تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (5)

inaam_hashimiخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمهُ من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق1) من اسئلة الاديبة والمترجمة الاستاذة الدكتورة: إنعام الهاشمي.  

 

أ. د. إنعام الهاشمي: أديبة ومترجمة / امريكا

الفنان العراقي الأصيل شوكت الربيعي يمثل حقبة تاريخية من عمر جيل مر بالكثيرمن التطورات والتغيرات التي يندر أن تمر بهذا القدر خلال جيل واحد ابتداء بالملكية ثم ما تلاها من تغيرات بعد ثورة 1958 والتي بدأت بتصاعد دور الشباب في النشاطات الاجتماعية والطلابية وما رافقها من انتعاش في دور الفن، التشكيلي منه والمسرحي، ثم ما عقب ذلك من انتكاسات وحروب انتهت بالاحتلال والفوضى الطائفية التي أوشكت أن تودي بما نعرفه من الوطن الذي انتمينا إليه والذي لولا بقايا من بقاياه لتعذر علينا معرفته. وهو إضافة إلى كونه رمزاً من الرموز التي يعتز بها الوطن العربي هو كنز معرفي في حقله الفني وفي تجاربه الحياتية وترحال المكاني والزماني والعلمي. لدي تساؤلات عديدة كما لغيري، ولكني أحاول حصرها واقتصارها على عدد محدود من الأسئلة كيلا آخذ أكثر من حصة معقولة في حيز الحوار المفتوح. ولما للعدد سبعة من دلالة تفاؤلية سأحصر أسئلتي في هذا العدد.

 

س63: أ. د إنعام الهاشمي: للمرأة حضور مميز في لوحاتك، منها الذي ظهرت فيه بوضوح وبتفاصيل وخطوط واضحة وألوان زاهية، ومنها ما ظهرت فيه بضبابية معتمة.

*ماهي حكايتك مع المرأة وما دورها في حياتك الفنية.. وكيف تغيرت صورتها وانطباعاتك عنها خلال الحقبة التاريخية التي مرت بالعراق والعالم العربي عموماً وكيف عبرت عن ذلك في فنك؟

ج63: ان الرسم يجب ان يعبر عن حضور المراة المميز في لوحاتنا، لا الفكر وحده. فاللوحة يجب ان توحي للناظر بالافكار كما يفعل الشعر، و يجب ان تحدث الانطباع كما تفعل المقطوعة الموسيقية. ويشعرك بالاستغراق والانغماس في (بحر الغياب)، حتى تكون اللوحة إياك، مقتربا إلى حفافي اللحظة التي تجلت للفنان وقد استغرقه تعب معاناة عملية البراعة والابتكار الله سبحانه هو الذي خلق الانسان وسواه وعدله وفي أية صورة ما شاء ركبه.. وكرم الانسان (الرجل والمرأة) وخلقه في أحسن تقويم وعلمه البيان، فأنا وسواي سنواجه السؤال (فبأي ألاء ربكما تكذبان)؟ حتى نكون أياه في المعنى والدلالة والتكريم. وتأتي أجيال من سلالة الانسان الذي كرمه الباري، فخلقه وجعله من دعاة العلم والمعرفة والجمال. ومن سوى الأم الوالدة الحنون، من حملتنا في رحمها تسعة أشهر، وهنا على وهن. ومن سواها عانت من آلام الحمل وأوجاع المخاض؟ ومن سواها أنجبتنا وهدهدت لنا وناغت وشدت وسهرت الليالي الطوال وعلمتنا الحكي والحنان وأعدتنا جيلا فاعلا في تقدم البشرية نحو آفاق المستقبل. ومن سوى المرأة الفاضلة، تهب المحبة واللطف والمودة، فجعلها زوجة نسكن اليها ونذوى في عبق حبها وديمومة انسيتنا. هي أمي وعمتي وخالتي وحبيبتي وزوجتي وابنتي.

هي الرمز الذي تتقاسم الأنسانية وجودها الحضاري معا. علمتنا كيف يكون الحب والشعر والموسيقا والفن والأدب والعلم. وجعلتنا نفهم معنى الوجود والكون والحياة الدنيا والآخرة. وحتى الشاعر الذي قال: (الأم مدرسة اذا اعددتها أعددت جيلا طيب الأعراق) لم يفها حقها من التقدير الكلي الأشمل. ان امراة لها هذا الدور الجوهري في الوجود الانساني، لتجعلنا عاجزين عن وصف بهائها وقوة تأثير جمالها الروحي والمعنوي والمادي. أليس حراما أن تستباح، مثل هذة المرأة العظيمة الخالدة اليوم، في قارات مختلفة من الكرة الأرضية، وتستذل في الحروب المدمرة، ودمها المطلول الذي يفترض أن يختصر الطريق به الطويل، نحو السلام. وحليب الأمهات المطلول يختصرالطريق به الطويل من أجل ضحكات الصبايا وكركرات الطفولة، بالحفاظ على السلام. والأمهات اللاتي بحضورهن الباهي، اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وعلميا وفنيا وجماليا، اختصرن، الطريق البشري الطويل، نحو التقدم وازدهار الانسان المكرم. وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحقوق المراة في سعيها الدائب في عالم متغير، لتحقيق مباديء الحرية باتجاه السلام والتقدم. هذه الصورة التي علمتني المراة اياها: (أمي وعمتي وأختي وزوجتي وابنتي) وأنا واياها وذريتنا نعيش تحت خيمة راسخة، في صحراء الحياة كنا، أم في جنات النعيم.

والمرأة هي وعاء للمتعة والنسل وجامعة للعلم والتربية. والأم (هي الأخلاق تنبت كالنبات، اذا سقيت بماء المكرمات). اما عن تفاعل المرأة ثقافيا، فتتجسد اسهامات المرأة وقضاياها ومنها كيفية تعزيز دور المرأة في حركة الفكر العربي وذلك بجعل دورها واسهامها موضوعا قوميا لا موضوعا فرديا او اقليميا. والانكباب على انجاز اعمال توثيقية وبحثية تبرز اسهامات المرأة في الامة العربية ماضيا وحاضرا واهم العوائق التي تعوق ذلك. والنداء بضرورة تعامل المؤسسات العربية الاقليمية مع المرأة كآلية حضارية لها دورها واسهاماتها لا بد ان توضع في الاعتبار. والخروج بفكر المرأة من اطار الجنس المحدد الى الاطار الانساني الشامل وذلك بالتركيز على مساهمات المرأة في المجالات المختلفة من علوم وثقافة وفن وابداع وتاريخ واقتصاد واعلام.. والتعامل مع هذه المساهمات بوصفها عناصر حضارية تتفاعل وتتكامل مع دور الرجل واسهاماته).

