علي رسول الربيعيتحول الهيرمينوطيقا

أنه من المناسب أن نسأل من وجهة نظر تاريخية، ما إذا كان للعولمة أي علاقة على الإطلاق بالهيرمينوطيقا، لأنه تقليديًا، لم تكن الهيرمينوطيقا متوافقة بأيً شكل من الأشكال مع المجالات التي ترتبط فيها العولمة. ومع ذلك، كشفت التحولات الأخيرة في التقليد الهيرمينوطيقي عن فرصً جديدة لربط بين إشكاليًة العولمة والهيرمينوطيقا.

كان صدى الهيرمينوطيقا الألمانية للفهم (والفهم المسبق لاحقًا) حاضرًا باستمرار في كل حوار حول التفسير منذ القرن الماضي . إنه من الصعب عدم تقدير حقيقة: أن الهيرمينوطيقا قد أسست منذ دخولها في الخطاب الإبستيمولوجي (المعرفي) انقسامًا جذريًا بين "الفهم" في العلوم الإنسانية و"التفسير" في العلوم الطبيعية (كما قام بذلك ديلثي). وكذلك، من غير الممكن أيضًا تجاهل التحول نحو تصور فينومينولوجي (ظاهراتي) للزمن والآفاق المحدودة للفهم عند مارتن هايدجر وهانس جورج جادامير، اللذين وضعوا طموحات عالمية وراء الدفاع عن مجال أنطولوجي مماثل.

لكي نكون قادرين على التعامل مع العولمة، وبالتالي ربط عملية العولمة بالتجربة الهيرمينوطيقية، نحتاج إلى إيجاد طريقة للخروج من هذا الممر المسدود للتقليد الألماني السائد. ومن هنا تأتي راهنية فهم الهيرمينوطيقا عند بول ريكور بوصفها ليست مجرد زيادة في التأويلات الألمانية على الرغم من دمج ريكور في كثير من الأحيان بشكل مربك في هذا السرد "المقنن" للهيرمينوطيقا الألمانية. لقد أحدث ريكور من خلال الإشارة إلى "الوظيفة الهيرمينوطيقية للتباعد في كل التواصلات" تحول عميق في الهيرمينوطيقا، مما وسع مفهوم التفسير ليشمل الفهم. وفقًا لهذا المنظور الهيرمينوطيقي، مطلوب تطوير الأنطولوجيا بمساعدة الإبستيمولوجيا كبديل لأنطولوجيا مارتن هايدجر الأساسية ويجب الوصول إلى الحقيقة من خلال المنهج بدلاً من "الحقيقة والمنهج" لجادامير.[1]

العولمة وعصر الهيرمينوطيقا

لقد أشار بعض الفلاسفة مثل جياني فاتيمو وآخرين إلى كيف مهد التطور الداخلي في العلوم والتكنولوجيا الطريق للهيرمينوطيقا بدلاً من محاولة إعادة جميع العلوم والخبرات إلى مجال أنطولوجيا- الدازاين (كينونة وجودية) أبتداءً، أو قصر تجربة الهيرمينوطيقا بشكل حصري على إبستيمولوجيا الفهم أو المجال الجمالي. لا توجد في هذا الوضع حقائق مستقرة ولكن تفسيرات متغيرة فقط. فتُدرج الهيرمينوطيقا من هذا المنظور بطريقة مدهشة كجزء لا يتجزأ من خطاب العولمة. تتآكل التسلسلات الهرمية المستقرة القديمة للمعنى والهوية والحقيقة، وتذوب شرائع الفن والقيم والمعارف التقليدية من خلال نظام المعلومات الرقمي العالمي. عندما يتم ترتيب جميع المعلومات بشكل متزايد أفقياً وعندما تتغير شبكات العلاقات على الإنترنت باستمرار، وعندما تتم إعادة صياغة كل شيء بشكل مستمر وإعادة تفسيره كلما أضيفت روابط جديدة، فأنه يعطي معرفتنا الطابع غير المحوري والطارى تاريخيًا، ويتسبب في إطلاق العديد من التأويلات المتضاربة. لقد مهد فقدان مركز مستقر وتسلسل هرمي في العالم بسبب استخدام تقنيات الكمبيوتر واستقبال العديد من الأصوات في وسائل الإعلام الطريق لثقافة المعرفة بعيدة كل البعد عن الجوهرية الأفلاطونية. يجمع فاتيمو هذا كله مع نتائج للتحولات الجيوسياسية في اعقاب ازالة الاستعمار، وتأملات نيتشه الفلسفية حول "تآكل مبدأ الواقع ذاته" ونقد هايدجر الموجه ضد الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الى نتيجة نهائية لتاريخ من العدمية كأضعاف للأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا. لقد أدى هذا، أيً حل مفهوم الواقع الواحد والمستقر إلى جملة من التفسيرات التي لا يوجد بينها، في النهاية ، التفسير الوحيد الصحيح.[2]

قد نقول، من هذه الخلفية، أن العولمة قد ساهمت أيضًا في حالة يمكن تعريفها على أنها عصر الهيرمينوطيقا.[3] إن الظروف الحالية التي تسمح بالتاويل كتجربة معممة للاختلافات وتعدد لا نهاية له من وجهات النظر، جنبًا إلى جنب مع ارتفاع عدد التأويلات المتعارضة، لابد أن تكون مدفوعة بشكل أساسي من خلال التحول الاقتصادي والتكنولوجي الرئيسي للعالم في عمليًة العولمة.

إعادة التفكير في الفلسفه باعتباره صراع هيرمينوطيقي

نشأ اقتصاد معرفي وتحولات جيوسياسية عميقة في"عالم مسطح"[4] اليوم، كنتيجة مشتركة لعملية العولمة. يميل الواقع إلى التشتت في العديد من التفسيرات. ومع ذلك، من الواضح أن العديد من الرؤى المختلفة للعالم اليوم لا تتعايش بشكل سلمي تلقائيًا، بل على العكس تميل إلى توليد العنف وفي أسوأ السيناريوهات التي هي حرب الجميع ضد الجميع.[5] قد نقول إننا نواجه تحديًا من قبل الجوانب الثقافية لـ "العولمة المسلحة" من نواحٍ عديدة حيث يؤدي فرض الناس وجهات نظرهم على الآخرين الى "معارك في الواقع". يتمثل أحد التحديات الرئيسية المباشرة في هذا الوضع هي في تحويل مفهوم صراع الحضارات المهدد إلى صراع تأويلات، أي تكوين نموذج سلمي لحل النزاع حيث تنعكس جميع المعتقدات بشكل نقدي على جميع وجهات النظر حيث يتم إضفاء الشرعية عليها و "تأسيسها" من خلال كونها محدودة.[6] إن البديل الهيرمينوطيقي لكل من "حرب التأويلات" المخيفة والاستقالة الفلسفية لعدم التواصل هو تعارض في التأويلات، لكن هذا يفترض وعيًا بالطابع التفسري لوجهة نظر المرء. والسبب هو أن الأفكار القوية والعنيفة للميتافيزيقيا الغربية تهدد تواصلنا ومشاوراتنا وتبادل ارءنا ومحادثاتنا لعدم اعترافها بانها تأويلات ليس الأً، لقد رأى فاتيمو أن الهيرمينوطيقا "ضعيفة على الرغم من أنها" منهج نقدي يكشف المعرفة بموضوع او موقف معين من خلال القصد في ربط تأويلات الأفراد بعناية بتأويلات أخرى.

