نص وحوار

نص وحوار: مع الباحث والناقد والشاعر كريم مرزة الأسدي ونصه "رفيقة َالدّهر ِهلْ بـ (اليوم ِ) تذكارُ؟" / ميادة ابو شنب

mayada aboshanab2karem merzaخاص: المثقف تستضيف، ضمن برنامج نص وحوار، الباحث والناقد والشاعر القدير كريم مرزة الأسدي لتحاوره حول نصه "رفيقة َالدّهر ِهلْ بـ (اليوم ِ) تذكارُ؟"، فأهلاً ومرحباً به.

 

كريم مرزة الأسدي باحث وناقد وشاعر له حضور دائم ومميّز في صحيفة المثقف

أصدر ثلاثة دواوين:

 1 - (وطني...) - دار الوراق للنشر والتوزيع - قطع وسط - 192 ص - 1997 م، دمشق.

 2 - (حصاد أيّام وأيّام) - دار الوراق للنشر والتوزيع قطع وسط - 156 ص -1998م - دمشق.

 3 - (ملحمة وقصائد شعرية) - نشر ورسوم الفنان عيسى يعقوب - قطع كبير - 154 ص - 1999 م - دمشق.

وله ديوانان مخطوطان ينتظران الطبع، والديوان الكامل، وكل الشعر عمودي أو تفعيلة.

 

أما المؤلفات الأخرى المطبوعة فهي:

4 - (للعبقرية أسرارها...تشكّها...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة) - دار فجر العروبة للنشر والتوزيع - دمشق 1996م - 208 ص - قطع كبير.

5 - (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية...مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) - دار الحصاد للنشر والتوزيع - دمشق - 2003م - 208 ص - قطع كبير.

6 - (تاريخ الحيرة...الكوفة... الأطوار المبكرة للنجف الأشرف) - النجف 2007 م - 336 ص - قطع كبير.

7 - (شذرات من الأيام...) - النجف 2012م - 270 ص - قطع كبير.

8 - إضافة إلى العشرات من البحوث والمقالات والقصائد المنشورة في عشرات الصحف والمجلات والموسوعات والكتب والمواقع العربية والعراقية.

وله عدة مؤلفات مخطوطة تنتظر الطبع منها:

- (دعبل الخزاعي الوجه الآخر للشعر العربي)

-(الشعر وقضاياه... علما العروض والقوافي والتجديد في الشعرالعربي)

-(شعروشعراء - دراسات أدبية وقراءات نقدية).

- (هؤلاء بين أيدي هؤلاء)

 

الجوائز التي نالها:

 1 - الجوائزوالتشكرات على المستوى المهني نال العديد من الجوائز الرمزية والأوسمة والتشكرات والتقديرات من السيد وزير التربية والتعليم والمديريات العامة للمناهج والكتب، والوسائل التعليمية، والامتحانات العامة، وتربية واسط، ومديرية تدريب المدرسين والقادة التربويين...ناهيك عما حصل عليه من الجزائر والمغرب طيلة أكثر من عشر سنوات قضاها في معاهد وثانويات القطرين، معظمها في الجزائر.

 2 - أما على المستوى الإبداعي فالجوائز (الأوسمة) والتشكرات والتثمينات: اثنان من السيدة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي السورية لمشاركته في مهرجانين للشعر العربي مع كبار شعراء العرب بمناسبة عيد الجلاء السوري 1997م، 1998 م، وجائزة من دار طلاس للطباعة والنشر (مجموعة كتب ثمينة) مع كتاب شكر وتقدير لوطنية وقومية الشاعر من السيد الأديب العماد - نائب رئيس الوزراء - صاحب الدار عن قصيدته بمناسبة حرب تشرين نشرتها الصحف السورية، وعدة جوائز وتشكرات من منظمة حقوق الإنسان العالمية عن قصيدته (إنسان وإنسان)، بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس المنظمة، ومن صحيفة نداء الرافدين الصادرة من دمشق، ومن دائرة المعارف الحسينية في لندن، ومن مجلة القصب اللبنانية (الأستاذ الشاعر جابر الجابري)، وغيرها...

 

mayada aboshanab2ميادة ابو شنب: الباحث والناقد والشاعر القدير كريم مرزة الأسدي .. بعد أن لامست دفء الأمل في بحر قصيدتك البسيط المنبسط بين ضفة "رفيقة الدّهر" وضفة العراق، رغم الضباب الكثيف الذي يحجب نور الغد، حرّرت شراعي ليمخر عباب قصيدتك العصماء "رفيقة الدّهر هل بـ (اليوم) تذكار؟" وألقيت شباكي علّها تلتقط الدرر المنثورة بين غابات مرجان شعرك وتكشف سرّ الإبداع الذي تجلّى دون تكلّف أو تصنّع رغم قصر المدّة بين الدعوة للمشاركة بملف يوم المرأة العالمي في المثقف وبين نشر الملف.

أهلاً وسهلاً بالباحث الناقد الشاعر كريم مرزة الأسدي في المثقف، في باب نص وحوار، لمحاورة نصه من خلال طرح بعض الأسئلة، تاركين الفرصة للقراء الكرام لطرح المزيد منها وإغناء الحوار بمداخلاتهم.

 

س1: ميادة ابو شنب: لقد وضع صفي الدين الحلي مفتاحاً يعرّف به البحر البسيط: "إنّ البسيط لديه يُبسَط الأمل"، وهو ما يحاكي أجواء قصيدتك الزاخرة بالأمل في إنصاف المرأة.

هل تعتقد أن اللغة العربية قد أنصفت المرأة من خلال تأنيث رموز الحياة: الحريّة، الكرامة والمساواة؟ وهل كان لمكانة المرأة المهمة في السابق، قبل الاستبداد الذكوري، تأثيراً على تشكيل اللغة؟

 

ج1: كريم مرزة الأسدي:

سيدتي الكريمة: بادئ ذي بدء أشكرك جزيل الشكر مع وافر امتناني لتفضلك بإجراء هذا الحوار.

نعم... اللغة العربية هي من أكثر اللغات التي أولت اهتماماً بالغاً بالمرأة منذ أن عُرف للعرب شعر، فهذا الشنفرى (ت 525م)، وهو من أوائل شعراء العرب لم يطلع علينا بقصيدته الشهيرة (لامية العرب)، إلا بذكر أمه:

أقيموا بني أمّي صـدورّ مطيـكمْ *** فأنـّي إلى قوم ٍ ســـــواكمْ لأميلُ

لأن رابطة الأمومة أقوى الصلات الإنسانية عاطفة ً، وأكثرها مودةً وقرباً، مبتعداً عن النزعة القبلية والعشائرية الذكورية، وقصيدته الثائية بحق زوجه، فمن يقرأها في ديوانه يتفكر في مدى احترام العرب لحقوق المرأة وعفتها، القصيدة التي عدّها الأصمعي أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن، تقول بعض أبياتها:

ألا أم عمرو أجمعتْ فاســـتقلتِ *** وما ودّعتْ جيرانها إذ ْ تولـّتِ

وقد سبقتنا أم عمرو بأمــــرهـا ***وكانتْ بأعنــــاق المطي أظلـّتِ

بعيني ما أمستْ فباتتْ فأصبحتْ *** فقضّتْ أموراً فاسـتقلتْ فولّتِ

فوا كبدا على أميمةَ َبعدمــــــا *** طمعتُ فهبها نعمــةَ َالعيشِ زلّتِ

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعهــا *** إذا مــا مشت ولا بـــذاتِ تلفّتِ

زوجه (أميمة) هجرته ورحلت دون أن تخبر أي أحد حتى جيرانها، الرجل لم يغضب، ولم يسخط، ولم تأخذه الحمية الجاهلية أبان جاهليتها، بل كافأها بأروع رائعة، وأرق الكلمات..(بعيني)...(فوا كبدا)، ثم (لقد أعجبتني)...أعجبته بماذا؟ إنها لا تسقط قناعها تعمداً لإبداء حسنها، ولا تتلفت لكي لا تجلب الريبة لعفتها وخدرها، يقول الأصمعي معقباً: وقد تلقي المرأة خمارها لحسنها وهي على عفة.

