر الشخصية الواحدة . من هنا لعلنا نجد ثمة وصلة تواصلية ما بين تعدد الشخصيات ثلاثية المحور في رواية بدر حيث قد جاءتنا وفقا لسيرورة رؤية الأنا الذواتية المتزامنة مع حسية ومادية وقائع صور تلك المحاور الشخصانية الثلاثية والتي راحت تستقطب في متن النص السردي تفاوضية عضوية الأسماء والأقنعة والوقائع ومسارية الأزمنة والأمكنة وذكريات ضمن دائرة وظائفية راحت تتحول منها حالات الحكي الى كائنية عضوية متوحدة ومفقودة ومتواجدة في الآن نفسه عبر طبقة حيز (المسافة / الزمن / الشخصية) . كانت محاكاة الشخصية اليهودية يوسف صالح كامنة في ظل تحولات المواقف والظروف ومسافة الإستجابة العلائقية المكثفة إزاء ما يحيط به من صراعات التمييز ودافعية حسية الآمال المستقبلية وإخفاقات سؤال الجوهر الإشكالي المتشاكل مع معطيات مدخلية ذواتية دلالية عالية التوظيف والقيمة التوزيعية في حالات الأشياء . يوسف صالح الشخصية الفنية المرهفة والحالمة مع محيطها الاختلافي تكثيفا لأهم وصولاته وعثراته نحو الشخصية الثانية حيدر سلمان بالمقابل الآخر من الشخصية الثالثة كمال مدحت : الشخصية الأولى هو يوسف صالح الفنان الموسيقار اليهودي الأصل . أما الشخصية الثانية فهو حيدر سلمان الذي قام بالسفر الى إيران متخذا لنفسه شخصية حيدر سلمان أي بمعنى ما شخصية مقتبسة من حدود تداولية شخصية اليهودي يوسف سامي صالح ، فيما نجد حيدر سلمان قد افتعل لذاته ولادة أسلامية / شيعية وقد كان على حد قول المؤلف تاريخ ولادته أكبر من شخصيته الأولى بعامين (وقد ارتبط بالحركة الشيوعية طوال الستينات وتقول موسوعة الموسيقى العراقية أنه توفي في طهران في العام 1981و حين دخل دمشق الى بغداد بشخصيته الثالثة وهي شخصية كمال مدحت وهو الموسيقار المعروف ولد في عائلة من التجار تقطن في الموصل في العام 1933و هي من كبار العائلات السنية وقد ارتبط بعلاقة خاصة مع السلطة السياسية في بغداد في الثمانينات وأصبح من المقربين من صدام حسين / الرواية) نتبين من هذه الفقرات بعض من الملاحظات : أن بحث الشخصيات الثلاثة كان متعلقا بشيء ثمين وهو الموسيقى . فلم تفارق ذائقة هذه الشخصيات على اختلاف نوعيتها وحجم دورها أحلام الموسيقار الموهوب الكبير واستمر هذا التواصل والإلحاحية في حلم دخول العراق طلبا لذات الرغبة في الحصول على فخامة الموسيقار العبقري المتفرد دوما . أن أصل فكرة ودلالة رواية       (حارس التبغ) تبدأ من فكرة بيسوا في قصائد ديوان (دكان التبغ) حيث الشخصيات الثلاثية المركبة حيث تقول الرواية بصددهم : (وهم عبارة عن ثلاث حالات تقمص .. كل شخصية من هذه الشخصيات المخترعة هي وجه من وجوه بيسوا مقدما لكل واحدة منها أسما خاصا بها وعمرا محددا وحياة مختلفة وأفكارا وقناعات وملامح مختلفة عن الشخصية الأخرى .. وكل مرة يطور شكلا للهوية أعمق وأكثر اتساعا .. ولكننا نصل فيما بعد الى التباس حقيقي للهوية الشخصية الأولى لحارس القطيع وأسمه البرتو كايرو والثانية للمحروس وهو ريكاردو ريس والثالثة للتبغجي وهو الفار ودي كامبوس .. فنجد أنفسنا أمام لعبة ثلاثية الأطراف أو رسم تكعيبي ثلاثي لوجه واحد / الرواية) مما يتضح لدينا أن حقيقة الشخوص الثلاثية التكعيبية في رواية علي بدر هي عائدة لفكرة فلسفة (الأنا ـــ الذواتية) في جل توجهاتها الامكانية القصوى في مختزل بؤرة التخصيص الروائي المتناص . مما راح يجعل علي بدر من شخوص روايته وكأنها الحدود الملائمة لشخوصية بيسوا في قصائده .