تعمل العولمة اليوم على إنشاء قالب للتأويلات التي تم تكوينها على أنها تجربة غير مسبوقة ومعممة من الاختلافات وتعدد لا حصر له من المنظورات المتاحة. ومع ذلك، قد تقدم الهيرمينوطيقا أيضًا موارد لتطوير استراتيجية أكثر استباقية وانعكاسًا نقديًا للتعامل مع هذه التجربة من وجهات النظر متعددة عن طريق تصور الصراعات بوصفها تأويلات متعارضة. في الوقت نفسه، تعد هذه القدرة على التعبير عن النزاعات من حيث هي تأويلات متعارضة بمثابة حماية ضد خطر تحويل الهيرمينوطيقا إلى تفكير تعسفي. يعتبر النص والتأويل في الهيرمينوطيقا مفاهيم محددة بشكل متبادل، وهي علاقة يتم فيها تحديد كل من إمكانية وقيود جميع التأويلات. لذلك لا يمكن اعتبار التأويل خيالًا حرًا ولكن خيالًا منظمًا يرتبط بمحددات خارجية.

وإذ ندرك تمامًا الحاجة إلى الجمع بين فعل اتخاذ موقف والحاجة إلى احترام شرعية التأويلات الأخرى، فربما تكون الهيرمينوطيقا، على هذا النحو،المصدرالفكري الأنسب لمجتمع مؤطر بالتعددية والديمقراطية. علاوة على ذلك ، قد تُذَكر الهيرمينوطيقا الديمقراطية، بإمكانية وضرورة وجود العديد من وجهات النظر، بينما قد تُذَكر الديمقراطية الهيرمينوطيقا بأن جميع التأويلات هي حتما محل جدل ومدرجة في علاقات السلطة.[7] تحثنا الهيرمينوطيقا والديمقراطية على العيش بدون معرفة مطلقة، والتعامل مع الحلول غير الكاملة، وتحمل الهشاشة - وفي الوقت نفسه يعتزم كلاهما مقاومة الاختزال إلى النسبية التعسفية. ومع ذلك، من أجل أن تكون قادر على النجاح في العيش مع الآخرين، ومع وجود اختلافات محفوظة (حنة أرندت)، نسعى باستمرار من أجل تفسيرات أفضل (بول ريكور) ومن خلال عمليات مؤطرة بالتوتر المحفوظ بين المثالية ومجتمع التواصل الحقيقي (كارل أوتو أبيل)، نحتاج أحيانًا إلى أن نتذكير بأنه في الواقع لا يعترف المجتمع الديمقراطي إلا بأنه غير ديمقراطي بما فيه الكفاية (جاك دريدا، زيجمونت بومان).

الزمن التاريخي والمكان المأهول

في مواجهة مهمة الدفاع عن مزاعم الحقيقة المتعلقة بالتأويل- وفي الوقت نفسه التخلي عن غطرسة الفكر التمامي- يُطلب منا أن نأخذ في الاعتبار موقف الهيرمينوطيقا حيث يجب الأعتراف بـ"حقيقة" أن أي شيء يجب تأويله على أنه تأويل في حد ذاته. نظرًا لأن يبدو مفهوم التأويل يتمتع بسعة التطبيق نفسها التي يتمتع بها مفهوم الحقيقة، فقد طلب فاتيمو أن نضع تأملاتنا الفلسفية تاريخيًا، وبالتالي تعريف الهيرمينوطيقا على أنها التاريخ المكتمل للعدمية.

يحمل التاريخ وظيفة نموذجية للمعرفة والحقيقة في عصر الهيرمينوطيقا، ومع ذلك، لا يبدو أنه كافٍ لتحقيق الانتقال من "اللامكان" الغامض إلى تحديد ملموس لـ "الآن" و "هنا" من خلال تطبيق المفاهيم الفينومينولوجية (الظاهراتية) بشكل حصري للزمان. ومن أجل تقديم بديل للمفهوم السائد عن لإنسان المرن، يتطلب أن تكون الأنثروبولوجيا الفلسفية الخاصة بنا موجودة في المكان والزمان بشكل صحيح، والتي تفترض فهم الإنسان كشخص قادر على الذاكرة والقناعة والمسؤولية.

ذكر ريكور في أحد أعماله اللاحقة، المشكلات المرتبطة بالمقاربة الفينومينولوجية من خلال طرح السؤال التالي: "إلى أي نقطة تستطيع فينومينولوجيا تعيين التاريخ وتحديد المكان أن تتشكل دون أن بالمعرفة الموضوعية للفضاء الهندسي- لنقول، الهندسة الإقليدية والديكارتية – وكذلك بالمعرفة الموضوعية للزمان التعاقبي المتمفصل هو نفسه على الحركة الفيزيائية".[8] علاوة على ذلك، اقترح ريكور نفسه نموذجًا جدليًا بديلاً للهيرمنيوطيقا، حيث لا يتم تحديد الزمن فقط باعتباره وقتًا (تجريبيًا ظاهريًا) يتعارض مع الزمن الكوني، ولكن كزمن تاريخي "ثالث"، يتكون من الروابط الجدلية بين الزمن الحي المُعاش والكوني. إن تسمية الحاضر، الواقع والمضمون في سياقه في الزمن التاريخي ، لا يؤثر فقط على المنظورات المعرفية الأوسع ، بل يشمل أيضًا المضامين الوجودية، ويضع إشكالية توجهاتنا العالمية على الحافة الهيرمنيوطيقية بين الاكتشاف والابتكار. يمكن فهم الطابع التأويلي لتدخلاتنا في العالم وفقًا لعملية محاكاة حيث تعيد ترتيباتنا تشكيل العالم الذي نحاول فهمه باستمرار.[9] وبالتالي ، بدلاً من طرح السؤال عما إذا كانت معرفتنا - وكذلك ظواهر مثل اللغة والعلم والتاريخ والإعلام - اكتشافات أو اختراعات، تدعونا الهيرمينوطيقا لاستكشاف المشهد الذي يفتح على الأختلاف أو التباين نفسه كحقيقة ناشئة. هذا هو بالضبط المكان الذي يوجد فيه التأويل.

 

الدازاين (كينونة وجودية)

....................................

[1]2005. ريكور، بول، صراع التاويلات ، تر، منذر عياشي، الكتاب الجديد بيروت المتحدة،

[2] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994/1997);

Nihilism and Emancipation: Eth­ics, Politics and Law (New York: Columbia University Press, 2003/2004);

Dialogue with Nietzsche (New York: Columbia University Press, 2000/2006).

