تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (1)

s2خاص بالمثقف: الحلقة الاولى من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يعرّف الفنان نفسه، من خلال الإجابة على سؤال المثقف، كما يجيب على (ق1) من أسئلة الشاعرة: نوال الغانم.

 

س1- المثقف:كيف يقدم الفنان الكبير الاستاذ شوكت الربيعي نفسه لقراء صحيفة المثقف؟

ج1: خمس بقع حنين شغوفة وبقعة حنين واحدة.

بقعة حنين العافية: صباحات ومساءات الخير والعافية. لجميلة الجميلات: (المثقف)، متجسدة بالعقول والقلوب والأفكار والمنطلقات التي ينثها كادرها الصحافي على وجوهنا فرحا ومعرفة، تحت خيمة حاديها أبي حيدر وهم جميعا يبلورون فكرة المضمون فيجسدونها بآلية صفوة المثقفين العراقيين والعرب، وما ينسجون من القيم والمباديء والمنطلقات. وأراني متفاعلا مع أسباب اندفاعاتها النهضوية في مسيرتها الثقافية. وسعدت بأنني مذاك الحين ابتدأت مع بواكير ولادتها، وركبت مع بناتها حجرا فوق حجر، وشفيعنا في متعة العمل المنتج، مع توهج وحماس بناة أركانها المعرفية، ان الكل أثبت دوره بانجازات شهدها الناس القراء، فنمت وترعرعت، غادة من حسان الغواني، وهن يداعبن أشواقهن فرحا وشدوا للتحولات المنهجية. وأجدني وأنا قتيل الغواني تصفدت من مسامات تلك الفتنة الساحرة، وعبر جمالية المفتون بحب الصحافة.

 

 بقعة حنين الميلاد: سمع الأهل في الرابع عشر من مارس - آذار العام1940، أول صرخة بكاء تأسياً لمغادرة جوف الرحم، لألقى في بئر الآلام، فاستقبلني بها العالم مع دقات (قارع الطبل) في سحور ليلة منتصف شهر رمضان. وانتشر الخبر بين عشيرة الشحمان في البلدة الصغيرة. وما أن حملني أبي بين يديه فرحاً بميلادي، حتى غرقت في الأيام التالية السفينة القادمة من ميناء البصرة، وهي تحمل بضاعته التموينية الكثيرة.. وكان أبي في تلك الفترة الحرجة التي يمر بها العراق، يشتغل بتجارة الشاي والسكر. وكان الناس في ضنك من العيش، لا يقوون على شراء السكر والشاي والقهوة، لغلائها وشحّتها وخضوعها إلى رقابة تموينية صارمة. قال الناس لأبي: (ولادة ابنك علامة خير وبركة عليك).. فابتسم وهز يده.

 

بقعة حنين الأمل: كنت ألوذ بوهم الأمل لأكتب مقدمة / بقلمي / أنا الآخر/ عن تقييم لوحة أو قطعة نحت أو خزف أو مقطوعة موسيقية أو قصيدة شعرية. وهو الأمل الذي كتبت بوحيه، (يوميات الصبايا الجذلة) التي دعوتها بالمدهشة / وكانت في ما مضى منذ عام 1963م، تسمى (يوميات رسام) نشرت فصولا منها في الصحافة العراقية والعربية /تحت لافتة / اليوميات المدهشة/ بينما اختصرت دهشتها بمعنى وعنوان: السوامق: ربما يبدوالمعنى والعنوان، نموذجا من كتب السيرة، ربما يبدو موضوعا سرديا مكررا بصور التداعيات والاستذكار والسيرة الشخصية في اطار وصفها من الظاهر، بينما نراه معمارا متينا، كزقورة سومرية راسخة، (وصفا لجذور التاريخ) كنخلة بصرية باسقة بطلعها النضيد(وصفا لعطاء الطبيعة الأم).. لهذا جاء التعبير بعيون مختلفة: (عين محايدة، وعين غاضبة، وعين راضية وأخرى ناقدة)، ألم تر كيف انعكس هذا الشعور على الأسلوب، إذ ليس معقولاً أن نقرأ قصة أو رواية أو سيرة ذاتية، مكتوبة كلها بأسلوب واحد ونغمة واحدة مع أنها تنتقل من حالة بزمنها وبيئتها إلى حالة أخرى، والأمتع أن تكون هناك صيغة تتناسب مع كل (حالة نفسية) لكي يفصح المضمون عن إنيته، دون أن يسعى لتفسير أو تبرير، ولا يتيه القاري بين دروب فصوله وأبوابه، ولايحتاج لدليل كي نعثر على شخصية المؤلف بين تضاعيف متنه، يولد البيان فيه، تجسيدا خلاقا لأفكاره ومنطلقاته الاجتماعية، ليكون طريقنا لمعرفة ملامح اجتماعية وسياسية وثقافية. مما يبسط لنا قراءة مدوناتنا ولوحاتنا الفنية بوصفها وقائع وحقائق حدثت فعلا، ومما يجعل الآخرين يقرأون لكاتب مثلي، ويتأملون لوحاتي ليسبغوا علينا سمة المبدع، بوصف المعادل الكلي، في سيرة ذاتية، استمدتها من نتاجاتي الفنية والأدبية ومن معاناتي وانتمائي لرؤى شرائح عريضة من نسيج المجتمع العراقي والعربي والاسلامي، ليكون نهجا واضحا لنا نعرف به ملامح اجتماعية وسياسية وثقافية عامة، تتجاوز جغرافية المحلي نحوالعالم الانساني الأرحب. وبذلك يتحول الموقف وتقديره وفعله، من الخاص إلى العام. فكانت تجربتنا، سعيا لكشف حقائق، انشغلت مقدرتنا التخيلية خلاله، بإعادة بناء عالم بقينا نراقبه (قلقين) طوال سنين ثقال. وكأن عالم الآمال العراض، ينهار تدريجيا كل لحظة، وترتكب بحق اهله وأطفاله واحبابه، المجازر الجماعية والدمار والخراب والموت بلا قضية. ولعل الكاتب قد توجه بين فصل وآخر، إلى تصوير عالم متخيل جديد ينهض بجذور تربته ليطاول عين الشمس. ليخاطب الطالعين من الأقماط، بالحقيقة الشجاعة. وسيقرأ الذين لم يولدوا بعد، عن تلك المأساة. وسيستغيث مناديا بين القتلى: من (يثني) بينكم للشهادة دفاعا عن الوطن المحتل؟ وللمرة الثانية، سيرفع الشهداء أصابعهم المبتورة، من بين الأكفان، أؤلئك الأطفال الذين بترت أطرافهم ونحروا وهم في أقماطهم: وبصموا ببقايا أصابعهم المنسلخة على ألواح الطين السومرية.