 

فصول الرواية وايقاع البنيات الزمكانية

وإذا ما تفحصنا بنى تشكيلات الفصول والبنيات الزمكانية المؤطرة للمادة السردية في الرواية ، لألفيناها على هذا الشكل : (الجزء الأول : 1ــ بيوغرافيا / خرائط / ووثائق خاصة 2ــ البلاك رايتر جنة متخيلة أم رحلة الى المجهول 3ــ صحفيون في دكان التبغ 4ــ المدينة الأمبريالية وحانات الزمرد 5ــ بوريس وسمير ورسائل فريدة روبين / الجزء الثاني : 1ــ حارس القطيع 2ــ المحروس في دكان التبغ3ــ حارس التبغ / الجزء الثالث : 1ــ أسرار القتل / حياة على الحافة / ومدن غريبة : فصول وأجزاء الرواية) وفي سياقية هذه العنوانات الفرعية من زمن مكونات الرواية نعاين فعل تصعيد حيوات دائرة الشخوص الثلاثية المحور مع مضمرات أسئلتها وقلقها واغترابها ووحشتها إزاء سيرورة احباطات فخ مصيرها . وقد نتوخى من مقاربات صور واوضاع وأقدار ومصائر ثلاثية الشخصية الواحدة في الرواية تجربة علائقية تشكيل الزمكاني . إذ لا يخفى على أحد بأن هناك ثمة مسارات صوغية خاصة راحت تنهض من خلالها حركية الزمكانية في رقعة تخوم عبورياتها المماثلة والأختلافية وما يغري في مسارية زمان ومكان هذه الرواية هو أنها تشكل في ذاتها وحدة دينامية متناغمة أخذت تتجاوب في إيقاعها الداخلي / الخارجي مع وظائف نسيج الملائمة الحياتية المشخصة في حياة تلك الشخوص المحورية الثلاثة .

 

تضمينات المحكي ومداراته الدلالية

و في وضع آخر من فقرات مشاهد الرواية نعثر على عنونة بهذا الشكل (صورة وصفية عن كمال مدحت) حيث راح من خلالها الروائي يقدم ملامح ومشخصات الشخصية كمال مدحت فيما يقول : (ومن أجل تسهيل العمل على هذه الشخصية الملغزة قمت بتجميع مجموعة من الخيوط لتكوين صورة وصفية عن كمال مدحت : فهو شخص طويل القامة نحيل جدا بشعر طويل ولحية خفيفة يرتدي نظارة ذات إطار بلاستيكي .. أنيق الملبس .. علاقاته النسائية متعددة وعواطفه غامضة .. أهتماماته موسوعية مثل الفن الحديث .. الشعر .. الرواية .. العلوم السياسية .. له أيمان كبير بالقوى الغامضة .. غير محدد من جهة مواقفه السياسية .. قراءاته الفلسفية واسعة ولكنها انتقائية .. كما كان كمال مدحت عازف فيولون ــ كمان ــ ماهر جدا حصل على العديد من الجوائز العالمية في الموسيقى وهو يجيد القراءة والتكلم بست لغات .. العبرية والعربية أكتسبهما من خلال العائلة . / الرواية) لقد لاحظنا مرات عديدة بأن لغة المؤلف كانت مركزة تحديدا بشخصية كمال مدحت وذلك لأن هذه الشخصية يقع من خلالها صنيع التعالق المحوري وبشكل يطيل من ديمومة شكل التماسك الدلالي والعلاقة البؤروية مع ضروب تداولية الخطاب الربطي والفضائي في نطاق حيثيات النص . أما شخصية حيدر سلمان ويوسف سامي صالح فإن حدود سيرهما في الحكي أضحى لنا شكلا من الأحوال الموصوفة والمتممة لمستوى بناء شخصية كمال مدحت في أحداث الرواية . وفي هذا المستوى تبقى شخصية حيدر سلمان تشكل درجة أدنى بذاتها من درجات أفعال وحكي ومسرود كمال مدحت ويوسف سامي صالح : (لقد عاش حيدر سلمان في طهران أكثر من عام لآجئا ثم استطاع الهرب الى دمشق نهاية العام 1981 بجواز عراقي مزور بأسم كمال مدحت وقد بقي في دمشق أقل من عام .. تزوج هناك من سيدة عراقية ثرية أسمها نادية العمرية ودخل بغداد أول العام 1982 بجوازه المزور .. ولدت له نادية العمري أبنه عمر في بغداد وفي الثمانينات أصبح أشهر موسيقار في الشرق الأوسط . / الرواية) في النص أدناه نجد شخصية (الصحفي / السارد) الذي راح يتبنى حقيقة وقائع سرد وحكي تمفصلات الأحداث الروائية فهو غدا يشكل في الرواية بمثابة عدسة الكاميرا ولسان حال السارد العليم / المؤلف الضمني : (هذا موجز للخبر الذي نشرته الأميركية بعد العثور على جثته في بغداد وبخمسة أيام .. أتصلت بي صحيفة التودي نيوز الأميركية وطلبت مني الذهاب الى بغداد وكتابة ريبورتاج بألف كلمة عنه على أن لا ينشر هذا الريبورتاج بأسمي أنما بأسم جون بار وهو أحد المراسلين المهمين في الصحيفة وهو ما يطلق عليه في العمل الصحفي البلاك رايتر . / الرواية) وفي موضع آخر نجد السارد / الصحفي وبأسلوب وثائقي هائل الدقة يسرد لنا وقائع اتصالاته وتنقلاته ومجازفاته لأجل الوصول الى حقيقة الطابع النقلي للأخبار في الأمكان التي ارتادها كل من حيدر سلمان ويوسف سامي صالح وصولا الى معرفة مراسلاته لفريدة روبين زوجته ــ كمال مدحت ــ .. (كانت المغلف ثقيلا وتنبعث منه رائحة القدم  .. أشبه بالرزمة مربوطة برباط مطاطي أصفر ضربت عليه براحة يدي غير أنه لا غبار عليه .. قال لي أن هذا المغلف مهم جدا في عملي .. أنه الرسائل التي بعثها كمال مدحت الى زوجته فريدة روبين وعلى مقدار عقود طويلة وقد حصل عليه بوريس من زوجته وعلي أن افضه واستخدمه في كتابة تقريري عنه . / الرواية) أن السارد / الصحفي كان في الرواية هو الذي يعتم ويضيء محور شبكة منظور أحداث الشخوص في ما كانت الزوجة فريدة وعملية مراسلات كمال مدحت لها بمثابة المؤشر التنويري والأرتدادي والتقدمي في مسار نمو أصوات الحكي في مجمل تطورات مجرى أحداث الزمن الروائي . وتبعا لهذا الحد نكون أمام لعبة مراوية ماهرة لمرايا متعددة أخذت تعكس رؤية المؤلف في أحداث المسند والاسنادي من دلالات أفق المحكي في الرواية .

