استلمت هدية رائعة لا تقدر بثمن وهي - ثلاثة كتب مترجمة عن الروسية للكاتب بلاتونوف بترجمة الاستاذ خيري الضامن – المترجم العراقي المبدع المعروف، وهذه الكتب هي روايات الكاتب الروسي السوفيتي بلاتونوف (الحفرة // بحر الصبا // الاشباح)، الصادرة في بيروت عن دار (سؤال) للنشر، وبدعم مادي من معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وهي ظاهرة جديدة وخطوة صحيحة من هذا المعهد تشجيعا ودعما لمسيرة ترجمة روائع الادب الروسي عن الروسية مباشرة الى عدة لغات اجنبية بما فيها اللغة العربية .

 لقد جاءت كل هذه الروايات بتقديم رائع كتبه الاستاذ عبد الله حبه، والتي هي في الواقع دراسة عميقة وشاملة لابداع الكاتب بلاتونوف ومكانته في تاريخ الادب الروسي وتفصيلات عن سيرة حياته، وقد نشرت هذه الدراسة كاملة في تقديم رواية (الحفرة)، ولكن مسؤول دار النشر - على ما يبدو - قرر ان يكرر امام روايتي (الاشباح) و(بحر الصبا) تلك المقاطع الخاصة بهما من تلك الدراسة، وحسنا فعل، اذ ان الصورة الفنية عندها اصبحت اكثر تكاملا فعلا امام القارئ العربي مع تلك المقاطع . لقد نشر عبد الله حبه دراسته هذه تحت عنوان (بلاتونوف كافكا الروسي ومحنة الانتلجينسيا الثورية الروسية) قبل سنوات، وحظيت عندها باعجاب القراء، لانها تعد واحدة من الدراسات العربية النادرة جدا حول هذا الاديب الروسي شبه المجهول للقارئ العربي، اذ تناولت سيرة حياة بلاتونوف الحافلة بالصعوبات الهائلة اثناء تلك الفترة المتشابكة من تاريخ روسيا في بداية العشرينات بعد ثورة اكتوبر 1917 وما رافقها من أحداث جسام . توقفت هذه الدراسة طبعا عند النتاجات الاساسية لبلاتونوف وخصائصها، وجاءت هناك آراء تثير نقاشات متعددة ومتنوعة حولها، بل وحتى خلافات فكرية وسياسية بشأن بعض جوانبها، اذ ان الصورة عن الواقع السوفيتي كانت مظلمة وسوداوية فيها لدرجة ان احد الاصدقاء قال لي، ان كلمة ستالين عن هذا الكاتب، والتي جاءت على الغلاف الاخير لرواية الحفرة، هي صحيحة، وكلمة ستالين هذه كما يأتي – (هذا كاتب خبيث. فهل يعقل ان رواد حركتنا التعاونية بهذا القدر من الخسّة والدناءة كما يصورهم؟)، ولا مجال للتوقف تفصيلا عند كل ذلك ضمن هذه المقالة، ولكن مع ذلك يمكن القول اجمالا وبلا أدنى شك، ان الصورة العامة التي رسمها عبد الله حبه في مقالته تلك للكاتب الروسي بلاتونوف كانت صائبة ودقيقة تماما، وكانت تتناسق وتنسجم فعلا مع تلك الروايات شكلا ومضمونا وتساهم في اكمال الصورة الفنية لهذا الكاتب امام القارئ العربي.

تذكرت - عندما بدأت بقراءة هذه الروايات - مقالة طريفة كتبها الدكتور فالح الحمراني قبل فترة قريبة، وكانت بعنوان (الحفرة ام الاساس ؟ في ترجمة اندريه بلاتونوف)، والتي تناول فيها عنوان رواية بلاتونوف (الحفرة) كما جاءت بترجمة الاستاذ خيري الضامن (دون ان يذكر اسم المترجم). ومقالة الحمراني هذه كانت موضوعية وهادئة بشكل او بآخر، الا انها تحمل وجهة نظر تختلف نوعا ما بشأن ترجمة عنوان الرواية، اذ انه يرى ان العنوان يجب ان يكون (حفرة الاساس) كما هو عند بلاتونوف حرفيا، او (الاساس) في الاقل، وليس (الحفرة) كما جاء بالترجمة العربية. ان عنوان (الحفرة) – كما جاء في ترجمة الضامن وفي مقدمة عبد الله حبه ايضا - أرشق وأجمل كما يبدو لي من (حفرة الاساس) رغم انه العنوان الاصلي عند بلاتونوف، اضافة الى انه يعبّر عن المعنى المطلوب والصحيح بشكل عام، الا ان المترجم، من وجهة نظري، كان يمكن له فعلا ان يشير الى ذلك ولو بهامش صغير في الكتاب المذكور، خصوصا وان العنوان الاصلي بالروسية مثبّت على الصفحة الثانية. وعلى الرغم من ان مقالة الحمراني تلك كانت تؤكد على هذه النقطة بالذات قبل كل شئ مع بعض الملاحظات الاخرى، الا انها (اي المقالة) أشادت – في نهايتها - بالعمل الذي قام به المترجم، واعتبرته اضافة جيدة ستشغل مكانتها الجديرة بها في الحياة الثقافية العربية . لقد ترجم شيخ المترجمين العرب الدكتور سامي الدروبي عنوان رواية ليرمنتوف (بطل من هذا الزمان) بدلا من عنوانها الاصلي (بطل زماننا)، ولا زال هذا الاجتهاد الجميل سائدا في(زماننا !) ولحد الآن، وهذا ما اتوقعه لرواية بلاتونوف (الحفرة) عنوانا ونصا ادبيا بترجمة الاستاذ خيري الضامن، لأنها تتناول الحقيقة المرّة حول نظام الكلخوزات والسفخوزات في الفترة السوفيتية، وما صاحبها من خروقات انسانية رهيبة عانى منها كل المجتمع السوفيتي، وكم اتمنى ان يقرأ هذه الرواية – وبامعان - هؤلاء الذين لا زالوا يتحدثون (ولا اريد استخدام فعل يثرثرون) في مجتمعاتنا عن (المزارع التعاونية !)، اذ انها (اي الرواية) شهادة تنطبق عليها بالضبط الآية الكريمة – وشهد شاهد من أهلها !

تدور احداث الرواية الاخرى (بحر الصبا) عن نفس الموضوع ايضا، اي نظام السفخوزات، وذلك عبر حياة مديرة السوفخوز بوستالويفا ومفاهيمها الاخلاقية وتصرفاتها من اجل (تمشية الامور!) . وكم تبدو الصورة الفنيّة (سريالية وغريبة ورهيبة!) في تلك الرواية للقارئ العربي الذي لا يتفهم التفاصيل ولا يمكن حتى ان يتصورها، لانه لا يعرف واقع تلك السنوات العجاف كما يجب.

الرواية الثالثة (الاشباح)، والتي يشير عبد الله حبه في مقدمته التي أشرنا اليها اعلاه، الى ان عنوانها الاصلي (الجان)، وهو مثبّت بالروسية على الصفحة الثانية فعلا . تتناول هذه الرواية موضوعا آخر لا علاقة له بنظام الكلخوزات والسفخوزات، وهو واقع الحياة السوفيتية في جمهوريات آسيا الوسطى بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 في الامبراطورية الروسية، وكيف سارت وتيرة الحياة السوفيتية الجديدة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي في تلك الجمهوريات الشرقية، وكيف تفاعل بطل الرواية نزار شاغاتايف في اجواء الحياة في موسكو واوزبكستان ... الرواية هذه مليئة بالمقاطع الشاعرية المدهشة الجمال(بعضها يكاد ان يكون قصائد نثر)، والمرسومة باسلوب بلاتونوف الرائع والمتميّز بكل معنى الكلمة، والتي أبدع خيري الضامن بترجمتها الى العربية بشكل أمين وحافظ على نكهتها العطرة الفوّآحة، ولا مجال هنا – مع الاسف – لتقديم نماذج منها . يفهم القارئ (ربما بعد هذه الرواية بالذات) معنى كلمة ارنست همنغواي (بكل قامته الادبية) حول بلاتونوف وعمقها  وهي كما يأتي – (بلاتونوف من الكتّاب القلائل الذين ينبغي ان نتعلم على أيديهم)، هذه الكلمة المثبّتة (وليس ذلك عبثا على ما يبدو) على غلاف تلك الرواية.

لقد قام خيري الضامن بعمل ابداعي هائل الاهمية والقيمة عندما قدّم لنا وبدفعة واحدة ثلاث روايات لبلاتونوف، وهو عمل قلّما يجود به المترجمون المبدعون . خيري الضامن كان ولا يزال في طليعة اسماء المترجمين العراقيين الكبار طوال اكثر من نصف قرن من الزمان، منذ ان قرأنا له في مجلة (الآداب) اللبنانية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وعبر كل ترجماته في دور النشر السوفيتية في السبعينات والثمانينات، وخلال كل نشاطاته في مجال الترجمة الادبية بشكل خاص وفي مجمل مسيرته الابداعية بشكل عام.

تحية للمترجم العراقي المبدع الكبير خيري الضامن وتصفيق حاد له.

 

 أ.د. ضياء نافع

 

 

استوقفتني خلال مطالعاتي الدؤوبة حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدا، وارتأيت أن أنشرها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، إضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدُّعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أننا نعتقد أن إشاعة الثقافة الجادّة وتقديمَ كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاة عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزم. كنت قد نشرت نتفًا من هذه الجمل في منابر مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زهاء  عشرين حلقةً منها كانت قد أذيعت عبرَ صوت ابن فضلان في هلسنكي، في ركن الثقافة والفكر، في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

 

❊ مَلَكوتُ الله ليس أكلا وشُربًا، إنّما هو بِرٌّ وسلام وفرح بالروح القدس.

❊ ربّاه، لو بلغتْ ذُنوبي عَنانَ السماء، ما يئِستُ من رحْمتك.

❊ إن لم يُسْعِدْك أحدٌ فحاوِل أن تُسعِد نفسَك، فلا تعتمد على حبيبٍ فهو نادرٌ، ولا تعتمد على غريب فهو غادر، لكنِ اعتمد على الله فهو قادر.

❊ بعضُ الناس يُعاملون الله كأنّه مُحامٍ، يتوجّهون إليه عندما يقَعون في مشكلة فقط، صلّ في الوقت الجيّد والوقت السيّء.

 

❊ هل يرحَمُني الله ويمنَحُني موهبةَ الطرش، فأحيا سعيدًا، في جنّة السكون الأبديّ.

❊ لا السماءُ تَطيق شمسين، ولا الأرض تطيقُ سيّدين.

❊ إللي ما بيخاف الله خاف منه.

❊ لا تقُل يا ربُّ عندي همّ كبير! بل قل يا همُّ عندي ربٌّ كبير.

❊ ماذا ينفَعُ الإنسانَ لو رَبِحَ العالمَ كلَّهُ وخسِرَ نفسَهُ.

❊ إنّ حظّي كدقيقٍ  فوقَ  شوكٍ نثروه              ثم  قالوا  لحفاةٍ  يومَ  ريح  اجْمعوه

   صَعُب الامر عليهم فقلتُ يا قومُ اتركوه          إن من أشقاه ربّي كيف انتم تُسعِدوه

❊ الربّ راعِيّ فلا يعوزُني شيء.

❊ الله لا يخلُق قُفلا بدون مِفتاحه، والله لا يُسبِّب لك مشاكلَ بلا حُلولها.

❊ لم يُخْلَقِ الشخصُ الذي لا يُخْطىء.

❊ إن لم يُسْعدْك أحدٌ فحاوِل أن تُسعِد نفسَك، فلا تعتمد على حبيبٍ فهو نادرٌ، ولا تعتمد على غريب فهو غادر، لكنِ اعتمد على الله فهو قادر.

❊ الذي يُعطي ليراهُ الناسُ، لا يُسْعِفُ أحدًا في الظلام.

 

❊ لا تسألْ إلا مَن لا يحتاجُ إلى أحَد.

❊ لقد تخطّت قوّتُنا العِلمية قوّتَنا الروحية، فنحن نملِكُ صواريخَ موجّهة ورجالًا غيرَ موّجهين.

❊ الوَحْدة حليفةُ الكآبة، كما أنّها أليفةُ كلِّ حركة روحيّة.

❊ الكافرُ كالورقة الصفراء، يسقُطُ من أوّل نسْمة هَواء.

❊ العُزلةُ حِميةُ البدن، والمناجاة قوتُ القلب.

❊ ماذا ينفَع الانسانَ لو ربِح العالم كلَّه وخَسِر نفسَه.

❊ فأمّا الأديانُ فتحرّكنا كالقُطعان.

❊ أريدُ أن أكونَ زهرةً مسحوقةً، لا قدمًا ساحقة.

❊ السعادةُ هي الصليبُ المرفوعُ للجميع.

❊ أنتمْ مِلحُ الأرض، فإذا فَسَد الملح، فبماذا يُملّح؟

❊ نعمْ، لَسنا جديرينَ بأن تبقى الصُّلبانُ فوقَ قبورِنا.

❊ وكي تُذلّل مصاعبَ الحياة، حسِّن عَلاقتَك بربّك.

❊ إنّ الفِقْهَ قُفْل، لم يفكّه إلا الشافعيّ.

❊ سُبحانَ من خلق الأشياءَ وهو عينُها.

❊ منِ اعتزّ بغيرِ اللهِ ذلَّ.

 

أ.د. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

دبَّ الفأر... دبَّ الفأر...

 أو "من سرق البيضة " / نموذجا

 شكون سرق البيضة؟

"دب الفأر"، عنوان بالعربي الفصيح للعبة أبدعتها المخيلة المعطاء السخية للأمهات القرويات لمداعبة أطفالهن مابين السنة الخامسة والعاشرة تحديدا، ومن المعلوم بأن الألعاب والأحجيات والألغاز والخرافات والحكايات تحمل دوما "كودا" اجتماعيا معينا، إنها لغة مشفرة تحتاج من أجل فكها إلى  إعادة قراءتها بمقاربات بعيدة عن التفسيرات التبسيطية التي تتهم  اللعبة " بتبرير السرقة"، فهي لا تحمل أبدا معنى مباشرا يدرك فور القراءة، مادامت قد أُبدعت أو أُنِشئت لتحقيق غايات تبدو لنا الآن بعيدة أو خفية. المهم أنها تحقق تلك الغايات في جو من الانبساط  ورفع الكلفة والحرج والتخفف من ثقل  القيود وضغط المواضعات.         

والبداي :

حين نتحدث عن القرويات والبيض، فنحن نتحدث عن القرويات ودجاجات القرويات، وما أدراك ما دجاجات القرويات! فبفضلها وبفضل بيضها يشترين ما يحتجنه من الضروريات " ملابس/ ماكياج/ فضة/ ذهب وهدايا المناسبات"،

الدجاجات بنك القرويات وتأمينهن وكنزهن المحروس بعناية، دون أن ننسى بأن الدجاجات أيضا قرابينهن إلى الأضرحة والمزارات وثمن وصفات العرافات، لذلك تحرص القروية أيما حرص على أن لا تمتد يد أو ضرس لدجاجاتها ولبيض الدجاجات، قبل أن يمر العطار ليعطيهن مقابله نقودا أو سواكا أو أمشاطا ومرايا وخلاخيل.

لكن ما  العمل مع الفئران التي تتسل في غفلة من عين  المرأة  اليقظة على الدوام، ومن عين القط الرقيب لتزدرد البيض وتفر سالمة غانمة إلى غارها؟

وما العمل أيضا مع الصغار الذين يحبون ازدراد البيض كالفئران فيتسللون في غفلة من أعين الأمهات الحَذِرات ويختلسون بضع بيضات ما أحوج الأمهات إليها مع قرب موعد التسوق، وضيق ذات اليد، وتقتير الأب وشحه المفتعل، وصعوبة الأيام وكثرة المطالب؟

يتسلل الصغار على رؤوس الأصابع كما يدب الفأر على أرجله الرقيقة الدقيقة إلى حيث" تقرق "- تحضن -  الدجاجات على بيضها فيَسلُّون البيض من تحتها كما تسله الفئران، يسرقونه ويسلقونه ويتقاسمونه ويزدردونه خفية  وعلى عجل حتى لا يُكشف أمرهم أو تَفضحهم هفوة لم يردوا لها بالا.

تدرك الأم ذلك... تعرف الأم بأن "السُّراق"  مروا من هناك وتركوا آثارهم.

"السُّراق" الصغار مروا من هناك.

السراق المساكين سيشعرون بالذنب.

السراق الصغار يخشون العقاب.

لقد صاروا لصوصا وخانوا حليب الأمهات.

شعوران حادان مؤلمان.

ـ الشعور بالذنب وترقب العقاب ـ

تدخل هنا اللعبة "كآلية"   لإعادة التوازن النفسي للطفل.

ابتدعت الأمهات القرويات هذه اللعبة ـ لعبة من سرق البيضة ـ  للتخفيف من ضغط الشعور بالذنب ومن رعب ترقب العقاب، على اللص الصغير.

تداعب الأم طفلها وتسليه...  فلا شيء  يغلو  عليها في سبيل إرضائه، حتى وإن كان كنزها وبيض دجاجاتها، فما  لها غير هذا الصغير وهذا البيض، وصغيرها أغلى من  كل البيض.

تداعب الأم طفلها وتسليه وفي الآن نفسه تبعد عنه هم الانشغال بالذنب والعقاب. إنها تعالجه.

الأمهات القرويات معالجات نفسانيات لأطفالهن بامتياز كبير.

بدل السرير.

وبدل البوح بالأسرار.

تُجلس الأم صغيرها أمامها، وقد يأتيها طوعا، فهو من حيث لا يدري يجد راحته في هذا اللعب/العلاج.

تأخذ يده الصغيرة بين يديها وتشرع في عملية التطهير.

تشد الخنصر أولا وتقول:

ـ هذا سرق البيضة.

ثم تأخذ البنصر وتقول:

ـ وهذا سلقها.

ثم الوسطى وتقول:

ـ وهذا ملَّحها.

فالسبابة وتقول:

ـ وهذا قسمها.

الطفل يتابع باهتمام، مسلوبَ الإرادة ولو أنه يعرف الحكاية، لأنه يريدها، يريد الحكايةـ

ثم تشد الأم الإبهام وتشرع في المرافعة عن الغائب.

تقول الأم ـ وهي ترفع الإبهام ـ وهذا:

ـ وهذا قال أين حقي؟

فيقول: "تقصد الخنصر فهو المعني بالسرقة"

(الخنصر أيضا يرمز إلى الطفل، أما الإبهام فهو  بعض من يده،حين لا تطاوعه كل يده،  فالطفل متواطئ مع نفسه ولكنه أيضا ممزق بفعله كما لو كان يشعر بأن عليه أن يترك ما سرق للغير لكي يتخلص من التمزق. قد يرمز الخنصر إلى الطفل والإبهام إلى الأم التي تذكره بحقها في البيض، أليست اليد في النهاية هي يدهما معا، أي يد الطفل والأم، وإلا فكيف يستقيم اللعب؟)

أين حقي؟ تقول الأم بلسان الإبهام (الذي لم يحضر / لم تحضر السرقة )

ثم تجيب بلسان الخنصر / الطفل:

ـ سرقه الفأر.

فيقول أي الإبهام / الأم:

ـ وأين الفار؟

يرد الخنصر:

ـ اختفى في الزرب (في حكاية أخرى يحضر القط)

ـ وأين الزرب؟ يقول الإبهام.

أحرقته النار. يرد الخنصر / الطفل.

ـ وأين النار؟

ـ أطفأها الماء.

ـ والماء؟

ـ شربه الثور.

ـ والثور ذبحه الجزار (وفي حكاية الحداد)

ـ وأين الجزار؟

ـ الجزار غرق في النهر .

إذن فقد مات الجزار وانتهت سلسلة الحكاية. مات غرقا.

تستدرج الأم بالسؤال طفلها لكي يقتل الجزار.

وبموته يتحرر من ترقب العقاب.

اللعبة كلها بين الفأر والجزار.

الفأر يمثل اللص/ السرقة / الشعور بالذنب. (ليس الفأر في النهاية غير الخنصر وليس الخنصر غير الطفل) استبدالات ذكية.

الجزار يمثل القصاص/ الخوف/ الترقب/العقاب.

ليست الأم جزارا لذلك فلن توقع العقاب بالصبي، إذن فالعقاب سيبتلعه النهر.  استبدالات أخرى ذكية.

فلا عقاب ينتظر الطفل، لقد سامحته الأم، ويمكن للفأر أن يعود من جديد (حتى وإن كان القط قد أكله في بعض الحكايات)

يمكن للطفل أن يعود لأخذ البيض فليست تلك بسرقة، الطفل لا يسرق أمه، ولكنها لحرصها على "رأسمالها / الدجاجات"  فهي أحيانا تغضب منه وتنهره، يشعره ذلك بالذنب كما لو كان قد ارتكب جرما. لذا تعود الأم في وقت الراحة والانشراح لتصحيح أخطائها ومحو آثار عنفها على شخصية "الطفل/ الفأر/ الخنصر" وهو في طور التكون والنمو.

يمكن للفأر الآن أن يعود إلى الحياة، ويمكن للطفل أن يسرق ما يشاء من بيض بتواطؤ  صريح من "الإبهام/ الأم" .

كيف سيعرف الطفل بأن أمه موافقة ومتواطئة وراضية.

تنتقل الأم إلى محاكاة عملية السرقة والتخفي، فتشد على مجموع أصابع الطفل بيد وباليد الأخرى تقلد تسلل الفأر إلى عش  الدجاج، تكور يدها وتُسَرح إصبعين، "السبابة والوسطى" صانعة رِجلين كرِجلي فأر وتشرع في الدب... على طول الذراع الصغيرة للطفل ...

" دَبَّ الفأر ... دَبَّ الفأر ... دب الفأر ... (دون قراءة الهمزة) دَبَّ الفار... دب الفار ... دب الفار "

تتحرك إصبعا الأم على طول اليد الصغيرة للطفل ..." تدب ... تدب محدثة دغدغة لطيفة "

تتحرك إصبعا الأم على طول الذراع الصغيرة للطفل الصغير حتى تصل إلى الإبط

 (هل الإبط عش الدجاجة أم غار الفأر أم هما معا؟  "سرقة وفرار ونجاة" .

تصل الأم إلى إبط الطفل وتقول ضاحكة وهي تدغدغه بلا توقف:

ـ" دب الفار ... احتى اتخشى (أي دخل)  فالغار"

وينفجران ضاحكين في تواطؤ جلي.

لقد فهما معا واتفقا معا حتى دون أن يصرحا بذلك.

أليس ضحكهما معا اتفاقا على أن  السرقة ليست سرقة.

سيطلب الطفل المزيد، سينادي أمه لكي تلاعبه ولكي تحرره من شعوره بالذنب ولكي تعلن جهرا بأنها لن تعاقبه.

سيقتلان الجزار ويعيدان الفأر إلى الحياة، فلا تحلو حياة القرويات بدون فئران وبدون أطفال.

أليس الأطفال " فُوَيْرَاتُنا الصغيرة؟"

تعود الأم إلى دغدغة الطفل ... والى طمأنته،  فلن يفقد حنوها بسبب بيضة مسروقة/ أو بيضة مسلوقة.

إنها لعبة مواربة.

لعبة الذنب والعقاب. لعبة الظهور والتخفي.

ينمحي الذنب ويُرفع/ يَغرق /العقاب، ليحل محلهما اللهو البريء... لهو الأمهات القرويات مع أبنائهن.

مجرد لهو/ تربوي/ نفسي/ علاجي، لا ينبغي أن نقلل من شأنه، وأن نبخسه عبقريته.

صغار يسرقون البيض، وأمهاتهم يلاطفنهم للتخفيف من حدة الشعور بالذنب ومن قلق ترقب العقاب، حتى لا تهدد ذواتهم الصغيرة بعقد لا حاجة لأهل القرى بها، فهم مشغولون  بطحن حجرة الآلام بأضراسهم لكسب الرزق، ولا وقت لديهم لتركيب العقد في صدور الأطفال، ما دام هؤلاء سيحملون فوق ظهورهم عقدا من الهَمِّ لما تبقى من أيام عمرهم.

الأمهات القرويات معالجات نفسانيات من الطراز الرفيع، لا يعلمن الأطفال السرقة ولكن يطهرن أنفسهم من عقدة الذنب وخوف العقاب.

دب الفار ... دب الفار ... دب الفار...  أحتى أتخشا فالغار (حتى اختفى في الغار).

لقد اختفى اللص.

و... كبر الصغار ... فأصبحوا هم أنفسهم " دجاجات" تختلس الثعالب والتماسيح والعفاريت بيضها في واضحة النهار. أما العطار الذي كان عادة يشتري من القرويات بيضهن الطري، فلم تُبق له الأيام غير البيض الفاسد.

دب الفار ... دب الفار ... دب الفار .

 

 القنيطرة / المغرب.

                       

 

 

 

لست أشك، ولا حتى لبرهة، بأن الثقافة الرصينة “العالية”، إنما تمر الآن بمأزق “حياة أو موت”، بسبب ما تتعرض له من اختلاط مفهومي، ومن تجاوزات الإعلام وآليات النزعة التجارية، زد على ذلك الأخطر، وأقصد به قنوات التواصل الاجتماعي، أي تلك القنوات التي تأبطت فكرة التواصل والتحاور كي تفتح الأبواب على مصراعيها للابتذال وللمتدني والمنحرف، أحيانًا، من الثقافة الشائعة.

وإذا كان هناك ما يسر المرء من الطرائف أو من معطيات الثقافة الشائعة من آن لآخر، فإن هذا لا يمكن أن يغمر قنوات الاطلاع والتفاعل مع الثقافات الرفيعة، كما كنا نفعل يافعين، مجبرين أنفسنا، على قراءة الكتاب المطبوع والسطر المكتوب، حسب توجهات “عصر العصملّي” (أي العثماني كما يقال في بعض الدول العربية). وإذا ما كنا نعد قراءة عيون الكتب من الواجبات التي لا بد من إنجازها (أن نقرأ نصًّا لأفلاطون عن الوجود، وآخر لأرسطو عن “علم الأخلاق”، وثالثًا لألبير كامو عن “اللاجدوى”، من بين سواها من الأعمال الثقافية والأدبية العالية الشأن)، فإن الأجيال الصاعدة الآن وقبل بضع سنوات، لا يمكن لها أن تقسر الشاب على “التصارع” مع صفحة واحدة من كتاب فلسفي حقيقي: “فلمَ وجع الرأس؟!” كما يقول هؤلاء من الناشئة والمقبلين على العشرينات من سني أعمارهم.

أما إذا ما حاول المرء الإجابة على غياب “الجنس الجاد” من القراء والمتابعين والنقاد، ذلك الجنس الذي يتراجع وجوده بسرعة مذهلة، ربما نحو الانقراض في وقت قريب، بالادعاء بأن الصحافة والإعلام يكفيان لحد أدنى من تجهيز المعارف والثروة الثقافية؛ فإن هذا رأي مردود، لأن الإعلام إعلام، والثقافة الحقة، ثقافة، لا أخبار ولا أعمدة قصيرة. والحق، فإن هذه الظاهرة قد حاولت النيل مني واستدراجي “للتجاري” من الثقافة، بديلًا عن الرفيع منها: وذلك عندما أعلمني محرر صفحة ثقافية عربية قبل بضعة أيام بأنه إنما يرنو لـ”مقالات” طويلة للغاية، كي يملأ الصفحات المسؤول هو عن “تعبئتها”، فما هذا الجهل المركب الذي يخطئ الأعمال الثقافية بالأنباء والفلسفة بأخبار الراقصات وعارضات الأزياء.

وإذا لم أكن أقصد أن أتعرض لصاحبي هذا بالنقد أو التجريح، فإن علينا أن نتفق جميعًا على أن الآنية الإعلامية قد توسعت بشكل كبير للغاية، درجة تمكنها من إغراق الثقافة والمثقفين، بعد تخييرهم بين القبول بخيار التجارية، من ناحية، وبين البقاء وحيدين في معتكفاتهم وصومعاتهم، أي خارج تيار الحياة الحضارية المعاصرة، تفصلهم عنها وعن أهلها عشرات الجدران المرتفعة والفجوات الفكرية والذوقية والاجتماعية. للمرء أن يلاحظ ذلك، وهو يستذكر أنماط الثقافة الفكتورية في بريطانيا، تلك الثقافة التي تمكنت من فرض نفسها على الصحافة مذ بدايات الأخيرة في العصر الحديث. لقد أذعنت الصحافة لجبروت الفكر عندما سمحت لعمالقة من أمثال “جون رسكن” Ruskin وتشارلس ديكنز Dickens وجون ستيوارت ميل Mill، من بين آخرين، بنشر كتبهم العملاقة، على نحو متسلسل، على صفحات الجرائد، وذلك قبل أن تغمر التجارة الأذهان المتوقدة لتغرقها، الآن وإلى الأبد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

يُخطّئ محمد العدناني في كتابه (معجم الأخطاء الشائعة)، ص 214 قول القائل:

أحضرنا كتبَ وثيابَ الرجل.

دعواه في ذلك أنه لا يجوز أن نضيف اسمين إلى مضاف إليه واحد، وأن الصواب هو:

أحضرنا كتبَ الرجل وثيابَه.

..

لكننا من جهة أخرى نجد من يسّر لنا، وأن بعض علماء اللغة استعملوا ذلك في شعرهم وفي نثرهم، فهذا الأعشى- صنّاجة العرب ينشد:

ولا بَراءة للبري *** ءِ ولا عَطاءَ ولا خُفاره

إلا عُلالةَ  أو بُداهةَ سارحٍ نَـهْدِ الجُزاره

ونُسب للفرزدق الذي قيل فيه "لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة" أنه قال:

 

يا من رأى عارضًا أرقتُ له *** بين ذراعَي وجبهة الأسدِ

..

