ali almirhig"كل حزب بما لديهم فرحون"، فللدين أحزاب وللعلم أحزاب وللفلسفة في بعض صراعاتها مع الدين أو العلم نزوع نحو التحزب. والآيديولوجيا هي العامل المشترك والمحرك لعوامل الصراع بين الجميع، فللدين بكل تمظهراته نزوع نحو الآيديولوجيا، وللعلم آيديولجيته الخاصة، ولم تستطع الفلسفة على الرغم من نزوعها الأنسني والعقلاني الخلاص من هيمنة الآيديولوجيا وسطوتها.

الآيديولوجيا هي الحصان الرابح في خضم الصراع بين العلم والدين، وبين الفلسفة والدين، أو بين العلم والفلسفة وحتى بين العلم وتحولاته.
فالنفس الإنسانية تهوى التدين كما يؤكد علماء الاجتماع، فإن لم تجد لها ديناً في السماء أوجدته في الأرض، وكما يبدو لنا اليوم ومن قبل أن النزوع الديني لدى الإنسان سجية وفطرة، ولا مشكل في ذلك، ولكن المشكل الحقيقي ليس في الدين أو التدين حينما يكون حاجة مُلحة ومصيرية تستشعرأهميته بعض الشعوب أو كثير وتعتقد بأنه حاجة اجتماعية وحياتية مُلحة تُلبي بعض مُتطلبات النفس البشرية الطامحة للإستمرار والخلود في الدنيا أو في الآخرة. وهذا التصور للدين لا يُشكل عائقاً بحد ذاته، لأن في دنيا الواقع كثير من الخفايا والخبايا في الطبيعة المادية والبشرية مما هو خارج عن قدرة العقل الإنساني في التعليل والتفسير والتأويل، ولا يوجد لدى منكر ومُنتقد مبررٌ عقلاني كاف للتهجم على من يعتقد بوجود ممكنات أخرى مفارقة للطبيعة ومن الصعب إدراكها لأنها تقع خارج حدود العقل وقدرته الطبيعية. ولهذا الحد ينبغي لكل معارض لمتبني الدين والتدين القبول بمغايرة وإختلاف دعاة الفكر الديني لأن في تصوراتهم هذه تبرير ل "اللامعقول" الموازي في الوجود (إن لم تكن الغلبة له) للمعقول في الطبيعة المادية والبشرية.
لكن اللامبرر واللامقبول عند دعاة التفكير الديني هو إعتقادهم الجازم بأن العلم كله، طبيعي "فيزيقي" و ما وارئي "ميتافيزيقي" هو من ممكنات التفسير الديني، وأن في الدين إجابة نهائية وتفسير يقيني لكل خلجات النفس الإنسانية وإضطراباتها العقلية والنفسية والعلمية.

والأدهى من ذلك هو حينما يجعل دُعاة النص الديني "المُقدس" من رؤاهم دستوراً للحياة، علمية كانت أم سياسية أو أخلاقية، متناسين أن المَهمة الرئيسة للدين هي مَهمة أخلاقية طِبقاً لقول النبي الأكرم "إنما جئت لأُتممَ مكارم الأخلاق". ولذا فإني أرى أن المشكل الأساسي ليس في تدين الناس ولا حتى في التعبير الطقوسي المُفرِط لإظهار أو الظهور بالتقمص الجسدي طقوسياً تارة، أو بالتعبير الخطابي تارة ثانية أو في كلاهما معاً تارة أخرى. على ما في طرق التعبير هذه من تقزيم للآخر (الموطن) المغاير لنا في الدين والملة والمُعتقد، وإن كان يعتقد المُتبنون لهذه الرؤى أن أشكال التعبير الطقوسي والشعائري للمعُتقد الديني إنما هي شكل من أشكال التعبير عن حرية الرأي والفكر، وعلى الرغم مما في طرق التعبير هذه عن الولاء من إقصاء وتهميش، إلا أنني أجد أن هذا ليس المشكل الوحيد، بل المشكل الأساس كما أعتقد كامن ويكمن خلف طُرق التعبير هذه والمسكوت عنه فيها، وهو الإعلان ضمناً وربما صراحة عن أن طرق التعبير الولائي هذه عن الإنتماء لهذا المقدس، إنما هي رسالة صريحة أو ضمنية لكل مُغاير أو مُعارض أو مُعترض على الكيفية التي تتم بها عملية التعبير الطقوسي على أنه خارج عن الملة، وما إعتراضه على قاعدة (سوء الظن) في هذا المُغاير حتى وإن أظهر بعض تقبل، ولا يُشكل مُعتقد بأفضل حالات التسامح والقبول به كشريك سوى النظر لإعتقاداته على أنها سوء تقدير منه وتفريط بالحق الذي "لا مجمجة فيه"، وأن كل مختلف أو مُخالف إن لم يكن في خانة المُلحدين، فإنه حتماً سيكون في خانة المُعاندين. وهنا أصل المشكل الحقيقي، فليس المشكل في تدين الناس وقناعاتها المذهبية والأثنية، بل المشكل في تصور (جماعات الضغط) هذه أن متبنياتهم هي "السراط المستقيم"، وحين ذاك سيتحول الدين من حاجة إنسانية طبيعية إلى آيديولوجيا ضاغطة، تُقسر الجماعات المغايرة والمختلفة "الشريك الوطني" على التماهي مع رؤية (جماعات الضغط)هذه.
وفي حال رفضهم وممانعتهم يُضعون في دائرة الإتهام والتخوين، فيضطر أغلب هؤلاء، إما لمغدرة (الوطن الأم)، أو الإستعانة بالأجنبي المشابه آيديولوجياً أو عقائدياً أو عرقياً لحلحلة الخلاف، وإن لم يستطع حلحلة الأمر فالحل سيكون بالسعي لإستجداء دعمه ومُساندتهم في خيارات المواجهة سواء باللجوء للعنف والصراع المسلح.، أو المُصالحة المشروطة.

أما في العلم، فلا شك أن جل الناس يتمشدقون ويدعون تمسكاً باللجوء للعلم، ولكن العلم ليس واحداً، فكل ما لا نجد له في الدين جواباً وافياً حول مصير الإنسانية بعد الموت، سعينا جاهدين مُجهدين للبحث عن إجابة عنه في النظريات العلمية، ولكننا لم نستطع إيجاد جواب لسؤالنا الأزلي عن أصل الوجود، وبقيّ الإنسان "حائراً بين العلم والخرافة"، وإن كان كثير من العلماء والفلاسفة قد وثقوا بالعقل الإنساني وقدرته على الإحابة عن جميع ما يعترضنا في دنيا الواقع، إلا أن جل هؤلاء قد وقعوا أسارى آيديولوجيا العلم نفسه، ولم يستطيعوا إيجاد جواب عن سؤال سبب الوجود أو معناه، فأجاب الوضعيون المناطقة بجواب اللاجواب عن سؤال الأصل (الوجود) وسببه.


فقد كان الجواب: أن كل كلام في هذا الموضوع هو "كلام لا معنى له ومحض هُراء"، ولكن هذا السؤال باق والوضعيون المناطقة مضوا.
وبقيّ المشكل لا في العلم ولا في قابليته على التجدد والتجديد، ولكن المشكل الحقيقي في العلم الفيزيقي حينما يكون أداة بيد الدول الأقوى لتهديد الدول الفقيرة والتلويح ب "الفيتو" لكل قرار يخدم الدول المغلوبة، فمن حق إسرائيل المُتصهينة إمتلاك النووي وإغتصاب أراضي الفلسطينيين المغلوبين على أمرهم وإنشائهم المستوطنات على أرض فلسطين المُغتصبة، وكل العالم الغربي المُتقدم علمياً وسياسياً ساكت وصامت. ولا حق لدول الممانعة والرفض للسياسة الشايلوكية الروبسن كروزية الإعتراض والرفض أو في السعي لإمتلاكها السلاح النووي أو الذري. هنا يكون العلم علمان علم يخدمك وعلم تخدمه، والسياسة الشايلوكية تُريد لك علماً تخدمه لا علماً يخدمك.

ولم تتخلص الفلسفة على الرغم من تبنينا لها والدفاع عن مُتبنياتها العقلانية والأنسانية، من هيمنة الآيديولوجيا وقناعة أغلب فلاسفتها بأنهم أدركوا اليقين المعرفي ووصلوا للحقيقة. إلا أن اجل الفلسفات لم تستطع الخلاص من سطوة هذه الآيديولوجيا، فهناك فلسفة تأملية مُغرقة في المثالية يدعي أصحابها أن هذا العالم الذي نعيش فيه ما هو إلا عالم زائف وخلاصنا يكمن في مُفارقتنا له، إنهم يعيش في "أبراج عاجية" ينظرون للحقائق وفقاً لرغاباتهم وأهوائهم في تكوين مجتمع مثالي لا كون له في دنيا الواقع وليس بإستطاعته التواصل مع حركيته وديناميكيته.
ولم تكن الفلسفة المادية ببعيدة عن آثار الآيديولوجيا وسطوتها بعد إقصائها لكل عوامل التغيير الاجتماعي وإصرارها على تفسير مُتغيراته طِبقاً للعامل الاقتصادي (المادي)، ومحاولة تفسير المتغيرات الاجتماعية والحتمية التاريخية لمُقتضيات التغيير على أساس غلبة "البروليتاريا" للرأسماليين، وسيطرتهاعلى وسائل الإنتاج للوصول للمُبتغى في التعايش الشيوعي خارج الهيمنة للطبقة البرجوازية ورأسها الرأسمالي.

المستخلص من كل قولنا فيما سبق ليس المشكل في الدين ولا في العلم أو في الفلسفة، بل فيما نبغي نحن الحالمين (المثقفين) كما ندعي فيما يجب أن يوجد ويتواجد ويفعل فعله في التأثير التكاملي بين قوائم المثلث، الدين والعلم و الفلسفة، حينما نُلغي التداخل بين فروعهما المعرفية، وحينما نُخّلص كل فرع منهما من هيمنة الآيديولوجيا وسطوتها.

 

د. علي المرهج

 

jawadkadom gloomلعل من اكثر القضايا تعقيدا في الفكر الاسلامي والتي أبقت لدينا مزيدا من التخلّف وبطء اللحاق الى ميادين التحضر والرقي هي مسألة الاستعباد لفعالية العقل ووليده الفكر والخنوع لما هو منقول من الإرث وبالأخص الديني منه وعدم الجرأة على مخالفته او على الاقل تعديله او تصحيح مساره كي يوائم العصر الذي نعيش فيه وهو مانسميه الإذعان للنقل دون اشراك العقل في ترتيب او تنميق فكرة ما بمسحة عقلية ناضجة .

فلا زال الكثير ممن يتظللون بالدين يؤمن بانه لا يوجد شيء فوق النصّ وللنص قدسيته مما يؤدي الى مصادرة العقل وتعطيله فلا اجتهاد ولا رأي مع وجود النص حتى وصل الامر الى الغاء العقل تماما مادام النصّ المقدس حاضرا عيانا وكأنّ النص ليس وليد العقل الذي أنجبه ، فالعقل يسبق النقل في منظور المنطق وكل بحث يقوم على النقل سيؤدي بنا الى نتائج غير مانراها لو بحثنا ونحن نستعين بالعقل .

هنا لابد من التذكير لحالات حدثت في عصر صدر الاسلام على اختراق النقل وعدم الإذعان اليه في خطوات قام بها العقل المسلم حينما شعر بان لافائدة من تتبّع اثر النقل والانقياد له نتيجة تغيير الاوضاع الاجتماعية والسياسية واختلاف الزمن من مرحلة الى اخرى حينما قام عمر بن الخطاب برفع حصة المؤتلفة قلوبهم من صدقات الزكاة المقررة على اغنياء المسلمين التي ترد الى بيت المال مع انها واردة في القران الكريم نصّا منقولا لاشائبة على تفسيره ولم يعبأ بكل الاحتجاجات والمعارضات التي وجهت له .

وكذا الامر بالنسبة لزواج المتعة المؤقت الذي مُنع هو الاخر بأمر ابن الخطاب وكأني به يردد في نفسه الاية الكريمة " والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صُمّا وعميانا "  فليست كل مواقف العقل معطلة في الاسلام كما يدّعي البعض انما هناك حالات تمكّن فيها الفكر الاسلامي المستند على العقل بالوقوف ضد النص النقلي تمرّدا واختلافا وان ورد ذكره في القران الكريم وأقوال السنة النبوية .

هناك العديد من المدارس العقلانية ظهرت عندنا منذ القرن الاول والثاني الهجري قبل العقلانية الديكارتية القائمة على الشكّ بقرون طويلة (القرن السابع عشر الميلادي) إذ جعلت العقل في المرتبة الاولى في ترتيب حياة الانسان المسلم بدءا بالمعتزلة واعلانهم بالفكر العقلاني قبل السمع وحتمية ان يؤمن المسلم ويعرف الله بالعقل حتى انهم رفضوا العديد من الاحاديث النبوية التي لا تتوافق مع قناعات العقل، واعلنوا حربهم الشعواء على المرويّات والخرافات والشعوذات التي دخلت الدين خلسة من ثنايا النقل غير الدقيق لكن المدّ السلفي النقلي كان اقوى منهم علما ان قوته ليست بالحجّة والبرهان وانما بقوة السلطة الغاشمة ورعاعها الجهلاء الذين لايرعوون من استخدام البطش في اقسى حالاته مما جعل العقلانيين  ينحسرون شيئا فشيئا وكيف لأنسان مفكر واعٍ ان يتقبّل اتهامات ودعاوى الكفر والخروج من الدين اذا رأى خبرا او حالة ما في الكتاب او السنة النبوية لم ترُق لعقله ويأبى الانصياع لها باعتبار ان الدين – وفق دعواهم الزائفة -- قائمٌ على مخالفة ماتريده النفس وما تهواه وتخالف ايضا رأيَه ومعقولَه وقناعات تفكيره .

ولنعترف بصدق ودون مواربة أو ميل عن الصواب ان ثقافة النقل في موروثنا الاسلامي تفوق كثيرا طروحات العقل خاصة فيما يتعلق بمسائل الاجتهاد والرأي والتخريجات العقلية الفقهية الاخرى فلا مقابلة ولا توازن بين العقل والنقل ومازالت السهام مصوبة نحونا – نحن المسلمين -- حيث يتهموننا بان الاسلام لايحترم العقل بالقدر الكافي الذي يولي للنقل كل التبجيل والإذعان ويأنف المسلم من التفكير طالما ان النص النقلي والخطاب الجاهز موجودا وعلينا الخضوع له بلا ادنى تمحيص او غربلة او رؤية جديدة توافق عصرنا وحداثتنا ، وان علينا ان نقتنع بالمسلّمات والثوابت التي اتى بها الخطاب الديني ، ويوردون ذرائع شتى لهذا الانقياد الاعمى منها ماقيل ان "العقل الصريح لايعارض النقل الصحيح" وما يدعى بان بان النقل موحى من الله عن طريق الانبياء والرسل نقلتها الملائكة من السماء لترتيب وترسيخ عقائد الله في الارض .

وهذه الغفوة عن العقل والانقياد الاعمى للنقل جاءت بسبب صفة القداسة التي ألبسوها على ماجاء في نصوص القران الكريم والسنة النبوية مع ان الكثير من الآيات واقوال النبي قد قيلت لمناسبة ما وليس من الضروري ان تكون منهاجا دائما مخترقةً الزمان والمكان ويلزم الاخذ بها وهل كان لزاما علينا ان نتمسك بصدى حروف عبرت قرونا وآلافا من السنين كي تهجع في ادمغتنا وتُلزمنا ان نتّبعها على عواهنها بذريعة ان الاسلام صالح في كل زمان ومكان .

هنا لابد من نزع جلباب القداسة عن الخطاب الديني واعتباره وتقييمه إرثا تاريخيا قد أدّى دوره ردحا من الزمن ونضبت فعاليته مثل بطارية استنفدت طاقتها ولم يعد لها تلك الحيوية وعلينا البحث عن طاقة بديلة اكثر فعالية وهي طاقة العقل التي لاتنفد بل تتقدم وتبدع وتبتكر كلما تغذى بالتنوير والرقيّ من اجل ترتيب حياتنا العقائدية بالشكل السليم كي تتوافق مع الحداثة والعصرنة الجديدة ومن العيب اننا لازلنا ندفع ثمن التصنيفات الفجة السقيمة التي عشعشت في عقول الجاهلين والمغرضين والتافهين باعتبار هذا الموما اليه ناصبي او رافضي ومرتد وكافر ومؤمن وزنديق و...و ... ولا ننسى ان القران نفسه حوى الكثير من الايات التي أكد الكثير من الفقهاء على عدم الاخذ بها وفق نظرية الناسخ والمنسوخ  فما قيل في زمكان معين ليس بالضرورة ان يسترشد بها في زمكان اخر وهذا التوجه ليس خروجا من الدين ابدا بل تشذيبا له مما وردتنا من المرويات المشكوك بها والعنعنات / عن فلان وعن فلان ..وضرورة فصل ما اختلط في تراثنا بين النص الديني الموثق المرضيّ عنه والنصّ الفقهي القابل للتشكيك والضعف او حتى طرحه جانبا واعتباره من خزعبلات الفكر الديني وشوائبه التي لابد من رميها في المهملات مع اننا نأبى فكرة هذا الخروج الفجّ من الدين لمجرد الاستخفاف بنص ديني وازدري من يستهزئ بالموروثات العقائدية جزافا بل عليه ان يحكم عقله ويعرف سبب النزول ومقام الكلام لما قيل ؛ فليس كل ماوردَنا يتصف بالضعف ففي إرثنا العقائدي مايغني حاضرنا ومستقبلنا من روائع الكلم وجوامع الحِكَـم .

ومادام العقل الراجح هو وسيلة بحث وإدراك وتحليل واستنتاج سليم وقبطان ماهر يتقن قيادة السفينة ويمسك الدفّة بمهارة ومران فانه حتما سيوصلنا الى مرفأ الهناء والاستقرار لو سعت الامة ومخلصوها من رجال السياسة والدين القويم لا السقيم الى الاهتمام بالعقول النيّرة بكل مجالات اختصاصها من اجل بناء فوقي ثقافي يرتدي الحداثة ملبسا ، متوّجا بالعقل الناصح ونازعا كل أدران الجهالة والخرق البالية البائدة وتحريره من القيود العقلية السلفية الضارة وبهذا نكون قد وضعنا النقاط على الحروف من اجل ان يسبق العقلُ النقلَ وان نضع التفكيرَ قبل التكفير كي نؤسس عقلانية عربية حداثوية جريئة وقوية وشجاعة تتسلح بالحجج والبراهين مثلما تتسلح باليد والساعد المكين والعقل الرصين معا في مواجهة من يتصدّى لها من الجهّال والمنتفعين من تراكم التخلف ولو كثرت أعدادهم وعدّتهم والاّ سنبقى هزيلين في اضعف حالاتنا انتظارا لموت محقق ونكون لاحقين بالعرب البائدة حالنا حال عاد وثمود ونهلك هلاكا تاما بالطاغية .

 

جواد غلوم

 

raed jabarkhadomفلنتفق منذ البداية على تعريف المثقف، لنحدد كيفية توجه بوصلتنا في رسم مسار هذا المقال، لما هناك من عمومية وشمولية وتنوع في تعريف المثقف، في الكثير من الموسوعات والقواميس والمعاجم المختلفة، بأختلاف توجهاتها وفلسفاتها ومذاهبها الفكرية والثقافية والمعرفية والأيديولوجية. المثقف هو ذلك الشخص المتنور الواعي الذي لديه من العلم والمعرفة والفكر والثقافة والافق المنفتح ما يؤهله لأصدار حكم معين على مسألة أو قضية ما في الفكر والحياة والواقع والمستقبل، وفق منطق عقلاني نقدي، ورؤية انسانية، تنم عن سعة فكره وحسن ادارته للمعرفة، في أي مجال أو تخصص كان من تخصصات العلوم والفنون والآداب ومجالات الحياة الأخرى، المهم هو أن يصدر ذلك المثقف عن رؤية ومنهج وفلسفة توضح وتفصح عن درايته وخبرته وحنكته في توجيه حركة أو أمر ما نحو النجاح والتقدم والبناء والتنوير، وهذه هي رسالة المثقف وهدفه الثمين من وراء كده وسعيه ومعاناته في رسم خارطة طريق لانارة الحياة وتحسين الواقع والتنبوء بالمستقبل، شريطة أن يكون المثقف بريئاً من سلطة الايدلوجيا والأُطر الضيقة التي توجهه صوب الاشياء، فمثقف السلطة والاديولوجيا والحزب، كشاعر الحبيبة أو القبيلة المؤدلج الذي ليس له من وظيفة وسعي سوى التغزل بحبيبته أو قبيلته، لا يقدم لهما سوى المدح والثناء والفخار، ويخفي العيوب أو ينفيها عنهما، لأن هدفه الاول والأخير هو تحقيق مراده وجني ثمار مدحه وفخاره، تكسباً وانتفاعاً، ذهباً أو فضة أو حبيبة أو مكانة او أي نوال يُعلي من كعبه وتحقيق شهرته وسط تلك الجماعة أو ذلك الفرد. والمثقف الحقيقي الذي ندعو له ونبحث عنه هو عكس ذلك تماماً، شخص يبحث عن عيوب وسلبيات قومه وجماعته وتراثه وثقافته وواقعه وفكره، ليقدم بعد ذلك حلاً ورأياً ورؤية تنير الطريق والحياة وتؤدي الى النجاح والتقدم وكيفية الوصول الى بر الأمان، وتجاوز الازمات والمخاطر السلبية التي تعكر صفو عملية البناء والتصحيح والتفكير.

قد يهزأ البعض أو يضحك من رسم تلك الصورة البهية والمثالية عن المثقف، ووربما يتسائل هل يوجد مثل هكذا شخص، وبهذه الكيفية والصفات والكينونة، نعم قد أتفق وأختلف مع المعترض أو المتسائل في بعض الاشياء والاحكام التي ذكرتها سلفاً، فالمثقف أبن عصره وزمانه ومكانه، ويصدر عن جميع تلك المحددات والأطر النفسية والفكرية والحضارية، التي تحيط به وتوجهه، ولكنه على الرغم من ذلك يستطيع توظيفها وغربلتها ويميز الخبيث من الطيب منها، لممارسة النقد والتصحيح والتقويم في أي عملية أو حركة يسعى لها، لأن هذا المثقف هو طالب حق وحقيقة بطرق حقانية تسعى للاصلاح والتغيير وتنوير طرق التفكير، وهي مطالب عالية وصعبة ليس من السهولة بمكان تحقيقها على أرض الواقع الا بطرق قوية وجريئة وقد تصل الى طريق الثورة، من أجل احداث تلك النقلة في بنية المجتمع او الفكر او الثقافة او الحياة، والثورة والثورية لربما هي الصفة الاساسية والاهم التي تًرهب وتخيف وتقض مضاجع الحكام والساسة من سلطة المثقف ويقظته ووعيه، لأن هذا المثقف التنويري ينشد التصحيح والتغيير والاصلاح، وفق نموذج عالٍ يرتقي بمجتمعه وأمته نحو الاحسن والافضل والاجمل والاكمل في هذه الحياة، من خلال مقارنته بين واقعه ومنطقه وأسلوب معيشته مع واقع الشعوب والمجتمعات البشرية الأخرى، ليعقد المقارنة والصلة بين ما هو فيه وعليه، وبين ما تعيشه الدول والشعوب المتقدمة في هذا العالم، فهناك بون شاسع بين دولة وأخرى، وشعب وآخر، من حيث طرق التفكير وممارسة البناء والتغيير، وهذا متوقف بالدرجة الأولى على منطق الدولة ومنهجها وصدقها في ادارة العملية السياسية والاجتماعية والمعرفية والحياتية في أي بلد من البلدان، ونحن نرى بأم أعييننا ذلك الأمر والتباين في دول العالم وشعوبه، بين هابط وصاعد، بين متقدم ومتأخر، بين نافع وضار، وهناك بين الدول من يسعى لتحقيق النجاح والتقدم والبناء والقوة لشعوبها، وهناك من يعمل على العكس من ذلك يسعى لاضعافها وتفكيكها وانحطاطها، ونشر كل ما يزيد من همجيتها وتخلفها ونكوصها وصولاً الى مرحلة النفي والمحو والالغاء، واخماد أي صوت تنويري وتثقيفي وتقدمي وثوري يقف بالضد من سياسة تلك الدولة ومنطقها، وممارسة العنف والكراهية والتهميش تجاه شعوبها وعدم تحقيق نهضتها ويقظتها وصعودها بين الشعوب والدول.

ان صوت المثقف ورسالته وفلسفته كبيرة وخطيرة، والمثقف الحقيقي ذو وجه واحد، لا وجوه وأقنعة متعددة، وهدف واحد يسعى لتحقيقه وهو علو كعب امته ومجتمعه وتحقيق نجاحه ونهضته وتقدمه وكينونته بين المجتمعات والامم، من خلال ادراك الفارق الكبير بين ما يعيشه هو وابناء مجتمعه، وبين ما تعيشه باقي الدول والمجتمعات، وهذا بالتأكيد مطلب صعب المنال يحتاج الى جهد وجهاد ومجاهدة، من أجل تقليل الفارق وردم الهوة بين ما يعيشه وبين ما يسعى الى تحقيقه، بين ما هو عليه وبين ما يسعى اليه، ولكن بشرط أساس وهو التعاون الجاد والمثمر والحقيقي بين هذا المثقف المتنور الجاد، وبين من بيديه سلطة القرار والفعل والتأثير، وذلك لأن الأول ينظر ويخطط ويهندس ويصمم، والثاني يطبق وينفذ تلك التصاميم والهندسة على أرض الواقع، شريطة أن تكون المصداقية والجدية والانسانية والوطنية سيدة الموقف، وخلق نوع من التعاون المثمر بين الطرفين، من أجل البناء والتصحيح والاصلاح. ونحن هنا لا ندعو لمثقف السلطة والذوبان المطلق فيها، وانما لسلطة المثقف ومنطقه وعقله الراجح في ادارة وتوجيه الأمور، على أن يكون هذا المثقف واقعياً وعملياً نافعاً، غير ساكن في برج عاجٍ أو في أعالي السماء، لأنه ابن الارض والحياة والواقع، وسلطة المثقف سلطة معرفية فكرية ذات مغزى وهدف اجتماعي حياتي ثقافي تنويري عالٍ، يجب التعاون معه في سبيل تحقيق التقدم والنجاح والتغيير، والا فمعاداة المثقف والوقوف بوجهه واشهار السلاح عليه وقمعه هي معاداة للتنوير والنهوض والتفكير الحر، وهي خسارة كبيرة تفقدها الشعوب والمجتمعات من جراء تلك الممارسة في تضييق الخناق على المثقف ومعاداته، تجعله منفياً أو مغترباً في زمانه ومكانه ومجتمعه مدى الحياة، وهذا بالفعل ما يتعرض له المثقف العراقي خصوصاً والعربي عموماً، في ظل ممارسة الضغوط والاكراه عليه وتهميشه وقمعه وتشويه دوره وصورته بين الناس، وهذا ما جعلنا ضمن قائمة المجتمعات والشعوب المتأخرة في هذا العالم.  

                                    

د. رائد جبار كاظم

كاتب وأكاديمي من العراق، استاذ الفلسفة المساعد في كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية.

 

abduljabar alrifaiيحيل كثيرون مأزق التفكير الديني في الاسلام إلى فتاوى تكفير المرتد، أو أخذ الجزية من أهل الكتاب، أو قتال الكفار من غير أهل الكتاب، أو مقولات اعتقادية مثل الولاء والبراء، وغيرها من مقولات تصادر حرية التفكير والاعتقاد، لذلك يبادر هؤلاء لإلتماس السبل للخلاص من وطأة هذه الفتاوى والآراء الاعتقادية، فينتقون مثلاً مجموعة آيات كريمة وأحاديث شريفة، تتحدث عن: الرحمة، والعفو، والسلام، ونفي الإكراه في الدين.

وفي السياق ذاته يشدد هؤلاء على أن تبني هذه الفتاوى والآراء والدعوة لتطبيقها يمثل الفهم الخطأ للدين، وهم يرون ان هذا الفهم تتورط فيه السلفية الجهادية وغيرها من الجماعات المتشددة، بممارساتها العنيفة المتوحشة. وفي الوقت الذي يشددون في كلامهم على ادانة فهم هذه الجماعات، يؤشرن إلى أن فهمهم هو الفهم الصحيح المعبر عن روح الدين.

لكن قلما نسمع من يتحدث عن معايير تقاس فيها أخلاقية هذا الفهم، ومدى تجلي القيم الانسانية للدين فيه، وتعبيره عن احترام كرامة الكائن البشري، وحماية حقوق هذا الكائن وحرياته بوصفه انساناً. 

 كذلك قلما نجد من يتحدث عن تأثير أصول وقواعد وأدوات قراءة النصوص الدينية وفهمها، التي تشكلت في الاسلام المبكر، وكيفية توجيهها لفهم النصوص، وانتاجها للمدونة الاعتقادية والفقهية الموروثة، والتي مازالت منبع إلهام يستقي منها المسلم معتقداته ورؤيته للعالم وفقهه اليوم. لا أريد اختزال المأزق الراهن لمجتمعاتنا في فقه مذهب أو لاهوت فرقة ومدونتها الاعتقادية والفقهيه، أو في آثار جماعة من السلف خاصة، لأنه أعمق وأبعد مدى من ذلك.

 المأزق يكمن في البنية التحتية المولدة لهذه المقولات الاعتقادية والفتاوى الفقهية وغيرها. إنه يتمثل في قصور أدوات النظر ومناهج التفكير المتوارثة المنتِجة للتفكير الديني في الإسلام، من: المنطق الأرسطي، وعلم الكلام، وعلوم القرآن، واصول التفسير، وقواعد الحديث وعلم الرجال، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، وعلوم اللغة، بوصفها المادة الأساس لبناء الأنساق الاعتقادية، وتشكيل الرؤية للعالم، وصياغة منطق التفسير، ورسم خارطة التفكير الفقهي، وانتاج مختلف المعارف الدينية، التي يكرّر العقلُ الإسلامي فيها ذاتَه باستمرار، ولا يني يستنسخ ماقاله الأوائل من أئمة الفرق والمذاهب، ويستأنف قواعدهم ومقولاتهم ومصطلحاتهم وآراءهم، ويرسخ القناعات باجتهاداتهم كما هي.

ولم يخرج من نسَجَ على منوالهم واقتفى آثارهم عن تلك الأصول والقواعد والمقولات في الغالب، إلاّ بحدود بيان القاعدة، وشرح العبارة، وشرح شرحها، والحواشي والتعليق عليها، وتوضيح المراد واستخلاص المضمون. ذلك "أن الأول لم يترك للآخر شيئا"، حسب القول الذي سمعناه وقرأناه كثيراً، وأضحى قيداً يقيّد تفكيرنا، فلايسمح لنا أن نفكّر كما فكّروا، ونتأمل مثلما تأملوا، ونصوغ قواعد بديلة لتفكيرنا الديني في سياق عصرنا ورهاناته، وفي ضوء المعارف والعلوم والفنون المستجدة، كما صاغ السلف قواعدهم، التي كانت أدوات نظر وجّهت نمطَ فهمهم، وأمست بوصلة توجّه فهم كل من جاء بعدهم، وتحتكر طريقة فهمنا اليوم للدين. دون أن نفكر ونتأمل ونراجع، لندرك أن تلك القواعد انبثقت في اطار أفقهم التاريخي، وانها مشتقة من طبيعة المعارف والعلوم والفنون المتعارفة لديهم. فلم يكن عقلُ الشافعي (ت 204 هـ) خارجَ عصره، حين قعّد أصول الفقه، بعد قرنين تقريباً من عصر البعثة الشريفة، ثم أضحت أصوله أسساً راسخة، حددت وجهة بناء وتطور علم الأصول عند كل المسلمين حتى الآن.

ولم يتعرف العقل الذي انتج علم الكلام لدى الفرق المختلفة، على غير المنطق الأرسطي، فعقل الأشعري (ت 324هـ) مثلاً، عندما صاغ مقولاته الاعتقادية في "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" استبدت به وشكلت اطاراً لمنطق تفكيره معارفُ عصره، وهكذا لم يخرج أي متكلم أو فقيه أو مفسّر عن الأفق التاريخي لزمانه، فلم يكن الواحدي "ت 468هـ" عابراً للزمان والمكان حين وضع "أسباب النزول"، أو الزركشي"ت 794هـ"، الذي حدّد في "البرهان" قواعد التفسير وعلومَ القرآن، وكذلك السيوطي "911هـ" الذي قنَّنَ في "الإتقان" قوانين التفسير وعلومَ القرآن، وهكذا فعل غيرهم في كل الفرق والمذاهب. 

لقد تشكّلت هذه المعارف الدينية في الاسلام بالتدريج في مرحلة بعيدة زمانياً عن عصر البعثة، واستقت من المعطيات السائدة في وقتها، ولم يتخطَ أفقُ انتظارها من الدين المشروطيةَ اللغوية والاجتماعية والثقافية والسياسية لزمانها، والرؤيةَ للعالم المهيمنة فترةَ انبثاقها. مضافا إلى أن أصحابها لم يترددوا في توظيف مختلف المقولات ومناهج التفكير المترجمة، المستعارة من أثينا والإسكندرية وفارس والهند القديمة. ولم يشعروا بالاستغناء عن الغير، والاكتفاء بما لديهم من منابع وأدوات للتفكير، ولم يحذروا من الحكم عليهم بممالأة الكفار، أو حرمة الإفادة من علومهم وفنونهم بوصفها علوم ضلال. 

ينبغي ألا نفتقر للحسّ التاريخي في دراسة الموروث الديني، ولا نتردّد في اكتشاف مواطنِ قصوره وثغراتِه المتنوعة، وعجزِه عن الوفاء بمتطلبات روح وقلب وعقل وجسد المسلم اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونتبصر مديات المستقبل.

لابد من إلخروج عن المناهج والأسس وأدوات النظر الموروثة للتفكير الديني، بوصفها "أنساقاً عميقة" وحدوداً نهائية، يعاد انتاج الأسئلة والأجوبة ذاتها من خلالها كل مرة. انها تعطّل العقلَ، وتسجن عمليةَ التفكير الديني في مداراتها المغلقة، ولا تكف عن التكرار والاجترار، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. تبدأ من أصول الشافعي ولاهوت الأشعري وغيرهما في مختلف الفرق والمذاهب لتنتهي بها، وتنتهي بها لتبدأ منها.

وهكذا نظل ندور في مقترحات وتلفيقات تخفي أكثر مما تعلن، وتحجب أكثر مما تظهر، وتدافع أكثر مما تكتشف، وتنشغل بتكرار المكررات أكثر مما تبتكر حلولاً. وتقول كل شيء من دون أن تقول شيئاً جديداً.

وهنا تختفي الأسئلة الكبيرة، لأن الأنساق المضمرة والنماذج المعيارية الراسخة المتصلبة في تراثنا تحول دون انبثاق مثل هذه الأسئلة، التي تستأنف النظر في مسلمات التراث الغير مسلمة، وبداهاته الغير بديهية.

  إن تلك الأنساق والنماذج المعيارية تمارس نوعاً من الاكراه، إذ تصر على تكرار الأجوبة ذاتها، حرصاً على المطابقة معها، ونبذاً لأي شكل من الاختلاف عنها، لذلك تفتش دائماً عن الأشباه والنظائر، كي تعيد مماثلتها ومشاكلتها مع كل ماهو جديد.

   وان تبدّى لنا شيئاً من الاختلاف، فهو لا يعدو أن يتخطى الأسماء الجديدة، والكلمات البديلة، والعبارات الأخرى، للأنساق والنماذج الموروثة ذاتها. وكأن مهمتنا التاريخية، هي التناغم مع ايقاع التراث في كل شيء، والاصغاء لصوته، واستعادة مواقفه، وحماية أنساقه، والذود عن نماذجه المعيارية، وحراسة أسواره على الدوام من التصدع والاختراق والانهيار.

   نطمح بمرافعة من نوعٍ مغاير لمحاججات المتكلمين القدماء، لا تهدف هذه المرافعة إلى تدوين ميثاق اعتقادي جديد، وانما تنشد ازاحة أدوات النظر وآليات الفهم الراسخة، التي أمست بداهات، لا يجرؤ أحد على استئناف النظر فيها، ومحاكمة أدائها وقدرتها على الوفاء بوعود الدين اليوم. ونتطلع لخلاصنا من شراك عقل الأسلاف، ومدارات تفكيرهم التي حدودها الفضاء المعرفي ورؤيتهم للعالم.

  من الضروري مساءلة المسلمات الموروثة الراسخة، في: علم الكلام القديم، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، وعلوم القرآن والتفسير، وغيرها. وكل تلك الأسس والمرتكزات الراقدة في الطبقة التحتية لبنية المعارف الإسلامية، والمولِّدة للتفكير الديني في الإسلام اليوم، عبر اشتغالها على توجيه دلالات النصوص، في سياق منطقها الذي يفضي إلى معنى محدد، يغدو هو الشريعة وأحكامها، وإن رفضه يعني رفضاً للشريعة الإلهية. وهي لا تني تكرر هذا المعنى، وتعيد صياغته بعبارات متنوعة، وإن كان المضمون يمكث على الدوام كما هو، مهما تقادم الزمان.

  إن مدلول النص يتلون تبعاً للون الأوعية التي يحل فيها، فكما يأخذ الماء عادة شكل ولون الوعاء الذي يكون فيه، هكذا توجه دلالات النصوص على الدوام أدواتُ ومناهجُ النظر القراءة التي تستنبط منها الأحكام. أي اننا مهما كررنا استعمال تلك القوالب، سننتهي إلى نتائج متفقة مضموناً وكيفاً، وإن اختلفت في صياغاتها وتفاصيلها وأسلوب التعبير عنها، والتي تبدو لنا أحياناً وكأنها مختلفة كيفاً عن النتائج السابقة.

   وحتى أولئك الذين يشددون على أنهم مصلحون، ويعلنون فتاوى فقهية مستحدثة، أو آراء اعتقادية فرعية، لا تكرر الموروث أحيانا، فإنهم حين يغامرون أحيانا بتعطيل تلك القواعد والأسس المتداولة في الاستنباط، ويتذرعون بما يصطلحون عليه مقاصد ومصالح للشريعة، وأهداف الدين، فانهم لا يكتشفون دروباً بديلة، ولا يطلون على آفاق جديدة للتفكير الديني. إنهم حتى وإن غلّبوا تلك المقاصد والمصالح والأهداف في بعض الموارد المحدودة، لكن ليس بوسعهم التمسك بها كمنهج بديل لأصول الفقه، والبناء عليها كقواعد نستغني بها عن أدوات النظر والاستنباط المعروفة.

 إنهم يشددون على الأهمية الفائقة لحضور مقاصد الشريعة، مع العلم ان الاجتهاد في مقاصد الشريعة توقف عند الشاطبي قبل عدة قرون، بل حتى مع اضافات محمد الطاهر بن عاشور، لم يبلغ الاجتهاد في المقاصد مديات تسمح للفقهاء المعاصرين أن يتوكؤوا عليها في بناء تفكير فقهي يتصالح فيه المسلم مع محيطه والعالم اليوم، ولم تبلغ حداً نستغني بها عن أصول الفقه والقواعد الفقهية الموروثة.

 وكل ما يُطبع من كتابات في هذا الموضوع، وما يتحدث عنه البعض، من أن تفعيل المقاصد سيفضي إلى إنتاج فقه مواكب للحياة، انما هو مجرد مزاعم، وشروح ومستخلصات لمقاصد الشاطبي ليس إلا، بلا أن يمارس فقيه اليوم انتاج فقه يستقي من تلك المقاصد خاصة، ويستند اليها كمؤشرات محورية في التعاطي مع النصوص.

وأود أن أنبه إلى أن هناك مبالغة في التعويل على مقاصد الشاطبي، واعتبار البعض لها خشبة خلاص لمأزق التفكير الفقهي، بل التفكير الديني، من دون وعي بأن تلك المقاصد تحكي نمط رؤية الشاطبي للعالم، ومنطق المعرفة الدينية السائدة في عصره، كما تشي بأحكامه المسبقة، وأفق انتظار عصره من الشريعة.

ومما لا شك فيه أن أفق انتظار عصره لا يتسع لأفق انتظار عصرنا، وأحكام الشاطبي المسبقة لا تتطابق مع أحكامنا المسبقة، ورؤيته للعالم ليست رؤيتنا، لذلك لا يمكننا توظيف مقاصده إلا كمؤشرات ومعالم كلية في بناء رؤى جديدة للتعاطي مع النصوص الدينية، والتعرف على مشكلات المسلم اليوم، وطبيعة ملابسات الواقع الذي يعيش فيه.

أشير هنا أيضاً إلى أن تحديث التفكير الديني لا ينجز وعوده من دون إعادة النظر بالدرس اللغوي الموروث والأساليب والمناهج المتداولة فيه، والافادة من المكاسب الجديدة في الألسنيات وفلسفة اللغة والهرمنيوطيقا.

وإن كان البعض يرى اللغة بوصفها ظاهرة ثابتة، لا تجري عليها نواميس التطور والتحوّل، بل ذهب هؤلاء إلى اتهام وتخوين أية محاولة لتحديث أساليب ومفردات اللغة، وهم لا يدرون أن ذلك ضرب من توثين الحروف ونسيان المقاصد.

 اللغة كائن حي. اللغة كائن تاريخي. اللغة لا تنتمي إلا للبشر. تنقرض اللغة إن لم تكن مرآة عصرها. اللغة ليست ما وضعه العربي القديم في البادية فعقمت ولم تتوالد. اللغة ليست ما فرضته سياقات دينية وثقافية وسياسية، فتسيدت منذ تدوينها. اللغة كلمات تولد وأخرى تموت. كل عصر يضيف للغة كلماته، ويحذف أخرى لا تشبهه. اللغة أساليب بيان منسوخة وأخرى ناسخة.

تحرير اللغة الدينية من أغلالها تحرير للعقل الديني من أغلاله. لا تحديث للتفكير الديني من دون استيعاب نقدي لمكاسب الدرس اللغوي والألسنيات وعلوم التأويل وفلسفة اللغة الحديثة.

المؤسف اننا كلما واجهتنا مشكلة عميقة هربنا للماضي نستفتيه في حلولها. ‏لا جدوى من احياء الأموات ليحكموا عقول الأحياء. لم يعد احياء التراث خلاصاً، وإلا لو كان كذلك لنهضنا بعد مضي أكثر من قرنين من انشغال الكل باحياء التراث، والكل مسكون باستعادة ما كان كما كان.

حتى من يراهنون على احياء عقلانية المعتزلة اللاهوتية، وعقلانية ابن رشد الفلسفية، وروحانية ابن عربي وغيرها، فانهم لا ينظرون للأعماق، ولم يتنبهوا إلى أن تلك العقلانية والروحانية تنتمي للأفق التاريخي لعصرها. نعم يمكن استدعاء حرية المعتزلة العقلية، وشجاعتهم في الخروج على أسوار زمانهم الاعتقادية، كما يمكن استلهام شيء من بصيرة سياحة المتصوفة الروحية، واستبصاراتهم الدينية.

الخلاص في عقلانية تنتمي لعصرنا، أنجزتها الفلسفة ومختلف العلوم والمعارف الحديثة، وراكمتها خبرات الانسان المتنوعة في العبور من الخطأ إلى الصواب. الخلاص في روحانية مستلهمة من الوحي والقرآن الكريم، وميراثنا الروحي الغزير، ومنبثقة في فضاء مواجع الروح العميقة وأحلامها اليوم.

أين الرائي المولع برؤية الأعماق؟!

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

 

saleh altaeiلم يصل العالم المتمدن إلى ما هو عليه اليوم إلا بعد أن أخرج نفسه عنوة من أجواء الموروث الدنيوي الدموي المتوحش المتهالك، والمورث الديني الاستغلالي الجشع، والبدء ببناء قواعد انطلاق جديدة نحو الأفق الأرحب في الكون، فهم مع احترامهم لمواريثهم على بساطتها، حولوها إلى إيقونة مكانها المتاحف لا العقول، على خلاف ما المسلمون عليه، فمشكلة المسلمين الكبرى أنهم يعرفون تمام المعرفة أن في صفحات موروثهم الكثير من الغث والسقط والكذب والتدليس والخداع والتعنصر والإسرائيليات، ولكنهم تمسكوا به  ورفضوا الخروج من ربقته، والأنكى من ذلك والأمَّر أنهم بدل ذلك قدسوا المواريث بشكل مخيف ومرعب، فعظَّموها، وعصموها من الزلل والخطأ، وأعطوها من القوة والتأثير مما لم يكن فيها من قبل، فعادت حية فاعلة متحكمة في قراراتهم، وتحولت إلى بوصلة تحدد اتجاهاتهم، وصارت المرشد الذي يصوغون وفقا لمؤشراته أحكامهم وأحلامهم وعباداتهم وعقائدهم وعلاقاتهم مع الآخر مسلما كان أم من أتباع الأديان الأخرى.

وأنا هنا لا أدعو إلى رفض الموروث برمته، فموروثنا يرتدي أكثر من ثوب، وله أكثر من لون وشكل وكيان، بعضه لم يعد صالحا بعد وفاة النبي (ص) مباشرة، وبعضه انتهت صلاحيته في القرون الإسلامية الأولى، وبعضه يمثل حالة فردية لا تعميم فيها، وبعضه مرن قابل للتطويع وإعادة الصياغة تبعا للتبدلات الحضارية والإنسانية والمجتمعية، وبعضه أضطررنا مجبرين على التنازل عنه مثل موضوع الرق.

إن موروثنا من حيث الكلية هو الوعاء الذي حفظ تاريخنا وأمجادنا وعقائدنا وسننا وطبائعنا وقصص أجدادنا وأخبار أسلافنا بأعرابيتهم وبدويتهم، وهمجيتهم وجاهليتهم، بتحضرهم وتمدنهم، بشركهم وإسلامهم، على مدى أربعة عشر قرنا، وفي القرن الحادي والعشرين لابد وأنه أصبح بحاجة ماسة إلى إجراء تعديلات وإصلاحات وعمليات ترميم وغربلة وانتقاء واختيار ومفاضلة وترجيح، فالإنسانية خرجت من مرحلة بدويتها منذ زمن طويل، ولم تعد تستسيغ سماء قصصها الخرقاء، فلماذا نبقى متمسكين ببدويتنا، تحدونا الروح الأعرابية الغليظة؟ ونرفض نعيم التمدن.  لماذا لا نتنازل عن مشروع جاهليتنا الخالد؟ وإلى متى تبقى أحاديث الأسلاف تتحكم بقراراتنا ومشاريعنا؟

من هنا أتمنى مخلصا أن يعاد النظر في كثير من تلك المواريث، وأن نُخضعها إلى موازين العقل والعلم، ممسكين بأيدينا مشارط الحق والإنصاف، وأن نعيد قراءتها وفق منهجية عقلائية حضارية محايدة راسخة. أن نزيل عنها درن السنين والنسيان والتصحيف والتحريف والتحزب والطائفية والعصبية القبلية والتوجهات السياسية والعنصرية. أن نعيدها نقية كما كانت، دون أن نخضع لسطوة من جعلناهم أربابا، وهم أقل من درجة العبيد. أن نحكِّم عقولنا وعلومنا لا أهوائنا ورغباتنا. فمما لا خلاف فيه أن الجل الأعظم من مواريثنا، وصلت إلينا عن طريق أشخاص مؤتمنين مخلصين، وعن طريق آخرين إما أن يكونوا قد نصَّبوا أنفسهم قيمين عليها بدون أذن من أحد، أو أن السلطان وحاشيته هم الذين عينوهم موظفين رسميين ليوصلوها إلينا، أو أن رجال الجماعات والفرق الإسلامية من الأشاعرة والمعتزلة والقدرية والجبرية والجهمية، هم الذين روجوا لها ونشروها، أو أن المدسوسين والكذابين والزنادقة وأعداء الأمة؛ هم الذين أدخلوها في الموروث. وأمام كل هذه العناصر الفاعلة كان دور الدين شبه معطل ومحدود التأثير جدا، وبالتالي أضاف كل واحد من هؤلاء رؤاه ومعتقداته، فاجتمعت تلك الرؤى، وكونت الرأي العام بوجهه السياسي والدنيوي المكفهر، أما وجه الدين المشرق فقد غطاه دخان نيرانهم التي أشعلوها في تنافسهم مع بعضهم البعض، فلم يعد وجه الدين الذي نعرف، ولم تعد أحكامه نفسها التي جاءت بها رسالة السماء السمحاء.

تعالوا نراجع جميع كتب التفسير وكتب أسباب النزول وكتب السيرة وكتب الحديث وكتب التاريخ، وأتحداكم أن تجدوا فيها غير آراء الأشخاص الذين كتبوها؛ والذين تعارضت واختلفت آراؤهم إلى درجة الإسفاف، فكل منهم يرى الرأي، ثم يدعمه بحديث أو آية أو قول لأحد السلف، ثم يأتي الخلف فيأخذونه من المسلمات، وباستثناء الآية التي صانها الله تعالى من التحريف، فإن الحديث تعرض إلى هزات زعزعت كيانه، بعد أن بث فيه هذا الزنديق أربعة آلاف حديث، وذاك الزنديق عشرة آلاف حديث، حتى أن بعض من كتبوا الصحاح، ادعوا أنهم جمعوا أحاديث صحاحهم التي لا تتجاوز البضع آلاف من بين مئات الألوف. وأقوال السلف كانت لها بواعث وغايات لا يعلمها إلا الله، وكلاهما لا يصلحان  للحكم على قضية مختلف فيها. وللأمانة أعتقد أن الآيات هي الأخرى تم تفسيرها وفق المنهج الاحتمالي نفسه، وبالتالي سنجد أنفسنا عراة أمام الحقيقة، نبحث عن ورقة توت نغطي بها هذه السوءة، لكن حتى حينما نعثر عليها، سوف تعجز أيدينا عن الوصول إليها، ولن نجد  من يقطفها لنا.

النتيجة، نحن نقف اليوم أمام مفترق طريقين، ونستمر في التحديق ببلاهة، ولا نملك الجرأة والشجاعة لكي نختار الأمثل منهما، فالاختيار يعني الكثير من التنازلات، والإنسان في طبيعته يرفض التنازل عن أبسط الأمور إذا ما كان تنازله سيلحق به مجرد ضرر آني بسيط، حتى مع وجود خير مستقبلي عميم.  هذا المفترق وضعنا أمام أحد احتمالين إما أو إما:

إما أن نبقى متمسكين بموروثنا على علله، ونستمر في خوض الصراع والنزاع مع المسلم الآخر، لنبقى عالقين في أجواء الاستفزاز والشد النفسي وطغيان روح العداوة والوجل من المسلم الآخر على جميع سلوكياتنا إلى الأبد، فنستعدي بذلك الكون كله علينا.

وإما أن يخرج من بين صفوفنا ثوار حقيقيين يتبنون مشروعا إصلاحيا حقيقيا لا يخشون غضب حاكم، ولا عصبية عمامة، ولا سيف سلفي متشدد، ولا غضب متطرف، ولا تهديد ميليشيا، وحينما تكتشف الناس نتائج سعيهم لابد وأن تتمسك به وتتخلى عن مواريثها التي عفا عليها الزمان، تلك المواريث التي أصبحت آيلة للسقوط لا وحدها، وإنما ستسحبنا معها إلى قاع ليس له قرار نتيجة تعنتا وغبائنا، فالمؤشرات المعاصرة تنبئ بمستقبل دموي أسود يكون المسلمون أبطاله، ولكن فيما بينهم، وليس بينهم وبين أتباع الأديان والحضارات الأخرى. وحينذاك سوف يسهل على أبسط الأعداء النيل منا ومن عقيدتنا ووجودنا وثرواتنا وتاريخنا وإنسانيتنا، فالنساء السبايا يحملن روح الثأر، وينتظرن الفرصة للانقضاض بدون رحمة، والويل لمن سيناله سيف الانتقام.

 

صالح الطائي

 

ali almirhig

الصنم هو الشخص أو الحجر وهو "الطوطم" الذي يُعبد تيمناً به وحباً، بوصفه واسطةً بين الكعبة وحُجاجها أيام الجاهلية.

وقد أعلن نتشه في كتابه "أفول الأصنام" أو "غروب أو غسق الأوثان" أن البشرية قد عاشت مدةً طويلةً مُنساقة ًوطائعةً للصنم في السياسة والدين والأخلاق والفلسفة، فصرنا نحن البشر أسارى لمقولات هؤلاء، وصيرنا أنفسنا عبيداً لأقوالهم وطائعين مُسلمين بدعواهم. فما كان من نتشه بعقله النقدي سوى تحفيزه للعقل الإنساني وتذكيره للإنسان بقيمته العُليا، بوصفه صانعا لقيم جديدة، ترفض القيم التي صِيغت لنا (قيم الخنوع والإذلال والضعف) لنُعيد بناء قيمنا بنفسنا وفق مُقتضيات الواقع وتقلباته، لذلك صب نتشه جام غضبه على "سقراط" الذي أراد صياغة الحقيقة وفق منطق تطابق الفضيلة مع المعرفة.

ولم يكترث نتشه للفلسفة الكانتية في رؤيته النقدية.

تجاوزت فلسفة كانت الظاهر بوصفه حقيقةً مُدركةً لتجعل للميتافيزيقا أفضليةً على نظام الإدراك التعايشي للطبيعة في تمييزه بين عالم "النومين" (الظاهر) و "الفينو نومين" (الباطن).

لم يكن نقد نتشه للصنمية مُنصباً على الفلسفة اليونانية متمثلة بقلسفة "سقراط" والحديثة طِبقاً للتصور الكانتي، إنما كان نقده الحقيقي مُنصباً على الدين والتدين المسيحي، فقد وجد في أخلاق التصنيم المسيحية "أخلاقاً مُعاديةً للطبيعة"، فالطبيعة الإنسانية تقتضي الصراع ، فإنتقد بشدة دُعاة "فعل الخير"، أو رجال الكنيسة الذين جعلوا الناس عبيداً وتابعين ووضعوا أنفسهم أوصياء على الحقيقة حتى صارت الناس تنظر لهم وكأنهم قديسون مقدسون وفي أعلى عليين.

لم يكن همهم كما يرى نتشه (ويقصد بهم القساوسة، دُعاة فعل الخير) سوى تدجين الإنسان وتحويله من كائن عاقل لكائن جاهل في مُحاولة منهم للقضاء على عقله إمعاناً منهم في تأكيد جهله وتغييب قدرته العقلية وإنكار إستطاعتها على تحويل نوعها وتمكنها من الصراع مع الطبيعة بطابعها الإحيائي للوصول للإنسان "السوبرمان" أو الإنسان الفائق، الذي يُنتج قيمه بنفسه ويَهدم القيم التقليدية ليُنتج قيماً جديدة تجعله كائناً حُراً لا يخضع للصنم ولا يصنع الوثن ولا يهزمه الوهم، لأن الوهم عالمٌ مؤسطر بالغيب مُحاط بهالة قُدسية تستمد قُدسيتها من أفاعيل المصلحين والمجددين في التاريخ، يستمد منه المدعين تبنياً له في إدعاء تبنيه لتجييره لمصلحته الشخصية وتضخيماً لشخصهم لرفع رصيدهم وحضورهم الاجتماعي والسياسي المُفتعل والمؤطر ببعد ديني يصنعه عارفون برغبات القطيع

من الرعية، وتدجينهم وترويضهم عاطفياً عبر النقر والتطبيل والعزف على وتر الطائفية وتوظيف الرمز الديني المُقدس في إستدرار عواطف العامة كي يكونوا تابعين مُستسلمين، مُقتنعين بأن لا خلاص لهم إلا بدُعاة إستحضار الرمز ممن يُتقنون اللعب في السايسة بوصفها تدينا والتدين بوصفه سياسة... ولي قول يطول وسأكتفي اليوم بهذا القول

 

 

منذ نشأة الانسان الاول والاسئلة العميقة تلاحقه، فيحاول إيجاد الحلول بالتفكير والمتابعة البحثية الجادة، وكلما كثرت القيود المانعة من التفكير في الاسئلة الداخلية للفرد أو الأجوبة التقليدية المُستهلكة، كلما إزداد إختناق العقل وذبُلت شرايين الدم الموصلة له، فيموت من غير تكلف . نظرية التجهيل والإخناق لا تحتاج الى كثير من التخطيط لكنها تحتاج الى كثير من النصوص المخيفة والمرعبة، فيما اذا خرج أحدهم عن السياق العام للتفكير القائم للمجتمعات المخدرة بوباء تقديس الموروث والذي حُرمت من التفكير به، على الرغم من أنها تتعبد بنصوصه وقوانينه .

أعتمد الفلاسفة الاوروبيون بالتحديد على إيجاد نظريات للخروج من قاعدة تنميط المجتمعات وقولبتها الى تحريك المجتمعات عبر بث روح جديدة للتفكير ومن أهم عوامل التفكير وبدايته هو الشك . خرجت في اوربا حركات متعددة منها الشكوكية التي أخذت حيزاً من تفكير المجتمع، لكن رائد الشك وواضع نظريته هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي طلّق اليقين ليرحل الى عالم الشك، الشك بكل الموجودات في هذا الكون، لأنه رأى لا مجال للتقدم في اي من عناوين الحياة مالم نشك وأدرك ان لا حظوظ لتطور الانسان اذا بدأ من اليقين او اليقينيات المكتسبة، يجب ان ينطلق العقل في رحلته البحثية من اللاحقيقة الى الحقيقة النسبية، عكس ما موجود في ثقافتنا الواهمة اننا نملك الحقيقة المطلقة ! ساقه عقله الشاك بالاشياء الى سؤال مهم، هل أنا موجود ؟ فكان جوابه المعروف أنا أفكر اذاً أنا موجود. ولم يكن لهذا الاستنتاج ان يمر دون ان توجد له معارضة ًاو تصحيحاً، فقال أحد مجايلين ديكارت . (ان مقدمته الكبرى مضمرة ف الأنا أفكر، تفترض المقدمة التي تنص على ان: كل مفكر موجود) يحاول هذا التوصيف إيجاد ادمية الانسان واختلافه عن باقي الموجودات من حيث المعطى العقلي التفكري . ولو حاولنا قلب المعنى، انت تقلد فقط هذا يعني انت لا تفكر. فتكون النتيجة اذاً انت غير موجود في مساحة الوعي والتفكير.

تعتقد معظم المجتمعات البسيطة والتي لا يكون للعقل دور فيها انهم خُلقوا على الحق المطلق، بينما غيرهم خُلق على الباطل، لهذا السبب تكثر الدعوات التلقينية المتماشية مع طبيعة وسلوك ذلك المجتمع . نجد هذا واضحاً في مجتمعنا الشرق أوسطي، الذي يغيب فيه الشك (العقل) بينما يسرف بهذيان اليقين والمطلق (الجهل) يُنقل عن ابي حامد الغزالي قوله : الشكوك هي الموصلة للحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. وهذه فقرة تُحيلنا الى مستوى مهم من العقل والتفكير، لطالما إحتجنا لها وهي ان الايمانات المطلقة التي ورثناها من أهلنا بتلقين وترديد يجب تفكيكها وإعادة هيكلة البنية الاساسية في منظومة الايمانات المطلقة . الايمان او التدين المطلق موت حقيقي للعقل، الايمان المطلق سياج حائل ومانع للشك والبحث العقلي . اذا كنت مؤمناً بالقضايا الدينية او السياسية إيماناً مطلقاً، هذا يعني لا مجال للعقل للدخول الى باحة ذلك الايمان والبحث فيه . إستحالة استخدام العقل امام اي معتقد مؤشر على ان المعتقد معطوب من الداخل لذلك غُلف بطريقة تجهيلية تقديسية ألغت كل مجسات المعرفة للتقرب من ذلك المعطوب . هل هناك أي مجال عند أصحاب العقل المُقلِد المؤمن بالحقيقة المطلقة ان يراجع أياً من قضاياه اليقينية ؟ بالتأكيد لا . لأن إيمانه التلقيني الوراثي سحق على عقله وأماته بطريقة إحتيالية ووهب له معلومات جاهزة وايمانات مطلقة لا يجوز البحث او السؤال عنها. ليست الشكوك هي التي تفقد العقل بل اليقينيات .كما قال نيتشة . والحق أن هذه المقولة لها من المصاديق ما يؤهلها لتكون اقرب الى الحقيقة من زيف الحقائق التي يهرف بها البعض .

مات العقل بكثرة اليقين ووهم الحقيقة وغياب العقل الشاك والباحث والناقد . سأل أحدهم لو كان النبي محمد موجوداً الان هل سيبقي القران كما هو؟ ولأن القران حقيقة يقينية، توجم البعض من هذا السؤال وأجاب الاخر بكل تلقائية ولا اظن القارئ سيخرج من حرج الجواب الذي سيُحيل الى اسئلة اخرى. رغم ان هذا السؤال مباح لكن العقل التلقيني لا يستمرئ هذا النوع من الاسئلة . فتشابه الجواب مع الواقع وراهنيته يفضي الى مزاولة العقل كمحرر منجي فيكون الجواب، بالتأكيد سيرفع النبي اغلب ايات القران .. عندما لا تشك او تراجع في ايماناتك فتأكد ان عقلك قد لقي حتفه وناله من تعسف تدينك وإيمانك الكثير من الاجحاف والمهانة . نبذ الفيلسوف الهولندي سبينوزا من أهله ومن الجالية اليهودية في امستردام، بسبب ادعائه ان الله يكمن في الكون والطبيعة وأن النصوص الدينية هي عبارة عن استعارات ومجازات غايتها تعرّف بطبيعة الله.

الايمان والتدين بالحقيقة المطلقة، يتجسد في إيمان داعش في هذه المرحلة، فهو أصدق الايمانات وأوضحها، تدين لا يعترف بالعقل ولا يعبأ بالشك ولا يركن للعلم. وكمصداق حقيقي على ان التدين يقتل العقل، فأفراد داعش مؤمنون حقيقيون بل أكثر إيماناً من الذين يدعون التدين وفي أغلبهم مزيفون يلهثون خلف مصالحهم . السبب الرئيس في موت عقل المسلم هو تدينه وإيمانه التلقيني المطلق الذي لا يسمح لعقله بالخوض في تلك الايمانات او مراجعتها . يملك القدرة على تفخيخ نفسه والذهاب بها الى اسواق المدنيين ثم تفجير جسده بتلك الارواح البريئة، لكنه لا يملك القدرة على مراجعة هذا التدين الذي حوله الى وحش .