وهنا يفرض الموضوع سطوته على الأسلوب أيضا كما حدث معي وانا أرسم مجموعة من لوحات الحرب والسلام التي بلغت العشرين لوحة. (.. كان بيكاسو حين شرع يرسم الجورنيكا قد ألقى جانبًا -وهو منغمر بموجة قوية من الانفعال الذي ثار من أعمق أعماقه- بكل ما هو متعارف عليه من وسائل ومبادئ تقليدية كالموضوع أو التيمة، والمحاكاة، واتخاذ المثال، والمنظور، والتلخيص أو التركيز. هجر بيكاسو كل ما في جعبة الفنان التقليدي من حيل فنية، حتى اللون نفسه رفضه عن عمد حتى لا تنقص مكانته شيئًا من مضمون اللوحة أو تلطف من حدة الإيقاع الدرامي لها. فلا شيء أمامنا سوى الألوان السوداء والبيضاء والرمادية التي تتشابك معًا في ضجة وصخب منظم ومنهجي، فالأشكال قد حُررت من مظهرها التقليدي بينما ظلت تحتفظ بكل قيمتها الرمزية المكتسبة. فوحشية الحرب وجورها يظهران لنا عن طريق الوجوه الملتوية والأفواه الفاغرة والطير التي تتأوه من أعماق قلبها والحصان الذي يصهل من شدة الفزع، والأجساد التي تهوي تحت أقدام الوحش ذي الحواجب الخنفسية، وآلهة الانتقام التي تستطيع أن تتحدى الضوء الكهربائي المعتم الذي يأتي من مصباح عتيق عقيم. وقد أثبت التاريخ بأن بيكاسو كان على حق، فقد جعل من هذه اللوحة العظيمة شاهدًا متوقدًا ينضح بالألم ضد القوة العدوانية البربرية في أي مكان، ولذا فإن هذه اللوحة تحمل تحذيرًا للجنس البشري كله ضد الاندفاعات المجنونة التي أطلقت قوى الظلام لتعيث في الأرض فسادًا. وظلت الجورنيكا باعتبارها صرخة الأرض الثائرة التي تطلب الانتقام حتى الآن رمزًا لذلك المعنى، ولم تفقد أبدًا شيئا من قوتها..) (عن ذلك الموضوع ترجم الكاتب المصري المقيم في لندن الاستاذ(يسري حسين)، دراسات مشابهة- نشرها في الصحف العربية المهاجرة في بريطانيا).

 

وفرناندو بوتيرو فنان آخر كان له دور متميز في وقوفه ضد غزو العراق وكشف المذابح التي تعرض لها العراقيون. كانت أعمال الفنان بوتيرو علامة مشرقة في فن انساني يدافع عن الشعوب المحتلة. وعبر عن نموذج ماساوي ضئيل قياسا لعظم الكارثة التي حلت بشعب العراق بعد الاحتلال الامريكي. وكتب الشاعر فاروق سلوم عن رؤية الفنان بوتيرو من خلال فضيحة سجن ابي غريب تحت سياط الأحتلال. و كان (فرناندو بوتيرو) قد عمل طويلا منذ الفضيحة اللاانسانية تلك معتقدا أن كابوس صور المجزرة لن يغادره أبدا حتى أنجز مشروعه بعد سنة من تلك الفضيحة التي ستلازم السيرة التاريخية لعدوانية الأحتلال وفكر المحتل و من منحه الشرعية ليصبح حقيقة الدمار والخراب لبلاد الرافدين.. وبوتيرو لم يشتغل على بيان سياسي حول أبي غريب يوم أن رفضت متاحف أمريكا استقبال أعماله، بل سجل وثيقة خاصة من التعبيرية العميقة لكي يكون للفنان موقف وثائقي وفني.. لكنه بعد ذلك لم ينس مهمته الفنية والجمالية رغم تمسكه المتواصل بموقفه من الأحتلال في كل مكان في العالم ومن الدكتاتورية في اميركا اللاتينية.. وقضايا المرأة.. وبخاصة حين تستضيفه متاحف العالم اليوم بعد ان عرف العالم لماذا رفضت متاحف امريكا وحكومتها استقبال بوتيرو وفرناندو بوتيرو نموذج للرسام التعبيري الخالص القادم من اميركا اللاتينية.. يعبر، مذ عرف في الستينات، بقوّة عن الفن التشكيلي وتحولاته امريكا اللاتينية.. هذه الأرض الملغّزة.. بفنها العريق وفولكلورها الملوّن.. وثقافتها المليئة بالرموز والدلالات.. فقد انشغل فرناندو بوتيرو بصورة الأنسان وتشكيلته الفيزياوية ودلالاتها منذ وقت بعيد حتي غدا هدفه الأسمي.. وهو يري المرأة ايضا بشكل استثنائي ــ كما في معرض منحوتاته الأخير ببرلين ــ.. لينظر الي هذه الكتلة الأنسانية في وضعياتها المختلفة كتعبير عن حياة وعاطفة.. ومن وجهات نظر، لنقل انه يحاول استجلاء دواخلها من زوايا مختلفة، وهو يطلق كل عدّة الرسام التعبيري، في التهشيم المر والتشظية الممكنة.. الي درجة المبالغة في المضاعفات في الكتلة كما في ــ امرأة مستلقية وامرأة جالسة ــ، او اللعب بألأشكال الي درجة الكاريكاتور.. او بالكشف الوضيع الي حّد الأسي.. المدمر او الخدعة ولعبة المحاكات وقسوة التعبير في العاطفة وفي الألم ايضا، كما في لوحاته الكثيرة حتي قبل معرض منحوتاته الجديد.

ليس هناك من شيء غير الحرية يستطيع أن يهز النفس في علاقات النظام الاجتماعي. فبعد أن خلق تقدم الروح البشرية الأمم، أي بعد أن أصبح كل الناس يشاركون بطريقة ما في نفس المزايا، ماذا يمكن أن نفعل بالجنس البشري بدون الشعور بالحرية؟

تقدم الروح البشرية! إنها رسالة الأنوار، وإيمانها بقابلية جنسنا اللامحدودة للكمال، هذه القابلية التي نقلها، قبل كل شيء وبالرغ من كل شيء، العقل الواسع، المتحالف مع الحساسية العاصفة لهذه المرأة العبقرية (التي نشرت، من جهة أخرى، عدة مواضيع أدبية جديدة عددتها بنفسها:"كآبة الشمال، الشعراء الرومانسيون، الشعراء الجرمان").

لقد سبق أن وجدنا في كتابها الصادر في عام 1800 بعنوان "في الأدب.. " تبشيراً قوياً بهذا الإيمان الذي كان كوندورسيه قد عاش ومات في سبيله. إنها لم تكن تظن بأن "هذا العمل الكبير للطبيعة الأخلاقية" قد ترك مطلقاً. ففي الفترات المضيئة كما في القرون المظلمة لم تتوقف قط المسيرة التدرجية للروح البشرية.

 

س64: أ. د إنعام الهاشمي: في عدد من اللوحات تظهر المرأة وشعرها ينسدل على وجهها ليغطيه تماماً. ما الذي تود أن تعبر عنه في هذا التصوير للمرأة؟

* أهو تعبيرٌ عن حجب جمال المرأة عن الأنظار في التقاليد الشرقية؟

* أم هو تعبيرٌ عن الجمال، كون جمال المرأة يكمن في شعرها، وخاصة الريفية التي تسدل شعرها بهذه الطريقة لغسله في النهر؟

* أم هو تعبيرٌ عن الحزن كون المرأة في الريف تحلُّ شعرها و "تلفح" به عند اللطم في المآتم وليلة عاشوراء؟

ج64: بالنسبة لهاو مثلي للرسم: و كرسام يهوى الكتابة أيضا، فان المرأة تعني الرمز الذي يقربني زلفى لمعنى القداسة والتقدير.. ومن زاوية جمالية الفنان الذي يغزوني من داخلي، هو ذلك الفنان المهيمن في سطوته على أنفاسي، ستراه يذوب وينصعق ويضعف أمام جمال المرأة وفتنتها، وفي لين طرفها وهجرها.

ونراه ولهانا بغنجها ودلالها في سرها وعلنها، في باطنها وظاهرها. ويجثو، منسحرا صامتا، يقبل الأرض بين يديها و قدميها.

قالت لي فتاة كنت أرسمها في محترفي ببلدة سيناكوالصغيرة التابعة لمدينة (ميلانو) الكبيرة، سوف لن أقف لك ساعات طوال ما لم تخبرني بقصة النساء اللاتي يخفين وجوههن بالشعر الكثيف.. فلم أرد عليها. (قالت وقد رأت اصفراري، من به وتنهدت، فأجبتها المتنهد). وهزت برأسها لعدم فهم ما قلته، وشرحت لها الغرض من شعر المتنبي الذي استشهدت به من أجل وصف حالتها النفسية.

