 آراء

الأبعاد الحقيقية للصراع بين أرمنيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ؟

محمود محمد عليبعد هدوء استمر لأعوام طوال، يشهد إقليم "ناغورنو كاراباخ"، المتنازع عليه، اشتباكات شرسة بين أذربيجان وأرمينيا، (الجمهوريتين السابقتين في الاتحاد السوفييتي)، أدّت إلى مقتل العشرات من الطرفين حتى الآن، وإعلان الطرفين التعبئة العامة للحرب.. لا يهم من بدأ الحرب بل متي وإلي ما تنتهي؟ ..

البعض يحاول أن يفهم لماذا نشبت تلك الحرب بين أرمنيا وأذربيجان؟ .. ومن هو إقليم ناجورنو كارباخ؟ ... وما هو هذا التعقيد الإقليم والدولي؟،  وكيف لإيران الشيعية أن تدعم أرمنيا المسيحية ضد أذربيجان الشيعية؟ .. ولماذا تركيا السنية متحالفة مع أذربيجان الشيعية؟ .. وما هو موقف أمريكا وروسيا من هذا الصراع؟

تتحدث أذربيجان عن استفزازات أرمنية بدأت باشتباكات بين الجانبين في يوليو الماضي، وتري أن ما تقوم به هو حقها الطبيعي للرد علي ما يصفه الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف "، بالاحتلال الأرمني، متوعدا بأن الحرب لم تضع أوزارها، إلا باستعادة الأراضي التي انتزعتها أرمنيا قبل ثلاثة عقود، ويحس الرئيس الأذربيجاني المواطنين القادرين علي أداء الخدمة العسكرية حال استنفار ذاتها أرمنيا، بأن هي أيضا تعلن الأحكام العرفية والتعبئة العامة لإقليم ناغورنو كاراباخ..

وما يثير الخشية في جولة الصراع الحالية هو خروجها عن السيطرة أن أدرجا زعيم الطرفين ضمن حساباتهم الإقليمية ؛ فالصراع في منطقة القوقاز في رأي الكثيرين أكبر من مجرد اختلاف بين دولتين علي منطقة حدودية، فبموازاة الاشتباكات في ناغورنو كاراباخ، اشتعلت حرب تصريحات بين أرمنيا وأذربيجان برأي كثيرين أكبر من مجرد خلاف بين دولتين علي منطقة حدودية، يقول الرئيس الأرمني " ارمين سركيسيان":" إن علي تركيا ألا تقحم نفسها في بلاده وأذربيجان ؛  كذلك يتهم الرئيس الأرمني "أنقرة" بدعم القوات الأذربيجانية بمقاتلات أف 16 وطائرات مسيرة وخبراء لشن هجمات ومرتزقة ومستشارين عسكريين يشرفون علي سير المعارك في ناغورنو كاراباخ، ولا تخفي تركيا وقوفها إلي جانب أذربيجان في خندق الحرب وهو ما يقوله الرئيس التركي صراحة منذ اللحظات الأولي للصراع .

علي الجانب الآخر لميزان القوة تقف روسيا التي يُنظر إليها تقليدياً علي أنها حليف لأرمنيا تتخذ موسكو نظرة أقل حدة بالدعوة إلي وقف فوري بإطلاق النار والاحتكام إلي الحوار السياسي . أما إيران المجاورة لكل من أذربيجان وأرمنيا فتوافق روسيا في موقفها بأن عرضت التوسط  في محادثات للسلام ووقف إطلاق النار مطلب أوربي أيضا لا تخفي بروكسل قلقها في التدخل الخارجي  في الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان ؛ يقول الاتحاد الأوربي إنه علي تواصل مع طرفي الحرب والقوة الإقليمية الداعمة لهما لاحتواء القتال في ناغورنو كاراباخ ودرء اشتعال حرب علي البوابة الشرقية لأوربا.

