تكريم الشاعر يحيى السماوي

حوار مفتوح مع الشاعر يحى السماوي (2)

53القسم الثاني من الحوار المفتوح مع الشاعر يحيى السماوي في ذكرى تكريمه من قبل صحيفة المثقف، وقد اجاب الشاعر فيه على اسئلة كل من: جهينة الترك، صالح الرزوق، سعيف علي، محمد جمال مصطفى 

س12: جهينة الترك، (شاعرة / العراق)اجدك كلاسيكيا في  بنائك الشعري حتى في قصائدك التفعيلية وأيضا ما تصطلح عليه بالنثر الفني، بينما من أول مسلمات الشعر هو التمرد على واقع الأقننة اللغوية في  واقعها القاموسي .. لمَ كل هذا الإيغال بالتقليد المستهلك الذي أصبح من مهملات العصر الشعري الحديث؟.

  ج 12: إذا كنت تقصدين بـ "كلاسيكية هيكل القصيدة العمودية "  أو قصيدة التفعيلة، فأنت مصيبة تماما لأن القصيدة العمودية ستبقى ملتزمة بنظام الشطرين أو النظام البيتي، وستبقى قصيدة التفعيلة تعتمد نظام توزيع التفعيلات الموزعة على السطور دون التزام بعدد معين وقافية ثابتة ... أما إذا كنت تقصدين بناء الجملة الشعرية وطريقة نسجها  والخروج عن المعنى القاموسي للمفردة لتأخذ معنى آخر من خلال علاقتها بباقي مفردات الجملة الشعرية ـ غير معناها القاموسي ـ فأنت لستِ مصيبة  إذا أخذنا بنظر الاعتبار ماقاله النقاد الذين كتبوا آراءهم حول تجربتي الشعرية المتواضعة ـ وهؤلاء النقاد هم رموز الحركة النقدية الراهنة أمثال د .علي جواد الطاهر ـ طيّب الله ثراه ـ ود . عبد الله الغذامي ود . صلاح فضل ود . عبد الرضا علي و د . عبد العزيز المقالح و د . غازي القصيبي ود . عبد الملك مرتاض ود . حسين سرمك حسن ود . ثائر العذاري و د . مقداد رحيم و د . صدام فهد الأسدي وفاروق شوشة ولامع الحر ود . عبد الله باقازي و د . جميل مغربي وآخرين ممن أهتدي بقناديلهم وأنا أغذ السير نحو القصيدة الأكثر نضجا من قصائدي السابقة .. فثمة فيهم الكثير ممن قال إنني من المجددين في داخل القصيدة العمودية (وأنا لا أشكك بمايقولون لأنهم أعرف مني بمفهوم التجديد ... الشاعر ـ كل شاعر ـ يكتب القصيدة كالسائر في نومه، محلقا ً في فضاء الأخيلة ـ بينما الناقد يقف على أرض اليقظة متابعا هذا التحليق، فهو أعرف منه بطبيعة تحليقه وبالمطبات الهوائية التي قد تلقي به من علٍ حين لاينتبه إليها في تحليق قادم) ... طريقة نسج الجملة الشعرية هي التي جعلت القارئ يشعر أن الحبيبة في قصيدة " لماذا تأخرت دهرا عليّا " مثلا ليست من لحم ودم ـ إنما: من ماء وتراب وضوء ـ وهذا ليس المعى القاموسي لكلمة الحبيبة .

 

س13: جهينة الترك:كلامك سيكون مصيبا لو أنك قلت "الأقنعة اللغوية" وليس "الأقننة اللغوية "فالقانون اللغوي كالقانون الرياضي وإلآ لما سُمّيَ بـ "القانون".

 

س 14: جهينة الترك:كيف تقيم الواقع الثقافي العراقي في ظل التمزق الذي يعيشه العراق الأن، فهل استطاع التنور الثقافي الامريكي بجانب الثقافات الطائفية من التهام مدونات الكلمة الوطنية؟.