 

وبعد أن انجزت معمار الرسم، أو التصميم العام للوحة، ومنها رسم تفاصيل جسدها، لم أحجب وجهها بسواد شعرها، ووضعت وشاحا خفيفا كأنه غلالة من حرير. وأنجزت ملامح الشكل العام للبورترية، وعندما ألقت هي نظرة على مارسمت، غضبت واحمر بياض عينيها وتصاعد الدم مسرعا الى وجهها وفغرت فمها اندهاشا وغضبا، وتساءلت بانفعال شديد:(لماذا؟ لماذا رسمتني هكذا بملامح تامة).. و كان من المفروض أن تفرح وتسعد بذلك. لكنها تمادت في غضبها، قائلة (أريد أن ترسم شعر رأسي يغطي وجهي اسوة باللوحات التي شاهدتها في معرضك). فابتسمت ووضعت فرشاة الرسم جانبا ومسحت عن يدي الألوان العالقة على أصابعي، بقطعة قماش مبللة بمحلول (التربتاين).. واقترحت عليها أن نغادر المرسم لتناول الطعام والعودة لاستكمال وانجاز اللوحة. قالت لن أخرج معك حتى تعدني برسم الشعر منسدلا على الكتفين محلول الجديلة، ويغطي وجهي كاملا..) وأنجزت لها ما وعدت. ورسمت شعر رأسها الكثيف يهبط على وجهها ليغطيه الا من خلال خصلات من شعرها متباعدة قليلا، متبعثرة، انفرجت عن فجوات، ظهرت خلالها أجزاء من بريق عينيها وجزء من ملامح وجهها الجميل الفاتن.. وبعد لحظات، ابتسمت عندما شاهدت لوحتها كما شاءت وشاء لها الهوى، وانطلقنا ساعتين للراحة نتجول فيهما في الأسواق، ونشتري بعض الألوان، ونواصل جولتنا بين أروقة الفنون وقاعات العرض والمتاحف. وفي الليل القارس البرودة، تعود عيناي تبرقان من جديد، أمام اللوحة الناقصة، وبدأ قلبي يزداد خفقاناً، وسهرنا لأنجازها، مع الفجر وكان القمر يغسل بضوئه أرواحنا وعواطفنا، ونحن نتطهر في موجة الحب، فتتوع آفاق خيال المدله (فتى ربيعه)، السومري الآتي من وادي الرافدين، وهو" يلزّ " خيال بهجته، (طرة الفجر)، في جنان حلوة المعاني، فيغفو بين السماء والأرض، " لا واشي يوصل ليه، ولا يمّه نمّام ".

وكنت في شهر تشرين الثاني عام 1982. أتنقل بين أثينا وجزيرة رودس وكريت ولندوس وأفيس، لغرض الرسم والتعرف على تجارب الفنانين في اليونان. والتقيت بالخزافين والنحاتين والحفارين والرسامين وبعض المثقفين. ورسمت عدة لوحات، بورتريه، لنساء جميلات سأعرضها في المثقف. كما رسمت مشاهد للمواقع التاريخية ولمعالم الحياة اليومية وتخطيطات سريعة بالأقلام الملونة وبالفحم لرسامات كن يعشن في أثينا، ورافقنني في زيارتي للمتاحف والمعارض الفنية ومراسم أبرز الفنانين هناك، واطلعن معي على أقدم مصانع الخزف في جزيرة رودس، كما صحبت أجملهن معي، إلى جزر اليونان الأخرى. وكانت فنانة من النمسا، رسمت لها عدة لوحات وتخطيطات مختلفة، وكنت أشبهها "برطب البرحي"، وأنا أتودد إلى حلاوته، كأنه ثغر فاتنة ملتهب بشوق، فضح لون سوسن قلبها، وقد أنضجها، امرأةً فتيةً تتراخى على جمرة الهوى.. تداعب أشواقها وأوجاعها، عند منتصف الليل، حيث بدت في حلكته، تشبه البدر التام " من يشع ضيّه ".

لقد حفرت رسومات وتخطيطات ولوحات (المرأة) التي كنت بها أشاغل (موديلاتي) وأشاغل نفسي والناس من حولي.. وقد جلبت تلك اللوحات انتباه الكثير من الناس وحتى الرسامين انفسهم هناك، وبداوا يتساءلون وهم منبهرون بقصص كنت أرويها لهم عن الفتيات الريفيات في العراق ومكابتدهم الاجتماعية، وفي ظروفهن الحرجة الصعبة، وهن يكافحن من أجل الحياة. وترسخت في ذاكرتي نقوش مشابهة من حيث القيمة الفنية للوحات عن النساء الأجمل، في كل من وارشو وبراغ وبودابست وصوفيا وبخارست وبلغراد وتركيا وجميع أقطار الوطن العربي.. و وكانت النسوة اللاتي أختارهن لأغلب النماذج الملائمة للرسم (الموديلات) كن يتمنعن الوقوف عاريات الا اذا حكيت لهن قصة وجوه الفتيات اللاتي يحجب الشعر ملامح وجوههن. وكنت أتمادى في الشرح، وأدهشهن وأثيرهن بحكايات يسلبن لبابهن، ويخلبن عقولهن، ويطرن من الفرح والانتشاء، حتى أجدهن مندفعات للوقوف أمامي للرسم. وحدث ذلك مرارا في الافتتاحات الرسمية لمعارضي وكان من رعاة المعارض شخصيات دينية كنسية ورجال أعمال ومحافظين ورؤساء بلديات. طبعا هذا في أوربا وبخاصة ميلانو وبرلين وأثينا، وعواصم بلدان أوربية أخرى. وحتى في بعض الأقطار العربية. حينما زرتها عام 1977 /. 1978 كان البعض يتساءل كثيرا، لماذا تظهر المرأة وشعرها منسدل على كتفيها و وجهها ليغطيه تماماً. تحدثت عن غياب استلاب حرية المرأة العربية وعدم انصافها واعطائها حقوقها الطبيعية والقانونية والسياسية والشرعية كاملة. وليس السبب الذي جعلني أحجب مثل جمال الفتاة العراقية وسحر عينيها السومرية، ومفاتنها البابلية وقوة شخصيتها وحزمها وعزيمتها من أجل نيل حقوقها كاملة غير منقوصة كما المرأة الآشورية في كالح ونمرود في نينفى.

كذلك لم أكن ساعيا لحجب ملامح وجوه النسوة العراقيات الفلاحات بخاصة، امتدادا تعبيرٌيا رمزيا، اشاريا تاريخيا، ليدل على معنى (حجب جمال المرأة عن الأنظار في التقاليد الشرقية).

ولا (هي محاولة لتحديد مكمن جمال المرأة الجنوبية، واقتصاره على شعرها.). وخاصة الريفية التي تسدل شعرها بهذه الطريقة لغسله في مياه الأهوار، أو في نهري دجلة والفرات وفروعهما الكثيرة..

ولاتشير معالجة رسم المرأة العراقية بذلك الاتجاه وعلى وفق ما عرفه مشاهدو لوحاتي (تعبيرٌا عن الحزن. كون المرأة في الريف تحلُّ شعرها و " تلفح " به عند اللطم في المآتم وليلة عاشوراء.). وهذا صحيح جدا، ولكن يكشفن عن صدورهن وشعرهن وحسب. بين نسوة المآتم فقط.