كخلاصة للذي قلناه او الذي نروم قوله :

1- التدين المطلق والعقل نقيضان، كلما ارتفع منسوب احدهما قل الاخر

2- اي إيمان يزعم الحقيقة المطلقة إيمان وهمي وزائف

3- العقل الذي لا يمارس الشك والنقد والمراجعة، عقل ميت كلما تشدد الفرد في إيماناته كلما إضمحل ناشطه الذهني

4- الاشخاص الذين يؤمنون بكل ما وجدوا عليه آباءهم، ميتون وان كانوا أحياء

5- الحقيقة نسبية فمن يزعم الحقيقة المطلقة يقع بالوهم

6- غالباً ما يكون التدين عاطفياً مبنياً على مقررات غير مرئية لا حضور للعقل بهذه المقررات

7- أغلب الاشياء التي تحيط بنا في هذا الكون متحركة ونسبية غير مطلقة، اذن لا يمكن إعتماد النسبي على انه مطلق، فيجب التفكير بالنسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق لكي يتم التعامل معه خارج قوس التقديس

8- هويتنا الانسانية أننا نفكر ونتأمل وليس نجتر ونكرر ما لُقنا به

 

مصطفى العمري

 

 

 

 

هناك تسائل مشروع عن سبب طغيان التدين الشكلي الطقوسي على حساب التدين الانساني بحيث اصبح الحجر أكرم من البشر، وبناء الجامع او الحسينية اهم من إشباع جائع او إيواء مشرد او تكفل يتيم، وتسائلوا عن علاج هذه الظاهرة السلبية التي تحولت الى ثقافة تجتاح المجتمعات الاسلامية.

اذا أردنا ان نكون اكثر جدية ونتجاوز الأسباب الطافية على السطح ونبحث في العمق عن أسباب هذه المشكلة سنرى ان السبب الأساس الذي يكمن ورائها يتمثل في الفهم الخاطئ للدين والقراءة المقلوبة لرسالته التي تهدف بالمجمل الى صناعة الانسان الصالح المتحلي بقيم الاخلاق، وإحياء الحس الإنساني عند الانسان المتدين حسبما جاء عن نبينا الكريم ص (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق )، ولكن ما حصل هو تقديم قراءة سطحية للدين جعلت موضوع الأخلاق وقيم الانسانية ينزوي في اخر اهتمامات الانسان المتدين بدل ان يكون اولا، ورد عنه ص (لا إيمان لمن لا أمانة له) لتصبح سائر تعاليم الدين واهتماماته رافدة وداعمة هذا البعد في شخصية الانسان المؤمن. فانقلبت الصورة وتأخرت واقصيت قيم الأخلاق في أولويات المُربّي المتدين وتقدمت عليها أمور كثيرة اقل أهمية منها، تكفي نظرة سريعة لما يبثه الخطاب الاسلامي عموما عبر القنوات والمنابر الدينية المختلفة ليكتشف  المراقب عملية الإغفال والتجاهل للاخلاق والقيم الروحية والإنسانية في عملية تنشأة الانسان المسلم وتربيته. وان اهتمام الخطاب الاسلامي بالطقوس والشعائر دونه بكثير اهتمامه بمسألة الاخلاق اذ تراجعت هذه الأخيرة تراجعا كبيرا لتنحسر في زاوية ضيقة.

نعم العبادات مهمة في حياة الانسان المتدين خصوصا الصلاة ولكن ماقيمة صلاة لا تقترن بالصدق ولا بكف الاذى عن الاخرين ولا بالامانة ولا بحب الخير للناس، وما جدوى صوم مع اكل أموال الناس بالباطل او صوم لا يقترن بقضاء حاجة محتاج وإشباع جوعة جائع.؟

ألقى تراجع الاهتمام بالاخلاق وانزوائه في الثقافة الدينية السائدة في أوساط المجتمع عامة بضلاله الكثيفة على المنهج المتّبع من قِبَل الآباء في تربية ابنائهم بعد ان تربوا هم أنفسهم ايضا على الدور الهامشي للاخلاق فنجد ان الأب المتدين يحرص منذ الصغر وقبل سن التكليف ان يدرب ولده على الصلاة ولكنه لا يحرص بنفس الدرجة من الاهتمام على تنشأته على حفظ الامانة او الصدق او احترام الموعد الخ، وينزعج كثيرا ان علم ان ولده تهاون بفرض من الفرائض ولكنه لا ينزعج بنفس الدرجة ان اكتشف ان ولده لم يف بوعد، او أنه كذب، او لم يحفظ أمانة. وبذلك هو يرسل رسالة لولده غير مباشرة يتلقاها الطفل بوضوح مفادها ان الذي يوصلك الى الله ويجعلك من اهل رضوانه ويدخلك الجنة هي صلاتك كيفما اتفقت اما القيم ومالمبادئ الاخلاقية فلا تعدو ان تكون ثانوية كمالية هامشية ليست ضرورية. من هنا صار المسلم يجمع بين الصلاة والسرقة او الصوم والظلم او الحج والتجاوز على الاخرين ولنا فيمن تصدى للحكم من اصحاب الايادي المتوضأة ان في العراق او مصر او تونس او تركيا خير دليل.

وأخيرا ان لم يتقدم عنصر الأخلاق ويكون عماد التربية وأساسها الذي تبتني عليه كل المسائل الاخرى فسنظل نجتر مأساتنا وتتوالى خيباتنا ولنا في اليابانيين أسوة عملية حين اعتمدوا مادة الأخلاق كأهم مادة دراسية منذ مراحل الدراسة الاولى.

mustafa alomariقبل الخوض في هذا الموضوع، دعني أسألك أيها القارئ العزيز : أيهما أفضل وأقدس المسلم أم الاسلام؟ وقبل أن تسترسل بالقراءة يجب ان تحدد جوابك وبوصلتك.

صعّرَ بعض المتشددين الاسلاميين من لهجتهم (الاسلام هو الحل) حتى غدا هذا الشعار سيمفونية تتردد على شفاه البسطاء دون التمعن بحيثياته ومضمونه، هكذا تُمرر قضايا ومشاريع كبيرة من خلال عناوين واسماء كبيرة ايضاً . هتفت معظم الشعوب العربية والاسلامية بهتافات ببغاوية دون اي اكتراث او مراجعة لماهية هذا او ذلك الشعار، فبالوقت الذي يصرخ فيه أنصار سيد قطب (الاسلام يقود الحياة) يرتد عليهم صدى الاسلام العراقي المتأثر بثقافة الاخوان المسلمين (الاسلام من طنجا الى جاكرتا) بالوقت ذاته ينفعل الاسلام السعودي ويتفاعل ويُفعّل حركته التوسعية في البلدان العربية والاجنبية، حاملاً سيفاً وقنبلةً ورايةً كتب عليها بثقة عالية (لا إله إلا الله) تحت تلك الراية سقطت رؤوس بني البشر غير المؤمنين بهذه الدعوة . في ايران تتمدد سلطة الولي الفقيه لتغزو بلداناً وتحتلها بذريعة الإله او التبشير الاسلامي، ولا مانع من سيلان الدماء تحت يافطة كتب عليها ( الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .. العنكبوت اية 69) .

أطنب المجتمع العربي بإيمانه بالشعارات والصور والايماءات الاتية له من بعض رجال الدين، حتى فقد ميزة التفكير من كثرة الاحباطات والتوصيات الاجتماعية والدينة، ولهذا السبب بات لم يعبأ بالاخر الذي لا يشاركه فكرته او بالخصم الذي يتبنى الفكرة المغايرة له. فقدت أغلبية المجتمعات العربية،المجس الانساني او الشعور بالمختلف، وتمسكت بالفارغ من الاسم فقط .

معظم مجتمعاتنا الاسلامية ترى ان الاسلام أهم من الانسان ! وهذا التفكير قاد حشد من المتطرفين الى قتل الانسان الذي لا يؤمن بما يؤمنون به هؤلاء المتطرفين، قُتِل الانسان لأنه يسأل ويكتب ويشكك ويبحث، قُتل الانسان لأنه أساء لرمز او لأنه تهكم على فكرة او لأنه يعتبر الحقائق غير مكتملة المعالم والدلائل . مشروع قتل الانسان لا يحرك بالمبرمجين شيئاً لكن الاعتراض او التشكيك على فكرة إبتدعها الانسان واختلقها وحولها الى دين باسم الدين،بالتأكيد سيثور لها كل الدهماء والمعطوبين فكرياً .

أنظروا معي الى المساحة الجغرافية للوطن العربي، ستجدون الدمار والقتل والتفجيرات والرايات السوداء والرؤوس المتدحرجة والجحافل المتحركة والجثث الملقية على الطرقات، كل هذا المنظر لم يحرك بالواقع العام للشعوب العربية، ولم نسمع ان ثورة قامت ضد الثورة،لأن اغلبية المسلمين يعتقدون ان الدين الذي هو نصوص منقولة عبر وسائل غير أمينة، أهم من المسلم وأقدس من الانسان في هذه الحالة يتحول العقل من الحركية النشطة الى عضو خانع خلف النص الديني الجامد، عندها ينتكس هذا الخانع لكي يرى ان الاخبار المنقولة بصفحات الكتب القديمة، أهم وأقدس من جميع بني البشر . لم ينتبه المسلمون ان الاديان تأتي من أجل الانسان وفي خدمته ولرقيه وصفاء نفسه وليس العكس كأن تأتي للقتل والتحريض والألغاء وسيلان الدماء بذريعة الحفظ على الدين !

رقدت معظم مجتمعاتنا على وهمية الشعارات وقدسية النص ونامت دون إكتراث بما هو عليه العالم . الناس نيام ينتبهون عندما يقوم شاذ هولندي برسم كاريكاتير للنبي محمد، فيهبون ويحرقون ويقتلون . ينتبهون عندما يقوم طالب شهرة متسكع فارغ من فلوريدا، بحرق القرآن الكريم، فتخرج المظاهرات في جميع البلدان العربية .

نيام عندما تقوم داعش بقتل آلاف من الشباب، ينتبهون عندما يسحق احدهم راية داعش التي كتب عليها اسم الله . نيام عندما تغتصب النساء باسم الاسلام، ينتبهون عندما لا يعرف أحدهم الغُسل الاسلامي بعد الاغتصاب . نيام عندما تُنحر الشباب والاطفال، ينتبهون عندما يسمعون همس إمرأة .

ليس المهم الاسلام، دعني أُكررها، ليس المهم الاسلام، بل المهم المسلمون نوعيتهم، صدقهم، انسانيتهم،تعاملهم مع الناس، اريحية عقولهم .

الذي اريد قوله هنا ان الانسان أهم من الاديان وأهم من المعابد والمساجد، الانسان هو ثروة الله في الارض وكل المفاهيم الكونية جاءت في خدمة الانسان .

وفي جدلية الدين والانسان التي ستستفز عقل البعض، يمكن ان نطرح اسئلة مهمة في أيهما أولى بالحفظ والاهتمام .

و إذا ما اعترض معترض بان الاسلام أهم من الانسان، فسنقول له عن أي اسلام تتحدث، السني، الشيعي، الاباظي، السلفي، الصوفي؟ ثم حتى داخل تلك المسميات هناك طرق وتعبدات مختلفة، اذا كنت تدافع عن الاسلام السني فهل تعتبر الاسلام الشيعي اسلاماً؟ ونستطيع ان نسأل كل هذه الفرق نفس السؤال .

أيها القارئ الكريم، هذه الفرق المتشظية، فيها نسبة من الاسلام الاصلي وليست هي كل الاسلام، أما أنت فإنسان مسلم ولا يمكن المساس بهويتك الانسانية، التي هي أكبر وأعظم من الهوية الرمزية التي إختلقها لك بعض المستفيدين والمحاولين تعطيل القدر الاكبر من خلاياك العقلية، لكي يوهموك ان الله سيعذبك ويحرقك ويشوي لحمك في حال فكرت او تساءلت في أيٍّ من قضايا العقيدة.

في كتابه الدين والظمأ الانطلوجي يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي (ليست المهمة الاصلية للاديان رسم صورة مرعبة لرب العالمين وتحويل الدنيا والاخرة الى سجون أبدية ووضع الكائن البشري في قلق متواصل وزرع الخوف في قلب الانسان ص150)

عندما يشخص الطبيب مرضاً يجده في المريض لا يعتبر ذلك الطبيب متجاوزاً او محبطاً، يمكن ان نصفه عارفاً مدركاً مشخصاً، حتى ولو لم يصف الدواء لكنه تمكن من اكتشاف الخلل، هنا استطيع ان أقول انني أهتم بالمسلم أكثر من الاسلام وبالانسان أكثر من الاديان،لا ادعو للتقارب بين الاديان والطوائف لكني ادعو ارباب الدين لكي يشذبوا أديانهم ويرفعوا منها وعنها المصدوء والرديء والسام القاتل.

انا ادعو الانسان ان يحرك عقله الخاص ولا يستعيض بعقل غيره، يفكر هو بدل ان يُفكر عنه، يدرس حركته التعبدية بدل الاتكاء على الآخرين.

عندما نفكر باستقلالية فتأكدوا اننا سنلتقي بدون مؤتمرات ونحب بدون تكلف .

عندما يشتغل العقل سيتمرد على السراب وسيسحق الوهم

وستكون الواقعية هي الأصل بدون حواجز التاريخ وسيكون الانسان هو المهم وسينتعش التدين بتفعيل العقل مع الدين . وكما يقول الامام مالك إستحسان الناس للاشياء هي الدين .

اذن كفانا صراخاً الاسلام يقود الحياة ! الاسلام هو الحل ! واتركوا المسلم يتحرك بعقل منطلق غير مقيد او مؤدلج .

يجب ان تكون المرحلة المقبلة هي : المسلم ومشروع النهضة، لأن الاسلام أضحى نصوص تتعارك عليها الملل والطوائف أيهما الاصدق والاكثر جرحاً وتعديلاً وتوثيقاً والحمدُ لله الجميع يدعي ذلك. الاسلام اصبح إسلامات وقراءات متعددة ورؤى مختلف عليها وقضايا نُحر بسببها طوابير من البشر، الاسلام متعدد لكن الانسان واحد، الاسلام نص جامد لكن المسلم كائن متحرك، نصوص الاسلام قديمة لكن عقل المسلم حداثوي يتطلع نحو المستقبل.

تمكين النص من العقل توهين وإهانة للانسان وها نحن نشهد على تاريخ يمضي به اصحاب النص بقوة للايغال في طمس اي انبثاق فكري او علمي . اذن المسلم أهم من الاسلام .

 

مصطفى العمري

 

MM80 الكذب من ابرز العادات الشائعة لدى الأبناء، والتي قد تستمر معهم في الكبر إذا ما تأصلت فيهم، وهذه العادة ناشئة في اغلب الأحيان  عن الخوف، وخاصة في مرحلة الطفولة من عقاب يمكن أن ينالهم بسبب قيامهم بأعمال منافية للأخلاق، أو بسبب محاولتهم تحقيق أهداف وغايات غير مشروعة، ويكون الغرض منه بالطبع حماية النفس، وللكذب صلة بعادتين سيئتين أخريين هما السرقة والغش، ويمكن إجمال هذه الصفات الثلاثة السيئة  بـ [ عدم الأمانة ]، حيث يلجأ الفرد للكذب لتغطية الجرائم التي يرتكبها للتخلص من العقاب، وقد وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بصفتي الغش والسرقة، فهناك صلة وثيقة تجمع بين هذه الصفات، فالكذب والغش والسرقة صفات تعني كلها [عدم الأمانة].

يلجأ الكثير من  المربين إلى الأساليب القسرية لمنع الناشئة من تكرار هذه العادة، غير أن النتائج التي حصلوا عليها هي أن هؤلاء استمروا على هذا السلوك ولم يقلعوا عنه، وعلى هذا الأساس فإن معالجة الكذب لدى أبنائنا يحتاج إلى أسلوب آخر، إيجابي وفعّال، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا هذه الصفة وأنواعها ومسبباتها، فإذا ما وقفنا على هذه الأمور استطعنا معالجة هذه الآفة الخطيرة.

أنواع الكذب: 

1 ـ الكذب الخيالي:

 كأن يصور أحد الأبناء قصة خيالية ليس لها صلة بالواقع، وكثيراً ما نجد قصصاً تتحدث عن بطولات خيالية لأناس لا يمكن أن تكون حقيقية. إن علينا كمربين أن نعمل على تنمية خيال أطفالنا لكونه يمُثل جانباً إيجابياً في سلوكهم، وذو أهمية تربوية كبيرة، وحثهم لكي يربطوا خيالهم الواسع بالواقع من أجل أن تكون اقرب للتصديق والقبول.

غير أن الجانب السلبي في الموضوع هو إن هذا النوع يمكن أن يقود صاحبه إلى نوع آخر من الكذب أشد وطأة، وأكثر خطورة إذا لم أن نعطيه الاهتمام اللازم لتشذيبه وتهذيبه .

2 ـ الكذب الإلتباسي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ عن عدم التعرف أو التأكد من أمر ما، ثم يتبين أن الحقيقة على عكس ما رواه لنا الشخص، فهو كذب غير متعمد، وإنما حدث عن طريق الالتباس، وهذا النوع ليس من الخطورة بمكان، وهنا ينبغي أن يكون دورنا بتنبيه أبنائنا إلى الاهتمام بالدقة وشدة الملاحظة تجنباً للوقوع في الأخطاء.

3 ـ الكذب الادعائي:

وهذا النوع من الكذب يهدف إلى تعظيم الذات، وإظهارها بمظهر القوة والتسامي لكي ينال الفرد الإعجاب، وجلب انتباه الآخرين، ومحاولة تعظيم الذات، ولتغطية الشعور بالنقص، وهذه الصفة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء، فكثيراً ما نجد أحداً يدعي بشيء لا يملكه، فقد نجد رجلاً يدعي بامتلاك أموال طائلة، أو مركز وظيفي كبير، أو يدعي ببطولات ومغامرات لا أساس لها من الصحة، وعلينا في مثل هذه الحالة أن نشعر أبنائنا أنهم إن كانوا اقل من غيرهم في ناحية ما فإنهم احسن من غيرهم في ناحية أخرى وعلينا أن نكشف عن كل النواحي الطيبة لدى أطفالنا وننميها ونوجهها الوجهة الصحيحة لكي نمكنهم من العيش في عالم الواقع بدلاً من العيش في عالم الخيال الذي ينسجونه لأنفسهم، وبذلك نعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، ونزيل عنهم الإحساس بالنقص. 

4 ـ الكذب الانتقامي:

وهذا النوع من الكذب ناشئ بسبب الخصومات التي تقع بين الأبناء وخاصة التلاميذ، حيث يلجأ التلميذ إلى إلصاق تهم كاذبة بتلميذ آخر بغية الانتقام منه، ولذلك ينبغي علينا التأكد من كون التهم صحيحة قبل اتخاذ القرار المناسب إزاءها، وكشف التهم الكاذبة، وعدم فسح المجال أمام أبنائنا للنجاح في عملهم هذا كي يقلعوا عن هذه العادة السيئة.

5 ـ الكذب الدفاعي:

وهذا النوع من الكذب ينشأ غالباً بسبب عدم الثقة بالأباء والأمهات بسبب كثرة العقوبات التي يفرضونها على أبنائهم، أو بسبب أساليب القسوة والعنف التي يستعملونها ضدهم في البيت مما يضطرهم إلى الكذب لتفادي العقاب، وهذا النوع من الكذب شائع بشكل عام في البيت والمدرسة.

فعندما يعطي المعلم لطلابه واجباً بيتيا فوق طاقتهم ويعجز البعض عن إنجازه  نراهم يلجئون إلى اختلاق مختلف الحجج والذرائع والأكاذيب لتبرير عدم إنجازهم للواجب، وكثيراً ما نرى قسماً من التلاميذ يقومون بتحوير درجاتهم من الرسوب إلى النجاح في الشهادات المدرسية خوفاً من ذويهم.

وفي بعض الأحيان يكون لهذا النوع من الكذب ما يبرره حتى لدى الكبار، فعندما يتعرض شخصاً ما للاستجواب من قبل سلطات الأنظمة القمعية بسبب نشاطه الوطني،  يضطر لنفي التهمة لكي يخلص نفسه من بطش السلطات، وفي مثل هذه الأحوال يكون كذبه على السلطات مبرراً.

إن معالجة هذا النوع من الكذب يتطلب منا آباء ومعلمين أن ننبذ الأساليب القسرية في تعاملنا مع أبنائنا بصورة خاصة، ومع الآخرين بصورة عامة كي لا نضطرهم إلى سلوك هذا السبيل.

6 ـ الكذب الوقائي:

وهذا النوع من الكذب نجده لدى بعض الأبناء الذين يتعرض أصدقاءهم لاتهامات معينة فيلجئون إلى الكذب دفاعاً عنهم . فلو فرضنا أن تلميذاً أقدم على كسر زجاجة إحدى نوافذ الصف، فإننا نجد بعض التلاميذ الذين تربطهم علاقة صداقه وثيقة معه ينبرون للدفاع عنه، نافين التهمة رغم علمهم بحقيقة كونه هو الفاعل.

 وعلى المربي في هذه الحالة أن يحرم هؤلاء من الشهادة في الحوادث التي تقع مستقبلاً لكي يشعروا أن عملهم هذا يقلل من ثقة المعلم بهم، وعليه عدم اللجوء إلى الأساليب القسرية لمعالجة هذه الحالات، وتشجيع التلاميذ على الاعتراف بالأخطاء والأعمال التي تنسب لهم، وان نؤكد لأبناء أن الاعتراف بالخطأ سيقابل بالعفو عنهم، وبذلك نربي أبناءنا على الصدق والابتعاد عن الكذب.

7 ـ الكذب الغرضي:

 ويدعى هذا النوع من الكذب كذلك [الأناني ]، وهو يهدف بالطبع إلى تحقيق هدف يسعى له بعض الأبناء  للحصول على ما يبتغونه، فقد نجد أحدهم ممن يقتر عليه ذويه يدعي انه بحاجة إلى دفتر أو قلم أو أي شيء آخر بغية الحصول على النقود لإشباع بعض حاجاته المادية، وهذا يتطلب من الأهل أن لا يقتروا على أبنائهم فيضطرونهم إلى سلوك هذا السبيل.

8 ـ  الكذب العنادي:

ويلجأ الطفل إلى هذا النوع من الكذب لتحدي السلطة سواء في البيت أو في المدرسة عندما يشعر أن هذه السلطة شديدة الرقابة وقاسية، قليلة الحنو في تعاملها معه، فيلجأ إلى العناد، وهو عندما يمارس مثل هذا النوع من الكذب فإنه يشعر بنوع من السرور.

يحدث هذا النوع من الكذب لدى الأطفال حيث يقلدون آبائهم وأمهاتهم الذين يكذب بعضهم على البعض الآخر على مرأى ومسمع منهم، أو أن يمارس الوالدان الكذب على الأبناء، كأن يَعِدان أطفالهم بشراء هدية، أو لعبة ما، ولا يوفيان بوعودهما فيشعرون بأن ذويهم يمارسون الكذب عليهم، فيتعلمون منهم صفة الكذب التي يمكن أن تترسخ لديهم هذه العادة بمرور الوقت.

إن على الوالدين أن يكونا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا صادقين وصريحين في التعامل معهم، فهم يتخذونهم مثالاً يحتذون بهم كيفما كانوا، فإن صلح الوالدين صلح الأبناء في غالب الأحيان ، وإن فسدوا فسد أبناؤهم.

10 ـ الكذب المرضي المزمن:

 وهذا النوع من الكذب نجده لدى العديد من الأشخاص الذين اعتادوا على الكذب، ولم يعالجوا بأسلوب إيجابي وسريع فتأصلت لديهم هذه العادة بحيث يصبح الدافع للكذب  لاشعورياً وخارجاً عن إرادتهم، وأصبحت جزءاً من حياتهم ونجدها دوما في تصرفاتهم وأقوالهم.

 فهم يدعون أموراً لا أساس لها من الصحة، ويمارسون الكذب في كل تصرفاتهم وأعمالهم، وهذه هي اخطر درجات الكذب، واشدها ضرراً، وعلاجها ليس بالأمر السهل ويتطلب منا جهوداً متواصلة ومتابعة مستمرة.

كيف نعالج مشكلة الكذب؟

لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية لدى أبنائنا ينبغي لنا أن نلاحظ ما يلي:

1 ـ التأكد  إذا ما كان الكذب لدى أبنائنا نادراً أم متكرراً .

2 ـ إذا كان الكذب متكرراً فما هو نوعه ؟ وما هي دوافعه ؟

3ـ عدم معالجة الكذب بالعنف أو السخرية والإهانة، بل ينبغي دراسة الدوافع المسببة للكذب.

4ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب للنجاح في كذبه لأن النجاح يشجعه على الاستمرارعليه.

5 ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب لأداء الشهادات.

6ـ ينبغي عدم إلصاق تهمة الكذب جزافاً قبل التأكد من صحة الواقعة.

7ـ ينبغي أن يكون اعتراف الكاذب بذنبه مدعاة للتخفيف أو العفو عنه، وبهذه الوسيلة نحمله على قول الصدق.

8ـ استعمال العطف بدل الشدة، وحتى في حالة العقاب فينبغي أن لا يكون العقاب اكبر من الذنب بأية حال من الأحوال.

9 ـ عدم إرهاق التلاميذ بالواجبات البيتية.

10ـ عدم نسبة أي عمل يقوم به المعلمون أو الأهل إلى التلاميذ على أساس انه هو الذي قام به، كعمل النشرات المدرسية، أو لوحات الرسم وغيرها من الأمور الأخرى.

 

وختاماً ينبغي أن نكون صادقين مع أبنائنا وطلابنا في كل تصرفاتنا وعلاقاتنا معهم، وأن ندرك أن الطفل الذي ينشأ في محيط يحترم الصدق يتعود عليه، وأنه إذا ما توفر له الاطمئنان النفسي والحرية والتوجيه الصحيح فإن الحاجة تنتفي إلى اللجوء إلى الكذب.

 

حامد الحمداني

7/12/2016

 

abduljabar alrifaiإن خلط كل شيء بكل شيء احدى مشكلات تفكيرنا الديني الحديث، وهو ضرب من تلفيق عناصر متضادة ينفي بعضُها البعضَ الآخر، كما انه على الضدّ من منطق التفكير العقلاني وترفضه مناهجُ البحث العلمي. منطق التفكير العقلاني ومناهج البحث العلمي يعتمدان البحثَ المتواصل بغية رسم حدود جغرافية للمعتقدات والمذاهب والمدارس والاتجاهات الفكرية، وتحديد المقولات والمفاهيم والأشياء، وتمييز كل منها عن الأخرى، وتصنيفها عبر الكشف عما يتميز ويختص به كل منها، وعما يشترك به كل منها مع سواه.

مقياس تطور المعارف وتقدم العلوم  يقاس بمدى اكتشافاتها للحدود. ولولا ذلك للبثت المعرفة محدودة وساذجة وبدائية. تقدّمُ المعارف والعلوم يكفله تشعبُها واتساعها وتعدد موضوعاتها، إذ لا علوم ومعارف بشرية بلا اختلاف وتنوع.

ذهنية التلفيق تنشأ من شعور مرير يتملكنا ناجم من الخوف على هويتنا، والقلق من افتقاد خزان الذاكرة، والافتقار لرموز التراث التي تغذيها، فيوقعنا ذلك الشعور في مفارقة ملتبسة، فلا نحن بالقادرين على استحضار ما كان كما كان، ولا نحن بالقادرين على الاقلاع عما كان.

الهوية ملاذ لمن لا يجد ملاذاً له في العقل. لقد غذّى "فوبيا ضياع الهوية" من جهة، والحاجةُ الملحّة للحضور في العالم من جهة أخرى، نزعةَ التلفيق بين الماضي والحاضر، والتراث والحداثة، والأصالة والمعاصرة، والديني والدنيوي، فأنهك النصوصَ الدينية بعمليات تأويل متعسفة، لا يقبلها منطقُ التأويل القديم ولا الجديد، عبر اسقاط مكاسب الحداثة المتنوعة في الفلسفة والمعارف والعلوم على النصوص الدينية.

 هوية الجماعة تغذيها معتقداتُها ومروياتُها عن نفسها، وتصوغها أحلامُها وتطلعاتُها، لذلك تعمل الهوية على إنتاج الحقيقة في اطار أحلامها ومطامحها ومعاييرها، سواء كانت تلك الحقيقة دينية أو دنيوية.

 الهوية في عصر تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الجديدة لم تعد ساكنة، تعدّدت وجوهُها وأبعادُها، ولا يمكن أن تظلّ ذاتَ وجه وبعد واحد، لأن الواقع الشديد التحول يفرض عليها أن تصير متعددةَ الوجوه والأبعاد، تتعدد عناصرها وتتنوع مكوناتها تبعاً لتعدد وتنوع إيقاع حركة الواقع الشديد التركيب والتغير.

بنية الهوية في عالمنا اليوم معقدة، تتألف من سلسلة طبقات متنوعة العناصر، لا تلبث عناصرُها على الدوام في سُلّم ترتيبها، ولا تمكث في موقعها، ولا تقف عند صورة واحدة من صورها، لذلك تتطلب معرفتُها تفكيراً صبوراً، يتوغل في طبقاتها، ويحلّل عناصرَها، ويضئ صورَها المتلاحقة.

 الهوية في حالة تشّكّل مستمرة، إذ لا تستطيع أية هوية أن تعزل نفسها عما يجري فيما حولها من تحولات مختلفة في العالم، وإيقاع حادّ ومتسارع للتغيير في كل شيء، ولا يمكن أن يتغير كلُّ شيء فيما تظل الهويةُ ساكنة.

الهوية في حالة صيرورة، بل هي صيرورة لا تكفّ عن التحول المتواصل، لأنها علائقية بطبيعتها، تتحقق تبعاً لأنماط صلاتها بالواقع، وما يجري على الهويات الموازية لها، وذلك يفرض عليها أن يُعاد تكوينها، فتصاغ في سياق: تفاعلها، انفعالها، تضادّها، صراعها، تسوياتها، تساكنها، تضامنها، مع كل ما يحدث في الواقع، وكلّ ما يجري على الهويات الأخرى. ممانعة الهوية ومكوثها في أنفاق الماضي يفضي إلى انغلاقها على نفسها وتحجرها، وفشلها في إعادة إنتاج ذاتها في سياق يواكب الايقاع المتسارع لتحولات الواقع، ومن ثم خروجها من العصر.

 من الوهم النظر الى الهوية الدينية كأمر قارّ ساكن، لا يتحول ولا يتبدل، يؤثر في كل شيء ولا يتأثر بشيء، وذلك ما تكذبه وقائع الجغرافيا والتاريخ والثقافة والحضارة والاجتماع البشري، كما تكذبه مسيرة الأديان، وما تخوضه من حروب داخلية، بفعل حالتها الانقسامية المستمرة، وولاداتها المتوالية فرقاً تتشظى الى فرق، وطوائف تتشعب الى طوائف.

 وعيُ البعض لشيء من صور هذا المأزق ألجأهم لتلفيق الثنائيات المتنافرة، وتركيب كلّ شيء يبهرنا في الحاضر بكلّ شيء مازال يُكبّل عقولَنا في الماضي، وقد أفضى ذلك إلى أن تتيه عقولُنا في الموضات الفكرية والسياسية، ويغرق تفكيرُنا في إسقاط كل شيء يفتننا اليوم على النصوص الدينية، في محاولة لامتلاك ما يبهرنا ولصقه بهويتنا.

لو قرأنا نماذج من أدبيات النهضة، بعد صدمة اكتشافنا الغرب وعلومه الجديدة، نجدها تسقط بعض الاكتشافات العلمية التي أنجزها غيرُنا على النص الديني، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، الذي استوعب تفسيرُه لكلّ ما عرفه وقتئذ من العلوم الحديثة، فاتسع لكلّ شيء ما خلا التفسير، وهكذا فعل كثيرون غيره في تلك الحقبة.

وفي مرحلة لاحقة اجتاحتنا فتنةُ الاشتراكية، فأصبح النبي محمد "ص" وبعضُ الصحابة كأبي ذر والخلفاءُ وغيرهم اشتراكيين، كما يقول لنا مصطفى السباعي في سلسلته عن الاشتراكية والاشتراكيين في الاسلام، ومحمود شلبي، وغيرهما.

وبموازاة ذلك اجتاحتنا فتنةُ اليسار، فتفشت كتاباتٌ تفتش عن اليمين واليسار في الاسلام، وتسعى لتفسير الاسلام تفسيراً ماركسياً، كما فعل بعضُ الكتّاب العرب، وآخرهم صديقنا حسن حنفي، الذي أصدر العدد اليتيم من مجلته "اليسار الاسلامي"، وكتاباته الغزيرة في هذا السياق، التي يصرّ فيها على تلفيق مقولات متكلمي الفرق المختلفة وفتاوى فقهاء المذاهب المتعددة مع مقولات ومفاهيم اشتراكية وغيرها.

واليوم تجتاحتنا فتنةُ الديمقراطية والليبرالية، بنحو أمسى فيه الاسلامُ ديمقراطياً وليبرالياً، حتى ان أشرس الجماعات الدينية المناهضة للديمقراطية أمست ترفع شعارَ تطبيق الديمقراطية. وكأن هذه الجماعات تتنكّر لأدبيات مؤسسيها ومنظّريها وكتّابها الذين كتبوا الكثيرَ من النصوص التي تزدري الديمقراطية وتبالغ في هجائها وتحذير المسلمين منها، بوصف الديمقراطية في مفهومهم هي التعبير الصريح للحضارة المادية الغربية. وإن كان بعضُ رجالها يتخذ من الديمقراطية قناعاً يختفي خلفه، بغية القبض على السلطة، والتمكن من تطبيق أحكام المدونة الفقهية.  

وفي وطننا العراق اليوم مثلاً تفشى مصطلح "مدنية" سياسياً، وكما هو معروف ان هذا المفهوم ولد وتطور في سياق الفكر السياسي الغربي الحديث، وهو يشي بدلالات لم تولد أو تتشكل في سياق اسلامي. وكلّ من له أدنى خبرة بالفكر السياسي الحديث يعلم ألّا دولة مدنية بلا ديمقراطية، وبلا فصل الدين عن الدولة، وبلا فصل الديني عن الدنيوي... يشدّد سيد قطب، في كتابه "معالم في الطريق" وغيره من كتاباته، على جاهلية الديمقراطية، وجاهلية فصل الدين عن الدولة، وجاهلية فصل الديني عن الدنيوي، وجاهلية كل المعارف والأفكار والفنون والآداب، والشرائع والقوانين، المنتجة في سياق غربي. والجاهلية كما يصرّح في كتاباته تعني الكفرَ بالله. يكتب سيد قطب: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم.كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميًا. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!".

 ولا نعرف ما الذي سيجري في قادم الأيام من تلبيس للإسلام، وتقويل النص الديني مالم يقله، ونسبة أفكار لمفكّري الإسلام لم يفكروا فيها.

لن يخرج الدين من مأزقه، ولن تخرج مجتمعات الاسلام من مأزقها التاريخي، مالم ترسم حدوداً يتكشف فيها مجالُ الدين وحدوده ومجالُ الدنيوي وحدوده، ويكف كتّابُنا عن التلفيق ولصق كل ما يغويهم بالدين.

 لن نكتشف طريقَ الخلاص مالم يكن الدينُ ديناً لا غير، والمقدسُ مقدساً لاغير، والدنيا دنيا لا غير، والآخرةُ آخرة لا غير، والفلسفةُ فلسفةً لا غير، والعلمُ علماً لاغير، والأسطورةُ أسطورةً لا غير، والمتخيلُ متخيلاً لا غير، والأدبُ أدباً لا غير، والفنُ فناً لا غير... لا بمعنى القطيعة الجذرية بين كلّ منها، وانما بمعنى رسم صورة لكل منها تضئ ملامحَه، وتتعرف على ماهيته، وتحدد اطار موضوعه، وتعلن عن وظيفته.

ختاماً اتمنى قراءة ما يرمي اليه المقال بدقة، المقال لا يدعو لطرد الدين من الحياة، لأن ذلك فضلاً عن انه غير ممكن، هو ايضاً تعبير مبسط يتجاهل حضور الدين، ولا يدرك حقيقته.. كل ما ينشده المقال هو التنبيه على مأزق التوفيق والتلفيق ولصق كل شيء بكل شيء في تفكيرنا الديني.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

 

mustafa alomariفي إطارها التفاعلي مع مجتمعها تقود النخب الواعية ما يشبه المعركة، للتحرر من قيود الجهل فتنثني مرة لألتقاط نفس الحياة ليتسنى لها التقدم في مشروع محاط بالغام الطيش، معركة يموت فيها العقل عند الجماهير فيحاول الواعون صعقه بجرعات متتالية من ثقافة بناءة ومتطلعة نحو الامام، ثقافة تبيح السؤال وتحرم السكوت، تستنجد بالعقل والخبرة ولا تركن الى غير العلمي، فتجعل هدفها العقل في خدمة العقل .

دائماً ما تتقدم الامم بعقول عباقرتها ومفكريها وليس بصيحات جماهيرها او بيافطات يرفعها العوام دون الاكتراث بما مكتوب بتلك اليافطة.

المهمة صعبة اذا ما قورنت بين تغيير يتمحور حول المجتمع واخر حول الدين واخر حول ذات المغير الواعي (المثقف)

فبالتالي كل هذه الفروع الثلاثة متغيرة ومغيرة وغير مطلقة في الايمان العقائدي الذي تؤمن به، هذا ما يشعرنا ان كل الاشياء المتغيرة عبر هذا الكون تحتاج الى مراجعة ثم الى تشذيب وتغيير فيما هي عليه، هذا التغيير ياتي عادةً من اقطاب المجتمع الفاعلين والمشتغلين بالحقل العلمي المعرفي، فتؤسس آجرة البناء نحو النهضة والتغيير بتلك العقول ..

مجتمع كالمجتمع العربي يصعب فيه الدوران والبحث حول الايمانات المطلقة التي تعود عليها الجمهور، فأنت يجب ان تؤمن بالحقيقة المطلقة، اي النتيجة التي ورثتها من أهلك بدون جهد او عناء.

المشكلة التي تزعجني حقاً ان المجتمع العربي يعج بالواعين والذين يحملون افكاراً متقدمة جداً، لكنهم ما ان يسنح لهم طقس ديني او اجتماعي او سياسي، حتى تجد ان اكثر هؤلاء الواعين قد انخرطوا مع الجماهير غير الواعية .

تماهي العقل الواعي مع الجماهير وممارسته لطقوس يبتدعها العقل الغرائزي المتخم بالخرافة والجهل، يقلب أحقية ذلك العقل بالتميز والتقدم والنضج ويحيله الى رقم ينضم الى صفوف ملتهبة وغير واعية . 

في كتابه سايكلوجية الجماهير، يقول كوستوف لوبون: 

(الخصائص الاساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي: تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والافكار، الميل لتحويل الافكار المحرض عليها الى فعل وممارسة مباشرة، وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه وانما يصبح انسان آلي ما عادت ارادته قادرة على ان تقوده

مجرد ان ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة )

عندما يلتصق الواعي بالجماهير محال ان يغير بتلك الجماهير شيئاً، لكنه من الممكن ان يأخذ دوره الفعلي عندما يتقدمها كمرشد ناضج .

إنخراط بعض المثقفين والواعين في ممارسات بيئية طقوسية غير عقلية، لا ينهض بتلك الممارسات لأن تأخذ دوراً ريادياً متصدراً في المشهد الفكري الثقافي او الديني التعبدي، بل سيرتد نكوصاً على الظاهرة الطقوسية وعلى المثقف في نفس الوقت .

يتوهم بعض الاشخاص ان الطبيب والمهندس وغيرهما من حملة الشهادات العليا، متفوقون بالفكر والثقافة كما هم متفوقون في اختصاصهم العلمي ! وهذه معادلة غير منطقية تؤمن بها المجتمعات القاحلة معرفياً وتروج لها كثيراً .

يقول لوبون (يمكن أن توجد هوة سحيقة بين عالم رياضيات شهير وصانع أحذيته على المستوى الفكري، ولكن من وجهة نظر المزاج والعقائد الإيمانية فإن الاختلاف معدوم غالبا، أو قل إنه ضعيف جداً)

هذه الفقرة بالتحديد تستدعي منا التوقف عندها متمهلين، لكي نكشف بعض ما آلت اليه المنظومة المعرفية المتمثلة بالواعين، عندما انخرطوا إنخراطاً متهالكاً يريدون إشباع نهم العوام وتطمين بعض السذج من انهم (الواعين) لازالوا يفكرون في نفس الدائرة التي يفكر منها الأمي والجاهل . تفكير عزز من قوة الشارع العام في ممارساته المستفحلة نحو منطقة اللامنطق وشرعنة اللامشرعن، فتمادى ذلك الشارع بعدما تهاون المسؤول وتماهى المثقف.

ما معنى ان ينساق المثقفون خلف طوابير أسسها جهلاء القوم وعديمي المعرفة للتقرب الى الله او السلطان؟ ما تحليل إنهماك بعض الواعيين لحضور ولائم لا يكون فيها العقل حاضراً وغير مبالين او معترضين على منجز يقدم الهذيان والصياح باسم الله او الثقافة ؟!

في متاهات هذا المنزلق غير المنضبط ومع تهاون ونكوص النخبة الواعية تتراجع المجتمعات ويموت فيها العقل الذي يدرك الاشياء فينظمها ويرتبها . كما يقول ابن رشد .

مشكلتنا محيرة حقاً فعندنا القدر الكافي من المثقفين والناضجين، لكن ليس عندنا القدرة على التقدم نحو مشروع علمي فكري . الرعب المسطور في اذهان بعض النخبة، اتى بنتيجتين غير مرضيتين وهما:

 

انغلاق المثقف على ذاته وانطواءه على معلوماته دون ان يفصح او يشرك احداً بها

أمام هذا التماهي من قبل المثقف يتمادى المجتمع بطروحاته غير العقلية ويسحب كله بكله الى دائرة الفعل أمام اللاتفكير .

مهمة الواعين الان ليس الردح مع الجماهير غير الواعية، بل الاشارة لتلك الجماهير على الاستدلالات العقلية والدينية وتثقيف المجتمع بجرعات فيها وعي مغاير ناهض لا يحتمل المحاباة والمجاملة، مالم تكن رغبتنا بالتغيير حقيقية سنلبث مصفدين أمام ولائم موت العقل الجماعي وسنشيع ارواحنا بايدينا وبرغبات خارجة عن قدراتنا لإيقافها.

 

مصطفى العمري 

 

ibrahim ohseenلم يكن من اللائق أبدا أن نسخر أقلامنا وأوقاتنا وبُنَيَّاتِ أفكارنا لتوافه الدهور وسفاسف الأمور، خصوصا ونحن في ظرفية تَحتَّم منَّا فيها أن نقف وقفة تأمل، ونتساءل بشكل جدّي عن جدوى كل ما أنفقناه وما ننفقه في تحليلاتنا وتخطيطاتنا الاستراتيجية وبحوثنا الاستشرافية ورؤانا الموسومة دائما بالحكمة، بل وفي كل الجهود المبذولة من لدن المراكز البحثية المشهود لها بالتخصص في كافة المجالات المعرفية عبر رقعة الوطن العربي الشاسعة، تحت مسمياتها الرنانة التي تبعث على الافتخار والاعتزاز، وتحت الأكلاف المادية الباهضة – طبعا - لمسوداتها التي تُبْدِئ وتُعيدُ كل مرة على شكل حلقات حلزونية لا تنتهي.. كل هذا العمل الجبار ودار لقمان باقية وساكنة على حالها المتصدع والمكروث، في ظل وطن تاريخه ماضٍ ماثلٌ في حاضره بتعبير المغربي "عبد الله العروي"، حاصدا السّواد ومحتضنا بين عطفيه زمن الخسارات والأخطاء، محيلا أيام الناس المشهودة أيام فوضى وعشوائية وحروب دموية طاحنة، حينا باسم السياسة والمصالح، وحينا آخر باسم الدين والمذهب والطائفة والمعتقد... الأمر الذي يدعونا لمساءلة الذات مرة أخرى: لماذا عجزت كل العقول العربية والإسلامية وشعوبهما عن تجاوز أزماتها المركبة على مدار الأجيال المتعاقبة، بالرغم من نداءات "الطهطاوي"      و" الكواكبي" و"الأفغاني" و"محمد عبده " و"مالك بن نبي" وغيرهم، وعلى ما تزخر به كتبنا السماوية وكتبنا التنويرية من نداءات التضامن والتسامح ونبذ كل أشكال العنف والإقصاء؟؟ أو لنقل بشكل أكثر غرابة وإثارة : كيف انخرط المعمِّرون لأرض الأنبياء والعارفين بالله والتنويريين في الانحطاط، واستقام أمر – طبعا ليس إلى حدود الكمال – من عمَّروا أرض الفلاسفة والملاحدة والمتحررين اجتماعيا وثقافيا؟؟ هل نحتاج لجرعات إضافية من التنوير ومن التحرر الاجتماعي والثقافي؟؟ أم نتبادل مع الآخر المواقع الجغرافية، لعل التراب والمناخ ينطويان على سرّ ما؟؟  أم نسمح لأنفسنا أن نتعبقر (من العبقرية) ونحاكم البيولوجيا، عسانا نعثر لدى الآخر على مركبات جينية تساهم عمليا في تجاوز حاملها لماضيه الأسود، عوض جيناتنا " الأنانية  " – بتعبير " دوكينز" – التي خربت يومنا وأمسنا؟؟ أم نسلّم بمقولة الأديب البريطاني "رودريار كيبلنغ": "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، ونصمت؟؟

طبعا ،الكل متيقن من أننا طرحنا هكذا أسئلة منذ عقود خلت،إلى أن صارت أيقونات خالدة محفورة في ذهن كل عربي وكل مسلم، كما أننا متأكدون من كوننا سمعنا آلاف الإجابات عنها من مفكرين ومثقفين تعددت مشاربهم وخلفياتهم الأيديولوجية ،وهي إجابات ، على اختلافها، رامت -عن حسن نية أصحابها- وضع قطار التنمية بأبعادها المختلفة على سكته الملائمة، وكذا لمّ شتات أوطان مترامية الأطراف، ومحاولة صهر تعدديتها الهوياتية والحضارية والثقافية داخل بوثقة التاريخ المشترك والدين واللغة العابرة للحدود الترابية..لكننا مرة أخرى، نضطر كالعادة أن نردد مع " دعبل الخزاعي" قوله:

ما أكثرَ النـاسَ لا بل ما أقلَّهُـــمُ ===  الله يَعلمُ أنِّـــي لم أقُلْ فَنَدَا

إنّي لأفتَحُ عيني حينَ أفتحُهــا  === على كثيرٍ ولكن لا أرى أَحَدَا

لعل المؤرخ " أرنولد توينبي" لم يكن يقصد قطعا أمتنا المتهالكة حين قال: " حينما تنحدر الأمة لابد أن يصطدم رأسها بقاع البئر، بعد ذلك تكون إغفاءة واستيقاظ، بعدهما يكون تسلق من جديد"، لأنها وبكل بساطة أمة بلغت قعر البئر رافضة التسلق من جديد، مستمتعة للأسف بتركيب قطع الظلام، وبمضغ آثار وأمجاد الأسلاف والافتخار بقول الله تعالى: " وكنتم خير أمة أُخرجت للناس..الآية" وترديده بزهو في المجالس دون التعمق في مقصده الكوني النبيل.كما أن الفيلسوف الروسي "نيكولا بيردياييف" لم يكن لِيُعَرِّجَ على أمتنا النائمة حين عبّر في كتابه "معنى التاريخ" قائلا: " عندما تتراجع الأمم وتنحدر يرهف فيها الحس التاريخي والنقدي للتاريخ.".وكيف يتأتى في نفوسنا هذا الحس المرهف ونحن كلما استدعينا تاريخنا الماضي إلا وانتقينا منه الأسوء والأسود، فمن داحس والغبراء إلى بُعاث، ومن الجمل إلى صفّين، ومن كربلاء إلى مجازر الحجاج...وهي نفس المجازر والوقائع التي تتكرر بين ناظرينا الآن شئنا أم أبينا، طبعا مع تغيير في الزمان وفي أشكال الأسلحة، مع الحفاظ على نفس مواقع المعارك الجغرافية والإبقاء أيضا على نفس السلالات المتناحرة، فالأمر برمته لا يعدو أن يكون نقلا للمعارك من الأجداد إلى الأحفاد بصورة أكثر شراسة وأكثر دموية.وهذا مآلٌ منطقي ونتيجة منتظرة إلى حد كبير، فالأمة التى لا تدرس تاريخها كما قال "جون سانتيانا"، تغامر بتكرار نفس أخطائه، أو بتعبير المفكر "علي شريعتي": " لا يدرك قوانين المستقبل إلا من أدرك قوانين ماضيه وتاريخه ".

فلنفترض أن الحبر الذي كُتب به تاريخنا عبارة عن تعصب سائل كما يحلو ل"مارك توين" أن يعبر، وهَبْ أن مواضينا البشرية لطخت ببقع سوداء مخجلة، فالآخر الغربي كذلك قد مُلئت صحائف ماضيه بحبر أشد سوادا وحلكة، بل نستطيع أن نقول بيقين ثابت أن مواضيه تبعث على الحسرة والخجل وأحيانا على الشفقة، بيد أنه استطاع في غضون عقود يسيرة وبمجهود عقول متنورة معدودة أن ينفلت بشعوبه من ضيق الماضي إلى سعة الحاضر، ومن إقصائية الطائفية والتمذهب والميز العنصري والعرقي إلى الإعلاء من شأن الإنسان كذات مستقلة لها حقوق وعليها واجبات، الأمر الذي مكَّنَهُ ببساطة من تملُّك أدوات الحضارة والثقافة والمدنية، معتمدا على تحرير العقل وارتياد آفاق الإبداع، دون الحاجة إلى التقليد والاستيراد والاقتباس.ولقد صدق "إيمانويل كانط" ملخصا فلسفة التنوير الغربي – في شقها التفاؤلي على الأقل - قائلا: " بدأتُ حياتي ظانًّا أن رُقي الإنسان وشرفه رهن ما تحصّل لديه من المعرفة، إلى أن استيقظتُ وعلمتُ أن الإنسان يكون كذلك بمقدار ما يكون إنسانا،فبدأتُ أعلّم نفسي كيف أحترم بني الإنسان ".

رسمت البشرية عبر أصقاع المعمور لوحات عريضة ملونة بحقول من الدماء والعصبية والعنصرية بدعوى السيطرة على العالم وهيمنة السلالات الأقوى والفضلى وتحقيق مصالحها المختلفة، إلى أن جاءت الأديان السماوية والحملات التنويرية لترفع العنف والخلافات الدنيوية المحقورة والدنيئة، التي تضع نفسها على مسافة بعيدة عن منطق الأخلاق الرامي لجعل الكائن البشري بكل تلاوينه خلقا يستحق الاهتمام والاحترام اللائقين به.أما كل أشكال التطاحنات المتدحرجة على سفوح التاريخ حتما لم تكن بسبب الدين أو العرف أو الثقافة، إنما بسبب استغلال هذه المعطيات بشكل خاطئ، وهي الفكرة المحورية التي ناقشتها باقتدار الكاتبة "كارين أرمسترونغ" في كتابها "حقول الدم: الدين وتاريخ العنف". ويحق لنا إذن في ذيل السطور هاته أن نفكر مع  البوسني "علي عزت بيكوفيتش" الذي اقترح جائزة نوبل على من استطاع الإجابة على سؤاله المُعجِب : " كيف يكون الدين الإسلامي بنصوصه أكثر الأديان حثا على النظافة والطهارة، وفي نفس الوقت أكثر الأديان حثا على الانضباط والترتيب، وأمته من أكثر الأمم قذارة وعشوائية؟؟" ، فإن عجزت أمتنا المتصدعة إذن عن وضع إجابات لأسئلتها المصيرية،أقصد إجابات مقنعة ذات فاعلية على أرض التطبيق، قادرة على نشلها من غيابات الجب وقعور التخلف والتشظي،و إن اختارت شعوبنا الاستئناس بجراحها والانزعاج من وجود أطباء يحرصون على عافيتهم بتعبير "روسو"، فإننا مدعوون آنئذ أن نتجاوز بني البشر ونبعث أسئلتنا رأسا إلى الله في رسائل عبر البريد العاجل، كخيط نور أخير نهتدي به، قبل أن نتبنى منطق " شوبنهور" المشؤوم والمختصر في مسكوكته :" الموت شيء جميل، والأجمل منه أن لا نُولَد أبدا

 

mustafa alomariتحتل رغبات الانسان ونزعاته للتقدم مكاناً مبكراً منذ نشأته الاولى، فما ان يستنشق هواء الحياة حتى تبدأ غرائزه بالانفتاح نحو المجهول، رغبات طفولة مبكرة لا تعترف بالعراقيل ولا تعبأ بالمحذورات التي صنعها الكبار.

يكبر فتكبر معه رغباته ومشاريعه وميوله وتكبر معه أوهامه وسذاجته وتخلفه والمؤثرات الداخلية لمجتمعه . بالتأكيد ستأخذ هذه العوامل نسبة وحيزاً من شخصية اي فرد، لكي يرحّل معه رغباته البدائية الى ما بعد الاكتمال الجسماني او العقلي.

العلم الحديث وضع بعض المحددات العلمية والدراسات الاجتماعية والنفسية لقياس مدى تفاعل الفرد مع منجزه الداخلي ومدى استطاعة تفعيل هذا المنجز ليكون حقيقة، فبين المخطط الذهني الحبيس والمشروع الحقيقي الواقعي، مسافة زمن فيه حركة وفعل .

المشاريع النامية في عقل العربي او المسلم كبيرة وكثيرة، لكننا في صدد الاشارة الى ظاهرة خطيرة اذا ما درست دراسة علمية مستقلة، وهي إعتقادنا (المسلمون) أننا معنيون بتغيير العالم من دياناتهم الى الدين الاسلامي ! لأننا أصحاب الدين الحق والمنجي والاخير . ولو كلفنا هذا التغيير قتل الناس او نفيهم من الارض فسنفعل لأننا نريد ان ندخلهم الجنة ونبغي لهم الخير رغماً عنهم !

إنها رغبات طفولية ساذجة حقاً ! يولد الفرد منا فتسكن في ذهنه مهمة تغيير العالم تغيير الامم فينصب إهتمامنا نحو تغيير الاخر البعيد المختلف عنا بتفاصل حياته وعاداته وبيئته وطقوسه،بينما نهمل أنفسنا ومجتمعنا من التغيير الذي سيسوقنا نحو الخلاص المفترض .

يقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي: أخطر ما نعانيه نحن وتعانيه البشرية هو الاختلاف العميق في المعايير الاخلاقية بين المسلمين وغيرهم من الأمم ووجود إحساس ملح لدى الكثير من المسلمين بأنهم أوصياء على العالم .

النزعة الطفولية الضاربة في أعماق المسلم من انه يريد ان يقود الحياة او تغيير الامم، نزعة تاهت بمجتمعنا وأضاعت منه فرص التقدم . نزعة متقدمة بالوهم المسف فبالوقت الذي تطور العالم علمياً من جميع الجهات، يحرن المسلم في تفكيره الطفولي القديم انه يجب ان يغير هذا الكون واستطاع وبسهولة ان يشبع رغباته في التغيير بنصوص دينية داعمه لمشروعه الجبار !

إنكفأ الفرد منا يفكر بما أملته عليه إيماناته الاولية وهي دفع الاخرين للدين والعلم ولكن اصبحنا أكثر الشعوب تخلفاً علمياً وأبعدنا عن مفايهم الدين الحاثة على الصدق والتسامح والاخلاق وإحترام الاخرين ... فالعقلية التي تؤمن انها الحق المطلق لا يمكن ان تركن الى الحوار او تذعن للتغيير، العقلية التي تؤمن أنها تتحدث باسم الله كيف لها ان تصغي لصوت البشر! الامة التي تؤمن بما لا يقبل الشك انها أعطيت خيراً كبيراً لم يعطى لمثلها من قبل أيعقل انها سوف تتغير بحضارة وثقافة أمم اخرى! إذن نحن ولدنا لكي نغير ولا نتغير، نؤثر ولا نتأثر! إنها مهزلة عقل ميت وأحلام جنينية أودت الى انتكاسة غير معروف نهايتها.

كان المسلم الأعرابي في جيوش الفتح يرى نفسه سيد المتحضرين ومعلمهم وقائدهم واستمرت هذه المعضلة مهيمنة على ثقافتنا منذ ذلك الحين حتى الآن . ففي بداية ظهور الاسلام صار المسلم مرادفاً لمعنى معلم أوداعية أو عالم حتى وهو أمي .... ولكن لم ينتبه المهتمون منا لهذه المعضلة الأساسية المزمنة التي أثرت ونهشت سلوك وعقل المسلم .

ينشغل بعض المتاجرين بالاسلام في الغرب لتغيير العدد الاكبر الى الاسلام من الغربيين ويبذلون أموالاً سخية لمثل هذا المشروع غير المدروس علمياً او دينياً او إجتماعياً. محاولين سحب العدد الاكبر من البسطاء ليكونوا مسلمين بدون معرفة الاسلام الحقيقي.

يقوم بمثل هذه المهمة بعض المتسربلين بوهم المعرفة وبأموال ووجهات إجتماعية، ليس غايتهم الله او الانسان إنما هو الاستكثار وزيادة العدد الرقمي غير المنتج . ملء بعض الذهنيات الفارغة بخصومات التاريخ العربي الاسلامي، التي لا تشكل في عقل الامريكي حيزاً ولو بنسبة بسيطة وهي لا تعنيه، لكنها تعني بعض المرضى الذين يحاولون إفشاء مرض عضال عمره قرون ولازال فعالاً وفتاكاً . مرض التكريه والالغاء والفتك والقتل وإستباحة كل ماهو مقدس..

إلتقيت ذات مرة باحد هؤلاء المتغيرين الجدد وهو امريكي اسمر صاحب لحية متمددة وثوب قصير، سألني هل أنت مسلم قلت نعم ضحك مستبشراً، ثم سألني بلغة الواثق، كيف ترى الحياة مع الكفار؟ قلت له ماذا تقصد بالكفار ! قال الامريكان ! أذهلني جواب هذا المسكين المفخخ والمعبأ بما لا يدرك . سألته من علمك ان الاخر المختلف كافر؟ ثم من أجاز لك وصف الاخرين بالكفار؟، وبثواني ركب سيارته واختفى .

علمياً هل سيستفيد العقل الاسلامي من هذا الشخص او أمثاله؟

دينياً هل سيرفع هذا المُلَقن راية الاسلام ليحاجج الامم؟

إجتماعياً هل تُعد هذه النبرة في الحوار مقدمة للتسامح وقبول الرأي الاخر؟ أم هي كما يقول ابن رشد وحدانية التسلط .

في كتابه محنة ثقافة مزورة يقول الصادق النيهوم

رغم ان الاسلام لا يعتبر الوعظ حرفة ولا يجيز الاكتساب منها ولا يعترف اصلا بشرعية رجال الدين فإن التاريخ لم يعرف ديناً ازدحم فيه الوعاظ والفقهاء كما حدث في تراث الاسلام .

أعتقد حان الوقت للمراجعة والتفكير الجاد، بعدما أسرفنا في أحلامنا الصبيانية ونزعاتنا السوريالية لتغيير العالم، العالم الذي غير نفسه بنفسه وبضربات التجارب القاسية، أيها الاخوة والسادة والقراء لا يحتاج العالم الى تغييرنا فهو يملك أدواته ومشاريعه المستقبلية بل نحن نحتاج الى التغيير لأننا لا نملك الادوات وليس عندنا خطط استشرافية للقادم . فلابد من المبادرة لتطمين العالم بتوحد الدول الإسلامية ضد التفكير التكفيري وإتباع القول بالفعل لتحرير عقل المسلم من هذا الوباء.

أننا أكثر الامم تحتاج الى التغيير بعد هذا التأريخ الطويل من نزف الدم، دعونا نترك دعوة الاخرين للاسلام ونلتفت الى المسلمين الذين لا يعرفون عن الاسلام والحياة الا ما لقنه لهم أهلهم عندما كانوا أطفالاً. لا تثقلوا كاهل الاسلام بدعوة غير المسلم، فرب إرتدادية أقوى من الدافعية .

 

مصطفى العمري

 

المعتقدات كانت ولا زالت ابرز العوامل الكبرى في تحديد ملامح حياة الشعوب فمنها ينتج فهم الحياة ويتولد السلوك . وعندما تم التعامل معها على انها يقينيات مرتبطة بقوى خارقة او آلهة او مثال اعلى لابد من اخضاع الجميع لها والدفاع عنها بكل ثمن حدثت انعطافات تاريخية كبيرة على اثرها جرت صدامات وحروب دامية أدت الى ازهاق الكثير من الأرواح وتدمير البلاد وأقيمت محاكم مارست اقسى انواع العقوبات بحق الخارجين عن العقائد الحاكمة . وما نصنفه احيانا كصراعات بين الخير والشر هي من زاوية اخرى ليس الا صراعات بين قناعة واُخرى مخالفة لها . فاذا كانت المعتقدات بهذه الأهمية والدور في حياتنا فالجدير بِنَا ان لا ننشغل بتصنيف المجتمعات وفقا لنوع معتقداتها بل ان نتقدم خطوة جديدة تهدف الى فهم اسباب نشوء المعتقدات وماذا يقف خلف كل هذا التنوع العقائدي.

 هناك من يرى ان الاختلاف في نشوء المعتقدات مبني بالتحديد على اختلاف القدرات الذهنية بين البشر وان نشوء المعتقدات يحدث دائما بشكل واعي . ولكن هذه الإجابة غير سليمة والا فماذا نفسر وجود اشخاص يمتلكون قدرات ذهنية ابداعية حققت إنجازات علمية واكتشافات كبيرة وفي نفس الوقت نجدهم يعتنقون معتقدات غريبة الأطوار مليئة بالخرافات والأساطير . بمعنى انهم يجمعون بين العقلانية واللاعقلانية في آن واحد . وهذا يعني ان اعتقاداتهم بالخرافات والأساطير غير مرتبطة بضعف قدراتهم الذهنية بل هناك عوامل اخرى . كشف لنا علم النفس الحديث عن وجود عوامل كثيرة تؤثر في نشوء المعتقد بعضها داخلية واُخرى خارجية كما كشف عن انواع مختلفة من المنطق تقف خلف نشوء الاراء والمعتقدات فبالإضافة الى المنطق العقلي هناك المنطق العاطفي والمنطق الديني والمنطق البايلوجي والمنطق الروحي تحدث عنها بعض الباحثين في علم النفس وكان أشهرهم الباحث غوستاف وما يهمنا هنا في هذه المقالة ان نكتفي بتسليط الضوء على دور المنطق العاطفي .

