تجديد وتنوير

نظرة انسانية متطورة في التسامح ومنابع اللاتسامح / جمعة عبد الله

انجازا فكريا متألقا ورائعا ومتكاملا من حيث الطرح ومناقشة المواضيع والقضايا الحساسة ذات الشان الخطير والحيوي برؤية انسانية متطورة.

يتسم الكتاب بالتناول العلمي ودقة متناهية  في الطرح الموضوعي بعيدا عن التحيز والتحريف. ولهذا يعتبر الكتاب معينا فكريا وثقافيا لكل قارئ او مثقف او متابع.

ان تعايش المجتمع وتطوره وازدهاره في المجالات الفكرية والثقافية، لابد ان يسبقه اعتراف بالحقوق المتكافئة لكل شركاء المجتمع  في التكوين الاجتماعي، ولابد ان تسود لغة الحوار والتواصل والتعايش السلمي والتسامح بكل اشكاله الاجتماعية والدينية والقومية والعرقية وتتجلى فيه الحرية الشخصية، وحق التعبير وحرية الاعتقاد،  وبالتالي ضمان حقوق الاخرين .

 وحينما تختفي قيم التسامح في المجتمع تطفو بؤر النزعات والخلافات على السطح على شكل موجات عنف متواصلة تخلف نتائج مروعة على الحياة العامة وبالتالي تقضي على كل بوادر التعايش السلمي، وهذه يخالف تعاليم الدين التي تؤكد وتدعو الى المحبة والتعاون والاخاء والسلام، وهنا ياتي دور الموعظ الحسنة  ورجال الفكر والثقافة، الذين تقع عليهم مسؤولية تحصين العقل والفكر من شرور التعصب والشوفينية والعنصرية والارتكاز على القيم التي ترفض الحقد والكراهية والفرقة والفتنة بين افراد المجتمع الواحد

 ولا يمكن ان تسود قيم التسامح إلا اذا (قام التسامح على سلسلة فكرية وثقافية يخضع لها الفرد والمجتمع، كي يعمل بشكل صحيح ومؤثر) وبهذه الصورة تنحصر مساحات التشدد والتعصب واللاتسامح والعنف من مواقف سياسية واجتماعية تقضي دائما الى تأزيم العلاقات ثم الدخول في متاهات الحروب والعداء.

وبهذا التصورالرائع  الذي يتسم بالتطور الفكري الناضج (وهذا ليس غريبا عن الباحث) يعطي صورة كاملة لمنابع العنف والتعصب والاخطار التي تحيط بالمجتمع، والتي تهدد منابع التسامح وتدخل المجتمع في دوامة العنف

والنزعات الداخلية . لذا فان منافع التسامح تجعل (الانسان ان يكون متسامحا وهو يعلم بضعفه وكثرة اخطائه، وانه ليس معصوما في سلوكه واعماله). والحالة العراقية حاضرة في الكتاب بكل تفاصيلها المعقدة والمتشابكة وما تحمله من موروثات ثقافية وفكرية يستعرضها الباحث بكل واقعية وموضوعية . لذا فان طريق التسامح هو (احدى القيم التي يعتمدها المجتمع للخروج من ازمة الصراع الديني والسياسي على اساس التكافئ في الحقوق السياسية والعقيدة . بعيدا عن الاقصاء والتهميش).

يشير الكاتب الى مفهوم التسامح ودلالاته بمعناه الواسع، بحيث لا ينزلق الى مفاهيم تؤدي الى الاذلال او الخضوع للامر الواقع او المهادنة والخوف فيضطر الى التنازل عن حقه او القبول في شريعة الباطل والسكوت عن شريعة الحق او التساهل او غض الطرف بل (يراد بالتسامح اصطلاحا موقفا ايجابيا متفهما من العقائد والافكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاحتراب والاقصاء) وحق التعبير. فهو لا يعني احتكار الحقيقة لان (الحقيقة وجود نسبي لدى جميع الافراد، ولا مبرر حينئذ لدعوى احتكارها والتفرد بها) وبهذا المفهوم يكون التعايش والقبول بالاخر وتفاعل المضامين المتقاربة، والتي تسمح باعادة النظر في موروث عاداتنا وتقاليدنا والموروث الثقافي والفكري . وتكون هذه المراجعة مفيدة تصب في فض التراب والغبارعن الافكار الدخيلة عندها سيتضح بان (مفاهيم التسامح ليست غريبة في روحها عن اصول ديننا وعقيدتنا، وانما اقصها القراءات الاحادية والفهم المتحيز للدين).

بهذا الفهم العميق يقودنا الى المصارحة والمكاشفة من اجل تطوير منابع فكيرنا نحو الابعد والدخول في (مرحلة الحداثة الحقيقية وليست حداثة شكلية كما هو الحال لكثير من البلدان الاسلامية).

ويقودنا الكاتب الى حقيقة ناصعة من التسامح ودور الافراد منه، هل يوافقون عن الرأي المعاكس او المخالف؟ وهل يقبلونه ام يرفضونه، هل يكون التعنت او الرضوخ حلا واقعيا،، بل لهذا ولا ذاك وانما (التسامح يعني اعترافا بالاخر والتعايش معه على اساس حرية العقيدة وحرية التعبير) ويعطي الباحث مفاهيم لغوية مبسطة للتسامح وهي مغايرة لمفاهيم التعصب التي تصر على ان (التعصب هو رفض الاخر وسلب حق الاعتقاد وحق التعبير عن رأيه) وهنا تكمن اهمية التسامح الديني والسياسي والاجتماعي ودورها في الحياة العامة، وما احوج عراقنا اليوم الى هذه المبادئ السامية وهي نقيضة ومعاكسة لمضامين الشوفينية او العنصرية والتعصب ومنابع اللاتسامح، ويدخل الكاتب في كل زوايا وما تشمل من موروث ثقافي وفكري وديني وسياسي . والمنابع التي تفضي الى التعصب والبؤر التي تعشعش فيه وتلعب دو ر المخرب في المجتمع و ما (تولد التعصب بانواعه الثلاث - الديني والقبلي والسياسي) وماينتج منهم تبعيات ضارة .

