husan alikhedayrهناك الكثير من الكتاب الروس المعاصرين لم يتحررو من نص تشيخوف الى الان، وأصبح نص تشيخوف مصدر رئيسي في أعمالهم، فهذه المرة سنتحدث عن الكاتب المعاصر الكبير يوري بويده الذي يدخل في جدل مباشر ومفتوح مع نص تشيخوف، من هو يوري بويده؟ يوري بويده كاتب روسي معاصر ترجمت أعماله الى عدة لغات : الفنلندية، الفرنسية، البولندية والالمانية والتركية، والانكليزية، وغيرها من اللغات. وشهرته وصلت الى أمريكا. مواضيعه الرئيسية هي: الذاكرة وارتباطها بموضوع الاختلاف والتنافر والعزلة، وتميز نثره بالجمال والكلمة المعبرة التي تخترق القلب من دون ان تشعر بها، ولكن أحياناً حينما تقرأ أعماله تشعر على الفور بالخوف. في عام ١٩٩٠ في جريدة (العالم الجديد) (نوفي مير)، نشرت قصة ليوري بويده وكان اسم القصة (مدرس مادة الكيمياء)، وفي عام ١٨٩٨ نشرت قصة تشيخوف (الرجل المعلب) مثلما ترجمها المترجم الكبير ابو بكر يوسف، والمدة الزمنية بين القصتين تقريبا اكثر من ١٠٠ سنة. في قصة (مدرس مادة الكيمياء) نجد يوري بويده يلجأ الى الوسائل النفسية حتى يتغلغل الى اعماق الروح الانسانية، في هذه القصة البطل هو سيرغي كان مريضا في القلب وكان أيضاً يعاني من نظرة المجتمع له، هذه الأمور كانت ترهقه وأصبحت صراع نفسي بالنسبة له وهذا الصراع تتطور وأصبح يؤثر تاثيراً مباشراً على سلوكه. شخصية البطل في قصة (مدرس مادة الكيمياء)، و(الرجل المعلب) كان الخوف يرافقهم دائماً، ولكن هذا الخوف ظهر عند الأبطال بشكل مختلف، لان الظروف الاجتماعية كانت مختلفة في الزمان والمكان، فبطل تشيخوف الذي كان اسمه بيليكوف، هو كان يخاف من كل شي وكان دائماً يعيش بحذر وقلق وعدم الثقة بالآخرين، بيليكوف كان يخاف من الظلام ، والليل وحتى النساء، وهو لا يعرف من ماذا يخاف، لكن شخصيته قوية ودائماً يفرض موقفه على الآخرين وباستمرار يردد عبارته المعروفة (اخشى ان يحدث شي)، اما بطل يوري بويده كانت حالته تختلف فهو يعرف جيدا ماذا يخشى ويخاف، هو كان يخاف الأماكن غير المعروفة والمجهولة بالنسبة له، والقبو والأماكن العالية، لكن سيرغي عكس بيليكوف لا يفرض أراء على الآخرين ولم يعد نفسه المحافظ على القيم والاخلاق والنظام، ان خوف سيرغي ظهر واضحاً، حينما (آسيا) المدرسة التي كانت تدرس في نفس المدرسة، هي طلبت منه جلب شيئا ما من القبو الذي كان في المدرسة ولكنه يرفض (ذات مرة (اسيا) طلبت منه ان يجلب شياً ما من قبو المدرسة: - نعم... لكن انا أبدا لم أكن هنالك....لا أحب ان ادخل في اقبية وأماكن عالية وهي مجهولة بالنسبة لي.... اعذريني اسيا خارينوفه). كذلك ظهرت لدى بطل بويده رغبة شديدة الى الانتقال من التدريس الى المختبر الكيمياء، وهذه الرغبة في النهاية أصبحت غلافه الخارجي الذي يعزله عن العالم الخارجي بررت موقفه هذا الناقدة الكبيرة إيلينا بيتوخوفه: (ولكن ظاهرياً (سلوكه الغلافي) يعود لعدة أسباب داخليه هي : الإحساس بالمسؤولية، الحذر وعدم مخالطته للناس، تكفي هذة الأسباب ان تجعل منه (الرجل المعلب) لذلك هو يفضّل المختبر على الناس). إذن جميع هذه الأسباب هي التي جعلت مدرس مادة الكيمياء يدخل في علبته ان صح تعبير، لكن الشي الملفت للنظر ان موقف سيرغي من قصة (الرجل المعلب) كان اشبه بالاحتجاج حينما زميلاته اسيا وصفته ب (الرجل المعلب) ذات مرة (الرجل المعلب يقرأ "الرجل المعلب"... لكن أرجوكِ لاتناديني بالرجل المعلب). هنا، بطل بويده يدافع عن نفسه حتى لا يكون مضحكاً وفي نفس الوقت يوري بويدة كما لو انه يريد ان يقول للقارئ ان مثل هؤلاء الناس لديهم مشاعر وأحاسيس ويجب احترامها، وكذلك يوري بويدة عبر عن موقفه الرافض الى قصة (الرجل المعلب) التي أصبحت تطلق على كل شخص عازل نفسه عن الآخرين. اما دور المرأة في هاتين القصتين فكان دورا مميزا ومؤثرا على سبيل المثال (فاريا) في قصة تشيخوف جلبت الاهانة والموت لبيليكوف، اما (اسيا) في قصة (مدرس مادة الكيمياء) كانت ذكية، جميلة ومليئة بالحيوية التي كانت تسحر الجميع ومن ضمنهم بطل بويده، ولكن خلال فترة من الزمن قررت ان تتزوج من بطل بويده الذي كانت تعده (الرجل المعلب). ويبدو ان زواجهم فيه سر غامض ومبهم - ربما العمر، المستوى العلمي والثقافي او أطباعهم اذ كانت حالمة وتحب الطبيعة وتميل الى العزله. والشيء الملفت هنا ان بطل (بويده وآسيا) يلتقيان بالصدفة ويتبادلان الحديث عن الطبيعة والسباحة وعن مرض القلب الذي اصابه التي هي لا تعرف عنه شي، وحينما اخبرها بمرضه هي كانت في صدمة وطلب منها عدم اخبار اي شخص بهذا الموضوع. اسيا في هذه القصة لعبت دورا كبيرا في تغير حياة سيرغي، هي بمثابة اعادت له الأمل في الحياة، وكأنوا سعيدين في اثناء حياتهم الزوجية، ولكن بعد وفاة بطل بويده، هي قامت بردة فعل عجيبة ضد تشيخوف (اكره تشيخوفكم)، يبدو ان هذه ردة الفعل تعبر عن احتجاج ورفض فكرة (الغلاف) التي طرحها تشيخوف في قصة (الرجل المعلب)، لان هذا الغلاف اصبح قالب ادبي يتعامل فيه في الاعمال الأدبية والحياة اليومية لذلك (آي.ب. ماخينه) تحدثت حول هذا الموضوع وتقول (ان مآساة مدرس مادة الكيمياء أصبحت قالب ادبي يتعامل مع الانسان، فحينما اسيا أعلنت عن كراهيتها تجاه تشيخوف - هي احتجاج ضد سلطة هذا القالب الأدبي)، هنا يقصد بالقالب هو العادة التى جرت في الادب الروسي وأصبح الناس يتعاملون معها كجزء من حياتهم، لان كثير من الاعمال أصبحت أمثال تضرب في الحياة اليومية وعلى سبيل المثال بطل تشيخوف (الرجل المعلب)، لذلك (يوري بويده) احتج على نص تشيخوف ورفض فكرة او غلاف تشيخوف المتمثله بقصته (الرجل المعلب). إذن (غلاف) بيليكوف يعد تجسيد للخوف المستمر من الناس المحيطة به، اما قصة بطل بويده هي احتجاج ضد هذا الغلاف ان صح تعبير كما يطلقون الروس عليه.

 

*يوري بويده فاسيليفيتش ولد في كالينينغراد عام ١٩٥٤، كاتب وأديب معروف له اعمال عديدة ترجمت اعماله الى عدة للغات، ويعمل حالياً في موسكو رئيس تحرير مجلة (دينگي

 

jamil hamdaouiالمقدمة: ظهرت المجموعة القصصية القصيرة جدا للكاتبة المغربية فاطمة بوزيان بعنوان (ميريندا/ وجبة خفيفة)، وكانت طبعتها الأولى سنة 2008م، ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب، في أربع وستين صفحة من الحجم المتوسط، وتحوي في جعبتها أربع وستين وحدة قصصية، تختلف في الحيز الفضائي اختصارا وتطويلا، تنويعا وتجنيسا.

إذا، ما مضامين هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا؟ وما الرؤى الذهنية التي تزخر بها فهما وتفسيرا ؟ وما خصائصها الفنية والجمالية؟ هذا ما سنوضحه في هذه الأسطر الموالية.

 

المبحث الأول: بين الهم الأنثوي والرؤية الرقمية

 تحضر الكتابة النسائية في مجموعة فاطمة بوزيان القصصية بالتركيز على قضايا الأسرة والذات، والاهتمام بالأنا المقنعة، واستكناه أعماق الشعور واللاشعور، وتجسيد خصوصيات الأنثى ومشاكلها الداخلية، وتحديد علاقتها الإيجابية والسلبية بالرجل السيد وغير السيد، ورصد واقعها الوجداني والذهني، وذكر تفاعلاتها الاجتماعية المختلفة، وتصوير الصراع الجدلي بين الرجل والمرأة أو بين الزوج والزوجة، والتلميح إلى العلاقات الغرامية بين العاشقين، ونقل الأجواء العاطفية بين الطرفين، سواء أكان ذلك في ضوء الرؤية الرومانسية، أم في ضوء الرؤية الواقعية، أم في ضوء الرؤية الرقمية.

وهكذا، نجد قصة (إغماضة عين) تصور حياة أسرة تعسة؛ بسبب اعوجاج الزوج المدمن على الخمر الذي كان يتقلب، هو وابنه التائب، بين المنزلتين الدنيا والآخرة بشكل هستيري هذياني. كما تصور الكاتبة في القصة نفسها سذاجة المرأة الأمية التي لاتؤمن بالطب الحديث، لكنها في المقابل تثق أيما ثقة بالأولياء الصالحين:

" عاد الرجل إلى الوفاء لطقسه الليلي ودخل البيت بلا توازن كأنه بندول ساعة أثرية، استقبلته الزوجة بوصلتها المعتادة:

- يارجل إلى متى ستظل على هذه الحالة؟ الحياة إغماضة عين، تغمض عينا وتفتح عينا تجد نفسك في الدار الأخرى..

انتبه الابن للعبارة، فكر في الدار الأخرى، خمن أنها أجمل من هذه الخربة التي تثير سخرية زملائه، جلس على الكرسي أغمض عينا وفتح أخرى...خرج إلى الزنقة أغمض عينا وفتح أخرى...ذهب إلى المدرسة أغمض عينا وفتح أخرى...طلب المعلم إحالته على طبيب العيون فأحالته الأم على أحد الأولياء وظل الولد يفتح عينا ويغمض عينا..."[1]

هذا، و تلتقط الكاتبة، في قصصها المنثورة داخل أضمومتها الإبداعية، هنا وهناك، إحساس الكائن الأنثوي بالدونية والنقص، حينما يقارن بمقابله الذكوري الذي يعد قوام الأسرة، وأسها الأمتن، ورمز الفحولة والرجولة:

" في مراهقتها كانت تستنكر معاملة أمها التفضيلية لشقيقها وكانت الأم تقول:

- هو ملح الدار بدونه لاطعم لنا.

حين تزوجت وأنجبت البنت الثالثة حاولت إقناع نفسها:

- الملح سم أبيض!

وأنجبت البنت الخامسة."[2]

وتستمر الكاتبة في نبش آهات الأنثى، واستقراء آناتها التراجيدية، واستمطار عبراتها، واستقطار أحزانها، بالتشديد على مواقف البين والفراق التي لا يمكن تحملها واستيعابها وجدانيا وذهنيا. ومن ثم، فالأنثى أو المرأة لا تستطيع أن تتصور نفسها بعيدة عن عشيقها أو زوجها الذي يخونها مع قلب مفتوح آخر، كما في قصة (برد) :

" شعرت بقشعريرة تختنق لعبورها المسام

النوافذ مغلقة، الأبواب كذلك والضياء الطافح على الزجاج يوحي أن الشمس هناك في الأفق مشرعة كما يليق بالربيع.

الجسد محنط تقريبا بملابس ثقيلة، ومذيعة النشرة الجوية تعلن أنها سحب خفيفة وعابرة...

أحاطت نفسها بشال صوفي، ظلت القشعريرة ذاتها تسكن المسام!

أطلت على أعماقها، أبواب مفتوحة والرجل الذي خرج منها

يدق أبواب قلب آخر."[3]

وترصد الكاتبة، بريشتها الانتقادية وجرأتها الثائرة، عالم المرأة العاملة المتناقض، فتصور لنا مشاكلها وآلامها الوجدانية، وتستجلي أفراحها المقنعة الصامتة، وتستكنه أحابيلها الشائكة للإيقاع برؤسائها ومسؤوليها بإثارة الفتنة، والاستهداء بالمكر، والتسلح بالغواية الشبقية، وإظهار محاسن الجسد، و التركيز على جمال القوام الأخاذ:

" حين أطل مذيع النشرة ضغطت على كاتم الصوت

في الهاتف قالت:

- حقا... وماذا فعلت زوجة المدير؟... يا لطيف...!لعينة!!

غدا تصبح رئيسة القسم...الزوجة الثانية!لا أكاد أصدق!! معقول؟

لا والله لم أكن أعرف، يبدو أن الواحد من كثرة الانشغالات لم يعد يعرف ما يحدث في العالم!"[4]

واستطاعت المبدعة فاطمة بوزيان أن تستثمر، بذكاء حاد، حادثة تسونامي لتصوير العلاقات الوجدانية الحارة والدافئة بين العاشقين، وما ينتابهما من أحاسيس نابضة بالحب، تغرقهما في أبحر السكر والهذيان والانتشاء، على غرار القصاص المغربي المتميز مصطفى لغتيري الذي فلسف ذهنيا هذه الحادثة الزلزالية في مجموعته القصصية (تسونامي) :

" هناك في ذيل القارة السوداء، جاء الغرباء فجأة، وطفقوا- بلا هوادة- يدهنون الذيل بطلاء أبيض، فاقع لونه...

من مكانها على مقربة من رأس الرجاء الصالح، رأت موجة سوداء ماحدث، فثارت غاضبة... انطلقت من عقالها... اكتسحت الذيل، فجرفت ذلك الطلاء الأبيض".[5]

 أما الكاتبة فاطمة بوزيان، فقد حولت حادثة تسونامي إلى حكاية رومانسية ممتعة وموحية بدلالاتها المتشعبة:

"ذات ليلة قال رجل لامرأة:

هل تعرفين ماهو البحر؟

لا، ليس ذلك الذي تعوم فيه الأسماك ويستبد بإيقاعه الموج

لا، ليس ذلك الذي يتمختر في البطائق البريدية

لا، ليس ذلك الذي يطفو على الشاشة في برامج الصيف

لا، ليس ذلك الطويل الذي يكتب عليه الشعر

لا، ليس إلا أنت فدعي موجك يأتيني ويغرقني فيك!

في تلك الليلة، هاج بحر أغرق جزرا ومدنا

وأعلنت الأخبار أن امرأة تدعى نامي فعلت ذلك

في الغد تظاهرت النساء وطالبن بتحميل تسو المسؤولية أيضا

تثاءبت الجدة ثم سألت الطفلة كما تفعل دائما في خاتمة كل حكاية

- هل فهمت؟

فقالت الطفلة بعيون ناعسة

- نعم، وحين أكبر لن أكون امرأة، ولا رجلا، سأكون جدة".[6]

وتحاول الكاتبة أن تستضمر سيكولوجيا واجتماعيا ووجدانيا وقيميا مجموعة من العلاقات الإنسانية التي تتحكم في طرفي الأسرة النووية :الزوج والزوجة، برصد طبيعتهما النفسية والعضوية، واستقراء شعورهما ولاشعورهما على مستوى البوح والتصريح والتسامي والتعويض والكبت، وتصوير انفعالاتهما الوجدانية، وإبراز مظاهر الألفة والتصادم بينهما، وتبئير ظاهرتي الفراق والطلاق.

ومن هنا، فقصة (وصفة)، وقصة (أحد)، وقصة (سبت)، وقصة (زوجان)، وقصة (حساب)، وقصة (تسلل)، تعالج كلها المشاكل الاجتماعية والأسرية التي محورها الذات الأنثوية في صراعها الجدلي مع الكائن الذكوري وفاقا وخلافا.

وتنساق الكاتبة كثيرا مع لاشعورها السيكولوجي المنساب تخييلا واسترجاعا وتذويتا، بتفتيق لغة الإيروس، وتخطيب اللغة الشبقية، واستقطار العواطف، واستبطان المشاعر الغرامية التي تعبر عن مكبوتات الأنثى، فتستجلي خصوصياتها الشخصية:

" قالت له:

- وردة المحب، قلبه!

استأذنته أن تسألها.... بتلك اللعبة الصبيانية راحت تقشرها

- يحبني لا يحبني، يحبني لا يحبني، يحبني!

تأمل الساق العاري فكر في ساقيها، وشكر في سره الوردة الشهيدة على التواطؤ."[7]

هذا، وتبالغ الكاتبة في تصوير مجموعة من العلاقات الماجنة التي تعكس مشاعر الشهوة المحترقة، بتجسيد الاشتعال الجسدي، وإبراز الرغبة في الحياة والمتعة، وتبيان مدى الانتشاء بالأنثى الوالهة، واستلذاذ مفاتنها ومحاسنها الغاوية، كما في قصة (مغزى)، وقصة (هزة)، وقصة (طموح)، وقصة (كليب)، وقصة (ثور)، وقصة (دوائر)، وقصة (بيتزا) ...

كما تجسد لنا الكاتبة، في لقطاتها القصصية القصيرة جدا، واقع الطفولة المشردة والمنحرفة والتائهة بين أزقة المدينة الغارقة في السواد، والطفولة الضالة في شوارعها الشعبية السابحة في الظلمة والفقر والفاقة:

" عندما كان ينتهي من بيع السجائر، سيجارة بعد سيجارة...

كان يعد نقوده قطعة بعد قطعة...

يغادر المقهى الجنوبي

يجلس في المقهى الشمالي...

ينادي على طفل في مثل عصره...

يشتري منه سيجارة وينفث دخانها في وجهه."[8]

ومن ثم، تندد الكاتبة بعالم الكبار الذي لايعرف سوى الحروب والدمار والعنف والرعب والموت . وفي الوقت نفسه، تدافع، بكل حب أنثوي وأمومي، عن عالم الطفولة الجميل. وتنافح أيضا عن عالم البراءة واللعب الذي يمتاز بالفطرة والعفوية وصدق النوايا. فتعتبره على غرار فرويد أفضل بكثير من عالم الكبار المستهجن بنوازعه الشريرة، وأحقاده الدفينة التي لاتنتهي:

" كان يوسف يحب الطائرات...

سمع الكبار يتحدثون عن طائرات دمرت أبراجا عالية فمزقها

وأحب يوسف صناعة الزوارق...

سمعهم يتحدثون عن زوارق الموت فأغرقها في الماء

راح يلعب في سيارات صغيرة...رأى في التلفزة سيارات تنفجر ودماء ودموعا فهجر اللعب، وقال إخوته:

- كبر يوسف!"[9]

وتثور الكاتبة، في آخر مجموعتها القصصية، على العولمة التي غيرت مجموعة من القيم الاجتماعية والأخلاقية في مجتمعنا العربي، فألقت شبابنا بين أحضان التغريب والانبهار والاستلاب، والتقليد الأعمى للغرب، وجعلتهم يهتمون بالقشور السطحية، والموضات التافهة، والتقليعات الشكلية، بدون تفكير أو روية:

 

" كلما هم بالكتابة تكسر الطباشير أو اصدر صريرا يقشعر له ما تبقى في رأسه من شعر...اغتاظ والتفت إلى يمينه قائلا:

- اتفو، في زمن العولمة يسلموننا أرخص طبشور!

أتم كتابة الدرس بصعوبة... التفت إلى تلاميذه وجد الذكور يلعبون بأقراط آذانهم والإناث مشغولات بأقراط سراتهن..التفت إلى يساره وبصق على العولمة."[10]

وقد عبرت الكاتبة عن هذه العولمة المغولمة بكل رمزية وإيحائية مجازية وإحالية في قصتها (نيو لوك/New look) التي تعبر بكل وضوح عن الامتساخ الإنساني أخلاقيا، وانبطاح الكائن البشري أمام مغريات الغرب افتتانا وسذاجة واستلابا.

وتنتقل الكاتبة في مجموعتها القصصية المصقولة جيدا إلى توظيف الخطاب الميتاسردي لفضح أسرار اللعبة السردية، وكشف تقنيات كتابة القصة القصيرة جدا، واستكناه قواعدها الفنية وخصائصها الجمالية، والتشديد على خفة روحها، ورشاقتها الحكائية، ورقة تعابيرها، كما في قصة (قصص صغيرة جدا):

" قرأت عليهما كل ذلك

قال:

- إنها تشبه بوكاديوس

قالت:

- تشبه النسكافيه

قال:

- تشبه الكليبات

قالت:

- تشبه

قلت:

- نسميها ميريندا ونرتاح"[11]

بيد أن ماتمتاز به المبدعة فاطمة بوزيان في مجال السرد القصصي والحكائي، وتنفرد به على باقي كتاب القصة القصيرة جدا، هو اهتمامها بالعالم الرقمي والكتابة العنكبوتية، والانسياق وراء العالم الحاسوبي، كما نجد ذلك واضحا في قصة (كليك)، وقصة (عنكبوت)، وقصة (شات)، وقصة (وصلة)، وقصة (ماسنجر) التي تعبر عن الحب الرقمي، والعشق الإعلامي، والخيانة الحاسوبية، وقصة (التباسات) التي تصور رقمية الإنسان، وتحوله الامتساخي إلى كمبيوتر آلي.

ونورد لكم - أيها القراء الأعزاء- قصة (ماسنجر) التي تعبر عن الحب الرقمي، والعلاقات الغرامية العنكبوتية التي شيأت الكائن الإنساني، وسيجته في علب " شاتية " حاسوبية ضيقة:

" مثل أية امرأة عاشقة يطرز نبضها موعده مع رجل، فرحة وقلقة، راغبة في أن تعلن للعالم السر الدافئ وفي أن يظل سرها إلى الأبد. سيكون مساء دافئا وسيكون في بيتها رجل مثل أية امرأة متزوجة، ثمة فروق...لتكن لن تلتفت إليها نصف التفاتة لا، ربع التفاتة لا، ثم إن زميلاتها المتزوجات يشتكين دائما من ضجر السقف الواحد، ثم النتيجة واحدة في النهاية، رجل في الذي يليق، وفي تسريحة الشعر وفي الألوان المناسبة لمكياج المساء، وشريط الموسيقى الذي ستقترحه، وحمدت الله أن العطر لا يرى وهذا يعفيها من حيرة الاختيار.

راجعت ساعة يدها كثيرا، عليها أن تكون في الموعد عندما تسمع تلك الرنة التي أدمتنها تعلن قدومه، ستفتح له الباب

زف الموعد... جلست أمام الشاشة... فتحت الماسنجر، وجدت أمام اسمه عبارة En ligne ابتهجت وعدلت رتوشا في مظهرها وانتظرت أن يأخذ المبادرة... ربما ثمة خطأ تقنين بادرت هي، لم يستجب.... تخيلته يكلم امرأة أخرى ويرسل لها عبر الكاميرا قبله ويبثها أشواقها وو....

اشتعلت غيرة رنت عليه مرة أخرى، وضع لها عبارة occupé بغضب ضغطت على الفأرة ومسحته... في الصباح شعرت بلذة غريبة وهي تشارك المتزوجات أحاديث الخيانة".[12]

يتبين لنا، من هذا كله، أن المجموعة القصصية (ميريندا/ الوجبة الخفيفة) لفاطمة بوزيان تحمل رؤية ذاتية متمحورة حول الأنثى في آلامها وآمالها، مع التركيز على جسدها الإيروسي وفتنته الشبقية، ورصد علاقتها التواصلية مع الآخر الذكوري تعايشا وتنافرا. كما تحمل أضمومتها ولقطاتها القصصية رؤية رقمية في تصوير العلاقات الجدلية بين الأنوثة والذكورة.

 

المبحث الثاني: بين أسلوب الامتساخ وتنوع النفس القصصي

تختار فاطمة بوزيان، في عملها الإبداعي الجديد في مجال القصة القصيرة جدا، حيزا فضائيا محدودا من الكلمات والأسطر قد لا يتعدى نصف الصفحة. وهذا ما يقرب هذا النوع السردي من القصة القصيرة جدا. بيد أن الكاتبة تنزاح، في بعض الأحيان، عن الحجم القصير لتسترسل في كتابتها سردا وتمطيطا حتى تتحول لقطاتها القصصية القصيرة جدا إلى أقصوصات وقصص قصيرة بسبب الطول المفرط، كما نلاحظ ذلك جليا في قصة (ماسنجر) من جهة، وقصة (كليب) التي تستغرق صفحتين كاملتين من الكتابة من جهة أخرى.

ونلاحظ أيضا، في قصصها القصيرة جدا، ظاهرة الانسياب السردي، وملمح التحرر من علامات الترقيم التي تتحول بدورها إلى علامات معطلة وسالبة في كثير من الأحيان، أو تتحول إلى علامات الحذف والإضمار، كما في قصة (ماسنجر) مثلا. وربما يعود السبب في تعطيل علامات الترقيم، في كثير من قصص المجموعة، إلى رغبة الكاتبة في التحرر من شرنقة الإملاء، والتخلص من الفواصل المفرملة للأفكار والعواطف، والانسياق أيضا وراء اللاشعور الوجداني الذاتي، مع ترك التخيلات السردية تنساب بدون تقييد، ودون وضع للحواجز التي تكبح اللغة، وتمنع تسلسل المعاني.

وتنبني قصص الكاتبة على التحبيك السردي من خلال تراكب الجمل الفعلية، وتعاقبها عبر الروابط الزمنية والمكانية وضمائر الإحالة وأدوات العطف.

هذا، وترتكز المجموعة كذلك على الخطاطة السردية، ونسق التحولات والحالات، واختيار الشخصيات الدرامية، سواء الموسومة بالأسماء العلمية، مثل: يوسف، أم المغيبة على مستوى التسمية والتشخيص والتواصل.

كما شغلت الكاتبة أفضية واقعية (الزنقة، المدرسة...)، وأفضية رومانسية (البيت، المقهى، البحر، غرفة النوم، المطعم...)، وأفضية رقمية (الحاسوب، الكومبيوتر، الشاشة...) . واهتمت أيضا بالمكون الوصفي بتشغيل مجموعة من الأوصاف والنعوت والأحوال والتشابيه والاستعارات والتعابير المجازية والكنائية، لكن بطريقة مكثفة و موجزة ومقتضبة.

واعتمدت الكاتبة كذلك في تخطيب قصصها على الرؤية من الخلف، والمنظور السردي الموضوعي المطلق، وضمير الغياب، مع استعمال بنية زمنية كرونولوجية، وتشغيل متواليات سردية تعاقبية، والعمل على تسريع القصة بواسطة إيقاع الحذف والإضمار والاختزال.

وعلى مستوى الأسلبة، فقد انتقلت المبدعة من الخطاب السردي في معظم قصص المجموعة إلى الخطاب الحواري المعروض، كما في قصة (قصص قصيرة جدا)، ثم إلى الخطاب الذاتي، كما في قصتها (ملح) :

 " في مراهقتها كانت تستنكر معاملة أمها التفضيلية لشقيقها وكانت الأم تقول:

- هو ملح الدار بدونه لاطعم لنا.

حين تزوجت وأنجبت البنت الثالثة حاولت إقناع نفسها:

- الملح سم أبيض!

وأنجبت البنت الخامسة."[13]

أضف إلى ذلك يتسم أسلوبها التعبيري بكونه أسلوبا سهلا ممتنعا؛ بسبب ألفاظها المختارة بدقة، واتسامها بجمالية الصقل والتهذيب، وروعة الاتساق والانسجام، وعصرنة حقولها الدلالية بالمعاجم التقنية الرقمية والإعلامية.

وتستند الكاتبة، في ترصيفها اللغوي، إلى التجنيس اللفظي والصوتي من أجل خلق لغة إيقاعية انزياحية، واستخدام عبارات موحية، كما في قصة (تواطؤ) التي تتداخل فيها الكلمات المتوازية، والعبارات المتماثلة،والصيغ الصرفية المتعادلة:

" قالت له:

- وردة المحب، قلبه!

استأذنته أن تسألها.... بتلك اللعبة الصبيانية راحت تقشرها

- يحبني لا يحبني، يحبني لا يحبني، يحبني!

تأمل الساق العاري فكر في ساقيها، وشكر في سره الوردة الشهيدة على التواطؤ."[14]

ولا ننسى أيضا أن فاطمة بوزيان كانت تتكئ، في كثير من قصصها القصيرة جدا، على تنويع الأساليب، وتلوينها خبرا وإنشاء، واستعمال أسلوب الامتساخ الفانطاستيكي، كما في القصص الرقمية التي تتحول فيها الآلة العنكبوتية إلى كائن إنساني . وفي المقابل، يتحول الإنسان إلى آلة رقمية مشيأة .

هذا، وتلتجئ الكاتبة، في بعض قصصها، إلى السخرية والمفارقة والتهجين والباروديا، كما يتجلى ذلك واضحا في قصة (عولمة) من باب التمثيل ليس إلا.

 

الخاتمة:

 وخلاصة القول: يتضح لنا، من خلال مجموعة (ميريندا)، أن فاطمة بوزيان تجمع بين القصة القصيرة جدا والأقصوصة. كما تجمع الكاتبة في أضمومتها بين الرؤية الأنثوية الذاتية بالتعبير المسترسل عن خصوصيات المرأة، وتصوير عالمها الداخلي، وتجسيد مكنوناتها الشعورية واللاشعورية، والاسترشاد بالرؤية الرقمية التي تكمن في التقاط التحولات البارزة، وتصوير امتساخ الكائن البشري أثناء تحوله إلى كائن رقمي وعنكبوتي، سواء أكان ذكرا أم أنثى .

 

........................

[1] فاطمة بوزيان: ميريندا، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:3.

[2]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:50.

[3] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:5.

[4]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:11.

[5]- مصطفى لغتيري: تسونامي،دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:25.

[6] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:12-13.

[7]- فاطمة بوزيان : نفسه، ص:59.

[8] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:10.

[9] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:58.

[10] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:60.

[11] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:61.

[12] فاطمة بوزيان: نفسه، ص:56-57.

[13]- فاطمة بوزيان: نفسه، ص:50.

[14] فاطمة بوزيان : نفسه، ص:59.

 

ryad alasadiيدرك القارئ لشعر صلاح شلوان الحديث، ذلك العماري الحائز على لقب مكتشف الميناتور(*) في ميسان! تلك البراءة الشعرية في التعرف على لوحة الكائن العجيب، وسط خرائب المدينة التي تشبه قرية قروسطية مترامية الأطراف لا تشبه أثينا القديمة بشيء حتى. وسرّ هذا الجمال الواضح للغة الشلوانية الاختزالية وللصور الشعرية واختيار الثيمات لا يعود إلى الشاعر وتفرده وقدرته وطول تجربته؛ بل إلى "نهر الكحلاء" الخرافي الذي شرب منه حينما كان رائقا يفعل فعله في الإنسان العمايرجي قبل عصر الميناتور هذا، وقبل أن يجف دجلة هذا النمر القوي Tiger ونهر الكحلاء لتصبح مياهه آسنة ممجوجة: أووووه ميسان شقيقة بيسان! – ولاية الشاعر وعالمه الدفين منذ عصر (مملكة الليشن) المغمورة) ولادته الرسمية فيها عام 1955لكنه قبل ذلك التاريخ بآلاف السنين) وهي تعني في إحدى التفاسير التوراتية: المياه الآسنة ومهبط إبليس! - لكن صلاح يبقي صلاحا هارمونيا داخليا ووسيما أيضا (هذه الوسامة المأخوذة عنوة/ يغريها المزيد) (ص:51)؛ ولا ادري أية وسامة تبقى في عصر الميناتور حينما يطاردك ذلك البشري- الحيواني والحيواني- البشري برأس ثور حاملا فأسه الغليظة؟ كان الناس يفرون وصلاح شلوان يصرّ على المواجهة؟! أيّ فعل مجنون هذا في عصر التوحش؟ فلم تؤثر في ابن شلوان أسطرة التوراة وأمراض البيئة ولا حتى سياسات حروب المياه وإهمال الحكومات في القرن الحادي والعشرين حيث بدأ عصر الميناتور في بداية العقد السادس من القرن الماضي بإعلان مذابح كركوك والموصل في عام 1959 من القرن الماضي ولازال صراخ الميناتور مستمرا بعناد وتخريب للروح كبيرين مثلما هو تخريب منظم للطبيعة أيضا:

(لا جغرافيا لدينا

ولا صورة للقدم) (ص:26)

وكنت أتمنى لو وضع شلوان صورته- لتأكيد وسامته الطاغية في عصر الميناتور اللعين إلى جنب صورته هو على غلاف مجموعته الرائقة (تحت شجرة الاكاسيا: دمشق: دار الينابيع، 2009) لتكتشفوا جماله الخارجي قبل شعره ولتروا كم هي موحشة تلك السطور التي اختطها بعناية فائقة في مجموعته.

وتعد شجرة الاكاسيا التي تحتل مساحة كبيرة في الأدب العالمي -الروسي خاصة- من ذلك النوع من الأشجار شبه المعمرة وارفة الظلال صفراء تميل إلى لون الذهب من بعيد وحينما تزهر تسر الناظرين. فأشجار الاكاسيا أو (السنا- مكي) موطنها الشرق الأوسط عموما والجزيرة العربية خاصة، وهي من النباتات القديمة جدا المستخدمة في العلاجات الطبية حيث استخدمت في زمن الفراعنة وكانت تسمى في ذلك الزمن باسم "جنجنت" وقد وردت ضمن عدة وصفات فرعونية لعلاج بعض الأمراض في (البرديات) المصرية القديمة. كما كانت علاجاتها تستخدم على نطاق واسع في عهد الرسول محمد (ص)، حيث ورد ذكرها في عدة أحاديث نبوية تحت أسم شجرة السنا: هذا الأفق الذي طالما أفتقده الشاعر في رحلته تحت الاكاسيا حيث اخبره عبدالله المجنون.

(مالك يا بن شلوان تروح وتجيء

وعيناك في الأفق؟)(ص:44)

ولا أفق يلوح في الأفق فقد اختار صلاح شلوان شجرة واحدة فقط، وهي تكفيه بطبيعة الحال، ليسرح في طرح أسئلته وهو يرى الميناتور قريبا منه. ومن تحت شجرته الأكاسيوية - السنا مكية أطلق تساؤلاته الفلسفية ورؤاه الكونية وهمومه اليومية في ملحمة من الشظايا النارية الشعرية الحادة وغير المعنونة. فبدأ صلاح شظيته الأولى في الإهداء: إلى مجهول! حسنا فعلت أيها الرائق منذ البداية لأن مقتل أي نص أو مجموعة هو في الإهداء المجاني.. والمجاملي أحيانا وغير المبرر. أجل (إلى مجهول): بدءا من الجندي المجهول المحمول بلا بندقية الذي لازالت والدته تبحث عن أسمه في قوائم العائدين من حرب الميناتور بلا جدوى: تلك الجثة المسجاة تحت النصب الأزرق المفتوح كقبة مفلوقة كبيرة في بغداد ساحة الاحتفالات الميناتورية؛ مرورا بأولئك المغدورين القتلى في المقابر الجماعية الجديدة قبل وبعد 2003 من مجهولي الهوية وانتهاء بالمجهول الفلسفي الشلواني: هكذا هو الميناتور على أرضنا:

( .. سفاحنا الواطئ

الذي لا يريد أن يطور مديته الصدئة

البشعة ) (ص:38)

كتب جان بول سارتر ذات مرة أنه سوف يستمر في البحث عن السيدة الحقيقة حتى وإن كانت (لاشيء), واللاشيء هو المجهول في حياتنا والمعلوم في الوقت نفسه في تأملاتنا ولوعتنا وقلقنا من الانتقال إلى عالم آخر وربما لا يقل ميناتورية عن هذا العالم أيضا. فيلهج صلاح شلوان في محاولة تسطير اللوعات الفلسفية في عالم لم يبق للفلسفة والتأمل شيئا مهما بعد سيادة قيم العولمة والسلعية والمعرفة الإنتاجية التداولية. وابن شلوان هو الوريث الشرعي لذلك الكم الشعري الوجودي في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين: ت.س.اليوت، ازرا باوند، ادونيس، محمود البريكان عبد الحسن الشذر جان دمو.. تعالوا إلى هذه الشظية الغريبة:

( في طريق مكفهر

ظل الجنود يتقدون ليالي على الجسر

مثل أكياس حطب عتيقة في العراء

ولا طائر أخضر يدنو منهم

ولا حبة من بعيد تذرّ) (ص:9)

يحتاج القارئ إلى إعادة النص مئات المرات لتفحص عوالمه المتداخلة في كلمات مختزلة قليلة لكنها تضرب جذورها في المجهولية: هذه المتضادات بين الاتقاد والحطب العتيق القابل للاشتعال. هم الجنود المجهولون العراقيون والعالميون من ذوي الفجيعة الكبرى، المنسيون كما هي كل حروبنا المجانية، الذين وهبوا دمهم رائقا لنا كي نعيش.. هذه الحياة المجانية بالموت ألشوارعي الآن؛ اوووووه يا اله شلوان أية حياة ميناتورية نعيش؟: لا طائر جنة أرضية اخضر يعزيهم .. بل لا يدنو منهم.. ولا حتى حبة واحدة تذر من بعيد لديمومة الحياة فيهم: هوووو أية فجيعة هذه تغسلنا منذ عام 1959: كانت حربا ضروسا منسية نتج عنها جنود (كاظميون) (جسريون) كثر لم يأخذوا حظهم من اهتمامنا: هكذا يزاح الستار عن لؤم المجهولية وغبائهاالتاريخي.

وشلوان لا يستطيع مواجهة مجهوله ومجهوليته الروحية برغم كل شجاعته ومحاولته التقرب من الميناتور لذلك هو يكتفي بذلك الكوخ الجبلي المنعزل -أحيانا- المغطى بالثلج حيث( وثمة من يبكي.. /ولم أره/ تحياتي إلى المجهول) المجهول من جديد الذي لا ينفك صلاح يرثيه كلما سنحت له سانحة. ومن هذا الذي يبكي غير الإنسان المتوحد في هذا المدنس التاريخي من الأسلاف: إنه يتوجس المجهولية الغريبة من خلال هذه اللوحة السريالية شعريا التي تختتم بالتحيات.. يا للتحيات السود الغارقة في السخرية من كلّ شيء وضدّ كلّ شيء.

فالمجهول لدى صلاح شلوان كائن قائم بحد؛ ذاته لكنه هو الذي يؤثر بقاءه على هذا النحو لحكمة لا نعرفها الآن؛ وقد لا ندركها في أي (وقت) قادم أيضا. حقا ثمة من يبكي دائما وسط هذه الحيرة الفوهة العجيبة الشافطة لنا جميعا في النهاية؟ والنهاية لدى الشعر تكون بداية أحيانا ولا نهائية كتصريحه العلني لولده: (فالصفر أبو الأشياء!) (ص:20) والصفر هو اللاشيء وهو اللانهاية وهو العدم( السواد) الذي تصدر عنه الخلائق كلها المادية والعضوية والطاقوية: يستلهم شلوان من الأخيرة معظم ثيماته. ولا تستخدم المفردات جزافا في شعر شلوان بل يجري تهذيبها وتوظيفها كي تؤدي مهمة التوصيل اللازمة. وهذا ما يميز الشاعر عن كثيرين من مجايليه ممن يرون في الإسفاف والهرولة الكلامية والركض أحيانا - بلا مراجعة مكثفة- يحيي نصا حديثا. ومن هنا فقد كثر أولئك (الشابطين) بالقطار الضوئي الحديث. لكن المتابعات الثقافية – غير المولودة دائما- تزيد من تكاثر هؤلاء كالفطر المسموم أيضا.

لكن شلوان منذ البداية يعلن عن رغبته في الفرار عن (أسلافه) بسبب سلسلة الفجائع التي ورثها عنهم ليسكن غربة روحية وقطيعة تاريخية مغبرة وهو يصرخ بنا: أية غربة هذه؟ وما هي بغربة مصطنعة بل هي متوطنة وطبيعية منذ الولادة في هذا الآتون: العالم: في علاقة (ما) بين طفل وأبيه في حلم والطفل نائم:

( : مع من تتكلم يا ولدي؟

: مع الله

: وماذا قال لك؟

: كل شيء على ما يرام.) (ص:10)

مطلقا، ليس ثمة (شيئا -واحدا- على ما يرام) في عالم ميناتوري ملؤه الفجيعة والخوض في ارض تهبط فيها عصافير فقدت سراجها جفلت؛ بيدأن أحلام الأطفال تبقى هي القائمة كما يحدد الفيلسوف السويسري (ياسبرز) في مقولته الخطيرة: تجد الحقيقة في عيون الأطفال دائما..أما عندما يكبر أولئك الأطفال ويخرجوا من عالم كلّ شيء على ما يرام؛ عندئذ تبدأ المأساة الإنسانية الميناتورية في أدق فصولها حيث تتلاشى الأحلام في عالم على ما يرام تماما لتبدأ رحلة اليأس من العالم على نحو مليء بالفجيعة والألم: ( لو مثل ومضة/ ونختفي) (ص:17)

لكن شلوان يريد منا أن نطور ذائقتنا التاريخية -هذه المرة- بإزاء عالم لا يرحم (أيها الميناتور/ ما أنت بالأسوأ حالة منا) (ص:38) هذا القاتل الأخاذ( بشر يحمل فأسا برأس ثور) فيوظفه الشاعر ليكون دليلا مضافا على وحشية العالم. لكن ميناتورنا الآن يستنهض روحه حيا فينا وهو يستخدم الأسلحة الحديثة من مسدسات وغيرها فيطلق النار مصوبا إلى جهة القلب: هذا الإبليس الجديد الذي يسكن مياهنا الآسنة في عصر الفاشست العراقي الأخير وعصر الفاشست الميناتوري العراقي الجديد! حيث يكون الموت مهنة للعديد من الميناتوريين المتلفعين ببرد جديدة ويضعون على وجوههم مساحيق كثيرة لم يسبق للعصافير البشرية المزحومة بالموت رؤيتها.وعندئذ سوف ينعق الغراب نعقته الأخيرة (- وحده- فوق الجيفة الهائلة)(ص:72) ليعلن خراب العالم الشلواني.

 

د. رياض الاسدي - اديب من العراق - البصرة

........................

(*) ميناتور: مينوس وتوروس: في الأساطير الإغريقية وحش نصفه كإنسان ونصفه الأخر ثور يعيش في المتاهة التي بناها ديدالوس لمينوس ملك كريت .كانوا يقدموا له قربان سنوي من سبعة شباب وسبع عذارى حتي قتله ثيذيوس ابن ملك أثينا . 

 

jawdat hoshyarمَدْخَلٌ: يلقى الأدب الوثائقي في السنوات الأخيرة اهتماماً واسعاً، سواء في الأوساط الثقافية أو لدى القراء في شتى بلاد العالم. ويتمثل ذلك في الأقبال المتزايد على الرواية الوثائقية أوغير الخيالية، والمذكرات الشخصية، وسير حياة المشاهير وبعض الأنواع الأخرى من الكتابة التي تدخل ضمن مفهوم (نون فيكشن – واقعي أوغير خيالي). ويمكن تفسير هذا التحول نحو أدب الحقيقة، بأن القاريء المعاصر يشعر بالتعب من أوهام الحياة، ومتعطش للأدب الواقعي . وأن التقنيات الفنية للرواية التقليدية قد استهلكت وابتذلت، وهي عاجزة عن الوفاء بحاجة التعبير بالقوة المطلوبة والعمق المنشود عن الأحداث الدراماتيكية لعصرنا الراهن،  ولا بد من البحث عن وسائل تعبيرية جديدة لتجسيد الواقع الجديد، الذي يتغير أمام أنظارنا بوتائر متسارعة . وسنحاول في هذا البحث المركز استجلاء  بعض أوجه الأختلاف والتشابه بين الرواية الخيالية والرواية غير الخيالية التي يطلق عليها في الأدب العالمي اسم " الرواية الفنية – الوثائقية .". 

قد يبدو للوهلة الأولى  أن ثمة تناقضاً بين الرواية الخيالية، والرواية الفنية - الوثائقية، حيث نجد في النوع الأول إن المؤلف يتخفى وراء قناع الراوي العليم ويستخدم مجموعة من التقنيات الفنية التقليدية لنسج الأحداث، ورسم الشخصيات الوهمية، وتصوير ما تقوم به من أعمال، والتحكم في لغة الحوار، وهي في مجملها تشغل مساحة واسعة في الفضاء السردي . أمّا مؤلف الرواية الفنية - الوثائقية فإنه  لا يتدخل في سير الأحداث وكل شيء في الرواية واقعي وحقيقي وتقوم على ملاحظات المؤلف وتأملاته.

إن التناقض الظاهري بين هذين النوعين من فن الرواية يزول اذا عرفنا ان العمل الأساسي للمؤلف في كلا النوعين هو انتقاء المواد وهيكلتها وصياغتها فنياً وجمالياً . وان كان ثمة اختلاف واضح في مدى استخدم عنصر الخيال . ولكن ليست هناك حدود فاصلة بينهما. فهما ذات طبيعة واحدة .

 

عصر أدب الحقيقة:

 في السرد القصصي الخيالي  يقوم المؤلف بتغيير المادة الخام وتحويلها ومزجها بالخيال لصياغة مادة جديدة، تختلف عن المادة الخام الى حد كبير، وبإختلاق المواقف والشخصيات الوهمية والتلاعب بها وتحريكها حسب رؤيته .وقد جَرَّبَ كتاب الرواية الخيالية كل الموضوعات الحياتية والحبكات الممكنة في البناء الروائي والأنواع الرئيسية من الصراعات، وخصائص الشخصيات، وحتى أساليب الكتابة الروائية

يقول الروائي الأنجليزي البارز جون فاولز: " انه بشعر بالأشمئزاز من ذلك الكذب الذي لا مفر منه، الذي يشكل اساس الأدب الروائي الخيالي ".

كان القرن العشرين حافلاً بأحداث دراماتيكية لم تكن تخطر على البال، ولم يكن بمقدور أي كاتب أن يتنبأ بها أو يجسدها، مهما كان خصب الخيال . لذا فإن، مؤرخي ونقاد الأدب لا يزالون يتساءلون كيف تسنّى لأيليا اهرنبورغ أن يتنبأ في روايته البكر " مغامرات خوليو خرينيتو "  -  الذي صدر في عام 1921 -  بظهور الفاشية وصنع القنبلة الذرية . ولكن هذه الحالات نادرة، لأن الأدب - على النقيض من الحياة - منطقي وعقلاني ومنسق .

كيف يمكن تفسير ظهور النازية في بلد متحضر مثل ألمانيا - . الظواهر غير المنطقية لا يجوز تصويرها بتقنيات الأدب التقليدي من قبيل التحليل النفسي مع انتقال المؤلف الى موقف البطل.

لقد كتبت مئآت الروايات الفنية عن أهوال التعذيب في معسكرات الأعتقال الستالينية، والعمل القسري في أصقاع سيبيريا، في ظروف قاسية، فوق طاقة البشر،من برد وجوع وانهاك روحي وجسدي . ومع ذلك فأن قصص " حكايات كليما " الواقعية  للكاتب الروسي شالاموف، التي تستند الى معاناة الكاتب الرهيبة وذكرياته الأليمة عن فترة الأعتقال، هي التي عرّت بقوة وعمق نادرين وحشية النظام الستاليني، الذي القى بملايين الأبرياء في غياهب السجون والمعتقلات الرهيبة، وقد قضى شالاموف نفسه  17 عاماً في معتقل كليما في سيبيريا . واطلق سراحه بعد العفو الخروشوفي الذي شمل القسم الأكبر من السجناء والمعتقلين، الذين ظلوا يتذكرون في كل يوم، بل في كل لحظة، وحتى آخر يوم في الحياة، ما عانوه من تعذيب واذلال واهانة.

 شالاموف على النقيض من سولجينتسين، يعتقد أن التعذيب لا يطهّر الأنسان بل يجرده من انسانيته . هذه القصص الواقعية المرعبة يقشعر لها البدن ويعتصر القلب لفظاعتها، وهي أبلغ وأقوى من آلاف الروايات الفنية المتقنة الصنع، وقد ترجمت " حكايات كليما " الى عشرات اللغات الحية في العالم، وقال عنها مؤرخو ونقاد الأدب في الغرب، انها من أفضل ما كتب من قصص في القرن العشرين .

 

لمحة عن تأريخ الرواية الفنية – الوثائقية:

الروايات التأريخية والسير الذاتية غالبا ما تستخدم الطرق السردية لروايات الخيال (فيكشن) في تصوير الأحداث الحقيقية، كما أن معظم كتاب الرواية الكلاسيكية استخدموا تجاربهم الحياتية كمادة خام للكتابة ولكن من وراء قناع الشخصيات، واختلاق المشاهد والمواقف في سبيل جعل النص شائقاً وممتعاً . ونحن نتذكر هنا قول جوستاف فلوبير الذي تحدث عن رواية " مدام بوفاري " قائلاً : " ان ايما هي أنا " . في حين ان الرواية الفنية - الوثائقية تقوم على  الموضوعية والحياد وقد يزيل المؤلف نفسه من الصورة تماماً . لقد كتب العديد من الكتاب الكلاسيكيين نتاجات تستند الى أحداث حقيقية ولكنها لم تكن روايات بل قصصاً صحفية وريبورتاجات طويلة .

 كان الكاتب والصحفي الأرجنتيني رودولفو والش، أول من كتب رواية فنية – وثائقية في العام 1957 تحت عنوان " المذبحة " عن جريمة قتل حقيقية . ولكن هذه الرواية لم تلق نجاحاً كبيراً .

الرواية الفنية – الوثائقية كجنس أدبي لم يتم الأعتراف به على نطاق واسع، إلا في العام 1965  بصدور رواية " بدم بارد " للكاتب الأميركي ترومان كابوتي  . كان كابوتي قد قرأ في الصحف عن جريمة قتل، وأثارت هذه الجريمة – لسبب غير معروف – اهتمامه الشديد  . وسافر الى البلدة التي وقعت فيها الجريمة وأجرى مقابلات صحفية مع القاتلين ريتشارد هيكوك وبيري سميث . وقضى عدة سنوات في متابعة هذه القصة وأمضى وقتا طويلا مع من لهم علاقة بها وفي الأستماع الى التسجيلات ومشاهدة الأفلام الخاصة بالجريمة، وقراءة محاضر جلسات المحاكمة . وقال ان كل شيء في الكتاب مطابق للواقع..

 وكان هذا يعني أن المؤلف قادر على خلق شخصيات روائية من الواقع، مما يجعل تفاصيل الرواية دقيقة للغاية .كما أن الطريقة الموضوعية التي اتبعها كابوتي تدل على أن المؤلف لم يغير أي شيء يذكر في الظروف المحيطة بالجريمة والتي وصفها في روايته .

إن رواية " بدم بارد "، رغم أحداثها الحقيقية، عمل ابداعي رائع ومشوق ويتسم بقيمة فنية عالية،. وقد برهن كابوتي إن المهارة الفنية في البناء الروائي والصياغة والأسلوب الرشيق المقتضب والمتقن هي التي تخلق الرواية ذات القيمة الفنية العالية، سواء كانت خيالية أم واقعية تستمد أحداثها من الحياة اليومية .

بعد تجربة كابوتي الناجحة، جرّب العديد من الروائيين الأميركيين والأوروبيين هذا الجنس الأدبي، منهم هنتر تومسون في رواية  " جحيم الملائكة " 1966، ونورمان ميلر في رواية " جيوش الليل " 1968 - وهي من أفضل روايات الكاتب، وقد نال عنها أرفع جائزة أدبية أميركية وهي جائزة "بوليتزر"، مما أثار حفيظة كابوتي الذي كانت روايته " بدم بارد " أفضل بكثير من رواية " جيوش الليل " بشهادة الزمن - و توم وولف في رواية " الفحص الكهربائي لحمض الأسعاف البارد " . وسولجنيتسن في رواية " أرخبيل الغولاغ " .  ولم يكن هذا النوع من الروايات ظاهرة عابرة أو مؤقتة، لأننا نرى اليوم انها أخذت تنافس بقوة الرواية الخيالية وتزيحها عن عرش الرواية .

 

مفهوم الرواية الوثائقية في الأدب العربي:

 مفهوم الرواية الفنية – الوثائقية في الآداب الأوروبية والأميركية، تختلف جذرياً عن الرواية الوثائقية أو  التسجيلية العربية، التي يكتفي  فيها المؤلف بتسجيل الحوادث والعرض المباشر للواقع،كما تفعل كتب التأريخ ، من دون انتقاء الأحداث والمواقف و التفاصيل الدالة ومن دون الصياغة الفنية و الجمالية للرواية .

السمة الرئيسية للرواية الفنية – الوثائقية، هي رصد الواقع عبر معالجة خلاقة، ورسم صورة حية ومشرقة للأحداث ، قد تكون اكثر تشويقا واثارة  من الرواية الخيالية .

ليس في الأدب العربي اليوم عموماً، وفي الأدب العراقي خصوصاً، رواية فنية – وثائقية -  بالمعنى المعروف لهذا المصطلح في الأدب العالمي - ترتفع الى مستوى الروايات الغربية أو الروسية من هذا النوع ، رغم أن بلدان الشرق الأوسط شهدت أحداثاً دراماتيكية مروعة تستحق أن يكتب عنها مئآت الروايات الفنية - الوثائقية، أما محاولة البعض اللجؤ الى الخيال لتجسيد تلك الأحداث ، فإن اقل ما يقال عنها أنها تثير الأستغراب، إن لم يكن الأشمئزاز، لأن تحريف الواقع المأساوي وتجميله هو تغطية لقسوته ولا انسانيته، مهما كانت نيات أصحاب مثل هذه المحاولات حسنة وبريئة .

 

akeel alabodنبذة عن حياة المؤلفة: نسرين ابو قلام من مواليد بغداد عام ١٩٥٨

دبلوم هندسة مدنية. تنتمي الى عائلة تهتم بالثقافة والآداب وهذا ما ساهم في صقل هواياتها في هذا الباب. تسكن الان في ساندياكو كاليفورنيا.  

اصدارها الاول لعام ٢٠١٤ كان عن دار الشمس وهي رواية بعنوان (عندما يصبح الحدس حقيقة)، والتي تسرد فيها مقطعا عن تاريخ العراق-بغداد حيث مفردات الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها من عام ١٩٨١، حتى العام ٢٠٠٣، خلالها يتم الإشارة الى سنوات ترتبط بتواريخ مضت، وتلك لها علاقة بما خلفته سياسة الحزب الحاكم آنذاك على الشخصية العراقية، بما فيها أضرار الحروب المتكررة،  حيث دوي صفارات الانذار، وبيانات الموت، ولغة الخراب تلك التي خلفتها اليات العسكر، والتي بسببها ثقافة الهجرة راحت تأخذ مآخذها بين أفراد كل عائلة، والرواية  بحجم ٤٥٤ ورقة من القطع الكبير.

 في روايتها الثانية (معي تكونين أحلى)، والتي هي عبارة عن كتاب بالقطع المتوسط صفحاته مائة وثلاثة وسبعين، والصادرة عن دار ميزوبوتوميا العراقية للطباعة والنشر للعام ٢٠١٦، ابو قلام بطريقة عفوية تسترسل في البحث عن قصة عشق عصفت بها ذات يوم مفردات العصر الذي ما زال مكبلا بطوق الموروث من القوانين والعادات الاجتماعية التي تغزوها كل يوم مفردات المظاهر الرخيصة من البهرجة والتكلف.

فكرة الرواية هو اننا امام مؤثرات إعلامية تجارية اجتماعية عامة تكاد ان تجعل منا مطية سهلة للانقياد والوقوع في دواماتها ظنا منا ان خطواتنا تسير وفقا الى منهج عصر يجب ان نواكب فيه طريقه بغية الشعور بالتحضر،

بطلة الرواية المسؤولة عن قسم الحسابات علاقتها يسودها نوعا من الجفاء مع سنان الموظف الذي احبها دون ان يصارحها، حيث يتم إيفادها الى بيروت وهنالك نظرا لما تمليه حاجة احدى  البرنامج، يتم الاتفاق على تغيير ملامحها كما لو ان صفقة من خلالها يتم الاشتراط  على تغيير ديكور جديد.

هنا تلبية لشروط برنامج (معي تكونين أحلى)، مينة توافق على ما يتم الاشتراط عليه.

سنان عند عودتها، ينتابه شعور غير متوقع، بعدما يدرك ان مينة تحولت الى شخصية عبثت بها هندسة الديكورات اللونية لتجعل منها مظهرا رخيصا يثير من ينظر حوله بالفتنة والإغراء.

لقد فقدت تلك الملامح التي كانت تعكس حقيقة صورتها، فمينة اليوم ليس مينة الأمس، بيد ان الاحداث تسير لتبلغ الذروة.

فبطلة الرواية تفوق من غفلتها حين تعود الى وضعها غير الخاضع الى مظاهر البهرجة اللونية اوالديكورية، يوم  حضورها الى مأتم عزاء زميلتها في الوزارة بحضور سنان.

فهرست الرواية تتضمن ما يلي: تمهيد، بيت العائلة، التأهب، فرحة غير متوقعة، الرحلة المرتقبة، المول الكبيرة في المدينة، الا أيها الليل الطويل، معي تكونين احلى، عادت، والعود احمد، التجربة أتت أكلها، ازدواجية المعايير، جليدك يكويني، تحري خاص، الاحزان المفرحة، جليد بلا نهاية، وعاد الحب.

ابو قلام بطريقة لا تخلو من الإبداع، في "بيت العائلة" الذي من خلاله يطّلع القارئ على علاقة مينة مع عالمها الذي يضم امها تغريد، وأباها وأخاها الكبير سامر وعدنان من جهة، وبيتها الثاني في مؤسسة الحسابات الذي يضاف اليه زملاؤها والعم كريم الذي يقوم على خدمتهم بجلب الشاي والحليب والمعجنات  من جهة اخرى.

ومن خلال هذا البيت تبتدئ الأحداث تباعا تتوالى تتجاذب اوتتنافر ما يمنح الرواية قيمة سردية وحكائية؛ المكان والزمان فيهما عنصران مهمان، يضاف إليهما الطريقة الفنية الخاصة بالسياق التعبيري الخاضع الى شروط  عدسة استطاعت ان تخوض تجربة هذا النوع من السيناريوهات بمفرداته المتعثرة تارة، والمزهوة بالتحدي تارة اخرى.

المؤلفة تختزل نموذجا مصورا لاحداث علاقة تتعرض الى التلكوء بفعل مؤثرات هذه المظاهر.

المشهد يبتدي بدخول سنان المتميز بمهاراته في القسم المذكور والذي يحتفظ بتجارب تعرض لها مع النساء في حياته، شعبة الحسابات المتألفة "من موظفين اثنين وثلاث موظفات"18. 

والرواية بالأحرى تكاد ان تبتدىء مخاضاتها بمجموعة حوارات  تتعارض فيما بينها، اوتتوافق بناء على اختلاف الرأي بين هذه من الموظفات، اوتلك، وهذا من الرجال، اوذاك.

موضوعة طبابة التجميل والتي تجتذب الآخرين اليها هذه الأيام عن طريق الاعلام التجاري وقنوات التلفاز، بسببه العشق المخبوء من قبل سنان الى مينة يتعرض الى التعثر بعد عمليات التجميل التي الخاصة التي خضعت لها بطلة الرواية.

المشهد: مينة تطل على شاشة التلفاز بناء على هندسة المواصفات الديكورية التي يتم الاتفاق عليها خلال رحلة ايفادها الى بيروت، ولقائها ب دانة المسؤولة عن فن التجميل، سامر يشعر بعدم الارتياح متفاجئا بملامح مينة الجديدة، تغريد أمها بلهفة تنتظر ان ترى ابنتها الوحيدة.

سيمائية النص من خلالها تتناسل لغة السرد مع الحبكة عبر خطوط الانتقال والحوار الذي يجمع الشخصيات بناء على نقاط الالتقاء الخاصة بالعوامل التي ترتبط مع بعضها وفقا الى نسيج اجتماعي ثابت في منطقة ما، ومتغير في منطقة اخرى.

والمتابع للأحداث تبقى نظراته عالقة بخطوات مينة وهي تبحث عن حقيبة اكبر من حقيبتها الصغيرة، لعلها تساعدها في رحلتها المنتظرة، تتبعها فكرة خطبة عهود من أخيها سامر، والذي ترتبط تفاصيل حكايته مع علاقته القديمة بها.

تقاطعات وتداخلات نسيجية بها يتحرك الواقع على اساس تناقضات بها تتكامل عناصر القص الروائي، فوالد عهود الذي هو برتبة عميد ينظر الى الواقع بناء على مظاهر الفخامة والابهة التي اعتاد عليها من خلال مهنته العسكرية، وهذا ما يصنع افكارا اخرى لها علاقة بذات الواقع.

الرحلة المرتقبة ووصول مينة الى بيروت، ولقائها من قبل ميرا، التي تجهز لها جميع احتياجاتها الخاصة بالسفر بما فيها الإقامة وحقائب السفر، يتبعها لقاء دانة وموضوعة جدولة جميع ما يتعلق بعمليات التجميل.

" سنتوجه الى المختصين من أطباء تجميل وأطباء أسنان وخبيرات بشرة، فهم من سيقرر ما يجريه من تغييرات"51

المول الكبير في المدينة وصف اخر جاء في الرواية لعالم الاكسسوارات والمجاملات الخاصة ب"عالم الأزياء والموضة"، حتى اللغات التي يتحدثون بها56.

يعقبها انتظار سنان، مقابل انتظار تغريد لابنتها، ساعة بث البرنامج، احتدام النقاش بين جمال والد مينة، وزوجته تغريد.

" أنا لم اشعر يوما بأنها في حاجة الى تجميل!"77

مشاعر سنان الذي ينتظر عودة محبوبته بلهفة لكنه سرعان ما يشعر بالخذلان وهو يرى شخصية اخرى لا علاقة لها "بمينته" التي يراها اليوم. شقيقها سامر هو الاخر يشعر بالخجل والاحباط.

بينما على العكس عهود خطيبة سامر، تظن ان مينة كانت قد فعلت شيئا جريئا عندما قامت بعمليات التجميل، بينما سامر بعكسها، يشعر انها كانت بصورتها القديمة انسانة تستحق الاحترام اكثر مما هي عليه الان.

"(بادرت عهود بهذه الكلمات، مكالمتنا مع سامر) يا لها من فتاة شجاعة، هي دائما شجاعة....اختك مينة اثبتت بأنها فتاة ولا كل الفتيات...انها والله تستحق الإعجاب"ص82

سنان كما سامر يلتقيان في الأفكار، فهما يتفقان على ان عمليات التجميل هذه ليس الا فن رخيص بموجبه تصبح المرأة مجرد صورة بلا قلب اواحساس. ولكن تبقى هنالك عقدة المجتمع الذكوري والأنثوي الذي تتصارع مكوناته عبر هذا النمط اوذاك من العلاقات الاجتماعية بين الأفراد في اسرهم اوخارجها. ذلك يتجلى واضحا عبر النقاش الساخن بين سامر وخطيبته عهود، حيث يقول سامر: 

"انها تحولت الى لوحة رسمت بالالوان المائية، مجردة من اي حس فني!"83

لذلك عهود كأنها متيقنة تماما من حقيقة ما تؤمن به ترد بطريقة واثقة:

"أنتم معشر الرجال، لا يعجبكم العجب، ولا الصوم في رجب....كما تقول امي دائما"83

بينما في بداية الرواية على نفس النمط من الجدال، حيث يدور الحوار حول موضوع التجميل ابو ثائر الزميل الاخر يدلي برأيه معترضا:

" أنتن معشر النساء، دائما ما تتمتعن بطاقة كامنة، قادرات على تفجيرها وقتما تشئن" 22

لتنتهي الرواية بعودة الانتماء الى الصورة القديمة؛ وهي عبارة عن رابطة العشق الفطري، الذي به بدا سنان يسجل شعوره المتوقد تجاه امرأة احبها بكل جوارحه. 

" استقبلت بحفاوة مبالغ فيها حسب اعتقادها في مكتب القناة، رحب بها وكأنها شخصية مشهورة، اونجمة سينمائية....تقابلت اخيراً مع دانة، معدة ومقدمة البرنامج....طلبت من مينة التحدث بإسهاب عن نفسها...كذلك فعلت مينة... فملامحك ناعمة ومنسجمة....سنعمل على إبراز الجميل"ص46-48

هنا حيث بناء على ما تقتضيه مصلحة البرنامج المذكور، يجب ان تتغير ملامح وجه مينة وبعض مفاتن أنوثتها بطريقة تصبح معها محل اثارة وفتنة وإغراء الى المشاهد ما يشير الى ستراتيجيات المصالح الاعلامية الخاصة بهكذا نوع من البرامج. 

سنان الموظف الذي يعمل معها في الحسابات، شخصية على اساسها، عقدة الأحداث تبلغ ذروتها، حيث يتحدث مع أمه عن عودة مينته التي احبها في نهاية الرواية.

حينما ذات يوم تشترك مينة في عزاء زميلة لهم، ومن خلال رداء الحزن الذي ترتديه مع ملامحها البعيدة عن بهرجة المكياج في بيت السيدة ام جوان، مينة تعود الى صورتها القديمة في قلبه.

ما يراد ان يقال به ان خطوات الجمال هي ليست هذه الرتوش التي يؤتى بها عن طريق هندسة المكياج، فللجمال ميزة تختلف تماماً عن هذه الأوصاف التي تجرجر أقدامنا نحوها؛ تجعل العامة أسارى لمؤثراتها، فحواسنا المبصرة، تقيد رؤيتنا، توهمنا، حتى نكاد ان نتجاوز اوننسى في اغلب الاحيان بان هنالك مؤثرات تكاد ان تكون اجمل من حواسنا هذه التي نبصر بها.

والقلب هو اول اداة تنبض بمشاعرنا، تهتف فينا، نرتبط معها بتفاصيل هذا العالم نخوض التجربة دون شعور منا.

ابو قلام في الصفحات الاولى من الكتاب، تحكي بطريقة مباشرة فكرة الموضوع، كأنما بطريقة كلاسيكية عن قيود هذا العقل الذي ليس له الا "الانقياد" الى عالم يجتاح عوالمنا الفطرية؛ يتجاوزنا كانما دون احترام لقدرات الانسان المبدعة.

" لسنا سوى مقلدين... استعملوا العدسات اللاصقة لتصحيح بصرهم، فاستعملناها لتغيير لون عيوننا مع تغيير اثوابنا، لأنهم في نظرنا جميلون"7

 عن بطلة روايتها التي بطريقة ما ارتبط موضوعها بتحديات اجتماعية تجاذبت أحداثها كما امواج بحيرة تتلاطم مع بعضها لتمنح القارئ طاقة تفرض عليه اجتياز حدود وضعه المكاني، كيفيته المحطمة بناء على ارادة تفهم معنى الاشياء على اساس تلك المكونات التي من خلالها، المجتمع يسعى لان يتحكم بأدق التفاصيل بغية فرض قوانينه التي تقيد أفراده، جميع ابنائه، بل أبطاله حتى بقيود هذا الإرث الذي يقتادنا كل يوم نحو الياس والالم والصراع. 

 

استنتاج وتقييم:

موضوع القصة ليس بجديد كما يبدو، لكن احداث الرواية وطريقة السرد الروائي تشير الى ان هنالك تجربة اجتماعية وادبية، من خلالها أرادت المؤلفة ان تصور شريطا متصلا من الأحداث التي على أساسها تتصف أفعال الشخصيات وسلوكياتهم ذلك بغية رسم خارطة التصميم الحقيقي لشريحة ما من المجتمع العراقي البغدادي خاصة  وان الروائية قد سلطت الضوء على الطبقة المتوسطة؛ البرجوازية الصغيرة من المجتمع اكثر منها من الطبقة الفقيرة، وهذا ما جعل مكان الحدث؛ تيمة خاصة بهذا النوع من المكونات، اذ كان من الاولى ان تغوص في شخصية العم ابو كريم فراش الدائرة بغية اجراء مقارنة بين حياته، وحياة الطبقة التي تنتمي اليها، ذلك باعتبار ان النسيج الاجتماعي يتخلخل عندما يصبح هنالك ارتباط بنمط واحد من أنماطه.