ولا تتخيلي أن صرخة (وا معتصماه !!) التي هيّجت المعتصم، وأججت كوامنه بما يختزنه من ودّ واعتزاز وحرص على كرامة المرأة، فشدّ رحاله، وجرّ عساكره الجرارة إلى عمورية، ففتحها (223 هـ)، ثأراً لصرخة امرأة مكلومة، هي جديدة في دنيا العرب، كلاّ...!!

فحرب البسوس قامت بين بكر وتغلب بسبب ناقة لامرأة هي بسوس بنت منقذ، خالة جساس بن مرة الذي قتل كليباً، فثارت ثائرة أخيه المهلهل، الذي خاطب ابنة أخيه المقتول قائلاً:

تُسألني بديلةُ عن أبيها *** ولا تدري بديلة ما ضميري

هذه الحرب ما شنّت بسبب الناقة كما يتناقل الرواة، ويردد الببغاوات! بل تكريماً لصرخة خالته البسوس، وإلا ما قيمة الناقة بالنسبة لهؤلاء الأمراء الذين يذبحون العشرات في المناسبات. أثرت هذه الحرب التي استمرت أربعين عاماً على شعر الحماسة والرثاء العربي، ولا ننسى من بعد هذه الحرب مقتل ملك الحيرة عمرو بن هند على يد الشاعر التغلبي عمرو بن كلثوم، لأن جلالة الملك مس من كرامة أمّ الشاعر، ونصف معلقته نظمها بعد الحادثة المشؤومة!، والشيء بالشيء يذكر، ليس هذا الملك فقط نسب إلى أمه هند تكريماً لها، فهذا المنذر بن ماء السماء، وذلك الحارث الأعرج في الشام لصق بأمه مارية فانتسب إليها الغساسنة، يقول حسان بن ثابت في مدح جبلة بن الأيهم:

أولادُ جَفنةَ حول قبر أبيهم *** قبر ابن مارية الكريم المفضل

شغلت المرأة مساحة كبيرة في الشعر العربي، وهذه تلميحات (أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدلّل)، (كليني لهم يا أميمةُ ناصبٍ)، (ولقد ذكرتك والرماح...)، (يا عبلُ لا أخشى الحمام...)، (أجارتنا أنّ المزار قريبُ)، (لخولة أطلالٌ...)، (ألا ليت شعري...)، (يقولون ليلى...)، (لولا الحياء لهاجني استعبارُ)...المئات من غرر الشعر.

ذكر الشعراء المرأة في نسيبهم، وحماستهم، وفخرهم، ورحيلهم، ولوعتهم، وعتابهم، ورثائهم، وعشقهم، وأطلالهم، لا ريب هذا كلّه أثر تأثيراً كبيراً في احتلال الأنثى صيغة مميّزة في كيفية مخاطبتها، والتفريق بينها وبين ابن نوعها، وبدقة متناهية من تلك الأيام الغابرة حتى أيامنا الحاضرة سواء على مستوى الضمائر أو الصفات أو الأفعال أو الأسماء، بل أصبح الإنسان منا يتعرف بسهولة عن أصالة المتكلم اللغوية من خلال الخلط لفظاً بينهما، ولو بقيد أنملة.

 وبالرغم من أنّ الأسلام أجلَّ المرأة كثيراً في عصر صدر الرسالة، ولكن بعد الفتوحات والسبي، ووفود الأمم إلى ثغور وعواصم الخلافة الإسلامية، وانتشار ظاهرة الجواري والقيان والنخاسين، ربما أدى هذا إلى بدايات (الاستبداد الذكوري) للعنصر الأجنبي أولاً، ولو أنَّ الجواري لعبن دوراً أساسيأ ومهماً في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بل أصبحن أمهات أولاد، ومعظم الخلفاء من أولى الأمهات، وفي هذا العصر واصلت الأمة احترام ذاتها، وضاعفت جهودها لمنح المرأة حقها في التوصيف والدلالات والعلامات، وعلى سبيل المثال الموجز، والموضوع موسع، أن الفراء (ت 207 هـ)، إمام الكوفيين ذكر خمس عشرة علامة للتأنيث، ثمان في الأسماء، واربع في الأفعال، وثلاث في الأدوات، وهي من أكثر أسباب التأنيث في اللغة العربية، وإذا حذفت العلامة عاد الفعل أو الاسم إلى أصله المذكر، فالتذكير هو الأصل، ومع ذلك قال الرمز الأول في الشعر العربي، المتنبي العظيم:

وما التأنيث لاسم الشَّمْسِ عيبٌ *** ولا التذكيرُ فخـرٌ للهـلال

والحقيقة قبل إغلاق جواب هذا السؤال، لابد أنْ نشير أنّ اللغات البدائية عادةً لا تفرق بين المذكر والمؤنث، وإنما تخاطب الإنسان إنساناً، بل اللغة الإنكليزية، وهي أوسع لغات العالم انتشاراً، لا تتسع للفصل بين الجنسين عن طريق الصفات والأفعال، وإنما عن طريق الضمائر، وبعض الأسماء، ولا أعلم هل قمرهم المؤنث أجمل من شمسنا؟!!، وهل يقبلن بنات حوائنا أن نصفهن بنعوت الرجال، أو نجرد أفعالهن من تاء التأنيث الساكنة؟!! أسئلة تبقى يقينا بلا أجوبة، فالعيب ليس في لغتنا الجميلة، وإنما برجالات هذه العصور الذين سحقوا هامات الاوالي، ونعود للمتنبي:

ويدفن بعضنا بعضاً وتمشي *** أواخرنا على هام الأوالي

ونعلق في ختام الجواب على ما ورد من (الاستبداد الذكوري) في السؤال:

الكون كلّه قد بُني على الثنائية المتجاذبة المتكاملة طبعاً، والمتنافرة عنوة لاستمرارية الوجود والحياة، لأن التجاذب التام الختام!! وهذه الحقيقة العلمية والفكرية تسندها بقوة سورة الإخلاص في القرآن الكريم:(قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، وثنائية الحياة - بغض النظر عن أيّ الجنسين متسلط فيها على الآخر – أكثر تقارباً وتلامساً بكثير من ثنائية الجمادات، هذا التجاذب صيّره العقل الجمعي المتخلف إلى تسلط واستبداد عبر التراكمات الاجتماعية التي مرّت على بني البشر بنسب تختلف حسب الظروف الموضوعية لكل مجتمع، وكلما ضاقت هذه الهوة المصطنعة ازدهرت الحضارة الإنسانية، والعكس صحيح، والمشكلة الكبرى إذا وقع القادة الكبار في هذا الوهم التسلطي، مما سيجرّ تسلطهم واستبدادهم على أبناء جنسهم الذكور، وعلى المقربين والأبعدين والناس أجمعين، فتبرز ظاهرة الطغاة، وبدرجات أدنى ظواهر الاستعباد والإرهاب، والاستيلاء على حقوق الآخرين، والشذوذ...، وكل هذا يبنى على أساس غريزة الجنس، ودافعها حب التملك - وكان الهدف السامي التجاذب النوعي لثنائيته الخصبة - ويمتد هذا المفهوم ويتطور كمرض اجتماعي، إن لم يجد رادعا اجتماعياً أو ثقافياً أو دينيا لكبته، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، لذلك يتطلع المثقفون والشعراء والمفكرون أن تأخذ المرأة تمام حقوقها، وتقوم بكامل واجباتها، وفي جميع المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية - وفق الشرع والأعراف السليمة - والفكرية، بل والدفاعية، لقيادة المجتمع مثلها مثل الرجل، والقرآن الكريم في معظم الآيات يقرن الرجال بالنساء دون تمييز إلا بالتقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

 

س2: ميادة أبو شنب:

منْ ذا توهـّمَ أنَّ (اليــومَ) مكرمة ٌ

فكلّ ُ ثامـــــن ِمنْ آذارَ (آذارُ)

نطالع في هذا البيت، من خلال الجناس التام بين آذار الشهر وآذار الأسطورة، تضمين حاذق.

قدمت للقارئ، في الهامش، ما تعنيه من هذا التضمين كي يرى ما تريده وليس ما يريده. ومن جهة أخرى، أطلقت العنان للقارئ ليخمّن أنّه من هنا جاء اختيار هذا الشهر للاحتفاء العالمي بالمرأة.