يقول البغدادي في (خِزانة الأدب)، ج 1، ص 173- الشاهد 23 عن قول الأعشى:

"عُلالة"- هي المضاف، و"سارحٍ"- مضاف إليه.

 أما "بُداهة" فهي مضاف إلى ضمير سارح. بمعنى أن الضمير حُذف وجُعلت (بُداهة) بين المتضايفين.

من هنا فإن المضاف لم يُبْنَ ولم يُنوّن وذلك على نيّة لفظه، أي أن المضاف يُعلّق عن الإضافة في ظاهر اللفظ.

..

يقول الزمخشري في (المفصّل في صنعة الإعراب)- مادة الإضافة:

و"وقول الأعشى – "إلا علالة أو بداهة سابح" فعلى حذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني".

..

 

للفرّاء- عالم اللغة تحفّظ من توارد الاسمين المضافين، فيقول إنهما إذا كانا متصاحبين في الاستعمال الكلامي الكثير كاليد والرجل، وقبل وبعد- فهذا جائز، ويستشهد بقول القائل:

"قطع الله الغداةَ يدَ ورجلَ من قاله"

لكنه لا يجيز في غير ذلك.

انظر: ابن جِنّي: الخصائص، ج2، ص  407.

وكذلك البغدادي: خزانة الأدب ج6، ص 500.

..

إذا قبلنا رأي الفراء، وقد أجاز:

 أكلت قبل وبعد العصر،

 فما المانع أن أقول: أكلت من تفاح وإجاص الحقل؟

 وهو خيرُ وأفضل العلماء؟

وطالعت ذلك من كتب ومعاجم اللغة.

..

في لغتي وكتابتي أفضّل الفصل، فقد اعتدت أن أقول وأكتب:

 عرفت ذلك من كتب اللغة ومعاجمها،

 ولكني لا أرى أن أخطّئ قول القائل:

 طالعت في كتب ومعاجم اللغة.

 تعجبني شهامة وفصاحة ورقّة الرجلِ.

 

ب. فاروق مواسي

 

الترجمة في تعريفها البديهي هو التمرين الذي تقوم به اللغة لتَظل بصحة وعافية، وإن كان هذا الفعل الإبداعي الخلاق هو ضرورة لكل لغة حية وفعّالة تريد أن تَرتقي وتُعلي من استمرارية حَامليَتِها كرافعٍ لحضارة ما. فهو ضَرورة مضاعفة وحاجة مُلحة على المجتمع العربي اليوم، وهي بوصلة لمؤشر حركة ازدهار أي أمة أو انكسارها. 

الترجمة هذا الفعل الذي يَحتاج إلى عُدة معرفية آهلة، ودِرْبة حقيقية بأدوات مُجتَهدة، ورؤية بَليغَة، نجد أنها على المستوى الثقافي لم يَبرع فيها مشرقيا غير أسماء قليلة وجادة (كسعدي يوسف، جبرا إبراهيم جبرا، جورج طرابيشي وعبد الرحمان بدوي... وآخرين مبدعين). أما على مستوى المغرب فقد عُرِف عن المترجمين المغاربة في هذا الجانب عُلو كعبٍ وحُسْن اشتغال جعل كثير من ترجماتهم مَرجعا رئيسا معتمدا ومتداول، ومن بين الأسماء الحقيقية في هذا المِضمار يبرز (محمد بنيس، محمد برادة، عبدالله العروي.. وآخرين رائعين)، كانت الفرنسية اللغة الأقرب إليهم، بِفعل العامل التاريخي بِشقَيه السياسي والثقافي، الذي صار يَستَحوذ شيئا فشيئا على المشهد المغربي، وهذا جعل من هذه اللغة تَتَملّك أكثر من تسعين بالمئة من حصة اللغات المترجمة عنها، فيما تَقتَسِم الإسبانية والإنجليزية ما تبقى. أما الترجمة عن لغات أخرى فتَكاد تكون نادرة، اللهم ما حاوله البعض مُستعين بلغات وسيطة ما يَجعل الترجمة مُتَرهِلة في غالب ما خَاضوه وضعيفة.

إلى هنا بروُز أسماء قليلة ومُضيئَة ترجَمت الأدب الألماني إلى العربية، كان الشاعر المغربي محمد أهروبا أحد أبرزِها، فهذا الشاعر الذي استَطاع باجتهاد بديع فَتْح سماء الشعر الألماني أمام القارئ العربي، غيمة غيمة..

 بهدوء لا افتِعال داخله،

 فنحن نَعرفُ أن الترجمة فعل تَتضاعَف صُعوبته عندما يكون الشعر هو مَوضوع ما يَعتَمِله، حينها يكون المترجم مَحتوما عليه، أن يَنقُل المعاني وظلالها.. هذه الظلال التي طالما، اسْتَضئتُ بها وأنا أتابع بافتتان يَترقرَق في عيني تَرجمة محمد أهروبا، وهي تَرجمة مَشْغولة بماء الشعر ولمعانه. ليست مُفردات مُركبَة بعضها فوق بعض، تُوَحِدها علائقية تَبسيطيَة، كما يفعل كثيرون مٌشَوهون لما يَدَّعون أنه ترجمة.

للتَرجمة أهمِيَتها التي لا تَقِل عن أهمية الكتابة الإبداعية ولها وظيفتها التي لا غنى عنها، وهي عملية جد مُرَكبة، وما شدني في تجربة محمد أهروبا، أني كلما فَرغْت من قراءتها، لا يَتَبادر إلى ذهني ذلك السؤال الذي اعتَدت توجيهه بجِدية مبالغ فيها أحيانا، أين هي حصة الشاعر في القصيدة؟ وأين هي حصة المترجم؟

سؤال كهذا شَغلني طوال الوقت، إلى أن بَدأت تَتَلاشى دَوافعه أول الأمر، عند قراءتي لترجمات محمد بنيس، وأخد يضمَحِل بعد فترة مع أول ارتِطام لي بِترجمة سعدي يوسف و محمد أهروبا هذا الأخير  الذي أتَاح للنص المُترجم إمكانية تَشكيل هوية علائقية مُستَقِلة. فما يَشتَغل عليه بِشعورية أنيقة، هو ما يُبَلور هذه الاستقلالية. وهي استِقلالية غير ميكانيكية أو تَعريفية، وإنما هي انزِياح نَحو الشِعر الطافح عما يَلُفه من أدوات، ويَتبَاعد فيه من جغرافيات.

صحيح أن آليات النَقل وخِياراته أمر ما زال يَجتَر إشكالات عديدة على مُستوى المُفَكَر فيه داخل العملية التَرجمِية. لكن ما أجِدُه في تَرجمة هذا الشَاعر من قُدرَة على إعطاء الاعتِبار لتِلك الديناميكية الداخلية التي تَربط جَوهر القصيدة بعضها ببعض،. فَحتى على مُستوى المُصطلح تَجد أنه يَستَخدم مَعاجم متنوعة، كل حَسب إيقاع ما تَستَدعيه القصيدة المُترجم عنها. وهو ما يَجعَلنا نَطَّلِع بصُورة عَادلة ونَقيَة عن الشعر الألماني، الذي صَار قريبا إلى ذائقَة كثيرين بفعل هذا العَمل الجاد والمُتمَيز لهذا الشاعر المغربي، المقيم بألمانية، ما يُتيح له عمليا التفاعل مع هذه الثقافة بشكل مباشر، واطلاعنا على جديدها باستمرار.

نَعلم على مُستوى الثقافي والفكري أنه لا يُمكن لجَميع المُشتغلين على الحَقيقة الإنسانية أن يَستَخْلِصوا صورة واحدة، إلا إذا كانت خلفية تَفكيرهم اللغوية مُتَطابقة. وكلمَا انتَقلت صورة من صور هذه الحقيقة إلى لُغة أخرة، تَعَددت الرؤية واتَسَعت، وهو تَعَدد مغني، لا مَرام في ذلك، لازم إن أردنا أن يَتَحقق غِناه. أن يكون المُترجم حِرَفيا بالمعنى الفصيح للكلمة. فلا يُمكن أن يُترجِم الشعر إلا شاعرٌ، فالشاعر أفضل مَن يَتَصدى لهذه المهمة التي لن يَبرع في تَحقيقها سواه، هذا عكس ما هو مُتداول - حينما يَعْمد جامعيون ولغوِيون على ترجمته في جفافية وتَماثُلية مريضة.

الترجمة فعل واجب حَضاريا، لا حاجة لفَتوى في ذلك، لكن مع مُراعات شرط الاختِصاص، وهنا أتكلم عن نموذج بليغ استَطاع أن يَتعامل وطبيعة الشعر الرَقراقة، المُستعصية عن الانقِياد نظرا لغِنى دَلالاتها وعَميق مَعانيها، كسَاحر مَاكر وقوي، قُوتُه حِيَل كثيرة يَنتقي مهاراتها ليُحوِّل كيانِيَة الكلمة في غير اضطراب، يقول غوتيه "الكيان الذي لا يشهد أي تحول يصير إلى زوال".

إنه لا يوجد أي نص صافي تماما مثلما لا توجد هوية صافية، وهذا ما يَجعلني أرى لمجموعة من الأصدقاء يَتعاملون مع نص محمد أرهوبا المترجَم بألفة شديدة، وكأنه نِتاج خالص للثقافة المحلية. وهذا يعكس رؤية نحن بحاجتها بعمق داخل الكتابة العربية، أن أي نص لا يَحمل بذور الكونية في جيوبه فهو يجلب الكارثة لنفسه. ولا يمكن أن يُمارِس فعل المُثاقفة التي يَنشُدها في ادعائه.

فما يَضْمَنه محمد أهروبا للنص عبر تَهْجيره من لغته الأم إلى اللغة العربية هو حياة ثانية مُستَمِرة أبعد مما يُعطيها التأويل داخل لغَتِها.

أما الخطأ الكبير الذي يَتَجنبه هذا الشاعر،. هو أنه لا يَعمَل على تَجميد الحالة التي تُوجد عليها لغة القصيدة في حَياتها الأولى، بِحَيث يَبْنيها في شكلها الثاني، تماما، مثل تِمثَال منحوت، وهذا كل شيء.. وإنما يَنْفُتُ فيها شعورية تُعَبِّر عن بُلوغِه مدى النص، وأيضا لا يَذهب به أبعد مما يريد، فهو ليس عائم فوق سطح كلام، بِقدر ما هو شاعر مَاتع وأنيق، اختار مُنذ وقت مُبكر، عمله الترجمي كأداة نُزوع تَحديث داخل الثقافة العربية. ومَدخل لتَجاوز ذهنية الواحِد المُستبِدة في ثقافتنا المشرقية هذه. وإن كان مجهود فَردي، فهو مجهود مَحمود بِحب. في وقت ما زالت فيه كثير من مؤسساتنا الثقافية المٌبَجلة تَعتَبِر الترجمة من العلوم الكمالية، والنظرة الرسمية هذه كافية لتلخيص، مدى قتامة ما بتنا نعيشه في وطننا الحبيب هذا.

ترجمة محمد أهروبا هي قراءة خَلاقة للشعر، ومُعادل موضوعي لكتَابته، فما يَشهَده من تجاوُب كلي وعاطفي مع النص مَوضوع تَرجمَته، لهو عَملية إبداعية، خاصة أنه لا يُحاكي بناء العِبارات في النص المَصدَر مُمْتطيا سذاجة طالما تَعوَدنا للنظر إليها بعينين واضحتين في تَرجمات كثيرة تافهة . فما يقوم به هنا هو كتابة ثانية تماما مثلما هي الكتابة ترجمة عن الذات.

وَلنَقل، هنا، أنها تَرجمة عن ذات مُغايِرة، فهو يُعيد الترميز، ويُطرزُ نَقل دَلالات من حَياة أولى. ولِكل هذا يُعلي مَجهوده، ليُترجم إرساليَتَين في نِظامين مختلفين، بتَكافؤية مَوزونة يَنجَح من خلالها الشاعر/المترجم من إبقاء المُتلقي مأسورا بمَوطِن الجمال الذي يَتَحسّسُه في القصيدة. هذه التي جَنبَّها طُغْيان الإضافات أو حتى التَمادي في الحذف، لتَتأتى لنا القصيدة مُصابة بعافِية الضوء وقَمحِه. هي مَلاَد رَكيز للوصول إلى شاطئ الآخر. من الباب الأكثر قُربا للإنسان.

إن الترجمة بهذا فِعل ثقافي مُلِحٌ بقوة وهو أكبر من أن يُوكَل كامل هَمِّه للأفراد، لكن في غِياب مؤسسات ثقافية رسمية جادة وحقيقية، لا نجد غير أن نستضيء بمثل هكذا أسماء رائعة ومنيرة.

المترجم قُوَة من أجل الخَير، ومُفسِر يَلعب دورا هاما، في إنعاش الثقافة وتَحقيق جَدوتها، وإن كان المترجم كفاعل أساسي قد ظُلِم في سياق مشهدنا العربي وحُجِّر عليه في مصطلح الوسيط، لكن بالنظر إلى تَجربة محمد أهروبا على سبيل الذكر نَتَبيَنُ أن المترجم لا يلعب دور الوسيط ، وإن كان هذا ضمنيا، فالقصيدة لا يُحوّلها هذا الشاعر إلى حالة ثانية بقدر ما يَهبُها بَدأ لتستمر عبر حَيَوات مُختلفة ما تعددت على قراءة. فهو لا يَستَخدم تَكتيكا أو هندسة ميكانيكية نحْتِية، وإنما رُوح شَفيفة يُعَمّدها كامل جسد القصيدة، والترجمة بهذا فعل أوسَع تَعقيدا من النظر إليه بزاوية واحدة.

نَقل الشعر مُخاطرة شديدة، تَبتَغي شاعرا حاذِقا، مُتسَلحَا بِلغتين وقلب واحد تَمرّن على الوفاء لنفسه، يُمارس فِعله بأكبر قُدرَة من الوعي بالنص نفسه. هذا الفِعل لا يَسْتَعطي بمجرد الإلمام بِلغتين، من أجل استخدامهما بصورة آلية.. فَحتى أولئك الذين يكونون على مَقدِرة كبيرة على استخدام لغتين ليْس بِمقدورهم اهتِبَال الترجمة، لأنها كيمياء شديدة الخصوصية، فكيف تَتَعامل وهذه الكلمات العمِيقة المُتَصلة اتصالا تابتا بتاريخها وماضيها، وجميع أزمنتها الراهنة والسالفة؟

إن لم تكن لدَيك جمجمة جنرال على أهبة الشعر، دائما

الكتابة عَملية صعبة، ومٌمتَنِعة، هكذا خُضْت الأمر طوال الوقت. لكن صُعوبَتها تَهون أمام صعوبة التَرجمة، كنتُ قَررت رفقة صديقي عزالدين بوركة على ترجمة نُتَف من الشعر الفرنسي، رتَبنا للأمر بهمة عالية وكثير من المحبة للشعر.. ومع التجربة تَبيّنَ كم هو الأمر مَسْلكيّ وبحاجة لحذَر بليغ، لا تُسْعِفه فقط خُصُوبة الرصيد اللغوي الذي كنت أدعيه بادئ الأمر، مُستَعينا بِتِرسانَة لا بأس بها من المَعاجم، تماما، كما لم أجرُأ على إماتَة ما لم أستطع نَقله على مُستوى النص وإحْياء ما استَطعتُه، ومع أن العمل استَغرق أكثر من سَنة لم يُنشر لحد الآن لشِدة التَنْقيح والتشْذيب، لكني أشعر بالسَعادة في قلبي كلما اطلَعْت على ترجمة لقصيدة شقراء الروح تماما كما "البيرة" الألمانية على يد الشاعر محمد أهروبا، فهو لا يَقوم فقط عبر الشعر بتعريفنا بالآخر الذي طالما كان مجهولا لدينا لفَترة طويلة، بل يُمَكِنُنا أساسا من معرفة الذات وإغنائها بِبِناء تعدُدِها وإدْراج المختلف فيها.

 

 

حروف العربية ثمانية وعشرون، ولهذه الحروف ترتيبات:

- الترتيب الأبجدي: وهو في بعض اللغات السامية كالعبرية، والترتيب هو:

أ، ب، ج، د، هـ، و،  ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت،

وتضاف بعد ذلك حروف ليست في جميع اللغات السامية، وتسمى الحروف الروادف، وهي:  ث، خ، ذ، ض، ظ، غ.

هناك من يسهّل حفظها على طريق جمعها: أبْجد هوّز حُطّي كَلَمُن، سَعْفَص، قُرِشَت، ثَخَذٌ، ضَظَغٌ.

وّفق هذه الحروف يجري حساب الجُمَّل، وهو حساب استُخدم في كتابة التاريخ، وفي التنجيم وقراءة الحظوظ، والأبراج.

جدير بالذكر أن العرب في المغرب العربي يعتمدون هذا الترتيب لكونه الأقدم، وهم يستعملون الأرقام العربية 1234567890.

..

-  الترتيب الهَمْزبائي، وهو الذي تجري وَفقه المعاجم، والكشافات في المؤلفات والمكتبات العربية، وهو من وضْع اللغوي نصر بن عاصم -ت. 89 هـ، وقد عمد فيه إلى مقارنة الشكل، فمرة حرف مهمل (بدون نقطة) ومرة مُعجم (مع نقط)، فقد  بدأ بوضع النقاط على الحروف، فبدأ بالهمزة، ثم الباء ثم التاء والثاء (ب، ت، ث، وهي في شكل متقارب)، ثم الجيم فالحاء فالخاء (ج، ح، خ)، ثم الدال فالذال (د، ذ)، الراء فالزاي (ر، ز)، السين فالشين (س، ش)، الصاد فالضاد (ص، ض)، الطاء فالظاء (ط، ظ)، العَين فالغَين (ع، غ)، الفاء فالقاف (ف، ق)، الكاف فاللام (ك، ل)، الميم فالنون (م، ن- تشابه صوتي)، الهاء فالواو فالياء (هـ، و، ي).

أذكر أنني علمت الصف الأول في أواسط الستينيات، ولحنت لهم الترتيب لتسهيل الحفظ مع التصفيق:

أبَـتَـثَـجَـحٌ خَدَذَرزٌ سـسَـصَضٌ، طَـظَـعَـغٌ فَقَكلٌ مَن هُو لاي!

فحفظ الترتيبَ جميع طلاب الصف.

..

- الترتيب الصوتي، وقد وضعه الخليل بن أحمد (ت. 786م) في كتابه (العين) وهو أول معجم شامل في العربية، وقد بنى الترتيب على مخارج الحروف في جهاز النطق، فكان الحرف الأول هو العين- لأنه من أقصى الحلق، ولذا سمى كتابه (العين)، ثم جعل الترتيب كما يلي:

ع، ح، هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، ت، د، ظ، ذ، ث، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ي، ا، ء.

 

ترتيبه كما يلي:

أصوات حَلْقية: نسبة إلى الحلق هي:

 ع، ح، هـ، خ، غ

أصوات لَهَوية: نسبة الى اللَّهاة هي:

 ق، ك

أصوات شَجْرية:  ش، ج، ض (الشجْر- جوف الفم بين سقف الحنك واللسان) 

أصوات أَسَلية:  ص، س، ز  (الأَسَلة- رأس اللسان)

أصوات نِطْعية: ط، د، ت  (النِّطْع- موضع  اللسان من الحنَك)

أصوات لِثَوية: ظ، ذ، ث (اللِّثة- لا تُشدّد الثاء)

أصوات ذَلْقية: ر، ل، ن (طرف اللسان)

أصوات شَفوية: ف، ب، م

أصوات هوائية: و، ا، ي، الهمزة- (لاحظنا أن الخليل اعتبر الألف صوتًا).

..

ثم كان لابن جِنّـي ترتيب آخر لم يُعمل به.

..

تمت الغلبة للترتيب الهَمْزبائي، وتسمى هذه الحروف أيضًا الأبْـتَـثِـيّة، ومن الغريب أنني التقيت معلمين للعربية ولا يحفظونه.

 

فاروق مواسي

 

أنا الآن قادم من ندوة أدبية قدمتها الأستاذة والأديبة ربيعة جلطي لعرض آخر رواياتها وبمناسبة إقامة المعرض الوطني الثاني الممتد من 18 فيفري إلى 4 ما س 2017 بـ المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الشلف ، ومما جاء في  كلمتها..

زرت دول عربية وغربية وأقسم أن جمال الجزائر لا يضاهيه جمال، والمطلوب أن نتحدث عن هذا الجمال وأن يدفعنا إلى الإبداع. وعلينا أولا أن نسأل أنفسنا لماذا مجتمعنا لا يقرأ؟. والإجابة تكمن في أداء الكاتب الضعيف، لأن الكاتب مطالب أن  يحترم القارئ، ومن الاستخفاف لعقل القارئ حشو الكتاب بـ 400 صفحة كان يمكن اختصارها بـ 100 صفحة. فالقارىء كالكاتب له أشغال، وأهل، وأولاد يحتاج للدقة والاختصار، ونقل زبدة الكلام.

وعلى الكاتب أن يكون صادقا أولا مع نفسه ليصدقه القارئ، وأن يعيش هموم القارئ، وأن يكون هو السوق، وهو الدكان، وأن يخالط الناس ليتحدث عن علم وتجربة.

ثم تحدثت عن الجهد المبذول في كتابة الرواية وبأنها تتطلب 12 ساعة يوميا للقراءة والكتابة في نفس الوقت، والإلمام الجيد للشخص والمكان المراد التحدث عنه من كل النواحي. وتقول رغم أنها تدرس في الجامعات الجزائرية منذ 25 سنة إلا أنها لم تدخل عالم الرواية إلا منذ 10 سنوات فقط، لأنه كان لي أولاد أقوم بتربيتهم وهو ما استغرق مني كل الوقت، ما يعني أن الكتابة تحتاج إلى جهد وتفرغ وتركيز أشد يفوق بكثير التركيز الذي تتطلبه القراءة.

تحدثت عن أثر فترة العشرية الحمراء على الجزائر والتي لا يوجد فرد من أفرادها إلا أصيب في عزيز عليه، أما فيما يخصها فقد كانت – حسب ربيعة جلطي – سيارتها أول سيارة تفخخ، ما اضطرها للجوء إلى فرنسا مدة عام واحد رغم أنه كان من المقرر أن تبقى هناك  3سنوات.

تطرقت إلى العلاقة القائمة بين الأدب والأعمال السينمائية، فقالت أن الأدب العالمي الآن السائد هو الأدب المكتوب باللغة الإسبانية لأنه يكتب بلغة عالية المستوى ونابعة من عمق  المجتمع، لذلك ظلت تنصح الشباب الجزائري المهتم بعالم السينما إلى الاقتباس من أدباء جزائريين بلغوا العالمية لجودة ما قدموا ونشروا وذكرت أسماء بعينها. وقالت بأن الأديب نجيب محفوظ عرف من خلال الأفلام الرائعة التي كانت بفضل رواياته العالمية العالية الجودة. وعرف نجيب من خلال الأفلام قبل رواياته التي تحصل بفضلها على جائزة نوبل للآداب التي يعود الفضل فيها إلى الأفلام الرائعة التي كانت تجسيدا لأدبه العالي جدا.

وعن الجوالأسري، تقول.. ما زالت الكتب في بيتي تنافس الأكل، والشرب، والملبس، ولا يوجد مكان إلا وبه كتاب. وتحدثت بإعجاب عن المكتبة التي كان يملكها جدها، وتعترف بأنه كان أكثر تنظيما منها. وعن علاقتها بالزوج الأستاذ الروائي أمين الزاوي تقول: بعد أن ينتهي من الرواية أكون أول من يقرأها، وأقدم له نقدا عنيفا جدا، وإعجابا بعيدا عن إعجاب الزوج بزوجه إنما يخص الجانب العلمي الأدبي. وحين أنهي روايتي يكون أول من يقرأها وبدوره يقدم لي نقدا عنيفا جدا، وإعجابا بعيدا عن إعجاب الزوج بزوجه.

وأبدعت الأستاذة حين قالت: أنا لست من الداعين إلى الأدب النسوي، ومن المبالغة المفرطة تكرار مقولة أن المرأة مظلومة مهضومة الحقوق، لأن المرأة هي التي تغرس في الزوج والابن احتقار المرأة. فظلم المرأة المنتشر عبر المجتمعات العربية مرده ـفيما مرده- لثقافة الاستصغار والاحتقار التي تنقلها المرأة لابنها وزوجها عبر الجهل والتخلف، لأني قبل أن أكون أستاذة وأديبة وروائية فأنا أم لأبناء وزوج لرجل إسمه الزاوي.

سئلت عن إمكانية إنضمامها لحزب من الأحزاب، فأجابت ودون تردد بالرفض المطلق، وأنها لم تنضم يوما لحزب بعينه، لأن المثقف مطالب أن يبقى بعيدا عن الأحزاب وليس فوق الأحزاب. وقالت إني أمارس السياسة من خلال كتاباتي.

 

معمر حبار

 

 

 

شهريار لن تكفيه ليلة واحدة لكي يعرف الحكاية ويحب الحياة،

و ألف ليلة لن تكفي لإسكات شهرزاد.

شهريار مجرد رجل

وشهرزاد مجرد امرأة.

وما بينهما سرير الوجود وسر الخلود.

هي تحكي

وهو يصغي.

هي تأتي وهو يمضي.

الموت والحياة يلعبان كقطين صغيرين أليفين

بكبة الأيام.

الموت يسل خيط الليل فتحكي شهرزاد.

والحياة تسل خيط النهار

فيصغي شهريار.

***

تتمتع بعض الحكايات - وهي قليلة جدا - بذكاء خاص وعبقرية فريدة، تجعلها تتجاوز سقف تفكير أولئك الذين أنشؤوها، لتخط لنفسها دروبا ومسارات يصعب استيعابها واستساغتها بيسر وسهولة.

الحكاية خدعة رهيبة.

وبعض الحكايات قناع لحقائق وجودية تنفلت من بين أيدي الإدراك العقلي بكل وسائطه.

والحالة هذه، لقد أنشأت ألف ليلة وليلة شخصيتيها الرئيستين باستقلال عن وعي وإدراك أولئك الرواة والحكائين الذين تناقلوها جيلا بعد جيل.

أزعم بأن شهريار ليس رجلا.

وكذلك أزعم بأن شهرزاد ليست امرأة.

ولم يكن بينهما ما يكون عادة بين رجل وامرأة.

ولا يمكن لعلاقة من هذا النوع أن تقوم بينهما، لأنهما ليسا بشريين.

شهريار وشهرزاد يجسدان المبدأين الرئيسين للوجود. وكما هو الشأن في الحكايات الأصلية، فهي تعطي للمبادئ الوجودية وجودا عينيا، أي مشخصا، وإلا فلا يمكن التعبير عن مبادئ الوجود فقط بالمفاهيم.

الفلاسفة يعبرون بالمفاهيم،  ولكن الشعوب لا تتكلم دائما بلسان الفلاسفة.

إنها تتكلم بالدرجة الأولى بلسان الخرافات والأحاجي والأساطير، لأنه لسان جمعي، لسان يعبر عن اللاوعي الجمعي والذاكرة العميقة المشتركة.

أزعم إذن بأن شهريار وشهرزاد يمثلان المبدأين المؤسسين للوجود،

-  غريزة التدمير (الموت)، ذلك هو شهريار الذي صار يقتل النساء ( الحياة) بعد انبثاق وعيه بالخيانة ( التوالد والتجدد) (انظر النهاية، فشهرزاد ستتوسل بالحكاية لكي تتجدد بالولادة وتضمن الاستمرار، وشهريار كان يريد "بالقتل" كسر سلسلة الاستمرار والتجدد).

-  غريزة البقاء (حب الحياة) تلك هي شهرزاد التي تتوسل بالحكاية (من داخل الحكاية) لكي تؤجل موتها، و لكي تحافظ على استمرار الحياة.

أهما مبدءان متضادان أم متكاملان ،،،؟ أم أنه لا بد من وحدتهما لكي يكون الوجود، ويدوم ويستمر.

و لذلك يجمعهما الليل على سريره... ذاك ليل الوجود.

ولأن المستمع / المستمتع لن يدرك الخدعة،

يتم استبدال لذة الجنس (ما يجمع بين رجل وامرأة) بلذة الإنصات (ما قد يجمع بين الفرد والذاكرة الجمعية)

لم يكن شهريار يستمتع بجسد شهرزاد وإنما كان يستمع لحكيها، أي لنداء وجودها، فلا معنى لوجود الموت بدون حياة، ولا لذة في التدمير بدون إغراء ولا غواية، أي بدون استعطافات الضحية وتوسلاتها. لا معنى للاستمتاع بدون استماع.

- "الحكي" إذن ذريعة لبقاء الحياة،" لذة العيش".

- "الإنصات" أيضا ذريعة لتأجيل الموت،" لذة الترقب".

فلا مكان في الوجود (داخل الحكاية) لشهريار دون شهرزاد، وإلا فما عساه يقتل؟

تبقى التفاصيل طبعا وهي كثيرة.

هل من فائدة ما أو من معنى خاص للحكايات الجزئية التي تسمح لشهرزاد بالعيش؟

لا... ونعم.

أي، أن تكون كذلك أو تكون غير ذلك فالأمر ليس مهما إلا بقدر أهمية حياة كل فرد أو كل جماعة.

قد تحكي شهرزاد عن الهند والسند والصين وأقاصي العالمين، فلكل شعب حياته وقصصه.

ومادامت الشعوب كما الأفراد منذورة للاختلاف، فما حكته شهرزاد (الحياة) مجرد تفاصيل، أقصد تفاصيل حياة. فالناس والتاريخ في الأخير يؤولون إلى مجرد قصص.