هنا ليس بناء على اختلاف وجهات النظر الخاصة بعمليات التجميل وما يتلوها، بل ان هنالك خطوط واستجابات اخرى من خلالها يمكن تبني وجهات نظر طبقات اخرى تنتمي الى الواقع بطريقة مغايرة.

ولكن وكما يبدو فان بو قلام أرادت ان تختزل تجربة اقرب اليها؛ الى واقعها، لكي لا تبتعد عن لحظة التنوير التي اختتمتها بعودة الحب بين سنان ومينة.

هنا كونها اول امرأة عراقية تعيش في ساندياكو اقرا لها ضمن هذا اللون من الادب والذي تعد مخاضاته صعبة قياسا الى ألوان ادبية اخرى، احببت استعراض فنها للقارئ للكريم، متمنيا للروائية المزيد من العطاء والإبداع.

 

عقيل العبود

 

karem merzaالمقدمة: تركنا شوقي مع أم كلثوم، وكدنا ننهني مشوارهما إلا قليلاً، ومن ثم - المفترض -  ندخل عالمه مع ربيبه الموسيقار الشهير  محمد عبد الوهاب،ولكن أرتأيت أن أقطع السلسلة المنهجية البحثية، وإلا فالحياة لا تسير وفق سلاسل وترتيبات كما يفهمها البشر، وإنما تخبط خبطة عشواء، ومن قال إنني تتبعت أمير الشعراء  وفق منهجية ثابتة لا تحيد ...!! مهما يكن،  قراءاتي له في أمكنة متباعدة، وأزمنة متباينة، ولكن نوادره وطرائفه  مع حافظه ومحجوبه  وغيرهما من أيام بواكر شبابي، عندما كنت أتسلى متمتعا بطرائف الشعراء القدماء والمعاصرين، بل حتى الشعبيين المشهورين النابهين و(حسجتهم) - الحسجة: كلمة شعبية عراقية  تعني البلاغة بتورياتها وتلميحاتها على الأخص -، وكنت أحفظ تورياتهم وغمزاتهم  ومساجلاتهم ومواقفهم وجناساتهم وطباقاتهم، ومقابلاتهم، واستعاراتهم وكناياتهم وتخميساتهم ...، بل أدون كل شيء بدفاتر للذكريات، أعود لها متى أشاء، لأتماهى بذكرها، وأدهش الآخرين بعبقرية قائليها ...!! ومما أتذكر قارئاً ومدوّنا وباحثاً:

بادئ ذي بدء، وقبل التطرق لمسيرة وحيات شوقي إليكم هذا الموجز الإطلالي:

الشاعران تعاصرا، ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة في 20 رجب 1287 هـ الموافق 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1868 - وتوفي في 14 أكتوبر ( تشرين الأول)  1932 م لأب کردي وأم من أصول ترکية وشرکسية، وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل، وعلى جانب من الغنى والثراء، وهو كاتب وشاعر مصري يعد من  أعظم وأشهر شعراء العربية في العصور الحديثة، يلقب بـ  (أمير الشعراء) .

محمد حافظ إبراهيم ولد في محافظة أسيوط 24 فبراير ( شباط) 1872 - 21 يونيو ( حزيران)  1932م. شاعر مصري ذائع الصيت. ولقب بشاعر النيل وبشاعر الشعب، وقد كانا مرتبطين ببعضهما بطريقة غير عادية فقد أثروا أدبنا العربي و لغتنا الجميلة .

نشرع بعلاقته الموسعة مع حافظ إبراهيم، وما للأخير من مواقف طريفة مع غيره ...!!

 

1 - شوقي الغاضب المتجهم، وحافظ المداعب المبادر:

كان شوقي وحافظ - رحمهما الله - بين حين وآخر يلتقيان ويتسامران ويتفسحان، وفي مرّة من مرّات الفسحة والتجوال، تأمل حافظ وجه صاحبه الشوقي الكئيب المتألم، فأراد أن يخفف عليه، ويقلب الصفحة المتجهمة ببيت شعر لطيف ليعود شوقيّه إلى عادته المرحة المنبسطة، قال مرتجلاً:

يقولون إن الشوق نارٌ ولوعـةٌ ***فما بال (شوقي) اصبح اليوم باردا

فرد عليه أحمد شوقي ببيت قارص تورية بـ (حافظ):

وأودعتُ كلباً وإنساناً وديعةً *** فضيّعها الانسانُ والكلبُ (حافظُ)

بعضهم يجعل ( شوقي) هو المبادر، وهذا لا يعقل وغير منطقي أن يبادر شوقي بهذا البيت الجارح  القاسي دون انفعال آني، حفّز  آلبته بيت حافظ، إلا أن يكون الأمر مبيتاً من شوقي، وهذا يعدُّ لؤماً وخبثاً، وأمير الشعراء من المحال يتصف بمثل هذه الخصال الخسيسة، ثم أن بيت حافظ جلي وواضح بقوله: ( فما بال (شوقي) اصبح اليوم باردا)، نعم كان شوقي باردا، حرّكه حافظ، فردّ شوقي  عليه ملاطفاً منبهاً: خلّي بالك من زوزو ...!! أنا لست بارداً،بل ساخناً، وأكثر من ذلك لاذعاً، توسعت بالأمر لشهرة البيتين الظريفين، وما كنت معهما لأعرف ما دار بينهما من قبلُ   من حديث، والله أعلم، رحمهما الله كانا صديقين حميمين حتى الممات .

 

2 -  مداعبه شعريه بين امير الشعراء احمد شوقى والشاعر حافظ ابراهيم:

قال شوقى فى احد قصائده المغناة الشهيرة:

مال واحتجبْ ***وادعى الغضبْ

ليت هاجري***** يشرح السببْ

عتبه رضــا ******ليتــــه عتبْ

 

فداعبه حافظ فى قصيدة مثلها قائلا:

شال وانخبطْ ****وادعى العبطْ

ليت هاجري ****يبلــــع الزلطْ

عتبهُ شــــجى*****حبّهُ غلــطْ

كلما مشـــــى ****خطوةً سقطْ

إن أمـــرهُ ***فى الهوى شططْ

 

3 - حافظ إبراهيم أسرعهم بديهة في (القلقاس):

القلقاس نبات يصنف ضمن زمرة الخضروات الجذرية لأنه يملك جذوراً غنية بالنشويات الصالحة للأكل، وأوراقاً خضراً تشبه آذان الفيل ويمكن طبخها كما تطبخ أوراق.

اجتمع ذات يوم  أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي على وجبة غداء، وكانت الوجبة تحتوي على القلقاس، فتحدى الثلاثة بعضهم بعضاً بذكر كلمة القلقاس في بيت من الشعر.  فغلبهم  الحافظ   سرعة نباهةٍ بخفة ظلّه، وأريحية طيبه، فقال فوراً:

لو سألوك عن قلبي وما قاسى

فقل قاسى قل قاسى قل قاسى

 

4 -  قصيدة لحافظ يودع فيها شوقي:

عندما ذهب شوقي  إلى مؤتمر المستشرقين في جنيف،  نظم (حافظه) قصيدة، خاطبه  فيها ( يا شاعر الشرق)، اعترافاً منه بقدره ومنزلته:

يا شاعر الشرق اتئ ****ماذا تحاول بعــد ذاك

هذي النجوم نظمته ****درر القريض وما كفاك

وسموت في أفق السعود **فكدت تعـثر بالسماك

ودعتك مصر رسولها ***للغرب مذ عرفت علاك

 

5 - حافظ يعتذر لشوقي عن عدم حضور عقد كريمته (أمينة) لمرضه:

عندما أراد  شوقي أن يعقد قران ابنته (أمينة) في  قصره  (كرمة ابن هانيء)، دعا  شاعر النيل (حافظ إبراهيم)  للمشاركة في هذا الحفل؛ ولكنه كان مريضاً، فأرسل إلى (شوقيه) معتذرًا بخلق إنساني رقيق،  ومهنئاً بذوق قضائي رفيع :

يا سيدي وإمامــــي ** ويا أديـــــب الزمان

قدعاقني سوء حظي ** عن حفلة المهرجان

(وكنت أول ســـاعٍ *** إلى (رحاب ابن هاني

لكن مرضت لنحسي ****في يوم ذاك القران

وقد كفاني عقابـــــا ***ما كان مـن حرماني

حرمت رؤية  (شوقي)  ****ولثم تلك البنـان

فاصفح فأنت خليقٌ ***بالصفح عن كل جاني

إن فاتني أن أوفـــــي ***بالأمس حق التهاني

فاقبله مني قضــــاءً ***وكـن كريـــــم الجنان

 

6 - شوقي من منفاه الأسباني يشكو هموم غربته  برسالة شعرية  لـ (حافظه)، فيجيبه مغرّدا:

لما نفي (شوقي)  في بداية الحرب العالمية الأولى ( 1914 م)  إلى برشلونة أسبانيا،  وذلك بعد خلع عباس الثاني، وتولية حسين كامل سلطنة مصر، والناس - كعادتهم - قريبون ممن هو قريب من السلطان، ويبتعدون متنكرين عند ابتعاده، وهذا شأن  شوقي، وشوقي شاعر حساس تضيق به الأنفاس من العرق الدساس، والوسواس الخناس، بثَّ همومه، وخوالجه، وآلامه وآماله إلى صديقه الوفي، ورأى فيه ما يكفي ويفي، فأرسل له رسالة يقول فيها:

يا ساكني مصر إنا لانزال على **عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينـا

هلا بعثتم لنا من ماء نهركــــمُ ***شيئــاً نبل به أحشاء صادينـا

كلُّ المناهل بعد النيل آسنــــــة ****ما أبعد النيل إلا عـن أمانينا

لا ريب هذه المشاعر العاطفية الوطنية والإنسانية، تهزّ شاعرية حافظ، وتجيش أحاسيسه، وتثير وجدانه، فأجابه:

عجبت للنيل يدري أن بلبله ****صــادٍ،  ويسقي ربا مصر ويسقينا

والله ما طاب للأصحاب مورده **ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا

لم تنأ عنـه وإن فارقت شاطئـــه ***وقد نـأينـا، وإن كنّـــا مقيمينـا

مصر هبة النيل، وشوقي بلبله الصدّاح، فما بال النيل يروي الربا، وأهل مصر، وغرّيده ظمآن عطشان، والله لا يطيب طيب إلا بقربكم، فبعدكم قرب، وقربنا بعد، هذا ما يقوله حافظ لشوقي ...!!

وبعد  ما يفارب خمس سنوات  نفياً صدر العفو عنه، وعاد إلى  كناته ومصره

في فبراير سنة 1919م، فأستُقبِل بحفاوة وترحيب من قبل الآلاف من الشباب   وعلى رأسهم شاعر النيل حافظ إبراهيم، الذي أنشد:

وكلُّ مســافرٍ سيعود يومًا ***إذا رُزِقَ السَّلامةَ والإيابا

ولو أني دعيت لكنت ديني***عليه، أقابل الحتم المجابا

أدير إليك قبل البيت وجهي**إذا فهت الشهادة  والمتابا

وقد ســـبقت ركائبي القوافي ***مقلــــدة أزمتها طرابـا

تجوب الدهر نحوك والفيافي **وتقتحم الليالي لا العبابا

 

7 - شوقي يرثي حافظه، وكان الأخير قد بايعه لإمارة الشعر.

رثى  شوقي حافظه، وقد سارا معاً بالحياة   متلازمين، متحابين، متعاضدين، فشوقي مواليد 1868م، وحافظ  ولد بعده بأربع سنوات (  1872 م )، وماتا  في السنة نفسها ( 1932م )، ولكن حافظ سبق صاحبه في مغادرة الدنيا بأربعة أشهر، إذ  توفي في ( يونيو / حزيران)، وشوقي توفي في ( أكتوبر / تشرين أول)، وكان يتمنى شوقي أن يموت قبل حافظ ليرثيه بأروع قسيدة رثاء، كما رثى - من قبلُ وقبلُ -  جرير صاحبه الفرزدق، وقد تعاصرا وتناقضا وتصارعا خمسين عاماً، وتوفيا في السنة نفسها ( 114 هـ) بفارق عدّة أشهر أيضاً .

وحافظ  عرف عن رثائه المبكي والشجي والحكيم لرجالات  عصره، ووجوه قومه، وأعيان شعبه  وأدباء وشعراء أمته  حتى قال هو عن شعر رثائه:

إذا تصفحت ديواني لتقرأني ****وجدت شعر المراثي نصف ديواني

هذه هي الدنيا، وهذا قضاء ربّك، مهما يكن من أمر، نعود لنقول: رثى شوقي حافظه الأمين، وأشار لما ذهبنا إليه بقصيدة همزية من البحر الكامل جاءت جزلة بلفظها، عميقة بمعىانيها، حكيمة بأبياتها، شجية بألحانها، منها :

قد كنت أوثر أن تقول رثائي **يا منصف الموتي من الأحياءِ

لكن سبقت، وكل طول سلامة ****قــــدر، وكل منية بقضاءِ

بالأمس قد حليتني بقصيــــدةٍ ****غراء تحفظ كاليد البيضاء

غيظ الحسود لها وقمت بشكرها**وكما علمت مودتي ووفائي

في محفل بشرت آمالي بــــهِ ****لما رفعت إلى السماء لوائي

بالأبيات الأخيرة يعني شوقي قصيدة حافظ التي بايعه بها لإمارة الشعر  سنة 1927 م، والتي يقول فيها الحافظ الأمين:

صبح شوقي شاعر الأمة المُعبر عن قضاياها، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره، وقابلته الأمة بكل تقدير، وأنزلته منزلة عالية، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر عام 1346هـ/1927م في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضواً في مجلس الشيوخ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه "الشوقيات"، وحضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً:

بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي ***بشـعر أمـــــيـر الدولتيـن ورجّعـي

أعيدي على الأسماع ما غردت به ***يراعة شـوقي في ابتـداءٍ ومقطــع

أمـــــــيـر القوافـي قد أتيت مبايعـاً **وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

 

8 - شوقي يرثي نفسه، وكان يتوجس من الأقدار أنْ تدهمه ..!!

في عام  1905 م توفي الشيخ الشهير محمد عبده، فوقف سبعة شعراء على قبره يرثونه، وأرسل شوقي ثلاثة أبيات لتلقى،  يقول فيها

مفسـر آي اللـه بالأمس بيننـا *** قـم الـيوم فسر للـورى آيـة الموت

رحمت، مصير العالمين كما ترى ****وكلّ هـناءٍ أو عزاءٍ إلى فـــوت

هـو الدهـر مـيلادٌ فشغلٌ فماتـمٌ ** فذكرٌ كما اتقى الصدى ذاهب الصوت

وكان أول الشعراء الذين القوا قصائدهم حفني ناصف، واخرهم حافظ إبراهيم، ثم أنشدت أبيات شوقي بعد ذلك.

و تنبأ أحد الأدباء: ان هؤلاء الشعراء سيموتون بحسب ترتيب إلقائهم لقصائدهم،  وصدقت نبؤته، فكان حقّي أولهم، ونزل الموت على حافظ آخرهم، بقى دور شوقي، فما كان منه إلّا أن يهرب للإسكندرية لائذاً بها من الحق، فلحقته المنية بعد حافظ بأربعة أشهر …، وكان قد نظم قبل وفاته وصيه جاء فيها:

أقول لهم فى ساعة الدفن خففوا ***عليّ ولا تلقوا الصخور على قبري

ألم يكف همٌ فى الحياة حملتــه****فأحمل بعد الموت صخراً على صخرِ

توفى شوقي فى 14 أكتوبر 1932 م، وخلّف لنا شعراً خالدا، رحمه الله، ورحمنا آجمعين .

وعاهدتكم بطرائف ومواقف لشوقي وحافظ ومن حولهما، وإليكم ما جاد به القلم من طريفتين حافظتين ...!!

 

9 - حافظ إبراهيم  وتاجر الكتب الصفيق المغالي:

شاءت الأقدار أن يتعرف الشاعر حافظ إبراهيم على  تاجر كتب، جلده جلد الحمار لا يحترق بالنار، ولا العنكبوت تتقرب منه لقسوته، ويذكرني هذا الوصف بوصف أحمد شوقي لجسر البسفور الذي (وتمضي الفأر لا تأوي إليه).

مهما يكن من أمر، قال حافظ ابراهيم في  هذا التاجر الصفيق  الذي كان كلما ذهب إليه حافظ لشراء كتاب أحس بحاجته إليه، غالى في الثمن، ورفض أن يخفض من قيمته . وكان بليداً جافاً، غخاطبه حافظنا:

أَديمُ وجهكَ يا زنديقُ لو جُعِلتْ *** مِنهُ الوقايةُ والتجليدُ للكتبِ

لم يعلُها عنكبوتٌ أينما تُركتْ *** ولا تخافُ عليها سطوةَ اللهبِ

 

10 - حافظ إبراهيم، وقيمة الإنسان فيما يرتدي:

كان حافظ ابراهيم  الكبير فقيرالحال، بسيطاً متواضعاً زاهداً كأغلب الشعراء والفنانين الكبار  المطبوعين، وذات يوم اشترى ثوباً جديداً فلاحظ أن الناس – كثيراً منهم- يتعامل معه باحترام أكبر فقال مخاطباً ثوبه الجديد:

يا ردائي جعلتني عند قومي *** فوق ما أشتهي وفوق الرجاءِ

إن قومي تروقهم جِدّةُ الثـــــو *** بِ ولا يُعشَقُونَ غير الرِداءِ

قيمة المرءِ عندهم بين ثـــــوبٍ *** باهرٍ لونهُ وبيــــن الحذاءِ

وإلى الملتقى  في حلقة أخرى عن طرائف ومواقف شوقي ومن حوله، ومن ثم نكمل المشاوار مع شوقي لشوقي ... والله المستعان على سالف الزمان ...!!

 

كريم مرزة الأسدي

............................

المراجع والمصادر:

1 - الشوقيات ...ديوان أحمد شوقي .

2 - ديوان حفظ إبراهيم

3 - مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند، جمادى الأولى – جمادى الثانية 1433 هـ = أبريل - مايو 2012م، العدد: 5 - 6، السنة: 36

دراسات إسلامية: شوقي في شعر حافظ - بقلم: أ. د. محمد مصطفى سلام.

4 - صحيفة (الأهرام) المصرية، عدد يوم 6 يناير 2016م - مقالة بقلم عبد الحسيب الخناني.

 

 

majida saad (القشة) لسعد سعيد: قد يستدرجنا نص ما واعدا بلذته، لكن نص القشة لم يفعل، نحن امام نص لا يتجاوز الصفحتين يقوم على متخيل سردي هو: طبيب كان قد خطف ابنه قبل ثماني سنوات ودفع فديته ولم يعد الابن، اثناء ذهابه الى عمله صباحا يرى جثة طفل ممزقة اثر انفجار وقع.اثناء عمله يلتقى زوجين فقدا ابنهما الوحيد في انفجار اخر، فلم يستطع السيطرة على نفسه وترك العيادة ليبحث عن ابنه المفقود.

بدءا قد يكون اختيار الثيمة المستندة الى مرجعية متفجرة معاشة اختيارا لا يسهل التعامل معه قصصيا، أخص الاقصوصة تحديدا، على الرغم من"أن القصة القصيرة تميزت بقابلية التحرك واستيعاب ردودالفعل الحارة، وبمحاولةالرد على التساولات التي تبرز في أعقاب الهزات الكبرى" (1) الا أن نصا يقل عن صفحتين يتضمن جثة طفل وجثة شاب وجثة متوقعة (جثة الابن المفقود) وانفجارين وعويل ودموع لا تنتهي، والتعامل مع ثيمة مثقلة الى هذا الحد بالفجائعي لهو أمر ليس مستحيلا، لكنه يتطلب درجة عالية من الحساسية والتيقظ والموهبة الفطرية في كتابة الاقصوصة، وهذا تحديدا ما افتقد اليه كاتب النص، وان كان موفقا باختيار العنوان واشتغاله المميز مع الخاتمة!

لقد اختار القاص السارد المحايد وهو اختيار موفق من حيث المبدأ لانه يكفل انقطاعا عاطفيا أو مسافة امنة بين السارد والمسرود، بيد ان اللغة الانفعالية والتي تصل حد الترهل فوتت اية فاعلية لهذا الاختياروساوته باختيار ضمير المتكلم المتورط بوصفة أحد الشخوص!

ولتبيان التضخم الانفعالي قمنا بعمل جدولين أحدهما للكلمات والعبارت الانفعالية واخر للفجائعي:

مرتبكة / شعر بالاهتمام فورا / قال بغضب مكتوم / حالة طارئة / بخشونة / لن ينتهي على خير / كاد ان يسقط ارضا / لم يجرؤ / فهالته التوليفة العجيبة / من ملامح الحزن والغضب والخوف / الوجه المحتقن / نهض من مكانه بلا شعور / وهو يتطلع اليهما بذهول / بذلت جهدا كبيرا / شعر بتعاطف قوي / قبل ان تستعيد سيطرتها على مشاعرها / بصوت مرتجف / كأن يد (كذا) همجية قد أمسكت بقلبه بكل قسوة / التوسل / بصوتها ..من غور عميق / جهودا خارقة / أي أذى / من خلات لوعة / كل حزن الدنيا تتجمع في قلبه / ولكنه تحامل / نخاف عليه / طبعا تخافون عليه / الا أن نخاف عليه / بصوت ملؤه لوعة / هزته / فدكت طلائع الدموع عينيه / أوشك أن يصرخ بها / بذل جهدا خارقا / لم يجرؤ على خرقه / بصوت يتحشرج / لم يستطع السيطرة على نفسه / المستغربة / تساؤلها الحائر.

أما جدول الفجائعي: لم ينقطع عن البكاء / كان انفجارا اخر من الانفجارات التي تأبى أن تفارقهم / جثة الطفل الممزقة / جثة الطفل المدماة / المريض الباكي / كانا يبكيان سوية / نوبة بكاء جديدة / من خلال دموعها / لم يتوقف عن البكاء منذ ثلاثة أيام / الرجل المنتحب / فانخرط بنوبة بكاء / فألفاه غارقا في دموعه / الى زوجها الباكي / نوبة بكاء هستيرية ساندها فيها زوجها / الانفجار اللعين / عوت المأساة / فاضت دموعه / وهو ينشج.

واذا ما اخذنا صغر حجم النص بالحسبان يتأكد لدينا:

1 - أن هذا الكم من الانفعالات الصاخبة والضجيج والنواح مناقضا لبنية الاقصوصة وان اتخذ شكلها، هذا صخب عاطفي ميلودرامي مسرحي متخف في ثوب اقصوصة، حيث تظهر انفعالات "الابطال وهم يتأوهون، ويتعذبون، ويعبرون عن غضبهم أو يأسهم (....) فمن العويل الى الصراخ " (2) ويتجرأ اوكونور بتعميم مفاده أن "العاطفية المفرطة في الادب تعني التزييف دائما" (3) وهو ما يتنافى مع الطبيعة الحيية الهامسة المكثفة الشعرية للاقصوصة .فمن"تقاليد الاقصوصة (...) أن ابلاغ المعلومات الى القارئ، لا بد أن يتم بأكثرالطرق لا مباشرة وحياء" (4)

2- ان لغة الاقصوصة التي تهوم على حواف الشعر وتقتنص كثافته لهي_بلا شك_نقيض اللغة المترهلة المباشرة التي بلغ بها الترهل حد سوء الصياغة، ولنقتبس هذة الفقرة: (كان انفجارا اخر من الانفجارات التي تأبى أن تفارقهم..كاد أن يسقط أرضا حين رأى وجه الرجل الذي يحمل جثة الطفل الممزقة..لم يستطع أن يتبين مشاعره ولم يعرف ان كان يمت بصلة الى الطفل..هو لم يجرؤ على اطالة النظر الى الجثة الصغيرة المدماة، طبعا، بل تشاغل عنها بالنظر الى الرجل الراكض بحمله، فهالته التوليفة العجيبة من ملامح الحزن والغضب والخوف التي اجتمعت في ذلك الوجه المحتقن) ان انسنة الانفجارات التي (تأبى أن تفارقهم) تنتمي الى رومانسية تاريخية بائدة ليست محور اهتمامنا هنا، بدلا من ذلك سنطالب الكاتب بشرح التناقض بين دلالتين في فقرة واحدة.فجملة (كاد ..الى حين رأى وجه ..ألخ) تمهد الى شيء ما في وجه الرجل جعل الطبيب (يكاد يسقط أرضا) واذا به لم يستطع أن يتبين مشاعره ولم يعرف ان كان يمت بصلة للطفل.سؤال: اذا لم يتبين صلة أو مشاعر لم (كاد أن يسقط أرضا) ؟

بعد سطر واحد: فهالته التوليفة العجيبة..الى المحتقن.والسؤال: لم هالته (حالته) ازاء حدث مهول أصلا!؟ لكن السؤال المحوري: كيف اجتمعت الفقرة الاولى بعدم قدرة الطبيب على تبين مشاعر الرجل، بالفقرة الثانية التي تصف مشاعره؟؟

ومن المثير للانتباه ان الكاتب وضع حبكة لنصه بل وحقق نهاية تعد ذروة تتميز بها الاقصوصة التقليدية، نهاية تجاوبت مع عنوان النص وعمقته، بيد انه أخفق في التنفيذ بين عنوانه ونهايته، ويبدو أن الكاتب لا يعلم ببديهية أن القص ليس نقلا عن الواقع، فقدم نصا كلاسيكيا رخوا تجاوزته الاقصوصة منذ عقود مضت.

واحقاقا للحق لم يخفق الكاتب في روايتين قرأتهما له (5) صحيح انه لم يتاخم قمم الرواية العراقية، لكنه بدا متفهما للبنية الروائية ومجتهدا بل ومجربا، نتمنى له الازدهار فيها.

 

(الشروع في حلم) لسعدون جبار البيضاني

أثار اهتمامي ما قرأت (6) من نصوص للكاتب سعدون جبار البيضاني _بل باغتني بعضها_ لسببين قلما يجتمعان في كثير مما ينشر من النصوص حاليا، أولهما:

قدرته على خلق انزياحات بلاغية بواسطة كسر القرينة، ردتني الى ما توصل اليه كوهين في كتابه "الشعرية" (7) من أن الانزياح بتمثلاتة النحوية والدلالية والموسيقية = الشعر.وأذهب الى ابعد من ذلك وأقول أن الانزياح بكل تمثلاته هو جوهر الفنون والاداب والابداع بل وربما التطور الحضاري للبشرية برمته !

ثانيهما: قدرته المميزة على التغريب الدلالي في معظم ما قرأته للكاتب، وأعني بالتغريب هنا المصطلح الذي فسره شكلوفسكي الذي

الذي "يربط بين وظيفة الفن وتحطيم قواعد المألوف لتوليد ادراك جديد لدى المتلقي عن الاشياء." (8) .وباجتماع الانزياحات الشعرية والدلالية تألق كثير مما كتب من نصوص بالطزاجة والجد ة أيا كانت الثيمة المؤسس عليها النص. (9) ويكاد ادراكي مزاياه مبدعا ان يحرجني فيما رصدته من هنات وضعف في هذا النص- .وسنتطرق الى ايجابيات النص لاحقا- وهي هنات طارئة لم الحظ لها مثيلا في نصوصه التي اطلعت عليها سابقا.اول وأهم هذه الهنات الترهل، أكاد أشك فيما اذا كان ثمة أي علاقة سردية لهذه الجملة بالنص"على الرغم من ان ليلي المسكون كان يزعجني الا ان بعض الناس كانت تتمناه "، ماذا سيحدث للنص لو قمنا بحذف جمل ثلاث قبل"اسدل نفسي.."؟ لن اجيب بأن لن يحدث شيء بل أقول سيتخفف النص من ثقل لم يكن ضروريا قط.ماالذي يضيفه "طلب مني أن يجري معي حوار اخر مفتوح بعد أقل من سنة محظور نقله مباشرة عبر القنوات الفضائية واللا فضائية؟!لن يضيف بل انتقص وشتت، لن أقول "ان القصة القصيرة يجب أن تكون مثل قصيدة صغيرة، كلمة واحدة زائدة تقضي عليها"لكن أقول أنها تنال من فنيتها وتحتسب عليها، وأن التزيد نقيض الابداع.

ثاني هذه الهنات: الاخطاء النحوية والاسلوبية (10) .

ثالث هذه الهنات تراخي الكاتب في تكوين جمله والفقرة الاولى من النص شاهدا، وأضمنها أنسنة الليل يستغلني بخبث ونجاسة!، ومثلها "دون شروط مسبقة".

لننتقل الان الى خضم النص، وهو بعنوان: "الشروع في حلم" حيث المتخيل السردي فيه هو عجز شاب أو رجل عن الحلم ويحاول استعادة الحلم بأي طريقة كانت، بالعقاقير او باستنصاح من هم حوله وينتهي النص من غير أن يحقق توقه .

قد يوحي العنوان بميول رومانسية مملة ومكررة لولا ان الكاتب يتناول الموضوع بسخرية تنأى به عن ابتذال الثيمة من جهة،

ومن جهة أخرى تدخلنا هذه السخرية الى منطقة لا يكاد يطأها غير ندرة من كتاب القصة العرب في العصر الحديث (11)، بل وازعم أنها منطقة نادرا ما وطئت في تاريخ الادب العربي عموما. (12)، وهو مما يحتسب للكاتب.

بفحص النص1- تبدت بعض أدوات العطف ااحد اليات توليد السخرية، وكذلك لحفر الدلالة مثل أم وأو وحتى،

: "ماذا أعمل غدا أو ماذا عملت (...) حتى لو كان الحلم كابوسا مرعبا أو الزواج من راقصة باليه أو أن أكون شرطي حدود أو حتى لو كلب بوليسي " كانت هذه الفقرة نموذجا لما تتيحه امكانات التخيير ل (أو) في التغريب، فبعد" كابوسا مزعجا" تعقب أو "الزواج براقصة باليه " مفاجئة منقطعة عما سبق خالقة جوا من السخرية، وهي توطئة لتكرار منظم لادوات عطف بعينها تخلق تناقضات دلالية ساخرة، مثل اسلوب التداعي الذي أتاحته (أم): "هل أنك تنوي كتابة وصيتك بقلم جاف أم بقلم رصاص أم ببندقية كلاشنكوف عيار "ليس القلم ولكن صفته"الرصاص"استجلبت البندقية التي بوجوها عزز السخرية من جهة، ودلاليا فاقم المأساوي في النص بالتلميح الى الانتحار طريقا للخلاص!

2- ثمة الحوار الساخر الذي يظل يحيد عن الاجابة الجوهرية عن كيفية استعادة الحلم، منزاحة- بدلا من ذلك- الى مايبدو ظاهريا هوامش أو حتى غير ذي صلة بالموضوع، مثل الاسئلة التي يوجهها الناصح الاول للراوي – هل تحب الفاصولياء في الصيف

- هل كانت علاقتك مع جدك لامك جيدة؟

- الى من تميل، الى قوات الاحتلال أم الى العصابات المسلحة المحليةأو تللك المتسللة عبر الحدود؟

- قبل أن تموت، هل أنك تنوي كتابة وصيتك بقلم جاف أم بقلم رصاص أم ببندقية كلاشينكوف؟

وقد انتج ودعم التشتيت انتاج السخرية، وفي ذات الان ساهم بتكوين دلالات النص النهائية كما سنرى.

3- تصوير الشخصية بما يحتاجه النص تماما هي احدى مهارات البيضاني الاساسية التي لم تخذله في هذا النص وليس أدل على هذه القدرة من تشكيل شخصية غير متوازنة بالكلمات: وصفا وحوارا، " وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه ودمعت، وصار يرشح من أنفه وعرق وجهه واحمر، وتبعثر شعر رأسه ولكي أهدئ من روعه مسدت وربت على ظهره وقبلته من رأسه وطلبت منه أن يخلع نعليه قبل أن يرشقها بوجهي أو بوجه أحد المارة غأذعن وهدأ واسترخى"مما جعل النص ينضوي تحت اددب الكوميديا السوداء بامتياز. لقد تضافرت صيغ السرد في النص منتجة دلالات مفاجئة سنتطرق اليها.

فمنذ العنوان وحتى النهاية ثمة ما يجري تحت سطح السرد ومن خلاله، بدءا بالعنوان الذي

أنتج اشارة مضللة، أوحى بها للمتلقي بأن النص ينتهي ببدء فعل الحلم، الشروع تعني البدءالفعلي، مما يجعل القارئ مطمئنا الى نهاية يتحقق فيها وعد العنوان، ويتابع المتلقي محاولات الراوي في استعادة حلمه نراقب كل ما يصدر عنه من قول و فعل.

الفخ الثاني بعد العنوان هو ادوات التخيير!بل وحتى، فالتخيير لم يكن بين بدائل متساوية، انما بين بدائل تنزلق بهدوء عن نقطة افتراضية لحظة بدء التخيير باتجاه الاسفل من غير توقف.

" لا أعرف فيما اذا كان منبه الساعة يعطل أثناء الليل أم أني أتحول الى أخرس وأطرش أو أني أموت موتا مؤقتا لا يزيد على (الصحيح عن) ست ساعات"

يسهل تتبع الهبوط السلبي وليس التخيير في هذا المقطع، من مجرد عطل في المنبه الى الاصابة بالخرس والصمم الى الموت المؤقت!

مثال سابق على المثال الاول: " أتمنى أن أحلم في أحد (كذا) الليالي بأي شيء حتى لو كان الحلم كابوسا مرعبا او الزواج من راقصة باليه أو أن أكون شرطي حدود، أو حتى لو كلب بوليسي.

يسهل أيضا تتبع الهبوط: من حلم الى كابوس الى، لست أدري ان كان الزواج براقصة باليه أنحدارا

عن الكابوس وان بدت هنا كذلك بما يفرضه التتابع، يليه شرطي حدود وتساعده (حتى) بالتطرف في الهبوط الى كلب بوليسي!نفس الانحدار من ان يحلم باي شيء، ثم التنازل الى القبول بكابوس مرعب ..وينتهي بكلب بوليسي!من انسان مأزوم يبحث عن حلم، الى كلب تابع منفذ للاوامر!

اذن أحرف التخيير مضللة، لا خيار سوى الهبوط !والاداة (حتى) لا تفعل شيئا سوى الهبوط الى أسفل!

والاستشارة التي نشدها الراوي باستماتةا ايضا كانت في هبوط، من ناصح غير متوازن الى ناصح مجنون!! ثم نهبط الى نهاية كان العنوان قد لمح اليها، فلا نجد نهاية ولا شروعا! أقول هذا لان النهاية كانت نصيحة أخرى للراوي"حدق في وجهي، حك رأسه كمن يفكر، لعق زاوية فمه بطرف لسانه، ياولد نصيحتي لك أن ترشح نفسك لكتلة مجانين أو جمعية رفقا بالعقلاء أو تدون مذكراتك محاربا أو محاصرا، قالها وفر راكضا بكل ماوتي من قوة......"

ان النهاية تتعالق مع مع المرجعية السياسية بتلميح لا يغيب عن القارئ مغزاه (كتلة- جمعية- محاربا محاصرا) وبخص المحارب والمحاصر بالمذكرات يحيل بذكاء الى حقبة مضت، وب (أو) يتم التخيير المضلل لانه دلاليا يغلق الاختيار، فتفرض علينا النهاية اعادة تشكيل للنص، فترتد بنا الى ما بدا أنه هوامش في النص مستقطبة اياه ودافعة به الى المركز والذروة، غير مستجيبة للعنوان الذي يدفع جانبا بوصفه الهامشي، اذ هو العرض لا المرض!ويظل الحلم مرجأ

 

(حمار وحمزة) لخالد الشاطي:

لم أقرأ للقاص غير عدد قليل من الاقاصيص (13)، وهي كافية لأزعم أنني وجدت فيها –على قلتها- تمثيلا نقيا لبنية الاقصوصة، لا أعني بهذا القول بنية واحدة مكررة "فكل اختيار يقوم به القاص يحتوي على امكانية قالب جديد " (14) وانما قصدت جوهرها وأجواءها .فالقصة القصيرة "لم يحدث أن كان لها بطل قط، وانما بدلا من ذلك مجموعة من الناس المغمورين " (15) "ويبدو أنه مقدرا لهذه الجماعات " في النهاية الهزيمة التي يفرضها مجتمع بلا حدود" (16)

ينطبق هذا على قصص الكاتب ومن بينها قصة " حمار وحمزة " التي نتناولها بالقراءة هنا، بدءا بالمتخيل السردي الذي يتم في زمن أقصاه اثنتي عشرة ساعة وأيام أخر مجمله

حمزة رجل بسيط يعيش مع زوجته وحماره في كوخ طيني على هامش المدينة، علاقة الزوجة بالمدينة تساوي صفرا، أما حمزة والحمار تربطهما بالمدينة علاقة تقاطع لا تفاعل، حتى أن سماع الاطلاقات والقذائف لا يثير انتباههما الى درجة تكفي للتحدث بشأنه مادامت هذه الجلبة تحدث (هناك) .

يمر بهم مصادفة، و لأنهم ظنوه مستخفا بهم اعتقلوه وألقوه فوق معتقلين سبقوه، ثم يدخل الملثم ليفرز باصبعه من سيبقى لاعدامه او يعود الى بيته، ويدفع جهل حمزة بما يحدث (هناك) الى رفض الاستجابة لالحاح الملثم عليه بالانضمام الى من يبرؤون، متشبثا بمن حوله جاهلا انه يتشبث بمن سينفذ بهم حكم الاعدام.

يعود الحمار بالعربة الى الزوجة المنتظرة في الكوخ، وهي شخصية عاجزة بالكامل يرتبط وجودها وطمأنينتها بحمزة، لذا لا تجد طريقة للبحث عن زوجها غير الحمار الذي يذهب كل يوم ويعود وحيدا .

 

نبدأ بالعنوان الذي يطالعنا مخلخلا الصيغة التقليدية الشائعة لتوصيف ا لعلاقة بين الحيوان والانسان- حيث تفترض انتماءالحيوان للانسان، مثل حماره وكلبه وما شابه- يتصدر الحمار العنوان باستقلال عن حمزة أتاحه حرف الواو الفاصل بينهما، وهو حرف مراوغ لانفتاحه على تأويلات شتى، فالعطف والمعية والتأكيد بعض من وظائفه، وأي من هذه الوظائف أو كلها جائزة هنا، مما يجعل العنوان عتبة رجراجة ومستدرجة ومستفزة.وقبل ان ننتقل من العنوان لنا أن نلاحظ – على الرغم من أن الحمار جاء نكرة- الا أن تصدره للعنوان ونديته لحمزة الناتجة عن الفصل بالواو، يدفع بالحمار الى مركزية ضمنية، ملقية على حمزة ظلا من التبعية أو التهميش.

تقام بنية هذه الاقصوصة على التناوب بين أربع فقرات منفصلة

حمزة وحماره_مقابل_هم: يحتويهم فضاء (هناك) التي =المدينة أو المركز

الزوجة والحمار في البيت الطيني على الاطراف =الهامش

حمزة وحيدا في مكان احتجاز _مقابل_الملثم: يحتويهم فضاء المركز

الزوجة والحمار في البيت الطيني الهامشي

ساهم اختيار المقاطع المنفصلة بالتوتر والتشويق وعززه التناوب بين فضاءين متناقضين، وعمق دلاليا الانفصال بين المركز والهامش اللذين تقاطعا في الجملة الافتتاحية:

" مر بهم صدفة " بهذه الجملة المقتضبة البسيطة يفتتح النص، جملة تحتوي على ضميرين، الاول يعود على حمزة، والثاني ضمير لا يعود وانما يشمل.وشفرت هذه الجملة فضاء النص وشخوصه، ويحفر لفظ " صدفة" خطا فاصلا بين عالمين لا يلتقيان عادة، وأضاف أيضا اختيار اللفظ ذاته "صدفة" ظلالا تعمق المأساوي فيما الت اليه الاحداث. حتى كاد مفتتح النص أن ينافس عنوانه.

ينقسم فضاء النص الى مكانين، أولهما كوخ طيني هامشي على حواف المدينة ملحق به زريبة يكاد أن يكون خارج حركة الزمن والفعل، يقطنه حمزة مع زوجته التي تتطابق هامشيتها مع هامشية المكان تماما، ويقطن في زريبته المجاورة لهما الحمار، فضاء يتسم بالسكون والرتابة والمسالمة والامان. المدينة بالنسبة لحمزة وزوجته "هناك"، يتسم ب "الهرج والمرج" ومنه تسمع"أصوات قذائف واطلاقات"

حيث " العالم في الخارج مجنونا ومرعبا" انه مكان خطر، وليس المكان (هناك) هو الذي يحدد محتوى الفاعلين فيه، بل الفاعلين –الذين دأب السارد على الاشارة اليهم بضمير الجمع الغائب – هم بأسلحتهم بسياراتهم العسكرية من يلون فضاء المركز بالجنون والرعب، ومن يغيربالامكنة مثل تحويل ساحة مدرسة الى مركز اعتقال بانزياح مشوه للاصل، "هم " كيان يحتوي الجنود والملثم لكنه أكبر منهم، كيان يفترض في الافراد الرهبة منه والانصياع المطلق له،، سلطة مطلقة، فقد اعتقلوا حمزة للاشتباه بأنه "لم يعبأ بهم" و"ظنوه يهزأ بهم"، وهذه بعض أفعالهم: "أوقفوه، أمروه، فحملوه وقذفوه " وكلها أفعال متعدية.نستطيع أن نعد هذا الكيان شخصية فاعلة في فضائها حين اخترقه حمزة "صدفة" قادما من فضاء أخر هامشي.

في لحظة التقاطع بين عالمي حمزة وعالم "هم"يتراءى حمزة بريئا بمعنى التناقض مع المعرفة، وهو ما منعه من التبصرفيما ينبغي عليه فعله. وتظل سذاجته مصدرا لسخرية - بدأت في العنوان – متصاعدة في النص "أوقفوه وأمروه أن يصعد الى حوض احدى السيارتين "فطلب منهم: "أمهلوني حتى أعيد الحمار الى البيت، وأعود اليكم. (......) ظنوه يهزأ بهم ".

في الفقرة الاولى أدى سوء الفهم المتبادل بينه وبين"هم" الى اعتقاله حسب، أما في الفقرة الثالثة، حيث أدرك الخوف حمزة وقدر خطورة الموقف، فاقم الخوف سوء استجابته، لما جاء الملثم ليفرز الابرياء ويخرجهم من جموع المعتقلين المحكومين بالاعدام، وأشار الى حمزة أن ينضم اليهم تجاهله حمزة ألح عليه بلا جدوى، ظل حمزة متشبثا بمن حوله، "اضطر الرجل الملثم أن يتخلى عن اجراءات التكتم والسرية فتكلم مغضبا: - قم وقف مع هؤلاء !! لكن حمزة قال أنه يفضل البقاء مع الباقين . اقترب الرجل الملثم منه وهمس في أذنه أن من الافضل له أن يسمع كلامه ويذهب ليقف مع الاخرين .لكن حمزة قال أنه مرتاح في مكانه ولا يرغب في الانضمام الى الاخرين.حاول الرجل الملثم جره من مكانه بالقوة الا أنه تشبث بالمحيطين به، عندها صاح الرجل الملثم: ابق مكانك ...الى جهنم !"

لا يفوتنا ما رشح من أمله في النجاة في قوله"أنه يفضل البقاء مع الباقين"، في هذا المقطع تداخل المأساوي بما هو ساخر، منهيا أحد قطبي العنوان .

ننتقل الى الشق الاول من العنوان، الحمار: بدءا، احتل الحمار المساحة الاولى داخل النص، انقسمت الفقرات ب التناوب والتساوي بين الهامش والمركز، الا ظهور الحمار في الجزء الفقرة الاولى مع صاحبه مما جعله صلة الوصل بين الفضاءين. ما الذي يستقطبه لفظ الحمار من تداعيات لفظية ودلالية؟البلادة، الغباء، الصبر، لكن أكثرها شهرة القدرة على التحمل والخنوع.

في بداية المقطع الاول ظهر مع صاحبه كما ينبغي لاي حمار أن يكون عليه

يستحثه صاحبه"بطرقعة متتالية من لسانه "، وبدا حمزة قلقا حول اعادته الى البيت (الى فضائهما معا)، حين اختفى حمزة، فاجأتنا- الجملة الفعلية الختامية للمقطع الاول "وتكفل الحمار وحده باعادة العربة الى البيت." ليس فقط لان الفعل تكفل يستقطب دلالات موحية بالمبادرة وتحمل المسؤولية، وانما لدعم الفعل بالحال "وحده"، ثم "باعادة" التي وان لم تكن فعلا، لها قوة الفعل، فلا دلالة في هذه العبارة غير نهوض "فاعل" حل محل حمزة !عائدا ومعيدا العربة الى فضائه الهامشي.

سندع جانبا زوجة حمزة التي امتلآت بها الفقرة الثانية لنتابع تشكل الفاعل الجديد، والبديل، الحمار، في نهاية الفقرة الثانية "حينما لم تجد زوجها مع الحمار المتسمر أمام باب الزريبة، ينتظر أن تحل وثاقه من العربة وتقدم له الماء والبرسيم "لا يسعنا هنا سوى ملاحظة توقع الحمار للخدمات .

في الفقرة الرابعة والاخيرة تضطر المرأة – التي يشكل اعتمادها الكامل على زوجها ملمحا اساسيا في تكوينها- الى ازاحة هذا الاعتماد من الزوج الى الحمار، للبحث عن حمزة وهو تحول أساس، يلمح من جهة بمواربة ذكية الى مصير حمزة، ومن جهة أخرى هي ازاحة تتوج الحمار فاعلا رئيسا في فضائه .

قبل متابعة مسار الحمار نعود الى الزوجة التي احتلت نصف مساحة النص، غير أن ما يثير الانتباه أن توصيفها في النص اختلف عن أي تقديم للشخصيات في النص، اذ بدأت الفقرة بتقيم جنسها معرفا: المرأة: زوجته، علاقة بدل الثانية منها وظيفة اجتماعية، أما (المرأة) فوجود راسخ، عزز هذه الدلالة عدم قدرتها على مغادرة المكان لانها الجزء الحي منه.كما شكلت شخصيتها مرصدا لتحولات رئيسة مثل تأكيد الاختفاء النهائي لحمزة، ومن خلال سلوك الحمار معها نرصد التحول الحاصل في مسار السرد.

تنفتح نهاية الفقرة الرابعة- والاخيرة- على تأويلات متعددة يحسمها القارئ – المتلقي، "كان الحمار يدير رقبته نحوها ويرمقها بتلك النظرة المختلفة تماما عن النظرة التي ألفتها، نظرة هادئة، مصوبة الى عينيها مباشرة، نظرة يطول أمدها يوما بعد اخر، لم تفهم معناها ابدا."

في نص قصير تم تطوير شخصية الحمار من مفعول به الى فاعل !

هذا نص حقق المعادلة الصعبة في التعامل مع ثيمة صارخة من غير الوقوع في الميلودراما الصارخة.

وحقيقة أني لا أستسيغ النصح لا يمنع من أن امل أن يكرس القاص وقتا للاقصوصة، لانه ان فعل سيكون كسبا للاقصوصة العراقية .

*د. ماجدة السعد: دكتوراه الأدب العربي الحديث، مدرسة النقد الأدبي في كلية الآداب / جامعة بغداد (سابقاً) .

.............................

الهوامش

1- حركية الابداع.خالدة سعيد ص279

2- الميلودراما ص124.مجلة فصول المجلد الرابع العدد الرابع. 1984

3- الصوت المنفرد.أوكونورص116

4- خصائص الاقصوصة البنائية وجمالياتها .صبري حافظ ص 26مجلة فصول المجلد الثاني.العدد الرابع 1982

5- رواية (ثلاثة عشر ليلة وليلة) ورواية (فيرجواليه) .

6- مثل قصة الخاتم، جانب من السواد، على مرمى الزمن، ليلة حالكة واسفل الحياة .

7- بنية اللغة الشعرية –جان كوهين

8- بنية الرواية وبنية القصة القصيرة- شكلوفسكي ص33- مجلة فصول –مجلد2 – ع 4 – 1982

9- مثل قصة ليلة حالكة، وقصة أسفل الحياة.

10- بعضها أخطاء شائعة مثل: لوحده والصحيح وحده، واستخدام (بحيث) في سياق خاطئ: بحيث أسهر الليل الخ وكان الاصح حرف العطف (ف) أو أية بدائل أخرى مناسبة.كذلك كلمة (دون)

أما الاخطاء الاخرى فهي: أحد، على غير سبب، أن يبق، يجري معي حوار، تمر علي .واكاد، وبالرجوع الى كتابات البيضاني أجزم أن السرعة وعدم المراجعة وراء هذه الاخطاء.

11- مثل بعض كتابات المازني وبعض كتابات يحيى حقي من مصر، اميل حبيبي من فلسطين، ومحمد طملية من الاردن.

12- الجاحظ وهو ظاهرة استثنائية في الادب الساخر وربما مؤسسه، وبعض ابيات شعريه في القدح هنا وهناك .

13- مثل قصة (الساق الثالثة) و (قنبلة في حافلة) (لماذا الكبار على هذه الشاكلة) و (المتسول)

14- الصوت المنفرد.أوكونور.ص16

15- نفسه 13

16- نفسه 14

لا دغار الن بو وأوكونور استبصارات عميقة في بنية القصة القصيرة جعلت أي باحث فيها لا بد عائد اليهما.

 

 

 

madona askar"لماذا لم تكتب في الإسلام؟ سألني مرّة مسلم علماني، فأجبته: "حتّى لا أُمتدح فأبدو منافقاً، أو أُنتقد فلا يبقى من انتقادي غير تهجّم طائفيّ". الكلام من خارج، يظلّ طعناً، ولو كان محقّاً. الدّين كالذّات، لا تُحاكى من خارجها وإلّا كان الأمر عدواناً. الإسلام يجادله المسلمون أوّلاً وثانياً وثالثاً. يجب أن يتساوى الموسمون بالأديان في التّحرر كلّ حيال دينه أوّلاً حتّى يستحقّ كلّ منهم أن يثور على الدّين الآخر". (1).

سؤال يُطرح على أنسي الحاج الثّوري حتّى النّهاية والنّاقد الفذّ الّذي لم يترك شيئاً لم يقله أو يعبّر عنه أو يفلسفه. إلّا أنّ الكاتب الصّادق والحرّ يعلم أنّ الكتابة أبعد من كلام يرضي الآخر، وأعظم من مدح يغري الغريزة الإنسانيّة. وأنسي الحاج يقول إنّ الكاتب إذ يكتب يقف أمام نفسه متبيّناً مقدار الصّدق والحرّيّة والأمانة الّتي ترفع من قيمة عمله وتظهر قيمته الإنسانيّة. "نحن، نحن الكتبة، أوّل من يعرف إن كنّا صادقين، وحكمنا على أنفسنا هو الأصحّ". (2)

بين المدح الّذي يغرق الذّات في النّفاق، والنّقد الّذي لا يعتمد على حميميّة التّعامل مع أي نص سيّما الدّيني، خيط رفيع يحدّد مقدار الصّدق مع الذّات والأمانة مع الآخر. (الكلام من خارج، يظلّ طعناً، ولو كان محقّاً.). والنّقد الدّيني يعتمد أصولاً إنسانيّة أوّلاً، واحتراماً خالصاً للآخر بغض النّظر عن أيّة أحكام سابقة. ولا يجوز ولا يحقّ لأحد سيّما الكاتب انتقاد الدّين المخالف نصيّاً لأنّ الدّين خاصّة في مجتمعاتنا يمثّل الكرامة. وبالتّالي فأيّ نقد غير بنّاء يشكّل انتهاكاً للكرامة الإنسانيّة.

نشهد الكثير من هذه الانتقادات في جميع الأديان باعتبار أنّ كلّ يعتقد أنّه يملك الحقيقة. وانتقاد نصّ الدّين المختلف بمقاييس ذاتيّة خطأ نقديّ كبير لأنّه مزمع أن يكون تهجّماً. فالحميميّة مع النّصّ الدّيني لا يدركها إلّا المنتمي إلى الدّين نفسه. (الإسلام يجادله المسلمون أوّلاً وثانياً وثالثاً.). فالمسلمون هم الأعلم بمناقشة تفاصيل ديانتهم، ومجادلة قناعاتهم، وحتّى التّمرّد على ما لا يرضيهم. كذلك المسيحيّون واليهود والبوذيّون والهندوسيّون...

ما أراد أنسي الحاج قوله ببساطة إنّه عليك أن تثور بعدل، بمعنى أن ترفض ما لا يرضيك في دينك قبل أن تنتقد الآخر. أي أن تتحرّر من العنصريّة اللّا واعية المتأصّلة فيك. عندها سيكون النّقد بنّاءً خالياً من أيّة مصلحة أو منفعة. وستظهر الحرّيّة الإنسانيّة برقيّها لأنّها لا تحابي الوجوه. ويقول أنسي في مكان آخر: "حين تصادف يهوديّاً يهاجم اليهوديّة بالقوّة (والصّدق) والحجّة والجّرأة الّتي يهاجم بها المسيحيّة والإسلام، عندئذٍ تكون قد وجدت الحرّ المتجرّد لا الفريق المستتر. وطبعاً الأمر نفسه حين تصادف مسيحيّاً كذا وكذا ومسلماً إلخ..." (3)

 

مادونا عسكر/ لبنان

.......................

(1) - كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 45

(2) (3)- كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 42

 

من روائع الروائي العالمي الروسي تشيخوف وصفاً يعبر عن مبتغى الحياة وحفظها من السقوط في الرذيلة والتنزه بها عن مكامن النقص الذي يدفع الإنسان إلى هاوية سحيقة ويجره إلى عالم المعرفة البخسة كما أن فيها ما يدفع الإنسان إلى الإرتقاء بالحياة عيشاً لأجل السمو فوق هامات الصغائر والفناء دون هدف سامي يخلد غاية الإنسان الشريفة ويؤرخها معلماً للاهتداء بها .

في أحد الروايات القصيرة للأديب الخالد يسرد بما يشبه حديث الأنبياء وما أنزل في كتب الرسل السماوية إذ يصف أن أصحاب الغايات السامية تكون حياتهم كممات الملائكة والأنبياء مريحة تترك أثراً عطراً ,كما ينفث العطر الزكي من نفاياتهم وبقايا أجسادهم لا تخالطهم ما ينفر البشر منها وتدل على أنها تجذب الجمع اليها جذباً ويهنى السائرون خلف الجسد بطيب الرائحة الفواحة كما يستهويهم الوقوف على عتبات القبر.

تتسمر أقدامهم إلى نهاية المطاف وتتلذذ بالإقامة في قربهم حتى أن الأجساد الحية تندمج أندماج روحي فريد مع الجسد المســـبي في القفص الذي ستخفيه الأرض وتنهال عليه بترابها ويتوارى إلى أن يصبح عظاماً رميم وتحؤول من أن تنفصل عنها الانفصال الأبدي .

وتكون المغادرة حياة للتوق إلى الحياة الخالدة في الأخرة الموعودة فتظل ملهمة وقدوة تشع في سموها وعلوها للالتحاق بها كما هي كانت في دنياها ومن هنا يظل نورها يكسو الحياة علو فوق علو يتوج المنئ .

من ترك هذه الحياه وقد ملئها بأهداف وغايات جملت الحياة وبنت الأنسان وغرست فيها معان التُقى والعبقرية التي أبلتْ بلاءً حسناْ لأجل بني البشر لاشك أن حياة كهذه لم تكن من الهين النحي منحاها ولا من السهولة المضي في هذا المضمار ولذا فإن الحياة على قسوتها ستبعث من أحب هذا النهج وارتضاه سلوكا لا رجعة عنه ومبدا يقاوم محاولات الأشرار ثنيه عنه ويصمد أمام الانكسارات الرهيبة التي ستحدث وتواجهه وما اشد هول العواصف الهوجاء التي تشكل أعاصير وزوابع عاتية لدحر الخير عن طريقها الملي بالأضداد .

ستضل روح الأتقياء ومراثيهم وميراثهم وسيرهم زاد للعطاء والدفع نحو فعل الجميل وهكذا يتم التوالد فتاتي النهاية كما هي السيرة سامية بالمقابل كما يرى تشيخوف في رواياته العذبة المحلاة بالمقابلات الجميلة والمقاربات التي تتأنق بناء يوحي بعظمة الغايات التي يراء أنها تصل إلى عظمة المدبر الأوحد في علاه وتقاه .

فهو يرى أن السقوط في الانهزام والانحلال القاتل كتلك الجثة وتلك النهاية للجسد التي تتحلل إلى الأفظع والبشاعة التي يكرهها البشر في الحياة وتلفظها الطبيعة وذلك التوافق العجيب لكل الكائنات على مداراتها واخفائها كسوءة ما ينبق الإيثار بها اقتداء من أصلها والحديث عنها بل يجب ان تحارب ويحارب مروجها على قدر بشاعتها المخزية .

كان عظيم الروائي تشيخوف في تصوير هذا التضاد والفرق بين الطبيعة المعطاءة والجميلة التي تكون بقدر خاتمتها والفطرة السليمة التي فطر الأنسان بها وتلك الغاية الدنيئة التي يتمحور حولها الرفض القاطع في الطبيعة على قدر خاتمتها والتي يأبى الأنسان السوي على أن يصل اليها والتي تجابه بالرفض حتى من الحيوان الذي قلل الله من شانه وأنقص عقله ويجتهد هوليتجمل بجمال آخرته .

 

عرض وتحليل الكاتب الصحفي: بسام فاضل

 

eljya ayshرواية ترسم لوحة لـ: "التزاوج الإسلامي المسيحي" وتدعو إلى "التعايش السلمي"

في الساحة ألأدبية توجد طاقات إبداعية يتحلى بها كتاب  وروائيين عرب وشعراء ونقاد وفنانون إذا وضعت هذه الكتابات موضع قراءة ودراسة ستجعل لا محالة من الثقافة ومن الآثار الأدبية والفنية التي ينتجونها أسلحة تستخدم لاستعادة الحرية وبناء أنظمة جديدة، هي رسالة لإعلان الطلاق النهائي لقيد الأدب الاستعماري، والانفلات من القهر الممارس على الشعوب ولغتهم ودينهم

يعتبر النقاد أن الرواية العربية الجنسَ الأدبيّ الأكثر مقروئيّة في العالم،  وإنّ كتّاب هذا الفنّ أكثر حظوة عندَ الناشرين العرب، كما تلقى إقبالا كبيرا في المعارض الدولية وغالبا ما يروج الروائي إصداره الجديد عن طريق حفل بيع بالتوقيع أو عقد ندوة فكرية، يستدعي فيها المهتمين بعالم السرديات وبخاصة تلك التي لها علاقة بالمهجر وأحوال المهاجرين من العرب وما يعانونه من عنف وعنصرية، ففي رواية الدكتور قصيّ الشيخ عسكر" التي تحمل عنوان: المقصف الملكي" موضوع الإنسان (العراقي) المستلب في المهجر، يصف فيها عنتَ العيشِ وضنكه، وما رافقهما من قلقٍ وخوفٍ دائم من مصير مجهول، والدكتور قصي هو شاعر ونقاد وروائي عراقي،  الرواية  ترسم لوحة لمثقف عراقي من أبناء مدينة البصرة اختار المنفى، فكانت وجهته نحو بيروت، هروبا من حرب شنتها الدكتاتوريّة الحاكمة في بغداد على أبناء الشعب الكردي في كردستان العراق، في الثلث الأول من عقد السبعينيّات من القرن الماضي، وبحكم عمله كصحفي جعل من مقصف بيروت هو" المقصف الملكي" فضاءً مكانيّاً لمعظم أحداثِ هذه الرواية، لعل وعسى  يتنفّسَ فيها هواء الحريّة، غير أن الروائي تحفظ عن بعض الأمور المسكوت عنها،  التي تشكل "طابو"، فطغت على روايته أساليب الحذف المتعمّد حتى تجبر القارئ على تشغيل مخيلته، أو طرح تساؤلات، ما جعلها موضع اهتمام النقاد ومنهم الدكتور عليّ عبد الرضا، الذي اعتمد في نقده للرواية على آراء غاستون باشلار في الكتابات السردية الذي جعل من "المكان" مقياسا في نجاح روايات المهجر، وقد يفقد العمل الروائي خصوصيته وأصالته إن صح التعبير دون توفر هذا العامل .

فالحبكةُ التي تتلخّصُ في كونها أحداثاً ترتبطُ فيما بينها بأزمنةٍ معيّنة لتؤدّي غرض السرد، أو السارد، لن تكون بغير أمكنةٍ ترتبطُ بالأزمنة ولا تنفصلُ عنها، ففي مقطع من الرواية التي أشار إليها  النقاد ومنهم الدكتور عبد الرضـا عليّ،  يتبين أن صاحب الرواية استعمل بين الحين والآخر اللهجة العراقية، ومزجها بلغة "الضاد" مثل قوله: (عمي  يا بياع الورد.. كل لي الورد بيش، وعبارة شلونك، تكرم عينك) حينما كان يستمع إلى أغنية بائع الورد وهي أغنية عراقية، كما استعان  بالمناجاة  (المونولوج الدرامي) والتداعي الحر، وغيرها، وهذا النوع لا يخلو من انسيابيّة جميلة، حيث تجعل القارئ أسيرا للرواية، إذ نجده يعيش أحداث غيره وكأنها حدثت له، والحقيقة أن الرواية حسب الناقد تكشف عن سمات شخصية الروائي، أو بالأحرى معاناة  مثقّف عراقيٍّ مستلب من الباحثين عن الأمان في الغربة والمنافي، ومع أنّه هربَ من بلده كي لا يُشارك في قتال أبناء وطنه، إلّا أن شبح الحرب يلاحقه حتّى في مستقرّه الجديد "بيروت"، فقد كانت نذر اندلاع الحرب الأهليّة على وشك الوقوع في منتصف سنة 1967م، لكنّ السارد  تحفظ عن ذكرها وقفز إلى زمن آخر أو مرحلة أخرى  ربما أراد أن يلملم جرحا، أو يطوي صفحة من بقايا ماضٍ أليم، وهي لمحة ذكيّة تدلّ على أنّ قصي الشيخ عسكر كاتبٌ روائيٌّ متمرّس، فضلاً عن كونهِ  ناقدا وشاعراً موهوباً، خاصة وقد شخص الحياة في لبنان،  النساء فيها لا تختلف عن الرجال، يدخنَّ بكل حرية، ويسهرن في الحانات وأشياء أخرى..

و الذي يطلع على رواية الدكتور قصي  يجد أنه استعان ببعض الألفاظ الغير مقبولة في المجتمع العربي مثل كلمة : " مسترجلة" وهي تطلق على النساء المتحررات، وحاول أن يعطي لروايته طابعا سياسيا، من خلال حديثه عن الشيوعيين المتطرفين، وهو ما يوحي أن "المقصف" هو المكان الوحيد  الذي تجتمع فيه الطبقات المثقفة ( سياسيون وإعلاميون، كتاب ورجال أعمال ..)، ومن تقوم بهذه ألأعمال من النساء لابد عليها أن تلغي "أنوثتها"، طبعا فداخل المقصف يوجد صراع بين السمراء والشقراء، والمحظوظ هو من يدفع أكثر، هي حياة اللهو والعهر، يدخل الرجل بشكل ويخرج بشكل مختلف،  هكذا هي حياة "الضياع" فبغداد تختلف عن بيروت، التي فتحت له جميع ألأبواب والأسرار، وأي أسرار؟، الجنس؟ يا لها من سخرية،  فالحياة داخل المقصف أنستهُ (....؟)، وهو القائل: " في بيروت..انفتحت لي جميع أبوابها وأسرارها ..الخ"، ثم يضيف: " كنت أعجب من أي عراقي يتحدث عن نفسه  بصراحة فنحن الجيل الذي هرب بعد عام 1968 عشنا زمن الغموض والشك، نشك بكل شخص ولا ننفتح، انقطعنا عن أسمائنا التي حملناها يوم وُلِدنا وأمامي امرأة عراقية  لاتخفي عني كل شيء ..حالة شاذة".

ما يلفت الانتباه أن صاحب الرواية أشار إلى ظاهرة التعايش السلمي، فلبنان يتميز عن باقي البلدان بتعدد الأديان والمذاهب، والحرية فيها شبه مطلقة، ولعل هذه الحرية أتاحت ظهور ما يسمى بالتزاوج الإسلامي المسيحي، وهو ما أشار إليه الدكتور قصي الشيخ عسكر وهو يتحدث عن حواره مع النادلة في المقصف،  فالنادلة هي ابنة رجل عمل في البلاط الملكي، وقتل، وبعد سنتين من وفاته  تزوّجت أمها من مسيحي ورزقت بأختها منه (مسلمة أختها مسيحية، أبوها مسلم وزوج أمها مسيحي)، وأراد الدكتور  قصي القول انه بإمكان أن يتعايش الشرق مع الغرب..،  " لا رجعية ولا استعمار..، وطن حر.. ديمقراطية وسلام.."، عش كما يحلو لك، فأنت حرٌّ، لا أحد يتدخل في تصرفاتك، في لبنان بلد الحرية، قد تنسى نفسك  إن كنتَ شيوعيّ؟ إسلامي؟ قومي؟ آثوري؟ كرديّ؟..سنّي، شيعي، أو تنتمي إلى الإخوان المسلمين وقد تكون كل هؤلاء، أو لا تكون (لا ديني) هذا هو التعايش، تكون مسلما مع المسلمين ومسيحي مع المسيحيين، بمعنى أنك في الظروف الصعبة تلبس الثوب الذي يريح الآخر، وتنام على الجنب الذي يقابله، حتى لو كنت عربيٍّ ابن عربيّ، فكل شيء معقول في الزمن الطائفي، حتى النساء تُوَظّفْنَ في مسائل تتعلق  بالدين والطائفة والسياسية، أما ما يسمى بعالم الجاسوسية.

و الحقيقة أن الدكتور قصي أراد أن يشير من باب التلميح إلى الصراع السني الشيعي، صراع الحضارات والأديان،، ولأن لبنان  في وقت المحن الكل يلتجئ إلى طائفته، لكن ما يميز بيروت هي أنها لا تموت جوعا، هكذا قال صاحب الرواية، فرغم المقاومة، فبيروت لا تنام ليلا،  يطبعها التسكع في الشوارع والأزقة والعبور من الحواجز والمشي على الألغام، المنظمات كثيرة.. بندقية .. حراسة،  الوقوف عند حاجز.. اقتحام بيت .. إلقاء القبض على مشبوه، الجميع يتحدثون عن شارع الحمراء، هل تبقى ساحة خضراء لا تطالها النار؟ ربما تتحول الشرقية إلى حطام، تصير الضاحية سيارة ملغومة محترقة وتبقى الحمراء، بيروت هي الرئة التي يتنفس بها الرجل .. أيّ رجل شرقي أمن غربيِّ، سني انم شيعي، كردي أم هندوسي، الكل يعيش على وقع الحرب القادمة، والصحف  تنشر أنباء بعناوين كبيرة وبلون أحمر " النداء تدعو جميع الدول اليسارية إلى الوقوف مع القوى الوطنية... الاتحاد السوفيتي يحذر إسرائيل من التدخل في النزاع اللبناني.. كوبا الرئيس كاسترو.. الفلسطينيون في بلادنا.. لا للتجنيس"، ها هي لبنان تغلي بل تحترق، يضيع صوتها الرسمي. لاأحد يرى ويسمع مع أن  الجميع يتكلم،  إلى أين المفر؟ طبعا المقصف الملكي وحده  يبعث النشوة في رأس الهاربين، يتحول غلى معبد يرتلون الخمر آية،’ هي حالة مؤقتة أو استثناء لا يشكل قاعدة عامة .

 

علجية عيش بتصرف

 

abdulkadir kabanلقد أصبح الحدث الصوفي موضوع العديد من التجارب القصصية والروائية في السنوات الأخيرة، كونه يعكس رؤية فلسفية وروحانية لا تخلو من الرمزية في هذه الحياة التي يعيشها البشر على كوكب الأرض.

تحاول الكاتبة المصرية هويدا صالح في عملها الروائي الموسوم "عمرة الدار" (2007) أن تنسج خليطا بين ما هو خطاب سردي وما هو خطاب صوفي بالدرجة الأولى، لولوجها عالم الأولياء والجن والموروث الروحي الكامن في اللاوعي الذي ألبسته لجملة من الشخصيات تعيش في الصعيد المصري.

