alkabir aldasisiعرفت الكتابة الروائية النسائية في المغرب كما في باقي الدول العربية مع مطلع الألفية الثالثة انتعاشة كبيرة فخلقت في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين تراكما تجاوز من حيث الكم والنوع كل ما أبدعت الأنامل الناعمة عبر تاريخها منذ اقتحامها عباب الكتابة الروائية فإلى حدود 2010 ولم يكن للنساء في المغرب إلا 53 رواية كتبن منها 34 رواية في العشرية الأولى من الألفية الثالثة، ويتضح من خلال التتبع أنه إلى حدود نفس التاريخ لم يقتحم الكتابة الروائية من نساء المغرب إلا 39 امرأة، تسع وعشرون منهن لكل واحدة نص روائي يتم، وست روائيات لهن روايتان ، وأربع روائيات لهن ثلاث روايات.. وهو عدد قليل جدا إذا ما قورن بالتطلعات والآمال ....

ومن الروائيات اللواتي اقتحمن الكتابة الروائية حديثا رغم حضورهن الوازن في الكتابة السردية نقف في هذه الدراسة على تجربة الكاتبة ربيعة ريحان فبعد إصدارها لعدة مجموعات قصصية قصت شريطها بمجموعة (ظلال وخلجان) التي قدم لها الروائي العربي الكاتب السوري حنا مينا وقال فيها وقتئذ: (لقد ولدت مع هذه المجموعة قاصة رائعة في المغرب العربي كله ومعها سيكون للقصة العربية القصيرة شأن آخرمع قصص المرأة في الوطن العربي بأسره ..) لتدفق نتاجها القصصي عبر مجموعات مثل (مشارف التيـه سنة 1996، (شرخ الكـلام) و(مطر المسـاء) سنة 1999 وقد توجت هذه المجموعة الأخيرة ب(جائزة الإبداع النسائي) إضافة لمجموعة (بعض من جنون) سنة 2002 ومن أحدث مجوعاتها القصصية (أجنحة للحكي) و(كلام ناقص) ...

بعد هذا المشوار الحافل في المساحات السردية القصيرة تقتحم ربيعة ريحان غمار الكتابة الروائية ومسافاتها الطويلة بأول رواية لها (طريق الغرام) الصادرة سنة 2013 عن دار توبقال للنشر، وهي رواية تمتد ورقيا عبر 180 صفحة من الحجم المتوسط تؤكد من خلالها الكاتبة استعدادها تقديم رؤيتها للعالم من خلال جنس الرواية...

الرواية تحكى بضمير المتكلم على لسان البطلة فوزية أو (فوز) كما يناديها عشيقها الافتراضي يوسف، يتراوح السرد فيها بين الماضي (تجربة حب أثمرت زواجها بسميـر، زواج لم يعمر طويلا بعد اكتشافها لإدمانه وشذوذه وتغير سلكه وتصرفاته معها) وبين الحاضر (علاقة حب افتراضية نشأت عبر التواصل الإليكتروني مع يوسف الشاب العراقي المستقر بلندن)، وبذلك تتمحور أحداث الرواية حول تجربتين لفوزية السيدة المطلقة٬ ابنة مدينة آسفي٬ التي تجتر فشل تجربة الزواج بـ "سمير" وتصف وتفاعل أسرتها ومحيطها مع طلاقها٬ لتجد نفسها أمام إغواء تجربة جديدة عبر علاقة افتراضية بيوسف جاءت في مرحلة فراغ عاطفي وكأنها كانت (وفي حاجة إلى من يملأ فراغها وتفرغ عليه همومها)[1]

ومن تم يكون عنوان الرواية (طريق الغرام) قد قدم للقارئ فكرة مسبقة عن هذا الطريق الذي قالت فيه الساردة (طريق حب وغرام محفوف بالمخاطر)[2] سلكته ربيعة ريحان وهي تصف ما ينشر على حافة هذا الطريق من عادات، تقاليد، أعراف... و مما تكتنز به الذاكرة الخاصة للكاتبة و الذاكرة الجمعية للمرأة المغربية عامة في علاقة المرأة بالرجل، مستحضرة عقلية المرأة المغربية وطريقة تفكيرها في علاقتها بالرجل، وما يشوب هذه العلاقة من طقوس عادات.. وما يروج من أمثلة شعبية أوردتها الرواية على لسان شخصياتها وخاصة عمة الساردة، وهي أمثال مقتبسة من واقع الحياة اليومية تلخص عصارة تجربة أمة في موضوع العلاقة بين الجنسين، وهو ما أكسب أحداث الرواية واقعية سعت الساردة إلى تكريسها وتوهيم القارئ بواقعيتها من خلال الإحالة على أمكنة و شخصيات حقيقية بمن فيها الكاتبة نفسها تقول الساردة : (أشتغل على بعض القصاصين المغاربة الذين أحببتهم كثيرا وشدتني تجربتهم بدءا من شكري وبوزفور وزفزاف مرورا بلطيفة باقا وربيعة ريحان)[3] وكأنها بذلك تريد التمييز بين الكاتبة (ربيعة ريحان) والساردة (فوزية) والرد على من يتهمها بكتابة سيرتها في عمل روائي، ويحاول ربط تفاصيل الرواية بحياة الكاتبة..

إن رواية طريق الغرام تجعل من الحب تيمتها الأساسية، وعلى الرغم من كون الحب شكل محور الكثير من المؤلفات السردية في الثقافة الإنسانية منذ القديم، فإن ربيعة ريحان وسمت هذه التيمة بتجربتها الخاصة، فنسجت أحداثا (لا يهمنا في شيء إن كانت واقعية أو خيالية) أبطالها ثلاثة شخصيات تفاعلت في مسار سردي يشد القارئ : فبعد فشل فوزية في تجربتها مع سمير تدخل عبر البوابة الإلكترونية تجربة ثانية وكلها حيطة وحذر وخوف من تكرار فشلها : (من يضمن لي أن هذا التمادي الحلو لا يقودني إلى حتف آخر؟)[4] قبل أن يجرفها طريق الحب وتجد نفسها منساقة مع تياره الجارف، بعد أن فعلت رسائل يوسف فعلها السحري (كتابات غيّرتْ واقع حياتي وجعلتني أفتح نوافذي لأستقبل تلك الإشارات التي يرسلها إليّ، والمشاعر الحنون التي تمتلئ بها روحي. «أنا بانتظارك»، موحية وجذابة هذه الكلمة لامرأة رومانسية مثلي، كانت عاشقة بامتياز وانصدمتْ، لكنّها لم تستطع أن تتخلص من تحليقها الحالم وستظلّ إلى الأبد تهزها بعمق تعابير شفافة كأنما هي ضوء باهر)[5] .

هكذا يكون طريق الغرام في الرواية طريقا سيارا باتجاهين مختلفين :

- طريق واقعي غير سالك بدأ في رحاب الجامعة عند التقاء فوزية وسمير لقاء نتج عنه علاقة تعارف انتهت إلى علاقة حب وعشق ثم زواج، ليعيش العشيقين تحت سقف واحد، وتكون النهاية الماسأوية باكتشاف فوزية لإدمان زوجها وشذوذه بعدما استحالت علاقتهما عنفا ولامبالاته وبرودة جنسية من قبل زوج غدا يتجاهلها يعنفها ويبحث عن لذته مفعولا به مع أبناء جنسه، فكان الطلاق نهاية طبيعية لتطور الأحداث

- طريق افتراضي حالم كانت بدايته بالتعرف على يوسف عبر رسائل إليكترونية تطورت لتصبح رسائل غرامية طافحة بلغة شعرية وتعابير رومانسية لم تجد أمامها فوزية سوى سلك هذه الطريق الناعمة إلى نهايتها، وإذا كان طريق الغرام الواقعي قد انتهى بالفراق، فإن الساردة اختارت لطريق الغرام الافتراضي نهاية أخرى بالتقاء العشيقين وإخراج غرامهما من الواقع الافتراضي إلى الواقع الأمبيريكي الملموس، حبا طاهرا صادقا مفضلة وضع حد لأحداث الرواية بمجرد التقاء العشيقين...

إن ربيعة ريحان بتمييزها بين هذين المسلكين في طريق الغرام تكون قد انحازت إلى الحب الافتراضي الإليكتروني، بإنجاحها لعلاقة لم ير فيها العشيقين بعضهما البعض، وحكمها بالفشل على علاقة اختار العشيقين بعضهما عن قناعة، وأحبا بعضهما وتحديا بحبهما سلطة الأسرة والمجتمع، وكأنها بذلك تمرر رسائل لأولئك المتخوفين من ربط علاقات عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتهمس في آذانهم بأن العلاقات الافتراضية أأمن من علاقات الواقع الملموس ... وحتى تُبقي الحب الافتراضي طاهرا اضطرت إلى إنهاء السرد بمجرد التقاء العشيقين في الواقع بمراكش، وكأنها تخشى على هذا الحب من ملوثاث الواقع، في مقابل ذلك أناطت بحب الواقع (مع سمير) كل الشرور من شعوذة، خرافة، سحر، شذوذ ... وهي أمور لا أثر لها في العلاقات الافتراضية حسب تطور الأحداث !! وعلى الرغم من تكرار البطلة رفضها لكل تلك السلوكات المرتبطة بالسحر والشعوذة التي نصحتها بها النساء، فإن الرواية حاولت رصد بعض ما تقوم به النساء للحفاظ على الرجل ..فما هي تجليات ذلك في رواية طريق الغرام ؟؟؟

استطاعت رواية طريق الغرام معالجة عدة قضايا اجتماعية وإنسانية، جاعلة من الحب تيمتها الأساسية، محاولة انتقاد المعتقدات التي تركبها بعض النسوة للوصول إلى قلب الزوج أو للحفاظ عليه بعد الزواج، أو إعادته ذليلا في حالة الطلاق، في مجتمع فيه (أغلب النساء مسكونات بهاجس الخوف من ضياع الأزواج، لاشيء يجعلهن يهدأن، أو تطمئن قلوبهن إلى مصائرهن إلا بتزكية من السحرة والشوافات...) ومعظمهن مقتنعات (بداهة احتمال خيانة الأزواج لهن، أو تطليقهن أو تركهن على الهامش كلما حلا لهم ذلك (أو كلما ) تتبدى لهم صورة امرأة لعوب يمكن أن تسلبهم عقولهم) فزوجة العم ظلت تردد على البطلة قولها (أنا دائما أدعو على عمك بالزلط (الفقر) لأن الرجل إذا ترفح (اغتنى) ترفه)[6] أمام هذا الخوف الشديد من ضياع الزوج تبرر الرواية (رغم رفض البطلة لذلك) لجوء النساء إلى ربط الحب بأعمال الشعوذة والسحر، ولعل من أهم هذه المعتقدات رسوخا في الذاكرة الجمعية المغربية ما يعرف ب(الشرويطة) التي تعرفها الساردة معلنة عن موقفها منه بقولها (إنه حل غيبي تمارسه الكثير من العاجزات عن التوصل إلى حل فعلي لمشكلاتهن الزوجية)[7] ومع ذلك فالكثير من نساء الرواية تعتبر الشرويطة السبيل للتحكم في الرجل، وتسييره على هوى الزوجة، وإذا ما ظفرت امرأة بهذا الكنز الثمين فإنها تعمل كل ما ي جهدها للحفاظ عليه بعيدا عن العيون في أأمن الأمكنة ولا تظهره إلا عند الحاجة: (هذه الكتانة التي تتهافت النساء على امتلاكها، خفية عن أعين الرجال ويحرصن على حفظها في أماكن سحيقة من الخزائن المعتمة، ولا يشهرنها كرايات حمراء إلا عند الضرورة والبعض يضيف إليها بخورا وأعشاب كأنما تحنط الواحدة منهن كائنات مذهلة..)[8] أن معظم الأمهات توصي بناتهن بالحصول على هذه الكتانة الغريبة التي لها من القوة ما يركع الرجالات الجامحة وتصف الرواية كيفية الحصول عليها:( حين تنام المرأة مع زوجها وبعد أن تمضي معه أحلى الأوقات أو أتعسها تحرص أن تحتفظ بذلك الشيء المشترك بينهما، الذي مسحته في خرقة بيضاء بعد لحظة الذروة في الجماع)[9] لكن الحصول على الكتانة غير كاف فلا بد من طقوس وطلاسيم حتى تؤدي مفعولها، تلخصها الرواية (يكفي أن توجد تلك الكتانة العفنة ومجمر صغير وأبخرة فينعكس كل شيء من أول سطر الحكاية إلى آخرها)

فبعدما طلق سمير فوزية، اعتبرت نساء الأسرة الطلاق كارثة، وأول ما طالبت العمة به فوزية هو الشرويطة تقول العمة: (هات فقط الكتانة أو أي قطعة من ثياب سمير مما هو موجود عن فوزية) ورغم كل هذا فالكاتبة كان هدفها انتقاد هذه الأفكار الخرافية،وقد عبرت عن موقفها من خلال البطلة التي كانت ترفض كل ما تمليه عليها العمة وباقي النساء، واصفة الشرويطة بأنها(حل غيبي لا يلجأ إليه إلا العاجزات من النساء) وتعلن الكاتبة عن موقف فوزية في قولها (حديث الكتانة عالم متشابك من الخزعبلات والسفه وكل من تمتاز بإيقاعات ارتجالية في الكلام تستطيع أن تفتي في الموضوع) كما أن فوزية حاولت أن تـُرفِـّع أسرتها عن هكذا سلوك تقول:(لم يسبق لأمي أن تداولت معي شيئا من هذا القبيل ولو من باب التلميح) معلنة تذمرها من ذلك النوع من الفتيات اللواتي (يكسرن الحواجز بينهن وبين أمهاتهن ما أن يبلغن المراهقة أو حتى قبلهن، ويشاركن الأحاديث في تفاصيل حميمياتهن بعد أن يكبرن ويتزوجن أو حتى عن أصحابهن لكن علاقتي بوالدتي اتسمت دوما بالتحفظ) وتبدو فوزية حالة نادرة في مجتمع كل النساء فيه مقتنعات أن في مثل حال الساردة بعد انفصالها عن سمير (الذهاب إلى فقيه أو شوافة أمر واجب) هكذا تغوص الرواية بالقارئ في عالم تفهم النساء تفاصيله، فأينما حلت وارتحلت البطلة تحيطها الكاتبة بالخرافة والشعوذة : ففي المنزل كل النسوة يلمنها على عدم اكتراثها بالشرويطة ويلمن في ذلك الأم وتلخص العمة موقف النساء قائلة: (بنتها حمارة مثلها، كانت تثق في زوجها ثقة الأعمى في الظلمة وأكيد ليس لديها شيء)، حتى وهي في خرجاتها السياحية في مراكش تتطاول عليها الشعوذة من كل حدب وصوب : (الشوافات المقرفصات تحت المظلات الشمسية المهترئة ... يلوحن لنا بأوراق الحظ الموضوعة على سجادة شرقية مهترئة) وإن حاولت الساردة إظهار امتعاضها من الشعوذة فإنها كانت تبرز إقبال صديقاتها عليها، وتبرز كيف أن الحب هو موضوع حديثهن: وأنهن لا حديث لهن إلا كيفية إسقاط الرجل، وكيفية الحفاظ عليه إن سقط في الشرك تتساءل شوافة في مكر: (هل هناك من لا تحب الرجال ؟ ولا تحب ذلك الشيء؟؟) [10]، فالمشعوذات يوهمن كل غير متزوجة بأنها مسحورة، وأن المشعوذة قادرة على إبطال سحرها فنراها تستدرج البطلة بقولها:(عندك سحر،أيتها الغزال،اسأليني أنا، تعالي لكي أبطله لك ...)

إن الرواية تعترف بانتشار الشعوذة في المجتمع وأن الظاهرة (ليس إشاعة بالطبع ولكنه تهول بشكل مقنع وضار، ويؤذي في السمعة مما جعلنا كأننا وحدنا في العالم نمارس هذا الطقس الإنساني المشترك)[11] ولتصحيح الوضع نصبت ربيعة ريحان الساردةَ فوزية محامية للدفاع عن سمعة المغرب فنراها تارة تهوّن من الظاهرة (لسنا مسجلات في باب (خطر جدا) ولسنا في أدغال إفريقيا) .. وتارات أخرى تبرز أن معظم المغربيات لا تولين أهمية للشعوذة: (منا الكثيرات اللاتي يعشن كارهات لتجاربهن الزوجية لكنهن غير مقتنعات بالانتماء إلى تلك الجوقات التي تطبل للغباء) وأحيانا أخرى تلقي باللوم على الأحكام المسبقة والإشاعات التي تكرست في عقل الآخر عن المغربيات انطلاقا من بعض الحالات:(إننا ابتلينا في الخارج بتلك الصورة المخجلة عن كوننا منفتحات جدا منفتحات فقط ؟؟ ! بل يصفوننا بالعاهرات لأن منا ذلك الكم الهائل من البنات اللائي يذهبن إلى تلك الجنات المقيتة في الخليج للفجور)[12]

يبدو أن هم الكاتبة كان محاولتها الدفاع عن العلاقات التي تنشأ عبر التواصل الافتراضي وفي ذلك إشارة إلى علاقة المبدعين بهذا العالم الحديث الذي انتشر بسرعة وجعل كل المهتمين بالمجال الإبداعي - حتى أشدهم رفضا له، ينجذبون إليه وينتصرون له، وبيد أننا وجدنا البطلة تمتعض من بعض التعليقات والرسائل الإليكترونية و المعاكسات وتصف بعض مظاهر الشذوذ في هذه العوالم كقولها : (الرجل الذي يتصل بي على مدار الساعة ويضايقني، لا يستحيي من اعتذاراتي المتكررة .. يدخل مباشرة في غزل فج وكلمات جنسية ماجنة . أرمي التليفون بعيدا عني .. ويصلني فحيح أنفاسه ولهاته كأنما يمارس الجنس مع امرأة في السرير هؤلاء شواذ من نوع آخر)[13] فإن ذلك لم يصل إلى مستوى الشذوذ الذي شاهدته من زوجها على أرض الواقع فاعتبرت اكتشافها لشذوذ سمير ضربة قاضية: (الضربة القاضية التي جاءتني من سمير .. كانت عبارة عن ملابس داخلية حريرية للرجال أخفاها بشكل ماكر بين طيات ملابسه فعثرت عليها بالصدفة كما عثرت على تلك الصفائح الصغيرة من الحشيش ذات يوم) بيكيني أحمر رجالي بالدنتيل ؟؟ومنديل عنق حريري وأكسسوارات، أشياء من النوع الذي يرتديه أصحاب البورنو) [14]

اكتشافها لشذوذ الزوج الذي أحبته واختارته رغما عن أسرتها أدخلها في دوامة من الحيرة والشك، وجعلها تتخيل سميرا في وضعيات مهينة وتتساءل : هل يكون سمير لواطيا يضاجعه الرجال ؟؟ هل يضع سمير الكريمات وأحمر الشفاه كلما خلا به رجل ثم يتدلى ويتهادى، ويفعل كل الأمور الخاصة التي تفعلها النساء؟؟ ولماذا يذهب به الحال إلى أن يرمي نفسه تحت أفخاذ الرجال ؟؟ وإذا كان كذلك لماذا جنى علي وتزوجني؟؟

يستنتج من خلال رواية طريق الغرام أن الكاتبة حاولت فيما يشبه سيرة ذاتية إماطة اللثام عن موضوع يدخل ضمن الطابوهات، وأنها تعاملت معه بحذر شديد خائفة من تكريس ما يشاع عن المرأة المغربية، فجعلت البطلة حذرة في ردودها وتعاليقها حتى في قمة الهزل تقول عندما غازلها سمير مرة تقول (خطر ببالي أن أرد عليه متهكمة بعنوان سكيتش (الزين والبنزين) لكنني لم أفعل كان في ذلك إشارة إلى العهارة المغربية بالخليج)[15] كما أن البطلة لم تتوان لحظة في إعلان رفضها وشجبها للشعوذة، فقدمتها الرواية في صورة المرأة العفيفة الطاهرة الخجولة المجتهدة والناجحة في مشوارها الدراسي، المرأة التي تقطر رومانسية وتفيض شاعرية القليلة التجربة التي لم تعرف رجلا قبل زواجها المخلصة لزوجها رغم شذوذه وإدمانه، الخافضة لصوتها الكاتمة لأسرار بيتها فهي لم تكلم أحدا بما يدور بينها وبين زوجها رغم تعنيفه لها، تعتبر الجرأة قلة حياء لذلك تقول عن نفسها (إن أي حس بالجرأة لم أكن أمتلكه)

إن رواية طريق الغرام رواية رومانسية من نوع خاص، لأنها بنيتي على التقابل بين واقع مرفوض كل ما فيه ينبئ بالفشل، وواقع منشود تطير في سمائه طيور المحبة، يفيض من الحب والشعر

وبذلك تكون الرواية قد نجحت في إدخال ربيعة ريحان إلى عالم الرواية العربية المعاصرة، وأن كان طابع القصة القصيرة لا زال يشدها إليه، فقد انطلقت الرواية بقوة وجرأة لكن سرعان ما دخلت في تمطيط الفكرة فكانت الرسائل بين يوسف و فوز استطرادا مملا في الكثير من مقاطع النصف الثاني من الرواية، كما أن طول النص جعل الكاتبة المعتادة على القصص القصيرة تخلط في كثير من المرات بين سمير ويوسف كما في هذا المقطع (إذا كان يوسف الذي أحببته وتزوجته .. قد تنكر لي بكل قوة وأذاقني العذاب فما الذي يمكن أن أتوقع من رجل بعيد وغريب يعرض صداقته وحبه على النيت)[16] والأكيد أنها تقصد سمير

 

................................

[1] - ص - 92

[2][2] - ص - 122

[3] - ص - 118

[4] - ص - 106

[5] - ص - 111

[6] - ص - 47

[7] - ص - 43

[8] - ص - 43

[9] - ص - 47

[10] - ص - 24

[11] - ص - 42

[12] - ص - 42

[13] - ص - 168

[14] - ص - 119

[15] - ص - 32

[16] - ص - 122

 

jamil hamdaouiالمقدمة: يمكن القول: إن الرواية العربية السعودية هي رواية نسائية بامتياز. والسبب في ذلك كثرة النصوص الروائية التي كتبتها المبدعات السعوديات. وإذا لم أخطئ، في تقديري، فيمكن القول : إن الرواية السعودية النسائية أكثر تراكما وإنتاجا في الساحة الثقافية العربية بأكثر من مائة وخمس وأربعين (145) رواية. ويشكل هذا الرقم الكبير - مقارنة بالمنتج الروائي الذي يقدر في السعودية بأكثر من أربعمائة (400) رواية- ما نسبته 37.5 في المائة. ومرجع هذا الهوس الروائي النسائي هو الطفرة المادية التي تحققت في الثمانينيات من القرن الماضي، وانتشار التعليم والتثقيف، وكثرة المدارس والجامعات، وتفوق النساء في ميدان التعليم والتحصيل الدراسي، ورغبة الأنثى في الانعتاق من القيود الاجتماعية، والبحث عن الشهرة والمجد والتحرر، والميل نحو فرض الذات الأنثوية شعوريا ولاشعوريا، ومواجهة الرجل بما لديها من طاقات في مجال الإبداع، والدفاع عن نفسها بكل ما أوتيت من قدرات وكفايات تخييلية وإبداعية لإسماع صوتها بجميع الطرائق الممكنة والمتاحة.

و يمكن القول كذلك: إن الروائية السعودية رجاء عالم قد تفوقت على الرجال في مجال الرواية بشكل كبير، بتمثلها لكتابة تجريبية متميزة وفريدة من نوعها في الرواية العربية. ومن الصعب على القارئ العادي أن يستوعب ما تكتبه وتخطه رجاء عالم، إذا لم يكن مزودا بثقافة عالية وعالمة وموسوعية، ولم يكن أيضا متسلحا بمعرفة خلفية كافية في مجال العلوم والمعارف وتقنيات الكتابة الروائية.

 

المبحث الأول: تاريخ الرواية النسائية السعودية

تعد سميرة بنت الجزيرة، أو سميرة خاشقجي، أولى كاتبة سعودية تكتب الرواية منذ سنة 1960م، بروايتها (ودعت آمالي) الصادرة عن دار زهير بعلبكي ببيروت (لبنان)[1]. وبعدها، تبعتها كاتبات سعوديات كثيرات، وبلغ عددهن أكثر من ثمان وسبعين (78) كاتبة روائية من بينهن: نزيهة كتبي، وعائشة زاهر أحمد، وهدى الرشيد، وأمل شطا، وصفية أحمد بغدادي، وصفية عبد الحميد عنبر، وبهية بوسبيت، ورجاء عالم، وهند باغفار، وسلى دمنهوري، وظافرة المسلول، وفاطمة عبد الخالق، ونجيبة السيد علي، وزهرة البرناوي، وزينب حفني، وليلى الجهني، ونداء أبو علي، ونورة المحيميد، وقماشة العليان، ووفاء بداود، وحنان كتوعة، وسعاد السعيد، ومها الفيصل، وآلاء الهذلول، والمهاجرة، وبدرية عبد الرحمن، وهاجر المكي، وأميرة المضحي، وحسنة القرني، وزكية القرشي، ورجاء الصانع، وعالية الشامان، وابتسام عرفي، وافتخار آل دهنيم، وسارة الزامل، وسعاد جابر، وأميمة الخميس، وسارة العليوي، وصبا الحرز، وفايزة إبراهيم، ولطيفة الزهير، وليندا الوابل، ومريم الحسن، ومها باعشن، ومهره العصيمي، ونبيلة محجوب، ونجاة الشيخ، وندى العريفي، ونسرين غندور، ووردة عبد الملك، ووفاء العمير، وأمل حسين المطير، وأميرة القحطاني، وبتول مصطفى، وبشاير محمد، وريم محمد، وسمر المقرن، وعائشة الحشر، وفكتوريا الحكيم، ومنيرة السبيعي، ومي خالد العتيبي، وهتون باعظيم، وهدى العلي، وآلاء اليحيي، وأماني السليمي، وأمل الفاران، وشريفة العبودي، وعائشة الدوسري، وفاطمة آل عمر، ومنى المرشود، ومنار الخضير، ومها الجهني، ونادية الشهري، وهديل محمد، وبدرية البشر،وإيمان هادي، وهلم جرا.

 

المبحث الثاني: الظواهر الموضوعية والفنية

ركزت الرواية النسائية السعودية كثيرا على خصوصيات المرأة وهويتها وكينونتها باعتبارها أما، وزوجة، وبنتا، ومعشوقة. ومن ثم، فقد دافعت المبدعة الروائية السعودية عن تعليم المرأة، وناضلت كثيرا من أجل تثقيفها وتنويرها وتوظيفها. ثم، ركزت كثيرا ريشتها المخنوقة على وصف معاناتها المأساوية من جراء تألمها من الاضطراب النفسي والجسدي والقلق الجواني الذي تتعرض له يوميا بشكل مباشر أو غير مباشر.

وقد رصدت كذلك مشاكل الذات الأنثوية في صراعها مع الموضوع والآخر. فشخصت تأرجحها بين الوعي والاستلاب. ثم تناولت أيضا إشكالية الأنوثة والذكورة، ثم لمحت إلى هوية الجسد وغواية الفتنة والجنس والشذوذ. علاوة على ذلك، فقد تطرقت إلى مواضيع الحجاب، والزواج، والعنوسة، والطلاق، والبنوة. وأشارت أيضا إلى قضية المرأة المثقفة ومكانتها في المجتمع المحافظ، وصورت حالة الانكماش والانطواء على الذات شعوريا ولاشعوريا.

 كما تطفح هذه الرواية النسائية بمجموعة من الظواهر الموضوعية والفنية كظاهرة الاكتئاب والحزن والقلق والوحدة والغربة الذاتية والمكانية، واستعمال ضمير المتكلم والمنولوج بكثرة للتعبير عن التذويت الصامت والناطق، ورصد الانفعالات الذاتية، والإفصاح عن المشاعر الوجدانية، والتقاط الأهواء الداخلية، والاسترسال في العواطف المنسابة والمشاعر النابعة من الذات، والتغني بالحب والحرية والحياة، والثورة على الرجل القاسي المستبد، والتمرد عن العادات والتقاليد والقوانين المحافظة، واستعمال كتابة روائية لها خصوصيات أسلوبية " نسوية"، كما يلاحظ ذلك واضحا وجليا في رواية (رشح الحواس) لنورة المحيميد[2]، و(أنثى مفخخة) لأميرة المضحي[3]، ورواية (الشياطين تسكن الأعشاش) لمهره العصيمي[4]، ورواية (سماء ثامنة تلفظني) لإيمان هادي[5]، وروايتي (أنثى العنكبوت)[6] و(عيون على السماء) لقماشة العليان[7]، ورواية (الفردوس اليباب) لليلى الجهني[8]، ورواية (الأرجوحة) لبدرية البشر[9]، ورواية (بكاء الرجال) للطيفة الزهير[10]، وروايات رجاء عالم المتميزة والتجريبية، ولاسيما (حبى)[11]، و(سيدي وحدانه)[12]، و(طريق الحرير) [13]، و(أربعة/صفر)[14]...

ويلاحظ أيضا أن بعضا من المبدعات السعوديات يلتجئن إلى ألقاب وأسماء مستعارة، مثل: وردة بنت عبد الملك، وسميرة بنت الجزيرة، أو سميرة فتاة الجزيرة (سميرة خاشقجي)، والمهاجرة... وإن صفة" الاسم المستعار - وما في حكمه- لم تبلغ حد الظاهرة في الرواية النسائية الخليجية. وقد لا تتجاوز الأسماء المستعارة على مستوى المملكة العربية السعودية- على سبيل المثال- ثمانية أسماء منذ عام 1958 وحتى عام2008 م."[15]

ومن هنا، فقد تكاثر الإنتاج الروائي النسائي السعودي في السنوات الأخيرة، وأصبح ظاهرة أدبية لافتة للانتباه، كما صار موضوعا مفضلا لمجموعة من الكتب والرسائل والأطاريح الجامعية، مثل: (الحب والجسد والحرية في النص الروائي النسوي في الخليج)لرفيعة الطالعي (2005م)[16]،و (الرواية النسائية السعودية والمتغيرات الثقافية)لعبد الرحمن بن محمد الوهابي (2008م)[17]، و(الرواية النسائية السعودية/خطاب المرأة وتشكيل السرد) لسامي جريدي (2008م)[18]، و(الرواية النسائية السعودية من 1958 إلى 2008م: قراءة في التاريخ والموضوع والقضية والفنّ) لخالد بن أحمد الرفاعي (2009م)[19]، و(خطاب السرد في الرواية النسائية السعودية) لحسن نعيمي تحريرا وتقديما (2009م)[20]، و(نساء بلا أمهات، الذوات الأنثوية في الرواية النسائية السعودية) لسماهر الضامن (2010م)[21]، و (الرواية النسائية السعودية: العتبات وفلسفة الزمن : دراسة تطبيقية) لبهيجة مصري إدلبي (2013م)[22]، و(خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته) لسامي الجمعان (2013م)[23]، و(قراءة في المنظور السردي النسوي) لحسين المناصرة (2013م)[24]،و (الأنساق الثقافية في تشكيل صورة المرأة: في الرواية النسائية السعودية) لأحمد موسى ناصر المسعودي (2014م)[25]، و(أنساق التحول الثقافي في الرواية: الرواية النسائية السعودية نموذجا) لأحمد موسى المسعودي (2014م)[26]، و(أنثى السرد دراسة حول أزمة الهوية الأنثوية في السرد النسائي السعودي) لمنيرة ناصر المبدل (2015م)[27]، وغيرها من الأعمال النقدية الأخرى.

 

المبحث الثالث: تقويم الروائية النسائية السعودية

يذهب مجموعة من النقاد السعوديين إلى أن كثيرا من النصوص النسائية ليست بروايات فنية وأدبية. وفي هذا الصدد، يقول سلطان القحطاني: إن 30 ٪ فقط من الروايات النسائية الصادرة في الألفية الثالثة تندرج ضمن جنس الرواية[28]. ويعني هذا أن الباحث يخرج 70٪ من هذه الأعمال خارج نطاق الرواية.

ويذهب خالد بن أحمد الرفاعي إلى أن 75٪ من الروايات النسائية السعودية غير داخلة في نطاق الرواية الأدبية على مستوى التشخيص اللغوي والروائي[29]، ولربما رفع بعضهم النسبة إلى 80٪ كما فعل عبد الملك آل الشيخ[30]. بل هناك من نظر إلى هذه الرواية بسخرية واستهزاء كما فعل معجب العدواني في مقال له بعنوان (الرواية السعودية في الألفية الثالثة من الهامش إلى الهامش)[31]، أي: إنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستحقاق لتتحول إلى متن روائي حقيقي ومتميز.

بيد أن الناقد حسن النعمي كان موضوعيا في طرحه النقدي حينما قال:" تبدو خمس عشرة رواية قادرة على منحنا قدرا معقولا من بيان موقف ما من رواية المرأة في المملكة. لقد اتخذت المرأة من كتابتها السردية منبرا لتعزيز خطابها، غير مكترثة أو غير متفانية في الإجادة السردية، مما جعل رواياتها تبدو أقرب لمناشير اجتماعية متوسلة بالسرد. غير أننا لا ننفي تميز بعض الكتابات سرديا وخاصة رواية نورة الغامدي: " وجهة البوصلة"، ورواية ليلى الجهني:" الفردوس اليباب"، ورواية مها الفيصل:" توبة وسليى"، ورواية رجاء عالم: " مسرى يا رقيب "، مع ما في الأخيرة من التحذلق والتعالم."[32]

ولكن ألاحظ أن الرواية النسائية متميزة في المملكة العربية السعودية مقارنة بروايات الرجال، كما هو الحال عند رجاء عالم التي تعد أفضل الروائيات في الوطن العربي، وقد حصلت على جائزة البوكر للرواية العربية عن روايتها (طوق الحمام) مناصفة مع الكاتب محمد الأشعريعن روايته (القوس والفراشة) سنة 2011م[33]. ولا ننسى أيضا روايات أميرة المضحي، وخاصة (أنثى مفخخة) . وفي الوقت نفسه، ثمة روايات لم تتحرر بعد من إسار الكتابة الإنشائية، والطابع التراسلي الذاتي، أو تتخلص من المناشير النضالية والحقوقية وسهام النقد الموجهة إلى شريكها الرجل بصفة خاصة.

 

الخاتمة:

يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن للرواية النسائية السعودية حضورا لافتا للانتباه في المشهد الثقافي العربي، ولها أيضا تميز كبير كما وكيفا في الأدب الخليجي بصفة عامة، والأدب السعودي بصفة خاصة. ولا ننسى أن رجاء عالم قد تخطت الحواجز المحلية الضيقة لتصبح روائية متميزة على صعيد الوطن العربي، وقد تفوقت في ذلك على كثير من الروائيين السعوديين الذكور الذين لم يخرجوا عن نطاق الكتابة الإنشائية أو الموضوعية، دون الانفتاح على التراث، أو تكون لديهم ثقافة موسوعية رائدة ومتميزة.

وعلى العموم، تنبني الرواية النسائية السعودية على مجموعة من المقومات والمرتكزات الدلالية، مثل: الفضح، والكشف، والهتك، والبوح، والاعتراف، والتصريح، والتمرد، والثورة، والنقمة، والتحدي، والتجاوز، والتغيير، والإدانة، والرغبة في التحرر والانعتاق.فضلا عن التأرجح بين الكتابة الإنشائية والكتابة الموسوعية العالمة، والتراوح بين الكتابة الكلاسيكية، والكتابة التجريبية، والكتابة التأصيلية.

 ........................

[1]- سميرة بنت الجزيرة (سميرة خاشقجي)، ودعت آمالي، دار زهير بعلبكي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1958م.

[2]-نورة المحيميد: رشح الحواس، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2010م.

[3]- أميرة المضحي: أنثى مفخخة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[4] - مهرة العصيمي: الشياطين تسكن الأعشاش، دار حوران، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[5]-إيمان هادي: سماء ثامنة تلفظني، فراديس للنشر والتوزيع، المنامة، مملكة البحرين، الطبعة الأولى 2010م.

[6]- قماشة العليان: أنثى العنكبوت، منشورات رشاد برس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت،لبنان، الطبعة الأولى 2000م.

[7]- قماشة العليان: عيون على السماء، منشورات النادي الأدبي، أبها، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1999م.

[8] - ليلى الجهني: الفردوس اليباب، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 1998م.

[9]-بدرية البشر: الأرجوحة، دار الساقي، لندن، بريطانيا، الطبعة الأولى 2010م.

[10]-لطيفة الزهير: بكاء الرجال، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 2006م.

[11]- رجاء عالم: حبى، المركز الثقافي العربي، بيروتن لبنان، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[12]- رجاء عالم: سيدي وحدانه، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 1998م.

[13]- رجاء عالم: طريق الحرير، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1995م.

[14]- رجاء عالم: أربعة/صفر، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، الطبعة الأولى سنة 1987م.

[15]- خالد بن أحمد الرفاعي: (أنماط الحساسية من الرواية النسائية في الخليج)، مجلة علامات في النقد، السعودية، الجزء68، مجلد:17، فبراير 2009م، ص:70.

[16]- رفيعة الطالعي: الحب والجسد والحرية في النص الروائي النسوي في الخليج، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2005م.

[17]- عبد الرحمن بن محمد الوهابي: الرواية النسائية السعودية والمتغيرات الثقافية، دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، كفر الشيخ، مصر، الطبعة الأولى سنة 2008م.

[18]- سامي جريدي: الرواية النسائية السعودية/خطاب المرأة وتشكيل السرد،مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2008م.

[19]- خالد بن أحمد الرفاعي: الرواية النسائية السعودية من 1958 إلى 2008م: قراءة في التاريخ والموضوع والقضية والفنّ، منشورات النادي الأدبي بالرياض، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[20]- جماعة حوار: خطاب السرد في الرواية النسائية السعودية، تقديم وتحرير حسن النعيمي، نادي جدة الأدبي، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[21]- سماهر الضامن: نساء بلا أمهات، الذوات الأنثوية في الرواية النسائية السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[22]- بهيجة صري إدلبي:الرواية النسائية السعودية : العتبات وفلسفة الزمن : دراسة تطبيقية، الملحقية الثقافية السعودية لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى سنة 2013م.

[23]- سامي الجمعان: خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته، منشورات لنادي الأدبي بالرياض، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2013م.

[24]- حسين المناصرة: قراءة في المنظور السردي النسوي، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2013م.

[25]- أحمد موسى ناصر المسعودي: الأنساق الثقافية في تشكيل صورة المرأة : في الرواية النسائية السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2014م.

[26]- أحمد موسى المسعودي: أنساق التحول الثقافي في الرواية: الرواية النسائية السعودية نموذجا، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 2014م.

[27]- منيرة ناصر المبدل: أنثى السرد دراسة حول أزمة الهوية الأنثوية في السرد النسائي السعودي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2015م.

[28]- انظر مجلة اليمامة، السعودية، العدد:1940، في 20يناير 2007م.

[29]- خالد بن أحمد الرفاعي: (أنماط الحساسية من الرواية النسائية في الخليج)، مجلة علامات في النقد، السعودية، الجزء68، مجلد:17، فبراير 2009م، ص:70.

[30]- هذا ماذكره في برنامج فضاء الرأي (السعودية) الذي بث على الهواء مباشرة يوم الثلاثاء الموافق ل24 يناير2009م. وعنوان الحلقة: (الروائيون الجدد).

[31]- معجب العدواني: (الرواية السعودية في الألفية الثالثة من الهامش إلى الهامش)،ألقيت المحاضرة في نادي المدينة الأدبي (السعودية)، يوم الثلاثاء الموافق ل17 مارس 2009م، وقد أدارها الأستاذ عمر الرحيلي.

[32]- حسن النعمي: رجع البصر: قراءات في الرواية السعودية، النادي الأدبي الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2004م، ص:60.

[33]- محمد الأشعري: القوس والفراشة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.

 

malika asalتوطئة: ما الكتابة الشعرية وكيف نكتب الشعر؟: الكتابة الشعرية، هي الفسحة التي ينزوي في ركنها الشاعر متسلحا بشطحات الخيال، ورحابة التأمل، وتنوع الثقافة، بالإضافة إلى الموهبة، ليتفحص عناصر الكون عنصرا عنصرا بمزيج من الذاتي والغيري والعابر والظرفي والتاريخي والحلمي، قاطعا كل مسافة بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي في توحد تام، ليعبّر عما يتختر في قلبه من ألم وجراح، خلفتها ضربات السهام المقبلة من المحيط، وبالتالي إعادة ترتيب فوضى الأشياء المتنافرة في وضع لائق وجميل، موغلا في مناطق المجهول بحثا عن النور، عما يضيء السراديب المعتمة والأنفاق الغامقة ... الكتابة الشعرية إذا، هي محاولة إدراك الأسرار المبهمة للحياة والكون لفك أزرارها ... هي أولا وأخيرا محاولة الإجابة عن سؤال أو أسئلة عالقة ..

 

1ــ ماهو الشعر إذا؟؟

الشعر من أرسخ وأقدم أشكال التعبير الفنية التي عرفها الإنسان، وهو جنس أدبي مشترك بين جميع الشعوب والأمم، يتميز بمخاطبة الجانب الوجداني والتخييلي والرمزي في الإنسان، بالتعبير عن المواقف، والصور والمشاعر، تعجز اللغة العادية عن القيام به أو التعبير عنه، الشعر يعكس معاناة الإنسان، وقلقه إزاء الغموض والغرابة اللذين يكتنفان مظاهر الحياة، وأسرارها وآفاقها، الشعر يجسد أسمى وأرقى القيم التي يكافح من أجلها الإنسان لتحقيقها، كالحرية والحب والحق والخير والتسامح، والاحتواء وقبول الاختلاف، والرأي والرأي الآخر، كما يحقق متعة فنية ولذة جمالية تسُر القلوب، وتنعش الروح ؛وبالنسبة لي الشعر هو فرديتي وشخصيتي، وإنسانيتي، وأرى في القصيدة الشعرية مملكتي بحراسها وجنودها وعسسها، أتربع على عرشها لأمارس طقوسي كلما تمردَ علي المساء، دون أن أحاور وزرائي، ولا أن أمتثل لرأي مستشاريّ ..الشعر لحظة تأملية في صمت، انطلاقا من وجداني، ومشاعري، وجهازي العصبي لمكنون الحياة، بحثا عن شيء جميل، لأستريح عندما أنزل ذاك الثقل الجاثم من على صدري في قالب شعري اسمه القصيد.. فالشعر عملية خلق وبناء الصورة، أو الرؤيا، وإنتاج الرمز والدلالة، بأسلوب جمالي إيقاعي ورؤيوي، بإعادة تركيب اللغة البسيطة العادية، إلى لغة تهتز بين الدوال والمداليل والترميز والانزياح، للقبض في غور المستحيل عن جواب لسؤال منفلت وهارب، لتحقيق المأمول،  لرتق شقوق الروح، ورأب الأثلام ..فالشعر إذا صرخة كبرى في وجه المواجع التي تؤلم الإنسان، ضد الشر، ضد البؤس، ضد كل الأشكال القبيحة التي تهدده، ولا ولن تخرس صوته دبابة ولارصاصة، ولامقصلة، وحتى أوضح أكثر :

ــ الشعر متعة المبدع والمتلقي معا فهو الخيط والإبرة في نفس الوقت للجمع بينهما بالتجدد والتمدد والاكتمال ..

ــ الشعر حركة تكسر الجمود، فتحول الكون بكل عناصره وحيثياته إلى مشهد درامي ممتع ..

ــ الشعر ومضة من النور تلامس العمق في صمت ..

ــ الشعر ملاذ فاتن يفر إليه الشاعر من محارق الواقع، وأعطابه المستفحلة ..

ــ الشعر هو ذاك النبض الذي يأتي كالسهم إلى قلب الشاعر من محيطه، من الأشياء، من الناس ..

 

الشعر الحداثي بين القبول والرفض

لقد جاءت الحداثة رافضة المباشرة والتنغيم اللفظي والقرائن التقليدية، معناه على الشاعر أن يعيد تأمله من جديد، بإعادة النظر في كل خصائص الشعر :بناء وتركيبا وأسلوبا، شكلا ومضمونا، فكان الغموض والإبهام والاضطراب، من أبرز مميزات الشعر الحداثي المهيمنة ؛ حيث خلخلت قصيدة النثر أو القصيدة الحداثية النموذج التقليدي بكل مقاييسه، فقلبته رأسا على عقب، وطبعا هذه الخلخة لم تأتِ عبثا، أو من فراغ، فهي حصيلة تحولات كبرى زمانية ومكانية ومجتمعية وثقافية، وتطورات عرفتها المراحل السابقة كقواعد اساسية بنيت على أنقاضها، حيث تخلى الشعر عن وظيفته السابقة الإعلامية والثقافية والسياسية، بما فيها من مدح أو هجاء أو رثاء أو إخبار أو تفاخر، يعتمد كليا على الصنعة والتكلف، بغية الإرضاء، أو الحصول على أجر، أو للرفع من الشأن، أو الإطاحة به ؛ وغيرها من الأغراض التي كانت تُعد العمود الفقري..بينما الشعر اليوم نحا منحى آخر، واتخذ وِجهة أخرى، وهي مخاطبة الوجدان الإنساني، وخلخلة دواخله بشكل عفوي مختلف، وبلغة في حلة أخرى غير متداولة ؛ ترفرف بأجنحة غير مألوفة، تعيد التجدد والحيوية والحركية عبر مساحات الخيال، للتوغل في مناطق غير مأهولة. وإعادة التشكيل للمألوف والمعتاد منها بمنطق آخر يضرب موازين الدهشة، تصبح معه القصيدة الحداثية ثرة، تفسح مجالها للقراء بأكثر من دلالة، وبأكثر من موقف، وبأكثر من تفسيرات آنية ومُستقبلية عن طريق التوالد والتأويل، مما يثريها ويجعلها تتجدد وتحيا ....

 

الشعرالحداثي والمتلقي

لم يعد الشعر الحداثي ملكا للمبدع وحده، بل أصبح له شريك في هذا الإبداع، وهو المتلقي الذي أصبح له دور في إعادة بناء القصيدة من جديد عن طريق التأمل والتداول والمقارنة والتحليل والتركيب، والارتقاء إلى مستوى الجمال والتخييل والترميز والكشف، وسبر الغور، لملامسة الدلالة الخفية والعميقة، بقراءة مابين السطور وملء الفراغات، فتصبح للقصيدة الواحدة عدة قراءات من منظور كل قارئ، كل قراءة لاتشبه الأخرى، لأن كل متلق يقوم بإعادة إنتاج دلالات جديدة للنص من زاويته الخاصة، وطقوسه المستفرَدة ؛ وهذا لا يأتى للقصيدة لمجرد أنها حداثية وحسب؛ بل من اللغة الشاعرية التى يحرص عليها الشاعر كواحدة من تقنيات إبداعه، قبل أن تكون واحدة من عناصر الطرح الحداثى ذاته.وقبل أن تكون موضوعا للقراءة ..

والمشكل الحاصل أن هذه الحداثة لم تواكبها حداثة في الأذهان والعقول المتلقية بشكل واسع، لأن الحداثة لم تطَل المجتمع وبنياته المؤسساتية الثقافية والسياسية، وعليه فالشاعر يعيش وضعا محرجا ومقلقا في نفس الوقت، حيرة جامحة يتأرجح على خيوطها، لم تمكنه من إيجاد جواب لسؤال ساخن يطرق بابه، ماذا عليه أن يفعل ؟؟؟

ـــ أينزل عند الجمهور وفق مستواهم لتصل الرسالة ؟؟؟ ..لكن هي عودة إلى التحجر والركود، والتخلف عن الركب الشعري الحضاري ...

ــ أيواكب الحداثة ويعلو مع السرب لملامسة آفاق الشعر الراقي، قد تفصله عن الجمهور قمم شاهقة تجعل رسالته عقيمة لادور لها، فأدت هذه المعضلة إلى العزوف عن قراءة الشعر الحداثي، والحضور لأمسياته، وعدم اقتناء دواوينه، بل ورفضها كليا من قبل بعض المؤسسات التي تطبع بالمجان، وهي ظاهرة منتشرة في العالم كله، ويعود ذلك حسب اعتقادي:

ـــ إلى عدم تحقيق الشعر لتطلعات الجمهور ..

ــ تلون الشعر الحداثي باللبس والرمزية مما يعسر فهمه وبلوغ معناه ..

ــ نظرة الجمهور انطلاقا من موقف نفعي، باعتبار الشعر ترفا، ونخبويا لطائفة معينة، لايحقق أي منفعة أو فائدة مادية ...

 

أراء بعض النقاد في الشعر الحداثي

لقد خلق الشعر الحداثي سجالا واسعا في صفوف بعض النقاد، باعتبار الحداثة والتراث لهما علاقة تاريخية جدلية، لايمكن الانكباب عن التراث القديم تجنبا للسقوط في التردي والضعف، ولايمكن في نفس الوقت الارتكان إلى الحداثة بقطع الصلات مع التراث، الشيء الذي يجعل القصيدة غريبة وبلا جذور، أو خارج التاريخ ..، وعليه فالحداثة كما يرى البعض هي تحولات حضارية، أتت بها سيرورة تاريخية، ضمن حركة تطور التاريخ والمجتمع، تنبعث من داخل بنية اجتماعية حضارية، تتعرض لتحديات وتحولات على كثير من المستويات، مع الاعتراف بالتأثيرات الحضارية الخارجية بطبيعة الحال، عبر التثاقف والثقافة المتبادلين بالتأثر والتأثير بين الشعوب والأمم، إما بواسطة الترجمة أو عن طريق الاحتكاك، والحداثة لاتعني التنصل كليا من التراث، فلا بد من خيط رفيع يربط بينهما، فكم من الشعر التراثي ضرب أوجه الحداثة في أسمى تجلياتها، (شعر المتنبي مثلا). ..وكم من قصيدة ظُنّ بها حداثية، لكن بينها وبين الحداثة قمم شاهقة لاتمس الحداثة في شيء .. إذا فالحداثة لاتعني تمثل الشعر الغربي والسير على منواله بقوالبه وخصائصه، لأن الظروف الغربية بتربتها/ بمحيطها /بعناصرها، ليست هي نفسها لدى الواقع العربي :معناه لابد من الاحتكاك وتبادل التأثر والتأثير، لكن في قالب عربي، ومن تربة عربية، وإلا يعد في خانة التقليد..كما لاتعني الحداثة التخلص من الوزن والقافية، فكم من شعر قيس على هذا المنوال، وضرب جذورالحداثة بامتياز ...

فريق آخر رأى قصيدة النثر شكلا شعريا حداثيا مستقلا عن الأشكال الشعرية الأخرى، ومنقطعا عنها تماما . فهي ليست مجرد تطور أو تجديد في الحركة الشعرية، بتعاقب الحقب الزمنية والعصور، بل حدثٌ نزل بضربة مقص، فتفجر بعصا سحرية كثورة جذرية على كل ما سبقها من الأشكال الشعرية ومفاهيمها.وقرائنها التقليدية، وأسلوبها وحتى لغتها، كأرقى شكل من أشكال الكتابة، تعتمد الرؤيا والصور الشعرية بترميزها وإيحائها تؤثث للمدلول بلغة مختلفة غير مألوفة، بعيدة كل البعد عن الرؤية، والصور العيانية التي نقبض على معناها الأوحد من أول قراءة، بلغة مباشرة متداولة لدى الجميع .. فالقصيدة الحداثية حررت اللغة الشعرية من طقوسها الكلاسيكية القديمة، لتنعم بشبابها فضخت دماء جديدة في المعجم الشعري، واخترقت الممنوع من الأماكن، ولامست المجهول من المناطق ..معناه أنه شعر منقطع النضير ..

ونخبة ثالثة ترى أن الشعر الحداثي نوع أدبي مهجن من عدة أجناس بالعديد من السمات والخصائص، كقواسم مشتركة بينه وبين الأنواع الأدبية الأخرى ..فهو يلتقط بعض الملامح من السرد من حيث الأسلوب والصياغة، واهتزازات سمفونية من الموسيقى، والحركات الدينامية من المسرح، والصور بألوانها القزحية من الفن التشكيلي، وعلى النقاد ألا يتحاشوا قصيدة النثر، أو تغييبها باستحضار نظرية نقدية والاهتمام بمعاييرها أكثر من حاجيات النص، على حد قول الدكتور حسن مخافي

(فاعتماد النقد العربي على المناهج والمفاهيم المتصلبة والمتخشبة جعله نقدا معياريا).. فالآراء مختلفة ومتشعبة، ولاتستقر على نهج نموذج يمكن الاقتداء به ...

 

على سبيل الختم

من خلال ماتقدم، فقصيدة النثر سواء كامتداد للثرات بشكل متطور، أو كثورة عليه بقطع الصلات معه، أو كخليط من الأجناس الأدبية الأخرى، فقد فرضت وجودها بخصائصها، وقبضت على مكانتها بالعض على النواجذ، واحتكمت خصوصياتها، وعلى التجارب النقدية أن تبذل ما في وسعها لإنشاء رؤية نقدية خلاقة، ترتهن بالإبداع الفلسفي والكشف مطعما بالإبستمولوجي والسيميائي، والنظرية الفكرية في مجال القيم والمعرفة والبحث عن أدوات علمية ناضجة، لتبلور حركة نقدية مواكبة/ مضيئة للنصوص التجريبية الحداثية، وتقريبها من المتلقي بتوضيح سراديبها، وإنارة المناطق الغامضة ..ومن الممكن استثمار القراءات العاشقة والانطباعية، والمتابعات للتنظير لقصيدة النثر، وتحديد خصائصها الشكلية والدلالية بالاستناد على مرجعيات متنوعة، لايهم إن كانت غربية لكن شريطة ألا تصبح هي الأسمى، وألا تغيّب النصوص ...

 

مالكة عسال

 

ahmad alshekhawiعبر بثّ إذاعي منذ أعوام، في تصريح للشاعر المغربي حسن نجمي،عقب صدور ديوانه "المستحمات" أكدّ أن عملية تشذيب القصيدة وتنقيتها من الزوائد التي قد تشوه حضورها كملكية للكل الإنساني فيما بعد لحظة الولادة،هي عملية يستحسن أن تتمّ في الذهن لا على الورق.

مما يعني أن شطب المفردات القاصرة والعاجزة عن لعب دورها شبه الكامل داخل حدود فسيفساء البوح،على نحو محقّق للوظيفة الأدائية المتناسقة والمتناغمة،إنما هو شطب وتقويم يستغرق مرحلة مخاض قبلية ممهدة لميلاد النص الورقي.

بحيث أن ما لا يصلح تتكفّل بإقصائه لحظة الانشغال الذهني، أما البياض فهو مستقرّ القصيدة المكتملة والناضجة.

بالطبع،سيقود هذا إلى حقول إبدالية للعتبة في المنجز الشعري الثاني للمتألق خليل الوافي،ويغري بإيحاءات النص الضمني والمجاور المكتوب صمتا و وجعا مضاعفا.

إنها كتابة اختراق وصولا إلى العمق والحدّ العاكس لتوأمة بين الثيمة والذات، ما ينمّ عن تجربة حقيقة صادقة غير مفبركة.

كتابة خارج الزمن،ليست تنتمي إلى جيل بعينه دون آخر محدد، لذلك فهي تستدعي شخوصا غير معلومة وعبر ذوات تأنف عن تسويق الوهم أو ما تحتّمه أسلوبية التلاعب والتمويه والمراوغة حدّ إفساد البعد الرساليّ كأولوية يجدر أن تبزغ على حساب اللبوس الجمالي أحيانا.

زمن الكتابة يضيء أمكنة الخطاب ويحتوي جرح العروبة ها هنا تماما،صانعا بذلك الصدى المطلوب، باعتبار النسيان الوارد للتدليل على ذاكرة حادة لا تختبئ وراء الثقوب أو تتنكّر للرمز والموروث،بل نلفيها تستثمرهما بشكل جيد وغرائبي .

هكذا تُستنفذ أو تكاد تجليات النسيان بوصفه قاعدة وبؤرة لتجديد خطاب الذاكرة،وأيضا ضربا من تجاوز وامتصاص لصدمة الاحتكاك بالواقع.

إنها مطالعة من قبل شاعرنا،تصول في رحابها تقنية السهل الممتنع كالمعتاد، لتنسج ملامح عوالم طيفية ومحايثة لا تحاكي الراهن في غير نقاط الطرفاوي والعابر، تاركة مهامّ بصم التّتمّة لمخيلة المتلقي.

هكذا وكأنما عنوة،والتزاما بوعي متّقد، تُترك خلف تخوم الممارسة، بضع خيوط على عذريتها وفي الطرف الحرّ للعبة الكلامية،قصد استنفاذ ألوان الماوراء،تطلّعا إلى ذروة الإدراك الجمالي والقطوف المعلوماتية المهضومة، بأقل طاقة استيعابية ممكنة.

...........

" أرى أسراب الطير

تعود من جهة الشمال

توصي الفاتحين بعروبة الضاد..

في وشاح عروس

لم تفرح بعذرية الزغاريد

خلف الباب...

تبرأتُ من صمت القبيلة،

وأراني في عيون اليمامة

أنتعل حلم السفر.. "

...............

" وأنا أتهجّى سفر النهاية

في أول البوح..

تراني ألملم وجعي

عاريا أخرج من صمتي

لم أدرك أني حي في حدود ذاكرتي،

وفي قصائدي العاجزة عن قول الشعر"

..................

" ــ قال :

أي شيء يكسر الموج

في تفاصيل النشيد.؟

ــ قلت : صمت الصدى

يردّد ابتذال الجسد..

صخب الروح

يعيد للتربة عبق الانتماء "

................

" قريبة مني حدّ السيف؛

بعيدة عني حدّ الحيف.

أراها..

تمسح عن دمعي

ذبول الفراشات في يدي

ولي بوح متمرّد "

.................

" عفوك...