 

بقعة حنين العشق: منذ أوائل الخمسينيات الماضية، وقعت أسير الصحافة: معذبتي، في ولهي بها، فكنت عاملا فاعلا بين موجات مدها وجزرها في السياسة والأدب والفنون التشكيلية، فاصطادتني لسنوات عشر، غيداء (شاشة التلفاز) التي باكرتها بالدهشة وعمق المحبة، فرعف قلمي الى تأليف الكتب النقدية منذ أوائل العقد السادس من القرن العشرين المنصرم. وشدت فرشاتي شدو الحنين، لكي أعلق أحزاني و أفراحي على جدران المتاحف وصالات العرض. وكنت متوازنا في رقتي وتفكري وتنسكي، فأقمت العدل بين حبيبات الفؤاد، بين الصحافة والرسم، والكتابة، والنقد الفني، والعمل الأكادديمي. فشيدت لي مرسما ومكتبة. ووجدانا وعشقا ومحبة وسيدة لداري التي حملت على كتفيها جدائل هواياتي الصعبة المتعبة، لنزرع في مرابع حبنا غراس الأمل، فانشقت تربة الربى برواء الماء الزلال فكانت ابنتي البكر رواء وابنتي الأخرى ربى، وكلاهما فسيل (البرحية) من بساتين نخل الفن التشكيلي في الرسم وفي التصميم. بينما كانت هواية العلم تحتضن اثنين من الأولاد، ولم أقدر على منعهم المشي في غير درووب الفن، فاتجها نحوالعوالم المعمارية والكنوز النفطية. ورسخت خيمة زوجتي المنتصبة في صحراء الحياة، فاهتمت بالتربية الخاصة، ونالت دكتوراه متعبة بين ذوي الاحتياجات الخاصة. ونشأنا معا، وكبرنا معا، في السراء والضراء في الشتاء وفي الصيف، نرعى حبنا ومحبتنا لأطفالنا وتعليمهم احترام وتقدير الناس الطيبين في الحياة. وما زلنا ندافع عن أسباب وجودنا وطوبوجرافية انسانيتنا وحضارتنا الشخصية.. وعبر دروبها الحلوة في مرات قليلة شحيحة يسيرة، والوحلة الحرجة، في أعم واغلب الأزمان. واتحفنا بالكشف واليقين، ولم نتعجل الفرح، لأن هناك في عالمنا الكوني، خرابا ودمارا وأسبابا تكنوذرية، ستجرفنا في طوفانها تيارات الخوف والرعب والفناء. فحاولوا طمر الفرحة في أعماقنا. ولكن شفيعنا في ذلك، هوالمعرفة والثقافة والفن والكتابة. والصحافة ورسم فرحة بديلة وقبلات ملونات مشتهاة على جبين فاتنة الكواعب:(المثقف). وتحية كبيرة الى مهندسها أبي حيدر.

 

بقعة حنين البوح بأسرار القلب: المعرض الشخصي، المنتقى الآن، المعروض (افتراضا) (على جدران متحف المثقف) بنوعية اللوحات، التي تمثل المرحلة الوسطى من توصيف شروط حياتي، وتنتمي، الى ستينيات القرن الماضي، هي التي تقدمني، ولا فخر، الى القراء. والمشاهدين ونقدة الفن والصحافة الفنية. وكذلك ستفعل مقالاتنا ودراساتنا وكتبنا الصادرة، وما ستعرضه أقسام الصور الشخصية لنا، ستقربنا زلفى، الى قراء المثقف. فكيف لنا، وحتام بعد هذه المكاشفة، أن نكتم حبنا.. ألم تر يا قاريء المثقف الجليل، أن العاشق أقدر على البوح بأسراره لفيوضها من كاسه.. انها أسرار القلب. وأنت من ينابيع أفراحه وأشواقه وأحلامه. أما الألواح السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والعربية الاسلامية، التي ساعدتني على نقش الذاكرة الفنية على طينها، فهي الأرض المعطاء التي (تمشي رُخاء ً عليها الصَبا / تـُريكَ العراقي َ في الحالتيـــن يُسرفُ في شِحهِ والــَندى.)

 

بقعة حنين منتظرة: "من أين لنا كل هذه المواهبِ والأناشيد، وكيف اقتنعنا بأننا أربابُّ الغناءْ"