تحضر جملة من المؤشرات الكراماتية في نص هويدا صالح منذ الصفحات الأولى، أين يتحقق حلم الطفلة سلوى برؤية الشيخ علي صاحب المقعد البحري وهو يؤم أهل الخطوة في صلاة الفجر، كما نقرأ ذلك على لسان السارد: "وبعد أن نامت الجدة. تسللت من جانبها. ذهبت إلى القاعة البحرية، وبرهبة نظرت من ثقب الباب رأت أجسادا تتمايل، وأصواتا تهمس أحيانا، وتعلو أخرى والحجرة يملؤها ضوء أبيض." (ص 07).

ظلت الطفلة سلوى الفضولية تبحث لها عن أجوبة لأسئلتها التي لا تنتهي، كما هو شأن سؤالها للجدة عن لغز عمرة الدار الذي يعكس عنوان هذه الرواية، كما نقرأ ذلك في المقطع السردي الموالي: "جلست الصغيرة بجانبها، فأبعدتها بيد حانية عن مدخل الفرن، ذكرت اسم الله قبل أن تدب الرأس الحديدي في التراب المتراكم من المرة الفائتة، أبعدت التراب عن فتحة الفرن وأشعلت النيران ولم تنسى أن تقول لساكنيه: 'لموا عيالكم النار جيالكم'. سألتها الصغيرة دهشة:

- هو فيه حد بيسكن الفرن يا جدتي؟!

قالت:

- أيوه، عمرة الدار." (ص 16).

يظهر الاتجاه الصوفي جليا في شخصية الشيخ صالح الذي جمع بين علوم الشريعة وعلوم الحقيقة، فهما وجهان لعملة واحدة في نظره، وهو الذي وجد نفسه يعمل في أفندة قليلة تبقت من أملاك أسرته: "من ينظر إلى الشيخ صالح وهو يمسك بالفأس ويعلو بها في الهواء ثم ينزل بها، ليقطع بعض الأخشاب ليتدفأ بها أو يصنع منها أوتادا للبهائم، ويربط وسطه بطرف جلبابه ويعتدل من فترة لأخرى ليجفف عرقه أو يشرب بعض الماء من القلة التي يلفها بقطعة خيش يحرص على أن تظل مبللة، حتى تحافظ على برودة الماء لا يصدق أنه نفس الرجل الذي يتوسط حلقة الذكر ويعلو صوته بالإنشاد بقصائد ابن الفارض أو ابن عربي." (ص 18).

ابنه الثاني عمر تزوج ابنة شيخه أما ابنه الثالث النضر فقد تزوج هو الآخر ابنة عمه فايزة، ورغم ذلك عرفه الجميع بعلاقاته مع نساء أخريات فسلوك شخصيته يخالف المتصوف الزاهد، كما نقرأ ذلك في المثال السردي التالي: "كان النضر لا يصلي إلا الجمعة والأعياد. لا يشاركهم في الأذكار، ولا هم له إلا جلسات الأصدقاء، وشرب الحشيش والجري وراء النسوان، وأبوه يوبخه دائما حين يفيض الكيل ويتهمه بأن ذيله نجس." (ص 19).

تتخلل هذا العمل الروائي انفعالات العديد من الشخصيات الجاذبة للمتلقي، كما هو شأن شخصية الحاجة دولت التي رأت فيما يرى النائم الشيخ علي - ساكن المقعد البحري- يطفئ مصباح القاعة ويغادر المنزل، فنادته لكنه رحل وتركها فاستيقظت مرعوبة: "كان مازال يختم صلاته أخبرته بانطفاء المصباح والشيخ الغاضب الذي غادرهم. ثقل هذا على نفسها. شعر صالح بالحزن، لأنه لم يقم ختمة للقرآن منذ فترة طويلة. الظروف المالية للأسرة لم تعد تكفي، وإخوان الله يزيدون كل يوم." (ص 09).

توالت أحداث الرواية تباعا، واجتمع المريدون لإقامة حلقة الذكر احتفاء بساكن المقعد البحري، بينما دولت ونساء البيت يقومون بإعداد الطعام كما نقرأ ذلك في المقطع السردي الموالي: "كانت الحاجة واقفة هي وباقي النساء وراء الباب. رفعت يديها للسماء وعلا صوتها بالدعاء، حتى يمكن لملاك واقف يشاهد الجمع المنتشي أن يطير دعواتها إلى السماء البعيدة ويربت في نفس الوقت بيده الحانية على قلبها ويبرد ناره." (ص 10).

إن انشغال الإنسان بالحديث عن التصوف والروحانيات بلغ ذروته في هذا القرن الأخير، حيث اكتسب من الأهمية في أعين الناس مثلما اكتسبه في القرن الماضي أو أكثر، حيث تناوله الأدباء في القصة والرواية بشكل كبير، واستثمروه في كتاباتهم أيما استثمار كما هو شأن الكاتبة هويدا صالح في "عمرة الدار" التي اختزلت في هذا النص السردي العديد من الإشارات الصوفية التي تفاعل معها الشخصيات ببراعة، كما هو شأن حديثها عن منديل فاطمة التي عادت ذات يوم مفزوعة لما شاهدته حينما ذهبت لملئ جرتها: "بعد مضي أيام ثلاث استيقظوا على رؤية منديل فاطمة مفروشا على الفرن وفوقه مجموعة من الكعك المرشوش على وجهه السكر والسمسم. تحير الجميع إلا الحاجة دولت التي كانت تعد الفطار وترمقهم باسمة. قسمت عليهم الكعك فرفضوا جميعا أكله، ولم يتشجع واحد منهم إلا بعدما أمسكت بكعكة، وقرأت اسم الله عليها وقضمتها بأسنانها البيضاء التي لم تنقص ولو سنة واحدة رغم سنوات عمرها الكثيرة. وزعت عليهم قطع الكعك وجلست تحدثهم عن أهمية احترام هؤلاء السلفيين وعدم التعرض لهم فهم يعيشون بينهم ولهم خصوصياتهم." (ص 36).

إن المكان لا يعيش بدوره منعزلا عن عملية السرد، وإنما يتداخل في ذلك الفضاء الروائي الذي جاء في رحلة النضر من القرية إلى مصر أم الدنيا من خلال حادثة لقاءه بالرجل الغريب: "توسل إليه أن يخبره من هو؟ وماذا يريد منه؟ مسح الرجل بيده الوضاءة على رأسه وقلبه وأمره أن يترك اللهو والعبث. أن يرحل إلى جوار الحسين، ليكون بصحبته ويحيا في خدمته." (ص 55).

ونفس الأمر ينطبق على البشارة التي كانت من نصيب فايزة لزيارة المدينة المنورة، حيث ظهر ذلك في رؤية للشيخ صالح زاره فيها ساكن المقعد البحري وأمره بأخذ صرة لفايزة لتذهب في رحلة لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما نقرأ ذلك على لسان السارد: "أفاق الشيخ صالح. وجد كيسا ملقى في حجره. تعجب وتذكر منامه. صلى على الحبيب المصطفى وفتحه وجده مملوءا بالنقود. في الصباح أخبر ابنه وقرر أن يسافر إلى النضر." (ص 76).

في الختام، حققت اللغة في رواية "عمرة الدار" خصوصية فنية وجمالية عملت على إيضاح الدلالة الصوفية، التي انعكست بامتياز على مكونات البناء الروائي، حيث نلاحظ أن العناوين الفرعية جاءت معبرة عن محتوى الرواية وأيضا انسجامها مع العنوان الرئيس -عمرة الدار- الذي لم يكن اختياره اعتباطيا من قبل المبدعة هويدا صالح، لأنه جاء بحق عنوانا بعيدا عن المباشرة والسطحية وقريبا من التشويق والإثارة والتحفيز، سيدفع المتلقي حتما لقراءة هذا العمل الأدبي أكثر من مرة واحدة.

 

بقلم عبد القادر كعبان

..........................

 (1) هويدا صالح: عمرة الدار، الهيئة العامة لقصور الثقافة،2007.

*كاتب وناقد جزائري

 

adil merdanأتراني أَخطيء إذا قلت: في النهاية ــ النهاية القصوى ــ لايصح إلا صحيح الشاعر؟!

سأقول كلماتي بــ (بسطالوجيا) لا تتُعب، وأنا أُقدم صحيح عادل مردان الشاعر المتطلّع إِلى أَنْ يعمل مُنسقا ً لأحلام شرقنا العتيد، وهي مهمّة لا تليق إلاّ بشاعر مثله، الذي نحر الفرص، كما يقول في أحدى قصائده، فرص العائلة، وفرص الوظائف، وفرص الحياة التي أكبَّ عليها منْ سواه، ليتفرغ للشعر يُصلح به العالم، كما يقول عنه صديقه الشاعر طالب عبد العزيز في مقدمته لكتابه الشعري (فضاءات شرقيّة) ..

شعر عادل مردان، كما أرى، نتاج وعي مصدوم تطبعُهُ، في الغالب، نبرة حادة لعلّها وسيلة لا واعية في حراسة الذات والذود عنها، نبرة ابن مدينة مثقف قوامُها أحتفاء بعالم ٍ داخلي ملموم على شجنه، ومنفتح، في نفس الوقت، على الشجن الماشي بأقدام ٍ دامعة في الوحل الذي يُجلّل طرقاتنا، وإيقاع متوتر قلق يتناغم والأسى المتأمل، وانفتاح للغة على ألوان أساليبها، مما يُقرّبها من لوحة، وبناء تُرص فيه المفردات، كما لوأنّها قطع موزائيك ..

ولعلّ من بين مزاياه التي يُشاركُهُ فيها قلّة من أَقرانه، توقيرهُ العالي لمادة عمله ــ أيّ لغته:ـ

  كم أمقتُ الكلمات التي أَفسدت المعنى

 افتحْ لها الباب

 دعْها ترْع في الحديقة

 غدا ً أو بعد غد

 ستفتح أقفالها

 وتنحلّ في خميرة الخيال

  (قصيدة تربية الكلمات)

 

وإذا كانت قصائدُهُ التي ضمّها كتابُهُ (فضاءات شرقيّة)، وكان أولى به أن يدعوه (فظاعات شرقيّة) هي أنعكاس لفظاعات الوحشيّة التي قبعت على كرسيها الأسود البغيض طيلة خمس ٍ وثلاثين سنة ً، قد ألتمت على روح ٍ قَلِق ٍ بتعال ٍ مُنْطو ٍ، وبحركة ٍ مُقْعية، وكأَنّها قصائد العزلة في فضاء ٍ كهفيّ، أو قصائد القنوط كما دعا الشاعر نماذج منها نُشرت في (القدس العربي) عام 1994، رغم ما تمتاز به من تعبير ٍ عال ٍ، ونبرة مغايرة تنأى به عن السائد:

 جوربٌ أسود ُ على الأبنوس

 أُطاعنُهُ منذ ثلاث دقائق

 مُسمَّرا ً في السرير كعرّاف

 لا يرغب بخياراته الألف

 لا تصرخ أيُّها الباب

 يا مؤرخ الجدار

 يا تعاسة البيت الكبرى

 (قصيدة / حرب طاحنة)

 

فإنّه، في قصائده الأخيرة التي إنفتح فضاؤها على مدى أوسع، يلبي رغبة لغته في أن تعمل معه في خلق كيان قصيدته، ويترك لها الفرصة لتتشكل كما تهوى متحررة من سطوته، فإذا بها تعلق على ما يقول، أو تبدي أستغرابها، أو دهشتها، أو سخريتها، محتفيا ً بألعابها الحرة، وهي تنشر مرحا ً بإيقاع ملون لا عهد لنابه في قصائد عزلته السابقة:

 تُكركر الكلمة

 الكلمة نبع

 تبكي الكلمة

 الكلمة ينبوع

 

 قصيدة (أنشاد حامل الجمر)

 

البيجاما لباسك الإمبراطوري

أزرارُها في الأعالي تطير

والخيوط أسفل البنطال

تكتب على التراب

خمريتكَ الحافية

كان الصعاليك إنحرفوا إلى شارع النهر

ليُبصبص (جان) على كيفه

 (قصيدة ثاني أوكسيد البيجاما)

 

إنّ الأمر يبدو كما لو أن اللغة تتقدم الشاعر، وتورطه فيما لم يكن له به حُسبان وهو توريط يجري غالبا ً لصالح الفن، حيث تخف قصدية التعبير التي يضطلع بها عادةً السيد العقل في سطوع يقظته وذلك يظهر في سلوك لغة شاعرنا، في تحولاتها المفاجئة، وفي إنقطاعها المباغت عن مجراها، وفي عودتها المنتشية، رغم أنف الشاعر، إلى ما إبتدأت به لتحمل منه ما قد تكون ذهلت عنه في سِفرها، ويتبدى هذا في الإلتفات الإسلوبي الذي يطرز لغته، وهو لا يقع في الضمائر وإنما يتخطاها إلى إنقلابات الصيغ عبر ارتداد التقرير ونكوصه وتقهقره حالما يقطع عليه الطريق استفهام أو نداء، أوتعجب، أو تنبيه ...

 ويبدو تحرر اللغة في حالٍ من مرحٍ وانتشاء يتلبسان الشاعر فتنعتق مفرداته لتتشكل بلَعبٍ مبتهج.

في بعض تجاربه السابقة، نحا عادل مردان منحىً ذهنيا ً، هبطت فيه العاطفة والانفعال إلى درجة الصفر، فتحولت اللغة على يديه، إلى لغة تجريدية تعكس العالم والأشياء بحيادية باردة، ولنا في قصيدته (جمال الكسل) ناطقٌ، أيّ ناطق:

 أعمال تنمو بلذة الحركة

 أشعةٌ زرقاء في الزوايا

 تُرمّم مُتحجّراتها الهشة

 كَسلٌ أجملُ ما يكون عليه

 أنّه يخذلُ الجوقة

 

ويستشري التجريد في لغته، باستبداله الفعل بالمصدر، من أجل التعبير عن غياب الحركة، وجمود الزمن، وذلك ــ أي استخدام المصدر المنقطع عن الوصف، والإضافة إلى معينٍ ــ فاشٍ في شعره بصورة تلفت النظر ــ وهو يضع عالمه كما أظن، في فضاء ما هو عام، ومطلق، وجوهري، ويرقى به إلى مستوى الفن التجريدي، ليكون شعرا ً خالصا ً،هو خلاصة وعي، وخلاصة روح أيضا ً . إن الفعل (يسجد)، المحصور بين المصدرين (وقوف ... العري)، بدلالتهما على انقطاع الحركة، في غياب الزمن، يتصادى معهما في الثبات، فهو لا يتحرك إلا ثابتا ً في نفس المكان، مقطعّا ً بطيئا ً، ويقود كلّ ذلك إلى تجمد الحركة، والى غياب للزمن في الزمن، يصبح فيه العالم مختنقا ً محنطا ً، وربما يقع ذلك بإرادة طفولية غامضة، يقودها حرمان أو رغبة في استحواذ، تجعلان من الحاضر تأريخا ً، ومن الحياة متحفا ً خاصا ً بها تتحول فيه الأشياء إلى تماثيل.

 في طفولته زار عادل مردان . كما ذكر لي، المتحف الوطني، وفي اروقته ذهل عن نفسه، وعن عائلته التي اصطحبته، وهو يقف جامدا ً أمام الأيقونات الفريدة، ولم ينتزع من بحرانه الإ بعد أن استقر في لا وعيه مشروع إقامة متحف شخصي لعله وجده في شعره:ـ

 انظّمُ قلقي في الغروب

 أنشرُ نكوصي على الأسيجة

 مسرورا ً بزيارة كائناتي الحجريّة

لقد فتح الشاعر عينيه، فألفى العالم ساكنا ً في قطار، على سكة الوجود، إذ ولد قريبا ً من محطة قطار، كان أبوه يعمل فيها، وكان حلمه الفريد أن تلتحم عرباته التي أودع فيها أشياءه الأثيرة، بأحد القطارات، ولكن تلك العربة اقعت منيخة لا تريم، فتحجرت فيها الأشياء، في أكياس زمن إنفصل تدريجيا ً، حتى غدا غابرا ً، معلبّا في حقيبة الحاضر .. إنّها محنة الشاعر .. (محنة قطار) كما دعاها خالد المعالي، وهو يقدم الشاعر، إلى قراء (القدس العربي) المذكورة آنفا ً ..

ولا ينفصل عما سبقت الإشارة إليه ما يقع عفويا ً، سمة بارزة في لغته، من تقديم للفاعل على الفعل، ويؤدي هذا إلى تأجيل الفعل، وتثبيت ثانويته، والتخفيف من حيويته، وكأن ذلك كناية عن واقع الفعل فيه. مقموع جراء سطوة الفاعل الأوحد، الذي استأثر بكلّ فعل، ورغبته في التهوين من الفعل، باحتلال فضائه والعسكرة فيه، وإقصائه ليكون بمقدور الظرف القاهر، وفضلاته من ابتلاعه :

 الشللُ يهجمُ أخيرا ً

 العينُ تُلاحظ العروق الناتئة

 اليد تسهرُ كثيرا ً على الساق

 ويلاحظ في هذا النموذج تبعثر الذات، عبر تبعثر أعضاء الجسد بانفصالها عن بعض، وانشغال كلّ منها بما يمضّه، وعكوفه عليه عله يجد خلاصه وحده، يؤكد ذلك غياب أحرف العطف، الذي يشي بالانفصال، والحركة الساكنة الثابتة للفعلين (تلاحظ ــ تسهر). أما الفعل القوي (يهجم)، فقد أمتص طاقته الشلل المتقدم، وأوقعه في ظلّه المتحجر ــ إنني أجد في ذلك تلميحاً، إلى وضع تضاءل فيه الواقع، وتقلص حتى غدا مجرد غرف مبعثره منفصلة، تُقيم فيها كائنات مشلولة، فقدت كل ما يصلها ببعضها، وكلّ ذلك يؤشر مرحلة، في شعر عادل مردان، لم تكن فيها الذات تغادر محيطها المغلول .

وبسبب الانفصال، وتعطل الحركة بمجهود الفعل، يتغرب الحاضر عن حاضره، وعن كائناته التي تحيا فيه، فيصير غابراً، متحجرا ً يلتحم كعربة مغلقة، بقطار مُقعٍ في محطة متجمدة . وإذا قدّرت الكائنات تلك العربة، أن تظهر فبأقنعة الغابرين، الذين لا يتصل بعضهم ببعض، إلا عبر رسائل ينقلها الهواء، عبر آلاف الأميال، رغم أن المسافة بينهم، قد لا تعدو مترا ً واحدا ً، كهذه الرسالة التي يبعث بها أخ لأخيه ربما يقاسمه نفس الملاذ . إذ يذكرنا ذلك باجواء (بورخس) :

أخي القاسي،

لقد منحتني وجهك الغابر

أحتفظ بصورتك الحجريّة في كتاب الريح

اليوم أضعُ قدمي على الهواء

وفاءً لتمرينكَ السابع الذي بُحْت به ثملا

لم تُراسلني منذ قرون ٍ غابرة

ما الذي حدث أيّها الفرعونيّ المرعب ؟

 (قصيدة غبار التاج)

 

إنّ صوت الشاعر يختفي، وراء هذا الديالوج الفردي، القانط لنزيل الحاضر، الغابر الذي لا يجد من الآخر، إلا مجرد متحجّر في الريح .... وإنّ عبارة (اليوم أضع قدمي على الهواء) شديدة الإيحاء، بانفصال الحاضر عن الذات، التي لم تعد تجرؤ على أن تضع قدما ً واحدة، في هوائه الغريب، إلا من قبيل التجربة وفاء لتمرين .....

تطالعنا معظم قصائد الشاعر بمشاهد، أو لقطات تتدرج متسلسلة بأرقام، تستعير ما يعرف في السينما بالمونتاج، فتتبدى في الفضاء الأبيض بصورة عربات قطار، تتصل ببعض بأرقام، هي بمثابة كلابات، أو مفاصل .... إنّ تنقلّنا في اللقطات / العربات، هو انتقال في المكان والزمان، يضفي على قصيدته حيوية وحركة، تكفلان للقارئ عدم الشعور بالملل، ويضمن لها تنوعا ً في عرض ما يقع داخل الذات / العربة، وما يجري حواليها، محققا ً بذلك مستوى درامياً، يحفل بالأثارة والتشويق .

إننا نعثر في القصائد / اللقطات، على مساحة صمت تصل بين مساحتي صوت، وفي مساحة الصمت تلك التي هي جزء حي وضروري، من جسد القصيدة، تلتقي الأصداء والترجيعات الهابطة، مما يقع فوقها والصاعدة مما يقع تحتها، وفيها أيضا ً ــ أي في مساحة الصمت يجد القارئ نفسه، بمواجهة الروح المضطرب القلق، الذي تجمّع واحتشد بعد أن تجزأ وتبعثر ... وقصائده :(إنشاد حامل الجمر، وأبجد من نرجس ودمع، ومن لا تحضره السكينة، وخلافا ً لترقين الكائن) نماذج تشهد بذلك، وفيها يتحول المتن الشعري، بلغة يقظة وحالمة إلى مواقع مدينة عجيبة، تُرى فيها اختلاط الأزمنة، وتسمع حوار السطح والقاع، ونداء الفرد، وأصداء الكائنات، والضجيج الخفي الفصيح، لمن لا يجد الإفصاح ... وكلّ ذلك يقوض مهمتك، كقارئ تقليدي، ويحيلك إلى قارئ سائح بزوجين من الأعين، في الأقل، وبكاميرا حديثة تنفذ عبرها إلى ذرات الصمت، والصوت والصدى والماضي والحاضر والأسئلة العظيمة أسئلة العقل والروح ..

في ختام مقاله المنشور بعنوان (تقديم وجدال)، يصف عبد الرحمن طهمازي قصائد عادل مردان بـ (الجارحة)، واظنّه عنى بذلك عدم مهادنتها، أي أنّها لا تهادن وعي القارئ وذائقته، ولا تستمرئ رضاه بزخرف بياني أو بنبرة مائعة، من عذوبة فضفاضة مزيفة تخدّره أو تطربه، إنّها أمينة على حقيقتها، مخلصة لعالمها الداخلي، وحداثتها المتفردة .

وقصائده، كما يقول الشاعر الناقد مقداد مسعود، في قراءته كتاب عادل مردان (فضاءات شرقيّة)، (مغايرة موجّهة لقارئ، يتكافأ مع الشاعر ليعيد إنتاج الثقة بجماليات،هذه القصائد وفضائها الموحي بالدلالات المتعددة) وعادل مردان، والكلام ما يزال لمقداد (يستفزّ استجابتنا القرائيه في قراءة اللامقروء في المتن الشعري، عبر الحفر في جيولوجيا القصيدة)

 

هلا كففت عني يا نشازي، هلا تركتني حرا ً، بصحبة السائر الذي قرن الرؤيا بوعي، تعضده ثقافة متنوعة المصادر:

 طوبى للسائر الرّؤْيويّ

  يُنشد أشعار الإرادة .

 (من قصيدة / خلافا ً لترقين الكائن)

 

 هاشم تايه

 

aboyouns marofiانعكاس الفشل السياسي في كتابات الأدباء اليساريين العرب.

فاليساري العربي الذي يؤكد أحدهم بالقول "قلَّما تُصادف يساريًّا إلا وتجده يعتقد في نفسه بأنه المفكِّر الإيطالي"، "أنطونيو غرامشي[1] "  اعتمد على ترجمة الفكر الشيوعي الغربي دون زيادة أو نقصان وشرع يطبقه على واقعه العربي محاولا صناعة الثورة دون أن ينتج فكريا ثوريا يتماشى وواقعه المعاش ولأن النضال السياسي لليساريين في العالم العربي لم يفلح البتة فقد تحول نزوع الطبقة المثقفة داخله إلى انتقاد الأنظمة القائمة حتى صار مجرد مرض مهني مثلما عبر "ريمون أرون "[2] وهكذا ظل اليساري العربي يراوح مكانه فوجد نفسه بين نفور شعب ذي انتماء إسلامي مخالف تماما لمنظومتها الفكرية وبين إغراءات أنظمة ديكتاتورية تحكم باسم الاشتراكية والوطنية فاستهوت أكثرهم وهكذا تحولوا من ثوريين راديكاليين إلى مدافعين عن الأنظمة ومثيري شائعات ضد أصدقاء الأمس متخذين من التنظير الثوري القومي والإسلامي عدوا لدودا للإنسانية خاصة وأنهم تبوؤوا مناصب عليا في ميدان الإعلام والثقافة بمختلف أسلاكه مبررين تغيير مواقفهم بما قاله إنجلز: "إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب منه ذلك من كذب، وتضليل، وخداع - فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقيا"[3]

ولاشك أن تصرف عبد الناصر بطل رواية الطلياني تُجسد هذا المنحى بوعي من المبخوت أو من دون وعيه ,إذ نجده كشخصية يسارية تسلك الطريق ذاته في تغيير موقفها بهدف التقارب مع الفكر البورقيبي أو السلطة القائمة كإعلامي ينشر معهم في جريدة واحدة لأن الأنظمة السائدة آنذاك كانت هي الأخرى تحكم باسم الثورة ذاتها ووقف التنظير نفسه .ويتجلى التوافق في الرؤى والأهداف في الرواية بين اليساريين والحكم البورقيبي في تلك العلاقة الحميمية والحب والاحترام المتبادلين وتقارب الرؤى إلى حد التوافق بين "الطلياني" اليساري و"عبد الحميد" مدير الجريدة.[4] . من باب تغيير السلوك تماشيا مع الظروف تماما كما أوصى "انجلز" ولهذا فالشيوعيون لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم، وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. يقول لينين في رسالة بعث بها إلى الأديب الروسي مكسيم جوركي: إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء، إنما الشيء المهم هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً[5]

وفي اللاز ورغم أن الاشتراكية كمنهج اقتصادي شيوعي هو الذي سارت عليه بالجزائر حقبة من الزمن 1965/1988 وفق تنظير اعتقد انه يتماشى ومعتقدات الشعب الجزائري المسلم ولكن أصحاب الفكر الشيوعي كانوا يضمرون رفضهم معتبرين أن تطبيق الشيوعية في الجانب الاقتصادي هو تبعيض لا يكفي ما لم يمس الجانب الأخلاقي .. وهو ما انعكس قي رواية اللاز كانهزامية في شكل تمرد إعلانا لرفض وطار من منطلق إيديولوجيته الشيوعية وحتى يعبر من خلال رواية اللاز عن رفضه لترويض الشيوعية وفق مفاهيم إسلامية التي روج لها الكثير من المثقفين بمختلف مشاربهم مهم الدكتور يوسف عز الدين في كتابة الاشتراكية والقومية وأثارها في الأدب الحديث وهي عبارة عن محاضرات ألقاها أمام الطلاب دافع فيها عن المذهب الاشتراكي حيث نجده يقول : "ويجب أن يتخذ الكاتب الاشتراكي العربي الاشتراكية عقيدة عمل في سبيل تطوير أمته وليست سبيلا فنيا أي أن الأدب الاشتراكي يجب أن يكون فلسفة يؤمن بها الأديب وأسلوبا لمعالجة المشكلات العربية وتوسيع الأفاق أمام الفكر العربي بعيدا عن كل طريقة شخصية" [6] وحتى بعض علماء الإسلام ومنهم الشيخ محمد الغزالي الذي روج للاشتراكي من منظور إسلامي في كتابه الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين حيث يقول :"لقد نشرت بحوثا مستفيضة عن حقيقة النظام المالي في الإسلام أو ما سميناه على سبيل التجوز (الاشتراكية الإسلامية )"[7] ورغم ذلك فإن الطاهر وطار كتعبير واع عن رفضه وفي انهزاميته الواضحة دأب إلى التضحية ببطل روايته الشيوعي زيدان كجسد تعبيرا منه عن واقع الحال وحتى يكسب تعاطف القارئ ويضمن استمرار التنظير الشيوعي.فانكفاء وطار هنا كان لظروف واقعية عن لغة الانتصار وصنع من زيدان بطلا مات ثابتا على عقيدته الشيوعية ولكن أليس الذي ضحى هو بطل من ورق وإن الحقيقة هي بقاء الراوي (الطاهر وطار) وانضوائه تحت لواء جبهة التحرير الوطني من باب تغيير السلوك تماشيا مع الظروف تماما كما أوصى "انجلز"

* * *

انتهاج السياسة الثقافية كحل لكساد المشروع السياسي الشيوعي

أو التحوُّل إلى "الحرب الثقافية"

إنّ الحرص الكبير الذي أولاه وطار و المبخوت في روايتيهما لتفسير أفكار وعقائد ورؤى الشيوعية ومحاولتيهما إسقاط هذا التنظير على الواقع إلى درجة الحشو ما هو إلا امتثالا لتوجيهات لينين للأدباء في مقال له بعنوان:"تنظيم الحزب وأدبه"حيث يقول : " لنتخلص من رجالات الأدب غير الحزبيين، لنتخلص من هواة الأدب المثاليين . على قضية الأدب أن تصبح جزءا من القضية العامة للبروليتاريا، وجهازا صغيرا من الآلة الاشتراكية الديمقراطية الموحدة والكبيرة التي تحركها الطليعة الواعية للطبقة العاملة كلها .على النشاط الأدبي أن يصبح عنصرا مؤلفا لعمل حزبي اشتراكي ديمقراطي منظم[8] " .ومن الأمثلة الصارخة التي تدل على مبدأ " الإلزام القهري " الذي تفرضه الشيوعية على المفكرين والأدباء والمبدعين هو ذلك الانتقاد الشديد الذي تعرضت له رواية( دكتور زيفاجو ) للكاتب الروسي " بوريس باسترناك " التي كانت حسب رأي كاتبها انعكاسا أمينا لضميره ومشاعره، وتعبيرا صادقا عن رؤيته للواقع والإنسان والحياة استوحى مادتها من الحقائق التي لمسها بنفسه فأثارت ثائرة المفكرين والكتاب الشيوعيين الرسميين، فراحوا يصفون مؤلفها بأنه " خائن " و " رجعي"، و " مرتد " وهرطيق و عدو لبلاده . وطرد بسب ذلك من كل تجمعات الأدباء بالاتحاد السوفيتي و كتشجيع له من الغرب نال جائزة نوبل "[9]

وبعد هذا التراجع للكثير من الأدباء والمفكرين وتنصلهم من الشيوعية الذي يُعد بداية للانهيار وفشلا ذريعا يرجعه فقهاء السياسة إلى" استمرار عملية التنظير الثوري طويلا من دون ثورات أو تغيير ملموس الأمر الذي جعلها تفقد مكانتها لدى الرأي العام وفي الشارع "العربي" حتى بات لفظ ثورة مثيرا للسخرية بسبب فشل الشيوعية في أوربا ولأن التنظير الثوري استعمل هو الآخر في الانقلابات العسكرية وبعض حركات التحرر التي تحول أغلبها إلى ديكتاتوريات فلم تفقد كلمة ثورة بريقها فحسب بل فقدت المضمون أيضا وتحولت إلى مفردة ميتة في خزانة اللغة الحزينة"([10] ) وهو ما جعل اليساريين في الغرب وتحت ضغط الاندثار يعيدون النظر في الكثير من مناهجهم بدءا من الشيوعي الايطالي "انطونيو غرامشي "الذي حاول إخراج المثقف من دائرة البروباغندا السياسية ذات التوجه الاقتصادي إلى الوجهة الثقافية إذ يرى الغربيون المحافظين خاصة المناهضون للشيوعية أنه " بعد أن فَشِلَت الماركسية الاقتصادية، رأَى "غرامشي" أنَّ الطَّريق الوحيد لضَرْب المجتمع الغربي هو التحوُّل إلى "الحرب الثقافية"، وذلك بالتَّسلُّل إلى مؤسَّساته القائمة، فصاغ مخطَّطًا يقود إلى تدمير الثقافة والعقيدة الغربية، وتقويض البناء الاجتماعي القائم من داخله([11] ) وانتهاء بالأمريكي "ميكائيل والزر" الذي انتقد الفكر الشيوعي ثم أعاد صياغته حيث أعطاه صبغة أكثر تحررية حتى من الفكر الرأسمالي نفسه بمعنى أنه ألغى ثقافيا الالتزام بالفكر الجماعي وصنع من التحرر شعارا فوقيا ([12] )

 

الطلياني/اللاز :من التناص كظاهرة ايديولوجية إلى كل أنماط التناص الأخرى

إن التوجه الجديد المعتمد على الهيمنة الثقافية (منهج غرامشي) داخل المجتمعات تبناه أيضا المثقفون الشيوعيون العرب وهو ما ظهر بشكل جلي وواضح في كل إصداراتهم الأدبية فتشابهت كتاباتهم حد التماثل و التناظر لتشابه الخلفية الأيديولوجية فالرواية التي بين أيدينا "الطلياني "تكاد تكون نسخة طبق الأصل لرواية "اللاز"للروائي الطاهر وطار الصادرة في فترة السبعينيات من القرن الماضي ( 1974) أي عند نشأة الرواية الجزائرية اصطدمت بالتقاطب بيْن المعسكريْن الرأسمالي والاشتراكي. ولما كانت البلاد قد خرجت من حرب وانحازت إلى القطب الاشتراكي كان طبيعيا أن يحتل الخطاب الجديد مركز الصدارة"[13] . التي طبع عليها النضال الثوري اليساري خاصة ليبرز صراعا طبقيا في أغلبه وهمي . ولو أجرينا مقارنة بسيطة بين روايتي اللاز والطلياني لوجدنا أن هناك تناص حقيقي في تركيبة الشخوص وسيران الأحداث ناهيك على المفردات والألفاظ والمفاهيم والنظريات اليسارية الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية المتوغلة في فلسفات معقدة ترى القوانين والقيم الأخلاقية مجرد أوهام وهو تجسيد لمفاهيم الالتزام من خلال الطرح الماركسي، الذي يؤكد على أنها موجودة "بالقوة" في كل أدب ينشئه الأديب [14]

الملاحظ بقوة هو أن هذا التوجه الخطابي "أيديولوجيا ذات توجه سياسي " الذي لمسناه في رواية الطلياني لشكري المبخوت الذي يشبه إلى حد التناص ما في رواية اللاز هو مفهوم يقينا فرضه مبدأ التحزب لديهم كيساريين عرب الذي لا يقبل أن يكون أي إنتاج أدبي يساري إنجازا فرديا مستقلا عن القضية البروليتارية المشتركة"[15] وشعارهم في ذلك "ليسقط الكُتاب الغير متحزبين "[16]  من هذا المنطلق فإن رواية الطلياني أو رواية اللاز للطاهر وطار ليستا إنجازا فرديا بالمعنى المتعارف عليه بل هو إنجاز جماعي وفقا للمفهوم الاشتراكي لأنه يخدم الفكر الجماعي وما يؤكد ذلك هو تشابه كتابات اليساريين من حيث المتن الحكائي (الحكاية الخطاب) وبنية الرواية (الأحداث الفضاءين الزماني والمكاني الشخصيات واللغة) البنية السردية (مراحل الفعل السردي ) والبنية التبليغية (المرجعيات النصية ) وسنكتفي بالتعرض لهذه الجوانب باستنباطها دون التعرض لها في قراءتنا لأيديولوجية النصين من حيث تفسيرهم المادي للتاريخ حيث اعتمدا الاثنان في تفسيرهما للأحداث على المادة كأساس للصراع بين أفراد المجتمع منطلقان من نظريات اقتصادية شيوعية معادية للبرجوازية وهذا ما جسده وطار حين صنع من الثورة التحريرية (كحدث ) تاريخي هو مجرد ثورة جياع ضد نظام إقطاعي وهو نفس النهج الذي انتهجه المبخوت في تفسيره الأحداث السياسية التاريخية المتمثل في نضال الحركات الإسلامية التي أرجع السبب في ذلك إلى إساءة التعامل مع الملف الاقتصادي من طرف السلطة في حين أن نضالها كان عقائديا وهو المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية . ليجسدا بذلك شعارات الشيوعية القائم على الصراع الطبقي بمفهومه الاقتصادي الذي يهدف إلى سحق البورجوازية هذه الكلمة التي تكررت في الروايتين بشكل لافت .

* * *

العنونة كترويج للشخصية النمطية في اللاز والطلياني

يمكن استنطاق عديد الرؤى في عنونة الروايتين فالأول أراد لعنوانه أن يحمل اسم الطلياني فانسلخ بذلك عن قوميته العربية بل ونجده موضع شك في منبته فهل هو "لقيط" ثمرة خيانة زوجية غير معلنة "المسكوت عنه " في الرواية وإلا فما تفسير تلك الأسئلة الكثيرة التي طرحت عن ملامحه الايطالية وعن علاقته والدته بالمجتمع الأوربي وحتى تلك العلاقة المتوترة التي تربطه بأمه نجدها تدعم هذا التوجه خاصة وأنها تلازمت مع عبارة" ولد الحرام" التي ترددت كثيرا وكذلك اللاز فهو كنية كالطلياني تماما فإن كان اسم الطلياني يوحي بالمافيوية لما للمافيا من التصاق بالايطاليين وهو رغم ثقافته اليسارية الموغلة في الفلسفة فإنه شب حاقدا على المجتمع متمردا عليه ساخرا من تراثه فإن اللاز الذي هو نقل حرفي للفظ الفرنسي ( l’as) و دلالته " أنه في القديم كان يطلق على الجزء الأدنى من العملة و يطلق على العدد المفرد في أوراق لعب القمار " ([17] ) و تعني في دلالتها العامية الجزائرية الشخص ذا النزعة الشيطانية المتفردة و الغريبة . فهو اسم لا يمت بصله لقاموس أسماء المجتمع الجزائري وهو أيضا لقيط ابن زنا شب حاقدا على كل ما حوله فكان شريرا اعتمد السطو والاعتداء والسرقة طريقة للانتقام وكسب رزقه ولكن يفترقان في كون الطلياني مثقفا يساريا حد النخاع بمرجعية ماركسية لينينية فلسفة وإيديولوجيا تماما كشخصية زيدان الشيوعي الأحمر كما روج لها وطار في اللاز ولكن يلتقي ب"اللاز" من حيث كان يحلم بأن يكون أحمر على نسق أبيه [18] إذن فشخصية الطلياني تمثل شخصيتي اللاز وزيدان على حد سواء فهو يشبه اللاز في شذوذه وارتكابه المعاصي وتردده على المخمرات وبنات الهوى وفي العقدة النفسية التي تحرك الشخصيتين "اللاز/الطلياني" فاللاز" يتصرف بعقلية اللقيط .يكره المجتمع ويريد الانتقام هو الآخر مثل الطلياني الذي يتحرك من كونه ضحية اعتداء جنسي La pédophilie ورغم هذه السلبية في التركيبة النفسية للبطلين فقد مارس المبخوت كما وطار ما يسمى بإيديولوجية التضليل لتقديمهما كشخصيتين نمطيتين فسعى وطار سعيا ليصنع من اللاز الصورة النمطية للجزائري حيث يقول وهو يصف اللاز إنه (بذور الحياة كالبحر لا إنه كالشعب برمته الشعب، المطلق بكل المفاهيم) ([19] ) تماما كما شكري المبخوت الذي صرح في برنامج Récap قائلا: " أن روايته إنما أحبها التونسيون والشباب التونسي بالأخص لأنه وجد في شخصية الطلياني نفسه وبمنظور أكاديمي فإن الراوي في اللاز والطلياني شبه المروي له بالمروي وهو بذلك يريد إضفاء الشخصية العربية على البطل الشاذ

* * *

المضمون الشيوعي ومبعثه في روايتي الطلياني واللاز

يجمع فقهاء السياسة في العالم أجمع على أن اليسار العربي لم يستطع استقطاب الأجيال المتعاقبة رغم أن بدايات ظهوره تعد أقدم من غيرها من التيارات الوطنية والإسلامية التي ظهرت فيما بعد بل كان في أغلب الفترات لوحده بالميدان ورغم ذلك كان التباعد يزداد يوما بعد يوم بين الطبقة المثقفة داخله والأطياف الأخرى وأمام تزايد حالة الإرباك الفكري الداخلي ونتيجة التيه الأيديولوجي، انبرى الإعلاميون والسياسيون تحت لواء الأنظمة واكتفوا كما ذكرنا بمناصب داخل المنظومة الإعلامية،الثقافية والسياسية وأما الأدباء من روائيين وشعراء ومسرحيين فإنهم وجدوا في السرد ضالتهم لأن الكثير من الأدباء إنما يبدعون بغرض التنفيس عن الهموم والرغبات والعواطف،وهم لا يكتفون بهذا، بل يعمدون إلى توصيل أعمالهم إلى الغير ليعيش معهم التجربة "فقد قيل"،مثلاً إن "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر ديموسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار"([20] ) وفي هذا يقول ابن قتيبة «وللشعر دواعٍ تحث البطيء وتبعث المتكلف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب»[21] ومن هنا نجد أن الدافع وراء عمليات القفز على الواقع التي يقوم أدباء اليسار كحركة لنفي الواقع ما هي إلا ردود أفعال نتيجة فشل المشروع الشيوعي في القيادة كانتقام من واقع رفض تبني أفكارهم فإذا كان الحزب الشيوعي الجزائري المبجل في رواية "اللاز" فقد ثقة الشعب الجزائري منذ النشأة رغم الشعارات البراقة التي كان يتبجح بها لأن سياسته العامة المستوحاة في أصلها من المد الشيوعي العالمي لا تتوافق مع مصلحة الشعب الجزائري بما يحمله من تراث عربي إسلامي وهو ما بدا عند المحك الحقيقي أي اندلاع ثورة التحرير حيث ظهرت حقيقة امتداده للحزب الشيوعي الفرنسي، حين أصدر بيانا يوم 02 نوفمبر 1954 أعلن معارضته للثورة التحريرية وصفها بالعمل المنفرد الذي سيؤدي بالشعب إلى الهلاك رافضا الالتحاق بصفوفها محرضا الشعب الجزائري على عصيان أوامرها ومقاطعتها وداعيا للتعايش بين المجتمعين الفرنسي الجزائري في إطار حل ديمقراطي"سياسة الإدماج"، ([22] ) أما موقفهم قبل الثورة والتي بدا فيها شيء من الوطنية فقد كان قائما على خطة انتخابية فقط .فقد أيدوا الإصلاحات لأنها تمنح مليونا ونصف من الجزائريين حق التصويب وقد انكشف زيفهم بعد أحداث 1945 حيث واصلوا تأييد سياسة الإدماج ولكن الانتخابات فيما بعد خيبت آمالهم لأن الشعب لم يمنح صوته لدعاة الإدماج " [23] , ونفس الشيء بالنسبة للمبخوت إذ وجدناه يمجد اليسار في تونس في حين أن هذا التيار ظل يناضل ضمن طبقة العمال والطلبة ليؤسس أول حزب ماركسي في تونس تحت اسم « حزب العمّال الشيوعي التونسي«، سنة 1986. ورغم أن مواقفه اتسمت بالحدة إلا أن شعبيته في الشارع التونسي كانت تكاد تكون منعدمة وقد أظهرت نتائج الانتخابات ما بعد الثورة أيضا محدوديته داخل المجتمع التونسي .

إنّ التوجه الجديد المعتمد على الهيمنة الثقافية (منهج غرامشي) داخل المجتمعات تبناه أيضا المثقفون الشيوعيون العرب وهو ما ظهر بشكل جلي وواضح في كل إصداراتهم الأدبية فتشابهت كتاباتهم حد التقابل و التناظر لتشابه الخلفية الأيديولوجية فالرواية التي بين أيدينا "الطلياني "تكاد تكون نسخة طبق الأصل لرواية "اللاز"للروائي الطاهر وطار الصادرة في فترة السبعينيات من القرن الماضي (1974) التي طبع عليها النضال الثوري اليساري خاصة ليبرز صراعا طبقيا في اغلبه وهمي . ولو أجرينا مقارنة بسيطة بين روايتي اللاز والطلياني لوجدنا أن هناك تشابه حد التناص في تركيبة الشخوص وسيران الأحداث ناهيك على المفردات والألفاظ والمفاهيم والنظريات اليسارية الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية المتوغلة في فلسفات معقدة وكلها تجسد مفاهيم الالتزام من خلال الطرح الماركسي، الذي يؤكد على أنها موجودة "بالقوة" في كل أدب ينشئه الأديب[24]

 

قبل شكري المبخوت صبغ الروائي الجزائري الطاهر وطار ذي النزعة الشيوعية على"زيدان" أحد أبطال رواية "اللاز" بصفة البطولة والمثالية المطلقة فصنع منه المحور الأساسي الذي ترتكز عليه الرواية فهو المجاهد والقائد الذي لم ينضم للثورة المسلحة بدافع ديني أو وطني مثل كل مجاهدي جيش التحرير الذي انطلقوا وشعارهم الله اكبر ولكن "زيدان" هذه الشخصية اليسارية التي ولدت في رواية وطار كاملة منذ البداية" [25] فقد انضم للثورة بدافع إيديولوجي أممي وبقناعات حزبية بعيدة كل البعد عن ثوابت أمته فكان بطلا فذا يخطط للمعارك ويخوض حربا نفسية لزرع الرعب في نفوس جنود فرنسا " يقين أن الأحمر اللعين هو الذي يخطط لهم تدرب في صفوفنا وتثقف في مدارسنا وسبقتنا إليه موسكو "([26] ) .وأيضا مربيا وزعيما روحيا يلهم محيطه بالوعي الثوري والفكر التقدمي ويعمل على تنمية عقول جنوده وتعلمهم بل وقد أوجده "وطار

" منظر أوحد"الرفيق الزعيم " لثورة التحرير الجزائرية من بعدما سرد تفاصيل حياته الشيوعية إذ تربى في أحضان مدرسة إطارات الحزب الشيوعي الفرنسي، و مدرسة القيادات الحزبية بروسيا وبعد أن نال ثقة قيادة الأحزاب الشيوعية في فرنسا والاتحاد السوفيتي [27] التحق بالثورة المسلحة ليؤثر في كل من حوله فحتى اللاز ابنه اللاشرعي الشخصية "عنوان الرواية" ما كان ليتغير من النقيض إلى النقيض لولا ماركسية أبيه زيدان وأخيرا يصنع وطار من بطله الورقي شهيدا وضحية لجهل قيادات جبهة التحرير الوطني مجسدا من قصة موته ملحمة بطولية مثالية إذا مات وهو يهتف بسقوط الامبريالية الاستعمارية والرجعية ".وينشد نشيد الأممية وفي المقابل صنع من مجاهدي جيش التحرير جُهالا ينقصهم التفكير الواضح والوعي السياسي ينتصر عليهم ويربكهم في كل مناقشاته معهم بل ونجد الروائي يتهكم بسخرية على لسان زيدان من كل طبقات المجتمع حتى البروليتاريا حيث يسرد ما يلي " بذلت قصارى جهدي لأنفخ فيه روح الطبقية، وقد تطور بنسبة أربعين بالمائة " ([28] )." عملت على تطويره، حتى أصبح يخجل من نفسه كلما تذكر، ترهاته " ([29] ) وبنظرة فوقية متعالية يصف المجتمع الجزائري بالقول :"مجتمع أشد تخلفا من مجتمعات القرون الوسطى، مجتمعا تطمسه البداوة،رعوي ضارب في التأخر والانغلاق " ([30] ) معتبرا المجتمع الجزائري كله بروليتاريا حسب مفهومهم متجاهلا أن هذا المجتمع المنغلق المتخلف هو الذي فجر الثورة وهو الذي احتضنها وخاضها ببسالة ضاربا أروع البطولات .

وكتناص على خطى وطار صنع المبخوت من شخصيتي "عبد الناصر"المناضل الصلب المبدئي الذي يستقطب الطلاب الجدد و "زينة"المتحرية بطلين يساريين يكملان بعضهما البعض فزينة لعبت دور الأمريكي "ميكائيل والزر" Mechaelwalzer الشيوعي المتحرر أو المتحرر الشيوعي (communautaristelibéral) أو (Libéralcommunautariste) كما يصف نفسه وكما تصف زينة نفسها حيث تقول في إحدى حواراتها مع عبد الناصر "أنا حرة في نقد اليسار واليمين "[31] فكانت مثله تنتقد الفكر الشيوعي وتعيد صياغته في حواراتها بتحررية الفكر الرأسمالي ورغم الانتقاد الذي وجهته لخط اليسار التونسي فإنها كانت تلتقي مع عبد الناصر "وافقته في جانب من تحليله "[32] فهي كشخصية ورقية داخل المتن الحكائي نجدها تجسد قولا وفعلا تلك الإنجازات التي يرى"والزر" أن اليسار حققها منذ الستِّينيات من القرن الماضي والتي عددها في دورِيَّة "المعارضة الماركسية التي لخصها في التأثير الظاهر للحركة النسوِيَّة على المجتمع والظهور العلَنِيُّ لسياسات حقوق الشَّواذِّ (المثلية)، وشرعية الإجهاض، تغير تركيبة الحياة الأُسَرية،و الأعراف الجنْسيَّة وتراجع دور القيم الدينية في حياة الناس وتقَدُّم العلمانية ([33] ).ولو راجعنا تاريخ النضال الشيوعي العربي لوجدناه يصبو إلى الأهداف ذاتها حيث يرى اليسار التونسي أن "العلاقات الجنسية الأخلاقية الوحيدة هي العلاقات القائمة على الحبّ "([34] ) بغض النظر عما إذا كان بين مثيلين أو غير ذلك .

 

أبو يونس معروفي

............................

[1] مجلة الالوكة مقالة بعنوان اليسار: عدو خطر (قراءة في وثيقة أمريكية)د. أحمد إبراهيم خضر تاريخ 27/6/2010

[2] Raymond Aron , The Opium of the Intellectuals ; Translated by T erenceKlimartin Norton Library;N106 New Work w.w.Norton;1962.210

[3] عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير - الاستشراف - الاستعمار، دار القلم – دمشق الطبعة: الثامنة، 1420 هـ - 2000 م ص441

[4] شكري المبخوت رواية الطلياني ص209

[5] مانع بن حماد الجهنى - الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب و الأحزاب المعاشرة دار الندوة العالمية للطباعة النشر والتوزيع المجلد الثاني الطبعة الرابعة 1420 ه ص921

[6] محاضرات الدكتور يوسف عز الدين ألقاها على طلبة فسم البحوث والدراسات الأدبية واللغوية بجامعة بغداد جمعها في كتاب بعنوان الاشتراكية والقومية وأثارهما في الأدب الحديث 1968 ص 17

[7] الشيخ محمد الغزالي كتاب الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين طبعة جديدة ومحققة 17 نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ص 17

[8] أ.د/ جابر قميحةالأدب الإسلاميفي حضور الأدب الآخر موقع رابطة أدباء الشام 14 تموز 2012

 [9] أ.د/ جابر قميحة  من المذاهب الهدامة "الشيوعية" منشورات رابطة أدباء الشام07شباط2009

[10] دراسة عن المثقف والثورة عزمي بشارة " مجلة تبين العدد 4 " مايو 2014 صفحة 19

[11] مجلة الالوكة مقالة بعنوان اليسار: عدو خطر (قراءة في وثيقة أمريكية)د. أحمد إبراهيم خضر تاريخ 27/6/2010

[12]  Justine LACROIX © La pensée politique de Michaël Walzer (2001) SwissPolitical Science Review 7(1): 83-93 Introduction

 [13] حداثة الكتابة الروائية في رواية ” أعوذ بالله ” للسعيد بوطاجين / بقلم د . مخلوق عامر مجلة مسارب  بتاريخ 26 ديسمبر, 2013

[14] الدكتور حبيب مونسي القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

[15] انظر الواقعية الاشتراكي في الأدب والفن ص 23 فيفي كتاب دراسة نقدية الطاهر وطار تجربة الكتابة الواقعية الرؤية نموذجا المؤسسة الوطنية للكتاب ط 1989 ص13 لواسيني الأعرج

[16] نفس المرجع

[17] الطاهر وطار ,اللاز , الشركة الوطنية للنشر و التوزيع , الجزائر , 1981 , ص120

[18] الطاهر وطار ,اللاز , الشركة الوطنية للنشر و التوزيع , الجزائر , 1981 , ص97

[19] الطاهر وطار : رواية اللاز، ص82

[20] شايف عكاشة، اتجاهات النقد الأدبي المعاصر في مصر، ص127

[21] الشعر والشعراء لابن قتيبة الطبعة الأولى، قسطنطينية 1282 هـ ص8 - 9

[22] محمد حربي: جبهة التحرير الوطني، الأسطورة والواقع، ترجمة كميل داغر-ط1مؤسسة الأبحاث العربية- دار الكلمة للنشر، بيروت، 1983،ﺹ 122

[23] الحركة الوطنية الجزائرية 1930-1945 الجزء الثالث ابو القاسم سعد الله ص 252

[24] الدكتور حبيب مونسي القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

[25] انظر الواقعية الاشتراكي في الأدب والفن ص37 فيفي كتاب دراسة نقدية الطاهر وطار تجربة الكتابة الواقعية الرؤية نموذجا المؤسسة الوطنية للكتاب ط 1989 ص13 لواسيني الأعرج

[26] الطاهر وطار: رواية اللاز ص 42

[27] الطاهر وطار :،رواية اللاز، ص206.

[28] الطاهر وطار: رواية اللاز، ص 173

[29] الطاهر وطار: رواية اللاز ص 174

[30] الطاهر وطار : رواية اللاز، ص109

 [31] شكري المبخوت رواية الطلياني ص60

[32] شكري المبخوت رواية الطلياني ص59

[33] مجلة الالوكة مقالة بعنوان اليسار: عدو خطر (قراءة في وثيقة أمريكية)د. أحمد إبراهيم خضر تاريخ 27/6/2010

[34] الموقع الرئيسي للحوار المتمدن مطارحات حول قضيّة المرأة العدد: 2245 - 2008 / 4 / 8

 حقوق المرأة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات الحزب الشيوعي التونسي

 

goma abdulahعدد هذه المزامير في الديوان الشعري (354) مزمورا . انها محاولة حرق الروح بالعشق والهيام، لتطفيء نارها في نهر الرومانسية الشفافة، والحالمة في الحب الصوفي، ودغدغدة الروح بهذا الهيام، في صلاته وتسابيحة وتراتيله القدسية، ليغسل وجدان الروح، في شغاف العشق والاشتياق، في رحاب معابده، الذي يرقص في جوانح القلب، في تدفق عاطفي، وفي ينابعه الجارية التي لاتنضب وتجف، حتى نيل المنى والمشتهى والمرتجى . ان هذه المزامير في هيجان ملتهب من البوح والمناجاة، في الالهام العشقي،  بنبيذ الاشتياق، لذلك جاءت لغته الرومانسية، في عطر التراتيل العشقية، لتكون دين للحب النقي والشفاف، لتكون طقوس الالهامية ساعة الاعتراف، وهي تفصح عن رغباتها الروحية، بكل صفاء ونقاء، في اعماق الحب الصوفي، لذلك تسلقت كلمات  هذه المزامير، في عبير لغتها التعبيرية، التي تخفق لها القلوب العاشقة، في الوصف والصور والتصوير، وهي تؤكد على القدرة على خلق الاجواء الرومانسية، في الخيال الرحب، الذي يغرف حروفه لينسجها بفنية رائعة، في حرارة نشوة الصلاة، في مزامير العشق والالهام بالهوى الوجد  . لتجعلها كأنها ساعة الصلاة والتسبيح، لاشك ان الموروث الثقافي لعب دوراً هاماً، في صياغة هذه التسابيح الروحانية، التي تحلق في سموات الحب، بجناحيها الرومانسية، دون فنتازيا مفتعلة او مصطنعة بتكلف، او دون ابتذال قبيح، حتى في ايروسيتها الظاهرة، فأنها لا تتجاوز على قوالب الاحتشام والتهذيب والادب، رغم رقة شفافيتها الجميلة، فأنها تنشد وتنسج، في مدارات التسبيح، في الصفاء الروحي، في نقاوة حبه وغرامه واشتياقه، في رياحين خضراء زاهية بالوان القوس قزح، في روعة الالتزام بناصية العقل والادب والحشمة في نقاوتها، انها ترانيم واضحة ومكشوفة للعشاق، دون رمزية وغموض، بل هي لها جناحي  تطير بهما  تحت الشمس بكل نقاوة، لتصل الى مرامها المطلوب، او انها تحاول ان ترسل رسالتها العشقية بكل شفافية خضراء، بالتفاعل الحميم بين العاشق والمعشوق، وبلغة العاشق، وليس بلغة المعشوقة، لذلك جاءت ترانيم العاشق وهو يوجه مزاميره الى معبودته، التي اختارها من جميع نساء العالم، واحتلت اعماق قلبه وعقله وذهنه، واصبح يرى جمالية العالم والحياة، في جمالية عشقه لمعبودته، اذ يهمرها بالمطر العشقي الغزير، بكل طراوة وبراءة، حتى يكون وسادة حريرية تنام عليها معشوقته . يضع روحه في احضان محبوبته، ليكون كيمياء الامتزاج الروحي في نقاوة القلب، وفي اشتياق روحي، قبل اشتياق الجسد، حتى يصهرها في قلب واحد، ليخفق ويتنفس في رحاب العشق الالهي، في وجهه الاصيل بالنور والحب .  هكذا تتجلى صور المزامير الشعرية، في ديوان (مناديل القديسة) في ابهى صورها في الحب والغرام والغزل، وهي تثير بواعث الوجدان ليسبح في نهر التلاقي الروحي، الذي يجمع بين  قلبين، في اندماج واقتران واحد، يذوب في سحر الذات العشقية، ليقطف ثمار الحب، بفاكهة المشتهى الروحي، هذه هي طعم ولذة الحب الصوفي، الذي يسبح في عوالم التعظيم والتبجيل، في المشاعروالاحاسيس المرهفة، في القدسية والعبادة، التي تضع الحب، في رحاب القدسية، فهو بوجدانه العشقي،  وخفقات قلبه صادق، يلوذ الى  الضياء، ولا ينحدر الى الخفية والظلام، انها اقرب الى الحلم الرومانسي الجميل، بكل طهارته وحلاوته الصوفية . ان ديوان (مناديل القدًيسة) . جاءت بالوان الطيف الرومانسي الشفاف، ويدور في فلك اكتشاف سر الحياة العشقية بكل تجلياتها، الغامرة في فيضان الحب، لانه يعتقد ان الجنة خلقت للحب، يدخلها  عشاق الحب الصوفي ....... ولنستعرض بصمات هذه التراتيل العشقية، في مزاميرها الشعرية، كأنها رسائل  تخفق في الصدر لتبوح في سرها الروحي

2

في صدري طير من طين

اخشى لو اطلقته

أن أبعث مزامير داوود

أعيد لسليمان مملكته

وأرمم الواح التوراة

أني أخشى عليكِ وثبة الجناح !

نقتطف بعض الواح المزامير، في ثلاثة اعمدة رئيسية

1 . في الالهام وقدسية الحب

7

اصلبيني على جسدكِ أربعين يوماً

ثم ارفعينا للسماء

أرعبي بي مهد الحلم بك

فأنا لا أطيق انتظارك عند الضفاف

.............

40

أنا الشاعر العاشق

في القاعة المكتظة

مضطر أن أبتهج لتصفيق النساء

لا تغاري

لأنك ستجلسين في حضني كطفلة

وسأقرأ لكِ وحدك كل القصائد التي لم اقراها لهم

41

لأنك السر

أحبكِ !

..........................

85

سري الصغير

هو أنتِ

سري الكبير

هو أنتِ

وجودي

وفنائي

أنتِ

آهاتي التي دفناها في صدرك

بيادري العشرون

ومناديل جنوني

أنتِ

أاكل هذا ولم تحبلي بعد من حروفي؟

.............

118

كم يكلفني حبك أيتها المعبودة؟

أرجوك صدقي جنوني

فأنا أقسمت على الله

بأن الخلود لا يكفينا !

..................

123

أيتها المعبودة

لست راهبا

لتحولي قلبي إليك؟

كيف الصلاة بين يديكِ؟

وأنا أتقنها محض قبلة على شفتيكِ

.............

وجهك الضوئي

هو من يمنحني الصباحات الندية

أسمك القديس

هو من يمنخني الحياة الابدية

.................

200

من أنتِ ...؟

أعرفك ولا اعرفك

هل أنت النار التي لم تحرق أبراهيم؟

أم القوارير التي لم تغرق بلقيس في البحر؟

أعرفك أنك قدري وقدر اشجاري

وأنهاري ويابستي

يا مجهولة المطر

.....................

227

سامحني

فأنا أغار من الهواء

من رذاذ الورد

ومن مناديل الحرير

هل عرفت إذا

لم أنت مصابة برئتي؟!

...................

235

اوقفت روحي على حبكِ

فكوني سبيلي إلى الله

..............

243

يا سيدة النساء

مست يداك الحجر

فاكتفى بالصمت

وأنبت الزهور وفجر العيون

إجلالاً لندى راحتيك

...................

253

هل ستسامحين

قلبي الذي عشقك أكثر من رمشي؟

ورمشي الذي عشقك أكثر من شفتي؟

وشفتي  التي عشقتك أكثر من عيني؟

وعيني التي عشقتك أكثر من قمحة خبزي؟

هل ستسامحنين؟

................

259

حبك من محبة الله

فلو افترضت عيناك

أنك لست معبودتي

فإلى أين أولي وجهي؟

............... 

307

حين أحببتكِ

تعلمت كيف أحب الله !

..............

عاهدت الله

لا أدخل الجنة إلا وانت معي !

...................................

2 عطش القصيدة الى الضمأ :

139

تعود فكرة الموت عطشا

كلما أنتهيتُ من كتابة قصيدة!

..................

180

بدايتي مع القصيدة

هي بدايتي معك

كيف لا أكون شاعر عصري إذا !

..................

208

وعششت في رئتي مئات القصائد

قولي

هل أبوح بها وأقول

إني وصلت سدرة منتهاك؟

..............

230

عندما تحضرين

تبطل القصائد

......

256

في أمسيتي الشعرية

فضحت كبريائي

يا أيتها القصيدة

لقد اشتم الحاضرون رائحة شواء قلبي

....................

270

جف عسل لغتي

إني اتحنط بين دفات القصيدة

فأعيريني خلايا جسدك

أعيريني

....................

284

بأي آية اختم مناديلك

وانت لغز الشامات المختبئة

تحت جلد القصيدة

................

290

أشتهي

أن انحت قصيدة

على مقاس جسدك

لكنني

أخشى من فمي

أن يقتص من خاصرتك

.............................

3 . في الايروسية المهذبة والمحتشمة

 60

طوقيني حول جسدك الناري

أيتها المجوسية !

فقرابين الشهوة تجتمع في عينكِ

...................

65

سيجتُ السماء بصلواتي

علنا نشتبك في قبلة

................

98

عندي من القبل

ما يكفي نساء العالم

فكيف لجيدك ان يتحمل؟

................

121

يا قبلة رغيفي

لا تجبري ثيابي على البوح

أحكمي أزرار قميصي

ثم احترزي منكِ !

............

254

مستعد أن أضاجع ثيابك

صوتك

والاشجار التي خبأت لي ضلالك

فلم تصرين على تحدي فصاحة حبي؟

..................

264

أطلقي سراح جسدي

وحرريني من قيود نهديك

احمليني على خيل صهيلك

وافسحي واديك لهيامي

........................

288

ضمني

أبقيني

بين شفتك

واشربيني كي أرتوي

..................

واحسن  ختام للديوان الشعري (مناديل القديسة) هذا الحب العظيم الى العراق واهل العراق

349

في بيتي لا توجد شجرة قداح

لا داخل حسن يصدح

ولا عزاز يطرقون بابي

الطيور هنا تطير

لكنها يابسة

الدموع هنا نادرة الوجود

ومع هذا تباع في دور السينما

في قصيدتي الضائعة انت

تربين كل أنفاسي التي تقتات مني

من اجل ذلك كله

من اجل الحب أحببتكِ

......

وجعي ينتهي

بأبتداء تنهيدك !

 

جمعة عبد الله

...........................

ديوان الشعر (مناديل القديسة) بلقيس الملحم (159 صفحة)

توزيع الدار العربية للعلوم ناشرون

صورة الغلاف: الفنانة التشكيلية العراقية د . وسماء الاغا

تصميم الغلاف: علي القهوجي

التنضيد وفرز الالوان : ابجد غرافيكس . بيروت

الطباعة : مطابع الدار العربية للعلوم . بيروت

تقديم : بقلم الشاعر العراقي علوان حسين

 

 

925-ahmadيتهادى بنا إلى جَداول تنضب.. ووديْان تعوى خواء.. وشواطىء تموج شيْباً وعَظما ً..

فلمّا التمسنا الفرار.. لفتنا جدران الغرف المنقبضة.. هرولنا للبحث عن طوق نجاة هربا ً من (إبداع المتأمّل).. للكاتب أحمد الغرباوى من خلال سطور تجليّاته الأدبيّة.. ولوحاته الفنيّة.. فى اصداره (اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى..؟)..

 ونشدا ً لريح تدفع بساط (الأمل).. لم نجد غيْر طاقة نور من خلال قضبان مَطليّة بلون الجدران.. باللون الأسود..!

 ونَهمّ بكسر النافذة.. طلّ عليْنا صَوت الشيْخ الطيْب المذكور فى كُلّ الأشعار والأوراد والأسفار.. والذى يلازم ( المتأمّل ) أينما كان ويكون.. يصرخ:

ـ إلا نافذة الموت..!

إلا نافذة الموت..!

(إبداع المتأمّل) بدون مصباح (ديوجين).. نور فكر يلتمس الطريق إلى الله حقيقة..!

925-ahmadولا ينحت الليل.. يرجو بصيص نور شمعة.. ولايأخذ بيْد القارئ إلى حيث خُضرة المروج.. وحَياء الورود.. ورقص سنابل القمح.. وتمايْل أريج أعواد اليْاسمين..!

وعندما دعانا الغرباوى من خلال صفحات ( إبداع المتأمّل)  (اللهم.. اللهم لست أدرى..؟) إلى واديه..

تسأله:

ـ ما الجدوى..؟

يجرجر جسده المترهّل.. وبدمع الحاجّة يَهمس:

ـ لست أدرى..؟

فالتعامل مع (المتأمّل).. لكى تريح وتستريح.. أترك أفكارك خارج الوادى.. وتدثّر..

فقط التحف بـ (الخلق الفنى).. وبين جنبيْك وسادة (نشوة الإبداع).. دفء حُضن..!

ربما تكتشف فى الجملة الواحدة أكثر من معنى.. وفى اللوحة الواحدة تراها بأكثر من زاويّة.. وتتعدّد الألوان فى تشكيل فِكرى.. يلتمس المعرفة والحكمة بإحساس طفل بريء.. يداعب جدائل الخيال.. ويفرّق بأصابعه خصلات الإحساس بالجمال.. ولكن دون جدوى..!

دون جدوى حيْث (العشق) يموت هَرِما ً بقرار الزمن.. و(الفِكر) يتبعثر فُتاتا ً.. والمعانى تتطايْر داخل جدران الغرف المنقبضة..

فــ (المتأمّل) يعود بنا إلى قصّة ثلاثى الكهف.. وعلى كُلّ منّا يتلمّس ما ينجّيه من الموت.. يرى داخله أفعاله البيضاء، التى ربّما تزيح صخرة الباب فرارا ً للحياة..إنّه..

إنّه الطريق إلى الله..

الطريق إلى الله.. والتماس مُناجاته.. مناشدة رحمته إن شردت أفكاره..؟

فليطّهر ( المُتأمّل) كلماته.. ويَلفّها فى ثوب أبيْض قربانا ً للخلاص..!

وليحمل مخلاته وأوراقه.. أقصد أفكاره.. ويهرب بها من وادى (المتأمّل)..

يفرّ إلى الله..

إنّه الطريق الأكثر إبداعاً.. الألذّ فنّاً.. الأمتع أمناً..!

 

إنّه الوادى الأغنى والأكثر فكرا ً وإبداعاً .. والأدوم مروجا ً..!

ففيه يثمر دوام الإبداع حقيقة وخلود فن..!

مُتعة نَثر فنّى.. نبت جَنان الورقة الخضراء والرقّة والأنوثة.. جمالا دائما أبداً..

وما دون (الطريق إلى الله).. لا..

لاجَدوى..

لاجَدوى فى أو لــ (المُتأمّل) وغيْره..!

ففى تجليّات الغرباوى الأدبيّة تسبح فى خيْال المبدع بدرايْة ووعى.. دون أن تغرق أو حتى تنجرف بدوامات سَكرة الفنّ.. وكثيراً ماتغشى أحرفه منتهى حِسّ.. تحمل على أعتاقها تشكيل معارف وإثارة فكر  من خلال جملة تحمل ملامح وسمات الكاتب وحده.. دون غيْره..

وتضيء الجملة المنتقاة كلماتها عن عمد وقصد.. تنير مناطق مجهولة.. وتشير إلى حيوات صدق.. وجمال وعى..