***

تلك قصة الحياة.

تلك هي القصة التي يجب أن نفهمها من الحكاية.

فحيواتنا هذه القصيرة فوق الأرض مجرد قصص قصيرة.

وكل عمر مجرد ليلة من ألف ليلة.

ألف ليلة هو عمر البشرية.

وكل واحد منا يعيش بين قبضتي غريزتين.

غريزة التدمير وغريزة البقاء.

كل واحد منا يعيش بين الموت والحياة.

وبالحكاية نراوغ الموت ونؤجل انتصاره.

في الحكاية الأصلية ذلك التأجيل دائم ومستمر.

ولكنه بالنسبة لحيواتنا الخاصة وموتنا الخاص، أي الفردي، لا يساوي إلا ليلة من ألف ليلة.

كل واحد منا مجرد قصة قصيرة من قصص ألف ليلة وليلة.

وحياة كل واحد منا مجرد ليلة قصيرة على سرير الوجود.

نحن الذين نحيا هاهنا على هذه الأرض، نحن أبناء الحياة، وليس لنا من أب آخر غير الموت، لكن هيهات هيهات أن نقتل الأب.

 

جمال الدين حريفي – القنيطرة / المغرب

 

هل بالفعل ثمة أسرار في كتابة النص الروائي؟ ما من شك أن للرواية خبايا وخفايا وطوايا ﻻ يدرك كنهها ويسبر أغوارها إلا من كان له نصيب وافر من كتابة السرديات الروائية. الشوق والتوق لإماطة اللثام عن تلك الأسرار جعلت المتذوقين لكتابة الرواية على استعداد   لتحمل مشاق كتابة الرواية لعلمهم بأن تحت كل مزلق جوهرة ووراء كل مثبط درة. ولنبدأ اﻵن بكشف طرفا من تلك الأسرار...

السر الأول: الرواية فرسة جموح

الفروسية الروائية ﻻ تكون إلا لفارس خياله خصب ؛ أخصبته كثرة المطالعة ووفرة التأمل في منحنيات الحياة ودروبها المغرقة في التشعب ، ثم ينتقل الراوي إلى المرحلة الثانية من مراحل الترويض وهي مرحلة المران الدؤوب على استقطار حبر القلم والدربة على تحبير التعبير في سياقاته ومساراته بتقدير ﻻ تقتير فيه وﻻ إمذار. بعد ذلك تأتي مرحلة الكشط والترشيق حيث تستأصل الزوائد الكتابية وتضاف اللمسات الجمالية الماكياجية هنا وهناك فتزهو الرواية بحلتها القشيبة وقوامها البديع.

السر الثاني: الوحي الكتابي

بخلاف ما قد يعتقد البعض بأن الكتابة الروائية تتأتى للراوي بمجرد إمساكه بخصر القلم ؛ كتابة الرواية - كمجمل الأعمال الأدبية والفنية - تستلزم حضور الوحي الكتابي والذي ربما تباعدت مسافاته الزمنية لتتجاوز حاجز الساعات والأيام والأسابيع. لكن بالمقابل قد يحظي الروائي بفيض من ذلك الوحي فيكتب مئات الكلمات خلال سويعات.

السر الثالث: متاهة تعدد الأدوار

حكمت محكمة الرواية على الراوي أن يفجر في نفسه كل ممكنات الشر وكل متاحات الخير ليتمكن من رسم دوافع النفس البشرية بحرفية واقتدار ؛ فالراوي كان بالأمس متقمصا لنذالات وخالعا لكمالات ، وهو اليوم متلبسا لفضائل ومتجردا من رذائل ، كان قبل الآن فارسا بأسه شديد وحصنه منيع ونزاله مريع ، وهو اﻵن عذراء غيداء هيفاء نجلاء نهلاء ! البارحة كان الراوي حكيم سديد الرأي ثاقب البصيرة ، وهو الليلة سخيف أهوج أرعن من حثالات الناس وغبرائهم ! يلعب أدوار العفة والفسوق والحشمة والسفور والضد والضد وضد الضد ! متاهة من تعدد الأدوار تضحك الراوي وتبكيه وتلغزه وتسعده وتشقيه وترفعه وتخفضه وتجوهره وتتفهه وتسهره وتنيمه فيرى نفسه ملقا في براثن العته الجنون.

السر الرابع: صفحة مقابل 1000 صفحة

من المعلوم بالضرورة في عالم الرواية أن قراءة ألف صفحة روائية قد يمكنك من كتابة صفحة من رواية. الحس الروائي ﻻ ينمو ويشتد عوده إلا بقراءات روائية انتقائية لعيون الروايات من مختلف الثقافات بشقيها القديم والحديث. ذات مرة كان يتعين على الراوي أن يقرأ ديوان غزل يتألف من قرابة 600 صفحة كي يكتب نصف صفحة فقط من مشهد حب صاغة بإحساسه وصبغه بلونه. وفي غير مرة كان ينبغي عليه قراءة مئات الصفحات من أجل كتابة صفحة من مشهد بوليسي.

السر الخامس: الحساسية الروائية للاتجاهات

ﻻ يوجد نص روائي مرسومة مشاهده وفصوله بحيدة تامة دون ميل صوب هذه الوجهة أو تلك ، بيد أن الراوي المحنك هو الذي يستبقي مؤشر المنطقيات السردية في حدودها المقبولة دون جنوح واضح وفاضح. تلك الحساسية يمكن اكتسابها بزيادة مساحات المرونة والتفهم لشتى زوايا الرؤية تجاه ذات الموضوع أو الفكرة أو القيمة.

وللحديث بقية ...

لعل بيت الجواهري، الذي يحمله عنوان هذه الكتابة، يوجز ما آمن به الشاعر الخالد من فلسفة في الحياة، ويثبّت مقاييسه نحو الانسان الفرد أولا، والمجتمع عموما.. بل ونزعم أكثر فنقول بان تلك الخلاصة التي يشي بها ذلكم البيت، تضع الجواهري امامنا، كاشفاً بأن قناعاته برموزية "الضمير" تعلو حتى على ما عنده من ميزات ومواهب معطاء، ولو ان الأمر متشابك ومتداخل دون مديات .

وبيت الشعر المعني، مستل من "مقصورة" الشاعر الشهيرة، في الاربعينات الماضية،وما أحوجنا اليوم لترسيخ تلك المذاهب" الجواهرية" في حياتنا العملية والخاصة.. وواضح أنه كان يخاطب الذات في مناجاة حميمة، كما يحققه البيتان السابقان لـ"بيتنا" شرحاً وتكملة، وإثباتاً راسخاً بـ"ديانة" الضمير:

أقول لنفسي أذا ضمها وأترابها محفلٌ يُزدهى

تساميّ، فأنك خير النفوس، إذا قيسَ كلٌ على ما أنطوى

وأحسن ما فيكَ أن الضميرَ، يصيحُ من القلبِ أني هنا

... قلنا "ديانة" الضمير، وللجواهري حولها وعنها صولات وجولات، وقيم ومعايير لا حدود لها، تتفرد حيناً، وتتكامل وتتداخل احايين أخر، وفي اجمالي تفردها، أوتداخلها، تعبر بوضوح ويقين جليّين بأن ذلك "الشعور" الروحي، الداخلي، الذي توجزه المعاجم العربية بانه: "استعداد نفسي لادراك الخبيث من الطيب من الاعمال والاقوال والافكار، والتفرقة بينها".. يبقى الاوسم والاسمى عند الشاعر الخالد، كما يثبته في اكثر من بيت وقصيدة، في منجزه الثري، كما سنرى.. بل ويحسبه مقاييس للثبات والجرأة والصيرورة الانسانية.

ندعي ذلك وبالاعتماد على الذاكرة وحسب، اذ لم ننطلق في هذه الايجازات من سعي لتوثيق، او تحقيق كامل، أو دراسة مفصلة، بل جاء الرابط والايحاء دون تحديد او قصد، اذ تلاحقت، وتلاقحت في الذاكرة، ابيات جواهرية من قصائد مختلفة في الزمان والمكان والهدف، وفي كلها يفيض "الضمير" لفظة ومعنى وتعبيرا في مناحٍ متنوعات الاغراض، والمناسبات، وكلها تسعى لاشاعة المفردة الرمزية تلك في الوجدان المجتمعي، والشخصاني قبلها  ..

وفي سياق ما نحن فيه، وعنده، ثمة مواقف ومعطيات آخرى، سابقة أو لاحقة - ولا فرق – ومنها ما تلج الذهن، لتفرض نفسها عنوة: رباعية شعرية، في الاربعينات الماضية، حين راح الكون يشهد طفرات مهمة في منجزات العلوم، ومن بينها الطب والتطبيب، وفي انعطافات نوعية على صعيد حياة الناس.. وحينذاك يهدر الجواهري ويفيض بمكنونات عن القيم الحياتية، وثوابته تجاهها، وأولها – كما ندعي من جديد- الضمير، في تفضيل مباشر، فينظم، في حال سائل ومجيب:

قالوا قد انتصرَ الطبيبُ على المحالِ من الامورِ

زرعَ القلوبِ وشدّ اقفصةَ الصدورِ

فأجبتهم: ومتى سترفعُ راية النصر الاخيـــرِ

زرعُ الضمائر في النفوس العارياتِ من الضميرِ

وفي عام 1952 يرحل الرصافي، الشاعر المميز، وكانت له مع الجواهري وجدانيات ومواقف مشتركة في العديد من الشؤون، ثقافية وساسية ووطنية، اباح بهما الشاعران لبعضهما البعض عبر ابيات قصيد عديدة.. وقد أختار الجواهري الصفة الثقافية الانسانية الأميّز بحسب قناعاته، لتأبين الرصافي، وبمطلع يشي، بل يثبّت ذلك بجلاء صافٍ لا يقبل الكثير من الجدال:

لاقيت ربكَ بـ"الضميرِ" وأنرتَ داجية القبورِ

وأشعتَ في الأبد البهيمِ، طلاقة الأبد المنيرِ

وفي شأن بالغ التعبير، والتأصيل، ودون الاعتماد على السياق الزمني، لقصائد الجواهري، لا بدّ لنا الّأ ان نتوقف على فريدة "آمنت بالحسين" المنظومة عام 1947 لنقتبس منها دلالة إضافية على ما ذهبنا – ونذهب اليه – في التوثيق لـ"مذهب" الضمير عند الشاعر الخالد، حين اشاع في احد ابيات القصيدة مفهومه وقراءته لثورة الامام الحسن، على الظلم، وتصديه للحال والوقع السائد حينئذٍ، والتضحية الأجل، بالنفس، سبيلا لذلك .. مقيماً – الجواهري- وبأفتخار عالٍ، توجهات الثائر العديدة، مبرزاً من بينها، سعيه وهدفه لاعلاء "الضمير" الانساني المفترض، او المطلوب:

وطفتُ بقبرك طوفَ الخيالِ، بصومعة الملهم المبدعِ

كأن يداً من وراء الضريحِ، حمراءَ "مبتورة الاصبعِ"..

تمدّ الى عالمٍ بالخنوع، والضيّمِ ذي شرقٍ مُترعِ

لتبدلَ "منه" جديبَ "الضميرِ" بأخرَ معشوشبٍ ممرعِ

وتستمر رؤى الجواهري، ونزعاته في اظهار رموزية الضمير، وإعلائها على الصعيدين الذاتي والانساني، وهذه المرة عبر التأكيد على "صميمية" الرسالة – الفكرة – الموقف، اذا ما انطلقت من "الضمير" لدى السياسي والمثقف، والفرد عموما .. وحسبنا في ذلك ما ضمته لاميته عام 1991 وهو يخاطب المحتفى به، العاهل الاردني الراحل الملك حسين فيقول:

ياسيدى ومن "الضميرِ" رسالة، من حقّها بالعدل كان رسولا

ثم تتجلى الاوصاف والقناعات الجواهرية، مرة تالية وغيرها، ومن زاوية جديدة في هذه الحال التي ستلي، فيروح الشاعر يعيب، والى حد التكفير، اي خلق، وأية معرفة، ومهما علت في مرافع اخرى، ما لم تتكئ على "الضمير" وتستند اليه، وتستوحى منه، وهذا ما نراه في واحد من ابيات عصمائه الموسومة "الى الشعب المصري" عام 1951:

آمنتُ بالخُلُقِ القويمِ، وإنني، بالعلم ـ منزوعَ الضميرِ ـ لأكفـرُ

اما في عام 1969 فيقف الجواهري يوجه ويوصي من عناه بقصد محدد، او عموما، فيقول في قصيدة – رسالة، حملت صفة "مملحـة" في عنوانها، ولكنها تعج في بواطنها بالمواقف والموحيات، في خطابية صريحة الى اولئك الذين يتصورون العقوبات البدنية أو القانونية روادع للـ"الخارجين" عن المألوف والتقاليد والاعراف، أو "الوصايا" والسنن وغيرها.. ومن بينها، وهنا تحديداً: مقاضاة و"بهذلة" من كنّ يرتديّن الملابس القصيرة، مثلاً !!!.. وبشأن ذلك، ومن جديد- ودائما كما يبدولنا على الاقل- يرى الجواهري بأن كل الوعيد والتهديد، والاجراء العقابي، أو الجزائي سيذهب هباء منثورا، مالم يكن الضمير الرادعَ الاول والأخير للنفس البشرية، المجبولة في آن واحد على سمات الخير والشر:

أترى العفافَ مقاس أقمشة؟ ظلمتً إذن عفافا

هو في "الضمائر" لا يخاطُ ولا يقصّ ولا يُكافى

مـنْ لـم يخـفْ عـقبى "الضميـر" فمـنْ ســواه لـنْ يخافــــــا

وهكذا الموقف ذاته أو يكاد، وإن كان في مجال أرحب هذه المرة، يرى الجواهري ضرورة، بل واجباً، بان يبوح الانسان الحر، او المتحرر حقاً، بما يؤمن به، مواقف أو قناعات أو أفكار، حين تنبجس من الضمير، لدى المفكر المثقف والكاتب والاديب والاعلامي، وترتكز عليه، وحتى ان كان وراء ذلك التصريح - لا الايماء- ما قد يتسبب به من ايذاء ومسؤولية، وردود أفعال حقيقية أو مفتعلة، في اجواء كالتي كانت تسود البلاد العراقية اوخر العشرينات الماضية، وفي عام 1929 تحديدا :

سأقذفها وإن حُسبت شذوذاً، وإن ثَقُلتْ على الأذن استماعا

فما للحـرِ بدٌ من مقالٍ يرى لـ"ضميرهِ" فيـه اقتناعا

وإذا نتابع ما نتابع في كتابتنا، عن الموضوع ذي الشأن، تطفو في الذاكرة رائية الجواهرى، اللبنانية عام 1950 ذات التكريم والتوثيق، والايحاءات والتوجيهات الشعرية، خاصة وقد كان هناك بعض صحف أسفّت فأباحت، دون "وازع من ضمير" فتلقت جزاءها ببيت شعري هادر، ووصف يتناسب وإيذائها الاعلامي، والرأيوي- ان جاز التعبير:

وصحافةٌ صفـرُ "الضمير" كأنها، سلعٌ تباع وتشتـرى وتُعارُ

ولأن كل الأمور – كما سبق القول – تعود في مقاييس الشاعر الخالد الى الضمير، اولاً، لا غيره، ها هو متحدثا مع نفسه هذه المرة، في مقطع من ميميته الشهيرة "كوردستان.. أو يا موطن الابطال" عام 1963 التي يشكو خلالها لا هموم الاخرين وهضيمتهم وشجونهم، وحسب، بل وهمومه وشجونه ايضاً، رائياً في الجانبين تلازماً، لصيقاً، بين الواحد مع الاخر، فراح يقول:

ولقد يلذّك من شكاةٍ أن ترى، فيها "الضميرُ" بنفسه يتكلمُ

ولوطأة، وشدة قناعاته، ولربما حد المبالغة احياناً، بعلو مكانة الضمير الانساني، ومغازيه، راح الجواهري يستدرك، فيوصي نفسه، ويعني أخداناً، وغيرهم، لكي لا يُطلق العنان دون قيود للضمير النابض، دون تحسّب لقساوة المجتمعات، وبالي مقاييسها، وظلاميتها في جوانب مختلفة، مجتمعية كانت او سلوكية فردية، وما بينها، فقال في لاميته عام 1982:

ودعْ "ضميركَ" يحذرْ من برائتهِ، ففي البراءةِ مدعاةٌ الى الزللِ

وفي ضوء كل ما سبق، وهو غيض من فيض كما نحسب، يترائى لنا كم أولى الجواهري الخالد اهمية وحرصاُ بالغين في اعلان فلسفته عن "الضمير" وفهمه ومفاهيمه عن ذلكم الوازع – الشعور الانساني، ودوره الذاتي والمجتمعي والحياتي، حين يكون حياً وعندما يموت، أو مستيقظا فينام .. عندما"يستحسنُ الحسنَ" أو"يستقبحُ القبيح" .. ولقد عانى ما عانى الشاعر الخالد من جزاءات وعواقب ضخام جراء التزامه – جهد ما استطاع- بقناعاته "الضميرية" التي بقى أميناً عليها لا في اشعاره واحاديثه وكتاباته فقط، بل وفي حياته العملية، والشخصية على مدى عقود، وأولئكم أهل البيت- ونحن في صميمهم- شهود عيان على تلك الوقائع والحقائق الموثقة بكل الأدلة. ولكم راح – الجواهري، معترفاً وصريحاً اذا ما "أنشغل" عن ضميره - دينه، فسها وقتاً ما، او "راوغ" عليه وقتاً أخر.. وإحترازا من كل هذا وذاك، نراه ينشر مستبقاً من ناصب العداء أو حسد، أو تصيد هنا وهناك، فقال في نونيته المعنونة" جيش العراق" عام 1958:

أنا ذلك الفرد المخلّدُ أمةَ، في ما آصطلى، وبما آرتعى، وبما جنى

خير الشفاعة لي بأني كاشف حـر "الضمير" وقائل: هذا أنـا

ستون عاماً لم أحاول ساعة، أن اختفي عما هنالك أو هنا

والعفة الكبرى بحوزة ماجدٍ، غمروه بالحور الحسانِ، فأحصنا

وختاما لا يجوز – كما أظن - أن اختم دون أن أعيد ما سبق وأبحت عنه في سطور سابقة، بأن ثمة الكثير الكثير مما يمكن الاستدلال به، وعليه، بشأن ما أردنا التوثيق له، والكتابة عنه في موضوعة الجواهري ومتبنياته، ومفاهيمه عن الضمير، ومواقفه منه.. ولمن شاء المزيد، حرصاً وعمقاً أزيدّ، ذلك هو الديوان العامر، ذي الاكثر من خمسة وعشرين الف بيت وبيت، متوفر، ووافر العطاء. وأجدد القول بأن كل الابيات التي اقتبسناها في المتن، جئن من الذاكرة، عجولةً، وعسى أن يتمم القادرون ما هو اشمل وادق، وأكثركمالاً، في التزامات الجواهري الضميرية، وسنقول دينه الدنيوي، ولا نخف .

 

رؤى وقراءات: رواء الجصاني

 

 

أدنـَى صِفة المُحِبّ أن لا يفارقَ فكرهُ المَحبُوب، فهُو دائمُ التعَلق بشكلهِ ودَائمُ الاستحضَار لمَحَاسِنِهِ وصِفـَاتهِ وَمَزَايَاهُ وعَقلهُ لا يفارق خيالهُ وصُورَتـَه، وهذا الاستحضَارُ لا يعدو أن يكونَ تعلقـًا بذات المَحبُوب وشوقـًا إلى مُعَانقتِهِ ومُشـَاهَدته مُشاهَدة عَينيَّة لا قلبيَّة، ومعانقته عِناقـًا جَسديًّا لا عناقـًا رُوحيًّا تسكرُ فيه الأروَاح فِي انتشاءٍ  وتذوبُ فِي معاني الفنـَاء الصُّوفي.

وأعلى صِفة المُحبّ أن لا يفارق قلبُهُ المَحبُوب فهُو يطلب رُوحَ المَحبُوب لا ذاته ويهيم انصهَارًا فِي بَوتقة رُوحِهِ الوَضَّاءَة بعيدًا عن ذاتهِ التِي لا يرى فيها قلب المُحبِّ العَارف بأسرار المَحبَّةِ إلا حجَابًا وستارًا يُعيق الرُّوح من الاتحَاد الذِي يعَدُّ غايَــة الأروَاح الهَائمة وغايَة القلوب المشتاقـَة المَكلومَة إلى مُلازمة المَحبُوب مُلازمَة أزليَّة، لأنَّ فلسفـَة العِشق الاتحَادِي الذي تأثر به الصُّوفيّة وكانُوا الدعَاة إليه، يَعنِي الخـُلودَ الأزلِي حيث تعُود الرُّوح بعد رحلةِ شقاءٍ في عَالم المادة إلى عَالم الروح حَيث الصَّمديَّة الإلهية والوحدانيَّة الرَّحمَانية التِي ليس كمثلها شَيء، فالصوفي يؤمن بالاتحاد ولن نستغربَ إذا مَا رأينا بعضَ كبَار الصُّوفية يَسْخرُون من الجَنــَّة والنـَّار ويزدرونَ الفردوسَ وحُورَهَا وعَسَلهَا الصَّافي، ولا يهَابونَ النار وحَميمهَا وجَحيمهَا المُستعِر إنمَا يطلبونَ الله ويهَابونه ويخشونهُ.. وتعدّ هَذه التجربة الصُّوفية أعلـَى مَرَاتب المَحبة والعشق الإلهي الجَليل، التي تجعَلُ مِن الله الغاية المُثلى، فالعارفة بالله (فاطمة النيسابورية) كانت تقـُـول: '' لان أدخلني الله النار لأخذن توحيدي بيدي''  وفِي هذه المقولة إشَارة لطيفـَة تنطوي على مَقام التوحيد التي بلغته هَذِه العَارفة بالله والذي يعكسُ إيمَانها وتعلقها لدرجة أنهَا لو أدخِلت النار لظلت مُتمسِّكة بالتوحيد الإلهـِي، وهَا هِيَ العَارفة بالله (ريحانة الوالهة) تتغنى ببيتٍ نعرفه جميعًا:

ليس سُؤلِي مِن الجنـَان نعيمٌ    غيرَ أنـِّـي أريدُ أن ألقـَـاكـَا.

فجُلُّ الصُّوفية يَتجَلى عِندهُم مَفهوم العشق الاتحَادِي بصُورةٍ أحيانا قد تكـُونُ مُبَاشرَة من خلال مَعنى طلب الله لذاتِهِ وأحيانـًا عَبر الزُّهد في النعيم الذي وعَد الله به عبَادُه، ويعتبر الصُّوفية الكبَار أن المريد الذي يعبد الله طمعًا في الجنة أو رهبًا من النار، إنما يعبد طمعَهُ وخوفه، فكأنما صَيَّر الجنة أو النارَ ربًا له، فعبادتهُ حَسبَ العَارفين بالله عبَادة شِركيَّـة مَردُودَة فيهَا من الشـٍّرك الخفي ما يَجعلُ المَرء لا يطلب الله حبًا وشوقـًا وهيَامًا به وإنمَا خوفـًا منه وطمعًا في جنته، ولذلك كانت تربية العَارفين لمُريديهم تقومُ عَلى  هَذا المَعنى الجَليل والعَميق والرَّقـيق، الذي يرفعُ المُريد ويرتقي به فِي مَدَارج المَعرفة الإلهية حتى يبلغ مَقام التوحِيد الشُّـهودي، أو توحِيد الفنـَاء، حَيث يفنى المُريد عَن نفسِه وذاتهِ وكونِهِ ولا يَرَى ولا يبغِي غير الله عَز وجل فهو في سُكر ليَس يصحُو مِنه إلا بمُلاقاة الله عز وجَل. 

 

الترجمة الحرفية – مطر الاحجار في الوطن افضل من مطر الذهب في الغربة. 

التعليق – موضوع الغربة وعذاباتها وقسوتها ينعكس في امثال مختلف الشعوب، وكلها تصب في معنى واحد، وهو- ان الغربة تعيسة مقارنة مع الوطن حتى ولو كان (مطرها من الذهب !) كما يقول المثل الاندونيسي هنا.  كلنا نتذكر - 

بلادي وان جارت عليّ عزيزة ....

+++++

الترجمة الحرفية – الثمار يأكلها ليس دائما ذاك الذي زرع الشجرة.

التعليق – يقول مثلنا العربي في هذا المعنى المباشر -  زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون، وربما هناك معنى مجازي لهذا المثل الاندونيسي وهو ان (الثمار يأكلها) – في كثير من الاحيان – اناس آخرون غرباء عن الذي (زرع!) الشجرة المثمرة وبذل جهدا في رعايتها، اما هؤلاء فلم يبذلوا أي جهد في زراعتها.

+++++

الترجمة الحرفية – بعد موت النمر يبقى جلده، وبعد موت الانسان يبقى مجده.

التعليق – لا شئ يبقى عند موت النمر سوى جلده، اما الانسان فيبقى عمله الجيد، والذي يجمله الحديث الشريف (صدقة جارية اوعلم ينتفع منه او ولد صالح يدعو له)، وكلها تعني طبعا مجد الانسان.

+++++

الترجمة الحرفية – ضفاف بحر العسل من السكّر.

التعليق –  الصورة الفنية في هذا المثل جميلة جدا وذات خيال مدهش. من الواضح تماما ان هذا المثل يؤكد على التفاؤل والانشراح، ف (بحر العسل) يجب  ان  يحيطه  (ضفاف السكّر)، في الخيال وفي الطبيعة وفي قوانين الحياة الاجتماعية ايضا.  لنتذكر الآية الكريمة - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ...

+++++

الترجمة الحرفية – في الثغر الحلو سم أفاعي.

التعليق –  يقول مثلنا باللهجة العراقية – (بالوجه مرايه وبالكفه سلايه) (مرايه – مرآة // الكفه – الجانب الآخر الداخلي للشئ // سلايه – اشواك). الصورة الفنية للمثل  الاندونيسي هنا  جميلة جدا  وواضحة بكل معنى الكلمة  ودقيقة وحاسمة.

+++++

الترجمة الحرفية – اذا كان الماء هادئا، لا تظن انه لا توجد فيه تماسيح.

التعليق – يقول المثل الروسي  - المظهر الخارجي خدّاع، ويؤكد المثل العربي ان (الحذر يقيك الضرر). المثل هنا يرتبط ارتباطا وثيقا بالطبيعة الاندونيسية بلا شك.

+++++

الترجمة الحرفية – وفي عاج الفيل توجد شقوق.

التعليق –  يوجد مثل باللهجة العراقية يقول – حتى الكمر بيه لوله (الكمر – القمر // بيه – به // لوله – عيب او نقص).

+++++

الترجمة الحرفية – النار الصغيرة – صديق، النار الكبيرة – عدو.

التعليق – توجد امثال عربية عديدة في هذا المعنى، منها – الزائد كالناقص // كل شئ يزيد عن حده يصير ضده... . الصورة الفنية  في هذا المثل الاندونيسي ترتبط بالنار، و الصورة هذه – بالتالي - واضحة المعالم  ومفهومة جدا لكل انسان.

+++++

الترجمة الحرفية – اجلسته على كتفي، فأراد ان يجلس على رأ سي.

التعليق –  يقول المثل باللهجة العراقية -  كعدته وراي مد ايده بالخرج  (اجلسته ورائي فمد يده بالخرج اي  بكيس النقود).

+++++

الترجمة الحرفية – الخداع يؤدي الى الهلاك.

التعليق – الذي يعيش بالحيلة يموت بالفقر، هكذا يقول مثلنا العربي . 

+++++

الترجمة الحرفية – لا يفترقان مثل النار والدخان.

التعليق – تستخدم امثال الشعوب ظواهر الطبيعة لتجسيد صفة الارتباط الوثيق بين البشر، وهناك صور عديدة في هذا المجال، منها مثلا – (الابرة والخيط  في المثل الروسي – اينما تسير الابرة يتبعها الخيط //، الدلو والحبل في المثل العربي ...

+++++

الترجمة الحرفية – تخلّص من اسنان التمساح ووقع في فم النمر.

التعليق-  امثال عربية عديدة في هذا المعنى، منها  - هرب من المطر ووقع تحت المزريب // هرب من الدخان وسقط في النيران // ....الا ان الصورة الفنية في المثل الاندونيسي هنا أكثر قسوة ورعبا ...

+++++

الترجمة الحرفية – لن يصبح الغراب ابيضا  حتى لو يغتسل بماء الورد.

التعليق – يقول المثل العربي  - كثرة الغسيل ما تبيض الفحم، ويقول المثل الروسي -  الكلب الاسود لا يصبح ابيضا بالغسل .

 

 

 

الجزء الأخير (2016): أليس الجامحة و"الملكة الحمراء" الصغيرة الرائعة وجحافل الزومبي المتوحشة والفوضى القتالية الممتعة!

أليس (ميلا جوفوفيش) هي الناجية الوحيدة من بقايا الانسانية من مواجهتها المصيرية مع جحافل الزومبي المتوحشة (الموتى/ الأحياء)... تتحرك الان هذه الفتاة الشقراء "الجميلة" الجامحة عائدة لموقع "الكابوس" الأصلي في راكون سيتي، حيث تتجمع هناك قوى "شركة المظلة" للهجوم الأخير على البشر المتبقين من معركة الجحيم، انه رعب وخيال علمي شيق من كتابة واخراج "باول أندرسون" (زوج ميلا جوفوفيش الحقيقي)، وبطولتها الكاسحة مع كل من ايان جلين، علي لارتر، روبي روس، ايوين ماكن  ووليام ليفي...انها النسخة الأخيرة من السلسلة الطويلة القديمة، وفيها يتم خداع أليس واصدقائها من قبل المتآمر الحاذق ألبرت وسكر (شون روبرتس)، الذي ينجح بتجميع قوى"المظلة" للقيام بالهجوم الأخير على الناجين.