"الحقيقة أنَّ الطاقة الخلاّقة المبدعة تكمن في الروابط الإنسانية بين دائرتي العقل الراقي، والخيال الخصب." (عبد الفتاح المطلبي الشاعر القاص بين النقد والإبداع/كريم مرزة الاسدي)

من هذا البيت ومقولتك المقتبسة من مقالك، هل بإمكاننا استنباط تأييدك أن الإنسان أدرك بـ "عقله الراقي" الكون من حوله وحاول بـ "خياله الخصب" تجسيد الآلهة القادرة على الخلق والابداع، في الماضي البعيد؟

 

ج2: كريم مرزة الأسدي:

التهميش يكتب لمساعدة القارئ غير المتضلع بالشعر وأسراره، أو باللغة وإيحاءاتها، أو بالرموز ودلالاتها، ويروم المرور مستمتعاً غير متعمق، وإلا فالنص الأدبي يفسرُّ ما يريد منه المفسّر، حسب ثقافته، وبيئته، وظروفه الموضوعية والذاتية، ومكانه، وزمانه، بمعنى لكل فرد قراءته الخاصة به، ومن وجهة نظري أنّ أقرب وأروع ربط بين الكلمتين المتجانستين، هو أنْ تكون كلمة آذار الأولى تمثل المرأة أم الخصوبة الحقيقية في عيد ميلادها، تتجسد في أسطورة آذار مصدر انبثاق الحضارات عند بلاد ما بين النهرين، والتي تبناها الكرد، نعم هنالك مدلول له مغزى في الثامن من آذار للأسطورة نفسها، وهذا فائض عن التوظيف لعجز البيت.

كلا، لا نستطيع أن نستنبط هذه الألهة الأسطورية من وحي العقل، لأن الأسطورة وهم عقيم ليس لها أي حيز في عقل الإنسان، ونحن نتداولها عن طريق الموروث كالسعلوة والطنطل وعشتار وتموز توظف للتمني العقيم، وإلا كيف يدرك العقل أو الخيال أموراً غير موجودة أساساً في الكون.

ألا كلُّ شيءٍ ما عدا الله باطلُ *** وكلّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ

أما مقولتي في مقالتي عن الأستاذ القاص والشاعر المطلبي حاولت أن أصيغها بدقة، فذكرت أن الطاقة الخلاقة المبدعة تكمن في الروابط الإنسانية بين الخيال الخصب والعقل الراقي، بمعنى أن الخيال الذي يمكن تحقيقه واقعياً، كالطيران والغوص في أعماق المحيطات، والجلوس على القمر... وحتى الصعود للمريخ، لأن القمر والمحيطات والمريخ وطيران الطيور لها حيز في عقل الإنسان، يمكن للخيال أن يجوب حولها ويصل إليها في لحظات، فمن هنا الخيال يرسم ويصور، ويأتي العقل الراقي عندما تتاح له الفرصة ليؤسس على ما رسمه الخيال خطوة خطوة حتى يكمل المشروع الإنساني الحضاري، ومن هنا أيضاً كان الشعراء والملهمون أكثر حضوراً وخلوداً، وأوسع شهرة من العلماء.

 

س3: ميادة أبو شنب:

يا عرشَ (بلقيسَ)، يا (زبّاءُ): لوعتنا

جفَّ الثرى و(قصير) القومِ غدّارُ!!

..........

(خنساءُ) ما خنِستْ، (حسّانُها) صخَرٌ !

لو كـــــــانَ للمفلِق ِ الإبــــداع ِمعيارُ

 

(ولاّدة ٌ) وسمتْ من (شـــهْريارَ) لمىً

(للشهرزادَ)، وما تؤتيهِ أقمـــــارُ

يجول خيالك في فضاءات التاريخ ويلتقط نجمات لا يخبو بريقها (من الملكات: بلقيس وزنوبيا، ومن الشاعرات: الخنساء وولّادة، ومن القصص: شهرزاد ومن الاساطير: آذار وعشتار) وتوظّف هذه الاسماء كرموز تجسّد حقيقة الأنثى في قصيدتك.

"لا نستطيع أن نحكـّم عقولنا الحسية بالفنون والحب والأديان فدوائرها أوسع مكتسحة دائرتي الخيال والعقائد حتى تخترق دائرة الوهم، ربما تصل للهولسة، وما الخيال سوى حركة النفس في المحسوسات المادية أبان غيبوبتها، وللمتخيل أن يركب ويحلل ما يشاء من محسوساته الغائبة، أمّا الوهم فهو ما يخطر في الأذهان دون أن يكون له أساس مادي، ويقع في مساحة اللامعقول واللاممكن الوجود كالأساطير وما أبعد" (عبد الفتاح المطلبي الشاعر القاص بين النقد والإبداع/كريم مرزة الاسدي)

في إطار أية دائرة استحضرت هذه الرموز؟

 

ج3: كريم مرزة الأسدي:

بدايةً نوجز تلخيصاً: قصيدتي استندت على ما سنحت به اللحظة من مخزون عقلي بتاريخه الشمولي، وفكره التأملي وفلسفته المتمازجة، وعلى محاكاة الأساطير، والخيال الخصب، بخلطة متجانسة من أزمنة مختلفة، قد تخمرت في العقل الباطن، وأطرها العقل الواعي بلمسات بسيطة، فولدت هذه الحبكة (ميثوز) - المناصرة للمرأة - غير العسيرة، ودون تخطيط أو تردد أو خوف...

  سيدتي الكريمة: كما تعلمين، الإنسان - هذا الذي يُقتل في أوطاننا برصاصة تافهة طائشة - كائن غاية التعقيد والتركيب، سبحان خالقه!! يقول الجواهري في لفتة إنسانية بارعة:

يا جلق الشام إنا خلقة عجب *** لم يدر ما سرها إلا الذي خلقا

ومن عجائب خلق الله، جلَّ قدرةً، هذا التباين الرهيب بين دقائق مخلوقاته، وكبار حجهما، إذ لا يوجد منها فردان متشابهان مطلقا، بل حتى ظواهر طبيعته، لذلك أقول في أحد أبيات قصيدتي عن الإنسان مضمناً هذا التباين، مبهوراً به:

ما كان نيسان تهواه القلوب شذىً *** لو أن كلَّ شهور الدهر نيسانُ

من هنا وُجدت نظرية (التوازن في الطبيعة)، وعندما أخل الإنسان الطائش بتوازنها، عاد ليتباكى للعودة إليها مقرّاً بعجزه، من هذا المنطلق نعود لنقول: إنَّ الإبداع كالشعر والفن شيء، والعلوم البحتة، والإنسانية كالبحث والتاريخ والنقد - إن صح التعبير، فهو بين بين - شيء آخر، الشاعر لحظة نظم القصيدة وإبداعها، لا يعرف هذه الحدود بين العقل والخيال والوهم، ولا يدير بالاً لها، بل الوقت بتأمله الواعي، وتفحصه المتأني قليل الأهمية بالنسبة لأمر جودة القصيدة المولود، وربما يتعذر على الشاعر المبدع أن ينظم قصيدة أياما، ومن بعد يضع القصيدة الخالدة في ساعات، وليس للحفظ أهمية آنية للنظم، إنما الشاعر يحفظ لينسى (كقصة أبي نؤاس والأصمعي)، والنسيان له وظيفة نفسية وإبداعية، إبداعية لكي لا ينحل من إبداع غيره تعمداً، ونفسية إذ ينقل المحفوظات من عقله الواعي إلى عقله الباطن لا إرادياً، فتصبح من كيانه اللاشعوري، وكأنها تتخمر، وتتلاقح مع كل المعلومات والمحفوظات والصور التخيلية والتجارب الحياتية والآلآم النفسية، وعلى حين غرّة، قد يكون الشاعر سادراً في ذهوله، أو غاطاً في نومه، وإذا بالشرارة تنفجر لحظة إبداع، فتلتهب النار المتأججة بين الجوانح والثنايا والأعماق، فيهرع للقلم التائه والورق الضائع ليخط أروع ألحان الحياة، وأنغام التاريخ، ولا يبالي من بعد أن تحرق هذه الخريدة حياته، أو تضيء دربه، يقول (كيتس): إنه عندما يقرأ قصائده التي كتبها من قبل في لحظات الإلهام يعجب منها، ولم يكن هو إلا آلة تسجل ما تملي عليه الشخصية الثانية،، وكذلك قال (وليم بليك)، بأنه يكتب الشعر بما يملي عليه في لحظات، وهذا أبو القاسم الشابي يهجم عليه الشعر في الليالي فيمنعه الراحة والنوم، والجواهري ينظم قصيدة من أروع قصائده (يا دجلة الخير) في ليلة براغية واحدة. ولكن يغلبهم في دنيا الخلود أشواطاً وأشواطاً على حلبة السباق. فذلكة الأقوال: إنّ العالم والباحث والمؤرخ والناقد يحتاج إلى الوقت الكافي، والتأمل الصافي، والتروي الوافي، والتحقيق الدقيق، والتحليل العميق، والتواضع الرفيع، وما هكذا الشاعر في لحظات الإبداع، وإنمّا يقفز على كل هذه الحواجز، وينتصر زاهياً، ويُخلّد راغما...!!