والسؤال الآن: ما هي الأبعاد الحقيقية لحقيقة الصراع بين أرمنيا وأذربيجان ؟

والإجابة تتثمل في كان يوجد ما يسمي بالاتحاد السوفيتي، وأرمنيا وأذربيجان الأثنين كانوا اجزاء من الاتحاد السوفيتي  في عام 1991م  إنهار الاتحاد السوفيتي وتفككت الإمبراطورية السوفيتية، كما استقلت أرمنيا واستقلت أذربيجان . يوجد إقليم في أذربيجان يسمي اسمه " ناغورنو كاراباخ. استغل هذا الاستقلال لجمهوريات الاتحاد السوفيتي وأسيا الوسطي وأعلن استقلاله. أذربيجان قالت كيف يتسني لهذا الإقليم بأن يستقل مع أنه جزء من الأراضي الأذارية (أي أراضي أذربيجان). كيف يستقل؟. بيد أن هذا الإقليم قد اصر علي الأمر الواقع وأن يستقل. أغلبية سكانه من الأرمن وليس من الأذاريين واستغلوا هذا الموضوع في أن يقيموا دويلة أرمنية في هذا المكان. فماذا حدث؟ . لقد قامت حرب واستمرت فترة طويلة وقتل عشرات الالاف وتشرد قرابة مليون إنسان. وفي هذه الحرب انتصرت أرمنيا بدعم من روسيا وأصبح هناك أمر واقع  من خلال إقليم قد أعلن نفسه بما يسمي بـ " جمهورية ناغورنو كاراباخ". هذه أصل القصة. وبعد ذلك حدث اشتباكات كثيرة . وبعد ذلك نشبت حرب 2020م.

كما نتساءل سؤالا آخر: من الذي يعترف بجمهورية ناغورنو كاراباخ ؟

لكي نجيب علي هذا السؤال نقول:  لا أحد حيث لا توجد دولة في العالم بما فيها أرمنيا تعترف بذلك.. لكن فجأة وجدنا حرب بين أرمنيا وأذربيجان .. القوات الأذارية في مواجهة ناغورنو كاراباخ.. هناك دعم أرميني لهذه القوات، لكن أرمنيا تعترف بأنها دخلت أساسا في الحرب .. فوجئنا بضرب مطارات وقري واتهامات بضرب مدنيين من كل اتجاه .. بيد أن أرمنيا  قالت أنها حررت 3 قري من إقليم ناغورنو كاراباخ..

ولذلك أرمنيا قالت ومعها روسيا وفرنسا أن هناك مرتزقة سوريين وليبيين يقاتلون إلي جانب القوات أو الجيش الأذاري؛ أي يوجد مقاتلون من ليبيا وسوريا ذهبوا عن طريق تركيا للوقوف صفاً مع جيش أذربيجان .أذربيجان نفت ذلك وقالت أن جيشها قوي ولا توجد أي قوات مرتزقة من هذا القبيل . في المقابل تدعي أرمنيا بأن هناك مقاتلين مرتزقة من سوريا وليبيا ولبنان وأماكن أخري من أصول أرمنية يحاربون مع الأرمن . أرمنيا نفت ذلك . إذن هناك اتهامات متبادلة بين أرمنيا وأذربيجان في أن هناك مقاتلين عرب يقومون بمساعدة هذا الطرف ويساعدوا هذا الطرف والطرفين نفوا ذلك . لكن روسيا وفرنسا تقولا أن هؤلاء المرتزقة يقاتلون إلي جانب أذربيجان. ببساطة روسيا تدعم أرمنيا وأمريكا تدعم ناجونوا كارباخ . وأمريكا تدعم تركيا وتركيا تدعم أذربيجان .