ج 14: بدءا: أنا  لا أؤمن بهذا المصطلح الفضفاض " التنوير الثقافي الأمريكي " ... السياسة الأمريكية سياسة مصالح رأسمالية كولونيالية ... إنها الوجه الجديد لـ " سبارطة القديمة" ... تريد تركيع العالم أمام جبروتها العسكرتاري والرأسمالي  ... تريد من الشعوب أن تبقى مستهلكة لمنتوجاتها وأن يكون " البيت الأسود " في واشنطن المدار الشمسي  الذي تدور حوله أفلاك المنظومة الدولية حتى على صعيد الثقافة ... أي تنوير هذا الذي تتحدثين عنه بالنسبة لوحش ٍ يُهدي لأسرائيل آخر مبتكرات أسلحة الإبادة البشرية ويُهدي للضحايا والمشردين التوابيت والخيام؟

أما الثقافات الطائفية ـ فهو أيضا مصطلح غير صحيح .... الثقافة إفراز لفعل إنساني وهدف إنساني، بينما الطائفية هي إفراز لفعل غير إنساني وهدف غير إنساني ... الثقافة والطائفية نقيضان متنافران أبدا يستحيل جلوسهما بوئام تحت مظلة واحدة .... هنالك ممارسات وأفكار طائفية وليست ثقافة طائفية ... هذه الممارسات والأفكار أخطر على العراق من كل الأوبئة ... إنها أخطر على العراق حتى من دبابات البنتاغون وقنابله الذكية ـ الذكية جدا والتي تميّز ملجأ العامرية عن مبنى  مجلس قيادة الثورة المقبور (بالمناسبة: أمريكا هي التي غرست بذور الوباء الطائفي في العراق  من خلال الثغرات القاتلة التي أصرّ بريمر على وضعها في الدستور)...

ارجو ألآ يفاجئك قولي إن قصائد المتنبي والبحتري أكثر حداثة من شعرنا الراهن ... وأن قصيدة " المقصورة " للجواهري العظيم هي أكثر عصرنة من جميع قصائد جيلي ... فالعصرنة لاتعني استبدال الجينز بالدشداشة أو ساندويشة المكدونالد بحساء البامياء، ولا تعني رفع المفعول به ونصب المضاف إليه .

 لي يقين أنّ الثقافة الوطنية العراقية ستردم مستنقع الفكر الطائفي ردما حاسما .. فالشعب العراقي شعب غير طائفي ـ بل والتراب العراقي تراب غير طائفي بدليل أنه ضمّ جثمان سيد شهداء الأزمنة والعصور الحسين عليه السلام والإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ـ وتباهى بوجود كنيسة العذراء في البتاويين على مبعدة أمتار من الجامع ...

 

س 15ـ جهينة الترك:اراك قد خسرت الكثير بين شعراء الحداثة، بعد سجالاتك مع د علي الجميلي  حول اشكالية الجوازات في الشعر في رأيك المتزمت  ويتوقع البعض بأنك قد ضربت عرض الحائط أراء كبار اللغويين والمهتمين بلغة الشعر وهم اساتذه معروفون، ماذا ترد على من يجد في رأي الجميلي صوابا وأنا منهم  كشاعرة شابة؟.

ج 15: أعتز كل الاعتزاز برأي الأخ الأديب د . علي الجميلي ... لكنني في نفس الوقت لست مستعدا ً أن أحبّ أخي وأكره ربي ..  أقصد: لست مستعدا ً التضحية بالثوابت اللغوية التي تعلمتها ودرست قوانينها لأكسب مرضاة بعض شعراء الحداثة (ولو أنني أشكّ بذلك ... أشكّ بما ذهبتِ إليه ... فقولك هذا يفضي إلى نتيجة مفادها أن شعراء الحداثة مع التخلي عن الثوابت الأساسية للغة وهذه تهمة كبيرة ينفيها كبار ورموز الحداثة العربية مثل أدونيس وأنسي الحاج وجورج أبي شقرا ... شعراء الحداثة يولون الثوابت الأساسية للغة اهتماما كبيرا ... أتحداك أن تجدي لي في كل شعر أدونيس وسيف الرحبي ويوسف الخال وأنسي الحاج وناديا تويني وسرجون بولص خروجا على هذه الثوابت) .