فهى لوحات ثرية الفكر.. فيّاضة المعنى.. وتجمع بين خيال وهيام الشاعر.. وتساؤلات وشطحات المفكّر..؟

فيرتدى الكاتب ثوب الحداد خلال بَحثه عن (الحقيقة).. ويلهث وراء مغزى الحياة فى (حكمة).. ويرجفنا رعشة فى (الخوف).. وتهتز الذات رعبا فى (حصوة).. وما الإنسان لديه إلا (عابر سبيل)..!

ثم يتجه إلى الله فى صوفيّه خالصة.. بَحثا عن ماهيّة (السعادة).. ويأخذنا مَعه فى رِحلة داخل النفس البشريّة فى أطروحته (وجود).. وغيرها من اللوحات ذات عناوين الكلمة الواحدة..!

تدقّ رأسك قبيّل الدخول إلى عالمها.. فتشعرها أرقاً.. وتأبى أن تتركك، إلا وقد أثارت فِكرك.. ورجّت روحك..؟

حتى ينهى كل لوحاته بإشراك الكاتب معه.. بجملته المشهورة..(اللهمّ.. اللهمّ لست أدرى..؟)

وكأنه دعوة للجميع بإعمال الفِكر.. ولكن برقّة لغة شعر..!

ولكن تأثر روحه بصوفيّة.. تدفعه إلى أن يرجو غفران الربّ فى بدايْة إبداع يترجّى:

ـ اللهمّ.. اللهمّ إغفر لى الأفكار التى لابدّ أن أفكر فيها..؟

وإغرق كلماتى إن جانبت أشرعتها ريح الصدق..؟

أو شردت دفّتها بعيداً عن مرافىء وجودك..؟

 اللهمّ ربّى تقبّل ذنبى..؟

وإرحم سواد كَلمى..؟

 وإغفر لى..

فإغفر..؟

آمين يارب..

                  

بقلم: تغريد شتا

 

 

 الصورة الشعرية: إن الإتجاهات المتعددة لتأكيد الصورة الشعرية وكشف علاقتها المتميزة بالعمل الابداعي الفني، والعمل الفني لا يقتصر على الشعر إنما المقصود في ذلك حتى قصيدة النثر، كذلك المسرحية، والرواية، والقصة القصيرة، والنثر الفني، وقد تناولها النقد الاوروبي بالتحليل والتقصي وبالتحليل السسيوسيكولوجي، أما في مجال الشعر فقد بلغت إشكالياتها درجة من التعقيد، قد يكون نتيجة لاتخاذالصورة الشعرية منهجاً في إطاره الفني من ناحية المضمون، وكان هذا لابرز مدرستين في الشعر الاوروبي الحديث : منها المدرسة الرمزية symbolism  والمدرسة الصورية imagism أوربما قد يكون هناك سبباً آخر في اتخاذ الصورة الشعرية أساساً إبداعياً.(1)

من جهة أخرى فإن علاقة الصورة بالمعنى هو المدخل الرئيسي لفهم مسارات وتصورات النقد العربي لإشكالية الصورة الفنية وأهميتها من الناحية المنطقية و"المعنى"هو مصطلح يدخل في مجالات متعددة الكتابات الابداعية وخاصة الكتابات القديمة حصراً وهذا ما جعله يقع في باب الاصطلاح، وأكثر استخداماً في هذه الكتابات، هي الدلالة التي تقرن ذلك المعنى بالغرض المطلوب، والمعنى اصبح يرادف الفكرة المجردة التي يتقنها المبدع وتشير الدلالة إلى أن هناك ثنائية جدلية بين الألفاظ والمعاني وتلك الثنائية تعمّقت داخل المادة الابداعية، وهذا أدى بدوره إلى الفصل الكامل بين "الشكل والمضمون" وكان للصورة الفنية نصيبها من هذه الصياغةالشكلية، وكان للمجاز الاعتزالي وسيلة من وسائل التعبير وله امثاله في الشعر ، وكان لتجريد المعنى القرآني والابتعاد عن شكله الظاهري، فاصبح المعنى مجرد قائم بذاته، و"الصورة المجازية" هي وجه من أوجه الدلالة.(2) 

والصورة الشعرية عند الشاعر حيدر الحلي تنبني على المدلول وهو المعنى القائم على سيكولوجية الكلام القديم والسابق أصلاً في وجوده، أمّا الدلالة، فهي العبارات والالفاظ التي يعبر بها الشاعر، فهي محدثة وعارضة، وهذا ما انتهى إليه الاشاعرة في مشكلة "خلق القرآن" أي ان كلام الله قديم من حيث المعنى لإتصاله بالذات الخالقة، أما من حيث الألفاظ المتصّلة بالبشر، فهو محدث ومخلقوق.(3)

القصيدة

يا آل فهرٍ أين ذاك الشبا

                   ليست ضُباك اليوم تلك الضُبا

للضيم أصبحت وشالت ضُحىً

                   نعامةُ العزِّ بذاك الإِبا

فلستِ بعد اليوم في حبوةٍ

                   مثلكِ بالأمس فحليّ الحبُا

فعزمُك أنصبَّ على جمرِه

                   دمُ الطلى منك إلى أن خبا

ما بقيت فيكِ لمُستنهضٍ

                   بقيَّة للسيف تدُمي شبا

ما الذلَّ كلّ الذل يوما سوى

                   طرحكِ أثقال الوغى لُغّبا

لا ينُبت العزَّسوى مربع

                   ليس به ترق الضبا خُلّبا

ولم يطأ عرش العُلا راضيا

                   مَن لم يطأ شوكَ القنا مغضبا

حيَّ على الموت بني غالبٍ

                   ما أبرد الموت بحرّ الضبا

لا قبرّ تبك الخيل من مطلبٍ

                   إن فاتك الثأرُ فلن يُطلبا

قومي فأما أن تجيلي علي

                   أشلاء حرب الشُزَّبا

أو ترجعي بالموت محمولة

                   على العوالي أغلباً

ما أنتِ للعلياء أو تقبلي

                   بالقُب تنزو بكِ نزو الدبى(*)(4)

   في قصيدة السيد حيدر هناك استفهام تبدأ به الصورة الشعرية في البيت الاول وهو الشعاع الاول في القصيدة، ثم يتبلور المعنى ثم تتجسد صورة الثنائيات في الصورة، أي بين المعاني والالفاظ من دائرة الاشكاليات العقائدية، فالاختيار للألفاظ في انتاج المعاني وهذا الموضوع يلف القصيدة منذ بدايتها أي هناك معنى تعبر عنه الألفاظ ، وتعكس صفات الجودة، والاستفهام باعتباره وجه من أوجه الدلالة لتعبير عن ذلك المعنى.

والشاعر استخدم الفاظ القرن الثالث أي عصر الجاحظ الذي استخدم الصياغات الكلامية ببراعة ثم الصياغة والتصوير للحدث، حيث قلّل الشاعر من شأن المعاني، لأن المعاني ملقاة في الطريق، كذلك نسمع ما قاله ابن قتيبة في أقسام الشعر في عيون الاخبار، الذي حسن لفظه ومعناه او حسن لفظه دون معناه، او معناه دون لفظه، وأن الاثنين، الجاحظ وابن قتيبة هما من المعتزلة. لقد كان السيد حيدر يركز على المفردة دون التركيز على المعنى، لأن الشعر في تقديره هو صناعة مثل أيّ صناعة، وهو افتراض كان يدعمه الشعر العربي وواقعه المتركزّ في المنطق الدلالي، لقد كان الشاعر واسع الخيال، وقصيدة يا أهل فهر، ترتكز على الجانب البلاغي من الألفاظ والمعاني، بعد ان وضع لها الشاعر المهاد الفلسفي الواضح منذ الشطر الأول، والمعنى الذي آخذ أشكالاً متعددة تتفاوت قيمتها تبعاً للصياغات الدلالية، حيث اصبح من الوارد ان يبرر ثبات المعنى المتعدد الصياغات ، والشاعر كان ينطلق من مفهوم فلسفي ثم ينتقل إلى المضمون الصوفي الخفي ليعبر عن ثبات الدلالة والمعنى، وفق صورة مادية (5) تقرر أن " معاني الشعر بمنزلة المادة الموضوعية والشعر فيها كالصورة".

 

النبر الشعري والنبر اللغوي

إن النبر الشعري في هذه القصيدة قد يكون متفقاً مع النبر اللغوي وقد يتجاوزه، ولكن النبر اللّغوي في هذه القصيدة كان له الاولوية ومن المفترض أن في هذه القصيدة، حصول نبر شعري، إذا كان موقع النبر الشعري الذي يخالف موقع النبر اللغوي ، في البيت الاول، والبيت الرابع في حين هناك اشكالية، هو إذا كان موقع النبر اللغوي قد يؤدي احياناً إلى انتقال النبر الشعري إلى مقطع غير المقطع الذي ينبغي ان يكون عليه الشعر، وقوع النبر، وهذا ما حصل في البيت السادس من القصيدة، والمحصلة في ذلك نقول، هو أن النبر اللغوي والنبر الشعري، يقعان في"الزمكان نفسه" وفي أغلب الأحيان أن قوانين النبر الشعري التي صيغت على الاساس الايقاعي، ولم تستق وجودها من النبر اللّغوي، عندئذ نقول ان النبر الشعري قد يضيء لنا جوانب عديدة من النبر اللغوي، رغم ان القرآن سبق هذا التحليل في تجسيد الاثنين اي النبر القرآني لا يتحد بالنبر الشعري بشكل إطلاقي، ولكن يبقى عامل واحد في احتماله هو كون نبر القرآن إتحد بالنبر اللغوي أو وصل إلى مقاربته من التطور التحليلي، مثل "الابدال والاغلال والقلب"(6)، وقد يكون وراء هذه القضايا من التحليل تفاصيل ايقاعية صرفة ترتبط بالنبر واشكالياته اللّغوية.

 

بقلم: الدكتور علاء هاشم مناف

.....................

1- كمال ابو ديب: جدلية الخفاء والتجّلي، دار العلم للملايين، ط4، 1995، ص20.

2- الدكتور جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي عند العرب، المركز الثقافي العربي، ط3، 1992، ص313ـ 314.

3- الدكتور جابر عصفور: الصورة في التراث النقدي عند العرب، ص364.

4- ديوان السيد حيدر: تحقيق علي الخاقاني، الطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1950، ص62ـ 63.

5- الدكتور جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي عند العرب، ص315-316.

(*) الدبى: أصغر الجراد.

6- الدكتور ،كمال ابو ديب،في البنية الايقاعية ، دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد،1987،ص291-292.

 

         

qusay askarخطيئة آدم

ان بعض الصدق اثم

ب

يا وجع الندم

اريد ان انام

ج

المفتري  تطهر

تطهر   المفتري

د

إديلايد

انا ابن هواك لكن بالتبني

هـ

ما العمر  الا ما تعاش مسرة

على باب فردوسها

ز

خبيئيك عني

كفرت في حبك عن ذنوبي

ح

ست فسائل

حكاية الألف عناق وعناق

٢

وانا اسأل نفسي احيانا: كانت لنا ليلة حاسمة بعد الف ليلة وليلة فهل تكون لنا ستة فسائل من عناق بعد الألف عناق الذي تحول الى عناق واحد  ليرحل عن ذاته الى ستة؟

اقسم ان لمقاطع الثنائية اعلاه ليست من شعري، وما انا بقائلها قط بل هي عنوانات لقصائد كتبها شاعر غيري قرأت  مجموعته مرة واُخرى وثالثة وعندما وصلت الى الفهرس أنعمت النظر فيه مثلما أنعمت النظر في القصائد ذاتها   كانت رائحة المعاني في كل قصيدة تندمج اندماجا إبداعيا مع غيرها فالشاعر لا يكرر معانيه لكن هناك محورا مشتركا ووحدة موضوعية تجمع كل القصائدً، انها قضية النقاء والطهر فها نحن نعيش في عالم مزيف يتأكل فينا كذبا ونفاقا وزورا وسرقة  وقتلا .ان الشاعر سكب ذاته من خلال قصائده في هذا العالم ليحوله الى عالم طاهر نقي وذلك حين سالت فيه ذاته فجرى - العالم - مع نبع الطهر من جديد ، والحق اني وقفت عند بعض محطات النقاء التي استند اليها كقوله:

كل الفرائض والشعائر

مستحبات غدت

الا التبتل في رحابك وحده

فرض الوجوب

ومن علامات المركز المحوري ( الطهر ) يشخص  الاستناد  الى اللحظة التاريخية الخصبة التي تستوعب وتستوحي التاريخ قبلها عن وعي وتأمل وتدبر:

البستني

من عذب مائك بردة

فأخضر يبس

ولا أظنني في حاجة ان ادخل في تفاصيل البردة والتناقض الحاد بين  الكفر سابقا  والإيمان وعصر صدر الاسلام ثم الشاعر بصفته مجموعا او ممثلا لمجموع  يحس لحظته فيتجرد عن ماضيه اذ قد ينفع التفصيل احيانا ونجد الإشارة والتلميح هما الأفضل والأحسن  في موضع اخر.

ومن مستلزمات الطهر الذي هو  محور القصائد  تحديث القديم ، تجديد الكلمات، النفخ فيها حتى تسترد حياة جديدة، الجملة المعترضة  التي تشكل سندا للدعاء تحولت الى جملة معاصرة يستند اليها موضوع الطهر:

هل ترتجي غير المسرة

يا رعاك الله

نفس؟

ومنها ايضا تحديث المصطلح الديني والمصطلح الفقهي ليناسب الموضوع . منذ قال عقود قال القدامى من متذوقين للأدب وناقديه ان الشاعر المتمكن قد ياتي باللفظة  الخاصة بالعلم او اللفظة قليلة التداول لكونها اقرب للعلم وربما الشائعة فيجعلها رائعة رائقة في شعره كأنها جوهرة تلفت النظر من بريقها وحسنها بعد ان كانت تستخدم في مواضع معينة لا تخرج عنها ولعلنا نجدها أصبحت مستهلكة بسبب شيوعها، فتكون ذات بريق وجدة ورونق فالشاعر القدير هو من  فك أسر الكلمة  مما ألفناه عنها:

رب ورقاء هتوف في الضحى. ذات شجو صدحت في فنن

غير اني بالجوى اعرفها.      وهي ايضا بالجوى تعرفني

ومثلما فعل الشاعر القديم بكلمة "ايضا" المفعول المطلق التي يكثر استعمالها في النحو والمنطق وربما في علوم اخرى بعيدة عن الادب والشعر والخيال فعل شاعرنا بمصطلحي الفقه والدين  وهما الزكاة والخمس فتذوقناهما بل لامست ارواحنا نعومتهما حين خرجا عن الموضوع المخصص لهما الى الموضوع الشعري برونق جديد ومعنى اخر يرتبط بالخيال والابداع:

لا مال عندي

فالزكاة تبتلي

واللثم خمس

ومن مستلزمات الطهر تلك الحركة التي تحدث في  الليل  اي الرحلة  بهدف ما وأمل ما و تمثلها كلمة ( سرى):

تعبت من السرى ومن الوقوف   ضرير الخطو منطفئ الرصيف

فالسرى   لا تعني رحلة الشاعر ليلا فقط بل نكتشف انه يجعل من الخاص عاما في حالتين: الاولى عمومية الظلام وفق إشعاع كلمة "ضرير" التي يتساوى فيها الليل والنهار بل الرحلة تتحقق في كل زمن " أظنني  نشرت حلقات من كتابي المنقلب والمتحول من الكلمات وذكرت كلمة سرى من المتحول وشاعرنا هنا تعامل مع الكلمة بمفهوم معاصر وفق رؤيته بنقل الخاص الى العام".

والان

هل انتهت الثنائيات؟ كلا فقد خبأت بعضا منها:

٣

حرب  لكنها مقدسة

اتقول ما شأني ؟

 

تهيم   حصاد

عزلة   يقين

 

تقرب يا بعيد

أزف الوداع

 

حديقة الجنون

قاب فردوس لا أدنى

 

وطن ...ولكن للصوص

قسمة ضيزى

 

٤

غاية ما المح اليه ان هناك مقطعين احتويا آيتين كريمتين: " فكان قاب قوسين او أدنى " النجم/١٠و  " تلك اذا قسمة ضيزى" النجم /٢٢، وأجدني أقول بكل ثقة  ان  بإمكان القاريء الكريم  ان ينعم النظر  في  العناوين التي جمعتها فيوازن بين قصيدة تحمل هذا العنوان والقصيدة التي تحمل العنوان الاخر من خلال فكرة الطهر والمقدس النقي فالشاعر طلع علينا بمجموعته الاخيرة  المليئة بالبراءة بصفتها محورا للقصائد تدور حوله المتناقضات  بالضبط مثلما عاش المسيح ع مثال النقاء وسط مجتمع نهم جشع مراب سفاح  ومثلما عاش النبي محمد ص مثال النقاء في مجتمع قاتل همجي سفاح  اما نحن الأبرياء - نحن او الشاعر لافرق- فقد حاصرنا زمن العولمة  فقتلنا-بضم القاف-  تحت وطأته من غير ان نعرف اننا قتلنا وان قاتلنا يعيش معنا ويحيط بِنَا  ولمجرد ان ندرك أنفسنا نعود الى وعينا. نعم كل ما حولنا مدنس وهناك بؤرة من النقاء تكمن فينا نسيناها فجاء الشاعر ليذكرنا و بإمكان القاريء ايضا ان يجعل نفسه ناقدا فيختار وفق رؤيته عنوان قصيدة يقابله مع عنوان اخر فيوازن  بين معاني القصيدتين اذ ان المجموعة الشعرية تلك تدور حول محور التناقضات  من خلال الجوهر اللب وهو النقاء في عالم كله مدان.

 

٥

سأقوم بموازنة قصيدتين للشاعر من المجموعة نفسها  هما (تطهر) و(المفتري) اذ يمكن جعلهما وفق الترتيب  الآتي:

المفتري تطهر (جملة اسمية المفتري مبتدأ وتطهر فعل والفعل والفاعل الضمير المستتر خبر)

تطهر المفتري (تطهر مصدر مضاف والمفتري مضاف اليه)

في المفتري نجد الزمن يتحقق في النسبة، والنسبة وعلم الأنساب فرع من الزمن  يقول الشاعر:

كف افتراءك

ط

انت اخر من يحق له التحدث

باسم قيس العامري

انت قيس العامري ، ثم يقول:

انا يوسف المغدور

ثم  يمزج بين الحاضر والماضي  بصيغة جديدة:

فيم اعتذارك؟

انت ابرهة الجديد بثوب قديس....

ارايتم كيف  غير الشاعر في تدرج الزمن جعل قيس العامري يسبق يوسف ويسبق ابرهة في حين  ان قيسا  من حيث الواقع جاء بعدهما لكنه الان يحتل موقعه بينهما، ان التركيب الزمني وفق مبدأ الطهر يتطلب ان يكون التدرج الزمني الجديد وفق هذا الشكل تغييرا في موقع الشخصيات التراتبية  ذاتها وهي قيس ويوسف وأبرهة والمتكلم، ولو عدنا الى قصيدة ( تطهر) التي سبقت في الترتيب نجد ان سيرة المكان ونسبته  هي التي تحتل الموقع الزمني  في البدء: المكان ينتسب الى الزمن ، يقول الشاعر

منذ توضأ قلبي بتباريح الوجد ....

وانا حقل حبور

طفلا عدت وعاد الطين

رطبا مثل زهور الزنبق

والنسرين

ان سيرة المكان في هذه القصيدة  هي سيرة الزمان نفسه وهي سيرة الشاعر  اي الاتحاد بين الذات والطبعة والزمن في تحقيق مسالة التطهير ، هناك في قصيدة المفتري الشاعر وشخصيات زمنية  وهنا في (تطهر) الشاعر والمكان الذي يتحقق في الزمن .

 

لماذا أخفيت اسم الشاعر؟

انه الكبير يحيى السماوي  ومجموعته الشعرية هي ( ثوب من الماء لجسد من الجمر) اذكر عنا نحن المعنيين بالشعر والأدب زمن الثانوية  كنّا   نختبر فطنة بَعضنا فكثيرا ما كان احدنا يقرؤ قصيدة  لشاعر كبير مثل الجواهري والسياب والبياتي وبلند من دون ان يذكر اسم الشاعر فنعرف من طريقة بناء القصيدة وصياغتها انها من شعر الشاعر فلان ، والشيء نفسه ينطبق على الشواعر الرائعات نازك لميعة وعاتكة ، فالقصيدة نفسها تقول لك انا من ابداع فلان وهذا ما ينطبق على شاعرنا السماوي !

 

كلمة ليست الاخيرة

بعد هذا

انا على يقين  هناك غيري من  يحاول ان يقوم باختيار عنوانين لقصيدتين من قصائد المجموعة متباعدتين او متجاورتين ثم يجري بحثه على العنوانين والقصيدتين . المهم اني فقط أفصحت عن محاولة نقدية سآلت  القاريء ان يشترك معي فيها.

 

كلمة اخيرة

لابد ان اذكر ان هناك نصوصا وكتبا تجذبني اليها لكن حين أبدأ عملية النقد وانتهي من كتابة مقال نقدي اشعر اني بحاجة الى بضعة ايام استعيد خلالها أسلوبي القصصي والشعري، فللنقد اُسلوب خاص نعيش أجواءه ، لذلك اشكر الشاعر القدير يحيى السماوي الذي جعلني أعيش اجواء النقد بين جمره ومائه حيث النقاء.

 

قُصي عسكر

 

hasan hujaziالزمن!‏علي مدى عام ونصف تقريبا‏، ربما يزيد‏، في محاولات حثيثة‏، مضنية ومستمرة أمضيتها في ترجمة تلك الرائعة التي لم يسبق ترجمتها في ترجمة رائعة الروائي الإنجليزي الشهير‏،‏ لورنس ستيرن‏، (‏حياة وآراء حضرة المحترم ‏، السيد ترسترام شاندي‏).‏

المهمة لم تكن أبدا سهلة كما اعتقدت في البداية خاصة من ناحية نص رواية مراوغ يعود للقرن الثامن عشر، بلغته ورصانته وغموضه وتعقيداته ومدلولاته ومضامينه المختلفة والقضايا التي أثارها وربما يثيرها. فنراه يجمع بين الدين والفلسفة والحكمة والتهكم والسخرية والإيحاءات النفسية والجنسية والرموز المتعددة والمعقدة والأسلوب القصصي الذي يزخر بالكثير من السمات الفريدة والمتميزة، علاوة علي سيرة ذاتية للمؤلف والتي يشير إليها من حين لآخر، وسط الكثير من الاستطرادات والإسقاطات ووجهات النظر والآراء المختلفة في مجالات عدة  ومتباينة .

– ويفوز باللذات كل مترجم: لا أدري هل هي اللذات أم اللسعات التي ننتظرها، أم اللكمات، أم الرفسات والركلات كما ذكرها كثيرا المؤلف، في روايته، لكنها مغامرة بحق ..

في البداية عندما اتصل بي الشاعر والمترجم الكبير رفعت سلام وعرض علي تولي تلك المهمة لترجمة تلك الرائعة، فلم أتردد، بل وافقت علي الفور خاصة عندما علمت أن الرواية لم يسبق ترجمتها للغتنا العربية من بين لغات العالم، فخضت التجربة.  فكل ما كان يشغلني ويؤرقني هو الكتاب وأهميته وضرورة ترجمته للغتنا العربية. فكنت كلما تقدمت في الترجمة وتعمقت في فهم النصوص بصورة أفضل، أدركت بصورة واضحة سبب إحجام المترجمين العرب عن تلك الرواية.  ربما صعوبتها، وغرابتها، أو القضايا الشائكة التي تخوض فيها وما قد ينجم عنها من قضايا، في مجال الدين والفلسفة وشتي نواحي الحياة، بصورة جريئة  واضحة وجلية. وعلي رأي المثل الشائع :، الباب الذي يأتي منه الريح !

..

عودة للرواية وترجمتها: ربما هنا أبادر وألجأ لأسلوب المؤلف نفسه فيما قاله بخصوص مقدمته التي أوردها فيما بعد في الفصل العشرين من المجلد الثالث للرواية، عندما انتهز المؤلف فرصة سانحة لذلك، بل وربما أحذو حذوه وأقرر بأنه لا داعي لتلك المقدمة، فالكتاب يجب أن يتحدث عن نفسه، فنجده يقرر ويقول : لا، لن أتفوه بكلمة واحدة عنها ها هي،- فهي عند نشرها ناشدت وما زلت أناشد العالم  بل وأتوسل إليه وإلي العالم أتركها،- فهي يجب أن تتحدث عن نفسها !

.

وتتجلي أهمية هذا العمل عبر تطوير، لورنس،  لبنية الرواية من خلال أسلوب السرد، الذي تبناه العديد من الكتاب في إطار أدب الحداثة وما بعد الحداثة، فالموضوع لا يرتبط بشخص البطل، بل بالمواضيع التي يحلو للكاتب تناولها، والتي تكون متفرعة عن المحور، إلي جانب حوارات متخيلة ممتدة مع قراء ونقاد .

ويهدف من خلال بنية الرواية إدخال القارئ إلي عقل شاندي، وهو الأسلوب الأدبي الذي تبناه كتاب القرن العشرين، حيث يتدفق النص من خلال الوعي الداخلي للشخصيات. ويتخلل العمل كما ذكرنا الكثير من الحوارات مع القراء والتعليق علي ما في الأحداث، ومثال علي ذلك، عندما نجده يقول: لقد وعدت بكتابة الفصل الخاص بالأزرار, ولكن علي قبلها أن أقدم لكم الفصل الخاص بخادمات الغرف .

هذا هو أسلوب المؤلف علي مدار مجلداته التسعة التي تضمها الرواية، في شد وجذب وفي حوار ممتد متواصل بلا نهاية بينه وبين القارئ، ذكرا كان أم أنثي، أو بينه وبين النقاد أو وبينه وبين الناشر، أو رجال الدين والسياسة، أو العالم بصفة عامة، فهو يصر علي هذا، فنادرا ما كان ينحاز لأي جانب من البشر ألا مرة واحدة علي ما أذكر هو عندما  انحاز للمرأة الأسبانية الجميلة.. لعل السبب في بطن الشاعر، أقصد ربما في قلبه وعقله .

وفي النهاية نترك القارئ الكريم الإبحار في خضم عمل يستحق القراءة ويليق بالاهتمام، (هذا عند نشره بعون الله)، وجدير بكل ما تحمله من معني، ليس بالاقتناء والقراءة فقط، بل بالبحث والدراسة والتحقيق. وننتظر صدوره ومثوله للطبع والنشر في أقرب وقت ممكن، لتكون أول ترجمة للغتنا العربية .

 

naser alasadiتوطئة: إن الاخر في تجليات الشاعرة العراقية البصرية (بلقيس خالد) هو كائن لما سيكون يتجاوز مشروع الحلم إلى البعد الكوني، وهو كائن متمرد على حدود ذاتيته منكفئ عليها بقرائن الإستقراء .والسيمياء تعمل على كشف مضان البوح الشعري في أنظمتها المتعددة بفعل القرائن الدينامية .

إن الخوض في تجربة بلقيس خالد يدفعنا إلى إستجلاء المتغيرات ومعرفة حدود النص وكلما هو خارج عن حدود الذات كونه يعد عندنا إنفصالا عنها وتشكيلا لمعرفة  الحقائق الإرتكازية وهو فضاء واسع ونافذة مشرعة يتجلى فيها المنظورالحكائي في تداولية إرتكازية  تتعمق في بعدها الاشاري منطلقة لأوسع مدى من مديات الصورة وأبعادها الإستعارية والإشارية .

والشاعرة (بلقيس خالد) تتعامل بسيرورات الحركة الدالة والإشارة المعمقة وصولا إلى التكثيف والتلميح والإستعارة . وهي تشتغل على الاخر المحذوف . بصورته الجزئية والمتكاملة وهي تؤسس لنمط من الشعر يشي بالكثير من الممكنات السردية والسيميائية . لذا يحق لي أن أصنف الشاعرة بأنها إحدى الشاعرات الإشاريات اللاتي برعن في هكذا توظيف بل أجزم أن تجرتبها تمتلك من العمق والنضج الشيئ الكثير . وهي بذلك تتميز بالإرتقاء لبوح القصيدة وتعالي إشتغالاتها الموضوعية . كما إنها تتكشف على نمط جديد من الشعر . وهو التجديد في حركة الاليات والممكنات التي تتحول من البسيط جدا الى العميق جدا في رصد حركة الأشياء وإعادة فعاليتها .

والصورة عند (بلقيس) حكاية تمتاز صورتها الامامية بأنها تتماهى مع الداخل المحايث وفق ضوابط إشارية ودالالية . وقد أطلقت على هذا النوع من الصورة ببعد البصر النصي أو التراكمي في نظرة البوح الفني . وهي تتجاوز بذلك التفاصيل الضخمة إلى تفاصيل محايدة قد لا تشي بأية حركة ما .

والذي تنطوي عليه هذه الدراسة في بعدها الإشاري هو الإستلال والإستقراء في الية التوظيف الدلالي والإسترجاع عند ارتقاء الجملة  أو أنصافها كونها تجدد البعد المورفولوجي لعينات قصائدها .

والفراغ عند (بلقيس خالد) فراغ متقن تتجسد من خلاله عوامل بوح مركبة يشترك القارئ في رسم ملامحها في الغالب لكنه في النتيجة يرسم لنا نصا مقاربا لما هو كائن . والفراغ .. عندها وأعني بالفراغ ترك المساحات التي تشي بالمعنى اللاحق وهو بناء فعلي يتقصى فاعلية الكشف الذاتي  لمحددات الصورة الفنية التي يكون بمقدور المتلقي أن يخلق نصا موازيا مع نصها لكنه في الغالب يتراجع .. والفراغ عندها سيرورة طقوس أتقنت ممارستها بوعي شاعرة من طراز فريد . فهي وإن لم تتوافر تجربتها للنقد الأكاديمي فذلك راجع الى النظرة الجمالية والإنطباعية التي يتصف بها النقد المحلي بعيدا عن أسس المناهج الحديثة ورسم الاليات المنهجية لمعرفة خصائص هذا النوع من الشعر .

إن الممكن واللاممكن في قصائد (بلقيس) يأخذ نمطه من حوارية الذات وصولا للاخر العصي ذلك الاخر الممكن واللاممكن في رسم ستراتيجية خطاب اللاشعور القيمي والإفتراضي وهو في نظرنا سيرورة افتراضية  غير انفعالية  كونها تجسد إنفلاتا من الشكل العام للقصيدة التي يخطأ الاخرون في تسويق اليات أسمائها فخطأ رحنا نطلق عليها مسمى نثريا ورحنا نوغل في ذلك حينما أطلقنا عليها عبثا قصيدة نثر . لكن الذي يأتي من نصوص  (بلقيس خالد) ليس نثرا إعتباطيا أو توليفة نثر تراجعية . وهي إنما تؤسس لنمط جديد من الشواخص الشعرية التي تفردت بها دون غيرها .

إن الداخل والخارج في نسق البناء الفني متأتي من المونولوج الشعري الذي يتماهى في عملية الخلق والتكوين  والقارئ لتجربة (بلقيس خالد) إنما يتلمس بعدين ستراتيجيين في قصائدها الأول: البعد الإفتراضي المتمثل بالنوافذ الإشارية وارتقاء تلك النوافذ إلى السمو في حركة طقوس أشياء لم تكن أبدا قادرة على المضي لولا دينامية بلقيس التي أدخلتها في دوامة تقسيماتها القصدية والتي تشي بنوع من الوعي الدال على حركة الواقع الشعري أما الثاني: فهو البوح الكوني الذي انتهجته الشاعرة في توجهها لكتابة هايكو عراقي خالص سنأتي للحديث عنه في دراستنا لديوان الشاعرة (بقية شمعة: قمري) والذي سنستعرض فيه ثمة الخصائص الدالة على عملية الخلق التكويني لهكذا نوع من الشعر .

(بلقيس خالد) شاعرة إشارية أعمد إلى وضعها ضمن مجموعة الشعراء الإشاريين . وهي تكتب تجربتها بوعي خاص ودينامية خاصة . بينما يعني الإستدراك لديها انبعاث مركزي حين تقوم في بناء قصيدتها من خلال التوظيف الدلالي وفي الإسترجاع  تعمد إلى نمط مغاير لإرتقاء الجملة . ومن أنصاف الجمل وأجزائها يتشكل وعي تراكمي لمفهوم النص لديها وكيف لك أن ترى تجلي الفكرة لديها ؟  وكيف لك أن تسبر غور تجربتها الشعرية في دواوينها الثلاثة(إمراة من رمل) الصادر عن دار الينابيع / سوريا / دمشق، 2009 و (بقية شمعة: عمري – هايكو عراقي) دار الينابيع / سوريا / دمشق، 2011 .

و(سماوات السيسم) دار ضفاف / الشارقة، 2013 .

 

الدراسة السيميائية:

إن الاخر في استرجاعات (بلقيس خالد) اخر مختلف .. كائن وليد كوني راسخ في ذاكرة الوعي الجمعي . وهي مقطعات تتجاوز مشروع الحلم والاخرإرتقاء في ذاكرة الرمل . ومايشي من خلاله من إنزياح في اللغة أو في التداول المعرفي للأشياء . والرمل إرتقاء وتحول ضمن ممكنات نصية ونفسية ومثلما يكون الرمل فضاء واسعا للتيه والقفر والضياع يكن الرمل بريقا لامعا يتصدر مشهد البريق من حاضرة الزجاج إلى حاضرة الخلود الماسي كرقي لحجر نادر وثمين . والرمل في شيفرة (بلقيس) مقبرة وقتيل كبوابة للرحيل للعالم الاخر . والاخر عندها كون متناهي الأبعاد . إمرأة  الرمل ماسة دفنت فيه بل إن جزءا منها مات فيه من ذاكرتها وحلمها وامتداد بقائه . وإمرأة الرمل عندها قارئة لفنجان . جلست تتأمل في الرمل خطوط الحدث والام المصير . غجرية تلك صاحبة الرمل .. أو عراف راح يشعل البخور للبحث عن حقيقة البوح الذي يلازم البطلة في حياتها . وهو يقلب أبراجه  للكشف عن النهايات.  والرمل أرملة  .. فاقدة . والرمل فاقد . وكلاهما فاقدان في دلالات الأشياء ومستويات الإحتواء فالرمل يحتوي الفقيد وكون الفاقدة ماسة من الرمل فهي إذن في العمق وليست على السطح . ففي المدخل الأول (حزمة ضوء) تطالعنا قصيدة تطل على الرمال بومضة

في الربيع ...

بين وردة وشذاها

صرت ..

زوجة ..

وأما ..

و ....... أرملة

..............

إن تجربة (بلقيس) في مشروعها الأول (إمرأة من رمل). مشروع مضمر واخر ظاهر في دينامية الحدث واسترجاع ملامحة الكاملة وسط الدهشة والدمعة والإنتصار .وفي ماكبرتها تقول:

لن أبكي ... حتى تحضر

مافائدة ..

ذرف

........

........

دمع ..

: لن تراه

.........

إنها تستقري الحدث وتحاكم القضية فأين جدوى الأشياء وأين الدوافع فما حاجتك لدمعي إن لم تكن قادرا على رؤيته . ارتقاء في تكوين الصورة التي قفزت من بين تعدد الفراغات قالت: إملا الفراغ إن شئت: أيها القاري لنصوصي . عذرا فإن مفاتحي هوت في القاع في بحيرة الرمل الحتمي . إنه فراغ القصيدة والسطور.. كونها تظهر الحدث لكنها لاتقوم بتحليله بل تطلقة للحواس ولاتمر عليه مرورا موضوعاتيا . لأنها قد اتخذت المجاز مفهوما ضمنيا لباطن النصوص التي تأتي دائما نصوص باذخة مترفة القصد مائزة العلاقة  . لذا فإني إتلمس نجاح الشاعرة في ثراء عتبتها النصية الأولى (إمرأة من رمل) أي نجاح وأنطلق بها إلى عوالم أخرى وشت بالكثير من التواصل التداولي للحكاية بل لسحر الحكاية تقول في في سحر حكايتها:

يسألني العراف: ماذا تسمعين؟

ماذا ترين؟

يشدد علي بالسؤال ويأمرني:

: إحكي

إحكي

إحكي

.......

الحكاية نافذة للبوح فما سر الحكي عند (بلقيس) بل عند شهرزاد الحكي إعطني حكيا أعطك ملكا . ومن هو شهريار في حكي الشاعرة التي لايسمع حكايتها سوى العراف . من هو العراف تقول:

أفرح في سري

هناك من يريد سماع حكاياتي !

أفتح نافذة الحلم

...................

.................

في الحكاية تتربع (بلقيس) على أفق وموروث تلقائي يتمثل في سردها العجيب للحكاية وهي إنما تتفرد بهذا النوع مجسدة دينامية الفعل وحركته في مجازاته أو إشاراته وصولا إلى توظيف الجانب السيميائي وهذا ماتراه في سحر الحكاية القصيدة التي تقول:

تلعثم العراف

تفقد عفاريته ..

العفاريت: غدت في بحر الحكاية سريا

قد نسي العراف

فاصفر لونه

ضرب الأرض بغصن رمانة بكر

ومثلما هي تبحث عن شخوص حكايتها الشعرية إلا أنها لا تغفل توظيف العوالم الأخرى  في صورة الطيف وهو  ماجعل تجربتها أغنى في رصد المونولوج الشعري قالت : في قصيدتها ذكراك دفئ

في مراتي

قيامة الذكريات: قامت

فأراك تفك قيود جدائلي

............................

............................

طيفك: أسكرني

غمرني بالدفئ

فتس ___________ اقط المخمل

قطعة

قطعة

ت

س

ا

قط ..... المخمل

في النوافذ الست لحكايات (بلقيس) تتشظى نوافذ أخرى على صدر ديوانها تصل إلى خمسين نافذة كانت أكبر تلك النوافذ هي نافذة العنوان (إمرأة من رمل). التي نحن بصدد استقرائها .

(إمرأة من رمل) مشروع ذاتي الشكل جمعي الباطن . وهو انكشاف وتفكيك لمفردة الممتنع والرديف . المتحول والثابت . المتحول صعب والثابت أسير موروثه والفاصل بينهما هذا الإنهمام في حركة الأشياء . (بلقيس خالد) تمكنت باقتدار من تفكيك مفردة وطن في قصيدتها التي أثارت جدلا موضوعيا حين تقول فيها .

هذا الذي تحت نعلي وطن !!!!  ... في قصيدة وطن وامراة في النافذة السادسة من الديوان التي كانت عتبة النافذة هي تهويمات .. الرمل

قدمت له الرجال

قدمني .. إلى .. حوصلة البؤس

هذا الذي تحت نعلي

وطن ..

حين ارتوى من الدماء

صار مسرحا: على خشبته

يتناثر...

رماد النساء .

وحين تختم الشاعرة قصيدتها في استقراء الإشارة الدالة على أن الوطن الذي تعاتبه  الشاعرة ماهو إلا رجل هي تمشي على ترابه وبغيره لايمكن أن يكون لها وطن اخر قالت:

يابنيتي ..

وطن

المرأة

رجل .......

هنا يفهم القصيد بغير أوانه  . اعتمادا على الشكل . لكنه في الحقيقة أن المعنى جاء مقلوبا . لايمكن للنعل إلا الاحتفاء بالرمل الذي يتكون منه الوطن . الموتى يدفنون في رمال الوطن هذا الوطن كما يعبر عنه أبو العلاء (الا من اديم هذه الاجساد) فالأجساد التي حملتها الشاعرة بأبعادهاالثلاثة هي المرأة من زجاج والزجاج من رمل حين يصل إلى الذروة ورمل الزجاج يدفن فيه الموتى فكيف لا يكون إذن هذا الذي تحت نعلي وطن ؟ . أكيد الوطن ورغم قداسته لكننا ندوس عليه كما يدوس علينا . إخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى . فهل نحن من المقدسين أوطانهم أو بالأحرى هل إن اوطاننا تقدس دمائنا التي نزفت على الرمل .تقول في قصيدة رمل عصير الحروب:

صارت البلاد كل البلاد

ساعة رمل

الشاعرة تكتب الزمان في حركة ساعة الرمل المثيرة وهي تذرف غبار عقاربها الرملية لتكتب التاريخ . في النوافذ الخمسين لديوان الشاعرة نرى الترابط الموضوعي وكيف أنها كانت  دقيقة في ربط إشاراتها الدالة على الحكاية التي ضمنتها الديوان كله والتقسيمات التي جاءت بها هي تقسيمات تتشظى حسب تسلسل الإشارة الداله فكانت نوافذها الست بدءا من حزمة ضوء  التي انطوت على ثمان عشرة قصيدة بينما إنطوت نافذتها الثانية حضور الغائب بست نوافذ وهكذا .

إن البوح الذي كانت عليه قصائد الديوان كان بوحا ارتقائيا . فهي طقوس غاية بالبعد النساني بل هي أنين مسموع كونها كتبت من أنصاف الجمل حراكا لحكايتها لذا فإن قصائدها مكتوبة بالمقلوب لذا فإني أقول إن المرأة في قصائد (بلقيس) هي إمرأة ورغم عاطفتها قوية كالزجاج بل الماس الذي يقطع الزجاج . الدهشة والفراغات والصدمة في التجلي والتماهي في جسد القصيدة سنراه في ديوانها الثاني .. بقية شمعة .. قمري .. هايكو عراقي فلنتعرف على بوحها الاخر .

ديوان: بقية شمعة: قمري

هايكو عراقي

. قد يتفق هايكو (بلقيس) من حيث الشكل العام لأسلوب الهايكو الياباني وهنا لا بد أن أعرّف بالهايكو الياباني أولا حتى لا ينفذ الإلتباس إلى المتلقي حين يظن هذا انطباعا للهايكو الياباني وقبل أن ألج في التفاصيل . فلا بد لي أن أعرج على الهايكو أو الهائيكو باليابانية هو نوع من الشعر الياباني يحاول الشاعر فيه أن يحول الألفاظ البسيطة والساذجة في التعبير إلى مشاعر عميقة تترك أثرا عميقا في النفس . وتتألف أشعار الهايكو من بيت واحد  فقط مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا باليابانية وتكتب عادة في ثلاثة اسطر خمسة، سبعة ، ثم خمسة . وقصائد الهايكو هي قصائد قصيرة تستخدم لغة حسية تتصور إحساسا أو صورة ويكون مصدر إلهام هذه القصائد من جزيئات صغيرة في حقل أو بركة أو خيط عصفور أو تجربة مثيرة للمشاعر أي أن هذا النوع يعمل على تسجيل اللقطات التي تمر على الإنسان . وكان مجموعة من الشعراء قد ابتدعوا ذلك .

أما قصائد الهايكو عند (بلقيس خالد) فهي نمط اخر للهايكو أطلقت عليه هايكو عراقي  تتجلى فيه خصائص انبعاثية لفكرة ملحة وتسجيل لرؤى جامحة وفاعلة .

وإذا كانت قصيدة مايطلق عليه بقصيدة النثر هي ومضة فإن الهايكو عند (بلقيس خالد) هو ارتداد الومضة أي أدق جزيئات انزياحها وهي ترسم حركة شخوصها بحروفها الإستثنائية التي تتحلى بالدقة والمعنى  . وهو  هايكو مختلف يتعامل مع المحددات النصية وهو حواري منطلق من الذات إلى الاخر، والمتحركات في نصوصها لها أنساقها والشخصنة المتخفية هي قوام ذلك الجسد النصي . أو إنه مفتاح لتماس ارتقائها إذ تضع القارئ في حيرة من أمره حين يضطره النص للعودة لمرجعيات خاصة تخوله أصلا الدخول إلى عالمها أم لا . سواء أكان ذلك العالم إفتراضيا أو واقعيا . لأن بوح القصيدة عند الشاعرة بوح صارم المعالم رغم رقته وعذوبته .

هايكو (بلقيس خالد) تجربة فوق ذاتية يتجلى نصها بسيرورة التكوين . متجاوزة الحدود في الدهشة . الدهشة كحدث مركزي . تصفعنا . تتمرد علينا . تقفز تنزاح بفرادة الكلمة .الجملة ثم مجموعة المنعرجات المتخفية في جسد النص .

 

التخفي الكامل:

وكعادتها فهي تفتح نافذة الحكي وكما قرأنا نوافذها الست في ديوان (إمرأة من رمل) فإنها تفتح في ديوانها بقية شمعة لكنها هنا تترك نافذتين اثنتين تعرج من خلالهما إلى زمن التخفي الذي تفردت به (بلقيس) وصار ركيزة من ركائز تجربتها الشعرية . وفي نافذتيها يتجلى بوح اخر .القرط الأول والقرط الثاني وماينطوي عليهما من إشارات دالة على معنى الحكاية  أرسلته الشاعرة كخطاب سيميائي مباشر . على أساس أن هناك درجة من درجات التلقي قادرة على استلام تلك الشفرة تقول بصمتها المشفر دون كلام بل إن الصمت هو  الذي ينبئ بأن حدث الحكاية مرهون بذلك فتقول في نافذتها أوتار بكماء لاتتكلم وقد تفرعت هذه النافذة من العتبة الأولى و القرط الأول الذي انزاح على رؤية أخرى أطلقت عليها الشاعرة غصون يبللها القمر وفي الوتر الأول تبدأ الشاعرة بوحها الأول .

مر بي

دون اكراث:

قالوا ...

: ضربة حظ

أفقدته الذاكرة .

أما الوتر الثاني فالقصيدة تبدو بكماء لكن في حقيقتها أن ثمة جمل كتبت هاهنا بحروف وصلت الى الستين حرفا .وهنا تكمن قدرة الشاعرة على التخفي خلف لغتها المتعالية .

......... السطر اأول  لتسعة حروف

................. السطر الثاني 17 نقطة تعادل كل نقطة حرفا .. إذن نحن أمام جملة مكونة من 17حرفا .

................. وفي السطر الثالث يتكرر نفس العدد من النقاط وهذا يعني نفس العدد من الحروف .

................. وفي الرابع يتكرر نفس التشكيل  ويكون مجموع النقاط في الأسطر الأبع 60 نقطة تساوي ستين (60) حرفا .

والوتر الثالث

حسرة في

: البئر .

ألا ...

من

حبل

.........

أي حسرة هي التي تتوغل في البئر .. ؟ تلميح لتلك الصورة التي كان عليها يوسف عليه السلام ألا .. من ماذا ؟ فراغ ....من حبل .. كيف يكون الحبل . هل هو دلو نجاة مؤقت أو حبل الحياة الذي سينقرض يوما ...... فراغ  تأول أيها القاري بما شئت !

وفي الوتر السابع تقول:

تحيطني ..

بطلاسمك   !

مس .

: أنت

يرهقني .

تلك هي بعض نماذج من الفراغ الإشاري لمحذوفات في حساب الجملة ومايؤول في تحليلها نجد أن هذا الترك المتعمد في جسد القصيدة لايخرج عنها بل جاء مكملا لذاتها ولايمكن للجملة أن تستقيم إلا بمعرفة محذوفاتها الأساسية . وهذه مسؤولية المتلقي في ملأ تلك الفراغات بما يتناسب مع النسق . ومن الأوتار إلى الجهات الأربع  تمتلك الشاعرة القدرة على الإنتقال المباشر من معنى مجازي إلى اخر أعمق منه لكن بذات التشكيل المسيطر على جسد القصيدة  ففي جهتها الأولى تقول:

- سأشرب الدمع

حتى

أصير بحرا

..........

.........

نهر أنا .. كرهت عذوبتي

 

فالمجاز كمفهوم للضمن يبتعد عن الجملة الكلشيئية التي تقوم بإظهار الحدث لكنها لاتقوم بتحليله إذا يتبنى النص زرع العديد من الملامح الاشتغالية في ان واحد ويمد خطوط اتصاله فيما بينها في نسق دائري محكم .تلك هي طفولة نصية كانت ترنو إليها الشاعرة حين يختلط الثابت والمتغير في رسم الصورة ومداليلها المركزية . وهو إنما يتمركز في اللاشعور بحثا ثوابت في الذات تنساق مع الحدث وتتبنى ردود الافعال القائمة به .

قلق

- في حضرة القلق،

لماذا تتيبس

: الدموع  ؟

- سمكة .......

والفالة .....

في قلبي ذات ثلاث مخالب

: ق         ق

ل

 

تلك هي المقدرة التي ظهرت عليها (بلقيس) حين جمعت بين الحرف النقاط وبين الرمز والرسم والنص في أعلاه يؤكد أن الشاعرة لاتكتب حروفا بل تضع إشارات مرورية كونية بل ترسم لنا صورا تتحرك ولو نظرنا للمقطع الحرفي الأخير لوجدنا ألقاف المتكرر ينتج عنه في أسفل القصيدة لام  وإذا دققنا النظر فيهما لوجدنا رسما حقيقيا لحالة القلق بعينية اللتين فارقهما النوم لأن حرف القاف يشي بمعاني القلق والترقب والسهر . ولو دققنا أكثر لوجدنا أن الحروف الثلاثة الأخيرة توحي لصورة وجه ينظر دقق معي .

الأروع في تجربتها أنها ترسل شفرات بعيدة المدى تصلح لزمن قادم وكأنها تستقري مع المتلقي العليم سر تلك الخطابات . وبالفعل إن المتلقي لهكذا نوع من الخطابات إنما ينطوي على إدراك بها وتحليل لملامحها السيميائية والإشارية .

 

ديوان: سماوات السيسم

قلنا: في ماسبق من استقراء لمنجز(بلقيس خالد) الشعري . إنها شاعرة تمتلك بعدا إشاريا واضحا كونها تؤسس لتجربة فريدة تتعامل مع الوظائف الانثربولوجيا المتاتية من طوفان التراث وبما يبثه لنا من افاق في الذاكرة الجمعية كخزين يتوافق مع حركة الراهن المتماهي في دلالاته الانبعاثية . ولاشك عندنا أن (بلقيس) قد وظفت ملامح مونولوج شعري قابع في ممارسات أهالي الجنوب الذين ينطوون على كنوز من الإرث الحضاري والفكري  جعل  (بلقيس) تتجشم عناء السفر إلى حاضرة الأهوار لتكون على مقربة من استقراء حركة الشخوص هناك والفطرة المتاصلة في حياتهم . ومن العتبة النصية الأولى تطالعنا الشاعرة بسماواتها المتعددة الافاق وأول أفق في حضارة الجنوب ذلك الصندوق الغريب الذي عدته بلقيس إنه صندوق الحكايا والذكريات صندوق حضارة متقدمة لكشف متطلبات الناس هناك حين كان جل مهر النساء المترفات صندوق من خشب السيسم الجميل وما نقش عليه من سيرورة النجوم جعل الشاعرة ترسم صورة للنجوم التي نقشت عليه من الفضة على جسد من الخشب النادر فكانت لها الصورة في بعدها الجمالي تتشكل سماوات مترعة بالنجوم على السيسم وهو أفق واسع  تتجلى فيه مقولة السماء في بعدها الإشاري من صورة مصغرة لسماء على الخشب ونجوم من الفضة في صندوق تتعالى في الافق الكوني لما يشعر به اهل الجنوب وكيف يتأتى (لبلقيس) أن تنزاح من أبعاد الفلكلور المحلي إلى عوالم في أفق السماوات وأي فضاء سنستقري في ملامح هذا الصندوق وأي بوح سيتجلى في ديوانها سماوات السيسم فلنذهب إلى هناك .

في بداية استنطاق نصوص (بلقيس) يحق لنا أن نكشف سرا أن صندوق السيسم كان إرثا لثلاث جدات الأولى صاحبته ومالكته الأولى حين كانت تدخر فيه نفنوفها النيلي ووردات بيض تطرزه وقلائد من الورد وقاررة عطر أضنها قارورة مسك أو عنبر وقداحة للجد الأول الذي قدم لها مهرها الصندوق تقول (بلقيس) في قصيدتها (عطرها إذ يمر) .

بطراوة ماءٍ رقراق

بترف فراشةٍ

يدي هامسة..،تفتحهُ

......................

.. ماتغير شيءٌ

الزهرات البيض تتماوج

في نفنوفها النيلي..ماتزال.

قارورة تمكث فيها بقية (دهن الورد)..

قلائد من قرنفل وهيل

كتلة من بخور جاوي..

قداحة جدي وعلبة سكائره الفضية..

مسبحة  السندلوس..

علبة ماكنتوش كبيرة..

أفتحها...

 

وهذا أول انزياح للموروث تقرر الشاعرة إستقراء خباياه معلنة أن الجدة الأولى هي تأريخ

وإن الجدة الثانية تأريخ وسيط والثالثة والتي هي الراوية العليمة الجدة الثالثة هي الراهن المحكي عبر أسلوب القصص الشعري الذي تهيمن عليه الحكاية . والجدة الثالثة إنما تنزاح في حركتها الأولى حين كانت طفلة تسرق الوقت لاكتشاف مدخرات التأريخ الجميلة لتحكي عبر الاسترجاع  أو العودة بالحكاية إلى متلقي جديد يشابه  حركة الطفلة الساردة ألا وهو الحفيد في سلسلة من تواجد الذوات وهم يتحركون عبر ذاكرة الجمع  مع التكثيف في جسد الحكاية لتعود للأذهان تاريخ البصرة المجيد بروائع تصميمها . هذا هو الهايكو عند (بلقيس) حينما تتحول الجزيئات الصغيرة إلى حكايات من الموروث تعيد للذاكرة جمال الأشياء التى كانت هنا ثم استحالت إلى ركام . بفعل الحروب العشوائية التي غدرت بالمكان . وهي تؤسس  لبناء أمكنة مطاوعة تستهدف البشر حضارتهم . تقول (بلقيس) في نصها نفسه .

 

ورقةٌ

.. تهاوت مخلفة ً

.. إبتسامة أبي..بسدارتهِ العسكرية

صورة فوتوغرافية:عمي  بشاربه الكث..

خلف زجاج مكتوب عليه (مطعم وندي همبركر)

يرفع إستكانة الشاي إلى شفتيه مبتسما..

.. خالي الأكبر

(في صورة)..يعبر جسر المغايز

ساعة سورين

أصبعها الحازمة:(ثمانية وثلث)

ثم..

أمسك صورتها بكلتا يدي..

:الطفلة التي كنتها

واقفة لصقها، أطوق فخذيها

بأغصاني..

الإسترجاع النصي لحكايات (بلقيس) يتفاعل  بتقنية المونولوج الحكائي بشاعرية القصيد ودلالات الصورة الموحية إذ أن (بلقيس  خالد)  استخدمت تقنية الصورة لسبر حركة تاريخ مدينة كانت ملامها ذات يوم هنا بدءا من قداحة الجد وعلبة سجائر الّلف الفضية  ومسبحته السندلوس ثم العودة إلى العلبة المدنية وهي صندوق صغير يحتوي الأدق من الذكرى أشياء ومواريث الجد الأول . ثم أبي الذي إدخرت أشيائه أيضا من خلال العودة لألبوم الحدث والصور الدالة منها ابتسامة الأب الثاني بسدارته العسكرية وهي دالاله على عسكرة الأتراك وصورة أخرى  لعمها بشاربه الكث  وهو يجلس خلف زجاج كتب عليه وصورة أخرى لخالها وهو يعبر المغايز . وساعة سورين واسترجاع اللحظة الزمنية هناك إنها تأرخة الدليل الموحي لأشياء كانت . الساعة تشير إلى الثامنة والثلث . إنه توثيق زمني لدقائق الحياة بشكلها الواقعي دونما تزويق أو فلسفة  .

 

الراوية تتكلم عن طفولتها: وهي تصف تأريخ لحظتها حين تمسك الطفلة صورة ساعة سورين .. الطفلة التي كنتها هي التي تحدثكم .تقف بجوار الساعة وكأنها تلتصق بفخذيها . تلتصق بتأريخها وكأنها بنت هذه اللحظة  ثم تعود للإسترجاع لجدتها الأولى وهي تؤرخ لثيابها الهاشمي وهو ثوب بصري خليجي جميل . وهي في الصورة تراها الطفلة وهي تتانى في ارتداء فوطتها . فلك أن تعرف عزيزي القارئ أن (بلقيس خالد) لم تؤرخ للجدة الأولى والجد والجدة الثانية والأب بل العودة الى الحفيدة التي تتصل بها عبر الإرث . كل هذا تسجيل لقصة مدينة بشخوصها عبر عقود خمس لا أكثر .

 

حافة الصورة يابسة..

اليباس أطرّ الصورة بصفرة الزمن..

جدتي...

سامقة...،شجرة ترفل بالهاشمي..بدانتيلهِ الفاخر

..أراها  في الصورةِ، وهي تتأنى في

ارتداء فوطتها الجديدة..

 

الطيف بوصفه معادلا موضوعيا:

يعد الطيف في مونولوج (بلقيس خالد) ارتقاء للحكاية في حركة سرودها وانبعاثاتها . إذ أن لازمة القصيدة في أطيافها تعادل بعدا إشاريا دأب أصحاب المنامات توظيفة كونه بات الأكثر حرية في الإشتغال الكوني للسرد  وبات  خزينا تتبلور من خلالة المسرودات الذاتية وصولا للاخر تقول بلقيس خالد

زهرة الشمس:عيناكِ

والشمس ..؟

الشمس: كرة أفراح

الكرة تتدحرج..

الخطوات.. رويدا رويدا تتسع

تتسع..

وأبتسامة الضوء: تتسع معها،

من ثغر أحلامك..

فراشات

رفرفت

من حريرها ولدت سبعة أطياف

الطيف الأول..دميتكِ..

والطيف الثاني دميتكِ..أيضا.

صَمتُ...برهة ً

أتأملها فاغرة الدهشة

ثم ...

تساءلتْ:و.... الثالث..؟

:من .. الثالثة..ستولد بقية الأطياف

تساؤل عينيها يغمره نور الشفتين

نهضت متسائلة: أين ..ال...

(لعبة اللابتوب)؟

 

إن اشتغال (بلقيس خالد) على الطيف . يأخذنا إلى سرد الحكايات وانشغالاتها المتعددة وهي تختار امكنتها الافتراضية في جسد الحكاية الشعرية وحواراتها .. والمتتبع لنصوص (بلقيس) سيجد بعدا اخر يتخفى بين سطورها في كل نصوصها وهو فاعل ذات مجاور لايكاد يفارق ظلال قصائدها وهو الطيف الذي ابتنت الكثير من حكاياتها على همس مشاعره وكأنك تتلمس وجوده في ذلك البوح الكوني في خطابها وتدرج شفراتها لإستدراجه في قصص حكايتها ونقاط حروفها والفراغات التي رحنا نفتش عنها قد نصل لفهم القليل منها لكن في الغالب تبقى تلك الفراغات عصية لايمكن استقراء بوحها لأنها في خزانة السيسم لدا الشاعرة ومن العسير الكشف عنها , ومدى الترابط بين الموروث  في حركة الأجداد وبين الحفيدة التي على لسانها سيكتب التأرخ والتي أهدتها الشاعرة ديوانها وفي القصيدة الأولى كانت تناجيهما في البدء  تقول:

 

.. أشرأبتْ

و لم ت

بيديها، فلح (رينا)،

في إمساك لوحة

رسمتها (هيا)،

بحفنة تراب

على...

وجه...

الريح ..

وفي الكشف الأكثر استقراء لحاضرة المدينة المعذبة بالحرب تستقري (بلقيس خالد) نبوءتها في أن البصرة ستحترق وهذا لن يأتي من فراغ إلا من لعبة الحروب وتكالب الأعداء على المدينة الغافية في بطن التأريخ .  تقول:

 

الجناحان..لغة عالية

حاول..

يحاول..

....... الإنسان ارتداءَهما

فتدحرج

في

هواء البياض.

عصفورة بكت..

:كل شيء تعلمتهُ وحدي إلاّ..

بياض البياض

جففتْ جناحيها وحلقت..

:كل شي تعلمتهُ عرفت..

إلاّ.. حرية الأجنحة ...من يعرفها؟

:جدتي هذه طائرة شبح

لا عصفورةٌ!

جدتي أنظري .. إحترقت البصرة..

:أنظري ..

طائراتي تحرق البيوت

:هل بيتنا بين تلك البيوت ياصغيرتي

.. جدتي هذا.. (فديو كيم)

:عاصفة الصحراء!

أخلص للقول: إن تجربة (بلقيس خالد) تنطوي على العديد من المحددات النصية والإرتكازية كونها أي الشاعرة تمتلك الفرادة في هذا النوع من الشعر . وتؤسس لنوع يمتلك الممكنات التي تدفعنا التأمل كثيرا في تجربتها الغنية بعوامل الجذب والإرتقاء في حركة نصوص باهرة غفل نقاد الإنطباع عنها وراحوا ينأون عن تشكل ظاهرتها العراقية بل البصرية لأن صورها من المحيط البسيط المجاور والمتحول إلى عمق فلسفة التوليد لماهو قادم في سياقات الحرف مقابل الرقم لتنحسر بعد ذلك الجملة الكلاسيكية المكرورة هروبا من الملل والإرتجاج ودفعا لسأم الموضوعات السمجة الباهتة .. الشاعرة (بلقيس خالد) مشروع يشي بالكثير من الإبداع والتشكل بدءا من تشكل الرمل واستنطاق حركتة في التفاتة جميلة للصورة التي يتأتى منها الرمل في أطوار تشكله في نجاح باهر حين عملت على أنسنة الرمل وحددت  ملامح ارتقائه . وفي الارتقاء الثاني نجحت في رسم مشروعها الجميل وهي تبتكر الهايكو الخاص بها والذي أطلقت عليه الهايكو  العراقي و الذي نجحت فيه الشاعرة لرسم صورة حركية للحروف المهملة والتي أعادت استخدامها بشكل مغاير وفي الإرتقاء الثالث استطاعت (بلقيس خالد) أن تؤرخ لتأريخ مدينة ظلمت على مر العصور منذ أن كانت مدينة ينطلق منها الغزاة بحجة الفتح  إلى أن وصلت إلى ماهي عليه من البؤس ولم تتغير  . وأنا بعد قراءتي النقدية هذه وضعت أناملي على عصب التجربة الكبيرة التي رسمت خيوطها بدقة . وأنا لا أملك إلا القول بأن (بلقيس خالد) سيكون لها الدور الفاعل في رصد حركة التوجه الشعري النسوي وسيكون نجاحها مرهون بنجاح تجربتها الرائدة . إنها اللحظة التي نكتشف مقدرة شاعرتنا البصرية على الخلق والابداع محليا وعربيا وعالميا .