 

- أما في مجال أدب النقد الفني التشكيلي: ماهي أهم العناصر التي تساعدنا على المعرفة بالعمل الفني؟؟

هي: (الانتباه، التذكر، التخيل، المراجعة الدائمة حد الإدراك)، لبلورة الموقف النقدي عن التجربة الفنية. لأن مثل هذه الصفات مفيدة، ولكنها لا تكون بذاتها إيضاحاً لطبيعة العمل الفني. إذ أن القيمة الجمالية موجودة في العمل الفني لا في منشئه، إذ أن التكوين الذي عاش فيه الفنان نسبي من مجتمع إلى آخر وسيفسر على أساس ذلك الاختلاف في تعدد الدلالة ويتيح تباين التفاسير. وإذا تم إدراك تلك النقاط التي تميز العلاقات الشكلية بصبر وروية فسيكون لدينا استعداد ذهني واستجابة لروح الموضوع ودلالته، لكي تؤدي معرفتنا إلى ما ينبغي أن نبحث عنه، وأن ندرك العناصر المختلفة المتباينة التأثير في طبيعة العمل الفني وفي معرفتنا بتقنيات العمل الفني ذاته. آخذين بنظر الاعتبار نوع الوعي الحسي والإدراكي والعقلي والتخيلي والانفعالي الذي يحدث في التجربة الجمالية سواء في فنون الزمان: "الموسيقى والدراما والأدب والرقص والسينما الحديثة" أو في فنون المكان التي هي الفنون البصرية، الرسم والنحت والعمارة. وكلاهما (فنون الزمان والمكان)، يحمل صفة التذوق الفني للتجربة الجمالية الزمانية والاستمتاع بما يدرك منها في لحظة ما، تجسد حضوراً متناسقاً له مستقبل زماني محدد.. كما هو حاضر رشيق له مستقبل مكاني مشخص.. وكلاهما يخضع إلى قيمة عناصر التصميم: الخط، الكتلة، النور، الظل، اللون. وارتباطها بالشكل ذي الدلالة التي تحمل القيم النفسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى خصائص القيم التعبيرية التشكيلية.

ما هي فئة الأعمال التي جعلت موضوع (الحرب) صيغة مركزية وأدى الشكل واللون دورهما بتوضيح (أغراض الموضوع)؟. وما هي فئة الأعمال التي جعلت القيم التشكيلية فيها، جوهرية على حساب الموضوع، وكان الشكل واللون فيها يوضح (قيمتها الإبداعية الذاتية)؟

 

-إلى أي مدى حقق المبدع في فنه، تلك الأبعاد الروحية بصياغة فنية تسامت وقيمتها المحددة بموضوع الحرب وما يتعلق بمقترباته النفسية والاجتماعية؟.

كنت في جانب آخر من المعنى الذي يقول بضرورة الحديث عن المرأة وكأنها تبدو عارية وهي في حجابها.. عبر فضح عينيها لهذا العري. اذ بينما كنا نتجول في أسواق صنعاء القديمة وفي شوارعها، الزبيري، والدايري، والهايل، وشارع كلية الشرطة، وميدان التحرير، وشارع القيادة، وسمسرة المنصورة، وشارع بغداد، حيث يقع مركز الدراسات والبحوث، المكان المفضل للدكتور الشاعر " عبد العزيزالمقالح".. توقفت كثيرا أما عيون نجلاء تفترسنا بلحظها وتجعل من عتاة القوم وفوارسهم أرق من النسيم الربيعي وخفت على حالي أن أذوب من الهوى. لحظة وقوفي أما دكان لبيع الأقمشة، فأندهش من أزياء المرأة اليمانية، وخمارها وعباءتها، وعقل "شيلتها" التي تتعصب بها بحرير موشّى إما بالخرز الحجرية والزجاجية الملونة والصدف، أو بالفضة والذهب والجواهر واللؤلؤ.. كل امرأة على مقام يسرها وعسرها.. وقد بلغ بها تأملها أمام مرآتها، أن رسمت بالإبرة " الوشم " فوق صفاء ملمس جسدها الرقيق، فصبرت من أجل الجمال.. وهي كأختها " ظلوم "، (كتبت على جبينها بالمسك).. وكسميّتها (عفراء حبيبة عروة ابن حزام) تختال في مشيتها، وخفر نظرات عينيها النجلاوين الكحيلتين، اللتين تخترقان أشغفة القلوب مباشرة، فتوقد فيها جمراً، لا يخمد أواره إلا بلفتة جيدٍ أو رقة مبسمٍ يفترّ عن همسةٍ أو كلمةٍ أو أنّةٍ تغترفها مسامع الرسام " فتى ربيعه " شغفاً. أو هي نظرة من هذه الأبكار الحسان المختلفات مفاتنهنّ كالورود في أنق المرابع. فواحدة منهنّ، بثينة، حبيبة جميل و(نعم وهند)، صويحبات عمر بن أبي ربيعه. و" عزة " وليفة " كثير " و(عفراء، نور عيني عروة).. و" الأحنف وفوز"، التي باكرها النعيم، ممشوقة القوام، حلوة المعاني. مثقلة الأرداف، مهضومة الحشا: إذا مااستقلّت ردّها عن قيامها لها عجز عنه المآزر تقصر).

وما بين مفاتن الغيد، " ألوب" من الهوى، فتتركني كل واحدة بسماتها المتفردة، في حيرة من حالي واختياري، بين جمال خلق الله فيها، وبين التشّوف والتشّوق إلى كشف "الجلوة" عن المحتجب من الجمال، لكي أرسمها.. أعيد لحظات اللذة في تصويرها. وأنا أتطلع منبهراً إلى مجمرة حدقتي عينيها، أتلهف إلى ثغرها يفتر عن بسمة رقيقة تتراخى على أسرارها، مخيلتي، فتفرش على سوسن قلب لوحتي، الأشواق التي كنت أرعاها كلما ألتقي بغادة من حسان اليمن.. لكن مللت من ترديد هذه الأماني، ساهداً ينبو بي الوساد.. و(صد الملول خلاف صد العاتب). ولأن الرسام المفنّ، يملك شهوات السمع والبصر، بيد أنه لا يسعى إلاّ إلى تثبيت لحظات الجمال في فنّه.. وهو عندما يطيل النظر،(لا يضمر السوء إن طال الجلوس به.. عف الضمير ولكن فاسق النظر).. والمرأة في الأعم، تحّيرني، أنا المدله شغفاً بحسنها، بين تمنّعٍ ظاهر وعطاءٍ مكبوت. حتى تجعلني، أستجير بها من صدودها، فتزيدني بعداً كلما زدتها قرباً:

وأنا أراها في بصيرتي وخيالي معاً: ينضح ماء الشباب من أردانها.. تيّاهةً يزدهيها شبابها وجمالها، فتختال في مشيتها وتتأود:

بيضاء في حمر الثياب كوردة حمراء بين شقائق النعمان

تهتز في غيد الشباب إذا مشت مثل اهتزاز نواعم الأغصان

وها أنذا أتنفس الصعداء، بعد أن لان فؤاد جناني وخفّت سخونتي أمام جمال المرأة، ولم أفرد روح الفن في رؤيتي لها، عندما أفردت الجسد في نظرتي الفنية.. وكنت فرحاً برفقة ابن وطني: " العباس بن الأحنف " خيراً بما أبدع من أرق وأجزل وأحسن شعر بين المحدثين في زمنه وفي منبت خلقه " البصرة "، التي كانت مهده (134 هجري/ 736 م)، وكانت لحده، في (194 هجري/ 804 م)، كما رواه الخطيب البغدادي، الذي ذكر أنه مات في الستين من عمره مؤيداً رواية المسعودي في ذلك وذكر صاحب الأغاني، أن العباس بن الأحنف قد مات في يوم وفاة الكسائي النحوي وإبراهيم الموصلي. ولكن تاريخ وفاة الموصلي، ثابت سنة 188هجري، بينما العباس كان قد نظم قصيدة بمدح هارون الرشيد عام189. هجري. فإن كان موت العباس في هذه السنة أو تلك، فهو قد أبدع في ستين عاماً، ما لم يعادله من الشعر العربي، أثراً وتأثيراً في شعر عمالقة كالبحتري والمتنبي وسيف الدولة الحمداني والشريف الرضي ومهيار الديلمي وأبي تمّام وابن اخته الكاتب الشاعر ابراهيم الصولي والخليفة المأمون والمعتزّ وأبي فراس الحمداني وابن عبدوس الفاسي وابن زيدون وابن رشيق وأحمد شوقي والجواهري.. فتأمل مدى عمق تأثير العباس بن الأحنف في الشعر العربي.

 

س65: أ. د إنعام الهاشمي:للمرأة في لوحات بيير أوغست رينوار كما في لوحاتك حضور كبير، وله كما لعدد آخر من الرسامين العظماء شغف بتصوير المرأة عارية، والمتذوق للفن الراقي يرى ويتحسس الجمالية الفنية فيما صوّره هؤلاء العظماء في عري المرأة؟.

ج 65: يوصف سيزان بأنه (بنى المنظر محافظا على تمثيل الواقع المرئي..) واتخذ موضوع المنظر مسارات ثرية متشعبة في وسائل الفن الحديث، باتجاه توصلات حداثوية مستقبلية..

وقد يوصف (مونيه وبيسارو وسسلي)، بانهم رسامو المشاهد الطبيعية. غير ان أجست رينوار(1814م – 1919م)، كان قد اتخذ من الضوء له مذهبا، واستغله في كل صوره، فوجد متعة في اقتناصه وهو يداعب وجه أو جسد شابة، وقد أراد للضوء أن يخترق الأجساد والكتل والحشائش والأشجار والمياه. وذكر الكاتب (فخري خليل) في ترجمته الرائعة لرينوار، (أن وضعه يشبه مانيه الذي يماثله في تعلقه بالضوء، وتلك الأجسام اللؤلؤية الرقيقة تبدو وكأنها لم تعرف حمى العواطف وجيشانها. وفي فنه لم نعثر على أثر للعذاب والقلق الذهني، أو للتعقيدات النفسية، بل نبدو واقفين امام وجوه متألقة، مستبشرة، لاتعبر إلا عن لذة العيش في العراء وفي غمرة الضوء الناعم. ونساء رينوار شابات نضرات يعشن في جنات لاوجود فيها لشجرة الأفعى. شيء من الفرو سيبقى مكتنفا (إمراة رينوار)، حتى حين تضع عليها ثياب شابة باريسية، أو حين ترقص تحت أشجار طاحونة، أوتعتمر القبعة لدى الخياط، أو حين تصغي إلى الموسيقا.. كان الضوء في الماضي يطفو على شخوص لوحاته، وصار فيما بعد ينساب فيهاعميقا.

فرينوار الذي عاش معظم حياته في جنوبي فرنسا، أراد أن يعرض نساءه للشمس الحارة المنعشة، لينضجن كما ينضج الخوخ. فأجسامهن في لوحاته (بضة) غنية باللون المشبع بالضوء إلى حد الإفراط، لأنه كان يرمي إلى الجمال المحظ: إنه عشق الحياة وتمجيدها، ببدائيتها ونشوتها وعطائها. ولئن يكن مثل هذا الضوء الثمل قد اكتسح أعماله الأخيرة، ولئن يكن الدم الذي يسري في عروق هاته النسوة، والنسغ الذي ينتشر في الأشجار والنباتات، يبدو في العمل الفني، وكان مصدره واحد، فالأجسام لاتتلاشى قط في المشهد الطبيعي، بل تثريه بأشكال طرية وإيقاعات دقيقة في الوقت الذي تحافظ فيه على حيويتها وصلابتها..).. أما نساء لوحاتي فهن عراقيات من لباب المجتمع العراقي الزراعي، ولن يتخيلهن سوى العراقيين أنفسهم، وحدهم وحسب.

 

س66: أ. د إنعام الهاشمي: هل ظهرت المرأة عارية في أيٍّ من لوحاتك؟ المعروضة منها أو غير المعروضة؟

ج66: نعم. بحكم التدريب والممارسة اليومية الملزمة لكل فنان شاب آنذك، كنت أخطط وأرسم بمواد مختلفة من أقلام الرصاص الملون الى الباستيل الى الأحبار الملونة ألة الألوان الشمعية والى أقلام الفحم السود للتخيطات السريعة. الى الكثير من مواد الرسم المتنوعة. كنت أتدرب يوميا بلا كلل أو ملل. أحمل أوراق الرسم و دفتر اسكيجات تحت ابطي وعلبة أقلامي. والرسوم العارية كانت قد ظهرت في رسم نماذح مختارة كثيرة، من الحركات الصعبة في الرسم. ومع هذا فأنا أضيف وأتلاعب بحركة شعر رأسها، رمزا أعتدت عليه في الرسم وأصبح موتيفا من خصوصية اتجاهي ومعالجتي في الرسم.

 

س67: أ. د إنعام الهاشمي: هل تمنيت أن ترسم بعضاً من نسائك عاريات؟

ج67: لا أزمع أنني تمنيت ان أرسم بعضا من نسائي عاريات. وانما كنت أتلظى على نار هادئة. وأراني بازاء ذاك أضعف خلق الله. وكنت الى الأن أود تحقيقه مع شريحة خاصة من أرياف العراق.. اذ ليس النساء الريفيات في جنوب البلاد وفي شماله، نسخة مكررة واحدة من الفتنة والبهاء والجمال. فلكل امرأة طلعتها البهية المدهشة، وهي عارية، ولها صفاتها المسكرة. ويتجسد شغفها بالحب ويبرق كالوميض من الحرمان.. ولن أستطيع أن أعبرعن شوقي وشغفي بحب نساء العالمين تفضحه مسرتي في الفن غير انني تعجلت الفرح.. ولو جمعت كل جميلات الدنيا في أمرأة واحدة. سيظل الفن مجرى للنهر الذي لايتسع لماء البحر. فيحدث الضرر. ولكن الفرصة المثلى قد واتتني عندما كنت أسكن في مجمع كبير. وكنت أرى أن حياة الناس في بعض تفاصيلها، تشتمل على مشاهد مختلفة ومتباينة وغامضة وواضحة في اطار سلسلة من المصادفات المتشابكة بين مختلف الجنسيات. لهذا انجذبت إلى رسم الفتيات اللاتينيات والافريقيات و من أعراق مختلفة، طيلة ثلاث سنوات من دراسة الفن. وفيها تأجج شعورنا بمحبة الرسم المباشر. بعد ان أنهكت ألواني وفرش الرسم أجسادهن بشغف الحب الذي لانصبر عليه..

 

س68: أ. د إنعام الهاشمي: أيٌّ من الرسامين الذين صوّروا المرأة في رسوماتهم تجد في فنه قرباً منك؟

ج68:أكثر الرسامين الفرنسيين الذين صوروا المرأة في لوحاتهم هو الرسام الرقيق (بوشيه 1703 - 1770) الذي كان رنوار ينظر الى جرأة فنه باعجاب شديد وكان يردد مازحا أن بوشيه أوصى بتاجه الفني من بعده .. بينما على العكس من ذلك، كان معاصره الفنان ديدرو يقول وهو يتأمل في لوحات بوشيه العارية (أية ألوان، وأية تشكيلة، وأية وفرة في المواد والأفكار! إن هذا الرجل توفر لديه كل شيء إلا الصدق. إن انحطاط الذوق واللون، وأسلوب التركيب، والشخصية والتعبير، كل هذا تبع خطوة بخطوة انحلال الخلق.. وماذا عسى هذا الرجل أن يرسم إلا ما تصوره في خياله؟ وماذا يمكن أن يتخيل رجل يقضي حياته برفقة نساء المدينة؟.. إن هذا الرجل لا يمس بفرشاته إلا ليبرز الأرداف والصدور. إنه لا يدرك ما هو الجمال. فإن الكياسة والأمانة والبراءة والبساطة أصبحت كلها غريبة عليه.

إنه لم ير الطبيعة لحظة واحدة قط، وعلى الأقل الطبيعة التي تدخل البهجة على نفسي، وعلى نفسك، مثل طفل كريم المولد، أو امرأة ذات وجدان حي. إنه مجرد من الذوق.. والواقع إنه في تلك اللحظة بعينها، عين الرسام الأول للملك عام (1765) ". وتخصص بوشيه في رسم "العاريات" وحتى زواجه لم يكن قد تريث طويلاً إلا نادراً مع امرأة واحدة ليكشف شيئاً أكثر من بشرتها. ولكنه كان قد وجد أن ذلك المظهر الخارجي ممتع بلا حدود، وبدا أنه عقد العزم على رسمه من كل الأركان والزوايا، وفي كل الأشكال والأوضاع، من الشعر الأشقر الحريري الناعم إلى الأقدام العارية التي لم تنتعل قط..  وتركت متابعة وتقليد رسوماته، ورحت أبحث عن رسام المرأة الآخر الذي يظهرالمرأة ذات جمال غير مبتذل. و كنت شابا يافعا في الثامنة عشرة من عمري وفي السنة الثالثة من دراستي للفن في معه الفنون الجميلة الذي تخرجت فيه وعمري تسعة عشر عاما وكنت مهموما بالصحافة والثقافة والمماحكات الفكرية والأدبية. ولما دخلت سن العشرين، كنت أميل الى لوحات الرسام ووترهاوس العارية، (1896 - 1925)  وانشغلت كثيرا بنقل لوحات الرسام السير لورانس ألما تاديما  (1836 - 1912) والرسام وليم بوجويروو (1825 - 1905).  وعندما كنت في الخامسة والعشرين، كنت أتطلع بدقة الى رسوم وتخطيطات الرسام النمساوي أنديرس لينارد زوون(

1860 - 1920)) الذي يشبه الى حد كبير ومثير لوحات رينوار وأمام عبقرية هؤلاء الرسامين الأساتذة الكبار سيتضاءل حجم المتباهين برسم الموديلات العارية.. و(عندما نحك الطلاء سيظهر معدنه الحقيقي: الذهب)

 

س69: أ. د إنعام الهاشمي: وأي منهم تتمنى أن يكون حياً بيننا ليطلع على لوحاتك ويرى ما رأيته في المرأة مما فاته الالتفات إليه؟

ج69: خامرتني الآن الدهشة إياها. بأن افكاري ولوحاتي أشادت كيانها فوق مساحة نسيج لم تطأها فرشاة فنان قبلي.. ونحن لانشم الزهر المشموم)

كل فنان يختص برسم الوجوه لديه أسبابه وظروفه ومتطلباته. هناك فروق فردية لها جماليتها الساحرة لدى رسامي (Nude)(النيود) هائلة التأثير في الأسلوب والأتجاة الفني السائد.

كان العديد من معشر الرسامين المختضين بدراسة جسم الانسان وحركاته وسكناته وفي وقوفه وجلوسه، الرجل العجوزمن بينهم والشاب. والمرأة المسنة والغيداء والصبايا والأطفال في أعمارهم المختلفة. لهذا فموضوع تصوير وتخطيط والرسم بالوان المائية والزيتية، أصبح من أولويات العمل المدرسي منذ فترات طويلة تمتد الى ما قبل فترة عهد النضة الأوربية وظهور كتاب النقد لفاساري عام 1552. وانتشرت هذه الحصة التعليمية الضرورية في معاهد وأكاديميات عربية واسلامية تحددت أولا بموديلات الرجال والنساء والأطفال بلباسهم الوطني، ومهم مدارس فنية أباحت العروض النسوية غير العارية تماما.

 

- وسهرت أرتب حقائب السفر.. ثم استلقيت للحظات، وإذا بي أغط في النوم من شدة الإرهاق، وإذا بروحي تنساب مجدداً، لتتوارى عن جسدي في أثير الحلم، وتناهت إلى مسامع خيالي رفرفتها وكنت أراني منشرح السرائر من الفرحة التي أدخلتها في نفسي الصديقة (د. باولا) عندما رسمتها عارية جالسة على شرفة تطل على غابة وكثيفة من أشجار الحمضيات ومزرعة جميلة للأعناب. وصناعة اعصير العنب. وبعد أن أستلقينا على فراش التعب، قالت فجأة وهي تقرر شراء لوحة (فتيات من جنوب العراق). واقترحت، أن أرسم لها "بورتريه". عارية أيضا ما عدا حجب وجهها بشعر راسها كما كانت تشاهد اللوحات في المعرض وكما اقتنت لوحة فتيات الجنوب بخماراتهنَّ الشفافة الجميلة. حضرت في اليوم التالي الى محترفي الصغير في سيناكو.. وبعد أن نامت متأخرة تلك الليلة، كسرت أثناءها الرتابة التي كانت كاملة، ليصبح عندها في فجر هذا اليوم، طعماً ومذاقاً خاصاً، تخفّت به من ماضٍ مثير، كان الحب فيه وكأنه غبار نجوم الأسى، وكل لحظة حب تجتاحها، يزورها في الأحلام، لحن النجمة النائية التي كانت تطل عليها أيام سعادتها بين أحضان أمها وأبيها في مبنى قديم يعود الى ثلاثمائة سنة. كان ديراً للرهبان اللائذين بصوت تجليات الروح..

استيقظت "باولا " منشرحة، مغتبطة، جلست أمامي ساعتين، أنجزت خلالها التخطيط الأساس لوجهها. وكانت هي قد أعدت لنا طعام الغداء النباتي، وكانت "حسنه" على موعد للذهاب الى المدرسة لتتعلم اللغة العربية.. فذهبت أنا مع "باولا" بسيارتها الى زيارة معرض الفنان الإيطالي "روبيرتو أويجي" وهو يعرض تجربته للفترة (1993-1996). وله أسلوبه وتقنيته وألوانه ووضوح صياغته ومعالجته للمواضيع التي يرسمها: " الأشجار والورود والبساتين ". وكان يميل في تحقيق ذلك، الى أسلوب " شاكال " في البناء اللوني وفي مسقط الرؤية والمنظور.. والى "ميرو" في التصميم العام للشكل وإنشائه وزاوية اختيار المشهد الطبيعي. والى فنانين آخرين، يميلون الى هذه المعالجة.

بعد ذلك، ذهبنا الى معرضي على قاعة "ساسيتي كولتورا ". وهناك شربنا القهوة معاً، ثم غادرت الى عيادتها، على أمل اللقاء في الأحد القادم لإنهاء لوحتها.. بعد ذلك بلحظات، حضر الرسام،" فوزي الدليمي "، الذي يكتب الشعر، ويترجم الى الإيطالية دراساتٍ وكتباً في الأدب والشعر والتاريخ. كان آخرها ما ترجمه عن شعر " أدونيس " عام 1998. دخل "فوزي" لمشاهدة لوحات المعرض، وقررنا الذهاب الى تناول طعام العشاء. ولكن، وبينما كنا مزمعين على مغادرة المعرض، دخلت القاعة د. " ماريّا بالزولا "، وهي مختصة بالطب النفسي. ترافقها طبيبة تعمل معها في المستشفى. وكانت قد نفذت ما وعدتني به الليلة الماضية، عندما سهرنا معاً وبرفقة "باولا" و"حسنة"، في حفل موسيقي خاص لفرقة هندية، تناولنا أثناءها العشاء الهندي الذي اشتهر به هذا المطعم. أخذت اللوحة التي اختارتها..