 ان حصر نشوء المعتقدات بالمنطق العقلي جعل الاغلب يدعي انه الأكثر عقلانية من بين الاخرين ولكي يسوق معتقداته فانه يعمل على تأطير معتقداته بمفاهيم عقلية وأقيسة منطقية لتلاقي مقبولية جيدة بين الناس . وطالما نشاهد في الجدالات والمناظرات الدينية ما يحدث من تبادل الاتهامات بالغباء وعدم العقلانية والتزمت بالراي لان كلا الطرفين يجد ان معتقداته عقلانية والادلة عليها واضحة كوضوح الشمس، غافلا عن الدور اللاشعوري الذي يدير الجزء الاكبر من عملية الاعتقاد . وفي تصوري ان الخطا الجوهري في هذه الاشكالية هو الخلط بين دوافع وأسباب نشوء المعتقدات من جهة والقضايا العلمية من جهة اخرى. فالحديث عن صفات المربع او المثلث او المخروط بما هم اشكال هندسية لا يحمل بعد عاطفي بخلاف الحديث عن الامور اللاهوتية او المسميات التي تحمل رمزية دينية او عقائدية فالابعاد العاطفية هنا تلعب دور كبير جدا. الى درجة ان المنطق العاطفي عادة ما يتخذ قراره تجاه معتقد معين قبل ان ياخذ المنطق العقلي كفايته في محاولة تعقل ذالك المعتقد .

 ان ما يجري هو ان كلا من المنطق العقلي والمنطق العاطفي يعمل بشكل مختلف عن الاخر، فكما نحن مختلفون في قدراتنا على ادارة الذهن كذلك نحن مختلفون في حساسية العناصر العاطفية، اي تلك المجاميع من العناصر العاطفية والتي بمجموعها تكون ما يسمى الطبع . ان تقلبات الحساسية الفردية والمجتمعية تكشف لنا سبب تغيير اراءنا وأفكارنا وتقبلنا و تقلبات الحساسية العاطفية كما هي تؤثر في توجه الفرد كذلك هي تقلبات الحساسية للمجتمع، ومن هنا تعد دراسة الاعمال الفنية والشعرية والأدبية لمجتمع معين في زمن ماضي يعتبر مصدر جيد للتنقيب عن الحساسية الجمعية لذالك المجتمع وفهم مظاهر حياتهم العاطفية في تلك الحقبة الزمنية . ان الجزء الصعب هنا هو ان العناصر العاطفية تعمل ضمن المنطق العاطفي بشكل لاواعي مما يجعل مراقبتها وتفحصها ليس بالأمر الهين وهنا يجب ان يزول استغرابنا عندما نرى بعض المشاهير من العلماء رغم كونهم اصحاب نتاجات علمية ونظريات رائعة وفي نفس الوقت نراهم يؤمنون ببعض الخرافات والأساطير . لان منشأ المعتقد خاضع لمنطقهم العاطفي . وهنا يتضح مدى دهاء من يقوم بتسويق معتقد ما تحت تاثر عناصر عاطفية قوية كعنصر الخوف مثلا . ولنا ان نلاحظ بشاعة من يحاول ترسيخ الإيمان تحت سطوة الخوف، ان هذا ما يجري فعلا عندما يطلب من شخص ان يؤمن بفكرة معينة وفي نفس الوقت يتم اخباره بان عدم الإيمان بتلك الفكرة يستوجب العذاب واللعنة . ولَك ان تتخيل كيف سيكون عمل المنطق العاطفي لهذا الشخص تحت تاثير سطوة الاٍرهاب الفكري . ان تقلبات العناصر العاطفية في اللاوعي تخلق لدينا ايضا دوافع كامنة في اللاوعي تحملنا على تقبل اعتقادات معينة وفقا لإشباع تلك الدوافع .. ما أود ان أشاركه هو تسليط الضوء على العناصر الاخرى اللاواعية التي تكمن عميقا تحت ارضية المعتقدات، وبما اننا نتوجه الى منطقة اللاوعي فان الموضوع يصبح ذا صلة وثيقة جدا بما يقدمه علم النفس الحديث وخاصة ما كشفه من حقائق علمية خلال الملاحظة والتجربة عن دور اللاوعي في حياتنا اليومية حيث قدم لنا قوانين ومعادلات فعالة تعمل في عالم اللاوعي تم اعتمادها في علوم تطبيقية ففي الطب الحديث تبين ان انواع من الأمراض الجسدية تعود اسبابها الى اضطرابات عاطفية مكبوتة تحت منطقة اللاشعور وكذلك تطور علاج الأمراض النفسية وعلم التنويم الايحائي وبرمجة العقل الباطن والتحليل النفسي وتطوير مناهج التعليم وقد ألفت العديد من الكتب في هذه المجالات. من المهم جدا ان ندرك خطورة جهل طبيعة العناصر العاطفية وتاثيرها في نشوء المعتقدات فالقدرة على استغلال المنطق العاطفي للمجتمع يمكن ان يحسم الكثير من الامور المصيرية . فبواسطة التلاعب بتلك العناصر العاطفية امكن احداث انعطافات خطيرة في التاريخ . ولنا ان ننظر كيف ان العديد من الخطابات السياسية والدينية استطاعت ان تخلق عند المجتمع دوافع مخيفة حملت الانسان للاقدام على اعمال جنونية كتفجير جسده بل امكنها تحريك الساحة السياسية والاقتصادية لمصالح دنيئة، ان التلويح بعنوان ديني قد يكفي لكسب تأييد الراي العامة واشاراة الى فكرة معينة قد تدفع الآلاف بالخروج في مظاهرات حاشدة وكذلك جر الناس الى حروب طائفية طاحنة امتدت لمئات السنين . وعلى الرغم من ان الذاكرة العاطفية تضعف بشكل كبير جدا قياسا بالذاكرة العقلية الان انها يمكن ان تعيد نفسها بالتغذية عن طريق حقنها بجرعة عاطفية . وكما تقول الحكمة . حقد لا يغذى لايبقى .

 ان ما يدعم ما تقدم هو توجه علم النفس الحديث الى التحول من المفهوم الكلاسيكي القديم للذكاء الاحادي الى فهم موضوعي اخر حيث اصبح يرى ان تصنيف شخصين بشكل مطلق احدهما ذكي وآخر غبي امر مخطئ لوجود مستويات متعددة للذكاء والتي أسس لها جاردنر واطلق عليها (الذكاءات المتعددة) وبذلك قدم لنا مستويات مختلفة من الذكاء كالذكاء المنطقي والموسيقي والبصري والاجتماعي والذاتي وغيرها فوفقا للذكاء الذاتي الذي يتمحور حول قدرة الانسان على تامل ذاته وفهمه لانفعالاته ونواياه فنحن مختلفون في قدرتنا على التواصل مع مكنوناتنا ودوافعها الذاتية ووفقا للذكاء العاطفي الذي تناوله دانيال جولمان في كتابه (الذكاء العاطفي) كذلك نحن مختلفون ايضا في مستوى قدرتنا على التواصل مع عواطف الاخرين .

 ان خلاصة هذه المقالة هي دعوة لإعادة النظر في النقاط التالية:

 ١- مراجعة معتقداتنا بشكل دوري للتاكد من مدى عقلانيتها فجميعنا يحمل دوافع عاطفية كامنة في اللاشعور .

 ٢- النظر بمرونة وموضوعية تجاه من يختلف معنا وعدم التسرع في إطلاق الأحكام ضد الاخر بتهم عدم العقلانية او محاربة الحقيقة التي نراها نحن . فالجزم بامتلاك الحقيقة ادعاء غير عقلاني

 

mustafa alomariعادةً ما تجتاح المجتمعات موجات من ثقافات مغايرة تحرك تلك الموجات الركود وتعيد صياغة بعض القوانين العامة او تلغيها، ويعتمد هذا التغيير او الالغاء على العقل المنتج والعقل المستقبِل في تحريك الوعي العام . فالمنتج يجب ان يكون واعياً صادقاً حريصاً غير منتفعاً، أما المستقبِل فعليه ان يكون حذراً يقظاً حيال استقبال المعرفة وخاصة التي تتناغم مع معتقداته الاولية، فكثير من الاختراقات التدميرية التي تنسف او تسفه الكيانات او المذاهب العامة تاتي من داخلها، فتكون اكثر تأثيراً وإيلاماً .

المتابع للوضع العربي بالتحديد يجده مختلفاً عن سائر خلق الله، فبالوقت الذي لا تخلو فيه مدينة او قرية،من مسجد او مكان يعبد فيه الله، ولا يخلو شارع من مكان للعبادة، ترتفع من كل بيت الخطب والمواعظ التي تقدمها الفضائيات وتصدرها للمستهلك كوجبة سريعة مكفولة التوصيل الى غرفة النوم والمطبخ .

وبالوقت الذي يصّر الشارع العام بدفاعه عن هذا الهذيان المنطلق عبر خطابات الفضائيات والمساجد، يبقى كما هو دون ان تحرك فيه الخطب التي تدعوا الى احترام البشر او تلك التي تحثه على النظافة مثلاً . يبقى الشارع العام عندنا هزيلاً ضعيفاً مالم نغير منتج المعرفة الاصلي والا سيبقى تغيير بعض الالوان كخدعة واهمة على تغيير المنتج الاصل، وسيستمر هذا الوهم في تغذية الشارع العام بالمعرفة . 

في كتابات سابقة كنت قد حذرت من رجال الدين السيئين وأعتقد اني بعثت بمنتجي الى المستقبِل عبر الصحف والمواقع . بعض الاشخاص قبلوا بالفكرة بعد تحليل واعي ودراسة جادة، البعض الاخر لا يستطيع البحث او التساؤل بهذا الامر، فأوصد بابه وجلس مستريحاً !

مرت النهضة الاسلامية بمنعطف خطير لم يحصل لها من قبل وأكاد أجزم لم يحصل بعدُ ان حدث مثل ذلك المنعطف، وهو الحوار الجاد  والمشروع الكبير بين ابن رشد 595 هج وابو حامد الغزالي 505هج، فبينما كان الغزالي قد أصل للفقه واصوله وإضفاء مشروعية القداسة على القديم من النص غير المحَقَق، إنتهج ابن رشد منهجاً مغايراً وهو منهج فلسفي فكري عقلي . وبين صراع منهجين عقلي ونقلي بالتأكيد ستهرول العوام نحو النقل بينما يترك العقل مضرجاً يتلوى من طعنات الجهلاء .

تغلب منهج الغزالي لأن أجدادنا كما مجتمعنا اليوم يحبذ النقل على العقل، فمات العقل او كما يقول عنه رابرت رايلي في كتابه إغلاق عقل المسلم . وضع الغزالي الختم على عقل المسلم فالعقل بالنسبة للغزالي هو العدو الاول بالنسبة للاسلام لذا رأى ان على المسلم الاستسلام الكلي الى ارادة الله اي كل ما جاء في الوحي من قران وسنة النبي ومن السلف الصالح من تفسير للنصوص والشريعة بدون اي سؤال او مناقشة . 

انتصر الغزالي لأن المستقبِل (الشارع العام) لم يكن واعياً بل كان شبه مخدراً، والمنتج اعني الغزالي كان واعياً جداً فالرجل كان فيلسوفاً ومفكراً قبل ان ينحدر انحدارته قبل الاخيرة ليكوِّن منهجاً دفن به عقل المسلم وسلب به إرادته الى اليوم .

في كتابه نحو تاريخ مقارن للاديان يقول الدكتور محمد اركون الشيء المسيطر على عقلية العرب والمسلمين حالياً ليس فكر ابن رشد وانما فكر الغزالي، في كتابه المعروف فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة، أسّس للتكفير كمنهاج في التراث الاسلامي، وهو منهاج لا يزال للأسف ساري المفعول حتى الان . 

لو قدر وكان منهج ابن رشد هو السائد اليوم أجدني أقرب للجزم ان حركة وفعل المجتمع الاسلامي سنجدها مختلفة تماماً عما نراه الان، ابن رشد رد على الغزالي بطريقة غير مباشرة في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) فلم يعتمد التكفير او الالغاء في منهجه رغم انه كان يستطيع فعل ذلك وله القوة فيما اذا أرآد لأنه كان قاضي قضاة زمانه، ويحق له اطلاق الفتاوى مثل الغزالي ولكنه اتبع المنهج العقلاني القائل بضرورة تفحص حجج كلا الطرفين اي الطرف المتبع للشريعة والطرف المتبع للحكمة والفلسفة.

في هذه المقدمة التي تحوم حول مسألة مهمة في تاريخ الوعي الاسلامي والتي كتب عنها كبار المفكرين العرب والغربيين، أجدني مضطراً لإعادة بعض من ذلك التأريخ لكي لا يستغفل العقل الاسلامي ولا يُستهزء به من قبل القائمين عليه، ولا يغرر بالابرياء بنصوص دافعة لسحق الانسان وكرامته وعقله .

فبالوقت الذي احذر فيه من الادعياء باسم الدين او اللصوصية الدينية يجب ان اشير الى مسألة مهمة غالباً ما يسير خلفها العوام من الناس وعادةً ما يسكت حيالها الواعون منهم وهي انني مع رجل الدين الواعي الذي يحترم انسانية الناس جميعاً، مع المثقف الجاد في طلب العلم والقراءة وليس بالضرورة ان نتفق في إيماناتنا بالقدر الذي نسمح لعقولنا بالحوار والمناقشة.

بالوقت نفسه أنا ضد كل مزور مدعِ وهنا يجب القول ان بعض المتصدرين للوعي الديني والذين يجنون ارباحاً من ذلك، فارغون مدعون،  مخادعون لأستمالة الشارع العام وتأييده، بينما تجد البعض وهم قلة قليلة يمكثون في بيوتهم رغم العلم الحقيقي الذي يمتلكونه والقابلية المعرفية على استيعاب الحوار المختلف كما كان منهج ابن رشد، مع ذلك نلحظ ان الشارع لا زال كما هو زمن الغزالي فهو يخشى من الفلسفة والتفكير ويأنس للخنوع والتسليم والإذعان .

وهنا يبزغ الدكتور السيد طالب الرفاعي كمثال حي على ما قلته، فالرجل الذي افنى عمره في دراسة وتدريس العلوم الدينية والاكاديمية أضحى شبه معزولاً بعدما نزى الجهلاء والوهميون واقارب المتصدرين على المؤسسة التي خدمها لفترة طويلة من عمره.

 اية الله السيد الدكتور طالب الرفاعي الحاصل على شهادات ووكالات مطلقة من كبار مراجع وفقهاء الدين الشيعة والحاصل على شهادة الدكتوراه من مصر، وهو ايضاً استاذ بعض المراجع في حوزة النجف، لا يحبذ لقب اية الله رغم ان طلاب طلابه غدو ايات والبعض إنتحل اسم اية الله كهوية مزورة في بازار مجتمع لا يسأل كثيراً لكنه ينصهر أمام الالقاب .

يعود بنا الرفاعي الى موضوعنا الاول وهو بين الغزالي وابن رشد كمادة ومنهج مستمر لتسطيح وعي الناس، ويذكر بهذا الشآن رئيس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة الدكتور محمود قاسم فيقول : أدركته ايام تقديمي للدراسات العليا في كلية دار العلوم جامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي وكان استاذاً متخصصاً في الفلسفة الاسلامية، كان الدكتور قاسم ومن خلال محاضراته وحديثه يرفض فكر الغزالي، لأن الغزالي كان ساخطاً على الحكمة والفلسفة.

وبما ان الرفاعي رجل دين ومن انصار ابن رشد يعتقد هو والدكتور محمود قاسم استاذ الفلسفة ان الغزالي كان أحد اسباب تأخر المسلمين وانحطاط العقل في المجتمع الاسلامي وتفشي ظاهرة التكفير والقتل والتشدد . وكم يركز الرفاعي على خصوصية ابن رشد وما قاله عنه صديقه قاسم (كم خسر العالم الاسلامي يوم اخر الفكر الفلسفي لأبن رشد واستعاض عنه بفكر الغزالي الممثل في كتابه احياء علوم الدين)

قبل ان نغادر الى مكان اخر يجب ان انوه الى محورين مهمين في هذا الموضوع

أولاً:  أتمنى ان لا يفهم من كتاباتي اني ضد رجال الدين بالمطلق، وهذا ما يحاول بعض رجال الدين إشاعته، لذلك قدمت مثالاً حياً لرجل دين كبير هو السيد طالب الرفاعي، علني أسهم في دفع بعض رجال الدين الفارغين والمهتمين بالالقاب او المتصدرين بهوية القرابة او المصاهرة للتفكير وإعادة ترتيب مشاريعهم الحاثة على طمس كل ما هو نابت، والتقدم نحو مسارات علمية مضيئة بوعي ومطالعة فزمن الاختباء والتبرير اختفى او هو كذلك ..

ثانياً: هذه الكتابات تحريضية للعقل لكي يمارس مهامه التي فطره الله عليها، وليس التيبس على القيود التي صنعها البشر، وبدعوة فيها من الشراهة للبحث والتفتيش والمراجعة والتحليل والاخذ والرد يجب ان يكون العقل غير مكبل وغير مسبوق باحكام ضد او مع .

من يحاول المغامرة والبحث عن معظم مصائبنا والمحن التي مرت وتمر علينا سيجد ان السبب الاول هو تعطيل العقل وعدم السماح له بالتفكير، الركون الى الموروث والعادات والخضوع والتقليد سبب رئيس في موت عقل المسلم .

 

مصطفى العمري   

 

sabri alfarhanالعقل الاسلامي ما زال في باكورة معرفته: اذ لم تفرز الساحة مفكرا اسلاميا او فيلسوفا اسلاميا منفصلا عن الفقيه، بعبارة ادق عن شخص المرجع، عدى المفكر الاسلامي مالك بن نبي ملهم ثورة الملون شهيد، ثورة الجزائر الاسلامية التي صودرة لصالح الفكر الراسمالي وتربع العلمانيون على سدة الحكم، والدكتور علي شريعتي معلم الثورة الاسلامية الايرانية التي سجلت كثالث ثورة شعبية في العالم في العصر الحديث وانتهت كاي تجربة من تجارب العالم الثالث

اذ باتت تحاكي تجربة البعث في العراق، ولكن تحمل بوادر القفز الى مصاف الدول الكبرى بالقوة لا بالفعل ويعتمد على مدى اخلاص ومبدئية وفاعلية قادتها .

 اما المفكر حسن البنا ووالمفكر السيد قطب فهم في رحى رجل الدين المرجع، والكاتب الاسلامي مصطفى محمود وان لم يكن عالم دين ولكن لم ياخذ مداه في المجتمع - من مصر

والمفكر ابو الاعلى المودودي في نفس الوادي - من الباكستان

وكذا المفكر محمد حسين كاشف الغطاء والمفكر محمد رضا المظفر و الفيلسوف محمد باقر الصدر والمفكر محمد صادق الصدر والمفكر عبد العزيز البدري والشيخ احمد الكبيسي فكانوا رجال دين مراجع والباحث الاسلامي كمال الحيدري سرعان ما تصدى للمرجعية ايضا - من العراق 

وبما فيهم المفكر الاسلامي محمد حسين فضل لله الذي حدد منعطفات الداعية انعطف في منعطف المرجعية، والمفكر السياسي فتحي يكن كان عالم مرجعا، والباحث الاسلامي محمد مهدي شمس الدين ظل تحت اسم رجل الدين – من لبنان

 

 والفيلسوف محمد حسين الطباطبائي رغم عدم تصدية للمرجعية ولكن بقى تحت صفة رجل دين وكذا الفيلسوف مرتضى مطهري. والفيلسوف مصباح يزدي وكذا الباحث الاسلامي محمد مهدي الاصفي - من ايران .

وبما فيهم محمد بن عبد الوهاب وبن لادن فهم في كنف المشيخة والمرجعية من السعودية

 وقد يتواجد مثل هذا المفكر او الفيلسوف الذي ليس مرجعا ولا رجل دين ولكن يعيش بعيدا عن العالم متخذا زاوية ولا يغني الفكر الانساني العالمي (1).

 وهذا يعني بعد الظهور او يوم العدل الالهي الذي يعم كل الارض او وصول البشرية الى شاطئ السلام وبر الامان اي ما زال الوقت مبكرا لظهور المهدي المنتظر كما يصورة المذهب الجعفري او قل الطائفة الشيعية رغم كل الضجة التي تقال سيخرج الامام بعد موت ملك الحجاز عبد الله او كل العلامات تمت او الصحية قريبة او ظهور المنقذ كما تصورة المذاهب الاسلامية الاخرى او قل الطائفة السنية ككل او ظهور المخلص كما تصورة الديانة المسيحية او ظهور عزير النبي كما تصورة الديانة اليهودية او يوم المشاعية كما يصورة الفكر الشيوعي او يوم العقل كما يصورة الفكر الرسمالي .

اذ لايخرج الامام المهدي حتى يتكامل العقل الاسلامي او قل حتى تتواجد الشخصية الاسلامية التي تتحمل اعباء اصلاح العالم، ولا يخرج المنقذ او المخلص حتى تصل البشرية الى طريق مسدود في العدل والسعادة حسب تصور الفكر الاسلامي .

ولا تصل البشرية الى يوم المشاعية وتضحية الانسان بذاته من اجل المجتمع الا اذا رقى العقل البشري حسب تصور الفكر الشيوعي

ولاتصل البشرية الى شاطئ السلام وبر الامان حتى تكتمل تجارب العقل البشري حسب تصور الفكر الرسمالي .

لذا طرح الفيلسوف الاسلامي المرجع محمد باقر الصدر نظريته حول يوم العدل الالهي لا كما هو معروف من خلال الروايات والنصوص الماثورة بل برهن بشكل عقلي وصول البشريه الى ذلك اليوم وظهور الامام المهدي علية السلام، اذ يذكر بعد ان تصل البشرية الى ماساة كبرى وتستسلم لابد من منقذ عند ذاك يخرج الامام المهدي والبشرية مهيئه لان تقبل افكارة .

 

 العقل الاسلامي فتيا

 فرز لحد الان مراهق سياسي اسلامي يترنح في خطواته يقدم رجل ويوخر اخرى رغم كل تبجح الجمهورية الاسلامية في ايران بمناطحت الدول الكبرى وتنيك الاخوان المسلمين ومناورات حزب الدعوة وسيف السلفية ونار داعش (2) وحماس التيار الصدري .

العقل الاسلامي متاخرا

 عن العقل البشري بخطوات شاسعة وما يطرحة المحلل السياسي العسكري المخضرم السطام (3) اذ يقول الاسلام في طريقة الى الانقراض يصح.

 لانه بعد نضج العقل البشري ككل ينضج العقل الاسلامي كجزء من الكل فتختفي المساحة الرمادية من المجتمع وعلية سيترك كل المغفلين الذين يقدسون العلماء لجهل او لمصلحة ما الدين، اذ بدت بوادرة حيث نشاء تيار تحت اسم الا دينين او الملحدين الجدد(4) اغلب المنتمين الية من المتديين او حتى قسم ممن كان ينتمي للحوزة العلمية او التيار الديني بشكل عام ونخرط قسم من المجاهدين سابقا في اطار هذا التيار   

 

العقل الاسلامي ضحلا

وكموشر لذلك في وقتنا المعاصرتعرض الرمز الاول في الفكر الاسلامي والمعلم الاول الرسول الاكرم محمد بن عبد الله صلى الله علية واله وسلم الى الاساءة فلم يتصدى احد الى رد الشبهات او طرح شخصية الرسول الاكرم بشكلها الصحيح ليفهمه الاخر فلا تنطلي علية شبهات المغرضين (5)

العقل الاسلامي لم يتخطى مرحلة ردود الفعل لما يريد الاخر ان ينفعل به.

كما شخص ذلك المفكر الاسلامي محمد حسين فضل الله اذ قال بالحرف الواحد افعالنا عباره عن ردود فعل لما يريد الاخر ان ننفعل به واوصى ان ننتقل الى مرحلة الفعل، والانتقال من مرحلة رد الفعل الى مرحلة الفعل ليس بعصى سحرية بل مخاض ومعانات وتازر وتكاتف وجهود جبارة يجب ان تبذل في هذا المجال .

وما نعيشة في هذه المرحلة من تخندق طائفي ليس اعتباطا بل مخطط له من قبل اعداء الاسلام لتفريغ الفكر الاسلامي من محتواه من جهه ومن جهة اخرى صراع الامة من داخلها فالدول احيانا تمر بحرب اهلية بعدها يسود القانون فالصراع الفكري داخل الامة ياصل الفكر ويدفع به الى الامام

 

العقل الاسلامي اصابة الخرف

هذا ما يراه السطام اذ يصفه اشبة بعجوز بخيل يريد ان يبدد كل خرافاته قبل ان يطمر تحت التراب والقول يصح ايضا .

 اذا اكدنا ان المنطقة الرمادية ستختفي في العقل الاسلامي اذ بعدها لايصدق المرء ان شخصا مثل في صحراء وجاءه فارس يمتطي الفرس يلبس البياض فادله على الطريق، او ينسخ قصاصة ورق عشر مرات تصل اليه ان شخصا راى في المنام وليا فقال له اذكر قصتي ووزعها على عشر سترى خيرا وامر عشرة بذلك ومن لم يفعل سوف يلاقي تعسا مرضا او غيره.

 

العقل الاسلامي متخلفا

ويذهب السطام الى اكثر من ذلك اذ يقول ان الاسلام يسير باتجاه معاكس للعلوم وخاصة الفيزياء الكوانتم مما اضحك العالم علينا وخاصة عند محاولة البعض من الاسلاميين تفسير النظرية النسبية ونظرية التطور ونظرية الكوانتم بالنصوص الدينية القرانية، ففي نظرية الكوانتم ينعدم الزمان والمكان ويمكن ان يكون الشي متواجد في اكثر من مكان في ان واحد وهذا ما يحدث تحت الذرة حيث توجد طاقة ومادة .

ولكن اجاب المفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر اذ قال ان القران كتاب هداية ولم يكن كتابا في التاريخ او الفيزياء، واجابة الفيلسوف الاسلامي الشيخ الشهيد مطهري في نظريته التي لم يستوعبها الكثير من ان الانسان لو خلق شيئا ورأى الله ان يفيض فيه اروح افاضها .

اذ هي مسيرة الحياة نحو الكمال والعقل الاسلامي ضمن قوانينها وبلغة القران ضمن سننها اذ ينضج شيئا فشيئا وهذا متوقف على همة العاملين ومرونة عقيلياتهم .

 الى جانب مسيرته العلمية الرصينة هذه في الفقه والأصول وعلوم الشريعة، ومعروفية أساتذته ومعلميه، هناك إشارة لافتة في حياته ‏طهرت روحة في سلوك العرفان ‏والعلوم الأخلاقية. اذْ بعد اطلاق سراحه من السجن في فترة اعتقاله الأول عام‏1975م من قبل الزمرة الحاكمة في بغداد، انصرف الى الدعاء وسلوك طريق‏المعرفة الإلهية وللحدّ الذي كاد ان يتلف نفسه من كثرة التضرّع والصلاة والبكاء،حتى طلب منه استاذه السيد الشهيد الصدر الاول التخفيف من ذلك رفقاً بصحته ‏وحاله... ثم راح بعد ذلك يدرس العرفان على يد أحد كسبة النجف فأحبّه كثيراً حتى عدّه أستاذه في هذا المجال وهو أمر غريب في السياقات المعروفة في‏ الدراسات الحوزوية اذ كيف يكون أحد الكسبة أستاذاً لعالم دين؟ أو عالم في‏الحوزة؟ وكان جوابه (رحمة اللَّه عليه) على‏ هذا السؤال:

ان الحديث الشريف يقول (أخفى اللَّه أولياءه بين عباده) اذ ان مقدار الاقتراب ‏الى اللَّه سبحانه ليس منوطاً بالعلم وانما بصلاح النفس وفهمها وصفائها لحقيقة العبودية واندماجها في هذا المعنى، وهذا لا يحصل لكلّ أحد، ولا يناله الّا من ارتضى‏ اللَّه له‏ذلك عالماً كان أو كاسباً

وهذا دليل ان هناك مفكرا او فيلسوفا ولم يكن رجل دين ولكن منزويا

الدوله الاسلامية في العراق والشام (داعش ) تنظيم اسلامي متطرف يعود الى السلفية الجهادية يحاول تطبيق الخلافة الاسلامية بنسختها القديمة حيث السبي والقتل - امتازت داعش بحرق الانسان وهو يخالف كل دساتير العالم اذ قامت بحرق طيار اردني اسرته في الموصل وجنديين عراقيين في الفلوجة .

 

................

1- درس محمد صادق الصدر عند كاسب

إشارة لافتة –استاذه كاسب:

2- داعش مختصر د= الدولة، ا = الاسلامية ع= العراق، ش = الشام

3- السطام بدا حياته طالب يدرس الهندسة بعدها التحق بالجيش وارسل الى روسيا وهناك بات شيوعيا وبعد الهجم الشرسة للبعث على المعارضين له التحقق في صفوف حزب البعث وسرعان ما احيل على التقاعد وطرد من حزب البعث لانتماء احد اقاربة لحزب الدعوة ايد السيد محمد صادق الصدر وحسب ما ينقل اخضعه الصدر لدورة نفسية لسحق ذاته البعيده عن الدين فطلب منه ان ينزل للشارع متسولا ليعيش حال الفقراء .

 4- ممكن مشاهدة

 صفحة حوارات ساخنة جدا بين الدين والالحاد

و صفحة الملحدين العراقيين الجدد

https://www.facebook.com/groups/442126202529922/?pnref=lhcpe=1

 (5) – لم ترد الشبهات اول باول عدى محاولة السيد محمد قطب في كتابة شبهات حول الاسلام عالج فيها شبة الرق وتحريم الخمر وشبهات اخرى صدر الكتاب في بداية النصف الثاني من القرن العشرين

 

mustafa alomariعادةً ما يحاول بعض رجال الدين أزاحة المنجز العلمي المنهجي نحو مشروعهم غير الممنهج اصلاً و اختطاف بعض الالقاب و الدرجات و لصقها بمدارس او اشخاص للرفع من مكانتهم الاجتماعية، بتلك الممارسة غير الاخلاقية و النابعة من عدم إقتناع مطلق بما هم عليه يتم تحويل المزيف الى حقيقة أما الحقيقة فتهمل لأنها لا تأخذ شرعية دينية . من تلك الممارسات الوهمية التي يتشدق بها المتدينون و التي من خلالها يحاولون بسط السيطرة العظمى على المساكين و حتى بعض الواعين، هي ركوب سفينة الاختصاص . سمعت و قرأت و حاورت الكثير من الشخصيات الدينية و أول ما تتحدث معهم يحاولون ان يقمعوك بطريقتهم الوهمية، فيكون الحوار بهذا الشكل

رجل الدين : عندما تمرض أكيد تذهب الى الطبيب .. النتيجة حتمية

عند بناء عمارة أو بيت بالتأكيد سيكون المهندس حاضراً

الذي يقود الطائرة قطعاً سيكون طياراً ماهراً أليس كذلك ؟

وستكون القائمة طويلة بتعدد نوعية و اشكال الاختصاصيين .

وعندما تكون عندك مسألة دينية لمن ستذهب يا ولدي؟! ... الى رجل الدين لامناص في ذلك.

لا خلاف على هذا الرأي فهو مقدمة صحيحة لنتيجة وهمية كما يقول المناطقة.

وهنا يجب ان يكون الحوار اكثر واقعية وإدراكاً للواقع، فأقول :

1- هل يستطيع اي شخص ان يلبس لبوس الدين و إيهام الناس انه رجل دين؟ اذا كان الجواب نعم فهذه حقيقة واذا كان الجواب لا يستطيع فعل ذلك، فيأتي السؤال الاخر..

2- من يستطيع إيقاف رجل الدين الوهمي؟ فهو يضع على رأسه شيئاً ما و يلبس ملابس توحي انه رجل دين، من يملك السلطة لكي يخلع ملابس الوهميين؟ وهل حصل من قبل ان شكلت لجنة من المؤسسات الدينية لمراقبة المزورين و الدجالين؟ (لا ارغب بالاجوبة المستعجلة او العاطفية)

3- هل بمقدور الاشخاص الذين اضحى على وجودهم بالمؤسسة الدينية زمناً ما ان يقلدوا أنفسهم بأنفسهم شهادات و ألقاب و درجات عالية بدون دراسة و قراءة؟

4- ألم يحصل ان طرح بعض الاشخاص انفسهم لمواقع علمية دينية متقدمة وهم لا يملكون من تلك العلوم شيئاً؟

أيعقل ان يقفز البعض على الالقاب بهذه السهولة، فاية الله العظمى و حجة الاسلام والمسلمين و العلامة الفهامة، ما عادت لها قيود و باتت دون حصر او مراقبة .

دعونا نكمل الحديث مع من يزعم الاختصاص الديني فنعيد الاسئلة على المقدمة فنقول: هل يستطيع اي شخص في الدول الغربية او العربية او حتى الصومال  ان يلبس لباس الطبيب و يمارس عمله في العيادة او المستشفى؟ بدون شك كلا و الف كلا . فهناك قوانين و اجازات تسمح للمتقدم لأي وظيفة كانت باشهار رخصته القانونية .

من هنا نستنج ان مقارنة رجل دين بالطبيب و المهندس و المعلم، مقارنة باطلة اصلاً، لأن هؤلاء تحت قوانين مؤسسة تحميهم من الدخلاء و تمنع عنهم الوهميين و تمنحهم إجازات قانونية .

في المؤسسة الدينية يكثر الدخلاء و النزقيين وليس هناك من ضابط لتقيم الاشخاص فقربك و علاقاتك و مرورك برجال ذو مكانة في تلك المؤسسة سيلهمك مكانة ايضاً، و سيتحول إليك علماً يُطلق عليه (لدّني) أي انك ستكون جهبذ فالفطرة و الوراثة !

مقارنة رجل الدين بأي إختصاص علمي أراها تعدٍ على حقوق المؤسسة العلمية التي ارتقت و تطورت و انجزت و عالجت الكثير من المشاكل، مقارنة تعصر الفؤاد أمام تيهان متخبط و ضرب عشواء .

يقول الدكتور فرج فودة عن الفرق بين اختصاص رجل الدين و رجل الطب:

(ان المختص بالطب لا يدعوني للإيمان بالطب بينما المتخصص بالإسلام يدعوني و يدعو غيري للإيمان بالإسلام!

اجمل ما في الاسلام انه يخلو من الكهنوت وانه بانقطاع الوحي انقطعت صلة السماء بالأرض وان الاسلام لا يعرف واسطة بين الله وبين عبادة).

وهم التقدير هو نتاج واضح لوهم المعرفة، وهم المعرفة ليس مقصوراً على رجال الدين فقط، بل يشمل الكثير من النزقيين الذين يحاولون رفع مستواهم الوهمي على حساب العلم و المعرفة .

تساءل الدكتور عبدالاله الصائغ بمقال مطول:

كم من ألقاب الدكاترة التي نسمي بها الاشخاص لكن بدون معرفة اختصاصهم العلمي او المشرف على إطروحتهم وما هي إطروحة الدكتوراه وفي اي جامعة؟

يبقى الجواب حارناً دونما اجابة و تبقى التساؤلات تنزف خوفاً من سياط الوهم، الى ان يرتفع هذا المجتمع بمستواه العلمي و الفكري لكي ينفض عنه كل الوهميين .

 

مصطفى العمري

 

masud alfakihوَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (يونس/ الآية 18).

الدين نص وتأويل، هذا من عند الله، وذاك من صنع البشر. هذا ثابت، وذاك يختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات والحقب. فإن كان النص ليس بالوسع تبديله، فكثيرا ما تحايل البشر عليه بتأويله حتى يوافق أهواءهم ونزعاتهم.

وقد أبى بعض مفكري اليونان وروما الأقدمين، مثل Pythagore وNuma Pompilius، أن يخلفوا نصوصا تكبل فكر التابعين، فأحرقوا قبيل وفاتهم ما كتبوا، أو أوصوا بأن تدفن كتاباتهم معهم، حتى يتيحوا لكل جيل من كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته. وقد يقال أن نبي الإسلام أيضا لم يأمر بجمع القران، بدليل أن الخليفة أبا بكر تردد حين عرض ابن الخطاب عليه الفكرة، قائلا لعمر أنه لا يستطيع أن يقدم على ما لم يقدم عليه النبي ولا أوصى به قبل وفاته. غير أن الافتراض السائد في الدين هو أن تعاليمه الواردة في النص المقدس صالحة للكافة في كل زمان ومكان.

بيد أن كثيرا ما كان البشر أضعف من أن يلزموا أنفسهم بأحكام النص، وأجبن من أن يثوروا، وأخبث من أن يعترفوا بعجزهم أو صدودهم. وإذ كانوا دائما في حاجة إلى عز اليقين الذي يوفره لهم الذين، لم يروا بأسا إزاء ضعفهم في أن يبقوا عليه مع تأويله تأويلا يريحهم، ويوهمهم في الوقت ذاته بأنهم مخلصون له.

 

الحاجة النفسية إلى الوسيط أو الشفيع

وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب. فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتي يمكن تخيلها دون وثن أو صورة، وكانت آلهة الأقدمين دوما محسوسة ومجسدة، صنما كانت أو كوكبا أو ملكا أو ظاهرة طبيعية. فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للآلهة في الأذهان. غير أن الإحساس ظل قائما لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم، حتى أن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم، أو أقرب إليهم من حبل الوريد. وكان أن نشأت لديهم حاجة (وثنية) ملحة إلى ملئ هذه الفجوة بأية وسيلة، أو اجتيازها بأية حيلة. وهي حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين أن من الحكمة الاستجابة لها بقدر محدود، خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره، أو حرصا على بقاء سلطانهم. وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف.

وقد صحبت هذه الحاجة النفسية لدى العامة إلى المحسوس، حاجة أخرى -هي نفسية أيضا- إلى الشفيع أو الوسيط. إذ أنه مهما أصر الملوك والكبراء على فتح أبوابها للرعية، ومهما أكدت الديانات أنه لا وسيط بين العبد وربه، ستظل العامة تهولها فكرة الحضرة الملكية أو الإلهية، وتفضل توسيط من يرونه أدنى إليهم. وأشبه بهم فإذا هم يتحولون عن الدعاء الرب إلى دعاء نبيه، إلى حفيد نبيه، إلى سليل بعيد من أهل البيت، إلى ولي صالح في مدينة أو قرية، يطلبون شفاعته أو عونه، ويلجئون إليه وقت المحنة والضائقة.

ولا شك في أن الأديان السماوية قد أثرت تأثيرا عميقا في عقائد الشعوب التي اعتنقتها، وفي سلوكها وعاداتها وأنماط عيشها. غير أنه مما لاشك فيه كذلك أن الأفكار والمعتقدات القديمة التي جاءت هذه الأديان لاقتلاعها ولتحل مكانها، قد أفلحت في التسرب إلى الأديان، وفي تكييفها وفق الاحتياجات النفسية والاجتماعية للشعوب.

وكثيرا ما امتزجت التعاليم الأساسية لدين معين بالعقائد المحلية امتزاجا أسفر عن نتائج ذي صورة جديدة يتعذر التعرف على التعاليم الأصلية فيها.

وقد كانت الشعوب دائما من الخبث، أو الذكاء، أو الضلال، بحيث أوجدت أساسا (دينيا) جديدا لاستمرار تمسكها بالمعتقدات القديمة، وصبغت عقائدها وطقوسها وعباداتها التي لا تنوي بأي حال من الأحوال أن تتخلى عنها، بصبغة الدين الجديد، وأدخلتها في إطاره. ونذكر على سبيل المثال استمرار كراهة الزواج بالأرامل في الهند حتى بعد دخول الإسلام  فيها ومحاولة تفسيرها تفسيرا إسلاميا مع أنه من المؤكد أنها مخالفة لروح هذا الدين الحنيف. كما نذكر أن بعض القبائل الأفريقية التي كانت ديانتها الوثنية تحرم ذبح الديكة وأكل لحومها، استمرت بعد إسلامها تحرمها ولكن على أساس جديد هو أن الديكة هي التي توقظ النيام لصلاة الفجر، ومن ثم فهي طيور مقدسة. 

 

تجاوز العقبات القائمة في سبيل تقديس الأولياء

غير أنه ما من وسيلة أتاحت الفرصة أمام الشعوب للإبقاء على بعض جوانب دياناتها القديمة ومعتقداتها قدر ما أتاحه تقديس الأولياء.

فإن كانت الشعوب التي اعتنقت المسيحية قد وجدت متنفسا في تقديس تماثيل مريم والمسيح والأيقونات الدينية، فقد كان تقديس الأولياء المتنفس الرئيسي للرواسب القديمة لدى بعض من اعتنق الإسلام، إزاء التحريم القاطع الذي جاء به هذا الدين للأوثان.

وقد جابهت الشعوب الإسلامية عقبتان كبيرتان في سبيل محاولتها أن يكون لتقديس الأولياء مكان في إطار الدين الجديد، وأن ينسبوا المعجزات (أو الكرامات كما يسمونها) إلى هؤلاء الأولياء حتى يبرروا هذا التقديس:

العقبة الأولى هي أن الإسلام لا يعترف بوسيط بين الله والناس، ولا مكان فيه أصلا لمثل هذا التقديس، بل لقد استنكر القرآن صراحة تقديس اليهود والنصارى للأحبار والرهبان:  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (سورة التوبة الآية 31)

والعقبة الثانية هي أن نبي الإسلام لم يدع لنفسه القدرة على خرق قوانين الطبيعة، ولا ادعى علم الغيب، ولا كان القدماء ينسبون إليه من المعجزات غير ما نص عليه القرآن، وإنما كانوا يكتفون ببيان أفضال الله عليه، ولا يرونه غير بشر كريم يوحى إليه. فكيف يمكن أن تنسب العامة للأولياء من المعجزات ما لم يقم النبي بمثله أو بما هو أغرب منه؟

قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (سورة الأنعام الآية 50)

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة الأعراف الآية 188)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام الآية 109)

فأما العقبة الأولى، وهي مخالفة تقديس الأولياء لروح الإسلام، فقد تجاهلتها العامة تماما، ودارت حولها دون أن تزيلها، وغض معظم الفقهاء الطرف عن هذا التجاهل، ما لم يصل التقديس إلى درجة تناقض التوحيد تناقضا صارخا. بل لقد أيد تقديس الأولياء ثلاث نفر من مفكري الإسلام هم: ابن سينا في كتابه (الإشارات)، والغزالي في كتابه (الإحياء)، وابن خلدون في (المقدمة).

فإن كان البعض كالمعتزلة والحنابلة ثم الوهابيين قد حاربوا هذه البدعة وغيرها من آثار الوثنية، واستندوا ضمن ما استندوا إليه في حربهم إلى قولة عمر بن الخطاب للحجر الأسود في الكعبة: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. فإن دعواتهم هذه ضاعت هباء مع العامة في أماكن كثيرة.

و أما العقبة الثانية فقد نشطت العامة للتصدي لها، ونجحت نجاحا ملحوظا في تجاوزها. رأت أن ليس بالإمكان نسبة معجزات الأولياء إلا بعد إدخال تغيير على المفهوم الإسلامي الخالص عن النبوة، وأنه ليس من اللائق ولا من الأدب الحديث عن كرامات للأولياء هي أعظم مما كان عندها للنبي. وكان السبيل السهل إلى التغلب على هذه العقبة أن تنسب إلى النبي مئات المعجزات، منها ما يتحدث عن إطعامه جيشا بأسره من صحفه ثمر، أو تفجيره عينا في الصحراء بغرس رمح في الرمال أو إبرائه أحد الصحابة من رمد بأن تفل في عينيه. وكلما ثار الفقهاء إذ تنسب إلى ولي من الأولياء معجزة لم يأت النبي بمثلها، بادرت العامة فنسبت إلى النبي ذاته معجزة تفوقها روعة.

من أمثلة ذلك ما ورد في (تاريخ الخميس) للديار بكري: عن أسماء بنت عميس (زوجة جعفر ابن أبي طالب) من طريقين أن النبي كان يوحى إليه (في خيبر) وهو في حجر علي، فلم يصلي (علي) العصر حتى غربت الشمس.

فقال له رسول الله: أصليت يا علي؟ قال: لا. فقال النبي: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فأردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت. وهذا حديث ثابت الرواية عن ثقات !!!

ثم اقتضى الأدب والذوق إضفاء مثل هذه القدرات الخارقة على بعض كبار الصحابة، إمعانا في تمهيد السبيل لتقديس الأولياء: (وتناول علي ابن أبي طالب باب حصن خيبر وكان من حديد، فقلعه وترس به عن نفسه ... فلم يزل في يده وهو يقاتل ... وقد حمله علي بعد ذلك على ظهره وجعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن. ثم لما وضعت الحرب أوزارها، ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبرا... وروي عن ابن رافع أنه قال: فلقد رأيتني في سبعة نفر وأنا ثامنهم نجهد أن نقلب ذلك الباب فما نستطيع أن نقلبه. وفي (المواهب أللدنية): قلع علي باب خيبر ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد. وفي رواية ابن إسحاق سبعة. وفي شرح المواقف: قلع علي باب خيبر بيده، وقال: ما قلعت الباب بقوة جسمانية ولكن بقوة إلهية... !! (تاريخ الخميس).

 

محاولة إيجاد سند قرآني لكرامات الأولياء

فما وجدت هذه المعجزات مكانها على صفحات الكتب، وخطب الوعاظ، وأذهان العامة، حتى كان الجسر المطلوب قد أقيم على الهوة الفاصلة بين الإلهي والبشري، وحتى بات الطريق مهيئا لنسبة المعجزات الإلهية إلى بشر سموا بالأولياء، وهو لفظ أورده القرآن وصفا للمتقين المقربين، دون أن يذكر شيئا من قدرات لهم خارقة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ .( يونس/62-64)

وقد خيل لفقهاء العامة أن بوسعهم أن يجدوا سندا في القرآن لكرامات الأولياء. فقد تحدثت سورة آل عمران الآية 37، عن الرزق الذي كان الله يبعث به إلى مريم في المحراب: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

كذلك تحدثت سورة النمل الآية 40 عن شخص لم تسمه أتى سليمان بعرش ملكة سبأ من بلادها قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. وإذ لم تكن مريم ولا كان صاحب سليمان هذا من الأنبياء، فمن الجائز إذن أن يهيئ الله لغير الأنبياء كرامات أشبه ما تكون بالمعجزات.

وقد حرص هؤلاء احتراما منهم للأنبياء على ألا يسموا معجزات الأولياء بالمعجزات أو الآيات، وإنما أسموها كرامات أو بركات. وقالوا أن الكرامة من خوارق العادة، وهي تختلف عن المعجزة التي هي أيضا من خوارق العادة في أن المعجزة غنما يريد الله بها أن يدلل على صدق دعوى الرسل، أما الكرامة فغير مقرونة برسالة، ولا من قبيل تحدي الكافرين. كذلك فهي تختلف عن المعونة في أن المعونة يتلقاها مسلم لم يخض تجربة خاصة، وتختلف عن الإرهاص الذي هو معجزة يريد بها الله أن يشعر النبي قبل تكليفه بالرسالة على أنه في سبيله إلى أن يكلف. وقالوا أن الولي قد يكون جاهلا بقدرته على الإتيان بالكرامات، بينما لا يملك النبي إلا أن يشعر بها، وأن على الولي أن يخفي كراماته وأن يهون من قيمتها قدر الإمكان، ويعتبرها اختبارا له لا هبة من الله، بينما الواجب على النبي أن يظهر المعجزات ويحيط قومه علما بها من قبيل التدليل على نبوته.

غير أن الواقع أن كرامات الأولياء (كما أوردتها الكتب والأحاديث العامة) لم تكن في أي وقت من الأوقات بدون معجزات الأنبياء شأنا:

فمالك بن دينار: بلغ من منزلته أنه ركب مع جماعة ذات مرة سفينة فضاع فيها جوهرة اتهموه بسرقتها. وإذ رفع رأسه إلى السماء خرج في الحال كل ما في البحر من السمك على الماء وقد أمسكت كل سمكة بفمها جوهرة. فأخذ مالك من كل ذلك جوهرة واحدة وأعطاها للجماعة، ووضع قدمه على الماء فسار عليه في يسر حتى وصل على الساحل.

وأبو العباس القصاب: قيل أن صبيا كان قد أمسك بزمام بعير يحمل حملا ثقيلا، فانزلقت رجل البعير ووقع وانكسرت رجله. واستغاث الصبي فقصده الناس. وغذ مر أبو العباس وعلم بما وقع. أمسك بزمام البعير واتجه إلى السماء فقال: اللهم اشف هذا البعير، وإذا لم تشأ أن تبرئه فلم أحرقت قلبي ببكاء هذا الصبي؟ !!!

وفي الحال نهض الجمل، ومضى صحيحا معافى. (الأمثلة من كتاب /كشف المحجوب/ للهجويري).

 

وثنية أم إسلام

آراء الفقهاء والعلماء في الأمصار المختلفة كثيرا ما تتفق، فإن اختلفت فكثيرا ما يكون الاختلاف بينها طفيفا وغير ناتج عن اختلاف المصر. أما ديانات العامة فواضحة التباين بتباين البلدان، حتى إن كان الدين الرسمي فيها جميعا دينا واحدا. فالعامة لا تقرأ كتابات الفقهاء والعلماء ولا تتأثر بها، وباستطاعتها في اغلب الأحيان أن تتجاوز الحدود الدينية دون أن تقع تحت طائلة العقاب أو التقريع.

فإن نحن قلنا بعد كل هذا أن شطرا من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوي بقنا (وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى المدينة) فيه غناء عن أداء مناسك الحج إلى بيت الله الحرام، وإن قلنا أن عددا من الفقهاء قد أيد هذا الرأي استنكارا منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل نفقات حجه إلى مكة، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة، وأن القبر أقيم على طلل معبد آلهة من آلهة قدماء المصريين، لوصلنا إذن إلى نتيجة غريبة، وهي أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقسا وثنيا خالصا يرجع إلى زمن الفراعنة.

 

بقلم: مولاي مسعود الفقيه

 

mustafa alomariتختلف المعاناة باختلاف حجم المسؤولية وتعتمد على نوعية الفهم وطريقة التفكير، بالوقت الذي نحاول فيه اخضاع الفهم الديني للتحليل والنقاش والمساءلة لكي يكون ديناً حقيقياً يتوافق ومتطلبات الانسان ولكي لا يكون عثرة في طريق التفكير والتطور البشري، يختنق العالم العربي والاسلامي بغيوم ملبدة من التبريرات والمغالطات المشحونة، ويتفوق عالمنا عن عوالم الكون من انه يدافع عن التاريخ اكثر من دفاعه عن المستقبل ويهتم بالأموات اكثر من اهتمامه بالأحياء ويتمسك بالمنهج القديم ويقدسه ويرفض اي خطوة نحو التقدم ويعتبرها انحراف عن الخط العام.

الدين الذي عندنا لم يعد ديناً سماوياً بل اضحى ديناً أرضياً بامتياز، فرغبة المجتهد والفقيه ورجل الدين المنبري باتت واضحة في معالم الدين الأرضي، ولذلك اصبح الدين مشكلة ولنكون اكثر دقة الفهم او القراءة  الدينية أصبحت خاضعة للمزاجية الفردية وليس النظرة الدينية الروحية الخالصة .

في كتابه الاخير (نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية) يشير الدكتور محمد اركون الى موضوع مهم وهو هل بالامكان اعادة قراءة النصوص الدينية الاسلامية وفق المنهجية العلمية الفيلولوجية ؟ ويعترف اركون انه عمل شاق جداً .

فهم الاديان يكاد يكون واحداً لكنه فهماً

مغايراً بطبيعته العامة، لما يريده الله وغائراً بعيداً عن المعنى العام للإتجاهات السماوية ومرد هذا الفهم الغائر الى الفهم البشري والعقل الذي لم تكتمل دورته التجريبية . فالمسلمون اختلفوا إختلافاً ليس فيه رحمة بعيداً عن الموازين المعرفية او العلمية الابستملوجية، وتمسكوا ببعض الاراء والاحاديث التي صبغوها بالتبرير لكي تحل محل الحقيقة . يبقى الفهم والادراك البشري قاصراً في معرفة الحقيقة الالهية ويبقى الهذيان من قبل بعض الادعياء مستمراً من أنهم يملكون الاطلاق بتلك المعرفة .

الشريعة قدسية كاملة وإلاهية المصدر والمنشأ، أما فهم الشريعة فلا يتصف بأيٍّ من هذه الصفات، ولم يكن في أيِّ عصر من العصور كاملاً ولا ثابتًا ولا نقيًّا، ولا بعيدًا عن الخطأ والخلل، ومنشأه ليس قدسيًّا ولا إلاهيًّا، وهو ليس بمنأى عن تحريف المحرِّفين أو الفهم الخاطئ لذوي العقول القاصرة، وليس خالدًا ولا أبديًّا  ...

وإن أسئلة كلِّ عصر هي وليدة علوم ذلك العصر، ولا يمكن أن تطرأ على بال أحد قبل نضج العصر علميًّا. وبما أن العلوم تتجدد، فإن الأسئلة، وثانيًا الأجوبة، تتجدد. ومن هذا المنطلق، تبقى المعرفة الدينية في تجدد مستمر

والحقيقة ان الاسئلة محرمة عندنا والاجوبة باتت تبريرية ممعنة في الازدراء بالعقل وملغية له، لذلك ولدت الغاية الاستمرارية للدين ميتة او كسيحة لا تقوى على الحراك . أسوء شيء فعله العقل الديني انه نصب نفسه المسؤول عن الله في الارض، فجار هذا العقل على الله وعلى عباده وبمراوغة إحتيالية زورت الغايات الكبرى للمقاصد السماوية وبُدلت الى منافع بشرية غايتها اشخاص معنين بعدما كانت غايات الله الانسان بالمطلق . أسوء شيء عندما يحاول البشر تقمص هيئة الله لكي يجيب باسم السماء يفتي ويقتل ويحرم ويحلل وينهى ويأمر ويجعل فواصل وخنادق ملغومة لكي لا تعبر الناس الى الناس ولكي لا تحب البشرية بعضها البعض الاخر . في موضوع سابق كنت قد سألت 12 سؤالاً وعنونتها الى الله الواحد الاحد، كم من الاشخاص الذين حاولوا الاجابة على تلك الاسئلة؟

رغم أنها ليس لهم وليس بمقدروهم الرد عليها لأنها تخص الخالق، من هنا نستطيع ان نكتشف ان تدخل البشر في المقررات الالهية كان ومازال قائماً ولن ينتهي . بعض الذين إطلعوا على الاسئلة وجدوها تمادياً او تشكيكاً في الخالق البعض الاخر قالوا انها حق بشري مضمون من الله، ليس المهم ماذا قيل المهم ماذا قال الله وليس ماذا قال البشر .

الخلاصة : إنحراف الاديان عن المقاصد الالهية أدى لكي تنحرف الانسانية ايضاً

الزعم ان الله يحاول جعل الناس في دين واحد زعمٌ بطُل في اول صدمة مع العقل

الله يبتغي للناس الرقي والاحترام الانساني والتقارب والتعارف بعضنا على البعض الاخر وليس الجمود او استعداء الاخر الذي يختلف معي .

يبقى الايمان شعور داخلي ليس من حق اي شخص السؤال عن حجمه ومقدرته الفعلية .

 ليس الايمان بالمظاهر الخارجية او الادعاء الاجوف او الممارسات الممسوخة  .

يبقى الله للجميع ليس لفئة او قومية او دين او بقعة جغرافية خاصة

لا يجوز لأي دين او مذهب استخدام اسم الله لتمرير الاغراض البشرية الدنيئة او جعل مميزات معنوية او مادية لأشخاص دون سواهم .

الله لا يحتاج الى مؤسسات الجباية او الجداية لكي تقنع الناس ان هناك حق في أموالهم لله، وما ان يدفع المساكين أموالهم التي جلبوها من عرق جبينهم حتى تسقط في جيوب المنعمين والمزيفين .

لا يحتاج الله الى رجال دين لكنه يبتغي دين فعلي واقعي عند الرجال .

الفعل هو الذي يقرر مسارات الاشخاص، والفعل الذي نتوقعه لو كان الرسول يعيش في هذا العصر بالتأكيد سيستخدم جميع التقنيات الحديثة وسيغير معظم المفردات العبادية وطريقة الدعوة اليها وأكيد سيركب الطيارة والسيارة وسيكون عنده حساب على الفيسبوك مثلاً .

لا يحتاج الإله الى افواج من من المبشرين بل يحتاج الى أفواج من الفاعلين الحقيقيين لخدمة المشروع الانساني .

الدين الذي يريده الله ليس فيه لعن للاخر او قتل او استباحة الدم والمال والعرض .         

أسئلة اخيرة الى القارئ الحاذق

من اختار أسمك انت أم أهلك؟

من اختار دينك انت أم أهلك؟

من اختار مذهبك انت أم أهلك؟

هل فعلاً عرفت الله بالعقل أم ان أهلك لقنوك وقولبوك كيف يكون الله؟

لاشك ان أغلبية الناس مساكين يدافعون عن اشياء ليس من اختيارهم ولم يبذلوا جهداً للبحث بها، ومع ذلك يصّرون على أنهم الحقيقة المطلقة . التأمل والتفكير بهذه الاسئلة أهم من الاجوبة .

 

مصطفى العمري

 

mustafa alomariتولد المجتمعات لتجد أنها مخلوقة ومعها هالة كبيرة من ديانات وطقوس وأعراف وتقاليد وممارسات بيئية مختلفة باختلاف تلك البيئة، تأخذ بعض الممارسات المجتمعية حيزاً كبيراً في الوعي العام ليصدّق بها الاغلبية ويذعنوا لها إذعاناً صاغراً، ولا إشكال في ذلك، يقع الاشكال عندما تريد ان تُخضع مجتمعات اخرى الى ثقافة ووعي ومنهج مختلف عمّا أنت عليه، وتطالبهم باللحاق بك ثم تقول لهم انك تمثل الله في الارض .

لم تدرك معظم الاديان ان الله لا يريد ان يكون حزباً ولا يبغي إصطفافاً فيه تمايز بين الاجناس او الالوان .

الله ايها السادة أنزل مفاهيماً راقية فيها خدمة الانسان والحرص على النفس البشرية . لا إشكال في تطبيق تلك المفاهيم وان كنت يهودياً او مسلماً او مسيحياً او حتى غير منتمياً الى دين، المهم ان تكون إنساناً لا تطغي عليك النزعة الحيوانية ولا تتخيل انك الحق الذي يجب ان يسود الكون، أنت إنموذج لتفاعلات ثقافية لبيئة متشظية من هذا العالم الكبير . معظم المجتمعات محكومة بثقافتها المحلية فهي رهينة التلقين والاكتساب الذي استنسخته من ذات البيئة، والعقل البشري مرهون للمعلومات الاولية التي اكتسبها بنشأته ومن خلال ثقافة مجتمعه. وفي هذا السياق عندما أنزل الله القران الكريم لم ينزله بثقافة تختلف عن الثقافة العربية ولا بلغة اليونان الفلسفية، إنما انزله بلغة عربية وبمفردات أميل الى لغة الصحراء منها الى لغة الحضر . وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبدالكريم سروش يذكر القرآن نساء الجنة بأنهن حور أي سوداوات العيون ولسن زرقاوات العيون، وأنهن يسكنَّ في خيام: "حُورٌ مقصوراتٌ في الخيام" [سورة الرحمن 72]. ويوصي الناس إلى النظر إلى الإبل وخلقتها: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت" [سورة الغاشية 17]. ويعتمد القرآن التقويم القمري، ويتحدث عن إيلاف قريش ورحلاتها الصيفية والشتوية، ويحكي عن أبي لهب، ويذكر الدواب التي يعرفها العرب، كالخيل والإبل والحمير إلخ – كلها دلائل على أن اللون العربي والرائحة العربية والخُلُق والعنف والتقاليد والعادات والبيئة والمعيشة العربية أحاطت بالنواة المركزية للفكر الإسلامي.

يستمر سروش في عرضه العلمي المنهجي الواقعي فيقول (لا جدال في أن الإسلام لو نزل في اليونان أو الهند أو بلاد الروم بدل الحجاز لكانت عَرَضيات الإسلام اليوناني والهندي، المتغلغلة إلى أعماق طبقات النواة المركزية، تختلف اختلافًا كبيرًا عن الإسلام العربي ولوفَّرت الفلسفةُ اليونانيةُ المتينة، على سبيل المثال، أدواتٍ لغويةً ومناهجية ومنظومةً مفرداتية خاصة لنبي الإسلام لتغيِّر معالم خطابه، كما أن الإسلام الإيراني والهندي والعربي والإندونيسي اليوم، بعد قرون من التحولات والتفاعلات، تمثل أنماطًا من الإسلام يختلف بعضها عن بعض بشهادة أدبياتها ونتاجاتها . ولا تقف التباينات عند تخوم اللغة والظواهر، بل تمتد إلى أعماق الوعي والثقافة الدينية)

ثمة سؤالاً مهماً يخصنا نحن المسلمون، نستطيع ان نستنتجه من خلال الاسطر الماضية

1- هل الدين الاسلامي جامد أم متحرك؟

2- متفاعل أم ميت؟

أسئلة يجب ان يبحث بها المسلم بنفسه ولا يتركها لغيره، لكي يكتشف النتيجة بعقله الحي وليس بعقل انسان اخر ربما تملي عليه أهواءه لكي يداهن ويدلس فتكون النتيجة عكسية تماماً .

يزعم غالبية رجال الدين عندنا ان الاسلام لكل زمان ومكان ولطالما صدعوا الاذان بهذه المقولة الجوفاء، اذا كان فعلاً كما تدعون، لماذا الرجوع في كل فتاويكم وخطبكم واحاديثكم وحلالكم وحرامكم الى ما قبل التاريخ ؟ ما الذي يجعل القوانين غير الانسانية فاعلة الى يومنا هذا، كحد السيف والرجم والرمي من شاهق وقطع يد السارق والحرق والإغراق وغيرها؟ أين التفاعل مع الزمان والمكان في هذه الحدود التي يجب ان يقام عليها الحد؟

ثمة سؤالاً اخراً مهماً طالما نسمعه من خلال صيحات بعض الناس .ما الذي اخر العقل الاسلامي؟

انه الجمود على ذات الخطاب الذي كان قبل أكثر من الف وأربعمائة سنة جعل منا أحياء لكن يجب ان تغادر عقولنا الى عالم الموت .

الاسلام كان له بالامكان الانتشار افضل من الطريقة التي انتشر بها لو انه اتبع الاحياء وليس الاموات وأنّى له اتباع الاحياء وقد ساد الاموات هرميته ! لو اتبع المسلمون ابن رشد مثلاً، بالتأكيد كان حالنا افضل بكثير الان .

في مقدمة كتابه (نحو تأريخ مقارن للأديان التوحيدية) يقول الدكتور محمد اركون : مسكين ابن رشد ليس له حظ في عالمه العربي الاسلامي، الفقهاء المالكيون يدينونه في عصره ويبصقون على وجهه في المسجد الكبير أمام كل الناس عندما كان ذاهباً للصلاة مع ابنه، وفقهاء عصرنا يفعلون الشيء نفسه وتمتقع وجوههم ما ان تذكر اسمه في الوقت نفسه يتلقف الغربيون كلامه ومؤلفاته ويترجمونها ويبنون عليها نهضتهم . ثم يسألونك بعد كل ذلك، لماذا تاخر المسلمون وتقدم غيرهم ! .

