تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (6)

s16خاص بالمثقف: الحلقة السادسة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق2) من اسئلة الاديبة والمترجمة ا. د. إنعام الهاشمي.

 

س73: أ. د إنعام الهاشمي: أين تضع نفسك في مدارس الفن المختلفة من الكلاسيكي إلى الانطباعي إلى التجريدي والسريالي؟ وأين تمنيت أن تكون لو لم تكن؟

ج73: يرى نقدة أدب النقد الفني الحديث، بأن لوحاتي تصنف ضمن المدرسة الواقعية النقدية التعبيرية الحديثة. وهي فرع من عائلة الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن. الأكثر تطورا والأرسخ ثباتا بين تيارات الفنون الحديثة، منذ أوائل القرن العشرين المنصرم.. لم أكن أحب تصنيف تجربتي في الفن في أي زمان مضى. ولأي اتجاه تميل. وحتى معنى كلمة المدرسة الفنية الفلانية، كانت تثيرني. وأجادل الآخرين فيها وأجدد تساؤلاتي عن جدوى أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة التي ربما تعني في جانب منها (الفخر الكاذب). ولكنني اليوم على قناعة تامة من جدواها. لأسباب نقدية تنظيمية ارشيفية توثيقية. وكنت قبل أن تستقر رؤيتي على نتيجة جوهرية قادتنا إلى ضرورة الدفاع عن قيمة وحرية الانسان وتنوع حضارته. فغدت مقالاتنا وكتبنا ولوحاتنا تدور حول مستقبل الانسان وضرورة مراقبة تحركات السلطات الفاسدة في العالم الرأسمالي واستجواب فكر وعقائد العصاب، المتداخلة مع مفهوم حرية الفرد وخصوصيته.. وهذ ما وضعنا أمام إشكالية نزوعنا الطبقي المستقبلي. وموقفنا من الدين: بسبب تصويرنا الضاري لأخطاء الساسة. التي تسيء استخدام كلمة (الجيد) تماما مثل الساسة الذين يسيؤون استخدام كلمة (الحرية والديمقراطية). وكنت أرفض الافكار العقائدية السياسية الجاهزة، والعصابية من أجل أن تنبع كتاباتنا من مكان في أعماق الفكر الخالص. الكتابة الجيدة تعني التفكير الشجاع. وهو تغييري بطبيعته ويعيد تشكيل الرؤى والحقائق لصالح خير البشرية.. وكانت حبكات رؤيتي تتفاوت من حيث الزمان والمكان، من التاريخي كما فعل شكسبير مرورا بأجواء فلوبير وخلوات الليدي تشاترلي في القرية الفرنسية الصغيرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وانتهاء بأحداث وتفاصيل حياتنا الشخصية في اواخر خمسينيات القرن العشرين وقد جمعت في اسلوبنا بين محبة جويس وجراهام جرين، وفرجينيا وولف وشطحات بودلير ورزانة ديكنز وجموح ادجار ألن بو. كذلك تضمنت بعض محبتها لحرية التوجه السريالي ونهوض حركتها الشعرية والفنية بين اندريه بريتون، وسلفادور دالي،. وسرعان ما تنعطف مجددا إلى السرد المشحون بالواقعي السحري، مستخدمة وسيلة التفجير اللغوي لدى بودلير، ومالارميه، وتزارا، وبريتون. أو باسلوب التحريض الجنسي المثير والحسّي المتمادي في بدائيته. وما كانت تلك الصياغة المركبة التي تماشت واسلوب الكولاج الذي شاع بين الفنانين والشعراء والادباء في فترة ما بعد الحرب الثانية وما نجم عنه من ظهور المؤثرات المبكرة والأكثر إلحاحا على مخيّلة المبدعين الشباب. كان الحافز وراء كتابة (قصة حياة بلدة صغيرة) هو تضخم ذهان حاكمها الحاد ونزوعه للسيطرة والقمع لدرجة جعل الناس يتمنون العيش في أمكنة متخيلة، تولد فيها شخصيات روا ئية مبتكرة متمثلة بطبقة عاملة ومزارعين ليسوا من هذه الارض ولا يحاصرون بتسييس حياتهم وهم من الأغلبية الصامتة من الفقراء هناك. وكانوا يختنقون في حال مدقع ومعيشة غاية في التردي، ما انعكس ذلك على الأطفال والعوائل بأكملها هذا ماستطعت، أن أرسمه في لوحات الحرب والسلام. كانت الواقعية النقدية التعبيرية الحديثة في الفن والأدب هي الأكثر قبولا وشيوعا عندي، وبين اتجاهات الفنانين العراقيين أيضا. (لكن هل يستطيع الواقعيون، والواقعية أن يمروا خارج حياة الفن والمجتمع؟) والواقعية الاشتراكية مثلا استفادت كثيرا من أفكارها الواضحة المحددة. ومن وجهة النظر هذه، للواقعية الاشتراكية، والواقعيين اتجاه، والواقعية الاشتراكية مثلا أرادت فهم الحياة واعادة تنظيمها بما يؤسس لها من خلال اليوم للغد. إن في هذه الواقعية توجد عناصر رومانسية حالمة بالقادم. وليس هناك ما يمنع أن نطلق عليها الواقعية الرومانسية، أو الواقعية الخيالية. يقول مكسيم غوركي: " فننا يجب أن يرتفع فوق الواقع، وان يرفع الإنسان فوق الواقع أيضا، ومن دون أن يجزء الواقع. وحين يقترن الواقع بالخيال ينطلق السؤال التالي: هل هي هذا؟ الجواب: نعم، إذا كان البطل الثوري الاشتراكي طموحا ضد الجمود. هذا الطموح يمنح الحياة ظروفا جديدة في الأشكال، ومن خلال ذلك يمكن أن ننطلق إلى الدعوة للرومانسية "

 

س74: أ. د إنعام الهاشمي: ماذا تحمل في نفسك من مشاعر وانطباعات لكل من فناني عصر النهضة وأوربا عامة؟؟ - ومن منهم تمنيت أن تكونه، فناً أو شخصاً؟

ج74:1: منذ العام 1970انشغلت مع هذه الأسماء الكبيرة التأسيسية في الفنون التشكيلية في أوربا للفترة ماقبل عصر النهضة بقليل ولما بعدها. وقمت بوضع عنوان: أساطين الفن التشكيلي في العالم وهي عدة بحوث ودراسات قمت بإعدادها وتحريرها منذ عام 1970عن روائع رواد وأساطين الفن الإيطالي والروسي والفرنسي والإسباني، الموجودة في متحف الآرميتاج ومتحف اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان ومتاحف العالم الأخرى.. ومنها عن تجارب أساطين عصر النهضة، إذ بلغت النهضة الايطالية قمة عطائها الفني في مطلع القرن السادس عشر في السنوات القليلة الواقعة بين عامي 1459 و1520. حيث تألق عدد من عمالقة العمارة والرسم والتلوين ونحت التماثيل. وبلغوا بهذه الفنون مستويات أسلوبية رفيعة، ومكانة متقدمة في المعالجة والصياغة واختيار نوعية المشاهد الطبيعية والدينية وهم: الفنان (برامانت 1444- 1514) و(تيتشيان 1488- 1576) و(مايكل انجلو 1475- 1564) و(ليوناردو دافنشي 1452- 1519) و(رفاييل 1483- 1520) بلغ ابداع هؤلاء درجة من الكمال بهرت القرون الثلاثة اللاحقة وطبعتها بميسمها. وهناك أسماء أساس، عملاقة أخرى كان لها تأثير مباشر في تحولات الفنون التشكيلية باتجاه الفن الحديث. ليس في محاولاتي البكر وحسب، بل وفي تجارب الفناننين العراقيين والعرب وحشود هائلة من الفنانين الأوائل والمحدثين. في العالم.