ظهرت تجارب بعض المتميزين الذين أنفردت إنتاجهم بين سائر الأدباء والفنانين العراقيين والعرب والأجانب، ووضعني النقد بينهم، فوهبت حياتي العملية كلها من اجل (نواة الحقيقة التي حولها ارتجف مصير العراقي والعربي المستهدف في بذرته وأثماره)، بدأت المحاولة نطفة، ثم فكرة، عن محيط هائل وبعيد الغور، انشغلت مقدرة كاتبه على سبر أعماقه، كما أبدعت يداه بحياكة نسيجه لكي نصل بكل ذلك إلى تفسير علة وغائية الفكرة: وهي أن (يوميات الرسام) (الشحماني) المدهشة الجذلة، قد بذرت وسقيت ونمت في تربة بكر من مرابع الطفولة، في مدينة زراعية صغيرة تقع بين بغداد والكوت شمالا، والبصرة جنوب وادي الرافدين. ومهما كان ممكنا اعتبارها سيرة ذاتية، أوسيرة فنية وأدبية معا، فإن هناك ثمة فضاء رحيبا تتفاعل وتستنبت وتستولد وتتوحد فيه (فنون وجمالية السيرة الذاتية بفنون الرواية والقصة)، وحدة تتسع لمثل هذه التجربة التي جاز المؤلف التعامل معها كأجزاء مستقلة تجمعها مشاهد (بانورامية) رسمتها ريشته وجسدتها ألوانه بمعرفته وثقافته، فكانت لوحة / جدارية / وسجلا انتقائيا خاصا لمسيرة تجربته، كقرنفلة جميلة تغمرها سحنات البنفسج، في حقول مديدة من الزنابق والورود المتنوعة بألوانها الباهرة الفاتنة، وقد ولدت من أرحام الفنون المكانية والزمانية، وعلاقتها الكلية التكميلية بالفنون التشكيلية والموسيقية والمسرحية والشعرية والروائية والقصصية والأدبية عامة. فكانت شاهدا مدهشا، بارع الوصف، عميق الدلالة والرموز، تعبق عطور الرؤى في جمالية مدوناته الآسرة، وهي تشدنا إلى قيمة جمالية كشفت عن حقائق تاريخية ووقائع محورية، عن مرحلة تحولات مذهلة عصفت بحياة العراقيين والعرب والمسلمين. وكأنه يغري القاريء ليشاركه في كتابتها، وإعادة تشكيل معمارها الذي ضم تلك العناصر الحيوية التي ارتوت من ينابيع الفكرالانساني، فتحققت قيمة الكتاب الممتعة، وجمالية نصوصه، وكأن رموز مضامينها التخيلية، تبدووقد كتبت بواقعية ساحرة، فرسمت روح الأشياء بأسلوب حداثوي ظلت بصيرة الكاتب تراه وترابط في منبته ومسراه، وتزور أهم المحطات في حياة الفنانين والشعراء والادباء والمثقفين، متلمسين تبلور المقومات الرئيسة لتجارب الثقافة والفنون في الوطن العربي بعيون المستقبل. وهناك حاورتنا أبجديات لا تشبه ذاكرتنا يوماً، وما كانَ يكفي حوارُ المغنينَ لكي نشرح لها معاناة العراق، بسلب حريته.. وفي أول مرة حلمت بحرية الوطن واستقلاله، انتبهت إلي أن حزني قد انتهى، وتحول رماده إلى نور ولهذا استطعت أن أرسم اللوحات الناقصة وأكتب الصفحات المؤجلة في كتاب الأمل. فكتبت مذكرات، وقصصا قصيرة وروايات، وعشرين كتابا عن مسارات الفن التاريخية، وأدب النقد الفني... الشيئ الوحيد الذي لم أتناوله هو، رواية الاندحار والهزيمة ومهادنة الغزاة المحتلين. توجد في الحياة من الآمال ما تجعلنا نكابد ونسعى (من) أجل تحقيقها حتى النهاية. تلك الآمال التي حاول الاحتلال أن يدمرها ولكن إرادتنا الراسخة بالمستقبل، وهبتنا القدرة على الاستمرار والبقاء. و(فى غياب مجابهة ومواجهة الخصم موحدين، لن نحصد إلا الهزائم.) كما إن ما يلفت النظر لمتتبع حياتنا الراهنة هنا، "أننا نعيش الغربة والمنفى، بدءاً من النبي إبراهيم الخليل عليه السلام الذى خرج من بلدة "أور" بالعراق، ومرورا بالشاعر المتنبي، وابن زريق البغدادي، وأبو على القالي، وزرياب والذين هاجروا معه وبعده من شعراء وعلماء وفلاسفة العرب المسلمين نحو الاندلس والمغرب العربي ومصر، وحتى نصل إلى عشرات المبدعين المنفيين المنتشرين غرباء على مرابع الأرض في الوقت الراهن. وما يوحد تلك الشخصيات هو المنفى والاغتراب. يقول الصافى النجفي: (يبعدنى طبعٌ عن الناس نافرٌ فتحسبنى بين الناس جالسٌ وحدى). كذلك تفنن شيخ المغتربين أبوحيان التوحيدى فى وصف الغربة ذات الغصة، وهى غربة الإنسان فى موطنه، كما نكابده اليوم في العراق، وهى أقصى درجات الاغتراب..

 

نوال الغانم: فنانة تشكيلية وشاعرة، سيدني / استراليا

س2: نوال الغانم:في يومنا هذا مع تقدم التكنولوجيا ووسائل الإتصال، انتهى زمن المديح والإشادة بهذا الفنان أو ذاك وصارت اللوحة كشفاً وتحليلاً ورؤية فنية ليس في خدمة المنتج المنشيء وانما ايضاً في خدمة حقل التخصص.

*كيف يرى ذلكَ الفنان الكبير شوكت الربيعي الذي يجمع الى جانب كونه فناناً تشكيلياً ناقداً تشكيلياً وباحثاً من الطراز الأول والعيار الثقيل في حقل تخصصه؟

ج2: ان الاهتداء الى مثل هذا التعريف، أمر مهم وحيوي وصعب، بقدر ماهو مزيج من دواعي القيمية والبناء الكلي للعمل الفني، أي الهيكل العام أو التصميم العام أو الانشاء العام. سعيا لادراك قيمة الجمال. وهكذا يضع منظرو الفنون التشكيلية، معنى وتفسيرا لخاصية العمل الفني، سعيا لبيان الملامح الجمالية. وتنطبق تلك الخلاصة على جوانب معرفية شاملة في المفاهيم النقدية والتنظيرية المتعلقة بالفنون المكانية والزمانية والمرجعيات، ما أفضى الى مساع لنشوء كيان نقدي تنظيري، وما أفصح عن لغة ومفردات تكوينية تتأسس جماليتها وأشكالها من نتائج تلك "القيمة" الجمالية، التي يستهدفها النقد الفني، وتشغل أذهان الفاعين في تأسيس مبادئه. التي ربما ستتخطى مفاهيمها ومبادئها ومقاييسها وأساليبها، الأمكنة المختلفة. وهناك شروط نقدية افتراضية، غير ملزمة للفنان اثناء مخاض التجربة الفنية ولحظة ولادتها، ولكنها تتجلى لاحقا لعين الناقد والمتابع والمثقف ثقافة بصرية مقارنة. تسبق عملية الأبداع في الفن.

 

 كما أن هناك شروطا جمالية تسبق عملية النقد الفني التشكيلي، وهي ملزمة للناقد الباحث، وغير ملزمة للفنان قبل شروعه بالعمل. وستتوضح تلك العوامل التكوينية المفترضة، كلما بانت واتضحت شروط النقد الحقيقي. اذا شئنا أن يتم تكريس شفافية وحيوية ثقافة النقد الفني التشكيلي والتنظير للفنون الانسانية في شتى المجالات والأقسام والتخصصات الفنية. وذلك هو المنجز النظري والتطبيقي والمفاهيمي والمجتمعي، بحكم تعامل الجميع مع الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية، المتواشجة بروح الأسئلة التي ستظهر على السطح، أو تلك التي ستنفجر وتستحدث معاني جديدة أخرى، وقيام مفاهيم وغايات تبلور رؤى مستقبل الفنون التشكيلية العربية المعاصرة، لكي يكون بمقدور منجزها المستحدث، أن يتساوق مع مرحلة مابعد الحداثة.

 

كانت فكرة الحداثة والتجديد فيها، قد بدأت مع بواكير العقد الأوّل من القرن العشرين المنصرم، وظهرت مع بدايات (الفن الحديث) ومع تطور التكنولوجية تطوراً معقداً وسريعاً معتمدة تقدم علوم الفيزياء الحديثة، الالكترونية) بالخصوص، وعلم البيولوجيا منها على الحصر: (طبيعة الجينات الحياتية وهندستها الوراثية) وقد تبلورت ونضجت ابان فترة الثلاثينات والأربعينات، نتيجة لتأثيرات موضوعية وثقافية وتحولات اقتصادية وسياسية كما يحدث الآن في أجزاء من الوطن العربي في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسورية والعراق. ونحن نراقب الآن تحولات جذرية في بنية مجتمعاتنا العربية، وانشاء كيانات سياسية جديدة، هي ذاتها التجربة التي تضارع عملية تكوين منجز جديد في النقد الفني التشكيلي. وفي كلّ المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية، والفنية. إن الرموز الفكرية المنبثة بين مساحات العمل الفني مضمونا، تتلبسها عناصر الشكل وتجسدها مفرداته، خاصة تلك التي يحافظ الفنان فيها على قدر من القصدية الشعائرية أو الوظيفة الفكرية فيه ولا يذيبها. وقد يجد المشاهد الناقد، نفسه، يواجه حضورا مؤثرا للموضوع على حساب تغييب بعض القيم الشكلية التي كانت من قبل تشير بسهولة إلى خصوصية التجربة لهذا الفنان أو تلك التجربة.