هناك خطبٌ كبيرٌ لحق بالمسلمين وأوقف مسيرتهم وجعل منهم إضحوكة لزمن تفترس فيه غلمان الغرب العلوم والتكنولوجيا، بينما هم يفترسون أحدهم الاخر حد الموت، الذي أخر المسلمين هم قيادات المسلمين او علماء دينهم بالتحديد كان لهم الدور الكبير في تشظي الامة لتصل الى هذا الحال الذي نحن عليه الان .

الاعتقاد بان الخطاب الذي كان في عمق الجزيرة العربية يجب ان يستمر الى هذا العصر، خطاب ميت ويدل على ان المتصدين للدين غير مدركين لمعنى الرسالة السماوية . لم تأتي الاديان لكي ترغم الناس للولوج في ثقافة مغايرة او إعتقادات مختلفة الرسالة الربانية عموماً رسالة رحمة ومحبة تطلب من الناس الالتقاء والمشاركة وليس العكس . صحيح ان الذي لحق بهيكلية الاديان من تحريف وتزوير كبير لكن محورية الانسانية والتسامح يجب ان تبقى هي الرسالة الاصلية .

ويجب ان يقتنع القائمون على الدين ان الاستماتة لبقاء نفس القوانين وذات الخطاب سوف لن يجنوا منه الا تفسخاً للحالة الدينية والاجتماعية معاً .

عدم استخدام العقل يحيلك باللاشعور الى عدم المعرفة، ليست هذه قاعدة فلسفية لكنها واقعية تجريبية، فالتجربة تقول ان جميع المجتمعات تعتز بتراثها وتتسمك به الى حدٍ ما لكنها لا تنغلق عليه ولا تتوقف عنده بل تجاري الحديث وتتغير وتنشط لكي ترتقي، لأن المكتسب يكون في كثير من حالاته أنفع وأروع من الاصل، هكذا تطورت الامم بالبحث والتجربة والمغامرة في اكتشاف المجهول، المجتمعات الواعية لا تحرم الخوض بالتجارب الجديدة بل تشجع عليها وتحث الناس لها، لأنها تدرك ان رقي العقل البشري كفيل بكبر التجربة التي يخوضها الناس كما يقول جون لوك (العقل لوح فارغ تأتي التجربة لتخط عليه المبادئ والمعاني). وبما أن العقل لوح أردوازي فارغ وليس فيه أي أفكار، فإن السؤال المهم من أين يكتسب العقل أفكاره؟ هو سؤال يقول عنه لوك: عن هذا أجيب بكلمة واحدة: (من التجربة)

وبما ان اختلاف المجتمعات ثقافياً ومادياً وجغرافياً مرهون بالتجربة التي تحيط بالمجتمع أدى بها لكي تنصهر تلك المجتمعات مع مألوفاتها لتكوّن لها قالب من طابع حياتي خاص ومعتقد تنظم به امورها .

ليس هناك من مسوغ عقلي بأن الله يريد الناس ان تكون في شريعة واحدة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ-;- وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)

لكن هناك أكثر من مسوغ ان الله يريد من الناس الانضباط والتقدم وليس الوقوف والاجترار .

 

مصطفى العمري

 

mustafa alomariفي طبيعة المجتمعات الساكنة شبه المخدرة هناك سلطة للضبط والهيمنة اللاهوتية فلا خوف ان تخترق نظريات المعرفة ومفاهيم التجديد طلائهم العام ولا خوف عليهم من أيدلوجيا الميول نحو فلسفة امانويل كانت او هوبز او جون لوك او ماركس.. بالتأكيد ستجد كل هذه المعارف مكانها النهائي في سلّة المهملات التي تعوّد المجتمع الجامد ان يسحقها بحوافر لا ترحم صوت الاستغاثة ولا تتريث عندما يصرخ العقل، كل من خالف الطريقة العامة للمجتمع او لم يسر وفق السياقات المعروفة سيكون تحت أقدام الفيلة . فيلة يرهبها صوت العقل وتخيفها الكلمة، كلمة وان كانت مقرونة بعطر الله لكنها ستشكل هيكلاً مخيفاً طالما فيها دعوة للتغيير او للمراجعة النقدية الحقيقية . سيرة المجتمعات عموماً تكاد تكون متشابهة في قابلياتها الادراكية في الرؤية الأحادية للأخر المختلف، فعادةً ما نسمع الكلام المحبوك بصياغة غير معرفية وبحروف تقطر غلّاً على المجتمع الاخر الذي يختلف عنّا في تفاصيل حياته وعيشه وسلوكه في التدين، ولذلك هو مختلف ولأننا لا نفهم طبيعة الاختلاف نتصور أن الاخر المختلف عنا هو ضدنا، لهذا السبب لم اسمع في مجتمعي من يثني على المجتمع الاخر المختلف، بل هناك دعوات متصاعدة للمجتمع الاخر ان يذوب بمجتمعنا بعاداتنا وتقاليدنا، لبسنا وبكيفية الاكل عندنا . هذه التجاذبات التي تزعم انها دائماً الأفضل والأقرب الى الحقيقة، لا تحرك في طبيعة المجتمع الجامد لأنها صيحات خارج الاطار المعرفي للمجتمع الواحد وان كان لها تأثير فلا يعدو ان يكون نسبياً لا تستطيع الأرقام الحسابية من اكتشافه .

المجتمعات الناهضة تشتغل من داخلها فتكرر افكارها ثم تحاول تطبيقها في الشارع العام .

في المجتمع الاسلامي العربي بالتحديد هناك معوقات قاهرة يتطلب عبورها مجازفة ربما تودي الى الموت، هذه المعوقات للفكر والنهضة أحالت المجتمع الى شبه ميت وعادةً ما يتمسك اشباه الاموات بالاموات لذلك تمسك المسلمون بكل ماهو ميت وقديم .

في كتابه تكوين العقل العربي يقول محمد عابد الجابري (العقل العربي كان وما يزال عقلاً فقهياً عقل تكاد تقتصر عبقريته في البحث لكل فرع عن اصل لكل جديد عن قديم يقاس عليه وذلك بالاعتماد على النصوص)

هذا العقل الفقهي الذي يستمد صلاحيته من القديم غير المؤصل أصلاً، جعل الحاضر والمستقبل رهينٌ للماضي، فبدل ان نرحل نحو التقدم واذا بنا نهاجر نحو الماضي، نحو الاموات، باتجاه قال فلان عن فلان، وبهذه الطريقة التي ظاهرها التقرب الى الله انسحق المجتمع العربي الاسلامي . المغادرة نحو القديم في جميع الجزئيات حوّل البيئة الاسلامية كالذي يسير الى الامام لكن رأسه للخلف .

الدعوة للاندماج المطلق مع اي ثقافة خطأ، والاندماج مع التأريخ خطأ أيضاً،الحاصل في ثقافتنا ان الحاضر والمستقبل يجب ان يرحل نحو الماضي.

انا ادعو للاستفادة من النهضة الغربية ولندع مزابل التاريخ لانها نتنة.

انا ادعو لان تكون انت صديقي المقدس والمحترم والذي يجب الحفاظ عليك وليس نصوص تأتيني من عمق الماضي لتجعل حاجزا بيني وبينك،  انا أؤمن بالانسان الفاضل فهو المقدس الوحيد في هذا الكون.

مغادرة الماضي والانعتاق من الاوبئة مرهون بوعي الجماعات المتطلعة نحو التقدم وليس المنقادة خلف بعض رجال الدين الجهلاء او المستفيدين من الدين لتكريس الجهل .

في طبيعة التقدم والنضج لا تكتفي الامم بشخص لكي يقود المرحلة، بل بتظافر الجهود والنزول من المثال الى الواقع، والواقع العربي يحتم علينا ان ننظر الى الامام لكي نستشرف المستقبل .

 

مصطفى العمري

 

bobaker jilaliمقدمة: يحمل مشروع "التراث والتجديد" عند "حسن حنفي" هموم الإنسان فكرا وواقعا ووطنا في العالم العربي المعاصر، يقاوم لإبداء الموقف الحضاري الدقيق من التراث العربي الإسلامي ومن التراث الغربي ومن الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية وغيرها، هذا الاجتهاد يتمّ بصورة لا تخلو من الانسجام والنسقية بين الجبهات التي فتحها المشروع، وهو يسعى للإمساك بشروط تجاوز التخلّف الفكري والاجتماعي، وأوّلها الانسجام بين العقل والتراث والواقع والآخر، من خلال الانتقال من التراث إلى التجديد، في سياق العصر ومن منظور معاصر، فما مدلول التجديد في التراث والتجديد؟ وأين وكيف يجري التجديد من منظور التراث والتجديد؟.

 

1- التجديد في مشروع التراث والتجديد

يمثل التجديد ظاهرة مهمّة جدّاً وضرورية لكل فكر يسعى إلى التحوّل أو عمل يسعى إلى التطوّر انطلاقاً من تغيير ظروفه وعناصره، ما دامت كلمة تجديد (innovation) مصدر لفعل جدّد، يجدّد والمصدر تجديد، "وجدّد الشيء صيّره جديداً، والتجديد إنشاء شيء جديد أو تبديل شيء قديم، وهو مادي كتجديد الملبس والمسكن أو معنوي كتجديد مناهج التفكير وطرق التعليم، ويغلب على التجديد أن يكون مذموماً في المجتمعات الزراعية الشديدة التمسك بتقاليدها،وأن يكون محموداً في المجتمعات الصناعية التي تقدّس روح الاختراع."[1] وإذا كان التجديد عند 'أندريه لالاند' هو: "Innovation : Production de quelque chose de nouveau."[2]

فالتجديد في تعريف 'لالاند' هو إنتاج شيء جديد قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً. لكن التجديد لا يرتبط بالأشياء المادية والمعنوية فقط بل يعني تبديل شيء قديم، والشيء الذي يجري عليه التبديل هو الآخر قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً كتبديل الكوخ الطيني بالمسكن الإسمنتي، وكتبديل طريقة العرض والإلقاء بطريقة الحوار في التعليمية.

والتجديد في معناه يرتبط بعدة مفاهيم تتطلبه ويتطلبها، فهو لا يقوم بدونها، بعضها يمثل شرطاً سابقاً عليه و بعضها يمثل عنصراً ملازماً له والبعض الآخر يمثل نتيجة حتمية له. فمفهوم التغيّر والذي يعني انتقال الموضوع أو الشيء من حال إلى حال، ومفهوم التحوّل الذي يعني تغيير يصيب الشيء أو الشخص في ماهيته أو في صفاته العرضية، ومفهوم التقدّم الذي يعني السير إلى الأمام وعدم الثبات، وهو عند الفلاسفة تقدم بالطبع وتقدم في الزمان وفي الرتبة وتقدم بالشرف وبالعلة. ومفهوم التطور الذي يعني تحول الموضوع أو الشيء من طور إلى طور وهو لدى الفلاسفة متعدد فهو النمو أو التبدل الموجّه أو الانتقال من البسيط إلى المركب أو الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى وضد التطوّر التكوّر الذي يعني التقبض والتقلص والتّضام والتراجع، ومفهوم الإبداع الذي يعني إنشاء الجديد من القديم وهو كشف واختراع. وارتباط مفهوم التجديد بهذه المفاهيم من خلال علاقة التلازم والتكامل يدل على أن التجديد في الحضارة هو فاعلية إنسانية ترتبط بعدة فاعليات أخرى، هذه الفاعليات بعضها يمثل شرطا ضروريا لحصول التجديد في التاريخ والحضارة.

فضرورة التجديد في ارتباطه بالمفاهيم التجديدية الأخرى، ولا يمكن الاستغناء عنها في حياة الفرد والمجتمع داخل التاريخ ولبناء النهضة والحضارة، خاصة إذا عرفت حياة الأمة مثل الأمة الإسلامية والعربية ظاهرة التكوّر لا التطور وهي أمّة تملك من الإمكانات ما يمنحها الأهلية الحضارية والريادة التاريخية مادياً ومعنوياً، فلها من الماضي والتاريخ صفحات مشرقة وبيضاء وهو تراثها العتيق العتيد، ولها من الثروات المادية الكثير المتنوع، لكن واقعها فاسد مادياً ومعنوياً، لا هي استطاعت أن تحافظ على تراثها وقيّمها وماضيها بالرغم من دعوات الأصالة والمحافظة والتقليد وهو موقف التيار التراثي ولا هي استطاعت أن تعيش عصرها وتعيش ما فيه من تقدم علمي وتكنولوجي وفكري بالرغم من دعوات الحداثة والتغريب وهو موقف التيار اللاتراثي، وعجزت عن التوفيق بين الاثنين في وقت مطالبة بعدم التفريط في الماضي وبعدم التفريط بالعصر وظروفه خاصة وهي أمة تراثية، التراث حيّ فيها في مجال الشعور القومي والفردي وفي داخل اللاشعور القومي والفردي. وأمام تيار التواصل مع التراث إلى درجة الانقطاع عن العصر وتيار التواصل مع العصر إلى درجة الانقطاع عن التراث وتيار التوفيق أو التلفيق بين التراث والعصر بغير إيجابية وفعّالية لا من جهة التراث ولا من قبل العصر، يقوم مشروع'التراث والتجديد' لطرح قضية التراث كأساس وشرط وقضية التجديد كمنهج وميدان وعلم داخل مشروع حضاري قومي من شأنه يحلّ أزمة العالم العربي والإسلامي المعاصر بأسلوب علمي التزامي بعيداً عن الأحادية في المنظور وفي المنهج والدراسة والنتائج، فهو مشروع يؤسس للتغيير الاجتماعي من خلال منهج أو نظرة تجمع بين التراث والتجديد بكيفية جديدة لا تسمح بسيطرة التراث بمفرده أو سيطرة العصر بمفرده أو سيطرة التغليف و التلفيق مثلما هو الحال في النماذج السائدة والمشاريع القائمة والتي لم تستطع حتى الآن تجاوز وضعية التخلف وأزمة التحضر في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

في كثير من الأحيان تكون المشكلة في اتجاهات الفكر العربي والإسلامي المعاصر في المفاهيم، لذا يؤكد صاحب مشروع 'التراث والتجديد' على ضبط مفهومي التراث والتجديد. إن نقطة الانطلاق في المشروع هو التراث وليس الغرض من ذلك تجديده لأجل المحافظة عليه وعلى أصالته، "بل من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية، وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي. التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقاً لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة والوسيلة تؤدي إلى الغاية التراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع، وحلّ مشكلاته، والقضاء على أسباب معوقاته وفتح مغاليقه التي تمنع أيّة محاولة لتطويره."[3]

فالتجديد في ارتباطه بالتراث يجعل التراث ليس هو غاية في ذاته أو قيمة في ذاته، مجرد متحف للأفكار نتغنى ونفتخر بها بل مادة حيّة تعطي النظرية العلمية في تفسير الواقع والسعي إلى تطويره، ونظرية للعمل ومحددا للعمل ومحددا وموجهاً لسلوك الإنسان ومادة قومية تُكتشف وتُستثمر لإعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض، فالتخلف بمختلف مظاهره وفي جميع قطاعات الحياة يعود إلى غياب مشروع حضاري قومي محكم وإلى غياب ثورة إنسانية في الوعي والفكر، والثقافة سابقة على الثورة في الزراعة أو الصناعة أو غيرها، "فالنهضة سابقة على التنمية وشرط لها والإصلاح سابق على النهضة وشرط لها والقفز إلى التنمية هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه. 'التراث والتجديد' إذن يحاول تأسيس قضايا التغيّر الاجتماعي على نحو طبيعي و في منظور تاريخي، يبدأ بالأساس والشرط، قبل المؤسس والمشروط."[4]

المنهج السائد في التعاطي مع التراث يعيق تجديد التراث وتحويله إلى ذخيرة فردية وقومية تضطلع بإعادة بناء الإنسان انطلاقاً من الإصلاح، فالنهضة فالتنمية فالتقدم. وإذا كان الغرب الحديث ابتدأ نهضته العلمية من الواقع باعتباره مصدر الفكر الأول والأخير، فإن تراثنا جزء من الواقع حيث مازلنا نعيش بفكرة القضاء والقدر وثنائية الله والعالم وبتصور الكلي والجزئي في النظري على حساب العملي، وبالقيّم السلبية في التصوف مثل الصبر والتواكل والقناعة والتسليم، وتتشعب المناقشات في الفروع التي لا تغيّر شيئاً في الواقع. فالتراث ما زال حياً في شعور العصر ووجدانه، يمكن للتراث أن يؤثر في العصر ويكون محدداً وموجهاً للسلوك فيه، و"تجديد التراث إذن ضرورة واقعية، ورؤية صائبة للواقع، فالتراث جزء من مكونات الواقع وليس دفاعاً عن موروث قديم، التراث حيّ يفعل في الناس ويوجّه سلوكهم، وبالتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجماهير وتغييره لصالح قضية التغير الاجتماعي. تجديد التراث هو إطلاق لطاقات مختزنة عند الجماهير بدلاً من وجود التراث كمصدر لطاقة مختزنة... تجديد التراث هو حلّ لطلاسم القديم وللعُقد الموروثة وقضاء على معوقات التطوّر والتنمية والتمهيد لكل تغيّر جذري للواقع، فهو عمل لا بد للثوري من أن يقوم به."[5]

وتجديد التراث لا يكون إلا بتحليله، وتحليل التراث هو تحليل للعقلية القومية المعاصرة وإظهار مكوناتها وعناصرها وأسباب ضعفها وتخلفها، وتحليل العقلية القومية المعاصرة وهي عقلية تراثية تاريخية فهو تحليل للتراث ذاته مادام التراث القديم مكوناً رئيسياً في العقلية المعاصرة، وهذا من شأنه يسمح برؤية الحاضر داخل الماضي ورؤية الماضي داخل الحاضر، فالتراث والتجديد في المشروع يؤسسان حسب 'حسن حنفي' علما جديداً "وهو وصف للحاضر وكأنه ماض يتحرك، ووصف الماضي على أنّه حاضر معاش خاصة في بيئة كتلك التي نعيشها حيث الحضارة فيها مازالت قيمة، وحيث الموروث مازال مقبولاً... ولما كان التراث يشير إلى الماضي والتجديد يشير إلى الحاضر، فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان وربط الماضي بالحاضر وإيجاد وحدة التاريخ... فلا يعني انتقال شعب ما من مرحلة إلى أخرى حدوث قطع أو انفصال حضاري بل يعني استمرار الحضارة ولكن على أساس جديد من احتياجات العصر، قضية التراث والتجديد هي إذن الكفيلة بإظهار البعد التاريخي في وجداننا المعاصر واكتشاف جذورنا في القديم... التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ وهو حاجة ملحّة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر. كما يكشفان عن قضية البحث عن الهوية عن طريق الغوص في الحاضر... عن طريق تحديد الصلة بين الأنا والآخر."[6]

ومسألة تجديد التراث هي مسألة إعادة جميع الاحتمالات في القضايا المعروضة، وإعادة الاختيار حسب متطلبات الحياة في العصر الحاضر، "فلم يعد الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة مفيداً ولا مطلوباً، فكلنا موحدون منزهون، ولكن الدفاع عن التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالأرض، وهي أزمتنا المعاصرة."[7] وإذا كان التشبيه أو التجسيم اختياراً قديماً غير مقبول، قد يحرك العقول والقلوب نحو الربط بين الله والأرض، بين الله وفلسطين. وإذا كان الفصل قديماً بين الله والعالم والإنسان جزء من العقل هذا الفصل يبرره الدفاع عن الألوهية ضد الثقافات والفلسفات الأخرى، أما حال عصرنا مختلف فأصبحت المأساة هي التراث والتعاطي معه، فسيطرة الفكر الأشعري لمدة أكثر من عشر قرون وكان إحدى معوقات العصر آنذاك لأنه قام على التصور الرأسي للعالم لا التصور الأفقي الذي جعل البديل في الاختيار الاعتزالي الذي بلغت بوجوده الحضارة الإسلامية أوجها وقوتها لأنه الاختيار الذي يعبّر عن حاجات ذلك العصر ومتطلباته. وكان أكثر سلبية لمطالبه. 'فالتراث والتجديد' "إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة واختيار أنسبها لحاجات العصر، إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليها بل لا يوجد إلاّ مقياس عملي فالاختيار المنتج الفعّال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب. ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة بل يعني أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى، وعصور أخرى ولّت أو مازالت قادمة."[8]

لا يجوز القول بأن حضارتنا حضارة وحدة لا تنوع واتفاق لا اختلاف، فتراثنا القديم قدّم جملة من الاحتمالات. فالاجتهاد مثلاً ليس هو منهجاً في أصول الفقه فقط فهو كذلك منهج في أصول الدين ووظيفته لا تقتصر على القياس بل كذلك اختيار النظريات المناسبة للعصر ولروحه. وروح العصر أو احتياجات العصر أو الواقع المعاصر لا يعني الإشارة إلى جماعة بشرية ما بل الإشارة إلى تركيبات نفسية وأبنية اجتماعية، هذه التركيبات وهذه الأبنية هي التي تحدد الهوية. وأي تفسير ينطلق من العنصر أو القومية أو الجنس فهو تفسير تابع للهوى والمزاج ولا صلة له بالعلم وبتحليل الواقع، وقد يكون تفسيراً منحرفاً عن الموقف الحضاري وتابعاً في مساره لمسار بيئة الحضارة الغربية وظروفها الفكرية والمادية. كما يصعب التحليل في تناول قضية 'التراث والتجديد'. فتحليل القديم يؤدي إلى الأكاديمية والتعالم والانعزال عن الواقع. وتحليل الواقع المعاصر يُجرد البحث من التراث القديم ويصبغه بصبغة اجتماعية معاصرة بحتة، فمعادلة تحليل التراث والواقع تقتضي تحليل التراث وليس تركه وتقتضي تحليل الواقع دون عزل التراث عن واقعه الذي يتحرك بفعل التراث.

وتجديد التراث ليس بدافع عاطفة التبجيل والتقديس والتعظيم بل كون الإنسان الذي يجدد ينتمي إلى أرض ما وإلى شعب ما ويشرح 'حسن حنفي' هذا الموضوع قائلاً: "لذلك أتأسف كل التأسف لغياب هذا الطابع الوطني من معظم دراسات معاصرينا في التراث وكأنهم لا يعيشون عصرهم أو أي عصر بالمرّة. وربما يرجع ذلك إلى أن الدافع على التأليف هو الكتاب الجامعي المقرر أو على أكثر تقدير الحصول على درجة علمية دون الالتزام بأي هدف أو مجرد الشهرة والتشرف بقضية يتاجر بها المشاهير على صفحات الجرائد بغية التصدر والزعامة، وهم أقرب الناس إلى الارتزاق والعهر الفكري."[9] فتجديد التراث ليس مطلوباً لذاته بل هو أداة للبحث عن العصر وروحه والسعي إلى تطويرها من خلال دراسة البعد الاجتماعي فيه فهو جزء من علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماعي الحضاري. وتجديد التراث لا يبحث في نشأة التراث، "والمجدد هنا كعالم الحديث مهمته البحث عن صحة الحديث في التاريخ وليس عن مصدر الحديث في النبوة وصدقها."[10] وإذا كان التراث قضية شخصية قومية يلتزم الباحث بالتراث بحيث يصير هو والموضوع المدروس أمرا واحدا. ولا يُنقص الالتزام هنا من موضوعية وحياد الباحث المجدد فالالتزام هو نفسه موضوع العلم وبذلك "تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث المعاصر كمشاكل شخصية في حياته وحيوية ثقافته الوطنية، ويتحول التراث القديم بالفعل إلى مشكلة الثقافة الوطنية، فهو مصدر الثقافة باعتباره مخزوناً نفسياً موجّهاً لسلوك الجماهير، وهو موجّه نحو الواقع باعتباره أسسا لنظرية ممكنة للتغيير والتنمية وإذا كانت ثقافتنا الوطنية تتأرجح بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، فإن تجديد التراث يعطي لثقافتنا الوطنية وحدتها الضائعة وتجانسها المفقود."[11]

والتساؤل عمّا يقدمه 'التراث والتجديد' بالنسبة للمنهج والعلم والميدان يقرّر صاحب المشروع بصعوبة تصنيف التجديد بين هذه الأطر الثلاثة، فالمنهج علم يؤسس للعلم والعلم المؤسس ميدان. فتحليل الواقع وبداخله التراث وتحليل التراث على أنه مخزون نفسي واجتماعي يهدف إلى تحليل الواقع، 'فالتراث والتجديد' "إذن يغطّي ميادين ثلاثة:

1- تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري.

2- تحليل الأبنية النفسية للجماهير وإلى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو من الأوضاع الاجتماعية الحالية.

3- تحليل أبنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره أم أنّها ناشئة من الأبنية النفسية للجماهير، الناشئة بدورها عن الموروث القديم، وإن شئنا فالتراث والتجديد يودّ الانتقال من علم الاجتماع المعرفة إلى تحليل سلوك الجماهير. أي من العلوم الإنسانية إلى الثقافة الوطنية ومن الثقافة الوطنية إلى الثورة الاجتماعية والسياسية."[12]

وقضية تجديد التراث ليست جديدة، تناولها العديد من المصلحين الدينيين والمفكرين المعاصرين لكن التحليل جاء إمّا جزئياً أو للتعبير عن الأماني والنيات الحسنة وإما جاء خطابها حماسياً وإما جاء في قوالب وأُطر التراث الغربي. وتجديد التراث ليس مهمة فرد بل دور كافة المثقفين وجميع الباحثين، فجوانب التراث متعددة ومتنوعة وتحتاج إلى التخصص كل في مجاله. والنمو الحضاري لأي مجتمع كان يحصل بالإبداع الحضاري في الفن والسياسة، "أو في الروح العامة باسم 'المحافظة والتقدم'، فالنمو بطبيعته هو خروج الجديد من براعم القديم، مشكلة خطيرة إذن لو استطاع المجتمع النامي دراستها دراسة علمية لحافظ على تجانسه في الزمان، ولتأكّد من إرساء قواعد ثورية واطمأنّ إلى مسارها العلمي."[13]

 

2- ميادين التجديد

يطرح 'حسن حنفي' إشكالية التراث والتجديد في وضعها الحالي من خلال الاتجاهات التي تتنازعها لأجل حلها وهي ثلاثة اتجاهات:اتجاه يكتفي بالحل الذاتي التراثي فيقع في العجز والنفاق والنرجسية. واتجاه يرفض الحل الذاتي التراثي ويأخذ بالحل الخارجي المستورد للجديد فيقع في القصور والتقليد والازدواجية. أما الاتجاه الثالث، فلا يأخذ بالحل التراثي الذاتي بمفرده ولا بالحل المستورد بمفرده بل يوفّق بين الحلّين طلباً للتوازن والاعتدال من خلال الجمع بين القديم وما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم فيكون فيه التجديد من الخارج من خلال ظاهرة الانتقائية من الفكر الأوربي الحديث والمعاصر ثم قياس التراث عليه أو التجديد يكون من الداخل من خلال إظهار الجوانب المشرقة في التراث القديم المنقول واستثمارها في تلبية متطلبات العصر وحاجات الواقع المعاصر مما يحتاجه من تغير اجتماعي وتقدم في مجالاته المختلفة. لكن لا توجد محاولة واحدة من هذه المحاولات استطاعت أن تعي الأزمة، أزمة التراث والتجديد وتبني مشروعاً حضارياً قومياً يعالج قضية التراث والتجديد من جذورها ويصل إلى حل الأزمة من خلال الموروث والوافد في الواقع المعاصر.

ومما زاد مشكلة التراث والتجديد تعميقاً وتفاقما كما هي في وضعها الحالي، أزمة البحث العلمي في الواقع العربي والإسلامي المعاصر وهو ما يعرف بأزمة أو مشكلة المنهج في الدراسات الإسلامية. بحيث تضاف أزمة البحث العلمي في التراث والتجديد إلى أزمة التغيير الاجتماعي وهي أزمة ثورة. فسيطرت النعرة العلمية كما يريدها الغرب على الدراسات والبحوث في مجتمعاتنا، بمناهجها وأساليبها مما ألحق الخلل والجمود في دراسة ثقافتنا الحالية أو موروثنا القديم سواء باستخدام المنهج التاريخي أو التحليلي أو باستخدام الإسقاط وفكرة الأثر والتأثر وهي مناهج ارتبطت أساساً بعمل الاستشراق والمستشرقين وبدعواتهم وأغراضهم. من جهة أخرى شهدت النزعة الخطابية التي سيطرت على بحوث ودراسات المفكرين والباحثين من أبناء العالم العربي والإسلامي نفس النتائج في الخلل والفساد وغياب مشروع حضاري واضح المعالم ومجدد المنطلقات والمرامي، ذلك لسيطرة التكرار والاجترار والتقريظ والدفاع والتبرير والجدل والمهاترات ووصل كل من أصحاب النزعة العلمية وأصحاب النزعة الخطابية إلى باب مسدود في التعاطي مع أزمة التراث والتجديد فغاب الحل و بقيت الأزمة قائمة.

يؤكد 'حسن حنفي' أن أزمة البحث العلمي في العالم العربي والإسلامي لا تُحل بأي منهج من المناهج الثلاثة السابقة بل يتم بطرق أخرى عديدة تتعلق بأبعاد التفكير المعروفة، بعد اللفظ وبعد المعنى وبعد الشيء، وتجديد التراث يحتاج إلى لغة جديدة تماماً تكون خالية من عيوب اللغة القديمة وقصورها وحتى عادت اللغة القديمة غير مواكبة تماماً للعصر وللتقدم العلمي التكنولوجي والاجتماعي المستمر، فالعصر في حاجة إلى لغة فعّالة وإيجابية تتميز بأن تكون عامة و مفتوحة وعقلية ولها ما يقابلها في مجال التجربة والمشاهدة والحس وأن تكون إنسانية لا محلية ضيّقة. وفي إطار التجديد اللغوي ضرورة تتبع الأساليب الثلاثة: أسلوب الانتقال من اللفظ القديم إلى لفظ جديد أو أسلوب الانتقال من المعنى الضمني في اللفظ القديم إلى لفظ جديد وأسلوب الانتقال من الشيء أو الموضوع المشار إليه إلى لفظ جديد. هذا في مجال منطق التجديد اللغوي أما في مجال تحليل التراث وتفكيكه في نشأته وعند أصحابه وفي تكوينه في ظروفه التاريخية تمكين الانتقال إلى مستوى التحليل الشعوري أو الظاهراتي وهو مستوى حديث للتحليل يمثل المنظور الذي يُقرأ منه التراث وهو مستوى موجود في التراث القديم بجميع جوانبه ابتداء من الوحي القرآن والسنة فاجتهادات العلماء إلى العلوم المختلفة إلى الثقافة الشعبية في صورتها البسيطة. وهذا التجديد في منطق اللغة في مستوى التحليل لا ينجح إلاّ بتغيير البيئة الثقافية، وواقع البيئة الثقافية يمثل مستوى ثالث للتحليل لأن الثقافة التقليدية نشأت في ظروف وأوضاع خاصة بها والتجديد المطلوب والمستورد في عصرنا لحياتنا الفكرية والثقافية والنظرية له ظروفه وأحواله المعاصرة، فإن لم تتغير البيئة الثقافية الحالية في عصرنا وهي بيئة كلاسيكية، بيئة القدماء فيكون التجديد في هذه البيئة مجرد وهم لأنه ليس تجديداً بل تكرار وإعادة لبيئة ماضية واعتبارها جديدة. فلا يتم التجديد بالظروف والأوضاع الثقافية والفكرية الحالية في واقعنا المعاصر، بل يشترط تغيير بيئتنا الثقافية لينطلق التجديد الفعلي من خلال قراءة القديم وتجريده من كافة الشوائب التي اتصلت به وإعادة بنائه داخل الشعور وتحرير المعاني لتتجاوز ألفاظ النص أي بواسطة تحليل القديم وتنقيته وإعادة بنائه وتحليل الواقع المعاصر بنظرية التفسير ثم مقابلة القديم بالواقع، "أو تركيب الأولى عن الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة، والفكر واقعاً، والله عالماً، وهنا لا يخطأ الباحث، فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[14]

يرتبط التجديد بكل جبهة من الجبهات الثلاث، جبهة التراث وجبهة الآخر وجبهة الواقع. وكل جبهة من الجبهات الثلاث ترتبط بموقف حضاري ما، يتبلور فيه التجديد ويقوم بداخله النهوض الحضاري تغييرا للوضع الحالي لمشكلة التراث والتجديد والموقف الحضاري بأبعاده الفكرية والتاريخية، بُعد التراث والماضي وبُعد الآخر وثقافته وبُعد الواقع وتحدياته يمثل الميدان الواسع للتجديد والإبداع كما يمثل الساحة الكبرى للمعارك الثلاث في الجبهات الثلاث. والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة الأنا والآخر والواقع يرتبط من جهة أخرى بالزمان، فيرتبط في الموقف الحضاري بُعد الحاضر بالواقع ومتطلباته وتحدياته ويرتبط الماضي بالتراث وجوانبه المشرقة والمظلمة، كما يرتبط المستقبل بالآخر وثقافته وأمام هذه الثلاثية النظرية والزمنية يحتاج التجديد إلى أن يكون في كل ميدان من هذه الميادين الثلاثة، الميدان التراثي، وميدان علاقة الأنا بالآخر وميدان الواقع.

بالنسبة لميدان التراث، فمجتمعاتنا تراثية تاريخية، تعيش بالتراث وعلى التراث فهو مخزونها النفسي الذي يؤثر في سلوك أفرادها شعورياً ولاشعورياً، وتجديده أمر ضروري، ولما كانت الأزمة هي أزمة التغيير داخل المجتمع أو أزمة ثورة، وأزمة منهج البحث والدراسة وأزمة البحث العلمي، ولما عجزت المناهج والاتجاهات القائمة حالياً عن التجاوب الايجابي والفعّال في حلّ هذه الأزمة صار من الضروري تجديد الموروث القديم بطرق وأساليب تسمح بالتعاطي مع هذه الأزمة بفعالية ونجاعة، والخروج من الوضعية التي تجعل أقصى جهد البحث هو "إعادة الاختيار بين البدائل التي وُجدت عند القدماء دون إبداع بديل جديد من وحي العصر. ينتقي مما هو موجود ولكنه لا يضيف إليه شيئاً، وبالتالي يظل الفكر محكوماً بالبدائل القديمة، ومع ذلك قد تكون إعادة الاختيار بين البدائل بداية الاجتهاد ولكنها ليست نهايته."[15] والتجديد في التراث يخص أساساً العلوم التراثية وهي عقلية نقلية تتمثل في علم أصول الدين وعلوم الحكمة (الفلسفة) وعلم أصول الفقه وعلم التصوف، وأخرى نقلية وهي علوم القرآن وعلوم التفسير وعلوم الحديث والسيرة والفقه، أما العلوم العقلية فهي الرياضة وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. فتجديد هذه العلوم يتمثل في إعادة بنائها وتحويلها إلى طاقات متفجرة في الحاضر تشارك في بنائه بإيجابية وفعاّلية، وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "ولما كان التراث يرتكز في شعور الناس على تراث السلطة، الأشعرية في العقيدة، وليس الاعتزال، والاشراقية في الحكمة وليس العقلانية، والنصية في أصول الفقه وليس المصلحة، والأحوال والمقامات السلبية وليس الإيجابية كانت مهمة إعادة التراث هو إعادة التوازن في شعور الناس وثقافة الجماهير بين تراث السلطة وتراث المعارضة العقلاني الاعتزالي الفلسفي، والوضعي الفقهي والاجتماعي الصوفي حتى تنشأ حركات التغير الاجتماعي من الداخل وليس من الخارج، بتراث الأنا وليس بتراث الغير. فيحدث التغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع، ويقع التراكم التاريخي المتصل دون الوقوع في الردّة والانكسارات والعودة إلى الصفر باستمرار."[16]

حسب 'حسن حنفي' فإن طرق ومناهج التجديد الثلاثة المقترحة وهي منطق التجديد اللغوي، ومنطق التحليل الشعوري ومنطق تغيير البيئة الثقافية عامة تشمل التراث برمّته وتوجد طرق خاصة يمكن بها إعادة بناء كل علم من العلوم التراثية على حدة الذي هو ميدان التجديد والإبداع. هذه الطرق تتمثل في 'منطق التفسير' و'منطق الظواهر' و 'منطق التقييم' و'منطق التجديد'. وإعادة بناء العلوم الدينية العقلية الغرض من ذلك اكتشاف الوحي وكيفية تحوّله إلى علوم عقلية، "حتى يمكن أن يكون مثالاً للمحاولات الحالية لتحويل الوحـي إلى عـلم محـكم... وفي إعادة بناء العلوم يمكن أن يوضع كل شيء موضع التساؤل من جديد، ولكن تظلّ نقطة البداية هي الوحي الموجود بالفعل في الكتاب... وكل المشاكل التي تعرضها العلوم التقليدية تحتاج إلى إعادة بناء."[17] أن العلوم التراثية كلها صدرت من الوحي وشقت طريقها نحو الإبداع والتجديد فعلم الكلام حوّل النص إلى معنى دون أن يتصل بحضارة أخرى بل بجهد داخلي. والفلسفة استطاعت أن تقدم نظريات شاملة وأقسام عامة هي الإلهيات والطبيعيات والمنطق. وقدّم أصول الفقه منهجاً خارجياً عن الفلسفة وأصول الدين في التشريع، وجاء التصوف يستخدم التأويل ويقدم منهجاً صاعداً من الله إلى العالم في مقابل أصول الفقه أو التنزيل كمنهج نازل من الوحي إلى العالم. والعلوم العقلية البحتة الرياضية والطبيعية والإنسانية فهي لم تصدر من الوحي لكن لها بواعثها في الوحي والحضارة مثل الدعوة إلى التأمل والبحث والتجريب. أما العلوم النقلية فهي قامت من أجل ضبط الوحي تدويناً وتفسيراً وإعادة بناءها تسمح باكتشاف دلالات جديدة للعلوم القديمة وتلبية متطلبات العصر من خلالها. والعلوم التراثية لما كان مصدرها الوحي فهي بعد تطورها صارت ظواهر فكرية من خلال ارتباطها بالشرعي والعقلي والواقعي وهذه الظوهر محتواه في الوحي وتعرف بعملية 'الاحتواء'.

كان الغرض من العلوم التراثية خاصة العقلية النقلية هو تحويل الوحي إلى نظرية أو علم أو منهج، وذلك من خلال ظاهرة توحيد العلوم التراثية لارتباط كل علم ببقية العلوم الأخرى تأييدا أو معارضة ونقداً، ويحدد 'حسن حنفي' طبيعة 'التراث والتجديد' بالنسبة لظاهرة توحيد العلوم فيقول: "فالتراث والتجديد مع أنه دراسة في الفكر إلا أنه يقوم على منهج فقهي بمعنى أنه يُطبق على الفكر القياس الفقهي، ويعتمد على الاجتهاد في الفكر... فالصالح العام هو الأصل وأحد مصادر الشرع ... 'التراث والتجديد' دراسة فقهية يقوم بها فقيه في الحضارة الإسلامية ككل وليس في الفقه وحده... فإذا كانت بداية العلوم العقلية التقليدية هو الوحي فإن نهاياتها هي الإيديولوجية. 'التراث والتجديد' في النهاية إن هو إلا تحويل للوحي من علوم حضارية إلى إيديولوجية، أو ببساطة تحويل للوحي إلى إيديولوجية. وارتباط الإيديولوجية بالواقع، وتعبيرها عن عصر معين لا يعني أنها متطورة ومتغيرة باستمرار، فالوحي أيضاً علم للمبادئ العامة التي يمكن بها تأسيس العلم ذاته وتأسيس العلوم الجزئية، والتي يمكن أن تكون الأساس العقلي للإيديولوجية. تكون مهمة 'التراث والتجديد' إذن تحويل الوحي إلى علم شامل يعطي المبادئ العامة التي هي في نفس الوقت قوانين التاريخ وحركة المجتمعات فالوحي هو منطق الوجود."[18]

فمهمة 'التراث والتجديد' في ميدان التراث لدى 'حسن حنفي' وبالنسبة للعلوم التراثية هو "دورنا في إعادة بنائها وتطويرها من واقع المسؤولية، فإن القدماء رجال ونحن رجال نتعلم منهم ولا نقتدي بهم، رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، وتقديم التراث لهم يقرؤون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم، لذلك يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين البدائل القديمة... في هذه اللحظة فقط تبدو إمكانية الثورة أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع. وبعد الثانية التي حافظت فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصراً لمرحلة ثالثة و ممهدا لها إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين إبداع الجديد."[19]

والميدان الثاني المعني بالتجديد في مشروع 'التراث والتجديد' هو جبهة الموقف من الآخر، من الغرب وثقافته وفكره والتجديد هنا يخص الموقف من العلاقة بين الأنا والآخر حيث عرفت الساحة الفكرية في العالم العربي والإسلامي المعاصر عدة مواقف تجاه الغرب، "الموقف الأول هو موقف الانقطاع عنه ورفضه لأنه تراث الآخر المخالف، الوافد الذي يمثل خطراً على الموروث وعلى الهوية والذي ينتهي إلى الوقوع في تقليد الآخر والتغريب والتبعية... أما الموقف الثاني فهو موقف التواصل وهو موقف التيار العلمي العلماني الذي يرى أن الغرب نمط التحديث... والموقف الثالث هو موقف الانتقاء من التراث الغربي ما يعبّر عن حاجاتنا العصرية ومطالبنا في التقدم والنهضة."[20] كل هذه المواقف لم تستطع أن تحل الأزمة، ودخل بعضها في حوار مع الآخر على حساب "الحوار مع الأنا مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر، والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر، وبالتالي يعزّ الحوار، ويقع سوء التفاهم. لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا."[21] ولم يجد الحوار إلا في اعتبار الغرب النموذج الواحد والوحيد لأي تقدم حضاري وهو ممثل البشرية جمعاًء، و"اعتبار الغرب المعلم الأبدي واللاّغرب التلميذ الأبدي ... رد كل إبداع ذاتي للشعوب غير الأوربية إلى الغرب ... أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع غير أوربي، كما كان الحال مع الحكماء الأوّلين بالنسبة لليونان فخرج ابن رشد أرسطيا."[22]

صحيح أصبح التراث الغربي يشكل واحدا من الروافد الرئيسية للوعي القومي في البلاد العربية والإسلامية، "لم تحدث بيننا وبينه قطيعة إلا في الحركة السلفية. ولم تقم حتى الآن حركة نقدية له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان، وقد يتم التركيز على هذا المصدر وحده فتنشأ ثقافتنا العلمية العلمانية وحركاتنا الإصلاحية والتحديثية وتعليمنا العصري ونظمنا الحديثة اقتناعاً وإيماناً أو دفاعاً عـن مصـالح الحكـام... وبالتالي بدأ وعينا يسيطر على قدمين: الأولى طويلة وقوية وربما رفيعة نظراً لأننا نجهل تراثنا القديم، والثانية قصيرة ومتورمة نظرا لانتشار الثقافة الغربية في وعينا القومي لدرجة الانبهار بها والتبعية لها."[23] لذا "نشأ 'الاستغراب' في مواجهة التغريب الذي امتد أثره ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم وهدد استقلالنا الحضاري بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة ... الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من الاستشراق يهدف 'علم الاستغراب' إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر ... يعبر عن قدرة الأنا باعتباره شعوراً محايداً على رؤية الآخر ودراسته وتحويله إلى موضوع وهو الذي طالما كان ذاتاً يحوّل الآخر إلى موضوع...مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدودها الطبيعية."[24] لذلك تتغير علاقة الأنا بالآخر في إطار وعي حضاري يشمل موقفاً حضارياً من الآخر كما يشمل بعد المستقبل الذي يصنعه الحاضر الممتد في التاريخ والماضي.

والميدان الأخير الذي يشمله التجديد هو الواقع، والواقع ليس ذا طبيعة نصية مثلما الأمر في الموروث والوافد. فالواقع له مشكلاته وتحدياته تحتاج من الفكر موقفا حضاريا هو نظرية التفسير أو نظرية في تفسير الواقع، الفكر العربي الإسلامي المعاصر وقف من الواقع أكثر من موقف تأرجح بين التبرير والرفض والانعزال. "وأول موقف للفكر العربي الحديث من الواقع هو التبرير، تبرير النظم القائمة وتبرير الوضع القائم لأن وظيفة العقل هي تبرير المعطيات السابقة سواء كانت في العقائد الدينية أم في النظم الاجتماعية ... والموقف الثاني هو موقف الرفض والتمرد والغضب... أما الموقف الثالث فهو الانعزال كلية عن الواقع لا تبريراً ولا رفضاً بل نفورا أو تعففاً."[25] و لمّا كان من غير الممكن فهم التراثين بعيدا عن الواقع الحالي وظهر عجز المواقف الحالية في الساحة الفكرية عن التعبير عن الأزمة وحلّها وعجزها عن "تغيير الواقع أو حتى إلى فهمه بل تدل على عدم نضج في التعامل معه. وهنا تأتي أهمية الموقف الرابع الذي يقوم على التنظير المباشر له- الواقع- بعد العيش معه وتجربته وإدراك مكوناته والإحساس به ثم محاولة فهمه والتعبير عنه دون الاعتماد على قال فلان أو علاّن من التراث القديم أو من التراث الغربي."[26] لأن الفكر العربي المعاصر يفتقد إلى نظرية التفسير ونظرية التفسير "هي التي تربط بين الوحي والواقع –أو إن شئنا- بين الدين والدنيا أو إن فضّلنا يبن الله والناس. فإذا نظرنا إلى تفسيرنا الحالي نجد أننا لا نملك نظرية محكمة... ومنهج تحليل الخبرات هو النظرية الوحيدة الممكنة في التفسير وذلك لأن فهم النصوص لا يأتي إلا بإرجاعها إلى مصدرها في مجموع الخبرات الحيّة التي نشأت فيها."[27]

تتعاطى نظرية التفسير التي تستخدم منهج تحليل الخبرات مع الواقع حسب تحدياته. وهي تحرير الأرض من الغزو والاستعمار وتحرير المواطن من الظلم والاستبداد والدفاع عن حريته وحقوقه في مقابل قهره وتعذيبه وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثورة على الناس وتحقيق الوحدة في مواجهة التجزئة والعنصرية والطائفية وتحقيق الهوية في مواجهة التغريب والحرص على تحقيق التنمية ضد كل مظاهر وصنوف التخلف واللجوء إلى الغير وتجنيد الناس وحشد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. فنظرية التفسير منهجها أسلوب تحليل الخبرات الذي يربط النص التراثي القديم أو النص الوافد الجديد بالظروف التي نشأ فيها ويردّه إلى أصوله في مجمل التجارب الإنسانية الحيّة التي أفرزته، وبالتالي تتكامل الجبهات الثلاث والموقف الحضاري بأبعاده الثلاثة، كما تندمج ميادين الإبداع الثلاثة ميدان الموروث وميدان الوافد وميدان الواقع، بأبعادها الزمنية ومع بعضها البعض فتنطلق الحضارة ويتحرك التاريخ.

هذا الموقف الحضاري يتكامل في مكوناته و يتعاطى مع الواقع والآخر والموروث وفق تصور عام "للمرحلة التاريخية الرامية من منظور كلي شامل يمكن إدراك أهمية النقد الحضاري المزدوج للموروث القديم وللوافد الغربي الحديث فقط كالعولمة، ونظام العالم الجديد، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والأقليات، وتلوث البيئة و الطائفية، والعنف، و النزاعات العرقية الجديدة. يُضاف إلى ذلك النقد الاجتماعي لمشاكل السكان والبطالة والطفولة والشيخوخة والأمراض الاجتماعية وعلوم الحياة، والجينات والهندسة الوراثية. بل ويعني أيضاً النقد الاجتماعي المباشر للتسلّط والنظام الأبوي والتجزئة والتزلّف والظلم الاجتماعي والتغريب ولامبالاة الناس."[28]

 

3- مناهج التجديد

يربط 'حسن حنفي' ظاهرة التخلف العام في الواقع العربي والإسلامي المعاصر بغياب مشروع حضاري قومي على المستوى النظري، وبغياب نظرية محكمة في تفسير الواقع ترتبط بها النهضة وينطلق منها التجديد. ولما كان الموقف الحضاري غير واضح بل لم يتبلور ومن أسباب ذلك أزمة التغير الاجتماعي وأزمة المنهج في الدراسات والبحوث أي أزمة البحث العلمي، يقترح صاحب مشروع 'التراث والتجديد' مناهج وبدائل يربطها باللّغة وبمعاني اللّغة وبالأشياء تبعاً لأبعاد الفكر الثلاثة، اللّفظ والمعنى والشيء.

ولا يقوم العلم بدون لغة، والعلم الجديد مرتبط بلغة جديدة تكشف عنه، والتجديد بواسطة اللّغة هو بداية العلم. وهكذا مع الحضارة التي تتطور وتتجدد بفعل اللّغة وإذا ما ضاقت لغتها تُسقطها وتضع لغة جديدة قادرة على التعبير والتواصل. فالعلوم التراثية عندنا مازالت تستخدم اللّغة القديمة بمفاهيمها ومصطلحاتها في أصول الفقه وفي علوم التفسير وفي علوم الحديث وغيرها. "هذه اللّغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقاً لمتطلبات العصر نظراً لطول مصاحبتها للمعاني التقليدية الشائعة التي تريد التخلص منها ومهما أعطيناها معاني جديدة فإنها لن تؤدي غرضها لسيادة المعنى العرفي الشائع على المعنى الاصطلاحي الجديد. ومن ثم أصبحت لغة عاجزة عن الأداء بمهمتها في التعبير والإيصال."[29]

وإذا كانت معاني اللّغة القديمة هي معاني التراث أما اللّغة فهي لغة التجديد، لا يمكن إسقاط لفظ واستبداله بلفظ آخر يرادفه أو يشبهه بكيفية تلقائية. فلا تتجدد اللّغة بالإرادة بل فعل يحصل في الوعي لدى الباحث الذي يكتشف أن عجز اللّغة القديمة عن التعبير عن معانيها لارتباطها بثقافة حديثة وببيئة ثقافية جديدة عليها، والتجديد اللّغوي ضروري في هذه الحالة لأنه لا يتخلص من جمود اللّغة القديمة وعجزها على التعبير عن الماضي بل يتخلص من الغموض في الاستعمال، فيصبح التجديد اللّغوي أمراً ضرورياً طبيعياً لاستبدال اللّغة القديمة بالجديدة لأجل التعبير عن تجدد المعاني وفقاً لحاجات العصر ومتطلبات الواقع، والتجديد بواسطة اللّغة لا يغيّر أو يشوّه مضمون الفكر، فاللّفظ حامل للمعنى وموصول له يعطيه قوّة للتعبير عن نفسه بلفظ جديد يكشف عن معطى كان مخفياً في اللّغة القديمة، وهكذا مع لغة العلم، فاللّغة تلعب دوراً كبيراً في إنشاء العلم وبنائه. "بل إنه يمكن القول بلا أدنى مبالغة إن العلم هو لغة و أنّ تأسيس العلم هو إنشاء اللّغة."[30]

الحاجة إلى تغيير اللّغة التقليدية تصبح ضرورة عندما يعلن اللسان القديم على عجزه عن أداء وظيفته في التعبير والتواصل ويؤكد أن الخصائص المميزة له التي أدت مهمتها في التعبير والتواصل قديما صارت عيوباً وصعوبات تعيقه على التكيف مع البيئة الثقافية الجديدة. ولغتنا التقليدية أصبحت قاصرة وعاجزة عن التعبير والتواصل في واقعنا المعاصر لأنها ارتبطت بالإلهيات وبلفظة الله التي تحتوي على بعض النقائص في الاستعمال والتداول لكونها مادة لغوية تحدد المعنى أو التصور باعتبار المعنى مطلقاً يقصد التعبير عنه بلفظ محدود مقيد. وترتبط بالدين فألفاظها تشير إلى موضوعات دينية بحتة فأي لفظ ديني أصبح عاجزاً عن أداء وظيفته في الإيصال نظراً لارتباطه بمعاني عديدة جاءت نتيجة لطول تاريخ استعماله وقد تتعارض هذه المعاني أو بعضها مع المعنى الأصلي الأول الذي أعطاه الوحي، فاللفظ هنا مرتبط بالتاريخ وليس بالوحي. ومن هنا نجد اللغة في تراثنا القديم ذات طابع تاريخي لأنها تعبّر عن أحداث التاريخ لا عن الفكر. وكل الألفاظ في اللغة القديمة "لا تشير إلا إلى وقائع تاريخية، وأشخاص أو حوادث أو مناطق جغرافية، وليست مفاهيم علمية لها دلالـتها المستقلة... واللغة في تراثنا القديم لغة تقنينية تضم الوجود وتضعه في قوالب. فهناك قانونية المصطلحات في أصول الفقه، والتقسيمات العقلية في أصول الدين والفلـسفة علـى السـواء...ولكن لغة التقنين لا تصلح لكل عصر. فعصرنا مشابه لعصر الوحي القديم وقت نزوله... فالواقع يقتضي فكرة كما اقتضى الواقع القديم الوحي. صحيح أن تقنين الثورة من قاموسنا المعاصر ولكنه لا يعني فرض قوانين على الواقع بقدر ما يعني تنظيم ما يفرضه الواقع من تغيّر ثوري حتى لا يجهض أحد ما هذه التغييرات أو يستعملها لحسابه الخاص."[31]

بالإضافة إلى كون اللغة التقليدية ذلت طابع إلهي ديني تاريخي وتقنيني نجدها صورية مجردة، فالتقسيمات العديدة والتفريعات المتعددة في كل علم من العلوم التراثية مثل تقسيمات الوجود إلى ممكن وواجب ومستحيل وجوهر وعرض في الفلسفة أو علوم الحكمة وكذلك في علم أصول الفقه نجد أنواع العلل إلى موجبة وقاصرة ومؤثرة، وملائمة وغيرها. وكذلك الأمر في التصوف دون ربط ذلك بالواقع والتجربة الإنسانية الشعورية البحتة المعاشة حسياً وفكريا ونفسياً. تحولت تلك المفاهيم والتقسيمات إلى تجريد أفقد اللغة المتداولة ارتباطها المباشر بالإنسان والواقع. أما الألفاظ الجديدة مثل الأنا، الآخر، التاريخ، الثورة، التقدم، التخلف، والأزمة فهي تمثل أسلوب العصر ولغة الجيل ومنطق عمل وجدل في التاريخ وبناء في المجتمع. "إن التجريد ينشأ بعد نشأة العلم كموضوع وكمنهج وكبناء، ونحن الآن بصدد إعادة بناء العلوم من حيث النشأة. ومن ثم فمستوى التجريد في العلوم لا يلاءم مرحلتنا الحالية في إعادة بنائنا للعالم ووصف نشأته وتكوينه من جديد."[32] ولما رفض عصرنا اللغة التقليدية لكون ارتباط اللفظ فيها بشحنات تاريخية وخلافات مذهبية. تصبح من غايات 'التراث والتجديد' "عمل ثقافة وطنية يمكن التعبير عنها بلغة يقبلها الشعور العامي. فالألفاظ التي يتقبلها العصر هي التي يمكن استعمالها... ويعني أيضاً تطويع اللغة نشأتها واختيار ألفاظها إلى متطلبات الواقع حتى لا تقع في انعزالية الثقافة بصورية اللغة... اللغة التقليدية إذن قاصرة عن أداء وظيفتها في إيصال المعاني التي يمكن للباحث أن يعبر عنها للآخرين. فإذا بدأ الباحث برؤية الشيء وفهمه لمعناه ثم وضعه في اللفظ المناسب للتعبير فإن السامع يبدأ سماع اللفظ ثم يحدد معناه ثم يرى الشيء الذي رآه الباحث أولا. فإذا كان تجديد اللغة مهمّا بالنسبة للباحث بإعطائه المعنى وإشارته إلى الشيء فإنه مهم أيضاً للآخر باستقباله المعنى ورؤيته للشيء."[33]

وإذا كانت اللّغة التقليدية لا تفي بالغرض في تحقيق التغيير والتواصل لأنها تحمل تلك الخصوصيات التي أعطتها القدرة على التعبير والتواصل والإبداع في القديم، وصارت حالياً عيوباً تعيق التعبير والتواصل بل تزيد الأزمة تفاقما وتعميقا وتعقيداً فظهور لغة جديدة تفي بمتطلبات العصر وبحاجات الواقع ضرورة ملحّة وعاجلة، هذه اللغة الجديدة تزيح عيوب اللغة التقليدية وتستبدلها بخصائص أخرى تُسهل التعبير والإيصال. وأهم خاصية ينبغي أن تتوفر في اللغة الجديدة هي أن تكون عامة لتخاطب جميع الأذهان، فمن أهم خصائص العلم المضبوط أن تكون مفاهيمه ومصطلحاته عامة بحيث يستطيع كافة العلماء التعامل معها. وأن تصير قابلة للتغيير والتبديل ذات طابع عقلي غير قطعية لأن الثبات والقطعية والتوفيق في اللغة كل هذه الصفات تجعل منها مغلقة لا تقبل التجديد في ألفاظها وفي معانيها وفي وجودها ككل. ومما هو أساسي في اللغة يجعلها ذات وظيفة في الفكر وفي النفس وفي المجتمع وفي التاريخ والحضارة ارتباطها بما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة أي ارتباطها بالواقع الذي تعيش فيه تكويناً وتعبيراً وتواصلاً وتجديداً. فالواقع هو المرجع والمحك للمعاني داخل الإشارات اللغوية. وبهذا يُصان الفكر من الألفاظ الخاوية وتختفي عزلة الفكر والمفكرين. والطابع الإنساني للغة يجعل الإنسان يستعملها مهما كان اتجاهه الفكري أو عقيدته، أما اللغة الخاصة فهي اصطلاحية تشير إلى مقولات غير إنسانية إذا عرفت التأويل والتفسير وتغذّت من مدلولات إنسانية. واللغة الجديدة في الواقع العربي والحالي لا ينبغي أن تكون مستعربة أو معربة بواسطة النقل الحرفي والصوتي للغات أخرى. بحجة قصور اللغة العربية، فذلك دعوة إلى ثقافات أخرى دخيلة. 'فالتراث والتجديد' جاء ليعبر عن فعل جماهيري ثقافي وطني يقرؤه الجميع، ويصيغ لغة واحدة مشتركة يستعملها جميع المثقفين بصرف النظر عن اتجاهاتهم المتباينة.

وفي 'التراث والتجديد' نجد ارتباط التجديد باللغة الجديدة وارتباط هذه اللغة بمنطق علاقة أبعاد الفكر فيما بينها، اللفظ والمعنى والشيء وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "يمكن إخضاع التجديد اللغوي إلى منطق محكم يقوم على التعبير المطابق للمعنى والذي يقوم بوظيفته في الإيصال. فالمنطق اللغوي يشمل جانبين جانب التعبير وجانب الإيصال. وهما لا ينفصلان بل يشيران معاً إلى حياة اللفظ ودورانه بين المتحدث وبين السامع. ويمكن وصف هذا المنطق لتجديد اللغة بطرق ثلاث: إما بالانتقال من اللفظ التقليدي إلى معناه وإمّا بالانتقال من معنى اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد، وإما بالانتقال من الشيء نفسه الذي يشير إليه التقليدي إلى لفظ جديد."[34] بالنسبة للحالة الأولى وهي الانتقال من اللفظ التقليدي إلى لفظ جديد لا لكون اللفظ القديم معيب لذاته بل لارتباطه بالتاريخ وتجريده من التاريخ لا يضمن صلاحيته مثل لفظ الإجماع أو الاجتهاد أما لفظ الخبرة بين الذوات أو التجربة المشتركة فهو لفظ معاصر ويدل على معنى اللفظ القديم دون كشف لعيوبه. أما بالنسبة للانتقال من المعنى الضمني إلى اللفظ الجديد، ففي حالات كثيرة يكون اللفظ القديم في معناه غير قادر على التعبير والتواصل فيعبر عن معناه الضمني بلفظ آخر جديد يكون قادراً على التعبير عن هذا المراد الضمني وتبليغه مثل التعبير عن معنى الكفّارة والحد بألفاظ جديدة مثل لفظة السلب ولفظة الإيجاب أو السالب والموجب. أما التجديد اللغوي بالانتقال من الشيء المشار إليه إلى لفظ جديد يقوم لوجود شيء يحتاج إلى لفظ يدل عليه و يحدث الأمر نتيجة التفاعلات الحضارية الفكرية والمادية كما يحدث نتيجة التطور والازدهار الحضاري في حياة الإنسان في جميع مستوياتها. "وأنه من التجاوز أن يسمى هذا اللفظ جديداً لأن ليس له مقابل تقليدي يعادله أو يوازيه بل نشأ نشأة تلقائية للتعبير عن الموضوع والإشارة إليه. فمثلاً ألفاظ صورة ومضمون وموضوعية، ألفاظ جديدة يمكن بواسطتها التعبير عن الهيكل العام لعلم أصول الفقه."[35]

لم يكتف 'حسن حنفي' بمنطق التجديد اللغوي الثلاثي الأبعاد والمكونات والذي يعطي قدرة كبيرة على التعبير عن المدلولات والبناءات المثالية الموروثة التي أغلقتها اللغة القديمة. بل اعتمد على مستوى حديث للتحليل في نظره يعطي مجالا خصباً وواسعاً تتكشف فيه خصوبة التراث واتساعه. ويعني بمستوى التحليل "المنظور الذي يُنظر منه إلى تراث.وهذا لا يتم إلا برؤيا معاصرة له. فالتراث يمكن قراءته بمنظورات عدة كلها ممكنة، والتجديد هو إعادة قراءة التراث بمنظور العصر. ليس معنى ذلك أن القراءات القديمة له خاطئة أو أن القراءات المستقبلية له غير واردة. بل كلها صحيحة، ولكن الخطأ هو قراءة التراث من المعاصرين بمنظور غير عصري. هنا يكمن الخطأ، خطأ عدم المعاصرة."[36] والمستوى الحديث لتحليل الموروث القديم هو مستوى الشعور. لأن الشعور "مستوى أخص من الإنسان، وأهم من العقل، وأدق من القلب وأكثر حياداً من الوعي، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها ولكن نظراً لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة، ولم تعط له الأولوية الواجبة، ولكن يُفهم ضمنا، ويُقرأ فيما بين السطور... لم يظهر الإنسان واضحاً في الحضارة كبعد مستقل كالإلهيات أو الطبيعيات لأن الإنسان كان موجوداً بالفعل. ومع ذلك فنجد أن الإنسان و بوجه أخصّ الشعور موجود ولكنه متخفيا وراء الإلهيات وداخل العلوم التقليدية."[37] فكل العلوم التقليدية العقلية النقلية أو العقلية أو النقلية نشأت في الشعور الذي يظهر في البنية الثلاثية لأصول الفقه، الأدلة واللغة والأحكام وكذلك في الفلسفة وأصول الدين والتصوف والفقه والسيرة وغيرها. "ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، أما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقاً لما طلب."[38] وإذا كان القرآن عبارة عن مواقف يعمل فيها الشعور العام وكانت السنّة مواقف إنسانية يعمل فيها شعور النبي فإن في الإجماع والاجتهاد مواقف إنسانية يعبر فيها عن التجارب المشتركة والتجارب الفردية، فهذا يعني أن الشعور أساس المعرفة والوجود قديماً وحديثاً وفي عصرنا، ولغته لغة شائعة وهو جزء من وسطنا الثقافي بواسطته تتكشف الحقائق ويصبح العقل التجديدي المعني بالموروث أمرا ًممكناً.

