rasheeda alrakikويستمر الحوار مع الذات بنوع من الخشوع والإصغاء، بنوع من التصالح مع الذات، بنوع من الرقي في البحث عن الجانب المظلم فينا، مع محاولة الفهم، على اعتبار أن الإنسان يفهم ولا يفسر كما هو الشأن بالنسبة للظواهر الطبيعية التي يتم الكشف عن أسبابها الحتمية.

والحقيقة أن السلوك الإنساني بالغ التعقيد لا نملك سوى تقديم محاولات للفهم والتأويل بنوع من النسبية والذاتية على اعتبار أن الغير كما يقول سارتر هو  "أنا ليس أنا"  أنا يشبهني ويختلف عني: فما يعتبر بالنسبة لي مِؤلما مأساويا ليس بالضرورة كذلك عند الآخر، من هنا تعلمت أن الألم نسبي وأن السعادة هي مجال لنقاش طويل، وإن كان الألم مشتركا فليس بالضرورة بنفس الدرجة والكيفية :فما يجعلني أنهار من أجله قد لا يحدث سوى ألما بالنسبة للآخر، نقس الشيء بالنسبة للسعادة فقد تكون سعادة العاطل في العمل وسعادة الفقير في المال وسعادة العاقر في البنون... لتبقى السعادة هي ما نفتقده و ما نصبو بشغف لوجوده...

الاختلاف وارد إذن فلماذا نريد أن يشبهنا الناس حين نحكم عليهم من معتقداتنا وأفكارنا؟

لماذا نحكم عليهم ونحاكمهم من منظورنا الخاص؟ أليس الاختلاف مطلوبا، بل إن من الاختلاف يأتي أجمل الإتلاف.

لا غرو إذن أن الاختلاف يعني رغبة في التكامل بينما في التشابه تكرار واستنساخ لنماذج مجتمعية عقيمة لن تضيف للإنسانية أي شيء سوى الملل بعد كل محاكمة فيعاود الاستئناف من جديد لتستمر الحياة بنوع من التكرار الممل،  بينما نحن نؤمن بالاختلاف كضرورة إنسانية فيها ألفة وانسجام وانفتاح وقبول للآخر حبا في نفسي وفيه ليسود الوئام ونستنشق الأكسجين بدون تلوث...

علمت أن التوتر يتلف الخلايا العصبية ويفقدها صوابها فتؤثر على أعضاء الجسم ثم تصاب وظائفه بالتعثر أو الشلل

فكيف يعيش إذن الفرد ويضمن بقاءه؟

ومن تم كيف لمجتمع أن يستمر في جو مشحون بالغضب والكره والسخط بدون انسجام؟

هل يمكن للكراهية أن تعطي معنى للحياة؟ وهل الاختلاف يعني الكراهية؟

إن حب الذات لن يتناقض مع حب الآخر، وأن كره الآخر يعكس كره الذات، لسبب واحد معقول هو أننا كلنا في مركب واحد : إما أن نغرق جميعا أو ننقد جميعا فننجو عندما يعم التفكير الجماعي في المصلحة الجماعية، عندما تذوب الذات بنوع من الطواعية وبالقدرة على القراءة النقدية الدائمة لها .

أكيد بالتأمل والنظر إلى الماضي نسير إلى الأمام، لذلك نرى في كل أداة تنقل ونقل (كالسيارة مثلا) ثلاث مرآة كلها تنظر إلى الخلف من أجل الانتقال إلى الأمام. لاحظ أيضا أن السهم لكي يقذف إلى الأمام لابد من جره بقوة إلى الخلف ...

لابد إذن من أجل حياة جماعية بنوع من التعاقد الاجتماعي أن تستمر في جو من الحرية المقننة لا المطلقة السائبة.

ولأن الصداقة أهم من العدل فيجد ر  بنا  أن تعم القوانين الإنسانية الصادرة عن الذات وعن الطبيعة الخيرة فينا، عندها سيعم العدل وسوف ينعم به الجميع بنوع من المساواة والتكافل حينها ستسود قوة الحق ويذوب حق القوة.، ثم سيستشعرها الإنسان بنوع من الرضا على اعتبار أن  الضرر إن لحق بالإنسان سيكون دائما غير مقصود مما يؤدي إلى نوع من التصالح مع الآخر ومن تم التصالح مع الذات.

تذوب الذات دائما وسط ذوات أخرى وتستطعم كل أحاسيسها فقط  بنوع من الاختلاف والإيمان بالقدرات والكفاءات حينها ستنطلق معبرة عن نفسها بشكل إيجابي يستفيد منه الكل على اعتبار أنها جزء من الكل وعلى اعتبار أن رغبة الإنسان- النابعة من طبيعته الخيرة ومن الجانب الطفو لي في كل واحد منا-

لن تتناقض مع رغبات بعضنا البعض، وإن اختلفت وجهات النظر، يبقى الحل دائما في الإيمان بالاختلاف كشرط أساسي للوجود الإنساني كذات واعية مفكرة مريدة، تنبث وتنفي، تقبل وترفض، وتتخيل واقعا بإمكانها الوصول إليه ما دام يوجد كصورة ذهنية في عقله الشيء الذي لا نجده عند الحيوان لأنه لا يمتلك صورة قبلية لواقع يختاره ويريده ويتحمل مسؤولية قراراته فيه.

عموما يستمر الحوار مع الذات بنوع من القراءة التأملية لهذا الكهف الذي نسكنه والذي يحوي الكنز الذي نريده، وإن أخطأنا يكفينا دائما  شرف المحاولة.

 

رشيدة الركيك

 

 

warda baya"فنانة وضعت السينما وجها لوجه مع قانون الأحوال الشخصية البائد في مصر.."

 القوى الناعمة أو الثروة القومية في مصر أسطورة  كما الأهرامات، صنع مجدا لتبني أمجاد بلادها.

فمصر أم كلثوم، فاتن حمامة، عبد الحليم، زكي نجيب محمود، العقاد، مصطفى مشرفة والكثيرون الذين لا يتسع المجال لذكرهم واحدا واحدا.. كانوا أهرامات مصر الحديثة ..فلا يكاد يذكر اسم المحروسة، إلا وترتسم  في الأذهان صور هؤلاء الكبار الذين أصبحوا بفضل عبقريتهم  مشاهير الأمة العربية قاطبة..

نقول هذا، ونحن نخصص اليوم زاوية متواضعة لسيدة الشاشة العربية الفنانة القديرة الرائعة فاتن حمامة، التي رحلت علينا منذ أيام..

رحلت صاحبة التاريخ الكبير، الطلة البهية، والصوت الطفولي عن عمر ناهز 84 سنة فأعلنت مصر في عهد السيسي الحداد لمدة يومين حيث نعتها الرئاسة في بيان جاء فيه: ".. إن مصر والعالم العربي فقدا قامة وقيمة فنية مبدعة، طالما أثرت الفن المصري بأعمالها الفنية الراقية. وستظل الفقيدة رمزاً للفن المصري الأصيل وللالتزام بآدابه وأخلاقه"....

وحزنا على رحيلها، لم يتخلف الرئيس الفلسطيني عن نعيها فارسل لها باقة ورد كتب عليها "وداعا سيدة الشاشة العربية.. فخامة الرئيس محمود عباس" . كما شارك في الجنازة سفير المغرب كنائب عن الملك...

لم تكن لتصل الى هذا المستوى من الاهتمام الشعبي والرسمي لولا عبقريتها التي كانت بمثابة طابع بريدي محفورة في الوجدان العربي. 

 تنتمي الراحلة الى جيل وصل إلى المجد عبر السلّم الفني ..زمن الصعود،  فلم تحرق مراحل الوصول،مثلما يفعل الكثيرون  اليوم في زمن الرداءة والهبوط..! فالكبار علمونا دائما، أن الوصول وسيلة وليس غاية ..

 تفجرت موهبتها في سن التاسعة أمام العملاق محمد عبد الوهاب، ومن يومها سجلت وهي مرفوعة الهامة تاريخ السينما المصرية، بأمجادها وما حققته في كل المنطقة العربية. وصنفت أفلامها ضمن أهم وأبرز العلامات الفنية أثناء الزمن الجميل.. فهي قيمة أخلاقية أولا، قبل أن تكون فنانة الصف الأول.

شكلت بسلوكها وفنها معا طموح المرأة العربية، ابتداء من دور الفلاحة، الى الأرستقراطية..  ومثلت "ضمير أبلة حكمت" فاختزلت من خلاله ضمير أمة بأكملها..

وفي هذا الاطار، نذكر أن إحدى أكبر شركات الاتصال عرضت عليها المشاركة بصوتها في الترويج لمنتوجها مقابل مبالغ طائلة، فقالت لهم : "أنا فنانة وصوتي واسمي مش للبيع"..!  فرفضت في زمن لم يعد فيه أحد يرفض، ,أرسلت لهم بردها اشارات الرفعة والكبرياء، وكأنها تقول لهم : لكم جيلكم ولي جيلي.

ومثلما أسماها جمال عبد الناصر بالثورة القومية، قال عنها الناقد الكبير طارق الشناوي أنها "تملك موهبة مصحوبة بعقل يوجه البوصلة للاتجاه الصحيح.. فهي موهبة وعقل معا، اختارت أفضل الأعمال الفنية، وتبنت من خلالها  القضايا الاجتماعية، ولم تركن يوماً للابتذال".

جاء فيلمها "أريد حلا"، في المرتبة الـ "21" لقائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية على الاطلاق، لأنه أول فيلم عربي حطم المحظور ووضع السينما وجها لوجه مع قانون الأحوال الشخصية البائد، وفجر لأول مرة قضية اجتماعية بالغة الخطورة وهي قضية الخلع.. من خلال المشهد الذي دار بينها وبين وزير العدل، عندما اشتكت للوزير، وقالت له:" إن الرسول جاءت له زوجة ثابت بن قيس، وقالت لا أعترض عليه في خلق أو ديـن، وإنما لا أطيقه بغضاً، فأمر الرسول بتطليقها".وعلى خلفية الفيلم والضجة الكبيرة التي أحدثها آنذاك، قرر الرئيس السادات تغييـر قانون الأحوال الشخصية سنة 1978، ليُسن قانونا جديدا ينصف فيه المرأة المطلقة في مصر ..

فتحية اجلال واكبار الى روح فاتن حمامة..

 

قصة مترجمة من اللغة الأسبانية وهي من قصص ادب الاطفال العالمية تبحث  في أهمية  اللغات والترجمة

أبدء كلامي عن سبب اختياري ترجمة قصة في أدب الأطفال دون غيرها في الوقت الحالي، ذلك الشغف الشخصي والأدبي  الذي اتي متفقاً مع مؤلف القصة "خوان مانويل غسبرت"، في أن للأطفال أدباً وثقافة خاصة بهم، وهو أدب غير أدب الكبار والبالغين، في سماته وخصائصه وأهمية دوره ووظائفه بما فيها من جمال ومتعة وثقافة فتبعث في ذواتهم ونفوسهم حب الخير وقيم الحق والجمال والعدل، تخلق عندهم روح المرح والاستمتاع والمشاركة، إضافة إلى اهتمامي المهني كمترجمة ومختصة في مجال اللغة الاسبانية  والتي تجعل من قصص الاطفال وحكاياتهم هي بالتأكيد نمط اتصال وتواصل إنساني، لغة موحدة بين الشعوب، وأسلوب تثقيف ووسيلة تعلم وتعليم في المجتمعات الإنسانية المختلفة لنقل الأفكار والثقافة والقيم الأخلاقية والروحية، وأنماط السلوك والأعراف والتقاليد والعادات .

 لذا، قمت بانتقاء قصة "حلم الملك السري" والتي حرصت على ترجمة عنوانها في طبعتها الاولى كما هو موجود على غلاف القصة بنسختها الاسبانية وقمت بعد ذلك بتعديل عنوانها الى " حلم الملك فلوريان" في الطبعة الثانية وهي " للمؤلف الاسباني  "خوان مانويل غسبيرت" الذي رحب شخصياً بعد اتصالي به بفكرة ترجمتها للعربية ونشرها إيمانا منه بالوصول الى تلك المساحات والفضاءات الذي يسعى ان يحلق فيها بقصصه على اطفال العالم.  تم اختيار هذه القصة تحديداً، لأنها نُشرت من ضمن مجموعة قصصية تعليمية مصادق عليها من قبل وزارة التربية والعلوم الاسبانية في سنة 1987، كون القصة ذات طابع تعليمي، بينت  أهمية اللغات والترجمة ومكانة المترجمين  في كل مكان وزمان،وكيف إن تعلم اللغات قديما وحديثا ساعد على فهم الغاز وقصص عديدة لشعوب وثقافات في مختلف بقاع الأرض .

لقد حاولت من خلال ترجمة وأعداد هذه المجموعة من قصص الأطفال عن الأدب العلمي والعالمي، والتي ستكون حلقة أولى في سلسلة متواصلة إنشاء ألله، أن  نرفد مكتباتنا بحلقة   تواصل مع الطفولة في كل مكان لأجل ضمان حصولهم على مستقبل علمي صحيح  بتحبيبهم بكافة أنواع العلوم والمعرفة وإعطائهم فكرة من خلال هذه القصص على احترام ثقافات الشعوب وتعلم لغاتها، فهم زينة الحياة الدنيا وهم اعز ما لدينا .  قناعة مني بأهمية الاهتمام بالقصص في الطفولة لخلق قراء المستقبل، لأنهم  شريان تواصلنا معه.

ولكي ابدأ، من المهم إعطاء نبذة مختصرة عن مؤلف القصة :

ولد خوان مانويل غسبرت، في مدينة برشلونة في ال 16 من شهر أكتوبر عام  1949، هو كاتب  متخصص في أدب الاطفال والشباب، وقد تُرجمت كتبه إلى عشر لغات. في بداية حياته المهنية، حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة، لكن شغفه  كان يجذبه  أكثر نحو ألمسرح، لذا قرر استرداد بعض الوقت الضائع منه من خلال  سفره المتكرر لبلد الفن " باريس " لغرض دراسة الفنون المسرحية. لدى عودته إلى برشلونة، شارك كمدير مسرحي في العديد من العروض المسرحية  لمرحلة كانت تسمى آنذاك بالمسرح التجريبي أو المستقل. استطاع وهو في قمة انشغاله في العمل المسرحي الدخول في عالم النشر. هذا العالم الذي ساعده اكثر في إيجاد طريقه الحقيقي، حيث انه كان يشعر بالحاجة الى عالم يستطيع من خلاله ان يعبر فنياً عما يجول بعالمه الخاص بعيداً عن خشبة المسرح. أصبح معروفا ككاتب للقراء الشباب، نشر اول اعماله "سيناريوهات رائعة"  في عام 1979، والتي حازت على جوائز عديدة، فاتحة للكاتب ابواب كثيرة في عالم القصص، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، "لغز جزيرة توكلاند" و " متحف الاحلام" و " المهندس المعماري والامبراطور العربي" وغيرها الكثير التي اضافت بصمات رائعة في سيرته الادبية . في عام1995 قامت المجلة الاسبانية CLIJ في إجراء استفتاء بين ابرز النقاد والمختصين في عالم القصة  لتحديد من هم الاكثر بروز وقيمة في مجال تأليف أدب الشباب والأطفال في اسبانيا، والتي فيها حصد خوان نسبة عالية من الاصوات التي اشادت بموهبته في فن كتابة القصة . يُلاحظ في أعمال غسبرت تأثره الشديد بكتاب  الأدب والخيال والمغامرات  مثل فيرن Verne  و آرثر كلارك Arthur C.Clarke ،  و برادبري  Bradbury  وكتّاب كلاسيكيات الأدب في امريكا اللاتينية  وخاصة بورخيس Borges وكورتازار Cortázar..

 يغلب على أعمال خوان مانويل طابع الخيال الذي يعتبره من وجهة نظره الشخصية امتداد للواقع الذي يبدأ صعوداً إلى  مناطق كثيرة لا تزال مجهولة او غامضة، تلك الافكار  التي يرسمها بقصصه  للأطفال والتي يكمن خلفها فكرة فنية رائعة مستمدة اساسها من حقائق علمية، والتي لا تزال تشكل تحدياً للمعرفة في مجالات غير معروفة كثيرة، لم تستكشف بما فيه الكفاية، الفكرة التي طالما اجتهد في ايصالها للأطفال والشباب تتلخص وعلى حد قوله بالتالي :

" من المهم جدا ان تأخذوا في الاعتبار دائما أن كل واحدا منكم هو مشروع فريد من نوعه في تاريخ العالم . لا تدع شيء يفسد ذلك المشروع . ستكون لديك الفرصة في أي لحظة من حياتك في التحكم وقيادة الاحداث، الاعمال، الناس، اللحظات والإبداعات التي لن تحدث إلا اذا جعلتموها ممكنة، الجميع عليه أن يعطي أحسن ما عنده في أحداث حياته . سيكون ذلك هو نصره الحقيقي .  وبذلك نعطي المعنى  الحقيقي  للحياة . أنا اعتبر نفسي ناقلا للتأريخ، ذلك الشخص الذي يمزج الخيال بالواقع، سأقوم بكتابتها للناس، في يوم  يكون  فيه غروب الشمس أكثر عتمة وتبدأ الرياح تعزف اصواتها بين أغصان الشجر، في منتصف الليل،  سيبدأ شخص ما بسرد حكايتي  المليئة بالغموض والتي ستستمر احداثها لغاية الفجر، ستوقظ في داخلك  الخوف القديم والجديد، ذلك الخوف الذي  إذا تجاوزناها سنصبح اكثر قوة وتحدي لأي لغز جديدة، قلمي هو قوتي الذي  استمد منه  تحريك الزمن، فتح المساحات والوصول الى فكر القارئ ومساعدته في التحلي على الجرأة في  عبور ذلك الجزء الخفي والغامض الذي عادة ما يكون في الصفحات الاولى من القصة " .

سأقوم بأعطاء ملخص للقصة التي قمت بترجمتها  " حلم الملك فلوريان"لكي نفهم فكر هذا المؤلف المبدع وكيف قام بدمج  الخيال بالواقع:

 تدور أحداثها بشكل مختصر حول ملك  كان  يُدعى " فلوريان" الذي استدعى منجميه في البلاط بعد رؤيته لحلم محيرّ وغريب يصعب شرحه و لا يستطيع  إبعاده عن مخيلته لإيجاد من يستطيع أن يفسر ما شاهده في حلمه من إسرار وكلمات غير مفهومة.  راقب المنجمون النجوم في السماء  وقبلَ طلوعِ الفجر، اكتشفوا وجودَ أربع نجوم جديدة ظهرت في الاتجاهات الأربعة : الشمال، الجنوب، الشرق،والغرب، فعلموا  أن من هذه الاتجاهات سيأتي أربعة قصاصين في هذا الزمان لحل اللغز.  أمر الملك بإرسال أربعةُ سُفراء مجهزين جيداً،  كلُّ واحدٍ  منهم لديه مهمة العودة مع أشهر قصاص راويات على الأرض،وبعد مجهود استطاع السفراء  أن يعثروا على أربعة قصاصين ومن بلدان مختلفة . اكتشف الملك فلوريان أن أللغاتُ التي  يتكلمها القصاصون كانت مجهولةً في قصره، ورغبةً منه في عدم تفويت أي كلمة مما يقولون،  أصدر فلوريان مرسوماً تضمَّنَ احتياج المملكة لمترجمين ورصد مكافأة  لمن يجيدَ تكلم أللغات، ويستطيعُ أن يترجمَ كل ما يقالُ من ضيوف الشرف الأربعة الواصلين من بلادٍ بعيدة. وبعد بحث طويل وجد الملك معلم لغات كبير في السن  يستطيع أن يترجم هذه اللغات الأربعة . لكن القصاصون – ولسبب خفي- رفضوا تفسير حلم الملك، لذا  هربوا ليلا من البلاط خوفا منه . الملك فلوريان، لم يستسلم في إيجاد  الحقيقة ولم يخف من المجهول، سافر وحيداً في الغابات لكي يبحث عنهم  دون الحرسِ أو الحاشية، في مكانٍ معزولٍ في الغابات .  بعيدا ً عن القصر بدأت تتطور الأحداث والمغامرات. أستطاع الملك في نهاية القصة من تفُسير كل شيء بفضل ترجمة  وفهم  الأصوات والكلمات الغريبة التي سمعها في حلمه الغريب، فكتب كل ما دار من أحداث في كتاب لكي يجعل اسمه معروفا ًولكي لا ينسى الناس  القوةَ الفعّالةَ لسحرِ الكلمات واللغة  في المستقبل. بعدَ مرورِ أكثر من ثمانمائة عام، في أيامنا هذه، عُثِر َعلى كتاب الملك فلوريان في ألمانيا، في أثارِ قلعةٍ قديمة، داخل علبة صلبة من الحديد والتي كشف فيها على هذه الحكاية التي تتكلم عن أهمية تعلم اللغات والترجمة وكيف إن الكلمات والأصوات هي مفتاح لأي لغز في هذه الحياة.

القصة أتت مرتبطة حاملة طابع  من حكايات الخيال الكلاسيكية  والقصص العربية او ما يطلق عليها من قبل الاسبان بمصطلح "القصص الشرقية"، مع مزيج من رواية المغامرة والخيال العلمي والغموض. اعتبر غسبرت ان الغموض الذي يلف القصة يشكل دائما تحديا وتحفيزاً للعقل، للاستكشاف والتحقيق لإيجاد الحل، هو مقتنع ان عملية توضيح لغزا معقدا هو واحد من أعظم المتع حتى لو ان حل اللغز كان بعيداً عن متناول أيدينا، الغاية منها امتاع القارئ . اما من ناحية هيكلية القصة، الاحداث بدأت بالتصاعد نحو المجهول، يفعل ذلك دون أن يفقد اهتمام القارئ، من خلال إضافة عناصر غموض وأسئلة دون اجابة،  يتم حلها  في الصفحات الأخيرة من القصة .

أكثر ما يميز القصة هو البعد الانساني الذي ظهر فيها من خلال البحث عن المغامرة والمعرفة والتعلم دون البحث عن مكافأة مادية في المقابل، شجعت على الغوص في القابليات الفردية  ومعرفة حدودها وإمكانية الوصول الى الاهداف وتحقيق الاحلام التي تسعى لحل النزاعات الموجودة فيها من خلال فك الغازها. حتى الاشارة الى التنجيم في القصة لم يجعله يتعدى  حدود العلم والحقيقة،  عندما قدم لنا في القصة عالم الفلك " آستور"الذي يعمل بالقصر منجم للملك، والذي قدم المشورة للملك  المبنية على اسسس علمية دقيقة في تحديد مواقع النجوم الاربعة .

فلسفة المؤلف تكمن في التغلب على الخوف، والذي سينقل الطفل من مرحلة  المراهقة إلى مرحلة البلوغ . البطل في القصة  يحاول من خلال حل اللغز ان يخرج من المتاهات، وأن يجتاز الاختبارات العديدة التي تظهر في احداث القصة . قصة غسبرت تحمل في طابعها بعض الرمزية . اما ابطال القصة الاخرين هم  "المستكشفين أو المغامرين " على استعداد لفعل أي شيء للحصول على ما وراء المعرفة. الابطال يبحثون في ذاتهم ليصلوا  إلى حدود لم تكن متوقعة، الى معرفة القدرة الحقيقية  للذات البشرية والتي تتسلح بالعلم والمعرفة لكي  تجابه المجهول الخارجي، وأسرار غير مكتشفة بعد.

 

أعداد وترجمة الدكتورة غيداء قيس إبراهيم

جامعة بغداد/ كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

          

اللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة. واللغة هي معجزة الفكر الكبرى. إن للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة ، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم, فأمة بلا لغة هي امة بلا كيان. فلا ريب أن اللغة العربية ركن أساس من أركان وحدة امتنا العربية والإسلامية, وعمود محوري من أعمدة قوتها, إنها دعامة بقاء وعنصر تفوق لهذه الأمة, ومن هنا فأن كل لبنة تضاف إلى لبنات هذه الأمة تزيد في شموخها هي قوة دافعة لروح الأمة وشعاع يضاف إلى حزمة ضيائها.

  فتاثر اللغة الاسبانية باللغة العربية يعد أحدى السمات التاريخية المكونة للثقافة واللغة الإسبانية حيث استوطنت إسبانيا من قبل العرب لمدة ناهزت الثمانية قرون وتحتوي اللغة الإسبانية على الكثير من الكلمات ذات الأصل العربي وهي تفوق 4,000 كلمة, إن انتشار اللغة العربية إلى اليوم داخل اللغة الإسبانية لدليل على عمق التأثير العربي والإسلامي الذي هو شاهد إلى يومنا هذا على حضارة أسسها المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية .يثبت الباحثون اللغويين الإسبان أن تأثر اللغة الإسبانية باللغة العربية عميق جدا, وهذا يعود إلى انتشارها الواسع في الأندلس وبعض المقاطعات الإسبانية على مدى 781 سنة من الزمن إبان الحكم العربي الذي بدأ مع دخولهم إليها سنة 711 م واستمر حتى بعد خروجهم منها سنة 1492 م ويشهد التاريخ أن المسلمين أسسوا حضارة عظيمة في شبه الجزيرة الإيبيرية تجلت في انتشار العلوم والفن والعمران كما في الزراعة والصناعة والهندسة المعمارية إبان تلك القرون التالية, مما جعل الأندلس آنذاك مزدهرة ومركز إشعاع في أروبا كلها ومحجة لكل طالبي العلم.

   كما ذكر المستشرقان انجلمان و دوزي ان الكلمات العربية الموجودة باللغة الاسبانية تعادل ربع اللغة الاسبانية. وعلى مدى ما يقرب من سبعمائة سنة (فيما بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلاديين) كانت إسبانيا موطن الحضارة الإسلامية. وقد نشرت الأندلس هذه الحضارة في جميع أرجاء أوروبا ، وذلك عن طريق التجارة والجامعات والأدب ، وكان كثير من العلماء العرب في إسبانيا يقرأون اللاتينية ويكتبونها ، كما كان الأسبان المسيحيون أو (المستعربون) Mozarabs الذين يعيشون تحت الحكم العربي للأندلس يعرفون العربية.

وفي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي بدأت أوربا في الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وتمت في هذه المرحلة ترجمة العديد من الأعمال التي كتبت أصلاً باللغة العربية جنباً إلى جنب مع الترجمات العربية للأعمال اليونانية القديمة. وقد تأسست لهذا الغرض لجنة من المترجمين في مدينة (طليطلة) Toledo الإسبانية في عام 1130 م برئاسة كبير الأساقفة (ريمون) Raymond . وكان لهذه اللجنة الفضل في نقل العلم والمعرفة اللذين توصلت إليهما الحضارة الإسلامية إلى الأمم المسيحية في أوروبا.

كما تمت ترجمة الكثير من الأعمال سواء من العربية أو اللاتينية أو اليونانية إلى لغات أخرى عديدة من بينها الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والعبرية والألمانية. وهكذا تخللت العلوم والثقافة العربيتين أوروبا الغربية عن طريق الترجمة. ومما تقدم يتضح لنا بان اللغة العربية تعتبر ذات تأثير كبير وامتداد واسع في اللغة الاسبانية.

 

م.م. ايناس صادق حمودي

جامعة بغداد/كلية اللغات/قسم اللغة الاسبانية

 

ahmad algharbawiظِلال رَبيع يَأبى خَريف عُرْيُه!، وتَدور بِنا عَجلة الزمَان.. ماذا أقول لأمْسٍ يُولد اليَوم.. وَيُثير الشَجن بِرقّة.. وَنِعومة سَريْان المَىّ بتدلله  رِواحاً ومَجيئاً.. زَحف بَدن..؟

 وترمِينا رَهص حِلم.. يَصهرنا ويهصرنَا الفِكر.. وفِى إحدى الحِوارات الصَحفيّة.. التى أجريْتها مَع الأديب الكبير الرَاحل (يحيى حقى) يَرحمه الله  لجريدة (الوفد).. حَيْث كان يوضّح لنا.. كَيْف كان يُراجع الموضوع قبل نَشره 40 مَرّة إعادة كتابة..!

 ويَنْحَت اللفظ مَكان اللفظ.. حَتى يَصل للكلمة الواضحة.. تَحمل على أجنحتها يُسر وتحلّق فى مَدى  الأفق.. فتَصل لأكبر وأعرض مِساحة مِنْ الجمهور..!

 ولِقاء مَع الأديب الرَاحل والمُفكّر المِنْسِى فى حَيْوات الإبداع.. آخر جيل العَمالقة الأستاذ (أنيس منصور).. وأخونا الكاتب الأريب (سليمان جودة) بعموده اليَومى الأشهر عَلى صفحات جريدة (المصرى اليوم).. والمتألق فى صَحيفة (الوفد).. وهو رئيس تحريرها  الأسبق.. وغيْرهما مِنْ وَسائل الإعلام.. وأراه ينتظر سَاعات تتضفّر بسَاعات يَومِيّا.. حَتى يَجرى مع (أنيس منصور) مقابلة صحفيّة.. يَقول لنا فيها.. أنه كاَن يَكتب عَموده أكثر من عِشرين مَرّة.. حتى يَصل وينتقى الأسهل والأيْسر والأبسط.. ويصل لكل ّالناس.. عَكس استاذه العَقاد..!

ويَدفعنى الأمس لدفتر الذكريات.. وتسوّد مُخيّلتى المتواضعة بقراءات (توفيق الحكيم).. عندما يسأله من يسأل عَن الإبداع.. تخيّل حَبيبى ماذا قاَل..؟

يقول: إن أفضل ما يَفهمه فى الإبداع هو (أنه الكلام الذى إذا مَا قرأه أى إنسان.. ظنّ أنه يَستطيع أن يَكتب مثله..!)

 فيَا لعُمق العِبارة وبَساطتها.. ويُمارسه أغلب المُبدعين وأنصاف المَوهوبين..؟

وهى تجربة عَمليّة.. يَمرّ وتمرّ بروح مُعظم مُحبى الكَلم فنّا ًوإبداعاً..؟

وكم تخلف وَجعاً وشجناً.. وأحْيَاناً ألماً وعَجزاً.. لعَدم الوصول لذاك أو هَذا النصّ ثمراً مُشبعاً لفيْض النزف وألم الجرح..!