لا شيء يحملني إليك طاهرا:

جراحات الأمس؛

قصائد الصمت؛

وطن يبحث عن وطن. "

.................

"قلت لها:

دثّريني بالبياض

عسى وحي جنونك

يسلّمني إلى قافلة

تغيب في سراب القوافي.

هو..

لم يكن وحيدا

حين قابلته خارج الزمن "

................

" ما زلت أرى

ما أراه الآن،

وأخجل مما تراه عيني.

ما ذا دهاك أيتها العير؟

لم أجد أثري على الرمل

حين وقفت على مضارب القبيلة

أبحث عن قلادة أمي

وأشيائها التافهة في ركن البيت،

وسيف جدي

ذاك الذي تزينه ألوان الصدأ،

وخريطة وطن

لا تحمل رائحة التراب..

لا تحمل سلالة دمي."

..............

" راحل يا أمي

في مدن المنفى

أعيد ترتيب بيت الوطن

في ذاكرة الطفولة

عابرا مسالك الصحو..

أطل على مشارف عربستان،

أصبغ وجهي

بوحل الطوفان."

..............

" صُكِّ الباب..

لي كل المنافي،

وأنا الوطن الضائع في السؤال،

أسال أرض الخراب

عن وجهتي .. "

...............

" هذا أنا.. بالعربي،

أنفث الزهر على مقابر الجبل

كلما ابتعد الصيف بعيدا

خلف مدار المطر.

أتهجى رماد الثلج،

أرسم سويداء ليل

يركب بياضه الأبدي

في انحصار الماء.

أطل على ذكرياتي القديمة

في دفاتر لا يعرف

أقالها غيري.

وهذا أنا .. بالعربي،

أصنع من لغتي

وسادة قبري."

إنها شعرية انسجام تام مع الذات وشتى عناصر الطبيعة والوجود،في استفزاز صارخ للقرين بلسان كامن و فعل فردوسي للغة العارية المكشوفة.

تلكم مؤشرات تقليص الهوة بين الذاتي والموضوعي، قدر الإمكان بالاتكاء على تنويعات إيقاعية سابحة ضد تيار تضخّم الأنا، تبعا لخارطة طاعنة بلذة الحرف في عنفوانه ولملمته لهواجس هوياتية متناصة مع زخم المقاربات المفجّرة لحس الانتماء لقضايا العروبة المصيرية والكبرى.

إنه نص النّفس الملحمي يمليه حيز الانتشاء بتاريخ المجد الضائع،يحاصر اللحظي في مضايق معينة ويختزل المعنى فيها وفاء للهمّ الجمعي المترجم لذات التعدّد في واحديتها،واطرادا مع انتشار طقوس تشخيصات ومعالجات نسقية تروم فلسفة خلاص الواقع والإنسان.

حقا، ما أجمل البياض حين يُبطَنُ بنبرة هادئة ودفينة ومتمرّدة تغالب صوت الانهزامية وتنبش مشاكسة مرايا الآني المهشّمة ومستحضرة لطفولة بعيدة جدا ومقيمة تضيء المسافة نحو سماء الحلم المشروع.

كذلك هي فلسفة الحدس المعلنة في نصوص منطلقة من ذاكرة قوية يقول صمتها كل شيء تقريبا،موبخة عالم المفارقة المصطبغة بعذابات المنفى الروحي، تجترحها كتابة المحو منتجة للمشاهد الطافحة بجرحنا الوجودي.

أنامل إرباكية مثلما تباشر تشكيلها دغدغة التجربة ملء حواسّ عطشى لفوضوية الطّرح المزدان بتحولات المعنى وتناسل الدلالة.

إليكم نكهة " صدى النسيان " لمن أراد دخول حانات ثمالة الحرف الناري والمقنّع بإرهاصات الذات المتهكمة من كل شيء.

كمنجز باذخ الذي يختصّ بخطاب صور الذاكرة، هذا الغائب/الحاضر بكل ثقله فينا، كجيل للهزائم والانكسارات.

 

احمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

 

madona askarدخل أنسي الحاج في الظّلّ أو بمعنى أوضح في الصّمت كردّة فعل على عالم انحدر إلى أقصى درجات الانحطاط على جميع المستويات، الإعلامي منها والسّياسي، والاجتماعي، والإنساني... هذا السّلوك الّذي تجنح إليه النّخبة المتوازنة الّتي تأبى الانغماس في عالم مختلّ التّوازن، يعبّر عن احترام للذّات والكينونة الإنسانيّة. كما يعبّر عن ألم تجاه واقع يفتقد إلى النّقد والتّأمّل والجدّيّة...

يتّضح للقارئ من خلال الولوج في الفكر الأنسي المفصِّل للسّلوك الإنسانيّ من ناحية السّلوك الضّمني المحتجب في الأعماق، أنّ الإنسان يتعامل مع واقعه وعلاقاته الإنسانيّة بشكل غير دقيق أو يظنّ أنّ سلوكه حسن في حين أنّه يتعاطى مع الموضوع السّلوكيّ الأخلاقيّ إمّا من ناحية الظّاهر وإمّا من ناحية متباينة والعمق الحقيقي للسّلوك.

فعندما تحدّث أنسي عن الوفاء قال: "ما أشقى مَن لم يعرف من أصحاب الوفاء إلّا وفاؤهم سداد دين للتّخلّص من قيده، أو عرفان جميل مَن لا يزال يحتاج إليك." (1).  هذه النظرة العميقة في النظر إلى السلوك تكشف حقيقة ذلك السلوك الّذي يُظنّ أنّه أخلاقيّ كالكرم مثلاً: "أجمل ما في الكرم ليس العطاء، بل كونه أخبث المفسدات" (2)، إلى ما هنالك من سلوكيّات تحتويها النّفس الإنسانيّة سواء أكانت إيجابيّة أم سلبيّة كالطّموح، والزّهد، وخطأ الإنسان في اعتقاده أنّه أفضل ما في الكون. إلّا ما هو مهمّ خلفيّة السّلوك أو الدّافع الحقيقيّ له. وكأنّي بفكر أنسي الحاج مرآة النّفس الإنسانيّة المتوارية عن الإنسان نفسه. وكأنّه أدرك الجوانب المظلمة الخفيّة الّتي تظهر للعلن مستنيرة.

لم يستشفَّ أنسي من كلّ سلوك إنسانيّ الدّافع النّفسيّ وإنّما الصّورة المستترة خلف الفعل أو السّلوك، ليظهر للإنسان تفاصيل سلوكه بدقة لامتناهية تدفع القارئ لإعادة النّظر بسلوكيّاته كيما يرتقي بإنسانيّته. فيخدم الإنسان بدافع المحبّة لا بهدف الظّهور، أو أن يلاحظ أنّ ما يواجهه من ظلم يمارسه بدوره على آخر. أو أن تقيّده آلام الآخرين، فيشعر بها ويتعاطف معها، والسّلوك الأفضل من ذلك هو الّذي يجعله يئنّ تحت وطأة كرامة آلامه.

يحتاج السّلوك الإنسانيّ إلى ثورة تحرّره من الخبث المستتر خلف الفعل الجيّد والألم المحتجب في الفعل السّيّئ. عندها يمكن للإنسان أن يخطو بثقة أكبر نحو حرّيّته لأنّه يسعى إلى تنقية داخله. ولعلّ البكاء هو السّلوك الوحيد الّذي يطهّر النّفس ويطمئنها، فتصفو وتستكين وتتقوّى. "كلّ ما في الطّبيعة أقوى ممّا يفعله الإنسان، إلّا الدّموع. حمم البركان تحرق الأبرياء، السّيول تغرقهم، الزّوابع تشرّدهم. الدّموع تعيد لهم الأمان.(3).

من السّلوك إلى عالم الأدب والشّعر والكتابة، يرافقنا أنسي الحاج في سبل أدبيّة لم نعهدها ونقد متميّز يسهم في التّنقيب عن سحر الأدب الّذي ينبغي أن يتحول إلى خلاص.

 

......................

(1) سلوك- كان هذا سهواً- ص 121

(2) سلوك- كان هذا سهواً- ص 114

(3) سلوك- كان هذا سهواً- ص 135

 

saleh altaeiغنية جزلة المعاني تلك المفردات التي ساقتها  الشاعرة وفاء السعد لتؤرخ من خلالها علاقة إنسان مع الفرات، ليس أي إنسان عابر، بل الإنسان  الأسطورة باذخ العطاء، صاحب اليقين؛ الذي تحول الفرات تحت قدميه إلى صعلوك هده العطش، يبحث عن الماء من نبع أقدامه. وتلك مفارقة غريبة أن تجد النهر عطشانا يبحث عمن يسقيه من نبعه، ويرويه من مائه!

إنها صورة تترجم المأساة، وترسم صورة لواقعة تراجيدية تعيش في ضمائرنا عبر التاريخ، نتنفسها شهيقا يرفض المغادرة، يستوطن الروح قبل الرئة، ليتحول إلى قصة عشق إلهي لا حدود لأبعاده، اسمه (الطف).

وليس غريبا أن يشعر عشاق قصة الطف لا بعطش (حسين) فحسب، ولا بوفاء (عباس) فحسب، ولا بظلم (جبابرة) فحسب، بل ويشعر بعطش الفرات الذي كان يتلوى كبطون الحيات ليشحذ الماء من بين كفي العباس المقطوعين، وهذا ما تكتشف غوره وتفك طلاسم سره من أول كلمة في نص (لِمن جَهلَ الطفوفَ) للشاعرة العراقية المبدعة وفاء السعد، وكأنها أرادت أن تفرز بين مكونين، ينظر كل منهما من زاوية تختلف عن زاوية الآخر:

مكون يعرف قصة الطفوف لأنه عاش مأساتها على مدى ألف وأربعمائة عام، فتحولت في ضميره إلى خميرة عشق أبدي.

ومكون قد لا يكون قد سمع باسم الطفوف، أو تغاضى عنه لسبب.

وهي مهمة شاقة تحتاج إلى ثراء فكري، ونضج لغوي، وشجاعة بوح يعجز بعض الرجال عن امتلاكها لا لتقصير فيهم، بل لأنها تبدو أحيانا أكبر من حجمهم .. من كيانهم النفسي والعقلي والفكري، وحتى الجسدي، فالأعمال الجبارة لا تحتاج إلى كل تلك الأشياء فحسب لكي تنهض بها، بل وتحتاج أيضا إلى شجاعة من نوع فريد تملك قدرة توحيد الرؤى بالفعل لتتحول الرؤيا إلى حركة والحركة إلى رأي، ومع هذا التماهي تتسامى النفس حتى أن المرء ليشعر وكأنه جزء من قطرات ذلك النهر الخجل الشاكي، أو سيفا من تلك السيوف التي أنهكها تراب الميدان وشخب الدماء، فبدت وكأنها فقدت هويتها، وتبحث لنفسها عن مسمى آخر.

غربة هذه القصيدة أنها تبدأ من العنوان (أنا الفراتُ الخجلُ) وكأن النهر العظيم يداري خجله بعد أن لم ينجح في ترطيب شفاه عطاشى كربلاء، وهو جرم يشعر من ارتكبه أن أبواب السماء سوف تغلق دونه عقابا له على ما أرتكب (فلا عذرَ سيعصمُني) هكذا قالها الفرات، وهو يبحث عن عذر يداري به سوءته التاريخية. لكن حينما يفلس الإنسان من خلق الأعذار، تتكشف حقيقة النوايا، ولا يعد له من خط دفاع سوى أن يشعر بالتقصير وبالذنب الكبير كذلك، وإن كان النهر قد فاض بمشاعره بلا حدود فالإنسان قد لا يملك موهبة البوح مكابرة أو جهلا.

إن من سحر البناء التركيبي لهذا النص الباذخ أن الشاعرة جعلت من الفرات شاهدا وشهيدا، حولته من تركيبة سنن الطبيعة إلى مُرَّكبٍ حوله إلى الكائن الأسطوري العاقل الذي تملأ كيانه المشاعر، ليحب ويكره ويخاف ويتهور، حيث تلفه شرنقة الحدث بإطار كينونتها ليصبح (وجلاً بعينٍ محشورةِ السهامِ) ويحزن ويبكي (لأجلِ عينٍ موشومةِ السهمِ) ويغضب من الفضيحة، فضيحةُ (ما سترتْ عورتَها غمامةُ التاريخْ) بعد أن أجج نزق الإنسان واستهتاره وطيشه وغباءه وظلمه (الترابَ عذرياً يعبقُ بالدمِ).

الفرات لم يرتكب جريمة لأنه لا يملك قدرة السير لكي يسقى العطاشى، لكن الإنسان المغرور، يملك أسباب القوة ومكامن الحقد ولذا حال بين الفرات وتلك الشفاه التي جففها العش وهذا ما دفع الفرات لأن يخجل هذا الخجل الكبير حيث (العيونِ الذابلاتِ)، ولكنه لم يحرك مشاعر الإنسان، وكأنه لا يعرف الخجل!

إن حبكة النص لا تنتهي مع البوح الخجل للنهر الفرات العذب، وإنما تنتهي بعتاب جميل لكل من ارتشف من الفرات رشفة بلت ريقه (تستقيني الأنامُ وتجهلُ ...أني عبراتُ نهرٍ) وربما لهذا العذاب النفسي الداخلي الخفي عن أعين الآخرين، شعر الفرات بالأسى، فسره الخفي سيبقى دفين الغربة إلى أن تتلاشى آخر قطراته من على وجه الأرض (حتى يقبضني البينُ جُرحاً نازفاً) وكأنه يرتقب تلك النهاية منذ أن كُسرت معنوياته، وهو يرى السهام المثلثة الرؤوس تنهش طهر الوجوه النقيات، وتسرق منها ماء الحياة (أنطفئُ انكساراً في السهامِ المثلثاتِ)

لمن جهل الطفوف نص في غاية الروعة والتناسق والرهافة والحس، يعبق بتأملات روحية تشد المتلقي، وتحوله إلى جزء من الحكاية المأساة، يتفاعل معا ويردد مقاطع النشيد الحزين؛ وكأنه هو الذي كتبها.

وفي الختام أعترف أني لا أحبذ قراءة الشعر الحديث لكوني أجد نفسي في الشعر القديم، واني كنت اشعر أن وقتي سوف يضيع سدى في قراءة مجموعة نصوص أهديت إليَّ، ولكني حينما وقفت على عتبات باب هذا النص الترف، وطرقت بابه بعد تردد، وولجت إلى رحابه بتوجس وخيفة، شعرت أني أدخل دنيا أخرى مملوءة بالدهشة والرغائب والعُجْب؛ الذي قد تفتقر إليه الكثير من القصائد المقفاة التي أدعي أني أحبها.

الشاعرة وفاء السعد موهبة واعدة، ومقدرة فنية متميزة، إذا ما توافرت لها الأسباب سوف تنطلق خارج حدود العراق عربيا وعالميا، وهذا ما أرجوه لها لا لشيء سوى أنها تستحق ذلك، فلقد سحرني نصها وأجبرني على أن أعيد قراءته مرات ومرات، وفي كل مرة أجد فيه شيئا جديدا.

ولمن تستهويه مثل هذه الأعمال، أهديهم قصيدة (لمن جهلَ الطفوف)، واترك لهم مهمة الحكم، بتأييدي فيما ذهبت إليه أم في مخالفتي.

 

أنا الفراتُ الخجلُ

لِمن جَهلَ الطفوفَ ... في رؤى العيونِ الذابلاتِ .. أتلو أنا الفراتُ ..اعترافَ الخجلِ .. مُطأطئا..ً حاسِرَ الماءِ في جوفي .. ليغدقني الجرفُ جفناً ناحباً .. أتعوَّذُ صهوةَ السؤالِ .. حينَ يترجَّلُني ساعةً ثقيلةً.. كيفَ ذرفتَ الدمعَ في المشهدِ؟.. كيفَ احتملتَ أوردةَ الطيورِ شاهقةً .. تسري إلى مائكَ المنحسرِ .. سأهوي على كبدي في جُبِّ قلبيَ الغريقِ .. وأمضي جفناً مالحاً .. وجلاً بعينٍ محشورةِ السهامِ .. لأجلِ عينٍ موشومةِ السهمِ.. آهٍ لغيضي حينَ يشربني .. وتقبرُني أصابعُ الزمنِ طلاً .. فلا عذرَ سيعصمُني .. لذكرى تولدُ في ضميرِ الكونِ شاخصةً .. ما سترتْ عورتَها غمامةُ التاريخْ .. كيفما صنعتْ عبثاً .. تؤجِجُ الترابَ عذرياً يعبقُ بالدمِ .. تستقيني الأنامُ وتجهلُ.. أني عبراتُ نهرٍ .. جرحٌ في أرضِ كربلاءِ ليسَ مُندَمِلا.. مغشياً بالذهولِ .. لأقمارِ فتيةِ اليقينِ .. تُقارعُ غيرَ ذي كفء .. مكلومةَ العضدِ.. حتى يقبضني البينُ جُرحاً نازفاً.. أنطفئُ انكساراً في السهامِ المثلثاتِ .. وأقبِضُ الآهاتِ جمراً .. نجيعٌ اشرأبَّ في روحٍ أزلّيٍّ .. ما انسكبَ حبرُ السماءِ زرقةً .. إلا ما اقترنَ في النونِ والقلم.

 

 

hamid abdulhusanhomaydiمن المفهومات التي استوقفتني في الادب العربي، مفهومة (شياطين الشعر) وما دار حولها من حكايات سردت على السُن الشعراء الذين أكدوا تلك المفهومة شعراً حتى ان بعضهم  راح يعزو أن الشعر هو من تلكم الشياطين والجن او ما يطلق عليه مصطلح (القرين)، وهي التي تهبه وتمنحه هذه الملكة، ورويت عن ذلك جملة من الروايات والقصص والمغامرات الغريبة، وذكر اسماء الشياطين والجن ووادي عبقر، وراح كل شاعر يفخر ويلهو عبثاً، ويفرد لنفسه شيطاناً خاصاً به، ولو سلمنا الامر لمثل هذا المعتقدات والعادات لنفينا عن انفسنا وعن شعرائنا الابداع وموهبة الشعر، ولجعلنا  سمة الشاعرية منسوبة لتلكم الشياطين فقط، ولاصبحنا مجرد رواة وناقلين عنهم، ولا فضل لنا في نظم الشعر عندئذ .. ولا عجب، حينما نرى ان الكثير من الادباء الكبار - عامة - والشعراء – خاصة -  قد انجرفوا وخاضوا في هذا المضمار وبيان مدى علاقتهم مع الشياطين ...

فما المسوغ الذي جعل الشعراء والادباء  .. يتمسكون بهذا المعتقد ؟

ذكر في كتب الادب ان لكل شاعر شيطاناً مصاحباً له، فامرؤالقيس شيطانه اسمه لاقط بن لاحظ , والأعشى شيطانه ميمون بن بصير , وطرفة بن العبد شيطانه اسمه عنتر بن العجلان , وقيس بن الحطيم شيطانه اسمه ابوالخطار , والنابغة الذبياني شيطانه اسمه صاذر بن ماهر , وعبيد بن الابرص شيطانه اسمه هبيد بن سلطام .... الخ .

تعود الى الشاعر نفسه كونه يمثل الجهة الملتصقة بالشيء الاخر ... الشعر محور استقطاب، والشاعر قطب موجب والشياطين قطب سالب ليس إلا، حاول الشاعر نفسياً ان يحفز المتلقي الى انه واقع تحت تأثير انعكاس لقوة خارجية تمنحه القدرة الفوقية في قول الشعر، لذا عمد الى تغيير اسس المعادلة، ليهب هو قطبه الموجب للشياطين ويترك لنفسه القطب السالب، رغبة منه .. وليجعل المتلقي عاجزاً عن فهم المضمون التفاعلي ما بين الاثنين، ولتنتظم سلسلة من التعددية لهذا المعتقد بين الشعراء أنفسهم، فالكل مجبولون على صياغة المفهومة بطرائقية مبهمة وتحت دياجير خفية، يبررون حسب شياطينهم .. وهذا الامر ليس مقتصراً على الشعراء العرب بل نجد ان الكثير من ادباء الغرب - أيضاً - ذهبوا الى هذا المسلك لكن بحسب رؤيوية قريبة مما قرأنا عنه، ويقول جوته : إنه كتب أحسن رواية له وهو في غيبوبة حالمة يشبهها بحالة النائم الماشي. وكثير من الأدباء صرحوا بهذا، فمثلا / بروفسور هوسمان يقول في طريقة إنتاج قصائده : (أنا أظن أن إنتاج الشعر ليس عملية فاعلة قدر ما هي قابلة وغير اختيارية(. اذاً / العقل البشري عقل طفولي حالم وحافل بالخيال والأساطير والخرافة، لا يمكنه ان ينسلخ من حاضنه الطبيعي / خيالاته التي تشدّه الى عالم مصطنع لا يقوى على التخلي عنه ... لأنه جزء منه، ولان عالمنا الواقعي عالم مثقل بالأحداث المتسارعة / المتصارعة والساخنة والتي ترهق اذهاننا بأثقالها، فهو عقل يؤمن بالسحر والشعوذة منذ العصور المنصرمة وما زال يتمسك بها بحسب المعتقدات المتوارثة، وليس غريباً ان يتسم ويتأثر الشاعر من هذا الباب ..لذا عمد الشعراء الى هذا لإضافة نوع من التضخيم والمهابة والتبجيل لهم ولما ينظمونه، ولتعجيز المتلقي عن الاتيان بمثل ذلك او مجاراتهم .. ليكون الشاعر حرّاً طليقاً  فيما يقوله وينظمه، جاء عن الثعالبي (ت 350هـ) قوله :"وكانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقى على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه، وتعينها عليه،وتدعى أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود، وبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بهذا الشأن أن ذكروا لهم أسماء...إلخ ". وجاء عن الأصفهاني(ت 502 هـ) قوله :" ادعى كثير من فحول الشعراء أن له رئياً يقول الشعر بفيه، وله اسم معروف...إلخ ". وصيغتا " الإدعاء، والزعم" توحيان بالإخبار لا على وجه الحقيقة، ودرجة الصدق فيهما ضعيفة.

لا أرى اي ارتباط او علائقية للقرين او الشيطان فيما ينظمه الشاعر المبدع، لان الابداع مقترن بملكة الالهام النظمي للشعر، وهي ملكة لا يمكن لاي انسان الاتيان بها الا المبدعين أنفسهم، لانهم يمتلكون قدرات وطاقات / شحنات مكثفة من الإنتاج، ولأن الشعر حالة خاصة بصاحبه  .. لا دخل للقرين في ذلك، فالشعر شيء يجيش في الصدور فتقذفه الالسن، كحالة طبيعية لبيئة عرفته ومارسته بإبداعها المتجذّر / المتجدّد .

 

   حامد عبدالحسين حميدي / ناقد عراقي

 

 

abdulkadir kabanمن يقرأ كتابات المصرية سلوى بكر عموما سيلاحظ حتما انحيازها العلني لطبقة المهمشين وبصفة خاصة النساء منهن، وهذا ما أكدت عليه الدكتورة فريال غزول في جزء من بحث لها بعنوان "بلاغة الغلابة" الذي نشر في آخر صفحات مجموعة قصص بكر الموسومة "عن الروح التي سرقت تدريجيا"، والذي جاء ضمن فعاليات المؤتمر الدولي الثاني لجمعية تضامن المرأة العربية في القاهرة سنة 1988 بعنوان "الفكر العربي المعاصر والمرأة" حيث تقول د. غزول: (يبدو أن لا صحف المؤسسة ولا صحف المعارضة تريد أن توظف مواهبها، هذا بالرغم من إجماع النقاد الجادين في الوطن العربي كله بموهبة سلوى بكر القصصية. ولكن للتهميش مزاياه فهو يترك لأديبتنا نعمة الانتماء إلى وطن وجماعة بدون الانخراط في مؤسسة وسلطة. وهذا بفسح مجال الرصد والرؤية كمن يقف على محيط الدائرة وأطرافها، فلا هو خارجها لا يرى ما يجري في الداخل، ولا هو في المركز تعميه مركزيته ومصلحته عن رؤية الكل. فمنظور المهمش يتواجد في موقع يسمح له باختراق القشور والمظاهر ليصل إلى الجوهري والجذري، أي أن موقعه يؤهله للراديكالية.)1.

"عن الروح التي سرقت تدريجيا" مجموعة تستوقف المتلقي بل تجعله يدخل في حالة من الاندهاش بعد إتمام عملية قراءة جميع قصصها لأنه سيجد نفسه أمام شخوص تتمزق قلوبها من ألم وهموم واقع حياتهم المرير، لا لشيء لأنهم غلابة لكن يظل البعض منهم متمسكا بخيوط الأمل في انتظار مستقبل مشرق.

ربما سيكون الانطباع الأولي للقارئ أن قصص هذه المجموعة جاءت تقليدية بسيطة، لكنه حكم مسبق لأن الكاتبة سلوى بكر حاولت قدر المستطاع رسم ملامح شخوصها بطريقة مختلفة للتعبير عن تجاربهم الحزينة والمؤلمة كما هو شأن البطلة في القصة الأولى "كل ذلك الصوت الجميل الذي يأتي من داخلها"، وهي امرأة متزوجة ماكثة في البيت اكتشفت أن صوتها الذي تعودت عليه أصبح جميلا بعدما شرعت في أغنية "أحب عيشة الحرية"، فصارحت بعد ذلك زوجها ظنا منها أنه سيتفهم ما حدث لها، لكن هذا الأخير اصطحبها لطبيب نفسي لمعالجة تلك الحالة التي وصفها بالمرضية خصوصا أنها أخبرت البقال بسرها: (أخذت تنشط فكرها، فكانت تأتيها إجابة منطقية وحيدة دوما: الصوت الجميل خلق للغناء. فلماذا لا تغني ويسمع كل الناس صوتها، وراودها شعور بأنه من العدل أن يسمع الناس صوتها، وأنه لا علاقة للصوت بالعمر، فما المانع أن يسمع الناس صوت الإنسان بصرف النظر عن عمره ووضعه، سواء أكان رجلا أم امرأة.)2. 

في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها الرئيسي –عن الروح التي سرقت تدريجيا- تبرز شخصية المثقف شاكر وزوجته سامية التي بدأت أجواء السعادة والفرح تتقلص في حياتهما اليومية، وهذا ما جعل البطل يربط ما يحدث له بحادثة حرق الأوبرا المصرية ليلة زفافه: (أيضا، تبدلت عادة الذهاب إلى السينما، بعادة جديدة لشاكر وسامية: الجلوس أمام التليفزيون مساء كل يوم، والفرجة على أي شيء، وكل شيء.)3. لقد استطاعت بكر في هذه القصة أن تجعل القارئ يعيش حالة الزوجين شبه الروتينية باستعمالها لتكنيك المشاهد السينمائية وكأنها مخرجة العمل بعينها.

لقد حملت كل من قصة "النهر بحري والنجوم نهاري" و"الأشياء الرمادية" أماني وأمل البطلتين، حيث أن الأولى كونها شاعرة تخيلت نافورة مياه تطلق رشاشات قصيرة من مائها إلى أعلى وكأنها ترفض مرارة الحياة التي قيدت حرية الفقراء والمعوزين، حتى أنها مدت رأسها تحت رشاشات الماء لتغمرها مرددة (لا شيء يستحق لا شيء يستحق)4. بينما الثانية دخلت محلا لشراء حذاء تلبسه يوميا للذهاب إلى عملها غير أن البائع استفزها بإحضاره لحذاء وردي اللون جعله يذكرها بأنها لم تعد مطلوبة في دنيا الزواج، قد تذكرنا هذه البطلة بنماذج نسائية من مسلسل حارة العوانس الذي أثار ضجة في الماراتون الرمضاني لسنة 2006: (أدخلت قدمها في الفردة الأخرى للحذاء، تمشت قليلا أمام المرآة، كان حذاء بسيطا ذا مظهر جامد، ثبت زر أسود صغير، في مقدمته، بلا معنى، نظرت مرة أخرى إلى قدميها داخل الحذاء، كانتا متورمتين بعض الشيء، سألته عن السعر، كانت تشعر أنه يضايقها قليلا، لكنه في الحقيقة، كان مناسبا جدا.)5.

كما ورد موضوع العنوسة في العديد من قصص المجموعة كما هو الحال في قصة "الحلم الأميركي" أين شعرت أخت البطل بنيران الغيرة تتآكل قلبها التعيس من ابنة عمها المخطوبة لشاب آخر بعدما تمسكت بحبال ممزقة لعلها تفوز بقلب المغترب فريد –بطل القصة- ولكن سرعان ما نسيته حتى أن أسرته شعرت بخيبة أمل كبيرة بعد وصوله من أميركا مصطحبا زوجته الأجنبية التي لم تكن كما كان يتمنى الجميع: (نظر الأب إلى ابنته الجالسة إلى جوار أمها، بقلق، وتمنى لو أن أخاها يشوف لها واحدا من زملائه، في أميركا، تتزوج منه، عندئذ لن يطلب منه أي شيء، لأنه يتمنى أن يسترها، والسلام فهي كما الهم على قلبه، وخصوصا بعدما بلغت الثامنة والعشرين دون أن تتزوج.)6.

ذكرتنا قصة "انتظار الشمس" بأسلوب حكايات ألف ليلة وليلة حيث لم تصدق البطلة المطلقة –أم الولدين- أنها لا تزال مطلوبة للزواج حتى لو كان ذلك الطلب من رجل عجوز اشتم صراع أولاده على شقته: (فتعالي مع ولديك واسكنوا الشقة، تنتفعون بها، وتذكرونني بعدها الذكر الحسن، فأتشفع بكم عنده في ذريتي، وليكن بيننا أيتها المرأة ما بين الأب وابنته، أو بين الأخت وأخيها.)7.

وللكاتبة سلوى بكر أسلوبها الخاص وطريقتها في انتقاء المفردات المعبرة عن مشاعر شخوصها ونفسيتهم المكسورة بعناية فائقة كما هو الحال في النماذج القصصية التالية: "بنت القنصل"، "لعب الورق"، "أحزان السادة المضحكة ومقالبهم الغير المقصودة"، "مناسبة للسعادة"، "الطرح السود" و"فأر أبيض صغير" وكأنها تطلق صرخة احتجاج ورفض لملامح حياتهم المريرة التي تنقصها الألوان.

لقد استبعدت الكاتبة في بعض قصصها عنصر الحوار مما خلق رتابة في عملية السرد لديها قد تجعل القارئ يشعر بالملل أحيانا، غير أن بكر استعانت ببعض الألفاظ العامية وبعنصر الوصف الذي ساهم بشكل كبير في بناء الحدث القصصي، حتى أننا نتابع خلفية القاصة في جعل شخوصها هي التي ترى الشيء وتصفه وتتأثر به حتى يشاركها القراء في ذلك.

ويمكننا أن نقول في نهاية هذه المقالة أن "عن الروح التي سرقت تدريجيا" للمبدعة سلوى بكر تظهر لنا تقنية في التجريب القصصي الجاد في عالم السرد والتعاطي مع موضوعاته المأخوذة من الواقع الذي يعيشه الإنسان المهمش والضعيف، لكنه يظل باحثا له عن زاوية للحلم والأمل ليظل قلبه نابضا بحب الحياة.

 

بقلم عبد القادر كعبان

.......................

هوامش:

1.سلوى بكر، عن الروح التي سرقت تدريجيا، مكتبة الأسرة، مصر، 2000، ص:103.

2. المصدر نفسه ص 11.

3. المصدر نفسه ص24.

4. المصدر نفسه ص32.

5. المصدر نفسه ص 39 .

6. المصدر نفسه ص 84.

7. المصدر نفسه ص49.

*كاتب وناقد جزائري

 

adnan almshamshلعل الكثيرين يعرفون الشاعر المرحوم قاسم السواد كاتبا مسرحيا ومخرجا ومقدم برنامج في تلفزيون البصرة  لكن غاب عن اذهان المهتمين بالادب ان السواد شاعر ايضا يكتب الشعر العامي والفصيح سواء أكان شعر تفعيلة ام عمود وله في ذلك تجارب مميزة غير انه لم يطبع قبل وفاته ديوانا بشعر التفعيلة والعمود بل  نشر مجموعة عنوانها " طيور المساء تسافر في الصيف" وجميع نصوصها من قصائد النثر وهذا يدل على ان شاعرنا يواكب تطور الساحة الادبية ويؤمن بالتجديد فلا يقف عند نمط معين يصرف موهبته اليه فقط.

وقد لفت نظري في هذه المجموعة صور الشاعر التي رسم بها ملامح التنومة وشط العرب والبصرة في مختلف الصيغ البيانية واخص  ومنها مسالة التشبيه عنده التي توقفت عندها في مقالي هذا . ان ما نسميه نحن العرب تشبيها بليغا اي من دون أداتي التشبيه " كان ، الكاف " بين المشبه والمشبه به، هو ما يطلق عليه النقاد الاوربيون استعارة او يدرجونه ضمن الاستعارة ذلك الأسلوب البلاغي الذي اهتم به الشاعر السواد  كقوله التالي:

اعلم ان خزامى الارض

خرافات

والإبقاء عليها ريح صماء

يجعل شاعرنا الخزامى  خرافات وديمومة الخزامى ريح مصابة بالخرس وفي هذا تعريض الى قصر عمر الخزامى كأنه غير موجود خرافة وكان الشعراء أسلافنا الذين تغنوا فيه ترنموا بالخرافات في حين شبه الشاعر ديمومة الخزامي بالخرس أنهما تشبيهان يتعلقان بمفردة واحدة كاننا امام تشبيه منشطر او تشبيه عنقودي  حاول الشاعر من خلاله ان يبحث عن شيء اخر ذي ديمومة وإذا به في نهاية القصيدة يكشف عنه :

ثم استقر في رباك مشرئبا

ونجده. في تشبيه اخر يقول:

ان افتعال الرحيل

على ماتم الأسفار

هو محض هراء

الرحيل يتحول وفق التشبيه البليغ الى هراء حقيقي لكن ذلك لا يتم الا عبر الجملة المعترضة متى نفتعل الرحيل؟ حين نحاصر ولا نجد منفذا للهرب بدليل ماتم الأسفار لان السفر بحد ذاته اغتراب فهو أشبه بنعي بذلك ينفي الرحيل كينونة الشخص ويلغي وجوده  فلا نعجب بعد هذا حين نطالع تشبيها اخر نجد فيه الشاعر يعتز من أعماقه بالمكان ضمن إطار الطبيعة التي يعايشها :

يقينا ان المسافة بين النخلة

وبين الكرمة

هي المسافة بين البصرة وبيني

تشبيه بليغ اخر مركب اختفت منه اداة التشبيه الكاف هناك بعد مكاني بين شيئين  متعلقين بالطبيعة التي عايشها الشاعر هما النخلة والكرمة النخلة رمز الانسان في العراق والدالة على تاريخية والكرمة التي تنمو أسفل النخلة لتستظل بظلها لتحتمي بها من فرط الحر او لنقل ليست هناك من مسافة بين الكرمة والنخلة حيث في جانب الصورة الاخر نجد طرفين اخرين هما إلانا والبصرة  تشبيه أطرافه أربعة تتداخل فيما بينها، ثم في ختام القصيدة يتشعب الشاعر في تثليث المشبه وتثنية المشبه به:

المسافة بيني وبين النوارس والأقحوان

هي المسافة بين بغداد وامتدادالدهور

التشبيه الاول مكاني بحت علاقة النخلة بالكرمة والشاعر بالبصرة ثم وجدنا ان هناك إلانا والنوارس والأقحوان ثلاثة أطراف اثنان متحركتان  وواحد ثابت لياتي المشبه به ضمن علاقة زمنكانية هي بغداد والزمان حيث من هذا التشبيه نستطلع تاريخ بغداد بأفراحه ومآسيه وفق زمن مفتوح لا حد له.

وقد يكون التشبيه جزءا دالا على الكل  كما في التصوير التالي:

فأحمل يدي ولوح لهم لان الاصابع

مفاتيح عشقي الذي لن يضيع

لم تكن أصابع الشاعر  نفسه فحسب بل أصبحت دالة على أعماقه انها مفاتيح حب أبدي وهنا اختار الشاعر كلمة عشق وهو في قصيدة نثر لا تتقيد بوزن لكن العشق ارقى مرتبة من الحب والعشق يعنى بالروح ، وفي تشبيه اخر يخاطب الأنثى عبر كلمة اعلمي التي يتعدى عملها الى اكثر من مفعول:

اعلمي ان حصار التكهنات

سيل سيجرف دورتنا

عند احتقان الشفاه

الذي أراه بعد تأملي هذا المقطع ان الشاعر لايترك التشبيه ينتهي نهاية ضيقة اذ يجعله يتفرع مثل نهر يصبح في النهاية دلتا ذات شعب ان التكهنات في حالة حصارها تتحول الى سيل،  اي منا يمكن ان يحدد تكهناته  للموقف الواحد للمشكلة الواحدة في  اكثر من توقع، هذه التوقعات تتحول الى سيل جارف في حال حصارها لتصبح كلاما تردده الشفاه، وفي قصيدة الدخان يقول:

لا ترم شجرة بحجر

لان تساقط الثمار

على ارض موغلة في العشق

امتداد للخطيئة

يبدو المقطع السابق كحكمة يوجهها شيخ طاعن في السن لطفل غر غير ان انعام  النظر في التشبيه يجعلنا نستنتج ان العشق يعني السمو والفاكهة هي ثمرة العشق فالأحجار هي خطايا تثقل عشقنا الالهي وتشده الى الارض  ماذا لو قلنا  لا ترم شجرة بحجر لان تساقط الثمار امتداد للخطيئة . ان الجملة المعترضة توسطت المشبه والمشبه به لتضيق المسافة العمودية بين ثمر الشجرة والأرض بالتالي تتحق الفائدة المرجوة من التشبيه والمعنى الصوفي والروحي الفلسفي العميق عبر الكلمات المعترضة.

ونجد الشاعر يهتم بالتشبيه البليغ في قصيدة اخرى عنوانها الاحتراق:

فطيف سحابة عند اختلاج الزهور

مسافة ارض بيني وبين الصحو

محور التشبيه البليغ اعلاه هو العطش. ان الزهور تختلج عندما تعطش مثلنا حين تختلج العبرات بصدورنا بعد ذلك ندخل في تركيب اخر للتشبيه من خلال المشبه به هو الارض التي يقف عليها الشاعر  والمسافة التي تبعده عن الصحو فمن خلال تركيبة التشبيه أراد الشاعر ان يلمح الى عطشه هو للأرض وعلاقته بها.

ان  المرحوم السواد رسم في مجموعته " طيور المساء تسافر في الصيف" بيئته التي عاشها فعكس عليها وصفه الدقيق الحي ليجعلها تنطق على لسانه  والتشبيه الذي نحن بصدد الحديث عنه يعد احدى الأدوات التي لجأ اليها الشاعر في رسم صوره  واظنه نجح في تقديم صور شعرية جميلة لمدينته التي عاش امالها وآلامها .

 

عدنان المشيمش

 

 

hamid-gayedقراءة في كتاب: خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي

يعزفُ الكتابُ والباحثون والنقادُ الكتابة عن الشعر الشعبي العراقي إلا ما ندر جدا جدا ونضع خطا تحت ما ندر، وتبرير ذلك برأيي الشخصي أن المعنيين الذين ذكرتهم يعتقدون بدونية الشعر الشعبي العراقي وعدم أهليته للدراسة والبحث، والكتابة عنه وله يعتبر عندهم ضرباً من الاستخفاف أو عدم الأهمية، أو لأنهم لا يستطيعون خوض غماره وأمواجه المتلاطمة التي ستغرقهم دون تحقيق أي شئ أو منجز ثقافي يشار له ولهم لاحقا وبالتالي أهملوه، ناهيك عن المفهوم الطبقي الذي نعتوا به الشعر الشعبي وأسموه ظلما بشعر العامية، ولا أخفي أن الموروث الشعبي العراقي كما بقية أبواب الثقافة والفنون عامة فيه من الغث الكثير، وبالمقابل فيه من السمين أيضا مما يثير شهوة الكتابة عند الـ (ما ندر) جدا كما أشرت إليه أنفا، لذا نجد في بعض الصحف العراقية موضوعا نقديا من صفحتين أو أكثر لملئ فراغ تلك الصحيفة أو تلك، وحتى في صحيفة طريق الشعب تعطي للأدب الشعبي صفحة واحدة في الأسبوع، وأنا أجده قليل جدا هذه المساحة الضيقة، ومن النادر أن نقرأ فيه موضوعة بحثية متكاملة الأغراض والمفاهيم النقدية، أو دراسة تفصيلية رصينة لتراثنا الشعبي الغزير، وما صدر عن دار الينابيع عام 2010 م (الثورة النوابية) لحسين سرمك أجده المنجز الضخم عن ما كتبه الشاعر العراقي الرمز مظفر النواب، وكنت أرقب دراسات أخرى لنفس الناقد أو غيره عن تجارب عراقية شعرية شعبية لا تقل إبداعا ووطنية وجماهيرية عن تجربة رمزنا النواب، مع تحفظي عن ذكر أسماء الشعراء كي لا تثار تساؤلات حولها لأني أتعامل مع النص كونه عملا إبداعيا لا غير، وربما صعوبة توثيق الثقافة الشفاهية الشعبية المتداولة حالت دون التصدي والكتابة عن الموروث الشعبي العراقي كما قلت .

أجد أن الخلفية السياسية للصديق مزاحم الجزائري هي التي دفعته صوب الكتابة عن شاعر هزلي أستحوذ على الإعلام الشعبي اللساني حقبة الثلاثينات والأربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي، فخلفية مزاحم الجزائري السياسية تُعنى بالأدب الشعبي عامة والشعر الشعبي خاصة، بل وتعتبر قصائد البعض من الشعراء منشورات سرية تتداول عند مختلف شرائح المجتمع العراقي، وقصائد مظفر النواب مثلا لذلك، ولليسار العراقي وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي يدٌ بيضاء في تسليط الأضواء على بعض من الشعراء الشعبيين الذين وجد فيهم الحزب الشيوعي العراقي جذوة شعرية يمكن من خلالها تبني تلك الظاهرة المميزة وصقلها وإبرازها بإطار وطنيتها التي تحمل، ليصبحوا بعد ذلك من أبرز شعراء ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومثال ذلك كراس (أغاني للوطن والناس) طبع بعد احتفالية العيد الأربعين للحزب الشيوعي العراقي 1974 م، وضم بين دفتيه (32) قصيدة لشعراء لا يزال يشار لهم وليومنا هذا بتجربتهم الفريدة المميزة، وأسلوبهم الحداثوي، وتداخلهم بصفوف شعبهم ونقل معاناة الوطن وأهله، ويُتهم الحزب الشيوعي زورا أنه يخلق الرموز الشعرية منطلقا من شخصنة ذاتية لأسماء بعينها ليبرّزها وتصبح واجهة إعلامية للحزب وقيادته، وهذا زعم مرفوض ودليلي أن كل الأسماء التي تعرفون وأعرف من شعراء شعبيين هم منجزٌ إبداعي سبروا أغوار المفردات الشعبية وقدموها على صحن ثقافي شعري ممتع للذائقة الأدبية القارئة، فأحبَ الناسُ تلك القصائد وحفظوها واستدلوا بها على عظيم تلك التجربة السبعينية حينها .

و(خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي) عمل وجهد ليس بالقليل للباحث والشاعر مزاحم الجزائري، وقراءة الجزائري واقعية انطباعية بنيوية لقصائد شاعر ترك لنا ثلاثة دواوين شعرية (سنجاف الكلام، قيطان الكلام، محراث الكلام)، وربما يعتقد البعض بمكان ما سهولة الدراسة لقصيدة شعبية مباشرة، تخلو من الرمزية لتفصح عن مكنوناتها ومعانيها العفوية كما يحلو للقارئ تسميته، وهذا يخالف حقيقة قصدية الشاعر ورمزية سخريته اللاذعة وإشاراته في ما يقول، وأستطاع الجزائري أن يناقض ما يدعيه البعض وأخرج لنا رؤيا وحقائق قصائد (قسام النجفي) وقصديتها بتسفيه أفكار مجتمعية بالية طبع الكثير من عامة الناس وجبلوا عليها .

العربية لا تبدأ بساكن ولا تقف على متحرك، حقيقة تركها لنا النحويون، فلا يستطيع أحد منا قراءة أي بيت من الشعر الفصيح دون أن يشكل الحروف – الضمة، الفتحة، الكسرة، السكون)، (حييتُ سفحكِ ظمأناً ألوذُ بهِ / لوذَ الحمائمِ بينَ الماءِ والطينِ)، من يستطع قراءة البيت دون تحريك الحروف في البيت أعلاه، ومن المؤكد لا يستطيع، ومن هنا تأتت جمالية ورفعة اللغة العربية في تحقيق غاياتها ومراميها، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) سورة فاطر، فلو قلنا اللهُ بدل اللهَ لأختلف المعنى كاملاً، فالكسرة أو الفتحة تغيير بالمعنى وضياع ما أراد الشاعر أو الناثر، لذا أنبرى العروضيون وقعدوا القصائد الشعرية الفصحى، ووضعوا لها ميزانا عروضيا يحتكم إليه، أما الشعر الشعبي ولعدم قبول الحركة على الحرف الأخير من الكلمة لذا أصبح من الصعوبة بمكان إخضاع القصائد الشعبية للميزان العروضي الفراهيدي - رأي شخصي -، يقول النجفي (شاربله كونية دوه / وأثلث حكك شربت نوه / ياكل شمس يشرب هوه / من إذنه يطلع دخان)، في هذا المقطع وببقية القصائد الشعبية لا نستطيع أن نحرك نهاية المفردة الشعبية، كما في بقية القصائد الشعبية عامة، ولو أخضعناها للحركة أضعنا وزن القصيدة واختلفت معانيها على الفهم والتمييز، وبجهد كبير ودراية عروضية للجزائري أخضع قصائد (قسام النجفي) للبحور (الفراهيدية) وأشار لوزن تلك القصيدة بما يقابله من الشعر الفصيح، ومؤكد أن الجزائري ليس الوحيد بهذه التجربة بل سبقه الكثير لتقعيد – الوزن - القصائد الشعبية، وهي محل خلاف كبير بين العروضيين، والطريقة المثلى عند غالبية الشعراء الشعبيين اعتماد وسيلة الأذن الموسيقية، وأجدها وسيلة خاطئة توقع الشعراء بالخلط بين الأوزان الشعرية المتقاربة بتفعيلاتها العروضية، إلا إن كان الشاعر الشعبي يمتلك أذنا موسيقية واعية وهذا ما يندر .

قسم الباحث (مزاحم الجزائري) منجزه (خصائص الأسلوب في شعر حسين قسام النجفي) الى ثلاثة فصول غير المقدمة والتمهيد والخاتمة، الفصل الأول : مضمونية البنية الإيقاعية وفيه مباحث شتى، الفصل الثاني : مضمونية اللغة والأساليب الفنية وفيه مباحث أخرى، والفصل الثالث : مضمونية الصورة الشعرية وكذلك يحتوي على مباحث عدة .

لم يغفل الباحث من إيراد بعض القصائد و(الموالات) و(الأبوذيات) و(الهوسات) الساخرة للشاعر (النجفي) مما تضيف متعة للقارئ، ويجعله مسترسلا لقراءة كل المباحث التي أوردها الجزائري، ومن طريف (الهوسات) يقول النجفي ساخرا، (أحنه صدك وأحنه نحرث المحروث / منخلي على وجه الأرض ملغوث / إلنه يوم نهجم بيه على البرغوث / (والحرمس هد أعله رجاله) .

جهد لا يسعنا إلا أن نشكر الصديق الجزائري الذي فكك قصائد (حسين قسام النجفي) وأخضعها لميزانها العروضي، وأستخرج لنا من قصائد النجفي الجناسات والطباقات بموسيقى القصائد للشاعر، ومضامين البنية الإيقاعية، ومضامين اللغة وأساليبها، ومضامين الصور الشعرية الفكاهية والساخرة، ومضامين الصور الشعرية السريالية، مبارك للباحث (الجزائري مزاحم) هذا العمل والجهد والمثابرة .

 

تمهيد: القطار أو ( الريل) باللهجة العراقية في أوقات عديدة كان هذا الجماد المتحرك منذ ظهوره بعد الثورة الصناعية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر قد لعب دورا كبيرا في حياة الناس حيث كان وسيلة النقل الجماعية الصناعية الأولى في البر التي سهلت نقل الأشخاص والبضائع بين المناطق والقرى والمدن ولمسافات طويلة وانشاء المحطات التي يتوقف عندها. ولم تحظى كل المناطق أوالمدن في العالم بمرور القطار فيها ولذا لم يكن له أثرا في حياة الناس. بينما نجد أثره واضحا في المناطق التي انطلق منها أو مر فيها ولم يكن أثرا اقتصاديا بحتا فقط بل واجتماعيا أيضا وبالتالي دخل الأثر في الأدب سردا وشعرا وكان له دلائله الرمزية في الوجدان الأنساني أبسطها رحيل الأحبة ووداعهم في محطات القطار فكانت هناك الكثير من الروايات والقصص والقصائد التي تغنت وعبرت عن هذا الأثر. فكان القطار رمزا لحياة واعمار الناس اذ أنه حمل في عرباته أشخاصا مختلفين في أشكالهم وتنوعاتهم البيئية والاجتماعية والفكرية يحملون حكاياتهم وهمومهم وطموحاتهم فكانوا خليطا مد الأدب بصور ابداعية وجمالية تناقلتها الأجيال عبر السنين .

 

القطار أو (الريل) في قصيدة الشاعر أبو عراق

علي أبو عراق شاعر من مدينة البصرة وهي مدينة معروفة بكونها ميناء تجاريا يقع جنوب العراق ومنها ينطلق القطار الناقل للمسافرين والبضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم جنوبا وشرقا باتجاه مدن العراق شمالا حتى وصل الى أوربا. ولذلك كان لأهل البصرة علاقة حميمية مع هذا القطار وخصوصا الساكنين قرب سكته ومحطاته وهو من العلامات المميزة لهذه المدينة العريقة ونجده حاضرا بقوة في الأدب البصري سردا وشعرا. فلانستغرب من حضوره كرمز للحياة في قصيدة الشاعر الذي خاطبه باندفاع شديد من العتب واللوم بل وصب جام غضبه على القطار حتى بدا أنه مسؤولا عما يجري في مدينته وماال اليه حال الناس  فنجد الشاعر لم ينادي عليه الا مرتين لتنقسم القصيدة بندائه الى جزئين فقط اذ كان خطاب الشاعر مع القطار خطابا حادا متسارعا كأنما يلاحقه بسرعته لامجال للتوقف الا في محطتين ليبوح له بمايخالجه من مشاعر وأفكار تعبر عن هموم وماسي عانى منها الناس طيلة عقود من الحرمان والفقر والموت وقلة الحيلة والظلم انتهاء بمرحلة مابعد 2003 التي زادت الحال سوء.

يا " ريل "

لماذا تنثرُ عويلَكَ في البراري

كريحٍ تُطاردُ عواصفَ ضالّةً

أو كخرساء ابتلعتْ وحيدَها الأمواج ؟

أأنتَ ليلٌ يستصرخُ ذئابهُ ؟

لتجهزَ على ما تبقّى من كائناتِ النهار

 

هنا نشاهد قسوة الخطاب وكيف يصور الشاعر الريل كأنه يلوم الحياة أوالسنوات التي تمضي سريعا .

هدّيءْ من روعِكَ ... ثقّلِ الخطوَ

وآكتنزْ شيئآ من سخامِكَ لأيّامِكَ القادمة

فأمامَكَ ليلٌ طويلٌ .. طويلٌ .. طويل

حيثُ تشاء بعثرّتنا

 

بينما يعود هنا ليدعوه أن يهدأ لاليصلح الحال بل لينبهه أن القادم أسوء وأكثر. هي خيبة أمل يعاني منها الشاعر يعكسها على القطار .. ثما يهاجمه في المقطع التالي ويحمله مسؤولية مايجري وبقسوة شديدة كأنه يخاطب طاغية فعل بشعبه كل صور الظلم والبشاعة بصور شعرية محكمة .

 

خيّرُنا لم يحظَ بظلِّ شجرة

وزعتَنا حصصآ كأنّنا إرثُ ابيك

حُصّةً للموتِ .. حُصّةً للمنافي

حُصّةً للغيابِ .. حُصّةً للسجون

حُصّةً للضياعِ والخُذلان

أطبقتَ أبوابَكَ الصدِئةَ .. على أحلامِنا الصغيرةِ

وبيديكَ الفولاذيّتَين غلّقتَ نوافذَ طفولتِنا

وكمجنونٍ أبكم َ ركضتَ هائمآ

لا تلتفت لغُبارِ عويلِكَ

ولا تشم روائحَ تفسّخِكَ

وأجبرتنا أنْ نركضَ خلفَكَ

لاهثينَ ، نتهجّدُ تيهآ ، ورعبآ ، وشَتاتا

بأرواحِنا التي نخرها الكساحُ نتعثّر

مُزاورينَ عن فخاخٍ

تقتنصُ حتّى النورَ والنسمات

تفنّنتْ في ابتكارِ فزعَنا

وردمتْ بالحجرِ أنهارَ قلوبِنا

 

ليناديه في المقطع التالي والأخير ويؤنبه بل ويأمره بالتوقف فلا فائدة ترتجى من مسيره ليقطع عليه رحلته القاسية التي خلفت وراءها الخراب والدمار

 

"يا ريل"

أما كفاكَ ما حملتَ من جُثثِ صباحاتِنا

وأسلابِ ليالينا

لا تصرخ ...

فليسَ ثَمّةَ محطة تأويك

ولا مودّعينَ يوقظونَ. عتمةَ نوافذِكَ

أو .. يلوّحونَ بمناديلَ بيضٍ كجيشٍ

استمرأَ الهزيمة

غيرُ مُجدٍ كلُّ هذا

فقد عبرَ الصبحُ إلى الضفةِ الأخرى

 

قد تعامل الشاعر مع القطار كرمز بحكمة شعرية عالية تجعل القاريء يتفاعل معها ويقتنع بها فهي ابتعدت تماما عن التقليدية في المخاطبة لجماد لاحول له ولاقوة ليكون بديلا عن حياة وطاغية .

وهنا القصيدة كاملة

 

ياريل "

---------

يا " ريل "

لماذا تنثرُ عويلَكَ في البراري

كريحٍ تُطاردُ عواصفَ ضالّةً

أو كخرساء ابتلعتْ وحيدَها الأمواج ؟

أأنتَ ليلٌ يستصرخُ ذئابهُ ؟

لتجهزَ على ما تبقّى من كائناتِ النهار

وكفتاةٍ تافهةٍ تلمّها

من على مائدةِ الفواجع

سادرآ تجرُّ خلفَكَ

ما هجعَ من " فراكين " الوحشةِ في مرآبِ الليل

غيرَ مُبالٍ بخطوطِ الزمن

ولا عجلاتِهِ المُنزلقةِ على سككِ التيهِ البارد

توزّعُ فواجعَكَ مثلَ غنيٍّ حديثِ النعمة

هدّيءْ من روعِكَ ... ثقّلِ الخطوَ

وآكتنزْ شيئآ من سخامِكَ لأيّامِكَ القادمة

فأمامَكَ ليلٌ طويلٌ .. طويلٌ .. طويل

حيثُ تشاء بعثرّتنا

خيّرُنا لم يحظَ بظلِّ شجرة

وزعتَنا حصصآ كأنّنا إرثُ ابيك

حُصّةً للموتِ .. حُصّةً للمنافي

حُصّةً للغيابِ .. حُصّةً للسجون

حُصّةً للضياعِ والخُذلان

أطبقتَ أبوابَكَ الصدِئةَ .. على أحلامِنا الصغيرةِ

وبيديكَ الفولاذيّتَين غلّقتَ نوافذَ طفولتِنا

وكمجنونٍ أبكم َ ركضتَ هائمآ

لا تلتفت لغُبارِ عويلِكَ

ولا تشم روائحَ تفسّخِكَ

وأجبرتنا أنْ نركضَ خلفَكَ

لاهثينَ ، نتهجّدُ تيهآ ، ورعبآ ، وشَتاتآ

بأرواحِنا التي نخرها الكساحُ نتعثّر

مُزاورينَ عن فخاخٍ

تقتنصُ حتّى النورَ والنسمات

تفنّنتْ في ابتكارِ فزعَِنا

وردمتْ بالحجرِ أنهارَ قلوبِنا

" يا ريل "

أما كفاكَ ما حملتَ من جُثثِ صباحاتِنا

وأسلابِ ليالينا

لا تصرخ ...

فليسَ ثَمّةَ محطة تأويك

ولا مودّعينَ يوقظونَ. عتمةَ نوافذِكَ

أو .. يلوّحونَ بمناديلَ بيضٍ كجيشٍ

استمرأَ الهزيمة

غيرُ مُجدٍ كلُّ هذا

فقد عبرَ الصبحُ إلى الضفةِ الأخرى

الريل هو القطار في اللهجة الدارجة العراقية -1

فراكين عربات القطار

 

منتهى عمران _ البصرة _ العراق

 

ahmad alshekhawiلا تعدّ ظاهرة استحداث بحور جديدة في القول الشعري،حالة معزولة أو معمّمة كذلك، لكنها انفتاح وإن تقاعست حمى انتشاره،ودبت ببطء وتثاقل لتنعكس على النزر القليل جدا من الممارسات في هذا المضمار.

شخصيا أنا من المؤيدين لهذا النزوع الذي يدخل في جلباب التجريب ويتماهى مع عوالمه السامقة إذ تتيح نوعا من رفع التكلفة على الذات الإبداعية وتحملها على الاستكشاف واجتراح إيقاعات تتجاوب مع المعاناة الشخصية وتستوعب ألام العصر وأوبئته.