 

س74: 2: ماذا أحمل في نفسي من مشاعر وانطباعات لكل من الفنانين التالية أسماؤهم: ليوناردو دافنشي (1452- 1519)،

ج74: 2: تعلم ليوناردو دافنشي فن الرسم والتلوين في عدة ستوديوهات، وهو في سن الثلاثين، قبل سفره الى فلورنسا، للعمل مهندسا حربيا، وليس في المعمار أو في الرسم. لكنه ترك فيها (اسكيجات) دراسات مستفيضة، مثلت بداية سنوات تألقه. صممها على اسس هندسية ومنظور دقيق للمسافات وفي رقة الاشكال وتدرج ظلالها، ولم يعتمد في تصويرها على الخطوط كما فعل معاصروه، بل صب اهتمامه على تجسيد الابعاد الثلاثة، عن طريق درجات الظل والنور المتغايرة، جعلتنا نتخيل وجود الخطوط الخارجية دون أن نراها، لقد جعل العناصر الفنية مرتبطة في وحدة تصورية متكاملة.. وهو اسلوب يكسب اللوحة جوا وطابعا شاعريا مبتعدا عن الواقعية التقليدية. ، وبعد 12 عاما من ذلك، ابدع رائعته الحائطية: العشاء الاخير التي رسمها على جدار مطعم (دير سانتا ماريا جراتزي) في ميلان سنة 1501 انتهى منها سنة 1495. كيف جسدت لوحة دافنشي جملة السيد المسيح المأثورة لحوارييه حول مائدة الطعام: "من يخونني موجود معي على المائدة"؟ لقد تجسدت في ملامح الوجوه: في امارات الفزع المرتسمة على وجوه التلاميذ من أثر الكلمات التي سمعوها،بينما نشعر بهدوء وسكينة شخصية المسيح. وإذا تأملنا حركات الشخصيات المعبرة والمنفذة بدراية تامة بعلم التشريح، نتبين اختفاء الخطوط المحددة للكتل المرسومة، لتتكامل مع عناصر خلفية اللوحة. وكان عنصر التكوين في عمله نموذجا للقاعدة الذهبية في معمار او تصميم العمل الفني المنظم المتماسك في عناصر ووحدات إنشائه وبخاصة (المنظور) في وجود نقطة التلاشي في مركز الصورة. فلعب ذلك التصميم دورا رئيسا في المعنى والرمز اللذين خدما المضمون الذي أصبح محاولة جادة للخروج عن النهج القديم، واتجاها الى التجريب والتجديد، والتطور.

وقد تلاشى في فنه مظهر التسطيح ومنح شخصياته وعناصره بروزا وحجما، تشكيلات من الظلال المرتبطة بعضها ببعض بحيث تجمع عناصر الصورة في تكوين موحد وكتلة متكاملة مع الخلفية. نحس فيها بالهواء والفراغ، كما نشعر بطيات الملابس وعمق دراسته للتشريح الذي وضع فيه مؤلفات مستفيضة مشفوعة برسوم توضيحية تعليمية. وقد تضررت لوحة العشاء الأخير الآن، نتيجة لاستخدامه الوان التمبرا مع مادة الزيت بدلا من الوان الفريسك، وكان أحيانا يرسم بالوان الزيت على الجص مباشرة، لعله يبتكر اسلوبا جديدا في التصوير الجداري. كما تفرد في تجربته الفنية التي دعاها (سفوماتو)، أي الرسم بالدخان، يعتبر اكتشافا رائعا في عالم فن الرسم. وما كانت شخصيته الابداعية متجسدة في الرسم التصويري والنحت وعلم التشريح.. والواقع ان ابحاثه اسفرت عن وضع قواعد للطيران وتصميم طائرات تشبه الهليكوبتر التي نعرفها الان، وغواصة تبحر تحت الماء وملابس للغوص، واسلحة على شكل قوارب تشبه العقرب في وظيفتها الدفاعية والقتالية، ومدافع رشاشة سريعة الطلقات. كما تفوق في فن العمارة وعلم الجيولوجيا وقوانين المنظور والهندسة الحربية وصنع عربات مصفحة تحمل مدفعيتها وتشق جيوش الاعداء، كان يسعى إلى خلط البارود بالكبريت وكرات الحديد فتصبح اقوى الة مميتة عرفت في زمنه.. وتوسعت معارفه في علوم الطبيعة والميكانيكا والفلك والكوزمولوجيا. وكتب المؤلفات العلمية التي تتعلق بالرسم وتوجية الفنانين، متحدثا باسلوب علمي عن قواعد الرسم المستقاة من الطبيعة، معالجا علاقة الفن التصويري بكل من الشعر وحركات الجسم الانساني والاقمشة والملابس وقوانين الظل والنور، والمناظر الطبيعية بما فيها من اشجار وسحب وصخور وافق، تلك النصوص التاريخية ما زالت محفوظة بخط يده في مكتبة الفاتيكان بروما. لهذا تميزت لوحاته ومنها الموناليزا التي رسمها في اربع سنوات (1503 – 1507) بالواقعية والشاعرية معا.

خاتمة حياة متعبة: نزح دافنشي الى روما سنة 1513 لأنه لم ينل المكانة اتي كان يرنو اليها في بلاده. عاش ثلاث سنوات في باريس واتخذ نشاطه فيها طابعا علميا وفلسفيا. وتقدمت به السن واعتلت صحته. لفظ انفاسه الاخيرة في 2 مايو 1519. ترك مذكرات مهمة كثيرة لم يعرف منها سوى تسع عشرة كراسة تضم 3500 صفحة مليئة بالتخطيطات على الوجهين، وصفحات متناثرة في متاحف العالم.

لاحظ كتاب (فنون عصر النهضة) ليونيللو فينتوري وفاساري وحتى الكتاب الاخيرللدكتور ثروت عكاشة.

و كتب (الفنون الجميلة) الكثيرة جدا التي تحدثت عن فنون عصر النهضة وسلسلة كتب ART DOSSIER عن ليوناردو دافنشي.

 

- 74: 3: رفائيل 1483م - 1520 م

- لا يمكن لأي باحث في هذا المجال أن لا يتحدث عن عملاق آخر في فن الرسم هو رافائيل الذي ولد عام1483م. وكان والده فناناّ اختاره دوق (أوربينو) ليكون فنان البلاط. وأرسل والد رفائيل ابنه ليتتلمذ على يدّ الفنان بيروجينو الذي تأثر به رفائيل كثيراً. كما تأثر في فترة دراسته بأسلوب الفنان الإيطالي الشهير دافينشي.

في عام 1508م دعاه البابا يوليوس الثاني ليسهم في زخرفة بعض الغرف الجديدة في الفاتيكان في روما وتجميلها باللوحات والأعمال النحتية والمعمارية. فظل يعمل وأنتج أجمل أعماله الفنية.

وأشهر أعمال رفائيل مجموعة من اللوحات الجصيّة الجدارية التي عملها للبابا، وفيها تتجلى مقدرته المتميزة على إدخال الملامح المعمارية في تكويناته التشكيلية. وكانت لوحاته هذه تملأ الجدران الأربعة لكل غرفة.. ومن ابتكاراته أنه كان يستغل الأقواس الموجودة في المباني لتكون إطارات للوحاته الكبيرة. ومن سمات أعماله الفنية أنها كانت واضحة، وفيها تناسق وتناسب، ومقدرة على تصوير الأبعاد والفراغ.. ولم يقتصر فن رفائيل على التصوير، بل كان معمارياً بارعاً. ومن أشهر لوحاته:القديس جورج والتنين، ومدرسة أثينا، وبالداسّاري كاستيليوني. من لوحاته أيضا(البستانية الحسناء) وفيها أظهـر العذراء، أم المسيح، كامرأة عادية تلعب مع طفلها ولوحة (عذراء آنسيدي ولوحة (عذراء الكرسي) ولوحة (القديس يوحنا) ولوحة (عذراء طيور الحسون) ولوحة (إنزال السيد المسيح عن الصليب).