 

س4: ميادة ابو شنب:

إنـــّي أتيتُ بلا زادٍ سوى ألمي

هذا العراقُ، فروحي منهُ أشطارُ

إنّ الفعل "أتيت" مثقل بدلالة بُعدك عن العراق، وتنفّس عبق الحرّية في الغربة لا يشغل الشاعر العاشق عن وطنه حتى لو فاضت أنهار تاريخه بالدماء.

كيف تحيل الألم إلى زاد؟ وكيف ستلملم أشطار الروح لتعود الى أحضان العراق؟

 

ج4: كريم مرزة الأسدي:

قيل قديماً (المعنى بقلب الشاعر)، وكنت أعني بصرختي الموجعة (إنّي أتيتُ بلا زاد)، أي لستُ بصاحب قرار نافذ للمشاركة في إنقاذ العراق من انحراف العقل الجمعي الطائفي، والمحاصصة النفعية، وتزوير الشهادات، والإرهاب الخارجي والداخلي، والجهل والتخلف والأمراض والفقر...، وليس المقصود بـ (إنّي..) كاتب هذه السطور، وإنّما الشاعر يعبر عن ضمير الأمة، فهي ترمز لكل مثقف عراقي وطني غيور، مفعم بالوطنية والإنسانية، وسبق أن كتبت مقالة جريئة، نشرها موقع (المثقف) تحت عنوان (الثقافة العربية متهمة...!!)، وضمنتها الفقرة التالية عن المثقف العراقي: يجب " أن يكون المثقف الحقيقي المبدع المتفهم لواجبه الأخلاقي، مشاركا حقيقياً في صنع القرار، لرفد الحضارة والإزدهار، غير مُهيمَن عليه بسياسة التبعية والإحتواء، إنْ لم نقلْ الإزدراء، والاّ فاستميحكم عذرا، نحن، وكل منـّا، على الأغلب:

كالعيس ِ في البيداءِ يقتلها الظما*** والماءُ فوقَ ظهورها محمولُ

لا ريب أنّ هموم الوطن شغلي الشاغل بدافع غريزي، صقلته الثقافة والتجربة والغربة، وضيقي من الزمن، وتبرمي منه لهموم موضوعية أو ذاتية دافعها موضوعي، وليس بدافع مصلحي ذاتي مطلقاً، فكاتب هذه السطور، لم يتقدم حتى بطلب العودة أو التقاعد، ولا زوجه، وهذا حقّ ضمنته القوانين لهما، لا منّة من أحد، لأنهما أديا خدمات تربوية جليلة لوطنهما، وخرجا لأسباب سياسية منذ عامي 1978م، 1980 م على التوالي.

نعم الأغتراب يمنحني فضاء الحرية الآمنة، والحاجة الماسة لأحضان الوطن والشعب والأمة، فأسكب كلّ المواويل، والأوجاع، والآلام شعراً من زاده المتزايد، وهي مشاعر إنسانية، تطرب كلّ أذان، والإنسان وجهة الإنسان، وأضيف إلى الشعر- رغم العينين الكليلتين - تاريخاً وأدباً ونقداً خدمة للأمة والأجيال، أما العودة فتتطلب مستلزمات يصعب توفيرها في مثل هذا العمر العليل، فالأسباب موضوعية، وليست بذاتية، ونعود للمتنبي الحكيم ثالثة:

 بمَ التعلـّلُ لا أهـــلٌ ولا وطنُ ***ولا نديمٌ ولا كــــــــأسٌ ولا سكنُ

أريدُ من زمنـي ذا أنْ يبلـّغني*** ما ليس يبلغهُ منْ نفسِـــــهِ الزّمنُ

ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُهُ***تجري الرّياحُ بما لا تشتهي السّفن

 

(وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ)

 

س5: ميادة ابو شنب:

يا أمّنا أنــــــتِ حصنٌ إنْ يفرّقنا

داعي الشقاق، وخلفُ الأمِّ ثوًارُ

تخاطب الوطن بـ "أمّنا" التي تمنح الأمن والأمان، كما توحي الاستعارة التصريحية. والكثير من الشعراء تبع هذا الدرب في التعبير عن حبّ الوطن بتأنيثه وخاطبه كأمرأة كاملة الأوصاف.

ما هي أوجه الشبه، بين الأمّ أو "رفيقة الدهر" وبين الوطن، التي تداعب خيال الشاعر حتى يصهرهما معاً في بوتقة أرقى المشاعر؟

 

ج5: كريم مرزة الأسدي:

نعم أختي الفاضلة، الأم مدرسة، والوطن مدرسة...، والأم هي الحياة بتمامها وكمالها، فالأم هي الخصوبة، ولولاها لما وجدت الأمة، فالأمة إحدى اشتقاقاتها، فخصوبة الوطن من جلال خصوبتها، وجذوره من عطاء مشيمتها، وحضنه من دفء حضنها، وربيعه من ريعان ربيعها، وجماله من لطف جمالها، وعزّته من صميم عزّتها، وتبرّجه من زهو تبرّجها، ويعجبني ابن الرومي العبقري الخالد، فهو أول من ربط بين المرأة والأرض حين يخاطب رياضها:

ورياضٍ تخايل الأرض فيها *** خيلاءَ الفتاةِ في الأبرادِ

ويخشى شاعرنا نسيانك، يكرر رؤيته لتبرج الرياض قائلاً:

تبرّجتْ بعد حياءٍ وخفرْ *** تبرّج الأنثى تصّدت للذكرْ !!

هذه هي جدلية الحياة ما بين الأرض الصماء، وأمنا منبع الحياة المعطاء، فالأوطان بأهلها وناسها من أم وحنين، وأب وبنين، متداخلة، متكاملة، وإلا فالطبيعة صماء...بكماء...عمياء... لا تعي ولا تقي، ولله في خلقه شؤون!!

 ثمّ ماذا...؟!

ولأن الأم من خصوصيات الفرد، وكلّ فرد يرى أمه أم الدنيا، و (ست الحبايب)، ولا تضاهيها أم أخرى، كان الوطن القرين لها بالمواصفات أماً للشعب أو الجماعة، تقدسه العقول الواعية، والقادة العظام، فالأم والوطن توأمان ليس لهما مثيلان ولا قرينان!