لكن نتساءل: ما هي حسابات تركيا ؟

والإجابة تتمثل في تركيا تري أن الأذاريين وبالتالي ناجونوا كارباخ لهم أصول تركية . وهنا الأتراك تجمهم علاقة قرابة مع الأذاريين ومن ثم يوجد عنصر عرقي في هذا الموضوع . الأمر الثاني أذربيجان دولة غنية حيث يوجد لديها بترول وبالتالي توجد مصالح نفطية بين تركيا واذربيجان. والأمر الثالث وهو أن أذربيجان أقامت توازن مع إيران نسبيا. لأن لإيران نظام ديني متمثل في ولاية الفقيه . أما النظام في أذربيجان نظام مدني . مصلحة تركيا تتمثل في أنه لا يجب أن يكون هناك نظام شيعي يضم إيران وأذربيجان الممتلئتان بالنفط والمتجاورتان وفي هذا الحال يخل بالتوازن الإقليمي في المنطقة . أيضا أذربيجان علي خلاف مع الفضاء الروسي وهذا يصب في مصلحة تركيا .إذن العنصر العرقي هو الغالب في المشكلة.

لكن نتساءل سؤالا آخر: ما هي حسابات أذربيجان وأرمنيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية ؟

بالنسبة لحسابات أذربيجان، فمن المعروف أنها دولة عدد سكانها حوالي مليون نسمة،  وهذه الدولة كما ذكرنا دولة نفطية ولديها جيش متطور، حيث تري أن إقليم كارباخ جزء منها ولابد من أن تحرره ؛ أي أن حساباتها ببساطة هي أنه لا يجوز أن تكون هناك هدنة مستمرة إلي الأبد . ففي النهاية هناك إقليم محتل وينبغي أن يعود هذا الإقليم إلي حوزتها وهذه وجهة نظر أذربيجان . أما حسابات أرمنيا فإنه من وجهة نظرها أن هذا الإقليم من أيام ستالين كان يمثل أغلبية أرمنية وفي الفضاء الثقافي لأرمنيا وبالتالي من المنطقي أن يستقل أو أن ينضم إلي أرمنيا لاحقا . ولذلك نجد أن منطق أرمنيا علي الحقيقة لا يقوم علي أسس سليمة من الناحية القانونية ولا من الناحية الواقعية . وبالتالي فإن أرمنيا لا تجد تعاطف كبير مع هذا الموقف حتي مع أن أرمنيا نفسها لا تعترف باستقلال  كارباخ . أما إيران فبالرغم من أنها دولة شيعية، وأذربيجان دولة مدني أيضا، إلا أن الخلاف الايديولوجي بينهما كبير جدا . المشكلة الأخطر أنه ربع إيران أذريين أي الأذربيجانية وتخشي إيران في أي لحظة تدهور أن ينفصل هؤلاء عنها. ولهذا السبب إيران لا تقف مع أذربيجان. أما عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؛  فالولايات المتحدة الأمريكية كما قلنا تدعم الإطار العام لتركيا وأذربيجان . أما وروسيا فإنها تدعم بقوة أرمنيا، وبالتالي تؤيد انفصال كارباخ .. لكن روسيا تتصرف في هذا الأمر باعتدال وبدرجة من العقلانية في هذا الإطار.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

......................

المراجع

1- نوران بديع: بعد تجدد الصراع بين أرمينيا وأذربيجان.. ماذا تعرف عن إقليم ناغورني كاراباخ؟.. حفريات .. تقرير..

2-سيد جبيل: ارمينيا اذربيجان ساحة جديدة للصراع بين تركيا وروسيا.. يوتيوب.

3-  حرب ناغورني كاراباخ.. بركان الغضب الذي تفجر بين أرمينيا وأذربيجان.. يوتيوب.

4- احمد المسلمانى .. الحرب بين أرمينيا وأذربيجان .. هل أخطأ أردوغان؟.. يوتيوب.

5- الصراع بين أرمينيا وأذربيجان .. لماذا إقليم ناغورنو كاراباخ؟.. يوتيوب.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5162 المصادف: 2020-10-23 05:05:31