 الأخ د . علي أورد شواهد .. وأنا أوردت أخرى ... هو اقترح وارتأى، وأنا أبنت وبررت ... القاعدة في حال الخروج عن الثابتة النحوية تنصّ على (وجود تخريج نحوي ـ حسب رأي سيبويه والفراء والفراهيدي وواضعي ضوابط الضرائر الشعرية) ... كلمة " ضرورة " تعني شرطا محددا ... حتى في القران الكريم يوجد تفصيل وشروط للضرورة كما في قوله تعالى حول اضطرار المسلم لعدم الصيام: (أياما معدودات ٍ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ... فضرورة الإفطار في غير موعده مشروطة بالمرض والسفر ... وضورة الإحلال بالقاعدة النحوية كضرورة مشروطة أيضا بتخريج نحوي لايتنافى مع القاعدة النحوية  (بالمناسبة: هذه الآية الكريمة تتضمن شاهدا  من شواهد الضرورات الشعرية وهو  قول الله تعالى "أخر" ولم يقل "أخرى" أو "أخريات"  والشاهد فيها هو: مراعاة صيغة الجمع في الموصوف مع طلب خفة اللفظ ... فالصفة يجب أن تشابه الموصوف إفرادا وتثنية وجمعا وجنسا ً ..

 

س16: جهينة الترك:من تجد سيخلفك في قصيدة العمود، هل تسم لنا بعص الاسماء التي تجدها كفؤة بالشعر العمودي .. الى جانب ذلك من هي الأسماء التي تثيرك قرائيا في قصيدة النثر؟

ج 16: هذا السؤال أكبر من حجمي يا ابنتي ... لو قلتِ مَنْ سيخلفني على بيتي وسيارتي ومكتبي ودراهمي المعدودات  لأجبتك: زوجتي وابني علي وبناتي الشيماء ونجد وسارة ... أما الشعر، فما أنا  فيه أكثر من مجرد " كلمة " غير ذات معنى ... كلمة تحاول أن تكون جملة مفيدة في ديوان الشعر العربي ـ وأظنني سأغفو إغفاءتي الأخيرة وأنا مجرد كلمة ... لستُ أفضل شاعرية من غيري ... الشعراء كلهم يُكمِل بعضهم الآخر ...

أما مَنْ الذين أقرأ لهم، فالصدق أقول إنني أقرأ لكل مَنْ يكون شعره في متناول ذائقتي ويدي وبصري ... الغربة الطويلة جعلتني لا أطلع على شعر شعراء عراقيين  مذهلين مثل حسين القاصد ومحمد البغدادي وعمر السراي وعمر العناز  ومثلائهم . أما بالنسبة لقصيدة النثر فأقرأ للأصدقاء  سيف الرحبي ووديع سعادة والفقيد سرجون بولص وهادي الناصر وفائز حداد وجواد الحطاب وعدنان الصائغ وباسم فرات وفليحة حسن ورسمية محيبس و باسمة باطولي وناديا تويني  وأحمد يحيى وضحى بوترعة وسعدي عبد الكريم وسلام كاظم فرج وجمال جلاصي ومراد العمدوني وآخرين كثيرين ـ (المؤكد أنني سأحزن بعد قليل لتسرعي بالإجابة ونسياني شعراء رائعين أركض وراء نصوصهم)  وقد لفتت انتباهي الشاعرة الواعدة هبة هاني والإبنة بلقيس الملحم  ... أعتقد أن الغد القريب سيشهد أشجارا شعرية عراقية سامقة في بستان قصيدة النثر العربية ستحجب  ـ تحجب وليس تلغي ـ الكثير من القامات الشعرية  ... شباب قصيدة النثر اليوم هم رموزها غدا ...