يقترح 'حسن حنفي' فيما سبق منهجين لتجديد التراث، المنهج اللغوي والمنهج الظاهراتي الشعوري على أساس عجز اللغة الكلاسيكية عن التبليغ والتواصل، وعجز المناهج في الساحة الثقافية عن حلّ أزمة التراث والتجديد لكونها تقع في خطأ قراءة التراث وتحليله بمنظور غير عصري، خطأ عدم المعاصرة. ويؤكد على اللّجوء إلى مستوى ثالث إلى جانب منطق اللغة ومنطق الشعور هو مستوى تغيير البيئة الثقافية لأن العلوم التقليدية التي تمثل موروثنا نشأت في واقع معين له ظروفه وأحواله والعلوم ليست مطلقة حدثت وتثبتت بصفة مطلقة، فالعلم نسبي ومتطور باستمرار، فالبناء في العلم لا يتغير بينما مادته تتغير تعطيها البيئة الثقافية المعينة في الزمان والمكان، وهذا ما فعله فلاسفة الإسلام إذ غيّروا مادة الفلسفة اليونانية بمادة إسلامية، ففي أصول الفقه طغت العبادات على المعاملات، وفي أصول الدين طغت مشكلة التوحيد على مشاكل الإنسان الاجتماعية وتكثر في الفلسفة المشكلات التي لم تعد مواكبة لعصرنا الحاضر لارتباطها بظروف نشأتها في عصرها الماضي. "أما الآن فهذه المادة لم تعد ذات دلالة فالأفلاك موضوع لعلم الفلك، والطبيعة موضوع لعلم الطبيعة، والعقل والنفس موضوعات لعلم النفس، والتوحيد ذاته موضوع لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة اضطهادا أو غلبة... إن الخطر علينا الآن هو الخرافة والأسطورة والخلط بين المستويات...وهناك مشاكل تاريخية خالصة لا تلزم العصر الذي نعيش فيه... كل ذلك حوادث تاريخية صرفة ووقائع لا تهمنا إلا من حيث أنها تحقيق لنظم، وحتى في هذه النظم يفرض واقعنا المعاصر نظمه ولا يحتاج إلى شرح للنصوص أو تأويل للماضي مناف لتطور الحاضر ومانع له."[39]

يؤكد 'حسن حنفي' على إمكانية تغيير المادة العلمية والتأسّي بالقدماء مع تعاطيهم مع الحضارات والثقافات والديانات الأخرى. فتجديد مادة العلم تتم بتجريد الموضوع من كافة شوائب الحضارات التي علقت به وبمعناه وبكيفية عرضه وتحليله وبنتائج فهمه. ويُعاد بناء الموضوع الأولي، بناء معناه بعد أن تجرّد من الشوائب، والبناء يكون داخل الشعور والواقع ثم إطلاق المعنى حتى يتجاوز حدود اللفظ فتصبح المعاني مباحث الوجود العام وإطلاق المعنى يكون من الاشتقاق ويمكن إطلاقه مجازاً إذا اقتضى الأمر ذلك. ولما كانت الغاية من تغيير البيئة الثقافية هو اكتشاف الواقع في العصر الحاضر والعيش فيه بدل من العصر القديم وثقافته من خلال قراءة هذه الثقافات وتجديد مادتها، هذا لا يحصل إلا من خلال تحليل القديم وتخليصه من الشوائب وتحليل المعاصر بواسطة نظرية في التفسير تعطي موقفاً من الواقع ثم مقابلة القديم بالمعاصر، "أو تركيب الأولى على الثانية وتأسيس الموضوع المثالي على الواقع العصري، وإعطاء النفس بدناً، والروح طبيعة والفكر واقعاً، والله عالماً. وهناك لا يخطئ الباحث فهو ليس مسئولا عن الموضوع المثالي ولا عن روح العصر وإنما مسؤوليته في توجيه أحدهما بالثاني والربط بين القديم والجديد، وإحياء التراث، وتأصيل العصر."[40] كل هذا ليبدأ 'حسن حنفي' في محاولاته لإعادة بناء العلوم التراثية على الرغم مما تواجهه هذه المناهج التجديدية من صعوبات ومشاكل في الواقع المعاصر.

 

خاتمة

إنّ الموقف الحضاري في المشروع مرتبط بالتراث والواقع والآخر، فلسفته ذات طابع تحليلي نقدي يظهر ذلك في آثار صاحب المشروع من مقالات ومؤلفات وحوارات وغيرها، كما يطغى على هذه الكتابات التكرار والاجترار في وقت يُعرض عن القراءة الطويلة، وإن كان التكرار قد يكون في بعض الحالات مشروعا ومطلوبا تتطلبه الحاجة إلى الدقة والعمق والتفصيل من أجل الإلمام بجميع جوانب الموضوع، وإذا كان المشروع يتميز بالثورة والتثوير فهو غزير وضخم جدّا مفتوح على أكثر من جبهة يصعب إتمامه كما يصعب تطبيقه خاصة إذا كانت عناصره وأجزاؤه وأقسامه وجبهاته متكاملة من الناحية النظرية، فلا يتحقق بجزء واحد أو ببعض الأجزاء دون الأخرى لأنّ الأمر يحتاج إلى المشروع بأكمله. لا نعرف إذا ما كان المشروع مآله النجاح خاصة وأنّ التراث ضخم والمواقف منه كثيرة ومتباينة وأنّ الواقع متأزم وأزمته عميقة وأبعادها كثيرة وأنّ ثقافة الآخر صارت محرك الحياة المعاصرة وميزة الواقع المعاصر فهل يجد المشروع حيّزا له في هذه الحياة وفي هذا الواقع أم يبقى مجرد إعلان عن مبادئ ونوايا ومقاصد في واقع مريض شبه ميئوس من شفائه يسهل فيه الحديث ويكثر ويقلّ فيه العمل ويغيب الإبداع.

ويُحسَب على المشروع انتماءُ صاحبه التاريخي الثقافي والحضاري كإعجابه بمذهب المعتزلة وتراثهم وغير ذلك من جوانب التراث العربي الإسلامي، والانتماء الإيديولوجي وهو اليسار الإسلامي وربط ذلك بالماركسية كاتجاه فكري وفلسفي، وبالمادية التاريخية كمنهج فكري في تفسير الحضارة والتاريخ. وفي المشروع وفي الفلسفة التي يقوم عليها يطغى العقل والواقع والمصلحة على الوحي وعلى النص وهذا لا يُرضي التيار التراثي السلفي المحافظ فيصفه بالعلمانية ويُوصف بفقدانه للصبغة العلمية وللتوازن في الرؤية وفي المنظور على المستويين النظري والعملي. وبهذا فالمشروع لا يزيل التباين السلبي السائد في الساحة الفكرية العربية والإسلامية المعاصرة فهو لا يُرضي التيار العلماني لأنّه تراثي ولا يُرضي التيار السلفي لأنّه عقلاني واقعي فهو محسوب على العلمانيين لكنه غير علماني ومحسوب على السلفيين لكنه ليس سلفيا، هذا التفرد وهذه الخصوصية هما ما يميّز فكر "حسن حنفي" ومشروعه وفلسفته وسائر أعماله عن غيرها.

على الرغم من الانتقادات التي تعرّض لها مشروع "التراث والتجديد" وتعرّضت لها فلسفته يبقى المشروع الذي يتصدر الواجهة على الساحة الفكرية والفلسفية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، لأنّ فيه تعبير عن الموقف الطبيعي في الإنسان وفي حياته، فالماضي مرتبط بالحاضر في الشعور ووصف الشعور وتحليل الوعي هو ذاته وصف التراث وتحليل الماضي في تفاعله مع الواقع المعاصر، وتجديد التراث هو تحرير الطاقات المختزنة لدى الجماهير من كل ما يعيقها نحو التفجر والإسهام في تحريك التاريخ وبناء الحضارة، ولما كان المشروع يحمل هذه الدلالات والمعاني والقيّم الإنسانية التاريخية الماضية والحاضرة ويسعى إلى ترسيخها في منطلقاته ومبادئه ومناهجه ومضامينه وتوطيدها في أهدافه وغاياته ومراميه فهو يستحق بحق كلّ تقدير، كما يحتاج إلى العناية اللاّزمة والاهتمام المطلوب بحثا ودراسة وتحليلا ونقدا ولما لا عرضا على الواقع والتاريخ والعصر اختبارا له واستثمارا لقيّمه.

 

الدكتور جيلالي بوبكر

.....................................

[1]- جميل صيبا : المعجم الفلسفي، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، بدون طبعة، سنة 1982، ص242.

[2] - Andre-lalande : Vocabulaire Technique et Critique de laphilosophie, presse universitaire de France, 13eme édition, Paris, 1980, P516-517.

[3]- حسن حنفي: التراث والتجديد، ص13.

[4]- المرجع نفسه: ص13-14.

[5]- المرجع نفسه : ص19.

[6]- المرجع نفسه : ص19-20-21.

[7]- المرجع نفسه : ص21.

[8]- المرجع نفسه : ص22.

[9]- المرجع نفسه : ص23، أنظر هامش الصفحة.

[10]- المرجع نفسه : ص24.

[11]- المرجع نفسه : ص25.

[12]- المرجع نفسه : ص26.

[13]- حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، ص78.

[14]- حسن حنفي : التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، ص145.

[15]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص456.

[16]- المرجع نفسه : ص457.

[17]- حسن حنفي: التراث والتجديد، موقفنا من التراث القديم، ص151-152.

[18]- المرجع نفسه : ص173-174-175-176.

[19]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص27-32.

[20]- حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص458-459.

[21]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص414.

[22]- حسن حنفي: دراسات فلسفية، ص33.

[23]- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، ص13-14.

[24]- المرجع نفسه : ص18-23-25-28.

[25]- حسن حنفي : هموم الفكر والوطن، الجزء الثاني، ص462.

[26]- المرجع نفسه : ص463.

[27]- حسن حنفي: دراسات إسلامية، ص177-180.

[28]- حسن حنفي: حصار الزمن، إشكالات، ص533.

[29]- حسن حنفي: التراث والتجديد: ص110.

[30]- المرجع نفسه : ص112.

[31]- المرجع نفسه : ص118.

[32]- المرجع نفسه : ص118.

[33]- المرجع نفسه : ص118-119.

[34]- المرجع نفسه : ص123.

[35]- المرجع نفسه : ص127.

[36]- المرجع نفسه : ص132.

[37]- المرجع نفسه : ص132-133.

[38]- المرجع نفسه : ص135.

[39]- المرجع نفسه : ص141-142-143.

[40]- المرجع نفسه : ص145.

 

bobaker jilaliيؤكد 'حسن حنفي' في أكثر من كتاب له أن الدافع إلى تجديد التراث هو "إعادة النظر في التراث الفلسفي خاصة وفي التراث كله عامة. علومه وأبنيته وحلوله واختياراته وبدائلها الممكنة هي تغير الظروف كلية من عصر إلى عصر ومن فترة إلى فترة."  ويعيش العالم العربي والإسلامي اليوم في أزمة متعددة الجوانب، من جوانبها أزمة الثقافة التي تعبّر عن انتقال الأمّة من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، "وتتكون الثقافة العربية من مكونات رئيسية ثلاثة: الموروث القديم، والوافد الحديث، والواقع المعاش... فما زال الموروث القديم يفكر فينا ولنا، وما زلنا نحن نفكر فيه و به، فـلا فرق بين التراث الحي والثـقافة المعاصرة... أما الثقافة الوافدة المعاصرة عن الغرب فهي عنصر مكون ضعيف لا يتجاوز سطح الثقافة إلى الأعماق ولا يظهر إلاّ عند النخبة... ويمثل الوافد المستقبل البعيد المحاصر، ويمثل الواقع الموروث الغائب بالرغم من التأزّم والمعاناة التي قد تصل إلى حد الكفر به، الخروج عليه أو الهرب منه. بالتالي تكون العناصر الرئيسية المكونة للثقافة العربية المعاصرة هي أيضاً عناصر تكوينية في الزمان التاريخي، الماضي والمستقبل والحاضر."

تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر من تكرار واجترار وترديد التراث القديم في الواقع المعاصر على الرغم من تبديل وتغير المرحلة التاريخية وتحويلها من الماضي إلى الحاضر، هذا التغير يقتضي ثقافة جديدة وإبداعاً فكرياً وحضارياً جديداً، كما يتطلب مبدعين جدد لا يجترّون إبداعات السابقين، "فإذا كانت المرحلة الأولى قد أبدعت بلا نموذج حضاري سابق باستثناء ثقافات العرب وديانتهم السابقة على الإسلام فإن الإبداع الآن ونحن على مشارف الفترة التالية لديه نموذج سابق وهو إبداع القدماء. وبالتالي يسهل الإبداع لأنه يكون إبداعاً على إبداع، وتفكيرا على تفكير وقراءة على قراءة وتأويلاً على تأويل. وقد يصعب الإبداع إذا ما تقيّد بإبداع السابقين واعتبر الإبداع ذا نمط واحد في كل العصور."

كما تنبعث أزمة الثقافة العربية وتظهر ليس فقط من نقد التراث القديم بل كذلك من نقل الوافد الحديث من الغرب وهو نقل استمر لفترة تقترب من مائتي عام وخطوة النقل عن الغرب الحديث تنتج عن اعتبار الغرب مصدر التنوير الفكري والفلسفي والعلمي والسياسي. ويؤدي النقل عن الغرب "إلى اعتبار الغرب نموذج الثقافة العالمية بمقاييسها وعلومها وتصورها للعالم وقيّمها وعلى كل ثقافة تبنيها نظراً للتباين بين المستوين... إلى انتشار الثقافة الأوربية خارج حدودها الطبيعية وجعلها نقطة جذب لثقافات الأطراف التي تصبح مجرد مستقبل لهذا الإرسال المستمر الفيّاض... إلى زيادة حدّة التغريب في الثقافة العربية وخطورة الوقوع في الاغتراب الثقافي وطمس الهوية الثقافية مما يؤدي بالضرورة إلى الولاء للغرب."

أما المكون الثالث للثقافة العربية والذي ارتبطت به أزمتنا هو الواقع وانعزالها عنه وإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية القديمة هي ثقافة النص وهو المكون الأساسي فيها. نص مُعطى في أوضاع وظروف تاريخية معينة ترتبط هي الأخرى بظروف وأوضاع تاريخية سبقتها هذا النص أثّر فيها وتأثّر بها فهو لا يعبر عن الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي للعالم العربي والإسلامي المعاصر، والأمر نفسه بالنسبة للنص الوافد الحديث فقد تكوّن في ظروف غربية غريبة عن جسم الثقافة العربية المعاصرة. فلا الأول يعبر عن واقعنا إلا بعد تأويل ولا الثاني يعبر عن حياتنا الثقافية إلا بعد تكييف وتلفيق، و"لم تُحوّل الثقافة العربية الواقع المباشر إلى نص محكم جديد يعبر عنه و يوجهه و يؤثر فيه ... و يجد فيه نصا جديدا يعبر عنه تعبيرا محكما مباشرا فيه أحكام الخطابين الموروث والوافد وفيه مباشرة الخطاب الديني والسياسي، ولما كان الواقع هو ذاته نص مباشر، مصدر كل نص ونشأته ظل الواقع في الثقافة العربية بلا قراءة وبلا صياغة فتأزم واستعصى."

يقتحم الواقع الفكر العربي المعاصر من خلال جملة من التحديات كتحدي الأرض المغصوبة في فلسطين وغيرها، وتحدي الحرية حرية الوطن وحرية المواطن ورغم تبني الليبرالية كنمط في التحديث فأزمة الحريات العامة مازالت قائمة وبحدّة. وتحدي العدالة الاجتماعية، "فنحن أمّة يُضرب بها المثل بأنها تظم أغنى أغنياء العالم وأفقر فقراء العالم. من بيننا من يموت بطنة وشبعاً، ومن بيننا من يموت جوعاً وقحطاً."  وتحدي التجزئة، تجزئة الأمة وتجزئة الوحدة الوطنية وتحدي التبعية في الغذاء والسلاح والثقافة والعلم، "نستهلك أكثر مما ننتج، ونأكل أكثر مما نعمل ونحارب بما لم تصنعه أيدينا."  وتحدي التغريب الذي أفقدنا الاستقلال الوطني وضاعت منا الهوية، فتكوّن فينا مركب النقص وتكوّن في الآخر مركب العظمة، "وما زالت سلبية الجماهير وحيادها ولا مبالاتها تمثل التحدي الرئيسي للثقافة العربية... فالموروث إن عبّر عن ما فيها فإنّه لا يحل مشاكل حاضرها. والوافد إن عبّر عن مستقبلها فإن الهوّة بينه وبينها ما زالت بعيدة... وفي التصور الموروث ما يساعد على حشد الناس وتجنيد الجماهير، فالأمّة خير أمّة أخرجت للناس كحمل الأمانة وتُبلّغ الرسالة... ويمتلئ الوافد بفلسفات تحقيق المثل الأعلى وتطبيق كلمة الله في الأرض وتجسيد الروح في التاريخ، كما أنه زاخر بفلسفات الالتزام والفعل والتقدم والمسؤولية وتحقيق رسالة الأمم الثقافية والفنيّة."

أمام وضع الثقافة العربية المتأزم من خلال صلتها بالتراث القديم والوافد الحديث والمعاصر والواقع المعاش، وهو وضع صنع واقعاً أقحم نفسه في الفكر العربي والإسلامي المعاصر بواسطة جملة من التحديات التي تفرض نفسها. فأزمة الثقافة العربية بعمقها وبمخلّفاتها على الأرض والإنسان والعالم دعت المفكرين إلى البحث عن سبيل العلاج وطرق الخروج من هذه الأزمة فشهد الفكر العربي ثلاثة نماذج، نموذج تراثي ونموذج لا تراثي فالأول يجعل المجتمع يعيش على التراث فالتراث فيه هو ماضيه وحاضره ومستقبله، دينه وفنّه وفلسفته أما الثاني فيقطع صلته بالتراث ويعيش على ثقافة العصر ومنتجات الحضارة فيه، "والنموذج هو إعادة بناء التراث أو إحياء التراث أو تجديد التراث، النموذج الذي تحاول المجتمعات النامية صياغته وتبنّيه بالرغم مما هو حادث الآن من وقوع في الخطابة أو الانتقائية من الخارج. فإذا كان النمط التراثي يضحي بالتغيير الاجتماعي من أجل المحافظة على التراث وكان النمط اللاتراثي يضحي بالتراث من أجل إحداث التغيير الاجتماعي فإن تجديد التراث أو إحيائه أو إعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر هو الذي يحفظ من التراث دوافعه على التقدم ويقضي على معوقاته وهو القادر على إحداث التغيّر الاجتماعي بطريقة أرسخ وأبقى وأحفظ له في التاريخ من الانتكاسات والردّة وحركات النكوص."

وعملية إعادة بناء التراث ليست مطلوبة لذاتها، شرعيتها مستمدة من قيمة التراث ودوره، "ويظهر التراث كقيمة في المجتمعات النامية، وهي المجتمعات التراثية التي ما زالت ترى في ماضيها العريق أحد مقومات وجودها وفي جذورها التاريخية شرط تنميتها وازدهارها."  فالتراث العلمي المتمثل في العلوم العقلية والنقلية والعلوم النقلية والعلوم العقلية يحمل بداخله دوافع تحريك العمل السياسي والاجتماعي. ففي تراثنا ما يدعوا إلى تحرير الأرض المغصوبة، وما يدافع عن الحرية ضد القهر والجور، وما يسمح بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد في مواجهة التعسف وسوء توزيع الثروة ولمواجهة الفروق الكبيرة بين الفقراء والضعفاء وما يحارب التجزئة والتفكك وتحقيق الوحدة للوطن وللأمّة انطلاقاً من التوحيد وفي التراث ما يصون الهوية ويحفظها من الاغتراب لهذا ينبغي إعادة بناء التراث ليصبح حاضر الأمّة أحد حلقات وحدة تاريخها.

إن إعادة النظر في التراث أو إعادة قراءته أو إعادة بنائه كل هذا رد فعل واستجابة للأزمة الثقافية ولأزمة التغير الاجتماعي، ولفشل محاولات التغيير وارتطامها جميعاً بقضية التراث كمخزون نفسي لدى الجماهير. ومثلما نجد اتجاهات ثلاثة في مشكلة التراث والتجديد على المستوى النظري وهي اتجاه القديم واتجاه الجديد واتجاه التوفيق بين القديم والجديد نجدها ثلاثة على المستوى العملي وهي المسئولة عن أزمة التغيير الثقافي والاجتماعي.

أما الاتجاه الأول فيسعى إلى التغيير بواسطة القديم لكنه يتعثر بفعل سيادة النظرية الإلهية على الفكر النظري وأصبح التغيير المطلوب مرتبطاً بالدعوة إلى الحكم الإلهي الديني الذي ناهضته أوربا للتخلص منه إلى الحكم الديمقراطي، "وبدا أن الغاية هي الدفاع عن الله وليس التغيير الاجتماعي، وبدت الدعوة دينية متطاولة على السياسة وغير قادرة على ممارسة قضايا التغيير الاجتماعي التي تحتاج إلى علم دون دين وإلى واقعية دون إيمانية مسبقة."  أدى الفكر اللاهوتي الذي حلّ محل الفكر النظري العقلي إلى توقفه في مرحلة ما في الوقت الذي تطور فيه الواقع، فتأخر الفكر الإصلاحي وعجز عن تحويل الإلهيات إلى فكر نظري ثم نقل الفكر النظري إلى مستوى إيديولوجية واضحة المعالم وتستمر "هذه المحاولات لتغيير الواقع في تعثرها طالما أنه لا توجد أيديولوجية لها واضحة المعالم يجد فيها الواقع تعبيراً عن ذاته، وتجد فيها الجماهير تحقيقاً لمصالحها."  ولما سيطرت النظرية الإلهية على الفكر والحياة التي تقوم على التصور الهرمي للعالم من الأدنى إلى الأعلى، صنع سيطرة التصور الرأسمالي للدين والحياة وهو تصور طبقي "يضع الناس والطبقات الاجتماعية ويرتبها بين الأعلى والأدنى لا بين الأمام والخلف، هو التصور الرأسي للعالم وليس التصور الأفقي. وهو ما تابعنا فيه التراث الغربي الذي ينشر هذا النوع من الفكر الديني لأنه فيه إرساء للنظام الرأسمالي وتأسيساً له على أسس نظرية ووجدانية للشعوب المستعمَرة وللبلاد المتخلفة."

يسيطر على هذا الاتجاه فكر عدائي للمحاولات التجديدية النظرية ويرميها بالإلحاد كما يرفض تغيير الأساس النظري الهرمي وتبديله بأساس آخر الأمر الذي أوضعه في التعصب بدل الوعي الفكري، "فالإيديولوجية مجموعة من الأفكار المستقاة من الواقع والتي تُنظّر الواقع، وتقبل التغيير والتعديل طبقاً لتطورات الواقع ومن ثم فهي ضد القطعية الجازمة وعلى نقيض الروح الدجماطيقية، وهنا تأتي أهمية التنوير العقلي حتى تظهر الدعوة في قالبها الفكري."  كما أن الجدل في الكل أو لا جدل قطعاً عند الممارسة، وتغيير الواقع بالقوة دون السعي نحو تجنيد الجماهير وبالوثوب على السلطة، والاعتماد على العمل السري المنظم والتسلح، وخلق تنظيمات جماهيرية مغلقة ومطالبة الجماهير بالولاء التام والطاعة المطلقة في غياب الحرية والديمقراطية، بالإضافة إلى سيادة التصور الجنسي والبداية بالمحرمات وبقوانين العقوبات، وتطبيق الحدود. "أما الأخطاء الناتجة عن التحليل السياسي للموقف فهي ليست أخطاء جوهرية قد يقع فيها أي تنظيم، وهي في معظمها أخطاء ناتجة عن المنظور الفكري للجماعة وعن تكوينها الفكري والديني، فهي ليست أخطاء من حيث المبدأ ولكنه فقط سوء تصرف من حيث الممارسة."  كل هذا أدى إلى فشل أنصار القديم في تغيير الواقع.

أما اتجاه التغيير بفعل الجديد والذي يفشل في تغيير الواقع لأسباب كثيرة. فاستعمال الصعب من اللغة واللفظ وهي لغة وألفاظ وافدة مستوردة، والتبعية لفكر الغرب والسقوط في عالمية الثقافة، ومعاداة تراث الجماهير وتعويضه بتراث منقول، وغياب التنظير المباشر للواقع أي انعدام نظرية محكمة في تفسير الواقع وعدم وجود برنامج ثوري تثويري ويشترك مع أنصار القديم في الاستيلاء على السلطة والعمل السري واستعمال العنف ضد السلطة والدعوات المعارضة، "تفتيت الوحدة الوطنية بتفضيل الصراع الطبقي على الوحدة، والوقوع في التفسير الحرفي للإيديولوجية المنقولة دون ما علم بتطوراتها وتأقلمها طبقاً لواقع العالم الثالث الذي تكون فيه الأمة أو الجماعة أو الأسرة هي الأساس الحضاري والنفسي للتغير الاجتماعي."  والفصل بين ما هو إيديولوجي وما هو أخلاقي الذي يؤدي إلى عزوف الجماهير عن الانتساب إلى هذا التوجه لأن الجماهير تؤمن بالقدوة الحسنة وتربط بين الحق والخير. فأنصار هذا الأسلوب وقعوا كغيرهم في أزمة هي أزمة التغير الاجتماعي.

أما الاتجاه الثالث فهو الذي يسعى إلى تغيير الواقع بواسطة القديم والجديد، بين الوافد والموروث، ويفتقر هذا الاتجاه هو الآخر إلى عوامل النجاح في قراءة الواقع وتغييره رغم محاولته تجاوز الاتجاهين من خلال اعتماده على الوافد والموروث والجمع بينهما لكنه يفتقر إلى الأساس النظري الواضح للتغيير مثل غيره كما يقوم بالتغيير الاجتماعي لصالح الطبقة المتوسطة ويعادي الاتجاه الأول والاتجاه الثاني معاً لأن كلّ واحد منهما يدعو إلى التغيير الجذري، كما ينتهي بالجماهير إلى السلبية واللامبالاة وتقوم بالترقيع والتلفيق و التغليف في عملية التغيير الاجتماعي، و"لما كانت السلطة الوطنية من أنصار التوفيق بين القديم والجديد كان التغيير يحدث من السلطة وباسمها وكأنها عملية مفروضة بالرغم من تلبيتها لحاجات الجماهير."

أمام أزمة التغيير الاجتماعي والثقافي، وأمام هذه الاتجاهات الثلاثة ذات المحاولات الثلاث الفاشلة في صنع تغيير اجتماعي وثقافي داخل البلاد النامية يأتي مشروع "التراث والتجديد" بديلاً عنها وفي ذلك يقول صاحب مشروع "التراث والتجديد": "وقضية التراث والتجديد جزء من العمل الإيديولوجي للبلاد النامية، إذ أنّه عمل على الواقع، ومحاولة للتعرف على مكوناته الفكرية والنفسية والعملية، هي قضية تصفية المعوقات الفكرية للتنمية، ووضع أسس فكرية جديدة لتطوير الواقع... تتناول البحث عن الشروط الأولية للتنمية... محاولة لتحقيق متطلبات العصر للبلاد النامية في الناحية النظرية والعملية والتغلّب على مآسيه وهزائمه."  وأهم متطلبات البلاد النامية التحرر من الاحتلال ومن كل أشكال الاستعمار وصوره، وتحقيق التنمية الشاملة ضد التخلف بمختلف صوره وتحقيق التقدم ضد الركود والجمود بمختلف أشكاله. "مهمة التراث والتجديد حل طلاسم الماضي مرّة واحدة وإلى الأبد وفك أسرار الموروث حتى لا تعود إلى الظهور أحياناً على السطح وكثيراً من القاع. مهمته هو القضاء على معوقات التحرر واستئصالها من جذورها... التمرد من السلطة بكل أنواعها سلطة الماضي وسلطة الموروث فلا سلطان إلاّ للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه... هو تفجير طاقات الإنسان المختزنة المحاصرة بين القديم والجديد كحصار الإنسان في اللاّهوت المسيحي بين آدم والمسيح، بين الخطيئة والفداء."

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

mustafa alomariتعودت مجتمعاتنا على ثقافة الكبت والإتكال وإحالة كل ما يتعلق بالدين او الثقافة الغيبية الى رجال أطلقوا على انفسهم فيما بعد (اختصاص ديني) بحيث اضحى السؤال هو المحرم الفعلي في المساحة الدينية وليس من حقك البحث والتساؤل فيما يطلب منك التعبد به والتقرب فيه الى الله.

 الله الذي حوله بعض المنتفعين الى مؤسسات نفعية لسرقة أموال الناس مادياً والصعود على اكتاف المساكين اجتماعياً وخوض الحروب عسكرياً . ¬¬¬معظم المجتمعات الغربية والاسلامية تلهج باسم الله وان اختلفت التسمية لكن يبقى الله هو نفسه الذي نتحدث عنه في مجتمعنا العربي ونفسه الذي يتحدث عنه جاري الامريكي وهو ذاته في  البرازيل وافريقيا وفي اغلب دول العالم، أكيد هناك بعض الاضافات لشكله ومظهره لكن يبقى هو صاحب السلطة الفعلية على هذا الكون كما تقول كل الاديان . صاحب هذه السلطة الكبيرة والعريضة اختلف المؤيدون له، اختلافاً مميتاً في كثير من حالاته . دعونا ننطلق من حجم هذا الاختلاف الكبير ومن منظر مخيف يكاد يسحق العالم كله باسم الله، دعونا نحن البسطاء والذين نؤمن كما وجدنا عليه أهلنا، دعونا نسأل الله خالق البشرية جميعاً وليس خالق اليهود او المسيحيين او المسلمين او البوذيين فقط، دعونا نجتهد قليلاً لأن الله يحب المجتهدين الباحثين العاملين   ..

فنسأله أسئلة طالما تسآءل بها الكثير من البسطاء أمثالنا، لكي نكتشف الله الحقيقي وليس الله المتحزب المتطرف الله الذي يدعو للحب والتسامح وليس الى القتل والعداء والاستعداء فنسأله :

  1. هل أنت يا الله من خلق هذا الكون والسموات والارض والمسؤول عنهما ؟

 2 هل حقاً طلبت ان تعتنق الناس جميعاً ديناً واحداً والا سيخلدون في نار جهنم ؟ اذا كان كذلك .

 3-  لماذا لم تخلق الناس أمة واحدة وبدين واحد وبذلك يكونون مطالبين بالتطبيق وليس التغيير والتطبيق؟

4- اذا كانت اليهودية مثلاً هي الدين الحقيقي الذي ترتضيه انت، فلماذا يا ربي خلقتني مسلماً وفي بيئة تعاقب من يغير دينه بالقتل؟ وانت تعرف هذا .

5- يا ربي مجرد التفكير في التغيير من دين الى اخر يعني موتاً فعلياً او موتاً اجتماعياً . أيعقل انك خلقت الناس لكي يكون همها الدين ثم تتقاتل فتموت بدون شفقة؟

 6- هل انت ياربي من بعث الرسل والانبياء، أم أنهم إفتأتوا عليك وقالوا إنا رسل رب العالمين؟

 7- اذا أنت من بعث الرسل فما ذنب الذين يعيشون في أوروبا  وامريكا واليابان، ان يلتزموا بالاسلام الذي نزل بلغة العرب وعرب قريش تحديداً؟

  8- أيعقل انك أوجبت على الغربيين والعالم أجمعين ان يكونوا مسلمين وأنت تخاطبهم بلغة الصحراء وبمفردة الخيل والإبل والحمير والبغال والخيام، وهم ابناء الماء والخضراء والوجه الحسن وليس لهم خبرة ومعرفة بالذي تذكره او الذي تدعوهم اليه؟

9- هل صحيح ياربي ان الديانات مكملة بعضها للبعض الاخر أم هذه فرية ! اذا كانت كذلك فلماذا هذا الاختلاف بين رسالة ورسالة اختلافاً ليس جزئياً بل هو جوهرياً يصل مداه حدّ القتل والاستعباد والاستبعاد .

 10- إلهي ما ذنب والدي الذي خلقته مسلماً لا يجيد القراءة والكتابة وفي بيئة بالكاد تجد العيش لكي تعيش، ثم تطلب منه ان يتفقه بالدين وان يتحول الى دين اخر غير الدين الذي وجد عليه أهله وإلا سيكون مصيره العذاب والحرق والصديد والحديد .

 11- هل عدل منك يا الله تخلق المسيحي المنعم على شواطئ وبحار أوروبا  وامريكا وتقول له انك على الدين الحق وتبشره بالهدايا بالاخرة وتغدق عليه بركاتك في الدنيا؟

 12- هل أنت  من صرخ برأس الفقهاء ورجال الدين ليكون كلامك بهذا المستوى : أما اعدائي أولئك  الذين لم يريدوا ان أملك عليهم فأتوا بهم الى هنا واذبحوهم قُدامّي . وهل انت من أشار على الفقهاء بأن دم المسلم يختلف عن دم غير المسلم بحيث لا يقتل غير المسلم بالمسلم في القصاص وان دية المشرك لا تساوي حتى نصف دية المسلم؟

 هذه بعض الاسئلة على هامش الذهن لم تكن بالعمق الذي يريده بعض المختصين والباحثين، لكنها كانت بحجم تفكيرنا تفكير البسطاء والذين يبتغون نشر لغة المحبة والسلام بين الناس . الزعم ان الاديان كونية ويجب ان تعم الكرة الارضية، زعمٌ ما عاد يغري ولا يجذب الناس كما كان يشاع له من قبل، الدعوة الكونية هي الزعم على ان الدين عالمي ويجب ان يسود العالم اجمع، ترتطم هذه الدعوة بالخطاب الديني عموماً الذي يكاد ينغلق ويختنق تماماً على الافراد غير المنتمين إليه بل يسد عليهم أفاق ومنافذ الارض والسماء . أعتقد ان لا دين من دون نزعة انسانية بل لا يستحق اي دين او فكرة دينية ساعة عناء من البحث اذا لم يكن الانسان هاجسه الاول .وبما ان الزعم الديني جاء من أجل رقي الانسان ولخدمته تحركت بعض العقول الحية لكي تشذب الحالة الدينية وتتخلص من كثير من اثقالها الضارة، فاستحدثوا قانوناً وضعياً غير قابل للجمود فهو يتغير من حين لأخر بمقتضى الحال الذي تطلبه مسيرة التقدم العلمي وتأخذ بالحسبان المنفعة التي ستتحقق للانسانية، هذا ما حصل في اوربا وفي العالم الغربي عموماً، اما في عالمنا الاسلامي حصروا الله في مكانات خاصة وفي بعض الاحيان في بيوتات تدّعي العلم ولذلك زعمت انها المكان الحصري الذي تعرف الله وتروج له، ولا يمكن العبادة او التقرب والعبور له الا عن طريقهم .

 في عالمنا الاسلامي ضاع الله بين عنجهية فقيه لا يرى الا نفسه وحاشيته ومن يتبعه وبين عامية الاشخاص الذين يخافون من اي سؤال، سؤال لا يُجاب عليه لكنه سيشكل غضب زبانية المؤسسة الدينية وحنق الفقيه .

كم من الاسئلة القلقة والجادة التي تناقش بها الناس بدون معرفة  وبعدما قرروا ارسال هذه الاسئلة الى العارف الفقيه، أهملت أسئلتهم وألقيت في سلة المهملات ومع ذلك لم يشكل صمت الفقيه او إهمال اسئلة الناس ورميها والاستخفاف بها أي هاجس من المراجعة لمسيرة تلك المؤسسات التي تدعي الدعوة والقرب من الله، بالوقت نفسه هي تسرق وتغش وتدفع بالمساكين الى الموت متسترة باسم الله ! .

اذن نحن بحاجة ماسة لمراجعة فعلية فردية غير تواكلية، لكي نبحث عن الخلل الذي طوق بلادنا الاسلامية خاصة، نبحث عن الله أهو كلي أم جزئي ؟ هل فعلاً ان الله يحتاج الى وسيط  والى رجال ومؤسسات متخومة ؟... يلحق . 

 

مصطفى العمري

 

fatehi alhabowbi"إن التحوّل الحضاري لا يتمّ على يد بطل، أو حاكم، ولكنّه يتمّ على يد الحكمة الجماعيّة، وهي من المصلحين وقادة الفكر"

هربرت سبنسر  مهندس وعالم إجتماع إنجليزي

رغم عظمة دور قادة الفكرّ الحرّ الذي تترجمه إسهاماتهم الإيجابيّة الفاعلة في التحوّلات الحضاريّة التي غيّرت وجه العالم نحو الأفضل، فإنّ محنة الكثير منهم، وعلى امتداد التاريخ، تحاكي ولا تختلف في قساوتها عن إحدى أهمّ القصص في الميثولوجيا الإغريقيّة التي تحدّثت عن "بروميثوس"/البعيد النظر (Prométhée)، وهو أحد الحكماء القادرين على التنبّؤ بالمستقبل والمحبّين للبشر،على خلاف الملك "زيوس"( Zeus)  المجنون بالسلطه والعظمه والمحتقر للمعرفة والفكر. ومن فرط حبّه للبشر سرق"بروميثوس" من الآلهة قبسا من النّار- التي هي رمز للفكر الوقّاد- وإهداه للبشر ليتزوّدوا منه بالمعرفة والفكر، بما قد يجعلهم  لايدينون للملك زيوس بالولاء اللّامشروط . لأجل ذلك حكم عليه "زيوس" بأن يتمّ ربطه إلى إحدى صخور القوقاز فتآكل النسور كبده في محنة يوميّة متجدّدة، وذلك بعد أن تتشكّل له كبد أخرى في الليلة الموالية.

في سياق متّصل بهذه الأسطورة الإغريقيّة متعدّدة المضامين والدلالات، كثيرا ما تساءلت عن سرّ العلاقة العدائيّة والمتشنّجة التي كثيرا ما طبعت التواصل ما بين المفكّرين والعلماء والأدباء المسلمين، العرب منهم وغير العرب، وبين الحكّام والشيوخ الفقهاء والأصوليين على مدى تاريخ الحضارة الإسلامية. وهي العلاقة التي تكاد تكون رهابا. كما أنّها تتماهى في حدّة عدائيتها بعلاقة الحداثيين بالإسلاميين التي نعايشها اليوم ونلمس تجلّياتها في التجاذبات السياسية والخطابات المتشنّجة والناريّة لهذا الطرف أو ذاك في كافة أرجاء الوطن العربي دون استثناء. لا سيّما بعد وصول الإسلاميين إثر إندلاع الثورات العربيّة، إن عن طريق الإقتراع أو عن طريق السلاح، إلى سدّة الحكم، في كلّ من تونس، المغرب، الأردن، ليبيا ومصر.

وما يمكن استقراؤه تاريخيّا، كإجابة جزئيّة على هذا التساؤل الحارق وربّما المأزقي، القديم المتجدّد في حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، خلافا للحضارة المسيحيّة التي حسمت هذه العلاقة-منذ قرون- لفائدة العلماء، هو أن اختلاط الديني بالدنيوي إبّان الخلافات، الراشدة وغير الراشدة، جعل رجل الدّين، بما له، في الماضي البعيد، من سلطة سياسيّة أو نفوذ في دوائرها العليا، يحاول محاصرة المفكّر والعالم، في غير العلوم الدينيّة، والتضييق عليهما فيما يشبه الإحتكار لسلطة إقرار المعرفة ومصادرتها إن هي خرجت عن دائرة اليقينيات التي يسلّم بها الفقيه ولا يقبل حتّى مجرّد التشكيك فيها. وهي التي لا تزعزعها المجادلات الفكريّة الخالصة المتعدّدة الأبعاد والمتمرّدة أبدا على الشكل المسطّح ذو البعد اليقيني الواحد الذي يرومه الفقيه ولا يقبل ضمنه غير اليقين وامتلاك الحقيقة القطعيّة والنهائيّة. وهو البعد الذي يغيب وينعدم فيه الحضور المتعدّد للمسالة الواحدة صوابا وخطأ.

غير أنّ المفكّرين العرب والمسلمين عموما، وفي سياق وعيهم بالحريّة وتوقهم إلى تنسّم عبقها وممارسة الفكر الحرّ بوصفه تبدّيا لها، كانوا بقدر ما تمتدّ حريتهم على مساحة واسعة بقدر ما يكتسب فكرهم دفقا ووهجا علميّا، بل ورؤية موضوعية فلسفيّة للموضوع الذي يشتغلون عليه. ممّا قد يجعل أفكارهم متقدّمة على أزمنتها، أو يكون منجزهم، إبداعا مغايرا وجديدا أو لعلّه فتحا علميّا مدويّا، يكاد أحيانا أن يغيّر وجه العالم ويعصف بالمسلّمات لتنقلب رأسا على عقب. وهو ما كاد يبلغه ابن الشّاطر في علم الفلك، في خصوص دوران الأرض حول الشمس، قبل كوبرنيك بأكثر من قرن.

ولا تعني الجدّة هنا أن يكون الإنتاج الفكري- علما أو أدبا- لم يتطرّق إليه أحد فحسب، بل يعني كذلك -وهو الأهمّ – أنّ الموضوع أو الفكرة قد صيغت بشكل مغاير عن السائد. وفي هذا المضمار يقول أكبر الشعراء الألمان "غوته"Goethe: »ليس الشعراء الكبار شعراء كبارا لأنّهم، أتوا بأشياء جديدة، وإنّما هم شعراء كبار، لأنّهم أبرزوا الأشياء كما لو أنّها تظهر لأوّل مرة«. وهو ما يختلف مع المفهوم السائد للتجديد، من حيث هو تطوّر وليس إعادة قديم كان، وإنّما هو عمليّة خلق جديد لم يكن من قبل.

هذا النزوع الطبيعي إلى الحريّة عند الممارسة الفكريّة، لدى المفكّرين العرب والمسلمين المستنيرين، أدّى بهم في كثير من الأحيان إلى اجترائهم على اقتحام، المناطق المحرّمة، بما هي تجاوز لخطّ التماس لدى الفقهاء الذين يتسيّدون الجمود -وهي ليست بالضرورة كذلك من الناحيّة الشرعيّة ولكنّها الأصوليّة والظلاميّة المتشدّدة ذات التوجّهات التقليديّة المتكلّسة في تخلّفها ونظرتها للحياة.–. وهنا يحدث التصادم العنيف بين من يحمل فكرا مستنيرا يسنده فعل النقد ومن ينقله عن غيره بالحفظ الببّغائي والإجترار، دون فهم ولا تدقيق وتمحيص، ودون تحرّ علمي صارم، فيحدث التناحر والقطيعة والعداء ثم العقاب الشديد، الذي يكون دوما على حساب المفكّر أو العالم أو الشاعر والأديب. غير أنّه وإحقاقا للحقّ، وحتّى لا نغمط الفقهاء والشيوخ حقوقهم فأنّ هذا المفكّر الحرّ الذي نعنيه، كثيرا ما يكون هو ذاته فقيها أو قاضيا شرعيّا أو إماما عقلانيّا معتدلا غير متشدّد.

إنّ تاريخنا - للأسف- حافل بالأمثلة العديدة من الفصول السوداء ضدّ العلماء والمفكّرين. وسنكتفي في هذه العجالة بالتعرّض لبعضها فقط لضيق المجال أوّلا، وتجنّبا للجهاد من غير خصم، بتعبير الفقهاء،ثانيا، ودون إعتماد الترتيب التاريخي لحدوثها، ثالثا.

وأستهلّ ذلك بمحنة ابن رشد لأنّي أعتبره -عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهذا المفكّر الفذّ، الذي حفظ موطأ مالك ودرس الفقه والعقيدة كما يدرسها فقهاء عصره، ودرس الفلسفة بعمق ممّا جعله يشرح كل التراث الأرسطي العظيم بما جعل فكره مهيمنا على برامج الجامعات في أوروبا القرون الوسطى وحتّى نهاية القرن السادس عشر. حتّى أنّ الفيلسوف الإيطالي "بيترو بمبوناتسي"(Pietro Pomponazzi) أسّس مدرسة عرفت باسم "المدرسة الأرسطيّة الرشديّة، إضافة إلى ورود اسمه(في الجحيم) في الكوميديا الإلهيّة ل"دانتي" (Divine comédie de Dante) مع زمرة من الفلاسفة العظماء الذين إمّا أنّ المسيحيّة لم تدركهم أو أنّهم لم يعتنقوها.

ورغم أنّ ابن رشد الذي يقول إنّ الحقّ لا يضاد الحقّ بل يوافقه ويشهد له، ويرى أنّ الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، ولا يرى تعارضا بين الدين والفلسفة، فإنّه اتّهم من قبل شيوخ الفقه بالأندلس في عهد ملوك الطوائف، بالكفر والإلحاد، وحرقت كتبه وجميع مؤلّفاته الفلسفيّة كما منع من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ. ثمّ أبعد وهو شيخ في السبعين من عمره إلى قرية "الليسانة " بالمغرب التي كان أغلب سكانها من اليهود فعاش فيها معزولاً وتوفّي بها غريبا. وهذا دليل صارخ على غربة المفكّر بين أهله وذويه في الدول المتخلّفة التي تعادي العلم والفكر الحرّ، في الوقت الذي يسعى فيه الغرب إلى تثمينه وتنميته. يقول "  برتراند راسل"  (Bertrand Russell)في هذا السياق: »لو كان الأمر بيدي لعرضت على عقول الأطفال أكثر الآراء تباينا حتّى أنمّي عندهم ملكة النقد«   . وبديهي أنّ أهميّة العقل النقدي اليوم وحاجتنا إليه لا تحتاج إلى دليل، بعد أن منحنا عقولنا إجازة مفتوحة منذ عصر المماليك الشراكسة، فما زادتنا إلّا خمولاً وسباتاً وانتكاساً وانكفاءً. بما جعلنا نسير، منذ قرون، بعكس اتّجاه الحضارة، وندفع بمجتمعنا إلى هاوية من الظلام والتخلّف لا قرار لها.

 ولعلّ ما حدث لإبن رشد يذكّرنا بقرار اللعنة الذي صدر ضد المفكر الهولندي اسبينوزا، وقد جاء فيه**

(بقرار الملائكة وحكم القديسين نحرم ونلعن وننبذ ونصبّ دعاءنا على باروخ اسبينوزا.. وليكن مغضوباً وملعونا، نهارا وليلا وفي نومه وصبحه، ملعونا في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله، ونرجو الله أن لا يشمله بعفوه أبدا، وأن ينزل عليه غضب الله وسخطه دائما.. وأن لايتحدّث معه أحدا بكلمة، أو يتّصل به كتابة، وأن لايقدّم له أحد مساعدة أو معروفا، وأن لايعيش معه أحد تحت سقف واحد، وأن لايقترب منه أحد على مسافة أربعة أذرع، وأن لايقرأ أحد شيئا جرى به قلمه أو أملاه لسانه).

أمّا المثال الثاني فيتعلّق بالكاتب الفارسي "روزبه بن دادوبيه" الذي عرف بعد إسلامه بعبد الله إبن المقفّع وتكنّى بأبي محمّد. وتميّز بجمعه بين الثقافة العربيّة والفارسيّة واليونانيّة والهنديّة وأظهر عيوب النُّظُم الإداريّة في عصره وفضّل النظم الإداريّة الفارسيّة عليها. وقد خلّف لنا، علاوة على أقواله الدّالة على  تديّنه الشديد، آثارا كثيرة منها كتاب "كليلة ودمنة" منقولا عن الهنديّة، الذي يشهد له على سعة عقله وعبقريّته بما حواه من الحكم على لسان الحيوان، ما جعله صاحب المدرسة الرائدة في النثر.

إلّا أنّه، ورغم اختلاف الروايات، فإنّه  سواء بسبب كتابته لوثيقة سمّاها رسالة الصحابة وأبدى فيها رأيه في إصلاح الحكم أو  لكتابته ميثاق الأمان بين الخليفة "أبو جعفر المنصور" وعمّه المتخاصم معه الذي انحاز إليه إبن المقفّع،  فقد أغاظ المنصور فامر بقتله. وممّا جاء في هذا االميثاق: » إذا أخلّ المنصور بشرط من شروط الأمان كانت نساؤه طوالق، وكان النّاس في حلّ من بيعته«،. يقول إبن خلّكان متحدّثا عن ذلك، إنّه لمّا ألقى عليه القبضَ سفيان بن معاوية والي البصرة، قال له:  » أنشدك الله أيّها الأمير في نفسي. فقال أمّي مغتلمة* (أي عاهرة) إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، وأمر بتنّور فسجر، ثم أمر بابن المقفّع فقطعت أطرافه عضواً عضواً، وهو يلقيها في التنّور وينظر حتّى أتى على جميع جسده، ثمّ أطبق عليه التنّور وقال: ليس عليّ في المثلة بك حرج لأنّك زنديق وقد أفسدت النّاس«. وفي رواية أخرى قيل إنّه أكره على أكل جسده مشويًا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين.

و أمّا المثال الثالث فيتعلّق بالطبيب الفيلسوف الرازي الذي يعتبر الطبيب الأوّل في التّاريخ الذي أوجد "التدوين السريري" في تاريخ الطب في العالم. وقد اعترف الغربيّون بفضله على الطب وأشادوا به في غير كتاب على أنّه فصل رائع من فصول الطبّ العربي الإسلامي والعالمي. إلّا أنّه أتّهم بالكفر من قبل الغزالي في كتاب "تهافت الفلاسفة"، وضربه منصور بن نوح أحد ملوك السامانيّة على رأسه بكتاب في الكيمياء وضعه الرازي بطلب منه، إلى أن تقطّع، وهو ما سبّب له نزول الماء في عينيه. وسبب ذلك أنّ الرازي، لم يكن باستطاعته وضع النظريات الواردة في الكتاب موضع التجربة كما أراد ذلك منصور بن نوح الذي أعتبر الكتاب، عندئذ، مجرّد كذب يستوجب العقاب الشديد.

نكتفي بهذه الأمثلة التي توسّعنا فيها، وهي ليست إلا غيض من فيض، ونمرّ  سريعا على بعض الأمثلة الأخرى  دون أن نتوقّف عندها طويلا،  حيث أنّنا إن ننسى فلا ننسى محنة كل من سفيان الثوري الذي عاش مطاردا زهاء السنة، وحسن البصري الذي كاد يعدمه الحاج بن يوسف، والإمام مالك الذي جرّد من ثيابه وضرب بالسياط حتّى انخلعت كتفه، والإمام أحمد بن حنبل الذي قيّد بالأغلال وكان يُضرَب ضرباً مبرحاً حتّى يغشى عليه ثمّ يتجدّد ضربه في اليوم الموالي. وجمال الدين الأفغاني الذي أتّهم بالكفر وهاجمه الوعّاظ وأئمّة المساجد حتّى اضطرّ إلى مغادرة الأستانة . وعبد الرحمان الكواكبي الذي قال » إنّ الاستبداد محنة للعقل والأخلاق« فعانى مضايقات عديدة من السلطة العثمانية وعلي عبد الرازق، صاحب الكتاب الشهير "نظام الحكم في الإسلام" الذي أنتزعت منه شهادته العلميّة واوقفوا عنه راتبه، وناصر حامد أبو زيد الذي اعتبر مرتدّا عن الإسلام وطلّقوا زوجته منه فاضطرّ إلى اللجوء معها إلى هولندا... ومازالت القائمة طويلة  بل وطويلة جدّا من المفكّرين الاجلّاء الذين لا حقهم سيف "ديموكلاس"، فيما كان من المفترض إيلاؤهم التبجيل والتقدير الذي يستحقّون وليس التحقير والمطاردة والإهانة والتعذيب من قبل الجهلة الذين يناصبونهم العداء. ولكنّ الذي لا جدال حوله ولا يختلف فيه إثنان، هو أنّ هذه المحن لا تعيب هؤلاء بل تزيدهم إجلالا في عيون النّاس فيما تسبّب  التحقير والسخريّة ممّن بطش بهم. ولعلّ ذلك ما عبّر عنه الإمام الشافعي، وهو أحد المتضرّرين من سطوة  السلطة والسلطان، بقوله :

لا تأسفنّ على غدر الزمان لطالما... رقصت على جثث الأسود كلاب

لا تحسبنّ برقصها تعلو على أسيادها... تبقى الأسود أسودا والكلاب كلاب

تموت الأسود في الغابات جوعا ... ولحم الضان تأكله الكلاب

وذو جهل قد ينام على حرير ... وذو علم مفارشه التراب

 

..............................

* يقال أنّ ابن المقفّع شتم سفيان ابن معاوية قبل أن يغضب عليه الخليفة أبو المنصور وقال له يا "ابن المغتلمة" أي يا ابن الفاجرة. وهو ما جعله حانقا عليه ينتظر فرصة الانتقام منه

** من كتاب (قصة الفلسفة) ويل ديورانت

 

mustafa alomariكلمة الدين هي المفردة الاستثنائية التي تحيلك بلا شعور الى الايمان، ايمان يستدعي الغيب والتخفي مع بعض الممارسات الطقوسية التي تحاول جلب استقرار خفي للنفس، في ذات الوقت تحيلك كلمة الدين الى الإطمئنان والسكينة والانفراد باستنشاق نسيم يصعب على من يجاروك استنشاقه . عاشت معظم المجتمعات العالمية على ذلك النسيم غير المرئي، النسيم الديني، رغم اختلاف الاديان وتباعد نصوصها وتشعب محاور التدين فيها لكنها بقيت (الاديان) متمسكة بطابع عام، انها تريد الخير والامان والاستقرار للعالم أجمع . والحقيقة ان الديانات الالهية رسالة كبيرة مفادها خدمة الانسان والحفاظ على ديمومته واستقراره، مع محاولة كبيرة للرفع من مستواه العلمي والفكري، لذلك تجد الإلحاح الالهي للمطالبة في مسألة التفكر في الخالق والطبيعة والانسان والموجودات عامة .

الإلحاح الالهي للحث على استخدام العقل والعلم، يستقبله إعتراض بشري من أُناس يدّعون القرب من الله خالق الخلق، غاية هؤلاء المدّعون القرب من الله، هو التشويش والعطب في ذهنية الناس ان الله جزئي ومتحزب، إيهامهم ان الدين الحق هو الذي عليه انت وليس الذي يعتنقه غيرك .

... قلتُ ان غاية الاديان الالهية، هي لمصلحة الانسان وخدمته والحفاظ عليه، أما ما دون ذلك فهو تشريع بشري اودى في بعض تفاصيله الى انهيار اخلاقي فتاك لبس ثوب الدين .

يصّر معظم رجال الدين (يهود، مسيحيين، مسلمين) على ان الدين المنجي والمخلص للبشرية هو الدين الذي يعتنقه المنتمي لدينهم فقط، اليهودي زعم ان دينه المنجي والمخلص فقط وتلك الدعوة شاطره بها المسيحيين والمسلمين، لا مجال ولا خيار أمام خلق الله الاخرين لدخول الجنة او الشمول برحمة ربانية إلا باعتناق دين واحد فقط هو دينهم الذي وجدوا عليه ابائهم . في قياسات رجل الدين المسيحي ان الله خلق مخلص واحد وجنة واحدة ووضع هذا الخلاص في دين واحد ايضاً الذي ينأى عن ذلك الدين ويبتعد فنهايته محتومة الى جهنم وبئس المصير ولن يستنشق عبير الجنة او يتلذذ بمميزاتها الاستثنائية من يرفض دعوة الخلاص تكون هذه نهايته الحتمية ! .

قبل أيام دار حديث بيني وبين أحد رجال الدين المسيحيين (مبشر معروف) قلت له هل سادخل الجنة وأنا مسلم ؟ ... تململ قليلاً وبجواب فيه قدر من الإستحياء لأنه سوف يطردني من الجنة، ذنبي ان الله خلقني مسلم ! وميزته ان نفس الخالق خلقه مسيحي ! قال في جوابه النهائي للأسف لن تدخل الجنة ! هو يعتقد بكونية وشمولية الدين المسيحي، اي يجب ان تعتنق الانسانية جميعاً نفس الدين .

الحال عند رجال الدين المسلمين ليس اسهل مراناً بل هو أعقد بأساً واشد وطأة، كل البشرية ستخلّد في نار جهنم الا المسلمون فهم يتمتعون بحوريات وانهار من خمر جزاءً من الله لأختيارهم الاسلام كدين الله الخاتم !

منهم من يستند الى بعض الاحاديث التي تقول سيكون على باب الجنة فلان الصحابي وبيده سوط لا يستطيع ان يدخل الجنة اي شخص الا بعد ان يأذن لك صاحبنا (الصحابي) أي لا يستطيع المرور الا من انتمى الى نفس المذهب والمذهب فقط، يجب ان تنتبهوا الى كلمة فقط ..

يسأل احد الاشخاص عبر احدى الفضائيات، يسأل رجل دين: شيخنا ماذا سيصنع الله بالاشخاص الذين افادوا البشرية وخدموها، مثل (توماس اديسون) مخترع الكهرباء و(ألكسندر جراهام بيل) مخترع التلفون وعموم الذين صنعوا الطب الحديث والمواصلات والتكنلوجيا؟ أجاب الشيخ وهو يبتسم لعظمة الجواب السمح قال نعم هؤلاء خدموا البشرية جميعاً ولذلك حسب النصوص التي عندنا هم يختلفون عن بقية الناس غير المسلمين، ما هذا الاختلاف يا شيخ؟ قال سيضعهم الله في ضح ضاح من نار! (نار اقل حرارة من نار جهنم) بعض رجال الدين المسلمين يعتقدون بكونية الاسلام ويجب ان يسود الدين الاسلامي جميع ربوع الكرة الارضية ولأجل تلك السيادة الكونية العالمية يجب ان نضحي بالنفوس والاموال ونقاتل الى اخر قطرة لكي ننتصر لدين الله . (داعش إنموذجاً)

في اليهودية هناك شيئاً مختلفاً حيث هناك دعاية لكن بدون دعوة، الدعاية مفادها انهم شعب الله المختار وان الله ميزهم عن باقي الامم والشعوب وارتقى بهم وبلونهم ودمهم . لهذا السبب ليس عندهم دعوة لإنقاذ البشرية دعوة للناس لكي تنتمي لليهودية .

من خلال هذا العرض نستطيع ان نتساءل مع الخالق ومع المخلوق الواعي، الذي وهبه الله أفقاً ممدوداً حتى يتسنى له رؤية المختلف والمؤتلف فيقارن ويبحث ويجدد وبإمكانية العقل الذي وهبه الله ثم قال تفكروا وتدبروا، تساؤل غير مشروط ولا مقيد منفتح وجريء، لانه مع الخالق وليس مع المخلوق، الخالق ليس كما حاول أرباب الدين وصفه وتبيان طبائعه الموغلة بالشدة والقسوة والتعذيب او كما يصوره الاخرين من انه مشبع بانانية مستفحلة تطلب منك الانصياع والانصياع فقط وتلزمك بتغيير بوصلة معرفتك الاولية البيئية التلقينية الى حيث تفكيره وموروثه الديني البيئي، وكأن الله غير قادر ولا يستطيع ان يخلق الناس امة واحدة ليأتي البشر ليجعلوا من إمكانياتهم فوق امكانيات الله ليجعلوا الناس امة واحدة !.

يقترح ابن رشد المولود عام 1126م لكيفية التعامل مع الخطاب الديني فيقول : ان الخطاب الديني هو دوماً على وفاق مع ما يقرره العقل أما بدلالته الظاهرة وأما بالتاويل .

كما ينظرعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا إلى الدين على أنه مجموعة من الأفكار المجردة، والقيم أو التجارب القادمة من رحم الثقافة.

يجوز لنا ان نسأل الان ومن رحم ثقافتنا البيئية وبعقل منفتح على الجميع وبأسئلة ربما داهمت بعض العقول الواعية لكنها اصتدمت بصخرة الخوف من التكفير والتشهير او تجنب الخوض بمثل هذه القضايا لئلا ان تزل بنا القدم فنسقط في نار جهنم !

السؤال الذي يمر بالذهن ويتموضع ويستقر بداخله دون الكشف عنه او البحث فيه، سيجعل منك مشتت مشدوه وستجري بك عربة الحياة وانت غافل سرحان، الحذر ان تنقلب بك الموازين فيتدفق منك الوعي متأخراً ويرجع بك الكبت مقلوباً فتهجر كل الارض وتغادر كل البيئة لكن بعد فوات الاوان . السؤال هو المادة المباحة بالمطلق في هذا الكون، السؤال هو العربة التي استطيع ان استقلها لكي توصلني الى الجانب الاكثر أمناً واستقراراً . البوح هو كسر الخوف والاتجاه نحو التقدم، الكبت إذلال نفسي يسحق الشخص من الداخل فيحيله الى رماد.

 

مصطفى العمري

 

nabil ahmadalamirحينما تغيب مظاهر التجديد والتغيير والإبداع في المجتمعات، وتسود فيها مظاهر الرتابة والتعصب والجمود، والتغني بأمجاد الأجداد والأسلاف، ورفض الخروج عن مألوف الفكر والثقافة والسلوك ...

وحين لايمكن الإعتراض على أوامر وتوجيهات ماتسمّى بالقيادات ووجوب الإنصياع لها دون إعتراض ...

وحين يجب اللجوء والركون والإذعان للفكرة والرأي السائد في المحيط الذي ينتمون ويعيشون فيه، ويشعرون في ذلك الانتماء والتبني والخضوع براحة بال وطمأنينة نفس . .

وحين يكون الحال مجرد مهرب من مواجهة الواقع والحياة، أو هو تلحّف بالدفء الذي قد يوفره إلغاء حال التفكير الفردي والإحالة والإلقاء بأعباء مسؤولية مهمة التفكير على آخرين ليقوموا بالتفكير والتوجيه نيابة عنه، ويرسموا تفاصيل حياتهم، ويحددوا الواقع والخيارات ..

يكون المجتمع وأفراده قد تبنّوا مبدأ الصنمية الفكرية .. وأصبحوا أسرى لفكر متوقف لايقبل التجدد والتطور .. وهنا المشكلة التي يستوجب الوقوف عندها لحل أو لحلحلة هذا الجمود .

 

وهذا المسار والممارسة الجماعية اللاواعية نجده نتيجة الجهل وغياب الوعي المجتمعي، وهو من أبرز مظاهر التخلف والتراجع والتسلط في مجتمعاتنا، وكذلك الكثير من أزماتنا في الماضي والحاضر كان وراءها ذلك الجمود والتقليد .