 

س6: ميادة ابو شنب: ماذا في جعبتك من ذكريات عن ولادة هذه القصيدة؟ أي بيت جسّد بداية الولادة؟ وهل كانت القصيدة على البحر البسيط منذ ولادتها؟

 

 ج6: كريم مرزة الأسدي:

أنا شاعر مطبوع، وكثيراً ما ارتجل الشعر ارتجالاً، والمطلع هو حجر الأساس لبناء أي قصيدة تتولد في مخيلتي وعقلي غالباً، ولابد أن يأتي بالمستوى الذي يهز وجدان المتلقي عقبى تجاربي في تاريخ الأدب العربي، وقبل هذا وذاك التذوق الشعري فنٌ وإحساس غامض لا يدري الشاعر نفسه كيف تتزاحم الكلمات والشوارد، وتتباين القابليات حسب موهبة الشاعر، وذخيرته اللغوية والفكرية والتخيلية: يقول المتنبي العظيم:

انام ملء جفوني عن شواردها ***ويسهر الخلق جراها ويختصم

وعندما تتم ولادة البيت الأول سرعان ما تتهافت الشوارد على ذهني إلهاما دون تكلف أو تصنع مع حدو وشدو دون اللجوء مطلقاً إلى علم العروض والقوافي الذي أجيده تماماً بكلّ خفاياه وزوياه، لأن أذني هي الأساس والمرجع والمنهل، وكما يقول جواهرينا - ويعجبني هذا العجز وأكرره - (وخلّها حرّة تأتي بما تلدُ)، قد أتأمل في وجهة الإعراب، أنى يكون المعنى أقوى، وقد ألجأ إلى المدرسة الكوفية مرات، فتتشكل في الساعة الأولى ما يقارب عشرة أبيات، ثم اواصل واواصل ذهاباً وإياباً مع كأس قهوة، أو كرعة شاي، وعادة عندما أشرع بنظم القصيد، يفرّ النوم من عيني فرارا، فاواصل الحبك، بل حتى لو غفوت، أفزّ مرّات لأضع أبيات، ونفسي طويلة جداً في الشعر، وقلصتها أخيراً، نعم سيدتي الكريمة منذ البداية، ولدت القصيدة من البسيط، ومع البسيط أمل وعمل، وأشكرك على فضلك الجليل، وصبرك الجميل، وسرد الشعراء طويل، ولكم جميعاً الأحترام والسلام بعد الختام.

 

ميادة أبوشنب: شكراً لك مجدداً الباحث والناقد والشاعر القدير كريم مرزة الأسدي وشكراً للحوار الممتع، والآن نترك الباب مفتوحا لمداخلات السيدات والسادة لطرح المزيد من الاسئلة لاثراء الحوار أكثر.

 

المثقف - نص وحوار

ميادة أبوشنب

 2013/6/6

.............

 

رفيقة َالدّهر ِهلْ بـ (اليوم ِ) تذكارُ؟ / كريم مرزة الأسدي

 

قصيدة انتصار لحواء لتكملة المسيرة السمحاء بعد عجز حوار الفرقاء، وتاريخ الدماء!! بمناسبة عيد المرأة العالمي 8/ 3/ 2013 م، تلبية لطلب صحيفة (المثقف) الغراء قبل عدّة أيام من هذه المشاركة.

 

رفيقة َالدّهر ِهلْ بـ (اليوم ِ) تذكارُ؟!

وبنـتُ حـواءَ أجيالٌ وأعمــــــارُ

 

منْ ذا توهـّمَ أنَّ (اليــومَ) مكرمة ٌ

فكلّ ُ ثامـــــن ِمنْ آذارَ (آذارُ) (1)

 

أمَّ الوجــــــودِ لقدْ خبّأتكِ حِكـَماً

للكالحاتِ، إذا مــــــا هبَّ إعصارُ

 

أنتِ - كما زعمَ الماضون من نفري-

بنتُ الجمال ِ، وفي الصدرين إيثارُ

 

كمْ صاحبتني خلالَ العمر صاحبة ٌ

منْ ذكـــــرها عبّقَ التاريخَ أسفار

 

كانتْ دليلاً لعقلي حيـــــنَ يوهمني

فقصّـرتْ أنْ تضيءَ الشـّمسَ أشعارُ

 

لا يقهــــرُ السـّرَّ ما بالكون ِ معرفة ً

فالنفـــــسُ نفـْسٌ، وللجنسين قهـّارُ

 

يا عرشَ(بلقيسَ)، يا (زبّاءُ):لوعتنا

جفَّ الثرى و(قصير) القومِ غدّارُ!!(2)

 

يــاليتَ عصرَكما طــــالتْ طوائلهُ

ما بين بحر ٍوبحر ٍ، قد رسا العــارُ

 

يا بنـتَ حواءَ: والدنيــا مفــــارقة ٌ

فالمـــــجدُ مجدكِ، والأيّـــامُ أقــــدارُ!

 

(خنساءُ) ما خنِستْ، (حسّانُها) صخَرٌ !

لو كـــــــانَ للمفلِق ِ الإبــــداع ِمعيارُ (3)

 

(ولاّدة ٌ) وسمتْ من (شـــهْريارَ) لمىً

(للشهرزادَ)، وما تؤتيهِ أقمـــــارُ (4)

 

مَنْ ذا الذي مات َمِنْ حبٍّ لوالدهِ ؟!

لكنْ تـُعَلـّلُ للعشـّـــــــاق ِ أعذارُ!!

 

لا يبخسُ القلبُ ما بينَ الجوانـــحِ لا

والشعرُ ملهمــهُ للحبِّ (عشــتارُ) (5)

*****

 

إنـــّي أتيتُ بلا زادٍ سوى ألمي

هذا العراقُ، فروحي منهُ أشطارُ

 

أنـّى ولجتُ بغسق ِ الليل ِمكتئباً

شعّــتْ لعينيهِ بالآمــال ِ أنــوارُ

 

إنـّي أحاذرُ تاريخاً مظالمــــــهُ

وأفقهُ القبرُ، والمحصولُ أصفارُ !!

 

إنَّ الحرائــرَ إنْ قــــــادتْ مسيرتهُ

بالإلفِ حنواً، يشدّ ُ العزمَ أحرارُ !

 

تـُذكي لنا الدربَ دونَ اللهب زعزعة ً

ولا تهيمنُ فوقَ الرأس ِ أحجارُ !!

 

شتـّانَ بيــنَ نـَفور ٍ إرثـــهُ جدبٌ

وبينَ لطــــــفٍ تروّي فاهُ أمطــارُ

 

إنْ جــــرَّ آدمُها مـــن عنتهِ طرفاً

تقرّبتْ من سناها في الدّجى الدارُ

 

يا أمّنا أنــــــتِ حصنٌ إنْ يفرّقنا

داعي الشقاق، وخلفُ الأمِّ ثوًارُ

 

فقدْ تكاملَ في الشطرين وردُهما

والنقصُ وهمٌ مــن االجهّال ِ ينهارُ

 

اللهُ أكبرُ مــــــــنْ خـَلق ٍله خـُلقٌ

منْ جبلةِ العدل ِ، والتكبيرُ إكبارُ

 

لقد طلعتً وأنفاســـــــي موحـّدة ٌ

وهــــــا ختمتُ وبالأشعار ِ إشعارُ !!

 

................

(1) لا يخفى التضمين (ثامن آذار)، والجناس التام بين آذار الشهر الثالث، و(آذار) الأسطورة، وهو مركز انبثاق الحضارة وتفجّرها.

(2) الملكة بلقيس معروفة ملكة سبأ، سنة وفاتها غير محددة في اليمن، الزباء (زنوبيا) - ت 274 م - ملكة تدمر، و(قصير) بن سعد اللخمي وزير جذيمة الأبرش ملك الأنبار والحيرة، و كان (قصير) وفياً حكيماً نصوحاً لمملكته ووطنه بعكس سياسي هذا العصر !! ومع ذلك لم يأخذ الأبرش بنصحية القصير حتى قتلت الزباء جذيمة - ق 254 م - ثأراً لأبيها كما يذكر الطبري، ويزيد اسمها نائلة بنت عمرو، وجدعت أنف قصير.

(3) إشارة للمناظرة الشعرية بين الخنساء والشاعر حسان بن ثابت بحضرة الحكم بين الشعراء في سوق عكاظ الشاعر النابغة الذبياني. والخنساء هي تماضر بنت عمرو السلمية توفيت 24 هـ / 645 م -

(4) (ولاّدة) بنت الخليفة المستكفي - ت 1091م - أميرة وشاعرة عربية أندلسية اشتهرت بقصيدة حب مع الشاعر الشهير ابن زيدون، وهنالك إشارة لقولها: " وأعطي قبلتي من يشتهيها "، والملك شهريار مع زوجته شهرزاد مشروع قصة ألف ليلة وليلة.

(5) (عشتار): آلهة الجنس و الحب الجمال والحرب، عند البابليين القدماء، ملهمة الشعراء.زوجة تموز إله الخصوبة في بلاد الرافدين القديمة.