[3] Gianni Vattimo Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stan­ ford University Press, 1994/1997

[4] توماس فريدمان ، العالم مسطح: موجز لتاريخ العالم المعولم في القرن الحادي والعشرين (نيويورك: بينجوين ، 2005).

[5] Michael Hardt and Antonio Negri, Multitude: War and Democracy in the Age of Empire (NewYork: Penguin Books, 2005/2006), pp. 231- 237.

[6] Samuel Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (Clearwater, FL: Touchstone Books, 1998).

[7] Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy (Stanford, CA: Stanford University Press, 1994.

[8] ريكور، بول،، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة، >.جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت،2009، ص82.

[9] Paul Ricoeur, Citizen of the World: Cosmopolitan Ideals for the Twenty-First Century (Amherst, NY: Humanity Books, 2011).

 

 

علي رسول الربيعيدائما الآن وهنا

المقدمة: نواجه اليوم "نهاية العالم كما نعرفه"[1] فيبدو أن أسباب الحديث عن التحولات في العالم أكثر إقناعًا من أي وقت مضى، واصبح من البديهي أن نقول عن وضعنا الحالي نحن نعيش في زمن التغيير الكبير، لكن كما هو الحال دائمًا عندما نواجه تغيرًا كبيرًا، نحتاج إلى مقاومة " الغطرسة التاريخية" وهي النزعة المغرية لمركزية الذات التي تضعنا في مكانة متمايزة و بشكل غير معقول في مركز التاريخ والعالم.

هناك تقاليد فلسفية عميقة، تعود أساسًا الى إيمانويل كانط، الذي حاول التعامل مع مهمة تحديد المعنى التاريخي للوضع الحاضر كموضوع فلسفي. نعتقد أحيانًا، على الرغم من أننا كمختصين وباحثين في الفلسفة، أننا  "لا في مكان"، إذا ما قيلت لنا الحقيقة- وإذا أصغينا بعناية للتقليد الفلسفي الأنطولوجي النابع من هايدجر وآخرين - فإننا ندرك أننا دائمًا منغمسون بالفعل في العالم نفسه الذي نحاول أدراكه- "الآن" و "هنا".

لقد تم التعامل مع هذا الأمر باعتبار مهمة فلسفية جادة منذ أكثر من قرنين من الزمان: منذ محاولة كانط للإجابة على السؤال الملح" ماهو التنوير؟ "والتأريخ لهذا السؤال في ظاهريات الروح في فلسفة هيغل، وعبر آرنديت، فوكو، بوفوار، والأعمال اللاحقة لفون رايت وهابرماس، إلى مساهمات أكثر حداثة من قبل هارت ونيغري، حتى نوسباوم، وزيزيك.

لقد تم توسيع المهمة ونطاق وجهات النظر مع مرور الوقت، حيث برز نوع جديد من الخبراء والأختصاصيين في مجالات عديدة، تستند أساسًا الى العلوم الاجتماعية مثل: أولريش بيك، وأنتوني جيدنز، وزيجمونت بومان، وساسكيا ساسين، وديفيد هيلد، وغيرهم. واجهنا على مدى العقود القليلة الماضية، أيضًا شبكة من المفاهيم الجديدة التي تم تصورها في إطار طموح للتعامل مع عالمنا المضطرب، وتهدف إلى تسمية الحاضر وتحديده. إن السعي وراء تحديد التوجه في عالم دائم التغير للحصول على مزايا تنافسية قد تحول إلى أعمال ضخمة، مرتبطة بمجموعة متنوعة من الأعمال التجارية، والمسح الضوئي، والاستراتيجية الجغرافية، والتشخيصات المعاصرة بما في ذلك توقعات تلقي تنبؤات محددة حول المستقبل.

نحتاج، في هذه الحالة، إلى أن نسأل أنفسنا عن نوع المساهمة التي يمكن أن تقدمها فلسفة. هل يمكن أن يكون هناك فهمًا أكثر شمولاً لظروفنا الحالية ناشئًا عن القدرة على تطوير وجهة نظر شاملة مع مفاهيم أكثر دقة، أو سياق تاريخي أكثر شمولاً للتحولات الحالية، أو تفكير فلسفي نقدي يؤدي بالتالي الى تعزيز فكرة أن "عالم آخر ممكن"؟ أن هذه المساهمات صالحة، لكن مع ذلك، ووفقًا لرأيي فإن المساهمة الأكثر حسماً للفلسفة ستكون التعامل مع الوضع النظري الغامض للغاية لهذه التشخيصات لوضعنا المعاصر، والعجز الهيرمينوطيقي (علم التأويل) الخطير للعبارات التي تزعم الموضوعية؛ وعلى وجه الدقة، لتحديد الطابع الإبستيمولوجي (المعرفي) التفسيري المحدد لهذه المحاولات لتسمية الحاضر وتحديده، بالإضافة إلى مؤشراتها الأنطولوجية (الوجودية) من حيث التدخلات في واقع ناشئ.

مفاهيم المابعد

ظهرت شبكة مفاهيم المابعد على المشهد الفكري ابتداءً من العقود الأخيرة من القرن العشرين، مما تسبب في صراعات دائمة بشأن الوضع المعياري للحداثة في مجموعة متنوعة من المجالات مع التركيز على مناقشات ما بعد الحداثة. وهكذا، عندما لم يعد من الممكن تصور الحداثة على أنها أوضاع غير معقدة، فقد أثيرت أسئلة حول إلى أي مدى ينبغي الاعتراف بالحداثة كمشروع إشكالي أو غير منجز أو حتى أكثر خطورة ومشروع لم ينجح تماما. إنها أوضاع مثيرة للجدل في حد ذاتها بالفعل، فازداد التعقيد المتأصل لمفاهيم مثل التقليد والحداثة وما بعد الحداثة إذا تم جمعها معًا. والحقيقة التي لابد أن تؤخذ في الاعتبار هي أن الحداثة نفسها واحدة من أهم تقاليدنا اليوم. نظرًا لانخراطنا في العالم والطابع الانتقائي الحتمي لطرقنا في التعامل مع الواقع والماضي، فنحن دائمًا جزء من التقاليد، وسوف يكون هناك دائمًا نوعًا من  القانون أوالشريعة التي تحكم اهتماماتنا وتفضيلاتنا الفكرية.