 

إذن فالناقد بإزاء كفتي ميزان (الموضوع والشكل) أي أن حضور الموضوع الفكري بثقل حسي، أشد وطأة على العين والوجدان والعقل، من حضور عناصر المعمار الكلي للعمل الفني الأخرى. سواء أحملت الأعمال الفنية عناوين رومانسية أم ثورية، شاعرية أم واقعية، فإنها تبقى تحفل بالرموز الفكرية والصوفية، بضغط من العالم الذي يكتنفه الوهم وتستغرقه تارة الاسئلة الفكرية والوجودية القديمة، وتحاصره دائرة المفاهيم الحداثوية المعولمة تارة أخرى، تنداح به دواماتها الفكرية في اللايقين، وتتقاذفه تيارات الدائرة المرسومة حوله، وتنتقل بمفرداته المضمونية وصياغاته ومعالجاته وتقنياته الشكلية من الواقع ليتجاوزه الى ما هوأبعد من المادي، لما بعد الوعي بقيمة المفهوم الروحي، والفنان في تفاعله وانفعاله بالتجربة الفنية الحقيقية، إنما يستحيل إلى نور المعنى متجسدا في روح، يظل الفنان في آفاقها مترددا. وإنه لكي يبدع، فيكون فنه أجمل، ستبحر أفكاره وخبراته وتقنياته نحو إعادة خلق العالم بالفن" وستبقى أناشيد السلام، حتى يصير الكل إياه، والفن هذا الكل في كون بلا موت - وتكون هذي الارض وطنا مساحته الشعوب.

 

س3: نوال الغانم: النقد التشكيلي مهم في حياة الفنان التشكيلي. ويلعب دوراً أكثر أهمية في بلورة رؤية الفنان ولغته اللونية وفلسفته الجمالية والأدوات الفنية التي يستخدمها، بما ينعكس على منتجه الفني وتطوره؟.

ج3: إننا هنا في مجال النقد نفرز عن التجربة الفنية العامة، العمل الأفقي الغث، من المتجذر المتميز، لكي يصبح وثيقة على معراج الفن العربي المعاصر. ويبقى أن نتحقق من أصالة تلك الوثيقة: الهوية: الذاكرة، وقيمتها الجمالية المتميزة.. إن الأعمال التي خلفها لنا الفنانون الرواد والمحدثون، كل على معالجته وصياغته واسلوبه، تعكس تعدد أوجه وتفاصيل الواقع وحياة الناس بمجموعاتهم الكبيرة: طبقات اجتماعية تواجه واقعها اليومي المنهك، وتستمد منه دلالتها. كان الأوائل في محاولاتهم العفوية البسيطة، يرسمون البيوت الشعبية مكتظة بالجوع. ويرون الحياة بسعتها، كوة ضيقة ملونة بالحرمان. رسموا جموع العمال والفلاحين في زحمة العمل، وفي علاقاتهم مع الطبيعة ومفردات يومياتهم العادية..): كانت تلك هي اليوميات المدهشة التي يراها الناس في الواقع وفوق مسطح لوحات رسمها هواة الخطوة الأولى. وكانت على عفويتها، تبدو رائعة، معبرة عن حالات انسانية (على قلق)، كأن كل إنسان، يود مشاهدتها (لوحده). فرسومات (فترة العشرينيات لايمكن تكرارها في الستينيات) كما لايمكن تهجينها بنتاج (السبعينيات)، لأنها شديدة الإختلاف، ولكن حالة استذكارها واستعادة جوهرها وتطويرها، تصبح أكثر سهولة في التحقيق والتنفيذ مع الفنانين الاستثنائيين. فهم كلما تقدموا في العمر، اكتسبوا ثقة عالية بالنفس لا تصدق، وأصبحوا أكثر تحررا وتطورا واندفاعا نحوالتجديد بالفن العربي والاسلامي، وفي أعمالهم الفنية، يمكن ملاحظة آثار قوة الفن الصادق المنفعل بالواقع الإجتماعي، والشعور بطاقته ووضوح رؤيته، التي تبدوأكثر صدقا مما نطلق عليها (لوحات واقعية). من الذي يقوم بتوصيل هذه الرؤى للمشاهد المتلقي سوى النقد؟ ومن يقرب هذه المفاهيم، ويلغي المسافة المبهمة بين الرائي والعمل الفني، سوى النقد الفني التشكيلي. ومن الذي يفسر ويحلل ويقدر ويحدد القيمة الجمالية في حرفيات العمل الفني وفي تصاعد المضمون مع الشكل المتقدم، سوى النقد الفني التشكيلي. أي عندما نوجز (عالم الفنان) وعلاقته باللون، على أساس: (إيمانه باستقلالية القيم اللونية عن قيم (التشيزم) اللمسية المتجلية في خواص الزجاج والمعدن والمخمل والحرير والشعر والى غير ذلك. واعتداد الفنان بالقيم التشكيلية والفراغية والضوئية فقط بوصفها مجرد وظائف لخدمة اللون. وتوزيع الفنان للمساحات اللونية المتجاورة على فراغ اللوحة، بحيث تمثل كل مساحة منها احد العناصر المحددة حتى يكتمل التكوين الفني.)، وتدخل هذه الملاحظات في باب التقنية والمعالجة وقوانين العمل الفني المسبوق بشروط نقدية.

 

إن وظيفة الفن، هي (لتحقيق تأثير جمالي من نوع خاص، يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لأن له تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة، حتى لكأننا نؤخذ بجمال الألوان ورقة الخطوط والإيقاع والحركة والتماثل والتوازن والتناسق والتنافر، منفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا غرائب الكون ومنظوماته وفضائه اللانهائي.. أوتقلقنا فكرة دمار شامل سيلحق بالعالم.

 l11

 

س4: نوال الغانم: كناقد فن، لك بصمتك النقدية الواضحة. هل تعتقد أن الدراسات النقدية الفنية والقراءات النقدية بامكانها تشكيل شخصية الفنان التشكيلي؟

ج4: أيقنت اليوم تماما لماذا أريد أن أتعلم الصمت. هل لكي أكف غدا عن التعلم"؟ يسألني الاصدقاء عن السبب. – كنت بعد يومين من تعرضي لأزمة قلبية، في ما يشبه غيبوبة الموت السريرية، أو زمن الامهال وكأنني تحت التخدير تماما. وعندما كانوا يخاطبونني، فإن جزءا من المخ اللاواعي عندي هو الذي يدرك الحديث ويصبح نشطا فترمش أهداب عيني. ومع هذا فإن المنطقة التي تفهم وتتعامل مع الحديث في المنطقة الواعية تظل ساكنة. لذلك، فإن المخ يسمعنا ولكنه لا يعي ذلك. " " منذ ثلاثين عاما لم تكن لدينا أية فكرة عن كمية نشاط المخ التي تحدث بشكل لاواعي. ونحن ندرك الآن أن كمية كبيرة تحدث دون معرفتنا ولكننا نظل لا نفهم تماما طبيعة الوعي.).