 

خاص بالمثقف

 

تعليقات (15)

اختيار حاذق لقصيدة حاذقة استوحت تاريخ المرأة لتقول أنها الكون والخلق والحفاظ على النوع. اسئلة من محاورة تعي جيداً معنى الحوار الفني الذي يقدم المحاوَر (بفتح الراء، اسم مفعول) الى القارئ من الداخل ومن خلال كواليس القصيدة. والشاعر القدير العالم كريم مرزة الاسدي قدم لنا من خلال أجوبته ومن خزائن معرفته دلالات ما أراد من التضمين التاريخي للمرأة في شعر كبار شعرائنا. وهو ما يزيد في معرفة القارئ.
فتحية تقدير واحترام للمحاوِرة والمُحاوّر.
عبد الستار نورعلي

 

أحيي الأستاذة الكريمة المبجلة ميادة أبو شنب وأحيي العلم الأدبي الأستاذ الكبير كريم مرزة الأسدي ، كان حوارا رائعا لا يؤوب منه القارئ إلا بحصيلة كبيرة من خبرة هذا العلم الأدبي وتجربته الثرة في كل مناحي الأدب ، أنحني احتراما لكما ولروعة هذا الحوار ودمتما بخير

 

أستاذنا الكبير عبد الستار نور علي المحترم
السلام عليكم مع الدعاء لك بطول العمر والصحة
أشكرك جداً على هذه العبارات الثمينة التي أعتز بها وأفتخر أن تأتي من علم أدبي كبير قضى حياته بين العلم والأدب والتربية ، وفقكم الله ، تقبل احتراماتي .

 

العلم الشعري العمودي ، والقاص الكبير عبد الفتاح المطلبي المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات بالصحة والعافية
أشكرك سيدي الكريم على هذا التقييم الذي أفتخر به وأعتز ، كثر الله من أمثالكم الطيبين ، احتراماتي .

 
  1. سامي العامري

أسئلة راقية ومهمة تماماً مع أجوبة شافية معمَّقة وشاعرية
تحية مودة وتقدير للأستاذ الباحث الثر الشاعر كريم مرزة الأسدي وفرحي بقصيدته البارعة الملونة بهواجس الإنسان وأحلامه وتساؤلاته الأزلية مع خصب خيال وذاكرة حية بل متجددة
وتحية مثلها للشاعرة واسعة الثقافة ميادة أبو شنب وهي تختار بحذق مثقفاً كبيراً ذا تجارب معرفية وحياتية غنية ويطيب لي أن أطرح قريباً بعض الأسئلة المستقاة من القصيدة ومن الحوار مع الشاعر الأسدي بكل اعتزاز ودام الألق

 

الشاعر السامي الكبير سامي العامري المحترم
السلام عليكم مع باقات من الورود العبقة لشاعريتكم الرائعة وذوقكم الجميل
أشكرك جدا - سيدي الكريم على مروركم الكريم ، وعباراتكم الثمينة التي أعتز بها وافتخر ، لما لكم من معرفة واسعة بدنيا الشعر والأدب والثقافة ، تقبلوا احتراماتي وتقديري .

 
  1. عمّار المطّلبي

أوجّه التحيّة للشاعرة المبدعة الأستاذة ميّادة أبو شنب، و ضيفها الكريم الشاعر الكبير و الباحث الأستاذ كريم مرزة الأسدي على هذا اللقاء الممتع و المفيد، و أودّ توجيه سؤال للأستاذ الشاعر:
1. لماذا لجأتَ إلى الماضي البعيد جدّاً في استحضار رموز نسائيّة، كالخنساء، الزبّاء و لاّدة .. هنالك رموز معاصرة .. لدينا في العراق مثلاً بنت الهدى الأديبة الشهيدة السيّدة آمنة .. هنالك الجزائرية جميلة بوحيرد ... هنالك في الماضي السيّدة زينب عليها السلام .. لماذا يلجأ الشعراء إلى استحضار رموزٍ بعينها ، و يعيدون التمثّل بها في أشعارهم دوماً ، مع العلم أنّ شخصيّةً كالزبّاء لا تعني المتلقّي المعاصر، و هي شخصيّة قبليّة يمتزج فيها الواقع مع الإسطورة ؟!
جزيل الشكر لكما .

 
  1. cultur

الأستاذ الأديب الرفيع الأخ عمّار المطلبي المحترم
السلام عليكم مع أطيب أمنياتي بالخير والصحة والتوفيق
بادئ الأمر أشكرك جزيل الشكر على مرورك الكريم ، وتساؤلك الوجيه ، وبدوري أكرر شكري للأستاذة الشاعرة الرائعة ميّادة أبو شنب لإجراء هذا الحوار المتميز بأسئلته الذكية الدقيقة .
1 - سيدي الكريم الشعر لا يعترف بحدود الزمان والمكان ، بل يرمي بنفسه مقتحماً ما وراء الطبيعة حيث لا زمان ولا مكان ، عالم الأسطورة والوهم ، فيأتي بعشتار وتموز وفينوس وأنكيدو وطروادة وسيزيف وشهرزاد وشهريار ، ويجمعهم باللحظة نفسها مع رموز قدمها قدم التاريخ كهابيل وقابيل وبلقيس والزباء والولادة وهارون الرشيد والسياب وجميلة بوحيرد وبنت الهدى ، ويشكل لوحة فنية يعجز العقل الفهيم على تخيلها ، ومن هذه المتناقضات والمستحيلات بأزمنتها المتباينة ، ولا أزمنتها ، وأمكنتهاالمترامية , ولا أمكنتها ، يتولد إعجاز الشعر وخلوده غلى هذه الأرض بناتسها وجناسها ، لذلك لا يهتم الشاعر لحظة الإلهام بهذه الحدود .
2 - لكل قصيدة آفاقها ودوافعها ومناسبتها وظروفها الذاتية والموضوعية ، فعندما أوحي لي بنظم ملحمة عن الإمام الحسين (ع) ، تواردت على ذهني ومخيلتي شوارد الكلمات الحافلة بالتاريخ الإسلامي ورموزه وشخصياته ، وواقعة الطف ، وسنابك الخيول ، والتضحية والفداء ، والنبي الكريم وفاطمة الزهراء ، وزينب الحوراء ... كما هو مشبع في عقلي الباطن ، واللاوعي ، مع بعض ما تقتنص الذاكرة من أحداث تاريخية ، وتجارب ذاتية ، وثقافة إنسانية ، وعندما شرعت بعقد در قصيدتي الهمزية عن الجزائر (منشورة بالمثقف) ، تسابق عبد القادر الجزائري وعبد الحميد بن باديس وزبانا والنشيد الجزائري ومؤتمر الصومام والأوراس وبوفاريك ، وعبان رمضان والعربي بن مهيدي إضافة إلى جرجرة والبليدة وقسنطينة وجميلة بوحيرد ، وهذا هو أفق القصيدة ، ومجال رؤيتها ورؤياها ، يخلقه الوعي واللاوعي في اللحظة ذاتها ، وكذلك عندما نظمت قصيدة عن السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر بعد استشهاده ، ضمنت تاريخه وعبقريته وجهاده ، وجهاد أخته العلوية بنت الهدى ، ولكن هذه القصيدة نظمت بمناسبة عيد المرأة العالمي ، أفقها ليس بذات أفق غيرها من القصائد ، فكانت رموزها ليست دينية أو قطرية ، فتهافتت بلقيس والزباء والخنساء والولادة وشهريار وعشتار، والزباء ليست برمز قبلي ، وإنما إنساني متحضر، ورد اسمها واسم بلقيس ليدمغا رموز سلاطين وملوك هذا العصر المتخاذل الرديء ، وإليك سيدي الكريم نبذة عن الزباء (زنوبية، أو نائلة كما يسميها الطبري) ، ملخص ما ورد في كتابي (تاريخ الحيرة ...) عنها – ترجمة من مراجع عربية وغربية موثوقة - :
3 - الزباء ( زنوبيا ت - 272 م : وصفها جيبون المرأة الوحيدة التي قوضت عبقريتها الممتازة جمود العبودية الذي نشر دثاره على بنات جنسها ... كانت ماهرة في الصيد ، بارعة الجمال ، تحسن التكلم باللغة اللاتينية والأغريقية والأرمنية والعربية بطلاقة واحدة ، استولت على العرش ، إثر مقتل زوجها أذنية ، أخذت بثأر أبيها عمرو بن الظرب - كا - ، فتحت مصر وآسيا الصغرى ، ولما كانت هزمت الرومان وقائد جيوشهم ( هيوقليوس) للامبراطور (غاليتوس) ، أسرها من بعد الامبراطور ((أوروليان ) سنة 284 م وتوفيت بالأسر 285 م في ليبور ( تيفولي ) ، هذا ما دوّنته المراجع الأجنبية (الغربية) ، ويطلقون عليها زنوبيا ، أما المراجع العربية فتقول قتلهاعمرو بن عدي ملك الحيرة ، ثأراً لمقتل خاله جذيمة الأبرش ، هذا ملخص ما أوردته عنها في كتابي ( تاريخ الحيرة ..) اعتمادا على أمهات المراجع الأجنبية والعربية ، فهي رمز كبير في التاريخ العربي لامرأة استلمت زمام الحكم ، وليست بقبلية من تجيد أربع لغات عالمية إجادة تامة ، فارسة ، غاية الشجاعة ، والحنكة ، والوطنية ، وتكفيها تدمر وشهرتها !
4 - بلقيس غنية عن التعريف ، وردت إشارة لها في القرآن الكريم "إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ" 23 - النمل ، اليمنيون يفتخرون بها ، ولها أبعاد مصرية وحبشية وسورية ، وقيل اسمها من أصل فارسي ، والمؤرخ الحميري يقول جاء اسمها من القياش ، ولكن ما يميز بلقيس عن سلاطين وملوك هذا العصرموقفها، إذ رفضت أن تستبد برأيها وطلبت المشورة من الملأ الذين هم بدورهم أكدوا لها ثقتهم بقدراتهم العسكرية وتركوا القرارلها ، ولا تحتفظ ذاكرتي بامراة كان لها القرار السياسي والعسكري المتميز و الأخير في دنيا العرب غيرهما ، ولماذا لا أوظفهما كرموز شعرية ، وأنا أميل للرموز العربية والإسلامية ولكنني اتعداها أحياناً للرموز الأجنبية ، ولو أن الأجانب لا يتعاملون معنا بالمثل !!
5 - وفي عجز بيت (جفّ الثرى و(قصير) القوم غدّارُ !!) ، هذا الـ (القصير) تورية عن قصير الرؤية والفكر والأخلاق لهذا الزمن ، ليس له علاقة بـ ( قصير بن سعد بن عمرو اللخمي ) الذي كان وفياً محنكاً داهية ، وهو أحد رجال الملك عمرو بن عدي اللخمي الذي انتقم من ( الزباء) الآنفة الذكر ، ثأرا لمقتل خاله (جذيمة) ، كما تورد المراجع العربية القديمة ، وقد جدع قصير الجاهلي أنفه من أجل ملكه وأهل حيرته ، فذهب المثل العربي ( لأمر ما جدع قصير أنفه) ، فهل يوجد في عصرنا قصير وفي داهية مخلص مثل قصير ذلك العصر الجاهلي ...
شكراً سيدي الكريم على السؤال الذي فتح قريحتنا فأطال سردنا ، وعذراً عن الإطالة ، تقبل احتراماتي وتقديري