ومع ذلك، فإن إحدى النتائج المهمة للخلافات حول ما بعد الحداثة هي إحداث حالة من النقد الذاتي داخل الحداثة نفسها، والتي يُنظر إليها أيضًا على أنها نوع من المواجهة الذاتية وفقًا لـ "العصر الثاني للحداثة".[2] يكشف الاعتراف بأن العرب والأقليات التي معهم والعبيد في أمريكا ربما كانوا أول البشر الذين عانوا ما من الجانب مظلم من الحداثة، أجندة خفية من العنصرية، مركزية أوروبا مركزية الولايات المتحدة، وكذلك البربرية المتأصلة وهو ما يبدو أنها تسكن في لا وعي كل حضارة.[3] إن من الحقائق المعروفة أن ملكًا أو إمبراطورًا في أوائل القرن العشرين كان يتمتع بمستوى معيشة مماثل مع أي رجل عادي من بلد متقدم في نهاية القرن نفسه - ومع ذلك ، قُتل خلال هذا القرن عدد أكبر من الناس مقارنة بالتاريخ السابق بأكمله.[4] كانت تناقضات القرن العشرين وعقدي الواحد والعشرين - التي زادت أيضًا من خلال مراعاة التجارب المتناقضة والتقدم الاستثنائي للديمقراطية وحقوق الإنسان - متوقعة من نواح كثيرة من قبل نيتشه، الفيلسوف الذي مات على عتبة القرن العشرين، حيث حدد الكثير من أجندة فلسفة ما بعد الحداثة.

ومع ذلك، ظهرت كلمة "ما بعد الحداثة" في بعض الأحيان باعتبارها كلمة طنانة ورطانة تعني أي شيء وتشير إلى كل شيء، وبالتالي لا تعني شيئًا. لقد جعل هذا الأمر مناسبًا للسؤال عما إذا كانت ما بعد الحداثة مجرد نوع جديد من المثالية المتعالية أو عودة شبح هيجل الذي يطارد توجهنا في التاريخ مرة أخرى. لكن لابد أن تُفهم الأفكار الفلسفية التي غالبًا ما يتم تقديمها تحت عنوان ما بعد الحداثة في ارتباطها ببعض التغييرات الهامة والتي تغيًر أو تحول عالمنا بطرق عميقة بالفعل. وتشمل هذه التحولات الجيوسياسية الدراماتيكية، التي تحول نظامًا عالميًا سابقًا لمركزية أوروبية وهيمنة أمريكية لاحقة إلى نظام عالمي ثلاثي الأقطاب ناشئًا بسبب صعود القوى العظمى في شرق آسيا.

لا يُنظر إلى اللغة أبدًا على أنها أداة بريئة ونقية، وبالتالي فإن القول: تم التعبير الفلسفة الحديثة بشكل أساس بثلاث لغات من أصل أوروبي - الإنجليزية والألمانية والفرنسية- قد يكون له تأثير هائل سيئ على تفكيرنا الفلسفي. بالتأكيد، أن أوضاع الفلسفة السائدة في الفكر العربي هي علامة تحثنا بجدية على "إعادة التفكير في الفلسفة" بطرق أساسية. وفي هذه الحالة، تُجبر الفلسفة، إلى جانب التخصصات الأخرى ايضًا، على مواجهة ومراجعة الخصوصية الفعلية للعديد من أدعاءات العالمية. لا يكمن الحل في محو هذه التقاليد، كما لو كانت محاولة بدء التفكير الفلسفي من الصفر دون أي شروط مسبقة، ولا تطوير هذا النوع من الفلسفة المتناقضة مع الذات، والتي تتجلى في مواقف فلسفية مثل "المركزية الأوروبية ضد المركزية الأوروبية". [5]

جدول الأعمال تحدده العولمة

بعد المناقشات العنيفة واللغط الكثير حول الحداثة وما بعد الحداثة في الفلسفة- وصعود ما بعد البنيوية بالإضافة إلى فلسفة ما بعد التحليلية على أعتاب الألفية - انخفض عدد "مفاهيم المابعد" كما انخفضت الطاقة الفكرية في الجدل والخلافات المتعلقة بالحداثة. تغير جدول الأعمال بشكل كبير بعد ذلك. وظهر مفهوم جديد، يتحدى الفلسفة للتعامل مع الحقائق الجديدة – أنه العولمة.

لا يبدو أن تعريف العولمة بعبارات غامضة تشير إلى الترابط العام في جميع أنحاء العالم كافٍ. فأفهم العولمة بدلاً من ذلك، وفقًا لمانويل كاستيلس، كشيء أكثر تحديدًا يشير إلى التأثيرات التآزرية والطاردة لمركزية اقتصاد عالمي غير منظم مع ميزات متزايدة عابرة للحدود الوطنية وصعود أنظمة معلومات شبكية جديدة متقاربة رقمياً تعمل في في الزمن الفعلي. بدأ يتم تنظيم الأنشطة المهيمنة في عالمنا حول شبكات مدعومة بتقنية المعلومات على نحو متزايد، وعلى مدى العقود الماضية، بدأنا نشهد للمرة الأولى في تاريخ البشرية، تزامنًا عالميًا وسوقًا يعمل في الوقت نفسه فعليًا، مع كل عواقبه غير المتوقعة.[6]

لقد أدت العولمة إلى نمو اقتصادي لا يضاهى وزيادة مستويات الصحة في العالم - ولكنها في الوقت نفسه أنتجت نموًا هائلاً في عدم المساواة بين الدول والأفراد. ونظرًا لكون التطور أحادي الجانب، حيث تكون الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية لعملية العولمة متطورة جدًا عند مقارنتها بالبنى التحتية الاجتماعية والثقافية والسياسية الضعيفة، فإن خطر حدوث صدمات ثقافية كبير جدا. بالتأكيد ، نحن بحاجة إلى تذكير أن هناك العديد من الروايات المختلفة والمتباينة حول العولمة ، والتي تولد تدريجياً صدام العولمة.

تحدد عملية التحول هذه اليوم أيضًا قدرًا كبيرًا من الأجندة الفلسفية الحالية. فنحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بجدية، ليس فقط ما تعنيه العولمة للفلسفة، ولكن ما هو نوع المساهمة التي تقدمها الفلسفة استجابة للتحديات التي تطرحها عملية العولمة. علاوة على ذلك، يبدو قد تم التوصل إلى إجماع في السياسة العالمية حول أنسب استراتيجية للتعامل بنجاح مع تحديات العولمة ، الأً وهي التركيز القوي على التنافسية العالمية ودعم التحول السريع إلى اقتصاد قائم على المعرفة. وفقًا لذلك، يتم تحديد المعرفة، في مجتمع المعلومات الذي حل محل الصناعة، بشكل متزايد كعامل رئيسيمع توقعات طوباوية؛ ومن ثم فقد تم تصميمها على أنها المحرك الذي يعمل على توفير الطاقة الاقتصادية. عند إعادة قراءة "كلاسيكيات ما بعد الحداثة" في هذا السياق، مثل " وضع مابعد الحداثة"[7] لجان فرانسوا ليوتارد لابد أن نعترف ببصيرته الثاقبة في تاكيده على الأهمية الاستراتيجية للمعرفة في اقتصاد المعرفة الناشئ. يمكن تمييز ثلاثة جوانب مهيمنة في هذه الرأسمالية المعرفية الجديدة، التي تم تشكيلها وفقًا لفضيلة ما يُعرف بنظام المؤسسات المرن، وهي: الكفاءة (التعلم مدى الحياة كسيناريو حياة جديد) والأدلة (التركيز الجديد على القياس والكفاءة والمحاسبة) والابتكار (الصناعات الإبداعية). ومع ذلك، تخاطر الفضيلة السائدة للمرونة، في هذه الخطابات الجديدة المتعلقة بالمعرفة بتدمير المتطلبات الثقافية المسبقة لخطاب فلسفي نابض بالحياة أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو هذا النمط الجديد السائد والمرن لتنظيم المعرفة كافياً على الإطلاق لدعم تنمية المعنى والهوية. وبالتالي، من أجل مقاومة تطور إنسان مرن - إنسان بلا ذاكرة وقناعة ومسؤولية - نلجأ إلى المصادر الفكرية التي توفرها الهيرمينوطيقا (علم التأويل). وهذا سيكون الجزء الثاني من الدراسة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................................