إنه انطلاق نحو مزيد من التحرر ومنح لون من الرشاقة للفعل الإبداعي داخل مستويات تحاكي ،إذا جاز لنا التعبير،متاهات النظم الخليلية و تذلل التواءات ونتوءات تكبدّ مشاقّ النسج على المنوال المعهود والمعلوم ، على سبيل الاحتفاء بمصدر وأصول القصيدة العربية،وركود نبعها العذب السلسبيل، لا تجاوزا واستنساخا وإقصاء.

ومن ثم ابتكار القوالب الموسيقية المخولة للذات إفراغ الحمولة دونما تفريط أو مجازفة بالمعنى الذهني المهتز الآيل للبروز.

ما يضمن مساحة بحرية أكبر لإيصال المعنى كاملا غير منقوص،وافتضاضا غير متكلف لجماليات موازية أو جانبية، في فضح المكنون،وبالتالي معلومة صادقة مطرّزة بلحمة من الذات، غير مشوهة تشغر حيزا من وعي التلقّي بالتزامن مع الإفساح للعنصر الفني قصد تحقيق الصدمة المذيلة بالإشباع الروحي المطلوب.

هذا يقودنا إلى الحديث عن شاعرة متألقة،ما تنفكّ تدهشنا بشعرية منجزها المخملي الهامس،المشرع على سندبادية التنقل في كوادر البوح بسيمفونية أنوثة متمرّدة،تخطّ نضالها بسلطة الأمل في الكتابة المغايرة المعادية لثرثرة تكرار الذات.

طالما تشبعت شاعرتنا أحلام الحسن بباقة من المفاهيم والآليات الإبداعية المضادة للسلبية والانغلاق،تروم التجريبية و تجدد بيعتها بلا كلل، لمعاني التحول في شموليتها و هلاميتها ونبضها البرزخي المزلزل لصميم الإنسان.

لنتأمل هذه القصيدة المعنونة ب" أصعب الخطى " ذات النفس الراقص على إيقاع بحر مستحدث،خجول النوتة،في اغترافه من التقطيع التالي: سبب ثقيل إضافة سبب خفيف مضاعف إضافة وتد مجموع مضاعف الكل مضاعف،وبالتساوي بين الشطر والعجز في أجزاء تفعيلية ثمانية،متساوقة مع بحر مستحدث كما أشرنا ،تام غير مخبون أو مطوي.    

 *لا تُعطي هديّةً قلبًا قد كسرتهُ

كبريتًا ملأتهُ ورمادًا أحلتَهُ

"أوجعْتَ الشّعورَ في لحظاتٍ من الأسى

ثقتي فيكَ أُتْلفتْ وكلامي رميتَهُ

لا تأتي مُحمّلًا بشكاوى النّدامةِ

قد هانَ الودادُ في لحظاتٍ وبعتَهُ

فلمَ اليومَ تبتغي جرياني لنهركَ

جرحٌ بي شكوتُهُ ألمًا قد خذلتَهُ

وجعي لن أبوحهُ لشعورٍ يبِيعُني

وضميرٍ أطالَ في مرعاهُ سُباتَهُ

خطأٌ في قلوبهم كم يغزو عقولهم

عجبًا منكَ يا أخي ذنبًا قد دعمْتَهُ

ماذا لو سُئلتَ عنهُ ماذا جوابكَ 

أو ترمي هناكَ عُمركَ جمرًا جمعْتَهُ

سخروا من عقولنا أسموها تخلُّفا

عجبًا قُلتَهُ ودينًا قَدرًا أهنْتَهُ

أخطأتَ قولَ مِدْحةٍ لبقايا قذارةٍ

وخطايا فلا تعي فصلًا قد شربْتَهُ

أو صارتْ قُلوبُنا أصنامًا فلا تعي 

قلبي كم جرحتَهُ حيًّا قد دفنتَهُ

أوهامٌ غرامُهم و ضَلَالٌ جُحودهم

قد باعوا حياتهم دنسٌ ما دعوتَهَ

عجْلٌ قِبلةٌ لهم بخوارٍ أضلّهم

دينًا يا أخي لهم كبشًا قد ذبَحتَهُ

قَدَرِي أصعبُ الخطى ولربّي مصيرهُ

فعليهِ توَكّلي يا من قد نسيتَهُ

بعد الاستهلال ببيت مقتبس من قصيدة سابقة،تتخذ ترنيمة الذات منحى تصاعديا ترصّعه بلاغة ومجازات وانزياحات بالجملة،التزاما بوزن مستحدث وقافية محددة، تناغما مع غرض العتاب المهيمن على جسد النص كليا.

إنه لا أحد يملك الكمال.و هو معطى بديهي، علينا أخذه بعين الاعتبار لحظة تغزو المخيلة،خواطر محرضة على صناعة ما يشبه التمثال لكائن من كان، يحدث أن نعجب به ،دون أن تتاح لنا معرفته عن كثب.

فكلما نهضت على قانون النسبية، ملامح تصوراتنا للآخر ،البعيد جدا، قلّت الصدمة ،ورقّت حدة الاحتكاك بحقائق الواقع المرة فيما بعد.

ختاما ، يجوز لنا تصنيف هذا البوح المعرّي عن ذات،تحاول ألا تنسلخ عن واقع معين،لتتموقع في خانة جلد الأنا عبر عتاب القرين المعلن من خلال تنويعات اقتضتها الحاجة إلى فضاءات مكسّرة لعدد من الحواجز والقواعد،بحيث وحدها الأوزان المبتكرة تتيح الحرية الأنسب والطاقة اللازمة لتفجير المكبوت انشدادا إلى طقوس مغالبة إحباط لحظي مترسب في اللاوعي ومتولّد ــ ربما  ــ عن صعوبات و سوء في التقدير منوّم لإمكانيات التصالح مع الذات والآخر.

هذه بطبيعة الحال معالجة،تثبت إلى أي مدى،النفس البشرية مكلومة و مغبونة ،حدّ العجز في كثير من الأحيان،والشلل،والعمى عما هو منوط بدق ناقوس الخطر المحدق بالعقلية المنغلقة المتقوقعة الزاهدة في اختبار دروب تحولات المعنى ومغازلة أفق الجماليات ،وإن افتراضا ووسما بخطى غير واثقة ومترددة

 

961-adilيمثل العنوان إحالة إلى المشهد الصوري الجامد: الهيكل البشري في جماديته ووقوفه الصنمي إزاء الحركة الدؤوبة للحياة على جميع  الأصعدة، إلا أن المتن الشعري لدى عادل مردان يجعلنا ننقاد إلى ماهو أكبر من كونه إنموذجا ً للخراب الانساني على صعيد التأويل الايجازي الذي يُقاس به جانب مهم من إفرازات هذا العالم (الرائي المتفائل / على دكة البلاستيك / يوزّع باقات النبات الاصطناعي / تماثيل حائرة على الدكات / تراقب العدم ــ ص 8)  . فالأشياء هنا لاتبدو حقيقية: دكة البلاستيك / النبات الصناعي / لذلك فان الوجود بات يشبه العدم / العدم المُراقب من قبل التمثال / الانسان في حظوره النسبي في الحياة / الوطن، كذلك هي الحيرة:

إنها جامدة / رسم أبدي أو نقش سرمدي على حجر من الصمت أوهو الصمت الذي يشبه وجه الميت وهو يراقب من وراء المجاز الكارثي بعينه البرزخية العدم الذي يرزخ تحت وطأته العالم بالرغم من استمرارية الحياة . إن أسئلة الشاعر، أسئلة جذرية تمتد عبر شبكة من الاحالات التي تتلائم مع المجهول فيصعب تفسيرها، المجهول الذي يبحث السائل في خضمه عن أجوبة لايعتقد أو أنه مسلّم بعدم قابليتها على الاقناع أو إدراك كنه الحقيقة التي يسير في إثرها . فتارة تأتي متلفعة بالسخرية التي لاتبدو ظاهريا ً، وتارة أخرى تأتي بثوب اختباري لا يخلو من نبرة التهكم: (أين الجلنار؟ / أيها المخطوف حديثا ً ؟ ــ تماثيل تراقب العدم ص8) / (الآن من يعبر الأكاسيا / إلى التمثال المتحرّك أمام الشباك / يراقب الجهنّميات ؟ ــ ص8) . وتارة ثالثة  تأتي كإيماءة توحي بحلول الاجابة عما قريب، لكنك سرعان ما تُخذل، أوربما أنها تأتي على شاكلة السؤال الذي يجيب على نفسه، وبالمقابل فأن الدهشة التي تخلقها هذه الاجابة عادة ما تكون قاسية: (حتى أنت ياحجريّ / تعرف / لماذا يدعونني (بالخولي) ؟ ــ تماثيل تراقب العدم ص (9) .

إن قوة الجذب في شعر عادل مردان تكمن في المعنى الحضوري إن جاز القول، المستوطن في اثناء النص، والذي يحتاج إلى تحريك ذهني دائم وبحث قرائي وفكري وفلسفي وأسطوري عميق . وأن الشيء الذي يقوم من تلقاء نفسه يعني أنه حي، بعكس الذي يحتاج إلى تحريك / الميت . إذن فالانكفاء لايعني بالضرورة أن ثمة موتا ً وشيكا ً وراءه، إلا أن ذلك لايمنع من طرح فرضية الميت الحي، فالدهشة حين تجتمع مع الشيء الجامد، يعني أن ثمة حضورا ً مقطوعا ً، وأن هناك ما يجعل هذا الشيء يتحرك من تلقاء نفسه وإن تكن الحركة بطيئة، لكن ما خُفي كان أعظم، فما بالك لو كان هذا الذي خُفي شيئا ً من التفاؤل، ومن يدري: ربما تكون نهاية المطاف: (منكفئا ً على الأسمى / فوق دهشة الجماد / أدلق النور ـــ معجم متنقل ص13) .

961-adilوثمة اقتراحات يطرحها الشاعر على مائدة التساؤل، وتمنيات يضببها العجز أو يقيدها المجهول دائما ً وعدم القدرة على إرساء الفعل وترسيخه ونزعه من جلباب التمني . إن (لو) الشاعر في ومضة عادل مردان لا تشي بنزوعها نحو النقطة الابعد فحسب، ولا تعنى بالصورة فقط، وإنما تشتغل على متوالية الحلول في نقائض الشخوص المُبتكرين أو الخلاص عبر المتنفس الافتراضي الذي لم يتمه الشاعر بعد: (ماذا لو أصمم شخوصا ً لصورتي / أتوزع في نقائضهم ــ معجم متنقل ص13) والشاعر في الومضة التالية يحيلنا إما لعالم الموت أو الحياة التي ينشط فيها الموت، الا ان كفة عالم الحلم الذي ليس بوسعه الافلات هي الراجحة دائما ً، مع امكانية تأويل (قيادة الاطياف) أو إحالتها الى عالم الموت . إذ ان ثمة مسافة شاسعة وربما غير محدودة بين الشاعر و(الوجه الباهر) و(الماء): (ليتني أقود الأطياف / إلى وجهك الباهر / وأسكب قرآن الماء ـــ معجم متنقل ص13) . فيما يسترسل الشاعر في ومضته هذه المرة لكي يكون المعنى ذا منتج يتفاعل مع ذهنية المتلقي بشكل ناضج . ولابد من الاشارة الى ان (من لا تحضره السكينة) هي مجاميع داخل مجموعة واحدة، وفي المجموعة الثانية من الديوان (أقوال غير مأثورة) تتفرع قصيدة (غيبة النور) كما هو الحال في اغلب القصائد إلى عدة اتجاهات شعرية، فنرى الغياب حاضرا ً في العنوان ككلمة ذات مغزى / ورؤيوبا ً بإضافة دالة جامعة  تسبق الانثيال الشعري الذي يطغى على المتن . كما نراه حاضرا ً من خلال التنقيط الاستهلالي الذي عوّض عن غياب عنوانات تلك التفرعات . وحالما نأتي لقراءة ما استبدله الشاعر وهي فرضية قائمة، في مفردات ومصادر المتن الاقتباسي، نجد جدوى هذا الاستبدال من ناحية تأويلية تبحث في حقيقة الغياب / الموت أو ربما النفي أو الخلاص في اشكاله المتعددة . فنرى الموت يأخذ مكان الصليب، مع ان الصليب دالة تحيلنا الى الموت نفسه / الصلب الناتج عن التضحية . وبدلا ً من ان يكون الخلاص على يد المخلّص (بكسر اللام) / المصدر الاول والمدون تأريخيا ً وإجماليا ً بغض النظر عن تنوعاته واختلاف مشاربه الروحية والحدسية نجد أن الشاعر يقدم التماسه الى الزمن، إلا أن الغياب عادة ما يكون هو المهيمن في نهاية المطاف الذي رسمه: (يحمل موتنا ويسير / كم بكينا على أخطائه / بينما نسرّح جدائل الشفقة / نلتمس من الزمن خلاصا ً / والموجة تزأر في قفصه الصدريّ / قرب الفنار اقتربنا من وداعه / أمسكنا بصوته الرقراق فاختفى ــ غيبة النور ص17) . ومن الجمال ما هو باطني غير مألوف إلا للشاعر الذي يعبر عن ذلك الجمال بعد تقديمه لجمله المتراصة اتصاليا ً، نلمس فيها هشاشة الحركة الملتذة / الجامدة في المنحى البنائي للمعنى كونها تشتغل في حيز السير الى الحتف النهائي، بينما نجد الشاعر وهو يخذل هذا المسير المصائري غير المقدس، يستأنس بكسله / الحراك الذهني أو الجمود الذي هو في الواقع نشاط ضد النشاط في معناه المصيري البشع الذي تطرب له الجوقة: (أعمال تنمو بلدّة الحركة / أشعة زرقاء في الزوايا / ترمم متحجراتها الهشة / كسل أجمل ما يكون عليه / أنه يخذل الجوقة ــ جمال الكسل ص25) . وثمة ما هو في متناول المخيلة قبل ان يصير الى اليد، في إشراقة حلمية ووقوف يركن الدافع الشبقي المبتذل جانبا ً ويكتفي بالانتفاع الحسي والتذوق اللغوي وقدسية الصورة من خلال طقوس شعرية متأنية وخلابة في جوَّ من اللاشبع الانساني الذي يدفعنا الى الغوص في الجمال وجمالية اللحظة التي تعبر عن نزوح الذات إزاء موقف لا يكتفي بالوصف الظاهري النثري: (العين جائعة إلى القوام / رخام لا يرتوي من اللمس / لغة الورد تتكسر على الفراش / وقوف يسجد للعري / يزحف إلى بهجة الزند / شرشف على الظهر يمنع النشور / الليل يتفرقد شجرا ً / فوق الحرير أقبل أنامل تشتعل ـــ لوعة الرخام ص(26) .

إن الشعر لدى عادل مردان ليس أداة للتعبير عن الخلجات العابرة أو الاحاسيس المقتضبة وإنما هو اشتغال على سطح هذا الـ(العمق) الفلسفي لأسئلة الوجود، وحتى تلك التي تُصاغ بعفوية أو نبرة سليقية . وثمة ما هو أساسي ويتداخل مع عمق التجربة السايكولوجية وانبهار الروح أمام الموت في شعر عادل مردان . وهذا (الاساسي) الروحي ينوه عنه مازجا ً إياه بالامنية تارة وتارة أخرى بالرغبة الجامحة ورقيها وارتقائها نحو المصائرية التي يعترك فيها الالم والوهم وأبدية الجزء السكوني الاثير من اجزاء اليوم: (فمي على حلمة الألم / أودّ لو ينطلق الفجر أبديا ً / لأستعيد أوهامي / التي معظمها نزوع إلى المصائر ـــ مازحا ً يقرص أذني ــ ص28) . إن هذا الابد يخرج من شرنقة التمني أخيرا ً، حتى يكون بوسعه ضم الشاعر الى فيئه، إلا ان الاكتشاف الحقيقي الذي تكمن فيه المفارقة هي الصورة الموحية التي صيغت بطريقة جميلة رغم أنها تعبر عن الهروب الى الموت الاختياري والناتج عن إقبال الموت المحتوم في صوره القسرية إن جاز القول . فبدلا ً من (كفني) استعمل الشاعر ملكية أخرى هي (حتفي) لشعوره ان الصورة (البنلوبية) لا تتم شعريتها في حال استخدام الملكية الاولى (الكفن) وبالتالي فان المشهد سيكون اقرب الى الروتيني منه إلى الشعري التعبيري: (تحت شجرة الآبد / أغزل حتفي الأبيض ــ مازحا ً يقرص أذني ص28) . و(البياض لون متناقض، فهو اللون الذي يشير إلى الموت والتفسخ، وفي الوقت نفسه يشير إلى الطهارة والبراءة والشباب، وهو يعلو على كل الألوان من جهة أنه لون يشتمل عليها كلها، بينما هو من جهة أخرى لون ناسخ لكل الألوان، لون فارغ يملأ بالمعنى وفقا ً لهوى الناظر إليه . وهو لون يوحي أيضا ً بالمعاني الغربية الغامضة التي تشكلت عنها الافكار الاسطورية والدينية) .. فما بالك لو كان هذا (الأبيض) هو الموت ؟ إنها سحنة الموت المتراكم، والدالة الأولى للبياض التي تفسد (الطهارة والبراءة والشباب)، وليس بالضرورة أن يكون الموت هو ذاته المشار إليه بخروج الروح من بدنها، وإنما تتعدد صوره في الحياة وتأخذ الحيز العلاقاتي الأنساني أيضا ً: (مازحا ً يقرص أذني / الموت الذي لا صاحب له ــ مازحا ً يقرص أذني ص28)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرتبط الحلم وربما الكابوس المليء بشتى مشاهد الموت . هذا الكابوس الحياتي الحقيقي المرعب عندما لا يريد الشاعر ان يصدق أنه حقيقة، فأن الموت المتربص ينبهه الى ان ما يخشاه آت، وان ما يراه هو واقع يعيش بين ظهرانيه وليس كما يظنه هو: كابوس ستقتله اليقظة في ساعات الصباح الأولى . أما المزحة فذلك هو تجاوز الموت الذي يعتقد الشاعر أنه فلت من قبضته، الى ان ادرك أنها اشبه بالمزحة، حين يراود الموت روح الشاعر ثم يتركها، تاركا ً في إثره ضحكة توحي بالعودة مجددا ً . إن أكثر ما يميز الشعر بصورة عامة هي تلك الأسئلة المتوهجة الزائفة فيما لو ارتكزت على ارضية صلبة . وربما ينحى الشاعر من خلال سؤاله التالي: (ماذا يريد المساء من أيامي ؟) منحى ذاتيا ً يؤسس للنظر الى ما يعيق رؤاه والافق الذي يشتغل عليه، الا ان النبرة الاستهلالية التي هي جزء من السؤال تأخذنا الى جهة غير الجهة التي تُفسر لصالح الشاعر / ذاتيا ً: (الخواء / حكمة الزمن الطازجة) وهذا لا يعني فقط بأن حتى الحكمة في الزمن الآني غُيّرت أو زُيّفت واصبحت هي التي تحدد المصائر بثوبها المُغيّر، وإنما الخواء في معناه المباشر، العوبة الزمن الذي تسيّره المنظومات التعسفية من اجل استهلاك البواطن البشرية والعواطف الجمعية للمجتمعات . ويسند هذا التأويل السؤال التالي: (من يستحق وسامك أيها العدل ؟) ويتوافق العدل مع الألوهية كون العدل صفة تعود بمرجعيتها الى الاله . وبالتالي فأن السؤال يحدد الاجابة التي تفيد بعد وجود من يستحق هذا الوسام / الصفة، من بين الاوشاب الطافية على سطح المشهد السوريالي المحض الذي يتبناه الواقع . وفي خضم هذا الأحتدام الجماعي المريع والى جانب صفة العدل في المنحى التساؤلي الباحث، ثمة (الحقّ) أو الحقيقة الخفية التي لم يدركها بصر الشاعر، وانما هو الادراك الحسي / الشعوري هو الذي لمسها عن قرب، فتكوِّن السؤال عن الجمال يعني أن السائل ما زال يعيش في ظلمة الخراب، كما أن البحث عن الجمال بحد ذاته هو كنه الحقيقة التي تبحث بدورها عن الوجود الحقيقي للشاعر (يوتوبياه) المُهلكة نظرا ً لو عورة الطريق المليء بالحفر والافخاخ . ويلون الشاعر اشتغاله مترفعا ً عما هو اقرب الى التجديف، لذا فأن الجملة الشعرية لدى عادل مردان عادة ما تكون مثقلة بالطابع السوداوي الباحث والمتسائل الذي يدرك او يعرف خاتمة المطاف أو المحصلة النهائية لبحثه هذا . وبالتالي فأنه ينتج خطابا ً عاليا ً يعبر به حدود الشعرية المفرطة بالعفوية فنراه يتحف الجملة بما يظنه البعض غموضا ً قصديا ً، وهو في الحقيقة نسيجا ً متواشجا ً بعيدا ً عن العرضية والتسطير الاسفافي الذي يقتل القصيدة: (العبارة تمسح عن وجهها المكياج / وتعود إلى مرايا الماء / العادات تُشهر الألسنة / الحجة حديثة منذ القدم / تُخرج أشجارها من التجريد / وتلبس صفصافة الخريف / الجنون يغني للعقل / دون رتوش سأجيء بأعراسك / الجادة ــ الجنون يغني للعقل ص (44) . إن علاقة الساعة / الوقت بالمرآة ليست بالعلاقة التي تثير الجدل التأويلي الذي يعطي بالتالي نتيجة مجانية جاهزة . الا ان النتيجة المعطاة في حال احلنا معنى المرآة الى الاسطورة الموغلة في القدم ستصدمنا حقيقة أن وقوف الشاعر أمام المرآة / النهر، هو وقوف غير مستقر: على أرض رخوة أو رمال متحركة، وهو متأت ٍ من حالة قنوط شديد، أي أنه وقوف عدمي أو تشاؤمي مرتبك وليس كما قد يظنه البعض وقوف نرجسي مؤسطر، إذ أن إطلالة الشاعر على العالم الآخر / تحديقه في المرآة، هي إطلالة روحية وليس على الصورة، إطلالة على الحقيقة التي هي في الواقع حقيقة صادمة ومُدمرة أحيانا ً: (وأنا أحدق في المرآة / دقت الساعة ثلاث عشرة دقة / فتهشّم الوقت / حين حدّقت مليا ً لم أبصر نفسي عبرها / تساميت عاليا ً في السديم / إخلاصا ً للقنوط المأخوذ / وطبقا ً لناموس الطاقة ــ طبقا ً لناموس الطاقة ص (49) . إن علامة الأستفهام التي في آخر الجملة الأستهلالية، لا توحي بمجهولية ما وراء الأفق الذي يطمح الشاعر لكشفه، وإنما جاءت كتتمة للسياق الترتيبي للجملة . والذي يقرأ بإمعان سيجد ان ثمة دعوة للانعتاق من خيال الواقع إن جاز القول ورومانسية الاحلام والانطلاق الى فضاء اللامسمى، والذي يطل من نافذة عادل مردان سيرى فلكا ً يشبه المجرة / لا منتهية: (النسمة / أيّ حقيقة مثلى / تأتي من النافذة ؟ ــ الرضا رحل بعيدا ً ص 75)، ويبدو أن الشاعر عادل مردان لا يعبأ بالمشاكسات المجازية المُغرقة بالتخيل الجاهز الذي هو وليد عدم القدرة على استيعاب الجذوة الحقيقية لما يتوق دائما ً للخروج من خناق الكتمان . أنه يبوح بأشياء ليست عديمة الاهمية، أي أنه يهتم بإظهار الصورة عبر مجازات صورية تتخذ من التخيل المعرفي بؤرة لانطلاقها . ونرى في مواضع كثيرة من الديوان، أن الشاعر لا يحاكي عزلته من خلال التباكي أو الأفراط الرومانسي المصطنع، بل يعود الى صوته الخاص في إدماج الروح التهكمية المتمردة التي تتوق الى الغوص في عزلة أكبر من العزلة الفوضوية التي يرزح تحتها الحيّز الذي يعيش فيه: (الصواري مدهونة بالأسى / آه ... / لو تستدير الدقة إلى جزيرة نائية) كنت نفضت خيالي من عناء قديم / هكذا أقذف إلى المراسي ضجر الأشرعة / أغذي دمي بصراخ النوارس ــ مديح اليابسة ص (83)

 

نجاح جبيلي - روائي عراقي من البصرة

 

                                                               

 

mohamad talatيتصدر المشهد الأدبي الراهن فنا إبداعيا جديدا قوامه النثر دون النظم، ليطرح بطبيعة الحال-على الساحة- الحكاء العربي في حكاياته/ نصوصه النثرية التي حُرم منها الأدب العربي، لانحيازه للشعر (قديمه وحديثه). ليست حركة إحيائية بقدر منها حركة تجددية لها سماتها الجديدة وأساليبها المعبرة عن الواقع العربي المعاش بتفاصيل حوادثه وأيامه وخلجاته، ومن هذه النصوص النثرية الجديدة  كتاب"توهج الياقوت" للمبدعة اللبنانية " أحلام الدردغاني"، صدر عن دار نشر البداية لسنة 2016م، القاهرة.

ثمة إبداع في نصوص"توهج الياقوت" مستوحاة بطانة الحكمة والوعي بمأزقية الواقع وعبثه وسمره وخيالاته ورؤيته للوجود على غرار نص قُسُّ بن ساعدة، وسجع الكهان وأساطير الأولين مرورا بفن المقامة والمنامة والنوادر الساخرة والحكايات الوعظية وأخبار العشاق والحمقى، والتحف النثرية لأبي حيان التوحيدي، والنوادر الجاحظية، لتعبر عن حاضر ملتبس مراوغ ببريق السرد النثري كفن راسخ يعبر عن مطلب نفسي يعيد تشكيل الدنيا وواقعها المريب من منظور أنثوي أراد حكاؤه أن يصوغ عالما جديدا برؤية مبتكرة.

وعليه فقد نهلت الدردغاني من منظومة النثر العربي ككل، وقامت بعملية حياكة حفنة من درر الصيغ والتراكيب اللغوية والاستعارات ما بين روح القديم وتوهج الحاضر، لتقدم نوعا مبتكرا يحسب لها. وعلى الرغم ما يحاول صناع كتاب "توهج الياقوت" من إيهام القارئ وتقديم الكتاب بصفته الشاعرة إلا أن "توهج الياقوت" فن يندرج داخل بوتقة جذر الفن النثري الذي قدمته الدردغاني خليطا إنسانيا بين روح القديم وثوب الحاضر الممزق في طوره السياسي والنفسي.

وعلى ذلك جاءت النصوص الخمسين لـ"توهج الياقوت" ملتمسة الواقع، وأحيانا متغلغة فيه سواء واقع سياسي أو اجتماعي، لينتج نصا أدبيا متفردا لبوح النفس البشرية في أزمتها المتعثرة في ماهية البحث، كما تقول الدردغاني على لسان الساردة:"أبحث خلف جدار العزلة عن كسرة خبز"، لتعلق عملية البحث على طلل المشهد الحزين لواقع محموم بالهذيان. حيث تقدم رؤية جديدة للحرب:" والحرب معزوفة تصدح كل صباح"، وهو تأريخ نسبي للواقع العربي واللبناني بشكل خاص في حربه التي اعتاد عليها العرب مع حديث القهوة الدافئة في كل صباح، لعله بهذا:" أن يهزم النصر الموت لسلالات تعشق المطر". رؤية ناعمة وخيالية للحرب والموت والهزيمة والنصر كي تؤسس حالة من اليقظة فوق جدران هذه الحروب: " تتنامى فوق جدارات اليقظة ". إذن نحن أمام رؤية متسقة مع الروح الناعمة الساردة في فضاءات الدردغاني.

تميل الساردة إلى جنوح –رؤيتها- نصوصها إلى ما تريد هي، لا إلى ما يريد النص أن يأخذها، وكأنها في حالة وعي كاملة بكل ما تسبب في تلويث واقعها الجميل والمتخيل والمشتهى، فعلى صعيد المشاعر الإنسانية اليقظة من حالة تحريم كل ما هو حلال في العالم العربي، تذهب الساردة في تعرية:" منعطفات محدبة تعرج بأذرع خشبية محفوفة بسلاسل محكمة.. حشود ضخمة تتكئ على عكاكيز الأمس... ذهول الأحداق صولجانها وعرشها صفقات أقزام وأعمدة صديد... تنثر الفوضى..."، في هذه التعرية لدونية الصفقة التي تتجلي في:"خضم واقعك العبثي... في وجود يزدري وجودك... وتزدريك كالعفن في سلال الوجود المهملة.. ". لتضع كل هذا في أزمة النفس المغتربة:" والغربة ائتزرت وشاح فرحها تلتهم الوافدين.. كأن الحياة ارتحلت وانزوي الدفء"،" بنيت على الرمل منفاي". وتتوج الوهج في نص عرافة إذ تخرج بحكمة من هذا البحث عن معنى جديد للحرية:" حيث لا فائدة ولا مكسب سأرمي النرد: "المستقبل يجذبني ضوءه، والواقع يثقلني ثوبه.. من أنا لأكون؟ عصفور في حقل، أم قيد وهم؟". لكنها حكمة العاجز المرتجى شفاعة أو دليل يقوده نحو حريته:" أيتها العرافة أصدقيني القول.. وامضي بي إلى نسائم من حرية ودعيني أرتع في حقول بغير قيود، أتنفس حياة ، إني أعشق الحرية"، أو في قولها:" متى تصدأ الأقفال وتشرع أبواب الحرية؟!". ولكن قد غاب عن الساردة أن الحرية حق يقتنص لا يُطلب.

وعلى مدار النصوص الخمسين في"توهج الياقوت"، كان ثمة صوت معبر عن ضعف وهزائم المشاعر الإنسانية، وما يدور في الذهن من قلق، وما تعج به الروح من شفقة على المصير الإنساني كما ورد في"نهر رحيق"،"فراغ"، "سربال الوحدة"، "على هامش الفصول"، " مجامر حريق". لتختتم الساردة نصوصها بحالة من:" غياهب وأقنعة"، لرفض الأقنعة التي تحطمت في " انكسار". لتؤكد الساردة على ثمة" شرايين هادرة"، إذ ترصد:" في ثناياه تنطوي أرواح ثائرة.. لن نتخاذل، لن نستسلم، لا مكان للضعف في ضعفنا..". لتضع حدا لنهايات هذا التوهج في" رتوش" النص الأخير أو قل العشاء الأخير على مائدة الهروب من النفس إلى النفس.!

تقافزت النصوص بين قمم التمرد من حيث الفكرة وصياغتها وخروجها من زمكنية الرومانسية التي غلبت على إطار النصوص العام. وعلى الجانب الآخر قد تعثرت النصوص في إتباع معجمية بعض المفردات والقوالب الفنية القديمة.

وعلى الرغم من ذلك، تبقى حالة التمرد في نصوص"توهج الياقوت"هي الأبرز، والصيغة الأعم التي صبغت الشكل والمحتوي لرؤية الساردة لعالمها، مع عدم الالتزام الفني الصارم بالقواعد النثرية أو بنهج خيالات المدرسة الرومانسية. وقد اتسقت النصوص بالواقع المعاش المتشابك في دواخل الحس الأنثوي للساردة ذات الصوت الأقوى والمعبر والواعي عن قضاياها الحياتية، فقد سجلت ورصدت كل ما يدور في نفس وقلب الإنسان من أفكار وخواطر ومشاعر وانفعالات ناتجة من إحساسها بمساحة وحدود الزمان والمكان في إطارية متخيلة مع التماسها بحافة الواقع.

هذه الواقعية لم تقدمها الدردغاني جافة أو نقلتها نقلا فوتوغرافيا، بل جاءت متقولبة بهيكل الجمالية الفنية مما أثرى العمل ككل. وأتاح للمبدعة أن تنتقل من بساطة الفكرة إلى تعميقها على مستوى القيمة الجمالية لمضمون النص، وبالتالي وسع هذا التعميق دوائر التأويل والتفسير.

بدا ذلك في عنونة الكتاب بـ"توهج الياقوت" ومن المعروف أن للياقوت توهجا خاصا يتميز به من بين الأحجار الكريمة والثمينة والنفيسة، فيتميز الياقوت بلونه الثابت، فلا يعكس ألوانا مختلفة عند تعرضه للضوء. يعكس فقط لونه /نفسه، ويتصف بالشفافية. فضلا عن الاختيار المنمق والعميق ذات الدلالات الكثيرة والموحية باختزال كم من الصور والتعابير في عنونة النصوص الداخلية. وليس بغريب أن تبدأ النصوص بـ"توهج الياقوت" وتختتم بـ"رتوش"، أي اللمسات الأخيرة لوضع الفنان رتوشه على لوحته.  وما بين الياقوت والرتوش تلك الحالة من الوهج الذي بدأ بالتأكيد على صحة جوهر الياقوت بقوة وأصالة معدنه الكوروند:" كوروند أرجواني في عمقه أسرار" ثم تتوالي كشف وتعرية هذه الأسرار بثبات الياقوت المزركش بثمة رتوش يزين النفس وينقيها من الظل والرماد ببعض من العطر الذي يدوم.

كشف التنوع في النصوص الخمسين عن مدى القدرة الذاتية لارتقاء النص الأدبي ليصبح مصدرا للإدهاش من خلال لغة مكثفة موجزة بالرمزية لتوظيف مكونات العالم ما بين حلمه وتعاسته. سعادته وشقائه. كما عرضت هذه النصوص لوعة الخاطر وتدفق المشاعر، وإرادة الساردة وثباتها أمام كثافة الخيال ومعاناة اللاشعور، حيث اصطخاب أصوات الذوات الاجتماعية التي تتصارع سياسيا لتجميل العالم القبيح من حولها.

تقف النصوص الخمسين نصا تلو الآخر تحاكي أزمة المكان وتأثيره النفسي على الروح البشرية التي تسعي لمكان أفضل، فهي تخرج من الغرفة العفنة إلى شمولية المدى والطبيعة كمعادل للمكان الذي لا يحده جدران، فالساردة ترفض حدودية المكان الذي جسدته بمفردة"الغرفة "، وقد ذكرتها مرة واحدة على مدار النصوص الخمسين، ولكنها تغازل فضائية طبيعة المكان المفتوح، فتارة تغازل الساردة البحر، وتارة أخرى النهر. حيث ورد ذكر البحر عبر نصوصها (3 مرات)، والنهر ورد (5مرات)، لما يعكس تغلب النهر بعذوبته على ملوحة البحر، وهذا يؤكد على أن رغبة الساردة في اللاوعي  في تحلية الواقع فتغازل النعومة. لكنها مغازلة بلا جدوى

ويتبقى مأزق النصوص في صوره الفنية سواء المباشرة أو الرمزية التي تشير إلى أفكار الدردغاني أو إلى شحناتها العاطفية والنفسية التي تقوقعت- أغلبها- داخل المعني المعجمي للمفردات المعبرة عن زمن ماض، وليس عن الآنية بزخم مفردات العصر الأكثر حيوية.

وعلى الرغم من نمطية المفردات التقليدية القديمة الآتية من عالم الزمن الرومانتيكي إلا أن هذه المفردات التقليدية شكلت سياجا نفسيا أحاط برمزية الأمكنة في نصوص"توهج الياقوت"، لتشكل عالما خاصا للدردغاني، لتقدم سردية فنية تحسب للفن النثري وقدرته على محاكاة الواقع وبثه رؤية جديدة تأخذ بيديه.

تغامر الدردغاني بنصوصها النثرية القيمة في التوصيف الذي طبع على كتابها باسم "قصائد من النثرية الشعرية". وهو اسم لقيط لا جدوى منه سوى التمسح أو محاولة إثبات نسب النص لكائن هلامي اخترعه ضعاف المواهب النقدية والإبداعية. تناقضية المسمى هنا تضرب نصوص الدردغاني في مقتل حيث تضعها في خانة التناقض. هذه النصوص قصيدة أم نثر، وأي شعر هذا الذي يجمع بين المتناقضين؟! النثر بيِّن والشعر بيِّن. كلاهما مبدع. ما جاءت به الدردغاني هو نصوص نثرية مبدعة، وإن اتخذت القالب الشكلي لتوزيع النثرية في ثياب الشعر الحر.

وعلى الرغم من سوء التنسيق وألوان الغلاف وحجم ونوع الخط والطباعة إلى باقي التجهيزات الفنية للنشر والتسويق التي ظلمت النصوص غاية الظلم.. إلا أن النصوص ومتنها تقف شامخة تعبر عن نفسها دون وساطة النشر المنمقة. ولا أعرف سببا لربكة التصنيف هذه التي اعترت صناع كتاب"توهج الياقوت"، فعلى صدر الغلاف -السيء- كتبوا "ديوان" وبالداخل كتبوا "قصائد نثرية شعرية"، فبدا الأمر على غرار "سمك لبن تمر هندي". هذا السخف والتهريج في التصنيف الأدبي مرده بكل تأكيد حالة "السبوبة" التي تغلب على أغلب دور النشر الحديثة التي يهمها في المقام الأول الحصول على المبلغ المالي الضخم دون التدقيق فيما تنتجه وتصنفه.

وأرى أن أزمة التصنيف الأدبي التي يقع فيها أغلب من يظنون أنفسهم نقادا أو ناشرين أو مبدعين، ترجع إلى سوء نية مبيتة لإفلاس الأدب العربي وتسطيحه في ظل غياب المعيار الموضوعي والنقد الحق. وأكرر، لا عيب أن نتخلى عن إقحام الشعر/ الديوان/ الشاعر على صدور إبداعتنا- حين يصعب التصنيف- فالإبداع الحقيقي وحده يصل بلا وصاية من أحد، والفن كفيل بأن يرسخ نوعه ومذهبه الجديد.

ويمكن القول، إن الكاتبة قد نجحت بمفردها، وصناع كتابها قد فشلوا في تقديمها.!

 

د.محمد طلعت الجندي

 

kamal alhardiالأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني تشي بتقديسه للجمال الأنثوي، في حين أن ديوان أحمد مطر  يأخذك إلى عوالم البوليس السري والتخفي والتعقب والترصد والسجن والسياط.. تجربتان شعريتان فريدتان وبينهما بون شاسع من حيث الثيمة (الموضوع)، ولكل منهما مذاقه الخاص وأجوائه الخاصة.

على مدى حوالي 600 صفحة في ديوان قباني تعيش أجواء ربيعية جميلة في حدائق المرأة المفعمة بأريج الورد ورقة الفراشات وثمار الشجر وحرارة الشمس وحقول البرتقال وجداول الماء ومصابيح المساء ودف الوصال فيه. يشعرك بأن الدنيا ليست سوى أنثى، وأن الأنثى ليست سوى الجمال، وأن الجمال واجب التقدير والتقديس. تقرأ مثلا في قصيدة (سأقول لك أحبك):

  سَأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ".. حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ.. عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي في تغيير حجارة هذا العالمْ وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ شجرةً بعد شَجَرَة وكوكباً بعد كوكبْ وقصيدةً بعد قصيدَة سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ".. وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ وبين دفاتري ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة هي يدي أنا.. سأقولها، عندما أصبح قادراً، على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري، ومراكبي الورقيَّهْ.. واستعادةِ الزّمَن الأزرق معكِ على شواطئ بيروتْ.. حين كنتِ ترتعشين كسمَكةٍ بين أصابعي.. فأغطّيكِ، عندما تَنْعَسينْ، بشَرْشَفٍ من نُجُوم الصّيفْ.. سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ".. وسنابلَ القمح حتى تنضجَ.. بحاجةٍ إليكِ.. والينابيعَ حتى تتفجَّرْ.. والحضارةَ حتى تتحضَّرْ.. والعصافيرَ حتى تتعلَّمَ الطيرانْ.. والفراشات حتى تتعلَّمَ الرَسْم.. سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ".. عندما تسقط الحدودُ نهائياً بينكِ وبين القصيدَهْ.. ويصبح النّومُ على وَرَقة الكتابَهْ ليسَ الأمرُ سَهْلاً كما تتصوَّرينْ.. خارجَ إيقاعاتِ الشِّعرْ.. ولا أن أدخلَ في حوارٍ مع جسدٍ لا أعرفُ أن أتهجَّاهْ.. كَلِمَةً كَلِمَهْ.. ومقطعاً مقطعاً... إنني لا أعاني من عُقْدَة المثقّفينْ.. لكنَّ طبيعتي ترفضُ الأجسادَ التي لا تتكلَّمُ بذكاءْ... والعيونَ التي لا تطرحُ الأسئلَهْ.. إن شَرْطَ الشّهوَة عندي، مرتبطٌ بشَرْط الشِّعْرْ فالمرأةُ قصيدةٌ أموتُ عندما أكتُبُها.. ُ

وعلى الطرف النقيض ينقلك مطر بمطرياته إلى برد الشتاء وسقوط أوراق الخريف وحلكة الليل وزمهرير رياحه وبؤس ساعاته مع خليط من الجوع والخوف والظلم. يشعرك بأن الدنيا ليست سوى مخبر، وأن المخبر ليس سوى الظلم، وأن الظلم واجب سحقه من أجل الحرية التي ﻻ تكون على جرعات بل تكون حر أو ﻻ تكون. تقرأ مثلا" في قصيدة (مساءلة):

قلت للحاكم: هل أنت الذي أنجبتنا؟

قال: ﻻ ... لست أنا.

قلت: هل صيرك الله إلها فوقنا؟

قال: حاشا ربنا.

قلت: هل نحن طلبنا منك أن تحكمنا؟

قال: كلا.

قلت: هل أقرضتنا شيئا

على أن تخسف الأرض بنا

إن لم نسدد ديننا؟

قال: كلا.

قلت: ما دمت، إذن، لست إلها

أو أبا

أو حاكما منتخبا

أو مالكا

أو دائنا

فلماذا لم تزل، يابن الكذا، تركبنا؟

ومع تلك الجماليات الشعرية المتفردة بمفرداتها ومعانيها ومضامينها يشعر المتذوق للأدب بأن ثمة حلقة مفقودة بين الأسلوبين لو وجدت لما تفرد الأسلوبان، ولصارا كبقية الأساليب. فشكرا" لتلك الحلقة المفقودة.

 

madona askarإنسان بلا حلم روح ضعيفة غير قادرة على اختراق اللّاحدود. والحلم في الفكر الأنسي ثبات نفسيّ وروحيّ يدفع الإنسان إلى الحركة الدّاخليّة القادرة على استيعاب حجم الأهداف وتحقيقها.

بين الحلم وتحقيقه مسافة كبيرة يحتاج فيها الإنسان إلى حركة ذهنيّة ونفسيّة تمكّنه من المضي في التّأثير على المحيط. ما نفهمه من مقارنة أنسي الحاج الحلم بالإيمان. فكما أنّ الإيمان لا يؤثّر في صاحبه وحسب وإنّما في سواه، كذلك الحلم الجامد في الظّاهر، المتحرّك في الباطن، يفعل المعجزات لسواه. ففي جموده حركة باطنيّة تحفّز الحالم على الاستمرار والتّفاؤل ما ينعكس على الآخر. وتجدر الإشارة أن ثمّة فرقاً بين الحلم والخيال المفرط الّذي قد يتحوّل إلى مرضيٍّ.  الحلم حاجة إنسانيّة ووعي إنسانيّ لتخطّي الواقع لا للهروب منه. وبهذا التّخطّي ارتفاع عن الواقع ورؤية للتّفاصيل وسعيٌ للأفضل والأكمل.

في سكون الحلم كلّ الحركة حتّى وإن لم يحرّك الحالم ساكناً ليخطوَ نحو الفعل. فالحركة لا تعني الضّجيج والجلبة بقدر ما تعني التّركيز على الوعي الإنسانيّ غير المتفلّت من الحركة الكونيّة. وأمّا الحركة المجتهدة الفارغة من التّركيز النفسيّ فتجنح إلى الفراغ إذا ما اصطدمت بالزّمن، أي إنّها حركة ينقصها الحلم.

الحلم في المفهوم الأنسيّ يظلّ يحرّك، وليس يخيب وإن اصطدم الإنسان بحقائق الحياة. الحركة الكامنة في جمود الحلم رجاء مفتوح على رؤية البشر. وكأنّي بالحالم يزرع ويحصد مع الآخر ما لا تقوى على فعله الحركة الاجتهاديّة الجسديّة.

الحلم حقيقة الرّغبة المرجوّة، يقين يسعى إليه الإنسان بكلّ قوّته، إيمان بأنّ ما له سيكون، وما هو من حقّه سيحلّ يقينيّاً. "الحلم هو للحالم بقدر ما هو لغير الحالم. ثماره عامّة. كالإيمان. الإيمان لا يفعل المعجزات لصاحبه وحده بل غالباً لسواه. الحلم إيمان النّائم، ولو كان صاحياً". (*)

 

............

(*) سلوك- كان هذا سهواً- ص 109

 

ryad alnasiriبما أن شعر الأستاذ الدكتور فليح الركابي تسكنه التساؤلات والحيرة، وغموض المشهد؛ فربما كان البدء بمثل ذاك التساؤل؛ يكون صورة مصغرة لما نحن مقبلين عليه من قراءة، هي احتفائية وتعريفية، أكثر منها نقدية، أو تقويمية.

هل كان الأستاذ فليح الركابي يمتطي صهوة الشعر عبر بوابة الإنسان البسيط المترع بالألم، والمحاط به أيضاً، ولذلك سل سيف الشعر وهو يكاد يصغي جيداً لصوته الداخلي الموجوع، بل يقول، ويكتب، ويستصرخ، منطلقاً من إيمان راسخ برسالة الشعر الذي يجب أن يفهمه البسطاء، ويتعرفوا أهدافه، ومراميه بسهولة، فهو منهم وإليهم، وهو بذلك ربما كان يقتفي أثر (محمود درويش)، القائل:

قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت

وان لم يفهم البسطاء معانيها

فأولى أن نذريها

ونخلد نحن للصمت

فالركابي عبر بوابة المباشرة، ومسايرة الأحداث، دخل إلى البسطاء إلى بيوتهم حاملاً معه شعره، وخلد ورسم واقعاً بين السطور، وهو واقع ممض مؤلم، واقع المعاناة، والدم الذي يريقه الفقراء أبناء وطن غاب فيه الضمير. خلد هلاك الإنسان الفقير بيد الأكباد الغليظة، النافرة، والأيدي المصلتة كالسيوف، فطفق في ديوانيه (خدوش في ذاكرة الزمن)، و(سبايكر) يتنقل من صورة ترسم هلاكا ودمارا وقع في ماض بقي حاضرا أبدا؛ إلى صورة هلاك، ودمار أشد وأشرس، في حاضر مغبر، كابي اللون والروح.

يتنقل الشاعر في أزمنته ويصهرها بين (وقفة) وهي عنوان أحد قصائده، يقف فيها على أبواب القتلة المعاصرين، يستجدي ويئن من عوزه، فهو هنا ذو جناح كسير هضيم، و بين ماض ما انفك يراوده في كل حين:

قتلوا .....

أحلامي في السر والعلن

حينما .........

كنا نتسكع ..

عند الطغاة

رضينا من فقرنا

بالكفاف

هم رضوا

بالقهر

على أبواب الهوى

كالخراف

اختصر الشاعر الماضي كله بمفتتح القصيدة، بـ (قتلوا أحلامي في السر والعلن) فسره

المعلق بالماضي، ومثاله فيه (الحسين بن علي) الذي خاطبه الشاعر من قبل في (طعنوا الصيّام) إذ لم يسلم بقتله، وحمل بين جنبيه الكبرياء والضياء، فخاطبه قائلاً :

قتلوك لا ...

عش خالداً وتليدا

يا سيدي

أكملت صوماً

في الجنان سعيدا

قتلوك لا ...

طعنوا الصيّام بحقدهم

طعنوا الإله بكفرهم

قتلوك لا ...

أكملت صوماً

فائزا

لينطلق الشاعر في نهاية المشهد الى مأساة الإنسان المعاصر التي تكاد تكون أشد مرارة، كما في صورتها في قصيدة (الموصل تبكي)، و(داعش ابن صهيون)، و(سبايكر) وغيرها.

الموصل تبكي ... والعذر حرام

الموصل تبكي وبوبي ينعم بالدفـء

بوبي في دكان الأحلام

بوبي يلهو ... يعبث.

الموصل في كانون بلا خبز وخيام..

بوبي يتوسد ريش نعام..

............

فمتى طيء من كبوتها تصحو؟

ومتى ...

ومتى ...

ولماذا ..؟

ستمتد القصيدة بمعجم خاب كئيب، يقطر من جنباتها الهزيمة، والخنوع، والرضى من الغنيمة بالإياب، فتلك الأرض يستوطنها (العار، والجذام)، وقد (فضت بكارتها)، وأصبح الإسلام في خبر كان، فالرجولة زيف، والعروبة مثلها.

ويشعل الشاعر النار في هشيم أهل الزور والخداع، فالواقفون خلف المنابر يجسدون الكذب والنفاق، وخناجرهم تقتل أطفالنا؛ وشرفهم تحت الشذاذ والكلاب المسعورة؛ ويتساءل:

فلماذا أيديكم مغلولة؟

وهنا ينطلق صوب الماضي، يستغيث به من هذا الدنس:

الموصل داستها أقدام الأرجاس

يا إسحاق

ويا زريا .......

عفواً ........

يا يونس ......

و يا جرجيس...

يبحث عنهم ليعيدوا الحياة إلى الناقوس، والمئذنة، ولتقرع الأجراس ثانية.

ويذهب بعيداً صوب التاريخ لينقذ به الآفاق من رجس الحاضر، وليدفع ببطولات أهل البطولة تقاعس المتخاذلين؛ فـــ:

الموصل قدس الأقداس

فحسين وتر ...

وعراقي فجر ..

فتمسك يا شعبي

بوفاء العباس

الموصل هنا ليست هي تلك المساحة الجغرافية المحتلة فحسب؛ الموصل هنا رمز لكل شبر من أرض العراق دنسه المغول الجدد؛ بنكوص من لم يحسب للتاريخ، وشرف المهنة، وحاضر الإنسان، ومستقبل الوطن حساباً؛ إنها المكان، والإنسان، والحرية، والعدالة، ورفاهية العيش، وشضفه الآني؛ هي حاضر ومستقبل؛ وسيف التاريخ الذي لا يرحم؛ هي الرأي، واللسان، والصحف، والفضائيات، هي القادة النائمون؛ هي السلاح المنزوع؛ هي الأرومة؛ فان لم تصحو كلها؛ نامت نوم الأرماس.

يكثر الركابي في قصائد ديوانيه من التساؤلات، ووضع علامات الاستفهام؛ والنقاط؛ الدالة على سعة التساؤل، والموقف، والحيرة؛ وهذا دليل على تخبط المشهد؛ وضياع الصواب؛ نتيجة ظلمات الأشياء التي لا تفقد سوادها أبداً؛ وخير ما يمثل ذلك قصيدة (أسئلة) من ديوان سبا يكر:

متى يأتي لنا صبح كصبح الأنبياء ؟

فنغسل ماءنا .....

والأرض والأشجار والهواء ......

فحتى ماءنا أصبح ملوثا من أهل الدنس والرجس، فلم يعد ماء طهارة، وكذا الأرض والشجر والهواء. لم نعد نمتلك شيئاً نقياً، حتى نفوسنا أصيبت بالدوار، إذا سيصيبنا السل، وسنبحث عمن يداوينا؛ والأمر الأكثر وأشد مرارة؛ أن نبحث عنه عند الأعداء.

*****

ربما كانت عتبات الديوان قد فضت وبشكل صارخ مضمون الديوان:

العنوان (سبايكر) بكل ما يحمل هذا الاسم من بشاعة في ذاكرتنا، لوحتا الغلاف في الواجهة الأولى، والأخيرة بصورة الدم المتساقط المقرفة.

الآية القرآنية:(ولا تحسبن الذين قتلوا....)، الإهداء (الى الدماء الزكية....)، التعريف بـ(سبايكر) الجندي الأمريكي الذي قتل هناك فسميت القاعدة باسمه، بشكل يحمل في طياته أن الغربة، والهجرة، والقتل، بسبب العوز، فضلا عن عناوين القصائد كلها، والبدء بـقصيدة (سبايكر)، والانتهاء بـ(سبايكر)، وهذا يعني حالة تأكيد للصورة الموحشة، والقسوة المفرطة، التي تلاحق ذاكرة الشاعر، ومنه إلى المتلقي.

*****

ها وقد مللنا من الحروب ورائحة البارود، ولون الدم؛ فلنا أن نتساءل مع الشاعر:

متى نستبدل البارود بالحناء؟

ومتى أيضاً نهاجر من أجل المعرفة، والعلم، والسياحة، لتكون هجرتنا بقاء:

متى ستكون هجرتنا بقاء؟

*****

إن ما يطغى على شعر الشاعر وقصائده بعمومها، يمكن أن نوجزه بما يأتي:

1) إن التاريخ جزء من حياة هذه الأرض؛ فلا انفكاك لها عنه، لذلك نرى قصائد الشاعر حبلى بالأسماء، والأحداث التاريخية والتي سلطت الضوء على علل وأسباب القهر، فضلاً على منارات الجهاد، والصدق، والتضحية؛ من أنبياء، وأئمة، وقديسين، وصور بطولية تجعلنا نتشبث بالبقاء؛ عبر الجهاد والنقاء.

فالإنسان في ديواني الشاعر نصفان؛ نصف يشكله التاريخ، فهو مزروع فينا، ونصف يتركه للحاضر بكل معطياته .

2) الشاعر والمجتمع واحد في قصائد الشاعر، فما يجري على أحدهما يجري حتماً على الآخر،

فالمجتمع بكل بناه الروحية والسلوكية مكون رئيس من مكونات كيان الشاعر. والشاعر ابن المجتمع؛ كان قد نصب نفسه رقيباً، وموجهاً، وبوصلة تهدي إلى الأخطاء؛ وتهب التاريخ للحاضر، وللحضارة، بكلمة موحية وموجزة؛ فشعره لم يكن للهو والتسلية، بل للصراع مع كل من يريد أن يطيح بالوطن.

3) رغم الصورة الظلامية، والمشهد الخانق الذي تبثه القصيدة عند الركابي؛ معجماً، وتركيباً، وإيقاعاً، ودلالة، إلا إنها في محصلتها النهائية؛ تضفي وتعطي نوعاً من الأمل بالحرية، وتحقيق الكرامة؛ بأدوات عدة؛ من دواخل الإنسان أو عزمه، الاتكاء على التاريخ وصوره المضيئة؛ ومنها الإيمان بعدالة القضية، وعدالة السماء؛ ولخصيصة أزلية في الإنسان؛ أنه دائماً يعيش بالأمل، مهما كان ما حوله حالكاً؛ فالموت الذي هو هزيمة في سبايكر؛ سيتحول إلى نصر، إذا ما كان بمحض الإرادة، ودفاعاً عن الوطن.

4) في القصيدة الأخيرة من ديوان (سبايكر)؛ وهي بالعنوان نفسه لا مكانه واضحة للشهادة، والمشهد يشكله الأبرياء بكل صنوفهم، ومنهم الشاعر، والآخرون بكل صنوفهم أيضاً:

الساسة/ القادة: القدماء والجدد، القادمون من خلف الجبال. ومصاصو الدماء داخل الوطن إذ يرسمون مشهد الموت، وينثرون رائحة البارود، ويقتلون البراءة حتى في الماء، والمنتصرون مهزومون؛ لأنهم ضد الأعراف، والقيم، وشرف القتال. فقتلاهم هم الأبرياء: العتالون، الشباب الطائش، العاطلون، الشاعر، المجتمع، الأسماك، دجلة، كامل حنا .

والمجرمون في هذا المشهد: القادة والسادة الوهميون، الانتخابات المزيفة، القادمون من خلف التاريخ، وحوش داعش، رغدة ومن حولها، بنات الهوى، الساقطون من كل صنف ولون، االمخادعون، الكذابون، أبطال المنابر والخطب الطنانة، هدام/صدام، الفضائيات/الدعائيات- كما يسميها-، سجودة، القائد ديوث.

فالجميع هنا يريدون قتل الشاعر، وقتل المجتمع، وبالتالي قتل الوطن.

5) يختم الديوان بمشهدين مأساويين في قصيدتي الديوان الأخير (سبايكر)، اللتين تجمعان بين واقعتي كربلاء وسبايكر، ولكن أبطال المشهد مختلفون جداً.

ففي قصيدة (داعش ابن صهيون) يتقنع الشاعر بشخصية (موسى) فهو ألثغ، ينادى من بعيد (اخلع نعليك)، يبحث عن معلم كما هو حال موسى في سورة (الكهف) حيث يبحث عن الخضر ليعلمه مما علم رشداً؛ وهو مثله لن يستطيع صبراً على المشهد الذي لم يدر له في خلد، يطارد الشاعر هنا من قبل من آواه، عكس شعيب الذي آوى موسى، والشاعر هنا في أمس الحاجة للعون؛ فيطلب وزيراً من أهل هذا الوطن، ليشركه في أمره، بعد أن تاه في صحراء الحاضر، وحده القلم معه مثلما هي عصا موسى؛ فالناس كلهم غافلون عما حولهم؛ شعره يلوح للآتين إلى صومعته، فالنور فوق الرؤوس مثلما هو في اللوح.

ويبقى التاريخ والقداسة سيدا الموقف؛ وهنا يتداخل الماضي البعيد بالماضي القريب؛ فقناع موسى يسلم الراية لقناع (محمد)، في:

العصمة في نسل أخيك

لقد صدقت الرؤيا

يمتلئ المسرح بالنور

علي وزير الهادي

والعصمة في نجليه

وعبد الله الهادي مسرور جداً ...

و تبدأ إرهاصات الضياع، والقتل، والنحر:

قبّل هذا في ثغره (إشارة إلى قضية قهر التنازل ومرارته) .

وقبّل الثاني في نحره (إشارة إلى القتل الذي أصبح عنواناً للبطولة والقداسة)

ولكن التاريخ، والمعرضين عن الحق؛ يتغافلون عن حقيقة (إن الحسين هو محمد):

رأس محمد فوق الأعواد

من بلاد إلى بلاد

يساق إلى معتوه في الشام

كربلاء مسلخ

كربلاء وهج في كل الأزمان

فتسلم تاريخ الحزن، والدم، والألم إلى داعش:

إن الدواعش إذا دخلوا قرية خربوها

تناص قرآني من نصح بلقيس لقومها ؛ وخوفها من قدوم سليمان إليهم؛ (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، (النمل:34).