 

الناقد الاستاذ الدكتور ناصر الاسدي / جامعة البصرة / جمهورية العراق

 

حدث الرؤية والأداة عند الروائي المصري محمد اسماعيل جاد في رواية الورشة ما يتعلق بالجنس الادبي وفي الرواية حصراً وسياقها الزمكاني الذي نشأ فيه الروائي باعتباره اختياراً حتمياً، ولم يكن هناك أي تردد، ولكن دون أن تتجاوز الحفريات الشخصية الادبية والروائية حصراً. هناك الموقف المشيدّ للحدث الروائي، وقوامه المزاوجة بين الإفادة والإطراح ومن أجل أن نرى الإفادة من القوانين السسيولوجية التي حددها الروائي عبر الرؤية الجادة والصادقة في ابداعه الروائي وصياغاته الحتمية للواقع السسيولوجي ، وكيف كان الروائي يستلهم الظروف الاختلافية التي احاطت بالحدث السسيولوجي، فالروائي بهذه الرؤية المرتقبة، هو يستكمل الكشف عن حضور الموروث بل التحريض عليه عبر هذه الرؤية من منظور تأسيسي يعد غاية في التفصيل والإبانة والاستكشاف لمنطق الرواية وبالحس السيكولوجي ومرجعياته. الصياغات التأسيسية للحدث الروائي عند الروائي محمد إسماعيل جاد يتشكل الحدث الروائي عند ما يكون الربط بين الانسان وبيئته وفعاليات هذه البيئة، والروائي جاد لم يكشف عن التساؤلات حول العلاقة العضوية بين الانسان والانماط الحياتية الكامنة داخل النسيج السسيولوجي ، فكان هبوط الروائي داخل هذه البيئة المليئة بالملذات والاشكاليات ، وقد كنا نملك رؤية نقدية لذلك التصور في مرحلة سابقة في الراوية العربية والرواية المصرية حصراً، وكان الاستجلاء الدراماتيكي سسيوسيكولوجيا من الناحية الافتراضية ، فعلى سبيل المثال في رواية الورشة ، نتعرف على مفاهيم مثارة دائماً في حاضر الرواية المصرية من خلال علاقة الفرد والمجتمع أي أن المجتمع هو المؤثر في الفرد رغم عدم تكافؤ الوزن بين الاثنين في إطار الفائدة الاجرائية، هو مفهوم النهائية في الحدث وامتداداته في شخصية "سالم" بطل رواية الورشة. وتعد شخصية سالم هي شخصية الخبرة بتعارف المفهوم الصالح لذلك التعريف الاجرائي، وشخصية البطل في الرواية الحديثة هي شخصية التلاشي (Vanishing Hero) بعد أن سيطرت الشخصية المحورية على المشهد في الرواية الكلاسيكية.([1]) كذلك شخصية أم طراوى، وشخصية سالم تتفاوت في قيمتها ، باعتبار أن سالم كان سجيناً سابقاً ومريض بالسكر إضافة إلى حساسيته المفرطة "حين يتأمل سالم جدران غرفته سرعان ما يتذكر جدار السجن" (ص8) وهي الحساسية التي يتجسد فيها سالم مصيره هذه الحساسية هي التي تقدم له العون في مسار مغامراته. وسالم كان دائماً يعمل على إزاحة التنظير من أي نوع كان حتى يلحق بالمفهوم الميتافيزيقي، كان والد سالم يحب البطاطس بعد حبه للبيرة المثلجة، وانتهائه من تأليف المقطوعة الموسيقية على آلة الكمان بعد اختيار المراجعة إذا لم تكن هناك محاكاة خارج هذا الاسلوب الاختباري ، والحدث في المشروع الاجرائي سسيولوجياً، هو موت عبد الناصر الذي يعتبره سالم الحدث الاهم فهو يعين كل افق من آفاق هذا البطل الاسطوري بالنسبة إلى سالم عندما كان طفلاً مع والدته، وينقلنا الراوي إلى شخص (أم طراوى) بعد موت زوجها إبراهيم المناضل السياسي ودخول أبنها الوحيد طراوى السجن بسبب عمليات التزوير لجوازات السفر في لحظة اختبار ومراجعة للذات، قررت ام طراوى التوقف عن بيع البيرة، وهذا الموضوع أثاره الروائي للتعريف بالبنية التركيبية لخصائص الرواية في حدود الاحداث ، حيث الحدث السسيولوجي للظاهرة.([2]) هناك الاستمرارية في الاسترسال السردي للروائي في وصف المكان حتى يأتي الحدث الموضوعي بموت جمال عبد الناصر والاسترسال لهذا الحدث يمتد من (ص:1 إلى ص:16) ثم تأتي فترة الانفتاح في زمن محمد انور السادات بعد إنقلاب 14 مايو من العام 1971 على الناصرية، حيث يصف الروائي النسيج السسيولوجي المصري في تلك الفترة من الانفتاح أما أغنياء أو فقراء يعيشون على ما يرميه الاغنياء، أو أقوياء جداً أو ضعفاء يخدمون تلك السلالة التي أوجدها عصرا الانفتاح الساداتي. وتم تحديد هذه الظاهرة من الناحية التركيبية الاجرائية ، من خلال الااحداث أو استحداث الظاهرة والتعرف على خصائصها، في الرواية هناك شخصيات تظهر بشكل من الخبط العشوائي مثل شخصية حسن الخفيف وجمال منازعة نتيجة لحشر "الفلاش باك" في زاوية ضيقة، ويبدأ الدخول الزمكاني من خلال شخصية سعدية، إضافة إلى هذا فإن الرواية تشكلت بعناوين مع الغوص في تلافيف الزمكان، ومن المؤشرات النقدية الاخرى في تقنيات هذه الرواية، هو ذلك التداعي للذكريات سواء من خلال دخول ضابط المباحث ورميه للصورة إلى تداعيات ذكريات سالم وإنفاق حسن المال الكثير ورفض سالم لذلك المال .(ص40) والروائي جاد إستعمل اللهجة المحلية العامية في "الديالوك" رغم إنقضاء المبررات الموضوعية لذلك "الديالوك" والموضوع ينقلنا إلى مدارات الصور المعلقة حيث تكون مركزية الرواية. المشهد الجنسي في الرواية فالمشهد الجنسي في الرواية لا يختلف عن المشاهد الاخرى في الازمة الجنسية في الرواية العربية والمصرية حصراً، فالآدب الاوروبي يعتبره رمزاً ، أما في أدبنا العربي لايزال يرزح تحت التعبير السسيولوجي باعتباره دلالة سسيوسيكولوجية. فعند نجيب محفوظ على سبيل المثال يتم تصوير المشهد الجنسي على أنه ظاهرة سسيولوجية ، ويشاركه في ذلك يوسف أدريس ، رغم االاختلاف في المنهجية الفكرية.([3]) يأتي المرتكز الاجرائي في رواية الورشةمن خلال مشهد الفتاة وحسن مقابل باب السطوح وإحتكاك جسم حسن بجسم الفتاة ، ومن ثم احتكاك جسم سالم بجسم الفتاة حتى افرغا الاثنين، هذا المشهد الجنسي العنيف في الظاهرة السلوكية هو الاكتشاف المبكر للمشهد الروائي عند محمد اسماعيل جادوعلاقة كل ذلك بمشهد الرواية من الناحية المركزية ،وهذا المشهد يذكرنا بالمشهد الجنسي في رواية حيدر حيدر الروائي السوري (وليمة لاعشاب البحر) مهدي احد الشخصيات في الرواية مع فلة العنانبية، عندما أمسكت فل العنابية بالقلم وبدأت بدلك بظرها أمام مهدي المأزوم سيكولوجياً حين خاطبته (إذا كنت رجل اصمد) ولم يصمد سالم أمام الفتاة، لكن مهدي في رواية وليمة لاعشاب البحر تقرفص في زاوية من زوايا الغرفة وأخذ يرتجف ، وفي إطار هذه المركزية في الرواية يأتي موت ابو سالم "بالفلاش باك" اي بتداعي الذكريات، ومن المعروف نقديا ان هذا المشهد يكون موقعه في تلافيف السيناريو لا في الرواية ، لأن الفلاش باك ليس من صناعة الرواية إنما من تفاصيل السيناريو وحتى في تفاصيل السيناريو يكون ثقيلاً من الناحية الدرامية أي أنه يثقل العمل الدرامي، وقد أشرنا إلى هذا وحددناه من (ص62 إلى ص68 ) وهذا خلاف منطق الرواية. اضافة إلى ذلك ، لقد كان بناء الرواية على تفاصيل السيناريو ومقطعة حسب المشاهد في السيناريو اي دراما تفاصيل السيناريو. الورشة وتسمية رواية الورشة، يطلق على مجموعة من اللصوص يسافرون في معظم المواسم الدينية مثل "العمرة" و"الحج" مكونين تشكيلاً عصابيا يسميه أهل الكار "الورشة" (ص71)، وكان والد حسن يلقب بالهفاف وهو متخصص بسرقة الحقائب داخل السيارات والمحلات، ولكن والد حسن كان يسرق خارج البلاد وليس داخل البلاد، [لأن السرقة خارج البلد حلال وداخل البلد حرام؟) (ص71).. والاشارة الاجرائية عند الروائي جاد تنطوي على تعريفات أخرى للورشة "هناك ورش أخرى كثيرة تهاجر إلى بلاد مثل "أيطاليا، وتركيا، ولبنان" "هناك ورش اخرى كثيرة تحضر للسعودية ومن بلاد مثل "الهند والباكستان وبنكلادش وبلاد عربية كي تسرق في المواسم" (ص74). تداعي مركزية الفلاش باك ويرجع بنا الروائي جاد إلى تفاصيل الورشة إلى حادثة الشجار من أجل بطة الجميلة بنت حمدية والتي هي من أعضاء الورشة "ستسافر مع العصابة المتجهة إلى السعودية"(ص77) ، هذه التفاصيل يسردها الروائي على طريقة "الفلاش باك" وتتكر هذه المشاهد من خلال نظرة سعدية إلى صورة بطة المعلقة على الحائط في غرفة سالم. الارادة في الاخضاع للعمل الروائي من خلال ما تقدم، نقول ان العمل الروائي كلا متكاملاً حدوده تتصل باللانهائي حتى يصبح العمل الروائي ضرورة تركيبية في إطار الفعل البعدي، سواء من خلال لقاء بطة وسالم لطلب الزواج أو رفض حسن من قبل بطة لأنه ابن ورشة أو رفض واقع حمدية المشتركة في الورشة، ومن خلال علاقة بطة بسالم وعلاقة سالم بسعدية، وفي كلا الحالتين كانت تفاصيل مزدوجة في شخصية البطل سالم الذي يعاني من إشكاليات عديدة منها: المرض السكري والاستنزاف البلولي، علاقة سالم بسعدية وزواجه منها، وعلاقة سالم ببطة وحبه لها. وعلاقة بطة بوالدتها حمدية المرتبطة بالورشة ورفضها لهذه السلوكيات ، حيث كان تعلقها بسالم لأنه يمتلك الحس الإنساني رغم مرضه. هناك تفاصيل شخصية لسعدية البائسة التي كانت تتمنى أن يكون لها طفل من سالم. وحب حسن لبطة ورفض بطة له لأنه منتمي إلى شبكة الورشة ، كل هذه التفاصيل تتشكل بشكل درامي في هذه الرواية ، لكن من جانب آخر لم يربط الروائي هذه الإشكاليات بشكل درامي وفق ملكة سردية ترسندالية، إضافة إلى هذا فإن الروائي استعرض هذه الاحداث دون صياغة ربط سيكولوجي بين هذه الشخصيات وما تعانيه داخل هذا المعترك الروائي وما تتصف به كل شخصية من هذه الشخصيات بشكل حفري وحرفي، إلا أن الروائي إقتصر على وصف المشهد والحالة، وسرد الموقف الدرامي دون الخوض في تفاصيل هذه الشخصيات من الناحية السيكولوجية وعندنا مثال على ذلك هي رواية (ثرثرة فوق النيل) لنجيب محفوظ هو كيف قدم شخصية رجب، والشخصية الصحافية للفتاة في العوامة أو ما حصل في الثلاثية في شخصية البطل أحمد عبد الجواد، هذه الشخصية المزدوجة ، هناك لغة خفية يظهرها محفوظ بشكل جلي مع المحافظة على منطق الحوار بين شخصيات الرواية، إضافة إلى كل ذلك، هناك شطحات واضحة للعيان في (ص:132) على سبيل المثال ، عندما يظهر لنا صوت الراوي بالكوموفلاج) . حيث يظهر الراوي بشكل مباشر (كذبت حمدية وقتها على السايح بخصوص المال فكما خانت حسن ووالده قررت أن تخون السايح في الدولارات" (ص:132) . ويتصاعد العمق الدرامي في الرواية بين حسن وحمدية وخيانة حمدية لوالد حسن واصابع الحشيش " ثم انحنى أمام زميله مقدماً مؤخرته له، إتجه الشاذ الثاني وفي يده علبة كريم، فتحها وأخذ بعضاً منها واقترب من الشاب المنحني ودعك مؤخرته من الداخل والخارج بالكريم ثم إتجه إلى المنضدة التي عليها أصابع الحشيش وأخذ بعضها واتجه نحو زميله المنحني ثم وضع يده اليسرى على مؤخرة الشاب واصابعه تفتح ثقب مؤخرته ، وبيده اليمنى بدأ يحشر اصابع الحشيش داخلها، فعلها عشرة مرات بعدها أرتدى الشاب الملابس ، تبادل الثلاثة الأدوار إلى أن انتهوا من حشر كل كمية أصابع الحشيش داخلهم، بعدها القى الجميع التحية على الونش وحسن وانصرفوا في عجالة "(ص:139) . في هذا المشهد هناك قدرة على التصوير داخل إطار من التجربة والطرح العادي المتميز في البحث عن استخراج المميزات الدرامية للموضوع المراد معالجته ، فكان الحكم الدرامي هو المشروط في الصفة المتباينة للذات والموضوع في إطار هذا العمل حيث وجود الذات وهي تتحرك في إطار رؤية درامية يظهر فيها الوجه التحديدي من الناحية الفلسفية . لقد كانت مهمة الروائي هي القدرة على معرفة الاستخدام الأمثل للفعل الدرامي كأداة للوصول إلى منطق تفصيلي يحقق وعي المحاولة في انتاج الكتابة الابداعية على أساس الموضوع لطموح ونوايا ومقاصد لما يمكن أن يقدمه الروائي من رؤية تقنية للفعل الجمعي داخل معترك الحياة، والروائي أحكم مفاتيحه بشكل ستراتيجي وثوقي في إطار تجريبي يشرح لنا من خلاله الحرية التي تعني الفوضى في زمن الانفتاح والطغيان المادي الذي سلب الحريات، حيث أصبح المجتمع المصري تسوده الفوضى عبر دوجماطيقية طغيانية وتجريبية فوضوية وهكذا "إنفض غشاء بكارة بطة" (ص:148). وهكذا انتهى الروائي محمد اسماعيل جاد رواية الورشة في [منلوغ] بين المولود وصورة بطن سعدية. "انت مصر تبجي ليه؟ عاوز تحب وتـتحب، خلاص يا ابني الحب ده كان زمان"(ص:156) فكان الرجوع لسالم إلى جدران الصور وسرير الولادة، فكانت بداية جديدة لسرير الطفولة ونهاية سعدية لذكريات اليمة، وسعدية بوجود الوليد.

 

بقلم: الدكتور علاء هاشم مناف

.......................

([1]) احمد إبراهيم الهواري، البطل المعاصر في الرواية المصرية، وزارة الاعلام العراقية، ط1، 1976، ص37.

([2]) جوزيف كامبل، البطل بالف وجه ،ترجمة: حسن صقر، دار الكلمة ، سورية دمشق، ط1، 2003، ص85

([3]) الدكتور غالي شكري، ازمة الجنس في القصة العربية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ط1، 1971، ص317.

 

jawdat hoshyarتوطئة: ما هو الأدب العالمي؟ وهل ثمة مضمون حقيقي لهذا المفهوم؟ . قد يتصور البعض ان النتاج الأدبي الرائج في بلد ما، والذي يترجم بعد فترة وجيزة الى عدد من اللغات الأجنبية يدخل على الفور الى الرصيد الذهبي للأدب العالمي، وهذا وهم وقع فيه كثير من المبدعين والنقاد في بلادنا . المسألة ليست بهذه البساطة، بل أعقد من ذلك بكثير، وهي مثار جدل بين الباحثين الغربيين منذ عشرات السنين ولم تحسم حتى يومنا هذا .

ورد مصطلح "الأدب العالمي" لأول مرة على لسان غوتة، الذي قال خلال حديث مع صديقه ايكرمان في العام 1827: " أنا مقتنع بأن أدباً عالمياً أخذ يتشكل، وأن جميع الأمم تميل الى هذا .. اننا ندخل الآن عصر الأدب العالمي. وعلينا جميعاً الأسهام في تسريع ظهور هذا العصر".  وفيما بعد عاد غوتة أكثر من مرة الى تناول هذه المسألة . 

ولكن ولادة هذا المصطلح لم يأت من فراغ، فقد كان دانتي قد أشار في دراسة له بعنوان «حول الملكية» الى وجود حركة ثقافية عالمية، كما تحدث العديد من المفكرين والفلاسفة والأدباء الألمان والفرنسيين عن التجربة الأنسانية المشتركة . تحدث شيللر عن مفهوم "التأريخ العالمي" وهيجل عن مفهوم "الروح العالمية "

 نظر شيلر الى عصره (القرن الثامن عشر) كبداية لتمازج الأمم المختلفة في مجتمع انساني واحد واعتبر نفسه مواطناً عالمياً .وقد أثرى ممثلو الرومانسية (بايرون، شيلي، وكيتس، وورد  زورث)  مفهوم "الأدب العالمي" . وتعزز هذا المفهوم وتعمق في القرن العشرين، عندما توسعت الأتصالات الأدبية بين الأمم، وبدا واضحاً وقائع التأثير المتبادل، والتماثل الطوبولوجي في العملية الثقافية على مستوى العالم .

على مدى زمن طويل، كان ثمة محيط خاص ولغة خاصة للأدب العالمي. أما الآداب المدونة باللغات القومية فقد كانت تحتل مواقع هامشية . وكانت اللغة اللاتينية وريثة شرعية لجدة أغنى هي اللغة اليونانية، التي كانت بدورها وعبر عهود طويلة تقوم بدور اللغة الأدبية العالمية . وكان مفهوم الأدب العالمي بالنسبة الى اللغتين اليونانية واللاتينية يعني المظاهر الروحية ذاتها التي ينطوي عليها مصطلح "الأدب العالمي" اليوم 

 

مفهوم الأدب العالمي:

مصطلح الأدب العالمي، يتسم بالغموض، وليس له تعريف محدد أو مفهوم واضح متفق عليه بين الباحثين.. ولو راجعنا الموسوعات العالمية بحثا عن مفهوم هذا المصطلح، لوجدنا إختلافا كبيراً بين موسوعة وأخرى. ومع ذلك يمكن القول ان ثمة اربعة تفسيرات اساسية لهذا المفهوم وهي :

الأول: المحصلة الكمية للآداب القومية لكافة الشعوب طوال التأريخ البشري، بصرف النظر عن المستوى الفني والجمالي لنتاجاتها . بيد أن هذا التعريف يجعل من الأدب العالمي شيئاً غامضاً وفضفاضاً، لا يمكن حصره ويصعب دراسته .

الثاني: جماع النماذج الأبداعية المختارة، التي ابتدعتها البشرية بأسرها. وبهذا المعنى فأن مفهوم الأدب العالمي لا يشمل النتاجات متوسطة القيمة أو الظواهر السطحية الشائعة في الآداب القومية، وإنما يقتصر على الآثار الإبداعية ذات القيمة الفنية والجمالية العالية . ولكن ها هنا تنهض مسألة أخرى: هل يمكن القول ان الأعمال الأدبية الرفيعة لكافة شعوب الأرض تنتمي الى الأدب العالمي . يرى بعض الباحثين الأوروبيين، ان الأدب الأوروبي الكلاسيكي والمعاصر هو الذي يمثل الأدب العالمي . وأنصار هذا الرأي لا يتحدثون عن أوروبا كمفهوم جغرافي، بل يتصورونها كمفهوم روحي . وهذا يعني بالضرورة ان الأدب العالمي هو الأدب المشبّع ب" الروح الأوروبية " وان هذا الأدب لا يمكن تمثله الا من خلال منظور الثقافة الأوروبية . وهذه وجهة نظر أوروبية ضيقة . ويرى هؤلاء، ان آداب الشعوب الشرقية تقع خارج نطاق الأدب العالمي، لأن نتاجاتها لم تصبح بعد في متناول أيدي البشرية بأسرها . ويرى البعض الآخر منهم إن الآداب (الهمجية) الغريبة لا تنتمي الى الأدب العالمي. ويدعو الى نبذ الفلكلور وطرحه خارج نطاق روائع الأدب العالمي. ولا شك أن مثل هذه المزاعم مرفوضة تماماً . صحيح ان الفلكلور لا يدخل  في الأدب العالمي على نحو مباشر، ولكن مما لا ريب فيه ان شعراء مثل هايني وبيرنس ويسينين  قد ترعرعوا فوق تربة الفولكلور وان نتاجاتهم جزء من الأدب العالمي .

الثالث: عملية التأثير والإثراء المتبادل للآداب القومية، والتي تظهر في مرحلة متقدمة من التطور الحضاري للبشرية . وهذا ما نلمسه بوضوح في اشارة غوتة الى الدور الذي يلعبه  الأدب العالمي في توطيد أواصر العلاقات المتبادلة بين الشعوب . يقول غوتة : " اننا نود أن نعيد الى الأذهان من جديد ان مسألة توحيد العقليات الشعرية امر مستحيل . فالحديث هنا يدور حول تعريف الشعوب بعضها ببعض، وليس عن أي أمر سواه . وحتى اذا اخفقت الشعوب في اقامة علاقات محبة متبادلة فيما بينها، فإنها ستتعلم في الأقل كيف تتحمل بعضها بعضاً

ان التقدم التكنولوجي، وخاصة في مجال الأتصالات ووسائل الأعلام الحديثة قد ساعد في تقريب ثقافات الشعوب المختلفة وآدابها وفي النضج السياسي والتكامل الروحي على نحو متسارع بمضي الزمن،.ولا نعني بذلك زوال الحدود الجغرافية أو ابتذال القيم  وضياعها، بل التفاعل الهارموني لكافة القيم .إن الشخص الذي لا يرى في الأدب العالمي سوى سلسلة من المؤلفات الشامخة، سيدهش للفكرة التي مؤداها إن أدب كل شعب ينبغي أن يجد مكانه ضمن الأدب العالمي

الرابع: الصفات العامة التي يتسم بها تطور آداب مختلف الشعوب والمناطق في جميع العصور : كان مكسيم غوركي أول من أشار الى وجود مثل هذه الصفات حين كتب يقول " انه لا يوجد ادب عالمي لأنه لا توجد لحد الآن لغة مشتركة بين جميع شعوب الأرض، ولكن الأعمال الأدبية لجميع الكتاب "مشبعة بوحدة المشاعر والأفكار والآراء  الإنسانية العامة . وبوحدة الآمال لأمكانية تحقيق حياة أفضل . ولعل هذا التفسير هو الأقرب إلى الفهم الحديث للمصطلح. ونحن ندرك اليوم بجلاء ان القيم الشعبية والقومية الحقيقية هي في الوقت ذاته قيم انسانية شاملة.

 

الأدب بين القومية والعالمية:

إن النماذج الأبداعية تصب في شرليين منظومة الأدب العالمي بطرق ووسائل شتى . النتاجات التي تتميز بسماتها الفكرية والفنية العالية،  تتجاوز الحدود الفاصلة بين الشعوب وتصل الى حمهور القراء في البلدان الأخرى، الذين لم يسبق لهم قراءتها، والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية . الباحثون الألمان ادركوا عظمة شكسبير وشرعوا في الترويج لها على نحو أكثر توفيقاً من زملائهم الأنجليز .ولم يقرأ الناس شعر عمر الخيام - الذي أدهش العالم - الا بعد ظهور ترجمة فيتزجيرالد .

 إن معظم الأعمال الأدبية تصل الى القراء عن طريق الترجمة، وثمة علاقة واضحة بين الأتصالات الأدبية الدولية النشيطة في أيامنا هذه وبين الأهتمام الساخن بالقضايا النظرية للترجمة الفنية . ولا شك ان النتاجات الأصيلة قد تفقد شيئاً من بريقها بعد ترجمتها، بيد أن هذا الخطر يظل قائماً في الحالات التي تقرأ فيها من قبل قراء لا يتقنون اللغة التي كتبت بها . ولا شك ان مبدعي الأدب في كل بلد هم الكتاب والمترجمون على حد سواء .

ثمة نتاجات تصبح جزءأ من الأدب العالمي بعد مضي فترة وجيزة من نشرها، ونتاجات أخرى لا تصبح كذلك، الا فيما بعد، وأحياناً في زمن متأخر للغاية، والبعض منها ينتظر دوره في الوصول الى المجد العالمي، ولكن دون جدوى، لأن الوصول الى العالمية يتوقف على أمور كثيرة . ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ باللحظة التي يصبح فيها هذا الأثر الأدبي أو ذاك جزءا من الأدب العالمي . ومن السذاجة ربط هذه اللحظة ببعض الحقائق، كظهور ترجمة لعمل أدبي ما  في خارج البلاد أو الإشارة الى الكاتب في هذه المناسبة أو تلك خارج بلاده . وهذه تفصيلات قد تتفاعل وتشكل بداية لولوج الكاتب ساحة الأدب العالمي حين تكون نقطة  انطلاق لعملية عضوية حية ولا تظل مجرد حقائق عرضية. في هذه اللحظة فقط يمكن اعتبار العمل الأدبي جزءاً من الأدب العالمي .

ان الوصول الى العالمية لا يعني البقاء فيها الى الأبد .فعلى سبيل المثال نرى أن اناتول فرانس دخل الأدب العالمي منذ البدء، بينما نراه في العقود الأخيرة يلفظ خارجاً ليحتل المرتبة الثانية . وكذلك  جورج ويلز، الذي لم يلق في بداية الأمر صعوبة في دخول الأدب العالمي، ولكن أين موقعه اليوم؟ أنه في الواقع خارج إطار هذا الأدب . وعلى هذا النحو نرى ان مدى الإعتراف بكاتب ما قد يتعزز أو يتراخى، بل وقد ينقطع لفترة قصيرة أو الى الأبد . الكاتب الذي يظل حياً في الأذهان هو الذي تصمد أعماله الأبداعية أمام الزمن وتعاقب الآراء والأجيال واجماعها على قوة هذه الأعمال وفرادتها .

ومما لا ريب فيه ان عزلة الأدب القومي عن الآداب الأخرى  يؤدي الى تأخره، والنجاحات التي حققتها الآداب القومية عبر التأريخ كانت بفضل اعتمادها على الإقتباس من الخارج واستيعاب وهضم وتمثل هذا الإٌقتباس من اجل تحقيق أكبر قدر من التعبير الذاتي بمعونة الآداب الأخرى أو في الصراع ضدها .

ان مكانة الدولة في العالم ونفوذها السياسي والأقتصادي وعدد سكانها ومدى انتشار لغتها، تلعب دوراً كبيراً في الأعتراف العالمي بكتابها الذين يعكسون حياتها الروحية في نتاجاتهم. أما آداب الشعوب الصغيرة واللغات قليلة الإنتشار، فإنها تحتل مواقع أسوأ بكثير نسبياً من آداب الشعوب الكبيرة، واللغات واسعة الإنتشار من حيث الأعتراف العالمي بها .

ليست ثمة آداب عالمية متعددة، بل أدب عالمي واحد على الرغم من ذيوع رأي خاطيء يقول بوجود هوة بين ما يسمى " الروح الأوروبية " من جهة وبين " الروح الآسيوية " أو " الروح الأفريقية " من جهة أخرى . ان الذين يعتنقون هذا الرأي يعالجون وضعاً تأريخياً معيناً ويتناولونه كوضع ثابت لا يتغير بمضي الزمن .وبالطبع فان هذا لا يعني ان الأدب العالمي وحدة يسودها الأنسجام، فثمة أمر واضح هو تشابه آداب مجموعة من البلدان من حيث التعبيرعن العالم الروحي اشعوبها . فعلى سبيل المثال نجد ان آداب بلدان أوروبا الشرقية أكثر تشابهاً فيما بينها من الآداب الأخرى . والآداب الأوروبية الغربية أو الأميركية الشمالية أو الأسترالية، هي اليوم أكثر قربا بعضها من بعض من آداب المناطق الأخرى. وكذلك آداب بلدان أمريكا الجنوبية  المدونة باللغة الأسبانية، فإنها تتأثر كثيراً ببعضها البعض, وهذا التأثير أعمق من القشرة اللغوية . بيد أن تباين ظروف الحياة يؤثر أيضاً وعلى نحو شديد في نحت ملامح كل أدب من هذه الآداب، وتحديد السمات التي يتصف بها .

ان اهتمام الجماهير في شتى أرجاء العالم بنتاجات اتجاه أدبي معين -  كالواقعية السحرية مثلاً - أو بظاهرة سياسية ما - كالإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية –يمارس تأثيراً قوياً في عالمية الأدب، ونعني بذلك، الدور الملهم للنجاح في التعبير الفني القوي عن روح العصر

 

ahmad alshekhawiإن شاعرا إشكاليا مثل سامي العامري تضطرّه أوتوماتيكية الآني وروتينه إلى صناعة عوالم موازية للحلم .على الدوام ثمّة سقف الرؤيا المستأثر بحصة الأسد من المنجز لديه، يجري الاشتغال عليه لتوجيه المعنى في خطّ ال ـــ ما لانهائي من خطاب بياض يعرّي الذات إلى دغدغة كامنة تلدغ بسخريتها العالم.

إنها فلسفة الكامن كمعادل للوطن في تبئير الظاهرة على دهشة إقحام ثيمة الحرية لتأثيث فضاءات شذرية مقتصدة اللغة و باذخة التصوير الفني وأغوى انتصافا للحسّ المرهف المغلّف بجراحات الاغتراب.

طاقة إبداعية هائلة تتوزّع بين هموم الشعر والقصّ والنقد. صاحب بضع مجاميع متمخّضة عن اختمار تجربة الموت الوشيك يفسح لأناشيد حيوات تتيحها قراءة الماضي في مرآة الراهن لتحصيل صياغة جديدة وإنتاج مغاير للمعطى الوجودي والإنساني ضمن ما يحقنه في الذاكرة تاريخ الهزائم و تزعزع الثقة به لحظة هي أشبه بمقاضاة أعوام تداول الوهم.

كأن يقول:

" ولقد خبرتُ الوهم حتى صرتُ من طلاّبهِ 

واليأسَ حتى صرتُ من أحبابهِ 

لكن أجمِّلهُ 

أسمّيه انعتاقْ .' "

فسقف الحرية حسب تصورات شاعرنا، ليس يعلو عليه عدا معنى الإنسانية باعتبارها نواة بناء القصيدة من الداخل وملحها الذي لا نكهة من دونه لموائد الكلام.

كما وقفزة الحرف من الحلق تفضحها فلكلورية التعتيم وعدم الإقناع ما لم تنمّ وتفصح عن سندبادية تضمن لها تجليات الهجرة الروحية كغاية أسمى من الممارسة الإبداعية لدى صوت مهجري رصين ونوعي جداّ برغم كونه مكثارا في القول الشعري المتماهي مع الإيقاعات العروضية والتفعيلية على نحو خاص.

وطبعا، غير المطعون  بمأساته، ذبيح هويته، لا يأنس كثيرا بالبحر كمكون طبيعي مفتوح، هاهنا، على بكائية المشهد، والعجز الذاتي، و شقلبة قواعد اللعب مع الآخر كمتهّم،تجري على لسان أدبيات المقارنة والمفارقة بين نظامين شرق/ غرب،  مقارعته كآخر غير منفصل عن الذات ومحاججة ما يلوك ــ بنعرة غجري ـــ حتى لا أقول عقلية شرقي، من زيف أيديولوجيات طائفية تفتيتية تلتهم الأخضر واليابس و تصيب الوطن في مقتل.

هكذا، ومن شرفة الغياب، يبدو الوطن على هيأته الطفولية البريئة، لتطالعنا الشّذرة متعثرة بنكهة الحنين، حنين قصيدة أيضا، للوطن وخبزه . هذا ما ترفل به الذات المغتربة في استسلامها الأبدي لنوبات جنون إدمان كتابة صادقة وجريئة تحوم حول جماليات شبحية طافية تلوّن أعين التلقّي وتغزو الأفئدة قبل العقول.

من ثمّ قوله:

" وأصيحُ بنوارسك:

ثقّبي قاربي بمناقيرك يا مناجل البحر

فيغترف السّمك/ موجا يُخلّفه قوامك

ونحن وخبز الوطن

مناديل مشرعة على الحنين.' "

هو تهيّب شراك زمن دوّار النواعير بما لا تشتهي الذات العيية من تبعات مصير الانكسار، مما يعلّل حسّ الرّفض عن وعي  ويحيل على خربشات  ضرب من الصعلكة الإبداعية في تتنفس ملامح البديل،عبر رئات المتخيل المحاكي لواقع  الاكتظاظ العبثي والمنافسة المتوحشة في العادي والمألوف .

وهو صلب ما يرقى فوقه شاعرنا روحا وفكرة ورؤية. ليرسّخ في أذهاننا شعرية أنسنة الكائن الورقي، وشحنها بنعوت البشر، كرهان على البناء السريالي للقصيدة لكن بنكهة التقاط أدق تفاصيل الواقع وضخّ نبض اليومي وفتات الهامشي في صلصال ما تجود به قرائحنا وإن في الحدود الدنيا لتعرية جوانية مسوّقة للمعاناة.

" نواعيرُ مدّتْ بكلِّ الثغورِ

رئات

فعادتْ شِراكًا

لأنّ هوائي طريدُ.' "

..............

" أُجيّشُ الجيوشْ

أزرعُ ألغاماً وأنغاماً

ومن ثدْيَيَّ أُرضعُ الوحوشْ "

التحام أنوي مطبق بسياقات غرائبية تشي بوجوم مبرّر وانقلاب على سماسرة تحويل الأوطان واختزالها في مجرّد بقرة حلوب حلفها وتكاليف إسطبل رعايتها من جيوب الشعوب ونبيذ جلودهم، أما ثمرة ضرعها للحشد المبجّل وهمه، بلغة أنا الدولة، ولصنّاع إيديولوجية ما لله لقيصر.

" ما لي ولِلحشدِ المُبَجَّلِ وهمه/عمري سؤال مثل سجن رحبِ

تعساءُ رُوحهم فجسومهم/ والأفُق أضيقُ من حفائرِ الضّبِّ

أمّا معاصرهم فهل أعطى لنا/ صُنبورُها إلاّ عصير الذّئبِ "

............

" وإنّما جوعٌ أنا،

جوعُ الحياةِ إلى الحياةِ،

نشيدُها، "

...........

هذيانات تعانق روح التجربة " السيابية " فتلتقي معها في جوع وضياع وعطش فعل الاغتراب وجدانا وجغرافية وذاكرة،وربما تزيد عليها شذرات العامري في تشكيل المعنى وتلوين الفكرة عبر نقلها إلى مستوى أعمق من حيث التعاطي مع أزمة الهوية والكينونة المفتوحة على أسئلة وجودية جمّة.

 

أحمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

qusay askarحين طالعت قصيدة الأديب ماجد الغرباوي اكثر من مرة راودتني فكرتان دفعتنا بي الى تامل نفسي وتأمل القصيدة فتساءلت:

هل يحق للناقد ان يراهن على كلمة في النص؟

أقول نعم اذا كانت الكلمة تستحق الرهان، وقد راهنت منذ البدء على كلمة النار :

النار مصدر النور، في الفلسفة الطبيعية اليونانية  فليس الماء - وفق رأي اصحاب ذلك المذهب - ولا التراب ولا الهواء أصل النار بل هي نار خفية لطيفة لا تدرك بالحواس لكن يعتريها وهن فتصير محسوسة  ويبدو ان الوهن الذي يعتري النار يمكن ان يكون الوشاية:

ويستعيد مزمارًا

سرقته نار الوشاية

ويبدو ان النار المقصودة قد مرت بمرحلة وهن سابقة فاعترتها الوشاية التي أميل الى تعني في هذه اللقطة الشك  لتصير محسوسة. لقد بدأت من اخر النص وها انا اعود الى بداية المقطع اي انني قرأت النص بالمقلوب لاروض النار يقول الشاعر:

في مراياهم المقعرة

ذوت مصابيح الحانة

هي المرحلة الاولى من علامات الوهن والضعف اذن هي الحانة والمصابيح وهناك الحرف - شكل الكلمة البصري الذي يحولها من صوت الى بصر- الذي يتخذ شكلا مقعرا اي يمتد الى الداخل فيعني الماضي اذ يمكن ان نجعل القعر ماضيا والمحدد مستقبلا اما الذي كان مقعرا فقد تجسد صوتا داخل تلك المرايا لنبصر  النبي داوود يرتقي   الى الفجر بالمزمار نفسه:

استيقظي ايتها الرباب والعود

انا استيقظ قبيل الفجر

أحمدك بين الشعوب يارب ( المزمور ١٨٠)

ان نار الشاعر الغرباوي هي نور اعتراه ضعف التامل فأصبح يشيع البهجة والسكينة ولا يحرق ، ضعف هو مكمن القوة الإيجابية التي تحول القلق الى سكينة . كم هو قوي النبي داوود الذي لان له الحديد (والنا له الحديد) "سبا/١٠" لكنه  امام النور النار والمزمار يبدو ضعيفا مسالما رقيقا .ان نص الغرباوي يدفعنا للمراهنة مع اكثر من نص قديم وحديث في مقارنات وموازنات ياتي شاخصا في جوهرها موضوع المعاناة من خلال  السلام ونعومة العالم التي تكاد تضيع في خشونة صاخبة تستهلكنا كل يوم ، ولَك ان تتخيل ذلك مادمت في مرحلة المغامرة حيث جاءت مباشرة تتلو الرهان:

مــا جدوى ضفائر الليلِ!!

خيوط شمسٍ

ألليل حيث القتام والظلمة تكون الشمس ضفائره التناقض من خلال النعومة المتولدة عن الفجر يحل اشكالية وجوده بنفسه، الم يكن الوضع قبل ذلك وفق الشكل الذي نبه اليه حامل الآلام النبي أيوب:

يكشف الغمائم من الظلام ويخرج ظل الموت الى النور (سفر أيوب ١٢/٢٣)

ثم بعد المراهنة سالت نفسي هل يمكن ان أغامر على كلمة اخرى تعادل بمدلولها النارفاكدت لي التجربة امكان ذلك لأنني بدأت من النهاية الوقفة النقطية جعلتني استعرض النص لتقع رؤياي على اخره فانطلق منه قد تكون الخاتمة هي البداية في كثير من الأحيان حين ندخل في الرهان نرى ان المغامرة في النص تتطلب الا ننطلق من النهاية بل من اية نقطة كانت ماعدا الختام فتصدت لنا كلمة الضوء:

آلهةُ المعابدِ الرُخامية

تركوا البابَ موارباً

فتسمّرَ الضوءُ!!!!

يعانقُ أوهامَ الحقيقةِ ..

ونبوءة المرمى الأخير

تُمزّقُ  اكفانَهُ البالية

ماذا يجد قاريء النص هنا بعد ان راهن فدخل النص من الختام يجد المعاني التالية:

الزمنكان في آلهة المعابد تلك التماثيل الجامدة هي التي تركت الباب مفتوحا ولعله باب الماضي الذي يدخله كل بطريقته الخاصة: الشاعر العربي القديم وجده في الاطلال التي هي من اثار الزمن وفعله السلبي فينا فوقف واستوقف وبكى وحن، والشاعر المعاصر مثل نزار قباني الباحث عن جذوره وجد آلهة المعبد التي تركت الباب مفتوحا وجدهم في  غرناطة :

ما اغرب التاريخ حين أعادني

لحفيده سمراء من أحفادي

اما نحن المغتربين فقد وجدناه في حضارة لخصت الزمان بتماثيل في الشوارع وحدائق في المقابر، والتراث الاوروبي الجميل الذي ينطق بالحاضر ثم اعود اسأل نفسي أليس الاولى ان نعود الى أسطورة خلق العالم الإسكندنافية التي جسدت عملية الخلق بتحرك الجنوب الدافيء  المنير نحو  الشمال البارد المظلم فكانت الحياة من انصهارهما  فيستمر الصراع ويتحطمً العالم فينبثق من جديد وفق خاتمته  وهكذا نظل مادام هناك ظلام نور!

ان الضوء نفسه يتسمر مع كل مشهد نقف  عنده لنتأمل ، فهو واقعنا الظاهر وعالمنا الخفي او الباطن الذي يبصر ما لا تبصره عيوننا.

إذن نحن بين أمرين مراهنة ومغامرة استخرجنا من خلالها النور من الظلام والماضي الى الحاضر والحياة من السكون لذلك كان لابد لي ان أبدا من نهاية قصيدة النثر تلك التي بدأت بسطر موزون:

شاهقا كان المدى

فاعلات فأعلن

ليتوزع بعد ذلك إيقاع البداية الى موسيقى داخلية هادئة تشبه تحول النار الى فجر وخروج النور من الظلمة وهدوء مزمار داوود ذلك النبي الذي يخرج من الظلمة ليلاحق الفجر وهو يتحول من نار الى مظاهر  متباينة تهب الحياة وتبحث عن سر تألقها.

حقا ان النهايات في بعض الأحيان تدلنا على البدايات مثلما راينا في قصيدة " تسمر الضوء" شرط ان نراهن ونغامر من دون ان نضل طريقنا.

 

د. قُصي الشيخ عسكر

..................................

 

تسمّرَ الضوءُ / ماجد الغرباوي

شاهقا كان المدى

يتوسّدُ ناصية َالسماءِ

غارقا في هَذيانهِ

يَتَصَفحُ  جُرحاً

تقرَّحتْ زَفَراتُهُ العاتية

****

أي ذهولٍ ينتابُ شجرةَ الغِوايةِ ..؟

.

.

سرابا ارتدى

حُلْمُ المتاهاتِ القصيةِ

راح يتلو سورةَ الماءِ

وشيئاً من آياتِ الحطامِ

يستعيدُ بقايا موبقاتٍ

وثرثرات

****

مــا جدوى ضفائر الليلِ!!

خيوط شمسٍ

تَلعَقُ تَمتَماتٍ وَلهى

وأُخرى .. تستعرُ ناراً حاميةً

****

يــــالدهشة السؤال!!

.

.

آلهةُ المعابدِ الرُخامية

تركوا البابَ موارباً

فتسمّرَ الضوءُ!!!!

يعانقُ أوهامَ الحقيقةِ ..

ونبوءة المرمى الأخير

تُمزّقُ أكفانَهُ البالية

****

في مراياهم المُقَعَّرَةِ

ذَوَتْ مصابيحُ الحانةِ

فتلعثمَ الحرفُ

يشكو انبهار خيبته

وراحَ صفيرُ العاديات

يستبيحُ مأوى القداسةِ

ويستعيدُ مزماراً

سَرَقَتهُ نارُ الوشاية

 

...................

للاطلاع على نص: تسمّر الضوء لماجد الغرباوي

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2014/83033.html

 

في قصائد الحديقة العامة لسعدي يوسف تتشكل فاعلية سيكولوجية للصورة الشعرية، حيث يبرز النمو الداخلي للصورة باتجاه درجة بالكثافة، والإضاءة للومضة، وسعدي يوسف في هذه القصائد يتحرك وفق البنية المتشابكة في آثارها الكلية ثم ينفتح على بؤر الذكريات والحدود القصوى للمكان ليضيء أبعادها، وفي الوقت نفسه يقوم برفض حدود السياقات الدلالية داخل بنوية هذه القصائد ويستعير أهميتها من النسق الموصل إلى المعنى والمتواصل مع الصيرورة الشعرية كونها عنصراً دلالياً ويرفض في الوقت نفسه التصور كون الصور الشعرية تقوم بتحقيق فاعليات دلالية على مستوى المعنى، وعنده الصورة الشعرية هي أداة التوصيل للمعنى، والدور النسقي الذي قام به سعدي يوسف في هذه القصائد، هو التوصيل الحكائي المباشر ولكن بضوابط إيمائية غير مباشرة. من هنا كان سعدي في قصائد الحديقة العامة يتفاعل على المستوى الدلالي كون الصورة الشعرية هي التي تقوم بعملية التفعيل في هذه القصائد وفي أداء دورها عن طريق إحداث المعنى ذي البعد الواحد ومهمتها هو كشف الترابط بين المحور السيكولوجي، والمحور الدلالي ولتصبح الصورة الشعرية، هي الكشف عن الأنساق المتركبّة سيكولوجياً ودلالياً.

          مَنْزهُ الأنهار الثلاثةِ

The Three Rivers park

أشرعةً بيضُ

بجعٌ ابيضُ

غيماتُ خريف بيض...

ثمّتَ ما يجعلُ  جلدي مرتجفاً

أ هوَ المشهدُ في لون براءتهِ؟

أمْ هوَ ما أستمعُ؟

كان هديرٌ يخترقُ الجِِلْدَ

أ طائرةٌ

أمْ شاحنةُ ؟

أمْ هجّة قتلى يقتتلون؟

إن المسانيد الحقبية سيكولوجياً تتصف بالخاصة عند سعدي يوسف، فهو يُصْهر فرضية الذات التصوّرية أمام تلك الحجج المفترضة، ولشخص الإحالات البصرية بالفعل التعريفي في اكثر تلك التواردات الدلالية، فاللفظ عنده يعتمد التحديد في إجماله للمعّرف، لقد شخص سعدي يوسف المعنى اللفظي المتطابق بعمق الفرضية " أشرعةٌ بيضُ، بجعُ أبيض، غيماتُ خريفٍ بيض...." هناك افتراض اعتباطي للحدس اللفظي بطبيعته الثنائية " كان هديرٌ يخترقُ الجلدََ، أ طائرةٌ، أمْ شاحنةٌ ؟ أمْ ضجة قتلى يقتتلونََ؟"  هناك إستمرار لفظي يجمع المعايير المختلفة

الشمسُ تُسخّنُ في المرْج مراياها مراياها

والاشجار

كانّ ضحى الجنّةِ يفتحُ بوابتهُ.

إن معيار الإضافة يعطينا سمة التفاصيل الكتلية في اللّغة، رغم الاستعدادات القبلية لذلك المعنى الاعتباطي في الجملة الشعرية  " الشمسُ تُسخّنُ في المرْج مراياها والاشجار" فالمنعطف الذي يأتي بالصورة الشعرية عبارة عن تفاصيل للاشياء بما هي أشياء كتلية باللّغة رغم الاسترسال في توصيف المعنى، وكان المقطع الشعري كائن حي يسيرُ باتجاه قناة شديدة الإحالة ويسعى سعدي يوسف إلى تحديد ذلك التنوع الأطلاقي للصورة الشعرية.

هل أ دخلُ؟

نورسُ بحر من عَدَنٍ

ضلَّ ....

وها هو ذا يهبط مرتبكاً

بين البجع الأبيض

والاشرعةِ البيض

هناك تفاصيل لأشياء مجردة لها مجس لفظي سيكولوجي، فالمعنى يتعلق بالأشياء المعرّفة بالمكان، باعتبارها كلا سيكولوجياً محدداً بإسترجاعات تعريفية مرجعها حدود المعنى المراد توصيله، والصورة الشعرية تشكلت بالإحالة لأداة التعريف التي تحمل معناها المرجعي" هل أدخلُ؟ نورسُ بحر من عَدَنٍ" وهو الشيء المنطلق من المكان والقابل للتشخيص والتأويل لينتج النفي والانتقال إلى الفعل القبلي من الناحية السيكولوجية المباشرة لأنه تقصّى ذلك الفعل للنورس الذي تحددت تنويعاته الإحالية " بين البجع الأبيض والاشرعة البيض" من هنا تأتي وظيفة التوصيل الدلالية للصورة والمستوى الدلالي لبياض الأشرعة والبجع الأبيض وغيمّات الخريف البيض، فالتقابل للّون الأبيض يأتي من الشيء الذي يتمثل اختلافه في التطابق للّون الأبيض

العاشقتانِ تحت المظلّة

ربّما ارتوتا قبل أن تأتيا جنّة النار

          تحت المظلّة

أو ربمّا سوف ترتويان

إذا ما تمشّى النبيذُ الفرنسيّ كالبُرْء في الدم

والخدِّ

والراحتين

إن تشكيل هذه الصورة يشير إلى خاصية في التغاير، وهي تضمينات تتعلق بالمظلّة وبالارتواء الجمالي والحسي، قد يأتي متناسقاً في حالة الارتواء بالنبيذ الفرنسي، لأن الارتواء يخبر عن شيء حدث بالمعنى الجمالي لهذا المركب وهو يسير "كالبُرْء في الدم " و " الخدَّ، والراحتين،..." فالصورة في الحالة الأولى، هو وجودهن تحت المظلّة وقد أحستا بالإرتواء، وفي الصورة الثانية بعدما" تمشّى النبيذ" وهو الشعور الذي تضّمن عند الشاعر في مركب اللاوعي، لأنه أراد أن يقول: أن النبيذ هو السبب في إرتواء العاشقتان، وهذه الصورة حققت المعنى الوجودي للشاعر وهو المستوى السيكولوجي للصورة

المظلّة

أمْ هي تلك المحطة ذات الوصول؟

سلاماً .....

أقول لعاشقتين تمرَّغتا في هواء المظلّةِ .....

كان الشاعر سعيد يوسف يركز في قصائد الحديقة العامة على الخصائص الحسية للاشياء ويستخرج من تلك الأشياء عوالم من الاسترسال المرجعي داخل عمليات تخضع إلى الجوانب التعريفية، فالحدود التعريفية تضرب جذورها باللاوعي الإمكاني لتشكل ضرباً من الإسترسال، حدوده الاحتمالات، لأن العاشقتان قد تمرغتا " في هواء المظلّة ...."  وهو يصف هذه النهاية بغيوم خريفية

" كانت غيوم خريفية تعْبرُ الأفقََ"

 " والشمسُ دانية"

ويركز الشاعر على الجانب اللّوني في الورق الأحمر " في المماشي" هذا الوصف هو تعبير عن إنعكاسات على ذات الشاعر لإبراز الحس الجمالي ليصبح الشعر خلقاً وإعادة صياغة للوجود الإنساني إضافة إلى الخصائص الواقعية التي لا تنفصل عن الواقع الموضوعي ومكونات الحس السيكولوجي الذي يؤشر نقيضه في البعد الموضوعي، وسعدي يوسف يعيد الصياغات والبؤر السيكولوجية بطراوة وهشاشة تناقض واقع الغربة، وهي تجربة جديدة تحمل إنعكاساتها في البحث عن الأشياء داخل الأمكنة والأزمنة الأوربية المختلفة، والاسترسال المكاني في شعر سعدي يوسف يكاد يكون هو الطابع الذي يحدد مفهوم التجربة الشعرية في لندن بشكل خاص وهو مفهوم جامع لتلك التعيينات، وينتقل هذا الاختلاف تلميحا في قصيدة مقام عراقي وبستة

كان بليلي من شمائل دجلةٍ

والمياه تدورُ تقلّب حال

وفي دجلةٍ من طبْع ليلى أناقة

ونُضرْةُ وجهٍ مُتْرفِ وسرورُ

والشاعر يضطلع بالاشارة إلى دجلة التي يجمعها الشاعر ليس للذكرى فقط بل بالادراك المستمر فينومينولوجياً، وبغداد ودجلة عند سعدي يوسف كالوجود لأنه يتستحّضر البعد الفكري ي تشكيل المعنى، وهي اشارة إلى جوهر المعنى الفلسفي للمكان المقدس بالمعنى الفينومينولوجي، وكان المساق عند سعدي هو الاكتفاء بالتاسيس الانطولوجي للصورة الشعرية وبالتحليل المتعالي لبنية الوعي الذاتي الممتد موضوعياً في مهمة غير متناهية لأنه ينطلق دائماً من الطابع الاستكشافي للحس وأتخاذه مساراً للبنية الزمكانية التي تتمتع بالتجربة الواعية للمكان لأنه الهم

وَصلنا اليومَ، بعد الهّم، دجلة

: وقال الربْعُ

: ماءُ الهّم دجلة

سيوف الاجنبْي، دارت عليّهْ

إن القراءة الفعلية للمكان يعطينا مكمن العبارة الفعلية التي تشكلت بالهاجس الإداركي والتعرف على الإختيارات في تصنيف الأنماط التعريفية للمكان، فكانت دجلة هي الإكتفاء في الوضوح ولا شيء يمنعه من تمثيل الشيء في معنى النهر الكبير الذي أصبح الرمز للمكان في عراق ما بعد الاحتلال، فكان الشاعر يترجم هذا الوعي بالعشق إلى البستة العراقية " وشلون عيني وشلونْ، هذا الأمل ينساهُم؟" هذا المسند اللّغوي ينطبق على معادلة إقتضائية وحسية وذهنية في إمكانية بينية تأخذ موقعاً في أستعمال ذلك التقابل المكاني وتحركه بالأسناد التعييني والأنتقال ذهنياً إلى الإسناد الانتقائي الذي معناه، أن المكان تشكل بالزمان الانتقائي لأنه قابل للوصف وقابل لأستحصال ذلك التنوع المخصوص في القراءة الإقتضائية والعلاقة الإقتضائية لأنها تقتضي تلك الخصائص المركبّة التي يتضّمنها المركّب المتعالي الذي يدل على قوة الفعل داخل الصورة الشعرية، لأن نهر دجلة شكل المرجعية التكوينية للشاعر. كانت المقاربة السيكولوجية تكشف عن تأسيس للفعل اللغوي في تشكيل الرمز، بحيث أصبح الرمز عند الشاعر هو حدود المقارنة والدال المزدوج سيكولوجيا، وأصبح مدلوله منحولاً بسبب ذلك المعنى الذي سبقه الشاعر باللامعنى، وقد تكاثفت العلامة حتى أصبحت حجة في التعالي الميتافيزيقي، حيث تكون العلامة السيكولوجية الاستعادة للعلامة وهي جزء من الكشف لذلك الفعل المتعالي.

وقصيدة "ليس من تلاعُبٍ" قد أكتسبت حدة الإنفصال السيكولوجي داخل ملكة الإنفصال نفسها، وعن فعل ذلك التشكيل، لأن التشكيل المكتوب متزامناً مع ما نقول في تزامنه مع الحاضر المسكون بالخيبة

                   ليس من تَلاعُبٍ

لمن أكتب الآنَ؟

لا شأنَ لي بالعراق، ولا بالعواصم

لا شأن لي بالصداقات فاترة

أو بالنساء اللواتي تخلَّيْن عني

ولا شأن لي بالبنادق والطائراتِ المُغيرةِ،

ولا شأنَ لي بنوادي الرياضة

لأ شأن لي بانتخاب الرئيس

ولا بالمصارفِ،

ولا شأن لي بالعناوين  في صُحُفِِ اليوم

لا شأن لي بالطعام الذي أ تناول ُ

أو بالقميص الذي كنتُ التبُسُه أمس

ولا شأنَ لي بالبريد

ولا بالحديد الذي قد يفلَّ الحديدَ

ولا شأن لي بالكتابِ

وأهل الكتاب...

على المستوى السيكولوجي، في هذه القصيدة هناك نمط من الحياة المتفاعلة داخل بنية الصورة، ويظهر ذلك من خلال هذا التفاعل الذي تجلوه حالة سيكولوجية يصعب إظهارها عبر هذا التفاعل المفرط في النفي لتفاصيل المكان، والعلاقات، والصداقات، والنساء.

وإن كل هذه الومضات جاءت بسبب الضغوطات الذاتية والموضوعية وهي جزء من لذة في الرفض ولذة في الحرمان الذي ركزه سعدي في هذا التعدد في عملية النفي، وقد جاء كامناً في عمق الوعي، ولكن فيه نقلة إرتحال إلى مواطن الغربة، والوحشة، والفتنة بالأشياء الغريبة كذلك الغواية بالكلمات، وسعدي يوسف أنا أحسه إفلاطونياً في هذه القصيدة لأنه صاحب فكر وصاحب موقف، وبأنه يقر أسبقية المعقول بكل استشكالاته المتباينة ووفق الضرورة كان مصراً على الإقرار بهذه الحالة السيكولوجية وبشفافية ذلك الوجود المتلابس وإمكانية ذلك الإدراك الحضوري الذي ينبع من الفعل الخلاق للوجود، وهذا النفي في " اللاشأنَ لي" جاء في إطار القراءة الإقتضائية سيكولوجياً لا إخبارياً عن كنه الاشياء لأن الموضوع يتعلق بالتعبير المركّب لتعيين الإسناد وفق شروع إنتقائية اختارها الشاعر في ذلك التعميم الاقتضائي . إن وجود هذا التعمم وجوداً فعلياً ومقدراً وفق المسند اللّغوي من حيث الإختيار في تشخيصه للحدث" ولا شأن لي بالبنادق والطائرات المُغيرةِ،" إن هذه المساند في الجملة الشعرية تعطينا مزامنات للحاضر الساكن والآسن والذي نطلق عليه بتزامينة اللّغة ومساندها المدموجة في سكونية تلك اللّغة، وهذا ما يجعل من اللّغة ومساندها علامات حيّة بدلاً من الفعل التشكيلي العشوائي الاحتمالي، وسعدي يوسف ينتقل إلى فعل المعنى " ولا بالحديد الذي قد يفلُّ الحديد.." وحالة التجذير داخل مشهد لغة " الزبور"  أي أن حتى الإقتراب الهرمينوطيقي للغة في الكتاب "ولا شأن لي بالكتاب وأهل الكتاب"  أي حتى الإقتراب من كينونة هذه اللّغة التي إنتشرت بشكل حلزوني على هيولي الوعي، فهو يلخص الشك المتنقّل من الشيء إلى الشيء نفسه أي منذ " الكوجينو الديكارتي"  إلى الشك حتى بالوعي النسبي، وهذه هي في تقديري الصلابة الابستميولوجية في بعدها الواقعي الجديد وتمثلاتها النصية وعلاقاتها الحوارية داخل بنية الصورة، ثم ينهي سعدي يوسف قصيدته " لمن أكتب الآن؟ " ويجيب على هذا السؤال "أكتب كي لا أموت وحيداً!" .

وقد حدد سعدي غاية الإبتداء في مساند اللّغة التجريبية، في هذه القصيدة، هناك مقوّم تاريخي لمحايث تطبيقي يشكله سعدي داخل "لوغوس" محسوس وبنبرة متعالية للفهم الفينومينولوجي وهو المفهوم الكلي المقاوم لتلك الإعتلالات في التجربة الحسية وهي الجهة التي ينعقد لها ذلك الإدراك وعند سعدي يوسف هو المفْصل الذي يتدحرج تحت طائلة ذلك الإدراك لأنه استباقاً لمفهوم الوعي التاريخي، وهي ذاكرة  عمّقها سعدي بعد أن ترسبت بقاع الوعي الإنساني. في قصيدة " سماءٌ مُوزية، إلى جليل حيدر" ينطلق سعدي من وفرة في الجمل الشعرية التي تحمل حركية الحس الاعتقادي بالآخر وهذا يعود إلى حكم الوعي المعرفي بالمعطيات، ونحن نعرف القراءة التعيينية والتشخيصية في " صنوف الاشجار" و" إنطباق الشفة" و" خطوط القميص " و" سترة باريس تلك التي لا تزال تحنُ إليها"  أن حصر النمطية الشخصانية الحاصلة من شدة التعقيد الحياتي عند جليل حيدر لهي قاعدة لم تكترث للوهم بل تجعل من الومضة في تطبيق تلك التصنيفات لهو خير تعبير عن المعنى الشخصي ومحاورة تلك البنية المزاجية التي تتوسط هذه النهايات والمحتوى الواقعي لأداة التعريف الحدسي وتقاطعاته إلى اقصى تقدير داخل شخصية جليل حيدر . هناك تحليل للزمكان وإسترسال يقود إلى نقاط عديدة وعلاقات تسمح بتقريب صنف تلك المواقع والمشاهد والمرجعيات الإستقصائية، ويركز سعدي يوسف على الشمولية لهذه الومضات، وهو يفترض إمتداداتها باسترسال من  التفصيل والإنتقاء العشوائي لإستقصاء الحدث ونفي الإنتقاء العشوائي " والشرفات التي لا تزال فرنسية بعد حربين، تلك خطوط الستائر" وسعدي يفصح عن الأشياء باقتراب توزيعي إستقصائي وبعمليات إستعراض مركزة بحيث تستحيل إلى تشخيص إسترجاعي مبني على أشياء تقديرية . في قصيدته " الشمسُ التي لا تأتي" هناك شد غير طبيعي إلى المكان وإلى اللّغة ومعانيها التي تمكنت من القبض على إدراكات سعدي والقبض كذلك على البنية الشعرية والنسق الشعري وكان التوصل إلى تلك الشفافية المؤلمة هو التوصل إلى التأويلية الحاذقة وإلى جميع معاني الغربة داخل المكان إنها " قصائد من فَورتيْسّا " السويد، إن المعنى العام للّفظ هي  كلمة " إشتقت والاشتياق أخذ معناه الحقيقي في الغربة، لأنه تطابق مع حقيقة التعريف، وقد أصبح إتصالاً وأسانيد يمكن فهمها  بشكل ضبابي ولكن سعدي يحدد أسانيده الأسمى في الاشتياق وطبيعته التقديرية التي تنتهي إلى حوار مع النفس " حتى في ظلِّ النخلُ بغير ظلال"  هذا الوصف الاسنادي يحتوي على خواص ذاتية قاهرة، هناك الزمن المفترض مسّبقاً، كان الحرص على الإمتداد، وتجنب الفضيحة، والتحرر من الإرتباط والبعد الأتصالي يلّحُ على سعدي لينزع عنه كل الصفات السرية وليستعيد سعدي مقاومته" في هذا الأحدِ المقرور اشتقت إلى بلدي " " وهن العظم ورأسي مشتعلٌ شيباً." من العسير أن نسترجع أزمنة الماضي المركّب، والمكان يعود إلى ذاكرة سعدي لمسند يضّم هذا المنعرج الزمكاني حتى يتقصّى كل إمكانيات اللاوجود بالنسبة إلى الشاعر لأنه وافق أن يمتد إلى داخل هذا المنعرج، وقد تقصّى إمكانية اللاوجود واللاجدوى، لكنه واقع في كل الحلول، وهكذا كان الزج في منعرج العراق وهو الخطاب الذي يجتهد فيه سعدي، والعراق عند سعدي يوسف من الألفاظ الدالة في معانيها، والكلمة تغري بالمنهجية التي استنفرها سعدي في تشكيل منعطف حسي يجمل هذا النص الذي إعتنى بالإشتياق إلى بلده من حيث مرتبة عليا في تقوّيم الوجود من خلال الذات والوعي الروحي، وقد بلغ سعدي في هذه اللحظة تجربة من التجرد في تشكيل العبارة، والملامسة القصوى للغربة التي إستحضرها سعدي في هذه القصيدة التي التبست في الميدان داخل تجربة حسية من إنتظامات الوجود " أني، المسكين، بلا بلد! " في قصيدته " في يوم السبت أكتملتْ في يوم الأحد" كان الاستحضار للأشياء صور وكائنات في المكان، هناك المكان البارز بالقصيدة بشكل مطلق وإرتحال الطير ومجيء الغيم، وقد إرتدى سعدي قوقعة المكان المطلق، فكان البيت والمطر، حديقة السنجاب، وأن وجود كل هذه الأشياء لخبرنا سعدي إنه يتنفسها من خلال العراق" بُحيراتٌ ترقرقُ  بغتة، وترقَّ . يوقظني بها الأوزُ العراقيّ المهاجر" ومن نسيج هذه الصور يكون سعدي قد وصف قوة الحدث الشعري وليس الصور الكلامية داخل الجملة الشعرية، فكان الحدث يعطينا المرونة المتبادلة بين الشاعر والمكان، وبين الشاعر ووجه التناسق بين الضيفة الآتية من المجهول، ويكاد سعدي أن يجعل المكان بين الأثنين . والمثير للدهشة أن سعدي يوسف كان قد غمر المكان بالسمك العائد إلى النهر والمكان قد غمره الضوء، وهنا  آثار سعدي موضوع السمك الذي يستدعي التكاثر المستديم لزائر المكان، لكن العراق بعيد " وكذلك الأنهار" وهكذا ينقلنا سعدي إلى الأحساس المتناهي بالاشياء " ساحة المبنى مغلقةٌ، هواءٌ ثابتُ . قدماي  ثابتتان، لكني أطيرُ الضوءُ ملتبسٌ" فهو يمتلك المأوى لكنه غائب داخل المكان، وإذا اردنا أن نبحث عن تفاصيل الحدث الشعري نجده داخل دينامينات متنقلة وصور مستمدة من الأشياء، وحركات الحيوانات.

" " أقول : حديقة السنجاب، والآيل إستحالت منزلاً لي... "

وحركة الحيوانات إستحالت إلى مكان، وهي محفورة سيكولوجياً وإن هذا الإنجاز في المكان عند سعدي  في هذه القصيدة يعطينا عمقاً في المأوى وتعزيزاً لصورة المكان في الغربة عن البلاد، لقد أراد سعدي من زائرته أن تضفي دلالة غير اعتيادية على المكان وقد أرادها أن تكون كاملة أولاً لأنها تحب اللّون الأسود وهي علاقة غريزية، وقد استعار سعدي الفراشة وشبه الزائرة بالفراشة، والفراشة هي احدى العجائب الحياتية الحيوانية وأقول لضيفتي أتكئي عليَّ، أنا الضعيف لتلبس جسد الفراشة، أيّما إمراةٍ تجيء هنا، تصير فراشة" وسعدي يثير الصور داخل المكان، فعندما يتلابس الجسدان "في الليل نستهدي بشمع النحل . عند الصبح نستعدي بجذع النخل" وهنا تنتهي المطاردة الجنونية للحدث داخل هذا الحلم، وسعدي كالطفل يحب الأحلام التي تهبط على  المناطق العالية، وصورة الحب في الشعر هي تعبير عن الصورة الطفولية، وصورة الفراشة عندما تهبط على غصن شجرة طري تتلابس به وهي صورة تعبر عن سمات إنسانية كبيرة داخل المكان. وقصيدة " نهارُ أحدٍ ملتبس " بها ينتصف الليل " بين الريح والمطر المُقعقع والسريع وبين دائرةٍ مهفهفةٍ باحلامي وأخرى"  فقد أختفت الزائرة المسائية، لكن اختفاءها الجنسي ربما كان أكثر صلاحية لها، لأن سعدي حدد ظلال ذلك الوجود في الصورة بعد أن أصبح نهار الأحد ملتبساً، لقد رحلت الجارة "وتجنب العصفور نافذتي"  وتجنب العصفور المكان إلى أقصى حدوده، لكن سعدي يوسف بقي ينتظر عودة الزائرة المسائية وظل يعتقد أنه يمتلك " عشبة ايفان جول المعطّرة"  لكن المكان أصبح مهجوراً ولكن بقي حياً وهو الذي يقود سعدي إلى فينومينولوجيا المكان الحقيقي لأنه يعيش في المحيط الطبيعي ليصبح هو مركز الكون . وينهي سعدي يوسف مجموعته الشعرية " قصائد الحديقة العامة" وهي الحديقة التي عانت الخيبة والقلق في العثور على المكان الحقيقي بعد رحلة من التجوال وبعد فوات الأوان. 

 

بقلم: د. علاء هاشم مناف

 

maymon harash"جوق العميين" فيلم مغربي  لمؤلفه ومخرجه محمد مفتكـر.. من إنتاج "شامة فيلم"، و"أفالونش إنتاج"، شارك في بطولته نخبةٌ من ألمع  نجوم السينما المغربية:

محمد بسطاوي، ( يرحمه الله)،

يونس مكري،

ماجدولين ادريسي،

إلياس جيهاني (الطفل ميمو بيدرا)،

منى فتو،

فهد بن شمسي،

محمد اللوز،

سليمة بن مومن،

وسعاد النجار،

علية عمامرة،

محمد الشوبي،

فدوى الطالب،

عبد الغني الصناك،

/.../

وأخرون..وأخريات..

الفيلم " جوق العميين" لمخرجه محمد  مفتكرحصد جوائزَ عدة أهمهما الجائزة الكبرى( الوهر الذهبي) للطبعة الثامنة لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي ، كما توج بجائزة الإخراج في الدورة الـ16 لمهرجان الفيلم الوطني بطنجة، وعادت له أيضاً جائزة أحسن موسيقى أصلية لمقطوعة من توقيع "ديديي لوكوود"/ Didier Lockwood.

يحكي الفيلم عن السنوات الأولى لحكم  الحسن الثاني من خلال فرقة موسيقية مغربية ، تعيش في بيت واحد، لكن أهواء أفرادها شتى، وما يجمعهم هو العمل  في فرقة سموها " جوق العميين "، يتظاهر الذكور منهم، ولا أقول الرجال (بعضهم على الأقل)،  بالعمى طمعاً في دخول بيوت أسر محافظة ،لا تؤمن بالاختلاط لأحياء سهرات  تدر عليهم أرباحاً مهمة.

الراوي في الفيلم هو الطفل ميمو بيدرا (إلياس جيهاني) الذي أدى دوره ببراعة ، وإتقان ، تنكشف لنا أحداث الفيلم المؤرخة لسنوات السبعينات  من خلال روايته التي تقف كثيراً عند سهرات الفرقة التي يشرف عليها الحسين بيدرا والد ميمو (أدى الدورَ النجم يونس ميكري)؛ والفرقة تتكون من ثلاثة عازفين، واحد مهم يعمل  مفتش شرطة (أدى الدور النجم محمد بسطاوي يرحمه الله)، وهو الذي سيحل كثيراً من مشاكل الفرقة مستغلاً منصبه، أخطرها على الإطلاق يوم اكتشفت أسرة محافظة مُستقبِلة أنهم ليسوا عميين، إضافة إلى راقص، وراقصتيْن، ومغنية (أدت الدور ببراعة سليمة بن مومن)..إضافة إلى أم ميمو (أدت الدورَ النجمةُ منى فتو )، وجدة ميمو بيدرا (أدت الدورَ النجمة فاطمة الركراكي شفاها الله)، وعمه عبد الله ( أدى الدورَ النجمُ فهد بن شمسي)، الذي سيتأثر به  ميمو كثيراً ؛ وعبد الله مناضل ، ذو توجه يساري وماركسي، يعمل على توزيع مناشير سرية تنتقد النظام، وتدعو إلى الديمقراطية، و إنصاف الفقراء، والمعوزين من الشعب  ضد ناهبي الوطن، وسارقي خيراته.

بعد اختفاء عبد الله (اعتقاله غالباً جزاء عمله السياسي السري) لم يستطع مصطفى(محمد بسطاوي) إنقاذه رغم منصبه الحساس في الشرطة.. وسيواصل دربَه الطفلُ ميمو بيدرا اقتناعاً وإصراراً على تتمة ما بدأه عمه كما توحي نهاية الفيلم.

فيلم " جوق العميين" شاهدته في الرباط في سينما الفن السابع يوم 10.8.2015، استمتعتُ بالعرض، وبأحداث الفيلم، وأحببت أن أنقل لكم مشهداً من الفيلم يجمع بين رئيس الفرقة وملحنها الحسين بيدرا، وابنه ميمو في "حانة ".. عفواً هل قلتُ "حانة"؟ ..

نعم ، في حانة..

والأب حريص على تفوق ابنه ميمو في الدراسة، يتباهى به أمام زملائه،ويعقد عليه آمالا كثيرة، كان يريد أن يرى فيه الرجل الذي (ليس ما هو عليه الآن) ..أنْ يحقق ميمو ما عجز عنه هو..

لكن الابن ميمو سيخذل أباه؛ لأنه لم يكن يحصد سوى رتب متأخرة في الفصل (21و 25) والتي كان يُزور نتيجتها لتصبح رتباً أولى.. هذا التزوير شارك فيه عمه عبد الله حباً في ميمو وخوفاً عليه من بطش أبيه إذا علم بالأمر .

أنقل لكم المشهد:

يقول الحسين بيدرا / الأب مخاطباً ابنه وهو يكرع كأساً من الروج :

- آ.. صحيح ،لم أسألك حتى الآن، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟

- " ملك" ، يجيب الطفل ببراءة..

" يريد ميمو أن يصبح "ملكاً"، وهي أمنية في السبعينات ، صداها فقط  كفيل بأن يردي الفيل في مقتل،أما والده الذي ستطاله تهمة " لم تحسن تربية ابنك"، فمصيره سجن ألكتراس/Alcatraz، ولا أقول تزمامارت؛ لأنهم كانوا ينكرون وجوده أصلاً ".

يتلعثم الأب المُحب للملك الحسن الثاني، ينظر إلى مرافقه الذي يشاركه الشراب، يحدق النظر في ابنه ثم يقول له:

- تقصد أن تصبح وزيراً مثلاً أو رجل دولة مُهماً، أو...

يسكت هنيهة ثم يردف:

- ومع ذلك سأقترح عليك عرضاَ مَلكياً..أنفحك كل يوم دراهمَ معدوداتٍ، ثم تحضر معي  سهرات فرقة " جوق العميين".. مقابل كل هذا شرط واحد أن تهتم بدراستك، ولعلمك لن أقبل بعد هذا الاتفاق سوى بالرتب الأولى ..

ويبدأ الأب عرضه في حينه، بحيث ألقى بعض الدراهم على الطاولة، تلقفها ميمو،أما السهرات فلقد حرص الأب أن يحضرها ميمو جميعها رغم اعتراض أمه (منى فتو) ، و دور الطفل "ميمو" الذي لم يتجاوز عمره سبع سنوات في هذه السهرات هو الفرجة ، ومراقبة كيف يتملى أعضاء الفرقة  المتظاهرون بالعمى مؤخرات المدعوات ، وكان يعود محمولاً على الأكتاف من أثر السهر، والنوم، مثقلاً بضجيج وعجيج العيطة،في ذهنه الصغير صورٌ داعرة، وفي جيبه الكثير من الحلويات المسروقة لحبيبته شامة( أدتِ الدورَ علية عمامرة).

" طبعاً " ميمو بيدرا سيخسَر الرهان، ولم يحقق في دراسته ما عاهد والدَه عليه؛ يحصد علامات متدنية، ورتباً متأخرة، لم يكن نجيباً في دراسته، هو من جهة يقلد أفراد الفرقة في "عشقياتهم" ، ويحب "شامة" التي يجلب لها الحلويات خلسة من الأعراس التي يحضرها رفقة الجوق، ويهتم بكتب الجنس،وما يُقال للحبيبة من أقوال، وأشعار حفظ منها الكثير، والتي كان يردد أجزاء منها ببغائياً على مسامع " شامة " حبيبته التي تكبره سناً..