[1] فالرشتاين،إيمانويل، نهاية العالم كما نعرفه، ترجمة فايز الصًياغ، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة، 2017.

[2] Ulrich Beck, Power and counter power in the global age (Frankfurt: Suhrkamp, 2002).

[3] Cornel West, The American Evasion of Philosophy. A Genealogy of Pragmatism (Madison, WI: The University of Wisconsin Press, 1989);

Beyond Eurocentrism and Multiculturalism, I-II (Monroe, ME: Common Courage Press,1993).

[4] Eric Hobsbawm, Globalisation, Democracy and Terrorism (London: Abacus, 2007), p. 15

[5] فالرشتاين،إيمانويل، نهاية العالم كما نعرفه

[6] Manuel Castells, The lnfonnationAge I-Ill(Oxford: Basil Blackwell,1998).

[7] Jean-François Lyotard, La condition postmodern. Report on Knowledge (Paris: Midnight, 1979).

 

 

حاتم حميد محسنيُعتبر الفيلسوف اورتيغا من اكثر الفلاسفة ملائمة للقرن العشرين وربما لجميع الأوقات. فهو بدلا من الصورة النمطية للفيلسوف والجلوس في برج عاجي كان اورتيغا منهمكا مع حياة مجتمعه ومشاكله. في أعماله العظيمة، بما فيها (تأملات حول كيخوته)، و(ثورة الجماهير)، كان يمكن تطبيق افكاره الفلسفية مباشرة لفهم القضايا التي واجهت اسبانيا والمجتمع الاوربي في ذلك الوقت.

وُلد اورتيغا في 9 مايو 1883 في مدريد لعائلة ثرية، كان لوالديه عدة ارتباطات مع الثقافة والسياسة الأسبانية. كان ابوه محررا في صحيفة المحايد (EI Imparcial) الأسبانية البارزة (أسّسها جده لامه عام 1867). وبفضل هذه الارتباطات، كان يأتي وبانتظام أهم الرموز السياسيين والمثقفين كضيوف لبيت العائلة. كان ابواه سعداء في السماح له واخوته للاشتراك بالنقاشات، لذا فان ذهن الفيلسوف الشاب كان مثقفا منذ وقت مبكر.

أحد المشرفين الأوائل كان أول من لاحظ عبقرية اورتيغا، وذكر انه كان اكثر التلاميذ ذكاءً مدّعيا " احيانا يحصل لدي انطباع انه يعرف الجواب قبل ان اضع السؤال". ذهب اورتيغا لحضور المدرسة اليسوعية في مالغا، التي كان لها تأثيرا كبيرا على افكاره، عندما شهد القبضة القوية للكنيسة الكاثوليكية على المجتمع الاسباني. اصبح اورتيغا مقتنعا ان المحافظة الراديكالية في اسبانيا انذاك كانت تقيّد البلاد اجتماعيا وثقافيا. هذا القلق كان واضحا في جميع اعمال اورتيغا لأجل الاصلاح الاجتماعي والثقافي.

اتجاه المنظورية perspectivism

بعد إكماله دراسة الدكتوراه في مدريد، ترك اورتيغا اسبانيا عام 1905، في اول رحلاته الى المانيا. كان امضى سنة في ليبزك حيث كرس نفسه للفلسفة للتحقيق في أعمال عمانوئيل كانط. في عام 1907 زار البلاد مرة اخرى، هذه المرة بقى في ماربورغ. بعد ذلك عاد الى نفس المدينة عام 1911 كبروفيسور في الميتافيزيقا متوقعاً اول اولاده الاربعة من روزا التي تزوجها قبل سنة.

اكبر ابنائه Miguel German، وهو اشارة لأهمية تأثير البلد(المانيا) على اورتيغا. العلم والثقافة الالمانية وفرتا كما يبدو شعورا عقلانيا وموضوعيا في الفرد وفي المجتمع، وهو ما بدا بالضبط ما كانت تحتاجه اسبانيا للتحرك الى الامام. لكن اورتيغا اعتقد ايضا بان "حيوية البحر المتوسط" كانت خاصية هامة لشعب اسبانيا لا يجب فقدانها.

ان تأثير المانيا على افكار اورتيغا حول بلده يمكن رؤيته في اول اصدار كبير له وهو، تأملات في الكيشوت(1914)، الكتاب الذي لم يكن مجرد تعليق على رواية اسبانية شهيرة، وانما كان بمثابة تلخيص لفكر اورتيغا. كان اورتيغا قد تأثر بفكرة البايولوجي (جاكوب فون اوكل) بان الكائنات الحية يجب دراستها ضمن بيئتها لكي يمكن فهمها، وهو ما دفعه ليجادل بان حياة الانسان يجب ايضا فهمها من خلال ظروفها: "الواقع الظرفي يكوّن النصف الآخر لي كفرد: انا احتاجه لأتصور نفسي ولأكون ذاتي الحقيقية"، هو كتب ان، المكانة الاجتماعية، الفترة التاريخية، القومية، الموقع الجغرافي، والموقف الاقتصادي كلها ملائمة عندما نأتي لفهم كيف ينظر المرء للعالم ولنفسه، طالما هي تقرر منظورنا. هذه الفكرة تلخصت في أشهر أقوال اورتيغا: "انا وظروفي، اذا انا لم أضعها بالإعتبار، فسوف لن أعتبر نفسي"(1). وبنفس الطريقة التي يخرج بها اورتيغا الى العالم عند نهر غادرما قرب مدينته، او عندما يخرج المصريون القدماء الى نهر النيل، نحن ايضا نخرج للعالم من مكاننا الأصلي. وبصرف النظر عن عدد الأفكار الجديدة التي انت تنفتح عليها، لا يهم كم هي ستغير طريقتك في التفكير، فانك دائما ستبقى تتصور، تجاربك الماضية، طفولتك، المكانة الاقتصادية والاجتماعية، قوميتك، مرحلتك التاريخية، وجميع تلك العوامل هي هامة وحيوية في تعريفك كفرد.