 

وهكذا الفن والمتلقي.. ليس بالضرورة أن تختصر عيناه المسافة بينه وبين العمل الفني. حتى يتقرب اليه زلفى فيتأمله ويستغرقه هاجس الكشف واليقين. فيلغي رحلة التعب بين العينين والحنجرة والفم. فيكون العمل الفني شديد الوضوح للعين المدربة على قراءة الأعمال الفنية والأدبية والعلمية والموسيقية. كنت لا أعرف عن خارطة مخي وعقلي ووجداني، الا اليسير جدا. وما زلت. ان ما يحدث داخل المخ أكثر بكثير مما نعرفه، اذ يعمل على أساس الحاجة إلى المعرفة. وأنا أرسم وأكتب على اعتبار المتعة بقيم وجمالية الفن. ، ولا أفقه من عملية فسيولوجيتي أمرا يجعلني أفسر لماذا وكيف أرسم أو أكتب أوألوذ بالصمت بينهما.

 

* يحيلنا سؤالك المهم الآن. أيتها الشاعرة الرسامة المدهشة، الى ضرورة رصد بيئة الفنان وحياته ومفردات تحولاته الأسلوبية. وضرورة معرفة بيئة الناقد الفني التشكيلي، وومعرفة مكونات مسيرة الفنون عامة، لتحقيق الأهداف الثقافية المرتجاة المبتغاة في النقد الفني التشكيلي، ضمن المفهوم الاجتماعي.

 كانت جميع الدراسات النقدية الفنية والقراءات النقدية، تسعى الى عملية تقويم وتقدير للتجارب النوعية الفنية، وليس بامكانها تشكيل شخصية الفنان التشكيلي، بكل تفاصيل هذه الصياغة، وكما يرى البعض. انما قد تدفعه ملاحظات النقد الموضوعي على وفق المنهج العلمي للبحث والتقصي في تفاصيل العمل الفني وهيكله ومعماره وتصميمه وصياغاته. ومن ثم وضوح الخصوصية القيمية في مكونات الشكل العام النهائي لتلك التجربة. وسيجد الفنان نفسه منقادا الى تأمل ملاحظات النقد وتفهمها. وحينئذ تبدأ المراجعة. وسيكون بامكان النقد أن يعيد بلورة رُؤى الفنان التشكيلي. بعد كل فترة وصياغة واسلوب. ويخطأ من يرى أن طبيعة العصر وتكنولوجيته ستقصيان تجارب الفنانين عن مراحل التحولات في الاتجاهات والمدارس التشكيلية، قديمها وحديثها. ويحدث ذلك التنوع والاختلاف نتاجا لزيادة الفاعلية الابداعية التي تعني القدرة على إنتاج وإثراء(تاريخ النوع الفني التشكيلي). بتنمية النواة التوليدية للوعي التى توسع من مدارك معرفة الفنان عن نفسه، ووظيفة بنية عقله التناسلي ودوره في الحياة، ككائن (اقتصادي) وبنية عقل الفنان الخلاق في الفن والحب والإبداع والعطاء الشامل، ودوره في الحياة، واستجابته وتفاعله مع أحداث ومتغيرات العالم الانساني الأرحب. تفاعلا مع التحولات الاجتماعية والحضارية.

 ويظهر النقد الفني التشكيلي متجسدا في كل بنية من هذه البنيات متماهيا بخصائص تدرج النموالفني للفنان التشكيلي، تحيله الى مدى ارتباطه بالمجتمع وفقاً لخصائص المبدع التكوينية (الثقافية والبصرية والنفسية والفكرية والأخلاقية.). من هنا يحاول علماء النفس والأكاديميون دراسة تجارب الفناين كما حدث مع فرويد ودافنشي مثلا. وقد حاولت أن أحض أحد أساتذة علم النفس، على خوض تجربة صعبة تتعلق بسلوك الفنان وتعامله مع تجاربه الفنية، ولكن البعض الآخرحاول استخدام مقياس ستانفورد لقياس (19 أي كيو)، وأبعد آخرون تلك الفكرة أساسا في التعامل مع التشكيليين. عندما نتحدث عن الجوانب الفنية في تجاربهم لمعرفة نتائج عمره العقلي المضروب في عمره الزمني مقسما على مائة. لمعرفة درجة ذكائه. ويمكن التعامل مع هذا المقياس، غالبا ما يكون مع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. سعيا وراء اكتشاف تقريبي لدرجة ذكائهم. لتصنيف انتمائهم الى أية مرحلة تعليمية يقترح ضمهم. وحاول الدكتور الباحث قاسم حسين صالح أن يضع مقياسين متصلين من حيث النتيجة بسلوك وذكاء المبدع. وأظنها محاولة تبقى في اطارها التجريبي المدرسي للطلاب في مراحل التعليم الثانوي.

 النقد الفني التشكيلي، لابد وأن يتداخل بفضاء الفاعلية النفسي، الاجتماعي، التأريخي، الذي تنشأ فيه ظاهرات الفاعلية الإبداعية، التي تساعد على فهم واستخدام نتائج التحليل النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لمساعدة عملية النقد الفني التشكيلي، وأحيانا كثيرة، يكون المجال النقدي الفني التشكيلي أشمل وأوسع كثيرا من ذلك، عندما يعتمد على سياق العوامل الفكرية الآيدولوجية والسياسية والتاريخية. مما يؤدي انسياح التجارب الفنية في فضاء فاعلية الرمزي أوالتخيلي. مما يترتب على ذلك انتماء الفنون التشكيلية إلى فضاء الفاعلية التخيلي، الأمر الذي يجعل من مشاهدة الأعمال الفنية البصرية، بنية فاعلية جمالية تخيلية ورمزية. وهي أشمل من فضاء الفاعلية الواقعية، بل هى بنيوية، سيميائية، تفكيكية، تختلف عما ذهبت إليه (البنيوية التوليدية).