- كان رفائيل رسّاما ومهندسا معماريّا ومن أهم فناني عصر النهضة في إيطاليا.

- توفي عام 1520 م وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

 

س74: 4: مايكل أنجلو: (1475- 1564)

ج74: 4: الاشعار الجميلة التى قالها مايكل انجلو في سن الشيخوخة: (إن أفكاري الكثيرة المليئة بالفزع، لابد أن تتجمع وتصبح مرشدا لأيام الصفاء، في أواخر أيام حياتي).. وكانت مجمل أفكاره، تشكل مفاصل سيرة حياته الشخصية والإبداعية. حتى وفاته. لم تكن وفاة مايكل انجلو فقدان فنان عظيم وعبقرية ليس لها نظير فحسب، بل كانت ايضا بمثابة إسدال الستار على فصل من اجمل الفصول المزدهرة التي عرفتها ايطاليا، فكان حزنه نتيجة لما قيضته المقادير ونزولا على إرادتها، فكان كاالقدر لم تعرف شفتاه الابتسام في يوم من الأيام وكان شعوره بالألم يتضاءل باديء ذي بدء أمام شعوره بانتصار الجمال ثم اخذ يزول كلية أمام قوة الإيمان. كلف مايكل انجلو برسم كنيسة السكستين بدعوة من البابا يوليوس الثاني، وكان مايكل انجلو يؤثرالنحت على الرسم، فنصح البابا بأن يكلف (رافائيل) عوضا عنه، لكن البابا اصر على تكليفه هو بالذات. وفي العاشر من آذار (1508) كتب مايكل انجلو العبارة التالية(اليوم انا مايكل انجلو، شرعت في رسم كنيسة السكستين) وقد جاء الرسم بعد اربع سنوات من العمل المضني والمرهق مفخرة من مفاخر الفن الإيطالي. انتقى مايكل انجلو مواضيع رسومه من قصص العهد القديم، خلق الدنيا- الخطيئة – الطوفان. (مايكل انجلو):(انه اخذ من لبن المرضع الازاميل والمطرقة التي كان يعمل بهما تماثيله الرائعة): ان مايكل انجلو قد ارضعته في طفولته زوجة رجل احترف مهنة النحت في مزرعة كانت تمتلكها اسرته (آل بوناردتي). بقى ثلاث سنوات في مرسم (جيرلاندو) يعاونه في رسوماته.

 

بعد رحلة العناء مع إنجازاته الرائعة هذه بدأ (مايكل انجلو) ينقطع لقراءة كتب الشعراء والخطباء الشعبيين ولفرض القصائد الشعرية التي كان يضمنها قصص غرامية ويعبر فيها عن طموحاته واحزانه وما كان يشعر به من مرارة، وربما كان ذلك للترفيه عن نفسه، وبالرغم من ان جانبا كبيرا من هذة القصائد قد احرق، وذهب طعمة للنيران، ولو ان بعضا من قصائده التي بقيت كفيلة بأن تضعه في مقدمة كبار الشعراء الذين عاصروه، واننا نراه في قصائده هذه كما في أعماله ييبحث عن الصعوبات ليتحداها وكثيرا ما كان يسرف على نفسه فكان (يكتب ويرسم) أو (ينحت التماثيل ويكتب) في وقت معا. ومع هذا فقد كانت اعماله في الكتابة او الفن مستقلة بعضها عن البعض ولما كانت تصدر عن فكر واحد فقد كان العمل فيها يسير في مجراه ولم يكن عمل من هذه الأعمال لكي يحتفظ بسموه ليختلط بالعمل الآخر، لأن (مايكل انجلو) كان نسيجا وحده، وكان منقطع النظير، فقد انتقلت معلوماته التصويرية الى ميدان الشعر دون ان يصيبها أي تشويه وقد حفرت كلماتها على الكتلة الرخامية بغير عناية وفي نقطة منها كان بيت من الشعر ينفصل عن بقية الأبيات الاخرى ويصبح أثر من الأثار الخالدة.

كتب كونديفي في ذلك (انه لم يكتب الشعر ألا لأنه يريد التعبير عن هواه وليس بقصد الأحتراف وكان دائما يعتذر بجهله هذه الصناعة تواضعا منه) وكانت دائما تعبيرا عن احساس مؤلم مما كان يجعله يسائل نفسه كثيرا عما اذا كان قد اصبح في عداد الشعراء، لم يكن في مقدور (مايكل انجلو) ان يروح عن نفسه بالحب، لأن رجلا من طراز مايكل انجلو كان لا يعجب بالنساء ولما كان قد أوتي نفسا كنفوس الأطفال فإنه كان يبحث عن الحب في قصائده الشعرية التي تفيض بالحزن واليأس، وقد أخذ يحث العاشقين على ان يتخذوا من ألامه أسوة لهم ومثالا يحتذونه، لكي يتجنبوا ذلك الشعور الحلو المميت، واننا لنجد في ديوان شعره عبارات الحزن والأسى كما نجده يسائل الحب عما اذا كان هذا الجمال الذي يوحي به؟

أترى له وجود، أم أنه لم يكن سوى شيئا مستقرا في نفسه، أما رموز (اليوم) و(الليل) و(الفجر) التي تظهر فوق النواويس والتي أوحت لمايكل انجلو بهذه المقطوعة الشعرية: ان الليل الذي تراه في مثل هذه الأوضاع الحلوة وهو نائم قد نحته ملاك في هذه الصخرة ولما كان ينام فلا بد أنه حي إذا لم تصدقني فأرفعه الى أعلى ولسوف يتحدث إليك. وقد جعل مايكل انجلو التمثال يرد على تلك الأبيات الشعرية البسيطة فقال: إن النوم عزيز على نفسي واعز منه أنني مصنوع من الصخر بينما يستمر الشر والعار. ان كوني لا أرى ولا أسمع هو من حسن حظي ومع ذلك فلا ترفعني الى أعلى بل دعني وحدثني بصوت خفيض. : ليس للفنان العظيم أي فكرة أو أي أمل إلا أن تخلده قطعة صلبة من الرخام وهذا لا يحدث إلا عندما تطيع يده ما يمليه عليها قلبه. وهناك بعض الأبيات الشعرية التي تفيض بالحب والهيام والتي تعبر أصدق تعبير عن حبه العارم الذي كان يجمع بين الإفصاح والتحفظ والرغبة وعدم الرغبة والذي كان يروي فيه حالته والذي كانت جزءا لا يتجزأ من حياته وهذه الأبيات: من ذا الذي يجذبني إليك قوة وأقتدارا لي الويل لي الويل لي الويل ترى هل أنا مقيد ولست حرا طليقا وإذا كنت تقيد غيرك بدون قيد وقد قيدتني دون ان تستخدم يديك أو ذراعيك في تكبيلي فمن ذا الذي يحميني من محياك الجميل. وقد كان يعبر عن إحساسه بالتفاني في محبوبه ذلك الإحساس الذي كان يبدو فيه الحب بأحلى معانيه: كيف أمكن أن يحدث ألا أصبح بعد اليوم ملكا لنفسي رباه ــ رباه رباه من الذي إنتزعني من نفسي ومن ذا الذي أصبح قريبا مني واكثر إلتصاقا بي والذي تغلغل في قلبي عن طريق نظراتي ويبدو انه ينمو ويكبر داخل قلبي الصغير ولا بد أنه سوف يترعرع حتى يفيض به قلبي. شاءت الظروف ان تجمعه بسيدة تدعى (فيتوريا كولونا) تحيا حياة الرهبان، كان ينحني أمامها رجال الأدب ورجال الدين بسبب مركزها الإجتماعي وفضائلها الشعرية وحياتها المثالية وكان مايكل انجلو قد تأثر بها الى درجة الخشوع وسرعان ما تأثرت به هي الاخرى، بعظمته وتفوقه وعمق نفسيته وقوة عزيمته التي لا تهدأ. وقد بادلها مثل هذا التقدير والود فأرسل لها قصائد شعرية منها: ان هناك إنسانا أو بالأحرى إلها في جسد امرأة يتكلم بفمها وإنني حين تتكلم اصغي إليها وأشعر بأنني أصبحت إنسانا اخر.