إن من أهم أعراض هذا المرض اعتبار أنه ليس من حق الأفراد العاديين أن يفكروا، أو يستخدموا عقولهم، إذ كل ما عليهم هو مجرد السماع والتلقي، ومن ثم اعتبار أن رأي من يتم التلقي عنه أياً كان هو"الرأي الحاسم"الذي يجب العمل به في هذه المسألة أو تلك، والاعتراض هنا مرفوض، لأنه لا يجوز لأحد في أعراف الأمراض الصنمية الرد عليها أو انتقادها أو مناقشتها برأي يخالفها .

وأن أخطاءهم أو زلاتهم يتعين تبريرها والتهوين من شأنها، فهم يضيقون ذرعاً بكل من يمرق عن المألوف أو السائد، فهم لايريدون أن يفكروا ولا يسمحوا حتى لغيرهم بالتفكير، ولك أن تعجب كل العجب من أولئك الأتباع والمنافحين عن مدى تحفزهم للانقضاض على المخالفين، والحماسة التي يبديها الكثيرون منهم في إسكات وقمع كل مخالف، ظناً منهم أنهم إنما يدافعون عن الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبضاعتهم غالباً ليست من خلال طرح رأي أو فكرة يتم تناولها وإثبات صحتها والرد على المخالف بالحجة والبرهان وإنما يكون ذلك بالسباب والشتيمة والاتهام والتخوين والتضليل في صورة تعبر عن حجم ومدى الخضوع والإقصاء.

إننا بحاجة ماسة إلى ترويض وتعويد أنفسنا على طرح التساؤل تجاه المألوفات، وما اعتدنا عليه في حياتنا والبحث عن البدائل الأخرى الممكنة لتحقيق نتائج أفضل، فالتعود على إثارة التساؤل هي خطوة مهمة في عملية الخروج من حال الجمود والتقليد الأعمى والدفع نحو الإبداع والتجديد، وفتح آفاق أوسع وزوايا جديدة للنظر، حتى لا يقتل لدينا الاعتياد من حولنا نعمة التفكير والتأمل .

نحن نشأنا في مجتمعاتنا فوجدنا أوضاعاً قائمةً فتعايشنا معها، دينية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو تعليمية وغير ذلك من دون أن نفكر ونتساءل هل نحن ملزمون بإبقاء تلك الأوضاع من حولنا على ما هي عليه؟ وهل هذه الأوضاع قادرة على التأقلم مع المتغيرات اامتجددة من حولنا، أم هي متأخرة ومتخلفة عنها بكثير؟ وهل من حق كل فرد أن يبدي رأيه فيها؟ لذلك مطلوب منا جميعاً أن نترك مساحة كبيرة بحجم استيعاب العقل للتفكر والتأمل بعيداً من منطق التمجيد والتصنيم لكل الآراء ووجهات النظر، وضرورة تعريض تلك الآراء والتصورات تحت أضواء العقل وفي ميزان النقد، وأن لا نجمّد عقولنا أو نسمح للآخرين دائماً أن يفكروا ويقرروا عنا، فهم بذلك يسلبون حريتنا ونبقى بعقول خارج نطاق الخدمة .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

لا أريد هنا كتابة أو تحرير مسألة فقهية حول نبش القبور من وجهة نظر فقهية ولكن ما أريد الحديث عنه هو عملية نبش القبور الفكرية التاريخية .

من المعلوم أن لكل مرحلة تعيشها الأمة تفاصيل وأحداث كثيرة ومواقف متداخلة بحيث لا نستطيع بسهولة حصرها ووضعها ضمن إطار واحد، وبالتالي فإن التعامل مع المسائل التاريخية يحتاج إلى منهج محدد من قبل مفكرينا وعلمائنا .

ما نراه اليوم على الساحة أن كل من يتناول المسائل التاريخية الخاصة بالخلاف المذهبي لا يتناول هذه المسائل بالشكل الذي يريد به منفعة الأمة بل ليصب زيتا على نار متقدة مع الأسف، وبالتالي فهو كمن ينبش قبرا، ولما كان ينتج بهذا العمل إهانة للتاريخ الإسلامي وتدمير للواقع الحاضر حيث إنه لا يزيد واقع الأمة إلا تمزقا وتشرذما وتفرقا، ونحن نعلم أنه كلما ازداد واقع المسلمين تدهورا فإن ذلك يعني في نظر الآخرين تحول نظرتهم إلى نظرة سلبية تجاه الإسلام ورجالاته الأوائل، ويبدأون بأخذ مواقف متشددة تجاه الإسلام الذي يتهمونه أنه وراء كل التخلف الذي يصيب الواقع والمجتمعات الإسلامية اليوم، أي أن نبش القبر هنا ليس لفرد واحد لإهانته مما هو محرم في شريعتنا بل هو نبش لأجل إهانة دين وأمة بأسرها، فإذا كان الأول محرما قطعا فكيف بنا بالنبش الثاني الذي يمكن أن أقول هنا إن فاعله مفسد وظالم لنفسه وأمته ومن الذين وصفهم الله تعالى بأنهم بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.

إذن كيف نتعامل مع التاريخ وكيف نقرأه؟ سؤال يحتاج دائما إلى وضع منهج أولي قبل الولوج في العمل، خصوصا لمن يريد أن ينفع الناس ويخدم دينه وأمته ولا يريد أن يصبح من نبشة القبور .

أستطيع هنا أن أضع مناهج أولية وخطوطا عريضة للتعامل مع الموضوعة التاريخية التي تمس صلب القضايا الخلافية .

1. عدم التعرض للمسائل التاريخية إلا في ضوء الحاجة فقط، وفقط، إذ إن من أكبر المآسي التي نعيشها اليوم أن كل من يتعرض لمسألة الكتابة فإنه يركز على التاريخ ويتحدث عن التاريخ ويفصل في التاريخ، ويضع قارئيه في أجواء تاريخية، هؤلاء الكتاب يتحملون جزءا من مسؤولية تحويل امتنا إلى أمة تتحدث في التاريخ فقط، وتستأكل بالتاريخ، وتركز على التاريخ فقط، حتى أصبح ليس لها سوى التاريخ، حتى عندما يتحدثون عن قضايا معاصرة فإنهم يفردون الجزء الأكبر من كتاباتهم للتاريخ، وعندما يريدون الاستدلال على مسألة ما فإن الأساس عندهم هو التاريخ، وعندما يريدون التأسيس لموقف ما فإنهم يطلبون التأسي بالموقف التاريخي فقط . إننا هنا لسنا بضد استخدام وتوظيف الموقف التاريخي الحسن لتنمية أخلاق وعادات المجتمع، ولكن ما نريد التنبيه له هو أن استمرار وكثرة الحديث في القضايا التاريخية ينعكس في ذهن أبناء المجتمع بصورة خلق أجواء تصورية وتخيلية تجعل الناس يعيشون في أجواء تاريخية فقط، وتجعلهم في كثير من الأحيان ينسون الحاضر وضرورة العمل للحاضر، وتجعلهم ينسون أن الحاضر عادات وطبائع وحاجات وملابسات تختلف بشكل كبير عن الماضي، وأن الماضي ليس لنا منه إلا العبرة . بعض الفلاسفة الأوربيين يقولون إن العالم هو فكرتي، أي كما هو تفكير الإنسان، وقل تفكير المجتمع، فإن صورة الحياة ومدى التقدم والتطور يتحقق وينعكس من ذلك التفكير، وإذا كان كل تفكير المجتمع هو أحداث وأجواء الماضي فإنه سينتج واقعا هو أقرب لملامح الماضي، والحال أن الأمم اليوم تتسابق في إنتاج ما هو جديد وعصري يتلاءم مع الحاجات المعاصرة للفرد والمجتمع، إذن ما أقصده هنا هو أننا يجب أن لا نذهب للماضي في كل صغيرة وكبيرة بل نتحدث عن الماضي بقدر الحاجة فقط .

2. التقديس الأعمى لشخوص التاريخ هو شئ يجب أن نبتعد عنه ونتوخى الحذر في تعظيم هذا وتقديس ذاك، أي أن أي باحث منصف يتوخى دائما المنطقية والعقلانية في الطرح، ولكي يكون طرحه منطقيا فإن منهج التقديس للشخص هو شئ ضار بتلك المنطقية والعقلانية . أن المنطقية تفرض أن معالجة القضية التاريخية يتطلب النظر الى كل الآراء المطروحة حول شخص أو موقف ما، فعندما يرى الكاتب الذي ينتمي الى مذهب فكري معين قدسية شخصية معينة يأخذ عليها الآخرون مثالب معينة فإن عليه أن يأخذ كل الآراء ويعدلها بالشكل الذي ينتج رأيا منطقيا بما يؤدي الى تعليم الناس أن يأخذوا بالعقلانية في كل الأمور. أن من شأن ذلك أيضا أن يعلم الناس أن أولئك خلدوا ليس لأنهم عاشوا في الماضي فقط فكم من الناس عاش في الماضي أيضا، بل لأنهم نهضوا بأعمال عظيمة، ولا لأنهم ينتمون الى مذهب معين بل لأنهم خدموا الناس والدين ككل . ويعلم الناس أيضا أن دراسة هذه الشخصية أو تلك ليس الغرض منه تعظيم هذه الشخصية التاريخية، فالموتى إنما هم في ذمة الله تعالى وهم بأعمالهم الخيرة إنما هم في جنان الله تعالى بحسب عقائدنا، وإنما الهدف هو الناس المعاصرين بما نوضح لهم الطريق ونسهل لهم المسير نحو العمل الصالح الذي يعز الأمة الإسلامية وينصر المظلومين ويحق الحق . ويعلم الناس أن الهدف من الدين والكتابات الدينية هو خدمة الناس وإعزاز دولهم وإشباع حاجاتهم الدينية والدنيوية وليس خدمة الشخصيات التاريخية، وبالتالي فإن ما يرفعه البعض من شعار الدفاع عن الشخصية التاريخية الفلانية ويستبيح على أساس ذلك هدر دماء الناس وسلب حقوقهم، إنما هو يؤذي المجتمع ويرتكب عملا محرما في نظر الشريعة السمحاء.

3. الابتعاد عن الذم والانتقاص من الشخصيات التاريخية بناء على افتراض مواقف خاطئة لها . عمليا نحن لا نحتاج الى إعادة ذكر المواقف السلبية لأي شخصية تاريخية، ولو احتجنا لذلك لسبب أو آخر فإننا نستطيع ذكر خطأ ذلك الموقف أو الحالة وانتهى الأمر، أما التأسيس على ذلك بذم أو نقد وتجريح فإن ذلك لم ولن ينفع قضية الوحدة الإسلامية التي هي مطلب وحاجة ملحة للمجتمع الإسلامي اليوم . إن أي مذهب من المذاهب الموجودة على الساحة الإسلامية اليوم يحمل كثيرا من الأفكار البناءة التي لم تطبق الى اليوم، وتحتاج الى أن تنزل الى الساحة، ولكن المشكلة أن هذا المذهب أو الطائفة التي تحمل هكذا أفكار يقوم أتباعها بإهانة شخوص الأخرى وهكذا، أي أن هناك حاجزا نفسيا لدى أتباع أي مذهب تجاه الآخرين بسبب حملات الانتقاص والإهانة لشخوص الطوائف الأخرى، وبالتالي فلو أن أي من المذاهب تريد نشر أفكارها الحقة فإن أدنى منطق علمي يقول بوجوب احترام أفكار الآخرين وتقدير ميلهم ومحبتهم لبعض الشخوص التاريخية وإنه لكي تصل الفكرة التي يراد بثها في أوساط عموم الأمة الإسلامية لتنتفع منها فإنه يجب احترام شخوص كل فرد من شخوص التاريخ .

دعونا نضرب هنا أمثلة تطبيقية على ذلك ومن الطرفين لكي يكون الكلام منصفا:

المثال الأول: البداء نظرية قالت بها الإمامية اعتمادا على مرويات الأئمة عليهم السلام واستدلوا بآيات وروايات كثيرة، ومعناها أن ما يبدوا للإنسان أنه قضاء محتوما لا يمكن تغييره هو ليس كذلك، بل أن الأقدار وإن كانت بيد الله تعالى إلا أن الإنسان يملك تغيرها بما أعطاه الله تعالى من إرادة بحيث سمح له التصرف بكل ما يتعلق بشؤونه الخاصة والعامة، بحيث إنه هو الذي يصنع مقاديره وهو الذي يخط لوح قضائه وقدره بما يقدم من أعمال وبما يتخذ من مواقف، وهكذا يتشجع الإنسان لصنع حياة أفضل على الدوام، ولكن هذه النظرية لم ينتفع منها المسلمون بسبب هيمنة الحرب الكلامية والاتهامات والاتهامات المضادة حتى أن بعض من يؤمن بها لا يدرك حتى معناها بسبب ترك المسلمين لها وانشغالهم إما بتشويهها وتكفير من يؤمن بها أو الدفاع عنها وإثباتها، أما دراستها وترسيخ معناها في أذهان الناس فلم نر ذلك، وبدلا من أن يعتنق الناس هذا المعنى ويتعلموا أنهم هم المسؤولون عن لوح القضاء والقدر، يكتبونه بأعمالهم ومواقفهم وسياساتهم فيشرعوا على أساس ذلك بالعمل والجهاد والصبر والمداومة بالجد والاجتهاد للوصول الى بناء الحياة الكريمة غط الناس في غياهب الجهل تحت مقولات الجبر، والخضوع لحكام الجور تحت شعار عدم القدرة على تغيير المحتوم أو المكتوب، وراحوا يستسلمون لما اعتبروه قضاء مبرما عليهم لا يحول ولا يزول إلا إذا شاء الله ذلك وربما بالدعاء فقط، وهكذا فقدت الأمة الإسلامية قرونا طويلة في ظلمات لم تخرج منها إلا تحت سياط المستعمرين الجدد الذين نفضوا عنهم غبار الجبرية ونهضوا لبناء دولهم، والحق أن ذلك لم يكن ليحدث لولا الطائفية المذهبية والانتقاص المتبادل الذي أضاع علينا الكثير من الخيرات .

المثال الثاني: يخص قضية الشورى السياسية التي طرحت في مدرسة الصحابة كتأطير لمشروعية عملية انتقال السلطة، وعورضت هذه النظرية بمبدأ التعيين الذي طرحته مدرسة أهل البيت أو الإمامية وكان ذلك طبعا بوجود الأئمة الاثني عشر، وبقيت هذه النظرية تحت وقع الجدل المذهبي لا هي تطورت وتبلورت في جانب فقهاء مدرسة الصحابة ولا هي أخذت من قبل فقهاء أهل البيت، وحتى بعد انتهاء عصر الأئمة كان المفروض أن تكون هي المرجع ويبدأ الفقهاء والمفكرون الإسلاميون من الجانبين بالعمل لتأصيل تلك النظرية وتوضيح أبعادها ورسم خطوط عريضة لها ومن ثم تحديد تفاصيل وآليات مضبوطة فيها بحسب ما تحتاجه الأمة، ولكن أي من ذلك لم يحدث مع الأسف لأسباب عديدة أهمها الانشغال بسفاسف الجدل المذهبي والتركيز على قشور الآراء وحمى الانتصار للمذاهب فقط دون النظر والتعمق في الأفكار والطروحات للانتصار لخدمة المجتمع ككل .

الخلاصة من ذلك أن الابتعاد عن الضيق المذهبي والتطلع ودراسة أفكار الآخرين هي حاجة ملحة لأي أمة تريد أن تتطور وتنهض، وهناك عشرات الآيات والروايات الداعية لذلك في تراثنا الإسلامي، فإذا كنا لا نتأثر بكل هذه الإشارات القرآنية والسننية فلا أقل أن نتأثر بالمنطق العلمي والأخلاقي الذي يدعو أي إنسان لاحترام مشاعر الآخرين .

4. ثم إن المنهج العقلاني يقودنا أيضا الى التمحيص في مقولات الأقدمين الذين ورطوا أنفسهم في اتهامات وقدح وذم وتسفيه متبادل بين المذاهب، أي اتهموا مذاهب أخرى بغير ما فيها جريا على حمى التكفير المتبادل ثم أصبحت كلماتهم بعد ذلك دين يدان به، فيأتي فرد يعيش في القرن الواحد والعشرين الميلادي ليستدل بمقولة أحد علماء القرن العاشر أو الحادي عشر، والتي ذكر فيها تكفير الطائفة الفلانية ليستدل بذلك على قطعية تكفير تلك الطائفة، ولسانه يردد: سبحان الله، العالم الفلاني الفطحل النحرير علامة الإسلام أو شيخه أو ثقته، يقول بتكفير هؤلاء، ونحن نمد الجسور معهم ونتحدث عن التقريب بيننا وبينهم ؟؟ معاذ الله من ذلك وحاشا لله أن نخرج عن هؤلاء السلف (الصالح) . إن هكذا مقولات تكاد تكون شائعة في أوساط عامة الناس، ومن رحم هكذا مقولات تبرز وتنمو الحركات الطائفية التكفيرية وعلينا مناقشتها والرد عليها دائما، إنها مع الأسف تصب في خانة التقليد الأعمى لجماعات تعجز عن التفكر والتأمل فتلجأ الى استيراد نصوص الماضي من دون تأمل لتضعها موضع التطبيق في ساحة الحاضر، وهي بعد ذلك مقولات قيلت في زمنها اعتمادا على مشاهدات جزئية لفرد هنا أو مجموعة هناك فأطلق هذا الفرد مقولة تشمل طائفة كاملة من المسلمين، هكذا من دون تفحص أو نظر أو تقوى أو اكتراث لدماء الناس أو أعراضهم أو اهتمام لوحدة بلاد المسلمين ومنعتهم واستقلالهم .

إن لكل إنسان إيمانه الخاص وعقيدته الخاصة التي تختلف عادة عن الآخرين، فإذا كنت أنا أنتمي لطائفة معينة فإن هذا لا يعني أني أؤمن بكل رواية كتبها أحد علماء طائفتي، ولا بكل مقولة تبناها واحد من رجالات الطائفة، ولا أنا مسؤول عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها، ولا أي موقف يتخذه بعض شخوصها، وهكذا، فإننا مع الأسف لا ننظر للإنسان بما هو فرد مفكر يتأمل لحاله وله آراؤه وأفكاره الشخصية، ونتحاور ونتعامل مع الإنسان على هذا الأساس، بل أول ما ننظر إليه على أساس انتمائه الطائفي، ولعل السبب الأكبر لذلك هو تلكم المقولات التاريخية التي تحدثنا عنها، التي ورثناها عن بعض (رجال الدين) أطلقوها بطريق لاعلمي .

إذن إذا كنا نريد تصحيح كل ذلك فإن علينا أن نهجر ونسفه تلك المقولات اللاعلمية والتي فرقتنا وأوصلتنا الى الحضيض، وأن نبتعد عن هذا المنهج الذي قوامه : قالت السنة كذا وقالت الشيعة كذا وقالت الاباضية كذا و و، بل نقول هناك رأي يقول كذا ونرد عليه بالطريقة العلمية، فلو أن السلف من علمائنا أسسوا لهذه الطريقة لما تفرق الناس ولما توسعت الشقة بين الناس وأخذت أطوارا تفريقية مذهبية، ولكنهم غفر الله لهم ملكهم التعصب وانساقوا وراء الفتن المذهبية وحولوا الدين الواحد الى أديان .

إذن علينا ونحن نعالج تاريخ أقوال الأقدمين أن نترك ذلك النهج السلبي ونؤسس لأبنائنا وأجيالنا القادمة ما يوحدهم لا ما يفرقهم.

 

عصام الحسيني الياسري

fatehi alhabowbi«نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكّر ..

ومتعصّبون إذا لم نرد أن نفكّر..

وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكّر.. »

من مقولات أفلاطون

 

من اللّافت للانتباه، أنّ سعة الأفق هي من معاني إسم أفلاطون باليونانيّة، بحيث يصحّ فيه القول أنّه إسم على مسمّى. لا سيّما وأنّ أفلاطون يشجّع في مقولته المذكورة مطلع المقال، على التفكير الذي هو رديف للأفق الواسع. ولا ريب في ذلك فأفلاطون إنّما هو تلميذ لسقراط الذي، من نافلة القول التأكيد على أنّه، يعدّ من أعظم الفلاسفة على مرّ التاريخ، إن لم يكن أعظمهم. ويمكن اعتباره - بتعبير الفكر الشيعي- سيّد شهداء الفكر الحرّ، الذين دفعوا حياتهم قربانا على مذبح حريّة الفكر في سبيل الإصداع، بصوت عال وليس همسا، وبقوّة في غير ما إستكانة ولا ضعف، عن آرائهم وأفكارهم المبدعة الحرّة. تلك الأفكار المحرّرة للإنسان من عبوديّته لصنم السلطة السياسية ولأرباب سلطة المؤسّسة الدينيّة الأحاديّة الرؤية والفكر، الممارسة للإرهاب الفكري المنظّم على الفكر المختلف والمتسيّدة، في الأغلب الأعمّ، للجهل والتجهيل وللجمود والتكلّس الفكري الخانق للإبداع. وهو ما تأباه طبيعة الحياة القائمة على الحركة والتحوّل الذي لا ينقطع بفعل الطوفان المعرفي الذي يقتصر إنتاجه -للأسف- على الدول العلمانيّة دون غيرها.

فسقراط القائل« إذا أردت أن أحكم على إنسان، فإنّي أسأله كم كتاباً قرأت وماذا قرأت» أي أنّ شيخ الفلاسفة، لا يساوي بين العارف والجاهل عند إصدار أحكامه، لا سيّما وهو القائل «المعرفة هي الخير والجهل هو الشرّ»، كانت له وقفة حازمة في وجه السفسطائيين، المجادلين اعتمادا على تضليل الخصم، المهيمنين على الفكر الفلسفي في عصره. إلّا انّه تجرّأ، في البدء، على انتقادهم رغم ذلك، وحاربهم بقوّة الحجّة وعقلانيّة محاوراته ذات البعد التنويري والصبغة التحريضيّة، كوظيفة أساسية لتحرير العقل. ثمّ تجرّأ، ثانية، وانتقد السلطة، فاتّهمه خصومه بإفساد الشباب والزندقة بما هي في المفهوم الإسلامي الذي جاء لاحقا، النفاق بإبطان الكفر وإظهار الإيمان- وهي أسهل التهم الجاهزة في عصره كما التكفير اليوم- مما كلّفه، بعد مكابدة فكرية شاقّة، حكما بالإعدام دون مراعاة لشيخوخته، وهو الذي تجاوز عقده السابع. وهو من هو، قامة فكريّة شامخة وهامة فلسفيّة سامقة يشهد ويشيد بها الجميع.

ما كابده سقراط، لا يطرح إشكالية العلاقة بين المفكّر الحرّ والسلطة فحسب، بل وكذلك بين من يفكّر، ومن يكفّر من يفكّر. وهي ذات العلاقة العدائية المتأزّمة عموما، بين العقلُ الأصولي والعقل الحداثي، بين حامل لواء الفكر الحرّ ومن يعادي الفكر والحريّة في آن معا. بتعبير آخر، هي العلاقة القائمة بين المفكّر والجاهل و/أو المجهّل. إنّها في نهاية التحليل، إشكالية العلاقة بين التفكير الذي من مقوّماته، العقل والعقلانيّة والنقد العلمي وقوّة الحجّة ورحابة الأفق، بما يعني الحوار بالكلمة والانفتاح على الآخر المغاير، وبين التكفير الذي من مقوّماته، القراءة المتشدّدة والإنتقائية للنصّ الديني، والإستقواء بالقرآن والعقيدة على الفكر، والغلوّ والتعصّب، وضعف البصيرة بحقيقة الدين، والتحجّر الفكري وخنق الحريّات الفرديّة وفرض الرأي الواحد ومعاداة الديمقراطيّة والتعدّديّة في أيّ مجال وضيق الأفق بما يعني الانغلاق على الذات والحوار باللكمة القويّة بدلا من الكلمة الهادئة والمحاججة والبرهان بما يولّد التثاقفً. لا بل وإطلاق تهم الإلحاد والزندقة والتعنيف والتقتيل والتفجير عند الاقتضاء. وذلك بالرغم من أنّ القرآن يؤكّد أن (لا إكراه فى الدين) ويقول (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) و(عليكم أنفسكم لايضرّكم من ضلّ إن اهتديتم).

ومعلوم أنّ التكفير ليس من ممارسات المفكّرين بالمطلق، في حين أنّ التفكير-على الأرجح- ليس من ممارسات التكفيريين، الذين يكفّرون كلّ من يخالف النمطيّة الفكريّة السائدة. رغم الآيات القرآنيّة التي تدعو إلى التفكير والتدبّر والتأمّل أي إلى استعمال العقل كما جاء في قوله تعالى (أفلا يعقلون) و( أفلا يتدبّرون). والتكفيريون غير مقتنعين بضرورة النقد الذاتي والتراجع، إلّا في الحدود الدنيا التي استوجبتها مراجعات بعض الحركات السلفيّة. وهي المراجعات التي أدّت بهم إلى تبنّي خيارات، كانوا في السابق يكيلون لها سهام النقد اللاّذع، ويعتبرونها أعجز من أن تفهم الواقع، وبدرجة أقل أن تغيّره. ولعلّ أشهرها، مراجعات جماعة الجهاد المصريّة، المتعلقة بمسالة التكفير والجهاد. وقد حصلت بعد دخول أغلب قياداتها إلى غياهب السجون، على إثر حادثة المنصّة الشهيرة التي أودت بحياة السادات وجاءت بالكارثة حسني مبارك. حيث أنّها أقرّت فيما أقرّته، أنّ التكفير كان سببا في أهدار دماء الأبرياء. يضاف إلى ذلك، تراجعات ضئيلة لقلّة من مشايخ السعودية، وكذا المراجعات المغربية والليبية وربّما السودانيّة التي لا يكاد يكون لها تأثير بالمطلق.

لذلك أكاد أجزم أنّه ليست هناك صراعات فكريّة بين المفكّرين والتكفيريين.لأنّها لو وجدت-وهذا مستبعد- فستكون عبثيّة وغير ذات جدوى كما هي الحوارات في ما يسمّى بالمسرح العبثي أو مسرح اللاّمعقول، ولا سيما في مسرحيّة " في انتظار غودو" للكاتب الأيرلندي صموئيل بيكيت. بما يعني أنّها ستكون بالقطع، بعكس المعارك والصراعات الأدبيّة التي ميّزت أوروبا، انطلاقا من القرن السادس عشر إلى غاية القرن الثامن عشر. حيث أنّ المقارنة غير واردة، بين صراعات ومعارك المفكّرين فيما بينهم، وهي معارك تنتج التلاقح الفكري الخلاًّق، كما تنتج التقدّم وتتّجه دوما إلى الحياة سعيا إلى تحسين ظروفها، وبين صراعات مابين مفكّرين وعاطلين أو معطّلين عن التفكير. فالتكفيريون، هم أحفاد وسليلو فكر الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب وخاصّة الكبائر. وقد عارضهم علي بن أبي طالب مستغربا تصرّفاتهم حيث قال لهم: (من علّمكم قتل النّاس على آرائهم) و(بينى وبينكم قتل النّاس وظلمهم) وقال فيهم: (أنتم شرّ النّاس جميعا). ومن دلالات حماقتهم أنّهم يستنكرون بشدّة أن يمدّ أحدهم يده لقطف تمرة من بستان على ملك الغير، لأنّ ذلك اعتداء على مال مسلم. لكنّهم يكفّرون عليّا أبن أبي طالب، الذي خرجوا عن منهجه، ثمّ يقتله أحدهم ليلة القدر من شهر رمضان، قائلا وهو يضربه (يا ضربة من تقي ما أراد بها إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا). اعتقادا منه بأنّ ذلك يقرّبه إلى الله!!! وهو ما يفسّر السعار الذي يتلبّس التكفيريين للقتل. كما يعني أنّ أصابعهم ملطّخة بدماء مخالفيهم الأبرياء، حتّى ولو كانوا من بينهم. ممّا يكشف تناقض طروحاتهم دون لبس.

والتكفيريون لا تستهويهم الحياة بقدر ما تستهويهم صناعة الموت لمن يكفّرونه ويهدرون دمه لمجرّد أنّه توصّل إلى رؤية، غير التي يعتبرونها الحقيقة المطلقة، أو فكر مخالف، يعتبرونه، هم، خروجا عن الملّة والدّين. فالتكفيري لا يعترف بنسبيّة الحقيقة التي هي من مرتكزات الحداثة التي تواكب حركة التاريخ والمستجدّات المعرفيّة، والتي يناصبها التكفيريّون العداء، رغم دورها المتعاظم في إيجاد الحلول لتحدّيات الواقع ومعالجة أزمات المجتمع المتزايدة حدّتها على جميع المستويات.

من نتائج هذه الرؤية الضيّقة للفكر الديني السلفي التكفيري المنغلق على ذاته، أن قاسى الكثيرون من خيرة ناقدي الفكر الديني، عبر التاريخ القديم والحديث، ويلات ومآسي وأهوال تفوق لفظاعتها طاقة التحمّل. لقد مارسها عليهم من يحنّون لتطبيق أحكام الردّة في غير سياقها الموضوعي.

فهذه الفرقة الكلاميّة المعروفة بالمعتزلة يقع تكفير فلاسفتها وفقهائها، لا لشيء سوى أنّهم، أكّدوا على مسؤولية الإنسان عن مصيره، وعلى التمييز ما بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، وعلى التفريق ما بين التناهي واللاتناهي. كما اعتمدوا على منهج العقل وقدّموه على منهج النقل في تأسيس العقيدة التي تضمّنت، نفي شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمّته، ونفي كرامات الأولياء، والقول بأنّ القرآن مخلوق. ومن المفارقات أنّ مسألة خلق القرآن أفضت فيما بعد، في عهد الخليفة المأمون، إلى مذابح رهيبة لمن يعتقدون أنّ القرآن قديم منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وهو عكس ما يعتقده المعتزلة وأشهرهم الجاحظ الذي كفروه هو الآخر.

وهذه فرقة إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء وهي حركة إسلاميّة سرّيّة متأثّرة بالفلسفة اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة والفكر الحرّ عموما، ساعية للتوفيق بين العقائد الإسلاميّة والحقائق الفلسفيّة، ترى أنّ «الشريعة قد دنّست بالجهالات، واختلطت بالضلالات؛ ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلّا بالفلسفة»، تتّهم بالإلحاد وتكفّر هي الأخرى طبقا لمقولة «من تمنطق فقد تزندق» ومن بين من وقع تكفيرهم ضمنها، نذكر أبن سينا والفارابي.

ولعلّ مأساة ابن المقفّع الذي ينتمي فكريّا إلى هذه الفرقة تختصر هول ما لحقها من عناء. ذلك أنّ جسده قد قطّع وأكره على أكله مشويًّا حتى مات وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين، لمجرّد كتابة مخطوطة للخليفة العبّاسي السفّاح، أبو جعفر المنصور، سمّاها رسالة الصحابة، تضمّنت رؤِيته للإصلاح متعدّد الأبعاد؛ لعيوب الخلافة والمستخلفين والقادة والجنود والقضاة وحتّى جباة الجزيه...

ولقي الحلّاج بعد تكفيره، مصيرا مشابها، حيث تمّ صلبه حيًّا، وفي مرحلة ثانية وقع تقطيع جسده هو الآخر، لأنّه هو وابن العربي الذي كفّروه أيضا، يعتقد بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ. وهو ما يعرف بوحدة الوجود، ويعني توحّد الخالق بمخلوقاته. حتّى أنّ الحلّاج قال يوما في هذا المعنى : (مافي جبّتي إلّا الله) و(أَنَا اللَّهُ).

ولعلّ تكفير ابن رشد وإحراق مكتبته، من أهمّ أسباب التخلّف الفكري للعرب والمسلمين؛ لأنّه يعتبر-عن جدارة- أفضل فيلسوف أنتجته الحضارة العربيّة الإسلاميّة على مدى تاريخها المديد. فهذا المفكّر الفذّ، الذي كاد يؤلّه العقل رغم تديّنه الشديد، وبذلك يكون رائدا للعلمانيين دون منازع، شرح كل التراث الأرسطي العظيم بما جعل فكره مهيمنا على برامج الجامعات في أوروبا القرون الوسطى وحتّى نهاية القرن السادس عشر. حتّى أن الفيلسوف الإيطالي بيترو بمبوناتسي) Pietro Pomponazzi (أسّس مدرسة عرفت باسم "المدرسة الأرسطيّة الرشديّة"، إضافة إلى ورود اسمه في الكوميديا الإلهيّة "La Divine Comédie " " لدانتي (Dante) i مع زمرة من الفلاسفة العظماء. ورغم أن ابن رشد الذي يقول:» إن الحقّ لا يضاد الحقّ بل يوافقه ويشهد له « ويرى أن»   » الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها«، ولا يرى تعارضا بين الدّين والفلسفة، فإنّه اتّهم من قبل شيوخ الفقه بالأندلس في عهد ملوك الطوائف، بالكفر والإلحاد، وحرقت جميع مؤلّفاته الفلسفيّة كما منع من الاشتغال بالفلسفة والعلوم ما عدى الطبّ. ثم أبعد من الأندلس إلى مرّاكش وتوفّي بها غريبا. وبموته انتصرت مدرسة النقل لزعيمها الغزالي، نهائيّا، على المنهج العقلي وأغلق باب الاجتهاد واستسلم المسلمون لنوم عميق وسكون رهيب، لا يزال يلازمهم إلى اليوم .فلعلّهم استمرؤوه .

أمّا البيروني، الذي تمّ إطلاق اسمه على بعض معالم القمر، وقال عنه المستشرق سخاو: »إن البيروني أكبر عقليّة في التاريخ«. وهو صاحب موسوعة " القانون المسعودي في الحياة والنجوم" التي كافأه عنها السلطان مسعود الغزنوي، فيما رفض البيروني، قبول هديّته. وهو من أشهر الشخصيّات العلميّة، ويعتبر من أعظم من أنجبتهم الحضارة الإسلاميّة، لنبوغه في فروع علميّة عديدة ولا سيّما الفلك. حتّى انّه قال بوجود قوى للجاذبيّة بين الأجسام، قبل أن يكتشفها نيوتن بستّة قرون. ممّا ما حدا بجامعة موسكو أن تقيم له تمثالا يخلّد ذكراه في متحفها الجيولوجي. إلّا أنّ البيروني تمّ تكفيره بعدما ناقش مسألة تكوين مرصد للتنبّؤ بأحوال الطقس. ضرورة أن ذلك من اختصاص الله وحده !!!

وأماّ أبو حيّان التوحيدي، الكاتب المعتزلي المبدع، الملقّب بشيخ الصوفيّة وفيلسوف الأدباء، ذلك العبقري، صاحب كتاب الإمتاع والمؤانسة"-وهو من عيون الأدب العربي- فقد أحرق كتبه بنفسه نتيجة الأحباط، بعد أن تجاوز التسعين من العمر. ولمّا اتّهم بالزندقة والإلحاد لقوله بالتعطيل-وهو النفي والإنكار- طلبه الوزير الصاحب لغرض قتله، فهرب، واستتر منه، ومات في الإستتار.

وأمّا عميد الأدب العربي طه حسين- فقد أفتى بتكفيره مفتى الجمهوريّة المصريّة في حينه، لما ورد في كتابه "في الشعر الجاهلي الذي ظلّ ممنوعا إلى وقت قريب. لأنّ التكفيريين رأوا فيه محاولة للاعتداء على التراث العربي الإسلامي وزرع الأساطير والشبهات في قلب السيرة النبويّة لتلويثها بعد أن نقّاها مؤرخو الإسلام!!!

وأمّا في التاريخ الحديثّ فلا يمكن تجاوز محنة الباحث الأكاديمي نصر حامد أبى زيد، المتخصّص في الدراسات الإسلاميّة، دون التعرّض لها. فهي جاءت بعد تكفير فرج فوده وقتله، وإثر محاولة نصر حامد، الحائز على جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، ممارسة الفكر النقدي العلمي الخالص، بتأليفه لكتاب نقد الخطاب الديني الذي أعتبر فيه أنّ الخطاب الديني "خبيث" وماكر، يخلط ما بين النِّصاب الديني والنِّصاب الفكري. ثمّ هو يعتمد على آليّة النقل، دون تدبُّر وتفكُّر؛ بما يناهض الإبداع. حيث أنّ العقل النقلي يفتقر إلى أبسط آليات التفكير العقلي، النقدي. وقد خلص نصر حامد أبى زيد إلى أنّ التكفير هو ليس فقط، سمة أساسية من سمات الخطاب الديني - معتدلا كان أو متطرّفا- بل هو كذلك، سمة أساسيّة من سمات العقل النقلي الذي يسبّب العقم الفكري. كما خلص إلى وجوب التحرّر من سلطـة النصّ القرآني ومن كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان.لذلك وقع أتُهامه بالارتداد والإلحاد، ثمّ وقع التفريق بينه وبين زوجته قسراً، على قاعدة "أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم" .ممّا أضطرّه للعيش بالمنفى حتّى أشتدّ به المرض فعاد إلى مصر، أسبوعين فقط قبل وفاته.

وحتّى لا أثقل على القارئ بتفاصيل أسباب تكفير ناقدين آخرين للفكر الديني الذي يقدّسه السلفيون كأنّما هو الدّين ذاته، فيما هولا يعدو إلّا أن يكون"قولاً دينيًّا" مختلفا عن النصّ الإلاهي المقدّس. فإنّي أكتفي فيما يلي، بإشارات عجلى لبعضهم ودون توسّع.

من هؤلاء، نذكر محمود محمد طه وهو مفكّر سوداني، كفّروه ثمّ أعدموه، وابن الرواندي الذي كفّروه، والمفكّر حسين مروة الذي قتلوه، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي الذين كفّروهما واتهموهما بأنّهما عميلان للغرب. أمّا على الوردى وعلى شريعتي، اللذان نقدا الدّين والأنبياء وأصناف من رجال الدين، ودعيا إلى ثورة في الفكر الإسلامي فاعتبرا تنويريين ووقع تكفيرهما بذلك

.هذا، إضافة إلى تكفير كل من المفكرين، الطاهرالحدّاد، رائد تحرير المرأة في تونس، وفضل الرحمن وهو باكستاني، ومحمّد أركون وهو جزائري، ومحمّد عابد الجابري وهو مغربي، وحسن حنفي وهو مصري، وشعراء كالمعرّى، والمتنبّى، والرصافى، والجواهرى، ونزار قبّانى، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السيّاب وكثيرون غيرهم، ممّن أنهكتهم محنة التفكير الحرّ، الذي يكاد يصبح وصمة عار في زمن فتاوى التكفير المجاني التي تجنح عن الصواب ولا تصدر إلّا عن أموات بلا قبور أو أحياء يعادون الحياة ولا يعيشون عصرهم، بل يخوضون حربا دائمة على العصر ومنتجاته. لكنّها حرب خاسرة بالتاكيد ولو طال أمدها.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

 

alkabir aldasisiظلت الثقافة والمثقف يحافظان على وضعها الاعتباري عبر مختلف الأزمنة والأمكنة منذ ارتبط مفهوم الثقافة بالتكوين والتقدم الفكري، واعتبار الثقافة معيارا للتمييز بين الطبيعي (الحيواني، البيولوجي، الفطري..) والثقافي (الإنساني، المكتسب...) مادام الإنسان هو الكائن الوحيد المنتج للثقافة... لكن ما أصبح يبدو جليا اليوم هو تراجع المفهوم التقليدي للثقافة، ونكوص دور المثقف في عصر يتجه نحو عولمة الثقافة .. مما حتم طرح أسئلة من قبيل هل الحضارة المعاصرة تتجه فعلا نحو قتل الثقافة والمثقف؟ وهل من دور للمثقف في زمن تزايد الشبكات والوسائط الجديدة وتراجع الوسائط التقليدية؟؟

إذا كانت البنيوية قد رفعت شعار (موت الكاتب) فلا جدال اليوم حول كون الثورة المعلوماتية قد ساهمت في إبادة المثقف بـخلق عالم افتراضي أكثر جاذبية من العالم الواقعي، لقدرته الجمع بين رأسمالية المبادرة والحرية وخلق تراكم رأسمالي افتراضي وثروة لا مادية توهم الفرد أن له قوة ضغط في الواقع .. وبين اشتراكية تعميم الخدمة واقتسام الخبرات والمعلومات والمواقع مما يشعر المستعمل العادي بكرامة توهمه بالمساواة وقد تشعره بتفوق معنوي على من يعتبرهم أرقى منه في الواقع...لتكون هذه الثورة قد خلخلت الوسائط التقليدية، وغيرت قيم الاستهلاك الثقافي، فتغير مع ذلك مفهوم الثقافة الذي غدا رهين الأيقونة / الصورة، بعد أن طوح بالكتاب والقرطاس إلى الظل خاصة عند الشباب واليافعين...

اليوم لم يعد مفهوم الثقافة في وعي شبابنا مقتصرا على الثقافة العالمة والمكتوبة خاصة التي تستهدف تنمية الذوق والحواس، وإنما توسع ليشمل أصنافا وأجناسا لم تكن مألوفة لدى الأجيال السابقة، أو لنقل هيمنت عليه على الأقل أجناس كانت إلى عهد قريب مستهجنة عند الطبقة المثقفة، كالرقص الشعبي والفلكلور وثقافة الجسد وما يرتبط بها من إباحية مفرطة مستفيدا من الهامش الذي وهبته إياه الثقافة المعلوماتية وما وفرته من تدفق للمعلومات والصور عبر الموجات الناقلة للصوت والصورة ويسرة تداولها ونشرها، كل ذلك جعل المثقف اليوم ليس هو من يمتلك المعرفة، وإنما من ينشرها فتغير بذلك مفهوم المثقف ووظيفته في المجتمع : فبعد أن كانت كل المؤسسات تبحث عمن يملك المعرفة لتعيينه في مناصب سامية، تعامله بإجلال ساعية إلى كسب وده وتقدمه للعامة في صورة الحكيم الوقور المهاب،لم تعد الوسائط الجديدة اليوم تعترف بمن يملك المعرفة ما لم ينشرها عبر الوسائط الجديدة لتصل لأكبر عدد ممكن، إذ أصبح عدد المتابعين والمعجبين الافتراضيين هو مقياس النجاح والحضور.

إن تغير مقاييس تعيير المثقف جعلت المثقف التقليدي يدرك أنه يقضي وقتا طويلا في صياغة مقال، ينمق كلماته ولا يطالعه أحد، ولا يعلن الإعجاب به ولا يتبادله أحد، في وقت قد تحصد صورة إنسان مجهول، أو تدوينة شخص بسيط إعجاب الآلاف أو الملايين أحيانا فيتوهم وله قوة تأثير، وأنه قد يتفوق على ذلك المثقف الذي أفنى حياته بين الكتب وفي ردهات المكتبات والخزانات...

قد يقول قائل إن في ذلك ضربا ثقافيا جديدا تحطمت فيه المعايير التقليدية المبنية على تقابلات ( يمين / يسار، رأسمالية / اشتراكية، خاص / عام...) ضربا ثقافيا فرضته الحياة، يتيح تكافؤ الفرص، ويسمح للكل بحرية التعبير ونشر ثقافته... لكن الأكيد هو أنه لم يساعد إلا على سيادة ثقافة التسطيح وتسليع المعلومة، وتشجيع الاستهلاك مما يسهل التحكم في الكتل البشرية وإخضاعها لإعلام موجه تحركه أياد خفية تسخر له موارد بشرية مدربة، ووسائل لوجيستيكية دقيقة تجعله قادرا على توجيه الرأي العام وتجييش العقول وفق أجندات مدروسة، تنساق وراءها الجحافل المستهلكة فتجعلها تثور لكلمة واحدة أو جملة بسيطة، وتعمي أبصارها عن القضايا الكبرى و المصيرية، فتهيج في وجه شخصية عامة ركنت سيارتها في موقف ممنوع، ولا تتحرك قيد أنملة في وجه قضية قد تهدد الأغلبية الساحقة وتنذر بالسقوط في جرف هار، مما يجعل الإنسان يتساءل لماذا تتفاعل الملايين مع حركة (مقصودة أو غير مقصودة) لسياسي، كلمة أو كلمتين لفنان أو رياضي ... ألا يبدو غريبا جعل كلمتين مثل (جوج فرانك) ( 22 ساعة) قضية رأي عام يناقشها ويتفاعل معها الكبير كما الصغير .. ولا يتفاعل أحد مع مشاريع قد يتضرر منها عامة الشعب، كإصلاح التعليم وإصلاح أنظمة التقاعد، والإصلاح الزراعي والأمن الغذائي، وقضايا البيئة التي يعيش فيها الجميع .... وغيرها من القضايا التي كانت تؤرق بال المثقفين .

إن الوسائط المبتكرة قد نجحت فعلا في قتل المثقف التقليدي، الذي ظل يمثل صورة الإنسان الذي لا يهادن، ينير ولا يستنير، يقود ولا يقاد والقادر على التأثير في الرأي العام وتوجيهه ... لتحل محله شخصيات أصبحت لها القدرة على التأثير في الجماهير، كالفانين والرياضيين الذين يقدمهم الإعلام أبطالا ونماذج للاقتداء رغم ضعف مستواهم الثقافي، بل أحيانا يتم تسويق أطفال لمجرد نطقهم بكلمات لا أحد يعرف معناها كما حدث في المغرب من (الأرنبات وداكشي، أو كونجي أو لوبغاسون ..) التي حصدت من الإعجاب والمتابعة ما لا يحظى به كل مثقفو المغرب إذا ما اجتمعوا في عمل، والأدهى أن هذا الإعجاب والإقبال قد تحظى به شخصيات افتراضية تتستر وراء أسماء مستعارة ويعتبرها المعجبون قدوة وهي ليس لها القدرة حتى على إعلان اسمها ...

إن ظهور هذه النماذج ونيلها حظوة العامة والخاصة دفع المثقف التقليدي إلى الانزواء والاكتفاء بمتابعة ما يدور، إذا لم تتمكن مادية الحياة وظروف المعيشة من تحويله إلى بوق لمؤسسة رسمية، أو خاصة كل همها حساب الأرباح في نهاية المهمة يقتات من إكرامياتها، تشتري صمته وتوهمه أنها صاحبة فضل عليه بالمحافظة على وجود اسمه في بعض المجلات والدوريات التي تمولها وهي العارفة بأن لا أحد يقرؤها ...

في وضع جديد مثل هذا اتسعت الفجوة بين المثقف والواقع، فبعد تهميشه أو احتضانه أصبح هم أغلب المثقفين إتقان ثقافة التبرير، وجهد النفس في البحث عن المسوغات، ومن اجتهد أكثر اكتفى بوصف و تشخيص واقع الكل يعرف تفاصيله ومكامن الداء فيه، وإذا تجرأ فأقصى ما يمكن فعله هو كيل التهم ونعت الواقع بالتخلف، وتعليق مآسي الواقع على شماعة وأزمة القيم، وضعف البنيات التربوية ...

إن الوسائط الجديدة، وشبكات التواصل وعولمة الثقافة بعد أن كسرت كل الأقلام وبعد أن رقمنت الكتابة... همشت المثقف، الذي كان يعتبر نفسه الوحيد الذي يجيد الرقص على حبال الكتابة، والوحيد والأوحد الذي يصول ويجول في الكتب والجرائد والمجلات منتشيا بكتابة إسمه تحت صورته في صفحاتها .. استفاق اليوم وكل فرد أصبح بإمكانه نشر صورته واسمه، وكل شخص أصبح بإمكانه الكتابة دونما حاجة للقلم والورق، ودونما الحاجة للسهر والعودة إلى أمهات الكتب التي كان المثقف يعتبرها علم الجفر المتضمن لعلم ما مضى وما سيأتي، بل قد تحصد تدوينة صغيرة لشخص مغمور، أو ربما لطفل يكتب باسم مستعار - لا يضع في الاعتبار شروط التلقي، ولا عواقب ما يكتب - من الإعجاب أضعاف ما قد يناله مقال منمق لكاتب ومثقف يحسب نفسه مشهورا ومعروفا...

هذه المتغيرات أصبحت تدعو بإلحاح إلى التساؤل عمن يصنع الرأي العام اليوم في ظل وضع ثقافي يهيمن عليه الإعلام الرسمي الذي يجيد تزييف الحقائق، وواقع يسود فيه اللجوء إلى أسماء مستعارة، ويهيمن عليه الخوف من الهجوم الافتراضي وكل وسائل الاتصال أصبحت عيونا تتلصص وتبحث عن الهفوات التي قد تفقد الشخص مكانته، والمثقف أخوف الناس على فقد المكانة الاعتبارية.. لذلك فضل عدد من المثقفين غض الطرف عن الفساد والظلم واقتصروا على الكتابة في مسائل نظرية بحتة معتبرين الكتابة عن اليومي مظهرا لتدني الفكر والثقافة، مع بروز متشبهين المثقفين كل همهم جعل الكتابة وسيلة وصولية و أداة للصيد في الماء العكر واستغلال الكتابة في الأمور اليومية للضغط على جهة ما تحقيق مآرب شخصية ضيقة، فتحولت وظيفة المثقف بدل محاربة الفساد والظلم وتنوير الرأي العام إلى محاربة هذه الطفيليات التي أصبحت تشوش عليه، وتشوه رسالته ببحثها عن الأخبار المثيرة، والمتاجرة بأعراض الناس وتشوهات المجتمع، والترويج لفكرة موت الثقافة متهمة المثقفين بالابتعاد عن الواقع، والتعالي عن مشاكل الحياة اليومية، راثية حال المثقف الذي لا زال يعتقد أنه يعيش في زمن الأنبياء والمصلحين، لذلك لا غرابة أن تجد الرعاع والأميين يهاجمون المفكر المثقف، وقد يفاضلون بين مغن أو رياضي أمي وبين مثقف أفنى حياته في العلم والتحصيل يساندهم في ذلك ما يحضون به من جماهيري، مرددين (لو اجتمع كل علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها في نشاط ثقافي، لما تمكنوا من جمع ما يحضر في حفلة راقصة، أو مغنية من الدرجة الثانية)

فهل فعلا مات المثقف في أوطاننا العربية وبالتالي حان موعد قراءة الفاتحة عن دور الإنتلجنسيا في صناعة الرأي؟؟

 

الكبير الداديسي

 

mustafa alomariبطريقة الاحتيال المعرفي نفذ نفرٌ قليلٌ من اصحاب العقل المنطلق، في المساحة العربية الاسلامية محاولين تشكيل وعي مختلف ومغاير، همُّ هذا الوعي ان يكون حداثوياً جديداً، يسير وفق المعايير العلمية للنهضة التي يواكبها العصر . هذا النفاذ السائر بخوف وترقب من بطش المجتمع شكل عائقاً حقيقياً أمام النمو الطبيعي للبحث العلمي في المجتمعات العربية والاسلامية المنكوبة، بغلظة النصوص والفتاوى والكثير من رجال الدين .

كل العلماء والفلاسفة الذين ينتمون الى تلك البيئة المنكوبة، كانوا يملكون وعياً لم يصرّحوا عنه، إختنق ذلك الوعي ومات مع موتهم.

مع كل هذا الحذر والخوف ترشح لنا من وعيهم ما نستطيع ان نستنج منه علمانية قديمة بلباس ديني (كابن رشد وعبدالله بن المقفع)

السابقون واللاحقون من الفلاسفة والمفكرين العرب أرادوا ان يوصلوا رسالة كبيرة وعظيمة، مفادها واستدلالتها قرانية عصرية حديثة، وهي ان لكل زمان معرفته ونصوصه واستنتاجاته الخاصة به، يجب ان يعيش الناس في زمنهم ومرحلتهم، ويتركوا فيه أحراراً لا ان يقمعوا او يقتلوا . يقول جون ستوارت إننا اذا اسكتنا صوتاً نكون قد اسكتنا الحقيقة .

محال جداً ان تعود بنا الى الزمن الماضي لأنه سيُعد نكسة كالتي نعيشها الان، الرجوع الى أي حقبة تأريخية من تأريخ المسلمين من بداية الدعوة الى اخر صحابي، سنجد السيف والدم، فتشوا في تأريخ أي شخص ترونه جليلاً مؤمناً تقياً لا يأتيه الباطل ولا يروم عمل المنكر، ستكتشفون انه تزوج سبية وربما بعد قتل زوجها، ستجدونهم ملطخين بالدم من الرؤوس والاقدام والاعقاب .

سألني احد الذين كانوا مقيدين بالنصوص الدينية بقوة قال: ما رأيك في عمل رسولك عندما تزوج صفية بنت حييّ بعدما قتل زوجها وأهلها والاسرى من قومها؟

فأجبته على الفور قلت له هل تعلم كيف تزوجها؟

انها بمشورة احد اصحابه ولو كنت مع الرسول لأشرت عليه بعكس ذلك الصحابي ان لا يتزوجها ويتركها في قومها وان يحتجز الاسرى في مكان ما او يعتقهم. اقتنع الرجل بجوابي لكنه بقي مصراً على استهجان فعل الرسول .

على الرغم من ان هذه الاسئلة كانت غير قابلة للعرض ولا للبحث ولا للتفكير فتموت حبيسة مقهورة بدواخل اصحابها،هذه الاسئلة وغيرها باتت تؤرق الكثيرين من العقول الباحثة المتسائلة، ورجال الدين عاجزون كسالى في البحث والمسايرة مع عمق الاسئلة وجديتها.

ما عادت الاجوبة الماورائية تقنع العقل المتحرك الذي يبحث عن الدلائل العلمية ولم تجدي تلك التبريرات التي تحيل العقل لمشهد غير مرئي وتطلب منك الايمان والتصديق .

في كتابه الفكر الاصولي واستحالة التأصيل يقول الدكتور محمد اركون : كل المسلمات المدعوة ميتافيزيقية يستحيل البت فيها، ولذلك ينبغي ازاحتها من الخط التأريخي الذي يجبرنا العقل الأدواتي على إتباعه .

إصرار الاسلاميين على جر المجتمع الاسلامي للانقياد خلف قيادة (السلف) يستدعي، إصرار عقل اخر مختلف للتنقيب في تأريخ السلف وعندما يُبحث في تأريخ السلف بحثاً علمياً (إبستملوجياً) كما في الدراسة التي قدمها المفكر المغربي محمد عابد الجابري، سيجد الباحث أننا أمام مهزلة حقيقية وسيطلب منا إزاء هذه المهزلة التصديق والايمان والاذعان، وإلا ستكون نصوص الفقيه حادة وقاتلة.

نصوص الفقية التي عجزت عن الاجابة وتغيبت عن الحوار العلمي وتهربت من البحث الجاد، سنجدها شاخصة بقوة رافعة رايتها بعدما احاطها الجهال والمخدرون والمنتفعون بصيحاتهم، لدحر كل من يسأل او يفكر .

الاصرار على البحث في ذلك التأريخ الذي تلطخت بالدماء ايدي الجميع من الذين قادوه وصاغوا ثقافته، أكانوا مبشرين بالجنة او لم يكونوا، يستدعي نتيجة مفادها الكفر بذلك التأريخ والانعتاق حيث اللارجعة .

الذين يريدون إزاحتنا نحو تأريخ ميت هل راجعوا ذلك التأريخ وما حمله من قسوة وشدة وقهر لعباد الله من المختلفين والمأتلفين معه ؟

في الدراسة التي قدمها ناقد العقل العربي،محمد عابد الجابري،

يقول : الجاهلية مصطلح اسلامي يقصد به ليس فقط الجهل بمعنى عدم العلم وانتفاء المعرفة بل ... ايضاً ما يرافق الجهل وينتج عنه، أعني به الفوضى وانعدام الوازع الجماعي سياسياً كان ( الدولة ) او اخلاقياً ( الدين ) من هنا تشبيه الجاهلية بالظلماء والاسلام بالنور فالظلمة تعني هنا الفوضى والتطاحن وغياب افق مستقبلي كما تعني الجهل وعدم تقدير المسؤولية، في حين ان النور يعني الوضوح في العلاقات والمسؤوليات وأيضاً وضوح الافاق، هذا فضلاً عن حلول النظام محل الفوضى والتضامن محل التطاحن، السؤال المهم، هل حقق الاسلام بالفعل هذا التحول الجذري في حياة عرب الجاهلية؟

ونستطيع ان نشطر هذا السؤال على عدة اسئلة مشابهة، أسئلة تعمق الجرح لكنها ستدمله بدون مضاعفات سلبية . سنتحفظ عليها الان لكنها ستبزغ ان شاء لها ذلك .

عندما نراجع نصوصنا الدينية والتأريخية سنجد ان الانموذج الاقرب لها في هذا العصر هي (داعش) لا مناص في ذلك ولا تردد، داعش التي تتقن قراءة القران وحفظ الاحاديث الصحيحة المرسل منها والآحاد والضعيف، داعش التي اتبعت منهجية العنف والتفنن عند السلف الصالح ! عندما قام احدهُم بقتل احدهِم ثم قطع رأسه ووضعه منصبة للقدر بعدها اضرم النار لتختلط رائحة الاكل بدم البشر مع نكهة العمل الصالح وغبار الشعر المحترق، ثم يضاجع سيف الله زوجة المقتول لتكون زوجة له في نفس الليلة التي قطعت اوداج الرأس لينفصل عن الجسد بمباركة المسلمين !

لم يكن المسلمون على قدر من المسؤولية البحثية العلمية او الجرأة التي تمكنهم من ادانة المنتمي للدين الاسلامي، بل هناك الكثير من التبريرات المنهالة بقوة لكي تقلب المنكر الى صالح وكذلك العكس .

وجه داعش القبيح ما هو الا توأم لذلك الوجه القبيح الاخر . الوجه التأريخي الذي يتقاتل عليه الداعشيون من سنة وشيعة لأعادتنا له بالقوة . داعش حركت المناخ العربي والاسلامي بقوة واضحت الاسئلة والتساؤلات المضمرة والمعلنة شاخصة بقوة أيضاً، أعمال داعش الاجرامية سرعت في مركبة البحث لاكتشاف زيف المقدسات او المحذورات المركونة في اذهاننا بالقوة والخوف .

لست هنا للمقارنة بين داعش والسلف فهذا أمر ساتركه للقارئ، لكن الذي اريد البوح به، هو أننا بحاجة الى منهجية مختلفة تماماً عما كانوا (السلف) وكنّا، منهج:

1_ يرحم بعقولنا من التسخيف والمصادرة الى حيث الحرية فيما أفكر او أؤمن به.

كما يرى ابن حزم الاندلسي: لا يحل لأحد ان يقلد أحداً حياً ولا ميتاً وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته .

2- الاستعانة بالعقل الغربي المتقدم، لم يتخلى العقل العربي من طلب المساعدة من العقل الغربي من زمن بعيد جداً فالمأمون صاحب العقل المتحايل المنطلق استنجد بالثقافة الغربية ولولاها لم يكن المأمون شيئاً .

التصور الشائع ان التقدم يتحقق تلقائياً بواسطة التراكم .. ولكن مسيرة تاريخ الحضارة وواقع المجتمعات المتخلفة يؤكد العكس تماماً فالتخلف هو الاصل أما الخروج من هذا الاصل فيتطلب طاقات استثنائية كافية وأفكاراً تقدمية خارقة وجهوداً واعية كثيفة ، كما يقول المفكر السعودي ابراهيم البليهي .

والحق أني طلّقتُ التأريخ ومزابله وسيرة السلف ونصوص الدين التي كتبت بعد مئتين سنة وأحاديث التلفيق والتصفيق للحاكم لأتركه لداعش ومن يشابهها في الرأي والقمع بالسيف او الكلمة . وركنت الى انسانيتي التي تدفعني الى حب الاخر مهما كان لونه او دينه او قوميته .

(من كتابي القادم قراءات معاصرة).

 

مصطفى العمري

hatam hamidmohsinاذا كان هناك تشابه عميق بين تطور الحضارة و تطور الفرد وكانت الحضارة تستخدم نفس الطرق، فهل لدينا التبرير للقول، بانه في ظل تأثير الرغبات الثقافية الحادة، اصبحت بعض الحضارات وفي فترات معينة منها – ربما كل البشرية – في حالة من الهلع واللااستقرار؟ (فرويد، الحضارة وسلبياتها، 1930).

كمفكر، هاجم نيتشة الافكار التقليدية لزمانه لأن الافكار عملت كعوائق للتجربة الانسانية التامة والثرية. هو لم يؤمن بالاصلاح الاجتماعي، ومقت الحكومة البرلمانية وحقوق التصويت العامة. كره كذلك الليبراليين والمحافظين والشيوعيين والاشتراكيين. هو لم يشترك بالرؤية بان التقدم هو من خصائص التقاليد الفكرية الغربية في القرنين الاخيرين . هو ادان الاخلاق المسيحية و سخر من الفكرة الليبرالية بان الانسان هو خيّر بطبعه. كره سقراط.

ما ادركه نيتشه هو ان الانسان يجب ان يفهم بان الحياة لا تُحكم بالمبادئ العقلانية. الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة. لا توجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. هناك فقط انسان عاري يعيش وحيدا في عالم سخيف مجرد من الايمان.

المجتمع البرجوازي الصناعي الحديث، طبقا لنيتشة، جعل الانسان فاسدا اخلاقيا ويائسا وتركه ضحية للتطور المفرط في القدرات العقلانية على حساب الفطرة والرغبة الانسانية.

وبالضد من ميول المجتمع البرجوازي، أكّد نيتشة على ان الانسان يتوجب عليه الاعتراف باسطورية وعتمة العالم الفطري – قوة الحياة الحقيقية. كتب نيتشة "انت يجب ان تصبح من انت". العقلانية المفرطة، والثقة العالية بالعقل الانساني انما تخنق التلقائية الضرورية للعمل الخلاق. ولكي يبلغ الانسان كامل طاقته، يجب عليه التحرر من الاعتماد على العقل والفكر والاعتماد بدلا من ذلك على تطوير غرائزه وحوافزه ورغباته. المسيحية مع كل ما رافقها من قيود وحاجات للامتثال، تسحق الدوافع الانسانية للحياة . الاخلاق المسيحية يجب ان تتحطم لأنها تتناسب فقط مع العبيد والضعفاء.

ذكر نيتشه ان نجاح العقل المسيحي في العالم الروماني كان لأن الطبقات السفلى ارادت ان ترث الارض من سادتها الارستقراطيين. الطبقات الدنيا كانت تحاول مواصلة الكفاح لهزيمة سادتها. انها قامت بهذا عبر وصفها السمات التي تنقصها بالشريرة: القوة والحماس للحياة. بدلا من ذلك، جعل المسيحيون من حياتهم المتدنية والتعيسة كمستوى لكل الاشياء القادمة. لو انحرفت انت عن هذا المستوى، فسوف تبقى اسيرا للذنب. في كتابه (عدو المسيح عام 1888) ذكر نيتشة:

المسيحية اشعلت الحروب ضد النوع الاسمى للانسان .. المسيحية وقفت الى جانب كل شيء ضعيف، انها خلقت مُثلا من معارضتها لغريزة الحياة القوية .. المسيحية هي تمرد لجميع الاشياء الزاحفة على الارض بالضد من تلك التي في مرتبة اعلى.ان فلاسفة عصر التنوير للقرن الثامن عشر هاجموا المسيحية لأنها كانت مخالفة للعقل الانساني. لأنهم ارادوا ان يجعلوا المسيحية اكثر مقبولية، هم حافظوا على الاخلاق المسيحية. نيتشة هاجم المسيحية ايضا، لكنه فعل هذا على اساس انها منحت الانسان روحا مريضة. انها كانت منكرة للحياة. منعت الممارسة التلقائية الحرة للفطرة الانسانية والرغبة. باختصار، المسيحية اطفأت شعلة الحياة.

