المثقف - أقلام ثقافية

على هامش: ملتقى الثقافة العربية الكردية الثالث في النجف الاشرف (1)

hamid lafta(نحن نكون اجمل حين لا نتشابه) .. شيركو بيكه س

الثقافة بمفهومها العام، دال على عدم الغلظة والجلافة والعجرفة، والى المضاد لكل معاني البداوة، والخشونة، ولكننا غالبا ما نصف ظواهر سلوكية ب ثقافة العنف، وثقافة الاقصاء، رغم احساسنا بحالة اللا انسجام وتشظي الموصوف عند الحاقه بمثل هذه الصفة نظرا لتناقضهما من حيث الدلالة وبنية المعنى للمفردة ..

نقول ان توصيفات الثقافة، المختلفة، ثقافة التسامح، ثقافة العنف، هناك من يغلب بعضها على بعض لتكون احدى هذه الصفات لصيقة بالثقافة لتكون هي السائدة والمهيمنة على سلوك الفرد او الجماعة او الشعب او الامة .. ومن بين اهم هذه الوسائل هو الادب بشكل عام والشعر بشكل خاص بمختلف تسمياته وتجنيساته، فالشعر وسيلة تعبوية هامة جدا في توجيه الرأي العام وترسيخ اسس وركائز ثقافة بعينها سواء اكانت تدعو للعنف والاقصاء والاحتراب واحتقار الاخر المختلف، قومية، او جنسا، او طبقة، او لون او دينا او طائفة او فردا .. كما ان له القدرة على ترسيخ ثقافة الحب والتسامح والتضامن واحترام وتوقير المخالف والمختلف بمختلف صفاته ومواصفاته ..

لذلك للشعر اهمية ودور كبير جدا في ترسيخ قيم المحبة والتكاتف بين مختلف القوميات في الوطن الواحد وفي العالم .... وان تاريخ العراق يحمل من الشواهد الكبيرة على صحة ما ذهبنا اليه، حيث دفع الشعراء والادباء من مختلف القوميات في العراق تضحيات كبيرة حد القتل والتعذيب والسجن والتشريد ثمنا لدفاعهم عن ثقافة التسامح والتاخي بين ابناء الوطن الواحد،ووقوفهم بشجاعة وقوة ضد اجراءات وسلوكيات السلطات الشوفينية والديكتاتورية والنزعة القومانية الفاشية، ودفعهم عن الحريات العامة والخاصة لكل الناس دون تمييز على اساس قومي او عرقي او جنسي او ديني، فصعدوا اعواد المشانق دون خوف او وجل من اجل ترسيخ هذه القيم الانسانية النبيلة، فكانوا وسيظلوا اقمارا تنير ظلام حقب التعسف القومي والعرقي، والتعصب الديني والطائفي .. هذه الامراض الخبيثة التي تحاول ان تجعل منها قوى الشر والظلام وباءا يعصف بوحدة الشعوب وتاخيها وتعايشها السلمي الجميل ..

لذلك سنحاول ان نلقي نظرة مختصرة على نماذج من نصوص شعرية لشعراء عراقيين من مختلف القوميات وخصوصا من العرب والاكراد تزامنا وانسجاما مع (ملتقى الثقافة العربية الكردية) الذي تحتضنه مدينة النجف الاشرف اليوم ..

نختار نصوصا لكبار الشعراء وبما يسمح به المجال المتاح لنا وهي تحث على المحبة والتضامن وقبول المختلف،؟ لا بل الاحتفاء بحضوره وبثقافته وافكاره وتاريخه .. ومن هؤلاء الشعراء الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكس هذا الانسان الشاعر الذي يخاطب قلمه قائلا :-

(اقول لقلمي كل ليلة،

ان كان قنديل شعرك لايشتعل

الا بدم شهيد جديد،

حينها، لتتحقق امنيتي

لتكسر اليد،

وليفنَّ العمر،

ولتذهب انت الى الجحيم،

ليعيش الناس،

وليسقط الشعر).

(اية تضحية اكبر من هذه التضحية، اي فداء اشمل واعمق واقدس من هذا الفداء في سبيل الانسان) نعم ونحن ماذا نقول اكثر من هذا الذي قالته (دانا احمد مصطفى) مقدمة ومترجمة مختارات شيركو بيكس (انت سحابة ...فامطرك)....

البحر غني مليء بالجواهر والدرر واللؤلؤ المشع المبهر، ولكننا لانستطيع ان نحتويها جميعا، وبحر الشاعر الكبير بيكس زاخر بكنوز من هذه الجواهر، وقد وقع اختيارنا على احد هذه الروائع الا وهي قصيدة (اللاتشابه) ..

هذا الشاعر الذي احب كل الشعوب بقدر حبه لشعبه، الذي احب كل القوميات بقدر محبته لقوميته، الذي عشق كل اللغات بقدر عشقه لقوميته، الذي عشق كل الالوان رغم ان له لونه المفضل، واحب كل الاديان رغم ان له دينه المختار، احب كل الزهور رغم ان له زهرته الاجمل، احب كل الصبايا رغم ان له حبيبته الاثيرة، احب كل العطور رغم ان له عطره المفضل، احب كل الاوطان رغم ان له وطنه الاعز .. هذا الشاعر الذي كان رسولا للانسانية من خلال كرديته، هذا الانسان رسول اللاتشابه، هذا الداعية لحب تعدد الالوان، هذا الداعية لحب تعدد الافكار والعقائد والاديان، يرى ان عمر الواحد الوحيد قصيرا جدا، اللون الواحد والفكر الواحد والصوت الواحد يومض لحظة ثم يخبو، هذا الذي يرى المتعة والامتلاء والحياة في التعدد في كل شيء كما هي الحياة متعددة الوجوه، متعددة الاشكال والفصول، متعددة التضاريس، متعددة متبدلة الطقوس والمناخات والفصول، ولا متعة خارج التعدد والاختلاف حيث يقول في ختمة نصه الرائه :-

( نحن نكون اجمل حين لا نتشابه

في النظرات وفي التحليق

وفي لون الكلمات ورائحتها) نضع امامكم بطبق من الورد الملون نص (اللاتشابه) للشاعر الكبير شيركو بيكس

 

اللاتشابـــــــــــــــــــــــــــــــــه*

شيركو بيكس

حقل زهور كانت الزهور فيه بالمئات

انما كنَّ جميعا من لون واحد

فاستوقفن نظراتي لحظة واحدة،

سرب من الطيور كانوا بالمئات

انما كانوا يغردون اللحن ذاته

فاسمعت اليهم لحظة واحدة،

كانوا سربا من الصبايا

انا لمحت نوعا واحدا من الجمال فيهن

نظرت اليهن لحظة واحدة

وتركتهن

احدى رفوف المكتبة:

اخذتني عشرة كتب

عشرة احلام

عشرة عوالم

عشر رؤى

عشر مختلفات

منذ اشهر في رحلة ملونة

وعلمتني

نحن نكون اجمل حين لانتشابه

في النظرات وفي التحليق

وفي لون الكلمات ورائحتها!

 

اعداد الاديب: حميد الحريزي

......................

- شيركو بيكه س (انت سحابةٌ .. فأمطرك) مختارات شعرية ترجمة وتقديم (دانا احمد مصطفى) طذ1 السليمانية 2004

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-05-14 12:06:39.