 

س17: جهينة الترك:ما رأيك باشكالية المصطلح الشعري كالشعر النسائي والتجييل وشعراء الداخل وشعراء الخارج وغيرها .. وماذا تشكل الإصطلاحات في العملية الشعرية؟

ج 17: أنا ضد تداول هذه المصطلحات .... كفانا تقسيمنا إلى شيعة وسنة، وأكراد وعرب، ومسلمين ومسيحيين، فلماذا نضيف تقسيما آخر للجسد الانساني الواحد؟ هل يختلف شعور المرأة بالفرح أو الحزن عن شعور الرجل بهما؟ وهل السيارة المفخخة التي حصدت مئات الأجساد العراقية البريئة قد فرّقت بين جسد المرأة والرجل؟ هذا المصطلح من مخلفات مجتمعنا الذكوري، يتوجب علينا طرده من قاموس ألفاظنا ...

 وأما بالنسبة لتجييل الشعراء فأنا لا أؤمن به أيضا ... هل يمكنك وضع المتنبي في قلعة جيل معين وهو الذي لازال حيّا حاضرا في عصرنا منذ أكثر من ألف عام؟ وماذا عن الجواهري والسياب والبياتي ومحمود درويش ونزار قباني؟

 شكرا لك مع تمنياتي لحديقة شعرك بورود إبداع ولا أشذى

 

س18: صالح الرزوق (كاتب ومترجم):ما هي طبيعة المؤثرات في شعرك .. عراقية أم عالمية؟ 

ج 18: في كتابي  نصوص نثرية "جرح باتساع الوطن" الصادر عام 1993 كتبت:

كل كتب الفلسفة التي قرأتها..

والمناشير السرية  التي تداولناها خلسة ً

لم تعلّمني مثلما علّمني إياه كتابُ الجوع

والسوطُ الذي حرث ظهري

 الذي أقصده عبر السطور أعلاه، هو أنّ حيوات الناس هي معلمي الأول ... وأعتقد أننا لولا سياط القهر والتعسف والإستبداد، ما كنا  سنبحث عن حرير  الحرية ...  أقسم أنني تعلمت من " حمادة الحمّال " الذي تعرض للضرب المبرح لأن حماره تبوّل تحت جدارية صدام حسين أكثر مما تعلمته من كتاب " سقوط الحضارة " للروائي والفيلسوف العالمي " كولن ولسون " ... وتعلمت من بلاغة " الصحيفة السجادية "  أكثر مما تعلمته من كتاب " الحلقة المفرغة " لـ " جان بول سارتر " ...  الفقر والاضطهاد أذكى المعلمين ياصاحبي الأديب .

 

س19: صالح الرزوق: ما هو الكتاب الذي تعود لقراءته مرارا؟

ج 19: على صعيد الشعر فدواوين  المتنبي والبحتري وأبي تمام وأبي نؤاس والجواهري ... قد لا أكون مبالغا إذا قلت إنني قرأت ديوان المتنبي  أكثر من خمس مرات ـ وفي كل مرة أتعلّم شيئا جديدا  ... الأمر نفسه لكتاب " نهج البلاغة " ـ وقبل ذينك الكتابين "القرآن الكريم" أقرأه دراسة ً نحوية وبلاغية  وليس فقها ً أو تديّنا .. اليوم مثلا  كنت أستمع لتلاوة قرأ  فيها القارئ سورة المائدة فاستوقفني قول الله تعالى " أتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " فالذل بمعناه القاموسي هو عكس العزّ والكرامة ـ فهل يُعقل أن الله تعالى يريد للمؤمنين أن يكونوا غير أعزاء؟  إذن لابدّ أن يكون معنى الذل في الآية يدلّ على الرفعة والعز والكرامة وليس كما وردت كلمة أذلة بمعنى الإهانة وعدم الكرامة في سورة النمل من قوله تعالى: " قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ "  ... بحثت في جميع اشتقاقات الفعل الثلاثي المجرّد " ذلّ " فاتضح أن المصدر منه  قد  يُفيد الرحمة والرفق والتواضع واللين والطاعة التامة .... ويبدو أن هذا المعنى هو ما أراده الشاعر القديم بقوله:

تعصي الإلهَ وأنت تزعم حبهُ؟

هذا لعمري في القياس شنيع ُ

 

لو كنت تصدق حبه لأطعته

 إن المحبَّ لمن يحب مطيعُ

 

شكرا لك سيدي الأخ الأديب المبدع .

 

س20: سعيف علي (قاص وشاعر/ المغرب):استاذي القدير يحيى السماوي، هل استطاع يحيى السماوي ان ينحت تمثاله؟

ج 20: سيستحيل عليّ نحت تمثالي ياسيدي الأخ الأديب لأن القصيدة المثال ستستحيل عليّ كتابتها ... وأظنني إزاء هذه القصيدة المثال سأبقى مثل نخلة تفرع وسط الريح : جذري في مكان وظلي في مكان آخر ... أقصد سأبقة تلميذا يحبو على أرصفة الشعر ماحييت ..

 

س21:سعيف علي:هل تعتبر انكم استطعتم تكوين عالمكم الشعري

ج 21: الان ـ وقد دخلت بوّابة كهف الستين من العمر ـ أشعر بثقة تأخذ شكل اليقين من أنّ عالمي الشعري لن يكون على الورق ، إنما : في الواقع الحياتي ... هذا العالم الشعري سيتحقق حين تتحقق العدالة والوئام في المحيط الانساني وحين تنتهي لفظة الـ " آه " من قاموس ألفاظنا ... سيتحقق  حين نكفّ عن التمني بتحقق كل الأمنيات فتغدو المحبة خبزنا وكوثرنا وعطرنا وتُمسي   البندقية والقنبلة والخنجر أشياء من الماضي أو " ديكورا  فولوكلوريا " فنحمل بدلا منها الوردة والقلم ومنديل العشق ويصبح الكون جنة ً أرضية .... ربما هذا ماكنت أقصده في قصيدة قديمة أتذكر منها :

مَنْ يُنقِذني مني ؟

كلّ مساء ٍ ـ حين عصافيرُ النوم تُهدْهِدني :

يَسْـتفحِلُ بيْ خوفي

ويؤرّقني أنَّ الحلمَ ظباءٌ

واليقظة َ ذئبٌ ضلّيلْ

أحلمُ لو أني

سأشاهدُ آخرَ مشهد ِ قتل ٍ

يُصبحُ فيه الفقر ُ قتيلْ

حيث يكون الحبُ مياها ً

والضحكةُ قنديلْ ..

 شكرا لك أخي الأديب ... فلك مني شكر المحب الممتن وامتنان الشاكر المحب .

 

 س22: محمد جمال مصطفى (جامعة بغداد):يتحدث الشعراء عن طقوس خاصة ابان كتابةالقصيدة، هل للشاعر يحيى السماوي طقوسه عند كتابته النص الادبي؟

ج22: القصيدة أخي الفاضل كالمرض وكالحلم : تأتي دون موعد مسبق .. قد تفاجئ الشاعر وهو  يتبضّع في السوق أو  على مائدة الطعام  أو  وهو يلتحف الرمال في خيمة لايعرف متى تقتلعها عاصفة رملية كالذي حدث لي في معسكر رفحاء حين كتبت قصيدة " الإختيار " ... لاثمة طقوس لكتابة القصيدة ... يحدث أحيانا ً أن أجلس على أريكة وثيرة في مكتبي أو على أرجوحة في حديقة المنزل ، أو  أتجول في غابة تفيض خضرة فأستجدي القريحة حفنة أبيات أو مقطعا صغيرا فلا تتصدّق به عليّ  ـ بينما حدث لي أن كتبت قصيدة غزلية جميلة حين كنت موقوفا في حجرة مرافق صحية مهملة في معاونية أمن السماوة ... حجرة تسفّ قملا ً وصراصيرَ وفئرانا ً  وتفوح منها رائحة كريهة ومقززة  ...