ونرحل إلى عَالم (يوسف إدريس).. الذى يواجه (طه حسين) وركبه من كبار الكتاب وعُلماء اللغة.. عندما يُصرّ على عِنوان مجموعته الأدبيّة.. عًوالم قصصه القصيرة التى تزيح ما قبلها من ريْادات متفرّدة.. وتمرّد تميّز فى دنيْا الأدب.. والمتفجّرة قمّة فى بدايْة نشرها وسريْانها فى الروح (أرخص ليالى).. ويَتمسّك بَهذا العَنوان.. مُخالفا قواعد اللغة ـ  وإن كنا نختلف مَعه ـ دون حَذف اليْاء من ليالى.. وعندما سَألوه.. يقول بُكل حِديّة وإصرار وعِناد المُبدع (إننى أتبع قَواعد الحَياْة.. لا قواعد اللغة..!)

ويواصل: هَكذا يَنطقها الناس (أرخص ليالى ).. لا (أرخص ليال)..؟ بغية الوصول لأكبر قدر من الجماهير التى يكتب منها ولها وعنها..؟

،،،،،،

الإبداع شجن أبد.. ونقش حُبّ لايرحل.. وأبد لا يَزل.. لم ولن يَزِل..!

فلا خِتم يُسر.. ولاتوقيع صُعوبة يَجيز له المُرور داخل النفس إبداعاً..!

إنّما هو تفجّر روح.. تثير رُوح أبداً.. أبد..!

 

ماذا أقول بَعد أن دَارت عَجلة الزمن..

 وأجبرت الرحلة على العودة للوراء بإغراء جميل الحَرف.. وجَاذبيّة شجن الرُوح.. وسِموّ عَطاء قلب يَحبّ فى الله.. وبِودّ نفس .. تجمع الأحباب والأصدقاء.. راغبة فى كُل جَديد.. ومتعطّشة بإخلاص للتعرّف على عَوالم أجدّ وحيْوات هُنا وأخرى هُناك..؟

مَحطات كانت تَجمعنا.. وبَيْن ضلوعنا أحْلام.. لايَعرف مَصيرها إلا الله..!

ومُدناً عَليْنا أن نَصل إليْها.. نَجهل أسْماَء شَوارعها.. وفى سَواد ليْاليها تضمّنا أزقّتها.. وتتطلّع فى شَغف إلى عِلوّ مَبانيها.. ويَتوه الفِكر فى رَجرجة الحَيْاة بيْن جُدرانها..!

وَعن عَمد.. تُلقى بِنا من عَلى نافذة حجرة صغيرة.. متأمّلا شارع (أحمد حَسن الزيّات ) فى منطقة (بين السرايْات ).. والملاعب الريَاضية بالمدينة الجامعيّة.. فى انتظار الإخوة والأصدقاء من جميع الأقسام.. على طبق فُول فى النصف الثانى من الشهر.. والنصف الأوّل أنصاص الكبدة والسُجق.. التى قبيْل أن نأكلها نستلذّ رائحتها..!

وبقسوة هروب الزَمن من أعْمَارنا.. تلقى بنا من عَوامة (السيد عبد الجواد).. وتنزعنا من أحضان (هنّومة برّ مصر).. ويصل لآذاننا عِراكنا حول فيلم (حدوتة مصرية).. وتأخذنا على الكورنيش.. وتصعد بنا المقطم وقد كان خاليْا.. إلا من آمال تتراقص على أنغام شريط (شبابيك) للفنان (محمد منير).. ويسكرها كلمات ذائبة فى عذب نهر الخلود.. يوم فاض بدرّ كلمات (حدوتة مصرية).. والكلمة المفقودة مثل حُبّنا الأوْحَد فى عُمرنا.. (ياناس ياناس يامكبوتة/ هى دى الحدوتة)..!

 ونِهرول إلى شقة الفنان الكبير (محمد منير).. وفينا صديقى العَاشق له.. يَنوى إعداد (حوار صحفى) معه فى جريدة (صوت الجامعة).. التى تصدر من قسم صحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة..

وفى حقيقة الأمر تشغف روحه للقاه.. كَما كَان طموح وتطلّعات أحلامنا تلتمس عَتبات الوفد وصباح الخير وروز اليوسف والكواكب وأسانسيرات الأهرام وهيئة الكتاب وماسبيرو..الخ

بيْنما أرحل أنا وخُضرة الورق المِتنّدى على غُصن.. رطبّه الربيع.. يُغار من عيون الفنانة الراحلة (فايزة كمال).. وهى على باب الفن.. تطرق مسرح السلام بشارع القصر العينى.. ومايزال يقدم  فنّاً يثيرا شجناّ ويداعب فكراً.. ولكن للأسف بلا.. بلا صدد لتصفيق جمهور حقيقى ينتشى فنّاً.. ولايركن على مقاعده الزرقاء بعد التجديد بديل كافيهات.. !

وترتعش أنَامل الروح وهى تقبض على سن قلم يسطر أوّل حوار فنّى معها.. !

كم هى قاسيْة الأحلام.. فى شدة عذابات إباء حبّ فى الله لم يَتم..؟

 كم هى عنيفة فى صراخها الأضج.. تَشدّنا أبقاراً مُغْمَضة الأعيْن.. تدور فى سَاقية الحَيْاة لتروى.. تروى أيضا بأرواحنا حيْاة أخرى..؟

،،،،،،،

وبرقّة ورقى صدق المشاعر تصدمنا..

تصدمنا جَوارح جَارحة.. بفُجائيّة الحَاضر وآنيّة شَظف الوَاقع.. نَصلاً حَاداً فى رَبطة حَرير عَلى عُنق.. وتُشعرنا بِحَاضر عَطب.. وموائد بَلاستيكيّة بَلا لون ولاطعم ولا رائحة.. واكتناز وُجوه بِمنحنيْات البَلادة.. وندبِات العُنف.. وتتجمّد الأحرف بَيْن دون لضم أسْطُر.. وتتكسّر المَعانى فِى المَدى.. ونَحن نتأمّل بِرواز سَماحة الطلّة.. وضَىّ التواضع.. وخَجل الفِطرة.. وجَمال الرُوح.. ينادى عَليْنا فى صَوته..؟

إنّه من خَسرتُه الأرض.. واستردّته جِنان السماء.. لينعم فى الخلود بجوار الرحمن.. مُنتظراً رَفيقة قِصر عُمره.. الحُبّ الوحيد الذى عِشناه وهو.. العَائش بَيْننا ولاتستحقه أرضنا.. فأمرّ الربّ بِحرماننا من أندر إبداع بَشر..!

 إنّه أخونا الصحفى الموهوب والأعظم إبداع بشر(عادل القاضى).. صحفى جريدة (الوفد) نابغة كتيبة القلم الشهيد (مصطفى شردى).. الذى شهدت الجريدة على يَديْه مولدها الفز.. يَرحمه الله.. يارب..؟  وهو يلحّ فى لمّتنا.. من حِين لآخر.. ويَحرص عَلى مَدّ جسور التواصل بَيْننا دَائما أبداً..

رحمه الله..

ووصل إليْه التماسنا لِدى الربّ.. ليَعفو ويَغفر لنا.. مَدى مَا ارتكبناه فى حق أنفسنا قبيْل حَق بَشرنا..؟

،،،،،،

وبكل نِعومة حَنان..

 تفتقد ضلوع تئن تَحت جِلودنا.. يَتسلّل الشَجن الجميل بَيْن تمرجح ضفائر الجُمل.. ويَتسرّب إلى دِمانا صفو حسّ.. !

كم تركنا الأيّام تمرّ بأجواءنا لصاً وخِلسة.. لم يَعرفها (ملحد) ديستوفيسكى.. وهو يبثّ سمومه فى أوردة وشرايين شقيقه..!

وتصغر أمامها ألاعيب غجريْته الفاَتنة..؟

وتلقى بنا بَلاهَوادة مِن عِشّ حُبّ.. بين عِيدان قشّه يُغرّد عصفور ماتبقى من عمره.. وبين شَفتيْه بقايْا ناى مَكسور..!

أيّام تروح.. وشُعور جميل فى طريقه لكى يَروح.. أم أنّه أخى الحبيب رَاح..؟

ولم..

لم يَمنح لنا الزمن فيه مَسافات بَراح..!

تهوى بنا بدون بساط الكاتب الكبير (حسين فوزى).. فى رائعته (سندباد مصرى).. ضَائعاً بَحقّ بيْن رُؤى (حسين مؤنس) فى (مصر ورسالتها).. شَارداً الفِكْر بيْن ظِلال وسَموات الكون وغيْمات زَمن يعبر أيّام وتاريخ (سيريل فوكس).. فى بديع مؤلفه (شخصية بريطانيا).. والتى لاتتماس وعَظمة حدود معبد (جمال حمدان) فى (شخصية مصر).. و.. و..

هل تختفى الأحلام.. أم نَحن الذين مِنها هربنا وفررنا.. واختفيْنا..؟

ربّما لأنها أثقل مِن أن تَحملها أكتاف قدراتنا.. فغدت عِبئاً عليْنا..؟

أم خَجلاً من عَجز عَنْ تحقيقها.. و..

وبرّرنا لأنفسنا مَابرّرنا.. وَعِشنا والسلام.. نأكل ونشرب ونتزوّج وننجب.. و.. وبِعنا..؟

يوماً مَا.. مات شاعر مصرى.. قتلته كلمة..؟

عندما قال له من تكتنز عِظامه بسماكة جلد خرتيت أجوف..  اغتصبت مشاعره ووجدانه من إنسانيته يوم ولد.. يَطلقون عليه العِميْان (إنسان)..!

وللأسف أيْضا.. لا أعرف من اعتبره عَلى خريطة الحِسّ المصرى (شَاعِر)..!

قال له فى صدمة.. بعد مُعاهدة السلام (لقد بِعت..؟ )

وفقدنا الشاعر الكبير (صَلاح عبد الصبور)..!

،،،،،،

ونحن..؟

مَن نحن.. بعد كُلّ هذا الزمان..؟

نحن لم نمت..!

ولكن حقّاً بِعنا.. بَعنا..؟

بِعنا أحْلام أمس بِدراهم مَعدودة.. وعَقارات.. وشاليهات.. وسَيّارات.. واكتناز أموال.. و..

وما أغلى ما بِعنا.. وما أبْخس ما اشتريْنا..!

تُرى..

أم هى الأحلام التى أسفت لنا وعَليْنا.. !

وتوارت خجلاً منّا..؟

ونحن.. نحن ما استحيْنا..؟

تُرى..

ألأحلامنا عَهداً وفّيْنا..؟

أم لوِعُودنا أبيْنا..؟

أم ورَاء طِموحات ذَواتنا.. ولسعات شَهواتنا هَرولنا..

ولنطفئها سَعيْنا.. وجريْنا..؟

وأغوتنا زَوْجاتنا.. وزينة أولادنا..

وضعفاً فى هَوانا جَرّونا جَراّ.. وهَويْنا..!

و شره أنفسنا يَلفّ أعناقنا.. وطمع حيْواتنا يَغمى بَصيرتنا قبيْل أعيْننا..

وفى سَاقيْة أعْمَى دُرنا.. ودُرنا..!

،،،،،،

مَن نَحن..؟

حَقّاً مَنْ أنا..؟

مَن ْأنت..؟

ومَا ذَاك الذى غَدا ظلّاً منّا..؟

وأبَى أن يَهرب مِنْ حَوَاليْنا..؟

كمَا تَمنّع السَواد عَنْ التحاف شَيْب شَعريْنا..؟

ويَرحل بيْاض قلب ورَماد..

رَماد غيْم يَفترش رَوحيْنا..؟

وكما يَرفض أوْحَد حُبّنا فِى الله

فى دِمَانا يَسرى مُنْتَهى عِشق

ولايبقى دَوماً..!

شَىءٌ مَا..

شىءٌ مَا يَبقى بَيْننا..؟

أهى أطلال بَضّ آمَال لاتزل.. لاتزال تئنّ فى مَهد أمس..؟

وبَيْن بَيْن ضِلوعنا تَلتمس التِرْحَال..؟

أم نثرات صَفا فى غَيْب نَفس.. تحاول أن تَمسك بفتات سِموّ ونقاء ثوبها..

بَقايْا تمزّقات لَيْال وسَنوات عُمرنا..!

،،،،،،

وفى ظلام ليْل نَتوه..

بلا سّواد قلب.. ولابَلل نَدى يَغتصب سَحرا.. ولا ظلال قمر..

كُلّ واحد منّا  فى مِضمَاره يَصهل جَواداً.. لايَعرف الكسل أبداً.. أبدا..ويمرح على سكّر الطموح.. وإبداع رُؤايات الأحلام التى يراها حقيقة.. ويحياها تطلّ وشفق فجر لقاءاتنا.. يزيّن كل اجتماعاتنا..!

وتتهادى قطيّرات الندى.. تغسل قناديل الرؤى بنينى أعْيُننا.. التى ترفض الاستسلام والسكون نوماً أو حتى غفلة.. فى حُضن حَنين الأغنيّات.. تنطلق تَرنيمة عِشق مَفقود.. ولحن افتقاد شوق لروح بلا وُجود..!

لا مَثيل فى وُجود حُبّها..؟

ولا مِثل لها فى فقد روحها..؟

ولا شبيه  فى عَذابات بُعادها..؟

حَيْوات تنبعث.. تقطع بنا مَسافات.. وتحملنا الأزقّة.. وترمينا الطرقات.. ويَظلّ بَيْن قلوبنا..

شيءٌ ما يِبقى..؟

تسافر أرواحنا عِبر الزمن بترحالات الجَسد.. و

ويبقى شيء مَا فى عيْون الأحبّة مُنتهى صِدق..!

أطلا ل أغصان بلا أوراق.. ولا ضلّ..!

،،،،،،

قطيْرات دمع..

قطيْرات دمع تحاول أن تتسلّل بَيْن جِفنيْنا.. ويَأباها شيْب اعتلى مَنكبيْنا.. !

ربما تبلّل رموشنا.. غصب عَنّنا..     

كم نَحن فى حَاجة لكى نقول لكل أصدقاء الأمس جميعاً..

نحن نحبكم.. حقا نحبكم فى الله..؟

أدامكم.. وأدام الله جميع الإخوة والأحباب مَا تبّقى  فى أعمارنا.. بَقاء وِدّ.. ووصل سَكينة نَفس.. وتواصل رَحم.. وفَيْض وِدّ.. تُغرق كُلّ ضفاف الأرض.. وتعلو كل أسوارها.. تعبرها وتغرقها حبّاً فى الله عزّ وجلّ..؟

وغشى أرواحنا  الصَفح الجميل عن كُلّ قول أو فِعل.. يمَسّ تواضع حِسّ أمام عظيم مشاعركم.. أومن يحاول يمزق ستر روح أمام جلّ أرواحكم....؟

وليسامحنى الله.. ويعفو عنى من تماسه ـ غصب عنى ـ من شرود نفسى.. وعجزى عن قدرتى فى ترويض ذاتى من شرّ لمسٍ أو قولٍ.. أصاب مجرد ضِلّ حضوره مِنْ ضرّ.. أو حَفيف هَمس نيّة شعور ممكن يصله فيغضبه..؟

 

وليَعْذرنى.. من عَجزت عن أن أوّفر له حتى الاهتمام الذى يَفرضه ربّى وربّه فى حُضور شَخصه أو مَنْ يَهمّه أو أىّ فَرد مِنْ أهل بَيْتَه..؟

أدَامكم الله لوَهننا دَوام مَدد..

وفى الله عَظيم سَتر..؟

يَارب..

 

بقلم: أحمد الغرباوى

 

faroq mawasiما أعجبني من حضور البديهة:

قيل إن الصاحب جمال الدين بن مطروح كتب لبعض الرؤساء رقعة إلى صديق يشفع فيها عنده، فكتب ذلك الرئيس:

"هذا الأمر عليّ فيه مشقّة"

فكتب ابن مطروح في جوابه "لولا المشقة.."

ففهم على التو إن ذلك إشارة إلى قول المتنبي:

لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتّال

فقضى له حاجته.

(ثمرات الأوراق، ص 15)- حققه محمد أبو الفضل إبراهيم.

.................

قال معاوية لعَقيل بن أبي طالب إن عليًا قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر.

 قال: أفعل.

فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

 إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن عليًا، فالعنوه عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!

 ثم نزل، فقال له معاوية يا عقيل، إنك لم تبين من المراد منا.

 قال: والله لا زدت حرفًا، والكلام راجع إلى نية المتكلم.

(ثمرات الأوراق، ص 159)

....

عيون المها

حكى ابن الجوزي في كتاب (الأذكياء)، وهو من الغرائب في هذا الباب أن رجلا من طلبة العلم قعد على جسر بغداد يتنزه، فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرُّصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب، فقال لها: رحم الله علي بن الجهم!

 فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري!

 قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: هل لك أن تقولي لي ما أراد بابن الجهم؟

 فضحكت، قالت: أراد به قوله:

عيون المها بين الرُّصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

وعنيت أنا بأبي العلاء قوله:

فيا دارَها بالخَيف إن مزارَها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(نقلاً عن ثمرات الأوراق، ص 162)

...

حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب لأبي الطيب المتنبي فحضر يومًا مجلس الشريف المرتضى في بغداد  فجرى ذكر أبي الطيب فهضم من جانبه الشريف المرتضى، فقال أبو العلاء: "لو لم يكن لأبي الطيب من الشعر إلا قوله:

 لك يا منازلُ في القلوب منازل لكفاه".

غضب المرتضى، وأمر به فسحب، وأخرج.

 وبعد اخراجه قال المرتضى: هل تعلمون ما أراد بذكر البيت؟

 قالوا: لا

 قال: عنى به قول أبي الطيب في القصيدة:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني كامل

...

 قرأت كذلك عن ذكاء أبي العلاء المعري:

"نقل الحافظ اليعمري أن أبا نصر المنازي واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري في جماعة من أهل الأدب، فأنشد كل واحد منهم من شعره ما تيسر، فأنشده أبو نصر:

وقانا لفحة الرمضـاء وادٍ=   سقاه مضاعف الغيث العميم *

نزلنا دوحـه فحنـا علينـا= حنو الوالدات على الفطيـم

وأرشفنا علـى ظمـأٍ زلالاً= ألذَّ مـن المدامـة للنديـم

يصدُّ الشمس أنى واجهتنـا= فيحجبهـا ويـأذن للنسيـم

يروع حصاه حالية العذارى= فتلمس جانب العقد النظيـم

فقال أبو العلاء "أنت أشعر من بالشام".

ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد، فدخل المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد، وأبو العلاء لا يعرف منهم أحدًا، فأنشد كل واحد ما حضره من شعره، حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد:

لقد عرض الحمام لنا بسجـعِ= إذا أصغى له ركـبٌ تلاحـى

شجا قلب الخلي فقيل غنـى= وبرح بالشجـيِّ فقيـل ناحـا

وكم للشوق في أحشاء صـبٍّ= إذا اندملت أجدَّ لهـا جراحـا

ضعيف الصبر عنك وإن تقاوى= وسكران الفؤاد وإن تصاحـى

بذاك بنو الهوى سكرى صحاةً = كأحداق المها مرضى صحاحا

فقال أبو العلاء:

"ومن بالعراق"-  عطفًا على قوله  "من بالشام".

(ثمرات الأوراق، ص 51)*

* تنسب هذه الأبيات كذلك لحمدونة الأندلسية. انظر (معجم الأدباء) لياقوت ج10، ص 276.

 

لقد ولدنا ولست ادرى ان كان هذا من الحظ ام سوء الحظ فى قطعة من الارض اختارت ان تكون فى مرحلة الحضارة غير المتطورة او ربما فى مرحلة الطفل العابث الذى لا يريد النضج والنمو يظل يكرر ترهات الطفولة وكانها حقائق فيصير ابا فشيخا يورث لابنائه ترهات طفولته دون راى صحيح او حق فقط لانه تعلم انه الحق ..فيتحدث مثلا عن امور الطبيعة القاصرة التى ولد عليها غير مبالى ان الانسان فى هذا العصر وصل لمرحلة عرف بها الكثير عن نفسه ولا يزال يجهل الكثير ولكن العلم يعطينا الامل دائما فى اننا سنصل ..ولكن مشكلتنا الحقيقة هى فى التصديق الدائم والكلى والخوف من الاكتشاف والنضوج تجاه الواقع والكون المتناقض الذى نحيا بداخله فنرى الرعب يطيح بالانسان خوفا وتشتا وبحث محموم عن السعادة والكل حاله ان يبحث يبحث وربما يجد القليل فى لحظة

نتعلم فى نظام تعليم جهلنا التلقين فنكبر عليه ولكننا نكتشف عبر وسائل التكنلوجيا الحديثة ان العالم المحموم يسبقنا باشواط فنظل نردد عبارات طفولتنا اجدادنا صنعوا انها طفولة عاجزة ..نحكم على الاخر ونصير اوصياء فنحكم على الاقليات والمختلفين معنا فى الفكر والطبيعة ..وحينما نريد المزيد نضع لانفسنا الاسقف والخطوط الحمراء لنظل عبيد ترهات طفولة صنعنها اجدادنا وكان نصف كوكب الارض بما توصل له عن طريق دراسات وابحاث بل وحروب من العنصرية اولكراهية حتى القوانين والحرية لاتكفينا بل والاسوأ اننا من ننقل لابنائنا كل امراضنا النفسية والسلوكية التى نضعها تحت بند عاداتنا فينقلها الابناء بلا تعليم الى ابنائها وهكذا فاى حرية سنصل ونحن عبيد لافكارنا الطفولية واى غدا ونحن لا نصنعه

وقف المدرّسُ العملاق فوق رأسي يتطلّع إلى ما صنعتْ يداي وأبدعتْ في اليوم السابق حين أمضيتُ ساعاتٍ النهار بطولها أجلّدُ دفاتري وكتبي استعدادا للسنة الدراسية التي ابتدأت توا. كنتُ وظّفتُ كلّ أدواتي وألواني وفنّي في كتابة العناوين وتأطيرها بالأشكال الهندسية المختلفة من دوائر ومربعات ومستطيلات وتعبئتها بالألوان والزينة من تنقيط وخطوط ونجمات وورود من دون أن أضعَ صورة دالة على المادة التي يحملها هذا الدفتر أو هذا الكتاب بين ثناياه.

شعرتُ بحضور المدرّس العملاق فوق رأسي وتوقفه عند مقعدي وتطلّعه إلى غلاف كتابي.

كنتُ قد رسمتُ على سبيل الزينة بعض الأشكال الهندسية كما قلتُ، وكان من بين ما رسمتُ خطان متقاطعان أفقيا وعموديا محفوفان بدوائر صغيرة وتنقيط كثير. رأيتُ يدَ المدرس العملاق تمتد بالطباشير الذي بيده لتشطب بقوة كادتْ أن تمزّق الغلاف على ما رسمت. لم يعلّق هو بشيء، لكنّ ذهني الغضّ المراهق تنبّه مع ذلك إلى العلاقة بين تفكير المدرس ذاك وتوجّهه " الديني " وما رسمتُ. لا شكّ إنّه رأى في ما رسمتُ صليبا. والصليب هو شارة " الكفّار " وهو يريد أن يوجّهني إلى " السراط المستقيم " كي لا أكون برسمي ذاك على بداية السراط الذي سيؤدي بي إلى غضب الله وسخطه.

.........................

لا يختلف هذا الأسلوب عندي عن " توجيه " أو " نصيحة " من يستخدم يده اليسرى ألا يستخدمها لأنّه سيعرّض بذلك قلبه للإجهاد!!

.........................

ولا تختلف عمّا أقرأه مستغربا في منشور يعلّق في بعض حافلات النقل العمومي هنا يدعو الناس إلى صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، لأنّ من لم يصلّ الفجر فليس في وجهه نور، ومن لم يصلّ الظهر قطع الله رزقه، ومن لم يصلّ العصر فلن يبارك الله له في أولاده ومن لم يصلّ المغرب...

...........................

كما لا تختلف عن هذه الدعوات والتهديدات التي لا أدري على وجه الحق إن كانت جادة أم مزاحة وهي تدعو الرجل إلى الزواج بثانية إن لم توقظه الأولى لصلاة الفجر!!!

.............................

كلّها تخاطب عقولا بسيطة وتستخف بعقول الناس بل وتمرّنهم على القبول بهذا النوع من الأوامر والنواهي وأساليب الردع والترغيب لكي يصوموا أو يصلّوا أو يلتزموا بتعاليم دينهم. تمرين بائس لا يتجاوز جدول الضرب بين الواحد والعشرة.

هذه الأساليب في الإقناع لا تدلّ إلا على سطحية من ابتدعها وعجزه وخواء جعبته وتفكيره من كلّ شيء حتّى من أمور دينه، لأنّ الحميّة على الدين وعلى كلّ فكرة ونظرية تدعو الإنسان إلى الإبداع والاختراع.

ليتخيّلوا أن ما يروجون له بضاعة أو تجارة، هل كانوا سيروجون لها هكذا بهذه السطحية؟

لا شكّ أنّهم سيروجون لها هكذا لأنّهم ليسوا ذوي فكر خلّاق مبدع مجدد.

..........................

أساليب كهذه ليس لها إلا أثر معاكس للمطلوب.

هم هكذا يدعمون حجج من يريد بالدين شرا

وهم هكذا يسفهون آراءهم ويدينون أنفسهم بأنفسهم فيكفون الغريم والمنافس مشقة تسقّط الزلات والبحث عن الثغرات.

انظروا ماذا فعل بنا شعار سياسي أطلقه طائشون إبّان صراعنا الشرس مع عدونا الأزلي.

" في البحر ح ندفنهم "

كم تاجرت إسرائيل بهذه الكلمات الثلاث!

وكم ألّفت من قصص ونسجت من روايات!

وكم استدرت من تعاطف وحلبت من بقر واستثمرت من أموال

وكان النتيجة أنّ من دفن الأخر كانتْ هي

ولم يبق لنا من تلك العاصفة التي أثرناها بأنفسنا غير الرمال التي غطّت علينا وجثمت على صدورنا وما تزال.

 

هناك أكثر من 2650 لغة منتشرة في جميع ارجاء العالم، واكثر من 7000 لهجة. أن عملية تعلم لغة معينة ليس بالامر اليسير كما يعتقد الكثيرون. فهناك تحديات عديدة تبرز وتظهر للعلن حال الشروع بتعلم اللغات، وما يجعل تلك اللغة قابلة للتعلم او لا يعتمد اعتمادا كليا على الشخص نفسه الذي يقوم بدراسة هذه اللغة أو تلك.

تعد لغة الشخص الام العامل الحاسم والمهم من اجل القدرة على اجادة اللغة الاخرى او العكس. على سبيل المثال نجد بأن المتكلمين للغة الايطالية يكون من السهل لهم تعلم اللغة الاسبانية والبرتغالية ببساطة كبيرة، بالرغم من الاختلافات القواعدية بين هذه اللغات ولاسيما للغة الاسبانية التي تمتاز بتشعب قواعدها ومفرداتها. وعلى نفس الاساس نجد بان متكلمين اللغة الصينية من المحتمل جدا انهم يجدون سهولة بتعلم اللغة اليابانية بسرعة كبيرة مقارنة مع اولئك الاشخاص الذين يستخدمون الاحرف الرومانية في لُغاتهم.

تعد اللغة الصينية بانها من اللغات التي ليس لها نظام قواعدي خاص بها، الامر الذي سيصعب عملية تعلمها من لدن اصحاب اللغات الغربية كثيرا، ولكن قد يميل المتعلم لهذه اللغة الى أستخدم طريقة حفظ وتعلم خصائص اللغة الاساسية. لذلك من المهم جدا في عملية تعلم هذه اللغة معرفة المصطلحات وترجمتها بدقة، ومعرفة كل ما يتعلق بالقواعد اللغوية، وقواعد الانشاء والكتابة.

نجد بأن الكفاءة الشخصية تعد عاملا اخر من عوامل تعلم اللغة. فيمتلك بعض الاشخاص موهبة طبيعية لتعلم لغات جديدة، قد ينتهي بهم الحال الى ان يصبحوا مترجمين محترفين، او شيء من هذا القبيل. بينما هناك اشخاص اخرين يكافحون ليلا ونهارا لحفظ المفاهيم الاساسية للغة معينة ولكن من دون جدوى.

هناك عوامل اخرى مثل عمل البيئة المحيطة، والمواد المستخدمة في عملية التعلم، والدافع والرغبة في التعلم، وعامل المعايشة في بئية اللغة المراد تعلمها، اذ انها تلعب دورا بارزا ومهما في تخفيف من صعوبات تعلم اللغة، اي لغة كانت.

ان تركنا جانبا كل ما اسلفنا قوله، نجد من جانب اخر، بأن مكتب الخارجية البريطانية قد توصل الى نتيجة مفادها ان اللغة الاكثر صعوبة بما يتعلق بتعلمها هي اللغة (الباسكية)، التي يجري بها الكلام في اجزاء من اسبانيا وفرنسا، وتليها اللغة (الهنغارية) التي تعتمد على 35 حالة من حالات الصيغ الاسمية.

من جانب اخر، نجد بأن لغات مثل اللغة الالمانية والروسية تستخدم نظام تنقيط يمتاز بصعوبته الكبيرة مقارنة مع لغات العالم الاخرى.

وهناك بعض اللغات التي تمتاز بخصائص متنوعة، يمكن ان تُظهر صعوبات بما يتعلق بالقراءة والكتابة من لدن مستخدمي الابجدية اللاتينية، ولكن ليس دائما تمتاز بصعوبتها. ويتفق خبراء اللغة على ان الفيتناميين واليابيين والصينيين والكوريون بأمكانهم تعلم اللغات ببساطة كبيرة مقارنة بمن يتكلم اللغات الاوربية، ومع ذلك لغاتهم تمتاز بتعقيداتها الكبيرة.