بينما كان يتجول في الغابة قرب دير السكوريل خارج مدريد، وحيث تمضي العائلة رحلتها الصيفية، اعترف اورتيغا بانه على الرغم من ان فكرة الغابة تنطوي على مدى واسع من الأخشاب، لكنها في الواقع لاتجسّد نفسها ابدا بهذه الصورة. بدلا من ذلك، نحن لا نرى سوى مقدار ضئيل من الغابة عندما نمشي خلالها – هناك فقط عدد قليل من الاشجار وممرين اثنين. وعندما نتجه نحو ممراتها الضيقة المضللة، فان اجزاءً جديدة من الغابة تكشف نفسها تدريجيا عندما نترك تلك التي بقيت في الخلف. من المهم ان نتذكر ان كامل الغابة لاتكشف نفسها ابدا لنا. وبنفس الطريقة، الفلاسفة هم مثل أي شخص آخر حين يبحثون عن أي نوع من الحقيقة الموضوعية، يجب ان يكونوا واعين بظروفهم. ولكي نعمّم، فان الزاوية المعينة التي ترى منها الاشياء حتما ستؤثر على الطريقة التي تبدو بها، وبالتالي تقرر منظورك حول الواقع. ومع ان موقفنا يقرر منظورنا، لكننا نستطيع ايضا تحسين منظورنا عبر السعي النشط لتوسيع وجهات نظرنا، وبذل الجهد للحصول على فهم افضل لكل من ظروفنا وظروف الآخرين.

ماذا يعني هذا لنا كافراد؟

للاجابة على هذا السؤال من المفيد النظر الى عبارة اورتيغا الشهيرة بالكامل: (انا انا وظروفي، واذا انا لم اعتبرها، فهي سوف لن تعتبرني ". لذا انها ليست فقط الحالة التي نتقرر بها بفعل الظروف، وانما نحن لدينا واجب تجاهها، نحن نجد انفسنا ألقي بنا في هذا العالم، حيث اننا محاطون بمجموعة من الظروف يجب علينا التعامل معها. العقل هو استجابتنا الادراكية لهذه الحقيقة، محاولتنا لجعل معنى لكل الغابة وراء الجزء الصغير الذي نتصوره مباشرة. اورتيغا قلب استنتاج ديكارت رأساً على عقب، "انا افكر اذا انا موجود" بقوله، "انا أعيش اذا انا افكر" (انظر ماهي الفلسفة؟، 1929، الترجمة الانجليزية، 1963). هو يعني ان تفكيرنا هو نتيجة لحياتنا وظروفها: انه امر حيوي بالنتيجة ان نقبل رغم عقلانية الاعتقاد ان س يتبعه ص، لكن الناس في موقف مختلف ربما يفكرون وبشكل شرعي ان ص يتبعها س. العقل الحيوي شكّل الاساس لأفكار اورتيغا السياسية والفلسفية. فمثلا، كتاب Invertebrate Spain الذي نُشر عام 1921، نفس سنة ميلاد بنته سولداد، عرض رؤية لأسبانيا والتي بدلا من كبح وتجاهل التنوع المناطقي لكتلونيا اقليم الباسك وصفهم اورتيغا كـ "أعضاء" جميعها تكوّن جزءاً من مركّب عضوي أكبر.

جميع مشارع اورتيغا الاجتماعية والسياسية حاولت خلق هذه الرؤية التعددية لحقيقة اسبانيا الموحدة. فكرة التعددية لبلده سوف تشكل لاحقا الاساس لفهمه لاوربا التي قارنها بسرب من النحل يطير في نفس الاتجاه.

الجماهير

في عام 1930 تنازل الملك الثالث عشر الفونسو عن العرش وبدأت جمهورية اسبانيا الثانية. وكغيره من المثقفين، اعتقد اورتيغا ان هذه كانت فرصة لتنفيذ تغييرات يحتاجها البلد. كونه استقال من وظيفته كأساذ في الميتافيزيقا في جامعة مدريد قبل عدة سنوات، فان فصلا سياسيا جديدا قد بدأ في حياة الفيلسوف. في عام 1931 أسس اورتيغا (مؤسسة الخدمة للجمهورية)، وهي جماعة من المثقفين لخدمة الجمهورية. ورغم نواياه النبيلة لكن عمله السياسي تضائل عندما استقال من المنظمة بعد سنة . وبعيدا عن إحداث تقدم، اصبح المجتمع الاسباني اكثر قطبية عندما ازداد التوتر بين معسكري اليمين واليسار. الإضرابات والتمردات والاحتجاج العام اصبح شبه دائم، حتى بلغ ذروته عام 1936 مع اندلاع الحرب الاهلية الاسبانية التي انتهت عام 1939 بتأسيس الدكتاتورية الفاشية للجنرال فرانكو.

لم يكن كل ذلك مفاجأة لاورتيغا. في عمله الشهير (تمرد الجماهير، 1930)، طوّر اورتيغا فكرته عن الرجل العادي mass man، الفرد "لأجل ان يعيش عليه ان يكون في كل لحظة ما كان عليه سلفا، دون ان يُفرض عليه اي جهد نحو الكمال، انه مجرد عوامة تطفو على الأمواج." رغم ان ميوله الطبيعية هي ان يتّبع ما حوله، لكن اورتيغا إعتقد ان هذا الشخص سيطر على المجتمع الحديث. سيطرة هؤلاء الناس، ليس فقط في اسبانيا، وانما في كل اوربا، قد تكون لها نتائج مرعبة. ميولهم فقط في تقليد القيم والعادات والموضة التي حولهم بدلا من التفكير والتصرف المستقل(او بالتعبير الوجودي، الأصيل) قد تكون له انعكاسات خطيرة. واذا كان هذا قاد الى عدة اتهامات بالنخبوية، لكن تجدر ملاحظة ان الرجل العادي لم يُعرّف بطبقته او مكانته الاجتماعية. يرى اورتيغا "كل الطبقات لها جماهيرها". الجماهير تتميز عن الاثنيات المنتقاة بشخصيتها. الفرد "المتوسط" راض بالاندماج مع الجماهير، يفتقر الى أي رغبة لتطوير نفسه وتحسينها كفرد. مقتنعا بعمل من حوله مهما كان، هو بذلك يهرب من مسؤولية القرارات والاهتمام بالوزن الأخلاقي لأفعاله. بالمقابل، "الاثنيات المنتقاة" تكافح لتحسين ذواتها لتصبح احسن حالا ولن تشعر ابدا بالاحساس التام للانجاز، لا اهمية لمقدار ما تعمل .كلا النوعين من الفرد، يمكن ان يوجدا في كل مناحي الحياة، دون اي اعتبار لمقدار الثروة، او الألقاب، او الشهادات العلمية في التمييز الجوهري بين الاثنين.

الرجال العاديون، ومع عدم وجود اي اهتمام بفهم العالم الذي حولهم، يفتقرون الى معنى المنظور . هذا يمكن رؤيته، مثلا، في علاقاتهم مع التكنلوجيا. هم يمضون حياتهم اليومية يفكرون بالاشياء كالسيارة والتلفاز والتلفونات الذكية كسمات بسيطة للعالم. حقيقة اننا وُلدنا في عالم نستطيع فيه بسهولة ان نشعل الضوء ونرسل الرسائل النصّية او نقود السيارة االى أي مكان، يعني انه من السهل ان نأخذ هذا الاشياء كمسلمات بديهية، متجاهلين عدة سنوات من البحث في تطوير التكنلوجيا، بالاضافة الى كفاح الأجيال السابقة الذي قاد الى تطويرها. في رؤيته لهذا النقص في المنظور التاريخي، يرى اورتيغا ان هذا الطفل المزعج هو نتاج للمجتمع الحديث، وهو يحتقره كما يحتقر المراهق المشاغب لأبويه . ظروفك تجعلك منْ انت، لذا يجب ان تعرفها.