في "مثل المجنون"، اعلن نيتشة ان اخلاق المسيحية قد ماتت واننا ذواتنا مسؤولون. لا توجد هناك عوالم علوية، ولا وجود لأخلاق مشتقة من الله او من الطبيعة ".لا توجد هناك حقوق طبيعية وان فكرة التقدم هي عار. جميع القيم القديمة والحقائق فقدت حيويتها وصلاحيتها. هذه الفكرة سميت بالعدمية. لا توجد هناك قيم اخلاقية . قال نيتشة ان الانسان يمكنه الارتقاء فوق العدمية. ولكن كيف يتم هذا؟

اولا، يجب الاعتراف بالعدمية الناتجة عن الحياة اليومية. على المرء ان يصبح عدميا، عندئذ سيرتفع فوق وما وراء العدمية عبر خلق قيم جديدة: الانسان سيصبح عندئذ سيد نفسه ويكون صادقا لنفسه بدلا من الاخرين. الانسان يستطيع التغلب على النمطية والامتثال والوسطية، هو يستطيع التغلب على الاشتراكية والديمقراطية واتحادات العمال والتقدم والتنوير وعلى جميع الامراض الاخرى الملازمة للحضارة الغربية.

طبقا لنيتشة، يمكن انقاذ الانسان بنوع جديد من الانسان، السوبرمان. هذا الانسان سوف لن يُكبح بهراء الحضارة المسيحية –البرجوازية-العلمية-الصناعية-الحديثة.السوبرمان يخلق اخلاقه الخاصة مرتكزة على الغرائز الانسانية والحافز والرغبة. هو يؤكد وجوده ليس بالقول، مع المسيحية "بلا" . كلا، امام موزائيك القوانين، يهتف الانسان الجديد "انا ارغب". الانسان الجديد لديه الشجاعة ليكون هو ذاته، وهنا سوف لن يكون اي معنى للمُثل التقليدية المسيحية في الخير والشر. رغبة الانسان بالقوة، يرى نيتشة، تذهب الى ما وراء الخير والشر. ان تعزيز الرغبة بالقوة تجلب المتعة للسوبرمان. السوبرمان حرر جميع القيم القائمة، وبما انه الآن حر من جميع القيود والقواعد وشفرات السلوك المفروضة من جانب الحضارة، فهو يخلق قيمهُ الخاصة. هو يعيش حياته الخاصة كما يريد، يكافح، يخلق، يبحث ويسيطر. هو يعرف ان الحياة كما مُنحت له هي بلا معنى، لكنه يعيشها ساخرة، غريزية، تامة، خطيرة.

من الصعب اليوم تقييم تأثير فلسفة نيتشة، ولكن بالتأكيد هو نجح في حث العقل للارتقاء نحو مستويات جديدة من الفكر.

يمكن القول ان نيتشة ادرك تماما احدى المشاكل الاساسية التي واجهت القرن العشرين. في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، لم ير نيتشة الا الاضمحلال والخفوت. هذا البيان جاء في عصر التقدم وهو ما يكفي لتوجيه الانتباه لنيتشة. مع موت الاخلاق، الموت الذي تسارع بفعل التطور العلمي وفردانية الطبقة الوسطى والماركسية والدارونية والوضعية والمادية، فان القيم الاخلاقية التقليدية قد فقدت قيمتها ومعناها. في عالم حيث لا شيء حقيقي، فان كل شيء سيجري. كان نيتشة طبيبا معالجا والمريض كان الحضارة الغربية. هو لم يضع حلا واقعيا. تشخيصاته ربما كانت اذكى من مقترحاته للعلاج. ولكن ما قام به نيتشه هو تعميق التأكل في الاسس العقلانية للحضارة الغربية. في هذا المجال هو كان عرضة للّوم والثناء ايضا. هذه الافكار النيتشوية كان لابد لها من اغراء المثقفين الاوربيين والفنانين الذين نظروا الى فلسفة نيتشة كوسيلة لتحرير الطاقات الباطنية للانسان. فلسفة نيتشة هي فلسفة التحرير.

ديستوفسكي

وكما نيتشة، هاجم الروائي الروسي دوستوفسكي (1821-1881) رؤية العالم الاساسية للتنوير، باعتباره العصر العظيم للعقل الانساني. في جميع رواياته نظر دوستوفسكي للانسان كمحروم فطريا وغير عقلاني ومتمرد. في روايته (ملاحظات من تحت الارض، 1864) يتمرد القاص ضد كل خطط ومشاريع التحسين الاجتماعي. هو ناقد للعقلانيين والليبراليين والوضعيين والانسانيين والاجتماعيين في محاولتهم تحسين حظ البشرية عبر تشكيل المجتمع بالارتكاز على المبادئ المجردة للسعادة الانسانية. انسان تحت الارض يثور ضد كل من العلوم والمنطق. لأنه لايرى هناك حقائق مطلقة، شمولية، لازمنية يجب على كل الناس الامتثال لها. يرى دوستوفسكي ان العالم مخيف بالرغبات العارية المنخرطة جميعها بالصراع مع بعضها. جميع الناس لا يبحثون عن السعادة . هناك البعض مثل انسان تحت الارض يختار المعاناة لانها تمتعه. هؤلاء الافراد يُثبطون بالسلام والثروة والأمن والسعادة. هم لا يريدون ان يكونوا روبوتات في عالم وضعي عقيم فيه كل شيء ينسجم ضمن قالب او آخر. بالنسبة لانسان تحت الارض، اتّباع الحوافز اللاعقلانية والتورط في افعال لاعقلانية تعني اعلان الانسان عن فرديته. وبالنتيجة، يثبت الافراد انهم احرارا. الانسان الذي هو متحرر حقا يعرّف وجوده طبقا لحاجاته وليس طبقا لتلك الحاجات او المقاييس التي خُلقت ثقافيا من جانب المجتمع. وعندما يعترف انسان تحت الارض بان، "القدرة العقلانية هي ببساطة واحد الى عشرين من جميع قدراته في الحياة، فان الحياة هي اكثر من الاستدلال، اكثر من مجرد استخراج الجذر التربيعي".

حتى الآن نظرنا في اثنين من مفكري اواخر القرن التاسع عشر: احدهما فيلسوف وشاعر والثاني فيلسوف روائي. كلاهما كافحا مع معرفتهم بان الوجود الانساني كان مليئا باللاعقلانية. اتجاههم كان متشابها في كونه فرديا عاطفيا مباشرا.

يجب ان يكون واضحا اذا، ان نيتشة ودوستوفسكي كان لديهما احتقارا كبيرا للعقلانية المفرطة، بكلمة اخرى، هما كرها علمية العقل التي التصق بها الاوربيون منذ قرون.

سيجموند فرويد

وكما في فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، شخص سجموند فرويد (1856-1939) الحضارة بالعقل الانساني واعتبر العلم المسار المحتوم للمعرفة. كان فرويد طفلا للتنوير. ولكن على خلاف فلاسفة العقل، ركز فرويد على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان وفكره.في عام 1840 جادل كارل ماركس ان الناس يعتقدون انهم يفكرون متحررين. الحقيقة، كما يرى ماركس، ان افكارهم تعكس فقط افكار الطبقة الحاكمة."فرويد ايضا اعتقد ان افكارنا الواعية تتقرر بشيء مخفي: دوافعنا اللاواعية.

نيتشة مجّد اللاعقلانية كشيء لابد منه للشاعر. فرويد، من جهة اخرى، اعترف باللاعقلانية كخطر محتمل. هو اراد ان يفهمها علميا. هو ايضا اراد تنظيم اللاعقلانية لتكون في مصلحة الحضارة ككل. وكما اخبر احد اصدقائه، ان اللاعقلانية كانت "هدفا شاملا للعلم". كان فرويد مقتنعا بان الناس ليسوا كائنات رشيدة. سلوك الانسان، مسترشدا بالقوى الداخلية كان شيئا لا عقلانيا. ضمن الذهن هناك فعالية ذهنية لا تعتمد على الوعي. هذا هو الذهن اللاواعي. بالنسبة لفرويد كان تأثير هذا الاكتشاف عميقا: انه يعني ان افعال الانسان ليست دائما رشيدة. هذه الفكرة انتشرت بوجه مُثل التنوير كونها لا تقل اهمية عن فكرة نيتشة في "موت الاله".فرويد لم يكتشف العقل اللاواعي . الرومانسيون الاوربيون في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر استعملوا سلفا العقل اللاواعي كقوة لطاقاتهم الفنية. وكذلك بالنسبة للتراجيديا اليونانية القديمة وشكسبير ودوستوفسكي ونيتشة. فرويد أعجب بهؤلاء المفكرين واستمر بوصف نيتشة "كفيلسوف تنسجم مسلماته وتخميناته بطريقة مدهشة مع الاكتشافات الشاقة للمحللين النفسانيين". ولكن على خلاف نيتشة، كان فرويد رجل ذو مزاج علمي. هدفه من الدراسة وعمله في كامل الحياة قُصد به ليكون استكشافا لذهن الانسان اللاواعي.

كطبيب متخصص في معالجة الامراض العصبية، استنتج فرويد بان التفكير المضطرب هو نتيجة الخوف المُمارس اثناء الطفولة. هذه الحالات النفسية تتخذ عدة اشكال لكن يمكن تصنيفها بـ : الهستيريا والقلق والكآبة والوسواس القهري. لكي يعالج فرويد السلوك العصابي وجد ان هذه التجارب الطفولية يجب استعادتها الى السطح لكي يستطيع المريض مواجهة ذاته . عالج فرويد مرضاه بطريقتين. الاولى، كانت ارتباط اً حرا: اي مهما يأتي الى الذهن. هذه تلقائية وبلا اية قيود واحيانا يحتاج المريض للكشف عما هو مخفي. الثانية، كانت تفسير الاحلام. الاحلام تكشف الرغبات السرية واحيانا السلوك المنحرف. وبسبب ان بعض الذكريات مؤلمة فنحن نقوم بحبسها. نحن بلا وعي نجعلها مختبئة والمحلل النفساني المختص هو وحده يستطيع سحبها الى السطح. غرائز الشخصية تتطلب باستمرار الاشباع العاطفي وبهذا هي فطرية ولاعقلانية.هذه الغرائز لا تعرف القيم وتبحث فقط عن الاشباع. انها لا تعي اي شيء عن الخير والشر، وتتطلب فقط الاشباع الجنسي وانهاء الألم. عندما تُواجه هذه الغرائز بالانكار فان الفرد يصاب بالاحباط والغضب والتوتر. جادل فرويد بان هناك صراع بين غرائزنا الفطرية او طبيعتنا الموروثة ومتطلبات الحضارة. هو طور هذه الفرضية في كتابه الصغير الصادر عام 1930 بعنوان "الحضارة وسلبياتها". متأثرا باهوال الحرب العالمية الاولى وما اعقبها من دمار، كانت الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب طورت قبل عام 1914. الانسان يشتق ارقى حالات السعادة من الانجاز الجنسي، لكن العمل الجنسي غير المقيد و بلا حدود يستنزف طاقة الفرد النفسية المطلوبة للحياة الخلاقة والفكرية.ومن هنا، فان المجتمع ومن خلال العائلة والقس والمعلم والشرطي هو الذي يفرض القواعد والقيود على طبيعتنا الحيوانية والتي، بسبب انها حيوانية فهي تتطلب الاطلاق. مثل هذا الوجود هو مؤذي ويسبب القلق والاحباط. ولكن انتهاك قواعد الحضارة ايضا يُشعرنا بالذنب. وفي كل الاحوال، سنعاني العذاب والالم. الحياة المتحضرة تنطوي على المزيد من الالم للناس.الثمن الذي ندفعه للحضارة حسب فرويد هو العصابية.

انه مأزق غير سار، الناس ليسوا خيرين بالطبع حسب راي فرويد. الفرد هو مخلوق عادة تحرضه غرائزه على العدوان. اول الميول هو ليس ان تحب شخصا اخر كاخ او كاخت وانما "لإشباع العدوانية، لاستغلال المقدرة للعمل بدون تعويض، الاستخدام الجنسي دون الموافقة، حجب الملكية، الاذلال، إلحاق الالم، التعذيب والقتل" . فرويد عرف ذلك من خلال دراسة العصاب الانساني وهو كما ماركس، ادرك ان التاريخ هو قصة الصراع. وبينما راى ماركس صراعا ديالكتيكيا بين الطبقات الاجتماعية، فان فرويد وجد صراعا ديالكتيكيا ضمن العقل الانساني ذاته. الحضارة تحاول ضم الافراد الى عوائل، اعراق، شعوب وقوميات في وحدة واحدة كبيرة. لكن فرويد وجد ان "عدوانية الانسان الغريزية، او كراهية كل واحد تجاه الجميع وكراهية الجميع تجاه كل واحد، تتعارض مع هذا البرنامج للحضارة".

ربما يرى البعض ان فرويد رفض الايمان بالتنوير. كلا، والسبب واضح : فرويد لم يمجد اللاعقلانية كما فعل نيتشة. الحضارة هي عبء لكن الناس يجب عليهم تحملها لأن البديل اكثر سوءا. وهنا يمكن القول ان النظرية الاجتماعية لفرويد هي متشائمة. الحضارة تكبح باستمرار معظم حاجاتنا الانسانية الاساسية . جميعنا يعاني من العصاب. البعض يستطيع التكيف مع هذا السلوك، بينما اخرون لا يستطيعون. اولئك الذين يفشلون يتطلبون علاجا او محللا نفسيا. ولكن كيف استطاع اولئك الافراد التكيف مع عصابيتهم؟الدين، الفن، المخدرات، الكحول، الموسيقى، الجنس، السياسة . كل هذه ليست اكثر من عصا مساعدة للمشي لانها تحرفنا عن دورنا الحقيقي لنصبح اناسا كاملين.

الفنون والآداب

وكما خرج نيتشة وفرويد عن تقاليد التنوير التي اكدت على ان الانسان خير بطبعه، كذلك الفنانون والكتاب تمردوا ضد الاشكال التقليدية للتعابير الفنية والادبية. عملهم خلق ثورة ثقافية عظيمة نسميها نحن بالحداثة. الحداثة تتميز بالوعي العميق للذات. انها استبطان مكثف للفنان الحداثي او الكاتب، الذكاء اصبح عائقا للابداع والتعبير عن العاطفة الانسانية. العقل الانساني، بدلا من ان يكون محررا للانسان، الان جعل نفسه آسرا له. الفنانون الحداثيون تخلوا عن جميع التقاليد الفنية والاعراف الادبية وبدأوا بممارسة وسائط جديدة للتعبير. هم حطموا التاريخ لكي يخلقوا تاريخهم الخاص.

كتّاب امثال ,Marcel proust(1871-1922),D.H.Lawrence (1885-1930)Thomas Mann (1875-1955)، وكافكا (1883-1924)، استكشفوا الحياة الباطنية النفسية للفرد. رواياتهم، مسرحياتهم، قصائدهم تعاملت مع فكرة الانسان الحداثي الذي يرفض قيم زمانه. استبطانهم الكثيف اجبرهم على تحدي قلقهم الناتج عن الذنب المفروض من جانب المجتمع، وجنسيتهم الواعية، وتوقهم للتدمير الذاتي، وشعورهم الكاسح بالعزلة واللامعنى والاغتراب.

بالنسبة للحداثي، لا وجود للواقع. الواقع هو فردي، انه الفرد ولذلك هو ذاتي. وكقاعدة عامة، كانت الحداثة اقل اهتماما بالواقع منه الى كيفية تحويله من جانب الفنان او الكاتب. بهذه الطريقة، جعل الفنان الواقع خاصا به. واذا كان المجتمع الصناعي للطبقة الوسطى في القرن التاسع عشر منح قيمة للعقل وللصناعة والمنظمة والافكار والقيم فان الحداثويين كانوا مسحورين بغير العادي والاسطوري والخيالي والمجرد من الشكل. وبكلمة اخرى، الحداثيون صاغوا العالم متشكلا بغير العقلاني. وبهذه الطريقة يكون الحداثيون والفنانون والكتاب عكسوا اهتمامات دوستوفسكي ونيتشة وفرويد.

في عام 1900 حاول الفنانون التوغل الى المساحات العميقة في الذهن اللاواعي. كان اللاوعي المصدر الحقيقي للابداع ولذا حاول هؤلاء الفنانون تجسيد ذهنهم في اعمالهم الفنية، فجسّدوا بصريا ما لم يُمنح تعبيرا لفظيا.

يمكن الآن الوصول الى بعض الاستنتاجات العامة:

1- ان الحداثيين رفضوا الرؤية التقليدية بان العالم مكان عقلاني ومنظم. هذه الرؤية جرى التعبير عنها اولا في عصر النهضة، واصبحت هي الفكرة السائدة نزولا الى القرن التاسع عشر. خروج الفنان الحداثي عن هذه التقاليد فتح امامه امكانات جديدة كليا بالاضافة الى مشاكل جديدة كليا مرتبطة بهذه الامكانات.

2- الحداثة في الفن والادب ايضا انعكاس للقوة المتزايدة والاعجاب بالجانب اللاعقلي في الوجود الانساني، وهنا تكون الحداثة جزءا من التجربة الاوربية التي انتجت نيتشة وفرويد.

3- نيتشة وفرويد لم يصنعا الحداثة. لم يضعا المصطلح لها وانما كانا مراقبين جيدين لعصرهما، وكل بطريقته الخاصة عمل كطبيب لتلك الصيرورة العظيمة – الحضارة الغربية.تشخيصاتهما لم تكن جيدة. الحضارة كانت تتغير امام عيون كل اوربي. التغيير كان في كل مكان، لكن للتغيير ثمنا. التفككك وعدم اليقين في وقتنا الحالي.

 

حاتم حميد محسن

 

انطلاقاً من مشروع الدكتور علي شريعتي الذي يدعو الى (غربلة) الدين ومن ثم بناءه ايدلوجياً ليواكب التطور السريع الذي تشهده كثير من العلوم لتأصيل الحلول ومعالجة الإشكاليات التي تثار حوله . رأيت أن أكتب سلسلة من المواضيع (حسب طاقتي واطلاعي) تصب في هذا الباب وتفتح مجال لزيادة الوعي (النباهة حسب تعبير شريعتي) بكثير من الإشكاليات المطروحة على الساحة، ومحاولة لنبذ التزييف والتشويه ( الأستحمار حسب تعبير شريعتي ).. ولعل من أهم المصطلحات وأجدرها بالبحث والتعمق .

أولاً: التقليد - وهو قدوة وأسوة، يتحقق بمجرد العمل، أو بمجرد الجزم والعزم على العمل بقول عالم (مجتهد) معين، وهو (أي التقليد) الطريق الأكثر عملية لجل الناس، ولا يخفى على الباحثين والدارسين أن مسالة التقليد رغم عمرها القصير نسبياً فإنها ساهمت في إيقاف حركة الوعي (النباهة) عند الكثيرين بعد ما نجح بعض الدعاة الى تلقين جمهورهم شعاراً عائماً لا حدود لتفسيره منتزعاً انتزاعاً من قوله تعالى (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وحقنوه مخدراً شاع بين الناس (ذبها براس عالم وأطلع منها سالم) فضلاً عن مساهمتهم في تسطيح مفهوم الراعي والرعية من (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فأنتجت هذه الدعوة مقلداً أعمى يطيع طاعة عمياء لا يقبل بها الواعي (النبيه) فضلاً عن العالم !!

فتحول التقليد الى التسليم المطلق والذي ورّث الآف المفاسد، ومن المؤسف أن بعض العلماء راحوا ينظرون بشكل حتمي للطاعة ويروجون لها، حاسبين ان عموم الناس مجرد قطيع وأن الراعي ليس عليه الإ علف الرعية وقيادتها الى المرعى حتى أضحى التقليد الذي يعتبر مبدأ من المبادئ (الإسلامية بوجه عام والشيعية بوجه خاص) الراقية أداة سلبية باتت تُخضع المكلّف للتقليد الأعمى حتى في الأمور العقلية والفكرية وراح المقلد يسأل مقلده عن أمور حياته اليومية البسيطة، وكأنهم أصبحوا (أي المقلدين) عبيداً لعقل أو عقلين يفكرون عنهم بالأجماع، ورحلت الكثير من العقول وغيبت بسبب مخالفتها لهذا التزييف المتعمد (الأستحمار)، وتصبح الكارثة أكبر اذا صارت الاستخارة هي العقل وهيمنت عليه، وقد تعرضت شخصياً لهذا الأستحمار !!! فقد طلب مني بعض الأطباء (الملتزمون) أن أقوم بتصميم مجمع طبي مكون من أربع طوابق يضم معظم الاختصاصات وبعد المضي في التصميم وقطع شوط طويل تفاجأت بإلغاء المشروع من قبلهم وعند الاستفسار عن السبب ؟ أتضح أنهم أخذوا استخارة أكثر من مرة وكانت غير جيدة !!.... هذا نموذج من الفهم الخاطئ وتغييب العقل والتخطيط السليم، ينقل عن أحدهم قوله: أن ضم الناس الى العالم كضم الحجر الى البشر !! .. فيما كتب آخر: فليس الحاكم الإسلامي كالحاكم الديمقراطي يستمد سلطانه وسلطاته من الأمة، فإن النظرية الإسلامية لا تعترف بمثل هذا السلطان للأمة!!

وأخيراً مما دفعني الى هذه العجالة هو ما أراه من أن الأستحمار قد بلغ درجة من القوة والشيوع في زماننا هذا، لم يسبق لها نظير على مر التاريخ . فقد كان الأستحمار في الماضي تابعاً لنبوغ المستحمرين وتجاربهم!، اما اليوم فقد أصبح معززاً (بالعلم) وبـ (القنوات الفضائية)، وبـ (المال)، وبـ(التربية والتعليم) صار فناً مجهزاً بالعلم والمعرفة، دقيق جداً، يصعب على المستحمرين رفضه والانفكاك عنه !!

 

حسنين الربيعي

................

مصادر البحث:

1) الفتاوي الواضحة للشهيد الصدر (قدس سره)

2) أزمة العقل الشيعي، مختار الأسدي

(3 النباهة و الأستحمار، الدكتور علي شريعتي

4) التشيع العلوي والتشيع الصفوي، الدكتور شريعتي

5) مجلة قضايا اسلامية معاصرة

saleh alrazukتعتبر موضوعة النهضة والتنوير عند العرب من المسائل التي تشغل الذهن العربي. وإذا كانت تسمى في فترة الاستقلال بالإصلاح فإنها أخذت تسمية اليقظة بعد نكسة حزيران وبزوغ فجر القومية العربية.

اليوم نحن على عتبات عالم جديد لا مكان فيه للعروبة، فهي ذهن يعيش أمجاد الماضي وفتوحاته المشكوك بها.

ماذا قدم القوميون العرب لهذه الأمة التي تنقسم إلى ثلاث شرائح:

 

حطام الربيع العربي وصعود السلفيات المعاصرة

والرأسماليات المحلية التي تستقطب العامل البسيط والعقل المعطل عن العمل، وتستعمل لهذه الغاية عدة تقنيات تصب كلها في أسلوب واحد وهو الإغراء والتشجيع على الوهم.

إن استعلاء الأفراد على مجتمعاتهم، ولا أقصد عفوية المجتمع وإنما شروطه تقود النخبة لتبرير هذا الاستلاب وهذه الخيانة لدور المثقف.

والنتيجة في النهاية تعطيل الإحساس بالأزمة إن لم نقل تحويل أو تزوير طبيعتها.

لقد اختصرت الرأسماليات المحلية المنطقة إلى واحد من إثنين: الحرب أو الحياة. وكانت العلاقة الطبيعية بين الإنسان والأرض هي مجرد دافع غريزي يمكن قراءته بكل سهولة بمنظار فرويدي.

وتبقى الشريحة الثالثة والأخيرة من المحايدين الذين يعيشون في أوهام وطن لا علاقة له بماضيه. وكأنما المستقبل ضرب من الخيال العلمي والفانتازيا.

إن ماضي هذه المنطقة لا يسهل المهمة على الحياد. فهذه الكلمة تصعب قراءتها في ضوء المعطيات، وبالأخص إذا كنت تتكلم عن تحولات تقدس الرواسب التاريخية وتعتقد أن الحل لهذه المهزلة يكون بالإحياء وليس بالابتكار.

لقد اختلطت الأوراق مع التسميات في هذا الجو المعتم والميؤوس منه ولم تعد توجد حدود واضحة بين المسميات.

فالإصلاح السياسي ارتبط رسميا مع الإصلاح الديني. وكلاهما حمل عدة صفات وأسماء منها التنوير والنهضة والتجديد والتحديث.

وإذا كان فصل هذه المصطلحات يدخل في باب التعسف فهو دليل على قلة وضوح المعطيات.

أين يبدأ المجتمع وأين تنتهي الإلهيات.

وما الفرق بين اليقظة والنهضة والتنوير.

إنها عبارة عن بقايا لصراع أفكار يستمد مشروعيته من تعقيدات الذهن العربي.

وهذا العقل حتى اللحظة مشتت بين أوهام ميتافيزيقية وواقع يزداد في التخبط والسقوط.

وخذ على سبيل المثال معركة الدين، هل الشرط أن يكون الإسلام عربيا أم أنه إسلام أممي.

لا يمكن أن تجد إجابة مقنعة لأن المذاهب حتى الآن تقرأ الدين بمفرداتها ولا سيما في التشيع والذي له عدة صور منها التشيع العربي والفارسي. وكأن الإمام علي شخصية مركبة تتكون من عدة هويات وأصول.

وكذلك الأمر بالنسبة للحداثة، هل يمكن تحديث العقل العربي أم أنه يرتبط حكما بالجمود والخرافة والأساطير ولا بد من استيراد منظومة غربية نبني مستقبلنا المعرفي على أساسها.

من هذه النقطة بدأت حملة تجريم طه حسين والتشكيك بمصداقيته، ثم انطلقت حملة تجهيل كل الأمة وإطلاق صفة الجاهلية المعاصرة عليها وإعلان الجهاد المقدس ضد واقعها الراهن.

ولو عدت إلى أرشيف الفكر العربي ستجد أن الخلاف ليس في المعاني ولكن في الأولويات.

وأقصد بذلك من له الأسبقية: التنوير أم النهضة.

وباعتقادي توجد حاليا مدرستان:

مدرسة الليبراليين الذين يقولون مع ألبرت حوراني أن النهضة العربية بدأت عام 1789 وأعقبتها حركة تنوير تمثلت بالاتصال مع الغرب من خلال الرحلات وحركة الترجمة.

ومدرسة السلفية المعاصرة (المحافظون الجدد) ويرون مع حسن البنا أن الامة الإسلامية مغدور بها وهي تعيش في حالة تفكك وتقترب من خطر وجودي ولا يمكن التغلب عليه إلا بإحياء الأسلاف وبصيغة الماضي.

ولا شك أن هذه المدرسة تتأرجح بدورها بين تحديث مشروط وتكفير لكل أنواع التجديد.

والاختلاف يعبر عنه موضع الفريضة الغائبة: الجهاد وغاياته. وطريقة الارتباط هل هي بالبيعة أم بالموالاة. وما هو أساس الترابط أهل الثقة أم أهل الكفاءة.

المشكلة الأساسية في هذه الصورة هي المسافة الواسعة بين الطرفين، لقد تحول الفرق إلى هوة يصعب القفز من فوقها.

وقاد ذلك كل طرف إلى استعمال لغة وأدوات مختلفة ومتحاربة.

ولا أعتقد أنه توجد أمامنا فرصة للتفاهم.

حتى أن فكرة صراع الحضارات وموت التاريخ أصبحت تنطبق على هذه الوضعية.

فالأفكار غير قابلة لإعادة الانتشار.

والصراع بينهما هو صراع على وجود.

وظلام السلفية المعاصرة أصبح يقف أمامه ظلام اليسار العربي. والحقيقة أنه لم يعد هناك يسار حقيقي في هذه المرحلة. إنه مجرد صدى لموقف يحدوه العناد أكثر مما يحركه الوعي والضرورة والرغبة بالبقاء.

وأستطيع أن اقول إن اليسار بدوره يعيش نوعا من الانفصام بين المادة والروح. فجزء يتمسك بالحلول الجبرية. أو إجبار الفكرة على تلبس الأدوات. وبوضوح اختيار ميول عدوانية لحصد أكبر قدر من المكاسب دون استراتيجية بعيدة الأمد. لقد تخلى اليسار عن كرامته ولم يكن واقعيا أبدا. وهو حاليا في معدة العسكر أو في جيوب وخزانات الرأسماليات المحلية. ولا أستطيع أن أرى كيف سيحافظ على مستقبل أبنائه وهو يعيش في مستنقعات الآخرين. شكل جذع بلا رأس. أو عضلات بلا عقل مفكر.

هذا إن لم نقل إنه يذوب تلقائيا في بوتقة الأمم الأخرى ليفقد كل الصفات النوعية ويصبح طرفا في يسار متعولم يخدم مصلحة وطنيات لا تعرف شيئا عن العروبة أو قدر الشرق الأوسط.

لقد تكررت هذه المأساة عدة مرات في تاريخنا المعاصر.

فاليسار الدولي لم يرحم إرادة الشعوب وتصرف معها بأسلوب استعماري كانت له نتائج وخيمة. وأذكر هنا بحرب عائلة كينيدي في فيتنام، والتي أرى أنها سقطة وعيب في تاريخ الديمقراطية الأمريكية.

وكذلك بحرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

لم يضع اليسار لا في الغرب ولا المشرق في اعتباره الخصوصيات المحلية وشاء أن يربي الآخرين وفق معايير مفروضة من فوق شروط التاريخ والمنطق. لقد كانت هذه الحروب أشبه بسياسة الأب الإله الذي يتبع أسلوب الإلحاق والضم وليس التوعية.

إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها العرب هي زيادة الثوابت غير التاريخية التي مهدت لعقل سكوني غير حضاري ولا معرفي وينظر لكل شيء بمنظار التقليد.

لقد ازدادت مساحة الجمود وعبادة الأب على حساب المتحرك والمتحول والذي يحمل حساسية لا بد منها تجاه عامل الأحقاب وقوانين العصر. أو ما يسميه آينشتاين النسبية. يعني قانون توالي الأزمنة وليس تكرارها.

ومثلما ردد الليبراليون مقولة حوراني واعتبروا القرن الثامن عشر منعطفا لبداية النهضة. كرر المحافظون مقولة البنا وتناقلوا فكرة جاهلية المجتمع ابتداء من سيد قطب والهضيبي وحتى الأشكال الاخيرة من الحركات السلفية.

وقد كان الفضل لتداول أطروحة حوراني يعود لهشام شرابي(1)، والذي رأى في (المثقفون العرب والغرب) أن تاريخنا العقلي الحديث ينقسم إلى ثلاث موجات متعاقبة وهي اليقظة العربية التي تزعمتها طبقة من المثقفين العرب ص 17 وجاءت جزءا من التطوير الإيديولوجي كتعبير عن عملية التعليم والتنوير والاتصال بأوروبا ص 16.

وطبقة المصلحين والتي تعني حكما التحديث الإسلامي ص 21. وهي حركة انبعاث وراءها نزعة محافظة إنما متنورة ومسلحة بإدراك عقلاني. ص 21

والفكرة القومية ذات الاتجاه العلماني والذي عكس رغبة المسيحيين بعقلنة التاريخ الإسلامي وتحديد علاقة المسيحيين العرب به. وما ترتب على ذاك من فرز بين الوحدة الاجتماعية والوحدة الطائفية لبلورة المفهوم التجسيدي لما يسمى في أدبيات الدولة: الوطن ص 74.

ولكن هذا لم يمنعه من مخالفة حوراني واستبدال حدوده التاريخية للنهضة وهي 1798-1939 بـ 1875- 1914.

ومن الواضح أن الفرق هام وملحوظ لا سيما في تحديد النهايات. فحوراني يعزو إليها الحرب العالمية الثانية وأزمة البورجوازية العسكرية وصغار الضباط أو أزمة المجتمع الصناعي الحديث ككل، بينما يراها الشرابي تقتصر على أزمة الإقطاع وانحلاله وتفكيكه واندلاع شرارة الحرب الكونية الأولى.

إن حالة حوراني تفرض على العرب مؤثرات من الخارج، إذ لم يكن للشرق دور هام في صناعة الاتجاه أو مصير العالم المصنع عندما اندلعت الحرب الثانية. في تلك الفترة كان الشرق والغرب تحت الاحتلال والانتداب ودورهم يعكس المتغيرات، إنهم مجرد حامل للأزمة وليسوا موضوعها ولا هدفها.

بينما حالة الشرابي تعكس دورا أكبر للمشرق وللعثمانيين والإسلام فيما يحصل. فقد كان تحالف الأتراك مع الفاشية والنازية مؤسفا وجر الويلات على المنطقة وقاد العقل العربي للخروج من غيبيات ومسلمات لا يطالها الشك باتجاه يقظة وعصر أنوار يحمل متغيرات بنيوية هامة.

وربما كان يعتقد الشرابي أن النهضة بدأت مع إلحاق المرض بالإقطاع وانتهت بتفكك الاقطاعية واندحارها وتدفق الرأسمالية الغربية على المنطقة ورعايتها لشريحة من صغار الرأسماليين وكبار البورجوازيين.

ومثل هذه الحدود تبدو مفهومة ومنطقية لأنها تعبر عن المخاض المحلي أكثر مما تنفعل بصراع الصناعة والزراعة وراء حدود المتوسط.

غير أن للاسلام العربي رأيا آخر. فهو ببساطة ينظر إلى المتحول على أنه الشيء ونقيضه. ولذلك كانت النهضة هي الاصلاح الاجتماعي لعقل الأسطورة. وأعتقد أن هذه الأفكار تحمل بذور ثورة الحداثة على نفسها.

فما بعد الحداثة التي ألغت سلطة المركز ووضعت الإنسان في دائرة اختيارات مفتوحة تعادل نفسها وتدعو إلى التوازن بين الاستراتيجيات والأفكار غير المتبدلة أو بين الإله ومفهوم الإله في العقل البشري أعقبها ما بعد - بعد الحداثة. وكانت تعمل جهدها لفرض أسطورة يمكن للعقل المادي والتاريخي أن يقبلها.

ومثل هذه التوأمة للميتافيزيقا مع الإدراك المحدود قاد الإسلاميين إلى تعريف النهضة من خلال متحولين:

- تحولات اللامتناهي والتي يسميها ماجد الغرباوي فعلية الأحكام (2). فالأحكام كما يرى تتغير بتغير الموضوعات. مثل العبادات وغيرها من التشريعات كقضايا المرأة في الإرث والحقوق الشخصية ومأساة قوامة الرجل عليها مطلقا، ففعلية أي حكم تتوقف على فعلية موضوعه المتوقف على الشرط والقرائن والمقدمات. وأوضح مثال على ذلك الجهاد. إنه لدرء الحرابة. أو للدفاع عن النفس. فإن لم يكن هناك حرابة لا يوجد تشريع موجب للدعوة إلى الجهاد.

- ثم تحولات المتناهي فالدين غير التشريع.

لقد تأثر الإسلام العربي بالوضعيات. وجزأ الفكرة إلى عقل محض وعقل تطبيقي. وهذا جعل أمام النهضة نطاقا أوسع للتراكم والتطور. بحيث أن كل ما هو غير سلفي يكون بالضرورة نهضويا. ولذلك إن بدايات الانهيار في الاقطاع العثماني هو بداية عصر النهضة أو الإصلاح.

ويعتقد الغرباوي أنه يتزامن ليس مع الدعوة إلى التحديث والانفتاح على فتات الترتيب الهرمي للمجتمع في السلطنة وإنما مع الدعوات المتتالية للثورة على نظام الأب الإله، والمناداة بوضع دستور.

إن الدستور هو بداية فجر النهضة عند العرب. وهذا عنده يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر وحتى بدايات الحرب العالمية الأولى. يعني منذ ظهور بوادر تفكك واختراق حدود الامبراطورية في الشرق (مصر وأفغانستان وإيران - وهذا يتوافق مع بروز شخصية الداعية جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني) وحتى سقوط الامبراطورية وإعلان معاهدة سيفريس وتأسيس الجمهورية في تركيا. وبروز شخصية الداعية محمد حسين النائيني. وكلاهما من أعمال الدولة العثمانية وليسا من دائرة الثورة العربية الكبرى أو تمهيداتها. وهذا أول فرق في هوية النهضة كما يراها القوميون والإسلاميون. وهو فرق نوعي. بدليل أن مفهوم الثورة تأخر في الدخول إلى وعي الإسلاميين.

ولا ضرورة لتفسير هذه الاختيارات. فالفكر الإسلامي منطقيا يتأثر بما يجري في أقاليمه الأساسية ولذلك لم يكن للتحول في العقل العربي دور سيادي. وإنما العكس، كانت التحولات في العقل الشرقي هي المحددة.

وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام. أن تكون النهضة مدينة للحواضر أو لنظام البلاط بانطلاقها وليس لعقل العرب البداة مع أنهم أول من نشر الدعوة.

لا أستطيع أن أفهم لماذا اهتم القوميون بالحدود والفواصل ولماذا كانوا مولعين برسم الحقول التي تتحرك فيها شتى المدارس.

فقلة اهتمام الإسلاميين بهذا التصنيف يتلاقى مع عدم توقف الليبراليين عنده.

إنهم لا ينظرون إلى النهضة والتنوير كأحداث موسمية، ولا يضعون بينها فواصل كما يفعل غيرهم.

وإذا كان لا بد من مثال، إن سعد رحيم ينوه إلى تداخل هذه المفاهيم (3). ويرى أنها تختلط في بوتقة واحدة مع الاصلاح الديني والحداثة. وهي كلها تستعمل لتسمية الشيء نفسه ص 6.

حتى أنه شخصيا يقفز من فوق هذه المصطلحات ويدمجها مع ظواهر عامة مثل اليقظة التي يؤكد أنها لا تختلف عن إصلاح الدين ص 8. وتقف على مسافة من النهضة والتنوير. ولكنها تؤشر على بدايات فكر المدينة وما رافقه من تغير في العلاقات وأدوات الانتاج. ص 8.

والواقع أن سعد رحيم نموذج مثالي لتفكير الليبراليين. فهو يتعامل مع المفهوم كنشاط أفكار.

ولذلك رأى أن النهضة سبقت التنوير الذي يسميه الأنوار. جريا على عادة المؤرخين في الغرب.

أما النهضة نفسها فهي ليست بسيطة وإنما مركبة. وتتألف من مرحلتين :

الأولى تبدأ مع الطهطاوي وتنتهي بمحاكمة علي عبد الرازق وطه حسين.

والثانية تبدأ من طه حسين نفسه وتنتهي بهزيمة حزيران.ص 29.

ولا يمكن أن يخفى تدوير المصادر في فكرة وتعريف سعد رحيم. فالنهضة الأولى هي مصرية مائة بالمائة. والثانية عربية لها أفق قومي وعسكري.

ويمكن أن ترصد في هذا التحقيب عدة سمات:

1- النهضة مروية حضارية. تتألف من وحدتي سرد. انبعاث وموت وإحياء. وكأنها أسطورة تموزية بإطار فرويدي لها حدان متعاكسان: الموت و القيامة و التي يطلق عليها التموزيون اسم الانبعاث. فإذا انتهت النهضة الأولى بالمحاكمة فإن الثانية انتهت بالإدانة. وإذا بدأت الأولى بتسويق الأفكار بدأت الثانية بالشك بالسرديات الكبرى وفي المقدمة مؤسسة الشعر الجاهلي. ديوان العرب. الأمر الذي يضع كل جذور العرق العربي موضع الشك ويتهمها بالتلفيق.

2- وهي أيضا نتاج نقل للأفكار. ولا سيما ماكينة أفكار العقل الإمبريالي. فقد بشر الطهطاوي بالحضارة المتوسطية بينما طه حسين مهد للفكر الهيليني البطليمي.

3- ويغلب على هذا التفسير أنه فكر أزمة. وله حبكة لا يمكن أن تنفرج. وهي ذات نهايات مفتوحة على التراجيديات المحلية. مقابل الأبعاد التربوية لنظرية القوميين والبعد الإصلاحي عند الإسلام المعتدل.

4- وهو تعبير عن البلبلة العقائدية للشباب. وللأسف لم يتوسع سعد رحيم في هذه النقطة. وأغفل اسما هاما من الموصل هو يونس السبعاوي الذي يعتبر رائدا هاما للنهضة قبل الحرب العالمية الأولى. وهو من بين القلائل الذين اهتموا بأنوار المشرق وليس بالغرب الاستعماري. واتصل بالسلطات الروسية للحصول على منابع العلم والقوة العسكرية (كما يقول خلدون الحصري)(4).

ويضاف لذلك أنه ينظر الى النهضة كمروية لها سياق تركي وعربي.

ومثل هذا العزل بين الطرفين تتخلله فراغات، فهو يضع الأفغاني مع العرب. ولا ينكر أنه داعية أصولي اختصر مهمته في التبشير بأممية إسلامية ثالثة. بعد الإسلام العربي والتركي. وبإحياء الهوية الإسلامية الأصيلة بعد تخليصها من الشوائب.

وكأنه نسخة إسلامية من (غربال) ميخائيل نعيمة لفرز التجديد والحقيقة من الوهم والخرافة.

ولا أعتقد أن هذه المشابهة غريبة على تفكير سعد رحيم. فهو ينظر للنهضويين كجيش أو ميليشيا من الأدباء الذين قدموا فكرا تجريديا لإعادة تشكيل الذهن الإسلامي. وكان واضحا في انحيازه للجانب المعرفي من النهضة وعدم إسقاط الهم السياسي عليها، فقد نقل عن محمد عبده أنه لعن السياسة والسياسيين ص 90. وقاده ذلك لإضفاء طابع غامض وتصوفي على أئمة ومشايخ النهضة. ولا سيما الأفغاني ورشيد رضا.

الأول لأنه مجهول الهوية ولأنه لعب دورا مشكوكا بنظافته في كواليس عدة دول. ولم يبق إلا أن يقول إنه لورنس عرب آخر. أو جاسوس أعجمي لديه وظيفة تخريبية. من مكائد ومؤامرات ص 19.

والثاني لأنه أصولي محافظ وسليل خط ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وتزمت ابن حنبل. ص 21. وهذا الثالوث إذا اجتمع في شخص لا بد إلا أن يكون تمهيدا للسلفية المعاصرة وليس الاتجاه الديني النهضوي المستنير.

مثل هذه الملاحظات اقترنت أيضا بتحديد كل الفضل في النهضة في العنصر غير العربي.

ولا سيما حر ب نابليون على مصر وتولي محمد علي للحكم.ص 24.

إن محمد علي أصلا هو بمثابة فيليب العربي. لقد حكم مصر لأنه مسلم مثلما حكم فيليب روما لأن والده من التبعية الرومانية.

لقد كانت النهضة العربية عند الليراليين مفصلا هاما في تجديد العقل ولكن هذا لا يلغي حقيقة أنها مختلطة المصادر، وتدين بوجودها لضعف الامبراطورية العثمانية أكثر مما تدين لوعي العرق العربي. ناهيك عن تململ الأديان والمذاهب التي تمنعها الدولة.

ولا يمكنني أن أشك لحظة واحدة أن من حمل أعباء النهضة من المماليك ومن الشعوبيين غير العرب أو الأغيار. أضف لذلك العامل المسيحي الذي عبر عن طموحاته ونفسه بتيارين: حركة نزوح إلى المهاجر نجم عنها تفريغ جغرافي وسياسي. والمناداة بالثورة وتبديل العلاقة مع الدولة.

وكل هذه العوامل زادت من مساحة الأسرار أو الأصح الجانب الأسطوري من أبطال ونجوم النهضة. وضاعفت من الموقف الوجودي لصراع النخبة مع النظام.

لقد كانت النهضة موقفا من العالم قبل أن تكون اكتشافا للذات.

إنها تجسيد فلسفي لتجليات الوعي الثوري بعوامل الضعف والسقوط والفوضى. أو كما يقول سعد رحيم وعي بانحلال المعرفة وتحويلها وتبدل في قواعد الإبستمولوجيا ص 24.

عموما يشكو مشروع النهضة العربية من عدة عيوب أساسية.

الأول في المنهج. كيف يمكن أن نبدأ بالنهضة قبل التنوير. فالمنطق يستدعي التخلص من الفكر الظلامي وقانون التجهيل والتخلف (أو الأنوار والاتصال بالحضارات الحية – الغرب في هذه الحالة) ثم الانتقال للدعوة إلى الإصلاح لتأسيس نهضة ملموسة ذات ثمار.

العيب الثاني هو الاتفاق على قراءة اجتماعية لهذه الحركة. فالشرابي والغرباوي يعتقدان أن الإصلاح حملت لواءه طبقة من النخبة أو الأنتلجنسيا التي لها حظ وافر من التعليم والمعارف. بينما يعتقد رحيم أن النهضة هي اختراع الطبقة المتوسطة. وكأنه انتقام طبقي من مجتمع القنانة السابق والإٌقطاعيات التي احتكرت كل شيء. ويذكر بالحرف الواحد: إن مشروع النهضة هو نتاج الطبقة المتوسطة الصاعدة. ص 53. وهي نفس الطبقة التي اضطر لرثائها بعد دخول اليقظة القومية في مرحلة الاستقرار ثم الجمود. وتحولها إلى تروس صغيرة (العقب الحديدية التي تكلم عنها جاك لندن). لقد كان مصير هذه الطبقة تراجيديا في الفترة التوتاليتارية.

وهو ما يضعنا أمام انتكاسة على الصعيدين العسكري والاجتماعي. قاد إلى اضمحلال حامل النهضة وبالتالي موت مشروعها.

وإذا كانت الإمبراطوريات الأساسية قد هضمت العقل الحديث وألحقت به الذوبان. وهو ما يعرف بأزمة موت الإيديولوجيا. نحن دخلنا في غيبوبة للوحدات السردية الكبرى ( باعتبار أن تاريخنا سردي بعد سقوط المشروع الإسلامي ولا علاقة له بالإنتاج والعمل بتعبير حمزة عليوي) وشرعنا بالانحدار في مرحلة لك أن تسميها: موت النهضة أو موت التنوير.

والواقع أن التفسير الطبقي هو نصف الحقيقة. فالنهضة بالإضافة إلى أنها ثمرة مجهود المحرومين من أبناء الفئات الصغيرة. هي أيضا ثمرة تجليات الوعي العرقي. ويقظة أبناء الأقليات لواقعهم المتدني في مجتمع منغلق على نفسه وبطريركي. تحكمه سلالات وعلاقات دم وأواصر قرابة. بمعنى أنه مجتمع عشائري.

وهذا يجعل الصورة معقدة قليلا. وتفسيرها يحتاج لنظرية في علم اجتماع المعرفة. وربما لهذا السبب هيمنت علينا ولحوالي نصف قرن إيديولوجيات إشتراكية في إطار "قومجي".

ويتوقف سعد رحيم عند هذه النقطة التي يرى أنها خلل فاحش في بنية وآلية العقل ذاته. ويتهم الفكر القومي أنه كان رومنسيا وحالما ويبني كل شيء على افتراضات ليس لها وجود أدت إلى تخبط الدولة القومية. بينما استمد الماركسيون مشروعيتهم من الرؤية الواقعية لتاريخ له ركام هائل في التراث النظري الإشتراكي. ص 64- 65.

ومن وجهة نظري هذا التحليل منحاز وموسمي.

بمعنى أنه يناصر الإشتراكية الأممية وينظر إلى العقل القومي وهو في مرحلة الانحطاط وليس الصعود. وبالضبط حينما تحالف مع اليمين والرأسمالية الشرقية بوجهها البدوي الإقطاعي للاحتفاظ بالأرض لأطول فترة.

لقد كان الخلل برأيي في مشروع النهضة ذاته. يمينه ويساره. فهو مشروع نهضة تخلف مثلما كانت اشتراكياتنا تميل للتعامل مع واقع الانحدار والفساد.

وأية قراءة للواقع النهضوي بكل أجياله ونسخه تحمل وصمة عبادة الأب. سواء النظام أو المرجعيات التي لا تحتمل لا النقاش ولا المداولة.

فأحزابنا الشيوعية كانت مجرد مديريات لتنفيذ قررات خطط لها السوفييت.

وإلا لماذا فشلت التجربة الماركسية في اليمن الجنوبي.

وأجد أن التدهور هو صفة بنيوية في العقل العربي الذي أنتجه مجتمع الهزيمة. والإشارة هنا لهزيمة 1921 أمام سايكس بيكو. ثم هزيمة 1948 أمام الانتداب البريطاني لفلسطين. هذا غير السقوط المخزي عام 1967.

وكل إفرازات حروب المائة عام بين تفكيك الإمبراطورية العثمانية وموت فكرة الوحدة العربية قاد جميع الأحزاب والتيارات إلى الإفلاس.

فالإخوان المسلمون خسروا جمهوريتهم الثانية في مصر. والبعث تحول إلى نوع من الروتين العقائدي مع استعمال أدوات فاشية (ولنتذكر صدام حسين وعلي عبدالله صالح). والشيوعيون انقسموا إلى اتجاهات محلية تحمل أمراض التخبط القومي. لقد خرجوا من مشروع النهضة بكل سهولة وراهنوا على الديمقراطيات الغربية. وحاليا في سوريا ثلاث اتجاهات تعمل على الأرض دون أي رصيد ملموس وهي: الشيوعي السوري بعقليته الكلاسيكية. والشيوعي الموحد والإرادة الشعبية الذي يدير قواعده من موسكو. حيث يعيش مؤسسه وأمينه العام.

العيب الثالث والأخير مصدره العلاقة بين الإلهيات والعقل. لقد كانت النهضة العربية ذات طابع خجول. لم تكن راديكالية بما فيه الكفاية. ويغلب عليها مشكلة في التجسيد. فالتوحيد لم يقتصر على صياغة مفهوم الأب المعبود فقط ولكن أيضا إسقاط كل حواشيه وصفاته لدرجة التماهي. وكأن للإله عند المسلمين صورا بمثابة رموز تنوب عنه. وهذا لم يساعد أحدا في تنمية وتطوير الوعي بعزل الصفات. أو ما يمكن الإحساس به وما يمكن إدراكه فقط.

ولذلك كانت النهضة العربية تحمل موبقات الانحطاط كله. وتذكرنا بآخر عهود المملكة السورية القديمة التي عبدت الملك وتسببت بسقوط الدولة وفتح الباب للاستعمار.

وهذا ما حصل مع النهضويين. لقد تخلصوا من الإمبريالية التركية ليسقطوا ضحايا في حفرة إمبرياليات غيرها تختلف معهم في العقل وأساليب الفهم والإدارك.

 

د. صالح الرزوق

.......................

المصادر:

1- هشام شرابي المثقفون العرب والعرب، دار النهار، بيروت، 1981.

2- ماجد الغرباوي. دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء. المثقف. عدد 2962. خميس 16-16-10 - 2014.

3- سعد محمد رحيم، روافد النهضة والتنوير، منشورات دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2015.

4- الأفكار السياسية ليونس السبعاوي. من أرشيف الحلقة الدراسية الخاصة عن الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890- 1939 . الجامعة الأمريكية في بيروت. 29-31 أيار. 1979.

 

mustafa alomariيعتمد العقل احياناً على مقاسات جاهزة ومشاريط حادة، تتخذ لها مكاناً مرتفعاً لكي تراقب كل من يمشي على الارض او من يروم الانعتاق من هذا العالم الكبير، هذه العقول تحمل ادواتاً حادةً وقاتلة مهمتها الانشغال والترقب من اصدار منتج جديد يحرك العقل ويزيح التالف من القديم. وبين تزاحم الفكرة وقيود التفكير تتبخر معظم الخلايا العقلية، فتهجر مكانها الحقيقي وتترك خلفها صخرةً لا تقوى على النمو او الحركة . النتيجة معروفة، حتى لمن لا يملك عقلاً واعياً، وهي : يجب ان ترحل طاقة التفكير والتأمل ويبقى الوعي الوراثي الميت الحاكم منذ زمن بعيد .

في رحيل العقل الحي المتسائل وبدورة غير كاملة وغير ناضجة يتم اعتماد العقل المغلق الميت، فتنتج الازمات والكوارث وترتفع الدماء الى حيث الله والسماء، ويبقى السؤال الازلي ملحاً على الذهن دون الاقتراب من الجواب، ماهي اسباب الانحطاط والتدني في المجتمعات العربية والاسلامية ؟

وتستمر التبريرات المختبئة خلف سياج المعرفة واسم الدين، تستمر في تشغيل ماكنة الضخ المفرط في ملء عقول الناس بالهابط من الرأي والسفيه من القول . مازال العقل المنتفع الماكر يحاول بناء سياجٍ فاصلٍ بين جمهوره وبين الفكر او اللامفكر فيه، ويستمر بالتحذير من الدنو او الاقتراب من ثقافة وانسانية ودين الاخر، هذا يعني اننا لسنا من الصبح بقريب ولازال سجى الليل يؤرقنا برؤياه المخيفة وشخيره المرعب .

اغلب المجتمعات العربية تبحث عن الله، وتحاول الوصول اليه، لكن هذه الاغلبية غير مدركة ان البوصلة التي تهتدي بها الى الله معطلة لايمكن ان تهتدي الى متر واحد نحو الله مالم تحرك العقل الذي وهبه الله لك. غاب عن منظور الاغلبية ان الله هو فضاءات هذا الكون والذي يريد ان يصل اليه يجب ان يعبر مسافات ويقطع حدوداً ويهجر موروثاً ويطمر مخلفات . الذي يريد ان يسافر نحو الله والعقل يجب عليه:

1- يحمل جوازاً عالمياً، هذا الجواز هو الحب لكل عباد الله

2- ان يتخلى من ثقل الموروث الذي عُبئ من خلال العقل الميت

3- المساهمة في احياء الارض وما عليها

4- الابتعاد عن الخوض بكل ما وراء الطبيعة او مابعد الموت وحجز مقاعد وفنادق في الجنة

5- ليس للاموات قيمومة على الاحياء الا ماينفع الحياة البشرية، كأن تكون نظريات علمية او اختراعات قابلة للتطور

6 عدم تقديس اي انسان حياً كان او ميتاً، لأنه قابل للمساءلة والمفاتشة

بالوقت الذي انقد فيه العقل الميت واطالب بالتحرر منه، يجب ان اعترف، ان هناك وعياً مضمراً وثقافة تساؤل كبيرة في اوساط المجتمع العربي الاسلامي،المجتمع الذي كان يخشى من السؤال ويعده انتحاراً على ابواب الفقيه، صار يجرؤ لكي يرد على كل فقيه لا يراعي حرمة العقل والمجتمع .

قبل فترة قصيرة جاء رجل دين مشعوذ خرافي الى امريكا، خطب بالناس قال لهم ان الامريكان كفار وامريكا بلاد كفر، الامر لم يمضي كما توقع هذا المخرف قام له احد الجالسين ورد عليه بقوة .

أُعوّلُ كثيراً على ذلك الوعي الساكت الان، لكني اطلب منك انت ايها الواعي ان لا تطيل السكوت فالمرحلة خطرة وسريعة الجريان .

 

مصطفى العمري

fatima almomani«سكت فقالوا׃هدنة من مسالم وقلت׃ فقالوا ثورة من محارب» .. البشير الإبراهيمي

تـعتبر مسألة التنوير من بين المسائل التي شكلت هما فلسفيا، لأنها تتميز بكونها تحول جذري على كافة المستويات في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ...إن التناول الفلسفي لمسالة التنوير بالنظر إليها كظاهرة عقلية تحتاج إلى تمثل واع إزاء أفق جديد يبحث عن ظهور نظرية نقدية انتهى بها مفكرو وفلاسفة التنوير إلى نتيجة تفضي للانسحاب من الدعوة إلى إنقاذ الفرد من الانحطاط من خلال مشروع اجتماعي، لان سلطة الحداثة التقنية أصبحت محايثة لكل تغيير ولكل تطور.

هذا المشروع التنويري يحاول من خلاله استصلاح العقل وإنشاء معقولية تواصلية لا تضاد العقل بتمامه بل تنكر تسلطه فقط. إن الواقع بالمغرب العربي هو واقع مغلق لمجتمع بلا نقد وإنسان فرد لا يعي إلا ما هو مباشر وواقعي، عالم عربي قد اغتيل فيه العقل النقدي وطغت فيه حالة اللافاعلية. لكن العزم النظري الأهم الذي يحرك سؤالنا الآن هو أن نقف على حروف الإشكالي التالي׃ ماحلتنا اليوم أن نسأل عن عقل عربي يأمل من أجل الانعتاق من واقعه المأزوم المزمن إلى عالم التنوير؟ هو سؤال عن المعنى، الرهان والأزمة. فهل يمكن استثمار قيم التنوير في واقع مأزوم يعاني من إعاقة في العقل؟

إن المعنى الأكثر شيوعا يشير إلى أن التنوير « Enlightenment » هو فكرة التجدد، هو عملية التحرر من الوهم أو الاعتقاد الخاطئ بمعنى أسفر و بان نوره. كما طرح ايمانويل كانط هذا السؤال "Qu’est-ce que les lumieres «Was ist Aufklärung ? » سنة 1784من خلال مقال له في مجلة "برلين الشهرية" تحت عنوان: "ما هو التنوير؟" و فيه أعط للتنوير معنى باعتباره أحدث انقلابا جذريا ومهما في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في أوروبا׃«التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسانأخر...و يقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما إلى العزم والشجاعة للذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان أخر... و مما لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعيد الاعتبار للإنسان بعد أن تم استلابه لقرون طويلة، إنه يعيد له قيمته ويحقق له إنسانيته، إنه شعار الحرية، في مستواها الأساسي، حرية الفكر، حرية العقل. إذ لا يمكن الحديث عن أي مستوى من الحرية دون تحقق هذا المستوى»[1].

فلو لا الثورة الفكرية التي أحدثها فلاسفة التنوير في العقول لما كانت "الثورة الفرنسية" قد نجحت واستطاعت بذلك أن تطيح بالنظام الملكي الاستبدادي المطلق الذي كان يستمد شرعيته من الكنيسة بحيث كان رجال الدين يعتمدون على المواعظ لسلب عقول المواطنين في تلك الفترة وفك مشروعية الكنيسة وكل الأفكار الطائفية المتعصبة التي كانت تبثها في المجتمع. فعصر التنوير هو عصر "الكوجيتو" السياسي،هو « الأنا أفعل» التي يتحول معها الإنسان من "فرد" إلى "مواطن"، هذا هو" الكوجيتو" السياسي الذي حققه الوعي الأوروبي في القرن الثامن عشر، والذي تغير بعده مسار العالم السياسي. ومن ثمه يمثل هذا القرن مرحلة تحول في طريق الإنسانية نحو مفهوم واضح ومحدد للمواطنة والديمقراطية. هو عصر تحول من "أسطورة الدين"إلى"أسطورة العقل"، أو من"المقدس المسيحي" إلى" مقدس الحداثة". فكان فلاسفة التنوير يرغبون في إصلاح كل شئ من السياسة إلى الدين إلى الأخلاق الاجتماعية...عن طريق العلم بحيث كان القرن الثامن عشر هو قرن التنوير، قرن أنير فيه العقل الغربي الذي كان له عمل واضح من خلال كتابات الفلاسفة وتصوراتهم الفكرية. ويبدو أن ديكارت كان أول من استخدم مصطلح التنوير بالمعنى الحديث، فهو يتكلم مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق استخدام العقل وحده.

لعل ما يميز التنوير هو نفوره من كل مماهات و تنميط. فالتنوير ثورة مستمرة وتجاوز مستمر وحركة أشكال لا تنتهي أي هو في جوهره نفي مستمر وتجديد من أجل التجديد. إن المحاولات لصياغة خطاب التنوير في المغرب العربي، غاية لتنظيم المجتمع بواسطة الحقوق، بواسطة القانون. فمن قيم التنوير الحرية، المواطنة، المساواة، العدالة....كل هذه المفاهيم مثلت شعارات القرن الثامن عشر، قرن التنوير الغربي.

في الحقيقة فكر العرب في التنوير كثورة قائمة أساسا على العقل، عقل لا يعرف بأنه مكسب بل بالعكس يقوم بتحطيم كل الأشكال التنظيمية الاجتماعية والسياسية في المقابل العمل على الإصلاح عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. إن اندماج العرب في العالم التنويري يتطلب منهم الوعي والتحرر من العمى الإيديولوجي بهدف الاتفاق الجماعي بعيدا عن الانقسامات التي تهدد وحدتها.

إن مغربنا العربي لم يعرف إلا التنوير المهمش، مثل إرهاصات النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، على أساس أنها تحمل قيما في الفكر والحضارة،وحتى النهضة التي قام بها محمد علي في مصر لم تتغلغل في ثنايا المجتمع في تلك الفترة، وبهكذا شكل يقول محمد عابد الجابري بأن كلمة النهضة ترمز إلى واقع قد تحقق بالفعل في أوروبا أما عند العرب فقد ظل مشروع، وبالتالي نرى أن العصر الذي مورست فيه نقد للذات العربية و أرادت أن توجد فيه نظاما من القيم والتوجهات التي تحاول أن تشد الإنسان إلى عصره و من ثمة الانتباه إلى حجم الهوة بين العالم العربي والعالم الأوروبي والذي استطاع بناء تجربته الإحداثية بشكل جعلها لم تبق أسيرة الشعارات السياسية أو الخطابات اليومية كما هو عندنا إذن إن الحراك الثقافي والسياسي الذي مارسوه المفكرون العرب في ذلك العصر وهو ما جعل بعض المفكرين يصفون تلك الفترة بأنها شهدت ظهور دعاة إصلاح أطلقوا أفكارا وكانت مقتصرة على فئة معينه. بحيث ظلت أحلام تنتظر التحقق.