وأما ما يتعلق باللغة الانكليزية، نجد في واقع الحال بأنها واحدة من اللغات التي تمتاز بصعوبة  تعلمها، بسبب المشاكل التي ترافق اللفظ، ووجود كم هائل من الافعال الشاذة، وهناك الكثير من الكلمات والجمل التي تكتب بطريقة معينة، وتُلفظ بطريقة اخرى، الامر الذي ربما يجعل اللغة الانكليزية اللغة الاصعب في العالم من ناحية التعلم.

 

ترجمة: م.م. محمد داخل ذياب التميمي/قسم اللغة الاسبانية

 

شغف الناس منذ القدم وحتى يومنا هذا بتاريخ وجود العرب في الاندلس، ووجدوا في قراءته والاستماع الى احاديثه لذة روحانية عجيبة لا يجدونها في سواها، ولعل من اسباب هذا الشغف انهم يقرأون فيه قصة رائعة للبشرية تتقلب فيها احداث الزمان، ويداول الدهر فيها بين شطرين، فهو تارة صفاء لا يشوبه كدر وقوة ونعيم وسلطان وملك كبير وتارة اخرى هم وخذلان وبلاء .

ان قصة الاندلس عجيبة حقا فيها من احاديث البطولة والاقدام ما يعجب له العجب، فيها جرأة طارق واقدام عبد الرحمن الداخل وعزيمة الناصر وعبقرية المنصور، وفيها امثلة رائعة للصبر حين البأس والتمسك بالعقيدة، ومن جانب اخر تصور لنا الاحقاد والرذائل والصراع بين الحياة والموت بين ملوك المسلمين من جانب وبين الفصائل والقبائل من جانب اخر.

(الاندلس هو الاسم الذي أطلقه المسلمون على شبه جزيرة أيبيريا عام 711م. بعد أن دخلها المسلمون بقيادة طارق بن زياد وضمّوها للخلافة الأموية واستمر وجود المسلمين فيها حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492 .)

في عهد الدرنات بين عامى (92 - 93 هـ) في الخلافة الأموية وفي عام 711 م أرسل موسى بن نصير القائد الشاب طارق بن زياد من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب يوم 30 أبريل 711، عبر المضيق الذي سمي على اسمه، ثم استطاع الانتصار على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق في معركة جواداليتي في 19 يوليو 711.. واصل المسلمون التوسع بعد السيطرة على معظم أيبيريا لينتقلوا شمالاً عبر جبال البرنييه حتى وصلوا وسط فرنسا وغرب سويسرا. وأسس الأمويون حضارة إسلامية قوية في مدن الأندلس المختلفة. فقد كانت الاندلس في العصور الوسطى شعلة النور ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة واشبيلية وغرناطة ملتقى لطلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للادب والشعر والفنون عامة منزلة لم تكد تصل اليها امة واذا تحدثنا عن فنون العمارة والهندسة لطال بنا الكلام.

استمر الوجود العربي في الاندلس قرابة ثمانمئة عام، وعانوا الكثير من الفتن التي ادت الى سقوط الاندلس وسقوطها لم يكن سوى سقوط النجم المتلالئ الامع وانهيار الجبل الراسخ، وان دولة في الارض لم تشيع بعبرات العيون وحسرات القلوب كما شيعت  الاندلس، ولم يبك الملوك على ملك طواه الزمان كما بكوا على ملك الاندلس، ولم يقف المؤرخون وهم يدنون بحسرة خاتمة امة كما وقفوا على قبر الاندلس.

 

م.م. إيناس صادق حمودي

جامعة بغداد/كلية اللغات/قسم اللغة الاسبانية

 

rasheeda alrakikمع المزيد من الضوضاء، نتألم في صمت، نتألم لأننا لا نسمع أصواتنا الداخلية، نتألم لأننا لا ننصت بحب وروية، نتألم لأننا نتسابق مع الزمن والظروف والفرص بدعوى أنها قليلة.

مع المزيد من الضوضاء، نكتم أنفاسنا ونصارع الألم والخوف من الفشل، هو خوف من الخوف، وكأنه خوف مرضي. و نرجو دائما النجاح بإلحاح، غير أن ما نقدمه ونفعله لا يرقى إلى مستوى هذا النجاح. وما دمنا نهتم بالنجاح وبالفشل فإن السؤال الخفي: ما المطلوب النجاح أم غياب الفشل؟

لا شك أن النفس البشرية ترفض وتستنكر النعوت الجاهزة، ترفض وجود عيب لصيق بشخصها، لا تقبل نعت الفاشل كونه مرضا مزمنا قد يصيبها فتخاف منه، ومحاولة منا الوعي بالذات في علاقتها بالآخر، ومن شدة الخوف كثيرا ما نتكلم مع أنفسنا دون غيرنا من الناس بنوع من الكتمان و التحفظ:

هل أنا فاشل؟ وفي ذلك بحث ضمني عن نجاحي وبشغف، لا ندري لماذا لم يطرح السؤال: هل أنا ناجح؟

ويبقى دائما الجزء الفارغ  من الكأس حاضرا في تفكيرنا وثقافتنا.  وفي الحقيقة ليس هناك من هو ناجح بالمطلق ولا من هو فاشل بالمطلق، بل هناك عقبات وعراقيل تواجهنا في حياتنا، وبالعمل والكد نتغلب عليها. لكن ما السر وراء العبقرية؟هل هي معطاة أم مبناة؟هل العبقرية هبة إلهية؟أم أن المسألة تتعلق بصفات الشخص وبالتنشئة الاجتماعية التي تفتح المجال لبناء الذات؟

هي أسئلة طرحتها الدول العظمى، دول تبحث كيف تدعم الفاشل ليصبح ناجحا، دول تبحث في التنمية الذاتية بعدما حققت تطورا كبيرا في العلوم الحقة من رياضيات وفيزياء و العلوم الطبيعية. لكن لا زال الإنسان في العلوم الإنسانية لم يواكب هذا التطور، لا بد إذن من فتح المجال لبناء الذات من قدرات ومهارات، والبحث في مفاتيح النجاح من صبر و التزام وانضباط ومعرفة وتخطيط وفعل وتوقع ودوافع...

تتبعت سيرة أينشتاين وفرو يد وإديسون....و اللائحة طويلة، هناك شخصيات غيرت الفكر الإنساني بأفكارها ولم تستطع أن تغير من ظروفها وقد كان الفشل واردا دائما، و لكن بنوع من القبول والإصرار على المواصلة: هناك من أحرقت كتبهم، ومن أحرقت مختبراتهم ومع ذلك كانت هناك استمرارية.

لقد انشغل الكثير بسر عبقرية أينشتاين، ولقد سئل الرجل فقال:"كنت أبقى مع الأشياء لوقت طويل" وقال أيضا "الخيال أهم من المعرفة" و يضيف ليتمم وصفة النجاح مبرزا أهمية السؤال "كنت أطرح أسئلة الأطفال الصغار"  لقد انطلق من الصبر إلى تجاوز الواقع وعالم المستحيلات ثم الدخول في عالم الممكنات بخياله كقدرة يمتلكها الإنسان دون غيره، فيعيش في عالم من الإستيهامات كبداية تحفيزية للانطلاق في اتجاه الواقع.

 لقد أجريت الكثير من التجارب على أينشتاين في حياته ولم يفهم سر عبقريته، الشيء الذي يفسر سرقة دماغه قبل دفنه مباشرة بعد وفاته. والحقيقة أنها كانت أعظم سرقة في التاريخ، وقسم إلى قطع من أجل خدمة الإنسان وفك اللغز- وإن كان ذلك وصية منه في حياته كما يقال- ، ليتوصلوا في النهاية إلى أنه يتوفر على خلايا غروية أكثر من الخلايا العصبية، وهي خلايا تتقوى بفعل التدريب، لا مفر إذن من الإصرار على النجاح و التحدي.

وأعود لأحاور النفس البشرية: هل نحن نتيجة لظروفنا أم أن الظروف نتيجة لأفعالنا وتركيبتنا النفسية؟

ما الذي يجعل من المعاق بطلا؟ هل هي قدرته الجسدية أم أن الأمر يتعلق بذلك الجزء المظلم في تكويننا؟

و لكن لم  الانشغال وأنا أعرف وصفة سحرية رائعة وفي غاية السهولة للنجاح، أعرف شخصا لم يفشل في حياته، معرفة جيدة وكلنا يعرفه جيدا، شخص لم يعرف لا النجاح ولا الفشل، لقد أقصى نفسه من اللعبة واعتبرها غير مجدية ومع أننا يكفينا دائما كما نقول شرف المحاولة. إن المسألة مسألة قرارات،

والوصفة السحرية لتفادي الفشل هو ألا تفعل شيئا. إن الشخص الوحيد الذي لم يفشل لم يعمل قط.

 قرر إذن؟

هل يحق أن أعيش بدون هدف أخطط من أجله و أتوقع و أفعل ما يمكن فعله بنوع من التجاوز؟.فهل سيكون للحياة معنى دون الدخول في معركة النجاح والفشل ؟ هل أقبل على نفسي أن أكون دائما متفرجا مكتفيا بهذا الدور؟ تذكر أن المتفرج يمل ويشعر بطول الوقت الذي قد يخنقه، والاجتهاد الوحيد الذي يعرفه هو تضييع الوقت، حياته كلها وقت ثالث. علي أن أقرر...

  لقد قرأت الكثير عن سلسلة من العباقرة وعن السر في عبقريتهم فوجدت للمعاناة معاني كثيرة وبصيغ أكثر، ومع ذلك أصبحت لبنات أساسية وضعها هؤلاء ليصعدوا من خلالها إلى القمة دون كلل أو ملل.

غير أن البعض الآخر يقدم مبررات واعية في حقيقتها تعبر عن الجانب المظلم في شخصيته، حينما يبرر الفشل باجتهاد من العقل  كآلية شعورية للدفاع، تخفي في الحقيقة حالة نفسية مركبة تحتاج بالتأكيد  إلى القدرة على التواصل مع الذات  بشكل فعال. وتبقى تلك المبررات سنفونية جميلة تتلذذ الذات بسماعها بنوع من الاجتهاد....

من واضح إذن أن النجاح مثل جبل من جليد: ما يظهر هو بريق النجاح المبهر الجذاب، لكن الجزء الباطن الخفي عن الأعين هو العمل والكد والكفاح وقوة اتخاذ القرارات.

عموما مثلما نرى النجاح بشكله المكتمل نرى اللوحات الفنية الجميلة ا في صيغتها المكتملة، ولا نقف عند المراحل التي مرت منها لتنتج هذا الجمال، لذلك لا نرى في الأعمال الفنية كد وتعب.

يظهر النجاح  في صورته المكتملة والجميلة والمبهرة ، والحقيقة أنه يخفي الكثير من الإخفاقات والإحباطات مع الكثير من الإصرار والاستمرارية ، وطلب الاختلاف يلح على التحدي و لا يقبل بالمقارنة ، لا بد إذن من بناء الذات باستمرار والتزام وانضباط وقدرة على التحكم فيها .

لقد استوقفتني لقطة رائعة ومعبرة في حياة الفنان العالمي بيكاسو عندما كان في السوق استوقفته امرأة، وأبدت إعجابها بلوحاته، فطلبت منه أن يرسمها، أعطته الورقة والقلم، فرسمها ثم أبدت إعجابها من جديد باللوحة، فهمت بالانصراف. ناداها بيكاسو :" عذرا سيدتي لم تدفعي ثمن اللوحة ". فطلب منها ثمنا مبهرا. قالت معقبة على الموقف: " رسمت لوحة في ثلاث دقائق وتطلب هذا المبلغ". رد عليها موضحا:

 "عذرا سيدتي لقد استغرقت ثلاثون سنة لرسم لوحة في ثلاثة دقائق"

كان عليها أن تدفع ثمن ثلاثون سنة من العمل لم تراها ولكنها حاضرة في العمل، والحاصل أنها رأيت فقط ثلاث دقائق كنتيجة حتمية لها ما يفسرها.

 وخلاصة القول ليس النجاح وليد الساعة بل سنوات من العمل والصبر على الألم مع الإحساس بالمتعة ليكون زاخرا بالعطاء بل وبسخاء وحب. وعند الخطأ علينا أن نقوي مهارة الاتصال مع الذات باحترام وتقدير، وبتصالح مع الماضي ومع الذات دون لوم وسخط على الظروف و الزمن.

 دعنا نكون مثل الفاصلة إذا رأينا موقفا يحزننا نضعها ونكمل طريقنا، ونرفض أن نكون مثل النقطة تنتهي آمالنا عند موقف صادفنا لا بد من المرونة، على اعتبار أننا كائنات التغيير والتغير، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 ويستمر الحوار مع الذات الإنسانية بشكل أبدي ولا شك أن هذا  ما يميزالإنسان ، بالحوار نستطيع أن ننعم بكثير من الاستقرار النفسي وبمراجعة الذات  والوقوف عندها بكثير من التأمل والإصغاء...........

 

رشيدة الركيك

 

للوهلة الاولى عندما تحادث الفنانة الشابة "ميرنا بامية" يخال لك بانك تحادث نجمة سينمائية فاستدارة وجهها الجميل وابتسامتها الأخاذة تبعدان عنك كل البعد انك امام مليحة يافاوية الاصل لها علاقة لامن قريب او بعيد بالسياسة، ولا اقول ذلك لانني من اصول يافية، او لانه تربطني بعائلة "بامية وشائج الود والمحبة والاحترام.

حديث البطاطا والذي عرض من قبل في احدى الساحات العامة في المغرب، بوعي الآنسة "بامية" يأخذك الى موضوع "الاقتلاع" اي: ان تقلع من ارض جذور الاباء والاجداد، ضاربة في عمقها بثبات راسخ، وتجبر قسرا على الاقامة في بلد، او بلدان لاتنتمي اليها الا اللهم ان كان هذا لبلد، او تلك البلدان عربية فلا تستطيع نكران الانتماء القومي للعروبة ولو ان الكثير من العرب يستدعون هويات فرعية لاتمت بصلة الى الهوية الاصيلة منذ آلآف السنين.

ميرنا بامية، ارادت بهذا العمل الفني المبهر والغير مسبوق والذي كان الهدف منه تسليط الضوء على قضية شعب اقتلع من ارضه قسرا وبتطهير عرقي صاخب سابقا، ضد السكان المحليين وصامتا حاليا، ضد نفس السكان، لترسيخ عنصرية و"ابرتهايد" هذا المستعمر، وبدون هذا الوصف الدقيق من وجهة نظر "ميرنا بامية" لايمكننا توجيه التهمة الى المسؤول المباشر عن ذلك، ولكي لاتشرعن هذه الجريمة، جريمة العصر، وتقيدها ضد مجهول.

ميرنا بامية، تحاول ان تعمل خرقا في الثقافة السائدة في مجتمعنا الفلسطيني بعد كل هذا الخراب المبرمج فهي تحاول ان تستدعي سلاح الارادة، وتمرد الوعي ضد ثقافة الرضوح، ووثقافة الانحطاط التي وصلنا اليها، كي لا اقول الاستسلام امام اسراب الجراد من اعداء وغير ذلك، وضد المسلمات المفروضة قسرا والتي تعززت مع الزمن بفعل عدم وجود خطة وطنية تنتمي الى ثقافة المقاومة الاخلاقية والانسانية، والروحية، وفتح ثغرة في جدار الصمت، و ترسيخ مفهوم ومعنى "المواطنة " على كافة الارض الفلسطينية، المغتصبة عام "1948"والمحتلة عام "1967" ضد احتلال استحضر كل بشاعات الاستعمار العالمي .

التمرد على الخنوع، واقتحام مايجب اقتحامة، وعدم البحث عن البديل الاسهل والذي قد يؤدي بنا الى خواء الروح واستسلامها،

ميرنا بامية، تظهر مواهبها ليس من باب استعراض امكانياتها الثقافية والفنية، بل تسعى الى المباشرة ووضع النقاط على الحروف، بعيدا عن "السوريالية" اي استنفار واستنهاض الكرامة الوطنية التي تختزنها ويختزنها شعبها رغم هذا العذاب الطويل في طريق الآلام .

بكل جرأة وحداثة لافتة تبهرك الآنسة "بامية " بهذا العمل "حديث البطاطا" فنحن على موعد معها قريبا لنقص القصص القصيرة والمكثفة عن قلعنا من ارض الاباء والاجداد.وتنقلنا في المنافي، وعودتنا لجزء من ارضنا على حساب حقنا التاريخي الاكبر من كل الجزئيات.

 

محاضرة الشاعرة "فيسلافا شمبورسكا" في الأكاديمية السويدية حين منحها جائزة نوبل عام1996

يقولون أن الجملة الأولى في أي خطاب هي الأصعب دائماً. حسن، تلك الجملة خلفتها على أيّ حال. لكن لدي شعور أن الجمل التالية-الثالثة، السادسة، العاشرة، وهكذا وصولاً إلى السطر الأخير- ستكون في الصعوبة نفسها،لأنني مكلفة بالحديث عن الشعر. لقد قلت القليل جداً عن الموضوع، بل لم أقل شيئاً في الواقع. ومتى ما قلت أي شيء تملكني دائماً شك خفي بأني لا أجيد القول. وهذا هو السبب في كون محاضرتي ستكون أقصر قليلاً. فالعيوب يسهل تحملها كلها إذا وزعت بجرعات صغيرة.

إن الشعراء المعاصرين يميلون إلى الشك حتى بأنفسهم، ويترددون من الاعتراف علناً أنهم شعراء، كأنهم خجلوا من ذلك قليلاً. لكن في عصرنا الصاخب يكون الاعتراف بأخطائك، في الأقل إذا جمعت بشكل جذاب، أسهل كثيراً من التعرف على حسناتك لأنها مخفية عميقاً فلا تستطيع أن تصدقها بنفسك تماماً.. في أثناء ملء الاستبيانات أو الحديث مع الغرباء، باختصار، حينما لا يستطيع الشعراء الكشف عن مهنتهم فإنهم يفضلون استعمال المصطلح العام "كاتب" أو يستبدلون كلمة "شاعر" باسم أي عمل يمارسونه إَضافة إلى الكتابة. يستجيب البيروقراطيون وراكبو الحافلات بقدر من الشكوكية والذعر حين يكتشفون أنهم يتعاملون مع شاعر. وأظن أن الفلاسفة قد يلاقون ردّ فعل مشابهاً، مع ذلك فهم في وضع أفضل لأنهم يستطيعون تزيين وظيفتهم بنوع من اللقب الراقي. مثلاً أستاذ الفلسفة-فهذا له وقع صوتي أجدر بالاحترام كثيراً.

لكن لا يوجد أساتذة للشعر، وسيعني ذلك، في النهاية، أن الشعر وظيفة تحتاج إلى دراسة متخصصة، امتحانات منتظمة، مقالات نظرية، مرفقة بالمصادر والهوامش وأخيراً شهادات دبلوم ممنوحة رسمياً. وهذا سيعني بالنتيجة أنه لا يكفي ملء الصفحات حتى بالقصائد المختارة بعناية بالغة لكي تصبح شاعراً. الشيء المهم هو قصاصة من الورق تحمل ختماً رسمياً. فلنتذكر أن مفخرة الشعر الروسي "جوزيف برودسكي" الذي سيفوز فيما بعد بجائزة نوبل قد حكم عليه بالنفي الداخلي استناداً إلى تلك الدوافع بالضبط، فقد سمّوه "طفيلياً" لأنه كان تنقصه الشهادة الرسمية التي تمنحه الحق في أن يكون شاعراً.

قبل سنين عدة كان لي الشرف والسرور بلقاء "برودسكي" شخصياً، ولاحظت أنه من بين كل الشعراء الذين عرفتهم، كان الوحيد الذي يجد متعة في تسمية نفسه شاعراً، فهو يلفظ الكلمة بلا تحفظ، وعلى عكسهم تماماً كان ينطقها بحرية وتحدّ ٍ. يبدو لي أن سبب ذلك هو تذكّره حوادث الإذلال الوحشية الذي عاناها في شبابه.

في بلدان محظوظة أكثر حيث لا يجري انتهاك الكرامة الإنسانية بهذه السهولة، لاشك أن الشعراء يتوقون إلى أن تنشر أعمالهم وتقرأ وتفهم، لكنهم يفعلون القليل،إن لم نقل لاشيء ليضعوا أنفسهم فوق عامة الناس والكدح اليومي. ومع ذلك، في زمن ليس ببعيد جداً، وفي العقود الأولى من هذا القرن، كافح الشعراء لكي يصدمونا بلباسهم المترف وسلوكهم الشاذ، لكن هذا كله كان من أجل الظهور أمام الجمهور فحسب.

وجاءت المرحلة حين كان على الشعراء أن يغلقوا أبوابهم ويزيلوا حجابهم وألبستهم المزخرفة و الأدوات الشعرية الأخرى ويواجهوا الورقة البيضاء الناصعة بصمت وصبر مترقبين ذواتهم. لأن هذا هو ما يؤخذ حقاً في الاعتبار أخيراً.

فليس من قبيل الصدفة أن جرى إنتاج أفلام كثيرة جداً عن حياة الفنانين والعلماء العظماء، وأشد المخرجين طموحاً ينشد على نحو مقنع إعادة إنتاج العملية الإبداعية التي أدت إلى اكتشافات علمية عظيمة أو إلى ظهور التحفة الفنية الفاخرة، وبإمكان المرء أن يصف أنواعاً معينة من العمل العلمي بشيء من النجاح. فقد أعيدت إلى الحياة المختبرات والأدوات المختلفة و المكائن المعقدة. إن مثل هذه المشاهد تستحوذ على اهتمام الجمهور فترة وجيزة، وهذه اللحظات من الشك قد تكون درامية تماماً-هل ستنتج التجربة -المنفذة للمرة الألف ببعض التعديل الطفيف- أخيراً النتيجة المرجوة ؟قد يكون الفيلم الذي يدور حول الرسامين رائعاً،بعد أن انهمكوا في إعادة خلق كل مرحلة من تطور لوحة رسم شهيرة من أول خط للقلم حتى حركة الفرشاة الأخيرة، والموسيقى وفيرة في الأفلام التي تدور حول المؤلفين الموسيقيين: فالأعمدة الأولى من اللحن الذي يرن في سمع الموسيقار تظهر أخيراً كعمل ناضج بشكل سيمفوني. وبطبيعة الحال أن هذا كله ينم عن سذاجة تامة ولا يفسر الحالة العقلية الغريبة المعروفة بصورة عامة بـ"الإلهام"، لكن في الأقل ثمة شيء جدير بأن ننظر إليه ونصغي إليه.

لكن الشعراء هم الأسوأ حظاً. فعملهم لا يلائم التصوير قط. شخص يجلس إلى المنضدة أو يضطجع على الأريكة وهو يحدق بسكون في حائط أو سقف، وفي بعض الأحيان يدون سبعة أبيات فقط لكي يشطب واحداً منها بعد خمس عشرة دقيقة ثم تمر ساعة أخرى لا يحدث خلالها شيء.. من بوسعه أن يتحمل مراقبة شيء كهذا؟.

لقد ذكرت كلمة "الإلهام". يتهرب الشعراء المعاصرون من الإجابة حين يسألون عن ماهيتها، وإن كانت موجودة فعلاً. ليس السبب أنهم لا يعرفون أبداً بركة هذا الحافز الداخلي. فمن غير السهل تماماً توضيح شيء لا تفهمه بنفسك لشخص آخر.

حين أسأل عن ذلك في بعض الأحيان أتجنب الإجابة عن السؤال أيضاً. لكن هذا هو جوابي: الإلهام هو امتياز لا يقتصر عموماً على الشعراء أو الفنانين. كان هناك دائماً مجموعة معينة من الناس يأتيهم الإلهام وسيوجدون حاضراً ومستقبلاً. والمجموعة تتكون من كل أولئك الذين اختاروا وظيفتهم بوعي ويؤدون عملهم بحب وخيال.قد يشمل ذلك الطبيب والمعلم والبستاني- وبمقدوري إدراج مائة مهنة أخرى، فتصبح مؤلفاتهم مغامرة واحدة مستمرة طالما أنهم ينجحون في مواصلة اكتشافهم لتحديات جديدة فيه. ولا تكبح الصعوبات والمعوقات أبداً من فضولهم. ويبرز حشد من الأسئلة الجديدة في كل مسألة وجدوا حلاً لها. ومهما تكن ماهية الإلهام فهو يتولد من الإجابة المستمرة:" لا أعلم".

لا يوجد الكثير من هؤلاء الناس. معظم سكان الأرض يعملون للحصول على قوتهم، وهم يعملون لأنهم مضطرون، ولم يختاروا هذا النوع من العمل أو ذاك بدافع الحب، إن أحوالهم المعيشية هي اختارته لهم. العمل غير المحبوب، العمل المضجر، العمل الذي يقدرونه فقط لأن الآخرين لم ينالوا حتى ذلك، مهما يكن مضجراً وغير محبوب - وهذه واحدة من أقسى الآلام الإنسانية، ولا توجد علامة على أن القرون القادمة ستنتج أية تغييرات نحو الأحسن طالما أن الأمور تسير على هذه الشاكلة.

وهكذا، على الرغم من أنني قد أنكر احتكار الشعراء الإلهام إلا أنني ما أزال أضعهم في مجموعة مختارة من أحباب الحظ.

مع ذلك قد تنشأ عند هذه النقطة بعض الشكوك لدى جمهوري. جميع أنواع الجلادين والمستبدين والمتعصبين والقادة السياسيين من ذوي الوعود الكاذبة الذين يكافحون من أجل السلطة عن طريق بضع شعارات صارخة، يتمتعون بأعمالهم ويؤدونواجباتهم بحماس خلاق أيضاً. حسن، نعم، فهم "يعرفون". يعرفون، وكل ما يعرفونه يكفيهم بشكل دائم،فهم لا يريدون أن يكتشفوا أي شيء آخر لأن ذلك قد يقلل من قوة جدالهم. وأية معرفة لا تفضي إلى أسئلة جديدة تموت بسرعة: فهي تفشل في الاحتفاظ بدرجة الحرارة المطلوبة لإدامة الحياة. أغلب الحالات المتطرفة، الحالات المعروفة في التاريخ القديم والحديث، تتخذ أيضاً وضع التهديد المميت للمجتمع أيضاً.

وهذا سبب تقديري لتلك العبارة الصغيرة "لا أعرف" تقديراً عالياً. أنها صغيرة لكنها تحلّق بأجنحة قوية. إنها توسع حياتنا لتشمل الفراغات التي في داخلنا إضافة إلى تلك الامتدادات الخارجية التي تتدلى منها أرضنا الصغيرة. لو لم يقل "أسحق نيوتن" لنفسه أبداً "لا أعرف" لتساقط التفاح في بستانه الصغير على الأرض مثل حبات البرد، وإلى حد ما ، كان سينحني لالتقاطها ويلتهمها بتلذذ. ولو لم تقل ابنة بلدي "ماري سكلوفيسكا كوري" لنفسها أبداً "لا أعرف" لربما كانت ستتحول إلى تدريس الكيمياء في مدرسة ثانوية خاصة بالفتيات من العوائل الطيبة وستنهي أيامها وهي تؤدي هذا العمل المختلف الجدير بالاحترام تماماً. لكنها ظلت تقول:" لا أعرف". وهذه الكلمات أفضت بها ليس مرة واحدة بل مرتين إلى "ستوكهولم" حيث الشخصيات القلقة الساعية في البحث تنال أحياناً جائزة نوبل.

على الشعراء، إنْ هُم أصيلون، أن يظلوا أيضاً يرددون:" لا أعرف". وكل قصيدة تشير إلى جهد الإجابة عن هذه العبارة لكن ما إن يضع الشاعر الجملة الأخيرة على الصفحة حتى يبدأ بالتردد،و يشرع بإدراك أنّ هذه الإجابة الخاصة كانت مجرد بديل مؤقت،وبالتأكيد غير كاف إطلاقاً للبدء. لذلك يظل الشعراء يحاولون، وعاجلاً أم آجلاً يقوم مؤرخو الأدب بتجميع النتائج المتعاقبة لاستيائهم الذاتي داخل أوراق ضخمة مشبكة ويسمونها "مؤلفاتهم الأدبية".

أحياناً أحلم بمواقف لا يمكن أن تصبح حقيقة. فمثلاً أتخيل بشكل متهور أني حاصل على فرصة للثرثرة مع مؤلف "الأكلزياستنس" (كتاب التعاليم في التوراة يعتقد أن سليمان هو كاتبه-م) الذي يرثي بشكل مؤثر غرور مساعي البشر كلها، كنت سأنحني أمامه لأنه على أيّ حال واحد من أعظم الشعراء، بالنسبة لي في الأقل . بعد ذلك كنت سأقبض على يده قائلاً:" لا جديد تحت الشمس: ذلك ما كتبت يا مؤلف "الأكلزياستس"، لكنك بنفسك ولدت جديداً تحت الشمس والقصيدة التي خلقتها أيضاً جديدة تحت الشمس لأنه لم يكتبها قبلك أحد ، وقراءك كلهم أيضاً جدد تحت الشمس لأن أولئك الذين عاشوا قبلك لم يتمكنوا من قراءة قصيدتك، وشجرة السرو تلك التي تجلس تحتها كفت عن النمو منذ الأزل. ظهرت إلى الوجود شجرة سرو أخرى شبيهة بشجرتك لكنها لا تشبهها بالضبط. ويا مؤلف " الأكلزياستس"، بودي أيضاً أن أسألك ما الجديد تحت الشمس الذي تخطط الآن لعمله؟ هل هو ملحق إضافي لأفكارك التي عبرت عنها سابقاً؟ أو ربما تميل إلى معارضة بعضها الآن؟ في مؤلفاتك المبكرة ذكرت الفرح، ماذا لو كان زائلاً؟ وهكذا ربما ستكون قصيدتك الجديدة تحت الشمس تدور حول الفرح؟ هل تدون الملاحظات، وهل لديك مسودات؟ أشكّ في أنك ستقول:" لقد كتبت كل شيء ولم يبق لدي شيء أضيفه". لا يوجد شاعر في العالم يستطيع أن يقول هذا،حتى شاعر عظيم مثلك".