والسؤال الذي حيرني هو : " كيف يحرص الأب الحسين بيدرا على أن يحضر ميمو معه سهرات الفرقة، ويسهر معهم الليالي البيضاء وسط زخم العيطة، والرقص الداعر، والغمز واللمز.. (لقطات كثيرة في الفيلم يظهر فيها الطفل ميمو وهو يضبط ممارسات جنسية تتم خفية لأعضاء فرقة "جوق العميين"، منها خيانة أبيه لأمه مع راقصة في الفرقة (أدتْ دورَ الراقصة النجمةُ ماجدولين إدريسي)؛ و"جوق العميين" اسم مثير حقاً للفرقة ، كل عضو فيها هو كاميرا رقمية بامتياز بلغة اليوم..)  كيف يحصل هذا ، و مع ذلك ينتظر الأب من ابنه أن يحقق نتائج جدية في تحصيله الدراسي؟..

أليس الحسين بيدرا فناناً، كيف غاب عنه هذا الأمر،ألاَ يعلم مثلاً بأن "النور" لا تعوضه الإنارة الكهربائية  أبداً مهما كانت كاشفة للعتمة؟..

ويوم اكتشفت أم ميمو خيانة زوجها مع راقصة في الفرقة،وبعد أن علم الأب بنتائج ابنه المزورة ، وبعد أن اختفى المناضل اليساري عبد الله... سينهار الحسين بيدرا تماماً.. منذ لحظتها بدأ يصعد الهاوية التي نزل منها بسرعة فائقة بسبب إصابته بسعال حاد دائم (هو السل غالباً)..

الطفل ميمو لم يكن نجيباً في دراسته ، لكنه ذكي جداً، وسيعلم هول ما صنع حين كان يُـزَور نتائجَه.. تكشّف له الأمر حين تغيرت طباع أبيه تماماً بعد "فضيحة التزوير" ،كأنه أمام رجل لا يعرفه.. وكما كان يحفظ كلام العشق، والجنس من أعضاء الفرقة ، كانت زوادته تمتلئ بأفكار عمه عبد الله بيدرا عن الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.. وزوادته هذه ستلفظ مع الوقت كلام الغرام والعشق ، وتحتفظ بجوهر ما كان يدعو إليه عمه عبد الله.. سيلقي بالفَضلة ، ويحتفظ بالعمدة مما تعلّمه..

وهكذا  ففي الوقت الذي كان أبوه في صراع ماراتوني مع مرضه القاتل كان ميمو في سباق مع الزمن ليثبت لأبيه أنه الرجل الذي تمناه..

والأب سيفرح كثيراً حين يعلم بنتيجة ابنه بعد التغيير (الرتبة الخامسة) دون تزوير هذه المرة،بل عن جدارة..

كان طلبه الأخير من ابنه  قبل أن يلفظ أنفاسه هو ألا يقرب السياسة، لم يعده ميمو هذه المرة بشيء، بل كان جوابه حاسماً ودالاً على الرجل الذي سيكونه : ما كان يدعو إليه عمي عبد الله لم يكن عيباً مادام يناصر الفقراء، ويدافع عنهم ..

سيموت الحسين بيدرا مبتسماً، وهو يتابع حركات ابنه ميمو وهو يقلد عمه عبد الله في دور شارلي شابلن.

 

madona askarلعلّ الخطأ الكامن في بعض ما نقرأه من لاهوت وفكر وفلسفة يندرج في إطار التّوعية والإرشاد والنّصح، بدل الغوص في النّفس الإنسانيّة لاستفزاز مكنوناتها بغية الوصول إلى المشكلة الأساسيّة. التّوعية الاستباقيّة جيّدة، والنّصح والإرشاد عملان يدعمان الخبرة الإنسانيّة النّظريّة. وأمّا العمل على تفكيك الخطوات الإنسانيّة المؤديّة إلى المشكلة فهو الأهمّ، وبالتّالي تنكشف الذّات أمام الإنسان وتتّضح الرّؤية ويسهل العلاج. وحتّى لو لم نصل إلى نتيجة إيجابيّة حتميّة، نكون على الأقلّ قد تلمّسنا الدّافع لفعل الشّر أو ما يسمّى بالخطيئة. والمفكّر المبدع هو ذاك الّذي ينبثق منه الفكر كالنّور فيدخل الأعماق الإنسانيّة ليكشف خباياها، فتعلن ثورة على جانبها المظلم لترفع من شأن إنسانيّتها العظيمة.

وإذ نحن بصدد قراءة وكتابة أنسي الحاج، تتّضح لنا قدرته على سبر الأغوار الإنسانيّة الّتي قد نغفل عنها أو نخشى الولوج فيها. وإذ نحاكي الفكر الأنسيّ نعيد قراءة ذواتنا، وفكرنا، وخبراتنا، بل حتّى ماهيّة إيماننا على ضوء هذه الثّورة الفعّالة.

يقرأ أنسي الحاج الكتاب المقدّس على ضوء إنسانيّته وخبراته ما يمنحنا آفاقاً واسعة تساعدنا على تفكيك عناصرنا الإنسانيّة وتذهب بنا إلى أهمّيّة الحضور الإنسانيّ في الكتاب، والانطلاق منه لفهم تعاملنا مع الله والعكس صحيح. والومضات الفلسفيّة الكائنة في النّصوص تعمل كمحرّك للعقل والنّفس بغية إيقاظها من ثبات الفكر الموروث والتّقليدي كي تتمكّن من الانطلاق والتّحرّر. كأن نقرأ لأنسي في كتاب "كان هذا سهواً" الفقرة التّالية: "هنالك بعض الرّغبة الشّريرة في كلّ ارتماء وكلّ تجديد، لعلّها تشبه ما كان يعتمل في النّفس أثناء عبور حوّاء وآدم من الباب الشّرقي في الجنّة إلى أسفل الصّخرة، في السّهل المنخفض، حيث قادهما الملاك المرافق إلى هناك بداية المنفى، واختفى". (1)

لقد قرأ اللّاهوتيّون في سلوك حوّاء وآدم عدم طاعة لله سبَّب دخول الخطيئة والموت إلى الإنسانيّة. لكنّ أنسي الحاج قرأ في سلوكهما رغبة ما في التّجديد. وهنا الحديث على المستوى الإنسانيّ العام، لأنّ كلّ تجديد أو كسر للمألوف هو بمثابة ثورة تفترض التّحرّر من التّقليدي، أو  الموروث، أو نزعة إلى تحقيق الذّات بالذّات بعيداً عن الله. وهنا أصل الفكرة، ومبدأ الحركة الإنسانيّة، والرغبة في الجديد حتّى ولو كلّف الأمر الخروج من الجنّة. لعل "الجنّة" ترمز هنا إلى حالة الرّكود، والاستسلام، والقبول اللّا إرادي، و"أسفل الصّخرة" مبدأ التّجديد والخروج عن المألوف، و"الملاك الّذي رافق واختفى" يرمز إلى احترام الحرّيّة الإنسانيّة الباحثة عن نفسها.

ويكمل أنسي ليتوغّل أكثر ويثور أكثر فيقول: "لو قهر قايين قهره من تفضيل الله هديّة أخيه هابيل على هديّته، لحوّل غيرته إلى اعتمال داخلي، ولعلّه كان شيئاً فشيئاً سيتعالى في نظر الله، وربّما سيلجئه إلى مراجعة الذّات كما حصل مع أيّوب." (2)

تصرّف قايين بعفويّة دون أن يخفي قهره وغيرته فأتى تصرّفه عنيفاً قاسياً. تحامل على الله وعلى أخيه. إلّا أنّه بحسب أنسي الحاج لو أذلّ هذا القهر لتبدّل الأمر وراجع نفسه وعدل عن فعله الشّرّير. وفي هاتين الفقرتين يركّز أنسي الحاج على السّلوك الإنساني الانفعاليّ الّذي أدى إلى الخطيئة بحسب النّصوص الكتابيّة. ولو أنّهم أخفوا هذا الانفعال وخرجوا عن طبيعتهم الإنسانيّة أو بمعنى أصحّ عن حرّيّة التعبير الانفعالي، بمعنى آخر أظهروا عكس ما يضمرون لاختلف الوضع كلّه. "كان ينقص روّاد الخطيئة والمحمّلين مسؤوليّة تأسيس موتنا (آدم وحوّاء، قايين...) مهارة في التّمثيل تلجم عفويّتهم ولا تفضحهم أمام الخالق..." (3)

والفكرة العميقة المتجليّة في الفكر الأنسي تكمن في الإيعاز إلى روّاد الخطيئة الحقيقيّين في العصور الحديثة، الّذين يبرعون بالتّمثيل، ويظهرون عكس ما يضمرون، ويخفون انفعالاتهم بمكر وخداع. ما يحيلنا إلى قراءة أخرى لسلوك آدم وحوّاء وقايين، قراءة إنسانيّة تظهر الفرق الشّاسع بين السّلوك الانفعالي والسّلوك الماكر أمام الله. فالأوّل بحسب أنسي أخفّ وطأة من الثّاني. السّلوك الانفعالي حالة آنية ومؤقّتة وينتج ما ينتج عنها من سلبيّات وشرّ، لكن يليها الشّعور بالنّدم والأسف. وأمّا السّلوك الماكر الّذي يضمر في داخله الشّرّ في حين أنّه يظهر التّقوى والورع يخطّط لموت شامل وتام على المدى البعيد. "ما كانت الواقعة لتقع بهذه السّهولة لو تعامل الله في بدء الخليقة مع باطنيّي العصور الحديثة". (4). وتبدو هنا ثورة أنسي الحاج باتّجاه الله الّذي برأيه تعامل مع سلوك انفعالي، ما لا يمكن أن يحصل اليوم في ظلّ القدرة العالية  في أداء البعض،  وبراعتهم في إخفاء ما في نفوسهم من حقد وضغينة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

.........................

(1) (2) (3) (4)- كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 19

 

 

 

ridowan alrokbiاعتمادا على العقليات القطعية والنقلية المعقولة والمواصفات الملائمة للعقل، اجتهد أبو إسحاق الشاطبي في أن يقدم بعض المبادئ والقواعد والضوابط التأويلية الخاصة بالتأويل العربي الإسلامي، ولعل المبدأ العام الذي ينطلق منه الشاطبي، هو ما يمكن أن نسميه بمراعاة المجال التداولي للنص المؤول، وبناء على هذا المبدأ العام الذي يؤطر العملية التأويلية العربية، يمكن أن نفرعه إلى عدة قواعد تكون بمثابة ضوابط لهذه العملية التأويلية، حتى لا تخرج عن جادة الصواب.وهي على الشكل التالي:

 

1- قاعدة الخطاب المؤول:

إن النص المؤول في الثقافة الإسلامية ليس على مستوى واحد، وإنما هو ثلاثة أصناف حسب ما ذهب إليه الطبري قائلا: " وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:

-   الوجه الاول: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله في كتابه أنها كائنة مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور وما أشبه ذلك.

-   والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.

-   الوجه الثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.44

ويقسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أوجه: " وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ".45 وهو في ذلك يستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: " أنزل القرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام؛ لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب."46

فالنص المؤول إذن ليس على مستوى واحد، وإنما هو مستويات حسب طبيعة هذا النص. وإذا شئنا أن نحصر أوجه تأويل النص في الثقافة الإسلامية، فإنها لن تخرج عن أربعة أوجه كما ذهب إلى ذلك ابن عباس.

ما يجب تأويله.

ما لا يجب تأويله.

ما يميل إلى جانب عدم التأويل.

ما يميل إلي جانب وجوب التأويل.

فما لا يجب تأويله هي النصوص المتواترة التي لا تحتمل التأويل،47 وكذلك المتشابه الحقيقي الذي هو غير لازم تأويله.48 وأن ما يجب تأويله؛ فما لا يقبل معناه الحرفي كالأساليب التشبيهية والاستعارية، على أن هناك مرتبة وسطا بين هذين الطرفين وهي: ما يلزم تأويله إذا تعين الدليل عليه، مثل المتشابه الإضافي. وما يميل إلى جانب عدم التأويل، أي ما لا يلزم تأويله مثل المحكم الإضافي.

 

2- قاعدة وضع المؤول:

إن وضع المؤول – حسب الشاطبي -هو أن يكون من السلف، وممن يسير على سنن السلف من الراسخين في العلم وخواص العلماء، لا أن يكون من غير الراسخين في العلم ومن غير خواص العلماء كالظاهرية والباطنية ... وعلى هذا الأساس فإن الراسخين في العلم لدى الشاطبي هم من اتبع سلف الأمة واقتدى بهم في أفعاله وأقواله، لأنه بمثابة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا بلغ الإنسان مبلغا، فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم  في التعليم والفتيا، والحكم بما أراد الله."49

فالصفة الحقيقية " التي تؤهل صاحبها لأن ينوب عن غيره ويتكلم باسمه هي أن يكون عارفا خبيرا بمقاصده، على الجملة والتفصيل، وأما ما عدا ذلك فأمور مساعدة، فالمجتهد الذي يحكم ويفتي باسم الشارع، لا بد أن يكون عالما تمام العلم بمقاصده العامة، وأن يكون عالما بمقاصده في المسألة التي يجتهد فيها ويحكم عليها."50

ويعيب الشاطبي على من يرون أنفسهم أهلا للاجتهاد في الدين، فيتجؤون على أحكامه وشريعته حتى لتجد أحدهم " آخذا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا راجع رجوع الافتقار إليها... ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة وتوهمه مرتبة الاجتهاد."51

3قاعدة مراعاة المؤول لمقتضيات الأحوال ومجاري عادات العرب:

لقد خص الشاطبي هذه القاعدة بعناية خاصة، ووضع لها بعض الضوابط التي ينبغي أن يتخذها المؤول الراسخ هادية له، وهي عبارة عن عدة معارف:

1-:معرفة لسان العرب: مفردات وتراكيب ومعاني: فهذه " الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية. "52 فالشاطبي لا يريد بهذا التطرق إلى مسألة ما إذا كان في القرآن ألفاظا ذات أصول أعجمية، وإنما " البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ... فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة."53

من هنا يجب أن ينظر إلي العملية التأويلية في ضوء اللغة العربية، باعتبارها بابا أساسا لولوج عالم النص وفهم أغواره، وسبر مدلولاته، وعلى ضوء المعهود من أساليب العرب، ومن ذلك أن العرب " في ما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، وآخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم الواحد، وكل ذلك معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها، فإن كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب."54

فالأصوليون يكثرون من التأكيد على أهمية احترام والتزام حدود قواعد اللغة العربية؛ في فهم مقاصد النصوص، ويتعرضون لهذه الفكرة كلما وجدوا لذلك مناسبة لأن " لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع." 55 ومن هنا فالشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا " من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم  العربية، فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فمتوسط في فهم الشريعة ." 56

وهكذا كلما كان المجتهد أمكن في اللغة العربية، كان أقدر على إدراك مقاصد الشرع إدراكا سليما، فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن ويستخرج معانيه ومقاصده على أن يسلك في " الاستنباط والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها، في أنواع مخاطباتها خاصة. فإن كثيرا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل منها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصد الشارع."57

2-   معرفة أسباب التنزيل ومقتضيات الأحوال.

3- معرفة علم القراءات والناسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه، التي تتحدث عن المبين والمؤول والمقيد والمتشابه والظاهر والعام والمطلق ...

 

4- قاعدة تماسك النص واتساقه وانسجامه.

بناء على هذه القاعدة يرى الإمام الشاطبي أن الخطاب القرآني متعالق الأجزاء، مترابطها يدور حول محاور محددة، فإذا أوهمت بعض الآيات بالتعارض أو التقابل أو بالتناقض، فإن ما أوهمت به ليس بالتعارض ولا بالتناقض، إذ يمكن ترجيح الأدلة العامة على الخاصة، أو أحد النقيضين على الآخر، فمدار الغلط وسوء فهم الشريعة إنما هو ناتج عن " الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض، فان مآخذ الأدلة عن الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المترتب على خاصها، أو مطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين استنبطت."58

ويشبه أبو إسحاق الشاطبي انسجام الخطاب القرآني بالإنسان الصحيح السوي قائلا: " فكأن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي لها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها،لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال."59

فالمؤول الراسخ شأنه تصور الشريعة صورة واحدة،  يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، "وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه".60

إن المتأمل في كتابي الشاطبي الموافقات والاعتصام، يلاحظ أن الرجل يستعين ويوظف كذلك قواعد تاويلية كونية -كما سنلاحظ عن ابن رشد فيما سيلي - مبنية على أسس منطقية واستدلالية، وقواعد تأويل عربية، على أن تلك المبادئ والقواعد التي صاغها الشاطبي لا تعتبر قطعية وجامعة ومانعة، وإنما هي مبادئ تأطيرية، تضبط العملية التأويلية وتمنعها من الزيغ والانحراف.

وعلى هذا الأساس قسم الشاطبي التأويل باعتباره عملية اجتهادية استدلالية في استنباط الأحكام إلى قسمين: تأويل صحيح، وتأويل فاسد. فأما الصحيح فما كان منضبطا للقوانين العربية غير مخالف لما عليه السلف، لأنه إن كان كذلك فهو الضلال بعينه.61 مثل تأويل النصوص تأويلا بعيدا أو باطلا. وأما الفاسد فهو كل تأويل مخالف لما عليه سلف الأمة، وغير منضبط للقوانين المحددة سلفا.

هكذا اجتهد الإمام الشاطبي في أن يدافع عن اتساق النصوص القرآنية وانسجامها، وفي أن يقدم مبادئ وقواعد للتأويل، وفي أن يتحدث عما يؤول منها وما لا يؤول، وعمن يقوم بالتأويل وعمن يجوز له أن يطلع على التأويل وعمن لا يجوز له، وكل هذا المجهود الذي بدله أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات والاعتصام يهدف الى "تعزيز وحدة الأمة ".62

وإذا كان الشاطبي من الراسخين في العلم وخواص العلماء، فانه يأخذ بقسط وافر من الفلسفة ويوظف التأويل، فقد وظف المنطق لبناء أحكام شرعية، ووظف التأويل لأنه يقرر بأن في القرآن ظاهرا وباطنا، أي ما يجب أن ينظر إلى ظاهره وما يجب أن يؤول حتى تدرك معانيه. يقول " لأن من فهم باطن ما خوطب به لم يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقع مع مجرد الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة... وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب، فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه."63

 

...................

44 - تفسير الطبري: 1/41

45 - نفسه 1/34

46 - نفسه

47 - الموافقات. 2/49. الشاطبي

48 - نفسه. 3/98

49 - نفسه: 4/106-107

50 - نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: ص 331 احمد الريسوني الطبعة الأولى 1991 دار الأمان الرباط. تحدث ابن السبكي عن العلوم التي تلزم المجتهد ثم نقل عن أبيه تعريف المجتهد " وقال الشيخ الإمام هو من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع؛ ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع " جمع الجوامع 2/383.

51 - الموافقات: 4/174 -175 الشاطبي

52 - الموافقات: 2/65

53 - نفسه: 2/66

54 - نفسه: 2/65/66

55 - الموافقات 4/324

 - 56نفسه 4/304

57 - نفسه: 1/77

58 - الاعتصام 1/166. الشاطبي. تحقيق خالد عبد الفتاح. الطبعة الأولى 1996 مؤسسة الكتب الثقافية. بيروت

59 - الاعتصام 1/166. الشاطبي

60 - نفسه.

61 - الموافقات 3/73 الشاطبي

62 - التلقي والتأويل. 138 محمد مفتاح.

63 - الموافقات: 3/390

 

yousif hadayما الفرق بين الرواية المكتوبة والفلم المأخوذ عن الرواية؟ وأيهما أكثر جمالية؟ وهل بالضرورة أن تكون الرواية الجيدة فلما سينمائيا ناجحا؟ وما الجدوى من تحويل مؤلفات كتبت بأساليب أدبية راعى خلالها مؤلفوها جمال كلماتهم ورشاقة العبارة على الورق إلى أفلام متعتها الحقيقية تكمن في الصورة والحركة. جملة من التساؤلات طرحت حول تحويل الروايات الى أعمال سينمائية. فدخل الفن في جدلية الصراع بين الصورة والكلمة، ويبدو أن أنصار "الغزو السينمائي" هم الذين رجحت كفتهم فاستولوا على أهم الأعمال الروائية وصيروها أفلاما تعرض في صالات السينما. لم يكتفوا بذلك فأنتجوا مسلسلات تلفزيونية أخذت قصصها من الروايات أيضا. أبدع فيها كتاب السيناريو في إضافات أثرتها وزادتها جمالية. حتى دخلنا في ثنائية أخرى تتمثل في كاتب الرواية وكاتب السيناريو، أيهما أجاد العمل أكثر، الكاتب الروائي بثقله وثقافته وخبرته أم كاتب السيناريو بفهمه للنص الروائي وقدرته على التعاطي معه؟. سؤال كثرما تردد على  أفواه متابعي مسلسل "ساق البامبو". فهل نجح السيناريست رامي عبدالرزاق في المهمة الموكلة إليه؟.

 لعمري إن كاتب السيناريو لم يبلغ شأو مبدعها الحقيقي سعود السنعوسي في طرح الفكرة ولا حتى في جعل الحدث مشوقا أيضا. فقد طبر في الرواية وانتهك جمالية فصولها بطريقة فجة، والأنكى من ذلك أقحمها بشخصية "نور" التي قامت بدورها الممثلة الكويتية "شجون". حتى إنه أخفق منذ البداية في اختيار الاسم المناسب لها إذ جاءها باسم يتشابه مع اسم خالتها نورية، ولأنها صغيرة فالكل يناديها باسم "نوير" وهكذا نجد أنفسنا تائهين بين نور ونورية ونوير!.

 جاءت شخصية نور بشكل هزيل ومسطح، لم تضف للعمل شيئا سوى الصراخ بكلمة"هيييه" قبل كل جملة تتفوه بها. بالإضافة لصفة "ثولة" التي لازمتها على طول حلقات المسلسل حيث أننا لو عددنا المرات التي سمعنا بها هذا الوصف سواء ممن يحاورونها أو على لسان نور نفسها لكان العدد هائلا حتما، وكأن السيناريست يسعى حثيثا في تذكرينا بأن نور ثولة، بدلا من الاستعانة بالوصف التمثيلي حيث يعرف المشاهد صفات الشخصية من خلال تصرفاتها وليس بهذه الطريقة الفجة. وهكذا تبدو شخصية نور المتطفلة على ساق البامبو تحتل المساحة الكبرى في المسلسل دون أن تضيف له شيئا ذا قيمة سوى متلازمة:"هيه...ثولة". ولعل طبيعة الرواية ذات الأحداث القليلة هي التي أوقعت السيناريست في ورطة فأوجد شخصية "نور" بغية أن تعطي للعمل نوعا من الحركة والكوميديا وليته لم يفعل فلا كانت الكوميديا مضحكة أبدا ولم يكن العمل بشكل درامي صحيح، فالحلقات تشبه بعضها، وتسير بتثاقل، والأحداث لا تكاد تتطور بل تتراوح في مكانها. ولأنها رواية فكرة، وخلاصتها تأتي عبر منولوج داخلي للبطل عيسى الطاورف أو هوزيه، فكان من الأجدى أن تأتي أحاديثه مع نفسه بلغة عربية فصيحة ومفهومة للجميع. لأن ما يقوله هو ثيمة الرواية وأساسها، إلا أن النفس الدرامي لدى كاتب السيناريو طغى على روح الرواية مثلما طغت "نور" على أحداث المسلسل.

  لست بالضد أن تتحول رواية مهمة مثل ساق البامبو إلى مسلسل، ولكني ضد أن تعطى لكاتب سيناريو لا يرقى لمستواها ولا لمستوى كاتبها الروائي سعود السنعوسي. 

 

يوسف هداي ميس    

 

ان التحديث الذي حصل (للزمكان)عند الشاعر البياتي ..قد وضع.. منطقه الشعري .. في بذرة الحلم المتطابقة، مع السمة المتناهية في اصغر انتقالة (للنواة) لفينومينولوجيا الشعر تفصح عن المجرد من الموضوعات … وهو الاسلوب الشعري الذي يعالج … الصوت والظاهرة في (الزمكان) وهو يشكل العبارة كما فهمها (هوسرل)  بالبحث المنطقي عن (الزمكان) وهو الاسلوب الذي طرحه البياتي لبلوغ اعلى غايات النموذج في التماثل الافلاطوني … وصهر التأمل الابداعي … بخواص الشعرية الحديثة والمشاهدة الدقيقة من خلال حقيقة (الزمكان) التي تمثل العبارة، والتوقف (للاحساس، بالايقاع) وهو يتداخل بمستويات الشعور (الزمكاني) الواعي وهو الذي يشد الاشياء الى نسبية متناهية … باحثاً عن البداية في عملية (التفكير) من خلال (اشكالية المعنى – والزمكان)  في، الجديد من التحليل والرصد … في الرؤيا … والمنهج الشعري باتجاه، معرفة التحديث .

فالبياتي … اختصر كل المسافات (وحدد الزمكان) والولوج الى منعطف القصيدة … وهو او ما يستهدف في ذلك، باستشفاف الرمز – و(الزمكان – والمعنى – والصوت – والظاهرة – والتأويل – والتمرد على الاشياء)  وحين ادرك ان (الحرية - والحب) هما مفتاح ومفتتح (الشعرية) بدأ ايقاع (الزمكان) ثم الانتقال الى العمق (بسحرية شعرية) تتميز بالتنازل، والعمق – والشمولية، لمجموعة من المفاهيم … وهي تقع في صيرورة اللحظة نحو المثل العليا … وكان المستوى الفكري … وهو الذي اثر في العمق الفني … وبالحركة … التجديدية للشعر الحديث .

ونحن نقيس، ونحس (بالنموذج الشعري للبياتي) وهو يوضّح، الشمولية في المفاهيم الشعرية … وهو الاختيار الدقيق في التفرد في نظام المشمولات … والوسائل الدقيقة في الايجاز للنص الشعري .

فالتاريخ عنده عبارة تجسيد حقيقية للوقائع … وهو يقول في كتابه (تجربتي الشعرية) (التاريخ كتجربة انسانية واسعة ومتعددة الجهات)([1]) .

ومهما كان التأويل الوجودي للنص الشعري عند البياتي … واحالة البياتي الى تفكيك (زمكاني) وحرره بالقوة التدميرية في صيغة البحث عن عمليات الاختلاف … وهذا واضح في مرحلة الانتماء في اباريق مهشمة (في العام1954)

سأكون لا جدوى، سابقى دائماً لا مكان

لا وجه لا تاريخ لي، من لا مكان

الضوء يصدمني، وضوضاء المدينة من بعيد

نفس الحياة بعيدة رصف طريقها سأم جديد

في هذا الموقف … قد عمق البياتي النظرة الاحادية للماضي … فهو يقف مع الذات للمواجه من اجل المواجهة للموت … فهو الحضور لذاته وهو الوجود بعينه .. وهو الثورة على، منطق الحضور الفلسفي للنص الشعري .

فالبياتي، يؤسس حقيقة منطقية (بالموت والحب) من اجل البقاء، بمنطق (راديكالي) وسحر يبدأ تأثيره في الماهية الشعرية … والقول بالشمول والوسيلة لاختيار الايقاع المتفرد … وهذا ما اكده البياتي في (فلسفته للقناع الذي يدعو الى الثورة) في (بستان عائشة) وحاول البياتي تأسيس مدلول شعري في المعنى عبر القناع والتفرد فيه حتى صدور ديوانه (الكتابة على الطين) في العام 1970 كما يقول (محي الدين صبحي)([2]) ولكن في ديوانه الذي يأتي ولا يأتي في العام –(1966) كذلك في ديوانه (الموت في الحياة) في العام 1968 تفرد البياتي في فلسفة القناع في (بستان عائشة)

بستان عائشة على الخابور

كان مدينة مسحورة

عرب الشمال

يتطلعون الى حصونها

ويواصلون البحث عن أبوابها

ويقدمون خيمة للنهر في فصل الربيع

لعل أبواب المدينة

تستجيب لهم

فتفتح / كلما داروا

إختفى البستان

واختفت الحصون

فأذا خبا نجم الصباح

عادوا الى حلب، ينتظروا

ويبكوا الف عام

فلعلهم في رحلة أخرى الى الخابور

يفتتحونها

ولعلهم لايفلحون

فالموت عراف المدينة

هادم اللذات

يعرف وحده

أين اختفى بستان عائشة

وفي أي العصور

لقد عرفنا التفرد في (قناع البياتي) لأنة أشتمل على الصيرورة والضرورة التي نقلت المحتوى في النص الشعري .. الى مزيد من الإيضاح والإبهام .. فهو أيقاع يؤكد الكيفية في القراءة الواعية كنظام من الاختلاف في الأنا (يهز الفيزيقية) في الشعر ..

بستان عائشة هي (محاكاة وتجذير للماضي والحاضر) ([3])

وهي رمز أسطوري تاريخي وضعه البياتي .. تخصيصاً للبنية الشعرية والقناع في القصيدة .. له أثراً كبيراً في فلسفة الحضور الشعري وهو التجدد .. ويعد الرمز .. والقناع عند البياتي حالة يدركها، الإحساس وبشكل متسارع ..

ليعج بالدلالة .. والأيقاع في عملية من التجلي – والخفاء في رمز لارا .. او عائشة او عشتار او خزامى والبياتي في شعره و شاعريته .. يحمل (جدل الأختلاف والحضور) في نظام من الوعي، الذهني .. وهو يعكس تداعيات (الموت والحياة والحرية – والحب) والجديد في نظام الوعي .. وصيغته الدلالية، لبنية يكون أساسها الاختلاف في وحداتها الشعرية  في (مثيولوجيا الشعر الحديث) والبياتي ظل على اتصال بالعالم السفلي – بمحصلات أعتقادية تبين، الخواص الشعرية عن طريق (الرمز أو القناع) .

ففي ضوء المحتوى المتعين .. كان الأختيار للبياتي في لا مكانيات الموضوع أو الهاجس الذي يحيل الأمكانيه (في صيغة الموضوعات وعلاماتها –  ومحتواها .. واسلوبها، والحاجة المتاحة للمعنى في (صيغة النفي  والمنفى) .. وهو يبحث عن رائحة الشرق النفاذة في (الذي يأتي، ولايأتي) وهو الدخول في القوانين المعيارية والقواعد والقوانين التي تظهر عند الوجوب .. حيث السفر بلا حقائب .

ويعود الوعي العاجز .. وهو يدور في نفس المكان .

و الارض مازالت، وما زال الرجال

يلهو بهم عبث الظلال

وتعود عملية النفي لتحيل المدلولات الشعرية .. الى صورية عقد البياتي .. ويصبح العمل الفردي توضيحياً جدلياً لمقولات لانهائية الهدف منها .. (بلورة النص الشعري) و التحول الى مفهوم من الوصف المنطقي ليجعل هذه المفاهيم الراكدة تدب فيها الحياة والحركة:

في قصيدة اباريق مهشمة .. نلاحظ طريقة لوصف المواضيع المتشابكة في وعيها لتحقيق نص يعيّن الوصف الشعري من خلال تشابك العلامات في معنى (موضوع الشعرية) عند البياتي .. فهو الاحساس بالامل، الآتي .. ولا بد من قهر الظلام .. ولكن باحساس متناقض - ومتشابك .. ليجعل الوصف والمعاني تتناقض داخل مستوى، التقديم وفي معين من الشعرية والتحديد في حضور من المعاني والعلامات- والمقولات .

 

لا بد للخفاش

من ليل وان طلع الصباح

والشاة تنس وجه راعيها العجوز

وعلى ابيه الابن، والخبز المبلل بالدموع

طعم الرماد له، وعين من زجاج

في رأس قزم، تنكر الضوء الطليق

هذا الاحساس بالانتماء الى الاكثرية .. هو الذي منح الشاة صفة تحديد .. وتلاقي العمليات (الاختلافية) في(مركزية الاختلاف) ذاتها .. والصراع الذي يحيل الكلمة الى مفارقة ناضجة وإقتحام لمفهوم السبات .. والانطلاق نحو الصيرورة بقوة – واختيار- للوجود الاختلافي .. وبالطموح الازلي .. الذي ينشده الشاعر باستمرارية (مثيولوجية)  هذا الاحساس عند البياتي تحول الى مواجهة تحمل عدة من الألوان الزاهية .

والمزية التي يتمتع بها البياتي في شعرية نصه .. في البناء التكنيكي ليعي عملية الغموض – والاختلاف .. في ان الشعرية تحمل ايقاع في المعنى – ودقة في المضمون وبساطة في التركيب الشعري المتحرك .. الذي يسير في المقدمة .. وهي حالة من صيغ التعبير، تنتقل بشكل مطلق من مرحلة الى مرحلة، فالذين .. (قتلوا عائشة) كان وراء عملية القتل هذه، دوافع سياسية – واجتماعية .. يتحملها العصر المتراجع الذي تراجعت فيه كل المقاييس الفكرية – والاجتماعية – وماتت فيه الروح .. فبقي العشق في شعرية البياتي يعبر عن .. اشكالية (الزمكان) .

ويبقون العشاق منفيون يحملون قدرهم ليدفنوا موتاهم .. وبقي العشق في شعر البياتي .. هو الايجاز – والانجاز الفكري للحرية في عصر .. انحطت فيه الشعرية – والشاعرية وشوُّهت فيه الحرية .. وشاعت فيه الكلمة الجوفاء .. والرجال الجوف .. ولكن ايوب بقي في البرية .. يحرض على الثورة .. وتحول الى كهف .. يحتضن الفقراء .. فأيوب، كان البداية – والنهاية

يقول البياتي:

لتكُنْ المقلاع والحجرْ

لتكنٍ الانسان في صراعه الدامي مع القدر

لتكن المبدع والنار وصوتَ الريح والبشرْ

فأنتَ سيدُ الينابيع

وانت سيدُ المطر

لكنك، الآن، حبيسُ

تنقرُ القضبانَ في القفص[4]

ولكن ما الذي بقي في هذه القرية (ان هذه المدن لم يبقى منها –سوى الريح التي مرت – كما يقول برخت) وما زلت تنعى قضبان السجن لتخرج ابطال الاساطير .. من اوكارها الانسانية وهم الذين يخرجون من اوكار الاساطير.. وهم الذين يحققون المعجزة في الوجود الانساني .. وهناك الاختيار الذي حدد شعرية البياتي في موضوع (القفص) ودوره في بعث الحياة من جديد من خلال ارتباطه بحالة الموت لبعث الحياة (في ناقر القضبان) .

وطائر: اللقلق.. كما يقول البياتي في احد لقاءاته في مجلة كل العرب في الثمانينيات: (فاللقالق تقوم بمعجزة لانها تقدم امثولة لبطولة .. ويستعرض من خلال دورة حياتها قصة السحر ودوره في بعث الحياة) .

يقول البياتي:

تحطُ الرحال باعلى الكنائسِ

اعلى المساجدِ

فوقَ القبابْ

تجمعُ عيدانَ اعشاشها

من هنا او هناكْ

تبيضُ/ تُفرّخُ/ تُفردُ في الريحِ اجنحةً

تزقُ الفراخ

كأن ضوأتْ نجمةَ القطبِ فوقَ المدنيةْ

ذرافةً نورها في العراء  [5]

نما ريشها

واستطالت قوادمها في الهواء

تطيرُ اللقالقَ عائدةً

لبلاد الضباب

مخلفة صرخةٌ في اعالي السماء[6]

كذلك الحالة .. بالنسبة الى المكان أو المدينة .. والزمان هو الحال المنتظره .. والمدينة التي ضاعت هي القوة الكبيرة في بيان شعرية البياتي .. (والزمكان) هو المحور الذي اطلقه البياتي والقوة في اظهار قوة الخيال .. وهو المحتوى الدقيق الذي يتضح في القدرة .. على تصوير الالم .. والاحساس بالواقع – الى مثالية – مثيولوجية .. تحلق بالبياتي في عالم من الاحلام والاستنامة الى عودة اللقالق في ترتيب دورة الحياة .. وسحر اصواتها .. في هذه الحالة يضع البياتي شعريته في حالة درامية .. لا تحقق التأمل المطلوب في صيغته الشعرية: فالبياتي يخلق منعطف مثالي يتراخى .. ينحني ويستسلم الى (دورة فيزيقية في الحياة) .. هذا يذكرنا بمقاطع لا ليوت في حكمته التجريدية:

(يقول اليوت)

نتطلع وراءنا وامامنا

ونكتئب حسرة على ما لم يكن

وأصدق ضحكتنا

مفعمة بالحزن

واعذب اغانينا هي تلك التي تتحدث عن أشد افكارنا حزناً

فالبياتي استخدم الاقنعة لعمليات استنتاجية جزئية .. وللتميز في الخواص الشعرية، في مرحلة تاريخية بعينها .. لأن القدرة على عملية التأمل في الخواص النظرية لا يمكن ان تفصله عن خواص .. (الشاعر - والنص) كون الشاعر يميل دائماً الى تحقيق منعطف في موضوع (الزمكان) .. هذا الموضوع يقودنا .. الى تحديد المسارات الشعرية التي انطلق منها البياتي .. وهي خواص تتعلق (بالمنطق – والمنطق الفكري لهذا الشاعر) والبياتي حاول في بداية انطلاقته الشعرية ان يقوم بتأويل منطق النص الشعري .. وكان يهدف الى بناء نص شعري ليستكين الى الرمز من خلال (فساد الزمكان) .. والبياتي طور هذا الرمز الموضوعي: وعبر عدة من المحاور (المثيولوجية) في اعادة ترتيب الحياة .. وفق قوانين رمزية حددها الشاعر في (ناقر القضبان) – واللقالق .. من خلال (فساد المدنية) واعادة بناءها ثانية .. وهذا يأتي عبر (موت الازمنه – وفساد المدن) ومن ثم التحول الذي يحدث في نظر البياتي .. وهي العودة ثانية في دورة حياتة جديدة .. وهي نتيجة متوقعة لفعل .. سواء فيزيقي أو انساني يعيد هذا الامل في استيعاب دقيق لعملية العصر المهددة بالتلاشي بسبب فساد .. (الزمكان) حيث يجعل شعريته جلّ ابطالها  هم فاعلين في (الزمكان) ومغيّرين فيه .. وهو بأي بواقعية متميزة .. كان قد استوعبها الشاعر بشكل خفي .. ليجعل الوقائع كاملة وآنية لا ريب .. فهو يخلق حالة درامية (لزمكان قادم) وهو يحمل الخلاص .. في هذه الحالة يكون البياتي .. قد قام بعملية الكشف والتداخل بين (الوصف-والحدث) بالطريقة (المثيولوجية) .

فالبياتي ينفذ الى ما هو تحت (الزمكان الفاسد) ليجعل المنعطف وهو التعبير عن الموقف الشعري – والشاعري- والشعوري) في حضور دائم ومنتظر على بوابات مفتوحة على المستقبل كما يقول البياتي في احد لقاءاته الصحفية .. البياتي يحقق انطباعاً مؤجلاً عن الحياة .. وهو مشغول دائماً بفساد (الزمكان) والعجز الحاصل في الرغبة المتجسدة في النزوع نحو عالم .. ترتفع فيه المثل الانسانية عالياً وينتصر الحق .

يقول البياتي:

يتوجع العشاق في صحراء وحدتهم

يجوبون المساءات الكئيبة

حاملين جحيمهم

متوحدين مهمشين

لبثوا بفعل تواصل الأزمان

في ملكوتهم لا يكبرون

شابت نواصي الارض

دبّ الموت، في الغابات

فانقرضت

وهم ينفتحون ويزهرون ويثمرون

وبسحرهم قهروا التعاسة

واصّلوا الإبداع

فالبياتي يتفق مع اليوت في اشكالية (الزمكان) ذلك التصور المفعم بالاحباط، والرغبة العارمة .. والادراك .. والحساسية الشديدة لخصائص الحياة التي تتجاوز التعثر والاحباط .. والبياتي يوكد – قيمة الربط لخواص (الزمكان المستكين) هذه الخصائص المشروعة التي تعبر عن تصور دقيق لما آلت اليه (المدنية الفاسدة) والرغبة العارمة – والجامحة في الانطلاق المحمومة نحو الانعطافة  .. الشيء – الذي يميز البياتي في طاقته الشعرية .. هي طاقته الفعلية .. وهو يرى الاشياء ..وفق حقيقة منقطعة النظير .. وغير منفصلة عن طرفها الموصول .. وطرقها الوعرة .. والتي تعود بالمرء الى خواصه (المثيولوجية) وهي تتعدى كل ضروبه الفكرية .. والتركيز على حالة التغير باتجاه . الانعطافة .. عند ذلك يكون البياتي .. قد حقق الصفات الاساسية والمتعلقة (بالزمكان) اللا محدود .

فالبياتي استخدم اصطلاح تفكيري .. لتوضيح عدة من المفارقات وهي توضح عدة من حالات التأمل شعرياً .. وهي التجربة التي بلغت من الحساسية حد الموت –من أجل الحياة: في اجمل تصيور .. صورة اليوت لاحراز السبق – والقيام بالمبادرة – الاولى .. وترك الانتظار والمباشرة بالفعل لتحقيق الانجاز في السبق الانساني .

يقول اليوت: يخطون الخطى في اثرك واحداً بعد واحد، فاذا –

تخاذلت أو عرّجت على لقم الطريق وحدت عن الجدد

تدافعو جارين كالتيار المتغلغل

وخلفوك وراءهم نائياً

أو تصبح وكأنك الجواد الشهم الذي أعيا في الطليعة

فسقط هنالك موطئاً لكل سكيت الرهان

مجدلاً تخبطه الأرجل وتدوسه ثم يكون ما يؤدونه

في الحاضر[7]

فالبياتي يستعمل ذات العبارات الاختلافية – الشعرية .. ذات التأملات الفلسفية .. والتي تصور الانتقال الى مرحله متقدمة .. مرهونه بالانسان الذي يغير ما في (الزمكان) وتطهير الحياة من الادران .. حتى بالموت وهو الانعطافة في كينونة الحياة .. وهو المنظور والتأمل الفلسفي الشعري وان الفساد الذي (دبّ)في الامكنة – سوف ينجلي- وان رمز .. الموت .. ما هو الاّ شاهداً على الكثير من الانهيارات التي حدثت للمدن القديمة .. وللموروث .. هذا الانحسار والعجز وحسابات التقلب الذي تشهده الحضارة – والعصور ما هي الاّ انتقالة مؤكدة في شعر البياتي .. وبحالته القلقة الى سلّم جديد من التطور يتلمسه ويشهده البياتي .. وهو سر العراقة في الموروث الفلسفي للبياتي

يقول البياتي: في ديوان قصائد حب على بوابات العالم السبع

كان الفراق الموت

يأتي مع الفجر ليستخرج من صندوق هذا الحبد الجواهر

والامل المسافر

وشعلة الحياة

يأتي مع الجلاد

يحمل ميراث عصور احرقت طغاتها صواعق الميلاد

وقاهر الطبيعة الانسان

فلتحملي أماه

نعشي على فراشة البرق الى الحقول والغابات

و تنثريني في الضحى رماد

في مدن الجوع وفي أزمنة العذاب والثورات

ألدُ – من خلال هذا العالم الواعد بالطوفان

من جديد مع الملايين التي عذبها انتظارها الطويل

من اجل ان تنهض فوق هذه المدينة الشهيدة

كومونةُ جديدة [8].

ورغم  ان الابتداء في المكان – والعودة الى المكان، ولكن بزمان مختلف ومتغير، والرجوع الى مركزية (الموروث وهو الانسان – والموت يصبح اكثر سمواً من خلال الحياة، والانتقال الى (الزمكان الجديد) يأتي بانطلاقة .. وهي اكثر عراقة نحو الموروث – والحقيقة ذلك السعي الذي طرحه البياتي في منهجه الشعري الى الحدود الاكثر فلسفة .. وقد بين البياتي من خلال هذه الشعرية التنوع والحدة وهي الدرجة التي وصل اليها البياتي .. في نظم قصائده ونتاجه الشعري .. وهو كشف الاهتمام كان قد بينه البياتي في خواص (الزمكان) و 00 المثيولوجيا) وهو انموذج للصورة الشعرية التي تكونت في الخلاص الابدي .. هذا الخلاص يصاحبه (النفي والمنفى) في القصور البربرية .. ومحاولة التصدي لهذا المخاض عبر التفكير الجدي في عملية التغيير في محنة الوجود .. وكان هذا عبر … (طرفه بن العبد – وابو نؤاس – والمعري – والمتنبي)) في صيغة من التمرد .. وفرّها البياتي عبر هذه الرموز  رغم انها بعض الاحيان تكون مكرورة … لكنها مختلفة وتعتمد – الاختلاف المتبادل – والتأثير … ويتم التركيز على المدينة – (الميتة) والفساد الذي يعم (الزمكان) ومركبات الحياة الاجتماعية – الخاوية .. وموضوع المدينة الميتة عند البياتي يتحول الى حلم من العشق في بستان عائشة .. والفرات ودمشق بهذا الاتجاه (الفيزيقي) يبقى البياتي الشاعر الحالم .. في قناع الشخصية:

هذه هي اشراقة البياتي في مزجه المنطق الجمعي بالتفكير الوجودي – والحقيقة – والتعدد في تمتين الموقف الدلالي وجعل الاداة تبدأ (بفساد الامكنة) كما هو الحال عند اليوت – وانتهاء - - بالتفكير الجمعي الوجودي .. بطرفه – والحلاج – وديك الجن .

جاءت الاقنعة لتضيف التجريد والايغال في الذاتية بواسطة موضوع القناع للتعبير عن محنة (الزمكان) الاجتماعي – والوجود – والحقيقة عبر لمسة جانبية لجمال يختفي وراء هذه القناع .

يقول البياتي في قصيدة صورة جانبية لعائشة:

تختفي وراء قناعاها وجه الملاك

وملامح الانثى

التي نضجت على نار القصائد

أيقضت شهواتها ريح الشمال

فتجوهرت تفاحة / خمراً

رغيفاً ساخناً

في معبد الحب المقدس

أدمنت طيب العتاق

ظهرت باحلامي، فقلت: فراشة

رفت بصيف طفولتي

قبل الاوان

وتقمصت كل الوجوه

وسافرت / بدمي تنام

قدسية تنسل في جوف الظلام

لتعانق الصنم المحطم

تُنشب الاظافر في الحجر / الحطام

ياقوتة /  فمها / تشع طريةً

نارُ الحقول /

ضفائر معقودة /

عينان تضطرمان من فرط الحنان ْ

وجهٌ وراء قناعهُ يُخفي، مدائنَ صالح، وحدائق الليمون في اعلى الفرات ْ

أمضيت صيف طفولتي

فيها، وأدركني الشتاء

وحلمت في منفايَّ بعد رحيلها

ذهب القصائد والرماد

ويمضي البياتي: في بناء تشكيلاته الفنية في القناع او في تقمص الشخصيات في قناعه .. فهو يبقي التعبير عبر عملية الصراع – بين البطولة التي يمثلها الابداع – والمبدع والسلطة الفردية – والمدينة الفاسدة التي لوثها الطغاة) في زمن افلج .. حيث غدروا باهلها .. فالبياتي يبني دوره، عبر الصراع التاريخي .. ودورة الحياة الابدية … والبياتي قد تمثل بالمطّهر في شخصية ورمز المتنبي –والمعري – وجلال الدين الرومي – وديك الجن .. هذه التقنية .. هي الصورة التي وحدت رؤية الباتي للحياة: ربما كانت المستويات التي احدثها اليوت على رموزه وهي، تمثل قيمة معينة في شخصية (كور يولانس) لكنها ليست بمستوى قيمة (هملت عند شكسبير) ولكننا ندرك ان هذه المسرحية – لها ايقاع خاص (عند اليوت) ونموذج البطل في (الارض اليباب) يظهر في التأملات لدى الشاعر في (هزيم الرعد)

يقول اليوت

قد سمعتُ صوت المفتاح

يدور في الباب مرة ولا يدور الا مرة

نحن نفكر في المفتاح، كل منا لا يتشبث

من سجنه الا عند حلول الليل، وتنعش

للشائعات الاثيرة لحظة (كوريولانس) كسيرا .[9]

هكذا وازن اليوت بين رموزه في الماضي – والحاضر وبين المدينة الفاسدة التي علاها الصدأ .. واصبحت تعاني الوحشة .. هي نفس المدينة الموحشة فــي (بستان عائشة) عند البياتي – وهي المدينة التي اندثرت طبعاً مع الفارق في تأكيد اليوت على (تحطيم الذات الارستقراطية في القصور الحديثة – وهي نفس الذات المحطمة عند فلوبير .. وهي نفس الحالة التي تنعــى (كوريولانس) رغم القوة النسبية – والمواهب التي يتمتع بها .. وهي خلاف التعاليم اللاهوتية عند (دانتي) ..

ويتكرر هذا المشهد في قصيدة (مسيرة النصر لأليون) ولكن لم يبرز (كوريولانس) بأعتباره البطل ولكن يذكرنا بمقاطع لبيتهوفن لتحمل ألاسم نفسه 100 وهي نفس الموا زنة عند البياتي في حدود الرمز التراثي 00 ولكن عند البياتي00 يجب ان يكون القناع أو الرمز هو الثوري وهو الذي يعيب على ادونيس في استخدامه قناع . . (عبد الرحمن الداخل) المعروف – بصقر قريش – ويتهمه أي يقيم البياتي أدونيس: بانه استخدم (الحلقة الفردية – في بناء قناعه التراثي) وذلك لان عبد الرحمن الداخل يمثل (رأس المدنية الفاسدة – والزمن الأفلج)2 .

والبياتي يثبت بالرمز – ويمثله – حتى يكاد يتشربه أحياناً – ليصبح نصاً فلسفياً – يدعو الى شعرية متزمتة – ويكون قناعه (هو الثوري) وهو التعبير الفلسفي المطلق في الصوفية مع لمسة فيزيقية تؤكد وجودها عبر منطق مـــــن (الحرية) صنعه البياتي ليحيا به كقناع – ورمز كما هو الحال مع (ديك الجن) ويقول البياتي:

رأيت ديك الجن في الحديقة السرية

يضاجع الجنية

يغمرها بالقبل الندية

لكنها تفر قبل ذروة العناق

تموت في جرائر المرجان

هاهي  ذي في القاع

تزحف فوق وجهها جحافل الديدان

رأيت ديك الجن في القاع بلا اجفان

على جواد عصره المهزوم

يقاتل الاقزام

مهاجراً في داخل المدينة

هاهي ذي الجنية

تعود بعد موتها حية

جارية رومية

رأيت ديك الجن من فردوسه مطرود

يصطاد في قفار ليل موته الاسود

والكلمات السود

ملطخاً بالحبر والغبار

وعرق الاسفار

ويتكرر الابتداء في التفكير النظري .. حول رؤيته الى القناع باعتباره يأخذ استقلالية، ويتمتع بالانطلاقة من الموروث .. حتى يصبح (حدثاً شعرياً) بصيغته البلاغية .. وممارساته التطبيقية .. على مستوى الدلالة – والمعيار الفكري في أكثر من بحث عن الميول الدقيقة والتماسك في بناء النص  الذي يفصّـــل (الحدث الشعري)  كما هو الحال عند (أمبرامس  MHABRAMS) المصنف لنظريات (فن الشعر) الذي يراعي التسجيل .. وهو الذي يتبنى العناصر الاربعة في المسألة الادبية والشعرية – بشكل خاص (الادب – القارئ – العمل الادبي – السكون)  .

البياتي: يهتم بالعناصر – والرموز التي تسلط الضوء علــى (الجانب الايمائي) (MMETIOUES) الذي يؤكد على (النص – والقارئ) ولكن البياتي نجــــح في هذا التطابق الفكري المتناسب مع التطور الذي يحصل في (الزمكان) وهو الذي عرفه المنهج الشعري عند البياتي [10] .

والمنهج الشعري يتخذ اشكاليات متعددة من المعاني  والحوار … وهي صور تضفي على النص قدر من الموضوعيـــة (لمنهج البياتي الشعري) الذي زواج به بين (الزمكان) كما هو الحال في قصيدة (موت الاسكندر المقدوني)

يقول البياتي:

يحمله الجنود في محفة الموتى على الرماح

هاهو ذا المنتصر المهزوم

يعود من اسفاره وليس للاسفار نهاية

هو الحالم: في صوفية موضوعية -  سيكولوجية – ونمط يتطابق – طردياً مع هندسة النص – وبنسب متفاوتة بين: الاشكاليات المتعلقة (بفلسفة النص) وحاجة القناع كانطلاقة للتجسيد – وظاهرة الثماثل في المنهج الشعري في التصوف .. ومحاولة الكشف عن باطن النص عبر جزئية – تنطلق باتجاه التجربة الكلية للمنهج الصوفي وما شكله من صيغ دلالية – بفقدان  (الزمكان) وغياب المدينة في – مخاض الحضارات في (نيسابور) و (بابل) والانطلاقة من الذات المعذبة ويزداد ايقاع البياتي – ليأخذ مداه في المكان بشكل مباشر فــي (الحانة والغربة)

وانت في الغربة لا تحيا ولا تموت

نار المجوس أنطفأت

فأوقد الفانوس

*******

في سنوات والغربة والترحال

كبرت يا خيام

وكبرت من حولك الغابة والاشجار [11]

في اطار تحليل النص، واشكالية المكان المتناهي في الجزئية .. وعلى مستوى النواظم والحجوم المعكوسة في النص الشعري – وما يشكله (الزمكان) عن قيمة فلسفية – وقراءة تصنف النصوص، بادوات تبلور الموقف الشعري وتدفعه نحو عملية التغاير في موضوعات (الزمكان) .

والخطاب موجه الى (الزمكان) بنص معطي – في جوانبه اللسانية – والشعرية … وهذا يذكرنا بقصيدة (اغنيــة القاهرة)

يقول صلاح عبد الصبور

لقاك يا مدينتي يخلع قلبي ضاغطاً ثقيلاً

كأنه الشهوة والرهبةُ والجوع

لقاء يا مدينتي يُفضُي

لقاك يا مدينتي دموعُ

أهواك   يا مدينتي الهوى الذي يُشرق بالبكاءْ

إذا ارتوت برؤية المحبوب عيناهُ[12]

ان الموعظة لدى صلاح عبد الصبور في تشكيل المكان، من الناحية الفلسفية، تبدو الصورة هي المهيمنة على منطق الحدث الشعري – هي نفسها تتردد في رؤيا فلسفية المكان لدى البياتي – من خلال التطلع الى مستويات تتاكد في نسيج النص الشعري .. وهي المدخل الرئيسي في القصيدة .. وتكاد المدينة تضيف شيئاً فشيئاً حتى يتحاصر الانسان في أزقة وغرف من الاسمنت – وكل شيء يتحول الى برونز – وتختفي معالم العشاق – وتظهر (الكلاب – ويظهر الذباب) لقتل (العشـق – والحب) والبياتي يتحول من الرمز التراثي – والحضاري في بابل – ونيسابور الى " الورم الاجتماعي " .. واصنام البرونز – والاصفاد – والحديد – الذي يطوق أيادي العاشقين .  . والذباب الهائج  - والكلاب السائبة التي تعوي، وهنا يلتقي البياتي مع " اليوت " في انحطاط المدن، بعد ان داهمها الطاعون – ويلتقي البياتي مع (بيرجان برويو – في عصر البرونز) .

ويقول البياتي:

فلتغسل السحابة

ادران هذي الارض هذي الغابة

ولينهض الموتى من القبور

ولتحرق الصاعقة الجسور

والجثث المنفوخة البطون

فحول رأس القيصر النسور

تحوم و الامطار [13]

فالرمز عند البياتي .. هي تلافيف الواقع  المر .. داخل هذه المدن الذبيحة – فعالم البياتي يدرك الحضور – والعلاقة التي تتعلق بقضية الانسان المعاصر .. وهو يتعرض الى ابشع صنوف الارهاب – والفاشية والعنصرية داخل جدران من الاسمنت – فالبياتي يحاول خرق التقاليد والرمـــــــوز (الزمكانية) التي تحجـرت عند بعض الشعراء  – ليقول ان (الزمكان) اصبح مطوق بالحديد والنار .

يقول البياتي

أرى بعين الفيب نيسابور

تحوم حول رأسها النسور

يسلخ جلدها وتشوى حية في النار [14]

والفكر النافذ في صورته يتعمق عبر عمق في الشعور … وان الحقيقة في رموز المكان في شعر البياتي ما هي الا كشف لحقيقة الرأي – والمباينة – والوقوف مـع الجمع، في مواجهة الزحف المتواصل – للذباب – والكلاب وهي تدخل المدينة .

يقول البياتي

فالعقم والصيف الذي لا ينتهي والصمت والتراب

والحزن والطاعون

طعام هذه المدن المنفوخة البطون

العاقرة الهلوك

من الف الف وهي في أسمالها تضاجع الملوك

تمنح بالمجان

قبلتها: اللص والقواد والخائن والجبان

 

بين فلسفة الحضور الشعري

(والزمكاني)

بين فلسفة الحضور .. يعد البياتي من بين الشعراء الذين مارسوا الحضــــور (الاختلافي) في فلسفة الشعر .. ليس فقط بجانبه (المنطقي – والوجودي) بل بجانب التحكم في عملية الصياغة للمعنى، من خلال مغامرة في – (الستراتيجية الفكرية) وعبر منهج اجتماعي تحكمه شعرية النـــــص – (بانطولوجيا) برهانية تسعى للبرهنة على حقيقة المقدمات وامتلاكها الجديد للحقائق – والمدلولات .. وهو المشروع الشعري (لتفكيك النص) والبياتي يظهر لحظة الغياب بوجود اختلافي يتجه به الحضور المتواصل، لتوضيح مفهوم (الدال والمدلول) من ناحية اصوله الفلسفية … ويظهر هذا في ثنائيات البياتي المتميزة وهي ثنائية تتميز بالطابع المرجعي الذي يركن الى محنة الانسان في هذا الكون وهي الاشكالية الاولية في عملية الاختلاف الحضوري .

والبياتي يتمحور حول هذه – الثنائية (الحب – الحرية) وهي – الثنائية التي تميز تجربة البياتي من خلال (الزمكان) .. واستمرار الحياة عبر الموت .. في اولوية مرجعية تؤكد دليل عملية الاختلاف – والحضور – هذه السلطة الحقيقية للنص الشعري باطار من التفكير – (الزمكاني) عبر الثنائيـة في (الحضور والغياب) وفي (الوقت – والثورة) ان منطق (الحرية – والحب) وهو مفهوم اختلافي يعمل على تفكيك حدة – الذات – وحجب منطق الوجود (كما يقول ها يدغر).

فالبياتي يحدد دلالة الثنائية في (الحب والحرية) .. وهي الصورة المركزية لاشكالية (الزمكان) في (المعبودة – وههو القناع – والصوت – والصدى) في قصيدته (سأنصب لك خيمة في الحدائق الطاغورية) في ديوانه (كتاب البحر)

 

ويقول البياتي:

وخلق سور الليل صفصافة

يغسل عينها ندى الفجــر

تنشر في الليل مناديلها

وتغمس الاوراق في النهر

تاوى العصافير اليها، وفي

غيابها تنام في قلبي

حاملة بذور احلامنا

وصبوات النور والزهر

وكلمات لم نقلها ولم

تبح بها غزالة البحر

اغتصب العالم فيها وفي

حروفها اموت في الاسر

مرتدياً اكفان كينونتي

وغسق الميلاد في القبر

وحاملاً للنور قيثارتي

وصاعداً اليك من بئرِ

ثغرٌ ومن تيميّة النهد

ومسها النور باقداسه

وباح للعشاق بالسر

وصاح فوق الطور مستنجداً

غزالة عدت الى البحر

ونجمة في قاع نهرٍ الى

بلادها تعود في الفجر

تاركةً بذور كينونتي

وجسد الميت في الارض

ممزقاً محترقاً دامياً

تحت سياط الجوع والخوف

ويمضي البياتي في نتاجه الشعري – الذي مثل الحدة في الوعي – والتطور المتسارع في الادوات التي تكّون اللحظة الحاسمة، وهذا هو الرسم البياني الذي يتميز به البياتي في هندسة المسلك المكاني المألوف، في حالات التطور.. لان الفضيلة القابلة لتكوين الحشد المتسارع في تجربة شعرية حية  عانت الغربة والاغتراب والحرية والحب والنفي وهو شيء تكون في منهج شعري سعى الى المطابقة والتأمل في خصوبة حية ورغبة متنوعة في (العلامة والمعنى) والشهوة والمغامرة – وبين هذا وذاك .. تلابست القطعة الشعرية فبرّزت احتشاد التجربة التي مثلت قيمة فنية .. والبياتي كا قد هيأ ادوات هذه القيمة وعبر معاناة متميزة، هذا الاكتمال كان هو الوحدة لا في الحضور الاختلافي وهو يتمثل القوة المتعلقة بالابداع بل بتفسير كنه الحياة . .

 

بقلم:  د. علاء هاشم مناف

.........................

1.الرؤيا في شعر البياتي، محي الدين صبحي ن ص 35 .

2.نفس المصدر السابق .

3.ت – س اليوت .. الشاعر الناقد ماثيسن، ص 175 .

4.بستان عائشة، دار الشروق، القاهرة .

5.نفس المصدر السابق .

6.نفس المصدر السابق .

7.ت – س اليوت .. الشاعر الناقد ماثيسن، ص 149.

8.نفس المصدر السابق.

9.قصائد حب على بوابات العالم السبع، ص 120 – 121.

10.نفس المصدر السابق .

11.نفس المصدر السابق .

12.لغة الشعر، د. رجاء عيد، ص 343 .

13.مجلة البحرين الثقافية، العدد 82، ابريل 2002 .

14.تجربتي الشعرية، ج2، ص 17 – 18 .

15.احلام الفارس القديم، صلاح عبد الصبور، منشورات دار الاداب، بيروت .

16.الاعمال الشعرية، ج2، ص 212 – 213 .

17.نفس المصدر السابق .

.

abdulkadir kabanتبدأ الرواية الموسومة "عيون البنفسج" للمصري علاء الديب بمقدمة، تشير إلى أنها اعترافات من سيرة بطل القصة تامر فكار ابن أستاذ الجامعة السابق منير فكار والسيدة سناء فرج، أضاف إليها الكاتب بعض الأشياء من خياله الخصب.

منذ البدء يدخل هذا النص الروائي في إعلان هويته المتعلقة بجملة من الذكريات للشاعر تامر منير فكار، إذ ينهض ضمير المتكلم بصوغ المحكي كما نقرأ فيما يلي: "لو أن لي من العمر ألف سنة لما تحركت ثقيلا هكذا، فاقدا للحماس، هل هي آثار الليلة الماضية، والكيوف المختلطة والدخان الذي لا ينقطع، أم هو الثقل المعتاد والإرهاق الذي لا مبرر له الذي أشعر به كثيرا فوق قلبي." (ص 205).

إن السرد بضمير المتكلم في "عيون البنفسج" يوهم بواقعية التجربة وحقيقة الشخصيات عموما، والسارد لا يكتفي بنقل الأحداث بل يشارك في صنعها، وهذه الصيغة أتاحت للبطل تامر إمكانية البوح بأحاسيسه واستحضار ماضيه وعلاقته بالحاضر، كما جاء في المثال الموالي: "جئت إلى هذا المقهى مرة وأنا صغير مع أبي وشربت مشروبا أحمر باردا في كوب كبير، كان مكانا جميلا مفتوحا والشمس تسقط على البلاط النظيف.. ابتسم الجرسون العجوز يومها في ود وحرارة. إلى نفس هذا المقهى، رجعت طوال عمري، عندما صرت وحيدا في هذه المدينة المرعبة، رجعت إليه دائما كما تهرش في جرح قديم." (ص 206).

تعود بنا شخصية تامر فكار إلى عالم طفولته البريئة، حيث يستوقفنا مرضه وعلاقته بزملائه في المدرسة، التي لم تكن تروق له في كثير من الأحيان، كما جاء ذلك على لسان السارد: "كانوا يسخرون من لهجتي ومن نطقي لكلمات 'الدجاج' و'السيارة' ومن عدم معرفتي بألعابهم ومصطلحاتهم التي كنت أكتشفها بفرح حقيقي واهتمام. لم يسمحوا لي بمكان بينهم وأنا لم أكن أريد. سادت أيامي الأولى هنا معهم عدوانية وإعجابا بشروري الصغيرة." (ص 209).

تبدو سيمات الوحدة والتيه في حياة تامر فكار واضحة الملامح منذ الصفحات الأولى للرواية، التي تحفز بدورها القارئ الفضولي لمواصلة رحلة القراءة لتتبع مسار هذه القصة، كما هو شأن حديث البطل عن صديق والده الكاتب والرسام السيد شوقي عامر وعن شقته التي جمعته برفيقة دربه وحبيبته الكاثوليكية كارين: "في الأيام الأولى والحب مازال مترددا كطائر يتقدم ويفر هاربا.. كان كل شيء يبدو مستحيلا جاءت من بولندا تزور ثلاثة أو أربعة بلاد في المنطقة، تعد رسالة في الجامعة بعنوان 'الفنان يعمل' تكتب وتصور الكتاب والفنانين وهم يعملون، تكبرني بست سنوات، تعرف أشياء كثيرة، حضورها سحري آسر، وجودها معي بلا ثقل كأنها موجودة منذ القدم." (ص 212).

يقوم الكاتب بتحليل نفسي لشخصية البطل، كما جاء في وصفه لحالة تامر الطالب الجامعي المستهتر، حيث نقرأ ذلك على لسان السارد كالآتي: "طالب في الجامعة ولست طالبا. أشرفهم بزيارتي يوما وأنسى أمرهم لشهور. حتى الامتحانات هناك أعذار وشهادات مرضية. ليس ورائي أحد. من يعرفون أبي من الأساتذة القدامى اقتصرت علاقتنا على ابتسامات باهتة نتبادلها عن بعد وسط الزحام." (ص 216). 

وحده الشعر ما كان يواسي البطل في وحدته، وكذا علاقة الصداقة التي جمعته بطالب الحقوق حسين كاظم والتي كانت متنفسا لتوتره وأرقه المتواصل: "أسترد أوراق القصيدة في هدوء وأنا أقول الكلمات التي تقال عادة في هذه المواقف ووقع علينا صمت مريب زاد من كآبة المقهى ومن ثقل تلك الساعات الثقيلة التي تسبق العصر وتعقبه." (ص 207).

تمركزت ذات البطل تامر داخل الذاكرة، لتستعيد ذكريات ذلك الصدر الحنون، مربيته نجية التي اختفت بعدما تفككت أسرة فكار، ليعود ويجدها من جديد مثلما ورد في قول السارد: "وجدتها في بيت داخل حواري 'بحري'. بيت رفيع أبيض محشور بين عمارات صغيرة بذيئة. كأن البيت بني عليها باليد وهي بداخله. تسكن في غرفة مسروقة بين الطوابق. لها نافذة واحدة طويلة، يدخل منها ضوء بنفسجي رقيق تستقبل دوما نسيم البحر." (ص 222).

هناك انسجام واضح بين البطل تامر ومدينة الإسكندرية التي لطالما تذكره بحبيبته كارين، وهناك تسكن والدته كذلك مع زوجها هاني قبطان المليونير الذي توفي بعد زمن من جرعة هروين زائدة: "الإسكندرية في حياتي كأنها 'كارين' حبيبتي، عيون البنفسج، لها نفس اللون والضوء المستحيل. تنعش كياني ولا أشعر بثقل لها." (ص 221).

يتذكر تامر أخته لمياء بحسرة وهي تقع في نفس حماقة أمه، أين تزوجت مع التاجر الفاحش الثراء ابن الباجوري، وهي لا تزال طالبة في كلية التجارة ولم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها وكل ذلك ناتج عن فعلة هاني قبطان، مثلما يشير إلى ذلك المقطع السردي التالي: "وافقت الغبية الحمقاء. طمعت وسالت إفرازاتها الأنثوية. سحبها ابن الباجوري إلى الجحيم الجديد المكيف الهواء. عندما وجدت وقتا لكي تسألني رأيي قلت: أنت حرة.. اسألي بريد الأهرام!." (ص 224).

تسهم دقة علاء الديب في نقل ذكريات بطله وتفكيره، ليشارك القارئ في واقع يعيشه العديد من شبابنا المثقف اليوم، حيث تنقلنا شخصية تامر للحديث عن وفاة والده المفاجئ وزواجه من امرأة أخرى وما خلفته هذه الحادثة من أثر في نفسه: "أخذت أبي إلى داخلي كي أنفرد به. لم أكن أريد أن أحكم عليه أو أحاكمه. كنت أريد أن أجده. أن أتعرف عليه. أفتقده أحيانا كثيرة. وأغضب منه وعليه ثم أعود فأراه وحيدا مطرودا يسير في شارع موحش بلا نهاية." (ص 228).