كان اورتيغا متأكدا ان عقلية الجماهير في المجتمع كانت السبب في صعود الايديولوجيات السياسية الراديكالية التي قادت الى انتشار الأنظمة الفاشية في اوربا في ذلك الوقت، ولا ننسى النظام الذي أجبره على مغادرة بلده. اذا كانت عقلية الجماهير شيئا مثيرا للقلق في الثلاثينات، نحن يجب ايضا ان نقلق بشأنها الآن. ماذا يقول لنا اورتيغا الآن ونحن نحدّق في شاشات التلفونات ونتجول في عناوين الاخبار مستهلكين معلومات واسعة ومتّبعين آخر أشكال الموضة؟

الدولة القومية وتوحيد اوربا

بعد ان عاش في فرنسا والارجنتين والبرتغال، عاد اورتيغا بالنهاية الى اسبانيا عام 1945، رغم حقيقة ان الرقابة الصارمة المفروضة من سلطات فرانكو الدكتاتورية جعلت من الصعب عليه الاستمرار في النشاطات الفكرية. معظم مؤتمراته ومحاضراته اللاحقة عُقدت في دول اوربية اخرى، حيث ان افكاره يمكن التعبير عنها بحرية. هو قابل الفيلسوف الالماني المثير للجدل مارتن هايدجر(1889-1976) في مؤتمر في مدينة دارمستد الالمانية عام 1951. ومن المؤتمرات الهامة الاخرى مؤتمر عقد في برلين بعنوان "تأملات في اوربا" .

كتاب تأملات في اوربا، الذي نُشر بعد وفاته عام 1960، يناقش فيه اورتيغا الدولة القومية، دورها ومستقبلها. وبعد ان اُجبر على مغادرة بلده من جانب نظام الفاشي، ومعاناته لحربين عالميتين، ليس من المستغرب ان تكون الدولة القومية موضوعا هاما لاورتيغا. هو اعتقد ان القضية تكمن جزئيا في حقيقة انه، بينما الدولة القومية تولّد مقدارا كبيرا من التعصب، لكننا عادة غير قادرين على توفير تعريف دقيق لها – وهو الشيء الذي فعله اورتيغا سلفا قبل وقت طويل من "ثورة الجماهير". هو يذكر في المؤتمر : "انا سوف اعيدها مرة اخرى: الحقيقة التي نسميها الدولة هي ليس مجيء تلقائي لاولئك المتّحدين بروابط الدم. الدولة تبدأ عندما تنقسم الجماعات طبيعيا وتجد نفسها ملزمة للعيش المشترك. هذا الإلزام لن يُفرض عليهم بالعنف، وانما ينطوي على هدف محفز، مهمة مشتركة توضع أمام الجماعات المنقسمة. فوق كل ذلك، الدولة هي خطة للعمل وبرنامج للتعاون. الناس يُدعون اليها لكي يقوموا بشيء مشترك. الدولة لا هي وحدة قرابة ولا وحدة لغوية، لا وحدة اقليمية ولا وحدة من القرب السكني. انها ليست شيئا ماديا ناقصا وثابتا . انها دينامية خالصة – الرغبة بعمل شيء ما مشترك – وبفضل هذا لم تكن امام مفهوم الدولة أية حدود مادية".

تماما مثل أي مشروع آخر، الدولة القومية لها عدد من القيم، والعلامات المميزة المعترف بها (علم)، ومجموعة عامة من العادات التي توحّد أعضائها، يخلق تماسكا ثقافيا بينهم. الدولة القومية بُنيت على التنوع والانتماء اليها لا يعني ان جماعات فرعية تفقد فرديتها. لتكن كاتلونيا في اسبانيا او اسكتلندا في المملكة المتحدة، الانتماء الى دولة قومية لايزيل روحها كوجودات منفصلة. وبنفس الطريقة، كل الجماعات الاخرى التي تشكّل أعضاء الدولة لن تفقد هويتها عندما يصبحون جزءاً من الامة: كونك اسباني لا يعني انك ذو ايمان معين او عمر او جنس، وبينما يُفترض انك تتحدث الاسبانية، لكن ليس من الضروري ان تتحدث بلسان امك. حتى الحدود التي ربما تبدو معرّف ثابت للامة هي النتيجة الحالية لقرون من الصراع والمفاوضات. انها تغيرت باستمرار خلال التاريخ ولا يوجد هناك سبب للاعتقاد انها لن تكون كذلك مرة اخرى في المستقبل. لذا بدلا من فهم الامة كشيء ثابت مرتبط بارتباطات ميتافيزيقية، يجب النظر اليها كشيء ديناميكي نقوم به بدلا من شيء نحن فيه. بفضل السجلات التاريخية، هناك سجل موثق لروما منذ بداياتها وحتى سقوطها. الاوربيون شهدوا ايضا ولادة دولهم القومية الحديثة من أنقاض الامبراطورية الرومانية، بما في ذلك نموها وتعاون الجماعات المجاورة لها . لكن الدول القومية تميل ايضا للانكماش والتمزق، وربما تموت. ومع التقدم في العمل، ليست الامم سمات خالدة يمكن ان توجد طبيعيا على وجه الارض، تترك الامم عرضة لأي مصير تناله. كديناميكية، ومشاريع دائمة التغيير، يجب على الامم ان تكون منفتحة للتغيير ولإندماج الجماعات الجديدة التي ربما تساهم افكارها بحل مشاكلها والوصول لأهدافها.

يرى اورتيغا ان اوربا موحدة سيسمح بحدوث هذا لأسبانيا. امم اوربا تقاسمت تاريخيا التجارب والافتراضات الثقافية بالاضافة الى المشاكل والاهداف المشتركة. لذلك فان تعاون الدول الاوربية كان ضروريا لتطويرها. ولكن مثلما ان الدولة القومية لم تترك الجاليات التي تكوّنها مجردة من فردياتها، اعتقد اورتيغا ان لاسبب هناك لاوربا الموحدة لتزيل سيادة او هوية اممها. مقارنا اوربا باليونان الهلينستية هو يقترح ان "الاثنيين، مثلا، يشعرون شعورا مزدوجا بكونهم اثنيين وهيلنستيين، مثل الالمان يشعرون كآلمان ويعرّفون انفسهم كاوربيين ". وبقدر ما يتعلق الامر بالهوية، افترض اورتيغا سلفا وقبل وقت طويل انه في اوربا " "كل مبدأ موحّد جديد كان مخصّبا للتنويع ". اوربا الموحدة لا يجب ان تهدد السيادة الوطنية، ولا ان الاهتمامات الوطنية والمصالح تُعتبر تهديدا للوحدة الاوربية.