تبدأ القصة من أن الدكتور "جيمس ماركوس" المؤسس الأصلي لشركة المظلة، كان له ابنة صغيرة تحتضر من الشيخوخة المبكرة، وقد وقع اتفاقا مع الدكتور "تشارلز أشفورد" على اعتماد "الفيروس تي" (المصنع مخبريا) كوسيلة علاجية لكافة الأمراض، وعندما رفض ايزاك (ألبرت ويسكر) استخدام هذا الفيروس لأغراض عسكرية خاصة، تم الايعاز بالتخلص منه.

تخبر الملكة الحمراء (الطفلة ايفر جابو، وهي ابنة ميلا ذات التسع سنوات) بأنه يتوجب عليها العودة سريعا لمدينة "راكون" خلال 48 ساعة، حيث نجحت منظمة "المظلة" بتطوير "أنتي فايروس هوائي" قادر على قتل كافة الأحياء/الأموات المصابين بفيروس "تي" لضمان نجاة البشرية...وفي الطريق يأسرها "د.اسحق" (ايان غلين)، ويخبرها ساخرا بأنها سبق وقتلت مستنسخا عنه، ثم يربطها بعربة مصفحة كبيرة لتركض مهرولة وتتبعها "جحافل الزومبي" للقضاء عليها، ولكنها تنجح بمهاراتها "القتالية- البهلوانية" من الاستيلاء على دراجة نارية محمولة لتصل بسرعة لمشارف مدينة "راكون" المدمرة...لتنتقل الى ما يسمى" جحر الأرنب" الذي هو بمثابة خلية سرية تحتوي على ترياق لعلاج الفيروسات القاتلة، التي حولت معظم سكان العالم لزومبي متوحشين (الأحياء/الأموات)، ثم نسمع خطابا شوفينيا لايزاك المصاب بجنون العظمة يبلغنا فيه بأنه عازم على تطهير المعمورة من بقايا الجنس البشري من اجل التمهيد لحكم أقلية مختارة، مبررا ذلك بتهديدات الارهاب العالمي المتزايد والتلوث والمجاعات والازدحام السكاني والآثار الاجتماعية المرعبة المترتبة على ذلك!

تفوقت "جوفوفيش" هنا على كل من "كيت بيكنسيل" في "العالم السفلي" وكذلك ربما على "سيغورني ويفر" المبدعة في فيلم "الغرباء"، حيث انعكست ملامح شخصيتها في وجهها الذي تحلى بالنبل والمعاناة والعزلة والغموض كما الحزم والصبر، هذا الفيلم مسلي لحد بعيد بحيث يمكن ان يشاهده المرء أثناء ركوبه الطائرة ثم ينساه كليا، انه كذلك فيلم "تدريبي" نموذجي  لمثل هذا النوع المدمج من أفلام الرعب والأكشن والخيال العلمي، فلا يحتاج المرء فيه لسماع السرد اللغوي والحوار المعهود، كما أنه مخصص تماما للنجمة "جوجو فيش" ولا يمكن تخيل ممثلة اخرى في هذا الدور الصاخب المليء بالحركة البهلوانية الرشيقة ببعده البطولي المزمن لانقاذ كوكبنا البائس حقا من مصيره الجحيمي المتوقع.

الشريط يعتبر استنساخا انسانيا متقنا ومعبرا للعبة الفيديو الشهيرة، وهو كذلك يظهر مهارات "أليس" الخارقة في القتال والحركة بمواجهة شتى الأعداء المتربصين من قتلة وزومبي وتنين محلق وكائنات كلبية وحشية شنيعة...نعود ثانية لمدينة الراكون المدمرة وخليتها المركزية، ومع وجود ما يقل عن 5000 شخص فقط متبقين على وجه المعمورة، وهم يلاحقون بضراوة من قبل جحافل الزومبي المصابين بفيروس "تي"، والصراع المحتدم للوصول اولا لكبسولة مكافحة الفيروسات المخبأة في أحشاء "الخلية" (التي تقع في الجزء السفلي من فوهة بركان)، والتي هي بمثابة الأمل الوحيد لانقاذ الجنس البشري خلال 48 ساعة فقط، وذلك قبل أن تهجم جحافل الزومبي الهائجة والجائعة وتقضي على البشر المتبقين، وتبقى "أليس" الوحيدة القادرة على انقاذ العالم، حيث يتم بعد دخولهم لانبوبة الهواء الضخمة المؤدية للخلية، تنشيط الكهرباء وتشغيل المراوح الهائلة التي تولد ضغطا سالبا كبيرا يؤدي لسحق احدهم، ثم ينجحون بزرع قنبلة داخل الخلية، وتتزاحم الأحداث في المشاهد الأخيرة المتلاحقة، فتفجر أليس قنبلة يدوية في جيب "ايزاك" مما يحدث انفجارا كبيرا، حيث تسترد أليس "كبسولة مكافحة الفيروسات" المطلوبة، وتطلقها في الوقت الملائم لتقضي على جحافل الزومبي المهاجمة، ويتزامن ذلك مع انفجار الخلية وقتل من بداخلها... لقد أبدعت الوجوه الجديدة: ايان غلين، علي لارتر، وشون روبرتس بأدوارها، ولكنه بقت بالحق ضائعة تدور في فلك البطلة الرئيسية المثيرة للانتباه والاعجاب، كما نجح المخرج الفنان من "تغييب العقل والمنطق" ببراعة، فبقينا منشدين بغرائزنا الفضولية لمشاهدة الأحداث المتلاحقة والحابسة للأنفاس، كما زاوج ببراعة ما بين لعبة الفيديو والملاحقات الضارية للاستيلاء على"كبسولة الفيروسات العلاجية" في رعب حركي شيق  لما يقرب الساعتين، وكما استهل الشريط بمشاهد التنين الوحشي وهو يلاحق نجمتنا فقد اختتمت المشاهد بتنين آخر يلاحق بطلتنا ليخفق بالقضاء عليها على مشارف ناطحات السحاب المتداعية في مدينة "الراكون".

 أبدع الممثل "شون روبرتس" بدور "ألبرت ويسكر" القاتل البارد النموذجي اللامبالي، ونراه يسحق ساقه وينزف ولايبالي فيستمر بالصراع مبلغا "أليس" بأنها مجرد استنساخ متقن لأليس الحقيقية، ثم يتبدد بؤسها وحزنها في آخر الشريط عندما تزودها "الملكة الحمراء الصغيرة" بذاكرة جديدة حية لتحفيزها من جديد للقيام بمهامها البطولية المزمنة ... ولكن الفيلم لا يغفل أن يلقي علينا محاضرة قصيرة مجازية تتحدث عن "فساد" رجال الأعمال المعهود وتقصيرهم ولامبالتهم وأنانيتهم تجاه مشاكل العالم المتضخمة، وبالرغم من حماس المخرج ونجمته المفضلة الا أن الفيلم يفتقد للطاقة والزخم والمبررات المنطقية الأصلية في المواجهات الحاسمة، حيث سادت شحنة كبيرة من الغضب والفوضى والارتجال مع الحد القليل للرؤيا الخلاقة، كما تفاوتت أراء النقاد ما بين الضعيف والمتوسط، الا اني رأيت فيه كما كبيرا من التسلية والفوضى والتشويق المشهدي والفذلكات التأثيرية المدهشة!

 

مهند النابلسي

 

الحال اسم يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به، أو غيرهما، ويكون الاسم –عادة- نكرة، يجيب عن (كيف):

كيف سمعتَ الصوتَ؟

سمعت الصوت عاليًا، فــ عاليًا- حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة.

كيف بدتْ عائشة؟

 بدت عائشة مهمومةً. مهمومةً- حال منصوب.

كيف أقبل الطلاب؟

أقبلوا مستعدين. مستعدّين- حال منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.

..

ما يهمنا في الحال هو الذي يرِد منصوبًا، ويكون مفرَدًا (أي ليس جملة، وليس شبه جملة).

فهو الذي يظهر في علامات الإعراب، والشكل هو أهم ما يهمنا في قواعد اللغة.

لاحظ الجمل التالية التي تنتهي بالحال، وعليها قِس:

 

وقف الطالب بشوشًا.

وقف الطالبان بشوشَين.

وقف الطلابُ بشوشِين.

وقفت الطالبة .....

وقفت الطالبتان ......

وقفت الطالباتُ بشوشاتٍ (منصوب، وعلامة نصبه الكسرة، لأنه جمع مؤنث سالم)

...

 لاحظنا أن صاحب الحال (الطالب) معرفة، وأن الحال تطابق صاحبها في الجنس (المذكر والمؤنث)، وفي العدد (مفرد- مثنّى- جمع).

..

للتدريب:

صرّف على نحو الجملة السابقة:

العامل يشتغل نشيطًا.

قدّرت الصديقَ مجدًّا.

....

ملاحظات:

1- قد يتعدد الحال في الجملة:

قرأت الكتاب باحثًا مستقصيًا مدركًا أهمية ما فيه.

مستقصيًا- حال ثانٍ (أو ثانية، فلفظة "حال" تُذكّر وتُؤنّث).

2- عادة تكون الحال اسمًا مشتقًّا (أي وصف)، وقد رأينا ذلك في الجمل السابقة (عاليًا، مهمومةً، بشوشًا، نشيطًا، باحثًا..)، ولكن قد ترِد أحيانًا  اسمًا جامدًا:

عرَفت السياسيَّ ثعلبًا- (الجامد هنا "الثعلب" يُؤول بالمشتق، أي يعني الوصف= ماكرًا).

توقف الرياضي بغتةً (بغتة ليست وصفًا، بل هي مصدر- اسم جامد، وهو يؤول بالمشتق- يعني الوصف= مباغتًا)

...

نعرف أن الحال قد تأتي جملة، نحو الجملة الفعلية "يزقزق هو" في قولنا: طار العصفور يزقزقُ، ولكن لا أرى أهمية لغير الشكل، فالفعل "يزقزق" هو مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر.

وكذلك في الجملة الاسمية "هو عابس" في قولنا: حكم القاضي وهو عابس،

 فما يهمنا هو شكل (عابسٌ) خبر المبتدأ (هو)، ومثل ذلك: أقلعت السفينة والركاب نائمون، فـ "نائمون" خبر الركاب.

وكذلك في شبه الجملة: باع التاجر العنب على كرمه، فما يهمنا هو شكل (كرم) المجرورة بـ (على).

باختصار: نحن في غنى أن نقول إن الجملة (أو شبه الجملة) في محل نصب حال.

 

3-  انتبه إلى أن الحال تأتي عادةً نكرة بعد معرفة:

رجع الكذوب خائبًا، خائبًا حال. (خائب نكرة بعد "الكذوب" المحلاة بالتعريف).

ولكن رجع الكذوب الخائب، الخائب- نعت مرفوع (لأن الخائب معرفة)

مرة أخرى:

تأتي الحال هنا نكرة بعد معرفة.

..............

هناك ألفاظ ترد حالاً: 

حضر وحدَه (ولا نقول لوحدِه).

جاء الناس كافّةً (قاطبة، طُرًّا، عامَّة، جميعًا)

قمت بذلك (أدبيًا، عمليًا، مادّيًا، خطأً، سهوًا، نهائيًّا، فجأة، بغتة، عوضًا عن..)

 

ما أكثر ما قيل في الحظ، أو الجَـدّ، وأنه هو السبب في النجاح أو الخيبة.

هناك من يخلط بين القضاء والحظ، وحقيقة فثمة إشكالية في الموضوع، فالمؤمن يؤمن أن كل شيء مقدّر، فليس هناك "حظ"، وإنما هو قضاء  وقدر من الخالق {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}- التوبة 9.

لكن الحياة اليومية والواقعية جعلت الناس يؤمنون بالحظ، فله تأثيره  وفعاليته في المجتمع، وحتى الإمام الشافعي يعي ذلك، ويذكر ما يئول إليه "المجدود"- أي المحظوظ، وكيف يكون حظ المحروم:

فَإذا سَمِعْتَ بِأَنّ مَجْدُودَا حَوَى  ***  عودًا فأثمرَ في يديهِ فصدِّقِ

وَإذا سَمِعْتَ بأنَّ مَحْرُومًا أَتَى  ***  مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاضَ فَحَقِّقِ

لَوْ كانَ بِالْحِيَلِ الغنى لوَجَدْتَنِي ***  بنجومِ أقطارِ السماءِ تعلُّقي

..

والمتنبي يؤكد لنا صعوبة الحصول على الحظ والفهم معًا:

وما الجمع بين الماء والنار في يدي ***بأصعب من أن أجمع الجّدَّ والفهما

الحظ إذن يحابي الحمقى والمغفلين – كما يرى-.

 ولابن الرومي في الحظ، وقد رأى في هجائه لأبي الصقر أن الحظ له كيمياء وسحرًا ما:

عجب الناس من أبي الصقر إذ *** ولي بعد الإجازة الديوانا

إن للحظ كيمياء إذا ما *** مس كلبًا أصاره إنسانا

..

أماالمعري فله قول حاسم:

لا تطلبن بغير حظٍ رتبةً *** قلم البليغ بغير حظٍّ مِغْزَلُ

سكن السِّماكان السماء كلاهما *** هذا له رمحٌ وهذا أعزل

_

السِّماكان هما نجمان نيّران، أحدهما  في الشمال- السِّماك الرامح، والآخر في الجنوب- السماك

الأعزل.

...

ومن الشعر الحديث قرأت للشاعر الأردني سعيد يعقوب:

أوفى أمانيكَ أقصى عنك من زُحل *** فالنُّجحُ بالجَـدِّ لا بالجِـدِّ والعمل.

..

من الطرائف في هذا الباب:

التقى أحد الكتاب رئيسًا له، وكتب له:

خطّي أحسن من خطك، فأنا أحق بالرياسة منك.

رد عليه الرئيس:

انقل النقطة من الخاء إلى الحرف الذي يليه:

حظي أحسن من حظك فأنا أحق بالرياسة منك.

..

من شعر اليأس إزاء الحظ ما قاله الشاعر السوداني إدريس جمّاع (توفي في الستينيات من القرن العشرين):

إن حظـي كدقيق *** فـوق شـوك نثروه

ثـم قالوا لحفاة *** يـوم ريح اجمعوه

صعب الأمرعليهم *** قلت: يا قوم اتركوه

إن من أشقاه ربي ***  كيف أنتم تسعدوه

...

لكثرة شيوع الحديث عن الحظ والحظوظ كثرت الأمثال الشعبية:

حظه يفلق الصخر. (كناية عن نجاحه القوي)

الدنيا حظوظ.

اللي ما له حظ لا يتعب ولا يشقى.

اللي له حظ لا يروح ولا ييجي.

حظك نصيبك غيره ما يصيبك.

 

حظ العفنة بالحفنة

وفي أمثال عالمية:

ديك المحظوظ يبيض.

عجلة الحظ لا يدفعها إلا العمل.

يجب أن نعامل الحظ كما نعامل الصحة نتمتع به إذا توفر، ونصبر عليه إذا ساء.

  • الكسالى والفاشلون سيجعلون الحظ "الشماعة" التي يعلقون عليها أخطاءهم وفشلهم في الحياة.

...

وهناك من يلفظ كلمة (بَخْت) بدل (حظ)، وكلمة (بخت) هي فارسية عُرِّبت، ولا شك تعرفون المثل: "على بخت الحزينة سكرت المدينة"، و "سبع صنايع والبخت ضايع".

وهناك من يستخدم كلمة "نصيب"، ومن الإنجليزية " شنص".

 

 

 

أمَرتُهمُ أمْري بِمُنْعَرَجِ اللِّوى – فَلَمْ يَستَبينوا الرُّشدَ إلا ضُحى الغَدِ

وَهلْ أنا إلا من غُزيّةَ إنْ غَوَت – غَوِيتُ وإنْ تَرشُدْ غُزيّةُ أرشدِ(*)

نسمع أحياناً أغنية فتدخل من الأُذُن اليمنى وتخرج من اليسرى فلا تحرك فينا نأمة ثم تسمعها نفسها بكلماتها ولحنها في وقت آخر فتحرك فينا المشاعر، وتهيّج عواطفَ كنا نحسبها ماتت، وتنشط فينا أحاسيس خامدة ثم تستقر في خاطرنا ونود لو نسمعها أكثر وأكثر.. وما تفسير الأمر بشائك، فنحن لا نسمع بآذاننا بل بنفوسنا وأمزجتنا، وقد قالت العرب صادقة: إذا طابتِ النفوسُ غَنّت..

والبيتان قرأتهما وأنا مراهق في أحد كتب طه حسين، مرَّ عليهما كريماً حتى لم يذكر قائلهما، والدكتور عندما يستشهد فلا أحسن منه، تشفع له أُذُنٌ مرهفة تلتقط كلّ ما هو صائت أو هامس موسيقياً وكلّ ما هو ذو معنىً شأنه شأن المكفوفين الذين يحسنون السمع لا بآذانهم فحسب وإنما بنفوسهم بل قل بأفئدتهم ولا تخف.. وحُسن الاستشهاد باب بلاغي شأنه شأن المحاسن الأخرى البلاغية من حسن التخلص وحسن الانتقال وحسن الاستهلال وحسن الختام...

حفظت البيتين واستعنت في البيت بمُعلّمي، لضبطهما نحواً ووزنا.. وبقيت أرددهما، أقرؤهما بصوت عال حريصا على إخراج الحروف من مخارجها.. ولم أقع يومها على أسرار جمالهما..حتى إذا أخذت نصيبا يسيراً من الشعر اكتشفت إن فيهما تفاعل الأصوات المنخفضة اللينه والحرووف الجوفاء الممدودة واكتشفت أنّ، توالي الميمات الثلاث في الصدر الأول وهو حرف شفوي معتدل الجهر يقترب أحيانا في مخرجه الهوائي من الأنف  Nasal letter ؛ وحرف الغين الرخوي اللهوي ذو اهتزازات خفيفة تخفف من جهره، الذي تكرر فأعطى وقعاً  على الأذن مميزاً في تَعاقب المفردات أي ما يُعرَف بالتَّكرار البلاغي: غزية لمرتين، وغوت وغويت.. ثم حروف المدّ في الألف المقصورة اللوى وضحى ، ثم صيغة الاستفهام الإثباتي: وهل أنا إلا... ويكون جوابه المضمر الإيجاب على خلاف الاستفهام الإنكاري الذي جوابه المضمر النفي..

والبحر هنا هو الطويل حامل ثلث ديوان العرب، وأي ثلث؟ ذالك الذي فيه روائعهم، فهو بحر النفَس الطويل والهيبة غير قابل للتجزيء، وهو بحر تام بالضرورة ومركب من تفعيلتين، فعولن و مفاعيلن.. هو مختبر لكل شاعر يريد أن يثبت تمكنه، وهو يقابل في هيبته مقام الرست الذي هو مختبر لاي قارىء مقام.. أذكرُ ونحن في الجامعة طالبيْن شاعرين قد ركبا بحره وتمكنا منه هما عبد الإله الياسري وسعد الرمّاحي وآخرين منهم سهر العامري.

ومن المفارقات أن الشاعر نِزار قباني قد أقحمه في قصيدة تحمل اسم هذا البحر إقحاماً ولم تكن منه "على البحر الطويل" وتوخياً للدقّة  فإن اسماء الأبحر تكون على الإضافة لأوزانها، فنقول بحر الطويل، وبحر الكامل...الخ، وأنقل القصيدة هنا لأُريَ أن الشعر أحياناً وفق مبدأ" وكل ما يفعل المحبوب محبوب"، وإلا لو ألقاها شاعر مبتدأ لأُنزِلَ من المنصة بدون رفق، فلنسمع ماذا يقول الشاعر الراحل نزار قباني:

"افرشي شعرك فوقي

مثل غابات النخيل

فأنا يُعجبني النظم على البحر الطويل

لستُ رجعيّاً بطبعي.. إنما

 أشتهي رائحة البن.. وطعم الزنجبيل...

يرحلُ المشطُ وقلبي معه..

إن من أغلى هواياتي الرحيل.."

وعودة الى بيتي دريد لأقول، فُتِنت بالبيت الثاني الآسر وحسبت أن الشاعر ابن الصِّمة  يعبر عن عن حبه الذي يُصِّمُ ويُعمي، بحبيبته غُزية وحسبت انه يُصغِّرُ اسمها للتحبيب، ويكرره تَكرار العاشق، ويجعله بلاغياً في "رد العجز على الصدر" من باب تاكيد الحب! كل هذا مع غموض في البيت الأول لا أشغل نفسي به فمن هؤلاء الذين نصحهم فلم ينتصحوا إلا بعد لأيٍ غير قصير أمَدِه ضحى اليوم الثاني؟!

وعندما انقشعت السحب تبين هذا الذي فَتَنَ المراهقَ في حبه هو فارس شيخ نيّف على المائة من عمره، وإن غزية لم تكن معشوقته وإنما عشيرته، وعلى وجه الدقة جَده السابع، وهكذا ارتفع رصيد البيت الأول -عند ذاك الذي لم يعد مراهقاً- الذي أصبح يردًّد على كل لسان حين تُشكل الحياة وما اكثر ما تشكل الحياة!! فغدا البيتان شاهدان في مواضع متكررة على مرّ العصور، حتى لأحسب أن البيتين قد قيلا وخُصّ بهما  عصرُنا هذا، وما غزية إلا شعبنا الذي نعشق وننحاز له من حيث لا ينفع الانحياز أمام من جاءت بهم الصُّدَف الضالة ويالها من حكمة بلهاء!!

قتل دريد بن الصِّمة في معركة حنين سنة 8ه، حين خرج مع قومه مُظاهراًلأعداء المسلمين، فقد أدرك الإسلام ولم يُسلِم، بل وقف معاديأ حتى الرمق الأخير. فقد توسموا فيه الحكمة والشجاعة والفروسية، وحين أبدى رأيه ونصيحته  في عدم النزول في منعرج اللوى منعه مالك بن عوف  عن مشورته كي لا يعلوَ ذكرُه..

وقد قال دريد قصيدته المريرة التي يستهلها:

أرثّ جديد الحبْل من أمِّ معبدِ – بعاقبة قد اخلفت كلّ موعدِ

وبانت ولم احمَد غليك جوارها – ولم تُرجَ منّا ردّة اليوم أو غدِ

أعاذلتي كلُّ امرىءٍ وابن أمّه – مَتاعٌ كزاد الراكبِ المُتزوِّد

أعاذلُ إن الرزء أمثال خالدٍ – ولا رزءَ مما أهلك المرء من يدِ

 

 

خالد جواد شبيل - رام كم هنغ

.....

(*) هذه مقالة من سلسلة مقالات انطباعية مختصرة على مدونتي بعنوان "فيسبوكيات"، أنشرها لعل فيها فائدة تُرتجى/خ.

 

         

 

 

حين يتعلق الإنسان بالأمل في الوجود الإيجابي، حين يوجد من أجل حياة أفضل، حين يسيطر على كل إحساس بالضعف، حينها يقهر الظروف وكل تفاعل سلبي معها، حينها تظهر قوته على التحدي وعلى التجاوز بل التعالي أو التسامي. إنه الشموخ الإنساني الذي نجد فيه همة وسمو وعظمة.

كلما صعد الإنسان القمم أدرك ضعفه وعلم أنه كان نقطة تكاد لا ترى بالعين المجردة. وحين استطاع أن يتنقل عبر الفضاء أدرك كم كان تخوفه من السحب مجرد سحابة ذهبت ولم تعد بعد اختراقه لها.

إحساس الإنسان بالقوة أمام الظروف هو ما قد يميز بين بعضنا البعض، بل هو ما قد يجعل للصمود معنى، إيمانا منه أنه قلب الأسد المغوار، قلب ملك الغاب الذي لا يهاب صمت الغابة المخيف، ملك الغاب الذي إن زأر أخرج قدراته الكامنة فيه مظهرا سر قوته، وهي وسيلته لإثبات وجوده وتفرده كوجود قوي قاهر لكل الظروف.

قلب الأسد هو مفهوم مجازي يشير إلى القوة الكامنة في كل واحد منا والتي على ما يبدو قد تصبح في طي النسيان والتجاهل، كل واحد منا أسد في قلبه من الصمود ما يكفي ومن الشجاعة والإقدام على المواجهة ما يبهر وحوش الغاب. فهل هي قوة على المواجهة أو قوة الإيمان بالقدر المحتوم؟ وهل إحساس الإنسان بقوته هبة معطاة لدى البعض دون غيره؟ أم أنها صفة يقويها البعض وتتقوى مع الأيام؟

قد يشكو البعض من قساوة الظروف ومن الحرمان، وكأن من حقهم التمتع بما يتمتع به الآخر حينها تفوق رغبة الفرد إرادته وتتحول إلى إحساس بالعجز أو بظلم القدر، فينعم بالاستكانة ما يكفي ليترك أحلامه وراءه ويتحول فكره إلى نوع من العصيان، فتشح عاطفته على نفسه وعلى غيره ليعرف ببخل العطاء فيحول حياته لجحود وجمود ثم نرى في حديثه سخط ونقم، ونسمع نبرة ضعف تجتاح صوته. لقد أقفل كل أبواب الانتظار، كبح كل الرغبات وتنحى عن كونه كائن راغب بامتياز.

 كان على الانتظار أن يستمر لتستمر معه الرغبة في الحياة، هو انتظار لأمل بعد عمل، ولكن ظن أنه وهم من الأوهام سطره التفهاء من البشر،  وقرر أن الأماني ماهي إلا أوهام نسينا أنها أوهام من كثرة الحديث عنها، ومن تم يبقى أن الانتظار ما هو إلا جري وراء الوهم ورغبة في ملاحقته...

والحقيقة لن يكون هذا سوى ضعف فيل قوي الجسد زرع فيه قلب ميت، يمشي مستعرضا عضلاته المفتولة تظهر جمالية الجسد في شبابه وعظمته، لكنها تخفي شيخوخة تخلو من كل حياة تدخل البهجة والإحساس بالمتعة والفرح.

 لقد شاخ الفرد وإن كان في عز شبابه، نراه يمشي بانكسار وضعف حتى وإن أمتعنا الجسد في مظهره الخارجي لكنه أخفى عنا جوهرا لا علاقة له بجوهر الإنسان ككائن يخلق ظروفا غير الظروف ويصنع عالمه الممتع بلغته وقدرته على التخيل والتصور والتخطيط لعالم أفضل، كائن أثبت جدارته باستحقاق كمبدع أو كمخترع...

 وهكذا فالعصيان هو عصيان للذات ولقدراتها وأحقيتها للسعادة هو تجاهل لصوتها ودفن بمراسيم معلنة وفق عقل لاعنا الظروف والأحداث ... للأسف يبقى كل شيء عند الإنسان بالعقل، كل شيء مبرر ولكن بأية لغة غير لغة المتشرد الضائع الذي يهجو الزمان ومن فيه...

قلب الأسد رمز لكل قوة كامنة في الإنسان، حين تشتد الأزمات في حياة كل فرد منا وتتراكم المشاكل ينتفض مستنكرا كل الظروف ومعترفا بنفسه وبقدراته وكأنه يقول: "أنا قلب الأسد الذي لن يقهر". وكأنه يقول: " أنا لازلت موجودا، وأنا من سيطبع هذا الوجود بتجاهل الألم رغم قساوته، بل سأجعله الطعم الذي لا بد منه لتذوق السعادة، علي أن أعلم أنني فقط أنا من يتعلم من الألم معنى السعادة، هي الوصفة التي اكتشفتها وكان على غيري معرفتها ليدرك جمالية الحياة"

قلب الأسد إذن مصدر القوة الداخلية لمن يؤمن بأن لا سحابة تظل في مكانها وإن استطاعت حجب الشمس عنا لكن كلما تحركت ترى النور يشع من جانبيها.

من يمتلك قلب الأسد يعرف أن بالألم نعرف طعم السعادة وأنه ليس ما يحدث له هو الذي يقرر مصيره بل كيف يرى الأحداث وأية دلالة يعطيها لها.

ستعود الكرة من جديد إلى مرماك لتعرف أنك أنت من يوجهها في البداية، قد تصطدم وتسير وفق القدر لكن توقعاتك الإيجابية لن تخيفك من النتائج، على اعتبار أنك فاعل في الأحداث وترفض أن تكون منفعلا بها.

قوة الإنسان مثل قوة الحديد هناك من يصدأ حديده فيضعف وهناك من ترمي به الأقدار ولا يستطيع مقاومتها ولكن القلب النابض من سيسمح بالاستمرار وسنسمع نبضاته القوية، لذلك فقلب الأسد رمز قوة الإنسان الداخلية في مختلف محطات حياته بل حتى في ضعفه قوة، قوة الإيمان بالقدر وقوة الدعاء لرفع البلاء والإحساس بالاطمئنان في فترة النقاهة ليعود من جديد قوة بعد علة.

بل هو الابتلاء الذي يصيبنا وأصاب حتى الأنبياء والرسل كدليل على أنه ليس هناك ظلم للقدر كما قد يعتقد، بل إن الحياة جسر نمر عبره لحياة حقيقية أبدية خالدة، ومن يدرك هدفه أكيد لن يضل.

وهكذا هناك من يرى في الألم نعومة التقرب إلى الخالق وطلب رفع البلاء وصلاح الحال، وهناك من يرى فيه قهر له وأن صلاح الحال من المحال، غير أن نوع آخر يفضل قراءة الفنجان وينصب لنفسه عالم من الأحلام وكأن الحياة الوردية مليئة بالأماني والتمني، ونسي أنها مجال للعمل والجد بل  والتحدي أيضا مع فكر قادر على قراءة الأحداث بالشكل الذي يسمح للحياة أن تكون أجمل.