العالم مدهش مهما نفكر فيه، حين يروعنا اتساعه وضعفنا الخاص أو نزداد مرارة بلامبالاته تجاه معاناة الفرد،و الناس والحيوانات وربما حتى النباتات، لأننا متأكدون جداً من أن النباتات لا تحس بالألم، مهما نفكر في اتساعه الذي اخترقته أشعة النجوم المحاطة بالكواكب السيارة التي بدأنا تواً في اكتشافها، أماتت النجوم مسبقاً؟ أما زالت ميتة؟ لا نعرف تماماً. مهما نفكر في هذا المسرح الذي لا حد له والذي حجزنا بطاقات للدخول إليه، بطاقات لها عمر قصير مضحك، كأنها محصورة بين تاريخين اعتباطيين، مهما نفكر في هذا العالم فهو مدهش.

لكن "مدهش" هي صفة تخفي شركاً منطقياً. فنحن نندهش، على أيّ حال، من الأشياء التي تنحرف عن معيار معين معروف ومعترف به عالمياً، وعن وضوح نشأنا معتادين عليه. والمسألة الآن هي أنه لا يوجد مثل هذا العالم الواضح، ودهشتنا موجودة بذاتها وغير معتمدة على المقارنة مع شيء آخر.

ولنعترف، أنه في الحديث اليومي، حيث لا نكف عن مراعاة أي كلمة، نستعمل جميعنا عبارات مثل "العالم العادي" و "الحياة العادية"، " المسار العادي للأحداث".. لكن في لغة الشعر، حيث كل كلمة لها وزنها، وليس هناك شيء عادي أو طبيعي . لا صخرة واحدة فوقه ولا غيمة. لا نهار بعده ولا ليلة. في الأخص، لا وجود مستقل، ولا وجود لأي شخص في هذا العالم.

يبدو أن الشعراء سيرغبون دائماً بأن يكون عملهم مناسباً لهم.

*****

فسلافا شمبورسكا : ولدت في 2 تموز عام 1923 في بنين ( تسمى الآن "كورنيك") بالقرب من "بوزنان" / بولندا وتوفيت في . شاعرة بولندية تحرت القضايا الفلسفية والأخلاقية بذكاء. انتقلت شمبورسكا إلى "كراكاو" عام 1931 ودرست الأدب وعلم الإجتماع في جامعة "جاغلونيان" بين عامي 1945 و1948. قصيدتها الأولى "ابحث عن الكلمة" ظهرت في جريدة "كراكاو" في آذار 1945. كانت مجموعتها الشعرية الأولى "ذلك سبب أننا أحياء-1952" محاولة لمواجهة الواقعية الاشتراكية وهي الشكل الأدبي الذي يؤيده رسمياً النظام الشيوعي في بولندا.في عام 1945 التحقت بهيئة تحرير مجلة "الحياة الأدبية" الأسبوعية ذات الاهتمامات الفكرية وبقيت هناك حتى عام 1981، وفي أثناء هذه الفترة حصلت على مكانة ليس كشاعرة بل أيضاً كمراجعة للكتب ومترجمة للشعر الفرنسي. بين عامي 1952-1993 نشرت "شمبورسكا" أكثر من دزينة من المجاميع الشعرية ثم أنكرت المجموعتين الأوليتين اللتين تحتويان على قصائد مكتوبة بأسلوب الواقعية الاشتراكية التي لا توحي بمقاصدها الشعرية الصادقة. مجموعتها الثالثة "الهتاف على يتي-1957" أشرت تحولاً واضحاً نحو الاسلوب الشخصي في الشعر وعبرت عن عدم ثقتها بالشيوعية وبالأخص بالستالينية ومجموعاتها المتتالية مثل "ملح-1962" و "هزل مستمر-1967" و "ربما-1972" تحتوي على قصائد تستحق التنويه بسبب لغتها الملموسة الدقيقة وسخريتها.

 

ترجمة: نجاح الجبيلي - كاتب عراقي من البصرة

 

 

nabe  odaحقائب الأمل.. نص سردي اقرب إلى الكتابة التسجيلية، يستعرض كاتبه – ضابط إسرائيلي في جيش احتلال لبنان 1982- علاقة له تطورت مع تاجر لبناني اضطر إلى استيراد بضائعه من إسرائيل، وخلال العلاقة يتبين جانبا صعبا في حياة التاجر اللبناني وزوجته: عجزهما عن إنجاب طفل. في المقدمة يستعرض كاتس “الأخلاقيات الحميدة” للاحتلال الإسرائيلي الذي أقام “وحدة تقديم المساعدة لسكان لبنان” حتى يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي ودم اللبنانيين المسفوك كان لهدف إقامة “الوحدة لمساعدة سكان لبنان “؟! ويستعرض كاتس الجهود التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي لتسهيل حياة اللبنانيين من حرب لم يختاروها، وهم يلقون بمسؤوليتها على الفلسطينيين في المخيمات المحرومين من الوطن ومن الجنسية حيث لجأوا ومن حق العمل والتملك ومن الحياة بأقل مستوى يحياه الإنسان، وحلمهم بالعودة إلى وطنهم يصبح إرهابا، ورفضهم لحياة الذل في لبنان يعيق مجرى حياة اللبنانيين كي تجيء إسرائيل، ربما لإنقاذ اللبنانيين… من جسمٍ برزَ فجأة في بلدهم ليعتدي على إسرائيل، ويمرمر حياة اللبنانيين، وذلك بتعريضهم لحروب لم يختاروها.

أنا كشاب عاش فترة الحكم العسكري بعد احتلال فلسطين (48) وإقامة دولة إسرائيل على خرائب شعبي الفلسطيني، أحمل ذكريات صعبة عن فترة الحكم العسكري الإسرائيلي ( الاحتلالي ) ومن المستحيل أن جيشا محتلا قادر على حمل رسالة إنسانية .

قد يكون يورام كاتس إنسانا طيبا على المستوى الشخصي، ولكن من المستحيل إضفاء طيبته على آلة عسكرية تدميرية لا تتردد في قصف سكان آمنين ومدارس تعج بالأطفال ومستشفيات وتدمير بنى تحتية وحياة أبرياء ثم الادعاء أننا هنا لنساعد، والمساعدة الأكبر في أي مفهوم أنساني أو قانوني دولي، هو إنهاء الاحتلال وكنسه، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني (ونعرف انه حق منقوص) بالتحرر وبناء دولته المستقلة وحل مأساة اللجوء التي شاهدها كاتس في لبنان ولم تتغير حتى اليوم، بل تزداد حدة ومأساوية .

خلال وجود يورام كاتس في مكتب الجيش لمساعدة اللبنانيين يتعرف على تاجر لبناني … يساعده في الوصول إلى إسرائيل لشراء البضائع .. ويرتبطان بعلاقة شخصية، ليكتشف يورام كاتس أن لصديقه اللبناني مشكلة تنغص حياته رغم أمواله الكثيرة …

وهنا المضمون الأساسي للرواية …

النص يتركز في قسمه الكبير، حول مشكلة الإنجاب وعلاج الزوجين في إسرائيل. حيث يتبين أن المشكلة لدى التاجر وليس لدى زوجته، رغم أن الفحوصات في العالم العربي أكدت على عقر المرأة.

جزء كبير من النص يتركز حول استعمال منى من متبرع لتقوية منى الزوج وإخصاب البويضات وإعادتها لرحم المرأة.وبشكل غير مباشر نلمس الفجوة الطبية بين إسرائيل الصغيرة والعالم العربي .. وربما بين عقليتين، العقلية العربية التي تضع كل الإثم على المرأة وتغلق الموضوع .. والعقلية العلمية التي ترى المرأة والرجل على قدم المساواة، وتبحث عن المشكلة بدون موقف مسبق .. لذا تنجح بالوصول الى السبب لتعالجه .

العلاج المقترح محرج للرجل الشرقي المعتز برجولته ومهين له أن يكتشف انه عاقر رغم قدراته الرجولية … ويبدو ان هذه قاعدة طبية كما هي قاعدة عقلية في العالم العربي … اذ أكدت التقارير “الطبية” العربية من لبنان والقاهرة أن المشكلة في المرأة .

حتى جاء الاحتلال الدموي للبنان، الذي نفذ مجازر رهيبة ضد السكان بما فيهم أطفال لبنان وأطفال اللاجئين الفلسطينيين، والمهم جاء الفرج للتاجر العاقر .. ليساعده الطب الاسرائيلي في تجاوز عقره، بعد أن قام العسكر بتدمير حياة الاف السكان والأطفال !!

المعادلة هنا مقيتة … مشاعرنا مع التاجر لأن ينتهي زمنه العاقر .. ولكن خلفية الحدث لاتغيب عن ذهننا . متى ينتهي زمن الفلسطينيين العاقر ؟! هنا المشكلة الجوهرية التي تستحق ان نتعامل معها في الأدب أيضا !!

ونعود لبطل الحكاية التاجر العاقر … فعبر نقاشات وترددات تتميز بها العقلية الشرقية ولقاءات مع من عبروا بنفس التجربة, ولقاء مع شيخ..الخ، يقتنع التاجر بالحل الوحيد والفرصة الوحيدة لكي يرزق بطفل.. بأن يخلط زرع من متبرع مع زرع التاجر ليصبح مثمرا

وهكذا تنتهي الحكاية…بالإخصاب…وانه بعد عودة التاجر وزوجته إلى لبنان انقطعت العلاقات، ليتسلميورام كاتس من باريس، بعد سنة، طرداً مع صورة الطفل المولود…

الكاتب العبري يورام كاتس،يحاول أن يقدم صيغة بديلة عن العداء والقتل والدم الذي ميز ويميز العلاقات الإسرائيلية مع لبنان.

السؤال المركزي: هل قدم لنا يورام كاتس نصاً روائياً؟!

النص كتب بصيغة صحفية ويفتقد لمجمل المركبات الروائية، ومع ذلك فيه جانب أنساني أتمنى لو ينتصر، ويسمو فوق الجانب العدائي ألاحتلالي الدموي الذي يميز سياسات إسرائيل ونهجها، مع لبنان والشعب الفلسطيني وسائر الدول العربية.

العداء الذي يظهره التاجر اللبناني للفلسطينيين، المحرومين من الجنسية ومن الحقوق الإنسانية وحقوق العمل في لبنان، هو واقع لا يتردد حتى كاتس في تصويره بشكل صحيح، وبالنسبة لكاتس يبدو الحديث عن اللاجئين كحديث عن مجموعة سكانية نشأت فجأة في لبنان، لا دخل لاحتلال إسرائيل لوطنهم بها. يسببون المشاكل للبنانيين، واللبنانيون لا يريدونهم، والمشكلة لا دخل لإسرائيل بها.

واضح أن ما اشغل يورام كاتس، ليس مشاكل الحرب والعداء التي أنتجتها نكبة فلسطين، إنما إنسانية المحتل واستعداده لمساعدة زوجين عاقرين داخل إسرائيل… بالطبع علاج كلف التاجر مبالغ طائلة جدا …

النص يفتقد لمعظم العناصر الروائية .. وهو أقرب إلى السرد الإخباري . صحيح أن قصة الزوجين تثير الحس الإنساني النقي …ولكن المضمون يبقى خبرا وليس رؤية روائية استشراقية لواقع نزاع دموي، لا يمكن لخبر قصصي أن يجعل النص نهجا لرؤية مختلفة وعلاقات مختلفة وعالم مختلف … خاصة وأن النص يتعامل مع الاحتلال وكأنه جزء من الوصايا العشر التي استلمها موسى من ربه في جبل سيناء .

ولو طرحنا القصة من زاوية إنسانية أخرى، بأن لبنانيا فقيرا تقدم بطلب الحصول على مساعدة لعلاج العقم، أو لعلاج صحي آخر، وربما علاج مصابين ومشوهين نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان…؟ لم نسمع أن الاحتلال عالج جراح أحدهم .. ومن تلقوا العلاج، تلقوه على حسابهم بالأساس … ربما يجب أن نكون سعداء لأن المحتل لجنوب لبنان نظم رحلة للاجئين الفلسطينيين، كما جاء في النص … ليشموا رائحة وطنهم ويشاهدوا قراهم التي تحولت إلى خرائب وبلدات لا تعرف لغتهم، تبنى فوق أملاكهم .. وكرموا بغذاء في كيبوتس يحرث ويدرس ويأكل ويسكن القادمين في أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم . لا اعرف كيف استطاع أولئك اللاجئين ابتلاع لقمة الغذاء وهم يرون ماساتهم مجسدة وتاريخهم مستلب وأرضهم تغتصب !!

لا بد من ملاحظة حول لغة الترجمة .. المترجم نادر ابو تامر هو استاذ للترجمة المهنية في الكليات وكاتب قصصي برز بالأساس بالكتابة للأطفال .. تتميز لغته العربية بالصياغات الجميلة المتقنة والسهلة في مبناها ومعانيها ووضوحها . وانا على ثقة ان لغة الترجمة أضفت على النص جمالية خاصة .. وبالطبع لا علاقة للمترجم بمضمون النص !!

 

الكتاب: حقائب الأمل (160 صفحة حجم صغير)

المؤلف: يورام كاتس

ترجمه للعربية: نادر أبو تامر

إصدار: دار الهدى- كفر قرع

 

نحن ابناء الجيل التائه بلا اب يسير بمفرده، يسير شابا فيصرخ بالامل اريد ان احطم العالم امسك القلم وابدا فى خط الكلمات ارسمها فاراها تتراقص امامى على الاسطر تتشكل بالوانها المختلفة لتغدو صفحة رائقة تستحق النظر فاحاول ان استنشق ذلك العبير وارفع راسى ابحث من حولى فاجد دروب جيلى تشبه دروب الجيل التائه، الشعارات المتاهات الخيبات الالم السقوط الخيانة التعايش التجاهل الصمت .

كل جيل يورث همومه نزعاته بلا توقف، ينظرون الينا هازئين عند بعضا من امل غائب ليميتوه قائلين جربنا وفشلنا عرفنا نهاية الدرب مسبقا فلما المزيد توقفوا مثلما فعلنا انظروا الى تلك الامور الجادة التى توصلنا اليها .. تصرخ انظروا انتم للتاريخ للعالم توقفوا فلا تجد من يرفع راس الكل منكس الحرف ضائع اللغة ستقتل بفعلتنا.. لن تجد من يستخدمها عندما نخرج من التاريخ ولا نعد كائنات قادرة على التكيق والتطور سنخرج سنخرج الى هاوية الانقراض ..فلمن نكتب ونحن نكره الكتب والكتابة والعلم والنقاش والحب والحرية من كثره شعورنا بالعبودية والهوان اصبحنا سجانين على اجسادنا فلم نعد حتى نمتلكها ..فلمن نكتب؟.

تردد فى ذاتها لم تعد فى لحظتها تلك تعبأ بنظراتهم لانها لم تعد تهتم بشىء...

كانت تسير على مهل ..كان الوقت ظلاما ..عمن كانت تبحث ..عن ذاتها..ربما انها لا تدرى..هل تبحث عن المدينة ..انه الظلام قد حل..فكرت لما علينا ان نتحمل كل هذا جراء حدث عارض حوادث عارضة..

ربما ليس هذا ربما هناك شىء اخر ولكنها لا ترى انها لاترى....

انها لم تقرر الانسحاب ولكنها عندما تسألت وما جدوى الاستمرار ان كان احدا لا يسمع لم تستطع ان تجيب عن ذاتها..

هل حب للحياه يسكن هناك ام انها وراثة البقاء التى نقلت اليها عبر الاجيال رغم كل شىء..هناك امل...هناك غدا..

ولكنها عادت تقول وما الامل؟...ما الامل هل من مجيب ..كيف يمكن النجاة من دون عبور طريق انه سراب..سراب ينمو ولا ينتظر من يوقفه

انه احدى هذيانها المديد..تشعر بالدوار تتساقط كالريح هناك جوار البحر..النهر...ربما قليل من المياة المتساقطة على ارض جافة كانت تود لو تصنع بها بعض الراحة..

ربما صنعتها الان..ربما فعلت..

 

bakir sabatinهجعت عمان في بهيم هذه الليلة التي غادرتها الحكايات إلى مهاجع السمّار في البيوت المنغلقة على أسرارها، فلا ينبعث منها إلا ما تسفه الرياح المتناوحة في طريقها إلى غياهب المجهول، حيث هناك ثمة رواة يبحثون عنها كأنها قادمة من الغياب.. خرجوا من راسي وفي عيونهم ملامحها.. وقصتها الواقعية التي يتواضع أمامها الخيال وترتجف الدهشة، تخيلتها رشيقة الروح غجرية الشعر في عيونها متاهات أبعد من الأفق.. وجهها ذلك الفردوس إذْ يرتوي من ابتسامتها الرقراقة نضارة الشباب.. تستظل بذكرياتها كأنها تتنسم طلة من حبيبها المسلوب إلى امرأة أخرى.. فهل تستعيد أريجاً من ذكرياته الجميلة معه.. ثمة حلم كان يراود عينيها الساهمتين إلى حمرة الأفق عند المغيب.. والرواة يباغتونها " ستجدين بقية الحكاية عند الكاتب العراف" فصدقتهم حتى صارت عندي على جناح السرعة..

إذن أنا هو الكاتب العراف الذي داهمته الهواجس في وحدته إثر غياب الزوجة الحبيبة عند أهلها في زيارة قد تمتد ليومين كأنهما الدهر.. ومبيت الابن الأصغر في السكن الجامعي بالطفيلة، فيما الابن الأكبر يتقلب على فراش الغربة في السعودية لبناء مستقبله في زمن مليء بالمتاهات..

وهكذا صادفت هذه الشخصية الروائية التي طالما حلمت بكتابتها منذ زمن... ساقتها الأقدار إليّ كأنها أحجية تلقفها قلبي الشفوق الذي بات أسيراً لها .. تسامرنا حتى وجه الصباح بعد أن احتست قهوتي وشاركتني تدخين الأرجيلة بمبسم واحد.. فكان لطعم البوح نكهة الدهشة ، ثم ذهبت لتنام في ذاكرتي قريرة العين بعد أن استودعتني أسرارها.. سأطلق عليها اسم بسمة أو باسمة! وربما ابتسام.. وهذا لم يأت من فراغ ما دمت سأطلقه على صاحبة أجمل ابتسامة أحسست بغموضها الآسر.. أنا لا أتحدث عن المونليزا ولن أجبرك على تصديق الحكاية! آه من هذه الضيفة التي ملأت على وحدتي لساعات ثم غادرت على أمل اللقاء من جديد.. كأنها السنونو أورقت حكاياته في روحي ثم طافت ترفرف في المكان قبل أن تغادر قلبي إلى المجهول.. كأنها جاءت لتزرع الحيرة ثم تختفي.. كانت عيناها الواسعتين أعمق من المدى.. وجهها المورق بالحكايات الحزينة تظلله خصلة شعر تدلت مشاكسة نسائم الوجد.. كأنها تراقص ابتسامة المونليزا الغامضة في سمرة وجهها الذي يحمل معالم آذار.. بدت وهي تسرد حكايتها كالفرس الجامحة بشعرها المتطاير مع الريح وهي تصهل بروح غجرية. هذه الشخصية موعودة بأجمل قصة حب ستعيشون تفاصيلها المدهشة مع المناضل بهاء الذي خرج من الأسر حالماً بلقائها، في مدينة لا تنام.. الراوي يستعد منذ هذه اللحظة لرصد التفاصيل وتراكمات الحدث في حواري عمان العتيقة في ظل زمن ما زال الراوي يستشعر بهرولته في أسواق المدينة وأزقتها وبيوتها وتفاصيلها الغنية بالمتناقضات.. وتبقى الرواية في عهدة الراوي.

 فإلى لقاء قادم مع أحداث رواية شرعت بكتابتها منذ اللحظة.

 

 

karim abdulahهذا الأثيرُ يحملُ عطرَ تصاويركِ وحدها تتفتّحُ في ليلِ عيوني، تمطرُ أحلاماً غزيرةً تسبحُ في ينابيعها الجديدةِ أصواتُ صبواتي، كيفَ لي أنْ ألمَّ بريقَ عينيكِ وهذي النجوم تستجدي أنْ تغسلَ عتمتها بزرقةِ شطآنكِ !

هكذا تبدأ القصيدة وفي هذه الاجواء المشحونة بالعواطف الهائجة والمتأججة بالذكريات الغابرة وحضورها القويّ في حاضر ينزف الماً واضطرابا ...

أكاليلُ الأزهار تصطفُّ كلَّ صباحٍ على شرفتكِ تنتظرُ متى تنهضينَ مِنْ نومكِ وتمنحينها العطر، أسرابٌ مِنَ الطيورِ تحطّ ّ ُ على مائدتكِ لعلَّ فُتاتَ صوتكِ يجعلها تغرّدُ بعذوبةٍ شديدةٍ ...

المكان له الحضور القويّ والمؤثر في أجواء وطقوس خلق القصيدة وكذلك الزمان ما ينفكّ يدغدغ الروح المستشعرة بالغربة واللاانتماء

فانتِ تنهمرينَ عليَّ كلَّ ليلةٍ وَفَراً يطهّرُ همجيتي، فترفرفينَ باجنحةِ الأشتياقِ فوقَ أنهاري وتتوغلينَ في مدني .

على القصيدة ان تهذّب الذات وتمنحها بريقا وأناقة تسمو بها عن كل الحماقات والدناءات وتعيد تهذيبها من جديد ...

انّها تأتي (القصيدة) رغما عني وقتما تريد هي وتشتهي مثلما حالة الولادة عند الام لا تدري باي ساعة ستحين ولا باي مكان ستكون، ربما أثناء الحرب وتحت أزيز الرصاص والمدفعية تداهمني القصيدة أو أثناء سياقة السيارة وفي وسط الزحام تعلن عن بدأ ولادتها وربما وانا منهمر في ساعات العمل اليومي او حين تطفأ الانوار ويحين موعد النوم فتقظّ مضجعي فتسهّدني وربما حين الاستماع الى موسيقى معينة تهيّج الذكريات الغافية على حافة الايام المنسيّة وربما عند سماع اصوات الباعة المتجولين في درابين مدينتي او حين التدقيق والابحار عميقا في عينيّ حبيبتي الجميلة او في لحظة بكاء بصمت في محرابها تتكالب عليّ فتهاجمني القصيدة .

في خضم هذه الاجواء المشحونة بالالم والخوف والقلق تأتي بواكير القصيدة، فأنزوي بعيدا عن العالم الخارجي واذهب وحدي الى عوالم بعيدة عن الواقع فأتشبث بعالم ما وراء الحلم وأستغرق في تأملاتي منتشيا في عزلتي أكتبها بعمق وتوهّج في ذاكرتي نعم اكتب القصيدة اولا في ذاكرتي، وكلّما انقطع عن هذه العوالم لاسباب معينة أدوّن في أوراقي الى اين وصلت، فأعود اليها مرة اخرى ومرّات كثيرة أهندسها واشذّبها وأضفي عليها مما أعاني الشيء الكثير والكثير .

 ولكوني اعمل في مجال الطب النفسي ومنذ سنوات طويلة لاشعوريا سيكون للنفس ومعاناتها نصيبا كبيرا وحيزا في هذه القصائد، ربما يكون المسرح حاضرا معي اثناء ذلك (لكوني اكتب وأخرج للمسرح وبالخصوص مسرح السايكودراما) فاتقمص الشخوص في القصيدة وألعب الادوار جميعها مع نفسي وكذلك لشغفي الكبير بالفن السريالي وممارستي للرسم تحت ظلّ هذه المدرسة (السريالية) يجد المتلقي جميع قصائدي ونصوصي مزدحمة ومكثفة وللرمزية فيها شيء غير قليل، وكذلك ولعي الشديد في السينما وعشقي لها سيجد المتلقي انني اقتطع مشاهد ولقطات ضاربة في عمق النفس البشرية وأستعيدها حاضرة في هذه القصائد . كلنا نمتلك خيالا وبدرجات متفاوتة ولكن الشاعر الحقيقي يتميّز بخيال خصب يجيد استعماله بطريقة ابداعية خلاّقة تبعث على التأمل وتفتح ابوابا شاسعة للتأويل فالخيال أهم من المعرفة كما يقول اينشتاين لهذا أمارس لعبة الخيال الخصب وأسكبه فيما أكتب ايضا . على الشاعر ان يستثمر موهبته اقصى ما يستطيع من اجل كتابة قصيدة حقيقية، ولهذا حاولت واحاول وسأحاول  ان اكتب قصائد تصلح ان تقرا في كل مكان وزمان هي محاولة اعمل أن أفلح فيها .

بعد مخاضات كثيرة ومعانات مؤلمة وحلما تكتمل الصور واللوحة (القصيدة) تكون جاهزة اذهب الى الورق ارسمها عليه، نعم تأتي مرحلة الرسم بعد ان اكون قد كتبتها في ذاكرتي، فاجد المتعة الشديدة كلما بدات ملامحها تزدهي وتتوهّج ألوانها .

وحدهُ أسمكِ يفضحني فقبلَ أنْ أناديكِ تتعطّرُ حنجرتي وتعزفُ أوتارها سمفونيةَ هذا العشق، كلَّ اللواتي دخلنَ قفصَ صدري مِنْ خرمِ إبرةٍ خرجنَ معَ الزفيرِ يندبنَ حظهنَّ العاثرَ، إلاّ أنتِ تتمرّجحينَ بأوردتي فتزداد نبضات القواميسَ فأكتبكِ قصيدةً خالدة .

بعد هذه المرحلة قد اترك القصيدة جانبا وأتنفس بعمق شديد وكأنني تخلّصت من همّ كان جاثما على صدري وأعود أمارس طقوسي اليومية العادية، بينما يكون الفكر يعمل بهدوء على إنضاج القصيدة، فقد ارجع بين فترة واخرى اليها وأحاول ان اكون مونتيرا شجاعا احذف اللقطات (الكلمات) التي ترهّل النصّ وقد أضيف كلمات اخرى توهّج النصّ اكثر وتمنحه بريقا مشرقا . غالبا ما اكون حنونا على اللغة واتعامل مها برقّة وعذوبة وحسّاسية شديدة فاستمر هكذا حتى تولد القصيدة وتنتهي معاناتي بنهاية كتابتها فأعود مكللا بالبهجة والارتياح بعد هذه المسيرة  العسيرة والمخاض الشديد وأعلن عن مولود جديد أعتزّ بها كثيرا .

 

كريم عبدالله - بغداد

العراق

 

khalil mohamadibrahimكم يكل اللسان عن الكلام، والأقلام؛ تتعذّرُ عليها الكتابة؛ حين يكون الموضوع شائكاً غير واضح المعالم، أو تكون الأفكار كثيرة؛ منثالة انثيال الموج على شاطئ البحر الهائج؛ في يوم عاصف.

كان هذا القلم المتواضع؛ راغبا في أن يعبر عما يجيش في قلبه الربيعي النفس؛ عبر الذكريات المرئية، لِباقة زهر عبقة ممن ليس لأحد من المثقفين المعاصرين أن يقول :- أن أحدهم لم يسهم في بناء أمتنا العربية الحديثة؛ إسهاماً واضحاً/ سلبياً كان هذا الإسهام أم كان إيجابياً\ فتلك الباقة العطرية العبقة التي قلما يتفق اثنان من مثقفي العرب المحدثين؛ على عظمتهم جميعا.

وعدم الاتفاق هذا؛ لا يمنع من أنهم أسسوا مدارس ثقافتنا الحديثة؛ مطورين/ بشكل أو بآخر \ مضامين ثقافتنا القديمة التي تشكل جزءاً هاما من خيوط نسيجنا الثقافي الحديث، فنحن من تلامذة بعضهم/ شئنا أم أبينا\ بل إن بعض أساتذتنا وبعضا من أساتذتهم من تلاميذهم أحيانا.

وفي ذلك الفخر كل الفخر، ففي عام تسعة وثمانين وثمانمائة وألف ؛ نبتت عشر زهرات عاطرة؛ في أرض الكتابة العربية؛ ما لبثت أن صارت أشجاراً فغابات.

من هذه الغابات العامرة، والبساتين الثقافية الزاهرة؛ كل من المرحومين :- (طه حسين)، و(علي عبد الرازق)، و(عباس محمود العقاد)، و(مصطفى صادق الرافعي) وغيرهم ممن أحسن المثقفون المصريون إذ احتفلوا بهم في ذكريات ميلادهم المئوية، بأن أقاموا المؤتمرات، وعقدوا الندوات، وأعدوا البحوث والمؤلفات، فنشروها، كما نشروا المقالات، ورصدوا الجوائز؛ تشجيعاً للمهتمين بهؤلاء النفر الذين يحق الاهتمام بهم تحفيزا لغيرهم على التقدم في هذا الطريق الشائق الجميل ، مع أنه شائك متعب.

وكان حرياً بالمثقفين العرب أن يحذوا حذو المثقفين المصريين، فيحتفلوا بهؤلاء، وبأشباههم من الأفذاذ في كل بلد عربي؛ تذكيراً بهم، واعترافاً بفضلهم دون ما تفضل عليهم، فالاعتراف بفضل أهل الفضل؛ من حسن الأدب، ولا يكون إلا من أهل الفضل، فكيف يتوقع إنسان أن يعترف الناس بفضله، وقد تشامخ حتى ظن ألا فضل لأحد عليه؟!

هذه الخواطر؛ انثالت من قلب حامل هذا القلم؛ حبا على القرطاس حين تذكر ذكرى رحيل المرحومة :- (سوزان طه حسين)؛ زوج الراحل العظيم؛ عميد الأدب العربي (طه حسين) الكفيف الذي كشف عن مستقبل الثقافة العربية الحديثة؛ ممهدا له في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر)، ذلك الكتاب الذي يوشك أن يكون مفتاح معرفة خطى الثقافة العربية التي نعيشها، كما فتح الأبواب العملية لتطبيقها حيث تقلب في الأعمال الإدارية بين عميد لكلية، أو رئيس لجامعة، أو وزير للمعارف، أو مستشار لهذه الصفحة الثقافية، أو تلك، أو رئيس لمجمع اللغة العربية في القاهرة، ورئيس للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية ؛ ناهيك عن كونه محرراً ثقافياً في بعض الصحف، أو رئيساً لتحريرها، أو تحرير صحف أخرى .