 

س5: نوال الغانم: كيف تبلورت فكرة مشروع النقد الفني التشكيلي؟

ج5: لقد كانت فكرة مشروع النقد الفني التشكيلي قد تبلورت، عندما اعتمدنا جمالية انبثقت من معنى ودلالة الواقعية الاشتراكية ومن " مفهوم الالتزام في الفن والأدب العربي الحديث" لتتوخى اعادة طرح مفهوم الالتزام من منظور إشكالي يربطه بالأسئلة القائمة التي كانت منبثقة بقوة، عند بعض مبدعينا وتجاربهم، ونقادنا وقراءآتهم، نتيجة مكابدات رحلة معرفية، استغرقت ما يزيد على قرن من الزمن. لكي تصل الينا متعبة واهنة تجاوزتها الأحداث والمتغيرات والمستجدات والتحولات وذلك بسبب عدم الوضوح الذي يطبع علاقة النقد الفني بالعمل الفني وبالقارئ تحت ضغط المشكلات الاجتماعية والسياسية وعدم المجاهرة باستقلالية الفن والأدب عن شعارات الحزب أوالرأي الواحد. لكن واقع الابداع، في نماذجه الجيدة، يشخص نوعا آخر من "الالتزام" لا تكون فيه القيمة الفنية والرؤية الذاتية أقل من المضمون ودلالاته المختلفة، دون "تجريد" الانسان الى مجموعة أفكار.. مما يتطلب قراءة جديدة تطرح رؤية حديثة عن حال وواقع المشروع النقدي الآن قياسا بما حلمت به سابقا. فكانت الكتب والمقالات والبحوث والدراسات النقدية التي أنجزتها، قد أبقت لنا الذاكرة على قيد الحياة، في وقت نشتغل فيه على خلق رؤى وتصورات متقدمة وبوسائل جديدة تضمن فاعلية وحركة النقد الفني وتحولاته وارتباطه بمجمل مستجدات ومتغيرات وواقع الفنون الجميلة كافة.. ذلك لأن الفن وحده هو القادر على المحافظة على الأرث والتراث، واغناء واغتناء الذاكرة. وتتطابق هذه الرؤية مع وظيفة الفن بما فيه الأدب، يعيد لنا لحظات حياتنا، ويثبت تجاربنا عندما نضعها في سياق المرحلة التاريخية..

 

س 6: نوال الغانم:هل هناك حركة نقدية تشكيلية؟ وما رأيك فيما يكتبه الفنانون من نقد؟‏

ج6: منذ عصر النهضة ظهرت الصراعات ضمن هذا المفهوم على أشدها بين من يكتب النقد الفني وهو فنان وبين من يكتبه وهو غير فنان، إذ هناك فارق بين كتابة الفنان الناقد الذي يعالج الموضوع من وجهة نظر تكنيكية إضافة إلى النظرة الجمالية العامة في حين يعتمد النقاد غير المتخصصين في نقد الجمال المعاصر على الهوامش النفسية والصدمات اللحظوية للأعمال الفنية وقد صدر كتاب عام 1551 للكاتب (لودفودولس) يعالج هذه المشكلة، مشكلة من يكتب النقد؟ هل هو الأديب المثقف الذي يعنى بالفن أم الفنان الناقد؟ وظهرت وجهة نظر الكاتب وكأنها جواباً لمشكلات هذا العصر، الناقد الفني ينبغي أن يعنى بالعلوم الإنسانية كافة وبمجمل التطورات الحضارية التي لا تنفصل أبداً عن الركائز التي تعنى بالعامل الثقافي من وجهة نظر النقد الظاهراني بالتخصيص. ‏

 

س7: نوال الغانم:ما هي مهمة النقد برأيك؟ وهل هناك منهج معين تعتمده في عملية التقييم الفني؟‏

ج7: مهمة الناقد تنحصر في توضيح المواقف حيث يشترط أن يكون الناقد مثقفاً واعياً للتشكلات والتتابعات الحضارية، لكي يكون شاهداً على ولادة القدرات الإبداعية في الفن. فأي عمل فني، لابد وأن يكون مسبوقا بشروط نقدية، ولكن أي نقد مشروط بقيم موضوعية أيضاً ومن هذا المنطلق آمنت بالنقد الظاهراتي، وبسبب من غياب الكوادر التي تعنى بتمييز هذه القضايا وجدت نفسي منقاداً إلى دراسة التتابعات والتشكيلات الزمنية والحضارية لتاريخ الفن، لكي أهيء نفسي للخوض في تجربة النقد الفني، ولكني لا أكون فاتراً في إبداء الرأي. وضمن ذلك الفهم ينبغي على أن أحدد نفسي في كل تجربة وفي كل فترة، إذ أن كل كلمة تقال انظر إليها وكأن مصير العالم متوقف عليها. ‏ ولإسهام الصحافة في النقد الفني المجاني، ولكون الآراء التي تطرح تساهم في تعقيد العلاقة بين العمل الفني والمشاهد،أي بين الفنان والجمهور. بات لزاماً أن يكون النقد الفني مادة أساسية في أكاديميات الفنون في كل قطر عربي بحيث يتوازى مع أي مادة علمية أخرى وليس هذا غريباً حيث كانت أول أكاديمية علمية في الفن في عصر النهضة، والتي أسسها فازاري في إيطاليا، قد اهتمت بهذا الاتجاه. وينبغي علينا لكي نكون في مستوى المسؤولية أن نحقق هذا المطلب المشروع. ‏

 كان يقابل حصار الوطن العربي والاحتلال والدمار، نوع آخر من (تخميد) المقدرة الخلاقة وعزلها قصد الغائها. وتجسدت هذه الظاهرة المزرية في المؤسسات الرسمية لمؤسسات جامعة الدول العربية الثقافية ووزارات الثقافة العربية ودوائرها الصغيرة التابعة. التي تحاول أن تهيمن وتهمش وتعزل وتحجب حقيقة الموقف الثقافي الحر غير التابع لهم، وتجزئتها الى مجموعات صغيرة متفرقة لتضعفها من بين المواقف التي لا تتفق معها على منهج أو رؤية منبتها الرسمي، وإنما لتغلق النوافذ الحرة المتنوعة الاتجاهات وبقاء الأمور معلقة بين التواصل والانقطاع في فهم الضرورات الأساسية لحقيقة المنجز الفني باعتباره إبداعا وكشفا وتجاوزا.) لتعيد انتاجها مجددا باتجاه الهيمنة على جوهرياتها الفكرية والفنية والثقافية. وقد وضعت أمامها منهج التهميش والعزل والاقصاء التي بمجموعها لاتحجب الحقيقة.

 لقد حاولت تطبيق نظرية " بليخانوف الجمالية " على مجمل انتاجي الفني أولا. وينبثق المنهج النقدي التشكيلي ضمن اسلوب الحياة الثقافية السائدة في الستينيات، وفي سياق المرحلة التاريخية بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز – يوليو- عام 1958م. عندما كنت متعاطفا للعمل مع الشيوعيين، ثم منتميا اليهم. ومتخليا عنهم بعد تعارض مواقفهم السياسية المعلنة مع توجهاتي المتحررة من ضوابط اللبرالية والتسيب وقيود أخرى.. وتشاء الظروف الشخصية أن أتعرف على نخبة من شباب حيوي في لندن يربطون تحولاتهم الفكرية باسلوب معيشتهم الجديدة.