فيؤكد:

إن الدواعش من نسل الشيطان

بيد أنهم مهما كانوا شياطينا: فقتلوا، أو أحرقوا، أو أغرقوا، أو حزوا رقاباً، فإن:

القادم لنا

والنصر على الأبواب

وهي إرهاصات لابد أن تتحقق، ما دام للحق من يطلبه، وللثأر من يأخذ به، وللحرية والعدالة من يقدسهما، وينشدهما، وينشد لهما.

 

   د. رياض الناصري

جامعة بغداد- كلية الآداب

 

jamil hamdaouiالمقدمة: من المعلوم أن ثمة ثلاثة أنساق كبرى تتحكم في الفكر الإنساني يمكن حصرها فيما يلي:

1- النسق الأرسطي القائم على المنطق والبناء العقلاني المتسق والمنسجم والمطلق من حيث اليقين والحقائق العلمية. ويتمثل هذا النسق المعرفي مبادئ الفيزياء الكلاسيكية عند نيوتن .ويستند إلى عدة تصورات تتعلق بالإنسان، منها التصور المنطقي الواقعي الذي يثبت أن الإنسان واقع أو حقيقة ، والتصور النفسي الذي يرى أن الإنسان هو أنا، والبنيوية التي تقر أن الإنسان بنية، والسيميائيات التي تتعامل مع الإنسان على أنه علامة. وبالتالي، يقر هذا النسق بالهوية، وعدم التناقض، وعدم القبول بالثالث المرفوع، وإعطاء الأولوية للصوت، والعقل، والمنطق. وهو تعبير حقيقي عن المركزية العلمية الغربية وسيادتها المعرفية المتفوقة؛

 2- النسق التفكيكي القائم على الاختلاف والهامش والمعرفة النسبية ، وقد تبلور ، بشكل جلي، مع إنشتاين وجاك ديريدا.بيد أن هذا النسق لم ينجح ثقافيا ومعرفيا ومنهجيا لكونه نسقا يهدم أكثر مما يبني، مادام يقر هذا النسق بلعبة التفكيك من أجل التفكيك على حساب التركيب والبناء والتشييد؛

 3- النسق التشييدي الذي يرى أن المعرفة ليست ملقاة أو جاهزة، بل تبنى وتشيد.ومن ثم، فقد ارتبط هذا النسق بالثورة الإعلامية والتكنولوجية المعاصرة  القائمة على الحاسوب. ومن هنا، فالإنسان كائن حاسوبي بامتياز، أو ذاكرة إلكترونية ورقمية بالخصوص، تقوم بعدة وظائف خاضعة لنظام الحوسبة والذاكرة الآلية المبرمجة وراثيا أو اكتسابيا. أي: إن الإنسان يقولب المعارف الوراثية أو المكتسبة وفق مقولات وأطر.

وما يهمنا ، في هذا المحور الدراسي، هو التوقف عند مفهومي الزمن والجهة عند الباحث المغربي إسماعيل شكري من خلال كتابه (في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة)[1] من أجل البحث عن ثوابته النظرية والمعرفية والتطبيقية قدر الإمكان.

 

المبحث الأول: مفهوم الشعرية المعرفية

تبلورت الشعرية المعرفية (La poétique cognitive) ، بشكل خاص، في الحقل الأنجلوسكسوني[2]،  في العقد الأول من سنوات الألفية الثالثة ، وبالضبط في الجامعات البريطانية وشمال أمريكا. وإن كانت مفاهيم هذه النظرية قد تشكلت في حقل اللسانيات المعرفية (Linguistique cognitive) سابقا مع المدرسة التوليدية التحويلية لنوام شومسكي(N.Chomsky)[3].

ويعود مصطلح الشعرية المعرفية  (Cognitive poetics) إلى روفان تسور (Reuven Tsur)؛ أستاذ الأدب بجامعات إسرائيل[4].ومن هنا، تقوم هذه النظرية النقدية الأدبية على العلوم الذهنية ، ولاسيما السيكولوجيا واللسانيات المعرفيتين. ومن ثم، فهي مقاربة تأويلية للنص الأدبي، تؤمن كثيرا بأهمية السياق في بناء المعرفة. وبتعبير آخر، تدرس هذه النظرية النقدية الجديدة النصوص الأدبية والإبداعية وفق المفاهيم التي يقر بها علم النفس المعرفي، وتستخدمها أيضا اللسانيات المعرفية .

وتستند هذه المقاربة إلى مجموعة من المفاهيم التي تنظم العملية التفاعلية القائمة بين المنتج والقارئ، مثل: المدونات، والخطاطات، والمقولات، والأطر، والسيناريوهات، والمعينات، والمقصدية، والتجنيس...دون أن ننسى الاستعارة المعرفية أو المفهومية التي تحدث عنها جورج لايكوف(George P. Lakoff) ومارك جونسون (Mark Johnson)[5].

و تنبني هذه النظرية بالضبط على مفهومين رئيسين هما: الشعرية والإدراك. ويعني هذا أن الشعر يدرك وفق آليات ذهنية ومعرفية ودماغية، ويخضع لمجموعة من الأطر والمقولات التي ينظمها الذهن البشري وراثيا وعصبيا وعقليا ومنطقيا ومعرفيا وتخييليا.

 

المبحث الثاني: معرفة الشعر وفق مقولتي الزمن والجهة

تناول إسماعيل شكري مفهومي الزمن والجهة في تحليل الخطاب الشعري وفق منظور الشعرية المعرفية. ومن ثم، يقر الباحث أن الدارسين ونقاد الأدب أهملوا كثيرا مكون الزمن في الشعر. في حين، يعد الشعر  بناء زمنيا وإيقاعيا بامتياز، ويتخذ صيغا متنوعة على مستوى الخطاب على جميع المستويات والأصعدة.

وبصيغة أخرى،  يعد الزمن أساس تطور الخطاب القصصي والسردي والروائي، بيد أنه أقصي في مجال الشعر بوعي أو عن غير وعي. في حين، لايمكن الحديث عن الخطاب الشعري إلا في علاقة بالزمن، على أساس أن تلقي النص الشعري وإدراكه يتحققان معا في الزمن. ومن هنا، فالزمن هو أساس الشعر على مستوى التفاعل بين المنتج والمتلقي. وبالتالي، فهو محور الخطاب الشعري بشكل أساس.

ومن جهة أخرى، أهمل هذا الخطاب أيضا دراسة مكون الجهة في بناء الصور البلاغية، وهذا ما يقوم به البحث بشكل خاص، حيث ينقل مفهوم الجهة من حقولها المنطقية والسيميائية واللسانية إلى حقل البلاغة لتوسيع مفاهيمها بشكل أرحب.

والجديد في هذا الكتاب أنه أضاف المستوى البلاغي في دراسة الجهة، بعد أن كان التركيز على ما هو نحوي تركيبي (مقولة الزمن)، وما هو دلالي ومعجمي (نمط الحدث ودلالاته). ويعني هذا أن " نظرية الجهة البلاغية تقدم تأويلا زمنيا ومعرفيا للأوجه البلاغية ، في اتجاه بناء بلاغة عامة  على أساس الأطروحة الآتية:

التشاكل آلية مركزية لتشييد الجهات البلاغية .ذلك أن هذا المفهوم ، بالنظر إلى تعريف محمد مفتاح (1985) الذي وسعناه، تكرار لنواة معنوية بإركام عنماصر صوتية ودلالية وفضائية في مساق لساني أو بصري.وهذا ما يترتب عنه توليد معظم الأوجه البلاغية بواسطة التشاكل المتعدد من قبيل الاستعارة والطباق والمناقضة .ناهيك عن التشاكلات الصوتية والفضائية التي توسم بالتناظر والتغاير والتقابل...ومن ثم، تسمح مبادئ التأويل بإعادة تشييد الجهات البلاغية في نسق زمني.فكل جهة، بهذا المعنى، تكرار لنواة الزمن التراكبي خطيا أو دائريا أو فوضويا أو مطاطيا داخل مساق تفاعلي مرآوي...

ومن هنا، نقترح تشييد نموذج للجهة البلاغية (Rhetorical aspect)، يضطلع بتفسير وتأويل المكونات الزمنية في الرسالة الشعرية، ويمكن تعميمه على مختلف أنواع الخطاب، بل يقودنا إلى إعادة تصنيف الصور البلاغية تصنيفا جديدا."[6]

وينطلق الباحث من المقاربة المعرفية من جهة، والاعتماد على المقاربة التفاعلية من جهة أخرى، في تأويل الصور البلاغية القائمة على التكثيف والامتداد، واستعمال مفاهيم الذكاء الاصطناعي، ومفاهيم العلوم المعرفية التي تنظر إلى الصور البلاغية على أساس أنها أنساق معرفية تؤطر تفاعل الذات مع العالم الذي تحيا فيه. ويعني هذا  أنه يتمثل منهجية أستاذه محمد مفتاح  الذي فصل ذلك جليا في كتابه (التشابه والاختلاف)[7].

ويعني هذا أن الباحث يدرس الخطاب الشعري والصور البلاغية وفق مقترب زمني وجهي، " يروم إعادة بناء الصور البلاغية انطلاقا من منظور تشييدي - معرفي يتجاوز بعض التصورات القابلة للدحض في البلاغتين العربية والغربية، مثل مفهوم الجناس ومفهومي الانزياح والتوازي، مما يسمح بتشييد بلاغة معرفية تأويلية تصنف تلك الصور البلاغية تصنيفا زمنيا تفاعليا حيث نؤول، مثلا، الاستعارة بناء على آليات زمن الانكماش (الجهة المطاطية)، ونقرأ الطباق بالنظر إلى الزمن الفوضوي (الجهة المتشابكة)..إلخ. وهي قراءات تستلزم بناء مفهوم الجهة البلاغية على أساس نظرية التشاكل التي تؤطر الصور البلاغية ضمن نسق تفاعلي بين المنتج والمتلقي، وتتجاوز ثنائية حقيقة/مجاز، وثنائية لغة شعرية /لغة عادية، كما تتجاوز النظر إلى الصور البلاغية بوصفها إسقاطات أو محسنات معجمية، خاصة أنه ينظر إلى الذكاء الاصطناعي ، وفق هذا المنظور الزمني المعرفي، باعتباره قوالب ذكية تمكن الإنسان من التواصل مع العالم وليس مجرد محسن للكلام. وبذلك نجد الاستعارة في كلام الأطفال، والإطناب في الخطابات التواصلية .بيد أن بناء هذا النموذج البلاغي المعرفي فرض علينا استعارة المفاهيم التشييدية الموالية."[8]

بعد أن قدم إسماعيل شكري تعاريف مختلفة للجهة، انتقل إلى دراسة الجهة البلاغية انطلاقا من الجهة التكرارية في اللسانيات. ويعني هذا أنه قد توقف عند الصور البلاغية الزمنية بالدرس والتحليل والفحص، ولاسيما جهات التكرار والعادة والاستمرار التي تتشابه وتتماثل مع الجهات البلاغية القائمة على الإطناب، والتشاكل، والجهة المطاطية، والجهة الدائرية، والجهة المتراكبة. وقد رأينا مجموعة من التصورات الشعرية التي تجعل التكرار و التوازي ميسمين للشعر كما عند رومان جاكبسون، ويوري لوتمان، ومحمد مفتاح [9] الذي  توقف عند عدة مفاهيم تحيل على جهة التكرار، مثل: التوازي، والتجنيس، والتشاكل، والتعادل،  والتوازن، والتنضيد، والاتساق، والانسجام، والترادف، والتماسك...

ومن هنا، يدرس إسماعيل شكري الصور البلاغية في ضوء مقولات ثلاث هي: مقولة الزمن، ومقولة الجهة، ومقولة المعرفة الإدراكية. ومن هنا، فقد تحدث عن مجموعة من الجهات البلاغية على النحو التالي:

1- Œالجهة الدائرية : تعتمد على الإيقاع الزمني المنتظم، كما في صورة الاستبدال، وتشاكل القوافي العروضية، وصورة التشاكل المنتظم، وصورة التوازي الصوتي...

ويمكن " تحديد كيفية اشتغال الجهة الدائرية بزمنيها (المنتظم وغير المنتظم (الدوري)) انطلاقا من البحث في أنساق التشكلات الصوتية والمعجمية والتركيبية التي تنتظم مجموعة من الأوجه البلاغية، دون أن نتجاهل تفاعل هذه الجهة مع جهات بلاغية أخرى بواسطة مبدإ الانعكاس المرآوي"[10].

ويعني هذا أن الجهة الدائرية هي جهة قائمة على التكرار والتشاكل والدوران في الإيقاع الزمني المتوازي نفسه، وتتفاعل مع باقي الجهات الأخرى تفاعلا وبناء وتشييدا؛

2- الجهة الخطية : نجدها بكثرة  في القالب الفضائي التشكيلي والبصري والكونكريتي القائم على تتابع النقط تغايرا وتقابلا وتماثلا وتناظرا؛

3- Žالجهة المطاطية: تنبني على مفهومي الامتداد والكثافة . وبتعبيرآخر،تعني هذه الجهة خاصية التمطيط والتمديد الزمني والإيقاعي من جهة. وتحوي زمن الانكماش المتمثل في الاختزال الصوتي والحذف(م.و.ك الذي يعني المكتب الوطني للكهرباء) من جهة أخرى. وقد تحدث الدارس عن الانكماش الاستعاري كما في مثال : " صافحت أسدا" الذي يضم عالمين متقابلين: عالم الإنسان وعالم الحيوان. وقد حذف عالم الإنسان، وبقيت لوازمه الكنائية التي تتمثل في المصافحة. ويعني هذا أن الانكماش الاستعاري يقوم على الحذف والإضمار والتكثيف.

وتحوي الجهة كذلك زمن التوسيع، بما يتضمنه من توسيع صوتي وتوسيع كنائي. كما تتوفر على الزمن التصاعدي الذي يبنين نسق التطور بواسطة الحكي والحجاج[11]؛

4- الجهة المتراكبة أو المتضمنة : هي التي تؤشر على "زمن التراكب" بين التشاكلات المحتلة للوضع نفسه ، والمبنية بواسطة التعدد المعنوي، مثاله: نهاري ليل، وكلب الضابط ينبح. يتضمن المثالان معاني عدة قائمة على التضمن والتراكب، كأن يدل المثال على السخرية، أو يدل على المعنى التقريري الحقيقي للجملة؛

5- الجهة المتشابكة:  تتحقق هذه الجهة في الزمن الفوضوي الذي يتقابل مع الزمن المنتظم الدائري. ومن أمثلته: القلب، والإبدال، واللاتشاكل، والتضاد، والتناقض، والتقابل..

ويعني هذا أن الجهة البلاغية تكرار لنواة الزمن التراكبي خطيا، أو دائريا، أو مطاطيا، أو فوضويا.

 ولم ينس الباحث أن يتناول زمنية الصور البلاغية دالا ومدلولا، بالاعتماد على قوالب ثلاثة هي: القالب الصوتي، والقالب الدلالي، والقالب الفضائي حسب طبيعة النص المرصود، فإن كان النص الشعري كاليغرافيا أو كونكريتيا بدأ بالقالب الفضائي، وأتبعه بالقوالب المنهجية الأخرى. وإن كان النص خاضعا للترديد الصوتي وظف القالب الصوتي في البداية، وأتبعه الباحث المحلل بالقوالب الأخرى. وإن كان النص موضوعاتيا بامتياز، بدأ الباحث بالقالب الدلالي، وأتبعه بالقوالب الأخرى. ويمكن أن يكتفي الباحث بقالب جزئي واحد، أو يجمعها كلها في تحليل تأويلي واحد. ويعني هذا أن الباحث يستعمل القالب الذي يفرضه النص الشعري.في حين، تستلزم البنيوية أو السيميائيات البدء بمستويات منهجية معينة .

ومن ناحية أخرى، فقد تجاوز الباحث الثنائيات التقليدية في البلاغة كثنائية المعيار والانزياح، وثنائية الحقيقة والمجاز، واستبدلها بثنائية زمنية معرفية تفاعلية هي ثنائية الكثافة والامتداد القائمة على التفاعل بين المتلقي والتنظيم الزمني، وفق التصورات المعرفية والفلسفية والمجتمعية.

وقد انتقل الباحث من الشعرية اللسانية (الإنسان بنية)، والشعرية السيميائية (الإنسان علامة وأيقون)، إلى الشعرية المعرفية ( الإنسان حاسوب، أو ذكاء اصطناعي ومعرفي، أو بنيات تحسيبية تفاعلية). وهذا ما جعل الباحث يفسر الأوجه والصور والمحسنات البلاغية تفسيرا معرفيا وذهنيا وإدراكيا؛ إذ ينتقل الباحث من تصنيف معجمي للصور البلاغية إلى تصنيف  جهي أو زمني؛ لأن الجهة هي التي نطل من خلالها على الزمن، وفق قوالب صوتية، ودلالية، وفضائية. ويتحكم المنتج والمتلقي في أنواع تلك الجهات البلاغية.

الخاتمة:

ونخلص، مما سبق ذكره، أن  الباحث يقدم مبدأ الجهة على أساس أنه آلية إجرائية جديدة لتصنيف الصور البلاغية العربية من جديد، وفق مقاربة تفاعلية معرفية إدراكية. أي: يشدد على البعدين الزمني والجهي في توصيف الصور البلاغية وتنميطها .

وعليه، يقدم الباحث مشروعا أو طرحا معرفيا جديدا حول زمن الشعر وفق منتظم تشييدي، فالزمن ليس معطى في النص، بل يشيد ويبنى عبر مجموعة من العلاقات المتشابكة والتفاعلية انطلاقا من آليات التأويل الممكن. ومن ثم، يمكن الاستعانة بمجموعة من العوامل البيولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والدينية والأنتروبولوجية في عملية التأويل وبناء النص المعطى. وبذلك، يتساند الزمن مع الجهة في فهم الصور البلاغية وتفسيرها وتأويلها وفق الشعرية المعرفية.

 

د. جميل حمداوي

.......................

[1]- إسماعيل شكري : في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[2]-Brône, Geert and Jeroen Vandaele (2009). Cognitive Poetics. Goals, Gains and Gaps. Berlin: Mouton de Gruyter ; Gavins, Joanna and Gerard Steen (2003). Cognitive Poetics in Practice. London: Routledge. ; Semino, Elena and Jonathan Culpeper (2002). Cognitive Stylistics: Language and Cognition in Text Analysis. Amsterdam and Philadelphia: John Benjamins ; Stockwell, Peter (2002). Cognitive Poetics: An Introduction. London: Routledge.

[3]- ظهرت اللسانيات المعرفية (Linguistique cognitive ) ما بين سنوات الثمانين والتسعين من القرن العشرين مع مجموعة من الباحثين في مجال علم النفس المعرفي . وقد اهتموا بدراسة النصوص والخطابات دراسة آلية، أمثال: روميلهارت (Rumelhart)، وأبلسون (Abelson)، وشانك (Shank)، وليهنيرت (lehnert)، وديير(Dyer)...

وقد ظلت النظريات الأولى أقل تنظيما، ولم تكن لها علاقة مباشرة بالقضايا اللسانية. ولكن منذ التسعينيات، بدأ علماء النفس المعرفي يهتمون باللسانيات النصية، وبدأوا يبحثون عن القدرات المعرفية عند الإنسان من خلال تحليل النصوص والخطابات، وخاصة مع تطبيق نظرية برتوتيب (Prototypes).

[4]-Tsur, Reuven (2008). Toward a Theory of Cognitive Poetics, Second, expanded and updated edition. Brighton and Portland: Sussex Academic Press.

[5] -George P. Lakoff   with Mark Johnson(1980). Metaphors We Live By. University of Chicago Press.1980.

[6]- إسماعيل شكري : في معرفة الخطاب الشعري: دلالة الزمان وبلاغة الجهة، ص:14-15.

[7]- محمد مفتاح: التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[8]-  إسماعيل شكري : نفسه، ص:16-17.

[9]- محمد مفتاح: التشابه والاختلاف، ص:93.

[10]- إسماعيل شكري: نفسه، ص:95.

[11]- إسماعيل شكري: نفسه، ص:131.

 

960-HAMIDضمن سلسة الشعر (2) لعام 2013 م / منشورات إتحاد الكتاب العرب دمشق صدر ديوان شعري (لدمشق هذا الياسمين) للشاعرة (ليندا إبراهيم)، والديوان يقع ب 100 صفحة من الحجم المتوسط أخرجتهُ فنياً (وفاء الساطي)، يحتوي الكتاب على 29 قصيدة من ضمنها قصيدة الإهداء، 9 قصائد عمودية و20 قصيدة التفعيلة .

ومجموعة الشاعرة (ليندا) الشعرية مستهلةً تهديها، (السلام على الشعر / مني على الشعر أزكى السلام)، وتسترسل (على مفردات من النور / جئن كدفق الغمام) .

سئلَ أحد الأعراب الشاعر المتصوف الحلاج – (أبو عبد الله حسين بن منصور الملقب بالحلاج 244 هـ – 309 هـ ) – ما في جبتك، فأجابه الحلاج (ما في جبتي غير الله)، وبسبب هذه الإجابة أتهمَ الحلاج بالزندقة وشنق بحضور جمع كبير من عامة الناس، ولأن دمشق الحاضرة العربية التي احتضنت الفكر العربي واليساري، وقدمت الكثير للشعوب العربية وللإنسانية، لذلك تكافَئُ من بعض الدول (المتأسلمة) والمستعربة لطمر هذه الجذوة الفكرية والحياة المدنية التي ألفتها الشام منذ أسست ومصرت وليومنا هذا، وتنبري الشاعرة ليندا ومعها من أحبَ الحياة والضياء والزهور للدفاع عن معشوقتهم ومقدستها الشام لكي لا تُشنق كما شنق الحلاجُ الذي قرأتهُ بتمعن وروية، وتحاولُ محاكاة عشقها المتوحد مع ذاتها الدمشقية التي جبلت عليها، (ولها من الفردوس، حورٌ مائسات، عند غوطتها، يفحن شذى، على عتباتها)، ولأن الشام ودمشقيتها التي ألفت وتآلفت، (مآذن النجوى، نواقيس التذكر، هيكل الإيمان، محراب اليقين، تهجد النساك، في غرفاتها)، وتجزم الشاعرة (ليندا) أن دمشق عصية على أن يطمس ذكرها ويمحى تاريخها العريق، (دمشق بادئة الزمان ومنتهاه، المصطفاة من المدائن روحها وصفاتها) .

يمكننا أن نحيل قصائد ديوان الشاعرة (ليندا) لعدة أغراض شعرية، القصائد الوطنية، الوجدانية، الذاتية، قصائد الغزل، ولا أتمكن كقارئ ومتذوق لما تكتبه (ليندا) أن أقتطع بيتاً وأكتفي ويكتفي معي القارئ بتشكيل حصيلة أدبية ورؤية لوحدة موضوعة القصيدة إياها، القصيدة عند الشاعرة سلسة متواصلة إن تفرطَ عقد جمانها أضعنا مضمونها وشتتنا حبيبات مسبحة قصيدتها وما تريده الشاعرة بكل بيت من الشعر، بل وفي أي شطر من قصائدها، وبخسنا حقها في ما تريد إيصاله لمتلقيها ولمتذوقي ما تكتبه .

(من أين أبتدئ الغناء / ولمن سأهدي قبلتي الأولى)، ونتخطى عتبات حنينها في قصيدتها (أمي) لنصل، (وكل ما في الكون أبيض جاء / من وجهٍ لأمي / كان شمسا صيغ من ذهب السنابل)، وحين تغادرها طيوف ملائك أمها التي حطت على شرف السماء تقول، (طوبى لها / اليوم أبتدئ الصلاة لوجهها / واليوم أبتدئ الغناء) .

أحاول جمع بعض شذرات من ديوان (لدمشق هذا الياسمين) أجلي بها ركام إسفاف ما تسمى قصائد البعض من المتشاعرين، وما أكثر أدعياء الحرف الذين أساءوا للذائقة الأدبية وشوهوها، فالحرف والقصيدة عند الشعراء – الشعراء - محراب مقدس لا يلجون عبابه إلا على دراية باللغة ونحوها، والبحور العروضية وميزانها، مستثنى من ذلك القصائد المنثورة .

960-HAMIDمن قصيدة سورة الحب، (رباه هذا الحب يشبهني / ومنذ الصبوة الأولى / أسبح باسمه / أني أنا الأنثى التي أرخت جدائلها / على عرش القصيدة)، وتقول (أنا فتنة الأنثى / تفيض على مدارج دوحها عطرا / وينسكب الغمام) .

في قصيدة (خالقة) تؤنب الشاعرة مخلوقها الحبيب وتزدريه، وعلى النقيض تعد – تحسب - له أفضالها عليه لتمجيده وإعلائه، ولأنها الربةُ تجده أقل شأنا منها فتترك مخلوقها قائلة له، (أمجد ما خلقت / وقلت / يا روحُ استريحي من عناء الخلق / ثم منحتك الاسم الجليل) .

من حزنها في قصيدتها (أغنية الشتاء) فالى من تهدي شتائها الحزين، بعد أن عتّقوها بقارورة الصمت، وزفوا لها الظلمَ والظلام بسنين ربيعها لتجترح قوتها من طاهر جرحها وتسد جوع حنينها بدفاتر حبها العتيق، ولتكتب رثاء الاشتياق والبعد والوصل والصد والعشق والشهد المرير، و(حشدتُ حروفي مواكب نور / تشيِّع هذا الأمان الخؤون)، ولم تيأس بل (وتهدي لأفئدة العاشقين / غناء ورود شتائي الحزين) .

في قصيدة (نقش حناء على صدر السويداء) تؤطرها (الى سويداء القلب وشامة الوطن) فتقول، (أتيت فأنسكبي برداً على كبدي / يا حنطة القلب يا دنيا من الأبد / أتيت أحمل قلبي ديمة هطلت / على ذرى صدرك المزدان بالبرد / وفي يدي بعض حناء سأنقشها / على ترائب فيهن الجمال ندي)، وتؤمن الشاعرة بأن شامها والسويداء بنيت، وعَلت وبقيت، وقاومت لأنها (بصرح من المجد / جدرانه عمِّدت / بدم الشهداء)، ولذلك أضحت السويداء الكبيرة والشام الأكبر (وطناً شامخاً / وأرضاً تضج / نخيلا وقمحا)، وأضحت حاضرة إنسانية (وعشا لعصفورة / ويمام) .

الحلول في الذات الخالقة لا يعد سبة أو ذنباً ليرمى صاحبه بالزندقة أو الكفر كما أرى وأفهم، (يا عبدي أطعني تكن مثلي، تقل للشئ كن فيكون)، وهي غير الاعتقاد بحلول الخالق بالذات المخلوقة عند أهل المنطق والروحانية وهو الكفر كما يروون، وفيه اختلافات فقهية عند مذاهب المسلمين لست بصدده، ووجدت بعض الإيحاءات والإشارات والشطحات الصوفية نقرأها ببعض قصائد الشاعرة (ليندا إبراهيم) ومنها قصيدة (صوفيات)، وقصيدة (هائم)، وقصيدة (مقام الهوى)، وقصيدة (نفحات)، وبعض أبيات متفرقة بمنصوص قصائد الديوان، من قصيدة نفحات نقرأ، (ففي فؤادي خوابٍ من سلاف هوى / مذ عتقت في دنان الحب أعضائي / ومذ تعرفتُ في قلبي ثمالته / أبصرت في لوحهِ العلويَّ أسمائي / .... حيث الطيوفُ غريراتٌ مولهةٌ / بالعشق تسكن بين الحاء والباء / هذا هو الحب إذ أحيا به وله / فأن فنيت ففي أيديه أحيائي)، ومن قصيدة مقام الهوى، (سفري طويل / والقصد دوحك / والشمول)، وفي قصيدتها (نفحات) أكثر من تسائل وإجابة واعتراض، القصيدة في شطر بيتها الثالث تقول، (هو الله يأتي بالزمان وأهله) حقيقة لا مناص منها، وتتساءل في عجز نفس البيت وكأنها تقول لماذا، (وتهوي عليهم بالمنون معاوله)، وتستعجب بقولها في البيت الخامس من نفس القصيدة، (وتحصد كف الموت أرواحنا غدا / كأنا لديه حقله ..وسنابله)، وتمضي متسائلة وصولاً لقناعة الوجود المطلقة فتقول، (وإما تجلى الله للروح أترعت / من المطر القدسي ما شاء وابله)، ولا يفوتها وهي بهذا المحتدم من الرؤى والقناعات والتساؤلات أن تشير لذاتها، (بروحي مسيح الحزن ضجت جراحه / وجسمي من الأرزاء ينهدُّ كاهله)، لتخلص خاتمة لمعشوقتها الشام فتقول، (عليك أيا أم الزمان سلامنا / إذا بيرق بالنصر لاحت أوائله / فشام الدنى أرضي وفيها ملاعبي / تسامق فيها المجد صرحاً تطاوله) .

بين هذا وذاك من الإغراض الشعرية تشكلت عند قراءتي المتأنية لديوان (لدمشق هذا الياسمين أن الشاعرة كانت بقصائدها، واختياراتها، وبحسن معانيها، وجزالة ألفاظها موفقةً، وأزعم أنها غير موفقة مع من تحب، ودليلي لذلك مسحة الحزن، ولؤلؤ الدموع والأسى الذي يفيض من جوانب قصائدها الذاتية ففي قصيدة (المرض الأخير لأبي الطيب المتنبي)، (روحي / تكابد وجدها الأقصى / وعمري طاعن بالحزن .. قلبي مطفأ القنديل / لا زيت فيسرج هذه النفس الجموح / ولا بقايا من عراق الروح / أو ذكرى حبيب) .

الحزن يؤججه الانتظار، الرغبة ونقيضها، اللقاء والصدود، الدفء والثلج، الأنوثة المحترقة، الخذلان والخسارة، تجتمع بين سطور أبيات قصيدة (أرق)، (قلت سأسرج / القمر المسافر / كي يراني أجمل امرأة، وأوقد رغبتي / كي يهتدي لحقوله العطشى / وينثر شجوه الحاني على قلقي .

لدمشق هذا الياسمين ديوان شعري ينبأ عن طاقة شعرية إبداعية في زمن يندرُ أن تجد شاعرة تحسن لغة التخاطب، بلغة عربية غير ملحنة، فضلا عن بعض الشعراء أيضا، ولا غرابة أن الشاعرة (ليندا) تتقن اللغة العربية ونحوها، الشعر وأوزانه، لأن جذورها المعرفية تتصل بعراقة عائلتها التي أنجبت الكثير من المشايخ، الذين تعتبر اللغة العربية حبلَهم المتصل بالدين والمعتقد، وتمتلك الشاعرة أذنا موسيقية تمييز فيها عروضيا بين هذا البحر وتلك التفعيلة، لذا نجدها تكتب قصيدة التفعيلة من بحرٍ تختاره، وربما نجد بنفس القصيدة مختارةُ البحر أبياتا عمودية، وهذا بزعمي متأتياً من إتقان نحويٍ وعروضي، أبارك للشاعرة ليندا إبراهيم هذا الفيض من الياسمين الذي أغرقني بفوحان عبيره الياسميني .

 

ببلوغرافيا:

ليندا سلمان إبراهيم

شاعرة وأديبة - مواليد دمشق

الشهادة: الهندسة – جامعة تشرين

العمل: وزارة الثقافة السورية - مديرية ثقافة طرطوس

مكان الإقامة: سوريا – محافظة طرطوس ..

عضو اتحاد الكتاب العرب – عضو جمعية الشعر

عضو نقابة المهندسين السوريين

عضو لجنة التمكين للغة العربية

عضو جمعية العاديات الثقافية الأهلية

الجوائز:

- جائزة المجاهد الشيخ صالح العلي الشعرية 2001

- جائزة مسابقة أمير الشعراء 2013 /دولة الإمارات العربية المتحدة - أبو ظبي /

- جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي العربي /بغداد / العراق/ 2014

- جائزة عمر أبو ريشة للشعر العربي سوريا 2016

 

صدر للشاعرة ...

1- "لدمشق هذا الياسمين" مجموعة شعرية صادرة عن اتحاد الكتاب العرب –سوريا 2013

2- "فصول الحب والوحشة" مجموعة شعرية صادرة عن وزارة الثقافة السورية 2013

3- "لحضرة الرسولة" مجموعة شعرية صادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2016

 

 

 

ahmad alshekhawiلعلّ السمة الطاغية على منجز شاعرتنا،تتمثّل في زخم التّلوينات الأحفورية  التي تفتيها بواطن المعنى وتقود إليها نصوص العمق الواشية بجملة أسراره والتباساته جوانب معينة للصمت.

بالتالي فنحن إزاء صوت هامس وغامر بكمّ الوجدانيات التي تسرف  برشمها انطباعات اليومي وبعض الإلتقاطات المشهدية الباهتة والآيلة للأفول، وكنافلة لذلك،استغراق أسلوبية مغايرة راقصة على إيقاعات تراجيدية عابرة لتفاصيل حياتية و عقد ونقاط إشكالية جوهرية شبه مهجورة.

وهكذا افتعال الطقس الروحي المتناغم ولحظة الولادة المشرقة لأحرف تناطح شموخ الرؤى وتكسبها بعدها الوجودي على نحو مخوّل لسلاسة تمرير مواقف ضبابية تتبوأ منطقة المابين.

كضرب من التّرويح على الأنوية الهائمة في متاهات الزمان والمكان، تشحذ الرمزية والإيحائية من صور الجمال المتناثرة قدر جود المخيال في تماسه وتفاعلاته مع الغيرية من منطلق طوعيّ محض تزركشه بضع محطات النرجسية في رسم لوحة كلامية رخوة ونوعية الخطاب ومخملية ما في مقدوره توليد الرعشة وقشعريرة الصعق،في حواس التّلقّي التزاما بتخوم بلاغية محددة ومنتصفة انتهاء للقضية العاطفية الجامحة والجامعة.

تلكم شعرية تتنفّس المعنى الزئبقي والمراوغ ،برئة الجنسانية ،وتلاحق الدلالة بعدّها انعكاسا مباشرا لاصطدام أوّلي معرّ وفاضح للظرفية باعتماد مفردات وجودية تتحاشى الصياغة المكرورة للحالة والمبدأ والذات.

ذلك حين يطرّز الحرف ويُخطّ بدم القلب والإخلاص للفعل الإبداعي ،يروم استنفار المغيب فينا واستفزاز المعطّل نكاية في تعفّن الجرح واختمار الخيبات، ويقيم في وعينا المشوش طاعنا بنكهة تمرد روح مهتزة ديدنها الاستكشاف.

كذلك هي الشاعرة اللبنانية المتوهجة فلورا قازان في نظرتها الاستثنائية إلى الذات والآخر والعالم ،تمحورا على تشابكات وتداخلات وتناقضات إستراتيجية مجهدة حدّ التيئيس و الإغواء برفع الراية البيضاء والاقتناع بخيار الاستسلام.

إنها قامة مهووسة باختراق المستحيل لدرجة حملنا على مباهج تأول قضيتها المركّبة وسبر عوالمها المفخخة بمعسول بوح يُلبس الذائقة فرو الفضول المزدان بجنون مغامرة رشق زاوية الأنوثة الماكرة في الطاقة الصوتية النسوية الهائلة والمتدلية مثل شامة آسرة بألغازها تيمّنا بسلطة وسطوة الجمال ، ومطلة من على شرفات وجع كوني لا يُقهر.

فلنتملىّ هذه الإلتماعات ولننصت إلى نبض كنوز ما تصمت عليه ألوانها :

"يا سيدي 

أنا امرأة

من لون الشمس جدائلي

أحمل بيميني عنواني .

وبعيني لهفة بركاني

وفي محراب كفيك

قصيدة عشق تحييني"

................

" يتربع الندى على مقعد وثير

والزنبق يوْلم حقول السمـــاء حين

يمنحنى حبك الغيم شهوة المرور

لمرافىء المطر .."

................                                 

"رَشَقَ نافِذَتي بعدَ مُنْتَصَفِ الخيبةِ

وسأَلَني مَنْ أنتِ ؟

أنا الموجوعُ المَنفيُّ

أُريدُ أنْ أتَفَقَدَ دَهْشَتي

قبلَ أنْ تُزهرَ مأساتي

وتموتَ دونَ شهاداتٍ قصائديْ

نَزَفَتْ الدَّمعةُ على خدِّ الوَرَق،

وَرَسَمَتْ لَهُ الجوابَ

لسانيْ كوكبٌ يُضِيءُ

يَحرِقُ ولا يرمَد ،

يُطْعِمُ ولا يُسَمِّم

لستُ بشاعرةٍ

ولا بأديبةٍ ولا بِكاتبةٍ

إنسانةٌ ظلُّها صامتٌ خَجولٌ

مرآتُها مكسورةٌ

وشظاياها تعبَثُ بالرّوحِ

طفلةٌ تَتَنَفَسُ الشعورَ

وتُمْطِرُ الحروفَ

تُشاغِبُ الغيمَ

ولا تُرافِقُ الضيْمَ

تائهةٌ عن وزنِ الشعراءِ

شاردةٌ عن متاهاتِ الألقابِ

السماءُ ورقتي البيضاءُ

ودموعيْ تروي أقلامَ الوفاءِ

لا لستُ كما ينعتوني

بملكةِ الورودِ

والعطورِ .. والحروفْ

بل ناسِكة

تعشَقُ عينَ النورِ

وتستنيرُ من عطشِ الروحِ

لستُ أميرةَ السماءِ

ولا غانيةَ المساءِ

لستُ سليلةَ العظماءِ

ولا غَريبةً عن الأنبياءِ

ولستُ أبداً أبدا

حوريةَ البحرِ

لكنْ من كفِّ الشعر

أُهدِيِهِ الإعصارْ..."

..................

"أوَلَّ مَنْ صَنْعَ من أحْلاَمِي

عَقْدًا لِنَوْرَسِ الْحُبِّ، أَنْتَ

أَوَّلَ مَنْ نَقْشَ عَلَى كَفِي

نُبُوءَاتِ الْحَرْفِ، أَنْتَ

أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ مِنْ قَصِيدِتي

زغرودةَ نَبِيذٍ، أَنْتَ

النُّبُوءةُ، أَنْتَ

الْمَطَرُ، أَنْتَ

الْغِوايَةُ، أَنْتَ

النَّبِيذُ، أَنْتَ"

.................

"كانَتْ العَصافيرُ تُرَنِمُ بَسَماتِنا

على أغْصانِ الفِتْنَةِ ألْحانا

كانَ البَحْرُ وليفاً

يَهْدُرُ على شَهْدِ حُبِنا زَبَرْجَدا

والمُوجُ يَتَخَبَّطُ وَلَهاً

على وَقْعِ هّمْسِنا مَسْحورا

والحَواري هائِمَةٌ يَسيلُ لُعابُها زبدا

في ذلكَ الزَّمِنِ الجَّميلِ

حينما أحْبَبْتُكَ

كانتْ السَّماءُ رَبيعاً

تُمْطِرُ كونَنا بَنَفْسَجا

والرّيحُ عواصفاً

(مايسترو) ماهراً

يُهْدي عيدَ النّسيمِ كَرْنَفالا

يُغْرِقُ الجَّداولَ فصولا

والجِّبالَ والوِدْيانَ

مِنَ الهَوى أشْكالاً وألْوانا

في ذلكَ الزَّمِنِ الجَّميلِ

حينما أحْبَبْتُكَ

تَعَرَّتْ طُقوسُ الخَجَلِ

مِنْ ضَجيجِ مَواسِمِنا

وتَحَرَّرَتْ تاءُ الأنوثَةِ

مِنْ سِجْنِها تُطارِدُ استِهْجانا

وأسْقَطَتْ جُرأةُ النونِ

تَقاليدَ نقابٍ عَنْ أعْيُنِنا

فَقَطْ في ذلكَ الزَّمَنِ الجَّميلِ

حينما أحْبَبْتُكَ

كانتْ الزَّنابِقُ

تَرْتدي خِلْخالاً غَجَرياً

يُشْعِلُ أوتارَ الكَمانِ والنَّايا

يُقافِزُ سيقانَ النَّرْجِسَ والنَّهْدَ

على ضِفافِ الأنْهُرِ هَوْسا

في ذلكَ الزَّمِنِ الجَّميلِ"

بعين ثالثة فقط ،نستطيع مواكبة مدّ الانفلات ذاك،ونرشف عصارة لقطات العري الروحي ودفق الشظايا الذاتية الغائرة في مسح شامل،يباشر قلقلة الذاكرة ليعفيها من ركودها غير المبرّر و يعتقها من رواسب التيبّس والنشوز والزّيف وجحيم النفي.

بلغة برزخية مدغدغة ومغازلة بثرثرة المتون، تهدم كي تبني، عبر معالجات ضمنية تتخذ من المستقبل البشري وإرهاصاته،بؤرة ماسّة ووضعية إكلينيكية أحقّ بمشرط التشريح.

خلاصة القول أن شاعرتنا تلوذ بمعطيات التجاوز بغية تحقيق الغرض العام و التّكريس لخطّ تعبيري يرقي وينشد تطوير صنعة الشعر، اعتقادا بنظرية التحول وتفجير الكامن في الذات ـــ فنيا ـــ واطّرادا مع السيولة الوجدانية ملء صاع الاغتراف من عناصر الطبيعة وعلى وجه الاقتراض لا أكثر.

ومن ثمّ حصاد الميزة المشرّفة واللائقة خارج السرب المبتلى بفوضوية النص.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

jamil hamdaouiالمقدمة: عرف أدب الأطفال اهتماما كبيرا من قبل الباحثين والدارسين في الوطن العربي، بالتأريخ، والتوثيق، والأرشفة، والتجنيس، والتصنيف، والتوصيف، والتحليل، والنقد. وقد تمثل هؤلاء الباحثون، في دراساتهم لأدب الأطفال، عدة مناهج ومقاربات نقدية، منها: المقاربة التاريخية، والمقاربة الببليوغرافية، والمقاربة التأثرية الانطباعية، والمقاربة السوسيولوجية، والمقاربة النفسية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة البلاغية، والمقاربة السيميائية، وغيرها من المقاربات النقدية المعاصرة الأخرى.

 لكن ما يهمنا، في هذا الحيز الطباعي الضيق، هو التركيز على الصورة البلاغية بنية، ودلالة، ووظيفة. ثم دراسة الصورة السردية الرحبة، أو الصورة البلاغية الموسعة، في مجال قلما اهتم به الباحثون والدارسون والنقاد العرب، وهذا المجال هو أدب الأطفال. ومن ثم، يعد الباحث محمد أنقار من أهم الدارسين الذين تناولوا الصورة القصصية في أدب الأطفال بالمغرب، بتحليل مختلف مكوناتها وسماتها النوعية والفنية والجمالية، في كتابه القيم (قصص الأطفال بالغرب) الذي صدر، في طبعته الأولى، سنة 1998م، وفاز بجائزة الكتاب بالمغرب في السنة نفسها، في فرع الدراسات الأدبية والنقدية واللسانية.

 

المبحث الأول: الدراسات النقدية في أدب الأطفال

مازالت الدراسات في أدب الأطفال بالمغرب قليلة جدا تعد على الأصابع. أما في مجال الرواية الموجهة للطفل، فالدراسات النقدية والوصفية تكاد تكون شبه غائبة أو منعدمة نظرا لتداخل القصة الطفلية مع الرواية، وعجز الببليوغرافيات المنشورة إلى حد الآن عن الإحاطة بكل النصوص الروائية الطفلية الموجودة في الساحة الثقافية المغربية[1]. ولكن هناك محاولات قيمة قام بها بعض الدارسين المغاربة في مجال نقد القصة الطفلية وأرشفتها والتأريخ لها كمحمد أنقار، وعبد الله المدغري العلوي[2]، وعبد الهادي الزوهري[3]، ولطيفة الهدارتي[4]، وجميل حمداوي[5]...

بيد أن هذه الدراسات لم تنصب إلا على جنس القصة بالتحليل، والنقد، والأرشفة، والتأريخ. وبذلك، أهملت جنس الرواية الطفلية على سبيل التحديد . وبالتالي، لم تفصل أجناسيا ومنهجيا بين القصة والرواية. لذا، يلاحظ، بكل وضوح وجلاء، مدى الخلط الكبير في هذه الدراسات بين القصة والرواية الطفليتين.

بيد أننا نلفي، في مجال نقد السرديات، كتابا قيما ومتميزا في مجاله، يعد في رأيي من أجود الكتب الأكاديمية الجادة في قصص الأطفال بالمغرب بصفة خاصة، والعالم العربي بصفة عامة، ألا وهو كتاب أستاذنا محمد أنقار (قصص الأطفال بالمغرب) [6] الذي اعتمد فيه صاحبه على مناهج نقدية حديثة ومعاصرة، بالجمع بين الجانب التوثيقي والجانب التحليلي، في ضوء منهجية بنيوية سردية موضوعية صارمة ومتماسكة اتساقا وانسجاما، مع الانفتاح على المنهجين التاريخي والفني. دون أن ننسى كذلك كتاب عبد الهادي الزوهري (تحليل الخطاب في حكاية الأطفال) [7] الذي بدوره استعمل فيه تقنيات البنيوية السردية من أجل التحكم في بنيات الحكايات الطفلية المدروسة قصة وخطابا.

وهناك كتاب آخر في مجال شعر الطفل للأستاذ العربي بنجلون ؛ هذا الباحث الذي أعطى الكثير لأدب الأطفال بالمغرب إبداعا، وتوثيقا، وتحليلا، وتنظيرا. ويمكن اعتباره، في رأينا، من الدارسين الرواد لأدب الطفل إلى جانب محمد أنقار بدون منازع. وهذا الكتاب المقصود بقولنا هو (شعر الأطفال (دراسات مشتركة)[8] الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1988م.

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند مقاربة الصورة في أدب الأطفال عند محمد أنقار بصفة خاصة. ويعد هذا الباحث أول من حضر رسالة جامعية بالمغرب حول أدب الطفل بعنوان (قصص الأطفال بالمغرب) سنة 1988م[9]. في حين، يعتبر العربي بنجلون أول من وضع ببليوغرافيا أدب الطفل بالمغرب في كتابيه (أدبيات الطفل المغربي) (1991م)[10]، و(كتاب الطفل بالمغرب) (2000م) [11].

 

المبحث الثاني: تعريف قصة الأطفال وتجنيسها

يثبت محمد أنقار، في بداية كتابه، صعوبة تعريف الطفل بشكل دقيق ومضبوط نظرا لتعدد التعاريف وتباينها واختلافها من باحث إلى آخر، ومن حقل معرفي إلى آخر. وبعد ذلك، فقد قدم الباحث نظرة مقتضبة إلى صيرورة النمو لدى الطفل معتمدا في ذلك على دراسات الباحثين النمائيين في مجال سيكولوجيا الطفل. ثم، انتقل الدارس إلى تحديد خصوصيات القصة وتعريفها وفق مكوناتها التجنيسية وسماتها الفنية والجمالية. وقد استعان الباحث بمجموعة من التعاريف في هذا المجال، ولاسيما تعريفي عمر الطالب وشكري عياد. بيد أن محمد أنقار قد استعرض مجموعة من المكونات التي تنبني عليها قصة الطفل، مثل: الحبكة القصصية، والمستويات السردية، والتوقيت، والإيقاع، والوصف، والحوار، والتشويق، والأسلوب، والزمان، والمكان، والشخصية، والحدث، والفكرة، والعقدة...

أما فيما يخص تجنيس قصة الطفل، فقد تحدث الباحث عن مجموعة من الأجناس والأنواع السردية، من بينها: القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والقصة، والرواية، والصورة القصصية، والمقالة القصصية، والحكاية القصصية، والحكاية العجيبة، والحكاية الشعبية، والحكاية الأسطورية، والخرافة، والنادرة، والنكتة، والأشرطة المصورة...

ويلخص محمد أنقار كل ما قاله في المقترح التالي: " إن قصة الطفل النثرية هي جنس أدبي نمطي يسرد أساسا للأطفال كي يقرأوه أو يقرأ لهم قصد التسلية والإمتاع، تراعي في تركيب عناصره وتحديد أجناسه وأنواعه الخصائص النوعية والذاتية لنموهم الجسمي والنفسي والعقلي والاجتماعي والخلقي واللغوي، ثم الخصائص الموضوعية الخارجية، وكذا المكونات العامة للجنس الأدبي وسمات النوع. وقد تشتمل قصة الطفل على مواقف تعليمية أو تهذيبية، أو تنجز في سبيل تحقيق غايات ومصالح قريبة.غير أن مثل هذه المواقف والغايات لاتدخل ضمن الاعتبار الحقيقي لهذا النمط التعبيري إلا إذا كانت نابعة من صميم البنية العامة للنصوص. ومادة هذه القصة قد تكون مبتكرة من شتى مظاهر الواقع والخيال، أو مستوحاة من أجناس أدبية أخرى، أو مقتبسة من التراث الشعبي الإنساني. وتتداخل في بناء هذه القصة شبكة معقدة من المكونات أبرزها - على سبيل التبسيط- الحبكة والزمان والمكان والشخصيات والأحداث والفكرة والعقدة وحلها، إلى جانب الحوار والوصف والتوقيت والتشويق وتباين الأساليب ومستويات السرد. وكل هذه المكونات لا توظف، بالضرورة، مجتمعة في نص قصصي واحد أو بدرجة واحدة من الأهمية، إذ إن طبيعة المرحلة الطفولية المعنية بالخطاب هي التي تجعل مكونا أو مكونات تهيمن على عملية الحكي.وأهم الأجناس القصصية المتداولة بين الأطفال هي القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والقصة، والصورة القصصية، والمقالة القصصية، إلى جانب الأجناس الحكائية: الحكاية الشعبية، والحكاية العجيبة، والحكاية الأسطورية، والخرافة، والنادرة، والنكتة، ثم الشريط المصور.

إن قصة الطفل قد تبدو، من خلال وجهة نظر عجلى، غير مختلفة في تركيبتها وأشكالها عن قصة الراشد.إلا أن المقاربة المتأنية لمستوياتها البنائية العامة، والمعرفة الدقيقة بخصائص الطفولة يجعلان منها إبداعا متميزا بأدبيته الخاصة."[12]

وبعد أن حدد الباحث مفهوم القصة الطفلية، بشكل من الأشكال، بإيراد مختلف تعاريفها ومفاهيمها المجملة والدقيقة، وذكر أنواعها التجنيسية وفق المكونات والسمات النوعية والفنية والجمالية، انتقل الباحث توا إلى رصد تطورها تحقيبا وتأريخا وتوثيقا.

 

المبحث الثالث: تطور أدب الطفل بالمغرب

ينطلق الباحث من فرضية أساسية تتمثل في أن أدب الأطفال أدب قديم قدم أدب الكبار إلا أنه لم يحظ بالتدوين أو الدراسة أو الاهتمام كما حظي به أدب الكبار[13]. وينطبق هذا الحكم أيضا على قصص المصريين والإغريق والفرس والهند والعرب التي لم تخضع للتدوين والتسجيل والتوثيق والدراسة النقدية والتحليلية.

وبعد ذلك، قدم الباحث تصورا تاريخيا لتطور أدب الطفل في الثقافة الغربية، بالتوقف عند بعض التجارب المتميزة في هذا الشأن، كما في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، والدانمرك، وروسيا، وإسبانيا. ثم، انتقل الباحث إلى ذكر بعض التجارب العربية، كما في مصر، والعراق، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، وتونس.

بيد أن الباحث قد أعطى أهمية كبرى لتطور قصص الأطفال بالمغرب بصفة خاصة. وفي هذا الشأن، يرى محمد أنقار أن صحافة الأطفال قد تبلورت سنة 1947م، عندما خصصت جريدة العلم صفحة للأطفال في 20 يوليوز 1947م.وفي السنة نفسها، ظهرت مجلة (صوت الشباب المغربي)، ومجموعة قصصية لمحمد علي الرحماني. وفي هذا الصدد، يقول محمد أنقار:" الواقع أن اعتبار سنة 1947 فترة بداية لايعني أن ما قبلها لم يعرف قصصا وصحافة للأطفال، وإنما يعني أن الاهتمام الجدي بقصص الصغار في المغرب لم يبدأ بدرجة مكثفة وملحوظة إلا مع بداية ذلك التاريخ[14]."

ومن هنا، فقد كانت القصة الطفلية المغربية تراعي ميول الطفل واتجاهاته الذهنية والعقلية والجسمية والوجدانية والانفعالية والحسية-الحركية. وكانت تعبر أيضا عن مختلف وضعياته النفسية والاجتماعية والفكرية والتربوية والأخلاقية. وفي الوقت نفسه، كانت تستجلي نضال الحركة الوطنية في صراعها ضد المستعمر الأجنبي من 1912 إلى 1956م.

وعليه، لم تظهر قصص الأطفال في المغرب، على حد قول أستاذنا محمد أنقار في كتابه الرائد (قصص الأطفال بالمغرب)، إلا في سنة1947م، بانطلاق صفحة الأطفال بجريدة العلم [15]، وظهور جريدة (صوت الشباب المغربي) على يد السيد إبراهيم السايح الذي خصصها للأطفال. فضلا عن (مجلة الأنوار) التطوانية التي برزت في سنة 1948م، ومجلة (هنا كل شيء) التي كانت تصدر في الدار البيضاء سنة 1952م، وما كانت تنشره جريدة (منار المغرب) في سنتي1957و1959م، بعنوان (حكاية جدتي)، ومجلة (أنيس الأطفال) الصادرة بطنجة سنة 1953م.

وظهرت في السبعينيات عدة منابر ثقافية تهتم بقصص الأطفال مثل: (السندباد الصغير)، و(مغامرات سندباد للتلميذ)، ومجلة (أزهار)، و(مجلة الإرشاد)، ومجلة (العندليب) التي ظهرت في سنة 1975م عن جمعية التعاون المدرسي، ومجلة (المغامر) التي صدرت بإشراف محمد أوبريم، و(مناهل الأطفال) التي كانت تسهر عليها الوزارة المكلفة بالشؤون الثقافية، إلى جانب (أزهار)، و(هدية الندى)، و(المغربي الصغير)، و(التلميذ)، و(براعم)، ومجلة (أنباء الطفولة) التي كانت ملحقا تابعا لجريدة الأنباء، ومجلة (مستعد) التي تكلفت بها الكشفية الحسنية، وجريدة (الرائدة) التي صدرت في سنة 2007م على يد أمال محمد مسوحلي.

ومن أهم الكتاب الذين كتبوا قصص الأطفال في المغرب محمد العمري، وعبد الرزاق الدواي، ومصطفى غزال، ومصطفى رسام، ومحمد شفيق، وعبد الكريم حليم، وعبد السلام ياسين، وعبد الحق الكتاني، وعبد الرحيم الكتاني، ومحمد الصباغ، ومحمد الهيتمي، ومحمد علي الرحماني، وأحمد عبد السلام البقالي، وعبد الفتاح الأزرق، ومحمد إبراهيم بوعلو، وعبد الرحمن السايح، ومبارك ربيع، وعلي العلوي، وأبو بكر المريني، وعبد العزيز المنصوري، وجلول دكداك، وعبد الملك لحلو، والعربي بن جلون، ومحمد سعيد سوسان، وأحمد بوزفور...

وقد اعتمد كتاب قصص الأطفال على النقل والترجمة والاقتباس والتجديد، وقد تأثروا في ذلك بالأدب السردي العربي القديم (كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة) من جهة، والقرآن الكريم من جهة أخرى. كما تأثروا بالآداب الأجنبية، والكتابات القصصية العربية المشرقية والمغاربية (تونس)، كما كان يكتبها كل من محمد سعيد العريان، ومحمد عطية الأبراشي، ومصطفى دردير، ومحمود أحمد شريت، وفاروق عابدين، ومحمد عبيد،ومحمد سيد أحمد، وكامل الكيلاني، وعثمان جلال، وزكريا تامر...

ويرى محمد أنقار، في كتابه (قصص الأطفال بالمغرب)، أن مجلة سندباد المصرية قد أثرت تأثيرا كبيرا في الأطفال والصغار والشباب والكبار على حد سواء. كما أثرت أيضا في كتاب أدب الطفل، ورؤساء المجلات والجرائد الموجهة لخدمة الطفل تسلية وتثقيفا وترفيها. وفي هذا، يقول الباحث:" كان ظهور مجلة" سندباد" المصرية في سنة 1952 وانتشار توزيعها في المغرب قد وجها مسيرة قصص الصغار نحو مسار جديد ترسخت فيه بوضوح كبير قيم النقل والتقليد. ولم يعد من الممكن إغفال الدور الذي لعبته تلك المجلة في بلورة مفهوم صحافة الأطفال بالمغرب وقصصهم بلورة متميزة تجاوزت نطاق الطفولة لتمس كل التركيبة الثقافية في البلاد قبيل الاستقلال وبعده. فمنذ صدور "سندباد" وقسم من الصحافة المغربية لا يكف عن تتبع أخبارها والاقتباس أو" السرقة" منها. والظاهر أن هذه المجلة بجمال رسومها الملونة وغير الملونة، وروعة إخراجها وكثرة قصصها وحكاياتها، وسحر شخصية سندباد ذاتها؛ استطاعت أن تستميل بقوة فئات من الأطفال المغاربة الذين يحسنون القراءة لما وجدوا فيها بديلا عن الفراغ الذي كاد أن يكون تاما في مجال الصحافة والقصص المكتوبة بالعربية."[16]

وثمة صحف ومجلات مشرقية أخرى قد تركت تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في صحافتنا الطفلية المغربية، منذ ظهورها إلى يومنا هذا، كمجلة المدرسة، ومجلة الأولاد، ومجلة علي بابا، ومجلة سمير، ومجلة ميكي المعربة، ومجلة كروان، ومجلة صندوق الدنيا، ومجلة المسلم الصغير، ومجلة عرفان، ومجلة شهلول، ومجلة قوس قزح، ومجلة الشيماء، ومجلة مجلتي، ومجلة المزمار، ومجلة الصبيان، ومجلة الأمل، ومجلة اميقدش، ومجلة بشار، ومجلة مصطفى، ومجلة براعم الإيمان، ومجلة ماجد، ومجلة حسن، ومجلة الشبل، ومجلة حمد وسحر، ومجلة مشاعل، ومجلة سبايس تونSpace Toone، ومجلة افتح ياسمسم، ومجلة أسامة، ومجلة أروى، ومجلة أسامة، ومجلة باسم، ومجلة أحمد، ومجلة الفردوس أو مجلة الطفل المسلم، ومجلة العربي الصغير، ومجلة توت، ومجلة العربي العلمي...