وقع حادث وفاة السيدة (سوزان طه حسين) الجلل؛ في أيلول من عام تسعة وثمانين وتسعمائة وألف قبل الذكرى السادسة عشرة لوفاته بشهر وبضعة أيام، وفي العام المئوي لميلاده.

(سوزان طه حسين)؛ تركت الأهل والوطن المتحضِّر، لترافق رجلاً أجنبياً أعمى جاء من بلد بعيد؛ مغرق في الجهالة، لكن ابنه الأعمى؛ جاء  متعلما، لتعيش معه بقية مغامرات حياته الطويلة؛ الكثيرة؛ العنيفة؛ العنيدة، لتقبل/ معه\ حلو الحياة ومرها؛ ثراءها وفقرها؛ العمل والعطالة؛ الاحترام والشتم؛ كل ما يحتمل، وما لا يحتمل.

ولدت له ولداً وبنتاً، وعلى يدها/ أو بالقرب منها\ ولد أهم وأعظم إنجازاته العلمية والعملية التي لا مجال لذكرها هنا، لكن المهم هو أنها حرصت على أن يكون مصباحه ممتلئاً بالزيت، ما دام حياً، ليُنير أرض العرب، فتستنير به مع مَن يستنير، ولتسجل ذلك في كتابها الهام (معك) الذي صدر بالفرنسية في ذكرى وفاته الخامسة، ليترجم إلى العربية بعد ذلك.

إنه كتاب يستحق أن تقرأه كل فتاة/ بدل قراءة كتب الأبراج\ حتى تعرف كيف تختار حبيب القلب، فتدفعه وتندفع به إلى الأمام، لتعلم أنه (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

إنه كتاب يجدر بكل إعلامية عربية أن تقرأه، لتبرز مفاخر النساء الحقيقية، ثم تبرز بهن، فمَن منا يعرف شيئاً عن زوج المرحوم العراقي الدكتور (محمد مهدي البصير)،  وأسرته ؟

لقد كانت زوجته معه لا تقل خطراً عن (سوزان طه حسين)، فقد قرأتْ له بالفرنسية الكثير، وأنجبت له مَن قرأتْ له معها، أو بعدها.

إنها ابنتهما (مي).

كانت مدام (البصير)؛ تحتفل بمحبيه وزواره، فقد قدمت لكاتب هذه السطور؛ القهوة بيديها الكريمة، وصاحب هذه السطور؛ يتعثر في طريق النشر ، قال وهو يقدمه لها لأول مرة :- (أقدم لك أديبا عراقيا)، فكأنه توقع ما يكون.

مثل هاتين السيدتين/ في الفضل\ سيدات أجنبيات وعربيات وعراقيات أخريات من أمثال أزواج الدكاترة (محي الدين توفيق)؛ (عبد الرحمن شهاب)؛ (كامل البصير) وسواهن من النسوة العاليات الهمة اللائي جلسنَ في الظل، فلسْنَ في حاجة إلى التعريف بهن، لكن الأمة في حاجة ماسة؛ إلى إبراز عظمائها وعظيماتها كي يكونوا ويكُنَّ  قدوة للناس، فهناك الكثير من الفتيات اللواتي يتحرجن من الاقتران بكفيف؛ مع أن المكفوفين ناس من الناس؛ فيهم الصالح، وفيهم الطالح، والتحرز ينبغي أن يتجه للجميع.

مثل هذا يقال للأهالي وعنهم، وهو ما لا يفعله غير إعلام واعٍ، نبيل ونبيه في الاستراتيجية العامة للأمة فالدولة/ مثلاً\ تحث على الإنجاب الصالح، ولا يكون الإنجاب صالحاً إلا بتكوين أسر صالحة، وكم عنست فتاة لم يتقدم لخطبتها سوى كفيف كان نصيبها، فرفضته/ أو عارض أهلها\ فلم يطرق بابها سواه، أو طرقه مَن دونه في أشياء، فقبلت به/ بعد الحرمان\  على مضض، وأصلت حرمانها من حق طبيعي لها في الحياة.

هذه المسألة؛ تستحق اهتمام المنظمات النسائية عامة، والإعلاميات خاصة، ألا هل بلغت؟!

اللهم فاشهد.

 

د. خليل محمد إبراهيم

إنسان من العراق الحبيب

 

faroq mawasiمن القائل: أما ترى البحر تعلو فوقه جِيفٌ *** ويستقرّ بأقصى قعرِه الدرر

ورد البيت في (ديوان الشافعي)، ص46، كما ورد بيت آخر يليه:

ففي السماء نجوم لا عدادَ لها *** وليس يُكسف إلا الشمسُ والقمر

لكن المصادر تثبت أن الشعر هو لشمس المعالي قابوس (ت. 1012 م)، وقد أورد الثعالبي في (يتيمة الدهر) هذه الأبيات:

قل للذي بصروف الدهر غيّرنا *** هل حارب الدهر إلا مَن له خطرُ

أما ترى البحر تعلو فوقه جِيفٌ *** ويستقرّ بأقصى قعرِه الدرر

فإن تكن نشِبتْ أيدي الزمان بنا ***  ونالنا من تمادي بؤسِـهِ الضررُ

ففي السماء نجوم لا عدادَ لها *** وليس يُكسف إلا الشمسُ والقمر

انظر: الثعالبي: (نثر النظم وحل العقد)، ص 141، وكذلك في (يتيمة الدهر) الباب العاشر- مادة (في ذكر الأمير شمس المعالي قابوس).

روى الأبيات-  كذلك مع اختلاف يسير ابن خَلِّـكان في وفَيَات الأعيان، كما اطلعت على عدد آخر من كتب التراث، وكلها تشير إلى أن الأبيات هي للأمير السيد شمس المعالي قابوس بن وشكمير، ولم أجد أحدًا يشير إلى  الشافعي، ويبدو أن الذي جمع ديوانه أضاف البيتين دون أن يتحقق أو يحقق.

وكان ابن الرومي قد ذكر المعنى قبله:

دهرٌ علا قدرُ الوضيعِ به *** وترى الشريفَ يحطّه شرفُـهْ

كالبحر يرسب فيه لؤلؤه *** سُفلاً وتعلو فوقَه جِيَـفُهْ

يكرر ابن الرومي المعنى في نص آخر:

رأيت الدهر يرفع كل وغد *** ويخفض كل ذي شِيمٍ شريفه

كمثل البحر يرسب فيه در ***  ولا ينفكّ تطفو فوقه جيفه

المعنى -كما لا يخفى-  أن الدهر يعطي من لا يستحق، فذاك الوضيع صارت الكلمة له،  بينما يحرم من يستحق، بل يجور عليه  الزمان ويتنكر له؛ لكن الشاعر يسرّي عن نفسه بالقول- إن الكسوف والخسوف- أي الضرر أو النقص لا يصيب الكواكب العادية، وإنما يصيب الشمس والقمر، وهو شبيه بقول شاعر آخر هو المفتي فتح الله (ت. 1844):

وكم على الأرض من خضر ويابسة *** من ذات زهر وأخرى ما لها زهـرُ

ما لا ثمار لها أو زهر قد سلمت ***    وليس يُرجم إلا ما له ثمر

فالرجم لا يصيب إلا ما له ثمر، وفي ذلك بعض عزاء للنفس.

من الشعراء الذين أكثروا من التذمر من هؤلاء الأدعياء  الوصوليين كان المتنبي، فقد سخر من المتشاعرين فقال:

أفي كل يوم تحت ضِبني شويعر *** ضعيفٌ يقاويني قصير يطاول

وما التيه طِبّي فيهم غير أنني ***     بَغيضٌ إليّ الجاهِلُ المُتَعَاقِلُ

ويصل المتنبي إلى ذروة هجائه لزمانه:

أذُمّ إلى هذا الزّمانِ أُهَيْلَهُ ***  فأعْلَمُهُمْ فَدْمٌ وأحزَمُهمْ وَغْدُ

وأكرَمُهُمْ كَلْبٌ وأبصرُهُمْ عمٍ *** وأسهَدُهُمْ فَهدٌ وأشجَعُهم قِرْدُ

هؤلاء "الجهلاء المتعاقلون" تألم منهم المعري، وله الكثير من القصائد التي تعبر عن تشاؤمه ورفضه للظلم في مجتمعه، فقد بالغ العامّة في أحكامهم، وأصبح قلب الحقائق في الناس سنّة متّبعة:

إذا وصف الطائيَّ بالبخل مادرٌ *** وعيَّر قُسًّا بالفهاهة باقل

 وقال السها للشمس أنت ضئيلة *** وقال الدجى للصبح إنك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهبَ الحصى والجنادلُ

يواصل المعري في ألمه وهو يعبر عنه:

إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد من سخرية الأقدار والإساءة، يقول:

فيا موتُ زرْ إن الحياة ذميمة *** ويا نفس جِدّي إن دهرَكِ هازل ُ

قبل ذلك ورد هذا التحفظ من أولئك الذين يصِلون ولا يستحقون الوصول- في حديث الرسول عن الرويبِضَة:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟

قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ".

فإذا ساد الرويبضة فقد وُسِّد الأمر لغير أهله.

جاء في (لسان العرب): "قال أَبو منصور: الرُّوبَيْضةُ تصغير رابضةٍ وهو الذي يرعى الغنم، وقيل: هو العاجز الذي رَبَضَ عن معَالي الأُمور وقَعَد عن طَلبها، وزيادة الهاء للمبالغة في وصفه، جعل الرابِضَة راعِيَ الرَّبِيض كما يقال داهية، قال: والغالب أَنه قيل للتافه من الناس رابضة ورويبضة لربوضه في بيته وقلة انبعاثه في الأُمور الجسيمة".

ما أكثر ما تنقلب المعايير والمفاهيم لدى الناس، مما يجعل الإنسان الأصيل يتألم، بل إن المعري كان ينشد الموت بسبب ذلك، فالدهر أصبح هُزَأة.

لقد عزّى الشاعر أحيانًا نفسه، كما وجدنا ذلك لدى بعضهم، لكن المصيبة تظل تتكرر وفي كل عصر.

سأختم بملحة شعرية هي من  شعر جَحْظـة البرمكي (ت. 935 م):

أيا دهرُ ويحك ماذا الغلط ***  وضيعٌ علا ورفيع هبطْ

حمار يُسيّب في روضة *** وطَرْف بلا علف يرتبط

والطَّرْف هو الفرس الكريم.

الثعالبي: (نثر النظم وحل العقد)، ص 141.

وبعد،

أرأيتم مدى هذا الإجحاف؟

 

fatima almazroweiلأفكارنا الداخلية أثر بالغ فينا وفي صحتنا، والشواهد عديدة، على سبيل المثال انظر كيف يتم عمل اختبارات البوليجراف (جهاز كشف الكذب) أن جسدك يستجيب لأفكارك الداخلية، حيث إنه يغير درجة حرارتك، ومعدل نبضات قلبك، وضغط الدم، ومعدل التنفس، وتوتر وارتجاف العضلات، وغزارة عرق اليدين، فعندما تخضع لجهاز كشف الكذب ويتم سؤالك سؤالاً مثل: «هل سرقت المال؟» فستصبح يداك أكثر برودة، وسيدق قلبك بسرعة أكبر، تلك التغيرات الفسيولوجية لا تحدث فقط عندما تكذب ولكنها تحدث أيضاً استجابة لكل فكرة نفكر فيها، إن كل خلية من خلايا جسدك تتأثر بكل فكرة تراودك أو تجول بذهنك، والأفكار السلبية تؤثر في جسدك بشكل سلبي، تضعفك، وتجعلك متوتراً ومشدوداً، وبعكس هذا، الأفكار الإيجابية تؤثر في جسدك بطريقة إيجابية، وتجعلك أكثر استرخاء، وتركيزاً، وانتباهاً.

الأفكار الإيجابية تحفز إفراز الإندروفينات في المخ مما يقلل من الإحساس بالألم ويزيد الإحساس بالمتعة والسعادة.

لنتحكم نحن بأفكارنا، لأنها كثيراً تخذلنا ويمكن إن لم نحذر نموت بواسطتها، والقصص حول أثر الأفكار وقوتها فينا كثيرة، ولعل قصة العامل التي سردتها في مقالة الأمس الذي مات بسبب أفكاره متجمداً في الثلاجة مثال في هذا السياق، فكل عملية انتحار بدأت بفكرة لم تعر أي اهتمام واستبعدت نهائياً، ولكن ما إن تعمق صاحبها بها حتى يبدأ بتبنيها، ثم يتم تنفيذها، ولكنها في الأخير كانت مجرد فكرة متواضعة.

faroq mawasiجموع التكسير التي تنتهي بألف ممدودة- أي بهمزة قبلها ألف تكون ممنوعة من الصرف، وذلك إذا كانت همزتها زائدة- (أي ليست أصلية في المفرد، وليست منقلبة عن أصل)، فنحن لا ننون علماء، شرفاء، شعراء، نبلاء ، أنبياء، حكماء ،أتقياء، عظماء...إلخ، 

فهذه الصيغ تمنع من التنوين وتجر بالفتحة.

(لا أتحدث هنا عن الاستثناء في هذه القاعدة).

* كل جمع تكسير على وزن (أفْعال) ينون- أي يُصرف ويجر بالكسرة، نحو: أعضاء، أعداء آباء، أسماء...

وهذه القاعدة استنتجتُها من كتب النحو التي تذكر تفصيلاً- كما يلي:

تنون الجموع التالية وتجر بالكسرة في الحالات التالية:

* إذا كانت الهمزة أصلية تظهر في آخر المفرد مثل نبأ جمعها أنباء، وعبء جمعها أعباء ورزء جمعها أرزاء، فهذه الجموع منصرفة لأن همزتها أصلية، وهي ليست من أوزان ألف التأنيث الممدودة.

* إذا كانت الهمزة منقلبة عن واو مثل: عدو= أعداء، عضو= أعضاء، أبهاء، آباء، أسماء، أبناء، وهذه الصيغ أيضًا ليست من أوزان ألف التأنيث الممدودة، ولهذا تنون وتجر بالكسرة.

* إذا كانت الهمزة منقلبة عن ياء، مثل: رأي= آراء، آلاء (بمعنى نعم) وأصداء وأنداء، وهي كذلك ليست من أوزان التأنيث الممدودة، ولهذا تنون وتجر بالكسرة.

بعد أن لاحظت في هذه الحالات الثلاث أن  الهمزة هي أصلية أو منقلبة عن واو أو ياء وبعد أن تأكدت أنها جميعًا على وزن (أفعال) قلت:

لماذا لا نسهّل على طلاب النحو فنذكر أن جميع جموع التكسير التي على وزن (افعال) هي منصرفة؟

* أقول هذا الاستنتاج، وأستثني (أشياء) القريبة صوتًا، وكأنها على الوزن نفسه، فهي ممنوعة من الصرف، وقد اجتهد العلماء في سبب منعها، أذكر منهم رأي الخليل بن أحمد وسيبويه، وأكتفي بذلك، لأن آراء الكسائي والأخفش والفراء تدخلنا إلى نقاشات نحن في غنى عنها، فلندعها لدراسة المتخصصين.

يورد علي رضا لنا رأي الخليل وسيبويهِ، فيقول:

( أشياء) اسم جمع لا جمع، وأصلها (شيئاء) على وزن (طَرفاء)، قُدّمت اللام (أي الهمزة) على الفاء (أي الشين) كراهة اجتماع همزتين بينهما حاجز غير حصين وهو الألف، ثم سُكّنت الشين، فأصبحت (أشياء) على وزن  (لَـفْـعاء)َ بدلاً من (فَعلاء)، فمُنعت من الصرف نظرًا إلى الأصل، وأن همزتها الأخيرة زائدة.

(انظر:  علي رضا- المرجع في اللغة العربية، ج3، ص 223).

...

وردت (أشياء)  مجرورة بالفتحة في القرآن الكريم:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} – المائدة، 101.

كنت قرأت تحليلاً لا أذكر مصدره أن جمال اللغة في القرآن لا يتأتّى فيه الجمع بين  تنوين الكسر وكسر الهمزة في (إن)، فتخيلوا لو قرئت الآية: عن أشياءٍ إن؟

فالناحية الصوتية تستثقل ذلك.

هو سبب فنّي أستسيغه، وقد يُقنع  البعض أكثر مما قاله سيبويه.

 

الزبدة:

كل جمع تكسير ألفُـه ممدودة هو ممنوع من الصرف، إلا إذا كان على وزن (أفْعال)، فهو منصرف.

* (أشياء) جرى على أصلها تغيير، فأصبحت على وزن لفعاء، فهي ممنوعة من الصرف.

 

hamid-gayed (أنهض وأكع للكاع وأتوجه وأنهض ...)

(الدارمي) فن من فنون الشعر الشعبي وقد يسميه الكثيرون (شعر البنات) أو غزل البنات، لا أريد الخوض في الميزان العروضي ل (الدارمي) لأن أغلب القراء غير مهتمين إلا بمنطوق (الدارمي)، هناك ملاحظة مهمة وهي أن الذائقة الناقلة للشعر عموما قد تضيف من عندها الكثير لترغيب الناس على متابعة ذلك البيت من الشعر، وبعض الأحيان يحورون ويستبدلون بعض المفردات لتتلاءم مع منطوق ما حوروه أو استبدلوه .

يحكى أن فتاتين تربطهما علاقة صداقة وكانتا كثيرا ما تستودع صديقتها وتستأمنها على أسرارها، وكانتا كل واحدة منهما تعشق شابا من أقرانهما، و تقدم أحد أقارب واحدة منهن وخطبها لنفسه ووافق الأب على زواجها وحرمت الزواج ممن أحبها وأحبته، والمفارقة أن هذا الزوج لا يسكن بنفس قرية أو مدينة الحبيبة، وهكذا أبعدها الزواج عمن أحبته، وضاع عليها أخبار حبيبها وأخبار صديقتها بل حتى أخبار أغلب معارفها وأقربائها .

الصديقة الثانية تقدم حبيبها لخطبتها فرفض أهلها تزويجها متعللين بأسباب واهية كثيرة، وتقدم ثانية فرفض، وثالثة فرفض حتى أشيع بين أهل القرية حكايات نسجوها زورا وبهتانا عنهما، لذا  أحجم الكثير من الشباب ممن سمع بالروايات الموهومة عن التقدم لخطبتها، وتزوج حبيبها من امرأة غيرها وبقيت تحتفظ بصدرها حكاية عشق أطفأت  للأسباب التي ذكرت، بعد مضي سنين طوال وفي أحد المآتم في قريتها وكانت بمحض الصدفة حاضرة له الصديقة المتزوجة بعيدا عن بلدتها وأهلها، ووجدت صديقتها جالسة مع النسوة المعزيات فجلست بجوارها وقد أخذ الزمان منها ومن صديقتها مأخذه، وقالت المتزوجة لصديقتها (شلونج ديه)، و(ديه) تعني (خيه) وهذا التحوير أستخدمه الكثير من الشعراء الشعبيين ب(أبو ذياتهم ودارمياتهم) ويقال أن سبب ذلك يئول لرغبتهم بإطلاق مفردة (ديه) لأنها تعني اليدين، واليدان لا يستغني عنهما الإنسان لتأدية أي عمل يناط به، لذلك أشتقه الشعراء من هذا الباب فالأخ والأخت هما اليدان اللتان تعينان على إتمام كل المهام، وحين سمعت الصديقة هذا السؤال من صديقتها المتزوجة أطرقت الى الأرض وأغمضت عيناها وبعد هنيئة رفعت رأسها صوب صديقتها، وعيناها تحبسان دمعة ترقرقت بمحاجرها وأنشدت تقول،

(أنهض وكع للكاع وأتوجه وأنهض / ما خله عظم صحيح رضني العشك رض)،

ووجدت هذا (الدارمي) متناقلا بين الشعراء وحفاظ التراث الشعبي بتحوير مفردة واحدة وهي (العشك)، الأصل كما يروى (رضني الدهر رض) .

 

haseeb shahadaاستوقفتني خلال مطالعاتي، حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدّا، وارتأيت أن أنشرَها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، بالإضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أننا نعتقد أن إشاعةَ الثقافة الجادّة، وتقديم كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاةٌ عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزم. كنت قد نشرت نتفًا من هذه الجمل في منابرَ مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زهاء  عشرين حلقةً منها كانت قد أُذيعت عبرَ صوت ابن فضلان في هلسنكي في ركن الثقافة والفكر في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي. 

لم تكُنِ اللغةُ في ثقافة العرب أداةً للثقافة، بل كانت هي الثقافة نفسها.

يستحيلُ أن تتكلم بطريقة يستحيل بها أن يُساء فهمُك.

العرب دُوَلٌ ممزّقة في أُمّة، والأوروبيون أمم مشتّتة في دولة.

قال المأمون: ما البلاغة؟ فجعلتُ أفكّر فقال: دعني أقول لك، هو ما فهمته العامّة، وقبلته الخاصّة.

  شقيّ مَن لا يُحسنُ الكلام، والأشقى منه من لا يُحسن السكوت.

حافظوا على شرقيّتكم، لا تسمحوا أن تُسلب إرادتُكم، حريتكم وإيمانُكم في هذا الشرق.

استمع أكثرَ من أن تتكلَّم.

هناك أُمم مِحنتها الثرثرة.

إنّ أوسعَ اللغات وأجملها أبسطُها.

اهتمَّ بأفكارك عندما تكون وحيدا، وبكلماتك عندما تكون مع الناس.

لا شيءَ أطيبَ من اللسان والقلب، إذا طابا ولا أخبثَ منهما إذا خبُثا.

بلدٌ لا يضمن لي لُقمة العيش ليس ببلدي.

لا أخجَلُ من هُويّتي، فهي ما زالت قيْدَ التأليف؛ ولكنّي أخجلُ من بعض ما جاء في مقدّمة ابن خَلدون.

لا شيءَ يخترق القلوب كلُطف العبارة، وبذل الابتسامة، ولين الكلام، وسلامة القصد ونقاء القلب، وغضّ الطرْف عن الزلات.

سُئل ونستون تشرتشل مرّةً عن رأيه بالشعوب فقال جملتَه التاريخية: إذا مات الإنكليز تموتُ السياسةُ وإذا مات الروس يموت السلام وإذا مات الأمريكان يموت الغنى وإذا مات الطِّليان يموت الإيمان وإذا مات الفرنسيون  يموت الذوْقُ وإذا مات الألمان تموت القوّة وإذا مات العربُ تموتُ الخِيانة.

حسنُ القول سيّءُ الفِعل كالجـ          زّار سمّى وأتبع القولَ ذبْحا

إنّ إدراكَ المرء الحيِّ للعالَم، يتحدّد ببُنْيته اللغوية القومية.

بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ        وأهلي وإن ضَنّوا عليّ كِرام

  إذا كان أصْلي من تُراب فكلُّها         بلادي وكل العالمينَ أقاربي

  اللسان ليس عِظامًا، لكنّه يكسِر العِظام.

من كثُر كلامُه كثُر خطؤُه.

أحسنُ الأقْوال ما وافق الحقَّ.

أنْ تتكلّم، معناه أنّك تُقاتل.

تعليمُ اللغات الأجنبية واجب، والتعليم باللغات الأجنبية جريمةٌ حضارية وقومية.

اللفظُ الذي يُهيمنُ على المعنى لا مكانَ له.

منَ اللسان تبدأ أكثرُ الشُّرور.

كلّما اتّسعتِ الرؤيا ضاقتِ العبارة.

اللسان لا يتحرّك إلا في الفم الفارغ.

إذا الشِّعرُ لم يهززْكَ عند سماعِه      فليس خليقاً أن يُقالَ له شعرُ

الإبداع ولوجُ المجهول والإطاحة بكلّ صيغة جاهزة.

ماذا سيكون اسم ذلك الجهاز الذي سيتجاوز كلا من الفاكس والتلفون والتلفزيون والفيديو والكمبيوتر والراديو؟

يعِزّ عليّ أن أرى لغةَ الروح يتناقلها لسانُ الغبيّ.

اللحن أقبحُ من آثار الجدري في الوجه.

فإيّاك أن تخلدَ إلى كلّ ما تسمعه، بل تأمّلْ حالَ مُوردِهِ وكيف موقعُه من الفصاحة، فاحكم عليه وله.

قيل من مشاكل الشرق أنه يدعُ الآخرين يفعلون ثم يأتي وينتقد عملَهم.

إنّ الأمّةَ المستعبَدة بروحها وعقليتها، لا تستطيع أن تكون حرّةً بملابسها وعاداتها.

جماهيرنا دراويشُ بالوراثة.

الكلام كالبُذور يحتاج إلى أرض تستقبِله.

إننا نُطيل الكلام عندما لا يكونُ لدينا ما نقوله.

لغةُ الأمّة الغالبة غالبةٌ، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة.

الصمت أجدرُ لغات الحُزن.

شعرتُ بالارتياح لأنّي قادرٌ على الإجابة بسرعة: أقول: لا أعرِف.

لا وجودَ لكلمة ”مستحيل“ إلا في قاموس الضُّعَفاء.

على الكلمة أن تكونَ على "قدّ" المعنى.

لا بدّ من تغيير الكثير من المسلّمات العربية.

إن اللغة القوميّةَ وطنٌ روحيٌّ يؤوي مَن حُرِم وطنَه على الأرض.

الحداثة الغربية دَنْيوة والعربية دَيْننة.

اللغة بالنسبة للإنسان كالأرض، يجوعُ إذا لم تُطعمْه، وتُجدبُ وتموتُ إذا لم يعمل للحفاظ على خُضرتها ونَضارتها.

إنَّ غلبةَ اللغة بغلبة أهلِها، وإنّ منزلتَها بين اللغات صورةٌ لمنزلة دولتِها بين الأمم.

ومعاذَ الله أن ندّعي أن جميع اللغة تُستدرك بالأدلّة قياساً.

إذا رأيتَ الناس تخشى العيبَ أكثر من الحرام، وتحترم الأصُول قبل العُقول وتقدّس رجل الدين أكثر من الدين نفسه فأهلًا بك في الدول العربية.

سبيلُنا إلى إقامة دولة عربية كُبرى تَحمي ولا تهدد، تصون ولا تُبدِّد، تشدّ أزر الصديق، تردّ كيدَ العدوّ، يرفرف عليها عَلم واحد في عزّة وسؤدد.

يتعلّمُ الإنسان العربيُّ في سَنواته الأولى النُّطقَ، وتقضي الأنظمةُ العربيّةُ بقيةَ عمره في تعليمه الصمتَ.

المجمّدات في العالم العربيّ ثلاثة: اللحوم والأسماك وأحْكام القَضاء.

عِبادةُ التُّراث مرضٌ أصاب العقلَ العربيّ.

الصراحة هي الدواء المرُّ للمجتمع العربيّ.

 

إعداد حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

diaa nafieالحلقة الثانية والاربعون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية – جيد هناك، حيث لا وجود لنا.

التعليق – يضرب للانسان الذي يعتقد ان كل شئ خارج نطاق حياته الشخصية  يبدو له افضل واكثر تألقا من واقعه الذي يعيشه، وهو نوع من امراض التشاؤم النفسي عند البشر في كل مكان .

 

الترجمة الحرفية – يجب ان تخاف من العنزة من امام ومن الحصان من الخلف، اما الانسان فمن كل الجوانب.

التعليق - يضرب للتحذير من غدر الانسان وخطره ومكره، واتخاذ الحيطة والحذر منه دائما، لانه أشد فتكا و خطرا ومكرا من جميع (الحيوانات الاخرى !).

 

الترجمة الحرفية – السكوت – علامة الموافقة .

التعليق – مثل عالمي معروف ومعناه مفهوم تماما وهو كثير الاستخدام بين الناس في مجرى الحياة اليومية لدى مختلف الشعوب، وقد استقر بالعربية ايضا وكما يأتي -  السكوت علامة الرضا .

 

الترجمة الحرفية – ضجيج كثير من لاشئ.

التعليق –  يضرب عندما تتحول مسألة تافهة الى مشكلة كبيرة نتيجة التضخيم والثرثرة من قبل الآخرين . يوجد بالعربية مثل طريف مناظر لهذا المثل وهو – زوبعة في فنجان، وتوجد مسرحية لشكسبير ذهبت مثلا وفي هذا المعنى ايضا وهي – جعجعة بلا طحن او كثير من اللغط حول لاشئ.

 

الترجمة الحرفية – لا تولدي جميلة بل سعيدة .

التعليق – يوجد هذا المثل الروسي بالمفرد المذكر ايضا، ومعناه واضح، اذ ان الجمال ظاهرة وقتية وتتلاشى بمرور الزمن، اما السعادة فانها ترافق الانسان طوال حياته. يضرب للتأكيد على اهمية السعادة والتوافق والانسجام في الحياة الانسانية. 

 

الترجمة الحرفية – تحب ان تكون ضيفا، فيجب ان تحب دعوة الناس اليك.

التعليق – معنى المثل واضح، ويضرب لضرورة مراعاة مبدأ - ألاخذ والعطاء في العلاقات الاجتماعية بين البشر، والا فان هذه العلاقات سيكون مصيرها الفشل حتما .

 

الترجمة الحرفية – سئ ذلك الجندي الذي لا يريد ان يصبح جنرالا.

التعليق –  يقال انه قول لنابليون وذهب مثلا، ويضرب للتأكيد على ضرورة سعي الانسان نحو السير الى امام دائما والاصرار على تحقيق النجاحات القصوى في الحياة، بغض النظر عن موقعه في مسيرة تلك الحياة.

 

الترجمة الحرفية – صعب لذاك (الانسان) الذي يتذكر الشر.

التعليق –يضرب في ان الانسان الذي يتذكر الشر ولا ينساه يكون دائما في موقف صعب ومتشنج ويثير لديه الألم والمعاناة، لانه ينطلق طوال الوقت من موقف الانتقام وعدم التسامح تجاه الآخرين، الذين عملوا له الشر والاشياء السيئة له يوما – ما . لنتذكر هذين البيتين المشهورين من الشعر العربي -

اذا كنت في كل الامور معاتبا     صديقك لن تلقى الذي لا تعاتبه

فعش واحدا او صل اخاك فانه     مقارف ذنبا مرة ومجانبه

 

 الترجمة الحرفية – استمع للآخرين ولكن اعمل عملك.

