 آراء

هل من مخرج لمشكلة الحكم في العراق؟

عقيل هاشم عبودأفرزت العملية السياسية في العراق والتي جاءت في أعقاب الأحتلال الأمريكي في العام 2003، طبقة سياسية بأبعادها الثلاث الرئيسية (الشيعية-السنية-والكوردية).  كانت الميزة الأساسية لهذه الطبقة والتي أثبتتها تجربة سبعة عشر عاما من الحكم، هي أنفصالها التام عن واقع مزري خلقته هي بنفسها.  ساهمت هذه الطبقة عن وعي بأستحضار كل أحداث الماضي، وما تتمتع به هذه الأحداث من قوة وحضور في مخيال الشارع العراقي على أختلاف توجهاته ومبنياته الفكرية والعقائدية.  فكانت الكارثة.

سبعة عشر عاما من شد وجذب، من فساد وقتل وتخريب وتأصيل لفكر تخريبي محاصاصاتي، كانت ضحاياه بالدرجة الأساس الجمهور الواسع لهذه الطبقة السياسية الحاكمة.  لكن طيلة فترة حكم هذه الطبقة، وبالرغم مما تمتلكه من كل وسائل التصعيد لترسيخ فكرها وخطابها الأنتقائي المحرض والمستحضر لكل أدوات الماضي البائس، الا أنها كانت تواجه بين فترة وأخرى بتنامي وعي جماهيري يقف على النقيض من كل ما تدعو اليه هذه الطبقة الحاكمة.

وعي شبابي تنامى على الرغم من كل السموم والأمراض الفكرية والعقائدية التي حاولت طبقة الحكم زرعها في عقول وقلوب الشباب العراقي.  كان المحرك الأساس لهذا الوعي الجديد، هو المطالبة بالعدالة، والمساواة، الأصلاح، محاسبة الفاسدين، رفض قاطع للطائفية والمحاصصة، والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار في العراق، لما تمتلكه هذه الجماهير الشابة من قدرات وأمكانيات أصيلة يمكن لها أن تضع العراق على أعتاب مراحل سياسية وأقتصادية وأجتماعية جديدة.

تكلل تنامي الوعي هذا، بأنتفاضة الخامس والعشرين من تشرين الماضي، التي قدمت النموذج المثالي لطبيعة الشخصية العراقية الرافضة لكل سلوكيات وتصرفات الطبقة السياسية الحاكمة بجميع أبعادها الأثنية والقومية.  قدم هذا الوعي الجديد، صورة جديدة لهوية عراقية جامعة أريد لها أن تنزوي بعيدا وتختبئ في زوايا مظلمة.  يحاول العراقيون منذ تشرين الماضي تحديد نوعية الأفكار التي تتناسب مع توجهاتهم وتطلعاتهم السياسية والأقتصادية والفكرية، وقد قدموا في هذه المحاولة مئات الضحايا من الشباب، والالاف من المصابين والمعاقيين، بعدما تركت الحكومة العراقية الباب مفتوحا لأجهزتها الأمنية وبعض من قوى الميليشيات الخارجة على القانون للتعامل مع الشباب المنتفض.

هذه المحاولات الجادة والمكلفة في أعادة صياغة الوعي لدى الفرد العراقي والجماعة العراقية مهمة جدا، "فالأفكار وصنعها، والوعي وتحديده وتكوين شكل الدولة، هي من مسؤولية الأفراد" كما كان يرى كارل ماركس.  هناك أمل لدينا نحن العراقيون في هذا الصدد.  لكن هذا الأمل سوف يصطدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأصرار طبقة الحكم المنفصلة عن واقعنا وواقعها البائس التي ساهمت في وجوده هي ذاتها، الا أذا غيرت هذه الطبقة من سلوكياتها، أو أعترفت بموقفها الرافض عن قصد لهذا الواقع، وأن هذا "الأعتراف لابد منه من أجل أحداث التغيير المطلوب في مسار الدولة والمجتمع"، كما كان يرى كارل جاسبرز.

شخصيا لا أرى أي أمل في هذه الطبقة الحاكمة، في أحداث أي تغيير في سلوكياتها، لأنها فقدت مشروعيتها بالكامل، ولأنها فشلت في الأستمرار بأستحضار هذه المشروعية التي عملت عليها جاهدة خلال السبعة عشر سنة الماضية، وهذه المشروعية تتمثل  "بالمظلومية التاريخية للطائفة الشيعية المغبونة حقوقها"، "بالحق التاريخي للسنة في قيادة الدولة"، وأخيرا "بالأمل القومي للكردي المسلوب حقه في بناء دولة خاصة به".  مشاريع ثلاث ذات سوداوية في مقدماتها، وكارثية بنتائجها!

في مقابل هذه المشاريع الثلاث السوداوية في مقدماتها والكارثية في نتائجها، يطرح علينا الشباب العراقي المتزن والواعي مشروعا أخرا مختلفا تماما في مقدماته وفي النتائج التي سوف تترتب عليه.  أنه مشروع وطني، عابر لحدود الدين، الطائفة، العرق، والقومية.  أنه مشروع عقلاني، وهذا المشروع العقلاني سوف ينظر الى كل ما يحيط به بعقلانية أيضا.  العقلانية هي كل ما يلزمنا.  العقلانية في مشروع وطني واحد عابر لكل المسميات، في مقابل مشاريع مختلفة بائسة منطوية على مسميات مجردة من كل قيمة أنسانية، مستندة على مفاهيم تنطوي على محاولات دغدغة الشعور العام لمجموعة بذاتها من أجل الحفاظ على مصالحها هي.

ان حاجة العراقيين في تفتيت هذه المشاريع الثلاث التي تقف بالضد من مشروع الدولة الواحدة والهوية الوطنية الجامعة الواحدة، حاجة ماسة جدا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ العراق.  ان مشروع للحكم يستوفي الشروط الوطنية، القائم على العدل، المساواة، حرية الأختيار والمساهمة الواسعة لكافة العراقيين في مشروع بناء الدولة والحكم، هو مشروع سهل تحقيقه، اذا ما أجتمعت نوايا العراقيين عليه جميعا، واذا ما كان مشروعا عراقيا خالصا.  ان أي مشروع وطني لبناء الدولة والحكم في العراق، عليه أن يأخذ بعين الأعتبار الأتي:

حق العراقي بالحياة، حقه في الأمن، حقه في التملك، حقه بالعيش بكرامة، حقه بالتعلم، حقه بالأنصاف القانوني، وحقه في الأختيار. هذه حقوق طبيعية بنظر العديد من المفكرين والفلاسفة القدماء منهم والمعاصرين، وتوفرها والمحافظة عليها في أي دولة دليل على قوة هذه الدولة وقوة مؤسساتها، وحيوية نشاط أفرادها.  وحتى ينجح هذا المشروع الوطني لبناء الدولة والحكم، فلابد من أجماع عليه من قبل مساحات واسعة من العراقيين، وقد تجسد هذا بشكل واضح في نزعة غالبية العراقيين في تأييد الحراك الشبابي الذي بدأ في تشرين الماضي.

أصرار على بناء الدولة والحكم يقابله أصرار على تهديم أسس الدولة وأسس الحكم. هو صراع لابد من أن تكون له نهاية، وهذه النهاية سيقررها الشباب العراقي العازم على بناء مشروع الدولة والحكم الوطني.  وقيمة أي مشروع سياسي وطني بما يرمي أليه وبما ينتج عنه.

 

عقيل هاشم عبود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5163 المصادف: 2020-10-24 01:54:30