ومن أهم قصص الأطفال بالمغرب (سلسلة سناء) لعبد الفتاح الأزرق، وسلسلة (كان يا ما كان) لمصطفى رسام، و(سلسلة القصص المدرسية) لعبد الحق الكتاني، و(سلسلة قصص الأطفال) لعبد السلام ياسين وعبد الكريم حليم ومحمد شفيق.

وبعد ذلك، تحدث محمد أنقار عن أنواع الخطاب في قصص الأطفال بالمغرب، فتوقف عند الخطابات التالية: خطاب القيمة (أو خطاب القيم)، وخطاب المغامرة، والخطاب الخارق، والخطاب التاريخي، والخطاب الشاعري.

 

المبحث الرابع: المقـــاربة النقـــدية

تمثل محمد أنقار البنيوية السردية في مقاربة القصة الطفلية في كتابه (قصص الأطفال بالمغرب)، وقد حاول فيه دراسة القصة في ضوء أدبية النص حيث يقول:" يعالج هذا الكتاب أدبية القصة النثرية بوصفها جنسا من بين أجناس أدب الأطفال، ويستبعد القصص الشعرية المركبة من جنسين متباينين، وحكايات الأطفال الشعبية المتداولة بين الصغار عن طريق المشافهة، وكذلك القصص المدرسية المباشرة."[17]

وقد كان محمد أنقار يخلط دراسته، في بعض الأحيان، بالجوانب التاريخية تارة، والجوانب الفنية تارة أخرى، بالتركيز على السمات ومكونات الصورة البلاغية، وتشغيل القيمة المهيمنة كما لدى رومان جاكبسون. ويعني هذا أنه كان يتوقف عند بعض آليات الصورة الموسعة، كما فصلها في أطروحته الجامعية المتعلقة بـ (صورة المغرب في الرواية الاستعمارية)[18].

 

المبحث الخامس: ملامح الصورة السردية

إذا كان محمد أنقار قد طبق البنيوية السردية في نقد قصص الأطفال في المغرب، فإنه قد توقف عند بعض الآليات التي تعتمد عليها الصورة السردية الموسعة، أو الصورة البلاغية الرحبة، كالإشارة إلى مفهومي المكونات والسمات بكثرة في أثناء الحديث عن المكونات التجنيسية لقصص الأطفال بالمغرب مقارنة بسماتها النوعية والنمطية. وفي هذا، يقول الباحث:" إن الحديث عن المميزات الجمالية لقصص الأطفال يعني البحث الإجرائي عن المكونات الأدبية لهذا النمط السردي. والبدء بالحبكة يعني الإمساك بطرف الخيط المتحكم في النسيج الكلي للقصة.[19]"

وفيما يخص السمات، يقول الباحث:" وإذا تجاوزنا الجنس الأدبي المركب المسمى بالشعر القصصي أو بالقصة الشعرية حيث يقوم البناء على وزن عروضي وعلى سمات فنية شعرية وقصصية متداخلة؛ وجدنا أسلوبا أدبيا آخر يقوم على تلك السمات المتداخلة نفسها، باستثناء الوزن العروضي؛ سماه بعض النقاد بالحكي الشاعري (Récit Poétique)، وهي صورة حكائية مكتوبة بالنثر، تستعير من القصيدة وسائل عملها وتأثيراتها، حيث إن تحليلها يجب أن يأخذ في الاعتبار جماليات الوصف السائدة في كل من الرواية والقصيدة في وقت واحد."[20]

يلاحظ أن الباحث يوظف مجموعة من المفاهيم التي تنتمي إلى مشروع الصورة الروائية، أو مشروع بلاغة الصورة السردية، كالمكونات، والسمات، والكلية، والكثافة، والإيقاع، والحكي الشاعري، والصورة الحكائية أو القصصية أو الروائية.

والآن، نقدم للقارئ نموذجا واضحا يندرج ضمن مقاربة الصورة السردية في قصص الأطفال. يقول محمد أنقار مبرزا سمات الحكاية الشاعرية:" من تلك السمات أيضا، اعتماد الحكي الشاعري على الفضاء القصصي بوصفه كلمات مكتوبة على الورقة وفق نظام خاص، ثم باعتباره إشارات لغوية قادرة على إحداث تأثير تصوري لدى القارئ؛ ومن هنا اهتمامها بإبراز معالم الصورة الشاعرية الحالمة.ومن ذلك اعتماد الزمن الإيقاعي المتقطع، ورفض الزمن الواقعي الممتد، وتعدد مستويات الوصف (وصف الأماكن/ وصف الطبيعة)، واعتبار البطل الرئيس شخصية أساسا ووحيدة، تطمح إلى إعادة خلق العالم من خلال نظرتها الخاصة المنفردة بصورة يستحيل معها الآخرون إلى أشباح، ثم تنوع مستويات الرموز، والتركيز على موسيقية الكلمات والتراكيب والخصائص الصوتية للحروف، والضغط على بعض نبراتها، واعتماد الأحلام وذكريات الطفولة والمشاعر الذاتية من حيث هي موضوعات أثيرة.

وفي ميدان قصص الأطفال تنحسر بشدة السمات الشاعرية بمفهومها السابق لكي تبرز بدلا منها شاعرية جزئية على صعيد بعض الجمل أو الصور من دون أن تستطيع الهيمنة على كل العناصر نظرا لأن قصص الأطفال تنبني عادة على درامية حركية ترفض الاستكانة . فـ" أليس في بلاد العجائب" للويس كارول هي حكاية حلم طويل ممتد، تملك من سمات الشاعرية الشيء الكثير، ولكنها ليست حكاية شاعرية نظرا لأنها نص مفعم بالدرامية والحركة وتضارب الأهواء، ذو زمن متسلسل بدرجة يصير معها الحلم وسيلة للتأثير وإحداث الانطباع وليس غاية تقصد لذاتها."[21]

وهكذا، يبدو لنا أن محمد أنقار قد أعلن مشروعه المتعلق بالصورة السردية منذ كتابه الأول (قصص الأطفال بالمغرب)، عندما استعمل مفهومي المكونات والسمات.وأكثر من هذا فقد تحدث عن الصورة القصصية، بالتركيز على الصورة الحكائية الشاعرية. وتحدث أيضا عن مفهوم الهيمنة ودوره المهم في عملية التصنيف والتوصيف والتجنيس والتحليل النقدي. كما استعمل مفاهيم إجرائية أخرى تعتمد عليها الصورة السردية بكثرة منها: مفهوم الامتداد، ومفهوم الإيقاع، ومفهوم الدرامية، ومفهوم الحركية، ومفهوما الجزئية والكلية، وصورة اللغة، وصورة المتلقي، والصورة الشاعرية الحالمة. دون أن ننسى اهتمامه بالمكونات السردية الأخرى، كالموضوع، والشخصية، والفضاء، والوصف، والمستويات السردية، واللغة، والأسلوب، والمنظور السردي...

 

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن محمد أنقار قد قارب مفهوم الصورة السردية في حقل أدب الأطفال بالمغرب، باستخدام آليتي المكونات والسمات، على أساس أن المكونات هي العناصر الجوهرية الثابتة التي تميز قصة طفلية عن قصة طفلية أخرى.في حين، إن السمات هي الخصائص المميزة لجنس أدبي طفلي ما، قد تكون حاضرة أو غائبة. ومن ثم، يتناول الباحث مفاهيم إجرائية كثيرة تستعمل في مبحث الصورة السردية الرحبة أو الموسعة، كمفهوم الهيمنة، ومفهوم الصورة، ومفهوم الامتداد، ومفهوم الدرامية، ومفهوم الإيقاع، ومفهوم الشاعرية، وغيرها من المفاهيم الأخرى التي يزخر بها كتابه القيم.

 

.....................

[1] العربي بن جلون: أدبيات الطفل المغربي: ببليوغرافيا عامة، مطبعة المعارف بالرباط، الطبعة الأولى سنة 1991م؛ وكتاب الطفل بالمغرب، مطبعة معمورة بالقنيطرة، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[2] عبد الله مدغري علوي ولطيفة الهدراتي وعبد الفتاح الحجمري وزهور كرام: أدب الطفل والشباب بالمغرب: دراسات وببليوغرافيا، مطبعة صايح كرياسيون ش.م.م، الطبعة الأولى سنة2001م

[3] عبد الهادي الزوهري: تحليل الخطاب في حكاية الأطفال، فيديبرانت، الرباط، الطبعة الأولى 2003م.

[4]  لطيفة الهدراتي وعبد الله مدغري علوي وعبد الفتاح الحجمري وزهور كرام: أدب الطفل والشباب بالمغرب: دراسات وببليوغرافيا، مطبعة صايح كرياسيون ش.م.م، الطبعة الأولى سنة2001م.

[5] جميل حمداوي: أدب الأطفال في الوطن العربي، مطبعة المقدم بالناظور، الطبعة الأولى سنة 2009م؛أدب الأطفال في الوطن العربي، مطبعة الجسور بوجدة، الطبعة الأولى سنة 2009م؛ببليوغرافيا أدب الأطفال في المغرب، مطبعة المقدم بالناظور، الطبعة الأولى سنة 2009م؛ببليوغرافيا أدب الأطفال بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2010م؛مسرح الطفل بين التأليف والإخراج، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2010م.

 [6] محمد أنقار: قصص الأطفال بالمغرب، المرجع المذكور سابقا.

[7] عبد الهادي الزوهري: تحليل الخطاب في حكاية الأطفال، مطبعة فيديبرانت، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[8] العربي بن جلون: شعر الأطفال (دراسات مشتركة)، الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة 1988م.

[9] محمد أنقار: نفسه، المرجع المذكور سابقا.

[10] العربي بنجلون: أدبيات الطفل الْمغربي (فهرسة)، دار الْمعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1991م.

[11] العربي بنجلون: كتاب الطفل بالمغرب (ببليوغرافية عامة)، مطبعة معمورة بالقنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.

[12] محمد أنقار: نفسه، ص:56-57.

[13] محمد أنقار: نفسه، ص:58.

[14] محمد أنقار:نفسه، ص:5-6.

[15]  محمد أنقار: نفسه، ص:107.

[16]  محمد أنقار: نفسه، صص:116-117.

[17] محمد أنقار: نفسه، ص:5.

[18] محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، مكتبة الإدرسي بتطوان، الطبعة الأولى سنة 1994م.

[19] محمد أنقار: نفسه، ص:33.

[20] محمد أنقار: نفسه، ص:285.

[21] محمد أنقار: نفسه، ص:286.

 

 haidar abdullradaتشخص آليات وفكرة رواية (مصابيح أورشليم) للروائي علي بدر عنفها الاستعاري على مستوى فاعلية تمظهرات وحضورية السرد الصوري / الوثائقي / الفوتوغرافي / المرجعي وصولا الى جملة أشكال تتحدد تسمياتها في ضوء قصدية وصعودية المتن البؤروي نحو شبكة مجليات توزيعية خاصة بالحدث والاستهلال لتوطين فاعلية المبنى الاشتغالي في فضاءات وعلامات الدلالة التماثلية والقرينية في خطية حركة الملائمة الصنيعية في الرواية . في مسار رواية (مصابيح أورشليم) نعاين وجود ثمة احاطات كبيرة وواسعة وثرية في مجالات متاريس تخوم التواريخ الاستعمارية والفتوحات العالمية الايجابية والسلبية والتي راحت تشكل لذاتها محورا متمركزا في وجه مجليات ظروف سياقية دولة فلسطين المحتلة . ولهذه الإحالات التواريخية الواقعية منها والخيالية منها بطريقة المحورية السردية المشكلة لمرويات أحداث (مصابيح أورشليم) ولهذه الرواية أيضا ثمة وظيفية خاصة تسندها بالأساس جملة من المسندات الوثائقية التي تختص بدورها في حدود صياغة واقعة مشخصات الأرض المحتلة في حدوثاتها الشفوية والتحريرية والفنتازية والحلمية والتصويرية لأثر تلك الوقائع التي تتمركز في حدود فسحة ثنائية (الفرق / الجمع) وقد وفر نظام الفرق هذا زوايا أمنة لظهورات الواقعة المرادة (أدوارد سعيد في القدس) في حين كان حضور نظام الجمع يتآتى بحكم كون الكتابة الروائية كان مبعثها الأصل هو صنيع أدوات إجرائية البحث والتحقيق والأستلهام والتخمين والخيال حول مديات وثوقية الوقائع المثبتة للقارىء بالصور والملفات والتقارير والرسائل حول حالات الجمع المطلوب في أيقونة الوثيقة المرجعية أو المخيالية التي كانت واثبة بين يدي الروائي والسارد نفسه في الرواية .

 

استراتيجية واقعي / فوتوغرافي

 القارىء لرواية علي بدر موضوع بحثنا في دراسة هذا المقال لربما يقع في أعلى مجالات الضفيرة القرائية خاصة وأن مجال كتابة هذا النص يتطلب من الفحص والدقة وسعة البال ما يفوق الوصف الطبيعي لقارىء الرواية العادية . فهي تارة تبدو وكأنها نصية متحركة في أفئدة وثيقة رسمية ومجموعة صور بالأبيض والأسود تتحدث حول أورشليم أو القدس وتارة أخرى تحليلا نفسانيا دقيقا يتوقف عند أدق التفاصيل في طرس حكاية مخيلة استدعائية الوظائفية والتخطيط والترتيب والتسلسل السردي . في حين نجدها في مكان ما من المتن وكأنها قصة تأريخية متجاوبة مع مسلمات شاملة وخاصة في نظرية الزمن والحروب وأنشودة الأديان المتنازعة . إذ أن علي بدر لربما يرى في جملة كل هذه التصورات الشكلية العينية الخارجية والداخلية ما يدعم مضمونه التصوري وبطرائق وبأشكال قد نجدها أحيانا نحن كقراء في فصول وفقرات بعض من مواطن الرواية وكأنها فجوات وغيابات وبياضات وإطالات وزوائد لا طائل للرواية من وراءها . وبهذا الشكل الذي يبدو لنا وكأنه انطباع يسيل من داخل بواطن الوثائق المتحفية والصور القديمة والأقتباسات والإحالات المطعمة بالمعالجة الخيالية والحقيقية . من هنا ترتفع درجة الأشكالوية أعلى في مجال مفارقة حكاية العتبة النصية التي من شأنها التعريف بكيفية وصول علاقة الوثائق والتقارير والصور الى ذهن السارد الشخصية في مستهل حكاية الرواية: (كان صديقي أيمن مقدسي ــ الفلسطيني الأصل ــ والمولود في بغداد في العام 1964هو الذي بدأ بفكرة هذه الرواية عن أدوارد سعيد وهو الذي أخترع شخصياتها وأحداثها ومعجمها ومنذ البداية .. في الواقع لم أكن معنيا أول الأمر بما كان يكتب أو بما كان يقول أبدا .. ولكني وعند استغراقه في البحث وسؤاله لي كل مرة عن مصدر أو كتاب أو عند مناقشة لي ولعلاء خليل صديقنا الآخر والذي يقع على الطرف النقيض تماما من أيمن مقدسي ــ لكل فكرة تقريبا وشيئا فشيئا ومرة بعد مرة وجدت نفسي مشتركا معه في كل ما كان يكتب ومتوغلا معه في كل ما كان يبحث وملتزما أخيرا وحدي بكل ما ورد في هذا الكتاب كلمة كلمة وحرفا حرفا .. لقد وجدت نفسي أنا الكاتب الوحيد لهذا الكتاب لاسيما بعد الدراما المأساوية لأختفاءه) أن علي بدر يحاول من خلال عرضه لهذه الحبكة المتلونة بحسية التوليد والتوليف في كتابة عوالم هذه الرواية . حيث أننا بدورنا نجد في مستهل موضوعة روايته والتي لا نجد فيها بادىء ذي بدء أية بارقة تقانية سوى لعبة تبني مشروعية الكتابة من صديقه أيمن المقدسي الى حيازته ككاتب بشكل أو بآخر للروائية ذاتها . ولكن من الواضح أن لهذه التنكرية في الكتابة ثمة وصايا خاصة قد حلت بميولات الروائي نفسه التي تمليها طبيعة التقانات الكتابية في الرواية الأوربية حصرا على ما أظن.  على أية حال أهتم السارد الشخصية بمشروع صديقه المقدسي الى درجة خرافية في الأخلاص والتبني ما جعله يسرف أحيانا في سرد حكاية لقائه به ومسببات تعرفه به: (كان آخر لقاء لي معه في بغداد قبل ثلاثة أعوام وقد رأيته في مقهى الجماهير القريب من باب المعظم وهو مقهى متواضع يتكون من بهو عريض وواجهة زجاجية وتخوت خشبية يقع في زقاق صغير بالقرب من صحيفة الجمهورية / وكان يجلس فيها قبل الأحتلال الجيل الأخير من الكتاب والفنانين والرسامين والمسرحيين والسينمائيين / كان أيمن يرتدي ذلك اليوم جاكتة مخطط وبنطلونا من الجنز عتيقا جدا .. وقد بدأ عليه التعب والأرهاق بصورة واضحة .. فذقنه لم يحلق من مدة طويلة .. وشعره الطويل غير ممشط وقميصه مفتوح .. وحين جلس الى جانبي لم يكن مرتاحا في جلسته أبدا وكان استكان الشاي يرتجف في يده ولم يتكلم كثيرا معي كعادته أو يناقش نقاشاته المتحمسة كما تعودته بل كان صامتا شارد الذهن على الدوام غير مكترث لأي شيء) . هكذا وجدنا خاصية ودلالة لقاء السارد المؤلف الضمني مع صديقه المقدسي عبارة عن شرطية تواصلية تتيح لذاتها أمكانات المحكي واسبابه وفق انفعالات متواترة تمهيدية ومتشابكة في النفس وفي الحوار والروح في الزمان والمكان، لتنداح كحافزية بؤروية تنشطر عن الصورة المنظورية على هيئة محكيات وصفية ووضعية صغرى من شأنها استدعاء تعددية خاصة في وجه غربة التشاكلية والتقابلية الشخصانية كمسندات ومحمولات من شأنها وضع لعبة الإضاءة والتعتيم قدما في مساحة المعنى والبياض والامتداد التحفيزي للمحكي ذاته ولذاته . وتبعا لهذا نشاهد بأن موقف السارد بجانب صديقه المقدسي أضحى لنا كضرورة ما لأجراء سببية مقصدية لأجل ديمومة الوصول الى محطة المفتاح الروائي الذي يتوقف عليه جل مهام خيوط الوصل والفصل في التمفصل السردي في الرواية . وفي سياق العلامي راح يسأل السارد صديقه حول مشروع كتابه الذي كان مشغولا في انجازه أو ما يسميه روايته عن أدوارد سعيد : (أخرج من حقيبته أوراقا عديدة قديمة وحديثة مكتوبة بقلم الحبر أو مطبوعة على آلة كاتبة .. بعضها مكرر ومعاد والآخر حديث كما أخرج أيضا أوراقا ووثائق نادرة وصورا فوتوغرافية ومخطوطات موضوعة في كيس أسمر كبير وطلب مني أن اطلع عليها ولما بدأت بتقليبها أقترح علي أن أأخذها معي الى المنزل لقراءتها كاملة وكتابة ملاحظات له عنها) وبهذا المضي راح يمنح الشخصية أيمن مقدسي مسودة روايته الأفتراضية الى صديقه الذي راح هو الآخر يواجه ثمة ظروف غير ملائمة في المنزل ليلا مما جعله لم يوفق في الأطلاع على تلك المخطوطة على حد قوله في حدود هذه الفقرة : (عند عودتي الى المنزل وبسبب انقطاع الكهرباء لم استطع قراءة المخطوطة كما أني لم أكن في ذلك الوقت متحمسا جدا للقراءة فكانت زيارتي لبغداد سريعة بل خاطفة واردت فيها الأطمئنان على عائلتي ورؤية أصدقائي والأطمئنان عليهم ولاسيما في ذلك الوقت العصيب من الحرب .. أو هكذا كنت أقول للآخرين حينما كانوا يسألونني عن سبب مجيئي الى بغداد خافيا مهمة أخرى كنت جئت من أجلها وهي أني كنت مبعوثا من قبل صحيفة فرنسية لكتابة تقرير عن الأوضاع السياسية في العراق بعد زوال النظام السابق وحياة الناس تحت ظروف الأحتلال واحتمالات الحرب الأهلية) . لذا نعاين بأن السارد راحت تخضع ظروفه لمحفزات سببية حيث راحت تنهض على أثرها حكاية مجيئه الى بغداد ومنها دخول ذاته في اتصال مع مشروع رواية أدوارد سعيد . ألا أن الأمر لا يتم في اليوم الآخر على ما كان مرسوما له من قبل السارد أي في عملية تسليم المخطوطة الى صديقه المقدسي وودون أن يطلع عليها أصلا وذلك لانشغاله عنها كما أسلفنا سابقا بكتابة تقريره المكلف به من قبل تلك الصحيفة الفرنسية : (غير أن الكتابة أخذتني حتى الصباح وعند الفجر نمت وحين أستيقظت كان الضحى قد انقضى فحملت الكيس الذي يحمل المخطوطة والأوراق والصور والوثائق كاملا دون أن أفتحه وذهبت به الى المقهى وبدلا من الملاحظات التي وعدته بكتابتها له أعددت له اعتذارا مقنعا أو هكذا كنت أعتقد) . بعد ذلك يواصل السارد وصف أجواء قدومه الى ذلك المقهى بوضع توصيفي قاهر لصديقه الذي لم يأت لأستلام كيس أوراق مخطوطته . على حين غرى كان وقت السارد يضيق به ذرعا لاقتراب موعد رحيله : (كان الوقت يمر ووقت رحيلي يقترب وكنت ازداد توترا وقلقا قد أكد لي وشدد بأن لا أترك المخطوطة والأوراق والصور الفوتوغرافية النادرة مع أحد حتى لو لم يأت .. وهكذا وجدت نفسي في المحطة واقفا أمام الباص الذي يتهيأ للأنطلاق) . وهكذا وجد سارد علي بدر نفسه يتصفح في منظومة احتمالاته السوداوية حول أن يكون صديقه المقدسي قد قتل أو اغتيل وهكذا باتت تساوره دوائر تساؤلاته : (أن يكون انتحر .. ربما .. ولكن أين جثته ؟) لعل من أكثر السمات الجمالية في روايات علي بدر هو قدرتها على تكثيف اللحظات الشعورية النفسانية ودوافعها المحمومة وتمييزها قدما بهالة صورية شاعرية تتعالى عن التفاعل الوقائعي الخبري العابر . وعلى هذا صرنا نعاين ملاحظات السارد حول وجود ابطال روايات اسرائيلية في مخطوطة رواية المقدسي وهكذا صرنا نشاهد مشروعية بناء الوظائف والملامح والصفات في رواية أدوارد سعيد حيث ترافقه شخصيات روائية قد تم توليفها من حواضن روايات لكتاب من اسرائيل .

 

تعليق القراءة

في الحقيقة عندما نفكر بذكر كل ما تحمله هذه الرواية من تفاصيل ومشاهد لها من التشعب والعرض والطول ما يجعلنا نطيل في التحديق في أحوال الأشياء الصغير والتي لا تلفت الانتباه في مطاوي صور ومشاهد الرواية المركزية الدالة . إلا أننا سوف نقتصد في مباحثنا عن الرواية وبالقول المقتضب والمختزل في الوقت نفسه، وهو أن هذه الرواية قد اختطت لذاتها مسارا استثنائيا حيث تتصادى من خلالها الصور السردية التي تشعلها في المخيلة مع مساحات الرؤى المقترنة بالزمن والفضاء والذاكرة والتفصيل الأرجاعي . وتبعا لهذا الأمر تظل صراعات أسئلة الهوية الفلسطينية زاحفة شيئا فشيئا نحو مصابيح ظلمات دهاليز المنفى الأبدي في اسرائيل . أن ثنائية فكرة علاقة الضد في دوال (أورشليم / القدس) تشكل في ذاتها واحدة من الثنائيات الضدية المتعددة والمتعارضة في محاور وانساق رواية بدر . كما وتتعدد شواهد الثنائيات في مواقف وحالات الرواية كمحور ثنائية ضدية الماضي والحاضر والروح والجسد والواقعية والرومانسية والمواطن الأصلي والمواطن المستوطن والأرض الوطنية والأرض المغصوبة وتتجسد هذه الثنائيات الموضوعاتية التي يحفل بها المتن الروائي عبر ثنائية (الحكائي / الروائي) والتي نعاين منها ثنائية السرد والعرض والاستباق والاسترجاع والزمان والمكان والراوي المهيمن والراوي المشارك والمؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني واليوميات والرسائل . واذا كانت الرواية في جانبها الأهم تقوم على تعدد الأصوات والخطابات والنبرات واللهجات الأجتماعية والجمالية والفنية . في الحقيقة ان المتمعن في رواية (مصابيح أورشليم) لربما سوف يلاحظ مدى استلابية شخوص الرواية من جهة حقيقة وحافزية حدوثاتهم السياقية والنفسانية والتكوينية . فعلي بدر قد استبد بأصوات شخصياته، حيث نجدهم كدمية القش في بعض الأحيان حيث راح المؤلف ينطقهم بلسانه لا بلسانهم وبرغبته ونشوته لا برغباتهم ولا نشواتهم فكان الأمر بالنتيجة هو أختفاء التمايزات الفعلية لهوية الشخصية الروائية . وبعد وقفة (تعليق القراءة) نعود لنقول : هل تستمد رواية مصابيح أورشليم قيمتها وجماليتها الاعتبارية من أثر الأفكار المرجعية في القضية الفلسطينية والمواطن الفلسطيني أم من جماليات خطابها السردي أم من خلال فورات فقرات مداعبات وهمزات الخمر وممارسة الجنس التي قد جاءت في هذه الرواية تحديدا خطفا سريعا وهذا الأمر ليس بمعتاد عليه في أجواء روايات علي بدر المتخمة بصيحات الأنتعاشات الجنسية الطويلة والمسكرة وبشكل لا يمكن ستره بأدنى حجاب ما ؟ أقول وبلا كلل أن قيمة رواية مصابيح أورشليم تكمن في أنها لم تمتثل للأساليب السائدة الباردة في أدب الأرض المحتلة . بل أنها لم تبالغ بطريقة أو بأخرى في أستخدام عناصر التشويق المجاني والفراغ السردي . فليس هناك سوى لغة الكاتب الشعرية التي تحتفل بالمجاز والانزياحات الصورية الساحرة في وصفها وموصوفها كحال احتفالها بالذات الشبقة في لحظة عريها وتصادمها وتناغمها مع عوالم العاهرات فوق أفرشة الأسرة المنفلتة في صريرها في السر والعلن .

 

madona askar"إذا كانت شراهة الأكل في الرّشد تعويضاً عن حرمان في الطّفولة، فالحرمان في الطّفولة هو عقاب على ماذا!؟" (*).

الاختبار الأقسى والأشدّ ظلماً في حياة الإنسان هو ذاك الّذي يتمثّل في الحرمان في مرحلة الطّفولة. الحرمان من الحبّ، من العاطفة، من الأم، من الحرّيّة، من الوطن، من الطّفولة.

يفتح تساؤل أنسي الحاج جرحاً بليغاً في أغوار راشدين كثيرين محطّمي الأعماق حتّى وإن بدا عليهم ظاهريّاً التّماسك والاتّزان والاستمتاع بالحياة. أؤلئك المناضلون في العلن مهشّمون في السّرّ، يترجّون من ذاكرة بائسة لحظات فرح طفوليّة تنعش  رصانة تتلاشى في مخدع الذّات أمام صور مهشّمة  وملامح متعبة.

الطّفولة هي الحياة، وإن اتّسمت بالحرمان، وافتقدت لمقوّمات المرح، والبراءة، والتّلقائيّة، اتشّحت الحياة بالخوف، والوحدة، والألم. إنّها مرحلة استدعاء الكمال الإنسانيّ، إلّا أنّ الحرمان يعزّز النّقص فيها ويلقي على كتف الإنسان أثقال مستقبل نفسيّ مضطرب. وكأنّي بالطّفولة الممزّقة حالة استباقيّة لرحلة وعرة في عالم أقلّ ما يقال فيه أنّه مرعب. فإذا كانت الطّفولة سلسلة محطّات مرعبة ومتعبة، فكيف ستنمو المراحل اللّاحقة؟ وكيف يفهم الإنسان سبب الظّلم ويتفادى ممارسته؟

"كلّ منّا يريد أن يحافظ في ذاته على ولد كأنّه ولا يزال يرعاه. وأحياناً يَدفع ويُدفع في المقابل ثمناً لا يستحقّه ذلك الولد." كلّ منّا يتمسّك بالطّفل السّاكن فيه لأنّه مدرك أنّه الحياة. إلّا أنّه غالباً ما يتوه عنه، أو يُفقده إيّاه ثمن أهداف لم يسعَ لها، أو واقع لم يختره. قد لا يغيب هذا الطّفل من داخل الإنسان لكنّه ينعزل، ويفتقر للنّشاط والدّيناميكيّة. لذا  نرى عالم اليوم في خلل عظيم، ذلك لأنّه باع طفولته في سوق الرّشد الخبيث، بل قتلها ليحيا الظّلم والقهر والعنف.

الطّفولة الحيّة تفهم لغة الله تلك الّتي يجهلها الرّاشدون، وتجتهد عقولهم لفهمها  ولا تبلغ إلّا اليسير. ألا يقول السّيّد المسيح: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السّماوات"؟ (متى 3:18). الطّفولة تعلم السّبيل إلى الله، وتعاين قلبه وتسكنه. والمحرومون من الطّفولة يظلّون في حالة بحث عنها وإن دون وعي وإدراك منهم. يقسون على أنفسهم، ويفتقدون لدفء ذلك الكائن الّذي لا يعلم سبب عقابه على حرمانه من الطّفولة.

 

..............

(*) سلوك- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 104

 

karem merzaفقيه المدينة عروة بن أذينه شيخ الإمام مالك بن أنس: غزله، عصره، حياته، شعره .. مجنون ليلى وعمر بن أبي ربيعة استطراداً

 

1 - غزل... ولا أرق وأبدع وأجمل لفقيه المدينة عروة بن اذينة (ت 130 هـ / 748م)، ...!!

يا عصرنا كيف عاشوا عصرهم ؟؟!!، لو تجرأ شاعر في أيامنا هذه وقالها بالرغم من عفّة فائلها، لحكم عليه بالزنا رجماً، بحجّة أنّه اعتراف ضمني و إقرار على النفس علني...!! إليك قصيدته الغزلية بادئاً، تمتع بها، والله كريم ...!!

 1 - إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

2 - فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

3 - ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لهـا *******لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

4 - ولعمرها لو كان حبّــك فوقها **** يومـــاً وقد ضحيت إذاً لأظلّهـا    

5 - وإِذا وَجَدْتَ لها وَساوِسَ سَلْوَة ٍ ** شَفَعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها

6 - بَيْضاءُ باكَرها النعيـمُ فَصاغَها ******بلباقَــــــة ٍ فأَدَقَّــــها وأَجَلَّها

7 - لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ٌ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

8 - منعت تحيتها فقلت لصـاحبي: ******** ماكان اكثرها لنا... وأقلّـها

9 - فدنا، وقال: لعـلها معذورةٌ ***** فـي بعض رقبتها... فقلت: لعلّـها

لا أريد جرجرة، ولا أصعد عرعرة، ببساطة القول، ولا قيل و لا قال، أحيلك بادئاً إلى الحصري القيرواني، و (زهر آدابه وثمر ألبابه):

وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدا لا يشتهي النسيب؟. فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا .

وروى مصعب بن عبد الله الزبيري عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيري قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبي بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه: الكامل:

إن التي زعمت فؤادك ملها ***خلقت هواك كما خلقت هوى لها

الأبيات ..........

قال: فأتاني أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة؟ فقال: نعم، أبيات لعروة بلغني أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله:

فدنا وقال لعلها معذورة.. البيت

طرب، وقال: هذا والله الدائم الصبابة، الصادق العهد، لا الذي يقول: الكامل:

إن كان أهلك يمنعونك رغبة *** عني فأهلي بي أضن وأرغبُ

لقد عدا هذا الأعرابي طوره، وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحب هذه الأبيات لحسن الظن بها، وطلب العذر لها، قال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاماً حتى الليل، وانصرف.

وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جده يكنى أبا السائب أيضاً، وكان خليطا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا ذكره قال: نعم الخليط! كان أبو السائب لا يشاري ولا يماري.

واسم أبي السائب عبد الله، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه .

وكان عروة بن أذينة - على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه - رقيق الغزل كثيره، وهو القائل: البسيط:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي *** أقبلت نحو سقاء القوم أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره *** فمن لنار على الأحشاء تتقد؟

وقد روي هذان البيتان لغيره .(1)

 

2 - عصر عروة بن أذينة عصر الغزل العربي بنوعيه العذري والإباحي:

كان عصره عصر الغزل العربي الخالد بنوعيه العذري والإباحي، وتكلمنا بشكل موسع في حلقات عديدة في السابق عن الغزل والتشبيب والنسيب، وعرّفناها وفرّقنا بينها ومثّلنا لها، والآن نتكلم عن عصر (عروتنا) وشعرائه الغزليين إيجازاً لنفقه كيف آتى هذا الزاهد الفقيه العابد بهذا ...!!

 فمَنْ عاصرهم من العذريين، ومعظمهم من البادية ونجدها ، مجنون ليلى، جميل بثينة، كثير عزة، عروة بن حزام، قيس بن ذريح، ليلى الأخيلية، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة .وعبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي .

 ومن الشعراء الإباحيين الحسيين الحضريين بحجازهم ، عمر بن أبي ربيعة ، وهو شاعر مكة، والأحوص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، شاعر المدينة ، والعرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي القرشي، أبو عمر، من مكة، وكان يسكن قرية العرج قرب الطائف 

 

أ - الغزل العفيف (العذري)

 الغزل العذري يُنسب إلى قوم بني عُذرة الذين سكنوا وادي القرى في شمال المدينة المنورة من العصر الجاهلي، وحددت ملامحه كغرض مستقل في بدايات العصر الأموي، وبهذا الغزل المباح ..يقتصر الشاعر بشعره على محبوبته لا غير، قيس لليلاه، جميل لبثينته، كثير لعزّته، يتناولها من مطلع القصيدة حتى ختامها كوحدة موضوعية لغرض واحد يبث ُّ فيها خلجاته، وآلامه ولوعاته وأشواقه وصبره، صادقاً في عواطفه، عفيفاً في مشاعره، واضحاً في أفكاره، مبتعداً عن الوصف الحسي، وتقسيمات الجمال الأنثوي، ومع ذلك غالباً ما ينتكس الشاعر العذري، وتنتهي تجربته بالخيبة، فلا زواج، ولا هم يفرحون ...! فالعادات والتقاليد البدوية تحرم هذه العلاقات، وتعتبرها مسّاً بشرف القبيلة وهيبتها !

•  فهذا قيس بن الملوح أكثر العذريين شهرةً في تاريخنا الأدبي، والمشهور بمجنون ليلى ( 24 - 68 هـ / 645 - 688 م )، يذكر البغدادي في ( خزانة أدبه )، روي أنه كان إذا اشتد شوقه إلى ليلى يمر على آثار المنازل التي كانت تسكنها فتارة يقبلها وتارة يبكي وينشد هذين البيتين

أمر على الديار، ديار ليلى***اقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي***ولكن حب من سكن الديارا

وهما بيتان من الوافر لا ثالث لهما، روي أنه كان إذا اشتد شوقه إلى ليلى يمر على آثار المنازل التي كانت تسكنها، فتارة يقبلها، وتارة يلصق بطنه بكثبان الرمل ويتقلب في حافاتها، وتارة يبكي وينشدهما.

و ( المجنون ): اسمه قيس بن معاذ، ويقال قيس بن الملوح، أحد بني جعدة ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو من أشعر الناس، على أنهم قد نسبوا إليه شعرا كثيرا رقيقا.

وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهولا لقائل فيه ذكر ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا فيه لبنى إلا نسبوه لقيس بن ذريح .

وفي الأغاني: اختلف في وجوده: فذهب قوم إلى أنه مستعار لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصل ولا نسب.

قال ابن قتيبة: وكان المجنون وليلى " صاحبته " يرعيان البهم وهما صبيان، فعلقها علاقة الصبي وقال: ( الطويل):

تعلقت ليلى وهي غر صغيـــرة ***ولم يبد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا **صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم

ثم نشأ وكان يجلس معها، ويتحدث في ناس من قومه، وكان ظريفا جميلا رواية للشعر حلو الحديث، فكانت تعرض عنه وتقبل بالحديث على غيره، حتى شق ذلك عليه وعرفته فقالت: ( الوافر):

كلانا مظهر للناس بغضـا***وكل عند صاحبه مكين

تبلغنا العيون بما رأينا***وفي القلبين ثم هوى دفين (2)

ويروى أن والد قيس بعد أن قضى نسكه جمع أعمامه وأخواله فلاموه وقالوا: لا خير لك في ليلى ولا لها فيك، فأنشا يقول:

وقد لامني في حب ليلى اقارب ****أبي وابن عمي وابن خالي وخاليا

أرى أهل ليلى لا يريدون بيعهــــا***** بشي‏ء ولا أهلـي يريدونها ليا

ألا يا حمامات العراق أعننـــــي***** على شجني وابكين مثل بكـــائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضــــــة****فيا ليتنـي كنـــت الطبيب المداويا

فيا عجبا ممن يلوم علــى الهوى**** فتى دنفا أمسى من الصبر عاريا

فان تمنعوا ليلى وتحموا بلادهــــا ****عليَّ فلن تحــــموا على القوافيا(3)

وقال ايضا:

ألا قاتل الله الهوى ما أشــــــدّه *** وأسرعه للمرء وهو جليد

دعاني الهوى من نحوها فاجبته**فأصبح بي يستن حيث‏ يريد

هذا هو الغزل العذري العفيف، الذي يقتصر على حب مرأة واحدة، لا يفحش بوصف مفاتنها وأعضائها، ويتحسس لنيل الملذات الغريزية الأنانية منها، ويتركها ليذهب لغيرها، لا أطيل وأدخل معك إلى عالم الشعر الإباحي الماجن وبطله عمر بن أبي ربيعة ...!!

 

ب - إباحية غزل عمر بن أبي ربيعة:

لعلك قرأت وتأملت وتفتحت ...!! وهذا شعر عفيف عذري، فما بالك بالشعر الماجن الحضري الإباحي من عصر الأسلاف عصر صدر الإسلام والصحابة والتابعين الكرام، فهذا عمر بن أبي ربيعة (23 - 93 هـ / 644 - 711 م)، يلحُّ ويلح، وهند تمانع وتمانع ...!!:

 كلّما قلت متى ميعادنا***ضحكت هندٌ وقالت ‏بعد غدْ

قبل أن أواصل معك الحديث، لي عارض خفيف، إن كنت من قرّائي الحصيف، أنت تعرفني من كتاباتي، وأحياناً في شعري، مؤمناً بنظرية التأثر والتأثير الحديثة في النقد الأدبي، فتراني كثير التضمينات، والتناص، والاستشهاد، والاستطراد، ومشاركة الآخرين محللاً مركباً مذكراً ...

مهما يكن من أمر، لي أمر، ولك أمر ...!! سأنتقل بك إلى محطة جديدة من الأدب الرفيع حيث ابن حجة الحموي، و (خزانة أدبه وغاية أربه)، وبالتحديد لذكر (المراجعة) ، والاستشهاد بأبيات ابن أبي ربيعة الإباحية الخليعة، إذ يقول:

 " المراجعة ليس نحتها كبير أمر ولو فوض إلي حكم في البديع ما نظمتها في أسلاك أنواعه وذكر ابن أبي الأصبع إنها من اختراعاته وعجبت من مثله كيف قربها إلى الذي استنبطه من الأنواع البديعة الغريبة كالتهكم والافتنان والتدبيج والهجاء في معرض المدح والاشتراك والألغاز والنزاهة ومنهم من سمى هذا النوع أعني المراجعة السؤال والجواب وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول ومحاورة في الحديث بينه وبين غيره بأوجز عبارة وأرشق سبك وألطف معنى وأسهل لفظ إما في بيت واحد أو في أبيات كقول عمر بن أبي ربيعة:

 بينما ينعتنني أبصرنني ****مثل قيد الرمح يعدو بي الأغــرْ

 قالت الكبرى ترى من ذا الفتى***قالت الوسطى لها هذا عمرْ

 قالت الصغرى وقد تيمتها ****قــــد عرفناه وهل يخفى القمر

 قال ابن أبي الأصبع لما أورد هذه الأبيات واستشهد بها على هذا النوع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به هي الصغرى ليظهر بدليل الالتزام أنه فتي السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلى الا الفتى من الرجال غالبا وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها فإني أقول إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك وإنما كانت تهواه على السماع فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه. " (4)

عمر شاعر إباحي حسي ماجن، ما كان يعشق امرأة بعينها، بل كل النساء، بمعنى آخر المرأة كنوع، جسدها، مفاتنها، سحرها، جمالها، وقد ذكر أكثر من أربعين امرأة بشعره، الله يعلم بسرّه، وخفايا حياته، رحمه الله، وإن قال:

 إني امرؤ مولعٌ بالحسنِ أتبعه*** لا حظّ لي فيه إلا لذة ُ النظرِ

الرجل إباحي، ووصفه (عمري)، رهيب في إجادته لوصف جسد المرأة وأعضائها قامتها، وبشرة جسمها، وكيفية مشيتها، ويبرز ذاته بأنانية مفرطة، كأنه هو المعشوق الفتان ، لا العاشق الولهان، ويحاور عشيقاته بأسلوب لا حياء فيه، ولا حشمة، وقصائده الغزلية لها غرض موضوعي واحد، هو الغزل الفاحش لا غير ...!! تعجبني هذه القصيدة، إليك إياها:  

قف بالطواف ترى الغزال المحرما***حـج الحجيـج فعـاد يقصـد زمزمـا

عـنـد الـطـواف رأيـتـهـا متلـثـمـا *** للـركـن والحـجـر المعـظـم يلـثـمـا

أقسمـت بالبيـت العتيـق لتخـبـري *** ماالأسـم قالـت مــن سـلالـة آدمــا

الاســم سـلـمـى والـمـنـازل مـكــة *** والـدار مـا بيـن الحجـول وغيلمـا

قلـت عدينـي مـوعـداً أحـظـى بــه *** أقضي بــه ما قـد قضـاه المحرمـا

فتبسمـت خجـلاً و قالـت يــا فـتـى ***أفســدت حجـك يـا مُحـل المُحـرمّـا

فتـحـرك الـركـن اليمـانـي خشـيـةً *** وبكـا الحطـيـم وجاوبـتـه زمــزمـا

لـــو أن بـيــت الله كـلّــم عـاشـقــاً **** مــن قـبـل هــذا كـــاد أن يتكـلـمـا

والحق شاعرنا الفقيه العابد عروة بن أذينة (توفي 130 هـ)، عاصر هذا العمر بن أبي ربيعة (توفي 93 هـ ) ، وتأثر بكل شعراء عصره من العذريين والإباحيين، لاجرم أن تأتي أبيات غزله بهذه الرّقّة والعذوبة والجمال، ولله في عصوره شؤون، وعصركم وما تكابدون، لعلكم تتذكرون، ونكتفي بهذا يا هذا - وأعني نفسي - لقد دخل الصباح، فأتوقف عن الكلام المباح، ونتكلم عن حياته وشعره في فرصةٍ تتاح ...!!!

 

...................

 (1) زهر الآداب وثمر الألباب: الحصري القيرواني - 1 / 66 - 67 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

  (2) خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي - 2 / 33 - 34 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

وراجع أيضاً الأبيات: زهر الأكم في الأمثال و الحكم: الحسن اليوسي - 1 - 295 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(3) الأغاني: أبو فرج الأصفهاني - تحقيق سمير جابر - ج 2 ص 6 ....، ط 2 - دار الفكر - بيروت .

( 4 ) خزانة الأدب وغاية الأرب: تقي الدين أبي بكر علي بن عبد الله الحموي الأزراري -ج 1 ض 218 - 219 - تحقيق عصام شعيتو - دار ومكتبة الهلال - 1987م - بيروت .

 

saleh alrazukكتاب (بغداد، سيرة مدينة) ليس هو أول أعمال نجم والي في السيرة الذاتية. ولو استعرضت أعمال والي من الألف إلى الياء ستلاحظ أنها تنتمي إلى النوع المعروف باسم الرواية التسجيلية. وبمقارنة أعماله ستلاحظ أنه يبني عالمه حول مدينتين هما في الذاكرة: البصرة وبغداد. أما الأحداث فهي تتناول تجربة جيل الانتقال من الشمولية الملكية والشمولية الجمهورية.

والحبكة لا تخلو من الهم الذاتي، بمعنى أنه بمقدار ما اخترع من حكايات حول مدينتيه أضاف لسيرته بعض التطورات، وهي في الغالب الأعم من المضمون النفسي لنشاط المخيلة. فـ (صورة يوسف) مثلا رواية تدور حول صورة لا تذهب من خياله لبنت بقميص أزرق. و(تل اللحم) و(الحرب في حي الطرب) تعيدان تركيب أسباب وأهوال الحرب مع إيران وما تخللها من انتشار للفساد الاجتماعي ومن موت للطبيعة الخلابة. فالعملان يتوقفان عند ظاهرة انتحار أشجار النخيل وتأسيس حي العهر والتهريب المعروف باسم حي الطرب.

لا يوجد عمل لنجم والي يخلو من سيرته، حتى أن عمله السياسي الوحيد وهو  (زيارة إلى قلب العدو) يتقاطع مع بغداد، ولا سيما في تحليل ظاهرة الأغاني العسكرية الحماسية. ومنها أغاني فيروز عن القدس في كتابه زيارة والأغاني الوطنية (الفاشية كما يقول) في كتابه بغداد، ص ٦١.

و يرى أنها جزء من حملة البروباغاندا التي أدارها الملك غازي ضد اليهود. مثل نشيد (لاحت رؤوس الحراب تلمع بين الروابي). ص ٦١. إنها جزء من غسيل المخ القومي الذي يبيع العنف في أسواق أو سوبرماركيت التخلف والحضارات الجريحة.

هذه السيرة المكتوبة بشكل ذكريات هي اختراع لمدينة تعرضت للنهب والتدمير عدة مرات وأعيد ترميمها عدة مرات حتى أصبح تاريخها الحالي نوعا من الإنكار لبداياتها.

ويعبر والي عن هذه الفكرة بقوله: إن مدينة بغداد التي بناها أبو جعفر المنصور عام ٧٦٢ قد ماتت عام ١٢٥٨ وقد نحرها هولاكو حين اجتاحها وألحق بها الدمار. وما نراه اليوم هو اسم على غير مسمى، وهي مدينة غريبة وتختلف عن الأصلية بطراز هندستها وأيضا بمكانها. ص ٣١.

إن بغداد مدينة متجددة، وخلال ثلاثة أعوام فقط بين ١٩١١ و١٩١٧ شهدت تغيرات راديكالية لا تقل بأهميتها عما جرى بعد السقوط عام ٢٠٠٣ (ص ١١٢). ويمكن التأكيد أن كل اجتياح يحمل إليها فلسفة للتأقلم مع ظروف الحياة ومستجداتها. فهي تلغي نفسها باستمرار مقابل ثبات واستمرارية أقدم ثلاث مدن تقاوم الفناء في بلاد الرافدين والمقصود: البصرة (بصرياثا الآرامية)  والموصل (نينوى الآشورية) وأربيل (مقر الكرسي السومري أربيلواو  أو أرض الآلهة الأربعة ). ص ٢٦.

إن سيرة بغداد كما ينظر إليها والي قائمة على التبشير بالقطيعة المعرفية. فهو يعيد صياغتها بعيون العشرينات وما بعد، أي ابتداء من عام ١٩٢٠ وحتى وضعها الحالي. وهي صورة غير استشراقية بريئة من خرافات ألف ليلة، بلا بساط الريح والمارد العملاق القادر على تحقيق الرغبة بطرفة عين. ص؟ ١٥٦. إنه يصورها بتكنيك التقابل، الماضي الأبيض والأسود، أو ماضيها الملائكي المليء بخطايا الطهارة والدنس، أو سلوك وأخلاق البعد الواحد، أمام حاضرها الدموي والنابذ، فهي مدينة طاردة تنفي أبناءها وتسومهم  العذاب.

وربما كانت هذه  خلاصة لتجربة الجيل الضائع الذي نشأ بعد الاستقلال وتعرض للتشريد السياسي. فأبناء ما بعد سايكس بيكو جميعا أيتام في السياسة ولا توجد إيديولوجيا تأويهم، وأعتقد أن هذه الاستراتيجية التي أكد عليها والي هي بعكس ما أعاد صياغته معرفيا في كتابه عن إسرائيل، فهو يعتمد على ترميم الفجوة وإعادة إحياء التاريخ، بحيث يكون حدسا بالحضارة الإنسانية وبلا علاقة مع أساطير العرق والدين.

إن المشهد السياسي الإسرائيلي في كتابات والي هو مثاقفة، ولكن مشهد بغداد هو إزالة، بلا تناص، وهذه نقطة افتراق لا بد من توضيحها.

حتى قلعة حلب التي تعزى للأيوبيبن ثم العثمانيين تضم معبد حدد إله العاصفة. بمعنى أن بغداد مدينة تعرضت للتقشير، وما تركه المنصور هو على أنقاض اثار مهدمة  موجودة في الموقع.

و لكن أنا مع نجم والي.

إن الحضارات الميتة بلا قيمة عملية، وهي ليست جزءا من الواقع، والحقبة العثمانية من تاريخ بغداد سقطت مع دخول الإنكليز وتحول مستقبل المدينة من الذاكرة الإسلامية بنسختها المحافظة إلى الإسلام العربي. وكما أرى إن العرب في وادي الرافدين مدينون للإنكليز بحفظ هويتهم . وهذه إحدى مفارقات التاريخ. أن يكون لتوسع الاستعمار الغربي أجندا حافظة تمنع العروبة من السقوط والموت.

يعتبر والي أن عيد ميلاد بغداد كان على مرحلتين. عام ١٩١٦ يوم أمر الوالي العثماني بشق "خليل باشا جادة سي"، أو ما عرف اليوم باسم "شارع الرشيد" ص٩٩. فاسم هذا الشارع هو رمز لبغداد  ص ١٠٠، ثم  عام ١٩٢٠يوم ترأس  المهندس البريطاني ولسون  قسم الإنشاءات وصمم مدينة وفق طراز معماري أوروبي ص ٧٩ . إن أصول بغداد المعاصرة أجنبية مثل لغة البعث الفاشي الذي كان يرعاه صدام . فهي تخلو  من عقلية أهل المشرق الفانتازية المسؤولة عن توسيع الفجوة بين الإنسان والواقع.  فإيديولوجيا خليل باشا كانت مع الحداثة لمواكبة الغرب في صعوده،  أما إيديولوجيا ولسون تركز على مشروع  الدولة المدنية ص ٧٩، كما ورد بالحرف الواحد. وربما  يعني بهذه العبارة تجهيز الدولة بالمجتمع، أو تربية العقل العربي المعاصر .

يربط والي هذه البداية بثلاث علامات لها دور في تحديد الاتجاه الذي ستتطور به بغداد، وهي: بناء جامعة آل البيت في الأعظمية، وبناء الكنيسة الأنجليكانية في كرادة مريم. وإنجاز محطة بغداد للسكك الحديد ص ٧٩.

وأعتقد أن هذا يعني: بناء العقل الروحي والحياة النفسية والعقل الثقافي لإنسان سيدخل أيضا في عدة حلقات ملحمية من دراما بغداد. لقد استلهم ولسون العمارة الإسلامية وحقنها بمضمون غربي، وكان هدفه تحقيق التناغم مع البيئة والحضارة. ص ٨٠. وبرأي والي هذا الحل المعماري نقل المدينة من طور إلى آخر. ولكي تصل بذاكرتك إلى بغداد الحقيقية عليك أن تمر بمدن متخيلة. وهذه  العبارة يستعيرها من كالفينو. والعكس صحيح، كي يصل إلى عالم أحلامه  كان عليه أن يدخل إليها من بغداد. ص ٨٢.

تتميز هذه السيرة بثلاث نقاط.

أولا إنها لا تشخصن المجرد، فهي تتكلم عن عواطف تجريدية، بتعبير آخر إنها تتابع تاريخ المدينة منذ وضع المنصور حجر الأساس وحتى الاجتياح الأمريكي لها.  بمعنى أنه رصد الظاهرة ولم يتوقف عند حياته الشخصية.

وللتوضيح يمكن مقارنتها مع (شارع الأميرات) لجبرا، لقد كان جبرا مشحونا بنرجسيته الفنية وبالجانب الذاتي من حياة المدينة، لقد كان يضع نفسه في مركز الأحداث ويسمح للمجتمع والتاريخ أن يدور من حوله. وربما لهذا السبب لم يجد فرقا بين نكبة عموم فلسطين وخروجه منها. فقد تساوت التراجيديا مع المحنة الشخصية.

و هذا هو أيضا شأن طه حسين في أيامه بأجزائها الثلاث، فقد أسطر عميد الأدب العربي طفولته وجعل من عماه ملحمة اجتماعية تدل على بطولاته. وأعتقد أن حياته أمثولة، فقد وضع العقل السلفي على المحك، وعارض أفكار ابن تيمية بكوجيتو ديكارت، وهذا وحده موقف بطولي بالنظر لظروف  تلك المرحلة.

مع ذلك كانت مذكراته في (الأيام) عبارة عن إسقاطات ذاتية، وهو ما تهرّب منه نجم والي.

لقد وضع نفسه في الظل وسمح لبغداد أن تتألق . وكما قال: بدون بغداد لا يوجد نجم ص ١١٨و في النتيجة لم يقدم لنا معلومة واحدة  عن عائلته، من هو أبوه ومن هي أمه، كم يبلغ عدد أخوته، وما هي أسعد وأشقى لحظات حياته.

لقد أبقى هذه المعلومات طي الكتمان ليهتم بتطور المحطات الأساسية من المدينة.

و تجد أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة في رده على نبوءة الحاج حنون، حين قال له: إن المدينة هي التي ربحت الرهان وليس نجم، ص ٨٩.

النقطة الثانية، أنه لم يكتب سيرة بغداد وفق تسلسل تصاعدي، فقد استعمل أسلوب الفلاش باك والتداعيات والمونولوج الحر. ولذلك كان يقف عند المحطات الحاسمة وفق ترتيب نفسي. الأحداث الأهم من وجهة نظره أولا ثم الأحداث الهامشية. ومن الواضح أن فكرة اختراع مدينة هي التي توجه خطواته. فقد كان يدخل إلى التاريخ من باب الشخصيات التي تصنعه. ولذلك تخطى الذاكرة الشعبية لبغداد، واختصرها في عدة منعطفات: لحظة البناء والتشييد بأمر من الخليفة العباسي. ثم أحداث الفرهود والتي رسمت خطا أحمر بين العرب واليهود. ودور الأرستقراطية الهاشمية في إلهاب النزاع. ثم السياسة الرعناء لصدام  والتي نجم عنها  اندثار المدينة وظهور مجتمعات الفوضى.

ثالثا، وهذه نقطة بغاية الحساسية أن نجم والي اهتم بصور بغداد وليس بالمدونات المكتوبة .

و هو سلوك له علاقة بالذاكرة الثقافية ودورها في تحديد الإدراك. ففي بحثه عن ذاكرة المدينة وانتقالها من عاصمة إسلامية تحكم العالم إلى مدينة مسكينة في مستعمرة مغلوبة على أمرها لم يتوقف عند ما كتبته مسز بيل أو ما دونه مستر مالوان (زوج أجاثا كريستي والذي اهتم به جبرا في مذكراته) ولكنه أعاد ترتيب ذاكرته بالاعتماد على الصور الحية. وهي غالبا من فصيلة بطاقات المعايدة. وكان يبني بخياله مدينته وعينه على هذه البطاقات والصور ص ٩٥.

و من غيرها لم يكن مقدرا له صياغة تأملاته الأولى للعالم وعلاقة المكان بالفرد ص ٧١.

و هذه نقطة بالغة الأهمية، أنه  يولي السبق للمكان وليس الفرد، ويضع كل شيء ضمن خلفياته وليس بمعزل عنها. فمع كل صورة كانت تنشأ صور أخرى، ص ٧١. 

إن الصور التذكارية تكون عاطفية وتخاطب المشاعر وليس العين فقط كما يقول دولوز، وبالعادة لها معنى حركة تعبير وإبانة ( فلسفة الصورة، جيل دولوز، ترجمة حسن عودة، دمشق،  ١٩٧٧(.

و بلغة والي نفسه إنها تحرض الإنسان على التخيل، مثلا صورة الكنيسة تدعوه ليتخيل نواقيسها وهي تضرب بقوة، وكذلك القطارات  يسمعها تصفر وتنهب السكة ويرى بعين ذهنه عمود البخار الأسود وهو يندلع منها ص ٨٣. فالصورة ليست طبيعة جامدة، ولكنها إعادة تشكيل لعلاقة المكان مع الأحاسيس  ذات المضمون التاريخي. ومثلها القراءة.