 وتوطدت بيننا العلاقات ومن بينها تطابق المواقف السياسية. واكتشفت انهم ينتمون الى البعث. فاغرتني فكرة اكتشاف المنطلقات القومية عبرهم وتكررت المحاولة بعد انتقالي للعمل في تلفزيون البصرة، وأعدت ارتباطي الشخصي بالأديب احسان وفيق السامرائي، عندما كان يعمل محاسبا في المصرف الزراعي في مدينة العمارة. وكان بعد عقد كامل في العام 1968م قد عمل مديرا لتلفزيون البصرة. فعملت معه وقدمت البرامج الثقافية والسياسية أيضا كانت تتجلى فيها بوضوح، الأفكار والتوجهات اليسارية وقد صارحني ذات مرة بأنه يتردد بين رفاقه وضوح أفكاري اليسارية وأخبروه بانتمائي السابق الى الحزب الشيوعي. وكنت أغض الطرف عن الرد عليه لعدم الامعان بتعقيد ظروفي الشخصية أكثر مما ينبغي. ومع ذلك ظل الكاتب احسان يدعمني بقوة، فانتخبت رئيسا لجمعية التشكيليين العراقيين في البصرة لدورتين متعاقبتين، حتى انتقلت الى بغداد عام 1975م للعمل في وزارة الاعلام – مديرية الفنون العامة، ابان تشكيلها لأول مرة،عام 1971م مع الفنان القاص المبدع نزار سليم ونوري الراوي وجميل حمودي وواصلت العمل في الاذاعة والتلفزيون والصحافة واقامة المعارض الشخصية ونشر الكتب النقدية.. وحاولت مرة ثانية وبوعي آخر تطبيق " علم الجمال الماركسي على علم الجمال البعثي " في مجمل نتاجات الفنون التشكيلية والنقدية العراقية والعربية. وأصدرت كتابا بعنوان:(الفن التشكيلي المعاصر في الفكر العربي الثوري عام 1979م). ونشرت بحوثا ودراسات في ذلك التوجه، وناقشت أفكار ومنطلقات البعث عبر خطب وأدبيات القادة البعثيين أنفسهم في مقالات متسلسلة نشرتها في صفحة آفاق - جريدة الجمهورية التي كان يشرف عليها الأستاذ ماجد السامرئي. وعندما اكتشفوا عدم ارتباطي تنظيميا، وأنا أعمل في وزارة ومؤسسة اعلامية، أحلت نفسي على التقاعد عام 1987م، بعد ان حققت وجودي في المنجَزالفني والنقدي ورسمت ملامح حضوري باختياري وحريتي. وبدأت رحلة الشتاء والصيف.

 وهكذا ظننت حالي، مكتشفا ومستقلا في تفسير علم الجمال، برؤيتي الشخصية، ليتحقق بها التكوين أو الهيكل أوالتصميم الكلي للعمل الفني والأدبي بين المخيلة والتفكير والعمل السياسي بين تنظيمين متناقضين بمكوناتهما النظرية والتطبيقية. وقد مضى نصف قرن على تجربتي تلك وقد تاثرت اليوم بتنوع وتجدد القيم الجمالية والابداعية المحملة بالكثير من الافكار الحداثوية حتى بعد أن أصبحت الفلسفة لم تعد تحرضها وتقودها اليوم، لا بل راس المال. فقرأت أبجدية المشروع النقدي الآن برؤية متقدمة وبوعي جديد قياسا بما حلمت به سابقا.

 وانطلاقا من فكرة الحرية، تتجسد شراكة الفنان والكاتب والقارئ في نتائج المعطى الثقافي والفني وما لذلك من امتداد على المجتمع ومشكلاته العديدة بسبب الاحتلال، والناجمة عن خسائر الحرب واهتزاز القيم والمتغيرات الحادة.. وهذا الادراك والوعي السياسي لاحقا، هوالذي حماني من الوقوع في فخ شراء المثقفين وافسادهم، لكي يُبتعدوا عن العمل الثقافي الملتزم بقضايا المجتمع، ولكي يغيبوا الانتاج الفني الحقيقيّ. ولا تسعى وراء نوعية الانتاج الثقافي الحر التقدمي الذي نقاوم به ثقافة الغزاة في مشرق الوطن العربي ومغربه.

 

س8: نوال الغانم:هل العمل الفني، مسبوق بشروط نقدية؟.

ج8: هناك فئة من المتابعين للفنون بعامة، ولأدب النقد الفني التشكيلي بخاصة، ترى، أنه لا يمكن أن يكون ذلك " الناقد "، من الأدباء الذين لا يمتلكون خبرة فنية، بل ممن درس الفن إلى جانب الأدب، واهتم بتطور الفن المستمر.. ذلك، لأن الموقف النقدي السائد، تشيع فيه الأحكام التعميمية المجانية، والتي تورمت بشكل غير ذي بال. وساهمت الصحافة الفنية بدور بات من الصعب معه، التحقق من صحة ما يطرحه الفنان.

 هذه الملاحظة، لا تشكلها آراء متسرعة، إنما هي واقع ما يقال عن أدب النقد الفني، الذي لم يكن نقداً جماليا في ضوء النظرة العلمية المعاصرة. وكان ينبغي على الفنانين أنفسهم معارضة (ظاهرة اقتحام غير المتخصصين لميدان النقد الفني) وبسبب ذلك سادت النظرة الإجمالية السريعة التي ضاعت فيها نوعيات الأساليب الفنية وتفردها. وقد تكررت مثل هذه الأمور خلال فترات مختلفة في تاريخ الفنون الحديثة في الوطن العربي. لم يعد النقاد يكتبون عن الفنانين وحدهم، بل اصبحوا يكتبون أيضاً لمحبي الفنون. ومن الضروري تبرير ذلك التصرف على حساب تجارب المبدعين.

 ومن هنا نستذكر أهمية تساؤل الزميلة نوال الغانم الفنانة والشاعرة المبدعة عن، زمن المديح والإشادة بهذا الفنان أو ذاك، وكيف غدت اللوحة كشفاً وتحليلاً ورؤية فنية ليس في خدمة المنتج المنشيء وانما ايضاً في خدمة حقل التخصص.

 ولا يزال هناك قدر من المعارضة بين الفنانين لظاهرة اقتحام غير المتخصصين لميدان النقد لأنهم وضعوا أنفسهم بدور القاضي في مسائل الفن وانتهى ذلك إلى وجوب إعطاء المثقف غير المتخصص الحق المطلوب في القيام بهذا العمل إلا في المسائل التقنية البحتة. وتمشياً مع هذا الرأي، قلت نسبة معالجة المسائل التكتيكية التي تعالج في كتابات المؤلفين النظريين، الأحدث عهداً بصورة ملحوظة.

