 أقلام حرة

محمد حسين النجفي: مقاطعة الأنتخابات.. البديل الأضعف

محمد حسين النجفيأعلن السيد مقتدى الصدر مقاطعته للأنتخابات القادمة، تبعه في ذلك الحزب الشيوعي العراقي. قراران يتسمان بالاهمية، وتَحملان في طياتهما إدانة واضحة لجدوى ألانتخابات وللعملية الديمقراطية برمتها. ان هاتين الحركتين في طبيعة تكوينها وأهدافها غير مُتجانستين، على الرغم انهما عملا معاً تحت سقف إئتلاف "سائرون" في الأنتخابات الماضية، وحققا نجاحاً يُذكر. موقف كهذا يتطلب الجواب على السؤال التالي: ما العمل بعد عدم المشاركة في الأنتخابات؟

الكل يتفق من أن العملية السياسية ومنها الأنتخابات، فاسدة ومنخورة حتى العظام، وأن الآمال في إحداث تغيير في تركيبة مجلس النواب المُقسم محاصصياً شبه مستحيلة. ولكن هل أن المقاطعة هي الحل الأفضل؟ للأسف الشديد لا اعتقد ذلك. لأن مقاطعة الأنتخابات من قبل بعض الجهات، سوف يمنح الفرصة للجهات الأخرى ان تَستغل ذلك لتسد الفراغ، وبالتالي ينحصر ألاستحواذ على السلطات والثروات بأيادي أقل ويتركز الفساد بيد سلطة تكون منفردة بمقومات البلد.

الصدريون يختلفون عن الشيوعيون من حيث العدد والعدة والقدرة على التأثير على ما يجري في البرلمان والحكومة والشارع، مُضافاً لذلك يمتلكون حجم وافر من علاقات  إقليمية سواء من خلال أجهزة الدولة او من خارجها. وفي النهاية سنرى ان الصدر والصدريين سوف يتراجعون عن المقاطعة، ويشاركون بالأنتخابات لثلاثة أسباب: أولها لأن الآخرين سيطلبون منهم ذلك، فعلى سبيل المثال، السيد الكاظمي اعلن عن اسفه لعدم مشاركة الصدر، وهذا يعني مطالبته بأن يشارك. والسبب الآخر ان النواب الصدرين سيضغطون على الصدر للتراجع عن موقفه، فإن تعنت فإن غالبيتهم سوف ينشقون عنه ويرشحون تحت مكونات انتخابية جديدة بأسماء اخرى او يندمجون مع إئتلافات وقوائم مستعدة لأحتضانهم. أما السبب الثالث والمهم فإن عضوية مجلس النواب، أمتيازات وحصانة وحماية وتغطية، وليست واجب وطني كما هو مفروض. النيابة ليست وظيفة عالية الدفع والمخصصات فقط، وإنما شركة قابضة عملاقة للعديد من المشاريع والمقاولات والعلاقات والزيجات والسفرات والعلاجات، التي لا يمكن في اي حال من الأحوال ان يستغني عنها النواب الصدريين طواعية لوجه الله.

 يأخذ الحزب الشيوعي  قراراته من مفهوم المصلحة العامة والوطن اولاً، مناهضاً للفساد والمحاصصة والطائفية، التي لا تلقَ استجابة في صناديق ألاقتراع للأسف الشديد على الرغْم من تأييدها من قبل المثقفين والواعين. لذا يرى الشيوعيون ان حظهم محدود جداً ضمن ظروف قانون انتخابات مُصمم لمصلحة الكتل الكبرى، ضمن بيئة معظم الأصوات توزع إما طائفياً او عرقياً او عشائرياً او مناطقياً أو بتفاعل عاملين او أكثر من هذه العوامل، وليس على أساس البرامج ألاقتصادية والأصلاحات ألاجتماعية ورفع مستوى التعليم والثقافة وتحسين الرعاية الصحية وتحقيق العدالة ألاجتماعية والى آخر ما ينادي به اليسار والتيار الديمقراطي العلماني والمخلصين في العراق.

إن مقاطعة ألانتخابات من قبل بعض الأحزاب سوف لن تُلغي الأنتخابات او حتى لن تُقلل من شأن نتائجها، لأنها سوف تمنح فرصة للآخرين للاستحواذ على مقاعد أكثر كما ذكرنا. وإذا رجعنا للسؤال الأول: ما العمل وما هو البديل؟ ان الشيوعيين ومجموعة شباب تشرين، ما زالوا ينشطون في المطالبات والمظاهرات والوقفات ألاحتجاجية، وقدموا في ذلك العديد من التضحيات والشهداء خاصة في مدن بغداد والنجف والناصرية. إنه نشاطاً جماهيري له دور عظيم في خلق الوعي لدى الشباب، ولكنه لن يكون عاملاً حاسماً، إن لم تشارك به كل المحافظات من دهوك حتى الفاو، وبزخم عالٍ كما حدث في مصر عدة مرات. وهذا ليس مقدراً له ان يحدث حالياً لانقسام الشارع العراقي قومياً وطائفياً بشكل مكبل للأيادي والعقول بأغلال حديدية للأسف الشديد.

هناك احتمال ان تستفاد مجموعة منْ هُم في السلطة حالياً، مع مجموعة من ضباط الجيش الحاليين والمتقاعدين، وبأسناد خارجي، تغيير السلطة كما حدث سابقاً في مصر والجزائر وما يحدث حالياً في تونس. وهناك احتمالات تشير الى إمكانية حدوث مثل هكذا حركة، خاصة بعد نجاحها في تونس، وتسمى تصحيحية وضد الفساد، وسيرحب الشعب بها ويفرح نتيجة يأسه من الواقع المرير، الى حين ان تنكشف الأوراق من جديد، ويعيد التاريخ نفسه.

لا يمكننا ان نستخف بالأسباب التي دعت الى عدم المشاركة في الأنتخابات من قبل الشيوعي أعرق الأحزاب العراقية، والكتلة الصدرية وهي اكبر الكتل البرلمانية، ولا يمكن ان نستنكر أو نؤيد قرار مفصلي كهذا، ولكن في اعتقادي ممكن ان نحاورهما، ونطرح رأينا المتواضع. ان المشكلة الأساسية في اعتقادي هي مجلس النواب، لأنه ليس سلطة تشريعية فقط، وإنما سلطة تختار السلطة القضائية والتنفيذية أيضاً. فإن كانوا فاسدين فسيختارون منْ هم مثلهم. الحل ان يشارك الصدريون والشيوعيون والعلمانيون والمستقلون في الأنتخابات ويتعلمون كيف يفوزوا بمقاعد كافية للتحكم في البرلمان، او على الأقل يُكونوا كتلة معارضة قوية بشرط ان لا تشترك في السلطات التنفيذية كي تصبح رقيباً شعبياً على الدولة. معنى ذلك ان تنأى كتلة المعارضة عن ألاشتراك بأي منصب رئاسي او وزاري او حتى إداري عالي، كي تبقى قادرة على ان تقوم بدورها الإشرافي في التشريع والمراقبة والمحاسبة.

 

محمد حسين النجفي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقاربة ضافية تُبتني على وعي عالٍ مدرك لصيرورة الأحداث وسيرورتها، وتنهض، أيضاً، على خبرة سياسية ذات دراية عميقة في المشهد السياسي العراقي، وآليات اشتغال الأحزاب وحجم تأثيرها في الوضع الاقتصادي والمعيشي للبلاد، كلّ هذه المعطيات أعلم أنّها متجسّدة بشكل عقلاني في شخصية أخي وصديقي الكاتب الأستاذ محمد حسين النجفي.
أطيب التحايا لمقامك أخي أبا عامر الكريم!

محمد عبدالرضا شياع
دكتوراة الدولة في الآداب

محمد عبدالرضا شياع
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً جزيلاً دكتور محمد عبد الرضا شياع لمروركم وتعليقكم على ماكتبنا. كلنا يعرف ويعلم ان المشهد السياسي العراقي صعب جداً ومعقد جداً، حتى اضحى من الصعب على احزاب عريقة وشخصيات ذات تمرس سياسي معرفة بالضبط ما العمل وما هي افضل الحلول. حاولت في هذه الكتابة ان اوصل صوتاً ربما يكون ذا معنى.
خالص تحياتي واحترامي
محمد حسين النجفي

محمد حسين النجفي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي استاذي محمد حسين علي اصغر في الحقيقه التيار الصدري انسحب لانه لايستطيع الصعود بقوه كما في السابق لعاملين الاول تغيير قانون الانتخابات وهذا عائق كبير والثاني تدني شعبيه مقتدى الصدر وهناك حمله كبيره ضده ، فحسب اعتقادي مقاطعته للانتخابات تعتبر اعاده تنظيم وانه سيحصل على المناصب المربحه عن طريق المشاغبات والارهاب ، المشكله العراقيه تتعقد يوم بعد يوم لزياده قوه المافيات الحاكمه ولا يوجد سوبرمان يستطيع ان يحل الموضوع والحل الوحيد هو طويل ولكن لايوجد غيره لانقاذ العراق وهو تشكيل نخبه خارج العمليه السياسيه وتشكيل حكومه ضَل وهذه الحكومه وضيفتها تجريم العمليه السياسيه لانها تعمل خارج دستور الشعب فهناك ٦١ ماده من الدستور مهمله وهناك ١١ ماده دستوريه مخترقه قانون الانتخابات غير دستوري واذا هذا القانون غير دستوري فهو باطل وكل مابني على باطل فهو باطل فالعملية السياسيه كلها باطله ، حكومه الضل اذا استطاعت عرض هذه القضيه على المحكمه الدوليه في لاهاي سوف تتدخل الامم المتحده لانقاذ دستور الشعب وتكون لنا دوله مع تحياتي الخالصه
تلميذكم ماهر كبه بيرمنكهام انكلترا

ماهر كبه
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي واخي ماهر التلميذ الوفي الذي اصبح استاذاً ولا يزال يدعوني استاذي:
شاكراً جداً مواصلتك معي، واهتمامك بما اكتب، واُحيي اهتمامك بشؤون الوطن. معرفك بالدستور وافرة، وقرأت لك ما بعثت لي سابقاً. وما تفضلت به هو ممكن ان يكون احد التوجهات لصناعة التغيير، ولكن لا يمكن ان يكون الوحيد. ان ما تفضلت به طويل الأمد وبعيد المنال، لأن المنظمات الدولية مسيطر عليها ايضاً من قبل دول ومافيات دولية للاسف الشديد.
لا يمكن ان ادعي ما طرحته في كتاباتي خارطة طريق، ولكن نحاول ان نوصل صوتنا لمن مازال يحمل بعض الحياء مع الحياة.
دعنا نستمر في العمل
وافر تحياتي لكم وللعائلة الكريمة

محمد حسين النجفي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي وصديقي ابا عامر المحترم
تحية وسلاما:
من باب الانصاف والاستقامة اقول انه بغض النظر عن التفاصيل التي اروم الادلاء بها ولو بشكل ضمني، انه لا الانسحاب، ولا البقاء سيفيد في ترميم الواقع المنهار للعراق، سواء على مستوى الوضع السياسي للسلطة الحاكمة بكل تياراتها واحزابها، اوعلى مستوى التدني القيمي للمنظومة الفكرية والاخلاقية التي بناء على تركيبتها، تراجعت لغة المعارضة والخطاب السياسي.

ان ما يمر به العراق من ازمات على كل المستويات يشير الى ان هنالك مخططات كبرى من قبل قوى واجندة لها دور فاعل في منظومة العمل السياسي، وهذه القوى لا يمكن تغيير سياقات مخططاتها وقرارتها المتبعة عن طريق هذه الجهة، وتلك. ولذلك انا ازعم

ان العراق اليوم بحاجة الى منابر ثقافية ودينية متنورة وملتزمة تعمل خارج نطاق السلطة وتياراتها، بحاجة الى جهود مستقلة وواعية تأخذ على عاتقها انشاء منابر اعلامية ومنظمات مدنية وفضاءات توعوية، نحتاج الى نشاط منبري اجتماعي يتبنى تغيير منظومة القيم التي تم احاطتها بفضاءات فاسدة من قبل المنظومات السياسية التابعة للاجندة التي تديرها وتتدبر اعمالها.

وبيت القصيد هو التركيز على اعادة ترميم افكار المجتمع الذي تم التجاوز عليها وتغذيتها بسموم الفضاء الاعلامي الذي تديره احزاب السلطة ومسمياتها.

وخلاصة ما تقدم انا مؤمن بقول: اعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفًا.

اخي أبًا عامر منبرك الاعلامي فيه من الفائدة ما سوف ترى ثماره ولو على الامد البعيد، مع خالص محبتي!

عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي أبا أوس المحترم
ممنون جداً لأهتمامكم بكتاباتنا، وشاكراً اضافاتكم واطروحاتكم التي نتفق عليها جمعياً. لقد وصفت في مقالتي ان العملية السياسية في العراق منخورة حتى العظام، ولكني ابقى على امل، ان بعض الأشخاص وبعض المنظمات الصغيرة بحجمها الكبيرة بإخلاصها ان تلعب دوراً ريادياً ربما يتسع ليمثل حركة تصحيحية ذات جذور شعبية.
مع احترامي ومحبتي
ابو عامر

محمد حسين النجفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5444 المصادف: 2021-08-01 01:50:58


Share on Myspace