التعليق – يضرب للدعوة الى استشارة الآخرين بشأن القضايا المصيرية ولكن القرار الاخير – مع ذلك -  يجب ان يتخذه الانسان نفسه بغض النظر عن آراء الناس كافة . لنتذكر الحديث الشريف والرائع – استفت نفسك وان افتاك الناس وافتوك.

 

الترجمة الحرفية – اللسان يوصل الى كييف.

التعليق –  مثل روسي قديم يضرب في ان سؤال الناس والاستفسار منهم عن المكان المطلوب – وباللغة التي يفهمونها -  يؤدي بالانسان للوصول الى هدفه مهما يكن هذا الهدف بعيدا. 

 

الترجمة الحرفية – ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.

التعليق – قول للسيد المسيح وقد ذهب مثلا واصبح معروفا عند مختلف  الشعوب، بما فيها شعوبنا العربية طبعا  وبنفس هذه الصيغة . يضرب في ان الحياة الانسانية متنوعة وتتضمن جوانب عديدة ومختلفة الاهداف، ولا يمكن ان تتمركز في جانب واحد ابدا حتى لو كان ال (خبز)، اي الطعام الضروري  ابدا  للانسان.

 

الترجمة الحرفية – تصادق مع الدب ولكن تمسك بالطبر.

التعليق –  مثل عميق المعنى، و يضرب لضرورة ان يتخذ الانسان الحيطة و الحذر من العلاقات مع الاقوياء، الذين لا يولون اية اهمية للجوانب الآخرى في علاقاتهم معه .

 

الترجمة الحرفية – من ثور واحد لا يسلخون جلدين.

التعليق – يضرب في ضرورة عدم المطالبة بالدفع مرتين بعد عملية شراء او اتفاق بين طرفين، وكذلك  في عدم تكرار العقاب مرتين بشأن اي انسان على نفس العمل الذي قام به تجاه الآخرين .

 

الترجمة الحرفية – نادرا ولكن بدقة.

التعليق – يضرب للشخص الذي نادرا ما يسبب مشاكل، ولكن عندما يعمل مشكلة ما فانها غالبا ما تكون كبيرة ورهيبة . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – قليل الكمٌ وكثير الكيف، وهي ترجمة صحيحة بشكل عام ولكنها ليست واضحة تماما و بما فيه الكفاية.

 

الترجمة الحرفية -  دخلت في القطيع، انبح او لا تنبح، لكن هزٌ ذيلك.

التعليق – يضرب عندما يقع الانسان في أجواء غريبة عنه، فيجب عليه ان يخضع للعادات السائدة في تلك الاجواء كي ينسجم ويتناغم معها، شاء ذلك أم أبى .

 

...............

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر في بغداد قريبا عن – (دار نوٌار للنشر) .

 

من مسقط راس الشعر حيث اعلن كلكامش عن قصيدته الاولى (نشيد الانشاد)، ومن عائلتين تزقان الشعر زقا، انبثق شابان كلّ ما فيهما ينبئ بالشعر، فكانت الدهشة مثلما هي لي، كانت لابويهما ايضا، فهما ابناء كل من معلمي الشاعر الكبير اجود مجبل وصديقي الشاعر الرائع عبد الستار كعيد .

يماني عبد الستاركعيد وعلي اجود مجبل أو علي اجود مجبل ويماني عبد الستار كعيد، لاتفضيل بينهما من حيث الابداع ولا يتقدم احدهما على الاخر الا في ضرورات كتابة الاسم او نطقه، فهما كخطي مستقيم متوازيان يسيران في تجربتيهما الشعرية على الرغم من حداثتها بخطوات انيقة وقد عملا على بنائهما الشعري بشكل ذاتي دون الاتكاء على موروث مسبق وبصمت صوفي هادئ، وفاقا في نصوصهما شعراء سابقين ربما احتاجوا زمنا اكثر من ذلك بكثير حتى يصلا لما وصلا اليه هذان الشابان فقد نالا طاعة الشعر وامتلكا قراره .

علي ويماني ويماني وعلي، اكدا ان نخيل سوق الشيوخ مايزال قادرا على ان يهب اطيب التمور وخاصة (الشويثي)، وان انهاره ماتزال بامكانها ان تقدم اشهى الاسماك على اطباق ذهبية الشكل والمنظر وخاصة (البني)، وان الشعر فيه – سوق الشيوخ - يتناسل مع كل الفصول .

لست مغاليا في شهادتي هذه ولا ادعي ايضا انها قراءة نقدية لنصوصهما، او مسح ثقافي يحاول تفكيك مكونات النص الشعرية وإعادتها إلى أصولها، بل هي انطباعات ادعي انها حقيقية ومعرفية تنطلق من ذاتي وفهمي الى نص كل منهما، وحسب قناعتي ان كلا منهما حفر اسمه في قائمة شعراء المدينة باستحقاق عال، وليس لدي شك ان كل منهما سيشكل احد نجوم الشعر العراقي المضيئة في المستقبل القريب بجدارة واستحقاق عال ايضا.

(اغاني الحلاج الجديدة) لعلي اجود مجبل و(انت وحدك) ليماني عبد الستار كعيد، عنوانان لنصين يتقمص الشاعران فيهما كل على انفراد شخصية فلسفية تبحث عن اجوبة تجوب في خاطره وهي اسئلة تشبه رمي الحجر في بركة راكدة، وقد نجح الشاعران في اعطاء النص روح العرض المسرحي من خلال الربط المحكم للعنوان ببنية النص والتماهي العضوي بالمتن والفكرة واختزال – الفكرة – بمجموعة اسئلة حوارية روضت جموح الشعر باطلالة اسلوبية انيقة، وهنا اختار لك سيدي القارىء بعض من قصيدتيهما :

 

(أغاني الحلاج الجديد)

علي اجود مجبل

 

كخطى نبيٍ كان لون حمامتي

ولظـى إلـــهٍ عـــند دمعٍ تُـــهلكُ

أرنو الى هذي الحياة بشمعةٍ

فيها تهاوى كل ليلٍ يحلكُ

فزرعتُ في شوك السماء حديقةً

هامت على فحوى عطورٍ تُدركُ

وجعلت من هذا الكفاح مسلةً

تكفي ليُسقى كافرٌ متنسكُ

وانا العراق بلا عراق ها هنا

فملكتُ آفـــاقاً وربـــاً يُدرَكُ

الى ان يقول فيها :

ورأيتُ أن المُظلِمين تكاتفوا

ذبحوك حلاجاً جديداً يُشرِكُ

ولأنهم نردُ الخسائر طالما

كانت لحاهم والعقائد تُهتكُ

1077-ali 

(أنت وحدك)

يماني عبد الستار كعيد

 

ها أنتَ منْ فرطِ المحبةِ تهمل ُ

خانوا مسامعهمْ، وانتَ تُرَتَّل ُ

حتّام تَصعدُ باحثاً وجَميعهمْ

قَطفوا الثمارَ بساعديكَ وأنزِلوا

وبقيتَ وحدكَ دونَ مكرٍ كلّما

فكّرتَ بالوردِ النبيّ ستذبل ُ

خذْ صمْتَكَ المَقتول واحفظْ شيبهُ

لا تفشهِ للرب، صمتك انبَلُ

لا تفشِ امالاً رَموها في فؤادكَ

منْ سواكَ منَ الجميعِ سيُخذَلُ

الى ان يقول في اخرها :

 

لكنكَ المخذولُ لا زالوا على

فمِكَ الحزينِ يقامرونَ فتقتلُ

نم جيداً .. هذا الجنونُ محطةٌ

نحوَ الوجودِ وليتهم لم يعقلوا .

 

فتارة يبدا الشاعران في رسم حلقات ايحائية مباشرة لتساولاتهما، وتارة يستدعيا ن الضمنية بلغة خفية تشير الى القارئ بوضوح ان رفضهم المعلن للصمت تحول من ذات المخاطب لديهما، من نفس الشاعر السائلة الى محطات الزمن المستجوب .

يختلف كل من الشاعرين في رسم الاطار البنيوي للنص واسلوبيته ولكنهما يتفقان على خدمة فكرة النص وروحه الوهاجه، حتى انك تتلمس البناء الصوري الجميل والفنية المتقنة المرتبطة بذات المعنى المتجسدة في كل جملة شعرية او بيت، وهذا ما يكشف عن مدى التزام الشاعرين بتناغمهما مع الفكرة مما يقودك الى عزف سمفوني رائع بكلمات تتناسق مع فكرة النص واخضراره وثقافة الشاعر الحديثة المنحى والتوجه .

وختاما، ولا اريد الاطالة في عرض شهادتي والغوص في تحليلهما في هذه العجالة فالمقال لايعطيهما حقهما، لذلك اكتفي بالاشارة الى عنواني القصيدتين .

اتقدم بالشكر لهذين الشاعرين على ما يقدمانه من لوحات شعرية باذخة الجودة، واتمنى لهما السمو في فضاءات الشعر ولهما مني خالص المحبة .

ولا يفوتني ان ادعو الشاعرين يماني وعلي. ان يدعما تجربتهما الفتية بوافر القراءة والاستفادة من تجارب سبقوهم من الشعراء وان يخطوان بتأن تام وحكمة وتواضع حتى تنضج تجربتهما بالشكل اللائق فآفة الشعر الغرور وهما الان بعيدان عنه، أتمنى لتجربتهما الواعدة النجاح الدائم واعوذ بشعرهما من النكوص والتراجع

 

 

mohamad hashimmhaisinتعود هاتان المسرحيتان للكاتب الاسباني اليخاندرو كاسونا (1965-1903)، الذي تُرجمت بعض من  مسرحياته إلى  اللغة العربية وعُرضت على خشبات المسرح العالمي والعربي على حد سواء. وتعد هاتان المسرحيتان من ابرز اعماله الادبية التي تناولت الواقع والخيال في آن واحد.

  1-الاشجار تموت واقفة: مسرحية كتبها عام 1949 ذات ثلاثة فصول ترمز الى قوة الارادة ,فالأشجار رمز للبشر الذين يثبتون أمام عواصف الحياة حتى إذا انهزموا ماتوا وقوفا على أقدامهم. مزج اليخاندرو كاسونا الخيال والواقع في هذه المسرحية  ليثبت ان السبيل الوحيد للتغلب على المصاعب هو مواجهتها مواجهة قوية وان الارادة تفعل المستحيل .ان شخوص هذه المسرحية تنحدر من الواقع وتتحرك في بيئة خيالية غير موجودة.احداث المسرحيةإنسانية وتنطوي على الواقع والخيال وتدور حول مؤسسة خيرية هدفها خلق السعادة.  في احد الايام  يلجأ إلى هذا الموسسة رجل عجوز يعيش مع زوجته لا يثيرها إلا فكرة انتظار حفيدها الغائب. هذا الحفيد طرده جده لانه كان يسرق ويرتكب الفواحش.

وكانت الجدة تحن لرؤية حفيدها الوحيد وتبكي كثيرا  فزوجها لم يقدر على رؤيتها تذبل أمام عينيه وتعيش بلا أمل فابتكر طريقة لإسعادها، إذ اتفق مع صديق مقيم في كندا على إرسال رسائل تحمل اسم الحفيد الغائب ويكتب فيها إنه أصبح شابا ناجحا وودّع حياة اللهو .فعادت الحياة تدب في أوصال الجدة فكانت تسارع في الرد على الرسائل. وفي احد الايام وصلت رسالة من الحفيد نفسه يعلن فيها عن قرب عودته للمنزل ففرحت الجدة. أما الجد وقع في حيرة لان الخطابات المزيفة كانت تقول إن الشاب أصبح مهندسا وتزوج .وفي نهاية المسرحية تكتشف  الجدة وبعد عشرين عاما من الانتظار أن الأمل الذي عاشت من أجله كان غير واقعي وان جميع تلك الخطابات كانت مزيفة غير واقعية وان حفيدها الحقيقي بقى سارق ومجرم.

 

2- ممنوع الانتحار في الربيع: مسرحية كتبها عام 1937 ذات ثلاثة فصول ترمز الى البحث عن السعادة وانقاذ حياة البشر من الانتحار مزج فيها اليخاندرو عنصر الواقع مع الخيال لاجل التغلب على مصاعب الحياة ورفض فكرة الانتحار.

 تدور احداثها حول طبيب ينحدر من عائلة انتحر منها البعض من اخوته في ريعان شبابهم وهذا الطبيب تحقق بان موعد الانتحار يكون دائما في الربيع فقرر ان ياسس مصحة طبية صغيرة في سفوح الجبال  يجمع فيها جميع اولئك الذين يريدون الانتحار من الحياة للاستماع الى مشكلاتهم والدوافع من وراء الانتحار. فاستطاع هذا الطبيب ان ينقذ اروح الكثير من الذين كانت لديهم فكرة الانتحار فكان يقول لهم لماذا تختارون الربيع  موعدا للانتحار فالربيع هو فصل الحب والسعادة وجمال الحياة وكان في كل جلسة علاجية يقنعهم ويجلعهم يؤجلون الانتحار و في نهاية المطاف تمكن من انقاذا حياتهم. في هذا العمل مزج الكاتب الخيال مع الواقع واعطى له دورا بارزا لخلق فرصة العيش والتمسك بالحياة ورفض الخضوع لمصاعب الحياة وقسوتها .في نهاية العمل اولئك الاشخاص يكتشفون اخطائهم ويرفضون الخضوع للانتحار ويتفائلون بجمال الربيع وحب الحياة.

 

ترجمة / محمد هاشم محيسن اللامي

جامعة بغداد/كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

 

 

yasin alrazuk• يوم قال أندريه بارو "لكلِّ إنسان ٍ متحضِّر ٍ في هذا  العالم وطنان "وطنه الأم وسورية " من مملكة ماري الشهيرة  دحرج على قوله صخرة سيزيف الذي قاوم الموت ليغري كلَّ هواة الموت كي يمروا بصخرة سورية ويدحرجوها على عشَّاق الحياة

• ربما أوعز  أندريه بارو بلوح الطين الأول الذي ابتدعه الإنسان حين اكتشف مملكة ماري في بداية القرن العشرين إلى ساسة العالم أنَّ في الشرق وطناً لا يحتمل النسيان ولا بدَّ من تسليط ذاكرة التخريب والدمار على معالم التنوُّع الذي ما فارق ولادته الأولى وهو يُبعث من فينيق ٍ إلى فيينيق

• ليت خالد الأسعد بقي على أعتاب زنوبيا يكتب بماء الذهب لعبة الإمبراطوريات التي دفع ثمنها وهو ينحت على تلاوة أورليان مصحف الزمن المقهور الذي ما فتئ أن شرب دمه وهو يعلقه بين صفحاته على مرأى اللات والعزَّى تَرجُمُه عيون من كبَّروا باسم الله وكلَّما غاصوا في الدم حتى غرقهم تعلَّقوا بقوس النصر وهم يتفرجون على جريانه في معبد بعل مسفوحاً في زمن ٍ أغدق بالهمجية على شعوب ٍ كم تكسرَّت جرار التحضُّر بين أياديها عند أول صيحة للغزو وعند أول مفترقٍ لشعاب التقوى فمضت بظنون الأفضلية تعيث باسم الأبجدية الأولى وتطبِّق القصاص باسم القرآن المُنَجِّي وترسم للنار سبلاً لا حصر لها وللجنة شعبة واحدة من بضع ٍ وسبعين شعبة هي شعبة السنة الكرام الذين اخترقت أرحامهم  دولة العراق والشام بنطاف رغباتهم فبقوا من أتباع أبي بكر وعمر وانصاعوا لمسيلمة الكذَّاب  فاقتتلوا ليقتلوا ويبسطوا ذراع الوجه الواحد ويقطعوا رأس التعددية والتنوع ويخنقوا رئة السياسة ويبقوا قطعان الشعوب غير قادرة ٍ على رفع سقف كرامتها إلا بقدر ما يجعلها تتنفس لتعيش ميتة أو لتموت حية !!

• في معلولا وقف الأسد وهو يمسك قرآن الوطن الواحد حينها كانت هامته في السماء يبحث عن روح عيسى فإذا بنا نراه عائداً على صليب العذاب يقبِّلُ جباه الصامدين في وجه الكيانات المارقة والفيدراليات المفتَّتة والاتحادات الزائفة والولايات العابرة والخلافات الغابرة والسلطنات الغائرة  حتَّى أشعل في عيد الصليب شمعة الفرح والحزن شمعة الحياة والموت شمعة الفناء والخلود ومن حوله عيونٌ أضاءت دروب الحبق واقفة ً بأهلَّتها تعطِّرُ كلَّ صليبٍ أرَّقته مواجع  الفراق  بعبير الأمّة الواحدة التي لن تشتِّتها الأحقاد ولن يطفئها التآمر وما زال الأسد في رحلته الطويلة إلى بيت المقدس لا لقتل اليهود في مبكاهم بل لتطهير بيت المقدس من مفاتيح قهره بغطرسة مستعمريه الأسد الذي عثَّرته الجغرافية فقام أقوى ليهزَّ بلاد نجد ٍ ذات ليل ٍ مدلهم علَّها تصحو لتفرك عيون سارقيها كي يحسنوا القراءة بأنَّ الوثيقة العمرية فتحت أبوابها من جديد لكنْ بمفاتيح الأسد الإنسان وليدركوا أنَّ قابيل لن تقبل منه قرابين الدم الصارخ وهو يقدِّمها على أطباق صهيون الغاصب  باسم اليهود والنصارى والمسلمين  ويذبح بتيهه وضلاله وحقده  أهل الأرض السورية فيسيل دمهم على جملة أندريه بارو الشهيرة لتغدو " لكلِّ مجاهد ٍ همجيٍّ في هذا العالم قبران وطنه الأم وسورية " !! وما زال المؤمنون يلحنون دون تفكُّر ٍ ودون تأمل ٍّ بآيات حجِّهم الموروث يرجون عاقبتهم الفريدة وهم يتناحرون وينحرون ويهدمون كلَّ مسرىً للروح وكلَّ متنفَّس ٍ للعقل وكلَّ كعبة ٍ للعشق والحياة !! ("أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ") !!

فهل الله بناصر ٍ شرعة الإنسان وما ذلك على الله بعزيز ؟!!

 

الشاعر المهندس: ياسين الرزوق

 

hashem mosawiكان ذلك قبل سنوات عندما كنت أقوم بالتدريس في إحدى جامعات أربيل دخلت في أحد الأيام الى مكتبي في الجامعة، وجدت على طاولتي ديوان شعر مكتوبا بلغة لم أتعلمها بعد .. وعندما سألت زميلي الأستاذ الذي يشاركني في هذا المكتب، من الذي أتى بهذا الديوان، فقال لي فتاة في مقتبل العمر، وصورتها على غلاف هذا المؤلف..، وضعته على الطاولة وأوصته بأن يخبرني، بأنها تريد مني أن أعلق عليه. لم يكن ذلك ممكنا، لأني لا أستطيع أن أقرأه أساسا .

 إستعنت بأحد عارفي تلك اللغة لأتعرف على الأقل على عنوان هذه المجموعة، فعرفت بأنها إختارت لديوانها عنواناً غريباً بعض  الشئ هو: (يساورني حزن، حين يسقط المطر) وبذلك تبين لي بان اليأس والبؤس النفسي، سيبقيان يقودان قافلة الوجود الى الإغتراب ..

لا أدرى كيف بدأت أرد على عنوان ذلك الديوان بقصيدة  صار أخيرا عنوانها: (لا تفتحي نوافذ المطر)  وتأتي الصدفة بأن يطلع عليها أحد زملائي من أساتذة قسم الأدب الإنكليزي، فيعجب بها، ثم يترجمها الى الإنكليزية، وبعد ذلك توالت عليها الترجمات لتصل الى ثمان لغات، فتصبح ديوانا بعنوان " قصيدة بثمان لغات " .

البيت الثقافي في أربيل دعانا لنلقي القصيدة باللغتين الكردية و الإنكليزية إضافة الي القصيدة الأصلية باللغة العربية . ثم بدأنا بمناقشة موضوعي الذي كتبته آنذاك  بعنوان: (ترجمة الشعر، تلك الخيانة الجميلة)

 943 hasim1

لا تـفـتـحــــي نـوافــــذ الـمـطــــرْ

د. هاشم عبود الموسوي

 

أما رأيت بأن العُشب ..

يحلم بالغيومْ

فبأي فألٍ ..

تزرع الكلماتُ ..

اشجاراً وأحزاناً ..

تخافُ من الغيومْ

وأي نجمٍ ساهرٍ

قد غابَ عن تلك العيون

الناعساتِ..

الساهراتِ ..

على لظىً وسَط الهمومْ

في الصمت اسمع دمعكِ ..

هَادراً وسط الظلامْ

أحزنت أحزاني ..

وضجَّ تَوسلي

فصرت أخشى ان أنام

أخاف أنْ تقتلني ..

هواجس الظنون

 

أقفلت في الظلماء ..

حُزن نوافذي

وبقيتُ لا خوفاً علي

عيناك هُن نوافذي

وبها أطل على اللالئ والنجوم

ببحيرةٍ زرقاءْ ..

لا يؤنسها ..

غير هديلٍ للطيورْ

كعصافيرٍ من الجنةِ تأتي

كبذورٍ لقْحت في الارضِ ..

آلاف الحقولْ ..

كشموسٍ أيقظت في الصُبح ..

 

أحلامَ العذارى الحالمات

فتعالي ..

لا تخافي

أمطري كل أبتهالات الصورْ

إنه الشوق الذي يجلدنا

والى أقدارنا ..

يَدفعنا

نبئِينا ..

أن صُبحاً طالعاً من فألنا ..

يجمعنا

وأبشري ..

حتى ولو سقط المطرْ

 

faroq mawasi(لبَّيْك): مصدر ملحق بالمثنى مضاف إلى ضمير- هو المخاطب عادة، معناه تلبية بعد تلبية، فإذا قلت: (لبَّيْك) اللهم لبيك،  فالمعنى أنني ألبّي دعوتك يا رب، أي أجيبها إخلاصًا لك مرة بعد أخرى.

...

إعراب (لبَّيْك):

لبيـ - مفعول مطلق (أو مصدر) لفعل محذوف وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بالمثنى، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.

أما (لبيك) الثانية، فإعرابها توكيد لفظي- كما لا يخفى.

المصادر التي  جمعتها  مثنّاة هي:

 (لبَّيْك)، و (سَعْدَيك)، و(حَنانَيك) و(دَوالَيك) و(حَذارَيك)، (هَذاذَيك)، (حَجازَيك)،

 وهي مثناة تثنية يراد بها التكثير أو التتابع، لا حقيقة التثنية.

 (سعدَيك) تأتي فقط بعد (لبَّيْك)، فيقال: (لبَّيْك وسَعدَيك)- أي إجابة بعد إجابة وإسعادًا بعد إسعاد، أما (لبَّيْك) فقد ترد وحدها.

 (حنانَيك) معناها تحننًا بعد تحنن، وأما (دَوالََيك) فمعناها مداولة بعد مداولة، و(حَذارَيك) تعني حذرًا بعد حذر، و (هَذاذَيك) تعني قطعًا  للأمر بعد قطع، و(حَجازَيك) تعني احجُز بينهما حَجْزًا بعد حجز، وليكُ بعضه موصولاً ببعض فلا ينقطع.

في كتاب (توضيح المسالك في شرح ألفية ابن مالك)- لبدر الدين المرادي، ج2، ص 800 ورد ما يلي:

"وأما "لبَّيْ ودوالَي وسعدَي" فهي مصادر مثناة تلزم الإضافة إلى المضمر، فتقول: لبيك وسعديك ودواليك ونحوها: حنانيك وهَذاذيك وحَجازيك وحذاريك.

[.....]

تنبيهات:

الأول: الناصب لهذه المصادر واجب الإضمار، ويقدر في غير (لبيك) من لفظه، والتقدير في لبيك: "أجبت" إجابتك، وكأنه من ألبَّ بالمكان إذا قام به.

الثاني: يجوز استعمال (لبيك) وحده، وأما (سعديك) فلا يستعمل إلا تابعًا للبَّـيك.

قال سيبويه: أراد بقول- لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة.

(ورد في كتاب سيبويه (الكتاب)1/ 175:

 "كأنما أراد بقوله: لبيك وسعديك إجابة، كأن يقول: كلما أجبتك في أمر فأنا في الأمر الآخر مجيب، وكأن هذه التثنية أشد توكيدًا").

الثالث: هذه التثنية عند الجمهور للتكثير "لا تقع على الواحد".

الرابع: ذهب الأعلم، إلى أن الكاف في لبيك وأخواته حرف خطاب لا موضع "له" من الإعراب وحذفت النون لشبه الإضافة".

من معاني (لبيك) -  لزومًا لطاعتك، أو إلبابًا بعد إلباب (اللزوم وعدم المفارقة)، وإقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة.

 أو معناه كما ورد في معجم (الوسيط) نقلاً عن كتاب ابن الأنباري (الزاهر)- بيروت 1992،  ج1، ص 101:

 "اتجاهي إليك وقصدي وإقبالي على أمرك، مأخوذ من قولهم: داري تُلبّ دارك أي تواجهها وتحاذيها".

يقول الأنباري:

 "سمعت أبا العباس يقول معنى (لبيك) أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، من قولهم (لبَّ) الرجل في المكان و (ألبَّ) إذا أقام فيه. قال الشاعر:

محل الهجر أنت به مقيم *** مُلبٌّ ما تزول ولا تريم

[....]

قال الأحمر: كان الأصل في لبيك (لبّـبَك) فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الأخيرة ياء، كما قالوا (تظنّيت) وأصله (تظنّنت)"

م. ن ، ص 100.

من الجدير بالذكر أن التلبية كانت في الجاهلية.

فالحج والعمرة شعيرتان دينيتان في ملّة ابراهيم فهما معروفان قبل الإسلام.

 وكان العرب حنفاء ومشركين يحجّون ويعتمرون ويطوفون ويسعَون ويعرفون التلبية، وكانت لكل قبيلة تلبية خاصة بها، ولكن العبادات انقلبت لديهم من التوحيد إلى الشرك والوثنية.

من أحبّ أن يطّلع على تلبية كل قبيلة في زمن الجاهلية فهي في كتاب جواد علي (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، فثمة فوائد ومعلومات فيها الغَناء.

(دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، الجزء الثالث 1980م، في الفصل الثاني والسبعين- "الحج والعمرة").

التلبية إذن هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غيَّر صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد، فصارت على هذا النحو:

 "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،  لا شريك لك".

 

karim alasadiكتب الأستاذ الشاعر كَاني ياسين آلجواد المولود في ناحية الفهود في الناصرية و المقيم في كربلاء منذ عقود و مؤلف  كتاب ـ الفهود في الذاكرة ـ بيتاً من الأبوذية الى صديقه الشاعر جادرالملا عبود الأسدي مهنئاً بمناسبة زواج ولده جون جادر.. فيما يلي هذا البيت ومن بعده بيتان من الأبوذية هما رد الشاعر جادر الأسدي و بيتان لكاتب هذه السطور كريم ملّا عبود الأسدي .. والمساجلات الشعرية من هذا النوع كانت موجودة بين شعراء الفهود والجبايش وسوق الشيوخ والناصرية  مثلما في الجنوب والفرات الأوسط عموما  وموجودة بين والد كَاني الملّا ياسين آلجواد ووالد جادر وكريم الملّا عبود الأسدي ..

يقول الشاعر كَاني ياسين آلجواد:

معاك الفرح وين تحل بيادار

شوفّي من قصايدكم بيادار

أقدِّملك ورد جوري بيادار

بعرس جون وعطر للأريحيه

 

فأجاب  الشاعر جادر الأسدي:

 الي ولكم تعدَّه دور من دار

وفرشنه الكَلب للخلّان من دار

تعال ودار عمَّك دار من دار

بضيج وتضحك بسنين أهيه

 

وأردف بقوله:

عواصف هبَّن عليه وعلّان

وبد مانحِّلن جسمي وعلّان

صفت لفلان يبن امي وعلّان

ولاچنه دفعنه القاط ميّه

 

فكتب كريم الأسدي:

أسافر والكَلب للدار بيدار

وجمع كل البيادر بحله بيدار

دار الزمن والهجران بيدار

ولابدَّل دياره الأوليه

 

وأردف قائلاً:

بضيج وللنخانه بادرينه

واليكتم همومه بادرينه

يهل تنشد حچینه بادرينه

در كله ولمع لمع الثريه

 

كريم الأسدي

برلين ـ آب  2016

........................

ملاحظة: كلمة القلب في اللهجة الدارجة العراقية تُكتب على شكل  ـ الكَلب ـ، حيث تُقرأ الكاف وفوقها علامة الفتحة مثل الجيم المصرية.

 

mohamad aldamiالمقصود بالقراءة الإبداعية هو: أن يسمو القارئ الفطن بنفسه نحو أعالي وعي الكاتب أو معارف الفيلسوف الذي يقرأ هو كتابه. أما كيف يسمو بنفسه إلى مصاف هؤلاء، فإن هذه العملية لا يمكن أن تتم «بالقراءة» أو بـ»الاطلاع» البسيط المجرد، ذلك أن القارئ يغدو بدرجة من النضج والحيوية الفكرية، أنه عندما يقرأ كتابًا لفرويد أو لطه حسين، فإنه يحاول أن يحاور عقل الكاتب عبر نصه.

لم يزل المرء (في عالمنا العربي، عامة) يذكر زمنًا كان المعلم فيه يصف ذهابه إلى الصف في المدرسة بقوله: «أنا ذاهب لأحفِّظ (بكسر الفاء وتشديدها) الطلاب»، بمعنى يجعلهم «يحفظون» الدرس. على الرغم من سلبيات هذه الطريقة «الكلاسيكية» في التربية والتعليم، يبقى «الحفظ» هو الخطوة رقم واحد في رحلة الألف ميل على طريق التعليم، فيقال بأن «التكرار هو سر التعلم». والتكرار هنا يعني الترديد الببغائي لما ينبغي للنشء تعلمه، كخطوة أولى.