يلاحظ أن الكاتب وظف تقنية المنولوج الداخلي لاسترجاع أيام من طفولة البطل وكذا مخاطبة النفس كما نقرأ ذلك في الصفحة 240، حينما يحدثنا البطل عن علاقته بابن الخادم حلمي الذي كان مريضا بداء الصرع: "عودته من النوبة كانت شيئا جميلا، كأنه الصباح يعود من جديد. حياة حلمي حية واسعة مليئة. كأن يعيش في خلية نحل أو في مدينة بناها النمل تحت الأرض. بادلنا أنا وهو حياتي بحياته، أحب حياته جدا، ويومه المزدحم، أحب -أيضا- أن يبقى معي طوال الوقت يحكي ويتفرج على الصور. عندما أكون مريضا ويبقى هو معي في الغرفة كنت أشعر بدفء وضوء غريبين يملآن المكان، وعندما يذهب كانت الغرفة تعود باردة كأنها قبر من رخام.".

تود الرواية أن تكشف مجملا عن حالة شاب يعترف للآخر -القارئ-  عن جملة من ذكرياته بين الوحدة والتيه بمتعة لا تخلو من الأسى، جاءت بلغة بسيطة وسلسة، كشفت عن ذات ربطتها الحياة بشخصيات ايجابية وأخرى سلبية تركت بصمتها في يوميات بطل المبدع علاء الديب بامتياز. 

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.............

(1) علاء الديب: عيون البنفسج، دار الشروق،1999.

 

إن ما يسترجعه "عزازيل" في رواية يوسف زيدان عنوانها "عزازيل" الصادرة عن  دار الشروق طبعة خامسة 2009 هو تأكيد على علاقة هذا الإنسان بالعالم لكنه يمر عبر زمكانية من الاحالة وداخل بنية سردية تتشكل باعادة تلك التصورات وفق منطق زمكاني يتحدد  بطريقة فعلية وصياغة تاريخية للاحتفاظ بالمنطق السيكولوجي "الجشطالتي" وما يعني الصياغة السيكولوجية، للوعي الجوهري للتحليل الظاهراتي.

ولكي تبلغ المشكلة السردية في الرواية غايتها في إعادة تصوير الزمن السردي في خاتمته حين يكون داخل المقاصد. والأحالة المرجعية التي تُبرز النسيج السردي الروائي عبر السرد الهرمينوطيقي المحسوس وهو ما يعنيه المقصد المرجعي السيكولوجي "الجشطالتي" الذي لا يتضح إلا من خلال الأبعاد الاستعارية للاسطورة وهي الاستعارة الحية التي انبنت من قبل الروائي على الاستعارة التعالقية بين "هيبا" البطل الذي يجمع بين تعالق الإنسان بالعالم الآخر.

ورواية "عزازيل" هي عبارة عن تحليل للزمنية النصية اي إلى عالم النص التفكيري الذي يمليه القارئ بدلالته التفكيرية. فالسرد الروائي هو فعل بنوي يقدم لنا حبكة بنوية من المعاني تنكشف بالقوة الانتقالية التفكيرية والصياغات التصورية للأحداث عبر السرد التاريخي السسيولوجي الهرمينوطيقي الذي يتشكل به الفعل النصي وتعالقه مع حياة الإنسان من الناحية الموضوعية وما يخبره من تجربة في العناء وفي التعبير المزدودج بين "نظائر  الخطيئة والاثم" وما يتعلق بالمنطق السردي والحبكة التجريبية التي تأتي في أحيان كثيرة مع خلاصات التعبير السردي وما تمثل من فرضيات أساسية في الفعالية السردية للرواية وبين الطبيعة الزمكانية للتجربة الانسانية، فالتعالق يأتي في هذه الرواية ليس تعارضاً عرضياً بل هو يمثل شكلاً من إشكال الحس الديني الذي يخضع لمتاهات الوعي اللاهوتي للديانة المسيحية حيث يصير الزمن هو التعبير عن حقيقة الإنسان اللاهوتي المسيحي، ليصاغ بطريقة سردية، ويشكل السرد عمودها الفعلي حتى يصبح شرطاً وجودياً زمكانياً يقع في مهام الإرتباط الهرمينوطيقي والصيرورة البنوية.

ورواية "عزازيل" ليوسف زيدان تؤرخ حقيقة الفعل الاجرائي اللاهوتي المسيحي وعلاقته بالفعل والعناء والخطيئة وتعيين الاستثناء الهرمينوطيقي في هذه الرواية، فهي المعنية بالاجراء التجريبي عبر العملية التاريخية وعلاقتها بالكشف عن المصادر التاريخية وحركة الزمكان السردي، والمصير المتصور الذي يعد زمناً على مستوى التصور القبلي الذي تحقق بالفعل الإنساني في سياقه التاريخي الديني وغير الديني، والرواية تحاكي المستوى الفعلي الذي يؤدي ابطال الرواية فعلهم وتحركاتهم داخل المستوى الظاهراتي من فعل الرواية.

وفصول الرواية تقسّم على عدد "الرقوق" " التي هي متفاوتة الحجم، وقد أعطيت للرقوق عناوين تسهيلاً للقارئ، وقد أستعملت الأسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها الراهب هيبا".(1)

وكان عدد الرقوق "ثلاثون رقاً" والتاريخ يظهر في هذه الرواية وهو نسقاً ذاتياً في قمة التاريخ الدنيوي والتاريخ المقدس والأول مارسه هيبا من منطق إنجيلي، والأنجيل كما قال يوحنا في تعريفه للانجيل، قال يوحنا: ذهبيُّ الفم، كذلك معنى كلمة القديس : وتعني الاخبار المفرحة، والتاريخ الدنيوي. هو التاريخ الحدثي وهو الأقرب إلى النمطية المثالية فهو التعبير عمّا يحدث، أما التاريخ القدسي:فهو يستخلص الأحداث.

إنه يدمجها في المشروع اللاهوتي السماوي، ويتم الحكم على نتائجها أعتباراً من التعاليم الكنسية، وهو الذي يميز بين الأحداث ذات الدلالة الشاملة، لأنها تظهر اللامرئي في المرئي، والمقدس في اليومي ورواية "عزازيل" هي من هذه الدلالة النمطية للتاريخ المحرك لتقسيم التاريخ إلى دنيوي ومقدس.(2)

وأن الظروف المحيطة بالخطاب الروائي تبين  ما تناولته التداولية في الخطاب الروائي ومن شأن لبنية الجملة التي يتم تحقيقها على يد رجال الدين اللاهوت الذين يتقدمون التاريخ المرئي في الرواية وهم:

1. هيبا الذي يمثل التاريخ الدنيوي بلمسة قدسية مبطنة لكنها متركبة في شخصية "عزازيل" وهو الإبليس الأرضي الذي تركبّ في شخصية "هيبا".

2. نسطور وهو المشرف الكنسي والمسؤول عن تقديم الخدمة لتيودور وهو القس، والرواية تبدأ بالراوي وهو هيبا الذي يروي الأحداث ويسجلها على تلك الرقوق وهو يروي المجيء إلى اورشليم، ويعلن هيبا عن وجوده المتعين في الزمان الدنيوي المرئي وهو تعيين  مشروط بالبقاء دائما داخل منحى وجودي في الزمان المرئي، وحاله الدائم هو الرحيل بعد ما قتل ابيه بمؤامرة من والدته لتتزوج شخصاً آخر، فكانت رحلته داخل صومعة هذا الأدراك الحسي الذي أصبح هو المتصّور الحقيقي لوجوده داخل زمنية مرئية تطل على رؤية صوفية متشددة يقطعها الوعي الدنيوي الذي يخضع إلى اهواء النفس البشرية.

وهيبا كان يخضع إلى اهواء نفسه إضافة إلى أنه كان  يعاني أزمة سيكولوجية جنسية كانت مرتبطة بصيرورة هذا الزمان المرئي الذي يداخله دائماً بالزمان غير المرئي. وهيبا هو المتعين الزمني الذي يرتبط بالوجود في شخصية "عزازيل" ومع هذا الوجود العيني المتصاعد تبرز الأشياء الأخرى من اهتمامات هيبا باعتباره رجل دين مسيحي، وعنده اللغة الارامية قبل السُّريانية.

يقول هيبا" بل نقول السُّريانية، ليتميز زمانها المسيحي المبارك عن زمانها الأول، الوثني واليهودي" [ص36] وخنوم الإله "الذي كان القدماء يعتقدون أنه يصنع الشر من طين الصَّلصال، ثم ينفخ فيهم آمون ليهبهم الحياة" [ص40]، وكان "معبد الإله خنوم الذي يستقبل جريان النيل، عند الطرف الجنوبي من جزيرة الفنتين الواقعة جنوب مصر، بالقرب من أسوان" [ص41] .

كانت اللعبة المثالية اللاهوتية عند هيبا قد قلبت حياته، هذه السيكولوجية الاهوائية الجنسية اللّعوب هي التي قذفت به في مهاوي الاقدار بعد مقتل ابيه على ايدي متطرفين مسيحيين ومجيئه إلى الاسكندرية وتعرّفه على "اوكتافيا الجميلة خادمة السيد الصقلّي وهي مثل إبنته رباها وقد مرت بعين  المشكلة التي مر بها هيبا هو مقتل زوجها على أيدي متطرفين مسيحيين، لكننا نستدل من شخصية هيبا بأنه شخصية مهتزة سيكولوجياً وانه خسر أوكتافيا بعد أن عرفت أنه رجل دين متطرف وأنها وثنية كما يطلق عليها هيبا دائماً.

واوكتافيا امرأة وثنية "تعتقد في خرافات الالهة اليونانية الحمقاء. الإلهة الذين يخادعون بعضهم، ويحاربون البشر، ويتزوجون كثيراً، ويخونون زوجاتهم! أيُّ خيالٍ مريض أنجب آلهة اليونان" [ص98] وقد عرضت أوكتافيا على هيبا أن تسميه "ثيوزوروس بوسيدونيوس!" ومعناه في اليونانية " الهدية الإلهية من بوسيدون" [ص99] وخُير هيبا إذا لم يعجبه الإسم فسوف تعطيه إسماً آخر بدلاً عنه هو"ثيوفراستوس" والذي يعني الكلام الإلهي" [ص99]

وقد اعترض "هيبا على هذين الإسمين وقال كلها اسماء يونانية، وأنا لي أسم مصري." [ص99] وكان في كل هذا السرد يعترف بالكتابة. لكن إبليس يذكرّه، وكان إشكالاً قد حدث من خلال الهواجس عند هيبا هو شكه في هذا الرجل "الصقلي" الغني. لماذا لم تكن له علاقة مشبوهة مع "اوكتافيا" قال لها "هل يضاجعك سيدك الصقلّي" [ص105] وفي كل هذا الاعتراف كان "عزازيل" يتابعه عن كثب وهو ضميره الحسي لهيبا، وهو "الكوموفلاج" الذي يظهر ويختفي عند  الرواي"السلم والواصل بين  سطح البيت وطابقه الأعلى، كانت درجاته عشرة" [ص100] من هنا يتم الربط الاسطوري بين "الدرجات العشرة والعقول السماوية التي تصل بين الله والعالم بحسب أفلوطين الحزين" [ص100].

وبعد عملية  جنسية كاملة مع أوكتافيا أثناء النزول إلى باحة البيت سألها هيبا"لماذا أسموك اوكتافيا؟ "[ص101] اجابت "ابي تزوج مرتين، وأنجب كثيراً، وكنتُ الثامنة بين أبنائه وبناته العشرة. إذن سوف أسمَّيك يتماشموني، فهي تعني المصرية الثامنة، مثلما تعني اوكتافيا باليونانية " [ص103] .

كانت اوكتافيا تروي مقتل زوجها الاول هو أنه" خرج ذات صباح ليضع النحور في المعبد الصغير الذي كان قائماً بشرق الميناء، فحوصر هناك، تقصد حاصره أهل ديانتنا. وأجهشت وهي تقول: قتله المجرمون وقادتهم من الرهبان، وهم يدمرون المعبد" [ص122]

"رهبان الاسكندرية يفعلون باسم ربهم العجيب، وببركات الاسقف ثيوفيلوس المهووس وخليفته كيرُلس الأشد هوساً" [ص122]

 

في صميم الرواية

الرواية تأخذ المنحى السردي اللاهوتي أي أن هناك علاقة جدلية بين الوعي الديني في إطار الزمان اللامرئي والزمان المرئي الإنساني وهذه الرواية تذكرنا برواية "جويس صورة الفنان في شبابه" "وتذكرنا كذلك برواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسه وبطلها يوسف، وهي جزء من المنظومة الأصولية المسيحية، وفي شاهد الرواية هناك مشاهد شكسبيرية، ومشاهد دينية في ظهور شبح الخضر الذي يظهر من خلال الأمواج البحرية.

والرواية تتحدث عن جزء من الوعي الاسطوري "الديني" "المسيحي الإسلامي" ويوسف زيدان ينقلنا في هذه الرواية السردية التي يسجل فيها على "الرقوق" تلك الاحداث وهي إشارة دقيقة إلى الوعي الاسطوري الذي يتم إزاحته وإبداله بالوعي السردي الاسطوري في الادب العربي مثل سرديات الف ليلة وليلة، وهي إشارة إلى التقنيات السردية في الأدب العربي.

بعد طرده من بيت الصقلّي على يد أوكتافيا بعد أن عرفت أنه رجل دين وبعد أن اعترف لها بذلك عاوده التعيين الوجودي للزمان من الناحية التجريبية الباطنية وتصوراته للوجود العيني عبر الوعي الديني الذي يلف تفكيره وما يتضمنه من توسط بين الذات المرئية والذات اللامرئية وهي فكرة موجودة دائماً عند هيبا حتى يلزمه الحدس بشكله الباطني من خلال الذات اللامرئية وهي المفتاح لموضوعاته الخارجية اللامرئية في  الزمان والحال والموضوعات الخارجية التي تكون لزوماً تكوينياً لتجربة صوفية باطنية تخرج من متوسط هذه التجربة لهيبا.

كان حواره مع نسطور أي مع نسطور القسِّ " عفواً يا أبتِ المبحَّل: ولكن فيثاغورس كان روحاً طيبة مع أنه عاش زمناً وثنياً" [ص47] "ويوحنا المعمدان، الصوت الصارخ في البرية" [ص47]

سألت نسطور

"يا سيدي، هل تعتقد ان يسوع هو الله، أم أنه رسول الإله؟ المسيح يا هيبا مولود من بشرٍ، والبشر لا يلد الآلهة" كيف نقول إن السيدة العذراء ولدت ربّأً" [ص47] من هنا نقول: كان هيبا متطرف في مفاهيمه وشكاك حتى في زمانه اللامرئي، وكان يريد أن يعرف من نسطور حقيقة " أمر أريوس" وافكاره، قال نسطور : " إنني أدرك ياهيبا، معنى دراستك اللاهوت في الاسكندرية وأعرف كل ما علّموك إياه هناك وكلّ ما علموك به من أمر "اريوس" وآرائه التي يعدّونها هرطقة.

ولكنني أرى الامر من زاوية أخرى، زاوية إنطاكية إن شئت وصفها بذلك. فأجد أن "اريوس" كان  رجلاً مفعماً بالمحبة والصدق والبركة . إن وقائع حياته وتبتُّله وزهده كلها تؤكد ذلك أما أقواله، فلستُ أرى فيها  إلا محاولة لتخليص ديانتنا من إعتقادات المصريين القدماء في آلهتهم." [ص53]

"فهل نعيد بعث الديانة القديمة؟" [ص54]

من هنا " لقد خرج آريوس عن إجماع أهل زمانه، وتم اغتياله بالسم"[ص54] لقد ارتاح وابتهج الاسقف إسكندر مع الامبراطور قسنطنطين لموت آريوس.

 

مقتل هيباتيا

"استاذة الزمان، النقية، القديسة، الربة التي عاشت آلام الشهيد، وضاقت بعذابها كل عذاب" [ص158].

إن هيبا يتوافق مع الحس التجريبي في الانحراف والخيانة خاصة في تعيين المنطق الزماني الذاتي المرئي الذي يرى نفسه فيه وإدراكه للتحليل في شخصيته من خلال التبدل في علاقته بالآخرين، وهيبا كان ينظر إلى هيباتيا نظرة جنسية إلى حسها المرئي وإمتلاكه لموضوعاته الجوهرية الذاتية حسب الاستفادة من التجربة، فكان يتمنى لو ضاجعها ولو مرة واحدة، فبقي يحلم بها لأيام ولاسابيع لكن دون فائدة. فقد اطبق الحس الباطني على الحصار الذي كان يعيشه داخل جدران اللامرائي الصوفي وإحساسه الديني الذي فوض هذا التصور بوصفه حدساً تحت مفهوم الجوهر الاصولي اللاهوتي الخارجي وهو شرط ضروري ألزم به.

وهكذا هي حالة هيبا السيكولوجية،  فهو تعيين زمني وتعيين حسي باطني في "الأنا" لأنها حسه الحقيقي لأنه أساساً غير مؤمن بفكرة الدين وحتى بالمسيح وهي لازمة للجنس عنده.

وعند مقتل هيباتيا "صارت عارية تماماً ومتكوّمة حول عريها تماماً، ويائسة من الخلاص تماماً ومهانة تماماً، الذئاب انتزعوا الحبل من يد بطرس وهم يصايحون، وجروا هيباتيا بعدما صارت قطعة بل قطعاً من اللحم الأحمر المتهرئى عند بوابة المعبد المهجور" [ص159]

وهنا يتأكد الجبن الذي لف شخصية "هيبا" وهو يرى بام عينيه كيف تهتك جسد "هيباتيا" أمامه بعد أن طلبت نجدته عندما وقف يتفرج على موقف التمثيل بالجسد. ويوم قتل ابيه وهو صغير لأنه كان لا يستطيع عمل شيء. "فلماذا خنعت عن إغاثة هيباتيا وقد مدت ذراعها نحوي؟" [ص160]

بعد حادثة هيباتيا الممزقة جسدياً، حاول هيبا أن يسيطر على  حالته السيكولوجية، لكنه لم يستطيع،فبدأ بعملية التمرّد اللاهوتي الديني،وقام بقطع الصليب المعلق بعنقه، حين انتزع الصليب أحس بشيء من  الراحة السيكولوجية بعد أن قطع هذا القيد الديني واللاهوتي الذي طوّقه سنين طويلة، وحوّله إلى إنسان جبان ومتراجع، فإذا كان الدين لا يحمي الناس عنما  يستغيثون برجاله وهم لا يستطيعون مساعدة الناس وإغاثتهم كما حصل لهيباتيا  عندما إستغاثت به ومدت يدها إليه، لكنه جبن أمام القتلة من رجال الدين الذين قتلوا هيباتيا وهي إشارة إلى الرجال المتطرفين أنفسهم الذين قتلوا زوج اوكتافيا التي احبته.

 

هروب هيبا من الاسكندرية وعبوره صحراء سيناء

من اجل التعرف أكثر على إنهزامية هيبا وإدعاءاته البراقة التي وسّع بها مداركه المهزومة داخل الحدود التجريبية لجأ إلى الصيغ الجافة التي تتضمن مبدأ المطالبة في الهروب إلى مكان  آخر لأنه يعيش أزمة سيكولوجية حادة بسبب فشله وإفلاسه على الرغم من المزاعم العقلية التي كان يطلقها،حيث كان يصوّرلنفسه المريضة بأنه ربما يكون المسيح المنتظر،وربما يصوّر لنفسه حسب الاناجيل الأربعة أن النساء اللائي لحقن بيسوع من الجليل سوف يلحقن به أثناءالصلب، وحضرن دفنه، وبما أنه يعيش حالة هذيان،كان يتصور أن مريم المجدلانية هي رفيقة معروفة ليسوع، وهي سوف ترافقه اين ذهب" لم اجد يأساً في المرور بالدير قبل دخول صحراء سينا"[ص169] "قضيت في  الدير الثاني ثلاثة ايام،  خرجت بعدها إلى سيناء" [ص169] .

وكان يعني "فنتيرا للفيلسوف الاغريقي " سيلسيوس"  (Celsas) حيث روى في كتاب ضد المسيحية عنوانه "حول العقيدة الصحيحة" جرت كتابته في  حوالي 178 م بأن مريم "كانت قد أصبحت حاملة من قبل جندي روماني اسمه" فانثيرا"  "Panthera" وأنها طردت من قبل زوجها كزانية(3) .

كان هذا التفكير يراوده،ولذلك كان يشك في "أوكتافيا" وعندما سألها يوماً" هل يضاجعك سيدك الصقلي" [ص105] كان هذا السؤال يتضمن بالنسبة له مشروعية قيمة ودينية لأن في نظره أن المزاعم العقلية الدينية لا يمكن أن تسطع بهذا البريق إلا بالربط بين هذه الفلسفة التجريبية الحياتية، لأن مبدأ الشك يراوده، وهيبا ليس رجل دين ولا قس إنما رجل دنيوي، بدليل كان شكه "بمرتا الطفلة الجميلة التي احبته،  وهي الشبيهة "بلوليتا نابكوف" وكان هيبا يشك بمرتا لأنه كان يشك بسلوك مرتا رغم هذا فقد تعلّق بها" هل ذهبت يا مرتا لخيمة هذا الرجل ليلة غنيت له؟" [ص303] كانت هذه الأفكار من الشك تراوده دائماً لأنه غير مستقر سيكولوجياً، ورجل الدين عندما لا يستقر سيكولوجيا، ويراوده الشك دائماً هو ليس برجل دين بل أنه  رجل دنيا.

"ارجوك يا هيبا  لا تظلمني، فالظلم قاسٍ وقد عانيت في حياتي، الكثير من قسوته" [303]، وهكذا انتقلت  عملية الشك حتى مع الرعشة الجنسية، فالرعشة الجنسية التي عاناها هيبا مع "اوكتافيا" قبل عشرين عاماً في قبو النبيذ عندما جامعها وقوفاً والارتجافة الحالية مع "مرتا" عندما جامعها الآن يقول: "إرتجافة مرتا كانت أحلى وأدل على  الارتواء" [ص310] .

كانت مرتا تغني أغاني "القوقيون" وهي أغنيات وقورة، الغريب في الأمر أن "عزازيل" لم  يفارق هيبا"كان يستعطفني بنداء باطني عميق : لا  تفقد مرتا، مثلما فقدت أوكتافيا قبل عشرين عاماً" [ص334] .

هذا يعني أن هيبا كان أكثر شيطنة من  شيطانه"عزازيل" فهو يشك في كل النساء وقد ذهبت مرتا إلى حلب لتغني "اي اضطرار حدا بها للرحيل، والحمّى تفتك بي؟" [ص365] وكان لوصايا "السَّقاء الاعرج" وقع مهم بالنسبة إلى هيبا وهو يعبر صحراء سيناء:

 

الوصايا:

1. لا تدع البحر يغيب عن عينيك.

2. لا تدخل جوف سيناء لأي سبب وإلا فلن تخرج منه أبداً.

3. وابحث عن حمارٍ تركبه، فهذه الصحراء لا يمكن عبورها مشيا[ص169].

كان مقتل هيباتيا في الاسكندرية، وكيف سحل الاستاذة بطرس ومن كان معه من المتطرفين المسيحيين، بعد أن جروُّرها، وقد تقشّر جلدها عن  لحمها حتى اضرموافيها النار عند اطلال المدرسة العلمية.

كان هذا المشهد المروّع بقي عالق في ذهن هيبا مثلما علقت الرعشة الجنسية مع "اوكتافيا قبل عشرين عاماً ومرتا لكنه كان  يقارن بين الرعشتين الجنسيتين عند الأثنين " اوكتافيا ومرتا" كان يقول" إرتجافة مرتا كانت أحلى وأدل على الارتواء" [ص310] كان هيبا لا يهجر العالم ولا يغيب ولا يرتاح، فهو قلق دائماً فكان هيبا معجب "بخريطون" وهو رجل دين يحب نفسه مثل هيبا، وكان نسطور يقول إلى هيبا " نحن نؤمن بقلوبنا ونقرّ بالمعجزة الربانية ثم نعمل عقولنا لنرتقي بالإنسان إلى حيث أراد الرب. ونحن نؤمن بأن المعجزة لا تكون معجزة إلا وقعت على سبيل الندرة، وإلا فإن تكرارها وتواليها سوف يخرجها من باب المعجزات"[ص183] .

كان حزيطون وهو راهب معتكف في أحد الكهوف في صحراء سيناء وعند لقاء هيبا به كان قد تأثر به، وكان حزيطون يقلد المعجزات في يسوع المسيح وليس هو معجزة وكان نسطور يرد على أسئلة هيبا: "لقد تجسّد الرب مرّةً في يسوع المسيح ليرسم الطريق للإنسانية من بعد ذلك للابد . فلا ينبغي لنا العيش في المعجزة ذاتها، وإنما في الطريق الذي رسمته وإلا فقدت معناها" [ص183] فكان هيبا يجد غرضاً إعتباطياً في تفسير سلوك خريطون الذي لا يمت للمسيحية بصلة وهيبا متأثر به لأنه يناغي حالته الذاتية الشكيّة الدنيوية وفي النهاية يخضع  هيبا إلى القانون الإلهي بعد أن  " غاب عزازيل بداخلي وسكت فغمرتني رائحة شعرتُ بعدها بالفراغ  يلُّغني ..بعد حين توسدت فراغي، ونمتُ في نومي" [ص366].

إن التطور التأملي في رواية "عزازيل" والذي يثير الفهم الجذري للسرد من خلال التأمل للمفهوم المحض للدين وقضية اللاهوت وصلته بقضية الحدس المحض عند البطل هيبا  كما في الشروط التجريبية الممكنة فيما يحصل داخل المعترك السردي، وما يترشح من إستنتاجات تبين كيف ما يحصل من مفاهيم تجريبية في السرد تعود إلى المعرفة الاطلاقية التي تحدد موضوعها بالصرامة النموذجية في البناء الأسلوبي الذي يشبه في تراتبيته موضوعة السرد ومفهوم المبنى السردي في حكاية هيبا وعلاقته الملتبسة مع عزازيل.

وقد يتحدد من  خلال هذا التماثل السردي هو تحقيق شكل من أشكال التحصيل الحاصل من خصوصية ما صار الاعتماد على المنطق الاستعمالي للسرد لأنه أكثر تحديداً من خواص المعنى في هذه الرواية، فكان الروائي يتأمل المنطق السردي في علاقته بالزمكان ويُقرن هذه القضية بفكرة الصوت السردي الآخر الذي يغيب فيه النص الروائي ويتلاشى داخل ملحمة اللاهوت أو الدراما الذاتية اللاهوتية التي تخصصت بالمروى من الأحداث.

وجوهر الموضوع السردي في هذه الرواية هو الاشتراع اللاهوتي والشخصية التي تروي الحدث وهذا ينقلنا إلى السرد الشفهي في معنى الخواص في منطق الرواية، ولولا هذا السرد "الرقمي" الذي أضاف الحميمية واللّذة لمتابعة شخصيات هذه الرواية وفي مقدمها هيبا عزازيل.

إن عزازيل مرافق أبدي لرجال الدين، وإلا ما معنى وجود عزازيل"في حياتي منذ هروبي من قرية أبي حتى رحيلي عن هنا"[ص367] " وها هو الرَّق الاخير، مايزال معظمه خالياً من الكتابة ولسوف أترك هذه المساحة ليضاء، فربما يأتي بعدي من يملؤها."[ص368]

 

بقلم: علاء هاشم مناف

................

( 1) الرواية، ص11.

(2 ) كريستوف بوميان، نظام الزمان، ترجمة:أ.د. بدر الدين عرودكي، مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة أولى، بيروت، 2009، ص59

(3 ) جيمس، د. طابور، سلالة يسوع، ترجمة: أ.د. سهيل زكار، دار قتيبة ، دمشق، طبعة أولى، 2008، ص85.

 

hatif bashbooshيعطينا الشاعر يحيى الكثير من شواهده على إحترامه للمرأة وحبه وهيامه بها، أنه المدافع عنها في أحلك الظروف، أنه يحبها على غرار الشاعر نزار قباني حين يقول (لم أحبكِ كشخص فقط، بل أحببتكِ كوطن لاأريد الإنتماء لغيره)، لا كما نسمع عنه في بعض البلدان التي تحتقر المرأة وتجعلها في المستويات المتدنية، حيث نقرأ في كتاب مملكة غرف النوم لمحمد الباز والذي يتطرق الى الإنحراف الجنسي والديني في بلاد العرب وبالأخص في السعودية، وماهي نظرتهم للمرأة فيقول:

(طريق المرأة الى الجنة وأنهارها وعسلها وفاكهتها الدانية، يمر بالسرير وينتهي بالسرير) .

(المرأة خطيئة تمشي على قدمين في السعودية .. من كتاب مملكة غرف النوم لمحمد الباز).

وهناك الروائية السعودية الرائعة وردة عبد الملك التي تنقل لنا عن الأساليب التي يتم من خلالها إستغلال المرأة وتخويفها كي تظل مطيعة في كل أوقاتها حتى لو كان الأمرر على حسابها ومستقبل حياتها، حيث تتطرق الروائية الى (سارة) بطلة روايتها وفي جانب من الحوارات حيث سارة تزهق من حياتها وزوجها الذي لايحترمها، فتأتيها أحدهنّ فتقول لها إحترام الرجل بكل أفعاله السيئة هو الطريق الى الجنة،(فمن يحتمل النار ياسارة) .. وبهذا تذعن سارة لهذه الأقاويل التي تشكل لها رعبا رهيبا لايطاق .

أين نحن من ذاك فيما لو قرأنا للشاعر يحيى السماوي ومدى تبجيله للحب وللمرأة، حتى يصف لنا صبره وإحتماله للملمات بهذا الصدد فيقول:

يـا مُـبْـطِلاً حتى وُضُـوئي: كُـنْ لِـحَـصْـدي مـوسِــمـا

فـأعـادَ وضـعَ نِــقــابـهِ كـيـداً... وقـالَ مُــتــمْــتِــمـا:

صـبـراً عـلى عـطشِ الـهـوى إنْ كـنـتَ حـقـاً مُـغـرَمـا

فـالـمـاءُ أعـذبُ مـا يـكـونُ: إذا اسـتـبَـدَّ بـكَ الـظـمـا!

 

أنا أتذكر في ايام القادسية المغبرة، كنا في احلك ظروفها لانرى غير انفسنا والآخرين من العساكر الذين لايتغيرون على مر سنوات طويلة،أشهر نقضيها بدون رؤيا اي عباءة أنثى كي نشم عطرها، أشهرونحن مع التكثيف الجنسي بأمتياز، احيانا مشاهد النوم تحت البطانيات تثير السخرية .. جنود نائمون وماهم بنائمون .. بل تتحرك ايديهم وهي تقبض على ذلك اللايكل المسكين الذي لم ير غير مقابض الايدي المتسخة من رمال الصحراء والثكنات، في خضم كل هذه المأساوية المعتمة .. كان لي صديق مهندس من الحلة كنا نسميه (حسن بلميطة) ..تسمية جنسية خالصة تتعلق بخيارته . كان يقول من شدة ضمأه الى زوجته ..حين يحصل على مكرمة الإجازة، يقول أطرق الباب وأنا فاتحُّ أزرار بنطلوني الخاكي، تظهر زوجتي، أقبلها وتقبلني، ومن الباب الى خدرها، حيث يتم ارواء عطشي، هكذا هو صبر العراقي، وهكذا هو الإرواء ولكن اي صبر، إنه الجنون أو الخبل الذي يختلف عن الآخرين، (عراقي هواه وميزة فينا الهوى خبلُ/ يدب العشق فينا في المهود/ وتبدأُ الرسلُ) ورغم ذلك، قالوا ... انّ بحور الصبر بعيدة المنال .

يحيى السماوي لايمكن أن يبعده شئ عن الوطن سوى الحبيبة او الأم أو البنت والاخت، أنهنّ الحب والغزل الصادح في أوراقه، كما بينا أعلاه، انهنّ المنار والفنار في حياة الشاعر، أنهنّ الطريق المؤدي الى أروقة الوطن العزيز عبىر قلب الشاعر مهما إرتحل، انهن المستوطنات هناك في وطنه الأم، أنهن الفكرة التي لايمكن لها أن تزال من رأسه مهما تلقى من عقاب أو مضايقة او مداهمة من قبل أجهزة الأمن أو البوليس السري، لنشهد على شاعرنا ومايقوله بصدد ذلك:

سـعـادة الـرَّقـيـب:

أنـت تـمـتـلـكُ الـمـقـصَّ الـقـادرَ عـلـى قـصِّ الـورقـةِ مـن كـتـابـي ...

ولـكـن: مـن أيـن لـك بـالـمـقـصِّ الـقـادر عـلـى قـصِّ الـفـكـرة مـن رأسـي؟

 

حين يمطر شاعرنا مطرا كونيا، يمتد الى خرائط العالم، الى السماء التي تلف تحتها هذه الأرض المترامية، يمطر علينا فسلفة ما أوتي بها الاّ القلائل والذين نالوا من الشهرة جعلتهم حتى اليوم منارا ونبراسا يهتدي بها البشر على مر الأزمنة. الشاعر يحيى يقترب هنا مع ماقاله الشهير العظيم الشاعر التشيكي (فرانس كافكا) في مقولته (لاأحد يحمل فكرتك في رأسك سواك أنت)، وهناك نصب تذكاري رأيته في براغ يجسد هذه المقولة الرائعة، حيث يزوره ملايين السواح كل عام، حيث نرى في النصب كيف أن الرأس فارغُّ، ويحملُ شخصا بأكمله . هذه المقولة التي كتبها الشاعر فرانس كافكا هي عبارة عن سطرٍ جعلت منه شاعرا مخلدا في سماء العبقرية والعظمة . وها أني أرى ماقاله الشاعر يحيى بهذه الكلمات القصيرة الكثيفة التي لو انفجرت لتناثرت في الأصقاع حبا وثورية وحماسا وتفكيرا ينشطر الى مالانهاية، كلمات مضغوطة تحمل الكثير من المعاني السامية التي يجب أن تؤطر في أرشيفنا العربي والعراقي .

كل مايكتبه الشاعر هو بمثابة أسفين يُدق في أرض هذا الوطن الجريح، لنقرأ ماقاله الشاعر في شذرته الرائعة (مسمار):

عـلـى مـاذا يـتـقـاتـلُ الأبـاطـرةُ الـصـغـار؟

حـيـتـانُ الـمُـحـتـلِّ لـم تـتـركْ مـن سـمـكـةِ الـوطـن إلآ الـزعـانـف ...

وديـنـاصـوراتـه لـم تـتـرك مـن الـحـقـل إلآ الـتِّـبـن !

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هي حرب بين عجوزين أصلعين من أجل مشط،  أما المحتل فهو كحال البرجوازي القذر في تلك الأيام إذا ماكان له جارا فقيرا،  يأكل السمكة جميعها ثم يدق الباب على جاره المسكين لأعتبارات (عليكم بسابع جار) أو الجار ثم الجار ثم الجار، فيعطيه عظام السمكة للمصمصة، وهذا المسكين ليس لديه سوى أن يقول (حمدا لله)، وهذه الأساليب إنسانية في قشورها لكنها تساهم في إذلال الإنسان أيما إذلال، ولذلك حينما وصلنا الى بلدان التحضر وجدنا أنفسنا نعيش على المساعدات التي نأخذها من بنك الحائط، وهذه في حد ذاتها وجدوها لحفظ كرامة الأنسان . أما الديناصورات يحتاج لهم ضباطا أحرار مثلما فعلها عبد الناصر (وهذه تحتسب له من الأعمال المجيدة) الضباط الأحرار قاموا بتقنين ممتلكات كل الأثرياء وإتباعها الى الدولة،  و مثلما حصل في روسيا وحسب ما قرأناه في الرواية الخالدة (الدون الهادئ لشولوخوف) وكيف كان يتصرف البلشفيون في مصادرة مايعطيه البيدر وتوزيعه عادلاً بين الإقطاعي والفلاح. لابد وأن يأتي هذا اليوم .

مازال الشاعر يحيى رمزنا العالي بروحه الطيبة الوفية الصادقة، المسامحة، المجاملة، الصداحة، الرقيقة، المقدامة، المصالحة، البعيدة عن التوتر، البعيدة عن المناكفة، البعيدة عن الشجار، انه المسالم، انه المناضل، الرونق والأنيق، ما احلاه في منفاه، ما أجمله وهو يقرأ لسلام عادل وحسن سريع في السماوة، ما أروعه حين ينشر الروح الصداقية الخالدة فيما بين الأحبة، هاوهو يكتب نصا إعتذاريا الى أصدقائه عقب حصول سوء فهم في مجريات الأدب والشعر ومايتعلّق بحرية الرأي، والإفصاح الذي يختلف من شاعرٍ الى آخر حول بعض الشخصيات العراقية التي صنفها البعض بكونها مجرمة بينما صنفها البعض الآخر غير ذلك، لنقرأ بتمعن ماقاله الشاعر ذو القلب الفسيح بهذا المنظور العميق:

(إعـتـذار مـتـاخّـر)...

" الى الصديق الشاعر هاتف بشبوش: درءاً لشهقة دخان، والى الصديق الشاعر الفنان ماجد مطرود لتقصيري غير المتعمد في تأخري عن تهنئته بنجاح العملية الجراحية في الفقرات ـ سائلا الله أن ينسج له بيد لطفه ثوب عافية لا يبلى، والى كلّ صديق قد أقصّر معه يوما بحسن نية !

 

ثقيلةُّ حقيبتي ..

لا قدرة ُّ لظهري على حملهـا

عساني أخففُ من ثقلها باعتذاري ..

***

أعتذرُ:

للشهداء الذين لم أشارك في تشييعهم ...

//

للجهاد من أدعيائه ...

//

للمرضى الذين لم أدعُ لهم بالشفاء...

//

للبستان الذي سرقتُ من نخلتهِ رطبـاً ولم أكـن جـائـعـاً

//

للرصيف الذي اتسخ بأعقاب سجائري ...

//

لأيدي الجلادين التي تـَورَّمَـتْ من صفعي ...

 //

للغد من مشاركتي بانتخاب القادة الإماء والساسة اللصوص ...

//

للعاشقِ الذي استهنتُ بـدموعه ...

//

وأعتذر أيضا:

لحقيبة عمري التي أثقلتها بحماقات الأمس !

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرد الشاعر (هاتف بشبوش) كاتب هذا المقال فيقول:

 في روايات أفلام الويسترن (الكاوبوي الأمريكي)، أغلب ألأحيان نرى الروائي يميل أن يكون البطل في غاية النبل، في رواية جميلة كتبها صديق الشاعر الأمريكي الشهير (والت وايتمان) يحضرني اسمه الآن، هذه الرواية مثلت الى فيلم في غاية الأثارة أيام كنا صغار ونلهو بالمسدسات التي نصنعها من عظام فك الشاة، وحينما نرمي مثلما وصفها الروائي (زيد الشهيد) نطلق صوت من أفواهنا (كيو، كيو، كيو)، هذا الفيلم مثلهُ عمالقة السينما أنذاك (كيرك دوغلاص الذي اشتهر برائعة سبارتكوس، وأنتوني كوين الذي اشتهر برائعة زوربا اليوناني)، الإثنان أصدقاء بل تربطهم الحميمية المطلقة التي لايشوبها شائبة، أجبرتهم الظروف على أن يتبارزا وجها لوجه،  أحدهم شهير برميته السديدة في الجبهة والآخر شهير برميته السديدة في القلب وكلا الطرفين رميتهما واحدة لاتثنى فتلقي الطرف الآخر صريعا لامحال (مثل قوس إبن الكُسعي)، وكنت اتذكر أنني دخلت الفيلم أكثر من مرة لكي أرى ذلك المشهد البطولي والتضحية التي لاتوصف في سبيل الصداقة والأخوة، يخرج الإثنان صباحا في الوقت المحدد والمكان المحدد وبقية الناس تنظر اليهم من خلف نوافذ بيوتهم، ربما هي العادات أنذاك تساق هكذا (ولهذا نحن في الصغر إذا ما اردنا أن نتشاجر مع أحد نقول له، إذا انت شجاع إنتظرني خلف سكة القطار) . المهم خرج البطلان وتقابلا وجها لوجه، وبعد النظر بين الطرفين والتحديق لكليهما، والأصرار في المضي قدما للقتل وقلوبنا تخفق نحن المشاهدين الى هكذا مشهدٍ مثيرٍ أنذاك، وعلى حين غفلةٍ ينطلق الرصاص من كليهما، وقع الأثنان فتصورنا أنهما ماتا وينتهي الفلم، لكن تبين أن أحدهم حشى مسدسه بطلقٍ خلّب كي يعطي الفرصة لصديقه أن يقتله، والآخر تعمد في رميته الى مافوق جبهة صديقه بكثير، وهكذا بقي البطلان على نبضيهما.رواية تصف لنا التضحية في اللحظات الحرجة والمواقف النبيلة التي يسجلها التأريخ في سبيل إعلاء كلمة السلام والمحبة بين الأخوة .

بينما في روائع الألياذة والأوديسة هي كثيرة مثل هكذا تضحيات، ومنها رواية(المجالد) التي تكلم عنها المبدع الناقد (حسين سرمك)، مبارزة تتم بين سجين بطلٍ وملكٍ من ملوك الأمبراطورية الرومانية، الملك يطعن السجين بخنجرٍ وهو في السجن قبل المبارزة بساعة كي يظهر ضعيفا أمام الناس المحتشدين فيستطيع التغلب عليه، وتبدأ المبارزة وتنتهي بفوز البطل السجين وموت الملك دون أن تعرف الحشود بفعلة الملك الجبانة . أو المثال الأقرب لنا هو الكونت مونت كريستو وصديقه الذي غدر به (مونديغو) من أجل قلب الجميلة مرسيدس . أو بوشكين حين مات مبارزا من أجل حبيبته، ثم يستمر الشاعر(هاتف بشبوش) مخاطبا يحيى السماوي صديقه الأعز ورمزه الأكبر في سماء الأخلاق والشعر والنضال فيقول:

ياصديقي

لا أنا ولا أنت

تستطيعُ زهورُعبّادنا

أنْ تستديرَ نحو الظلام

أنها مجبولةُّ من الشمس

لا أنا ولا أنت

من ملوكِ الألياذةِ والأوديسة

بل كلانا

هو السجينُ المطعونُ بخنجرِ الخونة

لا أنا ولا نت

من يتصارعُ من أجلِ حسناءْ

بل

أنا وأنت

نتبادلُ الأدوارَ بين دوغلاص وأنتوني

بل

أنا وأنت بوشكين

الذي ماتَ حباَ وفداء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماقلناه أعلاه يستدرجنا الى موضوعة في غاية الأهمية، هو أن الشاعر يحيى تنطبق عليه مقولة أنطون تشيخوف(كلما زاد نقاء المرء، زادت تعاسته)، و لكثرة تجاربه في الحياة جعلته يقول في إحدى محاوراته التي رواها لي، أنّ له قلب حمار (حاشاه طبعا) لكثرة تحمله للمرض الذي رافقه كثيراً في مسيرة حياته الحافلة بالعطاء، واحيانا يكون جليس الفراش دون أن يعطي خبرا لأصدقاءه كي يكونوا عُودهُ، لكي يبقَ مع الأنين وحده، وحتى لايتألم أصدقاؤه معه أثناء المواساة . أنه الشاعر الذي أصبح صديقا الى اللوعات والشطحات التي تأتي من هنا وهناك، أو تأتي من أناس غدروا به دون أن يفكر يوما أنه سيلقى منهم كل هذا الغدر والخيانة، أنهم كانوا أصدقاء حميميون، ولكن سبق السيف العذل، ولذلك الشاعر أوصى لنفسه أن تكون حذرة ولو بعض الشئ، فالحذر هو من صفات الشجاع، ولذلك بيّن لنا الشاعر يحيى بخصوص ذلك في ديوانه الأخير (ثوب من الماء، لجسدٍ من الجمر) في هذه الشذرة الرائعة:

بعضُ الخرافِ

أشرّ من بعض الضباع

فليس عجبا

أنّ عصفوراً يخبئ تحت برقعِ ريشهِ

ظفراً وناب

ــــــــــــــــ 

لاغبار على الشاعر حين أطلق الحذر، فهو التلميذ وهو المعلم، وهو(الذي لم يعد في قلبه مكان لرصاصة جديدة ....محمود درويش) . فلايسعني في نهاية دراستي هذه أن أقول طوبى لروحك التي إرتدت ثوبها المائي كي تطفئ مافي النفوس من لظى أشرارها، ثم راحت تفتش عن كونفوسيوش العظيم وهو يقول (لازلتُ لاأفهمُ شيئا من الحياة).

 

هاتف بشبوش/ دنمارك/4/7/2016

 

abdulkadir kabanيعتبر الموقف الدرامي ركيزة أساسية عند مؤلف المسرحية، كما هو شأن الاسباني غارسيه لوركا الذي استطاع ببراعة اختيار نقطة الانطلاق الدرامية في مسرحيته "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور"، أين تتأزم مشكلة في حياة البطلة -روزيتا- ويحتدم الصراع النفسي لهذه الشخصية برحيل ابن عمها الذي كان قد وعدها بالزواج.

لقد أنهى لوركا كتابة مسرحية "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور" في جوان من سنة 1935، وقام بعرضها على المسرح في الثالث عشر ديسمبر من نفس السنة في برشلونة الاسبانية.

من يقرأ هذه المسرحية سيتأثر حتما لحالة اليأس التي تعاني منها الآنسة روزيتا العانس، والتي كانت قد اتفقت مع ابن عمها على الزواج، فهي ظلت وفية لحبه بل كانت واثقة من حبها له ثقة عمياء، أما هو فرغم حبه الكبير لها، يخلف وعده ويتزوج من امرأة أخرى، ولكن مهما حاولنا البحث عن السبب فالنتيجة واحدة وهي أن حبه لها يختلف عن حبها الصادق النقي له.

من هنا تبنى المفارقة الدرامية التي يقوم على أساسها الصراع الدرامي للأحداث التي تحركها جملة من الشخصيات الرئيسية والثانوية.

لقد جاءت الحبكة في هذه المسرحية متسلسلة، لا تخلو من عنصر التشويق والدهشة، أين قدم لنا لوركا مشهدا افتتاحيا يكشف عن المكان والزمان وعلاقتهما بالشخصيات الرئيسية (العم، العمة، المدبرة، روزيتا، ابن العم)، وفكرة الموضوع المعالج (العنوسة) والخلفية الاجتماعية التي تدور حولها الأحداث بشكل عام.

ينقلنا لوركا بعد ذلك إلى نقطة الانطلاق أو كما يسميها النقاد بالوضعية، أين تبدأ تلك الأحداث بالتصادم فور رحيل ابن العم المفاجئ، وهذا ما سوف يؤدي إلى ذلك الصراع النفسي الذي ستعيشه البطلة بين عقل يرفض واقعها وعاطفة اشتياقها لحبيب خائن.

وأخيرا نصل مع كاتب المسرحية إلى الأزمة (ارتهان عم روزيتا لمنزل العائلة)، وهنا يشتد الصراع إلى درجة يحتدم فيها الوصول إلى حل حاسم ونهائي.

تنقسم مسرحية "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور" إلى ثلاثة فصول، أين نكتشف كقراء قصة درامية مأساوية لفتاة تتوقف حياتها على حب ابن عمها الذي يعدها بالزواج، لكنه يسافر إلى أمريكا الجنوبية فجأة، ليلتحق بوالده هناك من أجل مساعدته في أعماله.

من هذا المنطلق تبدأ معاناة تلك الوردة المتغيرة -روزيتا- كما يصفها لوركا، لتصبح هي الأخرى ضحية من ضحايا العنوسة التي أصبحت ظاهرة في هذا العصر للأسف الشديد.

تسير أحداث المسرحية في الفصل الأول وفق خط درامي طبيعي هادئ، أين يتعرف القارئ على الشخصيات الرئيسية لغارسيه لوركا، كالعم الذي يمضي جل وقته في الاهتمام بالنباتات والورود في مستنبته الزجاجي الذي أقامه في منزله كما نقرأ ذلك فيما يلي: "العم : (يدخل) انها وردة لم ترى ابدا مثيلا لها. مفاجأة ادخرتها لك لأن الوردة المائلة. ذات البراعم المتدلية والساق الخالي من الشوك شيء لا يصدق. يا لها من أعجوبة، هه؟ ولا شوكة واحدة. والاس الذي يجلب من بلجيكا، والكبريتيه التي تضيء في الظلمة. ولكن هذه تفوتها جميعا في الغرابة. ويسميها علماء النبات 'روزا موتابيلي' أي الزهرة المتغيرة وقد ورد في هذا الكتاب وصفها ورسمها، انظري (يفتح الكتاب) انها تكون حمراء في الصباح وتستحيل بيضاء عند الاصيل، ثم تتساقط أوراقها في الليل." (ص 35).

نتعرف أيضا على عمة روزيتا التي تقوم بالأعمال المنزلية بمساعدة مدبرة، وهذه الأخيرة ثرثارة بطبعها لا تكف على التعليق في كل شاردة وواردة: "العمة: أعتقد أن الخطيب مشغول اليوم.

المدبرة: انني لا ادري من يعجبني أكثر من الآخر، هي أم الخطيب. (تجلس العمة لتطرز) انهما ابناء عم يجب حفظهما في عواء للسكر. وحين يموتان حفظهما الله نحنطهما ونضعهما في مشكاة من الزجاج ومن الثلج. أيهما تحبين أكثر (تنهمك في أعمال التنظيف)." (ص 38).

يدخل ابن الأخ على عمته في غفلة من أمرها، ليخبرها بشأن رحيله بعد خروج روزيتا مع بنات آل مانولو، وهو ما يزعج العمة التي كانت ترفض هذه العلاقة منذ البداية، وهذا ما نقرأه في المشهد الموالي: "العمة: (تقرأ) طبعا هذا شيء طبيعي. لهذا كنت أعارض علاقتك بروزيتا. كنت اعلم أنه سيتعين عليك ان عاجلا أو آجلا أن ترحل مع أبيك. وإلى أين؟ إن الذهاب إلى توكومان . يحتاج إلى اربعين يوما. لو كنت رجلا وفي شبابي لشوهت وجهك.

ابن الأخ: ليس خطئ اننى احببت ابنة عمي. هل تظنين أننى أرحل عن طيب خاطر ان ما أريده حقا هو أن أبقى هنا. ولهذا جئت إليك." (ص 40).

تعود روزيتا بعد ذلك رفقة المانولات الثلاث، وهن فتيات يحلمن كغيرهن بالزواج حيث تصفهن البطلة كما يلي: "في غرناطه، شارع البيره

حيث تعيش المانولات

اللاتي يذهبن إلى قصر الحمراء

الثلاث والأربع وحيدات

احداهن ترتدي الثوب الأخضر.

وأخرى لونا حبيزيا

والثالثة تنورة اسكتلندية

مزينه شرائط تصل إلى الذيل

الاثنتان الاوليان، قطتان

والثالثة الأخيرة، حمامه

ويفتحن وعبر الممرات.

أنسجة رقيقة غامضة." (ص 44)

وفي الفصل الثاني يمر الزمن بسرعة البرق، حيث تتغير ملامح البطلة بعد مرور خمسة عشرة سنة على رحيل ابن عمها ليبرز تقدمها في السن، ورغم كل ذلك تظل وفية لهذا الحب القاتل لشبابها رويدا رويدا، حيث كانت تنتظر رسائله بلهفة كبيرة: "العمة: فاسكتى إذن.

المدبرة: وهل تعتقدين أن من المناسب أن يرسل رجل لمدة خمسة عشر عاما ويترك وراءه امرأة هي خلاصة الزهور؟ لا بد لها أن تتزوج. لقد أصاب يدي التعب من فرط حفظ ملاءات الدانتلا المارسيليه. وأطقم الفراش المطرزة بالجبير ومفارش المائدة وأغطية السرير من النسيج المطرز بالزهور المجسمة. انها لا بد أن تستعمل كل ذلك وتستهلكه. ولكنها لا تلتفت إلى مرور الزمن لسوف يبيض شعرها ولما تزل تخيط شرائط من الحرير اللامع في ثنايا قميص عرسها." (ص 57).

هذا المشهد السابق يرجع إلى زيارة السيد س -أستاذ الاقتصاد- إلى عائلة روزيتا، وسؤاله عنها وإحضاره لهدية لها: "العم: وأنا أيضا. لما كان اليوم عيد قديسها. فلا بد أنها ذهبت لتصلي في الكنيسة.

السيد س: أرجوك أن تقدم لها هذه القلاده بالنيابة عنى انها على برج ايفل من اللؤلؤ على حمامتين تحملان عجلة الصناعة بين منقاريهما." (ص 55).

تقوم العوانس الثلاث وأمهن بزيارة عائلة روزيتا، ولا تحبذ المدبرة هذه الزيارة، فهن يبالغن في ارتداء الملابس الفاخرة على عكس والدتهن التي تفضل ارتداء الأسود في جل ملابسها، وكأنها حزينة على حال بناتها اللواتي يبالغن في السؤال عن علاقة روزيتا بإبن عمها المهاجر، وهي تجيب بنبرة لا تخلو من الحزن والأمل في آن واحد: "العانس الأولى: (إلى روزيتا) هل لديك أخبار؟

روزيتا: لقد وعدني بأخبار جديدة في آخر خطاب له. سنرى ماذا سيكون؟

روزيتا: من زمن. لقد صنعت طاقما آخر يمثل فراشة تشرب المياه.

العانس الثالثة: هل انتهيت من طاقم الدانتلا البلنسي؟

روزيتا: من زمن! لقد صنعت طاقما آخر يمثل فراشة تشرب المياه.

العانس الثانية: لسوف تحملين أفضل جهاز عرس في العالم يوم زفافك." (ص 70).

يظل موضوع زفاف الآنسة روزيتا حديث كل من يدخل بيتها، وهذا حال بنات المصور دي أيولا العانستان، كما يشير إلى ذلك لوركا في المشهد الموالي: "أيولا الأولى: كم أتمنى أن تتزوج روزيتا.

روزيتا: أرجوك.

أيولا الثانية: دعك من هذا الهراء، وأنا أيضا أتمنى ذلك.

روزيتا: لماذا؟

أيولا الأولى: لكي أحضر حفلة عرس. لسوف أتزوج بدوري حالما أحضر حفلة عرس.

العمة: يا فتاة.

أيولا الأولى: بأي شخص، ولكن لا أريد أن أبقى عانسا.

أيولا الثانية: وأنا أيضا من نفس الرأي." (ص 74).

جاء الفصل الثالث ينبأ المتلقي بمرور عشر سنوات على رحيل فارس أحلام روزيتا العانس، أين يبدأ الحوار بين المدبرة والعمة التي توفي زوجها منذ ستة أعوام وهي لا تزال حزينة، وهو نفس حال مدبرة المنزل التي يحزنها بشدة حال فراشتها روزيتا البائسة: "العمة: اسكتي، لا تكملي؟

المدبرة: ليس لدي من أعصاب تمكنني من تحمل هذه الأشياء دون أن تجري الدماء في عروقي. كما لو كانت كلبا مطاردا. حين دفنت زوجي أسفت عليه كثيرا. ولكن كان يقبع في داخلي فرح كبير. ليس فرحا بل دقات تذكرني بأنني لست المتوفاة. وحين دفنت ابنتي، هل تفهمين؟ حين دفنت ابنتي كان الأمر كما لو أنهم سحقوا أحشائي. ولكن الموتى قد ماتوا. انهم ماتوا، ونبكي وينغلق الباب، ونحيا. ولكن ما حدث لروزيتا هو أسوأ الأمور. أنه الحب دون العثور على الجسد. انه البكاء دون أن نعلم على من نبكي. انه التنهد من أجل شخص نعلم أنه لا يستحق التنهدات. انه جرح مفتوح يسيل منه على الدوام خيط رفيع من الدماء وليس هناك من أحد ليس هناك أحد في الدنيا يحمل لها قطع القطن والضمادات ولا قطعة ثمينة من الثلج تسد بها الجرح." (ص 89).   

نواصل مشاهدة هذه الأحداث كقراء كما لو كنا في مسرح حقيقي، إلى أن نصل إلى بؤرة التعقيد أين تواجهنا أزمة هذا النص الأكثر من رائع، حينما تستعد العمة وروزيتا والمدبرة للرحيل من بيت ستظل تسكنه الذكريات الحزينة: "مارتين: ومتى سيكون الرحيل؟

العمة: اليوم.

مارتين: لله الأمر.

العمة: المنزل الجديد. لا يماثل هذا البيت روعة. ولكنه يطل على مناظر جميلة. وبه فناء صغير به شجرتان يمكن ان تزهرا." (ص 90-91).

يظهر جوهر هذا النص الدرامي في صراع نفسي تعيشه البطلة بين العقل والعاطفة، فنقطة ضعفها تمثلت في استسلامها لحب ابن عمها، وهذا الحب يقودها إلى الوقوع في شباك العنوسة التي لا ترحم أي فتاة، وهي المحرك الأساسي لأحداث المسرحية نحو صراع درامي يظهر في العموم داخليا بين روزيتا وضميرها ونفسها البائسة: "العمة: أحيانا يتعين علي أن أتكلم بصوت عال. اخرجي من وسط جدرانك الأربعة يا بنتي. لا تتعودي على الشقاء.

روزيتا: (جاثية أمامها) لقد اعتدت أن أعيش سنوات طويلة غريبة عن نفسي، أفكر في أمور بعيدة جدا. والآن إذ لم تعد توجد هذه الأمور فاني سادرة في تقليبها وتقليبها علني أجد مخرجا لن أعثر عليه مطلقا. كنت أعرف كل شيء، أعرف أنه قد تزوج ولقد تكفلت روح حانيه أن تقول لي ذلك. وكنت أتسلم خطاباته بأمل ملئ بالبكاء كان يدهشني أنا نفسي الدهشة إلى الآن. لو لم يتحدث الناس ولو لم تعرفا انتما، ولو لم يعرف أحد بذلك عداي، لكانت خطاباته وأكاذيبه كفيلة بتغذية أملي كأول سنة من غيابه. ولكن الكل كان يعرف ووجدت نفسي والاصابع تشير نحوى بطريقة تسخر من تواضعي باعتباري خطيبة وتحيل منظر مروحة عنوستي فظيعا. كان كل عام يمر علي كأنه ثوب من ثيابي الحمية ينزعونه عن جسدي..." (ص 100-101).

ما يمكن قوله في الختام، هو أن العالمي غارسيه لوركا وظف الزمن كشخصية لها الدور الأساسي في أحداث هذه المسرحية، وهذه هي قمة التفوق لأنها ركزت على مشكلة عويصة -العنوسة- أصبحت تمر بها كل فتاة حينما لا تجد الرجل المناسب ليتزوجها، لتجد نفسها تعاني صراعا نفسيا من ألم الوحدة والخيانة إن وجد في حياتها حب كذلك الذي كان في حياة البطلة روزيتا لابن عمها، صاحب العواطف الباردة التي لا تخلو من أنانية البشر.

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.............................

 (1) فديريكو غارسيه لوركا: الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور، ترجمة ماهر البطوطي، وزارة الاعلام الكويت،1983.

 

 

raheem alsaidiديوان (استرق السمع لكي اسمعني) للشاعر رحيم الساعدي الصادر عن دار ميزوبوتوبيا_ بغداد 2015   بالقطع الصغير، والمتضمن أربع وعشرين قصيدة من التفعيلة وقصيدة النثر وعلى الرغم من حجم الديوان المتواضع غير انه زاخر بالدلالات، لاسيما تلك التي تحتاج إلى حفر عميق داخل ذلك الجسد اللغوي المتصف بالغموض، ومن الأساليب التي بدت مهيمنة في الديوان توظيف تقنية (التجريد) أو المخارجة أي جعل الذات ذاتاً أخرى وفي أبسط تعريفاته: ان يولد من الشيء شيء مثله بأسلوب تجريدي وهذا اللون أصطبغ به الديوان بشكل كبير حتى بات ظاهرة مميزة فيه (1).

وربما تعمد الساعدي أن يبتدئ تجريده من العنوان، إذ جعل من نفسه مسترقا للسمع على ذاته ومتحدثا في آن واحد عن أفكاره بصوت عالٍ، وهذا التجريد منح النص مزيدا من العمق، وله المقدرة على تكثيف المعاني بدرجة كبيرة، فكأن الشاعر أراد أن يقول : إنني وحدي، لا أحد يشاركني بما أنا فيه من صخب الذات وصمت العالم، لهذا يتمحور الخطاب حول ذات الشاعر مستبطنا أعماقه، كما نستطيع القول إن ثمة قابلية كبيرة في النص تتيح له تقبّل الكثير من الاحتمالات الدلالية المنفتحة، تلك القابلية التي ربما لا يمنحها أي أسلوب آخر غير أسلوب التجريد، وهي بذلك تغري تعدد الدلالات التي يمكن إيرادها في النص، هذا فضلا عن انه _ أي التجريد _ يعطي الشعر قدرة عالية على الإيحاء، وهي التفاتة ذكية من الشاعر، استطاع من خلالها أن يبث الكثير من المعاني  في القليل من الألفاظ، ولعل هذا الذي حاول ان يؤكده في أسلوب (الحذف)، إذ عمد الساعدي إليه بشكل كبير جدا، فلا تكاد تخلو منه قصيدة في الديوان، والحذف ظاهرة أسلوبية لغوية متميزة تتوجه نحو توليد الإيحاء وتوسيع الظاهرة الدلالية، وهو _ غالبا _ ما يريد منه الشاعر أن  يترك مساحة في نصه الشعري تكون نصيبا للمتلقي، له أن يملأها بما يظنه مناسبا وطيعا للانسجام مع الدلالة الكلية للنص، وهو بهذا المنظور عطاء تعبيري تتعدد زواياه بأختلاف القارئين وما يحملونه من تجارب متباينة ومرجعيات مختلفة، ان الحذف بشكل عام يستمد أهميته من حيث لا يورد المنتظر من الألفاظ ومن ثم يفجر في ذهن المتلقي شحنة فكرية توقظ ذهنه وتجعله يتخيل ما هو مقصود، ويبدو أن رحيم الساعدي اختار التمليح على التقرير للسبب الانف الذكر فضلا عن رغبته في الكتمان على التصريح إلا بنسبة محددة، كما ان هناك الكثير من الموضوعات تمثل هماً مشتركا بين الشاعر والمتلقي وهي الأخرى لا تحتاج إلى تفصيل،وإنما باتت من الأمور التي تغذي عواطف الناس بالحزن والألم على حد سواء . ان مداخلة الصمت للكلام وإدراج علامات الحذف في القصائد وسط سطور ملأى بالكلمات أضفى على القصائد تشكيلا جديدا جعلها أشبه باللوحات التي تتصرف بالأشكال والألوان والمساحات .    ان الشاعر في مجمل نصوصه بدا مختلفا عن الآخرين في كثير من همومه، ومن الظواهر التي أنماز بها (عاطفة الحزن)، فمن حيث النوع فأن عواطفه تتدفق حزنا قد لا يشبه حزن عامة الناس بل حتى أقرانه من الشعراء، بحيث لا يستطيع أي قارئ لشعره الانفكاك مما هو فيه من المحاولة في التعرف على بواعث الحزن التي أوصلت الذات الشعرية إلى هذا الإحساس المرهف، والمقدرة على إقحام المتلقي في خضم ذلك الحزن من حيث يشعر أو لا يشعر بمجرد الإمساك بمستهل النص الشعري، واما من حيث الكم فإننا أمام سيل عارم من الألفاظ الحزينة المتوسمة بالألم والحرقة المصاغة في عبارات طافحة باللوعة وكأنه رومانسي أخطأه الزمن، لذا لاحظنا ذلك الحزن منتشرا في ثنايا نصوص الديوان من خلال ألفاظه التي أخذت حيزها في اغلب القصائد، حتى باتت ملتحفة فيها .ان ظاهرة الحزن في الشعر تتمتع بأهمية خاصة تنبع من قيمتها الإنسانية، فالشاعر من خلالها يصور جانبا مهما من جوانب النفس الإنسانية، فربما يكشف عن نقاط ضعفها، أو ربما يلامس بها بعض مشكلات الوجود الإنساني وقضاياه الكبرى، ففي قصيدته التي جعلها عنواناً لديوانه يطفح الحزن والوجع وآلام الذات، يقول:

أنا آسف

حد انطفائي في ظلام تصوري

حد ارتماسي

في بقايا ما قطفت من المدى

الحزن .. لا يكفي لأشرح لحظتي

الوقت ….لا يكفي لأرسم الوجع المخطط في خيالي

 

أنا آسف

حجم انتظارك …

قدر الطيور النائمات ببابك

قدر الفراشات التي تجتاح صمتا …..نورك

محدودب الأحيان …..أرسم ضحكتي

استرق السمع …لكي اسمعني

لكنني لا أستطيع

لأنني كالقمر الغريب لا احد ….يدرك حجم غربته

البرد يأكل لونه …. وينوح كالصفصاف …كالطفل اليضيع دميته

الليل سجن ابدي حوله

وينام كالعصفور يقلقه البكاء ….أو الضجيج ..أو انتظار الصبح

كي يحلم من صبح أخير …لن يجيء

لأنني مثل الأيائل

ترنو إلى الماء ولا تشربه

فتنوح كالأيتام في بلد غريب

لاشيء يورق في يدي غير اعتذاري (2)

يمثل العنوان العتبة الأولى التي لها وظائف متعددة، تسهم بشكل كبير في معرفة أسرار النص الأدبي بوصفه ظاهرة أدبية وجمالية لا تقل أهمية عن متن ذلك النص وبما أن العنوان علامة سيميائية تشير بشكل أو بآخر إلى مكنونات النص، وقد ذكرنا سابقا ان العنوان حمل دلالات كثيرات من خلال أسلوب التجريد الذي يعد الأبرز فيه، وإن واحدة من دلالات التجريد  (المفارقة )، وهي من أهم ما يلاحظ على عنوان القصيدة، إذ جمع فيها بين المعقول واللامعقول، ولعل ذلك ليس خافيا على النظرة العجلى، فالذات هي السامع والمسموع في الوقت نفسه، وهي إذن جملة صرحت بمعنى استراق السمع  كما صرحت بمن أُسترق منه السمع، إلا ان الجمع بينهما في ذات واحدة  اخرج الجملة من حدودها اللغوية البسيطة إلى مفارقة تحكمت بهذا العنوان والى أداة من أدوات الشاعر الخاصة لخلق نصه، فيتمثل لنا صراع عميق بين الشاعر وذاته جسّد المفارقة وصنع المخالفة فأوحى بالغرابة في ثنائية تكون فيها الأنا والآخر واحدة، وربما طابع الحزن والألم الذي يعاني منه الشاعر هو الذي جعله يلتف على ذاته ويسترق السمع إليها ويقيم معها في دائرة واحدة لا يكاد يمسك منها طرفاً إلاّ ووضع الطرف الآخر بين يديه. لقد استقامت نغمة الحزن في القصيدة حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن ان يقال إن الحزن قد صار المحور الأساسي في البناء العام للقصيدة، وقد استفاضت هذه النغمة حتى أثارت كثيرا من الألفاظ تلونت وتنوعت حسب الإطار العام للنص وربما تكمن علة هذه الظاهرة في طبيعة الحياة التي عاشها الساعدي، وفي ظروف العصر المرتهن بالفواجع الإنسانية، حتى خرجت في إطار الاعتذار، فبالقدر الذي قدّم (فيه العقل) للبشرية من عطاءات وخدمات تفوق الوصف، ظل الوجه الآخر يغور عميقا ممزقا أوتار القلب وراسما قتامته على أفق الحياة، فلا تجد الروح برزخها الآمن، حينئذ تلوذ بوجعها المكتوب بجمر الكلمات. يريد الشاعر لمعاني كلماته ان تضطلع بمهمة تقديم الوجه الآخر للحياة، إذ تحمل كلماته المتكلم ومسترق الكلام في آن واحد _ وهو ما اصطلح عليه التجريد أو التخارج _ ليختزل المسافة الممتدة عميقا بين الذات والآخر، وذلك لتمزيق القشرة الخارجية لما هو سائد ومألوف من خلال ما تنث حروف قصيدته من طاقات دلالية تحملها الاعتذارات المثقلة بالمعنى،والتي تحملها الأبيات من مقطع لآخر. ومن اللافت للنظر أيضا ظاهرة الحذف التي شاعت بشكل كبير في القصيدة، وقد لاحظنا ان الشاعر يوزع مواطن الحذف في العبارات بشكل غير متساوٍ، فمرة نجد الحذف في وسط العبارة  ومرة  نجده في نهايتها، وأخرى في بدايتها، ومرة نجده وقد أخذ حيزا يتساوى فيه مع العبارات الأخرى في الوقت الذي لاحظنا حيزه الذي قد لا يتجاوز مساحة الكلمة الواحدة، وربما هذا يدل على ان الساعدي بلغ فيه الحزن انه عكف على نفسه مرة تلو الأخرى ليكتم بعض أسراره ويترك مساحة كبيرة للتأويل والتخمين .