لم يعرف العرب أيضا إلا ثورات مع تأجيل التنفيذ(الثورات العربية أو ما تعرف بالربيع العربي). وفي هذا الإطار يقول محمد أركون في كتابه" الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي": «لكي نخرج من أزمتنا ومأزقنا التاريخي.. لابد من مرحلة تنوير تضيء تراثنا الديني بمناهج حديثة من أجل التصالح مع الحداثة الكونية، لكن مشكلة النزعة الإنسانية في الفكر العربي.. قديمه وحديثه.. هي هذا الهجوم الشديد الذي يلاقيه من يحاول مس المسألة بعمق أو حتى سطحيا.. فقد تعرض طه حسين حديثا لهجوم أخذ به الرجل ولم يترك حتى تراجع.. أو ادعى التراجع.. تفاديا لعواقب تنتظر كل من يحاول خلخلة هذا الثقل الفوق إنساني في الثقافة العربية.. وربما يكون الأمل هو في تلك القوانين التي تحكم اتجاه حركة التاريخ.. تتوقع بها النتائج طبقا لمقدمات مشابهة حدثت من قبل».[2]

ما نص عليه محمد أركون من خلال كلامه هو دعوة إلى إحداث ثورة عربية عقلية أخلاقية من أجل الانعتاق من المأزق العربي المزمن...دعوة لبناء مستقبل تنويري...بناء عالم عربي جديد بعقل يحارب كل أشكال الجهل والتسلط. هذه الثورة تمكنا من محاربة كل الأزمنة التي حكمت علينا بالانحطاط السياسي والأخلاقي هو صراع من أجل الاعتراف بالأفكار لا بالأجساد. هو التشوق إلى طعم الحرية و الانعتاق من سجن الظلم. دعا المفكرون العرب الى التنوير بوصفه دعوة للتحديث الحياة الاجتماعية والسياسية.

إن ظهور فلسفات ما بعد الحداثة هي إعلان لنهاية عقل قديم وانبثاق عقل جديد قادر على التمثل والصمود أمام الواقع المأزوم. عقل يسعى أن يكون السيد في وطنه. ورأت في العقل هذه الفلسفات الوجود الحقيقي للإنسان وسعت إلى تحرير الحضارة من وصاية الكنيسة والنزعات الغيبية والخرافات وأمنت بتقدم الإنسانية عن طريق العلم.

و في نفس الإطار يرى ايمانويل كانطأن الطريق للثورة ليس بوصفه الطريق الصحيح بحيث يأمل إلى تغيير اتجاه العقول وذلك بالاعتماد على التربية العقلية والنقدية ويسمح للوجود الإنساني باجتياز سجن الأحكام المسبقة ويصبح الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يثير القلق في صميم طمأنينة العالم ويتطلع إلى الوجود بأسره ويستوعب الأزمنة كلها. ومن ثمة ضرورة ربط الحداثة بالفكر النقدي الذي يهدم وغايته التأسيس، بغية تحطيم العقل الخرافي وسلب قدراته من أجل الانعتاق بالتنوير ضد الفكر الذي أدى إلى فشل التنوير بالمغرب العربي. فنقد التنوير هو نقد العقل ذاته أي نقد الأسس الفكرية و الإيديولوجية التي يستند إليها الواقع.وهو مادعا أدورنو إليه في استخدام العقل في مجال جديد هـو نقد العقل نفسه في استعماله كبنية اجتماعية للسيطرة والقمع.

فالعقل هو الموضوع الأساسي للفلسفة بمعنى ׃«يشكل في الوقت نفسه الأداة المشتركة التي تستعملها الأنساق الفلسفية بهدف التفكير في الكائن وتفسير مختلف التجارب»[3].

بدأ التنوير العربي بأفكار فردية ظهر بها جملة من المفكرين و المناضلين السياسيين ورجال الدين العرب كرفاعة الطهطاوي، محمد الطاهر بن عاشور، الشيخ محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، محمد البشير الإبراهيمي...فكانوا من خريجي المؤسسات الدينية كالزيتونة بتونس، الأزهر بمصر...وغيرها. كانت غايتهم واحده ودعوة واحده من أجل تبنى أفكار تحرير الشعوب العربية من الاستعمار، وتحرير العقول من الجهل والخرافات على ضوء ثقافة المجتمع العربي الإسلامي. من ثمة كانت نزعتهم التنويرية مقترنا بدعوتهم إلى إصلاح العقيدة وبناء إنسان جديد باتخاذ التعليم وسيلة لتحقيق ذلك. كانت غاية النخبة التنويرية للعرب في الأول إصلاحية همها البحث في الهموم الوطنية والتقرب من مختلف الشرائح الاجتماعية بالاعتماد على خطاب بسيط أساسه العدالة الاجتماعية. لكن ما نشهده في منتصف الثاني من القرن العشرين أن أغلب السياسيين يتسابقون على السلطة وهمهم هي المناصب وتصبح مقاصدهم وممارستهم ملوثة.

لكي نتحدث عن مجتمع عربي حديث تفترض ضرورة تحديد مبدأ عام، مقياس عام لتعريف التنوير. لذلك التنوير ليس تعبيرا خالصا، وهو ليس تلاحق لأحداث بل يشير لمنتوجات تخص النشاط العقلي والعلمي... لكن إن فهم نشأت هذه الأفكار التنويرية التي هي بحاجة إلى مساءلة نقدية حول فكرة التنوير، مساءلة تعود إلى تثبيت جذور هذه النشأة.

لكن في وقتنا الراهن هناك مشكلة تربك نشوة ذلك المطلب. هو مشكل الثورات العربية التي عرفتها جملة من الدول العربية والتي أطلق على تسميتها باسم الربيع العربي.الربيع العربي هي مرحله شهدتها كل من تونس، مصر، ليبيا، اليمن و سوريا. هذه الثورات كانت نتيجة لتفاقم أزمة البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفشي الفساد داخل النظام الحاكم وعدم شرعية الحكومة...ثم غياب كلي "للحرية السياسية".. احتجاجا على سياسة القهر والتهميش،هذه الثورة حدث كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وزادت من غليان وغضب الشعب التونسي كانت لحظة صمت تحولت إلى لحظة غضب في قلب كل تونسي غيور على وطنه...ما كنا نعيشه في تونس من تهميش واستبداد من النظام الحاكم حيث كانت تونس مقتصرة على فئة معينه من الطبقة الحاكمة. الثورة التونسية والتي تعرف بثورة الكرامة أو ثورة الأحرار أو ثورة الياسمين التونسية في وسائل الإعلام، هي ثورة شعبيه بالأساس قادها شباب أحرار ولا يوجد لأي حزب سياسي، هذه الثورة كانت مستمده من قلب كل ثائر تونسي . و ما تعيشه اليوم تونس من نقله سياسيه جعلها تتقدم في تحسين الأوضاع شيئا فشيئا بخط حثيثة من رغم من وجود العديد من المعوقات التي تحيل دون اسمرار نجاحها..أليس شعب تونس هو من سجل في التاريخ العربي هذه الكلمات..إذا الشعب يوما أراد الحياة ..فلابد أن يستجيب القدر.

لكن في المقابل، عرفت الثورة التونسية ثورة مضادة بدأت مع منطق التناقض. و من أبرز الأحداث التي شهدتها تونس وكانت سبب في أرباك الوضع السياسي هي الهجمات السلفية منذ عامها الأول 2011. و في تلك الفترة ونحن نعيش «le temps des émeutes»[4] "زمن الشغب"، عرف جملة من الصعوبات (اغتيال..انفجارات بجبل الشعانبي..ذبح..تهديدات للأمنيين ورجال السياسة...الخ)، وكانت بمثابة العودة إلى الوراء. فما يعاب على هذه الثورات أنها قد تكون حاملة لمشاريع ثورية لكنها خاوية من البرامج الثورية. و الحق أن ما نعلمه من دروس التاريخ أن الثورات لا تأتي بشكل منظم ومرتب و إنما تأتي نتيجة انفجار شعبي ثم تتبلور بعدها القوى السياسية التي تستطيع أن تستغل هذه الظروف.

ما انتهت إليه تونس اثر الانتخابات هو انتقال ديمقراطي أو تحول في المجتمع والنظام السياسي. لكن هذا التحول في عمقه عرف ضعف نتيجة وجود عراقيل عطلت هذا المسار الديمقراطي ومن ابرز الأسباب هو التنافس الحزبي والسياسي بين قوى المعارضة وما تضمنته من تغليب المصالح الخاصة على مصلحة المواطن والوطن. وبرغم ما شهدته البلاد التونسية من أوضاع حرجة فإنها مثلت استثناء بين بلدان الربيع العربي.

ما عرفته الثورة المضادة بالبلاد التونسية أدى إلى تعرقل الأمور من كل جوانبها (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية...) لتخلق حالة من التداخل لا تخلو من أبهامات وايهامات. فعرفت بالتالي ثلاثة حكومات متتالية׃ حكومة مؤقتة ثم حكومة الترويكا وصولا إلى الحكومة الحالية المنتخبة أملا من خلالها الولوج إلى بر الأمان و الغاية بناء تونس جديدة، تونس الديمقراطية وذلك يكون بتحقق معنى الحرية.

الحرية في العالم العربي ليست موضوعا يمكن أن تعمل دون عائق أو عقبة، وتسمح له بتحديد بشكل مستقل أغراض العمل والوسائل لتحقيق ذلك.وكما قال مونتسكيو في كتابه De l’esprit des lois(1748)، يوجد نوعان رئيسيان من الحرية׃"الحرية الفلسفية"، التي تكون في ممارسة الإرادة، و"الحرية السياسية"، والتي تعني حقوق المواطنين داخل المجتمع׃»الحرية هي الحق في القيام بكل ما يسمح القانون؛ وإذا كان المواطن يستطيع أن يدافع على ما يفعله كان يمكن أن يكون أكثر حرية، لان الآخرين سوف تكون لديهم نفس السلطة»[5]. بمعنى أن شرط تأسيس التنوير هي الحرية. ويقول كانط في نفس المعنى׃«بالنسبة للتنوير فلا شئ مطلوب غير الحرية، بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في كل الميادين. إلا إني أسمع ألان وفي كل اتجاه من حولي صيحه تقول׃«لاتفكروا». فالضابط يقول׃«لاتفكروا...عليكم أن تنفذوا... »، والمسؤول المالي يقول׃« لا تفكروا عليكم أن تدفعوا». ورجل الدين يقول׃«لا تفكروا عليكم أن تؤمنوا» (هناك سيد واحد في العالم يقول׃« فكروا قدر ما تشاءون ولكن عليكم أن تطيعوا. في كل مكان يوجد تحديد للحرية. ولكن أي تحديد يناقض التنوير؟ وما هو التحديد الذي لا يناقضه بل والذي يمكن أن يكون لصالحه؟ أجيب فأقول إن الاستخدام العام لعقلنا لا بد أن يكون حرا في جميع الحالات، وهو الذي يستطيع وحده أن يأتي بالتنوير إلى البشر غير أن استخدام الخاص لعقلنا لا بد أن تخضع لتحديد صارم جدا دون أن يكون ذلك من الموانع المحسوسة في طريق التنوير».[6]

كما تميز عصر الحداثة بإضفاء قيمة عملية جوهرية على وضعية الإنسان في المجتمع من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو صاحب الإرادة الحرة، والفاعلة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، بل وفي مسار التاريخ. فقد تراجعت الفاعلية الدينية لصالح الفاعلية الإنسانية. كما تراجعت سلطة الكنيسة لحساب سلطة المواطنين. فقد «كانت هناك نظرة تأسيسية جديدة للعقل عليها انبنى التفكير السياسي الخاص بالحريات السياسية وبنمط الحكم الديمقراطي»[7]

لايزال التنوير يمثل ضرورة برغم أنه السبب في تحول العالم إلى سلعة تجارية في يد العولمة الرأسمالية. وهذا ما يهدد قيم التنوير التي أكد عليها فلاسفة التنوير كفولتير، روسو، ديدرو، كانط، هيجل...لكن ما نلحظه إن قيم العدالة أصبحت مهدده لان الإنسان نفسه تحول إلى سلطة تجارية تباع وتشترى، وهذا أصلا منافي للقانون الأخلاقي الذي أكد عليه كانط الذي ينظر للإنسان كغاية في ذاته. إي ما ينبغي عمله دون قسر أو إرغام، فيأخذ الإنسان نفسه بما يمليه القانون الأخلاقي، وهو عند كانط له صلة بفكرة الواجب و أساسه حسب نظره الحرية واستقلال الإرادة. ومن جهة أخرى دأب أغلب مفكرو "مدرسة فرنكفورت" بدعوة الإنسان الحديث للخروج من سلطة الحداثة التقنية المحاطة بكل عناصر الاستلاب التي تفرزها ثقافة الخطاب والمجتمع "ذو البعد الواحد" حسب هابرماس ماركوز.

إن النقد يمكن أن يتبلور من خلال ذات جماعية خاصة نقد يرتبط بالمجتمع إذ يفهم على أساس دعوى إلى التحرر، انه يفهم تحديدا ضمن مشروع يهدف إلى تغيير المجتمع׃ نقد يفضي إلى تثبيت أسباب معاناة الأفراد فيما تنتجه ثقافة ما من أدوات تسلط و الهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها. فإلى متى يظل حرمان الإنسان العربي من العقل التنويري تحت اسم العقل المتسلط؟ وهل سنعيش عهدا مستنيرا؟ أم في واقعنا نسير نحو التنوير؟ لكن اتضح فشل هذا الاتجاه لذلك راهنو على الفرد كعنصر ناقد، غير أن آليات التقنية لا تسمح للفرد بالنقد إلا من منطلق احتوائه، وبالاختلاف إلا من زاوية تحركه داخل دائرة الهوية. بهكذا شكل لم يعد التساؤل عن هامشية الفرد وعن إمكانية إنقاذه أساسيا بل أصبح الأمر الآن يرتكز من خلال إمكانيات إخضاع ما يشكل لا عقلانية النظام لقوانين العقل الإنساني. لكن مسيرة التنوير هذه لم تتمكن من مواصلة سيرها، وتعثرت وهي لا تزال في بداية الرحلة. فعرف التنوير في العالم العربي أزمة متعددة الابعاد والمظاهر والنتائج، ولعل هذا ما جعل البعض يتساءلون عن السبب بالمقارنة بشعوب نهضت بعدنا وتقدمت قبلنا.

إجمالا، كلمة التنوير في المغرب العربي مهما كتب عليها من تحليلات ونظريات إنها تظل أشباحا لها لذلك فهي تسبق تعليلها أو تأويلها وتبقى بعده تطفو حوله وتظل أغنى منه. التنوير ليس كلمة، و إنما هو مشروع، إحراج لأنه يقوم على التحطيم والمقارعة. و الحق أن مجتمعاتنا وفكرنا لم ينتج الحداثة ولم يعشها بل عاش مزيجا حضاريا اختلط فيه التقليد بالحداثة على مختلف المستويات وما إن بدأنا نتلمس معالم الطريق ونتعرف على هذا المزيج الغريب حتى داهمتنا موجة جديدة يطلق عليها ما بعد الحداثة.

 

د. فاطمة المـومني – تونس

....................

[1]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص 6

[2]محمد أركون،الإسلام ونزعة الانسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي،دار الساقي بيروت، طبعة الاولى 2001، ص76

[3] نورالدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة المعاصرة׃ نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1998، ص 133.

[4]Alain Badiou، Le Réveil de l’histoire، Lignes، 2011، p.14.

[5] Montesquieu، De l'esprit des lois(1748)، éd. Pourrat، 1831، t. 1،chap. 3-Ce que c'est   que la liberté، livre XI، p.290

[6]مقال ما هو عصر التنوير؟ كانط، ترجمة يوسف الصديق، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، عدد 38-39، 2004-2005، ص7

[7]Kant، Critique de la raison pure، Translate by، N. kemp Smith، New York، St. Martin’s press، 1929، p.22-23.

saleh alrazukيتابع ماجد الغرباوي في كتابه (الحركات الإسلامية)(*) بناء مشروعه في قراءة الفكر الإسلامي. ليس من زاوية العمل والإيمان أو تحويل النظري إلى أقوال وأفعال، ولكن من زاوية علاقتها بالواقع.

إن مشروع الغرباوي لا يدعو للتجديد بمطلق المعنى ولكن لتجديد إيديولوجيا النهضة. فحجم الاتجاه التبريري عند محمد عبده والأفغاني أكبر بكثير من قلب المفاهيم أو الارتداد عليها. كانت دعوته أصلا بنية صادقة وعفوية تشدد على النكوص من عصر إلى الحلقة التي سبقته. وإن شئت المزيد من الدقة هي دعوة متأثرة بسياسة لا تجهيل العرب من أجل تحطيم الفهم الخرافي والأسطوري الفاسد للعثمانيين.

وعليه إن نهضة المعممين في العصر الذي برزوا فيه هي مجرد لعبة سياسية تدخل ضمن أول حرب باردة شهدها الشرق الأوسط تمهيدا لاجتياح عسكري.

ولمزيد من التوضيح: إن شيوخ النهضة لم يحاولوا تبديل حرف واحد في التفسير القياسي للنص المقدس. وإنما دعوا للعودة إليه.

ولذلك كانوا يقودون شعوبهم من استعمار احترقت أوراقه بسبب التهالك على الفساد وتشرذم أرجاء وأطراف الدولة. إلى استعمار لا يزال له بريق وجاذبية خاصة.

وكما قال هشام شرابي إن عبادة الأب هي إحدى أهم سمات الإصلاح المبكر وهو إصلاح إرجاع (1). وبرأيي زعماء الإصلاح في حلقتهم الأولى هم مجرد رأس الحربة التي استعملها الغرب لإلحاق أول جرح في جسم الدولة العثمانية.

ولا أعتقد أن شيئا تبدل منذ سياسة الأرض المحروثة وحتى سياسة الأرض المحروقة. فالعثمانيون الجدد في تركيا (كما يرى إحسان داغي) (2) يشترون صكوك الغفران من أوروبا الموحدة. وبالأكثر سيلتحقون بركب بقايا وفتات الاتحاد السوفياتي.

فإذا انحسر الإصلاح في أجزاء الإمبراطورية العثمانية القديمة فإنه يشهد يقظة لا سابقة لها في تركيا الجديدة.

ومن هنا تكتسب محاولة إعادة قراءة آيات بعينها من القرآن الكريم أهميتها في مشروع الغرباوي (و من يسير في موكبه). فهي قراءة معنى وليست قراءة نص. ولا يمكنني أن أقول عنها إنها اجتهاد في التأويل ولكنها تركيب للتأويلات. فهي تفترض لتبني النتيجة.

ومحنة رموز الإصلاح تدخل في باب التطهير العرقي والرد عليه. فهجرة الكواكبي إلى مصر. وسفريات الطهطاوي إلى باريس كانت تنويرا خارجيا. لم تؤثر على أنوار الروح. وفلسفة نور اليقين الإيمانية لم تتعرض لهذا الإمتحان.

46-majed

لقد كان الإصلاح في فجره اختيارا سياسيا بحتا. لم يمسس الحالة الدينية. بل زاد التمسك بالميتافيزيقا.

وهذا دليل أن الإنسان لم يكن موضوعهم ولكنها الدولة. وأن المجتمع لم يكن هو الهدف ولكن طريقة إدارته وتنظيمه.

وهو إصلاح غير عرفاني. وتغلب عليه الأغراض السياسية.

والمعركة لم تكن بين المحافظين والمجددين. ولكن بين أنصار الباب العالي والداعين للتخلي عنه.

فالاستلاب العرقي وصل إلى غربة روحية استدعت هذه الحلول.

وأعتقد أن بيوتر فيدوسييف حين وصم روجيه غارودي أنه تحريفي كان يعني نفس المعنى(3).

إن غارودي لم يعد يدين بالولاء لهيمنة السوفييت على الماركسية اللينينية. ويريد الاستقلال بآليته في قراءة ماركس ولينين.

لقد نعى فيدوسييف على غارودي دعوته لتعدد النماذج الاشتراكية ورفض أي تنوع نوعي. مع الموافقة الضمنية على تنوع في الأشكال. يعني التعبير اللغوي عن الظاهرة نفسها.

وهي نفس التهمة التي عانى منها الكواكبي وأطلق عليها اسم الاستبداد.

وبوجيز العبارة نحن أمام اشتباك وفض اشتباك. ولسنا في صدد تفسير روحي لظواهر دينية. وآلية عصر الأانوار عند العرب تأخرت في الواقع.

مثلما تأخرت الحداثة. وكل ما يدخل في باب التحديث نظريا هو رومنسيات إيديولوجية وقفت موقفا عدائيا من سلطة المحاكاة.

وإن شئت الاختصار: معركة ما نسميه الإصلاح تستهدف تحريض الانقسامات، والتمهيد لأجسام وكتل سياسية تستمد قدرتها على الوجود من اقتصاد غير جريح. ومن مجتمعات دخلت مرحلة الثورة.

فهي حاملة للثورة بمفهومها، وتقبله شرطيا. ولا تستطيع أن تفكر به من غير شروط.

والإصلاحيون بهذا المعنى غير عضويين. والجانب المحافظ منهم هو العضوي. ولهذا السبب نجحت البروتستانتية في تثوير الكنيسة بينما أخفق الإسلاميون في تثوير مجتمعاتهم.

وكل ما جنته أيديهم المزيد من الأشواك والدماء. فقد انتقلوا من رعاية إلى وصاية. ومن إقطاع إلى رأسمالية. ومن نكبة إلى نكسة.

وأرد ذلك بصراحة لعدم هضم معنى الثورة. ولتحميل قوالب التجديد مضامين ميتة.

لقد أتى الإسلام بثورة حرضت الروح على أن تتحول إلى سياسة. وسمحت للازدهار التجاري السلعي أن يتحول إلى اقتصاد منتج وريعي. ومؤسساتي. وهو أصلا اقتصاد بلاط. اقتصاد ملوك. يشجع على التفاوت الطبقي وتحطيم مبدأ أساسي في الإسلام هو المساواة (أسنان المشط). ومثل هذه المساواة هي جوهر مبدأ الجماعة. حيث تكرير الفروقات وإلغاؤها هو الدينامية لتحقيق التراصف والتآزر.

ولهذا السبب ألح الغرباوي على ضرورة نقد المنهج. إنه ضروري لانتشال الوعي وتصحيح المسار (كما قال في المقدمة- ص١١).

وبالنقد وحده (كما يضيف لاحقا) يمكن التعرف على مبررات السلوك اللاأخلاقي والانتهازي الذي انحدر إليه المسلمون بعد وصولهم إلى الحكم (ص ١١).

وبرأيي إن الإسلام السياسي هو نتيجة فك القران الميمون بين المشاعر الدينية والقومية(4).

فالمسلمون العرب وعلى امتداد قرون لديهم ضغائن من أخوتهم الذين اعتنقوا الإسلام.

وبدأت الدعوة إلى التحرر بمزاوجة بين المشاعر القومية وبديهة ما يسمى بالنقاء الذهني لعاطفة المسلمين.

واستمرت هذه المعادلة في تحريض الشارع طوال سنوات التنوير ثم النهضة.

وساعد الاستعمار وحروب الاستقلال على تعميق الازدواجية.

حتى أن العلامة عبد الرحمن الكواكبي ورط نفسه بشرح التطورات والاكتشافات العلمية بآيات من القرأن.

وكان يجد لكل اختراع آية تتنبأ به. وقد ورد في كتابه (طبائع الاستبداد)(5) أن الذكر الحكيم هو شمس العلوم (ص٢٣). وأن الاكتشافات العلمية التي تعزى لأمريكا وأوروبا ورد أكثرها بالتلميح والتصريح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنا (ص٢٤).

ولم تتوقف هذه الديناميكية في إلباس الدين لبوسا ماديا إلا بدخول العسكر إلى السلطة واستبعاد نصف الحقيقة. وهي لا شعور الثورة الإيماني.

فقد تفرد العسكر بالحكم وانحازوا للفكرة القومية على حساب المكون الآخر. الإسلام. ولا داعي للتذكير أن الإسلام السياسي كان في المنطقة العربية ضحية لفكرة اليقظة.

لقد كرر القوميون العرب التجربة البلشفية واستعبدوا الإسلاميين كما حصل مع المناشفة والتروتسكيين.

والإطاحة بالحوراني والبيطار وهذه الجماعات في سوريا. والانقلاب على محمد نجيب في مصر. لا بد أنه يدخل في سياسة تصفية الحسابات.

وطبعا أنا لا أنظر إلى الإسلاميين على أنهم ملائكة وضحية من ضحايا الصراع على السلطة فقط. ولكنهم جزء من ديناميكية تحرير الذات من ماضيها.

وأدى ذلك إلى انتشار ظاهرة العنف كأسلوب من أساليب التبشير بالمنهاج. وتحولت شعارات الاستقلال والتحرر إلى شعارات الجهاد.

وعليه إن سيكلوجيا الحركات الإسلامية تتأسس على سيكولوجيا الإيديولوجيات الجريحة مقابل سيكولوجيا الحضارة الجريحة (بتعبير ف. س. نيبول) عند القوميين.

ومثل هذه الحالة تستدعي التلازم بين جناحين يساعدانها على انتشال نفسها من التراب الذي سقطت فيه.

وهو ما يسميه ماجد الغرباوي: الوعي الحركي (ص ١٥). ومنبعه ظاهرة الخوف من الآخر وعدم الوثوق به (ص١٦).

وقد نجمت عنه أوهام وضعت الحركات الإسلامية في إسار الماضي، وصنعت فراغا بين واقعها النفسي والحاضر (ص١٥).

ولو ابتعدنا عن مفردات الغرباوي دون التضحية بمعانيه نلاحظ أنه يبني كل حججه وبراهينه على مسلمة الارتداد. فهو يرى أن الإسلام المعاصر ارتد على مبادئه الأساسية.

لقد بدأ الاسلام من معاناة قهرية ضمن مجتمع تجاري. ضعيف عسكريا. ومعقد بأعرافه الاجتماعية. وكان همه الأول تحرير الروح من الاستعباد والاسترقاق الذي كفلته بنية المجتمع. وما تقليد الهجرة إلا لمعالجة هذا الفراغ. وهو البحث عن مسكن آمن للأرواح المستضعفة.

ولذلك إن ما يجري اليوم يطاله إشكال شرعي ومؤاخذة أخلاقية (ص ٢١). فهو بعيد عن فكرة الينابيع. وشديد الأخذ بفكرة الأصول. ويوجد فرق جوهري بين البداهة والتقليد الأعمى.

والإسلام المعاصر هو إسلام متحول. فهو يبدأ من منتصف طريقه إلى الوحي. يعني لا يخاطب العدالة السماوية بقدر ما يهتم بالدولة وإشكالية الحكم.

ونقطة الضعف الاساسية فيه أنه إسلام الأطراف وليس المركز. حتى أن أقوى حركاته تنشط في الثغور التقليدية.

وهذه ثاني مفارقة أساسية.

إنه ينطلق من نقطة التأزيم مع فكرة الإسلام نفسه.

وكما قال الباحث: إن بعض الحركات الإسلامية تكون بأموال ومباركة من دول غير إسلامية، فطالبان تأسست بالدعم الأمريكي، وبعض هذه الحركات دخلت في تحالف أدى إلى الابتعاد عن الاستراتيجية الأساسية (ص ٦٦).

وفي الذهن مؤازرة حماس لسوريا حتى عام ٢٠٠٨، وتوقيف الإخوان المسلمين لنشاطهم ضد النظام السوري لمباركة هذا الإجراء.

فالجهاد أو ظاهرة فتوحات الأنظمة تختلف تماما عن جهاد فتوحات الأمصار في صدر الإسلام. والإسلام السياسي اليوم جزء لا يتجزأ من استراتيجية الحرب الباردة والصراع الدولي على مناطق النفوذ. وأخشى أنه (كما قال غريازينيفيتش- ص١١٠) غير قادر على ضبط الحياة الروحية لشعوب الشرق الأدنى وحوض المتوسط(6).

فالحركات الإسلامية الراهنة هي بنت الوعي الأسطوري الملتبس (بتعبير ماجد الغرباوي، ص ٣٥) والذي يحمل كل علامات الثقافة المهيضة الجناح.

ويرى أن الأسباب وراء ذلك كثيرة وأهمها: ١- الخط الأحمر المفروض على تكتيك الخطاب الديني واحتضاره تحت ضغط التفكير الشعبي الناقص والحامل لآيات التخلف والجمود والخرافة، ٢- الاستبداد الذي وضع العقل في أدنى مستوياته وسمح للاشعور بالنمو بنسب فاحشة غطت على كل أشكال التفكير والاجتهاد،٣- عزلة النخب الثقافية وسقوطها في مشكلة التعالي، ٤- احتكار رجل الدين لحق التربية والتوجيه وحصوله على حصانة تحميه من النقد والمراجعة والتخطي، حتى تحول إلى نص مقدس أو امتداد للمحرمات والممنوعات (ص ٣٤-٣٧).

ولذلك كان التشريع للنقد أولوية في تجديد الفكر الديني (ص٤٧). وكلنا سمع بمحنة الشيخ علي عبد الرازق المتهم بالتطاول على مشروعية حروب الردة. وأعتقد أن الانحياز لمشروعية التواتر والمحاكاة يؤسس لمجتمع إقليمي من المرايا المتعاكسة. كل مرآة تعكس نفسها. حتى يحل الخيال أو الصورة محل الحقيقة بسبب غيابها واستحالة الاتصال معها.

وهذا بصورة ضمنية يعيدنا إلى نمط من التفكير والتعليل الذي يقوم على التسليم الصامت بأسطورة الطبائع الثابتة والخصائص الدائمة (بلغة صادق جلال العظم)(7).

لذلك وضع الباحث نصب عينيه الكشف عن الخطأ الفاحش في التفسيرات الاستاتيكية لظاهرة متحولة لا تعرف السكون وأصلا هي تنطلق من استراتيجية واضحة في تحريك السواكن. وهذا يضفي عليها كل خصائص الظواهر العقلية التي تتطور مع مرور الأحقاب والعصور، وباختلاف الظروف والأسباب.

وعلى هذا الأساس يبني أهمية التحليل والنقد ومشروعيته.

فالحركات الإسلامية صناعة بشر وهي ليست جزءا من المطلق الإلهي والرباني ولا نتاج عوامل غيبية مفارقة(ص ٦٠)، والوعي بالتاريخ يفتقر للأسس التي يتطلبها الوعي بالذات. حيث أن الحدس بمفهوم برغسون متوالية أو تيار يحتاج لنظرة منفصلة عنه. فما بالك وأنها ذات معصوبة تحمل كل أعراض الحمل الكاذب. فقد طرأت على الإسلام والجماعات التي نذرت نفسها له غايات وأهداف بعيدة عن الحجج الروحية. كما أنه هناك حركات استنفدت أهدافها ( كما يقول الباحث - ص 61). فأدوات تنفيذ الاستراتيجيات في وقت السلم غيرها في وقت الحرب. ويضرب مثالا على ذلك بلجوء قواعد حزب الدعوة إلى البعث السوري للهرب من بطش صدام، وفرار كوادر الإخوان المسلمين من سوريا إلى العراق والبحث عن الحماية لدى البعث العراقي خوفا من بطش حافظ الأسد (ص ٧٣). وهذه أول مفارقة تؤكد على تعددية الحركات الإسلامية ولو اتفقت ظاهريا في بعض المبادئ والشعارات (ص ٧١). فقد كانت الأحزاب الدينية عرضة للانشطار والتشرذم. فالجهاد وجماعة التكفير والهجرة في مصر هما تطور جانبي من حزب الإخوان المسلمين (ص ٧١) والذي شهد بدوره تنظيمات داخلية متحاربة وفي مقدمتها التنظيم العسكري وموقفه الهازئ والمتهكم من التنظيم السياسي.و إن قصة تنافس الهضيبي وقطب على السلطة الداخلية الممسكة بزمام الجماعة معروفة. وتكشف عن عمق تعدد القراءات والتكتيكات. ولكنه ليس دليلا على العقوق والخروج عن الشرعية ( ص 69). و حاليا تشهد الساحة تنافسا دمويا على زعامة الحركة في سوريا بين داعش و جبهة النصرة التي تقود جيوش الفتح. و من قبل شهدت أفغانستان تنافسا مشابها بين الأوزبك و الطاجيك. وقد طالت هذه المناوشات العقائدية الأحزاب التيي كانت لها الصدارة. و بالأخص القومية منها. أو ذات التفكير التحرري المؤمن بالجيش العقائدي. و سياسة العسكرة ( أو بناء مجتمع الجيوب الشعبية المسلحة) تعرضت لهزة قوية في منعطفين حاسمين. الأول في الجزائر بعد وفاة بومدين ( اغتياله كما تذهب بعض الشائعات). و الثاني بوفاة عبدالناصر في مصر ( تسميمه كما تتناقل بعض الأخبار). فقد انتقلت ملكية الكوادر المسلحة بالوكالة إلى تنظيمات إسلامية تبنت فكرة الجهاد و تغيير سلطة الأمر بالواقع بالقوة. و هذا التحول في التفكير من وطمي عالماني أو قومي إلى دبني ينم عن اختلاط في الدوافع. و عدم وضوح في الأذهان و العودة إلى الفطرة التي تراها تربية دينية ساذجة و عاطفية. و للأسف كان ذلك يحمل شحنة عالية من الانقلابية إلى درجة نشوء قطيعة مع المنشأ السياسي. وهذا دليل قوي على نسبية المعرفة الدينية (ص ٨٥). فهي ليست معرفة ميتة. ولكنها قابلة للنمو كما هي قابلة للانتكاس والرجوع. ولديها قدرات هائلة على حجب النص (ص ٨٩). ويمكن القول إن القرأن الكريم ذاته هو حجاب لنصوص قبله، عمل على تفكيكها وتوجيه سهام النقد اللاذع لمكامن الضعف والأخطاء فيها (ص١٠٠). وهذا أول درس يبرر ضرورة التأويل وإعادة النظر بالمسلمات المتجمدة. فالنقد بمستوى أمر وجوب في الإسلام وهو ليس مستحبا فقط (ص ١٠٢).

ولا يمكن أن ننكر التحيز ( ص 84). فأية قراءة لا تأتي من فراغ. ولكنها تحمل في ذاتها مبررات تعريف الوجوب.

لماذا هي موجودة أصلا. ولماذا يجب أن تقارب هذه المسألة وتتصدى لمهمة حمايتها من الذوبان أو الاندثار.

وأعتقد أن الغيبوبة التي يعكسها فكر الغزالي في مراحله الأخيرة هي غير تمسكه المتشدد بأصول الفقه السني في بداياته. ومثل هذا التطور يحمل بصمات انعطافة على مستوى تجليات الوعي ذاته.

وتحريض الروح على العقل في مجال الفضاء الإيديولوجي نفسه يدل على انكسار وتراجع.

إن مشكلة الحركات الإسلامية أنه تقف خلفها دوافع دينية- سياسية (ص ١٢٧). وإذا كانت السياسة هي المسؤولة عن الخلافات البينية والمواقف من الأنا والآخر والتكفير. فالدين مسؤول عن حقيقة المبايعة. والتحفيز على التضحية والمغالاة بها إلى درجة الانتحار (ص ١٢٧).

ومن هنا نشأت ظاهرة الإرهاب الدولية بأبعادها المتعددة وما أحاط بها من هالة وصلت إلى درجة تحريض المخيال الشعبي على الإضافة والمبالغة حتى نشأ منها دين جديد (بتعبير صالح الطائي)(8) أصبح بمثابة دين سماوي رابع. ظاهره الإسلام وباطنه التكفير والقتل. وغلافه شعار (الثورة المستمرة، ص ١٢٩).

إن الإسلام السياسي بالنتيجة مشروع مختلف عليه، له الحق في تطبيق أدواته، ولكن ليس لديه الحق بالمصادرة على حرية الآخر المختلف عنه. وإن خضوعه لمنطق السياسة والارتباط في نفس الوقت برجل الدين حوله إلى حركات وشراذم متمردة تؤمن بالعنف والاستبداد وتقاطع الإرادات (ص١٤٤). وهذا يفرض عليه إجراء تحولات فكرية ليتجاوز اخفاقاته وكي لا يسقط في نفس الحفرة التي أودت بالفكر القومي وأوردته موارد التهلكة.

 

د. صالح الرزوق

.....................

* الحركات الإسلامية، قراءة نقدية في تجليات الوعي. منشورات مؤسسة المثقف العربي، ودار العارف، بيروت. ٢٠١٥. ١٥٨ ص.

1- المثقفون العرب والغرب، دار النهار، بيروت، ط٢ ١٩٧٨. ص ٣٩.

2-

Turkey Between Militarism and Democracy .Ankara.

3- غارودي والتحريفية المعاصرة. بيوتر فيدوسييف. دار الطليعة. بيروت. ١٩٧٤.

4- أسرار سياسية عربية. عبدالهادي بكار. الخيال. القاهرة.2000.

5- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. الرحالة كاف. الكتبية في الأزهر الشريف. مصر.

6- المثاقفة بين العروبة والإسلام. ترجمة حسان إسحق. دمشق. 2000.

7- ذهنية التحريم. دار المدى. دمشق. ط2 2004.

8- دور النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير. دار المرتضى. بيروت. 2015 .

 

 

tarik alrobaieالمنبر الحسيني ومنذ تأسيسه أخذ على عاتقه توعية المجتمع بأمور دينه ودنياه وحثه على رفض الظلم والاستبداد بكافة أشكاله، وهذه هي وظيفتــه .. واليوم ومع كثرة الفضائيات والإذاعات ومع ذلك العدد الكبير من الخطباء يجب التأكيد على قيم الحق والمبادئ الإنسانية التي نادى وضحى لأجلها الحسين (ع) . أسوق مقدمتي البسيطة هذه بعدما شاهدت ومن على أحدى الفضائيات أحد الخطباء، وهو يلقي محاضرته الدينية أمام حشد كبير من الناس بمختلف الأعمار، فاستوقفتني هذه القصة التي رواها الخطيب في معرض كلامه عن سيرة الإمام الحسين ومكانته.

وملخص قصته التاريخية تقول إن المتوكل العباسي أمر بمنع زيارة قبر الإمام الحسين (ع)، ومن أبى ذلك فعليه أن يدفع مبلغا كبيرا من المال أو الذهب حتى يسمح له بزيارة القبر . فامتثل الناس لهذا الأمر دون أن يصدر منهم أي اعتراض !! . ودفعوا لجلاوزة السلطة ما يريدون !، فما كان من المتوكل إلا أن يتمادى في ظلمه، ويصدر أمرا آخر مفاده أن من يريد زيارة القبر الشريف يجب إن تقطع يده اليمنى !، وكم كانت دهشة المتوكل عظيمة وهو يرى توافد محبي الإمام ليقدموا أيديهم غير مبالين ولا متأسفين على أيمانهم التي ستقطع . وحدث أثناء عملية قطع الأيدي هذه إن تقدم أحد الزائرين إلى السياف مادا له يده اليسرى إلا أن السياف رفض وطالبه بيده اليمنى !. عند ذلك رفع الرجل عباءته فإذا بيده اليمنى مقطوعة وقال: لقد قطعتم يميني في السنة الماضية ! . وعندما وصل الخطيب إلى هذا الجزء من الرواية هتف الحاضرون بأعلى أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد .

وبدوري الآن أطرح عدة أسئلة عن المغزى المراد والمستفاد من هذه الرواية؟. أليس الطاعة العمياء والخنوع الواضح للسلطة الجائرة هو السمة الغالبة فيها؟ ثم أما كان الأجدر بهؤلاء الذين اصطفوا في طوابير طويلة لتقطع أيديهم وهي مصدر رزقهم الوحيد أن يحملوا سيوفهم ويحرروا قبر الحسين من تلك الطغمة الفاسدة التي حالت دون زيارتهم له؟ . بل أين تلاشت قيم البطولة والشهادة ومبادىء الحسين العليا عند هؤلاء وهم خانعون في طوابير الذل ليس لهم سوى الامتثال لأوامر الطغاة ؟ . وهل أستشهد الحسين لأجل أن يكون أتباعه وشيعته على تلك الصورة المذلة؟ !. أراد الطاغية يزيد من الحسين كلمة واحدة وحشد لأجل ذلك الآلاف المؤلفة من العتاة وشذاذ الأحزاب، لكن أبا الأحرار أبى أن يعطيها ويكون تابعا ذليلا لسلطة جائرة منحرفة، فقاتل مع كوكبة من أصحابه وآل بيته الأطهار حتى نالوا الشهادة، وكان استشهادهم نصرا كبيرا .

ذلك الحسين الذي قال (لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) كيف يمكن لمن أتبعه وسار على نهجه أن يكون بتلك الصورة التي رسمها لنا الخطيب في روايته ؟!. نعم أن المتوكل العباسي منع زيارة القبر الشريف وأجرى عليه الماء ليخفي آثاره، ولكن أن يقف الناس بهذه الصورة البائسة التي وردت في الرواية وهم يقدمون أيديهم للسياف فهذا مما لا يستسيغه عقل ولا منطق، لاسيما وان هؤلاء من المفترض هم شيعة الحسين والسائرين على نهجه الرافض للذل والعبودية . وأنهم لن يقبلوا بالعودة الى بيوتهم وايديهم مقطوعة ثم يتقبلون الصدقات من هذا وذاك لعجزهم عن العمل . وما أظن هذه التفاصيل إلا من مخلفات ودسائس وعاض السلاطين أرادوا من خلالها تدجين الشعوب وتعليمها كيفية الرضوخ للظلم والطغيان وعدم سعيها لأحداث التغير في واقعها المتردي .

أن هذه الرواية وأمثالها وبما تتظمنه من قيم ومفاهيم استسلامية واضحة جديرة بأن تخمد النزعة التحررية عند الناس وتقتل فيهم روح التمرد، وتجعل منهم مجرد قطعان بشرية راضية خانعة للسلطة الجائرة تفعل بهم ما تشاء دون أن يحركوا ساكنا لمقاومتها والتمرد على قوانينها المستبدة .. إن القيم ستجد طريقها ميسورا كي تترسخ في أذهان العامة وهم مستغرقون في الإنصات للخطيب، ومن ثم تتحول إلى سلوكيات لا يرون فيها أي ضرر على دينهم ودنياهم ! . فعلى كل من يهمه الأمر الالتفات إلى هذه الناحية الخطيرة جدا، والعمل على اختيار خطباء على مستوى عال من الإدراك بأهمية المنابر الدينية وتأثيرها على المتلقيــن، وان يعوا دورهم الكبير في بناء المجتمع البناء الصحيح وان يغرسوا فيه تلك القيم والمبادئ السامية الحقيقية التي نادى بها أبا الأحرار الإمام الحسين (ع) . لعل ذلك سيكون سببا في توعية الأمة وإيقاظها من سباتها لكي تلتفت إلى واقع حياتها وتسعى جاهدة إلى تغيره بكل ما لديها من وسائل وإمكانيات .

 

طارق الربيعي

laythe alatabiهناك ثلاثة إتجاهات عامة ورئيسية حول فهم حقيقة وماهية التراث، وهي كالأتي:

الإتجاه الأول: الداعي إلى الأخذ بكل ما في التراث، وإعتبار كل ما خلفه الماضون تراثاً مفيداً يجب الأخذ بكل ما فيه، بل دعا بالبعض إلى إضفاء صفة القدسية عليه بشخوصه، وتركاته، وبكل ما فيه من هنات وعلات، وبلا أي نقاش[1] .

ولابد أن نعلم بأنه (لا يمكن إدعاء العصمة والكمال لأي جهد بشري، بأستثناء ما صدر عن وحي إلهي، وتسديد خاص " عصمة " ...)[2].

إن القرآن الكريم قد نهى عن الإتباع الأعمى، المؤدي إلى تجميد العقول، من خلال الأخذ بكل ما صدر عن الأسلاف، وتقديسه، وإتباعه .

قال تعالى: (وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) سورة الزخرف (23 ـ 24) .

كما ولابد من معرفة حقيقة إن الأصوات الداعية إلى التمسك بالتراث ـ وفي أكثرها ـ لا تفهم ماهية التراث بشكل موضوعي، فهي تخلط ما بين ما هو تاريخي، وبين قضايا العادات والتقاليد، وبين الصفات والطبائع، وبين التراث بما هو تراث، فليس كل شيء جاءنا من الماضيين هو تراث، وليس كل شيء جاءنا من الماضي يحسن التمسك به .

إن كثيرين يعتقدون أن الأعتناء بالتراث، والمحافظة عليه يتحقق عن طريق تقديس كل ما هو قديم، حتى أصبحت الأفعال المشينة للبعض يُبرر لها، بل يشرعن لها، بل إنها أصبحت سنن متبعة، وذلك لأن فاعلها شخص مهم في التراث[3] ؟؟!!

و من باب المثال التوضيحي لا أكثر نذكر هذه الحادثة: إنه حينما أصدر محمد بن جرير الطبري[4] كتابه (أختلاف الفقهاء) الذي أعتبر فيه أن أحمد بن حنبل[5] محدثاً وليس فقيهاً، تحول هذا الرأي إلى مشكلة خطيرة كاد الطبري أن يموت بسببها، فقد بقي مسجوناً في بيته ثلاثة أيام، إلى أن تمكن بعض تلامذته من إخراجه، ولما توفي دفن بداره ليلاً، لأن العامة أجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، ولقد قام بأخفاء كتاب (أختلاف الفقهاء) الذي أكتشف فيما بعد مدفوناً في داره بعد موته[6] .

فنجد أن هناك بواعث مصلحية، وأيديولوجية عند عدد لا بأس به من كُتاب التاريخ ممن حاول أن يبرر للشخصيات، وللحكام كل ما فعلوه بحجج، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان فـ(أبن كثير الذي يعمل من خلال التاريخ إلى تقديم نموذج جاهز يتم فيه تبرير وتجهيز حياة السلف " الصالح كمعيار لكل الخطايا التي حصلت في التاريخ العربي والإسلامي، أو تلك التي ستحصل دائماً في دنيا البشر ... فهدف المؤرخ السلفي ليس هو عرض الأحداث كما هي ... بل الغاية القصوى أن يجد في غمر هذه الأحداث ما هو قابل للتبرير، وما يصلح أن يكون عنصراً قادراً على رسم صورة قدسانية للسلف)[7] .

و هكذا الحال بالنسبة لأشخاصٍ من أمثال أبن خلدون[8]، والذهبي[9]، وأبن حجر الهيتمي[10]، وأبن عبد ربة الأندلسي[11]، وغيرهم .

إن المشكلة الأساسية في شيوع التمذهب، والتفرق، والتشتت المتأصلة بالتراث الإسلامي ليس بالإنزواءِ، والمحسوبيةِ على أشخاصٍ وجهاتٍ جيدة، وذات مكانة تاريخية مرموقة، بل المشكلة بإتخاذ أشخاص سيئين وذوي آراء هدامة قدوة، وأسوة، ونموذج يحتذى به، ويضرب به المثل[12] .

و هذا ما نلاحظه عند كثرة لا بأس بها ممن يتخذون (أبن تيمية الحراني)[13] نموذج إصلاحي، أو نموذج أخلاقي، أو نموذج فكري . ولا أعتقد أن قارئ التاريخ لن يلاحظ ميزات هذا الشخص الذي لم يترك أحداً إلا وعاداه، ولم يترك أحداً إلا وسبه وشنع عليه، ولم يترك أحداً إلا وأتهمه بالكفر، والزندقة، والضلال، ولا ندري ما مقياس الأيمان عند أبن تيمية[14]، ولو طبقنا كل القيوده التي وضعها لخرج حتى هو من ربقة الأيمان .

في الحقيقة إن أبن تيمية الحراني هو أسوء مثال في التاريخ الإسلامي على الإطلاق أحيا تراثه كل من (أبن قيم الجوزية)[15]، و(محمد عبد الوهاب)[16]، وأتباع النحلة (الوهابية)[17] ليكون هذا الفكر وبالاً على المسلمين، وعلى البشرية جمعاء .

كما وحريُ علينا أن نعلم بأن هناك الكثير من التراث كـ(شخوص، وحوادث، وأحاديث) هو موضوع، قد قامت السلطات الحاكمة، وأتباع الفرق، وأعداء الدين بوضعه .

يقول السيد مرتضى العسكري[18] (رحمه الله): (أن معاوية قد أوجد معامل لصنع الحديث ووضع الروايات . وكان أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومالك بن أنس، وسمرة بن جندب، من المنفذين لهذه السياسة المشئومة، وفي بعض من أحاديثهم تسقط شخصية الرسول عن قداستها وشأنها وقيمتها إلى مستوى دون مستوى الإنسان العادي، وتصبح أدنى من شخصيات أبي بكر وعمر وعثمان بل وحتى معاوية ويزيد ... ومن خلال أطروحتهم هذه حققوا أهدافاً ثلاثة: ـ حرفوا أحكام الإسلام، وحطموا شخصية النبي " ص " وأسقطوها عن الاعتبار، ورفعوا من مستوى شخصيات الخلفاء بعده إلى مستوى أعلى وأرفع من مستوى شخصية الرسول ....)[19] .

فهذا الإتجاه الذي يقدس التراث الخاص والمؤدلج، ويجعله عدلاً للقرآن يفرض واقع عدم النقد، وعدم المناقشة في كل أطروحاته، وإلا فإن ذلك يقود فاعله إلى الرمي بالزندقة، والضلال، فساد من جراء كل ذلك ساد تيار من الأرهاب الفكري المسنود من قبل السلطات الحاكمة، والذي حال بين المسلمين وبين أن يخوضوا في قضايا التراث، ويمنعهم من أن يعملوا عقولهم كما وقد حرم المحاورة، والمناظرة بحجج وتخرصات واهية ليس لها أي مستند شرعي حقيقي[20] .

و بمرور الوقت فرض التراث الواحد، وأصبحت له السيادة، وأصبح من المسلمات التي لا نقاش فيها، بحيث (تلقت الأجيال المسلمة جيلاً بعد جيل التراث بمنظور الفرقة السائدة المتمكنة المدعومة من السلطة)[21] .

و المشكلة أن المقدسين (للسلف) يرمون الصوفية، والشيعة، وغيرهم بالغلو، بينما نرى عندهم من المغالات ما تضيق الكتب عن ذكره لكثرته، ولسذاجته .

يقول الشيخ (حسن بن فرحان المالكي): (الغلو ننكره على الصوفية إذا مدحوا الأولياء، وننكره على الشيعة عندما يغلون في أئمتهم ...، وننكره على الأشاعرة عندما يبالغون في مدح أبي الحسن الأشعري ... لكننا لا ننكره عندما نقرأ لأحدهم مدحاً بغلو في أحمد، أو أبن تيمية، أو أبن القيم، أو غيرهم ... ونحن ننكر على الآخرين عندما يعتذرون عن بعض العلماء الذين صدرت منهم هفوات ونسمي هذا " تمييعاً للعقيدة "، بينما نقوم نحن بالعمل نفسه ونسميه " ذباً عن أعراض العلماء فلحومهم مسمومة !! ")[22] .

الإتجاه الثاني: والذي يدعوا إلى نبذ كل ما هو قديم، بل إلى نفي وجود شيء يسمى تراثاً وفق شعار (القطيعة مع التراث) التي دعا إليها البعض لغايات غير علمية، وهي في حقيقتها قائمة على النقد فقط، وقد رفع لواءها في الوطن العربي كلٌ من (عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون في بعض الرؤى الخاصة به) وكل واحدٍ منهم قد تطرق لموضوع التراث بحسب رؤياه الخاصة به .

فـ(القطيعة عند العروي تأخذ معنى الطفرة التاريخية بالمعنى الذي تذهب إليه المادية التاريخية ما يجعل منه تاريخانياً بأمتياز، أما القطيعة عند محمد عابد الجابري فهي معنى الثورة العلمية كما عند غاستون باشلار وطوماس كون ما يجعل منه بنيوياً بأمتياز، أما القطيعة عند أركون فهي تعيش على إيقاع معطيات الثورة المناهجية الجديدة التي تمتد إلى مختلف الحقول في اللغة والتاريخ والأجتماع والنفس فهي بهذا المعنى قطيعة مع أساليب القراءة والفهم وهو مفهوم يلتقي مع كافة الأطر المعرفية التي تشكل المجالات الثقافية والأشتغالية والتداولي للحداثة الغربية)[23] .

فمثلاً نجد أن عبد الله العروي يقول: (إن سير التاريخ لا يتوقف على المثقف، لكن المثقف مطالب بالخضوع إلى قوانين التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير)[24] .

و عن قضية التراث يقول: (إن التراث تحميه اليوم مؤسسة لا تترك لأحد حرية التأويل)[25] .

و يقول مؤكداً على منهجه التاريخي، ومنتقداً للفكر السلفي: (هذه حقيقة نقولها ونكررها وبعد الإقرار والتكرار نجدد الدعوة إلى العقل التاريخي لأن اللجوء إلى الرومانسية والفوضوية، إلى الشعر الغاضب، إلى الثورية الفارغة، يقوي فقط جانب الفكر السلفي . وهذا الفكر كان سبب التخلف، وسيبقى سبب التخلف)[26] .

أما محمد عابد الجابري فيقول: (ويمكن أن نلاحظ بالإضافة إلى ما تقدم أنه لا كلمة " تراث " ولا كلمة " ميراث " ولا أياً من المشتقات من مادة " و. ر . ث " قد أستعمل قديماً في معنى الموروث الثقافي والفكري حسب ما نعلم، وهو المعنى الذي يعطى لكلمة " تراث " في خطابنا المعاصر . إن الموضوع الذي تُحيل إليه هذه المادة ومشتقاتها في الخطاب العربي القديم كان دائماً: المال، وبدرجة أقل: الحسب . أما شؤون الفكر والثقافة فقد كانت غائبة تماماً عن المجال التداولي، أو الحقل الدلالي، لكلمة " تراث " ومرادفاتها)[27] .

الإتجاه الثالث: وهو الداعي إلى غربلة[28] التراث من كل ما علق به، وتحسين طريقة الأخذ منه، مع تجاوز الطريقة الحرفية في فهم النصوص وتفسيرها، والإبتعاد عن دائرة التقديس لكل ما بالتراث، والإجتناب عن إضفاء صفة القدسية على جميع السلف .

فلقد أحتوى تاريخ الماضين على إفرازات كثيرة، منها الضار، ومنها النافع، والتي لا يزال لها أثرها في سلوكيات المجتمع، ومعتقداته، وأسلوب معيشته، فلابد أن نميز بين ما يمكننا التمسك به، وتنميته، وبين ما يجدر بنا إستئصاله، أو الحد قدر الإمكان من مضاره، وسلبياته على الفرد والمجتمع .

فـ(من الطبيعي أن يحتوي التراث على نقاط الضعف والقوة، والغث والسمين، والخطأ والصواب، كما أن تناقل التراث عبر مسيرة زمنية، تجعله معرضاً للشوائب والتحريفات)[29] .

إن دراسة تراث السلف بمنطق العقل قد يكشف مواضع الخطأ لدى السابقين، ويفيد في تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا بها، وبالتالي السعي نحو تحصيل الأفضل والأحسن دائماً . ثم أن لكل حقبة ظروفها وخصوصياتها، فكيف لنا أن نُعدي أفكار وتصرفات من حقبة معينة لنجريها على حقبة أخرى تختلف عنها زماناً ومكاناً، بل ربما قد تختلف عنها في الطبيعة والظروف وحتى في اللغة . إن ما تعرض له التراث ـ كمنظومة ـ من محاولات تحريف وتشويه، سببتها الجهات المغرضة من داخل جسد الأمة[30]، وأحدثتها الثقافات الدخيلة، وما قام به أعداءها، يفرض علينا أن نبذل أقصى ما يمكننا من جهود لغربلة تراثنا الشوائب، بل يوجب علينا أن نمحص التراث، ونخلصه من كل الأفرازات، والمدخولات التي لحقت .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

..........................

[1]: فأي نقاش بذلك يؤدي بصاحبه إلى الرمي بالزندقة .

[2]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[3]: فنشأت من جراء ذلك (عبادة الأشخاص) .

[4]: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310 هـ) فقيه ومؤرخ .

[5]: أحمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ) .

[6]: تاريخ أبن الأثير، أحداث سنة (310 هـ) .

[7]: محنة التراث الآخر، أدريس هاني، ص 35 ـ 36 .

[8]: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المغربي المالكي البربري الأشبيلي (ت 808 هـ) بالقاهرة .

[9]: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي الدمشقي الشافعي (673 ــ 748 هـ) المعروف بالتعصب، فعن طبقات الشافعية أن تقي الدين السبكي قال في حقه: (والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله) .

[10]: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي الشافعي مفتي الحجاز صاحب كتاب (الصواعق المحرقة) توفي سنة (974 هـ)

[11]: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي المرواني (246 ــ 328 هـ)، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، توفي ودفن في قرطبة .

[12]: كما نراه عند (أحمد أمين المصري)، و(أبو يعرب المرزوقي)، وطه عبد الرحمن، وغيرهم .

[13]: تقي الدين أحمد الحراني الدمشقي الحنبلي: (661 ـ 728) هجري (1263 ـ 1328) ميلادي أصله غير عربي، كان معادياً للصوفية والشيعة بسبب وبلا سبب، وكان من أشد النواصب لمذهب التشيع، وهو أول من أفتى بحرمة زيارة قبر النبي محمد (ص) ليقطع الطريق على كل زائر، وعد السفر إلى زيارة قبر النبي (ص) عملاً محرماً يجب إتمام الصلاة فيه، وهذه الأراء التي أطلقها اعتمدتها الحركة الوهابية وأحلت بفتاوي أبن تيمية هدم قبور الصالحين، هذه الفتاوي سمحت للفقهاء بتأليف الكتب دفاعاً عن زيارة القبور، فوضع تقي الدين السبكي (ت 756 هـ) كتابين (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) و(الدرة المضية في الرد على أبن تيمية)، ومؤلفات أخرى في الرد على أبن تيمية مثل (المقالة المرضية لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبد الله الأخنائي) و(نجم المهتدي ورجم المقتدي للفخر أبن المعلم الفرشي) و(دفع الشبه لتقي الدين الحصني) و(التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة لتاج الدين الفاكهاني) و(إكمال المنة في نقض منهاج السنة لسراج الدين الهندي) و(منهاج الشريعة في نقض مناج السنة للسيد مهدي القزويني) و(الإمامة الكبرى والخلافة العظمى للسيد محمد حسن الشيرازي) و(خبر الجهة لأحمد بن يحيى بن جبريل الشافعي) و(إعتراضات على أبن تيمية لأحمد بن إبراهيم السروطي الحنفي) و(الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم لأبن حجر الهيتمي) و(أبن تيمية ليس سلفياً لمنصور عويس) و(أبن تيمية لصائب عبد الحميد) غيرها الكثير . قال أبن حجر العسقلاني في ذم منهج أبن تيمية: (... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته إلى تنقيص علي رضي الله عنه) لسان الميزان، ج 6، ص 319ـ 320 / وقال أبن حجر الهيتمي في أبن تيمية: (أبن تيمية عبد خذله الله، وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله ... ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل جاهل غال وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 144 / وفي مورد آخر يقول الهيتمي: (وإياك أن تصغي إلى ما في كتب أبن تيمية وتلميذه أبن القيم الجوزية وغيرهما ممن أتخذ إلهه هواه ... وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود ...) الفتاوى الحديثة، الهيتمي، ص 203 / وقال فيه تاج الدين السبكي: (وأعلم أن هذه الرفقة، أعني المزي والذهبي والبرزلي وكثيراً من أتباعهم أضر بهم أبو العباس أبن تيمية إضراراً بيناً ... وأوقفهم في دكادك من نار ...) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ج 10، ص 400 / وقال الألوسي في أبن تيمية: (وأرى أن تشنيع أبن تيمية، وأبن القيم، وأبن قدامة، وأبن قاضي الجبل، والطوفي، وأبي نصر، وأمثالهم، صرير باب أو طنين ذباب ... ولولا الخروج عن الصدد لوفيتهم الكيل صاعاً بصاع ... ولعلمتهم كيف يكون الهجاء بحروف الهجاء ...) تفسير روح المعاني، ج 1، ص 18 ـ 19 .

[14]: فمن مبتدعاته أن أخترع ما يسمى بـ0 توحيد الربوبية) ولا أدري من أين جاء به، والمشكلة أن بعض الكتاب، وبالخصوص من الشيعة قد ساوقه القول، وفرع كتفريع أبن تيمية، وجعل توحيد الربوبية قسماً من أقسام التوحيد، وهذا القسم ما هو إلا بدعة، فلا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا من السنة النبوية المباركة، ولا ورد ذلك عند الصحابة أو التابعين أبداً .

[15]: محمد بن أبي بكر الحنبلي أبن قيم الجوزية (ت 751 هـ) صاحب زاد المعاد في هدى خير العباد، تفقه على أبن تيمية، غلب عليه حب أبن تيمية، وعد الخروج عن أقواله ضلال، قام بتهذيب كتب أبن تيمية ونشرها، كان كأستاذه ينال من علماء عصره وينالون منه .

[16]: محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[17]: يقول الأستاذ والكاتب السوري نبيل فياض عن هذه النحلة المنحرفة: ((... مصيبتنا الفعلية هي في أولئك الوهابيين الذين مازالوا مستمرين في ترويج كل أنواع الدجل والعهر الفكري يلعبون بها بعقول الصبية والنسوة المهتاجات)) من كتابه: يوم انحدر الجمل من السقيفة، ص 18 .

و الوهابية فرقة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب المولود في بلدة العينية بنجد (1115 هـ ــ 1703 ميلادي) درس الفقه الحنبلي، واقتدى بابن تيمية، ورحل إلى المدينة والبصرة وبغداد وكردستان وهمدان وأصفهان وعاد إلى بلاده وأظهر طريقته وأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع حسب ما يدعي، واستعان بمحمد بن سعود في تأييد دعوته إلى أن مات سنة (1206 هـ ــ 1791 ميلادي) وأعتنق آل سعود هذه الدعوة التكفيرية الشاذة، والتي أسسها الأستعمار في داخل الإسلام لضرب الإسلام .

[18]: السيد مرتضى بن محمد بن إسماعيل الحسيني العسكري، عالم ومؤرخ ومحقق، ولد في سامراء سنة (1332 هـ)، ثم هاجر إلى قم سنة (1350 هـ)، ثم رجع إلى سامراء سنة (1353 هـ)، أنتقل إلى بغداد وصار أستاذاً في كلية (أصول الدين) ثم عميداً لها، وهو من المؤسسين الأوائل لها، توفي في إيران سنة (1428 هـ) له من المؤلفات: (معالم المدرستين، عبد الله بن سبأ، خمسون ومائة صحابي مختلق) .

[19]: دور الأئمة في أحياء الدين، السيد العسكري، ج 1، ص 154 .

[20]: يراجع كتاب السنة للبربهاري كمثال، وكتب الحنابلة .

[21]: فرق أهل السنة، صالح الورداني، ص 246 .

[22]: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي أنموذجاً، حسن بن فرحان المالكي، ص 151 .

[23]: كيف جرى مفهوم القطيعة على التراث، إدريس هاني .

[24]: العرب والفكر التاريخي، عبد الله العروي، ص 25 .

[25]: المصدر السابق، ص 22 .

[26]: المصدر السابق، ص 223 .

[27]: التراث والحداثة، محمد عابد الجابري، ص 22 .

[28]: ونحن لا ندعوا إلى الأنتقاء أو الإنتقائية، وذلك لأن فيها ما هو سلبي، وفيها ما هو إيجابي .

[29]: الآحادية الفكرية في الساحة الدينية، حسن موسى الصفار، ص 59 .

[30]: فبعض التراث قد كتب بأمر من السلطان، وتحت وصايته، وروج له وعاظ السلاطين، والمتملقين ليصبح جزءاً من التراث .

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي