 أقلام حرة

جاسم الصفار: بين الثورة والردة

جاسم الصفار"بين الثورة والردة" خاطرة كتبت بمناسبة الذكرى السنوية لثورة 14 تموز، أو ان شئت انقلاب 14 تموز الوطني الثوري، فلا أهمية عندي للتوصيف، خاصة وأننا أمام حدث تاريخي كبير لن يقلل من كبره وعظمته توصيفات خيول الروم. تجدر الإشارة الى أن الحكاية التاريخية التي اسردها في الخاطرة هي من الحكايات التاريخية الشهيرة، وقد أشار اليها المفكر كولن ولسن في أحد كتبه. أتمنى أن تنال اعجابكم.

بين الثورة والردة

في كتابه (سيكولوجية الثورة) يشير جوستاف لي بون الى "إن العقائد المتناقضة لا تبقى متقابلة من غير أن تتصادم عندما تشعر إحداها بقدرتها على قهر الأخرى". والفهم الصحيح لنظرية المفكر العبقري كارل ماركس عن "وحدة وصراع الاضداد"، يدلنا على أن التقدم، والتخلف كذلك، لن يحصل نتيجة للحفاظ على التوازنات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل نتيجة لتجاوز تلك التوازنات والانتقال الى معادلة توازنات جديدة، يدور في اطارها صراع من نوع جديد.

يحكى في قديم الزمان أن قوم من الأقوام كانوا يقيمون في وادي محاط من جميع جوانبه بالجبال ألشاهقة. وكان لسكان هذا الوادي نمط حياة خاص بهم تنظمه قوانين صارمة، يجري الالتزام بها طوعا منذ الطفولة لتصبح اساس معتقدات وتقاليد تميز هذه المجموعة البشرية عن غيرها، يفتخر بها الاباء ويصغي لها الابناء.

من جملة القوانين التي اصبحت سنة يعيش وفقها سكان الوادي، قانون غريب يضع حدود لحرية حركة الانسان، بحجة ان الشيطان قد يوسوس في صدور الناس ويزين لهم مباهج الحركة والتنقل فيدفعهم الى التهلكة عند مغادرة الوادي وتسلق الجبال المحيطة به، فكل ما هو خارج الوادي وخلف تلك الجبال بيئات شيطانية تغري الانسان بمباهجها وتدفعه نحو الخطيئة التي سيعاقب عليها بعذاب أبدى لا نجاة منه.

ولتفويت فرصة الغواية على الشيطان، كان على كل مواطن في الوادي أن يحمل حول خصره منذ طفولته حزام تشد اليه حلقة من الخشب، تعلق عليها أثقال يجري تغييرها بصورة مستمرة بالتوافق مع العمر بحيث لا تسمح لحاملها بتسلق الجبال. وبهذه الطريقة يتجنب الانسان ارتكاب خطيئة التمتع بمباهج الحياة الشيطانية وينجو من عقاب الله.

ولكن هذا النظام الذي تحرسه قوانين يسهر على تنفيذها سدنة معبد الوادي الذين يملكون سلطة مطلقة دينية ودنيوية على سكانه لم يرق للجميع. فنمت وتسربت بين الشباب أفكار جديدة لا ترى أية ضرورة لحمل الأثقال، وتنادي بالتحرر منها. ومع اتساع انتشار هذه الأفكار ألتحررية وزيادة عدد المنادين بها، تهيأت الظروف ألمناسبة للتغيير ألثوري.

وفي موعد محدد للتغيير، كسر الشباب قيودهم وثاروا على المعبد فارضين على سدنته احترام ارادة السلطة الجديدة التي لها وحدها، بعد نجاح الثورة، ان تنظم شؤون سكان الوادي. واعلنت قوانين جديدة تمنع حمل تلك الاثقال وتشجع على تبني نمط حياة جديد لا يقوم، كالسابق، على الخرافة والخوف من ألمجهول.

إثر هذا التغيير ألثوري الذي منح الناس حرية أكبر للحركة وطموح كبير لسبر أغوار ألمجهول واكتشاف ألعالم الذي يقع خلف سلاسل الجبال التي تسور الوادي، تنادى الشباب جماعات لتسلق الجبال تقودهم رغبة الاكتشاف والتمتع بالقدرات الجديدة قبل المعرفة والخبرة والدراية. وهكذا بين فترة وأخرى تتهيأ مجموعة من الشباب لرحلة طويلة لم يعد منها أحد. ولم يسمع عنهم بعد مغادرتهم الوادي غير صرخات تمزق صمت الجبال بين فترة واخرى، تدل على تعرض بعضهم لمكروه. اما الناجون فلم تغريهم العودة.

تسرب ألقلق الى نفوس من بقي من سكان الوادي بعد انتشار شائعات تحكي روايات عن المصير ألمفجع الذي لاقاه المتسلقون المغامرون ألذين لم يأبهوا للوائح الدينية ولا لتقاليد قومهم ففتكت بهم الضواري وعاقبت الالهة من بقي منهم حيا على معصيتهم للإرادة الربانية واتباع هوى النفس وغواية الشيطان. وكانت هذه الشائعات اساسا لتقويض النظام الجديد والتخلي عن كل ما اتى به الشباب من "بدع" زعزعت الامن والامان في الوادي، فعادت السلطة لسدنة المعبد مع حفنة من الانتهازيين والوصوليين الطامحين للحكم والتحكم بالأخرين.

لم تعد سلطة الخرافة كما كانت في السابق ولم يعد النظام في الوادي على حاله قبل ثورة التغيير، فبعد كل مغامرة تاريخية فاشلة، تغتني تجربة القوى الرجعية والمحافظة وتصبح أكثر براعة في ادارة السلطة والحفاظ على ديمومتها، سواء بالقمع او بشراء الذمم او بالاثنين معا.

اما قوى التغيير والتنوير فتبقى شاخصة بأبصارها حد العمى نحو نور المعرفة، تبحث في فسيفسائها والوان قزحها عن لون واحد يبعث فيها الامل بمشروع تغيير جديد. لا هي قادرة على رؤية الظلام الذي يحاصر المعرفة بكل مخلوقاته المصنوعة من الشهوة والمال والدم، ولا هي قادرة على تمييز ألوان اخرى في نور المعرفة، دونها لن يكتمل الوجه الحقيقي والانساني للمعرفة.

لن نقف على أرجلنا بعد اليوم ان ترسخت الهزيمة في نفوسنا وعقولنا، وان لم نقر بأننا انكسرنا ولانكسارنا أسباب، يجب أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بها. تنبأ المفكر الاشتراكي الكبير كارل ماركس في مقالاته عن كومونة باريس، أن فشل تجربة تاريخية بعثت الامل في نفوس الجماهير الغفيرة في كل اصقاع العالم من شأنها ان تعطل المد الثوري لعشرات وربما لمئات السنين ما لم تجري دراسة أسباب فشلها بعمق وشفافية.

 

د. جاسم الصفار

11\07\2021

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5433 المصادف: 2021-07-21 02:51:30


Share on Myspace