 

تعليق القراءة

في الحقيقة أن القارىء لأحداث شخوص رواية (حارس التبغ) لربما سوف يواجه عوالم شيقة ومبطنة في مساحة الرائي والمروي أو لربما سوف يجد له منطقة قرائية متشعبة من ناصية مبئر (الأنا الذواتية) المتوحدة في أقطاب ثلاثية الأسماء والأمكنة والأزمنة والصفات والأفعال والقابليات الآفاقية في منتوج آليات النص .. بل هي وبلا أدنى شك رواية الأقنعة والأصوات الموصولة في سطوح أمواج ذواتية متمظهرة بموضوعية (الأنا الأحدية) مع أختلاف التفاصيل والتعالقات والرؤى والأمزجة . ان الروائي علي بدر أرد منها ــ أي فكرة حارس التبغ ــ بأن تبدو في مضاعفات الفعل القرائي وكأنها ملفوظية سردية متموجة الأوجه والهويات والأقدار والمصائر .. نعم أنها رواية ثلاثية الشخصية الواحدة التي تتقدمها وجهة نظر ذاتية الأنا المتعرجة فوق مقعرات ذواتية صفات متعددة ولكنها تقع ضمن محورية مركزية متمحورة  في مجلى واحد : (وحده الأب .. حارس التبغ .. وحده كمال مدحت كان ممثلا حقيقيا لصورة الهامشي والخارجي والمقصي .. صورة المعادي لكل سلطة .. والخارج عن كل ايديولوجيا .. أنه صورة حقيقية لحارس التبغ .. تذكر كمال مدحت قصيدة فرناندو بيسوا .. أبناؤه الثلاثة هم شخصياته الثلاث أيضا .. فمئير جاء من شخصية يوسف سامي صالح أي من حارس القطيع في كتاب دكان التبغ .. وحسين جاء من حيدر سلمان من شخصية المحروس في كتاب دكان التبغ .. وعمر من كمال مدحت من حارس التبغ . / الرواية) هكذا غدا يمنح الروائي علي بدر الاشارة الحازمة لصوته السارد آخذا بزمام رؤية الكشف الفعلية للحكي معتمدا الرؤية التفاصلية والارتدادية والاستطرادية ليبث منها حاضرية دلالة المعنى العلائقية في روايته المرتكزة على وجود ثيمة (الأنا الذواتية) وهي تتمحور في ايقونة اقنعة تسجيلية الرواية . هكذا تنكشف لنا رواية (حارس التبغ) ضمن ممارسة تتراوح ما بين لعبة المخيلة الفنية لتقترب من رواية التسجيل والوثيقة بل أنها لعبة بناء رواية المؤلف المخيالية حيث يهدم الخيال من خلال زمن وذاكرة الشخصيات اللاشعورية بوعي أحيانا وبتداخل غير واع أحيانا مع ضجة زمكانية فضاءات البحث عن الحانات والرسائل والصور والمواقف الجنسية الدخيلة في بعض المشاهد وذلك من أجل ابعاد عملية التسويق والطلب في مستودعات ومعارض مبيعات الرواية الرابحة .

 

حيدر عبد الرضا