إنها ترتيب لموقع الإدراك في الحدس. وهي منبع ذكريات نجم والي بعد الصور. ولا سيما قراءة الصحف، فقد لعبت دورا هاما في تعريفه بمدينته المحبوبة بغداد ص١٣٠.  وكذلك كانت مسؤولة عن صقل موهبته، ومن أطرف أخبار المطبوعات أنها مقسومة إلى حرملك (و منها البوردة وهي مصدر ترفيه ومعرفة لأمه وصديقاتها) وسلاملك التي تنشر معلومات عن أحوال المجتمع، ناهيك عن كواليس السياسة، ولذلك جمهور القراء في الغالب الأعم من الذكور.

و إذا نظر نجم والي بعين العطف لوفرة المطبوعات قبل انقلاب البعث عام ١٩٦٣ الذي تسبب بإفقار البلاد وتجميد الحياة العامة، فقد أبدى إعجابا منقطع النظير بالجمهورية وملحقها الأدبي ص ١٣٣.

و تستطيع أن تفهم أن بغداد هي بوابته إلى مرحلة النصج ولكن ملحق الجمهورية هو بوابته إلى بغداد. حتى أنه  يعتقد أن القراءة  قربته من المدينة التي  رآها جنة عدن ص ١٣٦ وخاصرة العالم  ص ١٧٢ وأتاحت له أن يعيش في مكانين ص ١٣٦ حيث يقيم (مدينة العمارة) والعاصمة التي أغرم بها لحد العشق العذري . كان شعوره  كما قال: ملتبسا ولم تنطفئ شعلته أبدا، ص ١٣٦ وتحول إلى نبراس جعل منه كاتبا وعرفه على مشاهير ونجوم تلك الفترة، وفي المقدمة سعدي يوسف محرر طريق الشعب، وعبد الرحمن الربيعي محرر الأقلام،ص١٤٣. ويمكنك أن تختصر علاقته بالمكان في الوجوه الأدبية والمطبوعات.

كان لهذا الثنائي دور حاسم في بدايات نجم والي وتحديد ميوله. بتأثير منهما أقلع عن الشعر وتابع مع القصة ثم الرواية.

و لا يمكن أن تحدد ماهية هذا التأثير، فالربيعي ناثر وعلاقته بالخيال الفني يشوبها الغموض، فهو كاتب منمق، نقل الخيال الفني من المباشرة إلى لغة العواطف القاسية. وشخصياته تواجه نفسها ولا تعرف شيئا عن محاكاة الواقع، ودائما هي شخصيات مشغولة بتحطيم بنيتها الداخلية، ونظرته لما يدور من حوله ضعيفة، بمعنى أنه معني بالدراما النفسية، وكل من قرأ (عيون في الحلم) و(القمر والأسوار) وعشرات القصص التي شغلتنا طوال الستينات والسبعينات سيلاحظ تجزيء الأشخاص وتماسك الواقع، فالشخصيات حاضرة في الحبكة من خلال صوت أفكارها وحركاتها في المكان المحدود والمغلق، بينما الواقع غائب وافتراضي وينعكس على غيره.

و نفس الشيء تستطيع أن تقوله عن سعدي يوسف.

فهو شاعر مشغول بتعميم الذات الخاصة وهمه إيجاد علاقة ولو جزئية بين الذات ومحيطها النفسي. والواقع في قصائده بناء لفوضى الأفكار، إنها أفكار تعبر عن مغامرة الذات المتحولة، ولكن أرى إنها ذات لنموذج أو شريحة، وهكذا حدد معنى المجاز الفني، إنه تصنيع لضمير تجريدي يعبر عن ظرف أو عن حالة وليس عن دراما الأفراد، ولانجاز هذه الصيغة استعمل أسلوب الاسقاط والاستعادة، وكان التاريخ بالنسبة له لا يختلف عن الحاضر، ولايهمه من الطرفين غير شروط الحركة، كيف يمكن للماضي البعيد أن يكون هو حاضر الأحداث التي تصنع الأخبار في المرحلة الراهنة، وكما أرى لا يوجد شيء من ذلك في أعمال نجم والي.

فمن خلال أسلوبه مع الواقعية البذيئة ثم تفسير الواقع بلغة الرغبات أو ما يضمره لها من عواطف، يجعله أقرب للعقل الوجودي المغترب عن نفسه ، كما عند شارلز بوكوفسكي.

يغلب الإلزام على تعامل نجم والي مع الواقع، وهو ينظر إليه كفروض أو بصورة شرط لا يلتزم به أحد، ويستحق منا مقاومته.

و هذا واضح من إدانته لحرب العراق مع إيران في (الحرب في حي الطرب)، وكذلك في عدم وضوح مشاعره من الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣. فقد تحولت الحبكة في (بغداد مالبورو) من متابعة الخراب بسبب الغزو إلى تأمل في الرعب والخراب من جراء ما يسمى دولة الجهاديين.

لقد كانت الرواية وثيقة للمساواة بين كل من الجاني والمجني عليه من خلال لفت أنظارنا إلى الظلام السلفي والفجوة المعرفية التي تسبب بها.

وقل نفس الشيء عن همنغواي، مع أنه مثال يحتذى ولا سيما في لعبة المجال الخاص، ص ٢٠٦ فنجم والي يرى أنه فيلسوف أو رائد الكتابة الشخصية، بمعنى أنه يكتشف فضاءه النفسي وهو يقاتل شروط المكان والمجتمع، ولكن كلما حاولت المقارنة بين الكاتبين لا أجد روح همنغواي،

وإصرار سانتياغو وحلقة المتمردين في (لمن تقرع الأجراس) تضعنا أمام عالم بمشاهد محطمة، كان همنغواي يرثي نفسه أو الشخص الذي ينمو ويعيش في داخله بينما والي يبحث دائما عن تصالح مع الآخر من خلال إلغائه للذات، فهو في (بغداد مالبورو) يصالح ماننغ العسكري الأمريكي، ويجد أن مصيره الغامض يعبر عن اندحار العقلية العسكرية الموروثة من فلسفة حل النزاعات بالحروب.

و لا أعتقد أن همنغواي يعرف شيئا عن الهدنة، لقد كان في كل أعماله مقاتلا عنيدا، إما أنه ملاكم على الحلبة، أو أنه متطوع وفي الخندق الأمامي.

و كما أرى لا الربيعي ولا يوسف ولا حتى همنغواي لديهم فلسفة أو استراتيجية والي في الكتابة.

لقد كانوا محطة ليمر منها إلى مدينته بغداد وإلى مهنته الأدب.

إن غياب شبح المؤثرات من أعمال والي هدف سعى إليه بوعيه، حتى أنه يقول عن هذه الناحية إنه سعى للتميز، وبذل وسعه ليحتفظ بشخصية له، وأن لا يشبه أحدا ص ٢١٢.

و لم يكن يحب أن ينتسب إلى جيل أو جماعة، وشعاره الاحتفاظ بمسافة بينه وبين غيره.

و يبدو أن والي ليس متعنتا أو عرقيا في أي شيء سوى الأدب، وحين يفكر بعمل جديد عليه أن يطهر العالم من كل عمل آخر، وأن يبيد غيره من ساحته، وهذا التعصب في شعار الفرادة والتجديد والإضافة هو الذي يقود خطواته ص ٢١٣.

ثالث الثلاثة هي المقاهي، ومن الواضح أنها أهم من الصور والمطبوعات. لكن من المؤسف أنها بلا أي راسب في أعماله الإبداعية.

يترنم نجم والي بأسماء المقاهي الشهيرة في بغداد وبأسماء روادها اللامعين، ويرى أنها كتبت سيرة ثقافية شديدة الغنى لمدينته المحبوبة. لقد كانت المقاهي هي المصانع الحقيقية أو المدارس التي خرجت الأجيال وجيشا من النخبة، ففي الخمسينات رفدت الأدب العربي بالتكرلي وفرمان وفي الستينات قدمت السياب والبياتي ولكن في السبعينات أضافنت أسماء الصعاليك ومتشردي حقول المعرفة كجان دمو ووالي شخصيا ص ٢٥٢-٢٥٥.

و مع ذلك لم تنتقل هذه الصور الغنية بمحتواها النفسي إلى رواياته وقصصه.

لقد خلت أعمال نجم والي من أي إشارة إلى المقهى، واقتصرت على اختيار المبغى وساحات الحرب ومكاتب الإدارات الرسمية للأحداث.

وهذا بعكس الصفة اللازمة في كل مكاتبات الوجوديين وأفراد الجيل اللامنتمي، بمعنى المتمرد على الفروض والواجبات التى تمليها السلطات من فوق، فقد وضعوا المقهى في مركز الحياة الثقافية. ونادرا ما تقرأ لكاتب من تلك الفترة لا تدور نصف أحداث روايته في مكان عام من هذا النوع.

و خذ على سبيل المثال المرحوم هاني الراهب، فصفحات روايته (ألف ليلة وليلتان) تربو على ثلاثمائة صفحة وتتابع فصولا من حياة ضباط وموظفين في خريف العمر، لجأوا إلى لعب النرد في المقاهي الصيفية المفتوحة هربا من الدوام في البيت.

وهنا لا بد من ملاحظة.

 لقد أبقى بعض الوجوديين بنسختهم الريفية على ولائه لتقاليد حكومات العسكر واستبدل المدينة بالقرية، والمقهى بالمضافة، ومن هؤلاء المرحوم عبد النبي حجازي الذي وجد فرصته في رثاء هزيمة حزيران من خلال رسم شخصيات ضعيفة تهرب من مواجهة العجز في الفراش إلى السهر في المضافة وتداول النكات البذيئة والأكاذيب والعنتريات ،

و أعتقد أن شخصيات نجم والي لا ينقصها الانتصاب وهو يعبر عن فراغه الإيديولوجي باللجوء إلى عالم لا يحتاج للعاطفة ولا إلى الامتلاء النفسي ولا سيما عالم المبغى. هنا أمكنه أن يعيش بغريزته المجردة، وترك التفكير واعتمد على ردة الفعل، ولجم الحكمة واستعمال الرأس وأرخى العنان للحواس المباشرة.

و من بين المؤثرات يذكر نجم والي اليهود الثلاثة الذين يشترك معهم في عشق بغداد وهؤلاء هم: شمعون بلاص وسامي ميخائيل وسمير النقاش. ويوكد أن المتاهة التي ضاعوا فيها في أرجاء العالم لم تغرب عنها شمس بغداد ولو لحظة واحدة.

إن بغداد حاضرة في أعمالهم من العنوان وحتى الأحداث، ص ٢٩٠. وحتى لو أنها ناطقة بالعبرية أحيانا لا يمكن للقارئ أن يشك أنها روايات عراقية وبامتياز ص ٢٩٠.

و في حقيقة الأمر لا يوجد في أدبنا العربي الحديث أحد ترنم بعاطفة رومنسية رقيقة وشفافة لبلاده مثل العراقيين والمصريين.

فثلاثية نجيب محفوظ معروفة في الأدب العالمي باسم (ثلاثية القاهرة)، وبجانبها تقف (رباعية الإسكندرية) للورنس داريل وهي علامة أو رمز على قوة الفكر الهيليني وعلى قدراته في التركيب والتفكيك، فإسكندرية داريل هي قاهرة نجيب محفوظ، لو استبدلنا عنصرا واحدا من الطبيعة وهو البحر لدى داريل والأحياء الشعبية عند محفوظ.

ويسهل على أي قارئ القيام بهذا الاستبدال الفرويدي. فالمشاهد أو مسرح الأحداث مجرد مهد للشخصيات، إنه الأداة الحاضنة التي توفر للطبيعة قدرة استثنائية على تشخيص المجردات.

وهو ما يفعله العراقيون عموما، إنهم مولعون بشخصنة العواطف التجريدية سواء بالاختزال أو الإسقاط والإحاطة، ولو تجاوزت اعمال الرعيل الأول أمثال فرمان والتكرلي لا يمكنك أن تغض النظر عن (قاموس بغداد) لعلي بدر، ولاحقا (الوليمة العارية) لبدر نفسه.

وتدخل أعمال والي في هذا المضمار، فكل رواياته لا تخلو من صورة لطور من أطوار مدينته التي يبثها لواعج الشوق والغرام والتأسي أحيانا بسبب ما يراه من انتهاك للحدود، وأقصد حدود الذهن المنتج للفكرة.

و الشيء بالشيء يذكر.

للأسف إنه لم يتوفر لدمشق  كاتب يرسم البورتريه المناسب لها، وكل ما تجده في أدبيات السوريين عبارة عن مشاهد عامة لها خلفيات ريفية، وبشكل أساسي يسيطر على الرواية في سوريا جو السهل والجبل (بالمعنى الذي أشار إليه محي الدين زنكنة في كتاب يحمل هذا العنوان). فالسوريون مغرمون بالساحل الضيق الذي ينعمون به على المتوسط وبالحقول نصف الجافة التي تربطهم بفكرة العروبة من جانبها الإثني والإيديولوجي، فهذه الحقول هي بقايا من البادية وثقافة الصراع مع عوادي الزمن والتصحر. وأعتقد أن بدايات الرواية في سوريا تختلف عن نظيرتها في بقية بلدان الجوار، فقد نشأت رواية السوريين عن دمشق بعد الاستقلال ونشوء التفكير القومي والذي كانت ترعاه شريحة من أبناء الريف المهاجرين إلى المدينة، وقد ارتبطت أفكارهم بماكينة بروباغاندا العسكر وباستراتيجية التحرير والكفاح المسلح.

فيما يخص المؤثرات توجد ملاحظة مقلقة.

مع أنني استمتعت بمتابعة وجوه الشخصيات الأدبية التي توقف عندها والي، والمتعة تأتي من الاكتشاف والأسلوب معظم الأسماء غير معروفة لنا، وهو يعيد تركيبها بأسلوبه القصصي المسلي، ويترك بين التجربة الذاتية والموضوع مساحة للتشويق والإثارة والفائدة.

و لكن كل النماذج التي أغناها بالتعليق والإضافات تدخل في عداد أدب الرحلة  ص ٢١٦-٢٠٣.

و لا يمكنني أن أرى لماذا لا يضع والي خطا أحمر بين الريبورتاج والترافالوغ والرواية.

لقد تعامل مع هذه الأنواع بنفس التكتيك. وأدى ذلك إلى غموض وإبهام في الأهداف.

فلو أن أولئك الأدباء الرحالة يبحثون عن بغداد كانت لمهمتهم عدة وظائف أهمها اكتشاف المسالك والدروب التي تنير للإنسان معنى المدينة، لكن هل هم يبحثون عن الصورة الفانتازية التي رسمها الاستشراق ولا سيما من خلال (ألف ليلة وليلة) وفلسفة الفتوحات (الصفة التي يدين بها الغرب ديننا الإسلامي وينظر إليه كدين منذور للسيف وليس العقل)، أم أنهم كانوا يبحثون عن بقايا بغداد والتي أنتجها منطق الصراع بين عدة قوى استعمارية.

مثل هذا التداخل في حدود الدلالة ساوى أيضا بين أوهام المشرق وواقعه المعاصر، فأنا مثلا لا أجد أية علاقة بين إسطنبول وطوكيو من طرف وبين القاهرة وبغداد من طرف آخر، إن لم أضف إليهما دمشق.

فالتغريب المفروض على بعض بلدان المشرق تحول لامتداد مبسط وساذج للعقلية الغربية.

و حتى إن الايديولوجيات التي لعبت دورا في التربية والحضارة مثل الإسلام والبوذية تحولت نتيجة إسقاطات الغرب إلى ترجمة رديئة له، وكلمة رديئة ليست مثلبة، ولكنها تعرب عن اختفاء الشرق وتدهور فلسفته أمام زحف الفلسفة الغربية.

إن انتماء اليابان إلى المشرق لا يزيد عن انتماء المملكة المتحدة للحضارة الجرمانية، لقد اختفى العقل الجرماني هناك وحلت محله روح متحولة تهتم بالحواس والغرائز أكثر من اهتماماتها السابقة بالعقل والطبيعة. وشتان ما بين الطرفين.

و بظني إن بوذا الياباني حاليا مدين لتطور السوق وآليات الإنتاج الرأسمالي. أما بقاياه التي تقاوم الفناء فهي محنطة في المتاحف وتشبه مبدأ المائدة المتنقلة الذي اخترعه همنغواي، فأن تنقل أمريكا إلى باريس يشبه أن تنقل بوذا إلى أمريكا، وبوذا المعبود حاليا نسخة أمريكية بدلالة التحول الحضاري لجوهر المعنى. وإذا كانت الكنيسة الأرثوذوكسية تقاوم عوامل الفناء ويوجد لديها نماذج انتقالية في طور التبديل وأذكر فالنتين راسبوتين كمثال باعتبار أنه يرسم صور تقابل بين الكولخوز والشركات متعددة الجنسيات، فإن جيل الساموراي انتهى من كل أرجاء اليابان، ولا أستطيع أن أجد أدنى علاقة بين يوكيو ميشيما وهاروكي موراكامي.  والفرق بينهما مثل الفرق بين بلزاك وكافكا، فالواقع المؤسف الذي يلغيه الفساد غير الواقع الخيالي الذي نتنبأ به ونهرب منه.

في كل الأحوال لا يمكنك ـن تقيس صورة بغداد بمقياس واقعي، إنها أوسع من هذه التقسيمات التي تعزل الشرق عن الغرب، فهي كل شيء في حياة نجم والي.

وكما يقول في آخر سطر من كتابه: بغداد هي اختراعه، والصورة التي لا تشيخ ص ٣٧٠.

 

ahmad alkhozaiرواية (قارئ الطين) للروائي حسن فالح التي صدرت عن دار سطور 2016 هي المنجز  الروائي الثاني لهذا الكاتب الشاب المثابر، بعد منجزه الأول (تكسي كراون)، قدم  لنا هذه المرة نصا سرديا ناضجا حافظ فيه على أهم عناصر السرد (الفكرة، الأسلوب، الحدث، اللغة، الحوار، الوصف، السرد) واستطاع توظيف ثقافته العامة لخدمة هذا النص ليصل إلى المتلقي عبر سياقات سردية تميزت بالتنوع، وأسلوبا طغى عليه تقنية الوصف الدقيق والمُسهب والشروحات والمحطات التاريخية، وتناص فكري واجتماعي بين بطلي الرواية عبر ثنائية شكلت العمود الفقري للبناء الهرمي لها، (خضوري أفندي اليهودي ومحسن ثقافة المسلم) هذا التناص الذي استطاع حسن فالح من خلاله ربط الماضي بالحاضر، والمدينة بالريف، وعصر المدنية والتحضر بعصر الهزائم والانتكاسات، فخلق لنا مشاهد ثلاثية الأبعاد امتزجت فيها العوالم والحقب التاريخية وتداخلت فيها الأزمنة بالرغم من  تباعد السنوات بين أحداثها،  من عصور سومر وأمجادها، إلى تسعينيات القرن الماضي حيث الاستبداد والجوع وتكميم الأفواه والقمع الذي عاناه الإنسان العراقي بوجه عام والمثقف بوجه خاص الذي مثله هنا (محسن ثقافة) ذلك الشاب الجنوبي الهارب من بطش النظام بعد فشل انتفاضة آذار 1991 والحاصل على شهادة في التعليم العاشق لصوت كوكب حمزة احد الأصوات التي كانت تمثل اليسار في عراق سبعينات القرن الماضي، عشقه لكوكب حمزة جعل منه مطلوبا لأجهزة النظام الأمنية آنذاك، فقادته أقداره ليصبح جسما غريبا على مجتمع لم يألف عاداته وتقاليده وطريقة معيشته، والذي استطاع الروائي ان يسلط الضوء على المجتمع العراقي في تلك الفترة من خلال تصوير حياته في حي البتاوين القابع وسط بغداد القديمة، حيث الفقر والجوع والانحطاط الأخلاقي والفكري المتشح بالخوف والترقب من القادم المجهول، ليكون هذا الحي شاهدا على المحنة وجزء مهم من مسرح أحداث الرواية التي وظف لها ثيمة متخمة بالغرائبية وتحتاج لجرأة لتناولها بهذا القدر من الوضوح. تبدأ الرواية بجملة من البطاقات التعريفية لإبطالها بمسارين متتاليين، تعريف البطل والظروف البيئية والاجتماعية والسياسية التي ساهمت في صنع شخصيته، ومن ثم وصفه بدقة، وقد تم ذلك بمعزل عن الجو العام للسرد، كنوع من التمهيد والاستهلال الذي يساعد القارئ على تتبع هذه الشخصيات والانسجام مع حركتها داخل النص، لمعرفته المسبقة بظروفها وطبيعة نشأتها، وقد أوكل الروائي هذه المهمة لنفسه، لذلك نجد إن البداية الحقيقة للرواية تتضح بشكل جلي من صفحة ثمانية وثمانون، حين تبدأ رؤى محسن ثقافة الفنتازية عن خضوري أفندي المعلم اليهودي مالك البيت الذي تحول إلى نزل (خان) فيما بعد والذي شغل إحدى غرفه محسن ثقافة، لتتحول هذه الرؤى إلى مدخلا ميتافيزيقي لإحداث دراماتيكية ستتوالى بفترة زمنية قصيرة يكون محورها مذكرات خضوري أفندي التي يجدها محسن ثقافة قابعة في إحدى الغرف المهجورة في الخان، ومن خلالها يتعرف محسن ثقافة على عوالم خضوري اليهودي ورحلته الأسطورية إلى (اليشان) في اهوار جنوب العراق والتي حملت بعدا فنتازيا أسطوريا وظف له الروائي تقنية الوصف الدقيق لخدمتها مستعينا بخزين ثقافي ومعرفي عن حضارة وادي الرافدين و(سومر) بالتحديد وطبيعة حياة سكانها وطريقة معيشتهم وأزيائهم وعمارتهم وطقوسهم الدينية وهيئة قصورهم ومعابدهم، ليأخذ هذا الجانب حيزا كبيرا من السرد تجاوز الخمسين صفحة..

شكلت هذه المذكرات نقطة تحول مفصلية في الرواية أدرك من خلالها محسن ثقافة أن هناك تناص وأوجه تشابه بينه وبين خضوري أفندي، ووجود مشتركات تربطهما ببعض، على الرغم من الفارق الزمني الذي يفصلهما، والذي تجاوز الأربعون عام، هذه المشتركات التي صنعتها الظروف الاجتماعية والسياسية وتحكم في مسارها انتمائهم ألاثني .. محسن ثقافة المعلم المثقف الهارب من الجنوب بسبب انتمائه ألاثني وحبه لكوكب حمزة، واتهامه من قبل أجهزة الأمن آنذاك بمعاداته للنظام، والذي عاش محنة الغربة والتشرد والجوع والخوف والترقب وهو يسكن احد  خانات بغداد القديمة (بيت خضوري اليهودي سابقا) ويعمل مضوي في إحدى السينمات والذي ابقى عالمه القديم سرا لا يبوح به لأحد .. (فلا احد يعرف شيئا عن محسن المعلم، القادم من الجنوب، المحمل بالملح والطين، والحان كوكب حمزة، المتهم بالاستماع إليها)، كان يخشى في عالمه الجديد كل شيء حتى الجنس الذي كانت تمثله (كمليا) بائعة الهوى جارته في الخان، هذه المحنة عبر عنها في حديثه مع نفسه (تيار وعي باطني) عاشه في لحظة يأس.. (لينبثق كل شيء عنك لأنك ما زلت حيا، وكن كما أنت، وعش يوما بيوم، وانعم بالسلام وجلاء البصيرة، ولا تنافس أحدا لأنك في موقع لا يسمح بالمنافسة، وعش بسلام، واعلم أن لا سلام بالكلمات بل بالصمت.. امض لياليك بهذه الطريقة، مترقبا، منتظرا، فأنت أفضل حال في الليل) .. هكذا بدت حياة محسن ثقافة التي اقتربت بشكل أو بآخر من حياة خضوري أفندي المعلم اليهودي الذي عاش قبله بأربعة عقود في نفس المكان، والذي عانى نفس المحنة لكن بتفاصيل أكثر تشعبا وتعقيدا، كونه يعيش عقدة الانتماء وهاجس الخوف من الترحيل والإقصاء والنفي بسبب انتمائه ألاثني، وحبه لأرضه، لأهلها، لتراثها، لتاريخها، لحضارتها، شعوره بالانتماء الفطري لها ولد لديه الشعور بالخوف والترقب وانتظار القادم المجهول، الذي كان أسوئه التهجير القسري من العراق .. (كان يعتقد إن الوقت سيمر عليه وهو يجلس على كرسي متحرك بشعر خطه الشيب، أمام النافورة التي تتوسط البيت، بالقرب من زوجته ليلى، وهي ترتدي نظاراتها الطبية محاولة أن لا تخطئ في تطريز مناديل أحفادها وهم ينتشرون بين أروقة البيت .. ليقص عليهم إحدى قصص حضارة بلد عريق، ويروي لهم قصة كلكامش وصديقه انكيدو)، لكن الذي كان يخشاه خضوري أفندي قد حصل وهجر هو وعائلته من العراق إلى المنفى ليغادر ارض أبائه ويعيش محنة الغربة والإقصاء كما عاشها من بعده نظيره محسن ثقافة، هذا التوازي والتناص في حياتهما خلق نوع من التماهي داخل السرد ليصبح  خضوري أفندي قارئ لألواح الطين في مملكة سومر بعد أن وقع عليه الاختيار من قبل الشيخة بسماية و العزيزة إحدى ملكات سومر القديمة، ويصبح محسن ثقافة قارئ لمذكرات خضوري ومنيط اللثام عن رحلته الأسطورية إلى (اليشان) ورؤيته لعوالم غابرة مازالت تعيش أمجادها في مكان ما في هذه الأرض، هذا التقاسم في الأدوار بين بطلي الرواية حمل دلالات قصدية تحمل أبعادا اجتماعية ودينية وسياسية، كان لها أن تحمل زخما اكبر لو إن الاختيار قد وقع على محسن ثقافة ليكون (قارئ للطين) بدلا من خضوري أفندي، ويبدو إن حسن فالح قد رسم شخصية محسن ثقافة بقدرات لا يمكن لها أن تلعب مثل هذا الدور، فنزعته الانهزامية هي من جردته من نيل هذا الشرف وهذه المهمة التي تأسس عليها السياق الهرمي للنص، فقد بدا محسن ثقافة محبطا مترددا خائفا، بعكس نظيره خضوري أفندي، وهذا يعود إلى أسباب جوهرية تمتد إلى جذور نشأته في بيئة بسيطة فطرية تعاني من التهميش والفقر والحرمان كونه قادم من الجنوب، ولكونه يعاني من الملاحقة الأمنية إضافة إلى فقره وانزوائه النفسي والاجتماعي، ومثل هكذا شخصية على الرغم من ثقافتها وسعة افقها إلا إنها لا تمتلك المؤهلات التي تمكن  صاحبها بان يصبح قارئ وكاتب لألواح الطين في مملكة سومر المفترضة.

تميزت هذه الرواية بكثرة الشروحات التقريرية والسرد التاريخي، مثل.. (الطقوس اليهودية، عادات اليهود، حياة أهل الاهوار، وصف وسير ذاتية لبعض الشخصيات، التعريف بأماكن ومواقع والإسهاب بوصفها، شروح لمعنى مفردة عراق، سرد تاريخي عن فرهود اليهود) كل هذا الإسهاب في الشرح يترك انطباع لدى المتلقي بان الروائي يمتلك ثقافة واسعة وقدرة استثنائية على توظيف هذه الثقافة داخل السرد، وتحويلها إلى إحدى أدواته في صناعة النص .. لكن في نفس الوقت نجد أن الإكثار من هذه الشروحات والاستغراق بالسرد التاريخي قد يضعف النص ويربكه، ويبدو إن حسن فالح قد اعد هذه الرواية لتأخذ بعدا عربيا وعالميا، وقد استعان بهذه الشروحات والتفاصيل التاريخية لإخراجها من نطاقها المحلي، كونه كان يفسر ويشرح بعض البديهيات بالنسبة للقارئ العراقي .. وهنا أود أن أبين، إن الخروج بأي منجز أدبي إلى العالمية يبدأ بمحليته وبقدرة كاتبه على التمثيل الأصدق لبيئته التي انبثق منها  ومدى التصاقه بها، وقد أجاد الروائي في ذلك، فقد صور لنا تلك العوالم بطريقة جميلة تنم عن عمق في الرؤية واطلاع واسع عن طبيعة حياتها وظروفها المحيطة بها، على الرغم من الاختلاف ألزماني والمكاني بينها.. (أحياء بغداد القديمة، حضارة سومر، الاهوار)، ولم يكن بحاجة إلى كل تلك الشروحات والسرد التاريخي لتوضيح ذلك.

في هذه الرواية ذات المائتين والسبعة والسبعون صفحة، ماذا اراد الكاتب إيصاله إلى القارئ  ؟ ولنبدأ من العنوان (قارئ الطين).. الطين هو رمز للنشأة الأولى ببعدها المثيولوجي، هو التجذر، عنوان حضارة وادي الرافدين وسفرها المقروء،  وهذا ما أشار إليه ..(كان ذلك ميراثا منقولا من مسلة نرام سين، وهو يقود الجاموس المقدس بعصا غليظة، لكن هذه العصا لم تكن لضربها بل لترويض مزاجها الطيني).. وفي موضع آخر من الرواية.. (هناك في الجنوب حيث الطين يكمن الفردوس فوق الماء وبين ختلات القصب)، وهناك إشارة أخرى في النص تبين الارتباط المادي والنفسي للانسان العراقي ببيئته وتصويره على انه إحدى أهم نتاجاتها بوصفه لأبناء الجنوب سكان الاهوار ..(الوجوه المتشابهة لأنها بسمرة واحدة، لم تتلون بغير لون الشمس، الأرجل تعودت على رطوبة الأرض وخشونتها لقد كانوا حقيقيين تذبل الابتسامة عند حزنهم ويفرح الجميع لفرح أي شخص بينهم، الطين، الملح، القصب، اليشن، كلها مفردات ما ان انتزعتها من مكان حتى تختفي أهم عناوينه).. لقد صور لنا الروائي وحدة الانتماء بغض النظر عن العرق والدين  في أمنية لخضوري أفندي بان ترافقه جدته سلطانه في رحلته إلى اليشان..(كم تمنى لو إنها كانت ترتدي زيا سومريا تتكئ على عصاها الصاجية الحمراء، وهي تلقي التحية على العزيزة، وتجلس بالقرب منه وتضمه اليها، وتخبره بأنه عليه أن يبقى هنا كبقية لكل من سيرحلون، وبمكان امن لا يفرق الناس في انتماءك لطائفة أو عرق).. وقد سلط الروائي الضوء على جزئية تاريخية مهمة عاشها المجتمع العراقي ساهمت بشكل كبير في بلورة نمطية اجتماعية دخيلة على أعراف وعادات وأخلاق هذا المجتمع أدت إلى تداعي المنظومة الأخلاقية له، وهذه الجزئية تمثلت بفترة الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي وما رافقه من جوع وظلم وحرمان، في مشهد يصور دخول محسن ثقافة إلى غرفته .. (رجع إلى غرفته بهدوء مازالت صورة الكلب وبحثه المستمر في المزابل تشغله، كانت تضوع من غرفته رائحة الرطوبة ...الجوع يزيده فراغا إلى فراغه المعدوي، أرخى يحك رقبته من الخلف كان بحاجة إلى أن يشغل نفسه بشيء يلهيه عن الجوع)، وفي محطة أخرى يصور لنا الروائي هذا الواقع المرير .. (في يوم ما وجدوا طفلا ملفوفا بملاءة تبدل لونها من الأبيض إلى البني، ومن حسن حظ هذا الطفل انه مازال على قيد الحياة، ومن حسن حظه انه تربى ببيت دعارة).. ويبدو إن الروائي قد نجح في إيصال مقاصده إلى المتلقي، ليعبر عن ذلك في جملة اختتم فيها نصه، استطاع من خلالها لملمة خيوطه التي تناثرت وتشعبت، حين انهار الخان بسبب تقادمه لتندثر تحت ركامه مذكرات خضوري أفندي، ويندثر معها عالمه المثقل بالأمنيات والأحلام والمخاوف والرؤى، ضمن متوالية تجتر نفسها في ذات المكان.. (في هذا المكان كان بيت يهودي، وهنا كان الخان، وهنا ستُبنى بناية أخرى).. وهنا وبعد هذه النهاية الدراماتيكية للإحداث نجد الروائي قد وجد مخرجا منطقيا يعيد فيه الرواية إلى وعيها ورشدها  بعد أن هامت في عوالم الخيال والفنتازيا، وبعد أن أدت الدور الذي أراده لها، ليضع لنا هامشا من ست صفحات في محاولة تجريبية جميلة، يبين لنا فيها إن كل ما قراناه ما هو إلا مسودة لنص غير مطبوع لشخص يدعى (ستار جودي) كانوا قد وجدوها بعد موته تقبع في دولاب صغير في غرفته بفندق قديم في حي بغدادي لا يبعد كثيرا عن مسرح أحداث الرواية، وبهذا المخرج وصلنا إلى نهاية منطقية للرواية، نسفت الجانب الخيالي من السرد وأبقت على الغاية والقصد.

 

احمد عواد الخزاعي

 

khoulod albadri"صاغ هذا المصطلح الناقد الهنغاري غيورغي لوكاتش .." وهو يشير إلى الكتابة الواقعية التي تقدم تمثيلا للواقع بتحليل المجتمع تحليلا عميقا يبرز تناقضاته، ويبين احتمالات تطوره "الموسوعة العربية الواقعية في الأدب

في البدء كتب الروائي مقطعا من قصيدة

"دفعتني البنادق

نحو البنادق

لا خيار بين نار ونار،

فاندفعت مستهزئا

بالهزيمة والانتصار"

قصاصة عثر عليها في جيب جثة جندي مجهول الهوية في نيسان عام 1983خلال معركة الفكه ."ص5

يا له من مصير أن تفرض علينا البنادق خيارا بين نار ونار في هذه الحالة أنت لابد أن تستهزئ بالهزيمة والانتصار معا، لأنك دفعت نحو أمر لم ترغب أن تزج به بل دُفعت إليه .

 كان المدخل للرواية موفقا جدا فبتلك القصاصة الورقية، عرفنا ما هي الحرب ..التي كانت ولم تزل، فقد كتب على العراق أن يقاتل في كل الأوقات .

"أن فهم مسرود معين، ليس تتبع مجريات القصة فحسب، بل هو أيضا التعرف إلى طبقات فيها، وإسقاط التسلسلات الأفقية "للخيط" السردي على محور شاقولي بصورة مضمرة . وقراءة مسرود (والاستماع إليه)، ليس الانتقال من كلمة إلى أخرى فقط، بل هي انتقال من مستوى إلى آخر أيضا .ص15شعرية المسرود

لن أتتبع مجريات القصة بقدر ما سأحاول التعرف على مستويات وحالات الضياع التي مرت بأشخاصها، لكن لابد من معرفة القصة أولا ثم نشرع بقراءة مبسطة لها علنا نصل إلى ما أراد الكاتب أن يخبرنا به .

يقول الراوي وهو الجندي الذي سرح من الجيش وعاد له من جديد: "في هذا الفجر، كان انتمائي الهزيل إلى الخارج يزداد سوءا .

وكنت أظن وكان ظني صحيحا، أنني بدأت أخطو نحو قلب الضياع بالاتجاه الصحيح .لم أعد أخشى ذلك الفجر الذي كان يحثني على مغادرة صالات الملاهي شرط أن لا يفضحني .أنا الآن أنغمر في أنفاسه .وهاهو يذكرني بنهاية الأجازات الدورية الشحيحة، وبالمئات من حالات الالتحاق القسري إلى خنادق الموت .أما أصوات أذان الفجر فكانت تراتيل للعزاء .في موكب تشييعي المتكرر ."ص21 _22

أذن هي الانكسارات التي تطأنا من الخارج حيث زمن الالتحاق القسري إلى خنادق الموت، حتى أن البطل بدأ يشعر أن أذان الفجر هو تراتيل للعزاء في موكب تشييع متكرر يا للانكسار الذي فرضه الخارج، الأنظمة المتسلطة .

ثمة انكسارات من الداخل لنرى كيف :يقول الراوي :"رياح انكساراتي بدأت تتحرك من الداخل .وفي ظني تحطمت صلات كنت أحسبها طرية، هزة طارئة لا غير كشفت عن عمق عزلتي قبل أن تطوي صفحتها الأولى .لم أكن أتصور أن لشقيقي رقبة قبيحة كتلك. وما كنت أطمح بقسوة أبوية أكبر مما شاهدت .كنت على يقين دائم، أن ثمة نوعا من الرجال مصابون بمرض "التبغل الحاد "الذي يضفي على سلوكهم عنادا دائميا مقدسا .ص28

تتسارع الأحداث يودع الراوي زوجته على عجل مارا بالقرية التي تسكن فيها .. ثم يُنقل إلى حفر الباطن وهناك يتعرف على العمارتلي المطلوب بثأر لتتكون، صداقة غربة، فيما بينهما فيها ما فيها من الجوع والمرض والألم والوحدة والمعاناة .

حكاية الحرب والمآسي التي يتعرض لها الإنسان وكأن لا قيمة له حيث يرسل إلى جبهات تفتح للقتال ويترك هناك ليمتزج برمال الصحراء، قصة حرب خاسرة تسببت بمقتل وتشريد الآلاف ..

هي رحلة الضياع في الحياة، الضياع في صحراء والتيه فيها ..التعرف على هذه الجموع البشرية الضائعة حالات من الجوع وكيفية التعامل معه .الجوع بكل أنواعه ..حالات الشذوذ والبحث عن الجنس في صحراء شاسعة لا تتواجد فيها أنثى سوى كلبة الآمر !

الصراع الذي يتعرض له الأشتر العمارتلي وهروبه من العمارة ..ثم الأسر ورحلة الأقدام المدماة التي يتعرض لها الراوي ..البحث في المجهول عن المجهول .

في الأسر يقول الراوي :"أنا لا اشعر الآن أنني فقدت حريتي ببساطة لم أكن حرا، ولكنني فقدت ما هو أجمل من ذلك فقدت عزلتي .

يقلقني كثيرا أن ألقى إلى أمد مجهول، بين صخب الأسرى وضجيجهم .

فهؤلاء لا يذكرونني إلا بساعات ضياعي .أنهم في صراع محموم على الأطعمة المجففة وقناني المياه المعدنية والسكائر.وعدا ذلك لا تناسبهم أي مكرمة أخرى .أنهم فرحون لأن هذه الخريطة اتسعت وزال جفافها .

فهم يقارنونها دائما بنهارات القحط والخيبة ويرون أنهم في حال أفضل .ص173

هو الواقع بكل ما فيه من حقائق، بكل إيجابياته وسلبياته صاغها لنا الروائي بأسلوب جميل يجعل القارئ متتبعا تسلسل الأحداث والغوص في رمال صحراء حفر الباطن لمعرفة مصير بشر تجمعت لا على شيء، بل فقط زج بها إلى محرقة موت محتم ..

 

خلود البدري

 

وروينا أشجار الصبار

تلك الأشجار التى كانت جنب اللحد الموعود

بلقاء ما بن العفة والدود

ياهذا الدود

رفقا بامرأة عانت أكثر من أصحاب الإخدود رفقا بإمرأة مقهورة .. مجهولة

.. مظلومة

بغير حدود

ياهذا الدود

كيف بربك ستلتهم قلب المحبوب

كيف بكل شراسة ستفتك بإمرأة كانت انشودة حب وخلود

ياهذا الدود أنصحك المرة لا تفعل

فستندم

فالطعم المرة لن يشبع

والدم المرة لن يروى

فلدود قبلك مع هذا الجسم جذر ومدود

فالدود البشرى أنهكها ولم يترك لكم معشر ديدان الأرض شيئا محصود

يا هذا الدود الطعم المرة مر علقم

الطعم المرة طعم محزن

طعم إمرأة لم تفرح يوما فكيف بطعمها أنت ستشبع

ياهذا الدود قصة هذى المرأة شيئا يوجع

قد تسمع عنها لما سكت النبض .. ونام الجفن .. وحملت للقبر الموصود

لكن مهلا فالقصة أكبر ... أبعد القصة

تمتد لأجيال وعقود

قصة تجعل قلبى ينزف

أحكيها ؟

لا لن أحكيها

 لأنك دود

وككل البشر ديدان

ولكنك دودا رغما عنك

وهد ديدان برضاهم

أتراهم ؟!

هناك فى كافة أرجاء الدنيا

لن تجد الوجبة مشبعة منهم

قد أكلو الأكلة كاملة فما بقى لك يا دود

لو ترضى كلها

لو ترضى مص شراشفها

مص شراشف حوريتى

اشرب دم الأيقونة

ولكن حذرتك الصفقة ليست مضمونة

فالوجبة هذه المرة ليست حلوة

بل بقايا ديا مأفونة

 

 

 

 

 

 

 

ثنائية العفة والدود في قصيدة جدتي والدود لمحمد فياض

إن أول ما يسترعي انتباه القارئ في هذه القصيدة النثرية عنوانها الزمنكاني (جدتي والدود) والكلمة منحوتة من كلمتي زمان ومكان، إننا إذن أمام مكان وزمان له خصوصية لدى الكاتب لهما مردود واتصال اجتماعي ونفسي فدلالة الدود والجدة تضمر غيابا قبليا للجدة، وتستدعي حضورا بعديا للدود ليعطي وصفا لليوم الاول للميت من خلال صفقة يحاول الكاتب عقدها مع الدود تضمن حضور الجدة الفعلي وغياب رفاتها منذ اليوم الاول لدفنها .

محاولا الكاتب قتل رغبة الدود في تناول هذه الوجبة التي وصفت (بانها مقهورة ومجهولة مظلومة طعمها مر علقم موجع محزن،،،،،،) وغيرها من الصفات التي استقاها الكاتب من واقع حياة الجدة لتكون بنود لعقد الصفقة مع الدود محاولا بكل ما اوتي لباقة ولياقة في الكلمات ليثبط رغبة الدود في اكل هذه الوجبة المثقلة بهموم الحياة التي حولت طعمها الى مر علقم رغم حلاوة الروح التي تتمتع بها الجدة وهذا ما توحي به دلالة (قلب المجبوب،،، انشودة الحب والخلود،،، حوريتي،،،،)

وبين الحضور والغياب تتضافر التشكيلات البلاغية بين (الاستفهام،،، كيف بريك ستلتهم،،، كيف بكل شراسة،،،،أأحكيها،،، أتراهم ؟!) بتساؤل يحمل في طياته التعجب والانكار وفي تساؤله توجيه نظر الدود المُتَخَيَّل بحواره الى الدود البشري الذي لم يبق ولم يذر من هذه الجدة الا النزز القليل الذي لايغني ولايسمن من جوع لكن المفارقة هنا في مصدر الدود فعلميا ان مصدر الدود هو من والى الانسان اذا هذا الدود يتقاسم مع الجدة ماساتها فالكاتب يقر ان سبب ماساتها ان (الدود البشري انهكها ولم يترك لديدان الارض شيئا محصود) وفي كل مايتقدم نلاحظ التشخيص الحي للدود يمتد على مساحة واسعة من النص فالكاتب يحاوره ويحاججه بمطنق الند للند بتكرار ندائه (ياهذا الدود) فالدلالة الشعورية هي أهمّ دلالة وأصعبها يحملها اللفظ المكرر في النص لأنّ تكراره يهدف إلى استكشاف المشاعر الدفينة وإلى الإبانة عن دلالات داخلية ويعدّ أحد المنافذ التي تفرغ المشاعر المكبوتة للكاتب . فجاء التكرار في سياق شعوري كثيف ادى إلى تأكيد المعاني، وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان. التکرار يحقق للنصّ جانبين مهمين: الأول: يتمثل في الحالة الشعورية التي يضع – من خلالها الكاتب نفسه – المتلقي في جو مماثل لما هو عليه، والثاني: الفائدة الموسيقية، بحيث يحقق التكرار إيقاعاً موسيقياً جميلاً، ويجعل العبارة قابلة للنمو والتطبيق، وبهذا يحقق التكرار وظيفته، كإحدى الأدوات الجمالية التي تساعد االكاتب على تشكيل موقفه وتصويره؛ وليس هذا فحسب بل مجيء التكرار في سياق الاستعارة التشخصية التي أحتلت في النص مرتبة مرموقة , إذ استطاع الكاتب بكل جدارة ان يرسم صورا بلاغية دلالية جمالية يشد بها ذهن القارئ وتبعثه على التأويل في كشف المعنى الخفي الباطني الذي لم يصرح به , مما دعى الفكر إلى المماطلة في كشف المعنى الآخر(- ياهذا الدود ... فالدود البشرى... طعم إمرأة .... لما سكت النبض...) وهو الحضور الكامل للجدة في كيان الكاتب حتى انها لتنصهر في ذاته بوصفها بـ (حوريتي)، ليأتي الختام بـ (ولكن حذرتك الصفقة ليست مضمونة) ليلتقي مع حسن الاستهلال بـ (وروينا أشجار الصبار ... تلك الأشجار التى كانت جنب اللحد الموعود ....بلقاء ما بن العفة والدود) كتقديم انطباعي ينقل لنا الحالة المزاجية والنفسية للكاتب من خلال وصفه

لمكان (اللحد الموعود) وبذلك يتزود القارئ من خلال الوصف بفضاء مكاني يجذبه ويشده ويغريه لمواصلة متابعته لأحداث القصة الباقية وإدراك المكان الفعلي للحدث، وهو وصف يصور البيئة التي تجري أحداث القصة فيها وعلى الكاتب تأدية دور ما في بناء الأحداث وان يقدم الأشياء داخل هذه البيئة ليس كما يراها هو بل كما يجب ان يراها المتلقي .

 

 أسماء الخطاب 

 

 haidar abdalwialzaydi(تحيرني القديسة يوليانا كثيراً، فججو يقول إنها تُحِب القُبلات، وأنت تقول إنها تعيش في بيت ياسمين .. هل تطَّور الربّ إلى هذه الدرجة،  أم أنا المتخلِّف في علم اللاهوت)؟!  الفاضل نوئيل يلدا السادس

 يقول رومان بارت: (ان التاريخ ليس سوى ممر تحايل).

 

يتحدث التاريخ المسيحي الدموي عن بربارا ابنة احد حكام الاقاليم الوثنيين التي آمنت بالمسيح، وحكمت عليها الدولة (والدها) بالموت هي وخادمتها التي تبعتها، نفذ الحكم بقطع رأسي السيدة والخادمة.. اصبحت بربارة قدسية كبيرة في بلدة كرمليس في ضواحي الموصل، ويحتفل اهالي الموصل من المسيحيين بعيدها السنوي في الرابع من كانون الاول من كل عام ....

اما يوليانا وبعودة الى مصادر التاريخ المسيحي، ما الذي بامكان هذه المصادر والمدونات التاريخية ان تسعفنا به لاستجلاء تاريخ وشخصية يوليانا الخادمة، هل سنجد وثائق عن شخصيتها وظروف استشهادها وهي تقدم نفسها قرباناً على مذبح العقيدة، مذبح الايمان بالمحبة وبالرب يسوع ...

هذه الرواية للكاتب العراقي نزار عبد الستار والصادرة حديثاً عن دار نوفل هاشيت ٢٠١٦ تستخدم قصة الخادمة بربارا ممراً لعالم آخر، شيد فيما بعد وحيكت حوله قصصاً واحاديث، هي رواية وان اتخذت التاريخ والجغرافية هنا ممراً لتسريب ومعالجة افكار وقيم ومعتقدات عصرية وحديثة ولدحض افكار وقيم تكفير الاخر وتدميره ...

وهذه الرواية تتخذ من الخادمة يوليانا بطلة، ولكنها بطلة من نوع اخر، لاتتجسد في الرواية كشخص بل هي تمنح الرواية بين الحين والاخر روحاً جديدة فتنقلها من عالم الى اخر، عالم يختلف عما مضى وان كان في سياقه جغرافياً وتاريخياً ...

يوليانا تمثل الهامش والظل والمستلب، هي خادمة، مهمشة، تابعة، قتلت مع سيدتها، النصوص التاريخية قد لاتسعف لدراسة حالتها، والاهتمام ينصب - كعادته- على رؤوس القوم، بربارة هي الاساس ويوليانا تابع، بربارة هي الشفيعة القديسة ويوليانا ترقد بجانبها بسلام...

من هنا تكون الرواية قد بدأت، ونزار عبد الستار يقترح بديلاً اخر للخلاص،  انه الهامش والمخفي والمتخلف والمهمش، البطل السلبي والمستلب، بطل الرواية المفترض هو ججو ابن بنيامين وولده حنا، عائلة فقيرة تتوارث العاهات والاحزان والفقر، عالم من السذاجة والحمق والنحافة ومرض السل والعرج..

كان ججو عندما يزور قبر القديسة بربارا (شفيعة كرمليس) يطبع قبلة حارة على ضريح خادمتها وشريكة نكبتها يوليانا، وبمرور الايام اصبحت قبلته لخادمة القديسة طابعاً لابد منه لانجاز واستكمال طقسه الروحي كل يوم احد ...

ومن هنا، كانت القبلة مفتاحاً، توسعت به تلك العلاقة، كان ججو المريض والمهمل والمنبوذ يتخيل الحب والعشق مع تلك القطعة من الرخام فوق القبر، فالقبلة من جانب اخر كانت احتضان ولمسات شبق وحنان، هل هي تعادل الاختلال الذي يعصف به تقول يوليانا في احدى ظهوراتها لججو :

• وأنت تُنظف رُخامة قبري كنت تلصق جبينك بحجري، فأتحرَّك أنا باتجاهك وأضع رأسي على رأسك .

• ججو يتكلم عن حبه للقديسة وحبها له والناس بطبيعة الحال تضحك وتسخر والبعض ينهره ويطرده مالذي يقوله هذا الابله عن القديسة خادمة الشفيعة، حتى يأتي اليوم وتظهر القديسة يوليانا لججو شعاع من نور ذهبي وتتحدث له كاشفة ماستؤل عنه الايام القادمة،  بالسفر الى الموصل والزواج هناك ...

وهكذا، رسمت القديسة لججو خارطة طريق جديدة، لكنه ظل منبوذاً وان كانت القديسة لم تتخلى عنه، والاخرون كعادتهم لن يصدقوه ...

تزوج وانجب وتوارث ولده حنا عاهات الاسرة وسذاجتها مشية اللقلق العرجاء ومرض السل والنحافة المقززة وحياةالهامش ...

في عز نمو شخصية ججو يموت وتسدل الستارة ليكون حنا هو البطل المفترض ويوليانا مازالت تشد القارئ، فهي عنوان الرواية ولكنها لاتظهر بصورة جلية، هي تتشكل عبر ضباب يسدل عليها ستاراً، ولكنها من العنوان تمنح الرواية هاجساً حضورياً، انها موجودة وتتدخل كلما سنحت الامور او ترهلت الاحداث ....

يولد حنا كوالده ججو وارثاً كل مالديه من عاهات، ويعيش كالاب مهمشاً، تستعير الرواية اجواء حقيقية من تاريخ العراق والموصل وان بصورة غير مباشرة، وهي تغطي مساحة واسعة من تاريخ العراق (١٩٢٥-١٩٨٧) والتي شهدت تحولات كبيرة ومهمة ودراماتيكية كان لها الاثر الكبير فيما آلت ابيه الامور فيما بعد والتي فجعت فيها الموصل باحتلال داعش وتهجير وقتل المكون المسيحي واضطهادهم ...

يوليانا تمثل الكلمة والمحبة ولكنها بالنهاية تمثل الوطن الذي أستبيح ودمر ومزقت كرامته، في ظهورات يوليانا المتكررة سواء لججو او لولده حنا او في الظهور الكبير والاحتفالي في نهاية الرواية حيث تظهر القديسة بجوار حنا امام ابناء كرمليس، هذا التجلي والظهور يحدث في بلاد الرافدين حصراً، بلاد تلتصق وجداناً وروحاً وضميراً بعالم بعيد وغائب وميتافيزيقي، عالم يعرفه المسيحيون والشيعة والسنة، كلما ضاقت البلاد بالناس وحاصرتهم الحروب والمشاكل انفتحت امامهم افاق ماوراء القبور، وبها يجدون خلاصهم...

 

في سفره الى كرمليس يزور حنا قبر يوليانا وتظهر له وتخبره انها لن تتركه وستعود معه الى الموصل، يتعجب ويبادر لكنه مكان آثم ان البيت الذي يسكنه هو بيت بغي عاهرة، وتقول له يوليانا مايلخص الفكرة الاساسية للرواية : الظلام يحتاج الى النور ياحنا...

ان ياسمين البغي وان تلوث جسدها لكن روحها لم تتلوث، روحها مازالت طاهرة ...

هذه الاشكالية التي تطرحها الرواية وهي ؛ هل ان تلوث الجسد يلوث الروح ؟!

ربما ان اشكالية الرواية هذه تنسحب على مجمل سلوك الشعب العراقي الان، ومدى تلوث الجسد العراقي الخارجي، بفعل اصطدامه بسلوكيات بعيدة عنه وبفعل تداعيات الديكتاتورية واثارها ...

وهي إشكالية قديمة وليست جديدة، ولكنها اليوم تستمد قوتها في عراق الدماء والصراع الطائفي والقتال ضد داعش، قد تكون جديدة ومن منظور حديث، نعم هناك اجساد دفعت الى المتاجرة والعهر لكن الروح ظلت صامدة، الروح العفيفة التي استخدم الجسد لتدميرها ولكنها ظلت روح محبة وطهر وحنان ...

يوليانا الهامش المقدس تتفهم جيداً هوامش الروح والجسد، بل وتتعاطف معهم، وهاهي تمنح بركاتها لياسمين وتجلب لها قميص ججو للتبرك به !

قديماً قال بونابرت ان الله موجود في الصف الذي مدفعيته اقوى...

ولكن الله الحقيقي المحب للخير والرحمة تجده دائماً عند الفقراء والمهمشين والمرضى ...

 بين مهمشين وظلين يوليانا وججو، كلاهما لادور له في مواجهة الاخر سوى الحب والاخلاص والتفاني وان كان سلبياً ...

قد تكون يوليانا اقتيدت الى مذبحها دون ارادتها، فقط انها تابعة ومحبة لسيدتها بربارا، هذا لم تقله الرواية ولم تخض فيه، لكن تداعياته ومصائر ابطال الرواية قد يقودنا للبحث والتنقيب والاستدلال ..وهو ليس من اهتمامها...

يوليانا هي قصة الامس برواية الحاضر، الامس المستلب والحاضر الاكثر استلاباً والموغل في التفسير والتأويل والارغام ...

هذه لمحات وليست تفاصيل، فالرواية فيها احداث وشخصيات وأحداث لااستطيع سردها هنا ولو تلخيصاً، ومن هنا تستمد قوة الرواية ورصانتها والاسلوب الذي كتبت به ...

هي زاوية واحدة من عدة زوايا يمكن للناظر منها ان يرى شعبا كاملا متعدد الاجناس والاعراق والطوائف، هاهي يوليانا خادمة القديسة برباراشفيعة كرمليس تلك المدينة الصغيرة المجهولة، التي ضلت مجهولة رغم الحرب والصراع والنزوح الجماعي لاهلها لكنها ضلت كرمليس الصغيرة شعباً وجغرافيةً، انها قصة الالم والضياع، قصة البداية والنهاية ومابينهما، يرويها عبد الستار اليوم بلغة جميلة رائعة ...

يقول الكاتب في تسريبات انه قضى سبعة عشر عاماً في كتابة يوليانا، نعم ذلك صحيح، ومطمن، ويجعلنا نخلد الى سكون، نفهم من خلاله ان كتابة يوليانا تحتاج ليس الى خبرة وصناعة بل والى زمن طويل وساكن وذلك ماحصل ...

عنوان الرواية، ومضمونها في السبعين صفحة الاولى من (٢٥٢) مجموع صفحات الرواية، لااثر مباشر للوليانا التي نفهم فيما بعد انها خادمة الشفيعة بربارا، لكن القارئ، - أي قارئ -،  يظل في قلق وهو يمضي مع الشخوص والازمان والمكان، قلقه يصدر من العنوان الذي لايجد له ذلك الاثر، وهل ان يوليانا ستكون بطلة الرواية، الذي يبدو من السياق وتطور الاحداث ان ججو هو البطل، لكن ججو فجأة يموت (ص ٩٨) والرواية مازالت في عز نموها ويوليانا لم تطرح بطلة بعد، أنها لعبة الشد والتشويق، عالم يصنعه كاتب متمرس يعمل خلف الاضواء وبلا جلبة، بعيداً عن الجوائز والمسابقات ...

يسلم ججو بطولة الرواية بعد موته الى ولده وشبيهه ووريثه حنا، وبهذا تكون هذه الاسرة قد تشكلت وطرحت نفسها في مفهوم الزمن والصراع، اذن حنا يستأنف البطولة شخصيته نمطية وفقاً لوالده ججو، ولكن يوليانا تستمر كبطلة مؤجلة، او غير فاعلة، بطلة مضمرة تعيش خلف الاضواء، لكنها تظهر بين الفينة والاخرى لتدير دفة الاحداث وتحدث انتقالات كبيرة في الشكل والمضمون ..

ونكون بأزاء طرح مفهوم ثنائية البطولة، يوليانا- ججو، ويوليانا- حنا، وحنا- ياسمين، وفي الحديث عن هذه الثنائية قد يكون لنا مقال اخر .

في الختام، حاولت الرواية ايهامنا بسذاجة ججو وحنا بل وبغبائهما، لكن الاحداث اثبتت انهما لم يكونا غبيين بل متسامحين ومحبين، ويبدو ان التسامح والمحبة تظهر صاحبهما بتلك الهيئة الساذجة والسطحية بل والغبية في احيان اخرى ...