ولكن على الرغم من النقد الذي توجه إلى هذه الطرائق التعليمية القديمة من قبل مؤيدي النظريات التربوية الحديثة، بقيت مدارسنا تعتمدها، تأسيسًا على التجربة وعلى نجاحها في السابق. وعندما يتطور وضع النشء قليلًا، تتم عملية تكريس «الحفظ» بما يسميه إخواننا في مصر بـ»المذاكرة»، مرادفًا واستكمالًا للحفظ، أي استذكار ما حفظ المرء، بمعنى أنه يحفظ ثم يختبر نفسه إن كان قادرًا على تذكر ما حفظه، وفي هذه الطرائق القديمة الكثير من الفوائد، خاصة بقدر تعلق الأمر باكتساب المصطلح وببناء خزين لغوي كافِ في أرشيف المتعلم. وهذا ما فعلناه في مدارسنا حتى تخرجنا من الثانوية أو الإعدادية (أو التوجيهية).

وهنا، أي بعد قطع المسافة الأولية تتبلور الحاجة للاطلاع على عيون الكتب والمؤلفات، خارج حدود المناهج المدرسية، الأمر الذي يقود إلى ما يسمى بـ»القراءة» الجادة و»الاطلاع» التثقيفي الناضج الذي يغدو من لوازم الرجل المثقف أو المرأة المثقفة الأساس، إذ يحاول الفرد كسر إحتكار المنهج المدرسي، قناةَ تعليمية، عبر اقتحام عوالم المفكرين والفلاسفة الكبار، فتراهما، رجلًا أو امرأة، يتسكعان في أسواق الكتب بحثًا عن (فلسفة الأخلاق) أو عن (الوجود والعدم) أو عن (تفسير الأحلام)، بوصفها من القراءات المفتاحية التي تؤهل الفرد لأن يكون مثقفًا، قابلًا للتقديم كـ»رجل مهذب» أو كـ»امرأة مهذبة» Gentleman. وفعلًا، تتم عملية الاكتساب وتمرير الدروس والعبر والمعارف والأفكار من الحرف المكتوب والسطر المطبوع نحو العقل الذي ما يبرح يكتسب ويختزن الجديد واللذيذ مما تتمخض عنه القراءات.

من هذه النقطة المهمة، إذا ما قرر المرء تكريس أو دعم ثقافته «العامة»، دون التركيز على حرفة عملية معينة أو على كسب المال فقط، تتمدد القراءة نحو فضاءات القراءة الإبداعية اللامتناهية.

والمقصود بالقراءة الإبداعية هو: أن يسمو القارئ الفطن بنفسه نحو أعالي وعي الكاتب أو معارف الفيلسوف الذي يقرأ هو كتابه. أما كيف يسمو بنفسه إلى مصاف هؤلاء، فإن هذه العملية لا يمكن أن تتم «بالقراءة» أو بـ»الاطلاع» البسيط المجرد، ذلك أن القارئ يغدو بدرجة من النضج والحيوية الفكرية، أنه عندما يقرأ كتابًا لفرويد أو لطه حسين، فإنه يحاول أن يحاور عقل الكاتب عبر نصه. هنا تكون الغاية الأكثر فائدة ومردودًا من القراءة، بمعنى أن النص الفكري أو الفلسفي يستدرج القارئ الفطن إلى مناقشة مؤلف النص ومحاججته درجة السمو بالذات إلى مستوى ذهنية ذات المؤلف ومنظومته المنطقية.

بهذه الطريقة يغلق هذا القارئ الحذق كتابًا لأفلاطون، على سبيل المثال، ثم يجد في نفسه من المؤهلات ما يسمح له بالكتابة والتأليف أو التعليق على أقل تقدير، تتبعًا لخطى أفلاطون أو سارتر، نيتشه أو تشومسكي! أليف تتبعًا لخطى «أفلاطون» أو «سارتر»

 

sardar mohamadأستغرب إستكانتك في ضفة القيم التي لا قيمة لها، ضفة لا تحكم نهر الحياة، حملك القهر أن تستقري بها، وعَدوك بالطيب والريحان وماء صاف وظل ظليل، لكنك لم تعثري إلا على كدر ماء وشمس حارقة فاحتفرت فيها حفرة ملاذاً كأرنب مذعور، هذا شأنك، أنا لا أستسلم، فلم تزل المسامير تغرز في قلوب النساء، عقولهن. قررّوا بتعسف، لي الحق أن أتعسف كما تعسفوا، بالوقوف على الضفة الأخرى، تعسف بتعسف بأي ثمن وثمن الجهاد ثمن. معلمتك، قريباتك ثيبات وأبكارا والقواعد منهن، يزعمن أن السكوت، وحمل راية الحياء زينة، فتعلمتِ التمثيل مرغمة، أنا متمردة فلن أتعلم ما يحلو لهن، تعلمي أنتِ كالنساء الإمعات إمتهان التمثيل على مسرح الذكورة، بتنكيس راية الرأس، سبل الهدب، إغماضة الجفون، فتُمدحين، وترشحين لزوج غني، وحتى غبي، ياللعدالة، هذه هي الغاية والمنى؟ يطلبون منك السكوت وقبلت، إرضاء شهوة، متعة، وما فقهوا أن (المراة التي لا تطلب شيئاً تستحق كل شيء) 1. أنا لا أطلب شيئاً، سوى حقي السليب، أختار زوجي، حبيبي، صديقي، بنفسي، بإرادتي، فالحس حسي والشعور شعوري، فما دخل غيري؟، وسأكون نقيّة بنقائه، ونظيفة بنظافته، وجميلة بجماله، وحنونة بحنوه، وعاقلة بعقله، وودودة بوداده.

(أنت لا تريدين تسلق سلالم المجد بل السقوط في هاوية من تحبين لإكتشاف النجوم عن قرب) 2. فتمردي على من يريد لطبيعة البشرالأنثوي أن تخنع لسلطة الذكورة الخانعة بدورها لسلطة الدولة القاهرة، وهذا يعني أنها تقاتل في جبهتين مرة واحدة، ما فارقك عن عارضات الأزياء، هن يعرضن الثياب وأنت تعرضين الخجل وكبرياء مفتعل، وفي الليلة الأولى تتساقط الأوراق والحياء ينزع عباءته كما ينزع الشجراللحاء أو كما تنزع الحية جلدها السنوي والذكورة لن يستهويها ذاك، ومخافة فقدان بيت لا موّدة فيه ولا حب صوّروك ضعيفة، وظنوك أنك لاتستطيعين قول ما في الدواخل، أما أنا فأقول دون خوف:

لوحدنا الآن لا تتكلمْ

خذ ما تريد بوعي

دون أن تسألْ

كلهن يعلمن مايريد الرجال

لن أدعي أنني لست أعلمْ

ولن أندم

إلا لثانية تضيع ولا أراك تُغرمْ.

هذه هي أنا، أنثى وأعتز بما قدّرالله لي. إذا كنّا سبب اسوداد حجر باللمس فليخف على جلده، سيحترق من كثرة اللمس، إذا كان صوتي عورة فلم َلهاثه لاينقطع حتى يسمع همساتي، إذا كان عطري عورة فلم يشمني بإسراف، إذا كان كحلى عورة فعلام َ وجهه ملطخ به، أتريدني ملحاً لا يذوب فذوباني لا يؤجلْ.

فتعجّل وتمهّلْ

يا حصاني الأدهمْ

وماذا تقول؟،،،،،،، ألا تفهمْ؟

أنا غصن ليس يذبلْ

مورق دهرا

خذ جبالي ووهادي وسفوحي الأجمل ْ

وما كنت به تحلمْ

سرّا ً وجهرا

فأحبك حين تصهلْ

وأحبك لو أعدت مرة أخرى

ليلاً وفجرا

فلن أخشاك

ولا أوجلْ

وليس كما تدعي النساء فلن أخجلْ ..3

 

ألم يقولوا أننا المياه الأولى وأن الخلق مضغة، فكيف نمت وأين؟ وهل الماء الدافق من بين الصلب والترائب سيورق ويثمر إذا لم يختلط الماءان؟، لك شان ولي شان

شاني أني لا أتعلم من الجاهلات بل من المتمردات على واقع فاسد فلا يعقل النكوص بعد مئات السنين من ثائرات بطلات تركن بصمة بجبين أمة نحن منها، أنخون عليّة بنت المهدي إذ قضت شهيدة وقالوا أنها ماتت بضمة – تصوروا المهزلة - لأنها من نسل الخلفاء فلا يمكن أن تعشق خادما ً، لله درك يا - طلّ- أتتك ابنة الخليفة وأنت الخادم الضعيف، المسكين لكنها كانت جريئة شجاعة

قد كان ما كلّفته زمناً    يا طلّ من وجد بكم يكفي

حتى أتيتك زائرا عجلاً   أمشي على حتف إلى حتفي 4.

وقالت:

جُبل الحب على الجورفلو  أنصف المحبوب فيه لسمج

ليس يستحسن في شرع الهوى عاشق يحسن تأليف الحجج.

 

ومنعت من طل ّحتى من ذكراسمه ويوم قرأت في سورة البقرة الآية – فإن لم يصبها وابل ٌ فطل ّ – فطنت إلى الإسم فقالت – فإن لم يصبها وابل ف ف ف فالذي نهانا عنه أمير المؤمنين.. وهل نخون حبّابة إذ قتلت فقيل أنها شرقت بحبة رمان –مهزلة أخرى - وجزع يزيد بن عبد الملك عليها فما بقي إلا خمس عشرة ليلة بعدها فرحل، أم نخون ليلى الأخيلية عندما زارت قبرحبيبها توبة بن الحمير:

ولو أن ليلى الأخيلية سلمت    عليّ وفوقي جندل وصفائح

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا  إليها صدى من جانب القبر صائح

وأغبط من ليلى بما لا أناله  بلى كل ما قرت به العين صا لح 5

أم ترانا ننكر ولادة بنت المستكفي وما تصدح به في حبها لإبن زيدون رغم أنها من بيت الخلافة الأموي:

لحاظكم تجرحنا في الحشا   ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا   فما الذي أوجب جرح الصدود6

وكم وكم فدين وبذلن حشاشاتهن لتكوني فكوني وكم صدحن وجهرن لأجلك حتى تكوني فكوني فلا تخيبي ظن الشاعرة التي تقول قولة حق وصدق:

مهما أجمعت كل النساء

أنك عاشق محترف

فلن تكون في ظلالي

إلا عاشقاً مبتدئا. 7

 

أو القائلة:

ليس حبي الطوق

أفدي عنقاً

هي عندي قطعة من كبدي

ساعة منك تغطي عمراً

وترد الماء للنهر الصدي 8

 فهل ستتمكنين من رد اعتبار مكانة المرأة وحقوقها المستلبة قهراً وظلماً.

تقدمي ونحن معك يداً بيد وضميراً بضمير وقلباً بقلب. فهل تستطيعين مواجهة الذكورة مثل الجارية التي أفحمت الخليفة بذكاء حين أجابته على سؤاله: ما ألذ شيء في الدنيا؟ فقالت: النكاح، فاستشاط غضباً وقال: ما الذي أدراك وأنت بكر قالت:رأيت أزواجك كم يتألمن في أثناء الولادة ويعدن ليحبلن من جديد. هذا قبل مئات السنين، فما عساك اليوم فاعلة، تمردي على الباطل، واستبدي على الظلمة والطغاة.

 

نقيب العشاق على مدى الآفاق من بيخال الى نياغارا.

…………….

1 أحلام مستغانمي - جزائرية

2 غادة السمان- سورية -

3 لي 

4 عليّة بنت المهدي

5 توبة بن الحمير

 6 ولادة بنت المستكفي

 7 ميادة أبو شنب - فلسطينية

 8 لميعة عباس عمارة -عراقية

 

abduljabar noriسناء كامل أحمد شعلان أديبة أردنية معاصرة ومبدعة فلسطينية ساحرة، شابة مواليد عمان 21 – 5. 1977 ومن جيل الحداثة العربية، وهي من أصول فلسطينية قضاء الخليل هاجمت عصابات الهاجانا والأرجون قريتها وهجرت أهلها في عام 1948 فلجات أسرتها إلى الأردن، وهي تحمل درجة الدكتوراه في الأدب الحديث، وتعمل أستاذة جامعية في نفس تخصصها في الجامعة الأردنية، لُقِبتْ سناء شعلان بـ(شمس الأدب العربي، وأميرة القصة العربية، وهي روائية وقاصة وكاتبة مسرح وأدب أطفال، وأعلامية في مجال حقوق الأنسان وناشطة نسوية، وأشتهرت في فترة التسعينات نقدها المهتم بالأسطورة والفنتازيا والموروث الشعبي الحضاري، والحداثة والتجريب .

ومن أعمالها الأبداعية:

قافلة العطش The Convoy of thirstمجموعة قصصية للدكتورة سناء كامل الشعلان، صدرت في العام 2006 عن مؤسسة الوراق، وفي تلك المجموعة القصصية 16 قصة قصيرة، يكون السرد اللغوي فيها راقياً ومنسّقاً في سرديات ثيمات الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية، تختزل فيه اللاواقع لتبدلهُ بالواقع، وترسم من خلال هذه المجموعة القصصية السعادة بأرقى معانيها وترسم الحزن بأبشع مآسيه، وتعري الواقع  المريربكل جرأة، وتعبر عن آرائها بطريقتها الخاصة عبر شعور أنثوي حساس تجاه العالم، وتبين عبثية الحياة في جغرافية الصحراء ذات القوانين الصارمة الصادرة بمراسيم مؤلّهة واجبة التنفيذ، والتي تضع الخطوط الحُمرْ تحت عدوى العشق الصحراوي، والحب الممنوع، والأعراف القبلية المشرعنة بأرادة الآلهة تأمرك أن تعيش الجفاف على رمالٍ تبتلع الدموع وعرق حمى اليأس والأستلاب كالثقوب السوداء، ولم يبقى في ثمالة الكأس سوى الفراق المأساوي الترتجيدي بوأد عاشقات الحياة، أي رباه .... ما العمل ولسان حال شاعر الياسمين نزار قباني يقول: {لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية}.

والمجموعة القصصية تحمل في طياتها الحب الطاهر والمعذّب والممنوع، وتسلفنها القاصة العملاقة والمبدعة والأكثر من رائعة بأنسنتها الأممية ومشاعرها النبيلة تجاه السلم العالمي، وعبرت  في قافلة العطش عن الحب المحرم وعن وأد الحب والحياة، فالحب في نظرها مؤطر بمفاهيم حداثوية معولمة بعيدة من أعين الرقيب الذي يقطع بمقصه التعسفي والأستلابي، وتحاول جاهدة المقاربة من سلطة الخير والجمال لأنهُ حبٌ غريب الأطوار، حب مجنون، بيد أنهُ مستساغ ومقبول عند المتلقي وأولهم (كاتب المقالة)، في زيارتي الأخيرة لعمان أقتنيت نسختين من الكتاب (قافلة العطش) باللغة الأنكليزية وأخرى بالعربية، وبصراحة شعرتُ بسعادة غامرة تلذذتْ بها نفسي الأمارة بالعشق، كأني أحد  رجال القافلة المعذبة  والمستلبة،  وعايشتُ معاناة وفوبيا المخبر السري وسيطرات  رئيس القبيلة المتوحش  ورحلة العذاب الطويلة التي أولها في بغداد ونهاياتها في المنافي، وحينها قلتُ لنفسي .. قف يا رجل لقد قاربت السبعين، أرمي ذكريات الثلاثين في البحر الميت وأحتفظ بالرواية لعلك تعتنق مذهبها في العشق الصوفي وتؤدي طقوسها النقيّة والمجردة من الأنا.

لها 46 مؤلفاً منشوراً، ونالت 55 جائزة محلية وعربية في حقول الرواية والقصة والمسرح وأدب الأطفال، وهي الشخصية المؤثرة رقم 19 في الأردن، فازت بها في مسابقة أكثر من 50 شخصية مؤثرة في الأدب والنراث والبحوث الأنسانية والتي أجرتها منظمة  (تحالف أتحاد منظمات التدريب الأردنية)

 

أسلوب الدكتوره سناء شعلان الأدبي والنثري واللغوي

.أنفردت عن المألوف بأعطاء المرأة دوراً ريادياً في جميع رواياتها هادفة لصنع هوية أنثوية جديدة  ليس تحيزاً لجنسها  بل لرفع مكانتها، وتحدياً للذكورية المجتمعية السائدة عبر التأريخ وألى اليوم .

. سيميائية العنوان في قافلة العطش تحمل كل مفردات السيمياء التي هي أداة لقراءة السلوك البشري في مظاهره المختلفة بداً من الأنفعالات مروراً بالطقوس الأجتماعية والأنتهاء عند الآيديولوجيات، وكونها العلم العام والنشاط المعرفي لها علاقة باللسانيات والفلسفة والمنطق وعلم النفس والأنثروبولوجيا ولأنّ العنوان هو هوية وممثل النص والمدخل الذي يحتاجهُ القاريء لأقتحام سرديات المضمون، فالأحساس الصادق عند الروائية المبدعة سناء شعلان هي أستاذتنا في تعليمنا {العنوان يأخذ الأولوية لدى المتلقي}، لذا تألقت المبدعة الأصيلة الدكتوره سناء شعلان في أن تجعل لمجموعاتها القصصية رقما مهماً تحت خيمة العنوان، في قافلة العطش وأستيعاب معطياتها السيميائية على نحوٍ ما ! .

. الميل الواضح إلى الحداثة والتجريب، وبلغة جميلة مصقولة مؤطرة بالتهذيب والتشذيب، فيها جوانب أسلوبية مسجلة بشخصنة لغة سناء شعلان فقط، والتي فيها السهل الممتنع، و هي المجدة والمجتهدة في صياغة أناقة اللغة العربية، وان لغتها الأدبية مستمدة من أفكارها الثورية، وتراكماتها المعرفية الثرة، وهي تجمع بين تقاليد سرديات القصة والحداثة والعولمة .

. التنويع في النص السردي في مزج الخيال والفنتازيا بالحقائق والجمع بين الغيبية والواقع، ويتميزالنص بخصوصية المضمون المتصل بعلاقات الزمكنة بين الشرق والغرب، والعنوان عندها يعبر عن واقعية القصة، فالصراع بين الضعيف والقوي وبين الغث والسمين وبين الخصب والجدب وبين الموحش والأمان وبين الأستسلام والثورة .

. العطش يعني حرمان المرأة من عالمها الخاص، فتمكنتْ الكاتبة العملاقة والمبدعة من تمرير سرديات الرواية ومحاكاتها حقيقة وعلناً بواسطة الرجل والمرأة، وأن رمزية العطش ليس للماء بل العطش إلى الحب، وما يتعلق بهِ من أستلاب، ورفض سيادة السلطة الذكورية، 

. تعتمد الأسطورية في غالب رواياتها، أوغلت في الواقعية السحرية، وتعمل على تكثيف القصة وسردها بأختصار عاجل كي تنتقل إلى قصة أخرى متقمصة شخصية شهرزاد الأنثوية الساحرة الممنوعة من الحب، لتنقل القاريء والمتلقي إلى حدثٍ آخر وآخر حتى تقزّمْ زمن الجمهور بحسابات النظرية النسبية " مجالسة الحبيب لعشرين ساعة تختصرها الروائية البارعة  سناء شعلان بثواني، لأنها تنظر للحياة من خلال نوافذ الرواية العديدة للقصة، والمطلّة مباشرة على الجمهور، وتعبّر في كينونة نصوص السرد الروائي القصصي لروايتها" قافلة العطش " الظمأ والأرتواء والحياة والموت في تجليات معاناة الأنسان المحروم من الحب والأستمتاع بهِ في جغرافية الشرق العربي المؤدلج بوأد الحياة لأشباع غرور الذكورية المتغطرسة السائرة لأرتداء جلباب الربوبية .

وأن لغتها الأدبية مستمدة من أفكارها الثورية وتراكماتها المعرفية الثرة، وفلسفتها السردية ترتكز على (كل شيء أو العدم) تستعمل كمحرك دراماتيكي توزّع ذبذباتها لشخوص الرواية، والكل عطشى حد الجفاف فيهِ الحب عاجزاً وحيداً مفجعاً، وحتى الرومانسية الهلامية مغيّبة، وكل الأحاسيس والمشاعر والدفيء والعطاء والخصب مغيباً على بعد مليون سنة ضوئية ربما في درب التبانة .

. الأنسنة في رواياتها تبدو واضحة وجلية وتفرض وجودها على المتلقي في حب الخير لبني البشر وعدم ألغاء الآخر، وأرجاع الحقوق المستلبىة من الشعوب المضطهدة ومنها الشعب الفلسطيني، وكأنها تصوّر بآلة كاميرا صور حيّة ورؤية فكرية وسيلتها سحر اللغة .

أخيراً/ كل المجد للدكتوره الفاضله والمتألقة في سماء الذاكرة الأدبية والثقافية العربية والعالمية، ومن خلال هذا البحث المتواضع الذي لم أفي بجزءٍ من بحرك  اللجي وثقافتك الرصينة والهادفة، أمنياتي في تحقيق الأمنية الوطنية  في تحريرشعبنا الفلسطيني وتكريس السلام العالمي لجميع الشعوب المقهورة .. وأقدم أعتذاري فيما أذا ظهرتْ بعض الهنات لكوني لست ناقداً أدبيا .

 

الكاتب والباحث والمحلل السياسي: عبدالجبارنوري – السويد

....................

الهوامش والمصادر

* سيماء العنوان في قافلة العطش / د. ضياء غني العبودي والباحث. رائد جميل عكلو

* لسان العرب. أبن منظور – تحقيق عبدالله علي أكبر

* قافلة العطش – مجموعة قصصية –د. سناءشعلان

* العنوان في الشعر العراقي الحديث. حسب الشيخ جعفر

* معجم نقد الرواية – لطيف زيتوني

 

faroq mawasi(هل) حرف استفهام مختص بالتصديق الإيجابي (أي يطلب أن يكون الجواب ب، (نعم) ومرادفاتها، أو (لا) وما في معناها، ويُستثنى من ذلك الاستفهام البلاغي).

نحو:

هل تتابعون صفحتي هذه؟

لا يصح استعمال (هل) في الجمل التالية:

1- الجملة المنفية، فلا يصح القول: هل لم يعد؟ والصواب – ألم يعد؟

2- الجملة الشرطية، فلا يصح أن نقول: هل إذا حضر الصديق نرحب به؟

بسبب احتمالية الحكم  في الحضور وعدمه، فالصواب استخدام همزة الاستفهام.

3- الجملة المؤكدة بـ (إنّ)، فلا يجوز أن نقول: هل إن الحج فريضة؟ ذلك لأن (إنّ) تأكيدية وتقرير لواقع.

4- إذا لم تكن بمعنى الاستقبال، فلا يصح لنا القول: هل تذهب الآن؟ والصواب استخدام الهمزة.

5-  إذا كان الجواب بتعيين أحد اثنين، فلا نقول: هل محمود ناجح أم محمد؟ والصواب استخدام الهمزة، والسبب أن الجواب يتركز على تعيين الشخص، وليس على الحكم (النجاح) نفسه،

و(هل) هي حرف تصديق، والحكم  يكون فيها غير معلوم، وإلا لم يُستفهم عنه بها، وحينئذ يؤدي الجمع بين (هل+ أم) إلى التناقض.

في علم المعاني نجد أن (هل)  تكون استفهامًا بلاغيًا فلا نجيب هنا بنعم أو لا، ذلك لأنها تدل على معانٍ منها:

* معنى (قد)- تحقيق، نحو: {هل أتاك حديث الغاشية}- الغاشية 1،

 و{هل أتى على الإنسان حين من الدهر...}- الإنسان 1، ومن المفسرين من يراها للتقرير.

* للتقرير والإثبات: {هل في ذلك قسم لذي حِجر}-  الفجر 5.

ولدى بعض المفسرين هي بمعنى التمني.

* بمعنى (ألا) – {هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا}- الكهف 103

* بمعنى الأمر: {فهل أنتم منتهون}- المائدة91.

بمعنى الطلب أو الدعوة: {هل لك إلى أن تزكّى}- النازعات  18

وفي الشعر:

بمعنى النفي- 

هل الدهر إلا ساعةٌ ثم تنقضي ***  بما كان فيها من بلاء ومن خَفضِ

وثمة معان أخرى تُفهم من السياق.

 

faroq mawasiثمة أبيات شعرية لا يُهتدى إلى قائلها بيسر، وهي واردة في أكثر من مصدر، ومن هذه الأبيات:

دَبَبْتُ للمجدِ والساعون قد بلغوا***جَهْدَ النفوس وألقَوا دونه الأُزُرا

وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهم *** وعانقَ المجدَ مَن أوفى ومَن صَبَرا

لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُه *** لن تبلغَ المجد حتى تلعَق الصَّبِرا

يقول من استشهد بها:

قال هارون بن موسى النحْوي: أنشدنا أبو علي البغدادي......

القفطي- "إنباه الرواة على أنباه النُحاة " (3 / 362 – 363)

"أنشدنا"، ولا يعني ذلك أنه من شعره.

ورد في "نفح الطيب" للمقَّـري:

"ومن فوائد الباجي أنّه حكى أن الطلبة كانوا ينتابون مجلس أبي علي البغدادي واتفق أن كان يوماً مطرٌ ووحل، فلم يحضر من الطلبة سوى واحد، فلمّا رأى الشيخ حرصه على الاشتغال وإتيانه في تلك الحال أنشده... (الأبيات)

(انظر: ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي)

 

...

في مصادر أخرى:

"وقال بعض الأعراب"،

"وقال آخر"،

 وفي كتاب (مثالب الوزيرين) لأبي حيّان التوحيدي "وقال الشاعر"- ص 93.

وفي (الأمالي) لأبي علي القالي (ج1، ص 113) ورد ما يلي:

قال أبو علي: وقرأت على أبي بكر بن دُرَيد لبعض العرب.....

إذن، فالجواب ليس في "الجيب"، وهو مجهول حتى هنا.

مع ذلك، ومن خلال قراءاتي المختلفة مرّ معي اسم (حَوط بن رِئاب) أنه هو الشاعر، وهو من بني أسد، والنسب يتفق وما ورد في "شرح الحماسة" للمرزوقي أن الشعر لبعض بني أسد، لكني لم أستطع أن أهتدي إلى  مصدر لمعلومتي، لذا ظلت أهمية البحث في خلَدي.

إليكم  مَن كشف اللغز في مدوَّنته، وهو الأستاذ الباحث زاهر الهنائي- الأكاديمي في جامعة السلطان قابوس، وهذا يدل على أن بعض المواقع والمدونات فيها الغَناء.

في مدونة زاهر الهنائي (مارس 2012) وردت هذه القصة التي تشير إلى اسم الشاعر، وأصل الحكاية أقتبسها لكم:

 

"لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ *** لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرا

"كنت قد بحثت عن قائله مدة من الزمن ولما أعياني البحث تناسيت أمره، وذات يوم وأنا أقرأ في كتاب من كتب اللحن اسمه "المدخل إلى تقويم اللسان" لابن هشام اللخمي- صاحب شرح الفصيح المتوفى سنة577هـ وتحديدا في صفحة 111، وجدت البيت يُذكر في معرض الرد على صاحب "تثقيف اللسان"- ابن مكي الصقلي عمر بن خلف المتوفى 501هـ في تخطئته نطق كلمة (صبِر) التي تعني عصارة شجر مرٍّ (القاموس المحيط) بتسكين بائها وحقها الكسر، ويأتي ابن مكي بالبيت شاهدًا على كلامه، ولكنه لم يذكر قائل البيت إذ اكتفى بقوله:

 "قال الشاعر"، وكذلك لم يتعرض ابن هشام له.

من حسن الحظ أن يوثق المحقق الأستاذ الدكتور حاتم الضامن البيت، فيشير إلى قائل البيت أنه (حَوْط بن رئاب الأسدي)، ويذكر المصدر الذي ورد فيه القائل وهو "سِمط اللآلئ في شرح أمالي القالي" للبَكري تحقيق عبد العزيز الميمني الراجكوتي توفي سنة 1399هـ/ 1978م. [.. .......]

فلما أتى البكري على هذه الأبيات وهو في معرض شرحه للأمالي ذكر القائل، بدأت أبحث عن هذا الشاعر فوجدت في "الأعلام" لخير الدين الزَِرِكْلي المتوفى سنة 1976م ترجمة موجزة عنه، وذكر أنه شاعر مخضرم اشتهر بأبي المُهوِّش (هكذا ضبطه بكسر الواو) توفي سنة 15هـ، [.......].

 وفي الهامش من الأعلام يرجع إلى "سمط اللآلئ" للبكري، و"الوحشيات" لأبي تمام، و"الإصابة..." لابن حجَر.

 رجعت إلى "الوحشيات" وهو الحماسة الصغرى لأبي تمام المتوفى سنة 231هـ بتحقيق عبد العزيز الميمني، فوجدت أن أبا تمام أورد لأبي المهوش حوط بن رئاب الأسدي بعض أبيات لا تزيد على الستة حيث أورد قطعة من خمسة أبيات مع ذكره للبيت الأول رواية أخرى، ولم يورد الأبيات الثلاثة، وفي الهامش يقول المحقق:

" خرجناها بما لا مزيد عليه في السمط"، ولا أنسى أمر ضبط كنية الشاعر في "الوحشيات" فقد ضبطت بفتح الواو (أبو المهوَّش) في حين أن صاحب الأعلام ضبطها بالكسر، وفي "الإصابة..." لابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ ذكر ما نصه: " حوط بن رئاب الأسدي الشاعر: ذكر أبو عبيد البكري في شرح الأمالي : أنه مخضرم، وهو القائل:

ونَيت للمجد والساعون قد بلغوا * جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا

[......]، وقد رأينا أن رواية البيت الأول : (دببت...) في أمالي القالي، وقد أورده في الإصابة: (ونيت...)، [ .....]