 

وجهات نظره حول النحت والتصوير:

كتب الى (بندتو فارتشي) يقول لقد اعتدت ان اعتبر النحت هو سلم التصوير وانه بين الاثنين نفس الأختلاف الذي بين الشمس والقمر ولكن الان وبعد ان قرأت كتابك الذي تتحدث فيه كفيلسوف فتقول ان الاشياء التي لها نفس الغاية هي في ذاتها عين الشيء لقد غيرت رأيي وانا الان اعتبر ان التصوبروالنحت واحد والشيء عينه ما لم يصرف بقدر أعظم من النبل ومصاعباعظم في الإنجاز وحدودا ادق وعملا اشق وذلك اذا اتيح لي حكم افضل، واذا كان هو الحال فإنه لاينبغي ان يظن المصور النحت دون التصوير، ولا المصور ان التصوير دون النحت. واعني بالنحت ذلك النوع الذي يجري بالقطع من الكتلة، ذلك النوع الذي يجري باقامة التصاويرالمتمثله ويكفي هذا لان احدهما أو كليهما (يعني التصوير او النحت كليهما) ينبثقان من الطاقة ذاتها، سيكون امرا سهلا اقامة تناسق بينهما وترك مثل هذه الجدليات التي تشغل من الزمن اكثر من انجاز لاشكال نفسها.

 

الجانب الشاعري في حياة مايكل انجلو:

لقد عاش مايكل انجلو في عصر اطلق عليه عصر (ارستقراطية الفكر) وطالما ان طبيعة عمله كانت تتيح له مجال العظماء من الأدباء والشعراء والفنانين والفلاسفة في عصر(لورينزوالكبير) وبما ان ميله الادبي قد تجلى منذ ان كان فتى كما تجلت ميوله الفنية وطالما انه قرأ أشعار دانني وتأثر بها الى ان حفظها عن ظهر قلب كما قرأ اشعار افلاطون وحفظ كتاب العهد القديم فليس من الغريب ان نرى في نفس هذا الفنان العظيم بوادر شاعر ينحت شعرا من صخر كما ينحت تماثيله. اذ كان هدف مايكل انجلو نشر المباديء الاساسية للعقيدة المسيحية، الخلق الفداء، الهلاك، التخليص، وكانت الوسيلة الى ذلك تصوير الجمال من خلال الشعر والنثر والتصوير وفي تعاليم افلاطون ودانتي وفيسينو اذ يجد الفنان في ذلك الاصطلاح الميتافيزيقي لتشوقه الصوفي ولعقيدته التي لا تزعزع، ولحبه للجمال وممارسته الفنية فها هو ينشد قصيدة يتغنى فيها بالجمال: ذهب الجمال لدى ميلادي ليخدم كنموذج مخلص لفني. النور والمرآة كفنين شقيقين. ومن يصدق في تحكيم غيرهما مخطيء. إنه وحده الذي يرفع العين عاليا لذاك الارتفاع. حيث الكد والنصب في النحت والتصوير. ايها الحكم الطائش الاعمى الذي يلهى. الحس عن الجمال الذي يتحرك سرا. ويرفع كل صوت عقل للسماء. لا عين توهن المسافة يمكن ان تمر من الممات الى الالهية ولا هنالك فكر للصعود بلا جمال والا فهو باطل. عيوني المفتونه بالأشياء الجميلة. وروحي هذه التي تصيح للخلاص. ربما لم تصعد ابدا تجاه السماء. حين ينقشع عنها منظر الجمال من اعلى النجوم يسقط على الأرض البهاء مجتذبا الرغبة بعيدا الى ذاك الذي وهبها الميلاد.

كتب (فازاري) يقول: كان مايكل انجلو يستيقظ من نومه باكرا وينظم بعض الأشعار وقال ذات مرة: ــ انني اعلم انك ستقول انني رجل هرم مجنون عندما احاول نظم بعض القصائد الشعرية ولكن لما كان الكثيرون يقولون انني قد عدت طفلا فإنني اردت ان اقوم بهذه المهمة وقد أرسي مع هذه الرسالة قصيدة من افخر القصائد الشعرية التي كتبها. وكانت اشعاره التي تخرج من صميم نفسه المضطربة قد استحالت الى ابتهالات واناشيد ويبدو انه كانت له فيها مسلاة في غمرة الالم اذ نجده يقول: لقد وصلت وانا في طريق الحياة في بحر عاصف لجي فوق قارب متأرجح الى المرسى الذي ينتهي اليه مصير كل انسان حيث يؤدي عنده حسابا عما قام بعمله من خير او شر وحيث اجد الخيال المحبوب..... الذي جعلني للفن سيدا ومليكا وانني اعلم الان حق العلم انني مثقل بالخطايا وبما يرتكبه كل انسان على الرغم منه.... ترى ماذا تفعل لي افكار الحب المرحة الزائلة والموت على مقربة مني؟

 

كتب (فازاري) يقول: انه كان من اللازم وجود قطعة من المرمر الى جانبه لكي يستطيع قضاء وقته في كل يوم في النحت فيها.. كانت لديه في مرسمه قطعة من الرخام طويلة ورفيعه وكان قد اخذ في صنع تمثال للشفقة وهو ذلك التمثال الذي اطلق عليه اسم (شفقة روندانيني) والذي بلغ مايكل انجلو فيه اسمى حدود فن النحت، والذي خلب الباب الناس اجمعين، وانا نرى في هذا التمثال صورة شيخين ضعيفين ينزلق احدهما فوق الآخر وهما يسقطان في اتجاه راسي هو اتجاه الموت ويقف مايكل انجلو ازاءهما عاجزا امام سر العالم الآخر، وكان مايكل انجلو يؤثر العمل دائما في جوف الليل، اذ كان يحب الليل، وكان يقول: لك الله ايها الليل يا ألذ الأوقات وأحلاها رغم سوادك وظلمتك. كان يحتجب الناس لكي ينحت تلك التماثيل العجيبة غير الكاملة التي بدأ العمل فيها في سني الشيخوخة. وقد كتب الى المؤرخ (جيورجيو فازاري) تلك المقطوعة التي كان يعجب بها كثيرا وأرفقها بخطاب يقول فيه: (انه ليطيب لي ان اريح عظامي المنهكة بجوار عظام ابي...) (.... اخيرا انتهى المطاف بطريق حياتي الطويلة في سفينة شراعية واهنا فوق بحر عاصف.. ان المرفأ المشترك، حيث ينبغي هنالك ان يسترجع حساب اعمال الماضي جميعا.. ان الخيال المثير للعاطفة والذي هو في ابهام واتساع جعل الفن مثالا وملكا بالنسبة لي، كان وهما، وانه لباطل.. تلك الرغبات التي اغوتني وانهكتني احلام الحب، تلك التي كانت(غابرا) حلوة ماذا هي الأن؟..)