من الملاحظ ان القصيدة مقسمة إلى عدة أقسام، والشاعر في كل قسم يقدم لنا مزيجا من الألفاظ وصورا ذات طابع مختلف عن الأقسام الأخرى، نجد ان الصور المبرزة كانت تتراوح ما بين  المجردة والمحسوسة، ومابين القليل والكثير، والصغير والكبير، ومن ثم يضع بين أيدينا مجموعة من الاختيارات:

وينام كالعصفور يقلقه البكاء …أو الضجيج ..أو انتظار الصبح .

ربما ليمنحنا فرصة ترجيح دلالة على دلالة أخرى .

ثمة ألوان كثيرة تحت سواد الحزن الذي توشحت به القصيدة، قد تحتاج إلى مقام أرحب، ودراسة موسعة ليس من وكدها التعريف بالشاعر وميزات شعره الفنية وتسليط الضوء على بعض ملامح تجربته الشعرية الناضجة في كتابة النص الشعري المنغم مرّة والخالي مرّة أخرى إلاّ من إيقاع آخر أشدّ عمقاً .

 

د. سمير الخليل

...................

الهوامش

ينظر: استرق السمع لكي أسمعني، شعر رحيم الساعدي، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 17:2015 : 11، 12،18، 20، 21، 22، 27،  29،  32،  37 .

 

ahmad alkhozaiترددت كثيرا وأنا أحاول كتابة قراءتي النقدية هذه عن منجز أدبي لقامة كبيرة من قامات الأدب العراقي المعاصر، لكن الذي شجعني على ذلك، القيمة التاريخية الكبيرة التي حملتها الرواية، وشخصية الروائي احمد خلف المتواضعة إلى حد كبير حين التقيته في لقاء عابر في شارع المتنبي.

ليس مصادفة أن يضعنا الروائي والقاص احمد خلف أمام أحداث روائية تحمل مقاربات كبيرة وحميمية مع واقعنا السياسي والاجتماعي العراقي، كان الزمن كفيل بإتاحة الفرصة لنا في معايشتها، في رواية (موت الأب) التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية في العراق عام 2002 استطاع الروائي فيها من قراءة الواقع العراقي بطريقة تنم عن امتلاكه لسعة أفق كبيرة، وإخضاعه البنية الاجتماعية العراقية في زمن الحروب والحصار الاقتصادي وتداعي مفهوم الدولة إلى مشرطه الفكري والمعرفي، وقيامه بعملية تشريح دقيقة للكم الهائل من المشاكل السياسية والاجتماعية والنفسية التي نخرت المجتمع العراقي كنتاج طبيعي للحروب والأزمات التي لازمت تاريخ العراق الحديث، وقيامه باستشراف المستقبل عبر نبوءة سياسية خطيرة كان تحتاج للبوح بها إلى شجاعة كبيرة من قبل الروائي، وكان من الصعب لهذه الرواية أن ترى النور في العراق واجتيازها للبوابات السوداء التي كان يضعها النظام السابق  بوجه أي منتج أدبي ومعرفي، ما لم يتلاءم مع المنظومة الفكرية له، إلا إن استخدام الروائي لأسلوبي الرمز والتورية كوسيلتين لإيصال رسالته الفكرية والإنسانية إلى المتلقي، مكنتها من ذلك.

تميز الإطار العام للرواية بالعمق والتعقيد عبر انتقالات سريعة ومفاجئة في السرد، باستخدام الروائي تكنيكا جديدا على الرواية العراقية، تتداخل فيها الأحداث وتتشعب، ويتعدد الرواة داخل النص الأدبي، بطريقة تحتاج إلى قراءة دقيقة وبتمعن،  لكنه استطاع تسخير كل هذا لخدمة الثيمة الرئيسية التي ارتكزت عليها الرواية،  وذلك بتناوله لمجموعة من الأشخاص يتحركون ضمن حيز اجتماعي بسيط ذات طابع سلطوي يهيمن عليه الأب (القائد الأوحد) الذي كان رمزا واضحا للرئيس آنذاك، مكنته شخصيته الجامحة والغير منضبطة من التحكم بمصير عائلته الصغيرة (الأم، الابن إسماعيل، الابن الصغير) لتتعدى هذه السطوة لتشمل أخيه نوح وبعض سكان النزل الذي كان يمتلكه، والوصول بالبعض منهم إلى نهايات مأساوية ، دفع ثمنها هو لاحقا.

تبدأ الرواية بتقنية سردية غاية في الحرفة والجمال، باستخدامه الوصف الدقيق والتفصيلي لعنصر المكان، ليدخل القارئ عنوة في الجو العام لها، وللتمهيد للانفعالات النفسية والإشارات الدلالية للحوار اللتان سترافقان حركة الأبطال داخل النص الروائي، ينتقل بعدها لإبراز العنصر المهم في النص بوصفه لتمثال الذئب البرونزي الرابض أمام منزل الابن والمقاتل الروماني الذي يصوب إليه الرمح، ليفتح مخيلة القارئ أمام أفق واسع في تصور دلالات هذا المشهد، الذئب الذي يعيش في حالة خطر داهم وهو ينتحل صفة حماية الدار، ليفصح عن ذلك على لسان الصديق الذي اندهش لرؤية هذه البانوراما الغرائبية (متى كانت الذئاب حامية للديار) لينسحب هذا الصراع بين الذئب والمحارب الروماني على حقيقة الحرب التي عاشها مجتمعنا وماسيها ..(غير أن الحرب هي الحرب في كل مقاساتها، لا يهمها غير الطعن والمناوشة، الكر والفر، الهزيمة والانتصار، الفوز بركام الدمار والخراب والجوع، سواء بالسيف أو المنجنيق يدك البيوت ويهدم سقوف الجدران ، ليترك ورائه عويلا لا ينتهي وصراخا ينداح في البرية لعشرات السنين).

كان لهذا المدخل الفلسفي والإيحائي للرواية، أن يجعل من القارئ معرفة أي نصا أدبيا قد ولج وعليه أن يكون حذرا في تعاطيه مع أحداثه الدراماتيكية التي ستبدأ بلقاء بين الصديق الصحفي والابن الذي تعمد الروائي عدم الإفصاح عن اسمه إلا في إشارة خاطفة قد تحمل بعدا دينيا حين نادته طفلة صغيرة في لحظة عابرة باسم (يوسف)، والإشارات الدينية نجدها قد تكررت في النص في مواضع عدة من خلال بعض الآيات القرآنية التي رافقت السرد، ورمزية المسجد في قصة الكنز التي رواها لهم العم نوح، وهذا أمر طبيعي، كون لا يمكن تجريد الكاتب من محيطه البيئي والديني الذي يفرض نفسه عليه.

هذان الصديقان اللذان تربطهما علاقة طارئة حين التقيا عند في مرسم صديقهما المشترك (عادل بيكاسو) تلك الشخصية المستفزة والمتمردة على واقعها الاجتماعي نتيجة كم هائل من خيبات الأمل التي عاشها منذ صباه بسبب الفقر، والذي جعلته محبطا يعاني من الفشل العاطفي والانزواء الاجتماعي،  لتتحول حواراتهما القادمة إلى نافذة يطل منها القارئ على سير أحداث الرواية، حين يطلب الابن من صديقه كتابة قصة حياته منطلقا من عقدة أبوية سلطوية طغت على المشهد العام للنص، الأب الذي عبر عنه الابن (الأب الجاني والأب الماكر والأب الذي لا نحسد عليه)، الأب الذي كان يتلصص عليه حين كان صغيرا وهو يمارس الرذيلة مع سارة الحفافة إحدى نزيلات بيتهم القديم، ويسكر حد الثمالة ويتبول على جدران المنزل ويعامل الجميع بحدية وانتقاص، هذه العقدة التي انطلق منها الابن الذي كبر وأصبح تاجر تحف ثمينة فيما بعد ليروي قصته إلى صديقه، التي تمثل قصة شعب بأسره عاش تحت وطأة الطغيان والاستبداد، على ركام هذا الواقع المرير أسس الروائي احمد خلف نبوءته التي أفصح عنها في نهاية روايته.

في أحداث مضطربة كانت تمثل القاعدة الرئيسية  في العلائق الاجتماعية التي ربطت أفراد أسرته ، الأم الصامتة في اغلب الأحيان المغلوبة على أمرها، إسماعيل الابن الأكبر الفتى الوسيم الذي أراد أن ينتحل صفة الأب، العم نوح ذلك الضيف الثقيل على الأب، الذي عاش معه في صراع  ناتج عن تنافس غير معلن على محبة الأم والأبناء، ليصل هذا التداعي إلى ذروته حين يختفي الابن إسماعيل مع سارة الحفافة إلى الأبد ويقرر الأب بعدها الزواج من ساهرة المرأة التي تتفجر أنوثة ، رمز السطوة الأنثوية على الذكر، لتغادر الأم المنزل وتنفصل عن الأب وتتزوج من العم نوح فيما بعد، لكن الابن الراوي في خضم كل هذه الأحداث يبقى الطرف الأضعف في المعادلة، بعد أن يقرر الأب الاحتفاظ به ليعيش حالة من الحياد، التي أكد عليها الروائي في أكثر من موضع في الرواية، (الحياد) الذي رافق الأغلبية الصامتة من الشعب العراقي في ظل النظام السابق طلبا للسلامة، (كانت نظرتي فيما مضى إلى البيت نظرة محايدة).. وفي إشارة أخرى نجد في رواية الصحفي الغير مكتملة التي كتبها داخل النص الروائي عن الواقع الاجتماعي السيئ الذي كان يعيشه العراق في ظل الحصار الاقتصادي، في محاولة من الروائي احمد خلف في الإفصاح عن ذلك بصورة غير مباشرة باستخدامه تقنية تداخل النصوص السردية ضمن متن النص الروائي،  وفي حوارية بين هاجر الطالبة الجامعية ابنة خالة الصحفي امجد توضح خطورة الانحطاط الفكري والسلوكي لبعض أبناء المجتمع العراقي نتيجة هذه التجربة الصعبة التي عاشوها، حين تروي له قصتها مع صديقتها وتحولها إلى بائعة هوى (ومن الممكن أن تكون قد خطت خطوتها تلك لكي تعرف فيما إذا كنت أحبها أم إني انظر إليها بحياد)، كان يرافقهم في هذا المشهد صبية يتنازعون على الكرة واحدهم جالس ينظر إلى الجميع نظرة حياد،

وفي عودة للنص الروائي الرئيسي يروي الابن لصديقه الصحفي النهايات الدراماتيكية التي وصل إليها أفراد أسرته في ظل سطوة الأب، العم نوح انتهى به المطاف مقتولا على يد أخيه (الأب) في مشهد يحمل أبعادا منها مثيولوجيا،  قتل الأخ لأخيه والطائر الشاهد الوحيد على أول جريمة في التاريخ الإنساني، (ركض أبي ناحية حجر كبير ورفعه نحو الأعلى، كان عمي ينظر إليه وطيف ابتسامة نادرة تعلو محياه) وفي إشارة إلى الطائر(التفت نصف التفاتة نحو أخيه، كان عمي لا يبدي حراكا، عض أبي على شفته وامسك بذراعي وهرول بي لما رأى الطائر الكبير مرة أخرى يحوم في الفضاء المهجور من حولنا)، وقد تكون دلالة الطائر هنا تشير إلى نذر الحرب التي كانت تلوح في أفق العراق وبداية النهاية للرئيس، والعم نوح إشارة إلى القوى الناعمة التي سحقها النظام ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن هذه الرواية كتبت بين عامي (1995-2000) كان فيها العراق على شفا حرب مدمرة وحصول تداعي كبير في البنية الاجتماعية والسياسية له، حتى أطلق الروائي على هذه الفترة بزمن الحيوانات، في حوار بين الابن وصديقه (لقد عشت معه زمن يليق بالحيوانات)،  وفي موضع آخر ( ستكون شاهدا على زمن الحيوانات)، إشارة إلى حالة التدجين القسري التي مورست على الشعب العراقي آنذاك.

يسجن الأب خمسة عشر عام على جريمته هذه،  يخرج بعدها وقد تلاشت سطوته وجبروته بين طيات المرض والتجربة الصعبة والمريرة التي عاشها، وفي جلسة حوار روتينية بين الصديق والابن في منزله الفخم، يدرك الصديق أن اليد النحيلة البيضاء التي كانت تمتد إليهما لتناولهما الشاي والقهوة وقطع البسكويت كانت يد زوجة الأب (ساهرة)، وان رجلا يقبع في إحدى غرف المنزل المنزوية بين أثاث شبه مستهلك كان الأب (تنفست هواء الغرفة الرطب البارد إلى حد ملموس، فوجئت بسعة المكان، كان الجسد يلتئم على سرير نظيف الفراش وسط مجموعة من الثريات والتحف القديمة الشبه مستهلكة)، ليتشبث الأب (الرئيس) برمز سلطته الآفل (الكرسي) حين ينهض من سرير تحت مراقبة عيني ابنه وصديقه ويرتمي على الكرسي الذي بجوار سريره (ودون أن يفتح فمه، القي بجسده على اقرب كرسي، اخذ نفسا طويلا من سجارته وقد تأملني مليا)، نهاية مثلت نبوءة لكاتب عراقي امتلك القدرة على قراءة الواقع العراقي قراءة موضوعية إبداعية، الموت الذي أشار إليه الروائي في عنوان روايته، كان موتا افتراضيا رمزيا، حين يتحول الأب (الرئيس) إلى جسد متهالك بين ركام أثاث عفا عليه الزمن.

رواية موت الأب للروائي احمد خلف هي تجربة أدبية أسست لمدرسة جديدة في الرواية العراقية حريا بنا أن نفتخر بها ونسلط عليها الضوء، لتتحول إلى ركيزة ثابتة يستند عليها جيل الروائيين الشباب.

 

احمد عواد الخزاعي  

 

madona askarلعلّ الّذي كان سهواً ليست خواتم أنسي الحاج وما ورد في كتاب "كان هذا سهواً" من فكر وفلسفة واختبار حياتيّ... وإنّما ما غفل عنه البعض أو الأغلبيّة في التّعمّق في الفكر الدّيني الإلهيّ. لقد دخل أنسي الحاج مواطن الفكر العميق وأبحر فيه انطلاقاً من الإنسان لا انطلاقاً من الله. فحاور ذاته وحاور الله لكن بطريقة غير تلك الّتي عهدناها. عالج إشكاليّات الله / الإنسان، الحياة / الموت، القدر / الإيمان، العدم / الوجود، بطرح تأمّلاته الشّخصيّة ولكن المعبّرة عن الآخر في ذات الوقت. لقد وعى أنسي الحاج حاجة الإنسان لمناقشة هذه الإشكاليّات، فلم يناقش تقليديّاً، وإنّما ناقش أسباب الفكر وترامى إلى أصل الفكرة. عالج الأصل أكثر من النتيجة.

"قد تكون هذه ثقيلة ولكنّها ليست "مزحة" ثقيلة!

فكرة أن يكون وراء إنكار ما لوجود الله نيّة عميقة لتبرئته". (1)

بالذّهاب إلى أعمق مكان في الإنسان الّذي ينكر وجود الله، استخرج أنسي الحاج النّيّة الأصيلة في نكران هذا الوجود الإلهي. فاتّجه إلى الجذور الإنسانيّة الفكريّة، حيث نشأت الفكرة، وتراكمت الاختبارات الإنسانيّة. لا يريد أنسي بهذا القول تأكيد إيمان الملحد أو نفيه، بل يسعى إلى طرح الإشكاليّة وتبيان أصولها وظروفها ونتائجها. بالذّهاب إلى هذا العمق قبض أنسي الحاج بفكره وروحه على إنسانيّة الإنسان.

بالمقابل نقرأ أنسي الحاج في عمقه اللّاهوتيّ حينما يقول: "بعض مهمّات الله (كاختيار من يموت، متى، كيف، من يفدي من، إلخ...) تُرينا صعوبتها أنّ الألوهة ليست امتيازاً بل عبء أُعفي الإنسان المحبوب من حِمله" (2). بين نيّة تبرئة الله وإعفاء الإنسان من عبء الألوهة تتجلّى الفكرة الأنسيّة في المحبّة القائمة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والله. ثمّة علاقة حبّ قائمة ربّما بالفطرة بين الوجود الإلهيّ والوجود الإنسانيّ على الرّغم من كلّ الشّوائب الّتي تسود هذه العلاقة.

"كيف استطاع نوح، بعد ما اختير وحده وعائلته للنّجاة من الطّوفان، أن لا يشعر بالذّنب؟

وتشارع الله، وفي حرصك على الحقّ، رغم موتك، تتردّد وتحار، تقلق أن لا تظلمه.

وأنت الّذي يُصلب لا تعرف لمَ، تخاف على شعور تاركك، تخاف عليه من حرف جارح.

ويحملك الشّعور بجميل ذاتك على الظّن أنّك خير الكائنات، وإلّا لما كنت مؤرّقاً بهاجس الحقّ وأنت في زوبعة الشّدّة." (3)

قد ينتاب البعض هاجس الدّراسات، وتعتريه الانتفاضة على أنسي، ويصيبه القلق في خطورة مواجهة النّصّ الكتابي أو مواجهة الله ذاته. إلّا أنّ أنسي يحمل الهمّ الإنساني بكلّ هواجسه وهمومه وقلقه المعرفيّ تحديداً في ما يخصّ الله. إنّه يعرض بوضوح هذا الصّراع الإيمانيّ الإلحاديّ في كلّ إنسان، ويبيّن النّزاع الإنسانيّ الدّاخليّ الّذي غالباً ما يحجبه الإنسان، فإمّا يتّجه إلى الثّورة العبثيّة، وإمّا يخاف وينغلق على نفسه، وإمّا يتحوّل إلى مهووس بالإله السّيّد يرجو طاعته وإن أهلكته هذه السّياديّة.

كأنّي بأنسي يكتب ذاته على ضوء ذاته، ويكتب الآخر على ضوء المراحل الإنسانيّة الاختباريّة بكلّ ما تحمل من شكوك وإيمان، محبّة وبغض، قبول ورفض. يكتب بشريّة الإنسان ويدعونا إلى اختبار هذه البشريّة والغوص فيها حتّى نبلغ معرفة الحقيقة الإنسانيّة الوجوديّة. 

 

مادونا عسكر

............................

(1) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص18

(2) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 17

(3) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 21

 

abdulwahid miftahصدفة حارة تلك التي جمعتني بالشاعرة وفاء العمراني، بمقر جامعة المبدعين المغاربة ..رغم أني كنت أحد المُعدين للقاء والساهرين على الإستعداد له، إلا أني دائما أعتبر اللقاء بوفاء العمراني لحظة حارة، ما هي إلا صدفة نادرة تجود بها علي الحياة، وسط أرطال يومياتها المتشابهة، هذه الشاعرة التي كان للحرب وعواملها سبب عودتها بعد غياب عن الساحة الثقافية المغربية، مدة لا بأس بها، جراء مسؤولياتها بالسفارة المغربية بسوريا. لكن صوتها ظل وقادا ومتفردا كأحد الشواعر المغاربة القلائل الذين عرف صوتهم مشرقيا كما في المغرب، رفقة محمد بنيس عبد الله زريقة وأخرين قليلين.

لقائي الأول بوفاء كان بمقر بيت الشعر، ومن تم تعدد إلى ندوات وأمسيات، أذكر حينها كنت في الثاني باكلوريا أحضر الملتقيات الشعرية أكثر من حصص أستاذ الرياضيات، الذي كان لتواطئه مع شغفي بإتجاهات أخرى ..وساعاته الإضافية المكدسة أخر السنة .. التي تبدو رحيمة بمنظور الآن، أن تسعفني على ميزة لابأس به التي لم أكن بحاجة لغيرها، لأدخل الجامعة وأدرس خرافة حقيقية اسمها السوسيولوجيا، ..سنوات مَرت كان لتقلص مساحة العمل الثقافي داخل البلد، وقلة النقد المتخصص، والمنابر الإعلامية الفاعلة، أن  يؤسس لمرحلة غائمة داخل هذا الفضاء، الذي أخد يعرف إبدالات في النسق العام، متماهية مع المنطبع والسائد في تقليدانية حاضرة في أغلب ما يَحكم وضعيته.

التعرف لقصيدة وفاء العمراني في مرحلة مبكرة مهد لي الانتباه لصوت شعري كان لمنجزه دافئية لامعة أسهمت في تحقيق مآئزية له.

وفاء صوت خاص ومتفرد، لا على مستوى الأصوات النسائية بل على المستوى الشعري عموما (لا خلاف على الكفاءة المفهومية لهذا التعبير، في ضل عدم استحكام ذلك بشكل بَيِّن لشاعرات كثيرات).  كشاعرة إفتضَّت بياض قصيدتها، بوارفية حانية ضلالها ..الدافئية / الرؤية / الفحولة / الجمال / النبوة / الكشف / الفاتنية وغير قليل غيرها، مفاهيم بها أرفع الرؤيا لقصيدتها، التي يصير لها انسجام مع فاعل الشعر الذي لا يُقيدُه زمن، مُطعمَة بحمولات فكرية وروحية تتشابك وغنى تصوراتها، بإجرائية إغراءات الكتابة العاشقة .. تلك التي تقع وفاء بكُليتها في شركها الرؤوم

ليست الكلمة الشعرية عند هذه الشاعرة متأتية عن هجرة أو انفصال أسلوبي، وإنما انخراط فيه وتجاوز له في آن، لأن التغيير يعتبر هاجس في كتابتها، التي تَبَّنت ما يمكن أن نتواضع عليه عبر محدد الشطح البكر بالكشف أو خطاب الذات بالرؤية.

إن تشغيل هذه الشاعرة للشطح، في محاولة لإغناء السند الأيقوني لقصيدتها ..لا يمكن الجزم أنها استخدمت الخطاب الصوفي، وإن تبدت أنفاسه خلفية لبياضها، أو السريالية الفرنسية، مع اختلاف الشرائط المعرفية التي وَجَّهت التجربتين، إلا أن التمرد ونُشدان الحرية الذي يضل شاغلهما عن سيادة الظاهر، تجد له أنساقا ومذاقا في قصيدة هذه الشاعرة المُتَخصبة عن تحرير المعنى، وتجريد الرؤيا، فتحا لها على التعدد بإعتمال ينثر تماهيا مع الخطاب الصوفي برفضه، لأن بياضها ساد حوله وأصبح بديلا عنه.

قراءات بإمكانيات متعددة، تحتال بحيل للتأويل، يمكن الأخذ بها لتأريخ الأمكنة النظرية، التي تصدر عنها الإضاءة المضاعفة التي تكتسي خلفيتها سلطة على كامل عمود القصيدة لدى هذه الشاعرة، إلا أن ما يَستلذ لي أمام اتساع مفهوميتي للشعر مع كل قراء جديدة لأعمالها، هو اقتران كلمتها بدفء الرؤيا، بوصفها حلما وجنوحا للاختراق، ينهض بفاعلية البحت عما يستوعب فضائه، بعيدا عن الجاهز فليست اللغة في كتابة وفاء وصفا شعريا أو تعبيرا عنه، أو انعكاسا لحديت رومانسي وإنما هو تغيير لها بتغيير النظرة. لتتهدم اللغة في انبِناء عبر الكشف: ككيانية صداحة في شجرة الأنساق الشعرية، وهو ما يَمدني بتصور يتطور عن إعادة كشف مفهوم الذات ودرجات الواقع، عن برزخية قصيدة أتحدت. وهي تفك الإرتباط بالتقدم والتطور وتنفك عن الحداثة، بما هي زمنية أو تبشير(ب) في ارتطام الشاعرة بأسئلة الحب الحياة الموت.

فبحت الذات عبر الإختلاف، في مغامرة هذه الشاعرة، يستمد بضعه من اللانهائي، من هنا يَركب السفر السعيد قلقه، عبر الإنشقاق والنقصان، في خطابها الشاعر: هذا النادرة فاتِنيته بشكل لا نتوفر إزاءه  على جهاز نظري لقياس ارتجاجه الجمالي، غير تقصي ما هيأه لنا من سردية مضاءة.

يرجع الامتطاء السريالي الذي تعتليه نبرة هذه الشاعرة، قفزا على استغلاق الظاهر، إلى معان لا تتبدى داخل القصيدة لحداقَتها جراء الإصطدام باللغة ومحدوديتها، فمع تَبين أن المعرفة لا تتم بالعبارة كما يوضح لنا النفري (هذا الصوفي الذي يصير شيئا فشيئا صديقنا المشترك جميعا) لأن العبارة حرف، ولا حكم لعرف بل الحرف حجاب وهو حسب ما يذهب إليه يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني ..وفاء من المنتبهين باكرا أن الكلمة محض حدود، ورمز لما سبق إدماجه كليا في العالم، وصورة وتقييد للانهائي ..لهذا تجد كلمتها الموسومة باللمعان داخل فضائها الشعري لا تنفد معرفتها فهي كثيرة تشير عن الذات وتعبرها، دون أن تقولها، تتماهى معها في كشف.. تتسامى وإياها فهي كلمة الاحتمالات والظلال الوارفة   

 

ahmad alshekhawiبشعرية نافرة وموسيقى خفيضة تدغدغ الروح، يطالعنا،عبر ديوانه الصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ــ لبنان، الشاعر الفلسطيني الأردني إسلام علقم كأحد أبرز الأصوات  بين مجايليه في عزفهم على وتر إيثار الهموم الوطنية وسيناريوهات الاحتماء والانتشاء بألوان خلطة خليلي ــ تفعيلي، حتى لتتأتى له بذلك وتنرسم آفاقا بلاغية تمتح من معجم فصيح هامس، ضمن حدود الانفتاح الواعي على جغرافية تجريب الأجناس.

مطرقة الألم وسندان العشق  في لحظة افتقاد ما يؤهّل الروح للانسكاب في بؤرة اتزان يقود إلى أرضية قد تتيح فرص تصالح جدّي مع المعطيات الوجودية للبينية المتجذرة فينا .

سليقة ليس تستقيم بسوى استنبات بذور لثورة مهادنة تنطلق من الذات وعلى امتداد ذبذبات وجدانية وتداخلات إيقاعية تقتضيها أغراض القول الشعري الموزون وصاع الحاجة إلى بحر العمود المحقق لتناغم الدّال والمدلول ومن ثمّ التلقّي السلس لزخم الرسائل المتدفّقة عبر شريان الجسد النصي الثري برمزية اتكاءه على الحس الوطني والإشكاليات الإنسانية العميقة والكبرى.

" هل الصفحاتُ أتعبها اليراعُ / وهل يا ريح أتعبكِ الشّراعُ

أتبكي صفحةٌ من بوح حزنٍ /ويخدشُ سطوة الريح الضّياعُ

يسيرُ بنا الزمانُ بلا رجوعٍ / وأسرارٌ تموتُ ولا تُـــشاعُ

وتنهالُ الوجوهُ على المرايا / ويكسبُ جولة َ الحسمِ القناعُ

وإن يا حبُّ قد أطربتَ قلبي/ فإنّ الروح يؤلمها السّماعُ "

.............

" تفيض الرّوح من وجع الليالي/ وتُلقي حزنها في رحم بحري

ومن فرح ستقطُر كالزّلالِ / ليعزف وقعها مع نبض صدري"

تنقلات مخاتلة تخطف خطو الهوية الجندرية لتذيب فوارق الانتماء وأوهام الحدود وتستنطق إنسانيتنا وتفجّر إيديولوجية التكامل والتعايش وكونية الكينونة بمنأى عن العرق أو اللون أو المعتقد.

" لا تعتبي

إذا ألقيتُ أيامي

إلى الحتف

لا تنظري

إذا أسدلتُ أحلامي

لأمشي فاقدا ظلي

إلى الخلف "

إذ السجال الخاسر يكمن في قمع أحلامنا المشروعة إن عرضا أو بشكل مقصود . ما قيمة أن نكتب ؟ما لم ننتصر لمواطن النبل والجمال فينا، وتهبّ توليفة ما تمتزج به دماؤنا من انطباعات وأفكار وأحاسيس، ضدا على ما يسوّق عن فخفخة كمّا مهولا من المفاهيم  الزائفة لتناطح المنظومة الأخلاقية التي قد تقلّص فينا ــ حدّ التلاشي ــ أقنعة البهيمية وشهوة الفتك وسلطة الأنانية وإقصاء الآخر سواء في تجليات الأنوثة أو بقية عناصر ماهيتنا ووجودنا إجمالا.

" وتسألني الحبيبةُ: أين أنتَ؟ / أفي الأعياد تنطفئُ الليالي

يبوح حنينها للوصل حزنا/ ألا ليتها تدري بحالي "

تدرّج يغطّي فضاء الحكاية ويقبض على ثغرات الزمن الموبوء. من عوالم مبُهجة طقوس الذبح.. ذبح سنبلات القلب وتقطيع أوصال الشّد إلى الأوطان كما يشتهيها قريننا في فضح المكبوت ونفض الأوجاع التي ما ينفكّ يشحننا بها الراهن بكل أقنعته وتناقضاته ومفارقاته وبربريته واستذءابه أيضا بكيفية نحن أبرع ما نكون عليها في خلع وإسقاط ساديتنا وشلالات مثالبنا عليه وهو الراهن المتّهم والمدان على الدوام.

"إلى قصائد الاستشهاد والغرابة والعطش ومدن الذاكرة.

إلى الرياض التي تذكي الحنين إلى الجذر.

" أنت آخر هبّات الهوى

وختامُ النهر

في بحر النّوى

وركوع النجم للشرق المهيبِ "

...........

" فإذا تراقص صدركِ

وابتلّ ثغركِ بالندى

لا تفزعي

 قد حلّ دفء في القلوب"

............

" وبوحي اليوم ليس له وجود /وبوح الأمس من شوق رماني

سأحكي ما مضى منّي فإني/ لديّ من الحوادث ما رواني "

.................

" يا قبلة الحرف الشغوف تقرّبي/ فالروح تخشعُ إن أتى الأحبابُ "

...............

" بغربِ القدس أطلالٌ وذكرى / وأرواحٌ تهيمُ على المدادِ

تجول حزينة من طرق خطوٍ / يعاقبُ سمعها دون ابتعادِ

مساجدها تكذّب ما تراهُ / كنائسها تدقّ بلا عبادِ

و "مالحة" أراها في منامي/ توشّحت الزهور على السوادِ "

لذا تبقى الكلمة مهما بسقت وتسامت أقصر قامة عن أن تحتوي وجع فلسطين المغتصبة باعتباره وجعنا جميعا وبدون منازع.

وإذن هما ثيمتان مؤطّرتان لتساوق المعنى ضمن حقول دلالية تلتحم ثارة وتنفصل أخرى لتغذي الذائقة بإفرازات قيمة الحب كنواة للاتزان الشخصي والطبيعي ومجموع ما ترتكز عليه أوتار النبض ومكونات حياتية شتى.

لكن يسبق العشق الألم وكأنما هي تقنية لاستغراق عملية التلقّي بظلال خيار الحياة والتحرر من منطقة المنغصات وسائر عقد الارتهان بتعاليم عولمة متغوّلة تطعن في خصوصيات الذات وتُبهرج خطابات الانفصام الروحي.

 

احمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

abdulwahid miftahالشعر أو فانوس الدهشة عند بنميلود، ليس تبيانا لحالة بقدر ما هو منجنيق التمرد، نص بمسلكيات غير معتادة. مجاريه البلاغية هي انفلات محض من إجماعات كثيرة، على أن قصيدة النثر المغربية في أزمة كبيرة، وأنها لم تنجب تجارب مهمة، وهي إجماعات غائمة عموما من هنا يَتَبيّن شيء عن ذلك.

فالنص هنا المنحول عن الذات لا اللغة، والذي أستطيع أن أقول أنه نص كبير في بساطة يسيل منها كل شيء- لكن لنلعب اللعبة -  سأدعي ككل قُراء يوم الأحد أنني ماهر- مع أني أقطر أخطاء إملائية ما يكفي لتقف اللغة طويلا أمام قبري لتتبول عليه -

سأجرب أن أنظر إلى الكتابة التصويرية في النص، كنوع لغوي تشكيلي أستطيع أن أصطلح عليه تفردا بالرشم، رشم القصيدة. الرشم هنا كتعبير عن تداخل: التصوير-الكتابة- مؤثرات كسر الإيقاع – الرسم- كوحدة عضوية غير أذاتية في النص، بل هي نفسه، في عملية تأخذ برقاب بعضها البعض، تَنكتبُ بلغة الأشياء لا عنها، في التقاط وجداني هي كل بلاغة النص وكثافة دواله، وهو على ما فيه-النص- يرتهن لمقادير واسعة من طيش كاتبه، هذا الذي يكتب بصدقية بارعة داخل مرسمه اللغوي، يرتب الكلمات ويفضح أسرارهن قبل أن يفكوا أزراره ويصير عاريا .

إن التراكيب الاصطناعية لأي إنشائية، لا تليق هنا للرؤية إلى نص يرتب أجزاءه بالتفات وعناية كبيرين، أما لغته فنحيلة كضوء، تتماوج في ماء تلويناتها الداخلية، ما يهب سنابل الشعر غاية في التنوع، في صفاء نوعي وعلاقات مدهشة للجمالي وطازجة مع الموجودات/السؤال/الذات..

مثل جنرال بجمجمة ماكرة، يقتنص بنميلود اللحظة البارقة ذات الكيان المفتوح على الدلالة المجردة، بواو عطف على الخيالي الرحيم، لا يرضى أن ينوب عنه صف الكلمات التي رصها في نصه، بل يحضر ذاتا كمسودة لمتنه، الطافح عن حرارة اللغة /الحواس، متن تزدحم داخله جماليات غفيرة، لا تُعَمّدُ ليونتها بمُحسنات بديعية – مدرسية محفوظة على ظهر تكرار مر، فالنص هنا فتنة خاصة لا تبتغي أن تُعري /ترى إلى نفسها إلا مترقرقة في عينيك.

 ينطلق فعل الكتابة عند محمد بنميلود، من الخط الأقرب من ماء الشعر وغَلواء سياقياته مع العادي والأكثر فطرية، في متن اللغة والذات معا، كشاعر يرفع اللغة أعلى منصة الإفصاح، ولا يدع حرفا من حروفها إلا عمّده بحبر القلب ودفئه، لا يُنقِّب عن الأحافير الرمزية للمجاز، ليشحذ بريقها ويبريه ويعرضه كماركة مدرسية ومعلبة وهذا كل شيء.. بقدر ما يتورط في استعادة المنفلت والهارب، يطفئ البلاغة داخل اللغة ويشعلها خارج القصيدة، لهذا تجد أن نصه يانع يتدلى كزهرة أثقلتها السماء بالندى،

فالإلتصاق العضوي بقصيدة النثر، والحفر عميقا داخلها إلى جانب اعتماد التجريب، كنسق معرفي /أسلوب به تُجدِد الكتابة لمعانها: عوارض إلى جوانب أخرى هي السطور العريضة لهذه التجربة، التي ينظر لها كثيرون اليوم بانتباه كامل.

ما يشدني في التحدث عن هذا الشاعر، هي تلك الرؤية الصافية، والقدرة الرائعة على التحكم باللغة التعبيرية دون الحاجة إلى ذلك المجاز المستهلك سلفا، في تناغم بين المدلول والإيقاع بكيمياء ترابطية غير مكرسة، ناهيك على أنها كتابة مصابة بدلال فادح، لا يشبع لمعانها أي صيغة من صيغ البلاغة الجاهزة، والعجيب داخله أنه مُصمِم دائما على أن يِصيبك بعدوى بياضه الدافئ كقبلة .

إنني هنا أكتب دون أن يحالفني أي حظ في رسم بورتريه كاملة أو حتى نصف كاملة، لرجل أحدت أثرا واضحا إلى جانب عبدا الرحيم الصايل والخصار وجلال الأحمدي، في قصيدة النثر، كأنه قادم من بلاد الأخيلة، محمد بنميلود هو مهندس اللحظة الحارقة، في مشهدية عالية تؤثثها لغة طَيّعَة حد المهارة، وهي لغة/أسلوب زجاجي ، عَليَّ أن أبَعثر كلمات كثيرة لعلي أعثر على توصيف ملائم له، استحضر رولان بارت ، لأرى إلى الأسلوب “كاللغة الغزيرة النابعة من الأحشاء والملتحمة بحميمنا السري” وهو هنا به من السخرية والبريق ما يضيء تَحْتِيات المعنى في تشاكلاته الشعرية والمعرفية، مربك لكل ما هو معروف ومقنن في ماركات نقدية ما بعدية أو ما ورائية – أصدقائي في الطفولة من كانوا يجدون تعريـــفات لكل شيء بسرعة.

فهو نص يعيش في خيانة غير مُتهمَة، لكل ما هو معجمي ومحدود، طليق كهوية كتابية منفصلة عن دائرية النسقي وتوجيهاته، لذلك تجده لا يلملم تسمياته إلا داخل الكتابة، في هروب من الأشكال وسخرية من الأصفاد، ليتأتى لنا النص الكتابة، هذا النص الذي يجردك من كل أسلحة القراءة الأدواتية، فهو عاهل باللغة غير المستعملة، ويمكن تسميتها بالأسلوب المقابل لمصطلح الأثر في الحقل التشكيلي.

هذا الأسلوب الأثر الذي يطبع كل تجربة مثقف لذائذي ومتوازن، هو حاضر مُتغاير في متن بنميلود كتمرين على الصعود إلى الجمالي بكتابة لا تملك أي مجد أو تصفيق تقليدي، لأنها ببساطة لا تحاكيه.

القارئ هنا عليه أن يقرأ النص ويلاحق امتداداته، لأنه نص يشتغل على فِلاحة العَالَم لا المعنى كلوحة داخله.

صحيح أن أي نص هو توليد مبتكر، يتَعيّنُ مرة واحدة وترف القراءة أن تتعدد، لكنه هنا لا يَركب الكلام أتيا من موجة عالية وموجهة، وأيضا ليس مُرجَئا كرسالة في قنينة مرمية في البحر، بقدر ما هو كتابة تعترض ما يُهددنا، مشحونة بما يعتمل في المشترك والجميع، فاللغة بكليتها تتعاقب وسط ذلك الدفق الإنساني التي تخونه براهين عديدة، يكفي أن نقول أنها عربية لينفتح القول..

نص بنميلود تقرأه بكامل جسدك، رموزه البسيطة التي ترافق جولتك الرؤيوية داخل الكلمات، لتصير أمام مشهد بصري محكم ومحبوك بعلاقات غاية في الدقة، في غمرة لا أحتاج أن أُسلط المديد من الضوء للوصول إليها، وهي فتنة لا تبتغي تحقق استماع جيد بل تَتبعا.

إن العناصر المتفاعلة التي أعطت أن أتكلم عن هذا.. هي الخصيصة الشعرية ذاتها عنده والتي مع تداخلاتها التكوينية تبقى نحيلة للتعبير عن أخر نقطة في برج ما تصبو إليه. نزعته المُزدَنيَة بجمالية الولع بكسر أفق انتظار القارئ دائما. كلماته التي يصير لها أن لا تَقنع بما قالت.. ثرثارة المعنى كلعبة طفل، إني وأنا أحاول الاستعارة عنه لأكتب منه يستوقفني بياضه غير المخدوع بتقنيات بصرية أو مفاهيمية في التصاق وتمسك بمعيار جمالي يَنْساب خارج مربع الإمتاع إلى الإبداع .. كل هذا في محاولة دائبة لذى بنميلود لاستعادة طفولته داخل النص،

 فهو يكتب بأدواتها كمحترف تحضر "جدته" داخله وخارجها – ليس كتيمة أو رمز – في انغماس إنساني تشحذ الجملة طاقتها وطاقة أخواتها للتعبير عنه واستعادة تلك البراءة الأولى التي أعقبها ذلك المصطلح الثاني الذي سميَ فوقها ب(الشعر) فهو هنا يسوق طفولته كما يسوق الخطيب خطبته، في نص ممتع ومناور بشكل شقي جدا ومتحرك وهو أسلوب/تيمات قليلة إلى نادرة في الكتابة المعاصرة.. مائز بالنظر إلى موضوعاته مثل شمس تسيل من الشفتين وتخبر عن أحوالها الحرائقية لا العالية.

 الطفولة مهرجان شعري متكامل واستعارة تقنيات سينمائي لتركيب أجزائها في نص هو خيانة للغة المُصطلَحة، كلغة لازمة في التجريب الشعري المعاصر الذي صار يجعل من القارئ فأر تجارب لتقلباته التي لا تنتهي -القبل أو المابعد مدرسية -  في إعلاء من قيمة كل ما هو غامض وغائي.. بعيد ووحيد.. وهذا أكبر منزلقات التجريب كفعل معرفي أساسي في منظومة الكتابة الحديثة والحية.

 من كلام الناس العادي والحديث اليومي يأخذ الشاعر هنا مادته الغُفل التي يشكلها على مرآى من ذاكرته في شعرية مفتوحة تكون فيها اللغة خالقة، لا مرتبة أو مصنوعة لنقف أمام مرجع توليدي وفهمي للكلام عن حياة اللغة، وهو قلب الشاعر في هذه التجربة لا التوليف الذهني البارد.

 وهو هو.. شاعر لا يتكلف، لا يشبه الروائيين في طقوسهم، قدرته على تفجير خطاب الطفولة.. ليس غير مسودة واضحة وفاضحة للقصيدة. وبترتيب مرابط التحليل يَتبيَن أن استنطاق العناصر الصغرى في هذه التجربة وصياغتها تركيبا لمستويات الرؤية كموقف جديد من العالم والأشياء، وبحث عن الصفاء حيث الطفولة ونضارة هذه الطفولة، تشرف على اللغة من مسافة قريبة.

كل هذا هو مناورة حية لذلك الحفر الصعب للكتابة وهي تقلم جُماعَها في اختبار لعلاقة الذات بما يعبر عنها، وإعلان القول الشعري لأحقيته في الكلام باسم حقيقة أخرى للإنسان والأشياء. فما لا يلاحظه كثيرون في نص بنميلود أن الشعري يوازي النص الروائي في تشريح وفهم حركة الواقع وصيرورة التاريخ، أكثر من عديد الأبحات الثقيلة والمملة. فرؤية الشعرِي تبدي حقيقة البشري في أكثر من مستوى. أما فاعلية متن النص ففي طرح بنية السؤال دون الحاجة لتلك المكملات البديعية الملحقة بأي ممارسة نصية، لا تبري أدواتها. من هنا أقول لقد جَرُأ هذا النص على فعل هذا.. وهو ما تستطيع استقراءه في العلاقات المتكتمَة/تقنيات كتابية/ أو الصريحة داخله.

إن المحيط المتأزم للثقافي والعربي، لا يمكن إغفاله في التأمل التحليلي والنظري للنص، إلا إن حاولنا تلمس تعدد المركب فيه، في تجزيئٌ قد يجد أعذاره، فالنقاد الذين تَجدهم يتحولقُون كهنود حمر حول كل ما هو رسمي ومؤسساتي، والتجمعات الثقافية الممولة التي صارت تشبه بيوت الكهنة، بالإضافة إلى الفقر المعنوي الذي بات مجتمعنا بارعا في إنتاجه .. أشياء إلى جانب أخرى تجعل المشهد الثقافي المغربي معتما، هذه العتمة نفسها التي تجعل أي تجربة حقيقية وقوية تظهر صداحة ولماعة وسط هذا الغمام.

فنص بنميلود الذي استطاع أن ينفذ إلى تجديد مهم سواء في الشعر أو القصة القصيرة، وكل ما يحاوله وسط المنعرجات المتوثبة للممكن. فهذا الممكن هنا قوي وليس بحاجة لأي سلطة للتقليد، يسوق المهارة ومؤنث العبارة في قصيدةٍ، هي ذريعة قصوى للحياة وضدها الغامض معا.

إني هنا لا أنفرد بالتعميم الذي يسلب القراءة صرامتها، بقدر ما أنصت لندوب التجريب وإنجازاته، وهي ندوب ومنجز سيكون من مكرور القول أننا بحاجة للقليل من الفرح بهما، نكاية بهذه المهرجانات من الرداءة ووجوه القصدير الذين يملئون الملاحق الثقافية الرخيصة ومزارع الفيسبوك، فهو منجز يتقدم بمفهوم محوري: هو قصيدة النثر العصية على الاختزال والإنكتاب، دون الإهْتبال لذلك الوجع/التمدد المعرفي في نص، بأضلاع لا نهائية لا يمكن استعمال-النص الواصف- كاصطباغ تعريفي لأداة تكون كله.

وهنا لا أحمل غير أن أتذكر محمد خير الدين حين قال “أنا ابن سلالة منسية لكني أحمل نارهم ” وهنا أجد تماس رائع وخانق بين هذا القول وما تبتغيه حركة الحساسية الجديدة في القصيدة العربية المعاصرة .

صحيح أنه من فم الشاعر تولد اللغة، ومن اللغة تولد كل الأشياء، ورؤيوية هذه اللغة وصفائها ما يثير الانتباه في تجربة محمد بنميلود، لكن هل قدر الشــاعر العربي أن يجد دائما عزاءً مناسبا؟ أو هذا ديدنه؟

سؤالي نمطي أو ربما خطئي.. الهارب وغير النهائي في العالم وظيفة الشعر، أما العربي هذا مترامي الأوجاع والذي يوصف كلا بالكثرة لا بالتعدد، فأسئلته ووجوده أكبر من أن يكون غرضا أو حتى ثلاثة للشعر بدوره الذي لم يعد قادرا وحده أن يكون ديوان العرب، أما المثقف فهو الذي يحاول أن يفهم ليغير الأشياء، فإلى جانب صلاح بوسريف وسعيد منتسب وأسماء أخرى عمل بنميلود عبر عديد مقالاته الإبداعية، ترسيخ نمط الكتابة في مواجهة السواد، وهي نوع من الكتابة المقالية الجمالية أو التحليلية، التي تروم تشريح الواقع ورصد نقط الخلل بلغة طيّعة وسلسة. وهذا ما نادى به نقاد مهمون أمثال صبحي حديدي وشربل داغر أن: المثقف عليه أن ينزل من نخبوية لغته وتصوراته إلى الناس، كي لا تظل الساحة حكرا على التقليدانية وأخواتها، فغلبة الطابع التجريدي على ما يُنتجه المثقفون العرب يجعل جسور التواصل جد مرتبكة بينهم وبين أيها الناس..

كأحد أسماء الحساسية الجديدة في المشهد الثقافي العربي خط بنميلود لنفسه مسارا ينهض من الحفر حثيثا بإزميل التجريب والتمرغ عميقا في أصالة بحثه ونصه. فالقصيدة كهجرة سرية إلى الأبدية هي هنا تُلامس أطراف الأشياء وقوتها، في حضور تبتغيه تلك اللمسة السريالية اللطيفة، التي تبسط قبضتها على المسافة اللغوية كامل النص،  كما أن الصور التأملية في علاقتها الوطيدة مع البلاغة الذكية، لا تحضر هنا عبر وسيط اللغة الفلسفية مصبوغة على البياض، بقدر ما هي اختراق – لا بد الانتباه إليه - لأفق الانتظار من النص/اللغة غير المحكية نفسها، وهذا ما يظهر لنا شاعر يكتب قصيدته بالتفات كامل، وهو التفات متحرك لا يأبه لطواف كثيرين، حول أنساق تعوي حنينا لغنائية ما قبل حمورابي - لا أعلم لماذا أذكر كل هذا الآن- لكن كثيرين يستفزوننا بالرداءة يكتبون ليملؤوا مربعات مستفعلن فعولن، أو يقلدوا قصيدة عارية بأدوات بناء يعمل طبقا للنموذج، وإن حاورت تجاربهم يدُجّوا بك في صقيع أن الغموض تعدد وأن أي قصيدة كيفما كانت لا تستطيع أن تلعب دور عربة تجر وطنا مثقوبا أبعد من الهاوية. وهو نفسه منطق ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب البراهين الجوفاء أن لا رؤيوي أو معرفي غير الفلسفي تاريخيا، والسياسي راهنيا، وهذا راجع أن مشروع الثقافة العربية في محاولة تجدده وتأصيل هذا التجدد مليء بالمربعات الفارغة، التي تتسرب إليها سلطة التقليد، وكثرة التجريب الذي لا يطور مهاراته بقدر ما يبدلها بأخرى إلى لا نهاية ولا غاية .

أما الشعر مَعْقِد الأهوال عند العرب، ومدى قدرته على مواجهة الواقعي، ضمنيا هو تفتيت له في هذه التجربة التي أنا بصددها، وبناء عليه عبر وسيط سؤال وجواب الذات كرابط بين مرتهنه والحياة.

تماما كما كتب العزيز شربل داغر أنظر إلى بنميلود:

“هذا ما أكتبه عن الكتابة. هذا ما أتمنّاه لي معها. وهو أن تكون في متناولي، في عهدتي، بتصرّفي، تصرّف القادر والواثق والذي يُحسن “العفو عن المقدرة”. هذا ما أحلم به معها وهو أن تكون لي أمينة وعلى أهبة، مثل عدّاء قبل الصفارة الأخيرة، وأن تكون لي معها الخفّة التي لبهلوان فوق خيطه الدقيق بين بنايتين شاهقتين وبعيدتين”.

إنه بيان أستعير جذوة قوله، للارتياح قليلا والنظر إلى هذه التجربة الشعرية المَمهُورة بإمضاء يُجاور بين أصالة البحث والنحت داخله والكتابة المنفلتة التي تصفي البلاغة الحسية من خارج الغابات التي شاخ شجرها، وهو إمضاء بعبارات شعرية شفافة كالماء وبيضاء كالغيوم، تحرضك على فعل التأمل والحب وتظهر سلطة الشعر على مدى غوايته للذوق العام والمعرفة.

فمحمد بنميلود يتجاوز مرتكن الشعر المبهر، ولا يتخلى عن شساعة هذا البريق المفتوح، إلى فعل الذات تتكلم عبر رصد شفاف للحواس وامتداداتها في الداخل الإنساني، بتداخل واستبدال للثنائية المعروفة بالشكل والمضمون، وهو شكل تٌشكله في الغالب، تيمات بسيطة لا ينتبه لها كثيرون في الكتابة. تضيء هنا الجوانب المتشابكة لرأس سلم الأولويات عنده، وهذا يستعيد تلك الحدائق المهملة التي بها أخد الشعر تسمياته الأولى، وطراوة ما يُتحَولقُ حوله الآن.

 إن عين الصقر التي يتحلى بها وعلوه، والقدرة على السيطرة على تلافيف الاشتغال بلغة باردة أدهشت مُجايّليه من الشعراء، والصقل المبرح لنصه، مبتعدا عن التهويل والضجيج والادعاءات الكبيرة.. كلها أشياء تجعلك تنظر إلى شاعر يخفي في جيبة بوصلة اللغة ولا يترفق بها، يضع يده بيد الريح ولا يتلاشى، كتاباته تشبه جبنة القرية لا خاصية تجزيئية في النظر إليها.. لم أستطع أن ألاحق كل موضوعاتها أو تقنياتها أو حتى أضع نموذجا لأساءله نيابةً.. فهو نص مَليح كراقصة شعبية.

تعودت دائما على الحذر من عتبات النصوص، أما عند بنميلود فأغلبها بلا عتبات أو عناوين، لا شيء أحذر منه إذن، غير أن النص ذاته عتبة لنفسه، خفيف كلهجة محكية وذو إيقاع هادئ حد السكينة، لا يلقي بأثقاله حيث وصلت رحلته، أما المعنى فهو تلك العلاقة الديناميكية بين سلسلة دلالاته لا يأبه لأي تصفيف ميكانيكي، أو زرع موتيفات/بهارات، فالمهم هي الكتابة دائما، كما يقول "ساراماغو" هذه الطريقة التي تصبح بها الكلمات والجمل أهم من الحكاية، شيئا خالص يمنحك الإحساس بجَمال مجرد هو نفسه الإحساس /البديل الجمالي الذي يعمل هذا الشاعر على إبداعه كشيء لا كدعاية لشيء، إن ملكات محمد بنميلود التي تستطيع اكتشافها بنظرة واحدة مهما كانت درجة مبالاتها، ليست غير تلك القدرة الفذة على جر اللغة أبعد من مسافتها، أو تلك السخرية الثاقبة التي تهب النص حسن التلقي السريع، إنها في صفاء روحه واشراقتها على اللغة، وهو شيء قلما أجده لأعمد إلى رفع لغتي و القول: انظروا لدينا هنا شاعر رائع

 

 

maymon harashكما جلجامش في الأسطورة، المسافر المتعب، الذي ضرب في الأرض غرباً وشرقاً، وغوراً ونجداً من أجل نبتة الخلود، ناضل حملة الأقلام من أجل نبتة من نوع آخر، حرصوا ألا تضيع منهم كما في الأسطورة.. تلك هي نبتة الحرية، والسلام والديمقراطية، وإشاعة الجمال في السلوك اليومي المعيش، والكتابة باستمرار إنما مقصودة من أجل تكريس هذه القيم الجميلة، والعمل على غرسها في الأرواح، نهاراً عبر فتح كوات ينفذ منها نسيم عليل في واقع ملوث، وليلا عبر ضوء يكون كاشفاً، حتى يمنح الرؤية للبصير والأعمى معاً..

هل أحتاج لهذه الديباجة لأقول لكم بأن المبدعة السعودية شيمة الشمري من هؤلاء.. آثرت الكتابة الكاشفة عن ارتفاع الضغط في الواقع العربي عبر جنس القصة القصيرة جدا؟..

"ربما غدا" أشبه بمسدس كاتم الصوت تضغط فيه الأديبة شيمة الشمري على الزناد، فتخرج طلقات ليست من نار، بل من كلمات، كل واحدة بحجم رصاصة، لا تردي الآخر/ القارئ قتيلا، بل تسعفه على ولوج عوالم شتى مانحة إياه الحياة عبر غرس نبتة المتعة، معها المعرفة طبعاً، للعيش ضمن كوكتيل من الروعة، والدهشة.. إنها تمنح القارئ القدرة على اقتحام الحياة مع تأشيرة الدخول لجنة من الكلمات الأثيرية لا يجف جوانبها أبداً؛ لأن الاخضرار هو ديدنها. هناك تتعرش ألفاظ تنتقيها القاصة لتهبنا عالماً مُبهراً مدهشاً يمر من القلب، فيستقر في العقل، وفي النفس سؤال: "أي سحر هذا"؟!..

الكلمات في مجموعة "ربما غدا" تلبس زي "شرطية" محترفة تعمل على إشاعة النظام بين تراكيب من نوع خاص تستمد تربتها من خيال خصب، أما سمادها فموضوعات جريئة لا تعترف بكلمة "قف" أبداً، ليس خرقاً للقانون، إنما أمام كل ما هو شاذ مستفز في المجتمع.. تطرحه شيمة الشمري طرحاً صحيحاً بومضات موحية دالة، وقوية.. والخصوبة التي تمنحها الومضات في"ربما غداً" تملأ نفس القارئ بأساً، وتمده بطاقة هو في حاجة إليها في واقع، كل ما فيه مستفز حتى النخاع.

أول ما لاحظته و أنا أستمتع بـ "ربما غدا" هو ذلك الارتباط الوثيق بين واقع تنتمي إليه، وبين واقع متخيل من خلال طرحها الجميل لما يجب أن يكون، هي لا تصرح أبداً بالحلول لقضايا وقفت عندها وقفات متفحصة، مطروحة بشكل أخاذ، وبلغة مخملية.. إنما تكتفي شيمة بتعرية الواقع، وفضحه بأسلوب فانتازي، إنها بمثل ذلك الطرح السحري تخلص لواقع عربي محض.. لا تتنكر له، إنما تعترف بانتمائها إليه، وهنا وجعها، ولذلك تملأ حقيبتها "ربما غداً" حفناتٍ من تراب الأرض التي نقف عليها معلنة التشبث بالجذور في مجتمع عربي، كل التناقضات أعمدته، ومؤسس على أخلاق زائفة وبإحكام، ولا يحدث فقط أن تنتشر فيه أفكار خردة في زمن الإعلام والتكنولوجيا بشكل مبالغ، بل ويُنظر إليها كبدَهيات لا كنشاز،تُكرس بشهية عجيبة من الماء إلى الماء!

حرصت المبدعة في كتاباتها كافة على اقتحام عوالم كانت موصدة تنتقي منها الهامش، البسيط، والمستهلك العادي، فتحوله بلغة رشيقة إلى أجزاء مألوفة لكن عجيبة، يقف عندها المرء وقفات متأنية بعد أن كان يدير لها ظهره ويمر بها سريعاً غير مكترث.. إنه الإبداع الذي يحول المردود المرفوض إلى مرغوب فيه، عبر قناة السهل الممتنع.

ولنا في المجمتع العربي ظواهر شتى، ينتبه لها شهود كثيرون، فما أكثر كتابنا الذين اقتحموا المسكوت عنه، وناضلوا بالقلم لفضح أساليب القهر، والظلم، والاستبداد!!

في "ربما غدا" طرحت الكاتبة ثيمات ذكية طرحت فيها صراع الإنسان مع الإنسان، أو مع الذات عبر استقرائها، وفي النصوص ترتفع جذوة الإيقاع فيها وتتوزع قفلاتها في سيمفونية بديعة تُدخل القارئ في رفق وإثارة إلى جو السرد البديع في أرقى المعاني حول ما يشغلنا، ورغم إيمان شيمة الشمري بالقضية التي تكتب عنها، فهي لا تقترح حلولا لمشاكل الإنسان في صراعه الدائم، إنما تحرص على القص الجميل بُغية لفت القارئ إلى الأشياء من حوله، تغمره بالحماس، وتجعله يطرح أسئلة كثيرة، الجواب عنها متروك للقراء حتى ينتصروا للحق، والجمال، والحرية...

والحق أن متن قصص "ربما غداً" تفاجئنا لا بالطرح الجديد فقط، بل من خلال نهايات تترك القارئ يضمر ملاحظة: ياه.. كيف لم أفكر في هذا من قبل!...؛ وحتى لو فكرنا مع شيمة الشمري ــ معها لا عنها ــ فإن حرصها على الومضة/ الدهشة تستثيرنا، وتولد لدينا أسئلة مع كل نص، وهذا ما تراهن عليه عبر طرح جميل لموضوعات عالجتها بحبكة محترف لها صلة بواقع عربي مهزوز، نحو الطفولة، والرجل الخنوع والمخادع، والحب، والطبيعة، والجمال، والزواج، والشرف العربي، والفراغ القاتل في مدن عربية حافية، والخوف من النهاية، وكذا الكبر، والطفولة المغتصبة، والطلاق، وأزمة القراءة، وغربة المثقف (...)،هي موضوعات متنوعة اشتغلت عليها الكاتبة وحرصت على إضفاء عنصر الدهشة في نهايات كل قصة بدون استثناء، وتركيزها على "المرأة" تحديداً داخل وخارج البيت، ففيهما تميط شيمة اللثام عن أسرار كثيرة؛ وبوجع مغلف بسخرية تقتنص عن قصد، وهي تنقد ابتسامةً عريضةً رغم الدراما التي تسيج قصصها.. وفي كل نهاية دهشة "مُترفة" نحس معها بانسياب داخلي يغسلنا من الداخل ولو للحظات.. في قصة "صراخ" من المجموعة مثلا نقرأ:

"تعالى صراخ الطفلة وهي تلعب مع قريناتها.. والدتها ترقبها بسعادة.. طلبت منها إحدى صديقاتها أن تهدئ صغيرتها، فقد بح صوتها من كثرة الصراخ.. تبسمت الأم وهي تقول: (دعيها تتعود على الصراخ، غدا تصبح زوجة!!)"..

كيف لا نبتسم مع وقع هذه القفلة على النفس.. كررت فيها الأديبة شيمة الشمري كلمة (الصراخ) في النص ثلاث مرات، وهو تكرير مقصود، لقد بح الصوت من الصراخ فهل من سامع؟ وفي قصة "عرق"تستفزنا بطرح ثيمة أخرى:

"منعوها من الزواج به لأنه أسود البشرة! لم يغفر له بياض قلبه وعشقه لها..تنظر إليهم وتتعجب من هذا السواد الذي يسكنهم وهم لا يشعرون!"

إيه كم من أنهار ومحيطات نحتاج لغسل هذا السواد الذي يزداد ككرة ثلج حين يعلق بالقلوب.

تتسلح المرأة، هنا، بجرأة لتقول رأيها في المثقف الحقيقي..

"بعد انتهاء الأمسية سألتني بحماسة: ما رأيك به؟ أجبت: لم يستحوذ على انتباه الجمهور.. كان مملا، تقليديا، متعجرفا..

ردت بحدة: كيف؟ لقد كان في أوج تألقه، وسيما، أنيقا، طوله و... قاطعتها: بأسى: يبدو أنني لست مثقفة بعد!!"..

وهذه القوة نلمسها في نصوص كثيرة مثل "بينهما" و"ما زالت" و"من جديد" و"سياط" والمرأة في كل الأحوال كما تقول شيمة في نص "ما زالت" : "على ثقة بأن هناك عالماً أفضلَ، حيث تعيد ترميم ما بقي منها، فتستبدل تلك الأوجاع بأغنية فرح بيضاء...".

المبدعة شيمة الشمري لم يُثرها في المجتمع العربي شيء أكثر من شيوع أفكار بالية ما زالت تكرس، لقد تناولت هذا الطرح في نصوص مثل: ثرثرة النون - ليكن ــ حسرة ــ عقدة ــ مفاتيح آدمية ــ سواد ــ سياط ــ الدش ــ اختناق.. وفي نص "حسرة" تطرح شيمة، بشكل بديع وساخر، قصة امرأة خرجت للسوق صحبة صغيرها، وحين بحثت عن وسيلة نقل: "كانت السيارات كثيرة"، والإشارة إلى كثرتها هنا مقصودة لأن أصحابها الذين يتكلمون لغتها، ولديهم صغارهم أيضاً تعاملوا معها كما البقرة الحلوب، كانت امرأة، وكانوا رجالا (الرجولة هنا بمفهوم الذكورة لا الأريحية والشهامة المنعدمتين).. كانت وحيدة، وكانوا كثراً، كانت في حاجة لسيارة تقلها، وكانوا هم أصحاب هذه الحاجة فركبوا رؤوسهم الثقيلة بما فيها من أفكار بالية..

"حسرة" تبين كيف أن رؤوس بعض الرجال مثل النباتات في القوارير، كما يقول الروائي السوري حنا مينة، لا تنبت إلا بالحجم الذي يسمح لها، هناك تتقزم حتى تذبل.. وتأسيساً على ما سبق فإن حضور المرأة في كل نصوص "ربما غدا" لافت، لا يختلف حوله اثنان لأن الحيز الكبير الذي تحصده غير خاف. ويمكن حصر الثيمات الخاصة بالأنثى في "ربما غداً" والتي جردنا بعضها في التالي:

- المرأة و علاقتها بالآخر/ الذكر،

-  والمرأة وعلاقتها بالآخر/ الأنثى،

- المرأة واستقراء الذات.

إن القارئ حين يمتح من عيون هذه الومضات، تنال منه بعض القفلات العجيبة، ترميه بضوء كاشف لتزيل عن عيونه ما يعلق بها من شوائب، والرؤية الضبابية للأشياء، إيماناً من شيمة بأن معالجتها إنما تحتاج لما يترك أثراً كما الحريق تماماً عبر نثر الصدمة من كلمات قوية، والطلقة/ الكلمة التي لا تردينا قتلى تعمل على تكريس فعل الأمر فينا، وهو "تأملوا". تقول شيمة في نص مخملي بعنوان "هلاك": "طال انتظاره.. توكأ على الرغبة وسار باتجاه الشمس، أحس بالدفء.. بدأ بالانصهار.. حاول التراجع، لم يستطع: فقد تلاشت أطرافه.."

إنها القدرة على الدفع بنا نحن أيضاً نحو الشمس، إنها دعوة من شيمة للبحث عن شمس تأخر شروقها في بلداننا العربية، وفي حال غياب هذه الشمس طويلا، علينا أن نختار أين ننضج جيداً ــ كما قال الرسام والشاعر الفرنسي هنري ميشو:

" في غياب الشمس تعلم أن تنضج في الجليد..

أو في جريدة..

أو... "

وننضج نحن في"ربما غداً"، وفي كل إبداع أصيل يراهن على بناء الإنسان لا هدمه..

نقرأ "ربما غداً" ونتأمل وتبدو لنا الأشياء على حقيقتها، ولكي يتبدى لنا الواقع كما هو فعلا، على ما نراه عليه حقيقة، لا ما يريدون هم، من صلف مجاني، أن نتعود على التأقلم معه.. لا بد أن نعيش في الدنيا ليس كمستأجرين إنما كما لو كانت دار أبينا ــ حسب رأي الشاعر ناظم حكمت.. طبعا هذا إذا شئنا أن نعي الأشياء بشكل جيد..

وماذا في "ربما غداً" غير الكلمات..؟

كلمات تنثرها الكاتبة عبر ومضات تخزنا، تنال منا، توقظنا، وإذا أصررنا على سباتنا تمد لنا لسانها ساخرة بنصوص تتهكم فيها من تخلفنا، وسكوتنا.. والكلمات التي لا تخزنا كما الإبر، لا تشكل سوى عبء ننوء بسببها...

الكاتب فرانز كافكا آمن بقوة الكلمات، واعتبرها إبراً، إن لم تقم بفعل الوخز فهي موات، وإذا لم نتفاعل مع قوتها وهيمنتها.. فما نكون سوى جثث محنطة لا ينقصنا سوى الإعلان عن وفاتنا ــ كما قال الراحل نزار قباني! وقد تساءل الروائي الكبير عبد الرحمن منيف بلسان أحد أبطاله في رائعته "الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" قائلا: «هل الكلمة يمكن أن تواجه الرصاصة؟ وهل تستطيع الأوراق الهشة أن تحرر سجينا واحداً أو أن تفتح كوة في أصغر سجن من هذه السجون العربية؟"..

إن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة، ولكن حين تستعير قوة الكلاشينكوف مثلا فلا بد أن تتحول إلى قوة، وتكون قادرة على فعل ما لا تقدر عليه الألغام المزروعة، وإذا كانت هذه تصنع العاهات، فإن الكلمات تصنع الإرادة في أبهى صورها، وتعمل على التصدي لفيروس الخوف الذي يعشعش في العقول.

شيمة الشمري تعي قوة الكلمات في منح أشياء كثيرة يعدمها المرء، لذلك آثرت نثر بذور الأمل فينا انتظاراً لفجر جديد، إن لم يكن اليوم، فربما غداً. وسيلتها في ذلك هذا القص الجميل الذي يسعفنا ويوقظ الحس الوجداني فينا، فنتحرر بسببه، ثم يكبر شيء ما في دواخلنا، نعم، إن لغة شيمة تفعل ذلك فينا، إن الإبداع لا عنوان محددا له، إنما حاديه هذه الكلمات الجميلة التي تقول أشياء كثيرة في أبهى صورة.. ملايين الرصاصات التي ملأت الدنيا ضجيجاً وعجيجاً انتهت إلى الصمت المطبق، وملايين الأسلحة الفتاكة صنعت العاهات صحيح، وتركت أثرها السيئ نعم، لكن وقع طلقات الكلمات حين تكون صادقة تصبح أقوى من كل الأسلحة مجتمعة، تغدو ترياقاً لكل سموم الفوهات في كل زمان، وفي كل مكان.. وأنا أستمتع بقصص شيمة الشمري استحضرت كل هذه المعاني السامية للكلمات، ولا سيما التي تركز على إيقاظ الحس فينا، كلماتها ليست إبراً فقط، بل طلقات كما أحب أن أسميها.. قصص شيمة الشمري هادئة، نضجت على نار هادئة؛ لذلك هي صاحبة سكون صاخب، لا تصرخ، ولا ترفع صوتها عالياً من انفعال مجاني.. وهي حين تتحرر وجدانياً، وتحس بالراحة تتقد، وتنضج في القصة القصيرة جداً، وإذا أبدعت فلا تكتب عندئذ إلا لتقول أموراً ذكية، لافتة.. وتهبنا، في النهاية، درراً كما في "ربما غداً".

وشيمة مع ذلك تخدعنا بهذا الهدوء؛ لأن ما تتمخض عنه قصصها من تعرية لواقعنا العربي المعيش هو في الأصل له صوت الرصاص، يلعلع ويوقظ حتى "الموات".

والقارئ لقصص"ربما غداً" لن يخرج سوى بنتيجة واحدة، وهي أن شيمة الشمري تحمل هما حقيقياً، له صلة بجذورها العربية خاصة، إنه هم يثقل كاهلها، وتريد عبر قصصها أن تشركنا معها.

تقول الشمري في نص "أمنية":

«كان أعمى..عندما قابلها انبثق ضوء منها متغلغلا في عتمة قلبه؛ فأضاءت حياته.. لم يعد أعمى..»

ننتظر إذاً..

حتماً سينبثق هذا الضوء ــ عمرنا طبعاً ــ

وحتماً سنعانق الأجمل،إن لم يكن اليوم فـ"ربما غداً"..