 
  1. بوعبدالله فلاح

أحيّي المحاوِرة..الأخت الأديبة العزيزة ..ميادة أبو شنب..
والمحاوَر ...الأستاذ الأديب ..كريم الأسدي ...........
أولا :
فيما تعلّقَ بالعنونة:
رفيقة َالدّهر ِهلْ بـ (اليوم ِ) تذكارُ؟!...............
ولا يخفى على الأديب والمتلقي والناقد على حدّ سواء ..ما للعنوان من أهمية كبرى من حيث الجاذبيةُ والإحالة على النص.............
هل كان العنوان مقتطفًا من صدر البيت الأول وفاء لكلاسيكية النص وكلاسيكية العنونة..ام كان ذلك الانتقاء اعتباطيا؟ عفويًّا ...أو اختيرَ كونه المطلع الذي يجرّنا إلى التمتع بفحوى النص الشعري؟؟؟
ثانيا:
مَنْ ذا الذي مات َمِنْ حبٍّ لوالدهِ ؟!
لكنْ تـُعَلـّلُ للعشـّـــــــاق ِ أعذارُ!!
=============
في هذا البيت انتصار للأنوثة ...ألمناسبتيّة القصيدة...أم لأنّ الأنثى هي المورد....؟؟؟ وهي (الكل في الكل) ؟ وهي التي غما صنعتِ الرجل ...؟ رفعتهُ بكل ما تقدر عليه من طيبةٍ ووفاءٍ وحبّ.. أو ألقت به في غياهب الجب السحيقة.بكل ما تستطيعه من كيدٍ ومكرٍ وحيلةٍ ودهاء؟
ثالثا:
يا أمّنا أنــــــتِ حصنٌ إنْ يفرّقنا
داعي الشقاق، وخلفُ الأمِّ ثوًارُ............
-------------
الأم ..قبل أن تكونَ أمّا ..هي الحبيبة لأحدهم..الشقيقةُ لآخر ..الرفيقة والصديقة لآخر كذلك....البنت التي لا تكبر بالنسبة لغيرهما ......
هل تراءى الوطن للشاعر ..وهو يكتب عن الأم هذه القصيدة العصماء السامقة؟؟؟

في سؤال للصديقة الشاعرة القديرة : ميادة:
وكيف ستلملم أشطار الروح لتعود الى أحضان العراق؟

ألا يكون المغترب أشدَّ وطنيةً من القاطن في رحاب الأرض...وذلكَ لأنه يعاني معاناتين.....
معاناة الغربة ومعاناة هذا المخاض الشعري الوطني الرهيب؟؟؟
سؤال آخر أخاله مهما:
بلقيس ..الخنساء ...شهرزاد.................
ألا ترى سيدي أنَّ إثقال القصيدة بالرموز التراثية يفقدها بعض بريقها؟؟؟ حتى وإن كان حجم الخطاب الأنثوي المكثف يفرض ذلك؟؟؟
أخيرًا وليس آخرًا ................
ما الذي شئتَ قوله...ولم تقلهُ القصيدة...لأنكَ قارئ مميز..كونك ناظمها.............
ما الذي تعيبه على هذا النص الرائع؟؟؟؟
مودتي
وتقديري

 