 بعد هذه التطواف نخلص أن البيت لأبي المهوّش حَوط بن رئاب الأسدي اعتمادًا على البكري في سمطه، وأن صواب قراءته أن نكسر باء (الصبِـرا)، لا أن نسكنها، إذ معنى الصبِر هنا عصارة شجر مرٍّ ومِنْ ثَمَّ هو يُلعق، ولا مجال لـ(الصبْر) في البيت معنى ووزنًا."

من الجدير ذكره أن شاعرًا عُمانيًا عاش أول القرن العشرين يُدعى سعيد بن مسلم وكنيته أبو الصوفي كان كاتب السلطان فيصل بن تركي، وله ديوان مطبوع-  استخدم أبيات حَوط دون أن يُشار إلى ذلك في تخميسه:

ما بالهوينا ينال المجدَ آمله *** منيعة صعبة المرْقى منازله

لا يدرك المجدَ من لانت مآكله *** لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبِرا

وأخيرًا،

يذكرني البيت بآيتين كريمتين تريان وجوب الامتحان والابتلاء، فليست الأمور تؤخذ بيسر وبهينة، إذ يقول تعالى:

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (البقرة:214)

وفي آية أخرى من (سورة العنكبوت 2):

{أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}؟

 

nemer saediكرَّستُ شتاءَ العام الماضي بأكملهِ للشعرِ العامي اللبناني، أعدتُ قراءة دواوين سعيد عقل وطلال حيدر وموسى زغيب وزغلول الدامور وطليع حمدان وغيرهم، كانت قصائدهم الرقيقة تشذِّب ذائقتي وتخلِّصها من الزوائد والشوائب، في الليلِ كنتُ أنام على أصداءِ أمسياتهم الزجليَّة المنبعثة من موقع يوتيوب تحملُ أصالة وعبق تاريخ بعيد، مغسول بصوت فيروز وندى الصباحاتِ العذبة البحريَّةِ البكر.

فيما بعد انفتحتُ على تجربةِ الشاعر البناني الكبير جميل الدويهي المغترب في أستراليا ورائد القصيدة العاميَّة المدوَّرة بنكهتها اللبنانية الرقيقة والتي تذكِّرني دائماً بقصائد غزل كتبها شعراء مثل الأخطل الصغير وإلياس أبي شبكة لحبيباتهم، فأدخلُ في حالةٍ وجدانيَّةٍ كمن يرنو إلى قمرٍ شفيفٍ في ليلةٍ حزيرانيَّةٍ أو يقرأُ رسائلَ عشقٍ سريَّة لنفسهِ، ويشبِّهُ القصيدةَ براقصةٍ تتأهَّبُ للرقص.

تجربة الصديق الشاعر جميل الدويهي بالرغم من زخمها وعمقها وأهميَّتها إلى أنها بقيت بعيدةً عن حلقات ودوائر النقد العربي الرسمي، ربما يرجعُ سببُ ذلكَ إلى كون صاحبها يعيشُ في مهجرهِ في القارة الأسترالية بعيداً عن مركزية الخطاب الإبداعي العربي، ومقرُّها الشرق، لهذا السبب لم يُقرأ كما يجب، ولم يُطرح منجزَهُ الكتابي المتفرِّد والمتنوِّع والخصب طاولةِ البحث والدراسةِ والاستقصاء، وهذا برأيي ظلمٌ كبير لأدب المنافي والمهاجر.. ظلمٌ يؤدِّي حتماً إلى الإهمالِ والنسيان.

في قصيدةِ الدكتور الشاعر جميل الدويهي تجدُ كلَّ عناصر الطبيعة اللبنانية الناعمة ومعاني حبِّ الحياة والمرأة والجمال، بدءاً من عطر التفَّاحِ وخصرِ الحبيبة وفستان الأرجوان والحبِ الأكبر من البحرِ إلى جدائلِ الحبيبةِ التي تشبهُ الموسيقى وكحلِ عينيها الشبيهِ بخيلِ العرب ومرجوحة عصافير بالحَور العتيق وغيرها من الموتيفات الشعريَّة التي يجيد الشاعر توظيفها واستعمالها بكلِّ مهارة وحذق شعري وفنِّي، كما في هذه المقطوعة التي تفيض عذوبةً ورقَّةً وانسيابيَّةً (عْـــيـــــــونِــــــك بنصّ الليل زارونــــــي

حِـــكْــــيـــــــو مَـعـي، وتْقلّقو عْيـــــــوني

اعطِيني شي نتفِة كـــــــحْــــــل للدفـــــتَر

مــــــــن وقت مــــــا رِحْتي الشِّعر أصفَر

وقالـــــو القَوافــــــي مـــــــــــا بْيَعرْفوني)

هنا شاعرٌ يسير على نهجِ سعيد عقل في كتابةِ القصيدتين، العاميَّة والفصحى، بسحرٍ نازفٍ وعاطفةٍ رقراقة تغرفُ من ماضي الأيَّام وهجَها السرياليَّ وطاقتَها المبدعة المفتوحة على التجلِّياتِ والأناشيد المؤرَّقة.

من جهةٍ ثانيةٍ لمستُ نغمةً شجيَّةً في قصائدهِ النثريَّة التي لا تقلُّ جمالاً وقيمةً عن قصائده العاميَّة، فغناؤهُ الأعزل يذكِّرني دائماً بسونيتات عشَّاقِ القرون الوسطى وهم يجوبون الأرضَ بحثاً عن لحظةِ وصلٍ قصيرةٍ أو ينتظرون عاشقاتٍ لا يأتين تحتَ شجَرِ الحنين.

الشاعر جميل الدويهي ذلك المعانقُ الأبديُّ لأشعارِ العذريِّين ولهفتهم التي تتوَّلدُ دائما من رمادِ العنقاءِ، فصوتهُ ترجيعُ حُداءِ الحبِّ النظيف المتعفِّف البريء الصافي.

(وقلتُ : أحبُّكِ.

سوف أظلُّ أحبُّكِ مثل الطفلِ، ففي عمري المـتـقـدِّمِ لا أحتاجُ إلى نارٍ تشعلني بعد هطول الثلجِ. تعالي نمشي في ظلِّ الصمتِ المفروض علينا، لا تلزمنا لغةٌ كي نقرأ حرفاً أو حرفينِ، وكي نتـعــانــقَ في شكلٍ رمــزيٍّ، لا يــفـهـمـه إنسانٌ. أعلنتُ الحـرب عليكِ، فإنَّ الحبَّ هو الفصلُ الأحلى في مذبحةٍ لا ينــجو منها أحدٌ. إنَّي لا أعرف ذاتي إلاَّ في الرقص على الجمرِ،

وفي تهديم العصرِ،

ولستُ أحاول

أن أعطيكِ سماء الفجرِ،

ولا مـــاء الينبوعِ، ولا أعــطي لـــربــيــع الأرضِ صـفــاتٍ منكِ، خرجتُ على النمط الشعريِّ السائدِ، ألغيتُ المألــوفَ، لأنَّكِ أنتِ المــطرُ).

هكذا كانَ الشعرُ عند الأستاذ الشاعر جميل الدويهي حاسَّةً خارقةً تحسنُ اقتناصَ اللحظةِ الشعوريَّة الهاربة وحالةً موزَّعةً على حقولِ الرؤى والجمال الصرف.

 

نمر سعدي/ فلسطين

 

jawdat hoshyarالشعب القاريء: خلال دراستي في موسكو في الستينات، لفتت نظري ظاهرة، نادراً ما نجدها في بلد آخر، على هذا النحو الصارخ، وهي أن الروس رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، يقرأون الكتب والصحف بنهم لا نظير له. ليس في المكتبات العامة والبيوت، والمدارس والجامعات، أو المكاتب فحسب، بل في كل مكان: في وسائط النقل، وفي طوابيرالأنتظار في المتاجر. وفي المنتجعات . وكان الروس يتفاخرون عن جدارة بأنهم الشعب الأكثر قراءة في العالم . ولا تهدف القراءة عندهم الى تمضية الوقت أو التسلية، بل أن المثقفين منهم يعتبرون الكتب  زاداً فكرياً وروحياً لا غنى عنه للأنسان . ولا زلت أذكر العبارة المنقوشة فوق بوابة " قصر الثقافة " التابعة للجامعة التي درست فيها: " تذكر أيها الطالب ان عليك التزود بالثقافة، لأنك لن تصبح إنساناً متكاملاً بالعلم والتكنولوجيا فقط " . كما أن المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم تتضمن قراءة وتحليل أهم ما أنتجه الفكر الإنساني من آداب وفنون . والروس مغرمون بتشبيه معارفهم وأصدقائهم بأبطال القصص والروايات من حيث طبائعهم وملامحهم . وهم يتخذون الكتّاب والشعراء مثلاً في حياتهم الروحية، ويتابعون كل ما يتعلق بنتاجاتهم ويومياتهم ورسائلهم وعلاقاتهم الأدبية والشخصية، سواء الأحياء منهم أم الأموات . ويزورون المتاحف التي كانت يوما ما مساكن لهم،والتي تضم أعمالهم الأدبية المنشورة والمخطوطة ومسودات نتاجاتهم، ومراسلاتهم، وصورهم في مختلف مراحل العمر، وكل ما يتعلق بهم . وهم يصغون باهتمام بالغ الى آراء الكتاب والشعراء، ويوجهون اليهم الأسئلة حول نتاجاتهم  خلال اللقاءات، التي تجري معهم سواء في قاعات الأحتفالات أو في وسائل الإعلام .

رحيل أي كاتب أوشاعر معروف على المستوى القومي يعد خسارة عظمى عند الروس، لأنهم يعتبرون الكاتب أو الشاعر معلماً للشعب. لذا فأن السلطة السياسية  كانت وما تزال تتوجس من الكتاب كثيراً وتراقب أعمالهم .

الحالات التي نوردها، في الفقرات اللاحقة عن مصائر عدد من ألمع الكتّاب والشعراء الروس المعروفين لدى القاريء، تعد  غيضاً من فيض، ولكنها تكفي للأبانة عن حال الأدب والأدباء في روسيا في  الماضي القريب .  

 

الموت واحد وان تنوعت اشكاله:

جرت العادة في روسيا عبر التاريخ أن يكون الشعراء من المعذبين في الأرض لأن الشاعر في روسيا هو أكثر من مجرد شاعر. لذا نتحدث أولاً عن تلك الفواجع، التي ألمّت بالشعراء الكبار.

الكساندر بوشكين، أعظم شاعر روسي، على مر العصور، تم نفيه مرتين، واصيب بجروح بليغة خلال مبارزة غامضة مع البارون جورج دي غيكّرن في 27 يناير 1837، وتوفي بعد ذلك ببضعة أيام.

ميخائيل ليرمنتوف، احد أهم الشعراء الروس بعد بوشكين. له العديد من الروائع الأدبية نثراً وشعرا . كتب وهو متأثر بمصرع بوشكين قصيدة احتجاجية رائعة بعنوان " مصرع شاعر "، هزت روسيا من أقصاها الى أقصاها . وحفظها ورددها المعاصرون مما أثار غضب السلطات التي قررت اعتقاله ونفيه إلى منطقة القوقاز . كانت حياته قصيرة خاطفة كالشهاب، حيث قتل خلال مبارزة مع نيكولاي مارتينيف في 27 أيلول 1841، عن عمر بلغ 27 عاماً. ويعتقد على نطاق واسع أن ليرمنتوف قتل برصاصة أخرى غير رصاصة مارتينيف . وعندما سمع القيصر نيكولاي الأول بمصرع الشاعر، قال شامتاً: "الكلب  لا يستحق سوى ميتة الكلاب" . وثمة شكوك بأن بوشكين وليرمنتوف قتلا بأمر القيصر تحت ستار المبارزة .

اما فيودور دوستويفسكي فقد حكم عليه بالإعدام لنشاطه الثوري ضد النظام القيصري، ثم تم تخفيف الحكم في آخر لحظة الى السجن مع الأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات، تلك السنوات التي راحت هدراً،من دون كتابة . ولا يزال سر موته المبكر لغزا.ً

بعد ثورة اكتوبر 1917 هاجر عدد كبير من خيرة المثقفين الروس من علماء ومفكرين وفلاسفة وكتاب وشعراء وفنانين الى خارج البلاد . ومارس النظام الستاليني ضد من بقي منهم في البلاد  شتى صنوف الترهيب والترغيب والترويض والإغراء . 

مات الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك في عام 1920 بعد ان  رفضت البلاشفة السماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج .

الشاعر سيرغي يسينين شنق نفسه في فندق (انكليتير) في لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) يوم 31 كانون اول 1925 وهو في الثلاثين من العمر . ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع التكهنات بضلوع ستالين في قتله، وهو الشاعر الأكثر شعبية والقريب الى قلوب الروس، الذين يحفظون شعره العاطفي المؤثر . و قد ترك في الغرفة التي شنق نفسه فيها قصيدة مكتوبة بالدم، لأنه لم يجد حبراً فجرح معصمه وكتب قصيدته، التي يقول فيها: " ليس جديداً في هذه الحياة أن نموت / وليس جديداً بالتأكيد أن نعيش" . وكان لرحيله،وهو في ذروة إبداعه الشعري أصداء هائلة في روسيا، فقد وصفه بوريس باسترناك قائلاً: "  لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلية، وأكثر عفوية، مَن هو أكثر وطنية و أفضل توقيتاً، مما هو سيرغي يسينين . وقال مكسيم غوركي:إن يسينين ما هو بالإنسان قدر ما هو كائن خلق من اجل الشعر حصرا. إما يفجيني يفتوشينكو فقال فيه: إن يسينين لم ينظم أشعاره بل لفظها من أعماقه.

 وعقب انتحاره انتشرت بين الشباب الروسي موجة من حوادث الإنتحار، فشنت السلطة حملة ضد ما سمي باليسينينية (بالروسية - يسينينشينا). وما يزال انتحار الشاعر أو مصرعه الغامض مثار جدل بين الباحثين والمثقفين الروس .

كتب الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة اثر انتحار يسينين يقول فيها: " في هذه الحياة ليس صعباً أن تموت / أن تصوغ الحياة أصعب بما لا يقاس". ماياكوفسكي اطلق الرصاص على رأسه من المسدس المهداة اليه من مخابرات الكرملين . ويقول المنظر الأدبي الروسي البارز فيكتور شكلوفسكي: " ان ذنب الشاعر ليس في انه اطلق الرصاص على نفسه، بل أنه اطلقها في وقت غير مناسب " .

مكسيم غوركي  مات في ظروف غامضة بعد رفض السلطة السماح له بالسفر الى الخارج لغرض المعالجة . ويقال انه جرى تسميمه، وان ستالين شخصياً كان ضالعا في قتله، لأن الكاتب الثوري الكبير كان مستاءاً مما يرى حوله من بؤس وظلم .

الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا، انتحرت في 31 اغسطس  1941. ولم يسترعي هذا الأنتحار الأهتمام، لأنه حدث  في بداية الحرب الدموية بين الأتحاد السوفييتي والمانيا الهتلرية .. وكانت قصائدها ممنوعة من النشر حتى اواسط الخمسينات، وهي تحتل اليوم مكانة بارزة في الأدب الروسي وتحظى بمقروئية عالية، خاصة بين النخب المثقفة .شعرها مشبع بالعواطف الجياشة حتى الثمالة، وكم رأيت من شاعرات روسيات يقرأن شعرها وهن يذرفن الدموع . 

- الشاعر اوسيب  مندلشتام  اعتقل بسبب قصيدة كتبها تحت عنوان " متسلق جبال في الكرملين " وتوفي في السجن. والشاعر كلوييف مات تحت التعذيب، اما الكاتبان المعروفان بيلنياك واسحاق بابل فقد حكم عليهما بالأعدام ونفذ فيهما الحكم سريعاً

عندما نقرأ عن هذه المصائر التراحيدية نتذكر قول فولتير: " اذا كان لي ابن، لديه ميل إلى الأدب، فان العطف الأبوي يدفعني الى ان الوي عنقه"

كان ستالين يقرأ أهم الأعمال الأدبية المنشورة، ويشاهد المسرحيات، التي تحظى بإقبال جماهيري . وقد شاهد مسرحية  " أيام توربين " من تأليف الروائي البارز ميخائيل بولغاكوف  عدة مرات، حين عرض على المسرح الفني في موسكو، ثم أصدر حكمه القاطع: " هذه المسرحية سُخرية من النظام وبولغاكوف ليس مِنا ". مات بولغاكوف بعد تعاطي جرعة كبيرة من المورفين .

عندما قرأ كتب ستالين في عام 1931 مسرحية (في المخزن) للكاتب أوليغ بلاتونوف في احدى المجلات الأدبية قال: " كاتب موهوب ولكنه وغد "  وارسل الى ادارة المجلة رسالة وصف فيها المسرحية بأنها حكاية عميل لأعدائنا، كتبت من اجل تشويه الحركة الكولخوزية".

في عام 1934 أنشأ ستالين (اتحاد الكتاب السوفيت) بعد حل كل الأتحادات والجمعيات  الأدبية الأخرى. وفرض الإتحاد الجديد على جميع أعضاءه الألتزام بما يسمى (الواقعية الإشتراكية)  وهو مصطلح عجيب - هل ثمة واقعية رأسمالية أو مسيحية، لتكون هناك واقعية إشتراكية؟ . وكانت حصيلة هذه السياسة البلهاء هي قتل (182) عضواً - أي ثلث اعضاء المؤتمر التأسيسي للأتحاد - في السجون والمعتقلات خلال السنوات القليلة التي أعقبت المؤتمر .

 كان الروائي الكسندر فادييف ولسنوات طويلة على رأس إتحاد الكتّاب، و كان مؤمنا بالأشتراكية،وشديد الأخلاص للحزب ولستالين شخصيا، ويؤمن بأن كل ما يفعله ستالين هو لخدمة المستقبل الإشتراكي للبلاد . وبعد المؤتمر العشرين للحزب في عام 1956، حين اتضح له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين،  لم يتحمل الضغط  النفسي الشديد. وبات دائم القلق، معذب الضمير . و يتمنى أن يموت اليوم قبل الغد، فأطلق الرصاص على نفسه ليرتاح كما جاء في الرسالة الموجهة الى اللجنة المركزية للحزب، والتي كتبها قبيل إنتحاره .

 

الكتاب والشعراء الروس في فترة " ذوبان الجليد ":

قضية الشاعر بوريس باسترناك، الحائز على جائزة نوبل لللآداب في عام 1958 عن روايته " دكتور زيفاكو"  ما زالت طرية في أذهان جيلنا . حيث تعرض الى حملة تشهيرية واسعة، أصبح بعدها انسانا محطما، وسرعان ما اصيب بسرطان الرئة الذي لم يمهله طويلاً، وتوفي في عام 1960 .

اما الشاعر جوزيف برودسكي فقد اعتقل بتهمة نشر اعماله في الخارج، وتم احتجازه في مستشفى للأمراض العقلية .ثم حكم عليه  بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات . وفي 12 أيار 1972 طردته السلطات الى خارج البلاد بعد نزع الجنسية السوفيتية عنه . وهو شاعر موهوب نال جائزة نوبل لللآداب لعام 1987، وكان عمره آنذاك 47 عاماً أي اصغر أديب حاصل على هذه الجائزة الرفيعة .

في عام 1968  حين نشر ألكساندر سولجينيتسن روايتيه "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" في الخارج، وصفته وسائل الإعلام السوفيتية بـ (الخائن) . وعلى اثر حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1870، فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، وفي عام 1974  نزعت عن الجنسية السوفيتية وطرد الى خارج البلاد .

قال سولجينيتسن خلال لقائه بأحد الكتاب الروس الرسميين: " انتم تعاتبونني لأن كتاباتي تنشر في المجلات السرية، ويجري استنساخها. والناس يقرأونها باهتمام، وتنتقل من عائلة الى أخرى،ولكن من منكم يستطيع ان يتفاخر ان كتبه التي تطبع على حساب الدولة بآلاف النسخ، تقرأ من قبل الجمهور وتنتقل من عائلة الى أخرى؟ لا أحد . هل تعرف لماذا؟. أنا أقول لك: لأنكم تكتبون حسب الإيعازات من فوق، ولكن الكاتب الحقيقي لا يكتب بإيعاز من أحد، بل بإيعاز من روحه وعقله، وضميره ".

وأخيراً أين هم الآن الكتاب السوفييت من مدرسة الواقعية الإشتراكية؟ لا أحد يتذكرهم، ولا أحد يقرأ لهم في روسيا اليوم .

 

diaa nafieالحلقة الواحدة والاربعون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية - الحكمة في الرأس وليست في اللحية .

التعليق – يضرب للسخرية من بعض الناس الذين يستخدمون اللحية لاضفاء الحكمة والمعرفة والوقار على انفسهم وهم في واقع الحال ليسوا كذلك بتاتا، بل وبعيدون كل البعد عن تلك الصفات، وما أكثر هؤلاء في كل المجتمعات ! .

 

الترجمة الحرفية – رجل واحدة هنا، والاخرى هناك.

التعليق – يضرب عند الطلب للاسراع بانجاز المهمات وعدم التلكؤ المتعمٌد بتنفيذها، وغالبا ما يستخدم المدراء هذا المثل لحث موظفيهم على تسريع الاعمال .

 

الترجمة الحرفية – مرة واحدة ليست في الحساب.

التعليق – معنى المثل واضح، ويضرب في التقليل من اهمية وقيمة اي شئ يحدث لمرة واحدة ليس الا، وبالتالي فأن هذا الامر لا يستحق ان نأخذه بنظر الاعتبار .

 

الترجمة الحرفية – ولهذا فان الكوسج في البحر، كي لا يغفو السمك.

التعليق – يضرب لضرورة الحيطة والحذر الدائم، اذ ان الاخطار يمكن ان تظهر فجأة وبشكل غير متوقع . ارتأينا في الترجمة الحرفية للمثل استخدام كلمة (الكوسج) بدلا من كلمة (سمك الكركي)، واستخدام كلمة (السمك) بشكل عام بدلا من كلمة ( نوع خاص من سمك الشبوط) كما جاء في النص الروسي، وذلك لتقريب المثل للقاريء العربي . يترجم جابر هذا المثل كما ياتي – (اذا غاب القط لعبت الفئران)، وهي ترجمة صحيحة طبعا، ولكنها بعيدة بعض الشئ عن بنية المثل الروسي . نظن ان المثل العربي – (الحذر يقيك الضرر) هو الاقرب – بشكل او بآخر – للمعنى العام والشامل لهذا المثل الروسي.

 

الترجمة الحرفية – ليست السعادة بالنقود.

التعليق – معنى المثل واضح، ويضرب في عدم ربط سعادة الانسان بامتلاك الثروات وانما بعناصر كثيرة اخرى في الحياة، وهو مفهوم واسع الانتشار عند العديد من البشر .

 

الترجمة الحرفية – لا تعرف اين تجد واين تفقد.

التعليق – يضرب لعدم معرفة الانسان متى يحصل على مكاسب له، او متى تحدث خسائر غير متوقعة بتاتا في مسيرة حياته . لنتأمل الآية الكريمة والعميقة – (..وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ..).

 

الترجمة الحرفية - بيتي على جانب، ولا اعرف اي شئ.

التعليق – يضرب عندما يتجنب الانسان اتخاذ اي موقف محدد (سلبا او ايجابا) تجاه اي شئ يحدث حوله . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – (لا شأن لي بذلك)، وهي ترجمة تفسيرية صائبة لمعنى المثل.

 

الترجمة الحرفية – لا تبصق في البئر، اذ تحتاجه للارتواء بالماء.

التعليق – معنى هذا المثل العالمي واضح، ويضرب في عدم الاساءة الى الى كل شئ يحتاجه الانسان في الحياة ومن اجل الحياة . يترجم جابر هذا المثل هكذا – لا تبزق في الصحن الذي تأكل منه، وهي ترجمة تفسيرية صحيحة. استقر هذا المثل العالمي بالعربية كما يأتي – لا تبصق في البئر فقد تشرب منه يوما .

 

الترجمة الحرفية – لا تبحث في القرية، بل ابحث في اعماق نفسك.

التعليق – يضرب للشخص الذي اخطأ ولا يريد الاعتراف بهذا الخطأ ويحاول ان يجد التبريرات هنا وهناك، متناسيا ان - (الاعتراف بالخطأ فضيلة) .

 

الترجمة الحرفية – النقود تحب الاذكياء.

التعليق – معنى المثل واضح على الرغم من التورية في بنيته، ويضرب للتأكيد على ان الانسان الذكي فقط هو الذي يقدر ان يحصل على النقود والثروة ويحافظ عليها، اما الانسان غير الذكي فهو الذي لا يقدر على ذلك، وبالتالي فان (الحب متبادل فعلا!) بين الاذكياء والنقود !.

 

الترجمة الحرفية – الحياة ليست حجرا، وفي مكان واحد لا ترقد، وانما تركض الى أمام.

التعليق – مثل فلسفي جميل، يضرب في طبيعة الحياة المتحركة ابدا، وان الانسان يجب ان يأخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار دائما، اذ (لا يستطيع الانسان ان يسبح في نفس ماء النهر مرتين) .

 

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، والذي سيصدر قريبا في بغداد عن (دار نوٌار للنشر).

 

faroq mawasiمن القراء من يسأل الشاعر: أين القصيدة الجديدة؟.. وكأن الشاعر عليه أن يضغط على زر، فتولد القصيدة، أو كأن القارئ اطلع على القصائد السابقة فارتوى منها، ولم يكتفِ.

من جهة أخرى ما أكثر الشعراء عددًا، وما أقلهم نتاجًا ذا مستوى يُذكَر، فجلّهم إن لم يكونوا كلَّهم يدّعون السبق، وأنهم من الصفوة الأولى، لكن التاريخ أو المجتمع بعد حين من الدهر يبقي ويذر، ولا بد أن يُميَّز بين الشاعر الشاعر وبين كاتب الخواطر، كما يُغربَل القمح من الزؤان.

سئل ديوجانس –صاحب المصباح الذي أضاءه في النهار- عن أشعر اليونانيين، فقال:

 "كل واحد عن نفسه، وهوميروس عند الجمهور".

في رأيي أن لفظة (الجمهور) في قول الفيلسوف يجدر أن تكون بالمعنى الذي خصّه الفقهاء، واللفظة تعني لديهم العلماء أو أشراف الناس، وهذا المعنى الذي أحب أن يكون هنا في جواب دياجانس، وليس الحُكم لكل من هبّ ودبّ.

أقول ذلك وأنا لا أختلف مع حكم جمهور الشعب لدى اليونانيين بأن هوميروس هو الأشعر.

أما عن الكثرة والقلة في الإبداع، فليس الأمر مقيسًا بهما، فمن الشعراء من اشتهر بقصيدة يتيمة، أو فذّة، ومن الشعراء من له أربعون مجموعة ولا يعرف اسمه إلا القليل الأقل.

أعجبتني في هذا السياق حكاية إيسوب الجميلة:

"اختلفت البهائم في أن أفضلها أكثرها أولادًا في البطن الواحد، فقصدت إلى اللبؤة لمعرفة رأيها، فقالت:

ألد واحدًا، ولكنه شبل... لكنه أسد!

إن قيمة الشعر- ما نشر منه سابقًا أو سينشر لاحقًا- تُحدد بنوعه وبمستواه، وبتأثيره في القارئ، واستيعائه، وكذلك في فاعليته وتركه أثرًا ما.

 

faroq mawasiثمة أجوبة قاطعة تدل على ذكاء المجيب وحضور بديهته، حتى يصح التعبير "مُفحِم" أي يجعل السامع على سبيل التشبيه- كالفحم وقد انطفأت ناره.

هذه الأجوبة تسمى "الأجوبة المسكتة"، وقد صدر كتاب ابن أبي عَون تحت هذا العنوان، بتحقيق ابنة الطيبة (طيبة بني صعب) ب. مي أحمد يوسف- المحاضرة في جامعة اليرموك.

هذه الأجوبة ترِد كثيرًا في كتب الأدب القديم، وقد صدر لأبي عيسى الوراق كتاب "الأجوبة المسكتة"، وقد وردت أيضًا بأسماء مختلفة منها "الجوابات المسكتة الحاضرة".

كنت اطلعت على كتاب "المستطرَف في كل فن مستَظرَف" للأبشيهي – الباب الثامن، وهو تحت عنوان "في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورَشَقات اللسان وما جرى مجرى ذلك"، ومنه  أختار لكم ما سبق أن اخترته في تمرينات كتاب "الجديد في قواعد العربية" للصف العاشر:

"أخذ عبد الملك بن مروان بعض أصحاب شَبيب الحارثي، فقال له:

ألست القائل:

ومنا شريدٌ والبُطينُ وقَعْنَبٌ ***  ومنا  أميرُ المؤمنين شبيبُ

قال: يا أميرَ المؤمنين إنما قلت- ومنا أميرَ المؤمنين شبيب، وأردت بذلك مناداة لك" – ص 80-  وكنت أوردتها ولا أذكر المصدر في حينه:"ومنا سُويْدٌ والبَطينُ...."

وثمة قصص طريفة ظريفة أخرى.

من أجوبة الرسول الفصيحة ما جرى من حوار بينه  وبين عائشة أم المؤمنين:

- ما عندكِ منها؟ (من الشاة التي تصدقت بها)

-  ما بقي منها إلا كتِفٌ.

- كلّها إلا كتفًا.

- أخرجه الترمذي (2470) وأحمد (6/50).

مما يذكر في سرعة جواب المتنبي وقوة استحضاره أنه حضر مجلس لوزير، وفيه أبو علي الآمدي صاحب "الموازنة بين الطائيين"، فأنشد المتنبي:

إنما التهنئات للأكْفاء *** ولمن يدّني من البعداء

فقال الآمدي: التهنئة مصدر، والمصدر لا يُجمع.

فقال المتنبي لشخص كان إلى جانبه:

أمسلم هو؟

فأجابه الرجل: سبحان الله! هذا أستاذ الجماعة.

قال المتنبي: إذا صلى المسلم وتشهّد أفلا يقول:

"التحيات"؟

(لسان الميزان- لابن حَجر العسقلاني، ج1، ص 161- ترجمة رقم 511)