وقد كتب في سني حياته الاخيرة مناشدا ايام صباه الآفلة: عد بي الى تلك الحقبة الطليقة الجميلة حيث كنت أسير كما أشاء دون قيد أو عناء وأعد الي ذلك المحيا الملائكي الهادىء الذي دفنت معه بعد موته كل فضيلة من فضائلي..) جاء في وصيته: (أوصي بروحي لله وبجسدي الفاني لمقبرتي وبممتلكاتي لأسرتي).

 

-74: 5: تتسيانو (1488-1576)

-ولد في قرية كادوري بإقليم الدولوميت الجبلي في شمال ايطاليا، وقصد البندقية ليعمل تارة مع الرسام (جنتيلي بلليني1429-1507)، وتارة أخرى مع الفنان (جوفاني بلليني 1430-1516) ولكن الفنان الذي اثر فيه، وترك بصماته على فنه، هو (جورجيوني1477-1510) الذي زامله طوال سني الدراسة، وما لبث أن غدا أستاذه فتعرف جوهر ثورته الفنية وهو (المنظور الفراغي) أو (المنظور اللوني) والذي تستخدم فيه التدرجات اللونية أو تتغير فيه درجة اللون لتوضيح وتبيين اثر المسافات في الشكل المصور وكأنها طبيعية مسافة وجوا وضوءا. وبذلك يتخطى اللون دوره الزخرفي ليلعب دورا بنائيا في تكوين اللوحة. لقد واصل تتسيانو نهج جورجيوني قرابة عشر سنوات. ومع أن ثمة اختلافا يتجلى من أول نظرة في نوعية إنتاجهما، إلا أن الروح التي كانت تحركهما واحدة. فاللوحات التي رسمها تتسيانو بعد وفاة زميله بعشر سنوات لا تنطوي فقط على الكثير من خصائص لوحات جورجيوني ولكنها تتضمن ما هو أعمق حتى لتبدو وكأنها من لوحات جورجيوني نفسه. ويتجلى تأثر تتسيانو بجورجيوني بصفة خاصة في رسم جدران فندق الألمان في العام 1508 وهو في العشرين من عمره حين قام تتسيانو برسم جانبي المبنى بينما سبقه جورجيوني إلى رسم الواجهة الرئيسة للفندق.. ولم تمض سنتان حتى أطاح الوباء بجورجيوني وهو في أوج شبابه (في الثالثة والعشرين من عمره).. وكانت شخصيته الفنية قد اكتمل تشكلها بالفعل..

 

الإفلات من الشكل

هكذا التقط تتسيانو الخيط من جورجيوني وامتلك القدرة على الإفلات من الشكل، من ناحية، ومن تسجيل الماديات من ناحية أخرى، من خلال الأسلوب التصويري.. وعرف طريقه إلى استغلال براعته في التلاعب بالعجائن اللونية من خلال لغة الألوان وحركة الفرشاة، حيث تتفاوت التأثيرات الناجمة عن مدى دسامة العجينة اللونية أو نعومتها وخفتها وكثافتها، فضلا عن الحيوية التي يمارس بها الفنان تنفيذ لوحته، إذ أن العجينة اللونية نفسها تعكس نبض الحياة وراء الفرشاة بقدر ما تعكس شحنة الجهاز العصبي وراء اليد التي تحركها.. في هذه الفترة كانت علاقة صداقة حميمة ربطت تتسيانو بالشاعر (بيترو ارتينو) الذي وفد إلى البندقية عام 1527 وبالمعماري النحات (سانسوفينو1486-1529) استمرت صداقهم طول العمر أثمرت تحالفا بين فنون العمارة والنحت والرسم والشعر والأدب.. ليس ثمة فنان عظيم آخر اتسم بهذا القدر الكبير من المرونة وبقي معها صادقا مع نفسه، ومنذ أن التصقت باسم مايكل انجلو صفة (التصميم) وباسم تتسيانو صفة (التلوين) غدا تتسيانو أعظم (الملونين) قاطبة حتى لقد اتخذ الفنان تنتوريتو(1518-1594) شعارا له عبارة: (تصميم مايكل انجلو والألوان تتسيانو).

 

الحيوية اللونية

تجسد الحيوية الفنية البالغة لحظة ذروة المتعة التي تميز تتسيانو، هي ثمرة العلاقة النفسية المتبادلة بين عقلية المشاهد والدلالات الموجودة في الموضوع المصور ومنها:

أولا- التلوين المتورد بعذوبة حانية وقوة دافعة بحيث بدأت ألوانه تتوهج بألق الجواهر المتناثرة فوق قلادة نفيسة لتمارس سلطانها الجمالي.

ثانيا- الإغراق في إضفاء اللطف والنعومة على لون بشرة الأجساد النابضة بالحيوية والحساسية فتشيع اللوحة سحرا في نفس متأملها بما يوحي له به من نداوة الجسد الأنثوي البض وتفجر فتنته، فالفنان (روبنز) جعل لون بشرة نسائه بلون الزهور وجعلها غيره بلون العاج، بينما صبغها تتسيانو بلون اللحم ولا شئ غيره بحيث تختلف عن لون أجساد أي فنان آخر. فحركة الدم الكامن تكاد تظهر في شخوصه المرسومين وعروق أيديهم الزرقاء الدقيقة تكاد تتبدى هي الأخرى وذلك ما يدعونه بالحيوية الفنية البالغة..

 

بناء الشكل

ميزة أخرى في لوحات (تتسيانو)لا تكمن في قدرته التلوينية فحسب، بل تتخطاها إلى قدرته على ترتيب الأشكال وتنسيقها بما يكشف القدرة على إثارة المشاعر في الوجدان، فيتحرك فيه إحساس بالبهجة أو القلق أو بالشجن أو بالتوتر، مثلما يحدث عند الإنصات إلى شاعر عظيم أو ملحن مبدع، كان تأثير هذه الدفقات من العنفوان بحيث أسفرت عن مثل هذه الرقة المتناهية كما يقول (المؤرخ فاساري) وقد كان هذا التغيير توطئة لوهج يتلوه وميض يدعى: (أسلوب تتسيانو النهائي).. أما الألوان المهيمنة فهي الأزرق والقرمزي والأبيض والبني والذهبي التي تبرز وسط الصفاء المتوهج..

l15 

 

مراحل تطوير أسلوبه

أن تقسيم حياة تتساينو الفنية إلى ثلاث مراحل: مبكرة ووسيطة ولاحقة قد جاء نتيجة ارتباط المرحلة الأولى بالتقاليد التي تبدأ منذ امتهن الرسم حتى عام 1518، وارتباط المرحلة الثانية بابتكاره تقاليده الخاصة به، وارتباط المرحلة الثالثة بتجاوزه التقاليد التي أرساها بنفسه، وهو ما تميز به عن سواه وبذلك استطاع أن ينتزع تجربته من تأثيرات ليوناردو وبلليني وجورجيوني، ليعقد صلاته بالعالم الكلاسيكي و(بالبرت درر) وبتقاليد المدرسة التوسكانية ومدرسة روما التي تضم رفائيل ومايكل انجلو.. وكان تتسيانو في المرحلة المبكرة من نضجه قد تشرب أهمية ابتكار جورجيوني الذي اصطلح على تسميته (بالمنظور الفراغي) فأضفى على لوحاته وحدة داخلية تخطى بها اللون دوره الزخرفي ليؤدي أيضا دورا بنائيا ضمن التكوين الفني، وفي المرحلة الثانية سيطر على مخيلته شاعران من العصر القديم هما اوفيد وفرجيل، إذ لم يكن تتسيانو يقدم على تصوير أسطورة إلا وقد استوحاها من كتاب (مسخ الكائنات) لاوفيد. إن مواضيع استعارته من النص الاوفيدي المسطور في كتاب (فن الهوى) ليذكي الشعلة التي احترق بها من قبل مستخلصا روح موضوع باكخوس واريادني.