 tasamoh2

ويحدد الكاتب بؤراللاتسامح في خمسة محطات او مناطق وهي؛

1 - منطق العنف: وهو سمة المجتمعات غير المتحضرة والتي ترفض الاحتكام الى القانون (وترتكز للعنف في تقرير مصيرها وانتزاع حقوقها وتسوية خلافاتها) وان قيم العنف تتأثر بقيم القبيلة والعشيرة في ممارسة العنف، واستخدام القوة  لاثبات منطق الشجاعة والرجولة او اسلوب (التسوية الخلافات وتصفية الحسابات بما في ذلك الحكومات والانظمة        السياسية غير الشرعية) وهذه صفة عامة للحكومات الاستبدادية في الايغال في وسائل العنف وفرض سطوتها بالقوة، واستخدام التعصب لها وسيلة لتأجيج دواعي العنف، وبراز سياسة اللاتسامح كمنهج سياسي وهي تتخلى عن مفاهيم السلام والعدل والتعايش السلمي داخل المجتمع الواحد

 

2 - المنطق الثاني لبؤر اللاتسامح هو الولاء القبلي: ان العشيرة او القبيلة تلعب دور فعال في المجتمع، قد يكون هذا الدور في بعض الاحيان خطير، اذا تقاطع بين ولاء للقبيلة

والولاء للشعب او الوطن، ومدى قوة هذا التأثير على هوية الوطن، اي بمعنى لمن ينحاز أو لمن تكون الكلمة الاولى . هل تكون للقبيلة ؟ ام للشعب؟ وهل يطبق شريعة القبيلة ام شريعة الدولة؟ وهذا يعتمد في الدرجة الاولى الى الوعي الثقافي والفكري وهي (تشكل القيمة الاجتماعية للفرد لا على اساس انتمائه القبلي، وانما على اساس انساني، فهو انسان قبل كل شيء) وانحياز الى قانون الدولة، لا يعني اتخاذ موقف عدائي من القبيلة او العشيرة بل (توظيف قيم العشيرة لصالح الشعب وخدمة للوطن) وبهذا يمتلك النظرة   الصائبة بالتخلي من التعصب القبلي على حساب المصالح العامة للوطن

 

 3 - المنطق الثالث سلطة القيم: او علاقة الفرد بالقيم وما تتمثل من مكانة بالنسبة اليه وما تتشكل من بعد اجتماعي مرتبط بقيم التسامح او بقيم التعصب باعتبار (ان اغلب القيم

الاجتماعية قيم مصطنعة فرضتها مصالح النخبة الثقافية والاجتماعية) وتتصف مجتمعاتنا او المجتمعات الشرقية بصفة عامة بانها (مجتمعات ذكورية يتمتع الرجل بصلاحيات

واسعة في مقابل تهميش المرأة وتحقيرها، وتلغي وجودها) وما تعانيه المرأة من خلال هيمنة النظام الابوي

 

4 - البؤرة الرابعة لمنابع اللاتسامح هو الاستبداد السياسي: والذي يعتبر العدو اللدود وخصما شرسا لقيم التسامح، وتكمن صفات هذا الاستبداد في (عدم الاعتراف بالحقوق السياسية للاخرين، التي منها حقه في ممارسة السلطة) ويركز النظام المستبد او الحاكم المستبد في (سلطاته الواسعة، وامتيازاته المتعددة، خطوطا حمراء يمنع تخطيها او القفزعليها) وهذا ما قاست وعانت من الشعوب وخاصة الشعب العراقي من ظلم وجور وقهر وتعسف كأن (قدر الشعوب الاسلامية ان تبقى مسلوبة الارادة وعاجزة، قاصرة وغير قادرة على  ادارة نفسها) او الانسلاخ الى رحاب الحرية والكرامة

 

5 - البؤرة الخامسة من قيم اللاتسامح هو التطرف الديني : الذي يعتبر احد اخطر منابع (اللاتسامح لتلبيسه ببعد شرعي وتوظيفه للنص الديني) ويؤكد الباحث القدير على مسألة جوهرية في غاية الدقة والخطورة وهي (ليس غريبا ان يكون اكثر المتطرفين الدينين ممن لم تسعفهم كفائتهم العلمية والثقافية في ادراك الحقيقة) وحقيقة التطرف الديني تكمن بانه (لا يعدو كونه قراءة مجتزئة للنصوص) وكذلك هو (ازمة التطرف في بساطة الوعي وضحالته واختلاله، وعدم القدرة على فقه النص) وبالتحليل العلمي والفكري المبسط يستعرض الباحث نماذج من هذا التطرف واساليبه في تؤيل النصوص الدينية، واشاعة شريعة اباحة  الدم وقتل الابرياء حتى بات للرأي العام والعالمي بان (الاسلامي يساوي الارهابي، والارهابي يساوي الاسلامي) ويتناول الكاتب الظواهر الخطيرة التي برزت على المسرح السياسي في السنوات الاخيرة وهي ظاهرة الفتاوى بشكل واسع  والتي هي (تعتبرفتاوى التكفير وخطب التحريض وليدة فكر ظلامي متطرف وقراءات احادية للنصوص الدينية .- القرأن والسنة

 

وفي مقالة اخرى تتناول قيم التسامح

 

جمعة عبدالله

 

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2248 الخميس 18 / 10 / 2012)

 

 

في المثقف اليوم