تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (4)

s9خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمهُ من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الفنانة التشكيلية والشاعرة: نوال الغانم.

 

س38: نوال الغانم: كثيراً ما يجد الفنان التشكيلي أن اللوحة بعد أن يفرغ من وضع لمساته الأخيرة عليها تتأمله قبل أن يسبقها بالتأمل، تخترقه وكأن عينه لاتصدق ما ترى، تحاوره: انا التي لازمتك مذ بدأتَ بشق مجرى الوانك في خاصرتي، ثم قمت بتوسيع ذلك المجرى بصبرٍ وأناة... وقاومت قساوة وتمرد الخامة والفرشاة والألوان لكي أكون صورتك التي تشبهكَ تماماً.

*في أي من اللوحات التي رسمتها أكتشفت أنها تمثل روحك الشخصية تمثيلاً حقيقياً، حتى أنك تجدها عالقة في ذاكرتك من غير فكاكْ؟

ج38: مجموعة لوحات الحرب والسلام التي بداتها في العام 1975. مجموعة لوحات تجربتي تقودني الى عالم الفلاحين. ومجموعة لوحات(أنا والمرأة والتاريخ).

 

س39: نوال الغانم: كان الشاعر الروماني هوراس من ثلاثين عاماً قبل الميلاد.... يقول:"أن الشعر رسم ناطق والرسم شعر اخرس"

ج39: كان الشاعر العربي الكبير محمد القيسي، قد انفرد من بين شعراء الحداثة بإنجاز سير ذاتي متميّز. تمثّل بمجموعة من الكتب (السير ذاتية) التي تتنوّع في نظمها وأشكالها، من السيرة الذاتية الشعرية، إلى السيرة الذاتية، والسيرة الذاتية الثقافية والفكرية، وانتهاء بالرواية السير ذاتية، وهو إنجاز شديد الأهمية يوازي إنجازه الشعري المهم أيضاً. يختلف الشاعر الرائع محمد القيسي في صياغة سيرة تجربته الشعرية عن زملائه من شعراء الحداثة العربية، الذين مارسوا هذا النوع الخاص من الكتابة، سواء على مستوى "العنوان" أم على مستوى الفعل الكتابي في المتن.

 

ففي العنوان انفرد القيسي بشطره على شطرين، الأول رمزي "الموقد واللهب" والثاني نوعي "حياتي في القصيدة"، وجعلهما طرفين في معادلة شعرية رياضية، إذ يقابل "الموقد" في الشطر الأول "حياتي" في الشطر الثاني، كما يقابل "اللهب" في الشطر الأول "القصيدة" في الشطر الثاني، ولفرط التداخل الذي لمسناه في المتن الكتابي يمكن في مستوى تأويلي آخر وضع.

الموقد" مقابلاً لـ"القصيدة" و"اللهب" مقابلاً لـ"حياتي".

 

س40: نوال الغانم:عندما يقرأ الفنان والأديب شوكت الربيعي نصاً شعرياً معاصراً، غنيّاً باللوحات الفكرية والصور التعبيرية. هل تستفزه تلك اللوحات الفكرية وتحفزه، الى محاولة تخيّل تلك الصور ومسك الورقة والقلم والشروع في رسم تخطيطات لصورة مقاربة وِلِدَت تحت هذا المؤثر في ذاكرته. ونفذها على الورقة مباشرة او حتى ولو بعد حين؟

ج40: عندما أقرأ نصاً شعرياً معاصراً، غنيّا باللوحات الفكرية والصور التعبيرية، فان ذلك (يضاعف طاقة الإثارة المحتملة في الدخول إلى منازل الفن) وولوج عوالم بايحاءات تستنهض العمل الفني الذي كان خامدا في الأعماق.

 

س41: نوال الغانم:العلاقة مابين الرمز والطبيعة عند الرسام علاقة مترابطة. وهي فضاء جمالي حسي متكامل يعبر عنه بالألوان ضمن مديات وحدود ورؤى لا نهاية لها؟.

ج41: كانت اللوحات التي رسمتها والتخطيطات التي أنشأتها والحروف التي كتبتها بأبجدية عربية واسلامية واممية انسانية، قد أنجزت بهاجس مسمى (الرمز- الأمل). وهذا الأجوبة التي بين يدي الشاعرة والرسامة الرائعة نوال الغانم، وأمام أنظار قراء المثقف، قد تم تشييد معمارها أيضا بوهم الرمز والأمل المتخيل، الذي جعلنا نحمل / القوة والضعف / العزيمة والارادة بصورهما المتناقضة / الإدعاء بالكبرياء والشموخ والزهو/ مقابل الخديعة والانهزامية / في عالم (تتبوأه) الفوضى والعنف والحروب والدمار والشراهة والكذب والاعجاب بالذات. عالم تضمر فيه مبادئ النزاهة الفكرية والحياتية.. ولكنه أيضا، المسمى الأخضر الرقيق المحبب الذي اخترعناه لتبرير مخاوفنا من المجهول وهو الرمز الوحيد الذي لا يفقد بريقه في نفوس الضعفاء ولا يخسر مكانته المرموقة أمام أحداث العالم القائمة التي تنذر بالفناء، وتقربنا إلى دمار الأرض، وتهدد الحياة خلال الثمانين سنة القابلة، الحبلى بالمآسي ودنو الفاجعة بنهاية البشر على كوكبنا الأزرق.

 

من هنا تجدنا متعلقين بأطراف غيمة الأمل المغادرة. إذ تلوح الكتابة عني (أنا الآخر) بلغة تفيض بالعاطفة النبيلة وبالشغف المدهش". لابد أن " تتفجر ينابيع الحب في بيادر القمح وطلع النخل وعلى ذرى جبال ووديان ومفازات الروح وفوق مسطحات مياه أهوار وسهول وأغوار بلادي "، لم أكن ساعيا أبدا لا إلى اعتراف الوسط التشكيلي والأدبي، ولا إلى نيل جوائز المؤسسات ولا أن يكون لي جمهور مخدّر بعقاقير الأسماء. فالفن (عين عفوية الإنسان الملازمة، يحركها منطق داخلي صارم تتجلى صورا ابداعية ليس العقل هو الذي يرسمها بقدر ما تفضي هذه الصور بالعقل إلى قبولها وبالتالي تحريره من العقلنة المفروضة عليه).. (إذا فأنا الانسان / "كل الرماح تُصيبُني / وتعيدُ أسمائي إليّ/ وتُعيدني منكم إليّْ / وأنا القتيلُ القاتلُ". وأنا الذي اجتذبَ المنية طرفُهُ فمن المطالبُ والقتيلُ القاتِل.) متى يا تُرى صارت حياة الوطن فصلاً من حكاية أخلاقية استعمارية جديدة خاصة إلا بالاحتلال وبدعاوى الديمقراطية والحرية والاستقلال؟

 

س42: نوال الغانم:يقول بول فاليري ان الموسيقى تعلمنا كيف نقيس فترات صمتنا.

*كيف يقيس الفنان شوكت الربيعي فترات صمته؟

ج42: ما ندعوها بفترات الصمت. هي ليست كذلك. انها استمرار لحركة الحكي والقول والفعل. كأن أخاطب نفسي خلسة: غرقت في الألوان.. امتلأت أعماقي وعيناي ووجداني وفؤادي بالألوان. فمن أية الطرق نأتي الى تفاصيل ذاكرتي في مملكة الأحزان.. في الأهوار أو في المدينة؟ وهل يندرج حب الصحافة والنقد الفني التشكيلي ضمن تلك البدايات. هذا حديث الروح لنطف لوحات يشفي، فيكون فعلا في الصمت وانجازا لاحقا في الرسم.

 

س43: نوال الغانم: هل يقوم الفنان بإستحضار الشخصيات التي تبتكرها وتبتدعها مخيلته؟ ويمثلها ويجسدها في لوحاته ببعثها من جديد من زواياها المشرقة والمظلمة معاً او بشكلٍ منفردٍ؟

ج 43: تدهشني مشاهدة الناس الذين أريد التعبير عنهم وهم في حركات مختلفة رائعة، أراهم في كل مكان وفي كل لحظة؟ كان أبي يسألني: من علمك الرسم والحكي الحلو الجميل يا ولدي؟ فقلت له (الناس يا أبي) أنتم أهلي في البيت. والأولاد في المدرسة، والناس في السوق والمقهى والمسجد والدنيا. هؤلاء هم أبطال لوحاتي. لهذا لا أحتاج أبدا الى مخيلتي لكي استحضر منهم من أشاء. فالمجتمع، كنزي الحقيقي وينبوع ابداعي في أعمالي الفنية والأدبية..

 

س44: نوال الغانم: أيٍّ من لوحاتك مثلت هذا الإستحضار؟

ج 44: اولاً – اسأليني: هل رسمت دون الناس وتفاصيل الوطن؟ وبامكانكِ أن تتاملي قسماً من اللوحات منها معروضا في صحيفة المثقف الآن والفيسبوك– وفي موقع بلاكسو وموقع الياهو وكووكل - موقع الفنان العراقي... ومواقع كثيرة جدا. سترين البيئة العراقية وتشتمين عطر تراب العراق، وتشربين من زلال دجلة والفرات.

ثانياً: (ومن لوحاتنا التي مثلت هذا الإستحضار، مجموعة لوحات الحرب والسلام) ومجموعة لوحات (أنا والمرأة والتاريخ). ومجموعة لوحات (تجربتي تقودني الى عالم الفلاحين).

 

س45: نوال الغانم: القلق الوجودي شغل البشرية على مر العصور والحقب الزمنية. وعند الفنان يزداد هذا القلق كلما هرب من الموضوعية الى عوالم أُخرى مختلفة.

* هل يأكل القلق الوجودي من جرف الفنان؟

ج45: ولكنه نوع شديد الحساسية، يعمق أفق انشغالاته.

 

س 46: نوال الغانم:هل لعبت التكنولوجيا دورها الكبير في تدجين الحواس البشرية وإعادة أدلجتها؟

ج46: نعم لعبت التكنولوجيا دورا مهما، ولكن ليس في تدجين الحواس البشرية. وربما أدلجة جانب منها.

 

س47: نوال الغانم: هل كانت لوحات الحرب والسلام وأحزان القصب وضحايا الحرية. تمثل انسانية شوكت الربيعي بكل ماتحمله من سيمائيات ورؤى؟ ام هي صرخته؟

ج47: نعم تمثل جانبا واحدا من المعاناة والعذابات والحب والاخلاص والانتماء الى المجتمع انتماءً حميمياً.

 

س48: نوال الغانم: للأرض والطين رائحة. متى تشتم عين الفنان شوكت الربيعي رائحة الأرض والطين وترتوي بالألوان؟.

ج48: نعم دونت تلك المحبة في كتبي: أحزان القصب، طائر الشوف الأصفر وكتاب الأمل. وكتاب أجنحة وجذور. وفي لوحاتي المعروضة على جدران متحف صحيفة المثقف الافتراضي.

 

س49: نوال الغانم: يعطي الفنان شوكت الربيعي أهمية للسطوح التصويرية، ويعمد إلى خلق ملمس بارز يوحي الى بروز سيمائيات منتجه الفني التشكيلي؟ إذا كان الجواب نعم. لماذا؟

ج49: 1: كنت قد استخدمت بعض المواد التلصيقية، الخشب والبنل والسلاك والرمل والكلس وهي تنتمي الى عوام ومناخات تقنية تختلف عما ألفناه في الألوان الزيتية والكرليك والمائية، في تنفيذ عدد من اللوحات عندما كنت في العمارة والبصرة وبغداد للفترة من 1968- 1964 كنت في سنوات ذلك العقد الموار بالفعل والانتاج والحماسة، والشعور العميق بالمتعة. ونحن نستخدم تلك المواد المختلفة على مسطح اللوحة وغالبا ماتكون على الخشب.

 

ج49: 2: الضوء والشكل المعاكس عن الضوء وتحديد مصدره ونوعه، ومدى تأثيره على اللون وموجاته التى تأتى للعين بفعل الضوء وحجمه وقوته ولونه وإن كان طبيعياً أم صناعياً، فالضوء فى أعمال الفنانين ضوء آتٍ من السماء المفتوحة بفعل أشعة الشمس الضاربة فى كافة أنحائه وانتمت معظم أعماله الفنية إلى فنون المنظر والوجه بأسلوبه التأثيرى، لذا كان للضوء فى أعماله محورُ أساسىُ فى صياغته ومعالجاته اللونية لاعتماد هذا الاتجاه فى المقام الأول على تأثير الضوء المتغير والمتحرك فى الطبيعة، حقق رسم مساحة السماء المفتوحة بجمالية خصبة تاركاً للخيال أبعاده، والضوء الحانى على المياه المنبسطة والتى تكاد تعكس كل شىء فى كونياتها بفعل سكون الرياح ليجعلها سطحاً زئبقياً عاكساً حالماً، ويضيف بعداً وعمقاً يستدعى فينا الخيال والبهجة عندما نشاهد السماء والسحب والأشجار والمراكب الشراعية، كلها معكوسة بفعل السطح الأملس الساكن للمياه،.. وكل حالة من هذه الحالات تحدث تأثيرات جمالية تثير دهشة الفنانين وولعهم بهذا التنوع المتحرك والمتزامن مع حركة الضوء وقوته وضعفه، تتفاعل من خلالهما درجات عليا من الشفافية الروحية والعمق الذهنى، وعندما يتلاقى سطح الماء الذهبى تتلألأ الروح وتتنامى الحياة وتتألق الذاكرة البصرية..

 

س50: نوال الغانم: هل تحتل وظيفة الفن مكانا في نطاق العلم أكثر مما تحتله في نطاق الفن؟

ج50: إن وظيفة الفن الوحيدة، تحتل مكانا في نطاق العلم أكثر مما تحتله في نطاق الفن. لتكوين مدرك للفن كجزء من العملية العضوية للتطور البشري. مما يقودنا الى السؤال عن ماهية الفن. اذا اعتبرناه ليس مجرد أشياء. فهو كائن في كل ما نصنعه لإمتاع حواسنا،. لأن هناك عنصرا جماليا في عملية الإدراك ذاتها.

 

س51: نوال الغانم: لماذا السؤال عن تعريف الفن، وعن ماهيته، ومعنى الشكل في الفن، وهدف الفن وغايته؟

ج51: هل لأن الفن ليس مجرد أشياء توجد في المتاحف وفي معارض الفن والمدن القديمة.. أم هل أن تعريفنا للفن الموجود، هو كائن في كل ما نصنعه لإمتاع حواسنا (هل لأن هناك عنصرا جماليا في عملية الإدراك ذاتها. أم ان الحواس عامة بين البشر وقابلة لشتى أنواع التأثيرات، كما أنها متشابكة بعضها مع البعض الآخر، فنقول أن الثلج يتشكل فوق البحيرة وان قطرات الندى تتشكل فوق غصن الشجرة وهكذا نجد أن المعنى الحقيقي لكلمة شكل أو هيئة هو اتخاذ شكل أو هيئة معينة. وهذا هو معنى الشكل في الفن ولا فرق بين البناء المعماري أو التمثال أو الصورة أو القصيدة أو المعزوفة فجميع هذه الأشياء تتخذ شكلا معينا خاصة.

وهذا هو شكل أو هيئة العمل الفني الذي اعتقد به هربرت ريد. ولكنه ليس المعنى المتكامل المتطور مع ضرورة التحولات الحضارية التي طرأت على العقل والبدن والذهن واليد والمشاعر والعواطف في المرحلة الراهنة،.. وكان يظن البعض من المجتهدين بالتنظير للفن، بأن الشكل، في حقيقة الأمر، لا يمكن إدراكه إلا باعتباره لونا، ولا يمكن الفصل بين ما نراه كشكل وما نراه كلون، لأن اللون هو تفاعل يحدث بين شكل من الأشكال وبين الأشعة الضوئية الساقطة عليه. والتي بها نرى الشكل. وما اللون إلا المظهر الخارجي للشكل، ومع ذلك فإن للون دورا هاما يلعبه في الفن، لأن له تأثيرا مباشرا على حواسنا.

ان التنوع في المجال اللوني يتمشى مع التنوع في انفعالاتنا، فاللون الأحمر يتمشى مع انفعال الغضب، واللون الأزرق يتمشى مع انفعال الشوق، هناك تفسير فسيولوجي لهذا التوازن بين الألوان والإنفعالات. إذ أن عدد الموجات أو الأشعة الضوئية الساقطة على شبكة العين هو الذي يقرر ما نحس به من متعة أو ضيق وهذا هو الجانب الفسيولوجي للون، إلا أن للون جوانبه السيكولوجية أيضا. وثمة من يفضل الوانا على ألوان أخرى، لأنه يربطها بما يجب أو بما لا يجب بوجه عام فمن الناس من يحب اللون الأخضر لارتباطه بفصل الربيع ومنهم من يحب اللون الأزرق لأنه يذكرهم بزرقة السماء في منطقة معينة ومنهم من يكره اللون الأحمر لأنه مرتبط في أذهانهم بالخطر أو الثيران المجنونة. وقد يكون الإحساس بالسرور أو الضيق جذور في اللاشعور وهي جزء من التكوين المزاجي لكل فرد).

وينبغي في دراسة الالوان في العمل الفني، أن نذكر حقيقتين:

الأولى: أن أداة التسجيل: التي هي العين البشرية وما يتصل بها من جهاز عصبي تختلف من حيث الكفاية من شخص إلى آخر بنفس الطريقة التي تختلف بها أجهزة الاستقبال اللاسلكية من حيث الكفاية فيما بينها.

والحقيقة الثانية: هي انه عندما نستخدم اللون لتصوير شيء ما، أي لإعطاء محاكاة تصويرية له يجد الفنان أن للون خصائص بصرية معينة يمكن استخدامها للتعبير عن الفراغ وبذلك يمكن التعبير عن الشكل ذي الأبعاد الثلاثة فاللون الأحمر مثلا يبدو بارزا عن سطح اللوحة، كما يبدواللون الأزرق وكأنه غائر فيها. ولكننا نعالج الخصائص العامة للعمل الفني.

(وهناك: مبدأ الشكل، وهو مشتق في رأينا من العالم العضوي، ومن الجانب الموضوعي العام لجميع الأعمال الفنية..

أما المبدأ الثاني، فهو مبدأ الإبداع الذي يختص به عقل الإنسان ويدفعه إلى ابتكار وتذوق ابتكار الرموز والأخيلة والأساطير التي تتخذ لنفسها وجودا عاما. أما الإبتكار فهو وظيفة من وظائف التخيل. غير أن للفن جوانب اخرى بيولوجية واجتماعية لا يمكن لنا أن نقلل من أهميتها. ونعتقد بأن للحياة ذاتها جمالية في منابعها الجوهرية والخفية، اذ أنها ناتجة عن تجسيد الطاقة في شكل لا يكون ماديا فحسب، بل جماليا أيضا. وهذا هو المبدأ الشكلي الذي نلحظه في تطور الكون ذاته.. ولا يقل عالم الطبيعة عن عالم الجمال استعدادا في تقبل نظرة إلى الكون ترى أن التباعد بين الخبرة الجمالية وما وراء الجمالية وبين الخبرة العلمية وما وراء العملية هو، أساسا، تباعد بين ما هو قابل للقياس وما هو غير قابل له. وما بين الملموس وغير الملموس– المرجع - اسم الكتاب: تعريف مفهوم الفن - المؤلف: هربرت ريد - مركز الشارقة للإبداع الفكري- مكتبة الفنون التشكيلية)-. وفي نطاق تعريف الفن: ان هناك تصنيفات عدة للفنون تقوم على ثلاثة افتراضات أساسية:

1- ان هناك منظومة محددة للفنون جمعاء.

2- ان هناك تفرقة واجبة بين الفنون والحرف والعلوم.

3- ان الفنون تتميز بأنها تبحث عن الجمال وتحاول أن تصل إليه. وكذلك ان الفن يشتمل على كل الأنظمة أو المجالات الإبداعية مثل: الشعر والدراما والموسيقا والرقص والفنون البصرية وتشمل الفنون البصرية على كل النشاطات الإبداعية التي تسعى إلى توصيل رسالتها - أيا كانت - من خلال مخاطبة اشكال فنية أساسا، كما أنه يمكن تقسيم الفنون البصرية إلى ثلاثة فئات رئيسية وهي: التصوير والنحت والعمارة وبالطبع يمكن تقسيم كل فئة من الفئات الأخيرة إلى أنواع فرعية أكثر تحديدا.

 

س52: نوال الغانم: الموروث العراقي زاخر بالمنحوتات الضخمة ومنها نحت الرليف والباروو المدور، وبخاصة في ميراث الحضارة السومرية والبابلية والآشورية، مروراً برسومات الفنان العراقي العبقري الواسطي؟.

ج52: نعم. كان التأثير عميقا جدا. ولكن تاثير البيئة العراقية والانسان العراقي هو الأعمق والمتلازم مع مراحل عملي كافة. وقد أخذت عن ميزات الأدب البابلي، عنصر التكرار، كما في لوحات الحرب والسلام. ولوحات أنا والمرأة والتاريخ ولوحات (تجربتي تقودني الى عالم الفلاحين). وتبلور عنصر التكرار ظهر أيضا في معالجة الشكل العام وتفاصيله. وموتيفاته التي اشارت الى التكرار الذي كان يشكل (لازمة)، على طريقة سورة الرحمن في القرآن الكريم التي تتكرر فيها اللازمة: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). ونرى أن للتكرار وظيفة جوهرية تتمثل في اظهاره لِبنيَة الفكرة: الحرب والسلام) فالتكرار يمس بنية المضمون والشكل أيضا في العمل الفني. والفكرة الكلية، ويوازيها. وقد تتولد عنها المتعة، والأمثلة الاثنوغرافية وفيرة: ايقاعات لونية تحكم حركة الشكل، موسيقا برذم متغير- مع التكرار البسيط الخفيف الذي يأخذنا، إلى – مشهد متعة.

 l13

 

س53: نوال الغانم: هل تعطينا نبذة تاريخية عن المراحل التاريخية للفن العراقي القديم، وعن الحركة التشكيلية في العراقي؟‏

ج53: باختصار شديد جدا. أشير الى كتابي (مقدمة في تاريخ الفن العراقي) الذي صدر عام 1971 عن وزارة الثقافة والاعلام – وطبع في مطابع الرابطة. التي سميت لاحقا بدار الحرية للطباعة والنشر. في زمن العلامة الراحل عبد الحميد العلوجي كان مديرا عاما للثقافة وكان الوزير هو المرحوم الأديب عبد الله سلوم السامرائي وخبير الكتاب كان الدكتور عالم الاثار القدير بهنام أبو الصوف، كنا نتحدث فيه عن المتراكمات التاريخية للفن العراقي منذ منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ولغاية الأربعينيات من القرن العشرين حيث ظهرت عبر السير والتشكيلات، حضارات سادت وبادت، ولكنها خلدت في شهوديتها الحضارية والانسانية وكانت تحمل مميزات خاصة – كالفنون- (السومرية). كان لها مواصفات متميزة في حين ظهر في فترة ماندعوه اليوم (بالدور البابلي الأول) سمات مرتكزة على الفن السومري، لكنها اتخذت طابعاً خاصاً، وجاءت سمات الفن الآشوري ذات نكهة واضحة انفردت عن ملامح الفنون السابقة مع أنها اعتمدت عليها، وحينما جاءت الحضارة العربية كانت وليد تزاوج الفنون القديمة كالبيزنطية والفارسية والهيلينستلية. وعندما حل العهد العربي الإسلامي توضحت سمات متميزة للفن العربي الإسلامي وخاصة في القرن الثاني عشر والثالث عشر، وأشهر أعمال هذه المدرسة في أعمال (يحيى محمود الواسطي) الذي اهتم برسم صور لمقامات الحريري وكان يصور الأقاصيص والأحاديث السيسيولوجية بنكهة ذات سمات عربية سواء باللون أو الخط، وكان يزوق أغلفة الكتب بألوان شرقية ساحرة. ‏

وقد مرت فترة نكوص مظلمة في تاريخ العرب وذلك في عهد آخر الخلفاء الضعفاء (العباسيين) وإلى حد سيطرة المغول ومحاولة تتريك العرب لطمس معالمهم. وجاء العهد العثماني، وواجه فكرة الحرب عليه واحتلال المناطق العربية وتقسيم مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا، وانعقاد مؤتمر بال عام 1879 والبدء في تكوين ما يسمى بإسرائيل في فلسطين. كل هذه الظروف مجتمعة أبعدت الستار الحضاري عن العرب وجعلتهم في معزل عن بعث القيم الحضارية، إلا أنه ابتداءً من مطلع العشرينات حدثت ثورات شعبية في مصر وسورية والعراق استطاعت أن تلهب المشاعر القومية وترفض التجزئة القطرية وتطالب بتوحيد الأمة العربية، وهناك نقطة مهمة وهي الرصد المكثف للواقع الذي ينبغي أن يرصد في تلك الفترة وهو فقدان الفكر القيادي للأمة العربية.

كانت هناك نزعات وآمال في صفوف الشباب لإيجاد فكر واضح يقود الجماهير ويحقق موقفها الواحد. بالنسبة للعراق بعد ثورة 1920 (ثورة الفلاحين) نزعة قومية نقية يقودها الشعراء ورجال الدين الأنقياء وبعض التشكيليين استمرت لغاية دخول العراق عصبة الأمم عام 1931، بعد ذلك وفي عام 1938 أرسل أول وفد للفن في العراق لدراسة الفن في أوروبا وصدر كتاب مبادئ فن الرسم وأقيم أول معرض تجاري وفني في بغداد ثم تشكلت أول جمعية فنية عام 1941 تسمى (جمعية أصدقاء الفن) وكانت مجموعة من النخبة الشباب تؤمن ببعث الوعي القومي على ضوء ردود الفعل لتشكيل الأحزاب الوطنية في العراق عام 1934 ولغاية تشكيل أول نواة لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1948 ومحاولة تجميع طلائع المثقفين من العمال والفلاحين والعسكريين الثوريين والطلبة والفنانين. ‏

عبر هذا التكثيف في المسيرة التاريخية كان يحدث في شمال أفريقيا في مصر وليبيا وتونس واليمن وسورية والعراق، وفوق كل بقعة عربية صراعات محتدمة غايتها توحيد المشاعر القومية من أجل مجتمع عربي موحد والهدف الأول هو تحرير سياسي واقتصادي عبر شتى وسائل أشكال التعبير الفني. وتشكلت عام 1939 جماعات فنية كانت ضد التخلف والقهر والعبودية. وفي الخمسينات ظهر الصراع الاجتماعي في أوجه بحيث بات دور الفنان في المجتمع أساسياً، وكان لزاماً عليه أن يكون مخلصاً إزاء موقفه الواضح في أن يتصعد المضمون مع الشكل لتحقيق الموقف الاجتماعي للفن والذي ينبغي أن لا ينفصل عن سائر مسببات الوضع الاقتصادي جدلياً. وبعد عام 1968 تشكلت أول مديرية عامة للفنون التشكيلية وسن أول قانون لنقابة الفنانين (بحيث بات من المؤكد أن يسمى عصر الازدهار) إضافة إلى وجود جمعية التشكيليين العراقيين 1956 والتي احتضنت ودفعت مادياً ومعنوياً وجماعة الرواد عام 1950 وجماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 وجماعة الانطباعيين عام 1954.. إلخ. ‏

 

س54: نوال الغانم: ماهي السمات القومية المحركة للحركات التشكيلية العربية المعاصرة؟‏

ج54: حاول بعض الفنانين العراقيين إيجاد خلاصة واضحة عن إمكانية الربط بين تراث وادي الرافدين الثقافي والفني، وبين موضوع التراث القومي والمعاصرة وطرحت جماعة بغداد للفن الحديث التي كان يرأسها الفنان المرحوم جواد سليم إمكانية إيجاد الجو التراثي المرتبط بالواقع من وجهة نظر عصرية وهي محاولة تبريرية لإيجاد الروح العربية لما هو موجود أساساً في التاريخ العربي الاسلامي، وبخاصة الخصائص الاجتماعية والفنية في رسوم يحيى بن محمود الواسطي التي دعيت بالمدرسة البغدادية لفن التصوير وبين طبيعة العصر التكنولوجية وكان يدعو على الدوام لإيجاد خلاصات مكثفة من خلفيات لها ارتباطاً وثيقاً بالتراث الحضاري للأمة العربية التي تنزع إلى الفهم العصري للعالم متشكلة مع أحداثه وتطلعاته فانهيار بنك في أمريكا أو تدمير مرصد في طوكيو أو انتصار فيتنامي أو تحرير جزء في موزانبيق أو أرتيريا هو بالنتيجة بمثابة انتصار للإنسان العربي من أجل تحرير كامل أرضه وهذا المبدأ اعتمده أغلب المثقفين في العراق بروح أكثر إنسانية وأكثر وعياً لمشكلات العصر ومهماته ومفاهيمه ومن حق الإنسان العربي أن يكون إنسان حضارة القرون الآتية لأنه يملك رصيداً تاريخياً عظيماً يطاول فيه ضمن معارج الفن خيوط المستقبل. ‏ والفنانون في العراق يؤمنون بأن يكون الشكل الفني لديهم والتحقيق التقني في المستوى المتقدم موازياً للمضمون الملتزم بقضايا الأمة العربية.

 

س55: نوال الغانم: ونحن عندما نستعرض الواقع التاريخي التشكيلي للرواد، نلاحظ بأن معظمهم قد بدأ بتشكيل هويته بالاعتماد على مدرسة أوروبية معينة واستمر طوال حياته كذلك (من بدأ انطباعياً انتهى انطباعياً ومن بدأ كلاسيكياً انتهى كذلك) وافتقد عملية البحث والتجديد وأصبح ظاهرة خاصة وقفت عند حدود التجربة شكلاً وأحياناً موضوعاً ما رأيك في ذلك؟‏

ج55: منذ جيل الأوائل من الرسامين، ومنهم: عبد القادر رسام وسليم علي (والد جواد سليم) وشوكت الخفاف والقيمقجي ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ ومع أنهم اعتمدوا على مدرسة استانبول والانطباعية إلا أنهم عكسوا البيئة العراقية بتحقيق كلاسيكي مبسط ربما تسمية الفنانين التسجيليين، تفي بالغرض.

إنها في الحقيقة فترة حرجة ضمن بوابات الحرب العالمية الأولى المظلمة، التي دخل فيها الجيش الإنكليزي العراق بحجة التحرير لا الاستعمار، وكانت رسوم بعض الفنانين، واقعية تميل الى رسم الطبيعة بذاتها في التقنية الفنية، وليس نمطياً في تحديد الأسلوب، إلا أن تجربة الرسام الواحد فيهم، كانت تمس الوعي الاجتماعي بدرجة أقل مما كان يحدث في الشعر والمسرح. وحينما سافر شباب متنور من الرسامين والنحاتين العراقيين إلى باريس وروما ولندن وموسكو والصين وامريكا، عادوا وهم يعكسون ما أخذوا عن منابع دراستهم من اتجاهات أسلوبية في الفن ولكن البعض منهم اعتمدً على ثقافته الخاصة وإدراكه وحسه حاول أن يزيح عن أنيته خرقة ما أخذه من المفاهيم الأوروبية كالفنانين: فائق حسن مؤسس فرع الرسم في معهد الفنون الجميلة عام 1939وجواد سليم مؤسس فرع النحت في معهد الفنون الجميلة1941.

القضية هنا هي وجود الموقف الفني، وإن غياب أي موقف ضمن أي عمل فني يعتبر بمثابة فقدان للهوية وهكذا بدأت المشكلة في أن يكون هناك فن متميز في العراق أو لا يكون ومن هنا بدأت أيضاً قضية التراث والمعاصرة وبدأت القضايا الوطنية والقومية تطرح نفسها بشكل ملح ضمن الرؤية السياسية للواقع العربي آنذاك، ولكن طرح السؤال يبدومرهقاً لو استثنينا بعض المحاولات التي كانت تعنى حقيقة بالموقف الواضح المتشكل مع أحداث الأمة العربية وقضايا الإنسان بشكل عام، والرواد كما ذكرت حقيقة قد اعتمدوا الشكل الأوربي في المعالجة الجمالية ولكنهم حاولوا أن يخرجوا بموضوع عراقي أو عربي لم يعتمد مقوماته القومية والوطنية حتى وإن ظهرت بعض المواضيع التي تمثل الظرف النسبي للوضع الاجتماعي كما حدث بالنسبة للفنان فائق حسن في لوحاته (الإعراب) التي تمثل - تكنيكاً ومضموناً- فهمه الخاص للواقع الاجتماعي ولبعض المنطلقات ذات المناخ الذي يعكس المواقف الوطنية كموقف محمود صبري وموقف الدكتور خالد الجادر وموقف محمد مهر الدين ورافع الناصري وضياء العزاوي واسماعيل فتاح ومحمد غني حكمت في الستينات، وحتى أواخر الثمانينيات، وظهرت في الفترة الأخيرة دعوة إلى تبني مفهوم قومي يعنى بإيجاد ثقافة عربية ثورية وفن ملتزم. ‏

 

س56: نوال الغانم: مامدى تأثير هذا الإرث الحضاري الكبير على الفنان شوكت الربيعي؟ وهل هناك صدى لهذا الأرث في رسوماتك؟

ج56: وهنا أضع على خلفية أعمالي عن أهوار جنوب العراق وأرياف العمارة مساقط استعارية من الثوابت التاريخية والثقافية والبسيكولوجية. كما في اللوحات التي وضعت في خلفيتها وجوه سومرية ومسلة حمورابي وفتاة الوركا. وكذلك في لوحات المعرض المسمى أنا والمرأة والتاريخ. فأغلب اللوحات كانت تتحدث عن المرأة السومرية والمرأة البابلية والمرأة الآشورية والمرأة العربية والمسلمة. وهنا كنت مصطفا ضمن طابور الفنانين الذين تاثروا بتاريخ العراق نظريا. بحيث لايتزعزع لدى المشاهد المعنى الثابت من اذواقه وقيمه وذكرياته لنص المتعة البصري ونص اللذة الشهودي.

ان الاندماج الروحي شبه الكلي بالعمل الفني وبنوع التجربة وبمضمونها ومواضيعها، سيكون لها أن تؤثر في الرسام، الى حد الافتتان بسحرها وموسيقاها وطريقتها في تقديم قيمتها الجمالية. حيث يمكن وصفها بأنها لوحات للمتعة - التي لما تزل تمارس حضورها العجيب في الزمان والمكان؟ -. ان الشعر كان أقدم نتاج أدبي في حضارة وادي الرافدين- في بنية متينة، فن هو في غاية الروعة والجمال والتوهج، غاية تجعل منه رؤيا للحياة والجواب عن أسئلة الوجود والأخلاق والمصير، وهذا ما يجعل منها لألأة وتوهجا. ، أعمالا ابداعية.

هناك أولاً حرية التعبير التي تشغل تفكير وفن المبدع، (أي التوق الى تحقيق الحرية خلال النزعات الحديثة)، تلك الحرية التي يجابه بها هذا الفنان (.. الزمرة التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا (و) تحاول ان تفرض علينا ارادتها..). كما ان هناك ايضاً فهما جديدا قيميا للعمل الفني على اساس انه (وحدة متكاملة) ما بين الفنان والجمهور، ومن هنا فجماعة بغداد للفن الحديث في بيانها الأول والثاني، كانت تعنى بالجمهور العراقي الذي كان يتمتع بخصوصيته في تذوق العمل الفني، وهذا تماماً ما أوضحه جواد سليم في محاضرته حينما رسم تلك اللوحة الكلامية (الكاريكارتورية) في نقده للذوق العام.. الذوق الذي يمثله هذا الحوار: (.. تعاقب صديقك وتقوله:- يابه فد صورة زيتية؟ فيجيبك هسة انتوفنانين آني شجابني عالفن.)

وهناك ثانيا العمل على مواصلة التعبير عن الطابع او الطراز الحضاري للفن العراقي والعربي:- (ولسوف نشيد بذلك ما انهار من صرح فن التطور في العراق منذ مدرسة يحيى الواسطي او مدرسة الرافدين في القرن الثالث عشر الميلادي، ولسوف نصل بذلك السلسلة التي انقطعت منذ سقوط بغداد على ايدي المغول..)

ثالثاً: استخدام الاسلوب الحديث في الفن، او كما جاء في البيان:- الجمع مابين (شتى الدراسات الحديثة من انطباعية وتعبيرية وسوريالية وتكعيبية وتجريدية..)، وفي هذين المبدأين الاخيرين تكمن (الرؤية الجماعية). اما في المبدأين الاولين، وهما حرية الفنان واهتمامه بالجمهور العراقي، فتكمن (بنية) العمل الفني نفسه. فالى جانب (حرية الفنان الفردية) التي تستطيع ان تضمن له عملاً فنياً ناجحاً، لا بد للجمهور أن يثقف ثقافة حقيقية، غير زائفة، تمتاز بفهم حرية الفنان بوعي حر في التذوق الفني ايضاً، فانها بدورها تستطيع ان تضمن له مستوى ذوقياً رفيعاً.

ومن هنا يتجلى لنا ان جماعة بغداد للفن الحديث في بيانها هذا كانت تشترط جميع مقومات العمل المبدع الذي يعتمد على (التوازن) ما بين (الابداع الفردي) و(الابداع الجماعي) في نفس الوقت، وما بين حرية الفنان وحرية المشاهد معا. وهذه مسألة لم يفطن لها الكثيرون ومنهم ضياء العزاوي الذي شخّص الى حد ما (ازمة) الجماعات الفنية (في الخمسينات) من منظور فنان (ستيني) كما يلي: (ان الجماعات الفنية (في الخمسينيات) والتي تشكلت ضمن واقع اجتماعي وفكري سابق استنفذت امكانية تطورها حالياً، ولانها منذ البدء كانت تجمعات مركزة على ابداع افراد فقط، فقد واجهت صعوبة كبيرة في خلق وعي فني تشكيلي جماعي قادر على ان يوجد اتجاهاً مميزاً قابلاً للتطور). والواقع ان الفكر الخمسيني الذي تبلور في جماعة بغداد بصورة اكثر تكاملاً من الجماعتين الاخريين وهما (الرواد) و(الانطباعيين العراقيين) لم يكن سوى انعكاس لواقعه الثقافي، أي الطريقة التي كان الفنان التشكيلي العراقي يحاول من خلالها ان يوجد بواسطة الطرح الفني على اساس (الرسم امام لوحة الرسم)، وظل خاضعاً لمنظوره الفكري، والذي هو بالاصل نتيجة التعلم عن طريق الكتاب وليس الخبرة المباشرة او السينما والتلفزيون، وهو ما اصبح مألوفاً لجيل الستينات وما بعده، ومن هنا كان لحريته الفردية دور واضح في التعبير. بيد ان المشكلة الفردية التي اشغلت طموحاته من الناحية الاجتماعية والجماعية معا تجلت في ضرورة العودة الى المنابع والاصول الحضارية التشكيلية القريبة والبعيدة معاً، وهذه العودة كانت بدورها شكلاً آخر للمنظور الخمسيني الفكري، لا العلمي.

 

س57: نوال الغانم: الفن الرقمي مزيج من التكنولوجيا والابداع أَدخل العالم وثقافته التعبيرية عصراً بصرياً جديداً. وشكل ثورة على جميع الصعد واخترق كل ميادين الحياة. وأصبحَ قاسمها المشترك الأعظم..؟

ج57: 1- منطلقات الفن الحقيقية، تؤكد بأن الانسان المبدع (غير فائض في هذا العالم)، عنصر جوهري كالماء والهواء، وانه سبب مؤثر في تشكيل نواة وجوده، وأنه يتحرر بذلك التكوين من مفهوم القمع والتسلط والتهميش والعزل والسقوط والنفي. وأن لاترتهن قدراته الابداعية لنفي المعنى والدلالة والغاية من جدوى حياة الفن والأدب. كانت مثل هذه المفاهيم والاسئلة هي التي هيمنت على فني وكتاباتي. التي تمنح الشعور بأننا نكتب دفاعا عن قيم انسانية نؤمن بها... فالمبدع قيمة وتكوين وطاقة أساسية غير زائدة، ليست فائضة، تتيح تحقيق (الحرية بمعناها الأوسع..) و(الفن الرقمي) جزء من أساليب وصياغات مستحدثة ضمن عملية التحولات الفنية بوسائل جديدة معاصرة سيتقرر دوامها التاريخي بمقدار قيمتها الجمالية والإجتماعية والاقتصادية.

 

ج57: 2- كانت قراءة بدايات (الفن الحديث) حتى الآن، تجري على معالجات وتقنيات مختلفة. - وبخاصة التجارب التي أجريت منذ الثمانينيات على الفن الرقمي الذي يستخدم آليات متنوعة من تقنيات الفن الحديث، ساعد على تبسيط معالجات الفن البصري، وأَدخل الفنانين وصياغاتهم التعبيرية الحديثة، بابا بصرياً جديداً. وشكل تحولا ملموسا وليس ثابتا وراسخا كالتقنيات المعتمدة في الفنون

 

س58: نوال الغانم:كيف يقرأ الفنان شوكت الربيعي هذا النوع من الفن المعاصر الذي تتداخل فيه التكنولوجيا والفن تداخلاً يكاد يكون اقرب الى الإندماج الكلي؟.

ج58: هذه الاتجاهات من التجارب القلقة – هي محاولات مستحدثة ضمن متغيرات وأساليب تعبيرية ظهرت بين بعض رسامي القرن الحادي والعشرين في الغرب، ثم انتشرت وشاعت بين فئة قليلة من الرسامين في الشرق. فهي مثل باب منفتحة تطفو فوق مياه البحر. أو باب منفتحة "على الصحراء " ظهرت بقوة وستضمحل تدريجيا وينساها الفنانون أنفسهم.

 

س59: نوال الغانم: هل يثير الفن الرقمي وما حققه من ثورة وإكتساح خوف الفنان التقليدي؟ أم يحاول التأقلم مع العصرنة بكل تقنياتها وأدواتها التكنولوجية ولو بحدود معينة؟

ج59: شهدت بواكير القرن العشرين، تطورا لصياغات الفن المعتمد على الوسائل التكنولوجية، تطوراً معقداً وسريعاً معتمدا التقدم والتحول السريع في علوم الفيزياء الحديثة (الالكترونية) بالخصوص، وعلم البيولوجيا منها على الحصر (طبيعة الجينات الحياتية وهندستها الوراثية وسلوكها الغريب طبيعة تركيب المادة الذري، إنعكس ذلك الاتجاه العلمي على دراسة سلوك الانسان في ضوء ماجاء به (كارل ماركس وفرويد ويونك وأدلر ووليم وجيمس وشكنر واريك فروم. وغيرهم من العلماء والفلاسفة وعلم النفس الفردي والانثروبولوجي فاصبح الانسان كالمادة له (شكل وجوهر)، أي تكون وجوده الفكري والسلوكي من الصراع القائم بين عقله الواعي (المادي) المستقر وعقله الباطن القلق، أي الصراع بين الرؤية البصرية التي تعتمد (المنطق) وقلق (اللاوعي).

 

انا لا أراها الا موجة من التوازنات التعبيرية بفعل تنوع وسائل التكنولوجيا اليوم. لن يكتب لها التواصل مع الذائقة العربية الاسلامية ولا الديمومة. مثل جماعة الفارس الأزرق وجماعة الجسر والدادائية والفوفيزم وحتى السريالية في الفن والأدب، لم تستطع الاستمرار مع وجود اتجاهات كثيرة ظهرت في أوربا في بواكير القرن العشرين المنصرم. ثم اختفت سريعا.

 

س60: نوال الغانم: هل يمكن للفنان التقليدي بتأثير هذا المد التقني أن ينقلب على نفسه، مأخوذا بسحر المنتج الرقمي؟