 

 

abdulkadir kabanفي قصصه "الحياة بدون كاتشاب" يكثف أحمد القاضي نصوصه البسيطة، أين يستحضر تجاربه في الحياة التي لا تخلو من إحساس الافتقاد الدائم الذي يأبى أن يفارق ذاكرة الإنسان، وهذا ما نشهده عموما في مجمل هذه المجموعة القصصية التي قد يغوي عنوانها الرئيسي المتلقي ليسبح بخياله محاولا تفكيك لغزه قبل قراءة تلك النصوص القصيرة.

استعان القاضي بمواضيع متداولة عبر العديد من الكتابات الأدبية بمختلف أجناسها، حيث أنه لم يخرج عن قوقعة السرد العادي الذي يبدو سطحيا في العديد من قصصه، كما هو الشأن في قصته "سيارة حمراء" التي تنقصها الحبكة لأننا أمام فتى يقود سيارة زرقاء وكله شوق لفتاة أحلامه صاحبة السيارة الحمراء وفي النهاية يجد أن القدر وضعه في طريق فتاة أخرى: "لم تكن هي التي يبحث عنها.. ابتسم إليها لا إراديا.. وابتسمت هي الأخرى دون أن تشعر.. لقد أدرك أنها تبحث أيضا عن فتاها ذو السيارة الزرقاء." (ص 21).

نفس السطحية جاءت في قصة "حالة انتظار" أين تتمرد البطلة على مجتمعها الذي يرى الأنثى مجرد فريسة ضعيفة يجب عليها الرضوخ للذكور: "أكره أن يلازمني الإحساس بأنني دائما فريسة.. أن أكون دائمة الحرص والحيطة والحذر.. أن أعيش دائمة التوتر والإنفعال دون مبرر واضح وصريح." (ص 16).

هذه القصة لم تكن بمستوى القدرة الإبداعية التي نجدها عند أحمد القاضي في بعض نصوصه الأخرى، حيث لا وجود للحوار الذي يقوم بدور وظيفي فعال لتحقيق فعل فني بنائي عموما.

جاءت فكرة قصة "المقعد الخالي" مستهلكة دون المستوى المطلوب، حيث ترفض زوجة البطل مرافقته لتناول العشاء مع زملائه في العمل لا لشيء لأنها لا تعرفهم: "كان مقعدها الخالي بجواره هو علامة الإستفهام التي جذبت إليه كل الأنظار.. فهو الوحيد الذي أتى وحيدا برغم أن الآخرين كانوا قد إصطحبوا معهم زوجاتهم وأبنائهم بل ومنهم من أصطحب معه أصدقاء وأقارب آخرين من خارج نطاق العمل.." (ص 47).

قصة "مغادرة" يمكن القول أنها أقرب إلى القصة القصيرة جدا (ق ق ج)، كما أنها جاءت بأسلوب الحكاية أين صدمت زوجة البطل حينما أعلن هذا الأخير أن نجاحه جاء وليد مساندة امرأة أخرى له: "وقف في تلك القاعة أمام الجميع ليقول أن من ساندته وساعدته في هذا النجاح هي امرأة أخرى. امرأة تفهمه ولم تحاصره. حينها صدمت زوجته." (ص 49).

لعل قصة "المياه الراكدة" اختزلت مرارة الحرمان العاطفي الذي تشعر به المرأة عموما وهو ما خفف من سطحية أسلوب هذا النص، أين تحاول البطلة نسيان انفعالات زوجها وهي دائمة التفكير في ذلك الحاضر الغائب وكلها أمل في وصول رسالته القصيرة عبر هاتفها: "تفقدت هاتفها المحمول ثانية.. لم يصلها شيء.. كان الحاضر الغائب هو من يحرك سكون حياتها ولو برسالة قصيرة.." (ص 56).

استعان القاص بجملة يتداولها الناس في حياتهم اليومية، وجعل منها عنوانا لقصة ضمن هذه المجموعة وهي "وراء كل رجل عظيم امرأة"، لكن للأسف جاءت لوحة باهتة تنقصها الألوان السردية أين يحاول البطل عبثا نسيان زوجته رغم استغراقه في العمل ليلا و نهارا: "كلما إستغرق في عمله أكثر وأكثر.. كان عمله بالنسبة له كالخمور والمخدرات تماما." (ص 69).

استعان القاضي بتقنية الاسترجاع في قصته الموسومة "هدايا الليلة الأخيرة"، التي بعثت الروح في هذا النص بامتياز كون أن البطل يتذكر وفاة أمه كلما أخرج تلك الهدايا المغلفة وقد كانت لها بمناسبة عيد الأم: "كان ذلك منذ عشرين عاما.. في كل عام يخرج تلك الهدايا المغلفة التي لم تراها أمه.. كان يصر على ألا يفتحها.. هو فقط ينظر إليها.." (ص 32).

جاء نص "الكأس العاشرة" يصف الشعور بالخيبة والإحباط ببراعة مطلقة، أين يتحدث البطل عن صديقه الذي يتناول كأس الخمر وكله أمل في أن تكون الأخيرة، ويحاول هو بدوره أن يترك فتاة مثيرة كي يمهله القدر فرصة للتوبة النصوحة: "تدعوني الفتاة إلى غرفتها وأذهب معها بالفعل.. أخرج من الغرفة مترنحا بعد ربع ساعة كعادتي كل يوم.. أخشى أن لا يمهلني القدر وأموت بلا حسنات.. أبتسم وأنا أرى النادل يصب الكأس العاشرة." (ص. ص. 35-36).

استهتار الشباب العربي واضح الملامح  في بعض نصوص القاضي الذي أبرز قدرته على رسم نفسية شخصوه بتكنيك رائع، كما هو شأن قصة "وللرجال أيضا عذرية" أين يحس البطل أنه لم يعد بكرا كما كان بعد تلك الليلة التي أمضاها في أحضان تلك المطلقة بالثلاث التي تحترق شوقا للعودة إلى زوجها: "حاول أن يشاركهم الحديث لكنه لم يفلح.. لم يكن مرحا كعادته معهم.. أحس وكأنه قد أصبح يكبرهم بأعوام عديدة أحس أنه لم يعد بريئا مثلهم كما كان بالأمس.." (ص 59).

حملت القصة التي تحمل عنوان هذه المجموعة (الحياة بدون كاتشاب) أثرا عميقا لتأنيب الضمير، أين يحكي لنا القاص برمزية عالية عن الهروب الاضطراري للبطل تاركا وراءه بائعة المناديل والكاتشاب أيضا رغم إلحاح أولاده الجوعى على تناول بعض الشطائر: "يتحرك صدرها بحرية أكثر.. أسمع هؤلاء الشباب وهم يعلنون في صفاقة واضحة أنهم ينتظرونني كي أرحل بسيارتي كي يلتهمون تلك الفتاة.. لا أدري ماذا أفعل." (ص 82).

لقد حاول أحمد القاضي عبر خمسة وعشرين نصا قصصيا قصيرا في مجموعته "الحياة بدون كاتشاب" أن يشارك المتلقي ذلك الجزء من الافتقاد الذي يعيدنا كبشر كل حين للجلوس مع أنفسنا لنسمع صوتا خافتا يسمعنا بدوره صوت الوحشة الذي يلازمنا دوما لرحيل أناس تعلقنا بهم أو أشياء تعودنا عليها رغم مرور الزمن.

 

بقلم: عبد القادر كعبان- كاتب وناقد جزائري

...................

(1) أحمد القاضي: الحياة بدون كاتشاب، دار دون للنشر والتوزيع، القاهرة.

 

ينبت ظلى فى مرآة الحائط

ينبت ظلك فى مرآة السقف

نتواجه ,و نجلس

نقتسم الصمت و أقداح الشاى البارد

تفصلنا مائدة الفرح

تتحرك فينا أوراق خريف العام الماضى

تتعرى أغصان العزلة

و تهمهم بين جوانحنا الأسئلة البلهاء

من أين؟ و كيف؟ لماذا؟

يضحك فى أعيننا الدمع

يتسلل برق أسود

يقلب مائدة الفرح الميت

و تطقطق فوق المائدة عظام الصمت

نخفى أوجهنا فى البسمات

و نرتل فى جزع بعض الصلوات

نتسابق كى نزجر هذا الدمع

و نوارى تحت حطام الذكرى

أشواق سؤال أحمق

يذبل زهر اللهفة

يندفع النهر بعيد عنا

تهجرنا الريح و يصفعنا باب البستان

و يموت الطائر

فى القفص الأزرق

يحفر فى أنفسنا

قبرا لأغانيه

تسألنى

ماذا قلت الآن؟

ينفجر النهر طيوراً

تهرب لا تلحقها الريح

يرحل صوتك نحو الشرق

يرحل صوتى نحو الاعماق

نتلفت

.. نبصر قبراً قرب المائدة الجدباء

يتجول مزهواً بالاحمال

يفتح شباك أخضر

تتراقص تحت الأعين

غابات الصيف الحمراء

تسألنى:

من هذا الحطاب الأسود.

يهوى فوق جذوع الأشجار؟

أسألها من هذا الحطاب الأسود

يهوى فوق جذوع الأشجار

يغلق شباك الصيف

ترتفع النار الزرقاء

يبتسم شتاء داكن

من بين الأستار

نبكى نضحك . ملء الليل الدافىء

تسألنى

من هذا الساقى الأبيض

يطفىء فى المدفأة النار

تأتى زهرة

لتحدثنا عن مولد أغصان الحسرة

فى أشجار الفصل المقبل

نتكتم فى أنفسنا

أنباء هزيمتنا نركض ظمآى جوعى

تهزأ منا الريح ألمسها . تضحك لى

تسقط فوق الأرض البسمات

نرتجل الكلمات و ننهض

يغلق قبر الذكرى

أبواب الأسئلة البلهاء

يتحول عنا القبر

يتقدمنا ..

يخرج من باب الحانة

نتبعه فى ذل الأسرى

يجرى نركض خلفه

لا ندركه

نسقط فوق شواهد قبر آخر

يلقينا فوق الأرض الإعياء

يصرخ كل منا فى وجه الآخر

من فينا الحطاب الأسود؟

 

استوقفتني قصيدة الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة، ووجدتني مندهشا أمام ما تحتويه من ألفاظ وتراكيب لغوية، وصور متتالية وعبارات متناسقة، وجمل شاعرية رائعة، وقد زاد اندهاشي عندما نظرت إلى عنوانها (مائدة الفرح الميت) . فوجدت قلمي يتسلل من بين أصابعي لينقل ما أصابني وأدهشني إلى مقالة تعبر عن ما انتابني من مشاعر تجاه هذا النص الذي وقعت عيني عليه مصادفة، فجاءت على هذا النحو .

لا شك أننا أمام نص يمثل المدرسة التي ينتمي إليها الشاعر، والتي شكلت وجدان جيل من شعراء الحداثة في أخريات القرن الماضي .... فتبدو الصورة الشعرية هي المحور الذي يقود الشاعر إلى النسيج المتكامل على أنغام منواله .

وقد سيطرت التجربة الشعرية على مفرداتها وسطورها فصنعت الجو العام للقصيدة، وغلفتها بقتامة وغموض ورغبة واستسلام للموت بصفته البطل الحقيقي الذي تدور في فلكه كل الأفكار اليائسة ممثلة الجو النفسي للمبدع، وحالة التوتر التي تصيب المتلقي أينما ذهب بخياله باحثا عن مضمون القصيدة .

فهي من نوع القصائد التي تحمل القاريء على أكف القراءة المتأنية وكلما أمسك بالفكرة بادرته صورة شعرية تجعله يهبط من علياء أفكاره ليعاود الكرة من جديد باحثا عن فكرة ربما تخالف ما توصل إليه عند القراءة الأولى .

ولا يكاد القاريء يلهث خلف جمل متلاحقة كتلاحق نبضات قلب الشاعر تحت ظلال أفكاره وأمنياته، عندما يلتقي بحبيبة مضى على فراقها سنوات، حتى أنها تكاد تكون في عداد الموتى وتبعث من جديد لتلحق بموت أكثر عنفوانا من ذي قبل .

لقد صاغ الشاعر صمت لقاء باهتٍ على مائدة تبدو كأنها عربة الموتى، قصيدة تمتليء بالحيوية الفكرية رغم ما يسيطر عليها من قتامة وجمود وخمول وموت. فهو يمتلك ريشة فنان تمرس على الإبداع، يصور ما حوله في رشاقة لا تخلو من الخبرة الإبداعية والحرفية والقدرة على الخلق .

فمنذ الكلمة الأولى في قصيدته بدا لنا أننا سنمضي في رحاب لوحة كبيرة تضم مجموعة من اللوحات والصور الإبداعية، فكيف للظل أن ينمو كالنبات أو كأي كائن حي وهو يتهيء للموت؟ . إنه ذلك النمو الوهمي الذي نقلته المرايا المحيطة بمائدة اللقاء، وكأننا نراه يجلس في قاعة مغلفة بالمرايا تعكس له ما ينقله لنا من أفكار .

إنه عتاب للزمن الفراق، الذي جمع بين حبيبين في وقت لا يحمل جدوى لهذا اللقاء، فكانت مائدة الفرح الميت، فلا يكاد الشاعر يفرح بذلك اللقاء حتى يداهمه الموت، وكأن شيئا لم يكن، فما كان للفرح أن يشق طريقه ليبادره بعناق ويفترش مائدته، إنها بحق تجربة أكثر قسوة من لحظة مخاض تتبعها لحظة فناء، فلا تكاد الروح تتغلغل في جسد ما حتى تغادره تاركة خلفها جثة هامدة لا حياة فيها .

وماذا عن ظلين ينموان في مرايا لا يكادان يلتقيان إلا وهمًا، فإن تعامد الحائط مع السقف ليكون بينهما نقطة التقاء عند زاوية قائمة، فذلك لا يعني سوى نكسار لخط كان يجب أن يكون مستقيما وظلين كان يجب أن يكونا متجاورين .

وبعد مواجهة بين غائبين يجلسان على مائدة واحدة لا يقتسمان خبزا ولا شرابا، وإنما اقتسما صمتا تتلاحق فيه الذكريات والأفكار مكونة حالة من الوجوم والانتظار لما بدا أنه لن يكون . وتدل أقداح الشاي البارد على الفتور الذي اعترى اللقاء بل العلاقة برمتها . كذلك تلازم الأوراق مع الخريف تدل على السقوط والموت، الذي أصاب هذه العللاقة . وتكتمل الصورة الخريفية بعري الأغصان في قوله " تتعرى أغصان العزلة " .

إنها لغة العيون التي سيطرت على المشهد الدرامي للحظة التالية، وتتقاذف بينها الأسئلة ( أين وكيف لماذا؟ ) يالها من حالة تقشعر لها أبدان العشاق الذين خاضوا تجربة الفراق الأزلي بلا عودة، فامتلأت العيون بالدموع وإن بدت ضاحكة من هول المشهد الدرامي . ليتسلل البرق الأسود كي يقلب الطاولة التي أضحت مائدة للفرح الميت في لحظة تداخل المشاعر والأحاسيس والأفكار .

يالها من صورة رائعة لحالة يائسة في قوله " وتطقطق فوق المائدة عظام الصمت .... نخفي أوجهنا في البسمات ".  فالصمت هو العنصر الوحيد الحي على هذه المائدة يطقطق كاشتعال النار في هشيم قلبيهما المنكسرين، بينما ترتسم على وجهيهما ابتسامات ملفقة، يتدثران بها لإخفاء ما تنطوي عليه قلوبٌ شابها الخوف والحزن وأدركها الموت .  ورغم ما أصابهما من حالة الجزع التي دائما ما تسبق لحظة الموت يرتلان الصلاوات ويحاولان اخفاء الدمع دون جدوى .

إن استرسال الشاعر في تصوير هذه الحالة جعله يبتكر من الموت حياة زائفة فإن كان هناك زهر فهو يذبل، وإن لاح نهرٌ فقد مضى بعيدا عنهما كذلك الريح والبستان والطائر، كلها إلى الموت، وحتى حركة باب البستان تحدث ضجيجا مثل أبواب قصرٍ مهجور، يتسلل منه الخوف ليصفعهما .

إنها حالة الموت التي انتابته فصاغ كل مفردات هذا الموت في طائر بائس يموت في محبسه " القفص الأزرق" فهو لم يشعر يوما بالحرية. تماما مثل ذلك  الحب الذي ظل حبيس غربة وفراق حتى مات قبل أن يعرف الحرية وما كان لهما أن يلتقيا . فموت الطائر هو موت ذلك الحب الذي حفر في نفسيهما قبرا لما كان يجب أن يكون عليه من تراتيل وغناء .

ياله من مشهد درامي محتدم، عندما تتحطم رتابة الصمت على همسة متسائلة " ماذا قلت الآن " كان السؤال مفاجئا، فما بين الحياة والموت قصة عشق تختنق، ينفجر النهر طيورا، لكنها تهرب فلا تلحق بها الريح، ينطلق صوت حبيبته لكنه يرتحل صوب الشرق، ويظل صوته مكتوما، حتى إنه ارتحل إلى أعماقه فلا يمكنه الوصول إليه . وتزداد حالة الموت عند التفاتة الحياة، فلا يبصران إلا قبرا، بعد أن أجدبت المائدة من كلمات العشق أو حتى مجرد لغة الحوار .

يتمادى الشاعر في تصوير قبر العلاقة، فهو قبرٌ متحرك، يتجول في وجدانه، يفتح له نافذة خضراء، يتراقص، تتراقص معه غابات الصيف الحمراء .

يتبادلان سؤال واحد " من هذا الحطاب الأسود " كأنهما يرون صورة واحدة، فقد تجسد الموت أمامهما حطاب أسود يهوى بمعوله فوق جذوعهما أو بالأحرى فوق جذوع أشجار كانت يوما تمتليء بالحياة والخضار، ولا يكتفي الحطاب بقتل الحياة في الأشجار، فيغلق شباك القبر الذي لاح في عينيهما، لتكتمل الصورة المخيفة باشتعال نار زرقاء  ويأتي شتاء داكن بابتسامة بلهاء، وخوف مرير يتسلل من بين الستائر فيختلط البكاء بالضحكات وكلاهما خوف . ولا أدري لماذا استخدم الشاعر تعبير الليل الدافيء فالجو العام يوحي ببرد شديد، ولعل الركض الوجداني هربا من حالة الموت قد جعل الليل دافئا، فيأتي سؤالها الثالث . من هذا الساقي الأبيض؟ وفي ذالك إشارة إلى الشحوب والموت الذين يوحي بهما اللون الأبيض . إنه الساقي الذي أطفأ النار في المدفأة التي كانت تسكن وجدانهما، وتجعل الليل البارد دافئا رغم الشتاء الخوف .

إنها النبوءة، فالأتي ليس بأفضل من السابق، فتأتي زهرة تحدثهما عن مولد أغصان الحسرة في أشجار الفصل القادم، واستمرارا لحالة الصمت يأتي الحديث معبرا عن تواري الصوت في خلجات النفس، وتتبعها لحظة فراق جديدة، فلقد همَّا للرحيل، فيلمسها وينظرا للأرض مبتسمين  وكأنه الخجل قد اعتراهما، ولكن الصورة مستمرة في لوحة الموت الأزلي .

ما يكاد يغلق قبر الذكرى باب الأسئلة البلهاء  حتى يتجسد الموت رجلا، يسابقهما إذ همَّا أن يغادرا الحانة تاركين خلفهما مائدة الموت، فإذا بالموت يتقدمهما خارجا من باب الحانة، وقد هيمن عليهما حتى أصبحا أسيرين بين يديه في ذل وخنوع، حتى أنهما صارا تابعين له، فأصبح كل منهما حطابا أسودا . فراح كل منهما يسأل الآخر " من فينا الحطاب الأسود . 

 

دكتور مصطفى دويدار

 

abdulwahid miftahمن نافل القول أن سكينة حبيب الله شاعرة متميزة، شواهد غفيرة دلت على ذلك، لكن ما يثير الشعر في الحديث عن هذه الجميلة، هو ذلك الإصرار وثيق الصلة بينابيع الطفولة، على ارتكاب المشي الحفيف فوق المسالك الوعرة لهندسة الكتابة، وخطاطاتها الخطيرة، المسنودة بتلك الحالة البعيدة والمضيئة للضعف الإنساني، الذي هو سند القصيدة عندها، وهي قصيدة خلعت منذ وقت مبكر رهان البلاغة عن أنوثتها،

فالدالة الشعرية في قصيدة هذه الشاعرة، لا تكترث لماضي اللغة الحاملة لها، وهي لغة مسكينة بهذا المعطى، لا كبيرَ دورٍ لمادتها في تكثيف هذه الدلالة وانتشارها الاستهلاكي، فهي دلالة منحوتة عن فيض ذات الشاعرة نفسها، لتصير بذلك الكتابة هنا نفي لكل سلطة وهو ما يجعلني أنظر إلى هذه القصيدة وهي تسوق دلالها تماما كما يسوق الراعي قطيعه.

الشعر هو وسيلة سكينة حبيب الله لتَجْدير عراكها الضاري مع اللغة والعالم، هذا العراك الذي تستأجر خفة لاعب سرك لتسديد الأسئلة منه وعبره، فالكتابة عندها ليس إعادة ترتيب الواقع في إطار هَوى رومانسي، بقدر ما هي فعل مغايرة للشكل والجوهر تبزغ عنه عدائية للقواميس والبلاغة الفخمة، تتحكم في توليد المنطق الشعري لديها، وهي عدائية متسامحة مع عديد حمولتها، لتصير بهذا فعل تدريب على الطيران لا أكثر.

إن المستوى الأسلوبي والبناء الدلالي، لدى هذه الشاعرة يُعَمّدان مجاز إزميلهما، بِأثمن رأسمال تملكه القصيدة وهو روحيتها الفياضة، وهي بهذا قصيدة تضيء عن نظارة لتفتح شاشات كلماتها، هذه التي تفرض عليّ هنا في هذه الورقة المقتضبة، إعادة النظر في مفهوميتي للشعر وأدوات قراءة النص الذي يغازل المخيال العام بشكل جبان إزاء كل ما اعتدناه من متماسك ونهائي.

نصوص سكينة حبيب الله هي عوالم مبنية من قبل المنفتِح عن الذات، وهي هنا غير مطابقة الجملة اللغوية بالوحدة النفسية، بقدر ما هي اقتناص لغوي عن مهارة تماما كما الطلقة عن الوعي المباشر بالتصدعات التي تنبت عن العالم، بتفاعل علائقي بين إصابة النص والقدرة الفاتنة عن التبليغ عن ما خُطّ لافتعاله، بيد ترتعش وعينين واضحتين وقلب يحك طرفه بصدقية الشعر، لهذا تجدها لا تَرْتُق المعنى بخيط مرئي. وهو ما أقف أمامه وأنا أُعْلي من ادعائي بشكل فاشل على القدرة على تحديد بؤرة التدليل وأشكاله داخل نص هذه الشاعرة، التي لا ترضى لقصائدها إلا قواما رشيقا كنجمات السينما، بشعر أشقر وقد مليح، هو كل ما يشدني هنا للكلام بارتياح كسول وعينين مغرمتين.

فقراءة قصيدة سكينة حبيب الله هو بالضرورة قرع لأجراس الدواخل، وتسريب عاهل بالحميمية إلى قارورة كُحلها السحري، وهو كحل ينثر شعره فوق سماءٍ بأكملها.

سماء منطفئة عن زرقة بلاغتها لتتلألأ بها اللغة البسيطة، اللغة المحكية عن النفس لأختها النفس.

ضروب من شبق وكلام عن هذه التجربة الشعرية وهو كلام بحاجة للغة غير مسبوقة، لغة عالِمة وشريرة، في نفس الآن لغة لها قدرة لا بأس بها على تفجير نفسها مع كل سطر شعري في قصيدتها، هذه التي تتشح بشفافية مخادعة ونزقة، شفافية ملساء لا تمنح نفسها لمريدها بسهولة. فهي لا تسعى إلى التوصيف والتعيين بقدر ما هي آلة تنتج سلسلة من الإحالات اللامتناهية.

صحيح أن قصيدة سكينة حبيب الله لا تثير قطيعة مع ما سبق لكنها وهذا مربط شعريتها لا تنسخه. يتسيّد صيغتها ارتياب واثق بقدرته على الخلخلة، لتصير بذلك قصيدة لها قدرة شفيفة على قرع الطبول العميقة للإنسان عبر بث روح الجَمال داخل لغة يتخبطها الزيف والتكرار المر لتشبيهات فارغة مملحة باستعارات معلبة.

أشياء كثيرة يلزمني عدم إغفالها لتكون ورقتي هذه، قد حققت شيئا من رهان الحديث عن تجربة هذه الشاعرة، أحس أني هنا تماما كما أستعمل إنجليزيتي العرجاء، التي لا تسعفني حتى على قول صباح الخير بشكل جيد، رغم الابتسامة البلهاء المكوية بعناية التي أظل أرسمها بوجهي في انتظار أن تقفز الكلمة اللعينة إلى رأسي. الكلمات أحيانا تكون ماكرة تأتي ولا تصل (هذا ما اكتشفته قبل دقيقة).

قصيدة سكينة حبيب الله بسيطة غير أنها تتمنع في عذوبة ما تسطره، تفتح زجاج كلماتها ليطل منها المبني والمركب، من فوانيس إنسانية ملقاة للتداول على جسدها، الذي يُفرج بياضه عن طروحات هامة على المستوى السيميائي والتيمي من موتيفات راهنية حَقّ النقاش حولها.

إن توليف الملفوظات الدلالية في لغة هذه الشاعرة، هو استكناه عن رحم رؤية متوقدة للشعر والحياة، بلغة قائمة على تناصات كنائية تعتمل ومبدأ المجاورة والكثرة داخل الدال الواحد، لمعمارها المشيِّد لتركيبتها الفنية وموسيقالية البناء داخله، لنصير كأننا أمام اِلتقاطات مثمرة ولذيذة لقصيدة معبرة عن لوحة بمنظور تشكيلي.

فعل الكتابة عند سكينة حبيب الله ، ينطلق من « لُمْجَة  » خاصة ترتب لذائذيتها عن مهاوِ الذات وتَبَصّرها المرتعش بالعالم، وهي لُمجة تَسْند كُنه بعضها البعض بافتعالية باذخة للشعر ولا تسأل عن معانيه.

افتعالية مسكونة بهاجس القلق الذي يُبَّلغ عن نسغه بروحية شفافة، هي نفسها الروحية التي نصطلح عليها هنا بروح النص لدى الشاعرة سكينة حبيب الله.

 

wafaa abdulrazaq3تمهيد: لقد نالت الأساطير القديمة حظوة في استخدام رموزها في الشعر العربي لدلالاتها العميقة وارتباطها بحياة الناس مباشرة وخاصة الالهة منها والتي تتخصص كل منها بجانب محدد من هذه الحياة ويركز الشعراء العراقيون على هذه الرموز أكثر من غيرهم كونهم اصحاب حضارات قديمة امتلأت بالأساطير والرموز ..

ومن الرموز التي شكلت مساحة واسعة في الحضور لدى الشعراء وقصائدهم هو الاله (تموز أو دموزي) والتي شغلت حكايته الكثير من الأدبيات والتي تتلخص كما يلي:

من الأساطير الشرق أوسطية العائدة لمنتصف القرن الثالث قبل الميلاد :

تزوج دوموزي الراعي من الإلهة إنانا ـ عشتار ـ لكن هذا الزواج سيكونُ السبب في هلاكه في الجحيم وذلك عندما نزلت زوجته إلى العالم السفلي لتنتزع سلطانَ أختها أريشكيغال لكنها فشلت وكان ثمن عودتها من عالم الأموات أن تُسَلِّم بديلاً عنها ؛ البديل الذي اختارته كان زوجها المسكين دوموزي ـ تَمُّوز ـ

مات دوموزي، وبموته يدب الاِصفرار في النباتات وتسير الحيوانات نحو الاِنقراض وتعبس الطبيعة وتُرَنَّم أغاني الحزن بعد أن أصبح الجحيم مسكن دوموزي

الندم دبَّ في قلب أنانا فتعاونت مع أُخت دوموزي كيشتين ـ آنا ـ كرمة عنب السماء، لتنشله من براثن الموت

بعودة دوموزي الدورية إلى الأرض تدب الحياة من جديدٍ وتعمُّ المسرة كُلَّ الكون وتتجدد الحيوية في كُلِّ المخلوقات، فتنمو الأعشاب والأزهار لتغطي المروج، تتحرك الأجنة في الأرحام وتكبر عناقيد البلح وترنم الأناشيد الفرح

.إنها دورة الفصول الأربعة

مصدر النص : المثولوجيا السورية ـ أساطير آرام ـ للدكتور وديع بشور. الطبعة الثانية صفحة 235 ـ 245 .

ولكثرة حضور هذا الرمز لدى الشعراء المعاصرين كان هناك مجموعة اطلق عليها

الشعراء التموزيون:

(الشعراء التموزيون مصطلح أطلقه جبرا إبراهيم جبرا علي کلّ من بدرشاکر السياب خليل حاوي، يوسف الخال، وأدونيس وجميعهم کانوا من شعراء مجلة الشعر. )

 

دموزي في قصيدة (أشك حتى)

تنطلق الشاعرة العراقية وفاء عبد الرزاق والتي تنتمي لمدينة البصرة منذ افتتاح قصيدتها بالنداء على دموزي اذ تقول:

دموزي.. يا دموزي

أسألُكَ يا سليلَ اللطمِ

كيفَ سيكونُ النواحُ

حين يُصبحُ الوطنُ جنازةً؟

نلاحظ هنا الصفة التي اطلقتها الشاعرة على دموزي (سليل اللطم) حيث أن اللطم والنواح كان من الشعائر التي مارسها العراقيون لاستعادة دموزي وعودة الحياة والخصب بعودته والغريب ان هذه الطقوس استمرت لصيقة بطبيعة الشخصية العراقية على مر العصور حتى وقتنا الحاضر حيث تقام مجالس العزاء للموتى يتخللها النواح واللطم وقراءة الأشعار الملحنة بالحان حزينة. وكذلك طقوس عاشوراء في شهر محرم التي تحاكي واقعة الطف التي قتل فيها الحسين حفيد الرسول محمد (ص) حتى ذهب بعضهم الى أنها امتداد لطقوس تموز ..

لم تمر على العراق فترات من الاستقرار عبر تاريخه الطويل لاسباب كثيرة لامجال لذكرها هنا ومعظمها معروف لدى القاريء. ومما دعا الشاعرة هنا الى نداء دموزي هو الوضع الحالي الذي يعيشه العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وماحصل من قتل ومفخخات ودخول عصابات داعش الاجرامية واحتل ثلث العراق وانتشار الذبح والتعصب الطائفي .. الخ حتى تصورته الشاعرة بالجنازة.

لقد قسمت الشاعرة قصيدتها الى اربعة اقسام كان الفواصل بينها هي مناداة لدموزي لتؤكد استنطاقها للرمز معبرا عن مايشغل بالها فقد نادته ثلاث مرات لتسأله مرة وتشكل صورا لحال الوطن والماسي التي يعيشها مرة أخرى وتطلق العنان لمشاعرها تجاه مايحدث وشكواها من سوء الحال حتى تصل الى الجزء الأخير من القصيدة لتطلق صرختها المدوية فقد كان التتابع التصاعدي للقصيدة مشدودا مع دموزي :

ساصرخُ بكَ: يااااااااااااااااااااااااااااااااااادموز

لتطلب منه أن يفعل من أجل هذا الوطن ماعجز أن يفعله أبناؤه فتملي عليه قائمة باحتياجاته ليعود كما عاد دموزي من الموت ليبعث الحياة في الأرض والبشر من جديد .. لكن الشاعرة تستدرك لتخرج من اعتقادها فتكتب :

هل تعتقدُ حقاً أنَّكَ القادرُ على الحراكِ؟

لتؤكد حقيقة أنه ليس الا رمز لاييستطيع فعل شيء ..

الشاعرة وفاء كانت امرأة قوية بمناداتها للاله دموزي كعادة النساء لايشعرن بقوتهن الا مع الالهه فيلجأن لها لبث الشكوى فهي ثكلى بوطنها وعاجزة عن فعل شيء له.

 

 

وهنا القصيدة كاملة

أشكُّ حتّى...

دموزي.. يا دموزي

أسألُكَ يا سليلَ اللطمِ

كيفَ سيكونُ النواحُ

حين يُصبحُ الوطنُ جنازةً؟

أولئك الذين ناحوا قبلي

هل كانت معهم أمي ”الفاختُ؟ "1"

هي حلوةٌ كمنجلٍ في حصادٍ

قادمةٌ من عينينِ خالدتينِ.

دموزي.. يا دموزي

شجرةُ السدرِ قصيدةٌ عرجاءُ

كدتُ أتجرَّدُ من حزنٍ عميقٍ

لكن الكلمةَ نسيتْ شكلَهَا

وتحولتْ إلى مقصلةٍ

تبادلتِ التهانيَ تلكَ الوجوهُ

وبحرارةٍ أكثرَ حينَ انحشرتِ الشظايا

بعينِ البتولِ.

دموزي.. يا دموزي

لا تساومِ العاتياتِ بطفلي

كلُ شيءٍ يموتُ إلاَّ وجههُ السرمدي

خالدٌ جرحُه ُ

يضيءُ الكئيبَ والمؤجَّلَ منَ الصّوتِ

خالدٌ جرحُه ُمثلَ سفينةِ نوحٍ

إذْ ترتعشُ الأمواجُ حينَ ترى

وشمَ الوطنِ على ساعديهِ.

سَلْ شفتيكَ يا دموزي

أتهجرُ المدنُ المدنَ؟

أيرتحلُ الوطنُ عنِ الوطنِ؟

حينَ جمَّلَكَ الموتُ

مررتُ بعشرٍ من مراياكَ

فلمْ أجدْ غيرَ كفني

كيفَ سيكونُ النواحُ اليومَ؟

وكيفَ أرحلُ عن نفسيَ

تاركةً لنفسي مرثية ًوجنازةً؟

ساصرخُ بكَ: يااااااااااااااااااااااااااااااااااادموز

تحوَّلْ إلى قطراتِ عطرٍ

واكتنزْ بكَ

سينتحرُ الجمالُ إنْ لمْ تمرْ

خُطَّ على النظراتِ ابتداعَ الصورِ

قدْ أشعَّة السحابِ

امطرْهَا شمساً

عندَ النهرِ تنتظرُ أنثى السِعدةِ "2"

أرجوانَكَ والياقوتَ

حرّكْ قِمَّةَ الجبلِ والسهلِ

وانفخْ صورةَ اللَّمعانِ

جُلَّ ما يُدهشُني صمتُكَ المديدُ

والبقعةُ السوداءُ في ثوبِكَ.

هل تعتقدُ حقاً أنَّكَ القادرُ على الحراكِ؟

صرتُ أشكُّ في الشكِّ العاذلِ المحرِّضِ

صرتُ أشكُّ حتّى في اقتدارِ السماءِ.

 

....................

1. "الفاخت": نوع من أنواع الحمام الذي ينوح بصوت حزين وهو اذا مشى باعد بين جناحيه.

2- "السِعدة" :(بكسر حرف السين) نبات بري له رائحة زكية تشبه رائحة الهيل

 

faroq alsamirإنّ رواية "الشاهدة والزنجي" للقاص والروائي مهدي عيسى الصقر، مبنية بالدرجة الأساس على الخلق والابتكار، وهي تعكس أصالة الكاتب، ورؤيته الفذة في الكشف عن الجوهر الحقيقي للواقع المادي كما يتبدى له في نقطة تاريخية حسّاسة، ثم يعيد تشكيله وصياغته بجرأة ٍ وأمانة ٍ وصدقٍ وفق تصوراته وكشوفاته، ووفق مقتضيات موضوعه ومدى ارتباطه ومساسه بحياة الناس ومصائرهم التاريخية ومشاعرهم العميقة، محتكماً بذلك إلى بصيرته وضميره بتجرّد كامل دون أن ينافق أو يزوّر الوقائع أو يرمي في وجوهنا أكداساً من الأكاذيب والافتراءات، وهو يلجأ عبر منهجه الواقعي العنيد الذي يعتمده في الكتابة ويعتبره ترياقاً ضد الفساد الثقافي والسموم الرجعية إلى طريقة صارمة بانتقاء الشخوص والأماكن والوقائع وبؤر الصدام في ظروف خاصة جداً، مسلطاً عليها ضوء الفنان الفاحص بنضال روحيٍّ وعقلي لا يلين، بحيث تتكشف الحقائق والأمور بسطوع وانبهار، ثم يُغني معانيها ويوسّع مدياتها كي تتجدد مرّة بعد مرّة في ظروف وأزمان مقاربة. والرواية لا تفسّر أو تقصُّ الشيء الكثير من الوقائع والأحداث والمصائر، كما ليس فيها إشاراتٌ اعتباطية ٌ أو مفرّغة ٌ من الدلالة وإنما هي مرسومة ٌ وفق نظام تقني صارم ٍ يساعدً على إيضاح معانيها وكشف دلالاتها المضمرة.

والصقرُ من ناحيته يُولي عناية ً فائقة ً للمعنى والمضامين ويوازنُ بينها وبين أشكالها وفق غاية الكاتب المسؤول وغائية الإبداع التي ألقاها التاريخ على عاتقه، وقد عتـّم (البغاءُ النقدي) على أعماله كثيراً لأنه وقف صامداً بشموخ مع القلة المقاومة الأصيلة ضد الرجعية الأدبية وضد التدهور والانحطاط المقنـّع في صورة التقاليع السطحية والبدع الأدبية الزائفة المبالغ فيها، وقد حقق في هذه الرواية الوحدة الموضوعية بين عوالمها الداخلية والخارجية، والموازنة والانسجام فيما بينها، عبر استعمال أساليب سرد مختلفة، وبؤر متعددة، واسترجاعات متقنة بين زمن ٍ حاضر أو حاضر يرتبط بالماضي القريب وقد يمتد أحياناً إلى الماضي البعيد المسترجع حسب الضرورة، كما توصّل بمقدرته الفائقة على الخلط بين عدة ضمائر في آن ٍ واحد، كالخلط بين الضمير المخاطب والضمير المتكلم والراوي المتشرب بوجهة نظر الشخصية، وقد لجأ من ناحية اللغة إلى تقريب الفصيح من العامي والمزاوجة بينهما، ليس في الحوار فقط وإنما في السرد أيضاً، الأمر الذي جعل منها رغم عمقها ودقتها، رواية خالية من التعقيد والإيهامات والمتاهات، وخالية أيضاً من الغوامض العقلية والعاطفية.

 

العنوان والشخوص

إن روح الرواية ومركزها الأول هو العنوان، إذ يبدو الصراع الأساسي فيها والعلاقات العضوية بين أبطالها، والعوامل الاجتماعية والتاريخية الخاضعة لها، كأنها تنبع مباشرة ً منه لتعود وتصبّ فيه مرّة ً ثانية ً، كما تبدو جهود الفنان وصياحه الداخلي ومشاغله وأهدافه قد تكثفت فيه بقوة، فصار العنوان بيتاً واسعاً، وعالماً رحباً فسيحاً، وفكرة خصبة، وهو ذو بعدين: يتمثل بعده الأول بفتاة تلعب دور الشخصية المحورية في الرواية ومنتخبة من الواقع عبر ديالكتيك وجودها الفردي والاجتماعي تتعرض للضياع القهري الاضطراري في نقطة حاسمة من تاريخ البلد، هي فترة الاحتلال، وهي الشاهد الوحيد على كل شيء، على الظلم الاجتماعي الذي حاق بها جرّاء تزويجها لرجل عجوز وعقيم، وعلى عمليات السطو والنهب والسمسرة التي تجري خلف الكواليس وتحت جنح الظلام، وعلى أفعال القتل والاغتصاب، وعلى عملية الاحتلال برمتها وما يحيط بها من أسرار وغوامض، ثم شاهدٌ على قراراتها وحريتها ومصيرها وانتحارها، بينما يمثل الزنجي: المغتصب والقاتل، بُعدها الآخر الأكثر عمقاً ودلالة، الذي يشير إلى بؤر الصدام التي يتكشف من ورائها هدف الرواية الرئيسي كما حدده الكاتب وشرعَ يحثُّ نحوه خطاه بثقة وثبات، وقد عافه الكاتب لغزاً غامضاً، وسؤالاً محيراً، وسط سواد بشرته وظلامه، ووسط الظلمة التي يجري فيها الحدث، بحيث لا يمكن تأويله والإجابة عليه إلا من خلال عملية الاحتلال والمحتلين. والرواية لا تثرثر في ذلك كثيراً ولا تلجأ إلى استعمال اللوائح والخطب والشعارات المعلنة.

وفي حوار البطلة مع أمها ما يؤكد ذلك:

"كلهم متشابهون.. الشفاه نفسها.. والأنوف.. وكذلك الشعر.. واللون أيضاً.. وأنا محتارة ٌ .. لا أدري ماذا أفعلُ!"

كما تبدو جميع الشخوص في رواية "الشاهدة والزنجي" شخوصاً ضبابية غامضة غير مكتملة ذات علاقات ضحلة فيما بينها، وهي عرضة ُ للردّ والنفي والاعتراض، لكنّ هذه الضحالة في العلاقات، وهذا اللااكتمال والغموض هو سبب ثباتها وواقعيتها، كونها شخصيات هامشية لا تمتلك أدواراً قوية وفاعلة في الحياة، بينما تمثل "نجاة" المحور الرئيسي في حياة هؤلاء جميعاً. وهي مصاغة وفق قوانين تطورها النسبي والمحدود جداً في الواقع في ظروف مقتطعة ومواقف حادّة حاسمة وتتصرف وفق نوازعها وإراداتها مع الرعاية الضرورية من خالقها، وقد بذل الكاتب جهوداً حثيثة للتخلص من قشور الشخصيات ومن جميع الأشياء الزائدة التي لا تؤثر على حضورها وفاعليتها في النص، وقدّمها لنا كجوهر خالص بضربات فنية عالية وبمفردات منتقاة وجمل كثيفة رصينة، أغنته كثيراً عن الدخول في تفاصيل لا جدوى منها؛ إنه يعرف من أين يبدأ معها، وأين ينتهي منها، وما هو الشيء الضروري فيها، وأين يسلّط ناره الخالقة.

 

 

الوقائع والأحداث

إن الحدث الرئيسي الذي ترتكز عليه الرواية هو حادث الاغتصاب الذي تتعرض له البطلة من قبل أحد جنود الاحتلال، تتمخض عنه أحداث أخرى تأتي كنتيجة لفعل الاغتصاب، هي مقتل الضابط الأمريكي واقتياد البطلة المتكرر إلى ثكنات الجيش ومستودعاته من أجل التعرف على القاتل:" يتصرفون، وكأنهم أسياد الدنيا. يعتدون عليها ثم يأخذونها للشهادة كأنها ليست هي الضحية الأولى!".

والبطلة زوجة لرجل نجار في عمر والدها، تزوج منها قبل أربع سنوات دون أن تنجب منه، ولو تتبعنا مأساتها بدقة لوجدنا بأن الزوج يتحمل العبء الأكبر من الدرك النفسي والأخلاقي الذي وصلت إليه نتيجة للقهر الاجتماعي والقوانين السائدة، فهو طاعن في السنّ، عاجزٌ وعقيم، ونجاة التي في عمر الزهور، الصافية، البريئة، التي تنبهر بغرائب الحياة وتهوى اللـُعب والدمى، تبقى على أمل أن تصحو ذات يوم فتجد بين ساعديها طفلاً تهدهده؛ لكن الصدمات كانت تمشي إليها دون وعي كامل منها، بينما هي تتلهى باسترجاع مباهج الطفولة وعاداتها، ومن نقطة عقارة الزوج تبدأ مرحلة ضياعها وتدهورها وانحطاطها، فيصادف أن يكتشف فيها هذا الضعف، احد الرجال الانتهازيين الذين يمتهنون السلب والنهب والسمسرة، والذين يضعون أغراضهم الشخصية فوق جميع الاعتبارات، فيعترض طريقها ويطاردها ويلاحقها بإصرار؛ وكانت من ناحيتها تمتلك ما يكفي من أسباب ومبررات ودوافع للتمرد على الروتين القابض في حياتها الموحشة وحالة الاستلاب التي تغرق فيها، الأمر الذي أعطاه الفرصة الملائمة لاستدارجها نحو البساتين وتقديمها وجبة شهية إلى الأمريكان والزنوج، وبذلك تكون قد عصفت بكل شيء في لحظة جنون خاطفة.

ورغم إدراكها بأنّ "حميد المعتوه" قد حذرها منه مراراً:

-"لا يتورع عن القيام بأي شيء من أجل المال، حتى أمّهُ يبيعها إذا وجد من يشتريها."

لكنها لم تستمعْ إلى نصائحه إطلاقاً وانساقت نحو غرائزها مخدّرة العقل والمشاعر ومن مأزق إلى مأزق، ومن كارثة إلى كارثة، حتى تجد نفسها متورطة ً في حادثة القتل ومسؤولة مسؤولية ً مباشرة عن اكتشاف هوية القاتل من بين جميع هؤلاء الزنوج تحت إرهاب الضابط وسطوته:

-" لا تريد أن تتذكر، لا تريد أن تتذكر أي شيء مما حدث. تود لو انمحت تلك الليلة من حياتها بكل تفاصيلها المرعبة. لو سقطت من ذاكرتها تماماً. ولكن هل يستطيع الإنسان أن ينسى ساعات انكساره؟ ساعات ذلـّه ومهانته؟"

بينما يكون الزوجُ الذي ساورته الشكوك" حين اعترضت طريقه أم حميد، تلك المرأة المخبولة، وأخبرته أنّ ابن الخبّازة جاء سكران إلى المحلة، ووقف على باب دارهم يهتف باسم زوجته نجاة" قد أدرك في لحظة صحو عابرة بأنه :" كان يحاول الحفاظ على بيت منخور الجدران من الداخل، ولم يتبق منه غير هيكله الزاهي" فطلقها على الفور، وفرّ هارباً إلى جهة مجهولة. وتظل هي تتشبث بالقشش الطافية وتقاد بين حين وحين في سيارة الجيب العسكرية لغرض التشخيص، ترجو العون من المترجم "توفيق" الذي تم اختياره لهذا الواجب، لكنها تكتشف فيه صورة مطابقة لإبراهيم السمسار بأسلوب مختلف حين يدعوها إلى شقته عند أول فرصة متاحة وينال وطره منها ويتخلى عنها، ويصبح الآخرون في نظر نجاة جحيماً وخنازير ووحوشاً:

-:"كلهم خنازير.. إنّ أي واحد منهم – أسود كان أم أبيض- لو أتيحت له الفرصة لاغتصبها بكل قسوة كما فعل وحش البساتين."

وتتكالب الأزمات، ويثور أهالي المنطقة ويأتيهم إنذار بترك الدار، بينما كانت تعيش محنة معقدة قاهرة خاصة بالجسد، حينما بدأت عندها علامات الحمل، فأعطتها دافعاً مضافاً للمضي فيما اعتزمت عليه؛ لقد قررت أن تنهي كلّ شيء وتلم مجموعتها من حبات الحصى الملونة المنفرطة، وأن تركب أحد القوارب أو تتمسك بعصا الطفولة التي تذهب مع التيار نحو البحر العميق.

 

المدينة والمحتلون

إنّ المدينة التي تجري فيها أحداث الرواية هي مدينة البصرة مسقط رأس الكاتب، وقد طبّق الصقر عليها مبدأ العزل والتقريب والانتقاء، ومبدأ التماثل والتضاد، فاختار بعض المساحات والأماكن، الداكنة والمضيئة، الواسعة والضيقة، المعادية والمسالمة، وخطط ملامحها وسماتها بدقة لتنفيذ مغامرته الفكرية عليها، كما كان يهدف له بالأساس. وكما تقتضيه الضرورة الموضوعية، وقد ساعدها بهذا التأسيس الجديد، المطابق والمغاير في الوقت ذاته، على الارتقاء بالمكان من الفضاء المحدّد الثابت إلى الفضاء الواسع اللامتناهي، الأمر الذي اضطرّ الكاتب أيضاً إلى تجنب الدخول في التفاصيل الصغيرة لحياة الناس اليومية وعاداتها وتقاليدها، ثم عمد إلى استبدال جنسية المحتلين كما هو في الواقع من إنكليز إلى أمريكان على أساس أن المحتلين لا يختلفون في ثبات جوهرهم وإن اختلفت جنسياتهم، يضاف إلى ذلك أن أمريكا اليوم هي المتسيدة على العالم وبيدها مفاتيح الدول والبلدان، وهو يعيد ترتيب الأجناس والأماكن بالأشكال والصيغ التي ترتقي بمعاني النص الروائي وتعمق دلالاته وتفتح له مديات واسعة.

 

المدينة والنهر

والنهر في الرواية يشطر المدينة شطرين، نظيف وملوّث؛ الصوب البعيد الذي يقع عبر النهر، هو منفى وعالم سفلي، صوب بائعات الهوى وبيوت الدعارة والمتاجرين بأجساد البائسات. لكن النهر يبقى رمزاً للطهارة وأحلام الطفولة الذي تقبع في أعماقه كنوز "نجاة" من الحصى الملون والأشياء الغريبة الأخرى، والذي تسبح فيه مع "منصورة" في فترة طفولتها والذي أخذ تياره عصا التأديب الموجعة التي كانت تحتفظ بها أمّها؛ ثم نهرها الذي تتوق إليه والذي سيأخذ جسدها وروحها إلى البحر والمجهول؛ وهو نهر الحياة الذي يمضي فيه وإليه كل شيء.

 

الصورة العارية

على الجدار في شقة المترجم صورة ٌ تمثل امرأة عارية تجلس على الأرض وهي تمشط شعرها الأسود الغزير المتهدل في حضنها بعد التطهر عن طريق الاستحمام. وهناك وصفٌ دقيق لجسد المرأة الممتلئ شبابا وحيوية تنساق "نجاة" لتأمله في مزيج من الإعجاب والحسرة. والصورة بوجه من الوجوه تمثل "نجاة" وهي في حالة توازن جسديّ وروحيّ وفي حالة طهارة خالصة، كما تذكّرها بخطاياها أيضاً واتساخها والفخاخ المنصوبة لها والغزو الجنسي الجديد الذي ستتعرض له بعد حين، ولن تتاح لها فرصة أخرى لطهارة ثانية إلا بالغرق في النهر العميق.

 

عصا الطاعة

بعد مسلسل الخيبات واليأس والتدهور الذي تمرُّ به "نجاة"، تحلمُ بفتاة صغيرة تجلس على قارعة الطريق و"مجيد الأعمى" يهزّ عصاه الخيزران فوق رأسها مهدداً، والطفلة تغطي وجهها براحتيها وتبكي بحرقة. إنّ هذه الطفلة التي تأتيها في الحلم هي "نجاة" الجانحة، المارقة، المتمردة، وعصاه هي عصا الطاعة في زمن الطفولة البريئة التي كانت تستعملها أمّها لتأديبها حين تسبح مع "منصورة" في النهر. ويهدف الكاتب من وراء ذلك بأن طغيان الزمن يبدأ من تلك النقطة البعيدة في حياة الإنسان، وبأنّ الآخرين الكبار لا يدركون تماماً الجوهر الحقيقي للبراءة المتمثلة بالعصيان والتمرد الطفولي، وهي محاولة لاسترداد ما فقدته من برائتها على صعيد الواقع عن طريق الحلم.

 

حركة الكف

تتكرر حركة الكف في الرواية مرتين، وهي ترمز على أن صاحبها يعيش حالة حصار نفسي ويرزح تحت ثقل أزمة شخصية خانقة أو في طريقه نحوها ويبذل جهداً شاقاً للخروج منها. فحين تطلب "نجاة" من "توفيق" السفر بصحبتها، يباغته هذا الطلب ويدفع به نحو طريق مسدود، فيحدق بها مبهوتاً ويُفرد أصابع يده اليمنى ويقبضها عدة مرّات. وحين تذكّر "نجاة" والدتها بعصا الطفولة وكيف جرفها الماء إلى البحر، تقبض يدها اليمنى وترفعها أمام وجهها ثم تفتحها في الهواء كأنها تطلق طائراً حبيساً. إنها تعني التحرر النهائي من عبودية القفص ونيل الحرية المطلقة، والتخلص من الالتزامات القسرية التي لا إيمانَ بها، ومن عبودية الحياة المقرفة المملوءة بالأفخاخ والشرور والمقالب.

 

العقارة

بعد فترة وجيزة من حادث الاغتصاب الذي تتعرض له "نجاة" في البساتين تظهر عليها علامات الحمل السريع، لكنّ هذا الحمل يبدو في الرواية محاطاً بالغموض ومنابعه مجهولة. ولو عرفنا طبيعة العلاقات التي فرضتها ظروفها القسرية مع الأشخاص الثابتين، الزوج وإبراهيم وتوفيق والزنجيّ، فإننا نستثني الزوج من ذلك بسبب عقارته ِ ونبقى بمواجهة الثلاثة الآخرين الذين يمثلون خطاً مشتركاً واحداً، هو خطّ المحتلين ومن تآزر معهم في وقت المحنة، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن تظافرَ هذه الجهود الثلاثة هو الذي أدّى إلى إخصاب البيضة؛ لكننا من ناحية ثانية نرجّح كفة الزنجي الوافد بسبب أن الحمل يتأسس مع فكرة الرواية الثابتة بأن الاحتلال يُنجب مسوخاً ونظماً وأفكاراً شاذة، وقد توصّل الكاتب من ناحيته إلى اكتشاف أحد الحلول الملائمة التي تقضي على الفايروس وحامله وذلك بأن دفعَ ببطلته إلى الانتحار.

 

إضاءة أخيرة

تبدو الرواية في نهاية الأمر، رواية مواقف واصطفاف أفراد، رغم بساطة الشخصيات ومحدودية أشكال الوعي التي تميّزها، فالملاحظ بأن ليس فيها وعيٌ استثنائيٌ، وإنما هناك وعي في حالة الصيرورة هو وعي "نجاة" الساذج ومداركها المحدودة، إذ تصبح الشاهدة في النهاية مجردَ فكرة وموقف ومصير، بينما يمثل الزنجي فكرة ً أخرى تتصادم أو تتصارع معها بيأس وشراسة. إنهما يرمزان إلى الأرض والأقدام الزاحفة، الوطن والمحتلين، وقد خسر الفوهرر الحرب أمام الحلفاء، بينما تكون "نجاة" قد فرّت هاربة بجسدها وروحها نحو البحر.

تبقتْ هناك إشارة أخيرة بأننا قد أطلقنا سابقاً على الأدب الذي يتناول نزوح الأهالي عن المدن جرّاء الحروب والمحن الأخرى بـ" أدب النزوح" بعد أن كتبنا فيه قصصاً ومقالات كثيرة. لذا ندعو كتاب القصة والرواية للإفادة من "الشاهدة والزنجي" طالما هناك بعض أوجه المقارنة بين ظروفها التاريخية والسياسية وظروف البلد الحالية، والكتابة عن الاحتلال من زواياه المتعددة: مبررات وجوده، أهدافه، غاياته، نتائجه كي يتأسس لنا أدبٌ يسمّى" أدب الاحتلال" نستعين به في حياتنا المقبلة.

 

قاص وروائي عراقي من البصرة

 

 

 

953-Untitledسيرخيو ماثياس Sergio Macias شاعر وكاتب من شيلي ولد عام 1938 في مدينة غوربيا Gorbea، يعيش في إسبانيا بعد أن ترك بلاده إثر سقوط حكومة سلفادور اللندي عام 1973 على أيدي الطّغمة العسكريّة الفاشيّة... وكأنّ إقامته في إسبانيا سحر جذبه إلى الاهتمام بما هو عربيّ، متّخذاً من هذا العالم موضوعات تتعدّد وتتجدّد باستمرار لكتابة أقلّ ما توصف بأنّها كتابة حالمة بطقوسها ومرجعيّتها الشّعريّة والنّثريّة، لأنّها توائم بين القديم والحديث بأسلوب يجدّد تدفّق الدّماء العربيّة في عروق الإبداع الإسبانيّ... ومن بين الدّراسات الّتي كتبها الشّاعر الشّيليّ

"فلسطين في الشّعر العربيّ المعاصر"، و"مساهمة في مدّ الجسور وتقريب المسافات بين الأدبين العربيّ والأمريكيّ اللاّتينيّ"، كما كتب عن شعراء عرب محدثين ومعاصرين، وشعراء أندلسيّين..ولعلّ الدّيوان الّذي نحفل به الآن يُعدُّ من بين أهمّ الكتابات الّتي تحمل بصمات هذا الشّاعر الإنديزيّ الإبداعيّة؛ إنّه ديوان "مخطوطة الأحلام Manuscritos de Los Sueños" الّذي قام بترجمته إلى العربيّة الشّاعر المغربيّ عبد السّلام مصباح. ونظراً لشغف الشّاعر المغربيّ بما يكتبه مبدعو إسبانيا وأمريكا اللاّتينيّة جاءت ترجمة هذا الدّيوان محافظة على روح النّصّ الأصليّ إلى حدّ يستحق التّنويه.

953-Untitled"مخطوطة الأحلام " ديوان شعريّ يتناول سيرة الشّاعر المعتمد بن عبّاد عبر محطّات تثير الدّهشة والانفعال، بل تصل أحياناً إلى حدّ الاستغراب، لكون ابن عبّاد ترك وراءه جدلاً محتدماً بين الكتّاب والمفكّرين شرقاً وغرباً، منهم من ينتصر له ومنهم من يثور عليه. ولعلّ هذا الجدل المحتدم ناجم عن المآل الّذي انتهى إليه الملك الشّاعر، حيث اقتاده الملك المرابطيّ يوسف بن تاشفين ليأتي به أسيراً في صحبة أسرته ليقضي ما تبقّى من حياته سجيناً في مدينة أغمات ثمّ يدفن هناك.