الأستاذ الآديب بو عبد الله فلاح المحترم
السلام عليكم مع أطيب الأمنيات بالخير والصحة والتوفيق
أشكرك جداً على مرورك الكريم ، وأسئلتك الوجيه التي تنم عن حس نقدي رفيع ، والحقيقة النص الأدبي له وجوه بعدد القرّاء الكرام ، تتدرج حسب المكان والزمان والثقافة والبيئة والعمر وحتى صاحب النص نفسه ، تتغير رؤيته للنص حسب اللحظات ، لذلك ترى صاحب النص يغير كثيرا في نصه حتى يستقر ، وخصوصاً الشعر ، لأن الشعر فن ، لا يخضع للحقائق العلمية إلا على مستوى النحو اللغة ، وهذا دليل على نقص الإنسان ، والكمال لله وحده (لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان) ، ولا ريب أنت أديب وناقد متميز ، لابدّ أن تكون رؤية مختلفة في بعض النقاط.
1 - يجب على العنوان الرئيسي أن يتضمن المرأة ويوم عيدها ، وتام المعنى ، ومن المستحسن أن يكون عجزاً ، أو صدراً لبيت مصرع ، وكان العنوان الرئيسي (رفيقة الدّهر هل بـ (اليوم) تذكارُ؟) ، يتضمن الشروط الأربعة ، إضافة لهذا التساؤل الذي يحث القارئ الكريم على التقصي والتتابع ، وكما ترى العنوان يمنح المرأة كثيراً من الاعتزاز وعلو الشأن ، لذلك لم يكن عفويا ، وإنما جامع شامل برفيقته ويومه وتمام معناه وقاغيته وإكباره واعتزازه بحواء.
2 - سأجيب باختصار لأن الموضوع عميق وواسع ، نعم اعتزاز بالمرأة حتى التقديس للإبداع الإلهي ، صحيح المرأة الكل بالكل ، وكذلك الرجل الكل بالكل ، لأن بدون أحد الجنسين ينتفي الآخر ، غهما متكاملات ، وليس بمتوازيين ، نعم إذا خير الرجل بين أمه وأبيه وبين زوجه ، فالغريزة والعقل والمنطق تقول يتبع الجنس لإكمال مسيرة النوع الإنساني - وكذلك بقية الكائنات الحية - لذلك ترى زواج الهريبة ، إذ يهرب الخطيبان عن مجتمعيهما لإتمام الرابطة الطبيعية المقدسة ، عقبى تجربتي الحياتية والتدريسية على مستوى الوطن العربي - ودرست وتعاملت كثيرا مع بنات حواء - وقد شارفت على منتصف الستينات من العمر ، لم تظلمني امرأة ، وإنما الإجرامالتقارير والصراع والتنافس الحاد من الرجال ، عدا الحالات الشاذة التي لم أمر بها ، المرأة أكثر تضحية وإصرار على الحفاظ على عش الزوجية ، وتتحمل الكثير لاستمراريته ، لأن غريزة الإمومة قوية عندها جدا تغلب غريزة الجنس ، ربما الرجال غير الواعين والمثقفين على العكس ، من هنا أباح الإسلام الزواج من أربع نساء ، ثم المرأة أكثر من الرجل في الحفاظ على القانون والالتزام به ، لعدم رغبتها بالفوضى حتى بلعبها الطفولي ، أما الدهاء والحيلة والوقيعة هذه من أساطير ألف ليلة وليلة ، ولا أنفي الحالات الشاذة ، المرأة في وطننا العربي هي المظلومة وليس الرجل .
3 - البيت على ما يبدو لي واضح أنني استعرت الأم مكنيا عن الوطن ، بدليل الحصن والثوار ، وأنت الأعلم بما يجري في وطني العراق الحبيب ، ومن قبل الجزائر حيث نظمن قصيدتين ، والآن في سوريا ، نعم وطني ممزق طائفياً ومناطقيا ، وقوميا ، وتكتلات سياسية ، لذلك حولت المسار من الأم كحالة خاصة إلى الأم كحالة عامة .
4 - نعم سيدي الكريم أنت محق ، البعيد عن وطنه يعاني من الاغتراب النفسي الزمني ، كما هو حال كل شعراء العالم للشرخ الفكري والتطلعي لما يحس به الشاعر أو المفكر كحالة متميزة موهبة وثقافة وبين الإنسان العادي ، إضافة للغربة المكانية والبيئية كونه بعيدا عن أهله ومجتمعه وشعبه ولغته وعاداته وموروثة ، لذلك نرى شعراء المهجر هم الأكثر شعراً قوميا ووطنياً أمثال إيليا وميخائيل وإلياس وجبران وعريضة وخوري ومعلوف.... .
5 - توظيف الرموز كان على مستويين ، والتوظيف الأول كرمز منفرد له دلالته التاريخية أو السياسية أو الفنية ، أو التطلع لحياة مثالية كما يتوهم الإنسان في أحلامه وأوهامه ، ولكن من تكثيفها رسمت لوحة فنية رائعة للترابط ، وتشكيل علاقات متخيلة للرموز ، فمثلاً من البيت التالي :
(ولاّدة ٌ) وسمتْ من ( شـــهْريارَ) لمىً
(للشهرزادَ )، وما تؤتيهِ أقمـــــارُ
وظفت شطر بيت ولادة الرائع " وأعطي قبلتي من يشتهيها "، فجعلت منها ملكة مكياج تطبع قبلة من لمى شهريار على جبين الملك الأسطوري الألف ليلي شهرزاد ، وما هذه القبلات إلا أقمار الأمل والنور والازدهار الحضاري ، وفي البيت التالي :
يا عرشَ(بلقيسَ)، يا (زبّاءُ) :لوعتنا
جفَّ الثرى و(قصير) القومِ غدّارُ!
كما ترى من كلمة لوعتنا قلبت الرموز من عصرها الجاهلي إلى عصرنا الحاضر ، وما هذا القصير إلا تورية بعيدة المغزى ، لأ أعني قصير اللخمي الجاهلي الوفي الحكيم المحنك الوطني الذي جدع أنفه في سبيل أهل وطنه ، وإنما قصير الرؤية والنظر والطموح من حكام عصرنا الحاضر ، فتكاثف الرموز ضرورة إبداعية وفكرية
سيدي الكريم كما تعلم الشعر إلهام شياطين عبقر كما يقول الأقدمون ، وهي تولد حرة كما استشهدت في الحوار بقول الجواهري ( وخلها حرّة تأتي بما تلد) ، الجواهري نظم أروع قصائده (يا دجلة الخير ...) في ليلة براغية ، فقصيدتي ليس صناعة لفظية مخطط لها ، كما في النص النثري ، تعتمد على موهبة الشاعر في التحليل والتركيب ، والمخزون الثقافي غي العقل الباطن والظاهر وتجارب الحياة وأحاسيس اللحظة الإبداعية ، تتولد الحبكة وتمضي ، لو كان هنالك كلام أردت أن أفوله لورد لحظة الإبداع ، أما ما بعد الإضافة تكون ترقيعات تجميلية تشوع الصورة الإبداعية المتشكلة لحظات ولادتها .
ما أعيبه على القصيدة أتركه للقارئ الكريم النبيه اللبيب ، والناقد الحاذق القدير ، وعلى العموم لكل عمل فني أو فكري أو علمي أو تقني ثغرات من الهفوات ، والكمال لله وحده ، شكرا أخي العزيز الأديب الرائع بوعبدالله فلاح ، تقبل مودتي واحترامي

 

أعتذر عن وقوع بعض الهفوات المطبعية مع الشكر

 
  1. رونا صبري

صباح الخير استاذي الكريم .. كريم الأسدي
لكم تجولت الأعين بروعة المكان هنا ،، عبق من التراث ومواويل العراق ووجعه ، تجد لها متكأ لقيلولة الفتن تحت ظلال نخيلك هنا أستاذنا الراقي , وأي رقي يوجز المعاني هنا في قصائدك الحيرى المتأملة بشغف ، المائلة على أعناق الصباح ، تفتح نوافذ العين على حالة خاصة ومتفردة من الشعر المنساب كجدول عطر ، التراث هنا يتمازج مع الأدب والتاريخ ،حقيقة أمتعني المكوث هنا على شواطىء الكلمِ ، أتمعن العراق ، وأبحر في دجلة والفرات ،، سعدت بوجود مؤلفات تاريخية لدى سيادتكم ، مزيد من التفوق والنجاح يارب .. تقبل مروري المتواضع

 

الأستاذة الإعلامية القديرة والشاعرة المبدعة رونا صبري المحترمة
السلام عليكم مع أطيب الأماني لك بالخير والصحة والتوفيق
أسعدني مرورك الكريم ، وعباراتك النبيلة المغعة بحب الأمة وتاريخها المجيد ، ولغتها الجميلة ، وأكبر فيك هذا التفتح الإنساني والعروبي ، وأنت تمخرين بشراعك على دجلة والفرات ، وأولهم النيل الكبير ، وما مصر الحبيبة إلا هبته ، بارك الله بك أيتها المبدعة الأصيلة ، احتراماتي وتقديري

 
  1. ميّادة ابو شنب

أستاذي الشاعر العلم عبد الستار نور علي
الشاعر والقاص القدير عبد الفتاح المطلبي
الشاعر القدير سامي العامري
الشاعر والقاص القدير عمّار يوسف المطلبي
الشاعر القدير بوعبد الله فلاح
الاديبة المبدعة رونا صبري

لكم مني أعطر التحايا وأصدق عبارات الشكر لاطرائكم السخي وتفاعلكم الراقي.
كما شرّفني تقييمكم الذي يشحذ همّتي لمواصلة الترحال بين النصوص المتعدّدة الأمداء، لأنّه من أساتذتي في مدرسة الأدب السامق.
مع أرق التمنّيات لكم وللشاعر الباحث القدير كريم مرزة الأسدي بتمام الصحة والعافية ودوام العطاء المميّز

 

الأساتذة الكرام ممن أرفد هذا الحوار مع الأستاذة الشاعرة القديرة ميّادة أبو شنب سيان على مستوى التعليق المشجع النبيل ، أو بمداخلة مثمرة طيبة ، لكم شكري وتقديري ، وامتناني ، وللأستاذة ميادة ألف شكر على مبادرتها وجهدها ، والسلام عليكم والرحمة .

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-06-06 03:43:58.