وفي المرحلة الثالثة من عام 1530-1540 سادت الرؤية الهادئة حتى بانت الصور القصصية انطباعية منهجية. وفي هذه المرحلة بدأت ألوانه تتوهج وهي آخر المراحل التي مر بها حتى عام 1560 وبهذا يكون قد بلغ الذروة في تعبيره التصويري فجمع أسلوب تتسيانو الأخير بين نقيضين متباينين: الانفعال الكامن والسكون الظاهر، اللون الصريح واللون الغائم، التقنية الفنية الطليقة والتكوين الصارم القيود. بحيث تجلى الجمع بين النزعة التكلفية والتأثير الكلاسيكي من حيث الاستطالة المغالى فيها والوضعية المائلة للأجسام القريبة إلى النزعة الكلاسيكية.

 

عالم تتسيانو الفني

يوجز مؤرخ الفن ارفين بانوفسكي عالم الفنان على النحو التالي:

1- ان وظيفة العجائن اللونية هي لتحقيق تأثير جمالي من نوع خاص يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لان للفن تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة حتى إننا نؤخذ بجمال الألوان متفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا الأحجار الكريمة.

2-إيمانه باستقلالية القيم اللونية عن القيم اللمسية المتجلية في خواص الزجاج والمعدن والمخمل والحرير والشعر والى غير ذلك.

3- اعتداد الفنان بالقيم التشكيلية والفراغية والضوئية فقط بوصفها مجرد وظائف لخدمة اللون.

4- توزيع الفنان للمساحات اللونية المتجاورة على فراغ اللوحة، بحيث تمثل كل مساحة منها احد العناصر المحددة حتى يكتمل التكوين الفني.

 

عزيمة النجاح المتواصل

كان تتسيانو عاقد العزم على النجاح منذ أن حط رحاله في (البندقية) وقد ساعده على بلوغ مرماه، ما كان يتمتع به من حصافة قوية ودهاء شديد، وقد تكللت مساعيه جميعا بالنجاح، فانهالت عليه الثروة وحالف التوفيق حياته التي قاربت التسعين عاما، لم تكف يده فيها عن الإمساك بفرشاة الرسم وغدا المصور الأثير لدى الملوك والأمراء في أوروبا.. ولكن فنه اكتسب غنائية وجموحا في الألوان والأضواء الالقة المبهرة المرهصة بفن رامبرانت وديلاكروا والمدرسة الانطباعية فيما بعد. لقد أمضى تتسيانو نصف قرن لبلوغ هذه المرحلة المهمة من تطوره إلى أن أدركته المنية خلال طاعون عام (1576) وبذلك انطوت حياة مبدع عملاق من اساطين الرسم في العالم.

 

-74: 6: بيتر بروجل (1525 - 1569 م)

- كان في جانب آخر من تجارب هؤلاء المبدعين، وقبل ولادة روبنز بثمان سنوات، ولد بيتر بروجل، (عام1525): (في قرية بروجل). عاش بين آلاف الفلاحين الفقراءالذين يأنون تحت وطأة النظام الإقطاعي وسيطرة الكنيسة، وكانت المدينة في بداية تكونها الحضري، فعانى في طفولته المعذبة الحرمان، بعد موت أبيه وزواج أمه من جشع طامع في (ألحانه) التي تمتلكها، ولاقى منه مر العذاب. واضطر (بسبب تلك المعاملة القاسية)، أن يهجر القرية بعد أن تعلم كيف يرسم تفاصيل هموم حياتهم اليومية.. وكانت موهبته الفنية، قد نمت ونضجت مشبعه بحسه الاجتماعي الرهيف..

 

 تعرف بروجل على لوحات(هيرونيموس بوش) عام 1516 في مدينة انفرس. وتنحصر مواضيعه المتناقضة في مضامينها، بين الأرضي والسماوي، الوجود والعدم. وكانت لوحات ومحفورات وتخطيطات بروغل، متأثرة جدا بتلك الأفكار وكأنها تشير مبكرا، إلى رموز العالم الباطني، وتطرح عن تناقضات وتداخلات الحياة والموت وما بعده، الأسئلة التأملية المؤلمة والساخرة الساخنة لمحاسبة العقل الإنساني. ودأب على تطويرها بالتدريب والعمل المتواصل في الرسم، حتى تميز في خصوصية اسلوبه وقيمة فنه الإبداعية عامة، عن سائر تجارب فناني عصر النهضة. تعرف (بروجل) على أشهر الفنانين الفلمنكيين التقليديين الذين يرون الفن تمثيلا للخير والجمال: الفنان (كوايك) الذي شجعه ودعمه وبادر بإرساله في بعثة لدراسة الفن في روما عام1550. حيث تعرف على تجارب فناني الجنوب الإسبان والطليان وبخاصة، القواعد الفنية التي انتظمت نتيجة بحوث وتجارب بناة فن عصر النهضة: دافنشي ورفائيل، وأنجلو التي اعتمدت على الإيقاع، والانسجام، والتنسيق، والنظام، والهدوء. لقد استوعب (بروجل) ذلك في الوقت الذي كان فيه ليوناردو دافنشي ورفائيل، قد ماتا.

 

وبقيت فنون عصر النهضة متأثرة بحضور أعمال (أنجلو) في النحت والتصميم والمعمار، وأعمال الرسم الجدراني في كنيسة (سكستين)، وفي تصوير(موضوع الخلق) وطريقة معالجة فصل النور عن الظلمة،وصياغة البناء الجديدة في رسم(خلق الشمس والقمر، خلق الرجل، خلق المرأة..)

(غادربروجل) روما عائدا إلى (انفرس).. وفيها رسم لوحة الأمثال الشعبية. عام 1558م.. نرى فيها رجلا يسبح ضد التيار وآخر يعترف للشيطان وثالثا يجلس على الأرض بين مقعدين خاليين ورابعا يضرب رأسه في حائط يحاول هدمه، وخامسا يبذر قمحه في مهب الريح، وامرأة تغطي وجه وكتفي زوجها العجوز بمعطف واسع حتى تخفي عنه شيئا ما. وعثر له في عام 1899 على اثنى عشر (طبقا) سبق وأن رسم بعضها في لوحة (الأمثال) عام 1558 أيضا. وفيها رسم لوحته الشهيرة (سقوط إيكاروس) اليوناني الذي أراد الطيران بأجنحة مثبتة بالشمع فذاب بفعل الشمس وسقط في جوف الماء. وتمثل لوحة (معركة كرنفال) أيام (الصوم). رسمها بصورة كاريكاتيرية. بينما انفردت لوحة (انتصار الموت) التي رسمها عام 1562 بتفاصيل المضمون المأساوية الكثيرة. وستظل مصدراًمحيرا لإبداع معالجات فنية جديدة.. إذ جمعت بين الواقعية والتعبيرية والسريالية. وفي عام 1563 رسم (بيتر بروجل) لوحة (الغراب فوق المشنقة. الفلاحون المتعبون يرقصون على بعد منها، متغافلين.. صناعة الموت. وسوى المآسي، رسم (بروجل) لوحة (فرح القرية). ولوحة (لعب الأطفال). (سجل فيها ما يقرب من 90 لعبة، يمارسها أكثر من 200 طفل من أعمار متفاوتة في الهواء الطلق، على ضفة النهر، وفي طرقات المدينة. ألعاب مازالت تمارس بين أطفال زماننا.. لوحات (بيتر بروجل) حاورت الإنسان ابن الأرض، هو الفلاح الذي طحنه الإقطاعي في طاحونته، وغيبته الكنيسة في أوهامها).