 أعود لأقول: قلب الأسد أحببت صوتك، أحببت رغبتك في أن تكون وستكون دقاتك من يجب أن تحافظ عليها كل ذات. أنت قوتها المعطاء والحالمة بسخاء وبصيغة التحدي وبالقدرة على التجاوز من أجل غد أفضل. سوف نتعلم منك وإن ذرفت عيوننا دموعا وإن قست علينا الحياة، تعلمنا منها كيف نحبها وننعم بسعادتها، وإن أحسسنا بضعفنا استدعينا الجانب الأقوى بصرخة لننفض عنا الشكوى والوجود المستكين أو أية رغبة في نظرة عطف. سنتكلم سويا بلغة الفعل بزمن الحاضر على اعتبار أننا نعيش زماننا ولا نتحسر على زمن سوانا.

 وبالتالي قلب الأسد هو من يستطيع أن يجمع بين قوة الإيمان بالقدر وقوة الفكر مع استخراج لملكات الفرد والعمل على تنميتها باستمرار، ذلك ما يجعل في الوجود الإنساني عظمة وشموخا.    

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

مع أن الناس وقتذاك ذهبوا ما بين مصدق ومنكر ، إلا أنه في مقدمته التي أملاها في العام 1954 ذكر طه حسين بأنه لم يكن له إرادة في أن يرى كتاب (الأيام) - الذي صار فيما بعد ثلاثة أجزاء بسطت على أكثر من خمس مئة صفحة - النور بيد أن من كانوا يتلقونه منه نزرا بين الحين والحين طلبوا إليه بإلحاح أن يجمعه في كتاب ليكون مقصدا لمن أثقلتهم وطأة الحياة بتكاليفها وهمومها وغمومها وإكراهاتها.

ولأن الناس قد ذهبوا مذاهب قددا في الترويح عن أنفسهم (فهذا بالموسيقى يتلهى عن مؤرقاته ، وذاك يتسلى بالتلفاز عن مشغلاته ، وثالث بالملذات عن منغصاته) ، إلا أن أولئك النفر المولعين بالقراءة قد وجدوا ضالتهم في كتاب (الأيام) ؛ وجدوا فيه العزاء والموئل.

ولأني من أولئك النفر فقد نصبت صاري قاربي وفتحت أشرعتي وحركت مجدافي في جدول ذاك الكتاب الشيق المبنى والعميق الغور و المعنى. وخلال الرحلة وجده نابضا بالحياة ، وغني بالمعارف والتأملات !  ومع أن رحلتي لم تنته بعد إلا أنها من رحلاتي القلائل التي ﻻ أحبذ لها نهاية من فرط تشويقها وحلاوتها !

ومن تلك المحطات اللافتة في كتاب (الأيام) للعبقري طه حسين محطة ذلك التصوير الدقيق لمواقف ومشاهدات وممارسات ورهافات مثل هذه التي يصف فيها لفيف من الناس وقد اجتمعوا للاستماع إلى شاعر ينشد شعرا : (والتف حوله الناس، وأخذ ينشدهم أخبار أبي زيد ، وكانوا سكوتا إلا حين يستخفهم الطرب أو تستثيرهم الشهوة ؛ يسكت الشاعر حتى يهدأ اللغط ثم يستأنف نظم شعره وأخباره ...). سبعة وعشرون كلمة - فقط - صور فيها طه حسن مشهدا متكاملا غير منقوص !! على الكتاب المهجوسين بالإطناب استلهام إيجازات طه حسين ودقة تصاويره.

وحري بنا أن نذكر أهمية كتاب (الأيام) على المستوى الرسمي الحكومي إذ اعتمدت مقتطفات من كتاب الأيام كنصوص للدراسة في منهج القراءة في المنهج المصري الحكومي في فترة من فترات القرن المنصرم ، وقد أشاد الفنان القدير أحمد عبد العزيز - صاحب الأدوار الرائعة في المسلسلات ذوات الصبغات التاريخية و الدينية كمسلسل (الإمام مسلم) - بالدور الذي لعبه كتاب (الأيام) في شحذ لغته العربية.

وأنا أقرأ كتاب (الأيام) استشعرت تقارب الأسلوب الكتابي بين طه حسين وعباس محمود العقاد وكذلك نجيب محفوظ في روايته (أولاد حارتنا) ، فهل المبدعون يسقون من رحيق واحد؟

 

كمال الهردي : كاتب وروائي يمني

قد يُحذف حرف الجر، فيُنصب المجرور بعد حذفه تشبيهًا له بالمفعول به، ويسمى "المنصوب على نزع الخافض، والخافض –كما نعرف- هو حرف الجر-.

في الآية الكريمة {...إلا إن ثمودًا كفروا ربَّهم}- هود، 68 نصبت لفظة (ربّ) بعد أن حذف حرف الجر الباء، فالأصل في اللغة- بربِّهم.

ومثل ذلك {واختار موسى قومَه أربعين رجلاً}- الأعراف، 155-  أي من قومِه.

كذلك قوله تعالى {وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخْسِرون}- سورة المطففين، 3 والمعنى إذا كالوا لهم وإذا وزنوا لهم، والمكِيل والموزون معلوم بمنزلة ما ذُكر في اللفظ.

..

ومما سُمع عن العرب:

قول جرير:

تمرّون الديارَ ولم تعوجوا *** كلامكُمُ عليّ إذن حرامُ

أي تمرون بالديار، فإعراب (الديارَ) كما قلت: منصوب بنزع الخافض.

لا يقال إعرابها: (مفعول به)، لأن هذا الفعل (تمرّ) ليس متعدٍياً أصلاً ولا ينصب مفعولاً به، ولكنه يُنصب على نزع الخافض، أو على حذف حرف الجر- هذا هو المقصود بمصطلح "منصوب على نزع الخافض".

من ذلك أيضًا قول عمرو بن معدِيكرِب:

أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرتَ به *** فقد تركتك ذا مال وذا نشب

أي أمرتك بالخير.

..

يسمى مثل هذا بالحذف والإيصال، أي حذف الجارّ وإيصال إلى المفعول بنفسه بلا واسطة.

وأشار إليه سيبويه: "واعلم أنك إذا حذفت من المحذوف به حرف الجر نصبته كما تنصب إذا قلت: (إنك ذاهب حقًا)، فالمحلوف به مؤكد به الحديث كما تؤكده بالحق، ويجر بحروف الجر كما يجر حق إذا قلت (إنك ذاهب بحق) وذلك قولك (اللهَ لأفعلن)…" الكتاب، "باب حروف الإضافة إلى المحلوف به وسقوطها". ج2، ص 165.

..

هناك من يرى أن هذا المنصوب سماعي، فلا يجوز أن نؤلف على غراره، كأن نقول: مررت زيدًا، أو كتبت القلمَ- أي بالقلم ، أو حفرت الفأسَ- أي بالفأس أو أكلت الملعقة- أي بالملعقة ؟

..

وهناك من يرى خلاف ذلك، ويعتبره قياسيًا، فإذا جاز لهم أن يقولوا مثلاً: تمرون الديارَ، فلماذا لا نقول على غرارهم: تمرون السوقَ، آمنوا اللهَ؟!..

في تقديري أن الأَولى هو الاستساغة في الجملة الحديثة، والذوق له في ذلك دور، ففي قولك: دخلتُ الدارَ، لا أرى خطأ، بينما في قولك: خرَجت الدارَ، أراك تبتعد عن المعنى ولا تُفصح.

ثم هناك أفعال تتعدى إلى اثنين أحدهما بنفسه، والآخر بوساطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، ومنها:

اختار، استغفر، أمر، كنى، دعا، زوّج، صدق، فنجد أن حرف الجر قد يُحذف، فبدلاً من قولنا: أستغفر الله من الذنب أقول: أستغفر الله ذنبًا...إلخ

 

ملاحظة:

ندر أن يبقى الاسم مجرورًا بعد حذف حرف الجر، فقد ورد للفرزدق قوله:

إذا قيل: أيُّ الناس شرُّ قبيلةٍ؟ *** أشارت كُليبٍ بالأكفّ الأصابع

أي إلى كليب أشارت الأصابع بالأكف.

 

..

ملاحظة للباحثين:

قام الباحثان جهاد العرجا وحسين العايدي- الجامعة الإسلامية- غزة-  بدراسة مستفيضة عنوانها "المنصوب على نزع الخافض في العربية" – (518) صفحة- نشرت في سنة 2010

خلصا فيها إلى النتائج التالية:

1- إن مصطلح "المنصوب على نزع الخافض" مصطلح أصيل في وضعه اللغوي وفي استعماله الاصطلاحي، وأدرك النحاة دلالته الاصطلاحية بعد وضع علم النحو.

2-  إن الحذف ظاهرة مشتركة بين اللغات الإنسانية، وخاصة حذف حرف الجر، فالمتكلم يميل إلي بذل الجهد القليل في أثناء عملية الكلام، فيحذف بعض العناصر المتكررة، ولكن بشرط الوضوح وأمن اللبس والإفادة.

3-  إن كثيرا من تقديرات لغويينا القدماء يحتمها واقع اللغة العربية، فكثيرًا ما تسمح تراكيب اللغة بسقوط بعض أجزائها المتكررة، وعلى المفسر اللغوي أن يقدر كل ما سقط من التراكيب، إذا كانت صناعة النحو تقتضيه، وفي هذا الصدد ندعو إلى عدم إلغاء فكرة الإعراب التقديري، والتقدير، فهي مهمة وضرورية لفهم أسرار النظام اللغوي النحوية والدلالية.

4-  أكد البحث اطراد حذف حرف الجر مع "أنَّ وأنْ" بشرط الوضوح وأمن اللبس، ومن هنا يدعو البحث إلى القياس علي بعض الشواهد القرآنية والشعرية حيث حذف حرف الجر بعد فعل يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر، وكذلك حذف في العطف علي ما تضمن مثل الحرف المحذوف، فالقرآن الكريم هو محور جميع العلوم، ولأهمية الأداء الصحيح، فقد استقرأناه، رغبةً في الوصول إلى معايير سليمة لضبط هذه الظاهرة.

5-  إن اختلاف آراء النحاة حول إعراب الاسم بعد نزع الخافض يعود إلى اختلاف الأذواق والثقافات، بالإضافة إلى فهم السياق اللغوي، وعليه فلا ضير من تعدد وجوه إعراب الاسم بعد نزع الخافض، وأن علة نصب هذا الاسم هو وصول الفعل إليه بعد نزع الخافض.

6-  إن حذف حرف الجر إنما يكون لأسباب وغايات دلالية، وعلى الباحث اللغوي أن يستقصي هذه الأسباب إذا كانت صناعة النحو تقتضيه، وحذف حرف الجر إنما يكون للاختصار والاتساع باللغة، بشرط عدم  اللبس وعدم إفساد المعنى.

7-  هناك بعض الصعوبات التي يعاني منها الباحث في العربية كتعدد المصطلح العربي للمفهوم الواحد، فنحن بحاجة ماسّة إلى توحيد المصطلحات اللغوية في جميع الأقطار العربية.

8- ينبغي التأكيد على عدم تدريس هذا الموضوع" المنصوب على نزع الخافض "للنشء بل لطلبة التخصص في اللغة العربية بالجامعة؛ نظرًا لأنه قد يدرج تجاوزًا تحت المفعول به أو المفعول لأجله أو التمييز أو الظرف أو القسم.

الدراسة تجدونها في موقع  أ. د محمد ربيع الغامدي:

 www.mohamedrabeea.com

في أثناء تصفحي لكتاب (الأغاني) لأبي الفرج فوجئت وأنا أقرأ عن نادٍ أقيم في مكة في فترة الأمويين، ناد  كان في بيت عبد الحَكم الجُمحي، فيه القراءة وفيه الألعاب، واجتماع الأصحاب.

ففي ترجمة  الشاعر الأحوص كانت هناك رواية:

"أخبرني الحَرَمِي قال حدثنا الزُّبَـير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو الجُمَحِي قال:

كان عبدُ الحكَم بن عمرو بن عبد الله بن صَفْوان الجُمَحِي قد اتّخذ بيتًا فجعل فيه شِطْرَنْجات ونَرْدات وقِرْقات ودفاترَ فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادًا، فمن جاء علَّق ثيابه على وتِدٍ منها، ثم جرَّ دفترًا فقرأه، أو بعضَ ما يُلعب به، فلعب به مع بعضِهم."

الأغاني، ج4، ص 250 (دار الفكر).

يمضي الراوي ليحدثنا عن لقائه  مع الأحوص، وكيف أن الشاعر رافقه إلى النادي:

..

"قال: فإن عبد الحكم يومًا لفي المسجد الحرام إذا فتى داخل من باب الحنّاطين- باب بني جُمَح- عليه ثوبان مُعَصْفَران مدلوكان،  وعلى أذنه ضِغْث ريحان،  وعليه رَدْع الخَلوق، فأقبل يشقّ الناسَ حتى جلس إلى عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله،  فجعل من رآه يقول:

 ماذا صُبَّ عليه من هذا؟ ألم يجد أحدًا يجلس إليه غيره؟

 ويقول بعضهم:  فأي شيء يقوله له عبدالحكم وهو أكرمُ مِن أن يَجْبَه مَن يقعد إليه، فتحدث إليه ساعة، ثم أهوى فشبّك يده في يد عبد الحكم، وقام يشقُّ المسجد حتى خرج من باب الحناطين.

 قال عبد الحكم: فقلت في نفسي- ماذا سلّط الله علي منك؟ رآني نصف الناس في المسجد، ونصفهم في الحنّاطين، حتى دخل مع عبد الحكم بيته، فعلَّق على وتِد، وحلَّ أزراره، واجتزَّ الشِّطْرَنْج، وقال: من يلعب؟

 فبينا هو كذلك إذ دخل الأبْجر المغنّي، فقال له أيْ زِنديق! ما جاء بك إلى ها هنا؟ وجعل يشتمه ويمازحه.

فقال له عبد الحكم: أتشتم رجلاً في منزلي؟

 فقال: أتعرفه؟ هذا الأحوص.

فاعتنقه عبد الحكم وحيّاه.

وقال له: أمّا إذا كنتَ الأحوص فقد هان علي ما فعلتَ.

 

شرح كلمات:

النَّردات: جمع النَّرد (طاولة الزهر في لغتنا اليوم).

القِرْقات:  جمع قِرْق-  وهي لعبة للصبيان يخطّون بها أربعة وعشرين خطًّا مربعة،

كل مربع منها داخل الآخر، ويصفّون بين تلك المربعات حَصَيات صغيرة على طريقة مخصوصة.

معصفران: مصبوغان بالعصفر، وهو نبات صيفي من الزهر، يستخرج منه صبغ أحمر يُصبغ به الحرير غالبًا.

الضِّغْث: ما ملأ الكف من النبات.

رَدْع الخَلوق: لطخ الزعفران.

هل تخيلتم الكتاب وكيف كان، كانوا يجرّونه!!!

...

هكذا تعرفنا إلى ناد كانوا يلتقون فيه، يعلقون بعض ثيابهم،  يقرءون ويلعبون، ويجتمعون، فأين نحن اليوم، وخاصة  في قرانا، من النوادي؟

 

ب. فاروق مواسي

 

 

ليس الشرق فحسب الذى يعانى من عقدة كره النساء باعتبارهم الجنس الشرير بل اذا عدنا الى التاريخ سنجد ان تلك العقدة بدات مع بداية الدولة الاغريقية وانعكس على امراة العصور الوسطى فى اوربا والشرق ولكن للاسف لايزال الشرق منغمس فى افكار كيف انها من ضلع اعوج لابد من تقويمه بالعنف او قتله

لذا سنبدأ مع اثينا فنرى احد اهم المفكرين افلاطون فهو يؤكد ان الجنس الانثوى خلق من انفاس رجال اشرار من انفس غير عاقلة!!كما نراها لدى الشاعرهزيود فى كتابيه الاعمال والايام وانساب الالهه فالمراة هى من جلبت الشر والمرض لجنس الرجال الاحرار على الارض لذا نرى الهات الاغريق يتصفن بصفات الرجال حتى فى اشهر الملاحم الالياذة والاوديسة فهن مقاتلات ولايتصف بصفات النساء ومع ذلك نجد ان اعمالهن تكن للمنزل ومتطلباته فحسب

لذا فقد قامت حرب لاجل هيلين باعتبارها خائنة جسدت فى الالياذة بينما مشكلة الخيانة غير مفروضة لدى الرجال فلم تشن حربا لاجل تعدد خيانات كم لم تمنح المراة امتيازات الذكور الاستقراطيين فى حين كان الامتياز النبالة هو ربة منزل فبصفة عامة كان هذا العصر هو بدا عصر الحريم للنساء .

 

مارينا سوريال

 

 

الترجمة الحرفية – قبل أن تأكل اشكر الطعام .

التعليق – مثل عميق يرتبط بقيمة الطعام واهميته في مسيرة الحياة الانسانية. يقول المثل العربي – الجوع كافر، وهناك قول عربي شهير في تراثنا حول الفقر وهو – لوكان الفقر رجلا لقتلته، وتشير بعض المصادر اليه باضافة كلمة (الجوع) بدلا من الفقر، والمفهومان قريبان من بعض طبعا، فالفقر يؤدي الى الجوع.

+++++

الترجمة الحرفية – لن يكون (قوس قزح) عند الروح ان لم تكن هناك دموع في العيون.

التعليق – يعد قوس القزح رمزا للجمال والفرح في الطبيعة، وهو يرتبط بشروق الشمس بعد المطر مباشرة، ويحل قوس القزح للروح بعد المعاناة المليئة بالدموع حسب مثل الهنود الحمر هذا . ما اجمل هذه المقارنة وما اعمقها . يقول المثل العربي في اطار هذا المعنى ايضا – من يتعذب كثيرا يتعلم كثيرا.

+++++

الترجمة الحرفية – لا تخافوا من الدموع، اذ انها تحرر عقولكم من الافكار الحزينة.

التعليق – يشير القول العربي الجميل، الى ان الدموع هي - (مطافئ الحزن الكبير) . مثل الهنود الحمر هنا اكثر سعة وشمولية وعمقا، اذ انه يقول ان الدموع تحرر عقل الانسان من الافكار الحزينة. يوجد قول باللهجة العراقية في هذا المعنى، وهو– (الانسان يرتاح لمّن يبجي) ( لمّن – عندما // يبجي – يبكي)

+++++

الترجمة الحرفية –     عدم الجواب - جواب ايضا.

التعليق – يوجد مثل عربي في هذا المعنى تقريبا، وهو – من قال لا اعرف فقد أفتى.

+++++

الترجمة الحرفية – لا تُقلق (بضم التاء) الناس بالسؤال عن دياناتهم.

التعليق – يتحدد اسم الانسان ودينه وقوميته رأسا عندما يولد، ولهذا  يدعو هذا المثل العميق الى عدم السؤال عن ذلك . كم نحن بحاجة – في بلداننا العربية - الى هذا المثل في زماننا الردئ .

+++++

الترجمة الحرفية – الحقيقة هي الشئ الذي يؤمن به الناس.

التعليق – مثل فلسفي بحت . هل ان الحقيقة موجودة في الحياة بغض النظر عن آراء الناس حولها، ام ان تلك الآراء هي التي تصيغها وتصنعها؟ يوجد مثل جورجي يقول – اذا اثنان من الناس قالا لك انك أعمى فاغلق عينيك .

+++++

الترجمة الحرفية – ليكن عدوي قويا ومرعبا، كي لا أشعر بالخجل عندما أنتصر عليه.

التعليق – يوجد مثل عربي في هذا المعنى تقريبا، وهو - الانتصار على الضعيف هزيمة.

+++++

الترجمة الحرفية – يجب على الانسان ان يعمل سهامه بنفسه.

التعليق – يجب على الانسان ان يعرف تفاصيل سلاحه وخصائصه كي يستخدمه بشكل صحيح ودقيق، اذ لا (يحك جلدك مثل ظفرك) كما يقول مثلنا العربي المشهور .

+++++

الترجمة الحرفية – في أعماق كل انسان يجري صراع بين الذئب الشرير والذئب الطيب. ينتصر دائما ذاك الذئب الذي انت تطعمه.

التعليق – يجسّد هذا المثل الصراع الدائم في اعماق كل البشر بين الخير والشر، والصورة الفنية هنا ترتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة حياة الهنود الحمر وخصائصها، وفي هذا الجانب بالذات تكمن جمالية هذا المثل.

+++++

الترجمة الحرفية – حتى السمكة الميّتة يمكن ان تسبح مع التيار.

التعليق – السباحة مع (التيار!) أمر سهل يمارسه الكثيرون من المنافقين في كل المجتمعات. يسخر مثل الهنود الحمر هنا (وفي اطار صورة فنية قاسية وصارخة وحادة جدا) من هذه الظاهرة الاجتماعية. يوجد مثل عربي ساخر (بمختلف اللهجات العربية) في هذا المعنى تقريبا وهو – كلمن ياخذ امي اسميه عمي.

+++++

الترجمة الحرفية – من أجل ان تفهم نفسك اختلط مع الاحجار في الجبال.

التعليق – يدعو هذا المثل الشاعري الجميل الى التأمل بصمت والانعزال عن المجتمع لفترة محددة كي (يفهم الانسان نفسه !). مثل فلسفي عميق يساعد الانسان فعلا على مراجعة نفسه كي يستوعبها ويتفهمها بكل ابعادها.

+++++

الترجمة الحرفية – عند الرجل الابيض مدراء أكثر مما يجب.

التعليق – مثل ذكي و ساخر حول بيروقراطية (الرجل الابيض !)، الذي خاض حروبا ضد الهنود الحمر. من الواضح ان الهنود الحمر كانوا يراقبون حياة هؤلاء الذين حاربوهم ودمّروا حياتهم وهم في عقر دارهم .

 

ربما تكون الرسائل أجمل ما يُتبادل بين الناس وخاصة بين المحبين، هذه الرسائل تزداد أهميتها إذا تقادم العهد ومرت الأيام  وتصبح كنزا من الكلمات الجميلة التي نُحتت من أمشاج القلب وكتبت في لحظة صدق عميق، إنها كلمات تُسرّب من الزمن وتحفظ على البياض وكأنها قطع من الذهب والفضة إن لم تكن أثمن وأغلى

وهكذا كانت رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران في بداية القرن العشرين وكذلك أصبحت رسائل غادة السمان إلى غسان كنفاني ورسائله إليها.

لم يكن غسان كنفاني هو الوحيد الذي كتبت إليه غادة السمان فقد ذكرت أيضا رسائلها إلى أنسي الحاج لكن رسائلها إلى غسان ورسائله إليها كانت الأهم ربما لأنه كان مختلفا أكثر ويحمل قضية ينوء بثقلها وهي قضية فلسطين، أما المهم والأهم أ أن غادة السمان لا تزال بكل فطنة وذكاء تكتب عن قيمة تلك الرسائل وأنها لم تعد ملكا لها بل للأدب وهذا ليس غريبا عليها كامرأة تحررت من شرقيتها في (باريس) وتوصلت بفضل ذكائها النادر أن تفرق بين ما هو ملك لها وما هو ملك للجميع

الفن والأدب لا يحتكران لذلك فضلت أن تطلق سراح الأفكار والمشاعر بدل التكتم الذي لا يجدي نفعا، ورغم أن هذه الرسائل أسالت حبرا كثيرا ولا تزال إلا أن غادة السمان لم يعد يهمها ذلك بقدر ما يهمها أن تبرز للنور تلك اللآلئ الجميلة التي نحتتها الأقلام بمداد الروح  وشكلتها الأنامل بفتيت الفؤاد وشهقات الصدر

ربما كانت هذه الرسائل ستصل إلى القراء في يوم ما وبعد أن تكون هي قد غادرت ولكنها آثرت أن تستبق الزمن وتنشرها كي تقطف ثمارها حتى لو كانت لوما أو تثريبا وهاهي في جريدة (القدس العربي) تتحاور مع قرائها حول هذا الموضوع بكل أريحية وحب  وتضيف كل يوم جديدا إلى روضة الكلام الجميل وتتلقى فضول القراء بصدر رحب وتفهم كبير.

ما أشبه رسائل غادة  برسائل مي ولكن الاختلاف الوحيد كان الزمن والعصر فاختلفت النتائج وما أشبه رسائل مي وجبران ورسائل غادة وغسان برسائل أخرى لم يتحدث عنها أحد، أفلا نقول بعد هذا أنهم محظوظون هؤلاء الذين وصلت رسائلهم إلى القراء؟

كانت الرسالة ولازالت تصنع الحدث بمضمونها وبمرسلها والمرسل إليه وخاصة تلك القديمة التي لم تكن مجرد رسائل قصيرة (كما هو الحال في هذا العصر) ترسل بواسطة البريد الالكتروني أو الواتساب أو الفايبر  وغيرها من التطبيقات...وتبقى أهمية الرسائل في أنها حديث الروح أكثر من شئ آخر ولهذا أخذت كل هذه الأهمية

وما أشبه الناس ببعضهم والحوادث ببعضها لولا الاختلاف في ردود الأفعال ففي مدينتنا هذه لازالت رسالة الشهيد (رشيد ب) تصنع الحدث تلك التي كتبها للآنسة (ص... ص ) وبعثها مع إحدى قريباته وكانت تلميذة في صفها ولكن  مدير المدرسة أمسك بالرسالة وهي عند الطفلة الصغيرة (صدفة) وقرأها وعرف فحواها وعندما سلمتها الطفلة لمعلمتها أخبرتها بما جرى مع المدير فما كان من المعلمة إلا الانقطاع عن التدريس وملازمة البيت (خجلا من المدير) الذي اكتشف علاقتها العاطفية مع الشهيد، لقد حاول المدير بكل ما أوتي من وسائل أن يعيد المعلمة إلى عملها لكنها أصرّت على موقفها وعبّرت عن ذلك أنها لا تستطيع أن تراه مرة أخرى بعد أن كشف سرها ولم تعد للتعليم إلا بعد الاستقلال عندما فُتحت مدارس أخرى في المدينة كما أنها ظلت على وفائها ولم تتزوج رغم استشهاده، وظلت تعيش مع ذكراه العطرة إلى نهاية حياتها.أفلا تكون غادة السمان على حق عندما تنشر رسائل غسان ؟

رحم الله مي وجبران وغسان وأنس الحاج ورشيد وصفية فقد كانوا جميعا من الرقي أن حفظوا للحب قدسيته وجماله وبأنه أرقى المشاعر الإنسانية على الإطلاق

أما غادة السمان فلا تزال بعمق كلماتها وسلاسة أسلوبها ترتقي بالقراء إلى أعلى قمم المتعة والفائدة والكلام الجميل، ولن تفعل ذلك غيرها ربما ولزمن طويل، لكن  تصرفها ربما يدفع بالكثيرين والكثيرات اللواتي يحتفظن برسائل نادرة أن ينشروها وما أكثر الوسائل في عصرنا لأنها ليست ملكا لهم بل للزمن وللأجيال  أو على الأقل  يطلعون عليها أبناءهم وأحفادهم وكم سيكون ذلك جميلا وراقيا.

 

فاطمة الزهراء بولعرس

 

القاتل الكاوبوي الحاقد والمكسيكي الهارب والكلب الشرس الهائج: مطاردة لاهثة في صحراء لاهبة... 

تتلخص قصة هذا الشريط الغريبة بملاحقة قاتل قناص لمجموعة من المكسكيين البائسين عابري الحدود، ومن ثم قتلهم بلا رحمة واحدا تلو الاخر بمساعدة كلب "ألماني" ضخم شرس من نوع "شيبارد"، وبدا القاتل وكلبه الجامح وكأنه يستمتع  بالمطاردة والقتل، وقد استند القناص لمهارته القتالية العسكرية، مدفوعا بحس "وطني-عنصري" مزيف...ويحدث بعد أن تتعطل شاحنة المكسيكيين المتهالكة في الصحراء الحدودية، واضطرارهم لاكمال الطريق مشيا عبر الحدود، ثم يحدث أن يرصدهم هذا الوغد الشرير "سام" (الممثل جيفري دين مورغان) وينجح بقنصهم بلا رحمة واحدا تلو الآخر، مستفيدا من كلبه الشرس المطيع في تعقبهم، حيث لا يتبقى في النهاية سوى الميكانيكي الشهم "موسيس" (الممثل جيل جارسيا بيرنال) مع فتاة مصابة تنزف لينجحا معا في عبور الحدود والوصول للطريق العام...ونحن كمشاهدين لا نستدل أبدا على اسباب اجرامه "الغير مبرر" سوى بتفوهه  لبعض  الجمل الغريبة مثل "مرحبا في بلد الحرية" و "هذا موطني"، وبدا مشوشا ومريضا نفسيا، يستخدم "وطنيته" المزيفة كغطاء لتنفيذ رغباته الاجرامية السادية الدفينة!

النص السينمائي متماسك وتصاعدي ولا يترك لنا فسحة للتأمل، سوى باوقات الليل والحوارات المختصرة الدالة، لنطلع بايجاز على مجمل مشاكل النازحين وأسباب هروبهم اللاشرعي من بلادهم، فالميكانيكي البطل الشهم المسالم سيذهب للالتقاء بزوجته وطفله بعد ان تركهما مجبرا، والفتاة البريئة ستذهب حسب رغبة والديها لتحسين ظروف حياتها (وقد استأجرا لها مرافقا وغدا ولكنه قتل بضراوة من قبل الكلب)، حيث يشكو لنا القاتل سام بأنه مهدد من قبل هؤلاء الأغراب.