بعد أن أنهينا تناول طعام العشاء، جلسنا في الشرفة الوسيعة التي تطل على غابة كثيفة من أنواع الأشجار التي تظلل نهراً صغيراً يندفع فيه الماء بقوة.. وكان القمر قد توسط كبد السماء والريح هاجعة والسكينة تطبق على المكان.. وما زال وجهها الممتلئ عافية يزداد احمراراً.. وألوان السماء داكنة الزرقة، إلا المساحة التي تحيط بقرص القمر، فقد كانت هالة من النور الفضي، تنساب منها حزم رقيقة ناعمة وتلامس أطراف الأوراق العلوية من الأشجار منسلةً من بين فجوات الأغصان، وبقع متلألئة مرتعشة هنا وهناك، تتمايل مع حركة أوراق الشجر.. وكانت النجوم تومض وتنطفئ ويخفق معها وجيب قلبي من الفرح.

في تلك السكينة المثيرة للوجدان سكنت ورقّت نفوسنا، وخفت عليها أن تذوب، وهممنا بالفرحة تنساب إلى أعماقنا، فكأنما كانت الرغبة بشبقها العارم تُمتن فينا وحدة الأرواح.. والأجساد. - وكأن محبوبتي تقول شعرا للشاعر ذياب كزار ابو سرحان:     

(لا لا يَا بَرْدْ الصبحْ

ماتِحْمِلْ چْفوفي

زْغيرَة وچِـواني العِشِگْ

وَتْـوَسَدْ زْلوفي

هيمَة وْجحيلْ الوَكِتْ

ومـا لَمْني نَـفْـنوفي.

أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة)

 

(حَلمانَـه بَردْ الصبحْ

رَجَّـفْ خَلاخيلي

يـادِفـو چَـمْلْ الدِفـو

يـاگمرْ ضَـويـلـي

يـاذَهَبْ خيطْ الشمسْ

طوگـيـنْ سَوّيلي

لايِگْلي طـوگْ الذَهَبْ

والدَغشْ ماريدَه

أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة.)

 

(خِذْني عْلَى جَـفّـك سِـمْسِمَه

مـاهـي ثِـجـيـلَـه يَاسِـمَه

ذِبْـنـي بْـحَـلاتي مْـديـرِمَه

يَـمْ شـوگي وَأنـسَى الـغيـبَه).

 

أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة

نَـگـضْـني مَشيِّ الدربْ

والشوگ هَـزْ الگلبْ

والگـنْـطَرَة بْـعيدَة.)

 

س70: أ. د إنعام الهاشمي: من المعروف أن الريف في جنوب العراق، وخاصة في الأهوار، يتعامل مع العري، بطريقة خالية من التعقيد الذي نراه في المدن، كما من المعروف أن الكثير من أهل الريف الأصليين ينام عارياً رغم نوم كل أفراد العائلة في غرفة "صريفة" واحدة.

ج70: المجتمع النهري في ريف العراق، وخاصة في الأهوار، جنوبا، وفي أعلى جبال شمال البلاد، يتعامل الناس هناك مع العري الخفر وليس المكشوف، ولهذه الحكاية قصص كثيرة مشابهة او متطابقة بشكلها العام مع مفهوم أن " الجنس هو العزاء الذي يلجأ إليه المرء عندما لا يحصل على الحب ". إذ كنت مع اصدقاء طفولتي في زمن مضى أعبر جسر الملك غازي في مدينة العمارة التي ولدت فيها، والتفتّنا إلى اليمين من نهر دجلة.. وكنا نسمع على شاطئ النهر ضجيج أطفال لمجموعة من جامعي الثمار وحاصدي الحنطة والشعير والشلب نطلق على المتجولين المتنقلين منهم لقب (الثّمارة) الذين كلما رايتهم استذكرت قصة عامل الطابوق (جبار اللواح) ونهضت تفاصيلها أمامي كشريط من الصور الملونة وهو يشرح لي في (فترة استراحتنا لتناول طعام الغداء) في معامل جبوري حنا الشيخ في مدينة العمارة، كيف كان ينتظر موسم مجيء الثمارة السنوي، متخذين من شواطيء نهر دجلة أمكنة لمبيتهم. وكيف كان يتسلل في الليل، ملتفا بعباءته السوداء، إلى الجهة التي تنام فيها النسوة، فيستلقي خلف امراة منهن، ثم يتقلب كالنائم متقربا إليها تدريجيا حتى يلامسها. وعندما تفز من نومها وتلتفت إليه لتكتشف ما يجري، فإنها لن تتبينه في الظلام، من وراء عباءته.

فتظنه أمرأة. ويكرر المحاولة، فإن لم تعره اهتماما فإنه سيزيدها قربا من تحت عباءته. وإلا فستصرخ وتوقظ الرجال وينفضح. وكان أشبه بطيف احتواه لمرة واحدة في خريف من اعوام حياته التي مرت دون أن يعرف الحب الحقيقي فيها إلا في علاقات عابرة.. فيؤكد بأنه لم ينم مع امرأة حقيقية اختصر بحبها سنوات عمره كلها في لحظة واحدة. لكنه باح لي باسراره الغريبة التي لم أصدقها وهي عدم شعوره بالمتعة الحقيقية العارمة وقال: " لا اريد ان اصدق بانني لم أكن قادراً على تحمل غرائبيتي بين الأسوياء، ولم أشا الاعتراف بتسرب الشيخوخة من هواني في الحب ".

 

س71: أ. د إنعام الهاشمي: لماذا لا نرى انعكاساً لذلك في الفن العراقي كما نراه في الفنون في الحضارات البدائية في أنحاء العالم الأخرى؟

ج71: نراه صورا تخصنا وتنتمي لزمننا ولها روح الأمكنة ومناخات وأنفاس اللحظات، نراه انعكاسا محدودا مستورا وغير مشاع بين قلة من التشكيليين. ولكنه يبدو الأشد وضوحا في الأدب القصصي والروائي. وتساءلت: ماذا لو كانت شخصية (جبار) الرجل العادي البسيط الذي لايدرك من ابجدية لغته سوى الفاظها، أن يتحول بقدرة خفية كغرائبيته العجيبة، إلى كاتب عظيم كفلوبير او روائي ملهم قدير مثل دوستويفسكي.. هل يتقاطع محور الحب الحقيقي وتاثيره النفسي ومفهومه الفلسفي مع ذاكرة فذة لعالم مثل أنشتاين يتحدث بسلاسة عن تفاصيل نظريته وكتبه وحياته وبيئته وعلاقاته النسائية عبر قفزات زمنية رشيقة.؟ وهل يمكن قول الكثير عن مثقف موسوعي آخر له تجربة (جبار) في جوانب لم يكن قادرا بضغوطها، على احتمال الاستمرار في الحياة.. بل سيكون قادرا على إنهائها من فوره.