لقد استقر بعد زواجه من (ماري) ابنه أستاذة (كوايك) الذي سافر إلى بروكسل قبله بسنوات، ولحق به (بروجل) عام 1563 ليستقر نهائيا في بروكسل. أنجبت زوجته (بروجل) الصغير عام 1564، و(جان) عام 1568 وعرفت للفنان سلالة فنية استمرت لأجيال.  مرض (بيتر بروجل) في سنواته الأخيرة بمعدته، وفي 4 سبتمبر عام 1569 توفى في بروكسل. ولاتزال متاحف بلجيكا خاصة (بروكسل) و(انفرس) (ماير فان دين برج) تحتفظ بالعديد من أعماله.

 

- 74: 7: الفنان بيتر بول روبنز (1577-1640)

- بعد وفاة (بروجل) بثمانية أعوام، ولد الفنان (بيتر بول روبنز) ليرسم عارياته الأمازونات الفلمنكيات الأسطوريات، ضمن حقبة (الباروك). كما نرى ذلك في متحف (انفرس) حيث تعرض لوحات (روبنز) التي بالغ في حسيتها، إلى جانب لوحات (بروغل). وكان القرن السابع عشر، يمثل خليطا حسيا صريحا وألوانا من الغموض والعته والنزق والزنا والسفه، فعرف ذلك الزمان العزلة والبؤس والحروب والمجاعات والأوبئة والصراعات الطبقية والدينية والسياسية.. وبين حقبة دافنشي، ورفائيل، وأنجلو، وحقبة (روبنز) ظهرت تجربة الفنان (بروغل) ليصور حلو الحياة ومرها. رده (روبنز) إلى شكل مصطنع زخرفي مبالغ فيه عرف بزمن الباروك. وكان الفنان بيتر بول روبنز (1577-1640). قد ولد في جو مشحون بخلافات الطوائف الدينية في عصر النهضة. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره ظهرت موهبته الفذة في الرسم مبكرا فتوجه لدراسة أسرار مهنة الرسم ليستوعب تقنيتها، ولم يكتف بما تلقاه من معلومات عن فن الرسم، بل تطلع إلى روما باعتبارها ينبوع الفنون الكلاسيكية القديمة، فغادر مدينته (انفرس) في ربيع عام 1600م ليدرس ويستنسخ في ثمان سنوات أعمال كبار فناني عصر النهضة كاشفا عن براعة فائقة أكسبته شهرة واسعة في أوربا. وكان يسعى إلى التخلص من سمات الأسلوب المتكلف وتقديم الموضوعات التقليدية والقصص الدينية المتداولة بأسلوب يتميز بالبساطة والتلقائية فأثار بتجربته عواطف ومشاعر الناس واستمال نفوسهم بألوانه الرفافة الموزعة بدقة وعناية وبمنحنياته المتدفقة وأشكاله المتميزة وغير المألوفة في هذا النوع من الرسم حيث تنبض صوره بغزارة وتنوع يملك (خلال تحقيق معالجته) ذلك التعبير عن المشاعر والانفعالات والأحاسيس الدرامية المحزنة تارة وعن العواطف المتوهجة المتدفقة حيوية تارة أخرى. وقد حقق مواضيعها بالحجم الطبيعي التي كانت وما تزال تهز مشاعر من يتطلع إليها فتشيع في أعماقه المتعة..

 

إن المتأمل لتكوينات (روبنز) الفنية الضخمة يفتح أمامه آفاقا فسيحة تحتشد بالعديد من (البورتريهات) والشخوص والانفعالات، تجاذبا وتنافرا، جعل من صياغته لها سمة متميزة من سمات الطراز الباروكي الذي اعتلى روبنز قمته. وتلك السمة هي الواقعية التي تتجلى بشدة إلى جانب المثالية، بحيث نشهد في وجوه أشخاصه المرسومة، جمالا يفيض حنانا وقدسية وعذوبة لم نعتده من قبل في لوحات أسلافه قبل قرن ونصف، وتكمن قوة روبنز الخارقة في قدرته على التعبير المباشر من خلال لغة الفن والواقعية المطلقة المعبرة عن شتى العواطف الإنسانية، وذلك لان روبنز متعدد البراعات طليق الحركة، ولكنه لم يشأ أن يحصر فنه في الموضوعات الدينية والتعبير عن العواطف الإنسانية فحسب، فإذا كان الفنان (تتسيانو) (فنانه الأثير) قد تفوق في رسم البورتريهات والموضوعات الكلاسيكية الأسطورية، فروبنز ليس اقل منه موهبة أو طموحا فنيا.. كان معجبا به وبمايكل أنجلو الذي درس أسلوبه في جداريته الشهيرة لسقف كنيسة (سكستينا) في روما فهي نسق فريد من رسم العضلات ابتدعه مايكل أنجلو لشخوصه، شغف به روبنز وأطال التأمل فيه فتأثر في معالجته (لتقويسة جسد الإنسان) بعد دراسته ورسمه وتسجيله للأفكار التي اقتبسها عن مايكل أنجلو، وصاغ منها النموذج الأصيل بالغ السحر الذي أضفاه على تحقيق رسم أشخاصه، وما أسبغه عليها روبنز من ألوان ساحرة سخية، ولمسات فرشاة رحبة عريضة، وهذا ما تفرد به من مهارة بارعة وتقنية حاذقة منذ عودته من ايطاليا..

 

لقد ذاع صيت (روبنز) وتقاطرت عليه عقود التكليف من ملوك وأمراء وقادة وأثرياء أوربا حتى غدت مدينة (انفرس) المركز الفني الجديد لأوربا، بفضل شهرته وعبقريته الخلاقة على إطلاق العنان لحريته في الرسم بأسلوب فني ضخم، يتفرد بانفساح رقعة تكويناته وشدة الوضوحن في تناغم بارع وإيقاع محسوب، بتكوينات تتعاقب فيها الحيوية الفعالة، والجمالية الساحرة. كانت لوحات روبنز الواحدة والعشرون الكبيرة الحجم، قد رسمت ونفذت، لتخليد حياة (الملكة مديتشي). وهي سلسلة من اللوحات المصورة التي تزين بها قصر لوكسمبرج التي تُذهل المشاهد بكثرة التكوينات الرمزية الشائعة في الأحداث التاريخية وبالمزج بين الطقوس الإغريقية والشخوص الحية المعاصرة.

 

لقد استخدم (روبنز) مائتي مساعد للعمل معه في مرسمه لإنجاز سلسلة لوحاته الضخمة تلك منذ عام 1622.. كان يرسم الهيكل العام للتكوين الفني الخاص بكل لوحة ويعهد بالإعمال التحضيرية إلى احد المساعدين وبالخلفية المعمارية إلى مساعد آخر وبالمنظر الطبيعي ورسوم الحيوان إلى أخصائيين في هذه المجالات محتفظا لفرشاته بمواقع معينة ينتقيها بنفسه، وعندما تم تعليق اللوحات عام 1625 وضع روبنز بنفسه اللمسات الأخيرة..