لقد تركت هاته السّيرة المشوّقة والمؤلمة- في الآن ذاته - نتوءات لا توارى في ذاكرة ماثياس؛ فجاء هذا الدّيوان الّذي كتبت أبياته بكلمات كان الشّاعر يبحث عنها "كما لو كانت أحجاراً كريمة ليرصّع بها قصائده"، مثلما تقول الأستاذة ماريا خيسوس روبيرا ماتا أثناء تقديمها للدّيوان، والّتي تضيف بانبهار شديد: " هذا العمل الشّعريّ يوآخيه مع شعراء الأندلس الباحثين مثله على الكلمات الجواهر. بشأن المعتمد وابن عمّار مغنّي الغلمان، وابن زيدون مغنّي الحنين إلى خرائب مدينة الزّهراء؛ المدينة الخليفيّة الحاملة اسم امرأة".

هكذا جاء الدّيوان متوّجاً بسرّ الرّحلة ومخاطرها. بل بسيرة المعتمد المليئة بالضّدّيّة والازدواج، وكأنّ حياته جحيم وجنّة: "كان قاسياً فظّاً - وفي الوقت ذاته - كان كريماً نبيلاً"، مثلما تقول الأستاذة ماتا. ولعلّ الدّرّة اللاّمعة في تاج حياته هي تلك الجارية الّتي أحبّها وأحبّته فاتّخذها زوجاً له؛ إنّها اعتماد الرّميكيّة الّتي ذاب فيها سحراً، فتلاشت بين أيّام زمانه نوراً وظلمةً. لقد وحّدهما الحبّ: ملكاً وجارية، فكأنّ النّهرين تبادلا مجريهما، حيث:

يسير العاشقان

على ضفتي نهر

مفتونين بالأريج

بالكلمات الفلكيّة

بسلام الصّفصاف.

بين تموّج النّاعمات

تظهر

الجارية الرّميكيّة،

ترقص فوق زرابيّ الأزهار.

صوتها

عذب مثل النّسمة

بأشجار التّفّاح...

لقد أبدع ماثياس بتجسيده لهذه العلاقة الحميمة بين المعتمد وجاريته الرّميكيّة عبر الصّور الّتي رصدها لحياتهما، والّتي كانت تنمّ عن معرفة باطنيّة بما يدور بينهما. فمن يتأمّل الصّور الّتي بثّها الشّاعر الشّيليّ بين ثنايا ديوانه يدرك العلاقة بين العاشقين وكأنّ كلاً منهما ينادي الآخر يا أنا:

مثل شمس أفريقيا

يُدمى عاطفة قلب المعتمد.

في وسط اليعاسب

تغنّي الجارية الجميلة

ويرتعش الصّبح

في مرج من فضّة.

لم يتوحّد العاشقان عبر لغة الشّعر وحسب، وإنّما بلغ هذا التّوحّد بهما غايته من خلال ارتباطهما بأرض الأندلس؛ أرض الشّعر والشّعراء، وأرض الحلم الّذي ظلّ يطارد الملك الشّاعر في كلّ زمان، ذلك ما تشي به نصوص الدّيوان الحافلة بهذه الرّحلة_ السيرة الّتي جعلت من الحبّ قضيّة تتمحور حولها باقي القضايا وتدور.. فمن هذه القضيّة تنبثق قضيّة الوزير الأوّل ابن عمّار رفيق شباب الملك الشّاعر المعتمد الّذي كان ينشد منه الوفاء. بيد أنّ هذا المبتغى يتحطّم على صلبان الحبّ كما تتحطّم الأمواج وتتلاشى على صخور الشّاطئ فيندلق كلّ شيء من قوارير الزّمن. فعندما يبلغ الحبّ ذروته بين المعتمد وجاريته حيث: المعتمد والرّميكيّة

يتحابّان

بين مزارع عنب

الكواكب.

تحطّم الغيرة أسوار قلب ابن عمّار، وتحيل ضياء صبحه إلى ليل داج، حينذاك "يبدي المحبّ مرارته في عزلة تطرز دبق الشّهب"، لذلك لابدّ أن يقول لمليكه كلمة الوداع لأنّ "حبّ الملك للجارية يتركه ذليلاً مهجوراً مع ألمه العميق".

من هنا تبدأ أنوار الحبّ بالأفول، وأحزان الزّمان بالّتجدّد؛ لأنّ إشبيلية ستدركها كآبة الغروب حين يودّعها الملك الشّاعر العاشق مرغماً مخلّفاً وراءه سيفه وقلبه:

انهزم المعتمد

في معركة ساراخاس.

ترك تجار الحرير

حياكة السّحب

في بساتين الأندلس.

لم تُعَد تُسمع

وشوشات البنفسج

ولا الشّحارير المرتحلة

في قطار الرّيح.

صار عبداً ماشياً إلى المنفى

صحبة الرّميكيّة.

كلّ شيء

أمام شجاعته

انحنى.

وفي

القلب

يحمل

أسدُ

الشّرق

هياجاً

وحزناً،

وخناجر باردة

في

الرّأس.

كانت سيرة المعتمد وتداعيات الأمكنة الّتي عانقها بعشقٍ لا تغيبُ نجومُهُ الذّاكرةَ النّصّيّة الّتي منها استمدّ ماثياس وهج قصائده، بالإضافة إلى الكلمات الّتي تنبض بالرّوح العربيّة، والّتي تقول عنها الأستاذة ماتا بأنّها: "كلمات جمعها ماثياس خلال رحلته الطّويلة إلى البلدان العربيّة، كلمات (يونة، أبو قلمون، كتب الملاحم)، لكونها تشكّل في اللّغة العربيّة طرفاً من استحضار الجنّ والعفاريت، لذا لا ينبغي تفسيرها، لأنّ إيهامها يضفي على القصيدة جمال الأحجار السّوداء، جمال خرز الكهرمان الأسود".

لقد تجاوز ماثياس النّظرة الأحاديّة في قراءته لهاته المرجعيّة النّصّيّة: - سيرة المعتمد - لذلك تعدّدت القيم الفنّيّة لديوانه الذّي يبدو وكأنّه سجلّ داخليّ لحياة ملك وشاعر، عاشق ومحارب، منتصر ومنهزم، أغرى بحياته - الملبّدة بالسّحب والمتدثّرة بالنّجوم - الأقلام للكتابة عنه بعشق تتوحّد فيه الدّهشة والحقيقة مثلما فعل ماثياس، لتظلّ:

تحكي ذاكرة القرون

عن موت العاشقين

في أغماتْ .

 

محمد عبد الرضا شياع - عراقي يقيم في أمريكا

 

 

تمهيد: لعبت الطيور بمختلف تصنيفاتها دورها كرموز في قصائد الشعر العربي القديم منها والحديث. وقد اختصت بعض هذه الطيور برمزية خاصة واشتهرت بها. بعض منها اتخذتها من الأساطير والحكايات التراثية والشعبية مثل الغراب والبوم والعنقاء والحمام والنعامة وغيرها. وهي بلا شك تحتفظ بها الذاكرة الجمعية للعرب بما أن الحديث هنا عن الشعر العربي. ومن أهم اسباب ميل الشعراء لذلك هي صفة التحليق في الفضاء بعيدا عن الأرض التي يتمتع بها الطائر فلطالما كانت هموم الشاعر نابعة من تواجده على الأرض والتي يعجز في كثير من الأحيان التخلص منها. كذلك قدرتها على الغناء أو التغريد بأصوات جميلة واستمتاع الأنسان بالطرب عند سماعها. يضاف لذلك هجرتها الموسمية الى بلاد اخرى حسب حاجتها لذلك .

وبما أن القصيدة هنا بعنوان (طائر الحسون) وهو من الطيور المعروفة الى حد ما ولكنه لم يكن رمزا قديما أو اسطوريا كبقية الطيور التي ذكرناه ولذا أورد تعريفا بسيطا بهذا الطائر ليتسنى للقاريء التواصل مع الشاعر لاتخاذه كرمز في قصيدته :

هو طائر صغير له ريش براق ممتع للنظر وتغريده زقزقي عذب رخيم تنتشر فصائله في مختلف أنحاء العالم وبمواصفات لاتختلف عن بعضها البعض كثيرا.

ويعتبر بعضها رمزا من رموز التحمل والصبر والخصوبة والمثابرة. وقد تعرضت للأسر من قبل الأنسان حيث يضعها في الأقفاص ليتمتع بجمالها وتغريدها.

 

طائر الحسون في قصيدة الشاعر علي نوير

يتخذ الشاعر من طائر الحسون رمزا يمثله شخصيا بديلا عنه في القصيدة فبدلا من

ان يتكلم بصفته كأنسان فيقول( أنا ) راح يتكلم بصفة طائر الحسون ليبتدأ بقصيدته في المقطع الأول فيقول

ها أنذا طائرُ الحَسّون

أُرفرفُ بجناحَين مَهيضَينِ

أتعبَهُما الطيرانُ الخَفيض ،

لم أقوَ يومآ

على الذهابِ أبعدَ

من أطرافِ هذهِ الغابة .

يصف نفسه المتعبة غير القادرة على أن تعيش حياتها الطبيعية كأنسان من خلال وصفها كطائر الحسون . وهنا تبدو الصورة أكثر بلاغة وأثرا اذ وفق الشاعر في التعبير عن معاناته الأنسانية .

ونلاحظ عند متابعة القصيدة أن الشاعر كرر الوصف هاأنذا أو أنا طائر الحسون أكثر من مرة في القصيدة ليدعم هذا الرمز ويعطيه القيمة المؤثرة لدى المتلقي.

وقد كان هذا الوصف هو الجزء الفاصل بين مقاطع القصيدة ليشكل كل مقطع منها جزءا مهما من قضية الشاعر التي أراد أن يطرحها .

فهو يتنقل من مقطع لاخر يتشبه بهذا الطائر يصف حاله التي يعيشها والتي تسبب له الشعور بالقهر والمرارة في وطنه المليء بالهموم والنكبات والحروب والحقوق الضائعة وصوته غير المسموع رغم أنه شاعر يصدح بأعذب ألحانه كما يفعل طائر الحسون الذي يشبهه.  يعيش حلما لايمكنه تحقيقه رغم مايملكه من مؤهلات في وطن فقد خضرته وزرقة سمائه التي تحولت الى دخان وقلوب ملأتها الكراهية والبغضاء لذا يبحث عن وطن آخر بديل يود لو يهاجر اليه كما تفعل الطيور ولكنه لايملك القدرة بجناحين مهيضين.

ليتَ لي ما للنسرِ من جَناح

ما للغزالةِ من ساقَين

وما للحُواةِ من خُرافة

لآخترتُ سماءً أُخرى

ومدارآ آخرَ

حيثُ الغابة ُ هناك غيرُ الغابة

والأرضُ غيرُ الأرض

 

تمنيات تعبر عن مقدار الضعف الذي يعاني منه الشاعر كما طائر الحسون. هذه الصورة الشعرية البليغة ظهرت قوتها في استعانته برموز النسر والغزالة والحواة مقابل رمزه الأول طائر الحسون.

 

تنتهي القصيدة بذهاب الشاعر الى حتفه المؤكد برصاصة لن تخطأ اذ يقول

أعرفُ أنّ طلقةَ الصيادِ القادمة

على مرمى خطأٍ صغيرٍ لجناحيَّ هذين

وأعرفُ تمامآ

أنَّ جسدي هذا

سيكونُ نَهبآ للريحِ والمطر ،

 

هو يبين حال الوطن وقد شاع فيه القتل في الطرقات والشوارع بلا سبب منطقي أو مبرر معقول كل واحد ينتظر رصاصته التي ترديه قتيلا ولن يذكر فيما بعد.

لقد كان الشاعر موفقا في استخدام طائر الحسون رمزا للمواطن العراقي في الظروف التي يعيشها بلده العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

وهذه قصيدة الشاعر كاملة:

 

طائرُ الحَسّون

على آمتدادِ ساحلٍ مَهجور

فوقَ غُصنِ شجرةِ سرو

أو بينَ سَعَفاتِ نخلةٍ عَجفاء

لا فرقَ

ها أنذا طائرُ الحَسّون

أُرفرفُ بجناحَين مَهيضَينِ

أتعبَهُما الطيرانُ الخَفيض ،

لم أقوَ يومآ

على الذهابِ أبعدَ

من أطرافِ هذهِ الغابة .

أنا طائرُ الحَسّون

ثقُلَ طيراني الآن

سئِمتُ مرأى التضاريسِ ذاتِها

مرأى الأشجارِ الذاويةِ والسواقي الشحيحةِ ،

والعضايا والأسلابِ المنثورةِ هنا أو هناك ،

حرائق الغاباتِ وآستغاثات المدن

أحلمُ بغابةٍ أبعد

بأنهارٍ دائمةِ الجرَيان

بسماءٍ دائمةِ الزرقة

بأرضٍ خضراءَ ، وقلوبٍ خُضْر

أهذا كثيرٌ عليّ ؟

أنا طائرُ الحسّون

أتقنُ الزقزقةَ على النوافذِ المُشرَعَة

والرفرفةَ لأُنثاي

بجناحَينِ مُشعَّين مثلَ فسفورتَين

كلّما داهمني المساء

روحي هائمة ٌ

وقلبي الصغير بحجم بلاد

ليتَ لي ما للنسرِ من جَناح

ما للغزالةِ من ساقَين

وما للحُواةِ من خُرافة

لآخترتُ سماءً أُخرى

ومدارآ آخرَ

حيثُ الغابة ُ هناك غيرُ الغابة

والأرضُ غيرُ الأرض

ها أنذا طائرُ الحسّون

بقلبٍ ثقبَتْهُ الأحلام

وأثقلَتْهُ المواجع

أعرفُ أنّ طلقةَ الصيادِ القادمة

على مرمى خطأٍ صغيرٍ لجناحيَّ هذين

وأعرفُ تمامآ

أنَّ جسدي هذا

سيكونُ نَهبآ للريحِ والمطر ،

كلُّ ذرّةٍ منهُ ستمضي الى مَدار

لن يكونَ لطائر الحَسّون أسمهُ المُلتبس

ستبتهجُ الأبجديةُ بعودةِ أحرفِها المُغتَصَبة

ولن تتحدّثَ طيورُ الغابةِ عن طائرِ الحَسّون بعد الآن

لها أنْ تتحدّثَ حَسْب

عن طيورٍ كثيرةٍ

ستأتي بها الريح

ذاتَ مطر

 

منتهى عمران - البصرة - العراق

 

otheman botsanيعتبر الأدب "الأفغاني المعاصر" من الحقول الأدبية المميزة، وذلك لما يتسم به من خروج عن منطق الإبداع الأدبي المتعارف عليه في العالم. إنه بمعنى ما، أدب خرج من رحم الأزمة والمعاناة، وتطور بشكل سريع؛ خاصة من الناحية الأسلوبية واللغوية. فالكتاب الأفغانيون يشتغلون كثيرا على اللغة،  وعلى الصورة الدلالية في الكتابة الروائية والشعرية. ومن هنا، يتجلى أن أزمة الهوية والأرض والمنفى من العوامل التي تدفع الأدباء الأفغانيين إلى البحث عن سبل عديدة للخروج من هذه المعاناة. وبهذا المعنى تصبح اللغة من ذلكم المنظور؛ هي العالم الوحيد الذي يكشف فيه الكاتب عن نواياه النفسية والاجتماعية الخفية. وفي ذلك إشارة إلى أنه أدب يمزج بين القديم والجديد، بين سلطة الحداثة وركائز التقاليد والأعراف، بين محاولة تحرر الأنا وإشكالية الآخر. وهذا يجعل القارىء يجد نفسه أمام لغة رمزية تحمل في طياتها تاريخا لمجتمع جريح جعلت منه الحرب أداة مبدعة. وبحسب نزر من الباحثين والنقاد الذين يهتمون بالأدب الفارسي، فالأدب الأفغاني المعاصر هو انعكاس لأدب ثوري تأثر بمجموعة من التيارات الفكرية والأدبية من مثل لا الحصر؛الأدب الإيراني والأدب الهندي، بحكم القرب الجغرافي والصراع التاريخي بين هذه البلدان. لكن وللأسف الشديد، فهذا الأدب لا يزال مجهولا ولا يعرفه إلا القليل من الباحثين عن عوالم إبداعية جديدة. ومن المعروف أن أفغانستان بلد الشعر والشعراء، على الرغم من أنها قد / أو ربما أنجبت حركة «طالبان» وأبطالها الظلاميين، غير أنها تميزت أيضا بإنجاب أدباء وشعراء لا يزال معظمهم مجهولاً في الغرب والعالم العربي.

لقد رسم العالم صورة سوداء عن هذا البلد، وجعل منه أرضا للدم والحروب. كما أن السياسة الأمريكية شوهت صورته وجردته من كل المؤهلات. وبسبب كل مما تقدم، لا نجد إلا فئة ضئيلة وحس تهتم وتتكبد عناء البحث في فن وأدب أفغانستان. ثم إن هذا البلد الملطخ بالدم، يتميز ضمن ما يتميز به بأشكال فنية فريدة من نوعها لاسيما في مجال الموسيقى والأدب والسينما والرسم والفن التشكيلي. وقد كان لحصول الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي على جائزة «غونكور» الفرنسية عن روايته «حجر الصبر» عام 2008 النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت القراء المتعطشين إلى قراءة المزيد من أعمال هذا المبدع، بل والانفتاح على كتابات كتاب آخرين كالشاعر الكبير مجروح وخالد حسيني ومحمد حسين محمدي وخليل الله خليلي وآخرون. وعلى كل حال، لن ندخل في تفاصيل السير الذاتية لكل كاتب، ولكن ما يهمنا كباحثين هو تعريف العالم وخاصة العربي بضرورة قراءة وترجمة هذا الأدب الثوري والروحاني.

إن الأدب الأفغاني، هو صرخة عميقة لمجتمع لم يعرف الاستقرار يوما. مما كان له وقع كبير على جل الكتاب على المستوى النفسي، وبالتالي فإن مؤلفاتهم –أو إنتجاتهم- هي عبارة عن محاولة  لكشف معاناة هذا المجتمع عن طريق كتابات شعرية وروائية درامية ينتصر فيها دائما الدم والصمت. وهو بذلك أدب يعالج إشكالية الحرية في عالم يسوده الدين والتطرف، ويجعل من المرأة شيئا مجردا من الحس والوجود. هو إذن، ولا شك في ذلك، أدب وجودي يحاول كل أديب فيه إعادة خياطة الذكريات بلغة شعرية عميقة تعكس عمق الجرح والألم. ومن ثمة، يصح القول بأن هذا النوع من الكتابة محاولة لبناء الذات وفرض وجودها بقوة. ومع ذلك، تعتبر اللغة من المشاكل التي منعت العديد من الكتاب من التعبير بكل حرية، فنجد على سبيل المثال كتابا فضلوا الكتابة باللغة الفرنسية كالروائي عتيق رحمي والكتابة زرياب، ومنهم الآخر من فضل الكتابة بالإنجليزية كخالد حسني المعروف بكتاباته الراقية وعناوينه التي تدهش القراء قبل قراءة أعماله. كما يعمل بعض الأدباء الأفغان على التعريف بأدب بلادهم عن طريق الترجمة، مثلما فعل عتيق رحيمي مع الشاعر الكبير مجروح.

وانطلاقا مما سبق، يتضح أن جرح الأرض والمنفى هو الحبر الذي نقش على معظم الروايات الأفغانية. فالمنفى إتخذ طابعا شعريا وتجاوز طابعه الموضوعي. وبعبارة أخرى، فإن تجربة المنفى جعلت من إعادة بناء "الأنا" أو "الذات" ضرورة ملحة. وهكذا نجد أن أغلب الكتابات تتميز بطابعها الأطوبيوغافي " سيرة ذاتية" أو كتابات تكون فيها الذات هي المحور الذي تكتمل من خلاله الأحداث.

وبناء على ذلك، يتناول الأدب الافغاني المعاصر إشكالية الذات والهوية المتفسخة، إن لم نقل المنعدمة، نتيجة لتدخل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، وكذا تدخل جمهرة من العوامل الخارجية، لاسيما نزع وبتر القيم الإنسانية على يد الأنظمة الديكتاتورية والسياسات القمعية. زد على ذلك، إمكانية البحث عن هذه  "الذات" أو الهوية  عبر الكتابة والتعبير الأدبي. إذن، يستنار أن الكتابة الأفغانية تتخد طابع البحث عن "الأنا" بين ركام الذكريات وتضارب الأحاسيس الوجودية والعدمية. فجل كتابات عتيق رحيمي مثلا تتمحور حول إشكالية "الأنا" وكيفية بناءها؛ أي أن ذلكم الكاتب يطرح المئات من التساؤلات حول من يكون وأين يوجد أصله.  إن كل ما يطرحه – الكاتب- يعني أن الكتابة تتيح له فضاء كبيرا لمحاولة إعادة بناء ما خسره في الماضي، وبالتالي التأقلم مع مناخ المنفى والبعد الجغرافي والروحاني عن الوطن. ولعل من أبرز العوامل التي ساعدته على الثورة على اللغة والطابوهات، نجد استعمال  لغة المهجر، والهوية الجديدة الناتجة عن التأثر بالفكر والأب الفرنسي والغربي.

ومن هذا المنطلق، على الباحث في الأدب الأفغاني أن يسلط الضوء على التغيرات النفسية والاجتماعية لـ "أنا" الكاتب المراد دراسة إنتاجاته، ومحاولة الكشف عن تبعات الإصابة النفسية التي خلفها جرح الماضي والمنفى، إن كان الهدف المتوخى من دارسته هو فهم "الذات". إن، الأدب الأفغاني، على العموم، يشبه الأدب الفلسطيني والعراقي من حيث الأسباب والتبعات، ولكنه يتميز عن غيره باللغة المعتمدة، وتحرر الأنا عند الكتابة بلغة الغير بخاصة الفرنسية منها. ويظهر هذا التحرر في رواية "حجر الصبر" حيث يكسر الكاتب كل الطابوهات ويعطي للمرأة الجرأة على الكلام بكل حرية، بعدما حرمها المجتمع من ذلك وقيد حرياتها. وعند هذا الحد تتحرر المرأة في الرواية، وتصبح قادرة على الكلام عن الجنس والجسد بعيدا عن ظلام الدين المتشدد. فتحرير "الأنا" يساهم في تحرير الآخر خلال عملية الكتابة التي تكون عادة فعلا لا شعوريا. غير أن رحيمي، يؤكد على أن اللغة الفرنسية منحته متسعا كبيرا من الحرية لم تمنحه إياه لغته الأم أي  "الفارسية". 

إن الأدب الأفغاني، في هذا الصدد، محاولة لبناء الذات عن طريق البحث المستمر عن الهوية من خلال إثبات الوجود عن طريق كتابة، التي تتخذ غالبا طابع الاعتراف. بما يعني أن الرواية الأفغانية ترتكز على الجانب الاجتماعي عبر الكشف عن حقيقة العيش داخل مجتمع تحكمه الأعراف، والتقاليد وهي بذلك نتاج ومنتوج المجتمع ما دامت تعكس صورته بلغة قريبة جدا من الواقع المعاش. كما أنها ترتكز على الجانب نفسي؛ حينما يتعلق الأمر بالاعترافات الذاتية ومحاولة فهم "الذات" عن طريق الكتابة.  وإذا صح ذلك، فإنها -أي الرواية الأفغانية- انعكاس سيكولوجي للصدمة النفسية التي عاشها الكاتب سواء خلال الحرب أو في المنفى.

وحاصل القول، إن محاولة بناء الذات تستمر كلما استمر فعل الكتابة. كما أنها مرتبطة أساسا بالصدمة، التي تعرض لها الكاتب خلال تعرض بلاده لصدمات نفسية بصورة دائمة نتيجة الحروب ومختلف العمليات الإرهابية. وهذا ما يجعل الكاتب يحمل بداخله ثقل ذات تتأرجح بين الوجود والعدم. وعليه فالأدب الأفغاني أدب الصدمات والأزمات النفسية والاجتماعية. وإنتاجاته الأدبية هي نتاج للواقع ممزوجا بلغة شعرية تضفي عليه الكثير من الرمزية والخيال. لكن يبقى من الحقول الأدبية الفريدة من حيث الشكل والمضمون. وعلى الباحثين العرب الإهتمام بهذا الحقل والعمل على ترجمته، لأنه سيغير من نظرة القارىء العربي حول الكثير من المفاهيم والتصورات المرتبطة بالإبداع الأدبي والحداثة.علاوة على أنها فرصة لاكتشاف شعراء وكتاب كبار من طينة رحيمي ومجروح. 

 

952-awniقصائد الحنين والشجن والألفة تجاه الأمكنة والمدن لتظل دوز في القلب..

"......أعود

لدكان جدي..لثياب الطفولة..للبيت القديم

أعود

لكن من يعرفني الآن

في ليل الصحراء

من يذكر وجهي ...

و أغنيتي

و رسائل حبي.....

من..."

هذا هو الطفل الأسمر القادم من هناك..حاملا كلماته في الدواخل وبقلبه أنشودة من رمال الجنوب والصحراء وأجراسها..عرفته من زمان يلهو بتفاصيل الحنين الكامن في تلك الصور التي ظلت عالقة بأبواب قلبه..كان مفعما بالذكرى ولا يلوي على غير القول بطفولة كانت العنوان الأكبر في خطاه..

هكذا هو الآن ..لم يتغير ولم يتنكر لخطى القرويين وتلوينات البداوة..مدرسته الأولى بل الأم في حله هذا وترحاله تجاه العواصم والمدن..بقي الفتى على براءته تلك يدندن أغنيته المعهودة ..يأخذه الشوق وتهزه الأمنيات ينحت ضحكته بعيدا عن الضجيج ولا شيء يهزه سوى هذا الحنين الجارف..

انه الحنين الى العناصر والتفاصيل التي رآها للمرة الأولى وهو الطفل الجنوبي الذي أودع سره الكلمات وراح تائها في ليل العوالم ينشد ألفته مع الكائنات..

 

952-awni" اشتقت ...

لحمام يحط على كتفيك

لغناء عصفور

في باحة البيت

كل صباح..."

هكذا ألج  عوالم الصديق الشاعر نور الدين بالطيب  الذي أطل علينا بعد عدد من الدواوين الشعرية والكتب والمسرحيات وغيرها بديوانه الشعري الأخير بعنوان " صلوات للرمل...و للذكرى "التي هي بمثابة نصوص القلب الطافحة بالوجد والمحبة والحنين تجاه أسماء ومنها الشاعر الراحل عبد الحميد خريف والأمكنة والمدن التي زارها الشاعر وتركت لديه أشياء من عوالم الألفة وهنا صدق صديقنا الناقد علي العمري في تقديمه حيث ذهب باتجاه شعرية الحنين وشعرية الألفة وهو يقرأهذا العمل الشعري ..

" سيقولون ...

كان هنا

في باب البحر

في فلورانس

في مقهى الكون

نعرفه...

كان يبكي مثل العشاق

و يغني أحلى الأشعار

و يناجي الطير..."

هذه القصيدة يهديها نور الدين بالطيب  الى الشاعر الراحل عبد الحميد خريف ومن خلالها يستذكر شيئا من لقاءاته الثقافية والأدبية بعدد من المقاهي بتونس العاصمة والشاعر تربطه بالراحل وشائج وصداقة باذخة حيث كان حلوله بالعاصمة في التسعينات للدراسة الجامعية وفي تلك الفترة كانت لقات الشعراء والكتاب والمثقفين متعددة وقد شهدت نقاشات وآراء مهمة بخصوص التجارب والتيارات وصلتها بالحركة النقدية..

فكأني بالشاعر بالطيب في مثل هذه القصائد لا يستذكر أحبابه فحسب بل انه يذهب الى حيز مهم آخر وهو ذاكرة الأمكنة..الذاكرة الثقافية على غرار مجاميعه الشعرية الأخرى وكانت البداية مع " قصائد موحشة " وهنا نذكر سيدي الغوث بدوز..

و لدوز الجميلة هذه حكاية وجد مع نور الدين بالطيب..فهو شاعرها الذي يلوذ بها في ليل العواصم والمدن يرتجي شيئا من سرها في هذه الأيام الموحشة..

" وحدها ...

الرمال

تذكر حزنك

تتذكر دمعك

حروفك الأولى

كلماتك...وحدها الصحراء

تحفظ أسرارك

حرائق شوقك

لهيب الذكرى

رسائل ...

كنت تكتبها

في ساعات الفجر

توزعها الريح

بين نساء

بلا عناوين

و لا جغرافيا..."

تعددت مدن الشاعر في هذه المجموعة ما يلفت الانتباه الى صلة القصيدة بالمكان المتغير فالشعراء عادة ما يمنحون الأمكنة شيئا من العبارات التي تحتاجها حيث لا ينتبه عامة الناس الى سحرها المبثوث في تفاصيلها ..فالمكان مكانة والشاعر هنا يلج المدن بنظرة الحالم والباحث عن ذكرى ما قد تهزه ليستذكر التواريخ والأمجاد.

بعد دوز الموطن الأم يمضي بنا الشاعر( أبو أقمار ) نور الدين بالطيب الى أمستردام وباريس وكتالونيا و جيرونا وغيرها من بلاد العالم ومدنه ..

" ...مطر لأواني الزهر...

في شرفات برشلونة

مطر لحمام ساحة كتالونيا

للوحات ميرو...لنساء بيكاسو

لعيني غالا

مطر..."

قصائد خفيفة في غير تكلف ولا اجترار وافتعال تنهل من طفولة كامنة في " بو النور " كما يحلو لي أن أناديه ...قصائد الذات الموغلة في التعلق بالجميل حيثما كان فالعالم بلغاته وجغرافياته مجال مفتوح أمام الشاعر نورالدين بالطيب الذي لا يقنع بمكان ديدنه الترحال والاقامة الباذخة بين الألفة والحنين  وفي شجن بين وهنا يقول الصديق الناقد علي العمري في مقدمة تصدرت هذه المجموعة الشعرية التي نحن بصددها "...و الحنين في مستوى آخر عالم شعري تحكمه جدلية رئيسية في هذه المجموعة :جدلية الغياب والحضور فنصوص المجموعة في أغلبها جدل بين عالم تحضر فيه الذات ويغيب عالمها وهو عالم تؤثثه فضاءات تثير في الشاعر سؤال الحنين وهذا العالم هو باريس مرة وأمستردام أخرى

و برشلونة ثالثة وعادة ما يكون هذا العالم مولدا للذكرى قادحا للحنين وعالم آخر يتم فيه استحضار الذات في شكل من أشكال المصالحة بين عناصرها المتشظية...".

" في متحف خوان ميرو

اكتشفت ...

أنك لوحة نادرة

لم يرها أحد قبلي".

هذه قصائد بالطيب في عمله الشعري " صلوات للرمل...و للذكرى "  الصادر عن دار آفاق-برسبكتيف للنشر بتونس ضمن سلسلة آفاق للابداع والفنون في 120 صفحة من الحجم الصغير (على شكل كتاب الجيب) ..تجربة أخرى في سياق مسيرة الشاعر نور الدين بالطيب الذي نحت لذاته نهجا مخصوصا في الكتابة الشعرية بعيدا عن شعر الطلليات والمنبرية الخاوية ..هي قصائد لحظتها وثقافتها لا تروم غير القول بالذات في هذا المعترك اليومي من السقوط والتداعيات المربكة والمريبة..الشاعر يحافظ على نسقه في العلاقة مع القصيدة ولا يريد لصوته أن يشبه الأصوات الأخرى المتدثرة بملامح شعرنا العربي القديم..الشاعر يكتب ذاته خارج القطيع..و الشعر في صورة من صوره هذا الخروج والوفاء للذات في نواحها الخافت..

 

 

raid jabarkhadomوحدها هي الكلمات، بقداستها وفخامتها، من كانت تقف وراء سر أنجذابي وتفاعلي النفسي والفكري والشعوري منذ لحظة القراءة الاولى لـ (حبر على قلق) تلك المجموعة الشعرية ذات لـ (22) قصيدة بصفحاتها لـ (58) من الحجم المتوسط، في طبعتها الأولى عام 2013، والتي نشرت ضمن مناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية، للشاعرة العراقية (نادية الدليمي)، تلك الشاعرة التي لا أعرف من سيرتها الذاتية شيء الا ما هو مدون على الصفحات الأخيرة من مجموعتها الشعرية هذه.(**) ولكنني عرفت شيئاً كثيراً وكبيراً عنها وعن سيرتها الفكرية والشعرية والعاطفية من خلال قراءتي لـ (حبر على قلق)، فهي تنتمي الى جيل الشباب الذي يخفق بالحيوية والعاطفة والفاعلية، وهذا ما تُخبرنا عنه أشعار المجموعة ونثرها، التي فيها من الجماليات الشيء الملفت للمتلقي، في الاسلوب واللفظ والمعنى، وتُسحرك وتُبهرك الدليمي في أقتناء أفكارها وموضوعها وألفاضها، حتى لتجد في تلك الاشعار الشيء الجميل والفني والمريح، في الفلسفة والحكمة والتصوف والحب والجنون والشعور واللاشعور، وفق أسلوب فني وشعري عالي الجودة، أسلوب فيه من العاطفة البليغة وبلاغة العاطفة، وقد كان لموضوع الأنا والآخر حضوره الواضح في هذه المجموعة، والذي سعت الشاعرة لتفكيك وتحطيم تلك الثنائية لتبقي على (أنا) واحدة، وهي التي تتكون من ثنائية أول الأمر لكنها في مرحلة الفناء تصبح ذاتاً وأنا واحدة تضم الاثنين معاً، روحاً وقلباً ومشاعراً، لتحلق في عوالم سحرية متعالية تغيب عنها لغة الوصف والتعبير والكلام.

ولا أطيل عليك الكلام بهذا المقام، فستخبرك كلمات الدليمي وأبياتها وحكمِها بذلك السحر والحب والجنون، الذي يفوح من عطر تلك المجموعة الشعرية الأنيقة، فكراً وأسلوباً وعاطفةً.

 

 (مدخل) (1)

قالَ : أُحبكِ كيفما تكوني

قُلتُ : سأكونُ كما تُحِب

أنتَهِزنِي غيمةً لم ترتَكِب الهطولَ

لأفيض حُباً على أخاديدِ ظمئكَ

فقد أنتظرتُكَ

قاب عُمرينِ،

أو أقصَى

من التَلهُف..

كُل الأشياءِ من نسلِ الـ (لا شيء)

كُل الأشخاصِ من نسلِ الـ (أحد)

كُل الجهاتِ تُفضي الى الـ (لا مكان)

كُل الساعاتِ تَمضي نحو الـ (لا جدوى)

وحَدكَ

تحملُ كُلَ معاني الأشياءِ

حتى غيابُكَ

كائنٌ لهُ حُضُورهُ..

هذه هي القصيدة الاولى التي قدمتها الدليمي لتكون مدخلاً أولياً لمجموعتها الشعرية، وفيها من المشاعر والعواطف والفلسفة ما تجعلك تهيم في عالم الخيال والتجريد وتغوص في مدن ميتافيزيقة تجعلك مطمئناً أكثر فأكثر من الواقع المعتم الذي نحياه. لاحظ ما تقوله :       

 

كُل الأشياءِ من نسلِ الـ (لا شيء)

كُل الأشخاصِ من نسلِ الـ (لا أحد)

كُل الجهاتِ تُفضي الى الـ (لا مَكان)

كُل الساعاتِ تَمضي نحو الـ (لا جدوى)

ولكن الدليمي تحطم  كل تلك الـ (لآت) واللامعنى  لتجعل من الحبيب كُلها الذي لا يُحطم ولا يُهشم ولا يُهمش، ليكون الكل الذي يجمع كل تلك القوة الملهمة والملهبة للقاء الأنا بالآخر ليُشكل (أنا) أكبر تصنع الحياة والوجود والبقاء، كما وتجعل للغياب قيمة ومعنى ولذة نستطيع شعوره والتمتع به والعيش معه، لاحظ ما تقوله الدليمي :

وحَدكَ

تحملُ كُلَ معاني الأشياءِ

حتى غيابُكَ

كائنٌ لهُ حُضُورهُ..

الغياب الذي لا نطيقه، وأي غياب هذا وأي غائب، أنه الحبيب الذي لا يطاق غيابه، لقد حضر موضوع الغياب عند الدليمي ولكنها جعلت منه حضوراً روحياً ووجدانياً لا يغيب مهما كان غيابه طويلاً أو بعيداً أو صعب المنال، لتصنع منه حضوراً يأبى الغياب، وهذا ما نلاحظه في قصيدة (إلهُ الحُضُور) التي تقول فيها : (2)

تُتقنُ المكوثَ

بقُدرةِ طِفلٍ لائذٍ

فيعتِنقكَ الحضُور إلهاً

تُخفِقُ في الغيابِ

لأنكَ لن تَبُلغَ سِنَ القسوةِ

بالكادِ،

تتَقمَصُ دورَ غَيمةٍ

ثُم تَسُجدُ عندَ أصابعٍ عَطشِى

إصغِ

لأنحتَ لكَ عالماً من أربعةِ حروفٍ

ونبضةٍ

إفتَح قلَبكَ، وحَدق

لتَسمعَ ما يجولُ حُلُمِي من جُنونٍ 

يا أنَا

يا نَحنُ

يا كائني المخلوق من طينةِ النقاءِ

أذعِن

لأُرَصَعكَ بالحُبِ

ثُمَ

أنهلُ منكَ الحياةَ..

هكذا هو الحبيب الذي جعلت الدليمي من غيابهِ حضوراً ذو قيمة ومعنى وجمال، الذي تنهل منه الحياة، ويُشكل وجوده الغائب الحاضر كينونة وجودها وحياتها وكل ما تبتغيه من معنى واشياء، ليكُون دائرة متكاملة بأشتراك الاثنين معاً تحت مظلة الحب والصداقة والوئام، وذلك هو نوع من الحب الأفلاطوني الخالد الذي طرحه في فلسفته المثالية العالية، والذي تطمح أليه الشاعرة أن تناله.

تلك (الأنا) المشتركة أو الأنا الكبرى أو الأنا الواحدة بين الحبيب وحبيبه، بين العاشق ومعشوقه، حين تنصهر لتكون ذاتاً واحدة بكل معنى الواحدية، وفناء الذات في الذات والانا في الانا، لتكون كينونة واحدة ترتقبها الدليمي من خلال قصيدة (لأنكَ أنتَ) التي تقول فيها : (3)

لأنكَ لا تشُبِهُني

لأننا منجذبانِ بِفعلِ التناقُضِ

كُنتُ مَا لَم أجرُء أن أكونهُ

إحتمالٌ لما كانَ يُمكنُ أن أكُونَهُ

إحتمالٌ لما كانَ يجبُ أن أكُونَهُ

أنايَ الأُخُرى

قبلَ ولادةِ التنقيحِ

أحببتُكَ

عشَقتُ

ألغام الدهشةِ التي تفُجرهُا فيَ

لمَساتُكَ

فلا تحُاول أن تَكونَنِي

وأبق أنتَ..

نعم لقد شغلَ وشكلَ ذلك الآخر أنا الشاعرة وكينونتها الوجدانية والفكرية وكلها الذي لا يتجزأ، وشدة البحث عن ذلك (الآخر الأنا) وكينونته الفريدة العجيبة أصاب الدليمي بـ (دُوارُ الَوجدِ)، تلك القصيدة التي تحمل معاناة وعمق خطا وخطوات الباحث عن أناه في الآخر، الغائب في الواقع والحاضر بعمق في مخيلة الحبيب، حيث تقول الدليمي فيها :(4)

تَنثُرني الحَقِيقةُ بَعيداً

أُلَمِمَ بقَاياَيَ

وأَسلكُ مجَازاً يأخُذنِي أليكَ

أضيقُ بما حَولِي

أجترحُ حُلماً بِرحاَبةِ كونٍ  

لأضمنَ فُوضِويةَ التحليقَ مَعكَ

أتوكأُ على ما أدخرتهُ من هُنيهَاتٍ

لونتُها في غفلةٍ من شحُوبٍ

تحَتشِدُ فِيَ

أئِنُ

أنضُحكَ من مسَاماتٍ تفُضي أليَ

أرتدي الصمت وأمضي

يَشربُ من حلكَتِي

 الليلُ

يالهُ من هيامٍ وجنونٍ ذلك الذي يحُلق في فلك الأنا الآخر، والآخر الأنا، ليشكلان ذاتاً تليق بالأثنين معاً من فرط عشقهما لبعضٍ، ليصلا الى مرحلة الاتحاد والفناء، ومن أنا الاثنين تكون أنا الجماعة، ،أنا ألـ (نحنُ) لتقول لنا الشاعرة في هذه القصيدة : (5)

أنتَ :

ـ مِرآتِي

ـ الناطِقُ بأسمِ القلبِ دُونَ تخويلٍ

ـ حشرجةُ الـ (ترحل أرجُوكَ) في حناجرِ أصابعي كُلما همَمتَ بالرحيلِ

ـ جسدُ الكلامِ الذي لم أُسمعكَ سوى ظِله

ـ نزقُ المشاعرِ المصفدةِ بأغلالِ الكتمانِ

الى أن تصل الشاعرة بالقول :

ـ قُربكَ في البُعدِ، وبَعُدكَ في القُربِ

ـ طريقي المُعبَدةُ بإحتمالِ خُطاكَ

ـ سمائي المُلبدةُ بالأمنياتِ

ـ خُضرةُ حُبي الدائمةُ

ـ شذا النرجسِ المُتفتَحِ في روابي قلبي لحظةَ هُطُولكَ

ـ الشيءُ في كُلِ شيءٍ

ـ أختصارُ الكونِ

وأنا :

شيءٌ من أنتَ.. 

ها هي تُدرك أذاً أنها جزءٌ من حبيبها الذي يعد كل شيء في وجودها، أنها لا تستطيع البقاء من دونه، أنه أكسير الحياة والبقاء، والفناء فيه لا يعد موتاً وعدماً، بل بالعكس يتحول الفناء فيه الى بقاء، لأنه ديمومة القلب والروح والوجدان، ولذلك خولته تخويلاً مطلقاً في كل شيء، حتى يصل المحبوب الى يكون كل شيء في حياة الحبيب، فهو يمث قوة له، في حركاته وسكناته، في نومه ويقظته، والتسليم المطلق له والذوبان فيه، فتقول الشاعرة في قصيدة (إحتيال) : (6)

بحيلةٍ ما

أقنعَ خَريفُكَ أغصاني بالتعَري

وأَغرى أمتدادُك

رُوحي

لتِنسابَ نَهراً بلا ضِفتينِ..

يالهُ من ولهٍ وعشق وذوبان في هذا الكائن الذي تذوب فيه كل المشاعر والامنيات، والروح والجسد، الذي تخاطبه الشاعري بـ (قديسي)، ولكنني أجد فيها (قديسة) أيضاً لتكون كفؤاً لذلك القديس السماوي الارضي الذي يمنح حبيبته خبز الحياة وطعمها ورونقها ولونها، ويالَ هذا القديس المحظوظ بتلك العاشقة الفانية التي تُشعل نفسها شمعاً في طريقه، وهو دائم الحضور في خطاب ووجدان وفكر حبيبته التي شنقها حبه لتصل الى درجة الاحتراق به من فرط ولهها وعشقها، فتقول الدليمي في قصيدة (تُهجُدات عاشقة) :  (7)

هَا جِئتَ تُشاطرنِي كُلي

يا أقتراحَ الفجرِ

تُشذبُ غوغائيةَ ولَهِي،

أنامِلُ أحتوائِكَ

تُحاورُ سنابلُ لهفتي،

هَسهسَات حنانكَ

قديسِي

لا تأخُذ جمري بأثمِ التوقدِ

دَعني أُطلِقُ عصافيرَ رغبتي

تَفضُ سماوات المُحالِ

لا تُسرج نبضاً علمتهُ الوُثوبَ

مَوتانِ يفصلاني عنكَ

فَذرني أجدلُ تراتيلِكَ

طوقَ أمانٍ

نعم هكذا كان الآخر في نفس وقلب الأنا، أنا ليس له مثيل، أنا كبرى بها تحيا هذه الأنا العاشقة، حتى لكأنني من فرط حبها وعشقها له لم تعد أنا الآخر أنا مغايرة، بل أنا واحدة وتوأم له في كل شيء، ففي (ومضات) الشاعرة نجد تلك الغيرية التي تتحول الى أنا مفعمة بالحيوية والحياة والديمومة، اذ تقول في حبيبها : (8)

(حُب) 

أحببتُكَ حالما رأيتُكَ

كما تعشق أُمٌ طِفلاً ولدتهُ تواً

(شوق)

بنهمٍ جهنمي

ألتهمُ ـ إشتياقاً ـ كُلَ ما يطرأُ منكَ

(طُمَأنيِنَة)

طِب حباً

إنكَ في قلبٍ أمينٍ

(صَمت)

لِصَمتكَ وقعُ الضوءِ على مرآةِ رُوحي   

هذا ما أبصرته من كلمات وعبارات الدليمي في (حبر على قلق)، الذي تكشفت لي من خلاله جماليات الاسلوب واللفظ والمعنى، وحضور الأنا والآخر بصورة ملفتة ومغرية بصورة عاطفية مميزة، مُحاولةً الغاء هذه الثنائية وتحطيمها بين الحبيبين (أنا / أنت) و (هو / هي) و (الانا / الآخر) الذي أدركته وأنكشف ليَ من تلك المجموعة، بما أمتلكه من تحليل متواضع ومنهج وأسلوب وكلمات بسيطة، أتمنى أن تصل بوضوح الى قلب المتلقي ووجدانه، فهو غايتي وسعادتي ومُناي من وراء ذلك.

 

د. رائد جبار كاظم

.....................

الهوامش :

 (*) كاتب وباحث أكاديمي عراقي وأستاذ مساعد في الجامعة المستنصرية ـ كلية الآداب ـ قسم الفلسفة. raedjk777@yahoo.com

(**) نادية عبد العزيز حمد الدليمي، من مواليد العراق ـ بغداد 1976، حاصلة على شهادة البكلوريوس من كلية التربية قسم اللغة العربية في جامعة بغداد، وقد نشرت عدد من القصائد في الصحف العراقية، وشاركت في عدد من الانشطة الثقافية في بغداد والمحافظات. 

(1) نادية الدليمي. حبر على قلق. دار ميزوبوتاميا. العراق ـ بغداد. 2013. ص 7ـ 8.

 (2) المصدر نفسه. ص 15 ـ16.

 (3) المصدر نفسه. ص 21.

 (4) المصدر نفسه. ص 23 ـ24.

 (5) المصدر نفسه. ص 39 ـ40.

 (6) المصدر نفسه. ص 41.

 (7) المصدر نفسه. ص 51.

 (8) المصدر نفسه. ص 29ـ30.

 

ahmad alkhozaiرواية (نداء قديم) للروائي والقاص احمد خلف التي صدرت عن دار الينابيع – دمشق، من النصوص التي تحمل نمطية جديدة على السرد العراقي الحديث، لما احتوته من تكنيك وأساليب سردية متنوعة غاية في الأهمية، وكأن احمد خلف يبتغي من ورائها التأصيل لمنهجية جديدة في كتابة النص الروائي، لا يتبع فيها سياق ثابت يوشح الوجه العام لذلك النص، رافقتها لغة أنيقة حاول الروائي فيها الابتعاد عن التعقيد اللفظي، مع قدرة استثنائية امتلكها في اختيار المفردة المناسبة ذات دلالات حسية ومادية مؤثرة في المتلقي، وتوظيفها بشكل جيد لخدمة الثيمة الرئيسية للرواية.

تبدأ هذه الرواية القصيرة أو القصة الطويلة بمدخل فلسفي يغوص في أعماق الذات الإنسانية، ويمهد لأحداث دراماتيكية سوف تطغى على المشهد العام للنص.. (في أول المساء، تحرك القطار وغادر بلدتنا النائية كعادته كل يوم، ثمة غيوم تحوم فوق رؤوسنا المشتتة البال، غيوم تتعدانا وتمضي إلى الناحية الأخرى، غيوم سود تخيم على يدي وأطراف جسدي، خفت أن تتساقط أطرافي واحدا اثر الآخر، كل شيء جائز ويمكن أن يكون، سأحتفظ بيدي إلى النهاية).. مشهد يصور لحظة مغيب الشمس بكل ما يحمل هذا المشهد من تأثيرات سيكولوجية تبعث على الإحساس بالغربة والوحدة والوحشة كونها نقطة الشروع للظلمة وتأثيرها على الفطرة البشرية بوجه عام، ليرتبط هذا المشهد المهيب بتحرك القطار مغادرا البلدة إلى أصقاع مجهولة لم يشر إليها الروائي، على الرغم من تكرار هذه الرحلة لعدة مرات في النص، قطار قادم من المجهول يتوقف عند بلدة نائية كما اسماها الروائي، لا يُعرف مكانها، ويغادر إلى المجهول، نص سردي غاب عنه عنصري الزمان والمكان، ارض افتراضية انبثقت من العدم يمر بها قطار المساء ويغادر مسرعا، وكأنها رحلة الحياة وما هذه البلدة إلا محطة موحشة من محطاتها، التي قرر البطل السارد ان يحافظ بها على يديه حتى النهاية.

ويتكرر هذا الزخم من المفردات في ثنايا الرواية بشكل ملفت للنظر، ينم عن قصدية يكمن ورائها كاتب محترف يعرف ماذا يريد ان يقول، والى اين يسير بالقارئ، فنجد معظم الأشياء في هذه البلدة مسرح أحداث الرواية لها مدلولاتها المادية والنفسية، (أسماء الأشخاص، القطار، النهر، الغجر).. كلها تمحورت حول حدث محوري استند عليه الروائي في بنائه الهرمي لنصه، وهو مقتل (يونس الغطاس) تلك الميتة الغامضة التي دارت حولها عدة فرضيات تركت مفتوحة دون الجزم بإحداها.

(يونس الغطاس) الذي حمل اسمه رمزية تعيش في حالة من التناقض مع نهايته المأساوية، حين افترض مقتله على يد امراة غجرية تدعى (الحوت)، ووجد غريقا في نهر البلدة، هذه المقاربة المثيولوجية المستمدة من الدين والتراث نراها تتكرر كثيرا في كتابات احمد خلف ويوظفها بطريقة تخدم البعد الاجتماعي والإنساني والفلسفي ليثمة نصوصه، تجعل من القارئ في حالة تناغم معها ضمن اطر انتمائه الديني والعقائدي، يونس النبي الذي التقمه الحوت ونبذه في العراء ويونس الغطاس الذي ابتلعته المراة الغجرية (الحوت) وألقته في النهر، كما اخبر العجوز الغجري اهل البلدة.. (عندنا امرأة نسميها الحوت لكثرة ما ابتلعت من عشاق، عاشقها لا يستمر معها طويلا، اما تراه يهرب من جورها الجنسي او يموت او يقتل).

تتسارع الأحداث بشكل مضطرد بعد هذه الحادثة بطريقة دراماتيكية، يرويها بطل سارد يروي ما دار من أحداث في بلدته في زمن ما .. وهنا يضعنا الروائي أمام جدلية وتساؤل محير يبدو انه تعمد صناعته قسرا في عقولنا.. من هو البطل السارد ؟ وهل تشكل الرواية جزء من سيرة ذاتية لشخص ما ؟ أم إن هذا التكنيك كان الهدف منه إدارة النص عبر بطل سارد متواري مجهول الملامح والصفات والطباع، يطل بشكل هامشي على أحداث الرواية، وظيفته خلق حالة من التناغم بين تلك المجموعة من الشخصيات المتناقضة التي تحركت ضمن سياق النص، ليكون حلقة وصل توافقية بينهم، (أيوب) المثقف الذي يفيض حكمة والمطلع على كل شيء..(كان أيوب أكثرنا اهتماما بقراءة كتب الدين وقصص الأنبياء والشعراء وتاريخ الملوك والسلاطين الغابرين)، وبين (مزهر القصاب) المتهور الجامح الأهوج ..(قال أيوب ذات يوم شاهدت مزهر القصاب يشهر خنجرا ملوثا بالدم، لا ادري ان كان دما حقيقيا ام ان الخنجر كان صدئا، وهو يركض في أزقة البلدة، يصدر منه صوت أشبه بكلب مسعور) .. لكن الروائي لم يبتعد عن النص كثيرا ونجده حاضرا متواريا هو الآخر خلف شخصية (أيوب) أكثر من حضور في البطل السارد، وهذا تكنيك آخر نجده يتكرر في نصوص احمد خلف، فغالبا ما يجرد أبطاله من السلطة المطلقة على الاحداث ويعمل على تحجيمهم داخل النص لعدم ثقته بهم، (أيوب) المسلوب الإرادة العاجز على إدارة دفة الأحداث، الذي وظف له الروائي البطل السارد ليكون نافذته التي يطل بها على القارئ، على الرغم من كونه العارف بكل شيء، والمتواجد في كل أزمنة الرواية وأماكنها والمتواجد أيضا في أعماق النفوس، وهذا ما نلاحظه بشكل جلي في الهوامش التي رافقت النص الروائي والذي يعد تكنيكا جديدا وغريبا عن جنس الرواية بهذا الشكل الذي أوجده الروائي له، هامش يشرح ويحلل ويسلط الضوء على الأحداث بمعزل عن السرد الروائي، يمثل عنصر تكميلي له عبر طرحه لفرضيات وشروحات وتصورات تفيد القارئ في معرفة ما يحدث وإشراكه في خلق تصورات لما سيحدث.

في بلدة نائية يقرر مجموعة من الأصدقاء الانعزال عن سكانها في كوخ صنعوه لهذا الغرض، يقضون فيه أمسياتهم بمعزل عن عيون المتطفلين، فيختارون مكانا أكثر انعزالا ووحشة من بلدتهم (البطل السارد، مزهر القصاب، زامل أبو الخواتم، أيوب، حامد النجار، فاروق الأسود)، هؤلاء الرجال حمل بعضهم رمزية لظواهر اجتماعية متناقضة، جمعهم الشعور بالضجر، يقرر بعضهم الأخذ بثار صديقهم (يونس الغطاس) من الغجر بعد أن طفت جثته على سطح النهر، في مشهد يمثل انتقالة تكنيكية سردية قريبة من مفهوم (مسرح العبث) عبر حوارات مقتضبة بين أناس معظمهم مجهولي الهوية يتبادلون عبارات ذات مضامين فلسفية مبهمة، وتساؤلات لا تنتظر الإجابة، وهم يقفون على ارض مجهولة، على ضفاف نهر مجهول في زمن غير معلوم، انه الحوار لأجل الحوار، والتعبير عما يدور في خلجاتهم وانطباعاتهم عن ذلك المشهد المأساوي لجثة يونس الغطاس ..(لم تمض الجثة في سيرها البطيء أمام أبصارنا حتى انقلبت على ظهرها ثانية، ليكشف عن انتفاخ واضح وكدمات في جوانب متعددة من الجسد، مما أثار غضب الناس، وحرك هياجهم واستفز عواطفهم تجاه يونس الغطاس:

- لا خير في نهر لا يحمي أهله.

وصاح صوت يجهش بالبكاء:

- نحن لا نخجل من أنفسنا.

وهنا يطرح الروائي نظرة مغايرة للمألوف، ويتقاطع فيها مع بديهيات أنتجتها الذاكرة المعرفية الإنسانية، ويسجل موقفا مختلفا لما عرف عن (النهر) الذي يعد مصدرا أزليا للخير والعطاء ومصدر من مصادر الحياة المهمة، ونشوء الحضارات، وكأنه يبتغي من وراء ذلك إثارة جدلية فكرية حين يصور لنا النهر رمزا للموت والخوف والغدر..(قال أيوب: كان يونس الغطاس يقول لي: أنا لا أحب النهر بل أخشاه إذا أردت الحقيقة.. النهر الساحر الملعون يغري البلهاء من الناس وأنا لست أبلها).

بعد مقتل يونس الغطاس يقرر مزهر القصاب الأخذ بثأره من الغجر الذين يسكنون الضفة الأخرى من النهر، فيعد العدة لذلك، ويكون البطل السارد جزء من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر على الرغم من عدم قناعته بالأمر.. لكن هل فعلا إن يونس الغطاس قد قتله الغجر ؟ لماذا جعل احمد خلف نهاية الرواية مفتوحة على هذا القدر من الإبهام والغموض ؟ زامل أبو الخواتم المتهم الآخر بقتل يونس الغطاس يُقتل ويرمى في النهر، والغجر يرحلون عن البلدة، لتنتظر قدومهم مرة أخرى بعد ثلاثون عام، زيارة تتكرر ضمن دورة تمثل عمر جيل كامل.

هل كان يونس الغطاس رمزا للإنسان بجموحه ورغباته وغرائزه وانقياده الفطري للذة ؟ ..(فاضت بعض أسرار أيوب في لحظة حامية واخبرني إن يونس الغطاس زاد تردده على خيام الغجر).

لقد اختزل لنا الروائي رحلة ازلية تتجدد عبر متوالية زمنية للإنسان وغرائزه في علاقة يونس الغطاس بالغجر، في رحلة لا تكتمل إلا بعبور نهر الحياة الهائج الغادر الذي لا تعرف أسراره .. (قال أيوب للنهر أسرار لا يعلمها إلا الخالق) .. لقد تغلب احمد خلف في نظرته هذه على طبائع وأفكار أبطاله فجعلهم ينقادون مرغمين لها في موقفهم اتجاه (الإنسان، الحياة، الموت، القدر، الجنس) وقد بلورها في نهاية فنتازية لرؤية يطل بها البطل السارد على النهر ..(وخيل إلي لبرهة من الوقت أني أرى كما يرى النائم تماما، مع أن دنيا تحدثت معي أكثر من مرة، فأدركت أني لست بنائم، رأيت وجوها شاحبة وأجساد شويت بالنار الحامية، وأفواها مفغورة، وأجسادا تلقت عشرات الطعنات نساء شالحات ثيابهن وأطفال عراة...) وتستمر هذه الرؤية الغرائبية للبطل السارد حتى تضع الرواية أوزارها، بان يرى مزهر القصاب يغوص في عمق المياه لنهر البلدة النائية الهائج.

 

احمد عواد الخزاعي