الفيلم مرهق وشيق ولاهث ولا يترك للمتفرج فرصة لالتقاط أنفاسه خلال ال96 دقيقة، حيث الشخصيات جميعها في حالة رعب وهروب عبر صحراء قاحلة لا ترحم، مليئة بالأفاعي السامة والتضاريس الوعرة، أما التصوير فهو مذهل واستثنائي، ويشعر المشاهد وكأنه متورط شخصيا بهذه المطاردة المرعبة، وتبدو بعض اللقطات وكأنها صورت بكاميرا محمولة متحركة، كما تبدو بعض المشاهد الاخرى سيريالية وغريبة كمشهد التفاف الأفاعي حول الفتاة، ومشهد قتل الكلب واحتراقه بطلقة "انذار حمراء"، وكما بمشهد انقلاب "البيك آب" والملاحقة الأخيرة بين القاتل المنهك والميكانيكي المرعوب.

يتضمن هذا الشريط الغريب مجازا سياسيا خفيا ومعبرا، ويتطرق لبؤس ومعاناة النازحين "المكسيكيين" عبر الحدود، كما أن المخرج الشاب "جوناس كوارون" (ابن الفونسو كوارون صاحب تحفة " جرافيتي") قد استعرض هنا مهاراته التشويقية الفائقة بأقل تكاليف الانتاج الممكنة، ونجح بتقديم لقطات "كلاسيكية" ابداعية ذات دلالة مشهدية راقية، مثل مشهد تشتيت الكلب الجامح وصديقه القناص بواسطة "أصداء صوت اللعبة الألكترونية" في  صمت الصحراء المريع...كما لعبت الصحراء بدورها المكاني وسحرها الجغرافي وظيفة جوهرية تمثلت بالحرارة اللاهبة والدروب الوعرة والمسالك والتضاريس القاحلة، فكانت مسرحا لهذه المطاردات القاتلة، ووضعت "تعاطفنا الانساني" على المحك، فبدت ذات دلالة مجازية وذكرتنا بالوضع البائس والمصير المأساوي لآلاف النازحين واللاجئين وعابري الحدود والبحار والهاربين من جحيم الفقر والمجاعات والحروب وويلات الصراعات المسلحة.

لا أدري كيف تمكن المخرج والمصور والطاقم الفني من ترويض الكلب الشرس بهذه الصورة المدهشة، بحيث تشعر وكأنه يمثل دوره بفطنة وذكاء، وقد استغل صاحبه " المجرم السادي" مهاراته الفائقة بالشم والركض والملاحقة، ليساعده بالقضاء على معظم المتسللين، كما ساعدته بندقية القنص بصيدهم واحدا تلو الاخر...واقترح مستقبلا ان يشارك الفنيون العرب ان استطاعوا بمثل هذه الأفلام حتى يتمكنوا من فهم التقنيات السينمائية والتصويرية التي تسمح بانجاز مثل هذه الأفلام المتقنة بتفاصيلها الواقعية المدهشة في "المطاردة والأكشن"، حيث تعاني السينما العربية اجمالا من نقص الكفاءآت الفنية القادرة على انجاز مشاهد مقنعة في التضاريس الطبيعية وفي أجواء مناخية صعبة وقاسية، وربما يصلح هذا الشريط مع تحفة "العائد" لأن يدرسا في معاهد السينما العربية، فقد اصبحت السينما فنا شاملا لا يعتمد فقط على التكرار والنمطية والتقمص والثرثرة والحركات العصبية الانفعالية المملة! وأخيرا فربما يمثل هذا الشريط "دعاية معاكسة" مجازية لتوجهات الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب" الكاره للنازحين واللاجئين والمتسللين عبر الحدود، والذي يدعو لبناء جدار عازل كبير على الحدود الأمريكية-المكسيكية".

 

مهند النابلسي

.............................

 Desierto (2015)

R | 1h 34min | Drama, Thriller | 14 October 2016 (USA)

 1:07 | Trailer

20 VIDEOS | 12 IMAGES

A group of people trying to cross the border from Mexico into the United States encounter a man who has taken border patrol duties into his own racist hands.

Director:

 Jonás Cuarón

Writers:

 Jonás Cuarón, Mateo Garcia

Stars:

 Gael García Bernal, Jeffrey Dean Morgan, Alondra Hidalgo

 

 

 

 

كنت أرى الملك غارقاً في أمنيات شعبه وقضيته التي تصب لصالح الوطن نفعاً بدليل إدراته حكم وفي صميم الهم الوطني (حقوق إنسان وحياة حرة كريمة للمجتمع الهولندي وهذا حق الناس بالحياة) كذلك قام بالعمل النضالي لشعب هولندا فقد كان ثاقب الرأي ولا يتكلم إلا بالصالح العام علماً كان المستعد تماما لكل جانب من جوانب دوره الجديد عبر أنشطته المكثفة على المستوى العام بأدراته السياسية وأهتمامه الجاد بالتطورات وأحداث اليوم" التي تمر بعالمنا الحاضرلحين أصبحت مملكة هولندا محل أحترام من قبل البلدان الأخرى .

الملك فيلم ألكسندرالذي حافظ على طابعه السياسي الذي وصل ذروته بدليل أمتلك الرصيد العربي والدولي وعياً جديداً للعلاقات الأجتماعية والسياسية فقد قبل الواجبات الضرورية المناطة لهذا المنصب وباتت أدارة العمل بدون أي أعتبارات شخصية وتجاوز لمصلحة الحزب أو الجماعة ولدى تنفيذه مهمته طلب دعم وثقة الشعب الهولندي." لحين عُرف بالشخصية المأثرة علماً تحظى العائلة المالكة في هولندا بشعبية على نطاق واسع النظير الذي قلَ نظيره وأصبحت نسبة المؤيدين للنظام الملكي 78 في المائة يشار إلى أن الملكة آن بياتريكس البالغة من العمر 75 عاما تنازلت عن العرش بعد أن قضت 33 عاما في منصبها لابنها الملك أعلاه البالغ من العمر 46 عاما وهو متخصص في إدارة موارد المياه علماً أكد ملك هولندا أنه يريد الابتعاد قليلاً عن البروتوكولات وأن يكون قريب من الناس .

أكد فيليم نيته لمبتغاه بين التقليد ومتطلبات القرن (الـ21) ونطق أريد أن أكون ملكاً يواصل التقليد وأواصل تقليد أسلافي هذه مضامين تصب لأستقرار البلاد وأستمراريته بالعمل وبات صاحب تجربة خير من قرائة 100 كتاب وقال أريد أن أكون ملكاً من القرن الحادي والعشرين يمكنه أن يجمع شمل الناس من حوله ويمثلهم ويشجعهم ويكون قدوة لهم علماً وللأطلاع الملك فيليم بنى حياته وإدارته السياسية على حب وتقدير وأحترام شعب هولندا لأنه (ملك ونظامه ملكي ؟) بينما تبنى أكثر الأنظمة الجمهورية حياتها وإدارتها السياسية على الدكتاتورية التعسف والأضطهاد والمنفى لشعوبها دليلي ها هي سوريا واليمن وما يجري بها كذلك العراق ودكتاتوريته السابقة بحاكمها صدام حسين الذي شردني أكثرمن عقد من الزمان من عام 1993 وعدت 2004 وجعلني أعيش الذُل عند معمر القذافي حاكم ليبيا .

أكد جلالة الملك أعلاه أنا لست متمسكاً بأي برتكول ويمكن للناس أن ينادوني كما يشاؤون حتى يشعروا بالأرتياح لذلك ليس من قبيل المصادفة أن الملك أعلاه تولى العرش وأنغمس في عملية إدارة المياه وحمايتها بالمملكة خلال الجزء الأكبر من حياته.

ما أجلّ ما سطّرهُ ملك أـسمه فيليم ألكساندر الذي جعل مملكة هولندا مركزاً فكرياً وسياسياً لا نظير له ونمت نمواً متواصلاً فبلغت شهرتها الآفاق وصارت ملتقى واليوم صدح صيته أمام الرأي العام الهولندي والعالمي سيدي الكريم جلالة الملك أرجو أن تسامحني إذ أنا لا أفيك حقك صحفياً والآن بداخلي مشاعر يجب أن أبيح بها لمقامك العالي صدقاً وصراحة أنا كتبت لكل ملوك العرب بدءً من جلالة الملك الراحل فاروق الأول فاروق مصر المنشور بصحيفة الفكر وأنتهاءً بالملك الليبي أدريس السنوسي المنشور بشبكة الاعلام بالدنمارك لأن عندي ميول بحت للأنظمة الملكية وأمنيتي أعيش كمواطن بظلها وتحديداً مملكة هولندا عبر اللجوء الرسمي لأن راح مني الغالي والنفيس بالعراق دليلي الدامغ منشور بمجلة الغربة بعنوان صرخة الوالد الجريح الإعلامي حسين محمد العراقي واليوم أريد أقصد هولندا لأخدم قضيتي (أحترام النظام الملكي؟ أينما وجُد) فلم أجد مثلكم للقبول والتقدير تحية إكباراً وإجلال إلى من آزرني فلنْ أنساه ما حييت .

ولد الملك فيليم الكسندر في 27 أبريل 1967 وهو أول رجل سيتولى عرش هولندا منذ 123 عاما حيث توفي آخر ملك هولندي عام 1890 ومنذ ذلك الوقت تعاقب على العرش نساء (ملكات) فقط أما عن حياته تعلم في المدرسة الثانوية البروستانتية في مدينة لاهاي وبعدها أدى الخدمة العسكرية في البحرية الملكية الهولندية وذلك من أغسطس عام 1985 إلى يناير عام 1987كما تلقى تدريبه في الكلية البحرية الملكية الهولندية ودرس التاريخ وحصل على الشهادة الأكاديمية بعام 1993

 

حسين محمد العراقي - العراق

سر الوجود ومعنى الوجود هو ما يجعل للحياة طعما و دلالة على اعتبار أن الإنسان يعيش في عالم من الدلالات والمعاني.

لكل شيء معنى لا علاقة له إلا بذاتي أنا كإنسان، فأنا الحامل للمعنى و أنا المصدّر له، ما يجعلني أفهم الأشياء بلغتي و قاموسي الخاص.

تتعدد الموجودات و المواضيع لكن لا تحمل في ذاتها معنى غير ذلك الذي أعطيته لها أنا كذات يسكنها الماضي وما تركه الألم من آهات و أنين. و الحقيقة أن كل واحد منا حامل لكل المعاني هو وحده من يمتلك شفرة حلها.

علاقتنا بالأشياء تبدو واحدة لكن كل واحد يمتلك مبدأ القبول و النفور للأحداث انطلاقا من ذاته. فهل العقل  من يحدد السلوك ويعطي دلالة للمعاني، أم أن الذات حاملة لأسرار أخرى ؟ ألا يمكن القول أن التسليم بالعقل يحجب عنا أسرار الانسان وحقيقة وجوده و تفرده ؟

يبدو أنها حقائق لا يمكن أن تخرج عن ما هو ذاتي وتاريخ فردي خاص بكل واحد منا.

 بين الوجود وحقيقة الوجود معاني تجد لها رموزا في ذاكرة كل واحد منا ، هي لغة الذات مع نفسها، هي قاموسها الذاتي، بل سر من أسرارها. فتأخذ المعاني صفة السلوك وتعبر عن نفسها في صيغة الفعل  وتكسب للذات صفات أخلاقية معينة . هي معاني خطت في مخيلة الفرد من خلال معاناة مضت وتركت آثرها على مستوى الفكر في شكل دلالات تكون سر كل قبول أو رفض.

كل واحد منا يتكلم عن صندوقه الغامض من خلال عقله بلغة واضحة ليبدو بطلا في تأليف الأفكار والمنطق. و كأنه لا يمكن أن يبرر وجودها سوى المنطق الزائف في ربط العلاقات فيما بينها. ألا يمكن الحديث عن ربط الأحداث والدلالات، عوض استنباط الأفكار من بعضها البعض من أجل الفهم؟

تتكلم الذات عن نفسها في شكل سلوك قد لا يكون له علاقة سوى بما حدث ، فما هو ذاتي يستعمل العقل ليصبح موضوعيا يفرض الاتفاق و الاجماع. فلا تستطيع الذات إذن الخروج عن أحاسيسها الماضية و يضللنا العقل ليخفي كل نشاط سواه، وكأنها خدعة من خدع الذات المصدومة في نفسها.

  وبهذا المعنى، أكيد ليس هناك من هو شرير و الآخر طيب بل هناك من تختار له المعاناة لغة خاصة في فهم الأحداث و سيرورتها. إنها ما يشكل نقطة الاختلاف بين الناس، فهي ما يجعلهم يتكلمون لغة واحدة و لكن بأحاسيس مختلفة.

أكيد إذن كيفما أرى الأحداث و كيفما أفهمها هو الذي يحدد سلوكي، و الفهم له قاموس واحد هو التجربة الذاتية وليس العقل و المنطق كما قد نعتقد، غير أن الناس يحاولون إقناع بعضهم البعض باستعمال مختلف آليات الحجاج  كي نوحد هويتنا الإنسانية باعتبار أن الإنسان كائن عاقل بامتياز كما يقال. و مع أننا في كثير من الأحيان نعرف الخطأ لكننا نقوم به و كأننا نعانده أو نرغب فيه. و ما دام الأمر كذلك فما موقع الخطأ من الإعراب؟ هل يمكن أن يكون سوء استعمال للعقل؟ أم أن تفردنا في معاناتنا يفرض علينا البحث عن ما يوحدنا للتكلم عن إمكانية التواصل فنستعمل العقل كلغة مشتركة؟

أليس كل واحد منا سجين معاناته و لا يتواصل أو يتفاوض إلا معها حتى يظهر أو يخفي ما يريد إلى حينه؟

يتمظهر الإنسان إذن في تصويره الداخلي إلى حد الآن كأنه الكأس المكسور و الذي انتهى صوته مع الزمن لكن أشلاءه لا زالت تمزق أحشاءه بدون رحمة، و من كثرة الألم يتعلم الإنسان كيف يكون قويا مستدعيا قدراته العقلية المذهلة محافظا على وجوده في صورة كائن عاقل كما أريد له أن يكون.

عموما تعلم الطفل فينا كيف يداوي جروحه بالنسيان أو التناسي رغم قلة حيلته و بساطة فكره. فكبر فينا الطفل المكسور في أحشائنا  و عبر عن نفسه في شكل مواقف و سلوكات، تهجو الزمن و الظروف بطريقتها وتفرض حماية نفسها، فكل ذات اختارت لغة العقل لتحسن تواجدها بشكل اجتماعي راق متسامح مع الأحداث، و الحقيقة إنها لغة الألم ما يؤدي إلى بزوغ الدلالات و المعاني.

لغة الألم لها ما يبررها، ظروف قاسية استطاعت الخروج في شكل معنى أو موقف استحساني أو استهجاني، فكيف يخرج الإنسان من سجن آلامه و عذابه الأبدي متجاوزا جدار الأحاسيس السلبية؟ ما السبيل لتحرر الذات من هذه القيود ليتحرر معها العقل ؟

إن كل ما هو مفكر فيه أو غير مفكر فيه ليس سوى تعبير عن مجموعة أحاسيس سببتها المعاناة و الألم لازال صداها مدويا داخل الذات، و كل محاولة لتجاهلها يجعل منه إنسانا غريبا عن نفسه و عن غيره، لذلك فالتصالح مع الذات لن يكون إلا بلغتها الخاصة و بفك شفرتها الصعبة.

إنها الذات الغامضة حتى بالنسبة لنفسها، إنه الماضي الذي يتكلم بدون حدود مع أنه داخل قفص المعاناة المطوية عبر السنين في شكل تراكمات، تجعلنا نفهم الأشياء بمرجعتيها. إنها السياق العام لحسن التواصل مع الذات السجينة.

ويشيب ذلك الطفل فينا ويتكلم بلغة السنين ومعاناة السنين و لكن بخبرة أعمق، خبرة أتقن فيها لغة المعاني و بنوع من التمركز حول الأحاسيس الخاصة، يخرج منها بلغة الواقع ليصبغ ذاته بلون أحبه الجميع و بذوق الواقع الاجتماعي، غير أنه في الحقيقة يحمل تفردا و بصمة خاصة. وهكذا قد خدعتنا من جديد حنكة التجربة الفردية في تقييمنا للأحداث. 

 من تم لا وجود لمعنى خارج الذات و لا يمكن القول أن العقل أو الواقع من يصنع المعاني، بل هو الفرد وما صنعته الأحداث من مواقف و اتجاهات شخصية، إنه العالم المظلم في كل واحد منا هو  الحامل لكل المعاني. لا مجال إذن للحديث عن مفارقات: هذا شرير أو طيب، متخلق أو غير متخلق. لكن كل واحد تصنعه الظروف لتنتج معاني صلبة عنيدة تقهر كل عقل و كل منطق قد يتصارع معها الإنسان لكنها  لا تفرض إلا ما أنتجته المعاناة و أنينها، إما كرفض للأوضاع أو كدعوة لأخرى مناقضة تتلاءم بطريقة ما مع الأحداث و ستدمجها في هويتها بطابع خاص. و رغم تدخل العقل تطغى عليه الأحاسيس السلبية الماضية و التي كلما لامسناها أعطتنا بسخاء و أقنعتنا بأحاسيس صاخبة و دالة تفرض نوعا من التفكير دون غيره، فتصبح لغة الأحاسيس لغة الإقناع عوضا عن العقل.

و لهذا لم يستطع العقل التحكم في الحقد و البغض، بل كان في خدمتها كدليل على أن لغة الأحاسيس المتوحدة مع الذات هي ما يعبر عن حقيقة هويتها وما يفسر منطقها وسلوكها وجبروتها أو ضعفها. يعمل العقل دائما على إخفاء كل منطق خارج عن منطقه.

هكذا تحرك الأحاسيس الإنسان بشكل جنوني وبطاقة رهيبة لا تعرف من أين تتدفق وكيف تعمل و في أي اتجاه تسير ووفق أي منطق تشتغل. كيف نفهم الأحاسيس المتذبذبة و الزئبقية و المستهترة بكل شيء سواها، لا تتقن إلا لغتها الأصلية المستنبطة من كل معاناة معاشة، إنها العالم المعيش والتجربة الذاتية مع الأحداث ما يعطي كل الدلالات و المعاني الفردية. فكيف تخرج الذات المفكرة من سجن الأحاسيس السلبية المدمرة؟

لابد أن نحسن التواصل مع الذات، لا بد من معرفة معتقداتها التي تحركها و القادرة على رفع مقياس حرارتها الطبيعية، ولفك شفرتها كان لا بد من القراءة  الجيدة للأحداث من جديد لنغسل قلوبنا مما علق بها من جراء السنين وآلامها ثم السماح للغة الأحاسيس الخروج من معقلها حتى لا تخدع نفسها وغيرها .

جرح الألم لا زال ينزف في شكل مواقف طالما لم نحاول وقف نزيفه، وتجاهله سيظل مصدر ألم لكل ذات أخرى.

 إنه عالم الأحاسيس الغريب حاولنا طرق بابه لعله يبوح لنا بشيء من أسراره المسكوت عنها والتي يجب أن ندخل معها في حوار دائم وإلا وجهت سلوكنا في اتجاه غريب قد لا نعرف نهايته.

 

بقلم : رشيدة الركيك

 

 

 هذه القصّة رواها بالعبرية الكاهن الأكبر، يعقوب بن عزّي المعروف بأبي شفيق، (١٨٩٩-١٩٨٧، كاهن أكبر منذ عام ١٩٨٤ وحتّى وفاته) على مسامع بنياميم راضي صدقة (١٩٤٤ــ) الحولوني، الذي سجّلها، صاغها من جديد ونقّحها. أبو شفيق من  أشهر الشخصيات السامرية في العصر الحديث، كاتب وصحفي، له عدّة كتب ما زالت مخطوطة مثل كتاب السامريين، وصيتي وتاريخ حياتي؛ كنت قد تعرّفت عليه في بداية سبعينات القرن الماضي في مكتبه في نابلس، واستفدت من علمه في إعداد أطروحتي للدكتوراة في حينه بإشراف الأستاذ زئيڤ بن حاييم (١٩٠٧-٢٠١٣).

في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة المنشورة في الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددان ١٢١٧-١٢١٨، ١٠ حزيران ٢٠١٦، ص. ١٦-١٩. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩ وما زالت تصدر بانتظام، تُوزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”نعم يا بِنياميم، يا ابني، أنت تقُصّ عليّ حكاياتٍ قصّها عليك بعض آباء الطائفة حول عجائب قرية عورتا وقبر الكاهن الأكبر، إلعزار بن أهرون، ابن شقيق سيّد الأنبياء، موسى عليه السلام. نعم، حكايات حيث الخيال فيها يطغى على الواقع. لا، لا، لا سمح الله، لست بصدد ازدراء ما قصّوا عليك، لأنّ موقع قبر إلعزار في عورتا رائع وعجائب كثيرة حصلت فيه. منها ما سمعته من والدي، وجدّي الذي ربّاني بنفسه، الجدّ الكبير، يعقوب بن أهرون رحمة الله عليه. في الواقع لا أشُكّ في قصصهم، حول ما شاهدوا هم أو آباؤهم في ذلك المكان.

على سبيل المثال، هناك قصّة عن ذلك القروي الذي تواجد في المكان وحمّل حماره بأكياس مملوءة بورق العنب سرقها من أشجار الكرمة، التي نبتت في موقع القبر. عندما وصل بيته، وأنزل الحمولة المسروقة عن حماره، اكتشف لدهشته الشديدة ولقلقه المتفاقم، أنّ كلّ ما سُرق من هناك قد دَوَّد لدرجة عدم صلاحيته للطعام، بالرغم من أنّه قبل قليل، كانت الأوراق طازجة غضّة.

هذه قصّة قصيرة عن من يمدّ يده ليختلس، ونهايته تكون لعنة عمله حالّة به. قد قال سيّد الشعراء، مرقه، في قصيدته ”أنظر إلينا“ [أنظر زئيف بن حاييم، عبرية وآرامية السامرة، مج. ٣، سفر ثان، القدس ١٩٦٧، ص. ١٣٣ إلخ. في الأصل بالعبرية] التي لا نظير لها، وقيل الخزي لا يعرف إلى أين يسير، حتّى يعود ويحلّ بفاعله. لا ترتاح الخطيئة حتّي تعود وتضرب الخاطىءَ نفسه. أعليّ أن أُثبت لك، بناء على أمور تحدث لنا في الوقت الراهن؟ أثمّة حاجة تقضي بأن أشير إليك عن هذا الشخص أو ذاك، حيث أنّ أفعاله المنحرفة في الماضي، تعود الآن وتضربهم هم، وبصورة شديدة لحدّ بعيد.

ولكن، لا أُومن بأيّ شكل من الأشكال، بعجائبَ أُخرى من الماضي القريب، كنت قد سمعت عنها وكأنّها جرت في عورتا. وعلاوة على ذلك، شهد الراوون بأنّني كنت حاضرًا عند حدوث بعض تلك العجائب. مثال على ذلك، تلك القصّة التي قصّوها عليك حول صينية المجدرة (عدس وأرز)، التي أشبعت خمسين ألف مواطني القرية العربية عورتا، الذين انقضّوا عليها في موقع القبر، بدل الانقضاض على السامريين، الذين حضروا لزيارة المكان.

كنتُ هناك. عدد سكّان عورتا اليوم أقلّ من خمسة آلاف؛ لم يكن هناك خمسون ألفًا، بل خمسة أشخاص سبّبوا لنا إزعاجًا في زيارتنا. عندما يعمل الخيال الشرقي، فلا حدّ لخيال القاصّين المُجنّح.

 

ختم التوراة وخِطبة في عورتا

ما أودّ أن أقصّه عليك هي قصّة حقيقية. قصّة لي فيها شخصيًا ضلع، وهي تدور حول مضايقة أهالي عورتا لنا في موقع قبر إلعزار، وكيف نجونا منهم بفضل صمودنا وحيلتنا. مثل هذه المضايقة لم تكن أمرًا نادرا. في كل زيارة تقريبًا، كان شباب القرية وفتيانُها، يتجمّعون حول حفنة من الزوّار السامريين، ويحاولون التحرّش بهم والاعتداء عليهم. كل هذا لم يردع السامريين من العودة لزيارة المكان، لا سيّما في المدّة الواقعة بين الفسح وأيام ما بعد عيد الأسابيع. كان السامريون يُحضرون معهم الكثير من المأكل والمشرب، يجلسون في موقع القبر حيث النسيم العليل المنعش.

هناك جلسنا نحن أيضًا، وأمضينا ساعاتٍ طويلةً من الفرح والاطمئنان، بالرغم من اللحظات القاسية التي استخدمت فيها أذرع زعران القرية العربية. القصّة التي أودّ التحدّث عنها، حصلت في بداية أربعينات القرن الماضي. حتّى تلك الزيارة، كنت آمل على مدى سنين، أن أعود وأزور قبر إلعزار، إلا أنّ الظروف حالت دون ذلك. لولا تلك المناسبة التي طالتني، لكانت زيارتي للمكان أمرًا مشكوكًا فيه ومؤجَّلًا لأعوام كثيرة.

كان ذلك عندما نوى حُسني (يفت) بن إبراهيم صدقة، صديقي الغالي رحمه الله، أن يقيم في المكان ثلاثة أفراح لثلاثة أبنائه. فرح ختم التوراة لابنه الوحيد صدقة ابن الستّ سنوات، وفرح الخطوبة لاثنتين من بناته الجميلات.

لا شكّ أن ذلك كان أسعد يوم في حياة حسني، حتّى ذلك الوقت. إنّه رجل طويل القامة، عريض الكتفين، أشقر الشعر، منتصب ووسيم ولا نظير له. كان السامري الأول الذي تزوّج من يهودية، وكما تعلم لم ينظر السامريون إلى ذلك بعين الرضا قطّ، بل بالعكس. لم يرضوا عنه إلى أن أنجبت زوجته مريم ستّ بنات وبعثت الأمل في قلوب العُزْب  السامريين، الذين خاب أملهم في الزواج يومًا ما قبل ذلك.

وقف عند بوّابة موقع القبر وأحاط به زوجته، ابنه وبناته الستّ الجميلات الجذّابات. ابتسم لكلّ القادمين، كهنة وشيوخ وشباب ونساء وأطفال، وصلوا بسيّارات استأجرها حسني بماله. كان موسرًا واعتاش جيّدًا من عمله في المسلخ في يافا.

أظنّ أنّ جميع سامريي نابلس تقريبًا قد حضروا في ذلك اليوم إلى عورتا. وكذلك قدِم السامريون القلائل الذين سكنوا في يافا. لا ريب أنّ لا أحد أراد أن يفوّت فرحًا مثلثًا كهذا يقيمه حسني السخيّ، وخصوصًا في مكان جذّاب إلى هذه الدرجة، مثل مكان قبر إلعزار بن أهرون في عورتا. نُحِرت الخراف ومُلّحت. أُعدّت ألوان كثيرة من الطعام، شتّى السلَطات، النبيذ والعرق بوفرة. فرح حقيقي حقًّا خيّم على المكان. آآآخ! أين هي تلك الأيّام الحلوة؟

أصوات الفرح والمرح، ضحكات النسوة، وصياح الفتية استدعت فتيان قرية عورتا وشبابها العنيف. تجمهروا بعشراتهم على أسوار موقع القبر، أخذوا يحدّقون بالنساء الجميلات وخصوصًا أولائك اليافويات. أخذوا بالغمز  البشع نحوهن، ولم ينقطعوا عن مضايقتهن واستفزازهن.

 

 تآمر

أخذ الجوّ بالتكهرب لحدّ إمكانية إلحاق الأذى بنا جميعًا بعراك الأيادي. في تلك الأيّام، عملت مراسلا للصحف العبرية في نابلس وساعي الصحيفة الإنكليزية Palestine Post واليوم Jerusalem Post. علمت أنّه إن لم أقم بشيء ما فإنّنا سنهلك. دعوت أحد الضيوف النابلسيين، بدون أن يلاحظ ذلك أحد، وسلّمته رسالة قصيرة ليوصلها على جناح السرعة إلى مكتب الشرطة في نابلس. استجاب ذلك النابلسي على الفور، ودّع المضيفين، استقلّ سيّارته وسافر إلى نابلس. كتبت للكولونيل پشچيرالد (Pichgerald) مدير الشرطة البريطانية:

عزيزي الكولونيل پشچيرالد،

نحن في خطر كبير، إن لم تنقذ حالًا الطائفة السامرية المسكينة، فسيقتلنا أهالي عورتا.

يعقوب بن عزّي

فلسطين پوست.

 

ربطتني علاقة صداقة وطيدة مع الكولونيل پشچيرالد الذي أحبّ السامريين كثيرا، وكنت واثقًا  من وصول المساعدة حالا في حال تسلّمه البطاقة.

 

الانقاذ

لقد نجحت المحاولة، بعد وقت قصير، رأيناه من أصعب الأوقات بالنسبة لنا كلّنا، كل الحضور، لأنّ قبضايات القرية بدأوا بضرب شبّاننا. سُمعت جيدًا أصوات سيّارات جيب الشرطة البريطانية المسرعة في أعالي التلّة، وعندها هرب عرب عورتا إلى قريتهم. الكولونيل پشچيرالد كان قد أرسل وحدة شرطية لتتمركز في مداخل القرية. وهكذا اعتقلت الشرطة كلّ الهاربين وأعادتهم إلى مكان القبر.

”من ضرب السامريين يعتقل في نابلس، أما الآخرون فعليهم جمع الحطب ونشل الماء لجميع المشتركين في الفرح طالما السامريون متواجدون هناك“، هذا كان أمر الكولونيل پشچيرالد لشيوخ ومختار قرية عورتا، الذين أُحضروا إلى المكان.