ج60: لنتحدث عن المفاهيمي والإجرائي في لوحات بعض الفنانين الشباب.. وكيف أنقلبوا على تجاربهم السابقة فجأة، مأخوذين بما أطلق عليه البعض بالتقليعة والبعض الآخر هبوب رياح القيض في صحراء التجارب. وأخذت ثلة أخرى بسحر المنتج الرقمي. بينما اتسمت البداية الفنية عند بعضهم بالواقعية في نهاية السبعينيات، ومع بداية الثمانينات اتجهوا نحو السريالية ولم يستمروا معها طويلاً، وإن كانت ربما قد شكلت تجسيرا بين الواقعية" والمفاهيمية الإجرائية ". فتجارب الشباب المتحمس المنحاز لشطحات السريالية، يكون جاهزا للانتقال فورا إلى المفاهيمي والإجرائي، مستفيداً على وجه الخصوص من عناصر التراكيب المتاحة في المعمار الشكلي، للخوض في غمار تجربة يجهل الكثير من أساسياته العامة، ولكنه وجد نفسه مدفوعا ومأخوذا بهذا التوجه، ربما لأنه يعفيه من صعوبة ومشقة الرسم الحقيقي. فوجد عبره ضالته الفقيرة التي تنسى في اليوم التالي.. وحتى الآن، نستطيع أن نميز مجموعة من العناصر المتواترة ذات الدلالة الرمزية التي عملت على تجاوز هؤلاء الفنانين للحالة الوصفية، إلى الحالة الإيحائية، فكان عبوراً من محتوى الرؤية التي تتمسك شكلها التعبيري - فمرورا بالرؤية التركيبية للعناصر المتعارضة التي تركز على بنية الموضوع، وألوان عناصره التي تساهم في بنية التعارض. ملاحظين فيها مجموعة من العناصر المميزة لمنهج مفاهيمي إجرائي يتسم بنزعة تركيبية افتراضية وأحيانا ظاهرة مادية قائمة. ونلاحظ ونسمع عدة تساؤلات استفزازية يثيرها(مثلا) باب زجاجي منفتح على صحراء.. لتشكل معا حزمة من الأسئلة التي تواجه المتلقي، ملقية في وجهه بالسخرية مما يسميه الحقيقة... مثل هذه الفنون المستحدثة ضمن متغيرات القرن الجديد الحادي والعشرين، هي باب منفتحة تطفو فوق مياه البحر. أو باب منفتحة "على الصحراء ". –

 

س61: نوال الغانم: ان الفن الرقمي صار يشكل منافساً قوياً للوحة التقليدية ويضع قدميه بثقة؟.

ج61: اذا كنا نتحدث عن الفن الرقمي في الخط العربي وبعض تقنيات الحفر والطباعة فربما سيفيد ايجابيا تلك الاتجاهات ولكنه يختلف في الرسم، لايتعدى في بعد نظره الفلسفي أنف الفنان. ولايشكل أية منافسة. ويضع قدميه في الفراغ.

 

س62: نوال الغانم: ماذا يقول فنان سامق وكبير رسم ذاكرة للأمكنة ومثلت علامة فارقة في منتجه الفني وترك بصمته الواضحة في المشهد التشكيلي العراقي والعربي كالفنان القدير شوكت الربيعي؟

ج62: أقول: مجموعة لوحاتي عن الحرب والسلام كانت معلقة على جدران المتحف الوطني للفن الحديث قبل تدميره وسرقة موجوداته، بينما كان ظهور مثل الفن الرقمي في الفن ظهورا مؤقتا لحظويا، يفتقر الى الديمومة والبقاء. كان عيب تلك التجربة المجهزة فى الفراغ أنها لا تدوم. وتبعتها محاولات أخرى، باءت بالانحسار التدريجي. لم يعد الناس تهتم بها لأنهم يغادرونها نحو مشاهد العمل الفني الأصيل.. وظهرت محاولات محدودة لعدد قليل من فناني الخليج العربي، اجمعوا على اقامة مجمع للعرض مؤقت في غرف صغيرة في النادي الثقافي في مسقط وبدأ الفنان الواحد منهم بإدخال المتلقين تلك الغرف المعتمة. وكان كل فنان يعرض مالدية من فلم تم اعدادة واخراجه لهذه المهمة وأحيانا يستعينون بالأشعة فوق البنفسجية للدخول الى مشاهدة الموضوع، وحينما يفتح المشاهد الستارة ليدخل، يصطدم بحائط، مما يخلق لديه نوعا من المفاجأة المحيرة، إذ لا يعرف ماذا سيقابله، فتظهر المؤثرات الصوتية وكأن المدينة تنهار بالكامل مع ضوء بسيط يناسب الدمار ثم ينتقل الصوت من اليسار إلى اليمين مع ضوء بسيط يتسلل إلى الداخل، فيتحول الصوت إلى نواح على إثر انهيار المدينة، وكانت تلك المحاولة قد أنجزها لأول مرة الفنان د. أحمد نوار في مصر استخدم فيها المؤثرات الصوتية، والحزم الضوئية المختلفة (كالألترافليوت، والفوق بنفسجية، والضوء الصناعى العادى).. وقد أثار ذلك المشهد الدرامي ذو الحس السينمائي، شعورا مؤثرا رائعا في نفوس الناس والفنانين على حد سواء.. ودفع الفنان الراحل " حسين بيكار" إلى مشاهدة العمل عدة مرات، وكتب عنه ثلاث مقالات.

 

أما مضمون الموضوع عن فلسطين تحت لافتة: (52 عام احتلال). فقد بدأ عام 2001 فى التفكير فى استخدام التقنية والاسلوب إياه من خلال(موضوعة) فن الأرض للتعبير عن المأساة بشكل فعال وقام بالتنفيذ فى الحديقة أمام المنزل وصمم 52 مقبرة ودمغ فيها 150 من أطراف الأيادى البشرية وهي تشير إلى (علامة النصر)، باتجاه القدس، وصمم (جبل أبو غنيم) وجعله مضاء ليلاً وكان يوجد(31 رسمة) عن جبل أبو غنيم حاول فيها أن يجعل الجبل يتحرك ليقاوم الجرافات! بالإضافة إلـى (20 رسمة) لوجوه استيقظت مرة أخرى لترى مذابح جبل أبو غنيم مع مجموعة من تماثيل عن القدس وجبل أبو غنيم وهى أول مجموعة صممها بعد المجموعة الأولى عام 1970، وكانت الموسيقى عبارة عن دقات قلب وأنفاس يدخل معها انفجارات وحين تهدأ الإنفجارات يزداد صوت دقات القلب معبراً عن الاضطراب.

كان عيب تلك التجربة المجهزة فى الفراغ أنها لا تدوم مثل اللوحات والمنحوتات واعمال الخزف والسيراميك والجداريات وشتى صنوف الفنون التشكيلية،(كما حصل مع تجربة فناني معرض الدائرة الثالث في مسقط)2006 –وكما حدث مع فناني الامارات. ولكن الشيء الوحيد الذى يدوم، هو تصويرها (ديجيتال). مما شجع الفنانين الآخرين على خوض تجربة الإخراج لينجزوا أفلاما رمزية مركبة، خالية من المواقف المبدئية كما فعل أحمد نوار في مصر عندما أخرج فيلمين: الأول عن توثيق المعرض والثانى عن (فلسطين) وقام فيه بالتعشيق (المكساج والديكوباج والكولاج) ما بين لقطات من الفيلم ولقطات من الطبيعة، وعن نجاحه، ترك تلك المحاولة التي لاتدوم..

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 .............................. 

 

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-04-27 01:23:13.