بعد انتهاء الهدنة بين أسبانيا والأقاليم الهولندية المتحدة عام 1621م، اندلعت الحرب الضروس بين البروتستانت والكاثوليك التي دعيت فيما بعد بحرب الثلاثين سنة وكانت مصدر قلق شديد لروبنز رجل السلام بطبعه يود أن يعيش العالم كله في سلام (العصر الذهبي) لا نزاع (عصر الحديد) الذي عاشه كارها وعلى مضض. سافر إلى باريس عام 1625وإنكلترة وهولندة ثم إلى أسبانيا بعد انقضاء ربع قرن منذ زيارته السابقة لها، وتعرف إلى الفنان (فيلاسكيز) مصور البلاط الجديد آنذاك، وتطوع بان يبسط أمامه في مرحلة حاسمة من حياته الفنية أحدث التطورات التي بلغها التصوير الأوروبي، كما قام باستنساخ كل لوحات (تتسيانو) التي يحتفظ بها الملك فيليب الرابع، وكانت النتيجة مزيدا من التحرر بأكثر مما شهدته لوحاته المبكرة، وبعد أن قضى ثمانية أشهر في أسبانيا عاد إلى بروكسل عن طريق فرنسا ليشهد من جديد لوحاته التي رسمها (لمديتشي) وقد استقرت نهائيا بقصر لوكسمبرج.

 

لوحة السلم والحرب

ارتحل عام 1629 روبنز في مهمة دبلوماسية إلى بلاط الملك تشارلس الأول الذي اكتشف فيه روبنز حسا جماليا رفيعا مرهفا وبلباقته وسلوكه ودرايته الواسعة بالفنون، استحوذ على تقدير الجميع، فعاد بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة كمبريدج، كما نال أعلى الأوسمة.. وقام بزخرفة سقف قصر الحفلات العظيم بسلسلة من اللوحات لتخليد عهد الملك جيمس الأول.

تكشف لنا لوحات روبنز عن عالمه المرئي في وضوح وقوة، ذلك إنها تحتشد بادئ ذي بدء بالون الأحمر المسيطر الموحي على الفور بالدماء الدفاقة وبالأجساد المتناكبة والحيوية النابضة فضلا عن تلك التموجات المدومة الشبيهة بالسيل العاتي والتكوينات الفنية القائمة على الخطوط المفعمة بالطاقة تبث إيقاعها الصاخب في الفراغ المصور، ثم هناك مفردات الموضوع ذاته من إنسان ونبات وحيوان، تنبض جميعا بقوى مؤثرة فكل شئ في صوره تغمره الحيوية، ويزدري كل ما هو غير واقعي في الحياة.

 

وإذا كان الفنان برويجل قد أوحى بفكرة السرعة كما في لوحته (السفينة الغارقة)، مستوحيا مايكل أنجلو وتنتوريتو رائدي تصوير الباروك الإيطالي، فقد مضى روبنز الى ابعد من ذلك فادخل الحركة على عناصر التكوين الفني ذاتها، وإذ بروبنز لا يحتفظ إلا بالإيقاعات المتموجة للخطوط التي تسجل حركات النماذج المصورة وإيماءتها، وكانت الألوان وسيطا أكثر ملائمة لتسجيل مثل هذه الحركة من الخط وحده. وفي هذا المجال لعب برويجل دور الريادة بينما جعل روبنز من حركة الفرشاة سجلا للعمل الفني الخلاق وشهادة تصويرية لقوة هذا الخلق وما يتضمنه من عناصر وجدانية، كذلك أصبح تكوين الصورة هو الآخر حركيا، فبعد أن كان في الماضي بناء مكونا من خطوط ولا يعتمد إلا على الخطوط فحسب، ما لبثت الخطوط أن اكتسحت التكوين بحركتها فغدت خطوطا مشحونة بالطاقة، ناجمة عن قوى متعددة تندفع عبر اللوحة كتيارات المحيط حتى نكاد نتخيل أمكان قياس قوة اندفاعها وتتبع سرعتها، وفي الحق أن الصورة لا يتحرك فيها شئ، ولكنها العين هي التي تتطلع إليها محملقة في سلسلة من الحركات يتراقص البصر معها تنقلا وتجوالا، وما يلبث الخيال الذي يستثار في أعقاب الرؤية أن يلهث مبهورا وهو أسير قوى كامنة في الصورة، جياشة نابضة بالحياة.

 

وإذا كان الخط المنحني هو اقرب الخطوط على تجسيد الحياة فقد استعذب روبنز الخطوط المنحنية فجعلها محور تكويناته، غير انه حرص على ألا تكون منحنياته جامدة مغلقة الاستدارة حتى لا يتسرب إلى المشاهد ملل الدوائر المغلقة الموحية بالثبات وبالحركة المقنعة، فإذا هو يرسم منحنياته فسيحة حلزونية غير منتظمة لتوحي على الدوام بأنها أشكال آخذة في الاتساع والدينامية. ويعرف الفنان حق المعرفة أن العناصر التي يختزنها في ذاكرته وتلك التي يستعيرها من الطبيعة وأدوات أنجاز عمله الفني تتيح له حين تجتمع كلها في لوحة مصورة أن ينقل إلى غيره الأحاسيس التي يبغي تحريكها في نفوسهم، فثمة نهج خاص به ينسق الأشكال والكائنات ويحدد الزمان والأعمار والفصول والمواسم لا نملك ألا أن ندعوه نهج روبنز الذي كان يستعير عناصر تكوينه الفني من الحياة سواء تناول موضوعا دينيا أو دنيويا، مؤثرا أن تتوحد الأشكال كلها في قوة محركة واحدة شبيهة بتلك القوة التي تدفع أمواج السيل إلى التعانق والتعاقب كل منها اثر الأخرى، حتى لتملك لوحاته المترابطة الأجزاء أن تنقل إلينا تيار الحياة الدافق. تميزت لوحات روبنز بالمسحة الحماسية الملحمية التي تميزت بها أعمال مايكل انجلو، إذ يندر أن نظفر بفنان يبزه في تنوع ابتكاراته واتقاد خياله وقدرته على تحقيق المنجزات العظمى، وليس ثمة فنان أعطى هذا القدر من الاهتمام لدراسة إعمال أسلافه كما فعل روبنز، إذ تعلم منهم القواعد الصارمة التي ينبغي خضوع فن الرسم لها، وكان روبنز حريصا على رسم شخوصه مكتنزين من خلال أشكال محددة المحيط لإظهار صلابة كتلتها، وبتلك الصياغة، يشحن لوحاته بالامتلاء والوفرة والحركة الدافقة..إن مجمل ظروف روبنز وجهوده (فنانا ودبلوماسيا) ورجل بلاط، أملت عليه رسم لوحته الرمزية (السلم والحرب) التي أهداها إلى تشارلس الأول ملك انجلترا في عام 1630، احتفاء بنجاح مهمته الدبلوماسية باستتباب السلام بين انجلترا وأسبانيا، وكانت خاتمة مساعيه السياسية. وفي الثلاثين من مايو عام 1640 مات الذي هيمن بزخمه الفني على مدى جيل كامل على الحياة الفنية في أوروبا بأسرها..

والخلاصة، فإن قيمة روبنز الإبداعية، لا تكمن فيما حققه من تقنية فنية بقدر ما تكمن في اقتدار خياله.. وقد أدى ما أداه تتسيانو ومايكل أنجلو وأساطين الفن السالفين من قدرة على الإبداع والتواصل مع الفن الواقعي.. وسنجد ذلك واضحا في الكتب والدراسات التي صدرت عنه، ومنها فصل ممتع دونه د. ثروت عكاشة، في كتاب فنون عصر النهضة / الباروك ص(550) وصدر في أبو ظبي عن دار السويدي للنشر 2004م.

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 ..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-04-28 13:43:04.