 وهكذا ظهرت بالتدريج نظرية جمالية (لا تكتفي بتجاهل العنصر اليدوي) بل تخص ما هو نوعي في الفنون المنفردة، وتتجه إلى تكوين نظرة عامة إلى الفن.. ومن هنا تظهر الحاجة إلى الدراسات النظرية في المعاهد والأكاديميات الفنية ووضع منهج علمي يتضمن النقد الفني وعلم الجماليات في ضوء متغيرات العصر الحديث. يخوض الناقد العلمي الحقيقي الموضوعي الصادق في مواقفه النقدية، غمار تجربة نادرة ومتعبة في أدب النقد الفني التشكيلي العربي، وهي على قلة المغامرين في بحرها، تتجلى في صعوبتها المرهقة، لتكشف عن المقدرة البحثية ومعاركة الباحث الناقد لأحراشها في شعابها وثناياها.

 وهذه التجربة ليست الأولى، فقد سبق وأن تم نشر كتاب أحزان القصب بالاتجاه ذاته عام 1978 عن الدار العربية للنشر في بغداد التي دمجت لاحقا في دائرة الشؤون الثقافية. وكذلك صدر في المسرى اياه كتاب طائر الشوف الأصفر عن المجمع الثقافي في أبوظبي عام 2000م. وقد أرفقا بلوحات وتخطيطات وصور توثيقية. وفي مجال الاهتمام بالنقد الفني التشكيلي وبالنقد الأدبي، تبلورت رؤية انسحبت على مجمل الكتب التي ذكرناها في هذا المسار، أنه يرى:

1-في النقد، هندسة حيوية للذهن): كما رأى "الخطيبي" (النقد الدائري، يقول الشيء نفسه بواسطة تطوير يعود دائما فيما هوينكشف على أعقابه، إلى نقطة انطلاقه، ويرغب في توحيد الزمن دفعة واحدة...).

 2- النقد الخطي: يتأسس هذا النقد كنظام له بالتأكيد بداية. لكن النهاية ليست مجزأة في داخلها فحسب، بل إنها مفصولة عن البداية وعن كل شيء.

3- النقد المنتظم: هوبداية مطلقة، أفقه ليس مرمى نهاية أومقصد، بل بالقياس إلى نقطة " هجومه" وقوة ضربه. إنه يبدأ بشكل ما دون نهاية" (الخطيبي) ن. م، ص 195

 هناك نقاط جوهرية أخرى على هيئة أسئلة، منها: من يحدد حضورنا؟ ماقيمة وجودنا في التاريخ بصفته ممارسة نقدية لما يحدد وجودنا هنا والآن؟). وإذا حررنا مشكلة التاريخ: فمعنى ذلك أننا سنزعزع دعائم النظام المسيطر للمعرفة الحالية: " (سوسيولوجيا العالم العربي (مواقف) " في: النقد المزدوج، ترجمة) دار العودة، بيروت 1980، ص163- ص164.

 

 يتحدث الخطيبي عن نقد مزدوج، مهمته الاستراتيجية:

1- تقليص المفهومية الميتافيزيقية الناتجة عن المصدرين: المصدر الغربي، ومصدر الثقافة العربية.

2- أن نعيد التفكير في مقومات وإيجابية العلوم الاجتماعية الرائجة على ضوء إدراك مختلف للتاريخ. (" العلم والتقنية والفلسفة " مداخلة في الجمع التأسيسي للجمعية الفلسفية المغربية 1995. : مجلة مدارات فلسفية، العدد الأول 1998، ص 8.).

 هكذا نتفاجأ بجمالية منهجية النقد التشكيلي القيمية، وخصوصيته، وتميزها عن سائر المحاولات النقدية التشكيلية والأدبية الأخرى. ونحن نتابع المداخل وتحولاته عبرها في مختلف الفعاليات والأنشطة الثقافية والنتاجات الابداعية. وهويسعى الى الربط بين مفاصل تجربته وحضارته الشخصية في الفن والأدب.

 إن الذوق الفني لا يولد مع الإنسان، إنما ينغرس فيه ويتطور ويتكامل مع الزمن وحسب ارتباط حياة الإنسان بالتجربة التشكيلية.. وكثير من الناس، لا يتحمس لبعض المظاهر الفنية، أو انهم لا يتذوقون بعض الأعمال الفنية الأخرى، لأن التذوق والتحسس لفن من الفنون يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعوامل النفسية وبالتهيؤ الثقافي والخلقي للفرد وبالعوامل الاقتصادية أيضاً.

 من هنا تأتي جسامة المسؤولية التي تقع على عاتق الذين يكتبون في مجال الفن.. كما إن هناك مسؤولية إضافية في مجال البحث الفني، ينبغي الانتباه إليها.. فهل هم نقدة لإعمالهم الفنية أيضا؟ انهم يولدون مجددا مع كل تجربة في الفن، ولكن تجبرهم وسائل التعبيرالأخرى التي يطاولون بها أنفسهم والآخرين، وتجبرهم الحياة معاً على ولادة أنفسهم ثانيةً، ولمرات عديدة، عبر وسيلة اتصال أخرى، هي الكتابة في الفن أو النقد الفني.. وهي مصيدة سعادة يستحيل عليهما الفرار منها أمام مرآة أنفسهما.. لكن الشيء الوحيد الذي يمكنهما أن يقدموه إلى الآخرين، هومحاولة توصيل ما يطرحه الفنانون من تجارب، تحولت بفعل الشوق والحنين، إلى التعبير عن واقع فني لن يصير كهلاً أبداً وتلك هي روح الإبداع في العمل الخلاق.

 الآن. ماالذي ستفعله معرفتنا بتاريخ الفنون وبقيم النقد الفني التشكيلي، من أجل أن يؤدي دوره وغرضه وقيمته الجمالية والوظيفية، وبالصورة الموجزة، لكي يحتل مكانته اللائقة في الوطن العربي؟ وهل استطاع الفنانون أن يقتنعوا ويقدروا ويؤمنوا بأن الفن يحمل في تضاعيفه وتفاسيره، معاني العلم، ومعاني حقائق التقدم والإرتقاء؟. سيكون الجواب إيجابيا، إذا سعت جهود المبدعين في هذه المرحلة، إلى التميز بوحدة الأنشطة الإنسانية لبلورة الهوية الحقيقية، وبلوغ ما يمكنهم استشرافه وتحقيقه، من مجد، ليجعلوا من تجربتهم الراهنة في الفنون المعاصرة القائمة، (فنا إنسانيا شاملا في المستقبل).

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-04-24 08:57:25.