طلبتُ من الكولونيل أن يسرّح أهل القرية، لأنّنا نغفر لهم أعمالهم المتهوّرة المتسرّعة. استجاب الكولونيل، ولكنّه أصرّ على أن يقوم عشرة من أهالي القرية بخدمتنا كحطّابين وسقّائين، مثل الجبعونيين في عهد يوشع بن نون. [ּأنظر سفر يشوع بن نون الإصحاح العاشر].“

 

ترجمة حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

الترجمة الحرفية – الفشل اساس النجاح.

التعليق – يوجد مثل عربي طريف في هذا المعنى وبمختلف اللهجات العربية وهو - الخسارة تعلم الشطارة، وهناك امثال عربية عديدة في هذا الشأن منها – الانسان يتعلم من اخطائه // من يتعذب كثيرا يتعلم كثيرا ...، وبشكل عام فان هذا المثل عالمي ويمكن ايجاده - وبصيغ مختلفة - عند الكثير من الشعوب.

+++++

الترجمة الحرفية – والسباحون الماهرون يغرقون.

التعليق – كل شئ جائز في الحياة، ولا توجد ضمانة مطلقة ابدا في كل شئ، ف ذ(لكل حصان كبوة)، و(لكل عالم هفوة)، وكل ذ(سبٌاح ياباني ماهر قد يغرق!).

+++++

الترجمة الحرفية - الكذب اول خطوة للسرقة.

التعليق – الكذب اساس كل خطيئة في الحياة، ومن يكذب يمكن ان يقترف الخطايا الاخرى ايضا، ومنها السرقة طبعا، وذ(اللي يسرق البيضة يسرق الجمل) كما يقول المثل العربي الطريف باللهجة المصرية .

+++++

الترجمة الحرفية – من الافضل ان تكون عدوا لانسان جيد، من ان تكون صديقا لانسان سئ.

التعليق – مثل عالمي، وقد استقر بالعربية كما يأتي - عدو عاقل افضل من صديق جاهل.

+++++

الترجمة الحرفية – مرحلة الشباب لا تتكرر مرتين.

التعليق – كل مرحلة من مراحل العمر لا تتكرر مرتين، الا ان الانسان يتذكر دائما مرحلة الشباب بالذات لانها الاجمل من كل المراحل الاخرى، ويوجد بيت شعر نعرفه جميعا في هذا المعنى وهو –

الا ليت الشباب يعود يوما لاخبره بما فعل المشيب .

+++++

الترجمة الحرفية – لا تثق بالشخص الذي يمدحك.

التعليق – مثل ذكي وصحيح جدا، وهو يدعو الى طرح السؤال الآتي – لماذا يمدحك الشخص ؟ والجواب عن هذا السؤال يستوجب الحذر من هذا الشخص الذي ربما يريد تحقيق مصلحته الشخصية بهذه الوسيلة.

+++++

الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تكون ألاقدم منذ البداية.

التعليق – كل شئ يتطلب وقتا ضروريا لتنفيذه، ولا يمكن للانسان عدم الاعتراف بهذه الحقيقة البسيطة والخالدة ابدا .

+++++

الترجمة الحرفية – البذرة التي لا تبذرها لا تنبت.

التعليق – كل شئ يحتاج الى عمل وجهد كي تكون هناك نتائج، ولا يمكن اخراج حتى السمكة الصغيرة من النهر دون جهد حسب المثل الروسي، فكيف بالبذرة التي لا نبذرها؟ .

+++++

الترجمة الحرفية – العلاقات المفروضة لا تستمر طويلا.

التعليق – العلاقات الانسانية الحقيقية طوعية . يوجد مثل عربي في هذا المعنى وهو - كل شئ بالسيف الا المحبة بالكيف، وهناك مثل روسي يقول – لا يمكن ان تكون بالاكراه حبيبا .

+++++

الترجمة الحرفية – كيس الرغبات بلا قعر.

التعليق – توجد العديد من الامثال العربية في هذا المعنى منها باللهجة العراقية – ركبته ورايه مد ايده بالخرج، ذ(الخرج – بضم الخاء، مكان حفظ النقود والاشياء الثمينة)// ايدهم بالماعون واصابعهم بالعيون // ...، وعلى الرغم من ان هذين المثلين يضربان – قبل كل شئ - لنكران الجميل ، الا انهما يصلحان ايضا ان نقارن بهما المثل الياباني هنا.

+++++

الترجمة الحرفية – الذي يرتدي معطفا من القش لا يطفئ النار.

التعليق – المثل الروسي يقول - القش مع النار لا يتصادقان.

+++++

الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تضع بابا على كل فم.

التعليق – يوجد مثل روسي في نفس المعنى بالضبط، ولكنه يستبدل الذ(باب) في المثل الياباني ب ذ(المنديل). الصورة الفنية في المثل الياباني اكثر تعقيدا وغضبا وحزما وجذرية.

+++++

الترجمة الحرفية – بعض الاحيان الهروب يعني الانتصار.

التعليق – يوجد مثل باللهجة العراقية في هذا المعنى يقول - الهزيمة ثلثين المراجل، ذ(المراجل – جمع مرجلة اي الرجولة)

+++++

الترجمة الحرفية – قبيل العيد افضل من العيد نفسه.

التعليق – اجواء استقبال العيد وانتظاره تمنح للانسان فرحا وبهجة واملا ومزاجا خاصا قد يفوق فعلا الواقع في العيد نفسه.

+++++

الترجمة الحرفية –  غصن اعوج – ظل أعوج.

التعليق – الظل هو انعكاس للواقع، ولا يمكن ان يختلف عنه، فاذا كان الاصل اعوجا ف (الظل!) سيكون كذلك بلا شك . يؤكد المثل العربي هذه الحقيقة، ويقول - لا يستقيم الظل والعود اعوج.

+++++

الترجمة الحرفية – الذي يشرب الخمر لا يعرف مضاره، والذي لا يشربه لا يعرف فوائده.

التعليق – كل شخص يحاول ان يبرر عمله، وكل ذ(يبكي على ليلاه !)

+++++

الترجمة الحرفية – الاسماك الكبيرة لا تعيش في المستنقع.

التعليق – ولا يمكن للناس الكبار ان يعيشوا في (مستنقع الحياة !) ايضا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

يتحدث فيلم الرعب "التاريخي-الفانتازي" هذا عن مواجهة امير مخلص وعائلته، والذي يضطر مجبرا للتحالف مع قوى شريرة "ما ورائية "لمواجهة اعداءه الكاسحين، متورطاهو نفسه بمصيرأسود مخلد شيطاني!

الفيلم من بطولة لوك ايفانس ودومينيك كوبر وساراجادون  ومن اخراج جاري شور.

بالفعل فالشريط يتناول الموضوع من زاوية مختلفة، تحمل بعدا تاريخيا (قوميا)، حيث يواجه الأمير فلاد (الذي يدعى بالمخوزق) طلبات السلطان التركي الصارمة للحصول على ألف فتى من امارته، بغرض تحويلهم لمقاتلين أشداء، وحيث يذكره السلطان الذي كان صديقه فيما مضى، بأنه تركه بقصد لينجو (من الخوزقة العثمانية الشهيرة)، ولكي يؤسس فيما بعد امارة "تراسيلفانيا، لتعيش بسلام بجوار الامبرطورية التركية، ولكن فلاد لا يرضخ ببساطة لأمر السلطان، ويعد شعبه بالحل، ويتذكر انه أثناء رحلة كشفية بكهف مجاور غامض يكتشف بالصدفة مخلوقا عتيقا مرعبا يعمل كمصاص دماء كاسح، ويقتل رجلي فلاد ويتركه بقذفه خارجا!

ينجح فلاد مبدئيا بقتل ألف من جنود السلطان بفضل قواه الخارقة الجديدة،التي اكتسبها من مصاص الدماء، ولكنه يفشل لاحقا بانقاذ زوجته الحبيبة بعد سقوطا من تلة مرتفعة باحدى المعارك، ويفلح بالحفاظ على حياة ابنه الصبي الذي لا يزيد عمره عن الثانية عشرة (بمساعدة كاهن صالح) ...ولكن لا يمكن لفلاد مواجهة الجيش العرمرم للسلطان العثماني الفاتح "محمد الثاني" الا بأن يتحول حقيقة  لمصاص دماء حقيقي، ويقوم بنقل العدوى لرفاقةالبسلاء، لمواجهة طموحاتالسلطان العثماني  بغزو اوروبا، وفي لقطة معبرة نجدالسلطان يخاطب جيشه الصاغرمقنعا اياهم للتحول "لعميان" لضمان شدة بأسهم وتقدمهم بالمعركة القادمة...هكذا تتحول المعركةالأخيرة معالأتراك لمجزرةحقيقية، تشارك فيها مجاميع الوطاويط السوداء القاتلة بأنيابها الماصة للدماء، كما ينجح السلطان بالمواجهة الأخيرة مع خصمه العنيد فلاد،باستخدامهالبارع لكم هائل من العملات الفضية  وبسيف فضي قاطع مستغلا ضؤ الشمس الساطع (الذي يؤثر سلبيا عل قدرات مصاص الدماء)، ويكاد يتغلب عليه محضرا نفسه لطعنه بخنجر خشبي في قلبه (كما تقول الاسطورة)، ولكن فلاد يستقوي باللحظات الأخيرة بالوطاويط القاتلة ويتمكن من قتل السلطان وشرب دمه بنابيه الحادتين. هكذا تنتهي المعركة الفاصلة  بهزيمة كاسحة للجيش التركي وبنجاة الامارة من الغزو والاحتلال، ويتم لاحقا تنصيب ابنه الفتى الصغير كأميرجديد لترانسيلفانيا، ويتحول اسم "دراكولا" لاسطورة خالدةعبرالزمن، ويتمكن أحدأصدقاء فلاد المقربين من انقاذه من حالة النزاع المقاربة للموت، ولكنه يفضل ان يبقى في الخفاء بعيدا عن الأعين. الشيء الذي لفت نظري في الفيلم تاريخي محاولة الفيلم الناجحة لاستدعاء "ظاهرة الخوزقة" في ممارسات الامبرطورية العثمانية، والتي ساهمت ربما في دب الرعب والصدمة بالأعداء وتحقيق انتصارات سريعة كاسحة بالاضافة لمهارة استخدام قذائف المدفعية بوابل متلاحق لا يرحم!

في المشاهد الأخيرة نرى الحياة بمدينة عصرية، ونلاحظ امرأة جميلة تدعى مينا وتشبه لحد بعيد زوجته الراحلة ميرينا، ونرى رجلا يشبه فلاد بل يكاد يكون هونفسه، وهو يثني على جمال زهورها الجميلة ويتوج ذلك ببيت شعري مفضل، وتنجذب له شاكرة وتغادر بصحبته...ثم نرى مصاص الدماء الخالد جالسا بقهوة مجاورة، بوجهه الشاحب العتيق الماكر، وقد استفزه المنظر وهويتبعهما باصرار، مكررا نفس الكلمات التي سبق ووجهها لفلاد قبل أن يحوله لمصاص دماء في الكهف القديم: دع اللعبة تبدأ من جديد!!

تحمل الممثل لوك ايفانس عبء نجاح الفيلم وتقمص بنجاح شخصية "شكسبيرية"تراجيدية قدرية، ولم يكن مقنعا (وربما بقصد) باداءه لدورمصاص الدماء "المخيف"، محاولا أن يقدم أحسن ما لديه،كمابرعت الممثلة دومينيك كوبر بدورالزوجة المحبة المتفانية، حاول لوك استنساخ دور "راسل كراو" بفيلم "جلادياتور" الشهير، ولكن مشاهد القتال لمتكن مقنعة فلا دماء ولا جروح ولا مواجهات واقعية، وانما مؤثرات "كمبيوترية"ايحائية ضعيفة...فشل الفيلم بمحاولته لافتقاده لهوية لافتة كفيلم رعب "مخيف"، ولكنه نجح بمزج القصة بأحداث تاريخية ذات صبغة "بطولية"،كما حاول المخرج استنساخ اسلوبية فيلمي "فان هيلسنع وباتمان يبدأ"، ولكن بالحق فهناك مشاهد قليلة لافتةومثيرة للاعجاب كمشهد تحوله التدريجي لمصاص دماء،وكمنظر سقوط زوجته ومحاولته لانقاذها، وكمشهد انقضاض مصاص الدماء العتيق عليهم بالكهف، وكحشود الجيش التركي الغازي العرمرم، وكبعض المشاهد الطبيعية الغامضة التي تذكرك بعبق التاريخ، وكذلك كالمشاهد الأخيرة العصرية المفاجئة، وذهلت حقا من مشاهد"خوزقة البشر" السيريالية التي بدت غبر مألوفة ومرعبة ومخزية كممارسات وحشية "تركية النكهة" (وقد شبهتها بمشاهد "قطع الرؤوس" الداعشية الراهنة)! ولكن بالرغم من عشرات الأفلام العصرية المتنوعة التي تستند لثيمة "دراكولا"، فلم ينجح أي فيلم منها لتجاوز "ابداع" الفيلم الأصلي المنتج بالعام 1931، الذي قدم بالفعل "فيلم رعب" كلاسيكي شيق واستثنائي، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، تماما كتحفة كوبولا بفيلم العراب الشهير، التي نرى الكثير من  أفلام العصابات على مدى العقود وحتى بوقتنا الراهن، وهي تسعى جاهدة لتقليدها واستنساخ بعض مشاهدها ولكن دون ان تتجاوزها!

 

مهند النابلسي

  

كان سؤالاً غريبا يحمل معهُ الكثير من الاستغراب والحيرة وبنفس الوقت الاستفسار والتساؤل، وجهته أحداهنْ لي، قائلة:" هل أنا متشائمة؟!"، فقلت لها:" لما تقولين هذا عن نفسكِ؟!"، فأجابت:" هكذا يقولون لي؟!". 

فقلت لها:" أنتِ ترين نفسكِ متشائمة؟!"، فأجابت:" لا"، أخبرتها:" أنتِ إذن فقط من يحق لهُ الحكم على نفسها وتصنيفها وتسميتها، لأنهُ أنت من تمتلك نفسك وتعيش ذاتك وتعرفها وتعرف ما بداخلها، ولا يحق لأي أحد مهما كان أن يسميك أو يصنفك، ويضعك في قالبًا ليس لك، من منطلق فكرته ونظرته وتحليله النابع من فكره فقط أو مستند لأفكار الآخرين!". ثم أكملت قائلة لها:

" من كان بيته من زجاج، لا يرمي الناس بالحجارة"! أنها مشكلة إنساننا في أيامنا هذه، لا تستغربي وتتعجبي! عندما ترين كيف يحكم على الآخرين لمجرد تصرف أو سلوك أو موقف صادفه؟! يحكمون على غيرهم وينسون أنهم بشر مثلهم، يعيبون غيرهم والعيب فيهم، يعطون لأنفسهم السلطة والحرية للحكم على الآخرين ويولون نفسهم قضاة! أتعجب من الناس الذين يستعجلون الحكم ووصف الآخرين بصفات مذمومة وغير مستحبة، لمُجرد كلام مسموع ومتناقل، أو لمجرد نظرتهم الانفرادية! 

أتعجب من الناس الذين يعتبرون ذم الآخرين والحديث عنهم تسليتهم الوحيدة! أتعجب من آخرين يُقيمون آخرين مثلهم على حساب آخرين من خلال ملبسهم وحديثهم وهم لا يعلمون ما في داخلهم وما هي ظروفهم! أتعجب من إنسان همهُ الوحيد، كيف يجعل إنسان مثلهُ أدنى شأنًا؟! أتعجب من إنسان، كيف ينام مرتاح البال وهو قد يكون ظلم وأهان إنسان؟!

مشكلة هي فعلا!

مشكلة هي حينما يصعب فهم الحياة والإنسان!

مشكلة هي حينما الإنسان يبحث عن المشكلة ذاتها!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بالتمادي والقول أكثر مما ينبغي!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بالتمادي في التصرفات ضدّ أنفسهم وضدنا، زيادة عن الحد المقبول!

مشكلة هي عندما نسمح للآخرين بخلق نظرتنا لأنفسنا!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بالترويج عن أفكارهم على حساب أنفسنا!

مشكلة هي عندما نسمح للآخرين بتسيير حياتنْا والتحكم فيها وعيشها على هواهم!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بصياغة كلامنا!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين أن يقولونا ما لا ينبغي أن يقال!

مشكلة هي حينما نفكر ماذا سيقول الناس، أو كيف سيرانا الناس؟ قبل أن نقول ونرى ونقيم أنفسنا نحن؟!

مشكلة هي حينما نقلل من شأننْا بتصرفات لا تمّد لإنسانيتنا بصلة!

مشكلة هي حينما نعيش دور الظالم ولا نفكر بالمظلوم!

مشكلة هي حينما نعيش الفراغ في كل شيءٍ بالحياة، والمشكلة الأكبر حينما نريد للآخرين عيشه!

مشكلة هي حينما أريد أن أكون أنا فقط!

مشكلة هي حينما نفقد الثقة بالنفس، ونقلل من أحترامها!

مشكلة هي عندما نعطي ثقة زائدة عن اللزوم لأناس لا يحترمون!  

مشكلة هي حينما نتسرع ونتخذ مواقف نجدها لاحقا خاطئة!

مشكلة هي حينما لا نملك الصبر، ولا نعطي مساحة للغير!

مشكلة هي حينما لا نملك شجاعة الاعتراف بالغلط والاعتذار! 

مشكلة هي حينما نحرج الآخرين بمواقف وتصرفات، ونضعهم أمامها فجأة!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بالتحكم بأفكارنا وأقوالنا!

مشكلة هي حينما نسمح للآخرين بالتحكم بمستقبلنا وحجب قراراتنا!

مشكلة هي حينما أظن نفسي الأفضل والأحسن، ونشعر الآخرين بأنهم أقل أهمية!

مشكلة هي حينما نُجبر البعض على الصمت في عز الكلام!

مشكلة هي حينما نعيش الحياة بتمردّ!

مشكلة هي حينما أقبل أن يأتي أحدٍ، وبوقاحتهِ وكبريائهِ أسمح لهُ أن يُصنفنيّ حسب ما يريد!

مشكلة هي حينما نظن أن الحياة قصة قصيرة، وأنها بلون واحدٍ!

ومشكلة هي ومن أكبر المشاكل أن لا نؤمن بالآخر كإنسان!

الحياة أن لم نعرف كيف نعيشها حسب ما ترتضيه إنسانيتنا، فهي مشكلة؟! أليس كذلك؟! كل إنسان له حريته وحياته وشخصه وقالبه الخاص الذي لا يمكن لأي أحد أن يتعداه أو يتجاوزه بدون آذن! فلما لا ننظر للآخرين كيفما ننظر لأنفسنا ونريدها؟! لما لا نترك تلك (الأنا) التي طالما ترافقنا أو نخفف منها؟! لما لا نستعيد إنساننا ونبادر إلى أصلاح ما يعتكفه أحيانًا؟! لما لا نرمم أرواحنا ونسمو بها؟! لما لا ننظف داخلنا وقلوبنا؟! لما لا نجعل النور يسكننا بدل الظلام ونستعيد أنفسنا؟! ....الخ، لا تنتهي التساؤلات! أعرف أننا لسنا ملائكة وأنا لا أدعو للقداسة، ولكننا إنسان يملك بداخله إنسانيته، فيجب أن يتصرف على ضوئها. 

 

zuhair itbabtoإنه لا يخفى على ذي النظر الحصيف أن كل عصر عى امتداد الزمن قد عرف بعلمائه وفرسانه وشعرائه وأدبائه، وهكذا هي الجاهلية: حقبة أرخ لها بالامتداد إلى 150 سنة قبل الإسلام حسب شوقي ضيف في سلسلته:"تاريخ الأدب العربي-العصر الجاهلي"، عرفت بمجموعة خصال منها الطيب والسيء، وكذا برجالها فمنهم العالم ومنهم القائد ومنهم الحكيم...وخيرهم الشاعر، وهكذا كان الشاعر العبسي عنترة بن شداد من خيرة شعراء ذاك العصر، اعترف له الكثير بالجدة، وصنفت أشعاره ضمن ذرر الشعر العربي وخير دليل معلقته الشهيرة ومطلعها:

هل غادر الشعراء من متردم **** أم هل عرفت الدار بعد توهم

ولد وترعرع عبدا في كنف قبيلة عبس إحدى جمرات العرب الثلاث، وشهد في مسيرة حياته قيام حرب داحس والغبراء، ونال حريته في إحدى الغارات التي شنت عليه فقاومها مما جعل أباه فخورا به فنسبه إليه وللرواية تأكيد في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني،  الأساس أنه عاش فارسا مغوارا ومات كذلك.

لكن ما يهمنا في مقالنا هذا هو تحديد معالم الحكمة في شعر عنترة، والتي أغفلت طويلا، لكون الباحثين قد ركزوا في تحديداتهم على خصائص الذات في شعره الذي يكتنف في الغالب غرض البطولة والفروسية والفخر بالذات تارة وبالقبيلة تارة أخرى.

تأخذ الحكمة من النصيب في شعر عنترة الشيء القليل، فحديثه عنها حسب محقق ديوانه محمد سعيد كلوي: "ضعيف محدود الجوانب جدا لا يتعدى الحقيقة الواقعة التي يمكن أن تبرز لكل إنسان وأن يلم بها كل عاقل، لأنها مشهد الحياة الدائم الذي يكاد يغيب حتى يظهر، ولا يغدو حتى يروح، فحكمته تدور حول الموت وأنه نهاية كل إنسان وخاتمة كل مطاف والكأس التي لا بد من ورودها، والتي إذا جاء أوانها لا يمكن تداركها أو الحيدة عنها:

وعــرفــت أن مــنــيــتــي إن تـــأتــني  ****  لا يــنجي منــهـــا الـفــــرار الأســــرع

                                                 **** ****

     تعالوا إلى ما تعلمون فإننــــــي  **** أرى الدهر لا يـــنــجي مــن الــمــوت نـاجيا

وعنترة الفوارس نفسه كان يدري بأن الموت لا محالة سيدنو لها يوما ما رغما عن أنفه، وأنها منهل كل إنسان لا بد له أن تحل به، وعلى إثره يقول:

بكرت تخوفني الحتوف كأنني **** أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل

فأجبـــــتــها: إن المنية منــهل **** لا بــــد أن أســـقــــــى بـــــــذاك الـمــنهل

فاقني حياءك، لا بالك، واعلمي **** أني امرؤ سأموت إن لم أقتل

إن المـــــنـــية لــــو مــثـــــــلـــــت **** مــثـــلـــــي إذا نــزلــوا بضنك المنزل

وبهذا فإن عنترة بن شداد كما مر بنا عبر كتب الأدب والتاريخ، فقد شهد من عن الرواة في حياته أنه قد مات بعد عمر مديد، فعلى حد تحديد محمد سعيد ملوي محقق ديوانه قال: "ولقد رأينا سابقا أن عنترة قد عاصر حروب داحس والغبراء كلها. وقد رجحنا أن تكون سنه حين اشترك فيها ثلاثين عاما. وقد استمرت هذه الحروب أربعين سنة، مما يجعل سن عنترة في انتهائها سبعين سنة ونحن نتصوره قد عاش بعد ذلك فترة لا تصل إلى عشر سنوات*، مما يجعل حياته قرابة ثمانين عاما، وهي سن تتلاءم مع ما نقلته لنا النصوص من أنه أصبح رجلا كبيرا لا يقوى على القتال. ومعنى هذا أننا نرجح أن يكون عنترة قد قتل قرابة سنة 608 للميلاد أي قبل الإسلام بقليل. ولسنا ندعي اليقين، وإنما هو مجرد الترجيح". والله أعلم.

فالموت علينا حق جميعا، لا حول لنا ولا قوة فيه، ذاك أمر الله يفعل ما يشاء، وعنترة كان يدري أن الموت لا مفر منه، فكم من فارس شرب جرعاتها وذاق مرارتها من يد فارسنا، وبهذا قد خلص أن الموت كتبت له أيضا، وعينها سيشرب منها مهما طال الزمان،مثلما شرب الناس قبله وكما سيشرب الناس من بعده.

وآية القول، إن الأغراض التي غاص عنترة في نظمها متعددة ومتنوعة، أطال في بعضها وأجاز في بعضها الآخر. لكن يبقى شعره جميلا طاهرا عفيفا، صوره صورا بهية المنظر منمقة النظم، ذات دلالات وإيحاءات، عانق الواقع ووصفه، وافتخر تارة ووعد تارة أخرى، جمع بين الغزل العفيف والفروسية الفذة، لتكتمل فيه صورة الفارس العربي الأصيل بأبياته الحكيمة.

 

......................

الهوامش:

- ديوان عنترة: تحقيق ودراسة محمد سعيد ملوي، المكتبة الإسلامية، القاهرة، 1964م، ص102-103.

- ابن قتيبة: الشعر و الشعراء، تحقيق و شرح أحمد محمد شاكر، دار المعارف-القاهرة، 1982م، ج1، ص:254

- : لأننا لو تصورنا أنه عاش عشر سنوات فمعنى هذا أنه قد أدرك البعثة وهذا ما لم يقل به أحد من أهل السير والتاريخ، ولم يثبته واحد من علماء الحديث (نقلا عن هامش: ديوان عنترة، تحقيق ودراسة محمد سعيد ملوي، المكتبة الإسلامية، ص52)

 

في يوم ما رأى استاذ عقربا وهو يغرق في الماء، حينها قرر اخراجه وقام بذلك بالفعل الا ان العقرب لدغه.

وبسبب شدة الالم فأن الاستاذ رمى بالعقرب فوقع بالماء من جديد ورجع للغرق.

حاول الاستاذ اخراجه من جديد، الا ان العقرب لدغه مرة اخرى ايضا.

كان هناك شخص ما شهد الحدث، اقترب من الاستاذ و قال له:

" عذرا، انك شخص عنيد، الا تفهم بأنك في كل مرة تحاول فيها اخراج العقرب من الماء فأنه سيلدغك؟".

اجاب الاستاذ:

"ان طبيعة العقرب هو اللدغ، ولكن هذا لن يغير طبيعتي في مساعدة الاخرين".

حينها قام الاستاذ بالتقاط ورقة واخرج بها العقرب من الماء و هكذا انقذ حياته.

المغزى من هذه الحكاية:

- لا تغير من طبيعتك اذا ما تلقيت الاذى من احد، ولكن ضع ذلك في حسبانك.

- البعض يحاول الوصول الى السعادة، واخرون يخلقون تلك السعادة. عليك بجعل ايامك مستمرة بالسعادة.

- ان سلوك وافعال الاخرين يجب ان لا يؤثر على سلوكك و افعالك ولا تغير من مبادئك.

- اذا ماكنت ستغير من جوهرك فلن تكون حينها انت المعهود.

- النضوج و الازدياد في العمر لا يعني تغيير الجوهر.

- وتذكر اذا ما المتك روحك يوما ما فأن ذلك لان الله مسكك بقوة كي لا تقع، وتذكر انه اذا ما كانت الحياة قد فرضت عليك الف سبب لتبكي، فأنها ستبرهن لك بأن لديك الف سبب و سبب كي تبتسم.

 

ترجمة د. وسيم حميد صنكور

 

faroq mawasiقد يزاد بعض أحرف المعاني في مواضع معينة من الكلمات، وغالبًا ما يكون ذلك للتأكيد، والأحرف الزائدة تسمى أيضًا أحرف الصلة، ويعبّرون بالصلة، لأنه يتوصل بها إلى إعراب لم يكن قبل إثباتها، أو لتزيين اللفظ واستقامته.

...

من هذه الأحرف الباء.

تزاد الباء في المواضع التالية*:

* في خبر (ليس) و (ما) الحجازية، نحو {أليس الله بأحكم الحاكمين}- التين، 8 {وما ربك بظلاّم  للعبيد}- فصّلت، 46.

* في فاعل فعل التعجب إذا ورد على صيغة (أفْـعِـلْ)، نحو: أكرِمْ بزيد! فزيد هو فاعل زيدت عليه الباء، و(أكرِمْ) معناها كرُم- فعل ماض جاء على صيغة الأمر. وردت هذه الصيغة في الآية: {..أبْصِرْ به وأسمِعْ ما لهم من دونه من وليّ..}- الكهف، 26.

زيادة الباء في هذه الصيغة التعجبية واجبة.

..

* في فاعل (كفى)= {كفى بالله شهيدًا}- الرعد، 43،  والتقدير: كفى الله شهيدًا (فلفظ الجلالة فاعل كفى مجرور لفظًا مرفوع محلاً، و "شهيدًا"- تمييز منصوب)، ومنهم من يعرب:

 لفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من  ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

..

*في المفعول به: {ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلُكة}- البقرة، 195، {وهُزّي إليك بجذع النخلة}- مريم، 25.

وفي نحو قول المتنبي:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا *** وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا

الباء حرف جر زائد، الكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، داءً- تمييز منصوب، والمصدر المؤول من (أن والفعل)= رؤيتك- في محل رفع  فاعل كفى.

ملاحظة:

لا تزاد الباء في فاعل (كفى) أو مفعولها إذا كانت بمعنى أغنى، نحو "كفى المالُ الفقير"، ولا التي بمعنى الوقاية- {وكفى الله المؤمنين القتالَ}- الأحزاب، 24، وعلى ذكر هذه الآية، فثمة خطأ يتكرر في الاستشهاد بها، إذ يضيف بعضهم (شر) قبل كلمة (القتال).

يضاف إلى جزئية المفعول به:

 * بعد (عليك) – وهي اسم فعل أمر، واستخدام الصيغة كثير، نحو- عليك بالأمانة، عليكم بالصلاة...إلخ، فالأمانة مفعول به في محل نصب (لأن اسم الفعل يعني الزمْ)، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.

..

* في التوكيد بألفاظ التوكيد المعنوي- كالنفس والعين، جاء الشيخ بنفسه.