وإذا ما قدر لي ان اكتب هذه الرواية، فإنني اضع نفسي بين الشخصيات الثانوية إلى جانب الشخصيات الرئيسة المرسومة بإتقان وبلغة المبدع (السحرية) وبرقة أصابع الموسيقي الطرية الملمس، وسأركب قواعد وسقوف معمارها الفني بقوة ومتانة التماسك المذهل للأفكار وتسللها عبر تدفق تفاصيل الأحداث الروائية، فإن" ذاكرة المظلوم جبار " تعبق بالأحاسيس الإنسانية التي تترفع بالجنس وتنتصر لمطلق الحب فيه بنزوات الجسد الحكيمة، إذ يتجاوز البطل في خاتمة علاقاته (بنسوة الثمارة) مشاعر الغيرة التي استبدت به من قبل، ويهب متعته لهن وحدهن.

تجربة تشبه العمل التجريدي: أو أي عمل فني ينتمي لأي من فروع الفن البصري الأخرى التي تتبع التعاليم الكلاسيكية والتي يذهب فيها الفنان للنقل عن الواقع المحيط بحيث تظهر مثل هذه السطوة الجنسية في أجزاء مختلفة ومتنوعة من الأعمال الفنية سواء كانت جزءا من خلفية الموضوع الفني أو هي ذاتها المحور الرئيس للموضوع.

هناك في الادب العراقي نماذج تقترب من عوالم فلوبير وان ظهرت بخفر وحياء وافتعال شبقي مكشوف. كما في تجربة عالية ممدوح. التي كانت تتوهم بأنها تقدم المختلف، وتنتج وعياً آخر يجلد رغبات النسوة في الحياة، (في الحب). الحب الذي تحفل به روايات عالية ممدوح، والذي تحتفل به راوية "المحبوبات"، تعلن عن رغبتها فيه.

تقول: "أحبُّ أن أُحَب، أحب أن أحَب وأكون محبوبة... أحب تلك اليد التي تمشي علي جسمي بغير نظام ولا هدف، بالزائد الذي لم يفض، وبالناقص الذي فاض، وبالرجال الذين تركتهم علي سجيّة نفسي، أنام معهم واحداً تلو الآخر ولا ألتقي بهم... " الحب بلا قواعد سابقة، بلا حدود مفروضة. حب بلا عنف. حب جسد لجسد لا ينهض عنف الذكورة بينهما. إنه اللقاء مع الذين لا يملكون " إلاَّ سلطان ضعفهم المعتدل القامة"، والذين لا يميزون بيننا وبينهم... "حب ولقاء. أو حب هو لقاء الأنوثة والذكورة، بين امرأة ورجل، بين كائنين. نذرف معه الدموع. دموع نذرفها معاً. نحن وهم، ويغلب علينا الخوف.. الخوف! الذي ربما هو الفراق الأعظم الذي لا بدّ منه، الفراق الذي يعلنه عيشُ الحياة. هكذا ترى د. يمنى العيد عالية ممدوح روائية متربعة على عرش اللغة.

 

س72: أ. د إنعام الهاشمي: أهي حضارة المدينة التي تطغى على الفنون العراقية وهي المسؤولة عن ذلك أم الدين هو المسؤول بالدرجة الأولى؟

ج72: كانت العوامل الأخلاقية والمحرمات (التابوات) الكثيرة، تعتبر من المؤثرات والعوامل التي تؤثر في توازنات وتطلعات مبدعي العمل الفني. ولو تركناهم على حريتهم وهواهم التجريبي، لحاولوا نقل تلك القصص والحكايا الشعبية في لوحاتهم. كما فعل يحيى بن محمود الواسطي عندما رسم امرأة في لحظة المخاض والولادة، وهي محاطة بجاراته من نسوة الحي.. وقد أظهرها عارية تماما من أعلى البطن وحتى الساقين والقدمين، جالسة وسط (جفان) من الماء الساخن. وكذلك ليست العوامل التي ذكرتها كانت السبب الوحيد في تهديد البشرية بالدمار المحتمل. (وهناك مبدأ يجري تطبيقه أيضا لتثبيت تلك الحقيقة والتمييز بين الخيال والواقع).

عندما قلت سابقا ان العالم قد غدا مميتا للأطفال، لم أكن أفكر في المساعدات فحسب، وموجة أكلة لحم البشر في إقليم ايتوري بالكونغو، أو الجنود الصبية أو المراهقين العالقين في أوحال يأسهم في فيتنام، أو ظهور موجة التجنيد الاجباري مجددا والرأسمالية الخبيثة في اوروبا تستعد مع امريكا لتدمير البشرية في العقد الرابع، من القرن الحالي، وذكر أن سلب ثروات كوكبنا وموارده سلبا غير مسبوق، وتعريضه لكوارث كبرى محتملة بسبب الخراب الذي تتعرض له الارض به، هو الاشارة الفاصلة في حياة البشر. أو في ما أقدمت عليه الدول الكبرى المتجبرة على غزو العراق وأفغانستان وما تجري الأن من مذابح وجرائم ضد الانسانية. عندها ستغدو تلك اللحظة ذروة الصحوة! إنها الصحوة المخصبة بإشراقة من دواخلنا. لقد حكمتنا على مر زمن طويل عقول عقيمة ولا تتحلي بأدنى قدر من الحكمة. فماذا لو جعلنا صحوتنا ــ ينبغي ان تكون ثورة ــ في ضوء الرغبات التي تحدو أطفالنا؟).

كوكبنا غير مهيأ للفرح. علينا أن ننتزع السعادة من الأيام القادمة.. أن نموتَ في هذه الدنيا ليس صعباً. لكن أصعب بكثير أن نصنع الحياة. ومن هنا كان تأثرنا بكتابات الروائية ريككي دوكورنيت عن فرح الطفولة مقابل صورة نقيضة عن المرأة كحاجة جنسية في روايات كثيرة مثل بعض أعمال لورانس والبرتو مورافيا وكما ورد في رواية مورافيا: شباب امرأة. التي انتحرت فيها "أوديت" الشخصية الرئيسية في هذه الرواية احتجاجا على واقع رديء وغير منصف للمرأة على الاطلاق.. وكانت ميل نانسي الشديد إلى فكرة الانتحار يجعلها تنفعل بقصة حياة فرجينيا وولف: إن المرأة الغربية انتحرت مرارا قبل أن تستحق العيش بالشروط الاجتماعية الراهنة. بل وجنت كثيرا قبل أن تظفر بعقلها الحالي. علما بأن الأحمق هو الذي فقد كل شيء ما عدا العقل! وهل يحمل هذا الفعل شبها لضغوط ثقيلة على النفس والعقل والابداع كما كانت عليه فرجينيا وولف(1882 – 1941) – التي ماتت بدورها انتحاراً بعد ستة عشر عاماً من صدور (مسز دالاواي)، عرفت كيف تقدم صورة ما لبريطانيا الخارجة من الحرب العالمية الأولى والمتغيرة اخلاقياً واجتماعياً بعد أعوام من نهاية العصر الفيكتوري وتزمته. وحين كتبت وولف هذه الرواية (1925) كانت تعيش في وسط صخب الحياة الأدبية في لندن، وكانت – وزوجها – عضواً في مجموعة بلومبزبيري، ذات المناحي الاشتراكية – سياسياً – والتجديدية ادبياً. وكانت(مسز دالاواي) الأولى بين سلسلة اعمال فرجينيا وولف الكبرى، ومنها (نحو المنارة) (1927)، و (أورلاندو) و (غرفة خاصة) (1929) و (الأمواج) (1931) و (بين الفصول) (1941)، إضافة إلى مجموعات من القصص القصيرة، ثم بخاصة كتاب مذكراتها الشهير(يوميات كاتبة) الذي يمكن القارئ ان يتلمس فيه تفاصيل تطور «جنونها» الذي قادها في نهاية الأمر إلى الانتحار.)

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 ..............................

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-04-27 11:11:18.