 

س23: محمد جمال مصطفى:ما هي المؤثرات الفاعلة في ولادة القصيدة لدى الشاعر ؟

ج 23: أحيانا ً أودُّ الصراخ بوجه طاغية أو محتلّ أو صاحب لحية مخضّبة بالديناميت استنكارا لفعل تعسفي ـ فتخونني الحنجرة .. وأحيانا تحاصرني رغبة جنونية للبكاء غير أن نضوب  دموع عينيّ يحول دون ذلك ... وأحيانا تراودني الرغبة في ممارسة طفولتي التي لم أعشها بعد لكنّ وقار الرجولة المستعار  يمنعني ... وأحيانا  تستفزّ  ورود الجمال فراشات مقلتيّ لكنّ الخشية من  هراوة الحرس القبلي تحملني على خنق فراشاتي خلف الأجفان ... وفي كل هذه الحالات : ألجأ إلى الشعر أو النثر  باعتباره المعادل الموضوعي لذلك الإحباط بالنسبة لإنسان لايمارس حريّته إلآ على الورق .

 

س24: محمد جمال مصطفى:كتب الشاعر يحيى السماوي مذكرات جندي الرقم (..) ثم قطعها فجأة، لماذا، هل لنا معرفة الاسباب الحقيقية وراء ذلك، علما انها مذكرات تؤرخ فترة مهمة من تاريخ العراق؟

ج 24: أصدقك القول أخي العزيز إنني كنت أخشى  أن يكون الأشخاص الذين ذكرتهم يرفضون ذكر أسمائهم الحقيقية ... لقد أخطأت حين نشرت بعض الفصول دون استئذانهم ..و أظنني سأبدأ  نشرها بعد انتهائي من طبع مجموعتي الجديدة " لماذا تأخرت دهرا ؟ " فقد تحدثت مع عدد من الأشخاص المعنيين ممن وردت أسماؤهم فوافق بعضهم وطلب البعض أن أذكرهم باسماء مستعارة .

 

س25: محمد جمال مصطفى:هل ما زال السماوي وفيا لمبادئ اليسار الذي منحه كثيرا من جهده وعمره، وضحى من اجلها حتى دخل السجون وسكن المنافي؟

ج 25: سأجيبك عبر تورية ولي يقين أنك لا تحتاج إلى شرح مباشر :

 كتبت في أحد نصوص مجموعتي النثرية "شاهدة قبر من رخام الكلمات" عن راعي اليمين و" هبله " الأعلى:

ما يلوحُ في الأفق

ليس " بيتا ً أبيضَ " ..

إنه : جبلٌ من أكفانِ ضحاياه ..

قبرٌ رخاميٌّ

ترقد فيه جثامينُ العدالة ..

تِلالٌ من الملح

مُهيّأةٌ لنثرها في جراح الشعوب ..

 

لو كنتُ طاعونا ً

لاتّخذتُ من البيت الأبيض

حقلا ً لمنجلي !

أوشك أنْ أؤمن

أنَّ اللهَ

يحبُّ العبدَ

على قدر كراهته

لآلهة البيت الأسود في واشنطن

 

 وإذن ياصاحبي؟ هل يمكن أن يكون يمينيا ً القلب الذي يتمنى أن يصنع من نبضه نعلا ً لقدَمَيْ أمير الصعاليك " عروة بن الورد " ؟ 

 شكرا لك بحجم ماتبقى في حقيبة عمري من زمن لم أعشه بعد .

 القسم الاول من الحوار

القسم الثالث من الحوار 

...........................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف تكريم الشاعر يحيى السماوي، الخميس 1/1/1431هـ - 17/12/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2009-12-18 19:45:22.