* تزاد في المبتدأ نحو: بحسبِك الجائزةُ- أي حسبك جائزةٌ، وفي نحو:

كيف بك إذا نجحت؟ فالكاف هي منقلبة عن ضمير منفصل (أنت) وإعرابها مبتدأ مؤخر، و"كيف" خبر مقدم.

* كذلك تزاد بعد (إذا الفجائية)، نحو: خرجت فإذا بالمطر. فالمطر مبتدأ مرفوع محلاً وخبره محذوف.

 

* تزاد في الحال المنفي عاملها كقول الشاعر:

فما رجعت بخائبةٍ ركابٌ *** حكيمُ بنُ المسيَّبِ منتهاها

* تزاد في خبر كان، ويشترط أن يسبقها نفي أو نهي:

وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكنْ *** بأعجلِهم إذ أجشع القوم أعجلُ

...

استشهدت أعلاه بعدد من الآيات، وجدير هنا أن أتحدث بإيجاز عن موضوع زيادة الحرف في القرآن:

...................................

ذهب كثير من اللغويين والبلاغيين إلى أن القرآن ليس فيه أحرف زائدة، وكانت في الموضوع مناقشات واسعة وطويلة.

غير أن  أكثر النحويين رأوا  أن هناك أحرفًا زائدة في القرآن وكلام العرب، إلا أن مرادهم بذلك أنها زيدت لضرب بلاغي، وغالبًا هو التأكيد، فزيادة الحرف زيادة في المعنى.

من المعاني التي يذكرها العلماء للحروف الموسومة بالزيادة:

1- التأكيد   2- التقليل    3- الجرس الصوتي

4- إفادة الفصل الزمني

 إلى غير ذلك من الفوائد التي تعرف من السياق.

....

هذه المادة مركَّزة، استقيتها من مصادر مختلفة.

 

 

faroq mawasiمن مآثر الخليل بن أحمد الفراهيدي* أنه وضع علامات الشكل، فالضمة اعتمدها من الواو، والفتحة من الألف ثم جعلها أفقية "  َ "(لتمييزها عن الألف القصيرة في نحو هٰذا)، والكسرة أخذها من الياء (المتوسطة بدون نقطتين، وبدون رأس)، وهكذا.

...

سُمّي الضمُّ رَفعًا لأن الضمة من الواو، ومخرج الواو من الشفتين، وهما أرفع من الفم.

وأما لفظة (الضمّة) فلأننا نضم الشفتين عند نطقها.

..

سمي الفتح نصبًا لأن الفتحة من الألف، والألف حرف منتصب يمتد إلى أعلى الحنك.

وأما لفظة (الفتحة) فلأننا نفتح الشفتين، وجرب أن تلفظ (قَرَأَ) مثلاً وسيتبين لك ابتعاد الفكين بعضهما عن بعض.

..

سمي الكسر جرًا لأنه من الياء التي تهوي عند النطق بها سُفلاً، فكأنه مأخوذ من جَـرِّ الجبل، وهو سفحه.

نلاحظ أن هناك من يسمي الجرّ الخَفْض، وهو النزول والانحدار في صوت الياء.

والخفض- انخفاض الفك السفلي عند النطق بالحرف المكسور.

يقول الإمام أحمد الطيبي المتوفّى سنة 979 هـ:

وَكُـلُّ مَضْمُـومٍ فَلَـنْ يَتِـمَّا *** إِلَّا بِـضَـمِّ الشَّفَتَـيْنِ ضَـمَّـا

وَذُو انْخِفَاضٍ بِانْخِفَاضٍ لِلْفَـمِ *** يَتِـمُّ وَالْمَفْتُوحُ بِالْفَتْـحِ افْهَـمِ

...

سمي الجزم جزمًا لأنه يقطع الحركة، فالفعل جزم= قطع.

والسكون من معنى انقطاع الحركة، ولا عمل للفم فيه.

...

حدثني أبي أنه كان يتعلم في الكُتّاب، وكانوا يسمون الحركات: رَفْعة، نَصبَة، خَفْضة (بدل الضمة، الفتحة، الكسرة)، وأما السكون فكانوا يسمونه (لا شيء عليه)، ولم يكونوا يلفظون همزة "شيء"= شي.

...

كثيرًا ما أستمع إلى أطفالنا وحتى بعض شعرائنا يمدّون الضمة أو الفتحة أو الكسرة في قراءاتهم، فيكسرون البيت إذا كان موزونًا، ويسببون الإزعاج في هذا التمطيط غير المسوَّغ.

من جهة أخرى يجب إشباع حروف المد= الألف والواو والياء وعدم اختزالها أو اختلاسها.

..

على ذكر القراءة:

لا أعرف سبب قراءة الشكل عند الوقف، فما أكثر ما سمعت العنوان يقرأه المعلمون مشكولاً حتى الحرف الأخير: المدرســةُ! الكلبُ والحمامةُ!

يجدر بنا أن نقف ونشكل اللفظ بالسكون في آخر المدرسه، الحمامه، فهل سمعتم أحدًا يقرأ:

{قل هوَ الله أحدٌ}- بتنوين "أحدٌ؟

..

للتعريف:

* الخَلِيل بن احمد، (100 هـ- 170 هـ - 718م 786م):

 الخليل بن أحمد الفراهيدي من أئمة اللغة والأدب، هو واضع علم العَروض، أخذه من الموسيقا، وكان عارفًا بها. ودرس لدى عبد الله بن أبي إسحاق الحَضْرمي، وعلى علماء البصرة مثل أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي وغيرهم.

كان الخليل أستاذ سيبويه، والأصمعي وغيرهما. ولد في عُمان ومات في البصرة، وعاش فقيرًا صابرًا. وصف بأنه كان شعث الرأس، شاحب اللون، متمزق الثياب، مغمورًا في الناس وكأنه لا يُعرف. ولكن ما يهمنا أنه جمع تقوى وزهدًا وورعًا، فأشغل نفسه بالعلم والعبادة. وقد فُتحت له مغاليق أبواب العلوم، فهو عالم اللغة والنحو والعروض والموسيقا، وكذلك كان شاعرًا.

...

عن وفاته قال الذهبي في سببها- في كتاب "تاريخ الإسلام":

"يقال: كان سبب وفاة الخليل أنّه قال أريد أن أعمل نوعًا من الحساب تمضي به الجارية إلى الفامي (البائع)، فلا يمكنه أن يظلمها، فدخل المسجد وهو يعمل فكره، فصدمتهُ سارية وهو غافل، فلاقى مصرعه. وقيل: بل صدمته الّسارية وتوفي بعدها، وهو يقطِّع بحرًا من العروض".

 (ابن خَلِّكان، وفيات الأعيان، ج2، ص 248).

من مؤلفاته: معجم العين، كتاب العَروض، كتاب النقط والشكل، كتاب الإيقاع، كتاب معاني الحروف.

 

diaa nafieالترجمة الحرفية – أصعب شئ للانسان أن يعرف نفسه.

التعليق – ما اعمق هذا المثل، وهو مناظر شكلا ومضمونا لمثلنا العربي العميق ايضا – رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.

+++++

الترجمة الحرفية – الغنى ذنب امام الرب، والفقر ذنب امام الناس.

التعليق –الاغنياء يجمعون ثروتهم بطرق غير نظيفة في الغالب، ولهذا هم مذنبون امام الرب، والفقراء ذنب من ذنوب المجتمع وقوانينه غير العادلة . مثل يلخص بدقة مسيرة الانسانية وعبر كل تاريخها .

+++++

الترجمة الحرفية – اذا  كنت قادرا  على ان تذنب، فكن قادرا على ان تندم.

التعليق – ما أجمل هذا المثل الجورجي، الذي يدعو الى الندم على الذنوب التي ارتكبها الانسان، والندم هو ( نصف الصلاح ) كما يقول المثل الروسي الطريف. لنتذكرالحديث الشريف –  كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

+++++

الترجمة الحرفية – افضل مما ان تجلس دون جدوى، اعمل دون جدوى.

التعليق – مثل ساخر وجميل و منطقي ومفيد فعلا. الجلوس دون جدوى لا معنى له، ولكن العمل دون جدوى يؤدي في نهاية المطاف الى نتائج ملموسة و محددة، ولا يمكن لهذه النتائج ان تكون بلا فائدة للشخص نفسه وللمجتمع ايضا .

+++++

الترجمة الحرفية – الذي سرقوه ارتكب  مئة ذنب، اما الذي سرق فذنب واحد.

التعليق – لان المسروق شك بالجميع من حوله، والشك بالاخرين (وهم ابرياء) هو ذنب كبير يتحمل وزره الشخص نفسه، اما السارق فانه يعرف ذنبه المحدد، وهو السرقة. مثل طريف يدعو الى التأمل الفلسفي العميق، واستخلاص العبر.

+++++

الترجمة الحرفية – لساني الثرثار صفعني على خدي.

التعليق – مثل في غاية الطرافة، اللسان عدو الانسان كما يقول المثل العربي، ولكن المثل الجورجي جعل هذا العدو يصفع الانسان على خده، وهنا بالذات تكمن طرافة الصورة الفنية في هذا المثل.

+++++

الترجمة الحرفية – ارقد بلا عشاء كي تستيقظ صباحا بلا ديون.

التعليق – من الافضل ان تبقى جائعا من ان تقع في هموم الديون ومشاكلها الكثيرة. لنتذكر القول المشهور في تراثنا لعلي بن ابي طالب (ع)، الذي  حمل الحديد والصخر، ولكنه ( لم يجد أثقل من الدين...).

+++++

الترجمة الحرفية – اذا لم تر الظلام لا تعرف قيمة الضياء.

التعليق – مبدأ المقارنة لفهم جوهر الاشياء نراه في امثال شعوب كثيرة، بما فيها  طبعا الامثال العربية. 

+++++

الترجمة الحرفية – الذي يسير في الامام - جسر للذي يسير في الخلف.

التعليق – السائر في الامام هو طليعة، وبالتالي فهو يقدر ان يحدد هدف المسيرة كلها، ويعرف اين يبني ( الجسر ) الذي يسير عليه الآخرون من بعده. 

+++++

الترجمة الحرفية – الثرثار يتعب من الاخرس.

التعليق – لأن الاخرس لا يمكن ان يتجاوب مع الثرثار . كل علاقة بين البشر يجب ان تكون متوازية – هذا هو المعنى الجوهري للمثل الجورجي.

+++++

الترجمة الحرفية – في البحر نجا، وفي قطرة ماء غرق.

التعليق – خرج سالما من مشاكل كبيرة، ولم يخرج سالما من مشاكل تافهة صغيرة. غالبا ما يحدث ذلك في مسيرة الحياة .

+++++

الترجمة الحرفية – تأتي الدموع دائما بعد الضحك.

التعليق – يوجد (ضحك كالبكا) كما يقول المتنبي، ويوجد (ضحك عبر الدموع) كما يقول التعبير الروسي المرتبط  بنتاجات غوغول، ولكن المثل الجورجي يتحدث هنا عن الدموع التي تأتي بعد الضحك بالذات، وهي مأساة يعاني منها الانسان في كل زمان ومكان.

+++++

الترجمة الحرفية – غبي واحد رمى الالماس في البحر، والف ذكي لم يستطع  ارجاعه.

التعليق – يقف الانسان الذكي عاجزا فعلا امام حماقة الانسان الغبي وتصرفاته . الصورة الفنية للمثل الجورجي  هنا معبٌرة حقا ومقنعة فعلا وطريفة جدا .

+++++

الترجمة الحرفية – الانسان جبار بقلبه والشجرة بجذورها .

التعليق – القلب والجذور مخفيان  في الاعماق عن الانظار، ولهذا فانهما يمنحان الجبروت للانسان وللشجرة . مثل رمزي وفلسفي جميل .

 

faroq mawasiيقول صالح بن عبد القدوس:

لو يُرزقون الناسُ حسبَ عقولهم *** ألفيتَ أكثرَ من ترى يتصدّق

لكنه فضلُ المليك عليهمُ *** هذا عليه موسَّع ومضيَّق

(ديوان صالح بن عبد القدوس، ص 138)

..

يبدو أن شاعرنا لا يرى أن الرزق بالعقل،  ولو كان ذلك كذلك لرأيت معظم الناس يتصدقون، ومع ذلك فهو يؤمن في البيت الثاني بقوله تعالى: {وفي السماء رزقُكم وما توعَدون}- الذاريات، 22.

 

وللشاعر نفسه في الرزق أيضًا:

وليس رزق الفتى من حسن حيلته ***  لكنْ جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام

كالصَّيد يُحرمه الرّامي المجيدُ وقد ***  يرمي فيُرزَقه من ليس بالرّامي

(الديوان، ص 155)

..

 

لاحظت أنه استعمل لغة (أكلوني البراغيث)= يرزقون الناس، وهي واردة في القرآن وفي الشعر القديم، وقد رأى البعض أنه لا يجوز أن يكون فاعلاً أو نائب فاعل لفعل واحد، لكن خرّجها الحريري  وغيره على أن الكلمة التالية للضمير هي بدل.

..

قال أبو تمّام ما يشبه معنى البيت الأول:

ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ***  ويُكدي الفتى في دهره وهو عالم

ولو كانتِ الأرزاقُ تجري على الحِجا *** هلكن إذن من جهلهن البهائم

إذن ليست المسألة متعلقة بالعلم والمعرفة، فلو كان الأمر كذلك لما رزقت  البهائم، فهذا تمثيل أو حجة في البلاغة.

...

يقول المعري:

لا تطلبنّ بغير حظ رتبةً **  قلم البليغ بغير حظ مِغزلُ

سكن السماكانِ السماءَ كلاهما ***  هذا له رمحٌ وهذا أعزل

السماكان هما من أبراج السماء، نجمان نيّران أحدهما في الشمال وهو الرامح، والأعزل وهو في الجنوب. من الطريف أن صاحبنا يتحدث كثيرًا في شعره عن النجوم وحركاتها أكثر مما يتحدث به البصير.

فالحظ إذن هو الذي يفعل الأفاعيل، و"الحياة حظوظ"-  كما نقول في الأمثال، فقلم البليغ بدون الحظ يكون كالمغزل أو أية أداة أخرى في أيدي الناس. والتشبيه ضمني.

قال آخر:

لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجا **  وانظر إلى الإدبار والإقبال

كم من صحيح العقل أخطأه الغنى ***  وعديم عقل فاز بالأموال

إذن ليست المسألة "بالشطارة"، ولا يظنن ظانّ أننا هنا  نتهم الأغنياء بقلة العقل والتدبير، بل هي مشاعر الشعراء بعد أن رأوا أن شعرهم وعلومهم "لا تطعم خبزًا"، وكنت قد تحدثت في الجزء الأول من كتابي -قطوف دانية في اللغة العربية" عن ارتباط التعبير "عيش الأديب" بمعنى الفقر، وقلة الحظ والنكد.

(انظر: قطوف دانية  ج1، ص 201- 202.)

...

قال بعضهم:

قالوا أقمتُ وما رُزقت وإنما *** بالسير يكتسب اللبيب ويُرزَق

فأجبتهم ما كل سير نافع *** الحظ ينفع لا الرحيل المقلق

 

هذا القول كان في خاطر ابن زريق الذي اشتهر بقصيدته اليتيمة (لا تعذليه)، وقد فارق حبيبته ليبحث عن رزقه:

 ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ  *** عزمٌ إِلى سَفَرٍ بِالرغمِ يُزمِعُهُ

 كَأَنَّما هُوَ فِي حَـلِّ وَمُرتحَلٍ *** مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

 إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنًى  *** وَلَو إِلى السَنـدّ أَضحى وَهُوَ يقطعُهُ

 تأبى المطالبُ إلا أن تُكلّفَه  *** للرزق سعيًا ولكن ليس يجمعهُ

 وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ واصِلَةً  *** رزقًَا وَلا دَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

...

يقول آخر:

كم من غلام أديب فيصل ذكر *** شهم مهيب كحدّ السيف ذي الشطب

يمسي ويضحي من الإفلاس في تعب ***  يقلّب الكف بالنيران واللهب

وآخرٍ جلفِ طبعٍ لا خلاق له *** مذبذب العقل ثورًا منتن الذنب

لا يعرف الميم من واو إذا كتبا ***  ولا يميّز بين التين والعنب

قد أقبلت نحوه الأيام ضاحكة ***  وأخدمته الليالي كل ذي حسب

 

تشبيهه لا يعرف  الميم من الواو فيه صورة حسية، يذكرني بما وصفت به معلمًا:

إن شاء يكتب رؤية ورؤى *** حار الجهول وضاقت السبل

...

لكن الشافعي عرف جدية الحظ وعبثيته، فقدم لنا صورًا فيها مبالغة، ولكنها صادقة، ورغم ذلك فهو يجانب الحقيقة في قوله إن مَن رُزق الحجا حُرم الغنى، فكم من عالم يعيش في رغد، وكم من "جاهل" يعيش مملقًا.

يقول الشاعر:

فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى *** عودًا فأثمر في يديه فصدّق

وإذا سمعت بأنّ محرومًا أتى *** ماء ليشربه فغاض فصدق

لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتَني ***  بنجوم أقطار السماء تعلقي

لكنّ من رُزق الحجا حُرم الغنى *** ضدّان مفترقان أيَّ تفرّق

ومن الدليل على القضاء وحكمه ***  بؤسُ اللبيب وطيبُ عيش الأحمق

وأحقُّ خلق اللّه بالهمّ امرؤ ***  ذو همة يُبلى برزق ضيق

...

دعت أم الاسكندر لولدها فقالت رزقك الله حظًا يخدمك به ذوو العقول!

 ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الحظوظ!

هل هي على حق؟

..

وخُيِّـر رجل بين أمرين فأبى أن يختار، وقال أنا بجَِـدّي أوثق مني بعقلي.

يذكرني ذلك بما أورده  ابن عبد ربِّه في (العقد الفريد- ج6، ص 204):

"قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء.

 قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر ما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟

 قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال، وجهل الأغنياء بحق العلم.

...

أختم بقول أبي العلاء المعري، وهو يسوّغ الزندقة بسبب انقطاع الرزق:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل *** وترزق مجنونًا وترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب السماءِ على امرئ *** رأى منك ما لا يُشتهى فتزندقا

انظر النقد القاسي الذي وجهه إليه ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، ج15 – أحداث سنة 449هـ .

 

saad jasemعلى الرغم من مرور اكثر من اربعة عشر عاماً على واقعة الاغتيال المأساوي لشاعر الصمت والعزلة: الشاعر العراقي الكبير محمود البريكان؛ فمازال نتاجه الابداعي مغيبّا ومختفياً ولم يرَ النور الذي يليق به بوصفه منجزاً ابداعياً وارثاً مهماً لشاعر رائد عاش حياته زاهداً  وطاهر الروح وأَبيض القلب ونادر الوجود .

ومن اللافت للانتباه ان الاراء قد تعددت بشأن اختفاء ارث البريكان؛ حيث ان هناك من يقول: ان نتاجه الشعري قد سُرق قبل رحيله بمدة قصيرة، ولم يعرف حتى هذه اللحظة مصير قصائده وكتاباته المسروقة؛ وهناك من يقول ان ذلك النتاج قد سُرقَ بطريقة غامضة ومتعمدة وجرى اخفاؤه مباشرة بعد حادث اغتياله الفاجع .

صحيح ان البريكان كان يعيش عزلة اختيارية خاصة جداً . وكان بعيداً عن الاضواء ومُقلاً او بالاحرى عازفاً عن النشر بمحض ارادته واختياره؛ الا انه لم يكن صامتاً او متوقفاً عن كتابة الشعر والنثر والتأملات الفكرية

بل كان- وهذا مايؤكده بعض أصدقائه المقربين والخُلّص؛ دائم الانهماك والانشغال والتواصل بكتابة قصائده ؛ وكان خلال رحلته الابداعية الهادئة من الخارج والصاخبة من الاعماق قد أنجز الكثير من القصائد التي لم تُنشر على الاطلاق، وذلك لأنه كان متريثاً في عملية نشر خزينه الشعري الكبير.

ان المؤسف في الامر والذي يدعو للدهشة والحيرة والاستغراب انه  ومنذ رحيله لم تسع أية مؤسسة ثقافية إلى البحث والتحري عن ارث البريكان الذي نعتقد بأنه ارث هام جداً ؛ لا بل انه ارث واثر ادبي لايقل اهمية عن اي اثر وطني وابداعي آخر، ولذا فإننا ندعو جميع الجهات ذات العلاقة كوزارة الثقافة والاثار العراقية واتحاد الادباء والكتاب العراقيين بمركزه الرئيس وفرعه في مدينة البصرة والمؤسسات الثقافية الاخرى الى تفعيل عملية البحث والتحري عن ارث البريكان الابداعي الذي اذا ماعثرنا عليه ونشرناه فأننا سننصف شاعراً لم يُنصف في حياته أَبداً؛ وكذلك فاننا سنرفد ونعيد للثقافة العراقية والشعرية العربية منجزاً ابداعياً لشاعر حقيقي له فرادته وريادته وشعلة خلوده الابدي .

 

diaa nafieالترجمة الحرفية – البداية الجيدة نصف النجاح.

التعليق – يقول المثل الروسي في نفس المعنى – البداية الطيبة تشفط نصف العمل .

+++++

الترجمة الحرفية – الهدية غير المتوقعة تمنح سرورا اكثر.

التعليق – يوجد مثل ايطالي قريب من معنى هذا المثل الهندي وهو – الهدية التي تقدم دون طلب تكون أجمل مرتين .

+++++

الترجمة الحرفية - في روح المجرم يوجد خوف دائم.

التعليق – مثل عالمي، وتوجد صيغ عديدة له وفي نفس المعنى عند مختلف الشعوب، فنحن نقول- (كاد المريب ان يقول خذوني)، ويقول المثل الروسي الطريف – تتوهج القبعة على اللص...

+++++

الترجمة الحرفية – يعطي مرآة للاعمى.

التعليق – والمثل باللهجة العراقية يقول – (ينطي الجوز للماعنده سنون ) ( ينطي – يعطي // للماعنده- للذي ليس عنده // سنون – أسنان). المثل الهندي في نفس المعنى، ولكن الصورة الفنية فيه اكثر وضوحا و دقة وربما يمكن اعتبارها اكثرمرارة و قسوة ايضا، بينما المثل العراقي اكثر طرافة وأقل مرارة .

+++++

الترجمة الحرفية – توجد مبالغة دائما عند حديثك عن عقلك و عن ثروة الغرباء.

التعليق – مثل حقيقي وصادق فعلا، وهو يوحد ظاهرتين – الاولى هي مرض ال( الانا) النفسي، الذي يعاني منه الكثير من الناس في مجتمعاتنا مع الاسف، و الظاهرة الثانية هي الحسد تجاه نجاح الآخرين.

+++++

الترجمة الحرفية – فقط الارجل التي تسير يمكن ان تتزحلق.

التعليق – مثل عالمي بصيغ كثيرة، وقد استقر عندنا كما يأتي - من لا يعمل لا يخطأ، والمثل الروسي يستخدم فعلين هما - (يسير و يقع)، و في المثل الصيني يوجد فعل - (يتسلق) بدلا من ( يسير)، اما المثل الهندي فيستخدم فعل - (يتزحلق)، وربما هو الاكثر طرافة.

+++++

الترجمة الحرفية – عندما تثرثر الضفادع، من الافضل السكوت.

التعليق – حكمة عميقة فعلا، اذ ماذا يمكن ان يقول الانسان وسط ثرثرة ونقيق (الضفادع !) التي تحيطنا في المجتمع من كل جانب، وهي تثرثر وتثرثر و تثرثر...

+++++

الترجمة الحرفية – لا شئ يمكن ان ينعش الانسان مثل الكلمة الطيبة .

التعليق – الكلمة الطيبة صدقة حسب الحديث الشريف، والكلمة تداوي كما يقول المثل الروسي . المثل الهندي هنا يحدد للكلمة الطيبة دورا جديدا ويقول انها (تنعش!) الانسان افضل من اي شئ آخر، وهي ملاحظة طريفة و صحيحة فعلا.

+++++

الترجمة الحرفية – حتى لو كانت الاحذية من ذهب، يلبسونها بالقدمين.

التعليق – الحذاء يبقي حذاءا حتى لو كان من الذهب، وما احوج الانسان ان يأخذ هذه الحكمة العميقة بنظر الاعتبار. تستخدم معظم الشعوب كلمة ( الحذاء) تحقيرا للاشياء والاشخاص، بما فيها طبعا شعوبنا العربية.

+++++

الترجمة الحرفية – ليس صعبا لذاك الذي عبر البحر ان يعبر القناة.

التعليق – معنى المثل واضح، فالشخص الذي مر بتجارب قاسية وصعبة في مسيرة حياته، يستطيع ان يتعامل ايضا – وبنجاح - مع تجارب ابسط من تلك التي اجتازها.

+++++

الترجمة الحرفية – دون معاناة لا تحصل على السعادة.

التعليق – يوجد بيت شعر ذهب مثلا وهو –

ومن طلب العلا من غير كد   اضاع العمر في طلب المحال.

ويوجد مثل باللهجة العراقية في نفس المعنى يقول – ماكو راحة الا بعد تعب (ماكو – لا يوجد).

+++++

الترجمة الحرفية – العين الحولة افضل من العين العمية.

التعليق – يوجد مثل عالمي في هذا المعنى يقول – الاعور ملك في بلاد العميان، وهناك مثل باللهجة العراقية في نفس المعنى يقول - التبربش ولا العمى ( التبربش – الرؤية بالكاد).

+++++

الترجمة الحرفية – على الطبيب ان يمتلك عين صقر وقلب اسد ويد امرأة.

التعليق – وصف دقيق ورائع للطبيب الماهر والحاذق والناجح، فعين الصقر رمز للنظرة الثاقبة، وقلب الاسد رمز للشجاعة والاقدام، ويد المرأة رمز للرحمة و الحنان والرعاية، ويحتاج الطبيب الى كل هذه الصفات فعلا لمعالجة مرضاه.

+++++

الترجمة الحرفية – الاشياء التي يعملونها بسرعة لا يمكن ان تكون جيدة.

التعليق – توجد امثال كثيرة بالعربية حول العجلة، ولعل اشهرها هو - (في العجلة الندامة...)، او - (اياك والعجلة بالامور قبل اوانها ...) الا ان المثل الهندي هنا محدد، و يذكٌر بمثل باللهجة العراقية، وهو – (جفيان شر ملا عليوي) (اي العمل بسرعة و كيفما يكون العمل بغض النظر عن النتائج)، او ما يعنيه التعبير العراقي الساخر، والذي يعرفه العراقيون جيدا وهو – (شلح واعبر).

+++++

الترجمة الحرفية – الذيل في كل مكان يسير وراء الفيل.

التعليق – لا يمكن للذيل ان يسير في المقدمة ابدا، حتى ولوكان ذيل الفيل، وكذلك لا يمكن لل(ذيلية !) ايضا ان تشغل مكانا مهما او طليعيا في مسيرة حياتنا، حتى لو كانت مرتبطة ب (اكبر فيل في المجتمع!)

 

faroq mawasiأَلا،  أمَا،  ها،   يا،   كلا

 يُبدأ بها الكلام، والغرض منها تنبيه السامع إلى ما يأتي بعدها من كلام.

لأسلوب التنبيه أدوات، هي: الهاء، و(ألا) بتخفيف اللام، و(أما) و(يا)، و (كلا).

...

أما (الهاء) فتدخل على:

* أداة الإشارة (ذا) فنقول: هذا، هذه، هذان، هاتان، ولا تدخل على اسم الإشارة للبعيد.

*  ضمير الرفع المخبَر عنه باسم الإشارة، نحو قوله سبحانه: {ها أنتم أولاء}- النساء،109.

ونجد التنبيه أحيانًا وإن لم يكن بعدَهُ اسمُ إشارةٍ، كقول الشاعر:

فَها أَنا تائِبٌ مِن حُبِّ لَيْلى *** فَما لَكَ كُلَّما ذُكِرَتْ تَذوبُ!

غيرَ أنها، إن دخلت على ضمير الرفع، فالأكثرُ أن يَليَهُ اسمُ الاشارةِ،

نحو: ها أنا ذا، وتكتب (هأنذا)، ها نحنُ أُولاءِ. ها أنتم أُولاءِ. ها هو ذا. ها هما ذانِ. ها هم أُولاءِ.

* بعد (أي) في النداء، نحو: {يأيها الذين آمنوا....}، وهي في هذا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء.

* على الماضي المقرون بِقد، نحو "ها قد رجعتُ".

....

(ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، وهي أداة استفتاح، يُستفتح بها الكلام، وتفيد التنبيه وطلب الشيء بلين ورفق، وتفيد مع التنبيه، تحقق ما بعدها، كقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}- يونس، 62- وترد (إنّ) غالبًا بعدها.

...

(أمَا) بفتح الميم المخففة، يُستفتح بها الكلام، وتفيد تنبيه السامع إلى ما يُلقى إليه من الكلام.

أكثر ما ترد قبل القسم: أما والله  لقد نجح الكسول بعد تقصيره.

أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر

وتأتي تحقيقًا لما بعدها:

أما إنك فائز لمثابرتك.

...

(يا) أصلها حرف نداء، فإن لم يكن بعدها منادى ظاهر، كانت حرفاً يقصد به تنبيه السامع إلى ما بعدها، نحو: يا ليت شعري! {أَلا  يا  اسجُدوا..}في بعض القراءات- النمل، 25.

يا رُبّ عالمٍ يصنع سوءًا للبشرية. 

وقيل إنها حرف نداء والمنادى محذوف.

...

كلا- إذا لم تكن بمعنى الزجر والردع والنفي، نحو {كلاّ والقمر}- المدّثّر، 32،

{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}- سورة المطففين، 15.