الميراث

توفي اورتيغا في مدريد عام 1955، دون ان يرى وحدة اوربا التي اعتبرها حاسمة للتقدم في المستقبل. ولم ير ايضا سقوط نظام اسبانيا الفاشي الذي اجبره على النفي لحوالي عشرين سنة. ولو اردنا التنبؤ ما اذا كان يوافق ام لا يوافق على الاتحاد الاوربي، لا شك انه توقّع الحاجة الحتمية للتعاون بين الدول الاوربية لحل القضايا المشتركة – تماما كما فعلت ذلك عدة مرات طوال التاريخ.

قضايا اخرى في عمله استمرت لتبقى ملائمة منذ وفاته. وكنتيجة لزيادة الاعتماد على الجماهير واستخدامنا المستمر للشبكات الاجتماعية كمصدر للمعلومات، فان التهديدات التي شكّلتها عقلية الجماهير هي اكثر الحاحا الان من اي وقت مضى، دعك من وجود الراديكالية في عدة زوايا من المجتمع. وبالرغم من ان افكاره كانت كما يبدو مبعثرة باسلوب غير متماسك عبر العديد من المقالات والكتب التي كتبها طوال عمله الغزير، لكن اورتيغا كان متماسكا جدا في إعطاء فلسفة حيوية حقا، تذهب الى ما وراء الاكاديمية وتوفر اتجاها لكل مظاهر حياتنا سواء كانت محلية او اجتماعية او سياسية، تماما مثل فلاسفة اليونان القديمة وروما الذين بدأوا قبل اكثر من الفين سنة.

 

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) في هذه العبارة الشهيرة يشير اورتيغا الى الاتحاد القوي بين منْ نحن وما يحيط بنا، انه من المستحيل فهم احدهما دون الآخر، وبهذا فان قراراتنا مشروطة بمنْ نحن وكذلك بظروف المكان والزمان.

 

 

ريكان ابراهيمفي علم النفس الديني (2)

إن الخوف هو المفردة الأولى من مفردات السلوك البشري الذي يواجه به الإنسان الكينونة من حولهِ. وأكبر الخوف هو الخوف من المجهول. ولا يستقر الخائف إلا بظهور مفردة أو مفردتين مع بعضهما ونعني بهما: إكتشاف مصدر الخوف، ووجود المطمئن من هذا الخوف.

فمعرفة مصدر الخوف تٌحدده فتَحِده فَتٌحجمٌ شأنه فيصغر فيقوى عليه الخائف. كما أن معرفة المطمئن من الخوف تقود إلى إكتشاف السند الذي يلجأ إليه الخائف فيوكل إليه آلية التخلص من هذا الخوف

يقودنا هذا الإستدراج الذهني إلى إمكان القول أن الإنسان كائن مٌنتم بالفطرة إلى الأقوى منه، ليس بحكم حٌبِ الإنتماء، إنما بحكم ضرورة الولاء لمصلحته الذاتية، التي يراها تتحقق بموالاة الأقوى.

إنَ الظاهرات الطبيعية (مصادر التخويف) التي واجهها الإنسان تشمل ما يأتي من السماء وما ينشأ من الأرض، كالرعد والبرق والإعصار مثالاً على النوع الأول، وكالزلزال والفيضان والوباء المرضي مثالاً على النوع الثاني.

وأمام هذين المصدرين للخوف (السماء والأرض) يبرز مصدر آخر لخوف الإنسان ونعني به: خوف الإنسان من نفسه. فالنفس البشرية هي (مخيف) يتهدَد الإنسان منذ اليوم الأول لولادته وحتى موتِه.

وحينما كان الإنسان جاهلاً بمصدر القوة التي تقف وراء هذه الظاهرات المٌحدثة (ما يأتي من السماء وما ينشأ من الأرض وما يعتمل في النفس)، فإنه كان يلجأ إلى عبادة الظاهرة بدلاً من عبادة مٌحدِثُها. فهو لا يعرف مصدر البرق والرعد فيعبدهما لشرِهما (العبادة الخائفة)، وهو لا يعرف لماذا يغيب المطر فيعبد الغيمة زلفى لجودها به، وسرى هذا النوع من العبادة على الزلزال والإعصار والبركان وكذلك على الطاعون وفيضان النهر.

هذا هو الإنسان المنتمي إلى مزيلات خوفه بالتعامل الحسي الفاقد لأية قدرة على التعامل اللاحسي. فما لا يُدركه لا يؤمن به، وما يُشاهده أو يسمعه يتوقاه بالتقرب إليه مباشرة أو بغير مباشرة.

***

وتدرج الإنسان الأول في البحث عن القوة (وليس عن ناتجها وهو الظاهرة) بعد أن فقدَ الرجاء في معاونة الظاهرة له على تجاوز خوفهِ. ومن هنا نشأَ تعددُ الآلهة. ووزَع وعي الإنسان القديم الآلهة توزيعاً وظيفياً فإلهٌ للنار وإلهٌ للموت وإلهٌ للحُب وإلهٌ للحياة....إلخ

إن قصور الذهن البشري عن إدراك وجود إله واحدٍ قادرٍ على إدارة كل هذه الظاهرات الكونية هو الذي قاد الإنسان إلى تَعدد الآلهة. إن عملية الإلحاد عمليةٌ أسهل من الإيمان والتوحيد ذلك لأن الإلحاد لا يحتاج إلى إعمال التفكير والتدبر والمقارنة بين السبب والنتيجة وبين العلِة والمعلول على عكس ما يكون عليه الإيمان الذي يعتمد على الفكر الإستنباطي (Abstractive Thinking)، وهو أعلى درجات التفكير. لقد أفرز التاريخ البشري أُناساً عظماء في الفكر ومبدعين في الإنتاج الثقافي ولكنهم كانوا ملحدين. والسبب في ذلك أنهم كانوا من عُشاق التعامل الحسي مع الظواهر (الظاهرات).

وبالحس المباشر لا يمكن إدراك ما هو فوق الحس. إن الإيمان بالله الواحد له معايير (Criteria) مثلما لكل ظاهرة أخرى على الرغم من تفرِد هذه الظاهرة بمعايير ها الخاصة والتي تشمل:

1- إنتفاء الزمان والمكان في تحديد مفهوم كلمات (الأزل) و(الأبد).

2- التحقق الكامل لكلمة (المُطلق) في الذات الإلهية يقابلها التحقق الكامل لكلمة (الجزئي) في ذوات أُخرى.

3- إختفاء الكلمات الوصفية وعجز اللغة عن وضع صورة نهائية للخالق.

4- الإعتراف بأنَ المُغيب لا يعني عدم وجودهِ بل يعني أيضاً قصور وسائل إدراكه عن مهمتها.

5- لا يملك سؤال "الله هو الخالق لكن من خَلقَه؟" قدرةَ على إيجاد جواب له، لأنَ هذا السؤال يصلح لمخلوقات مُدركة بالحس ومسألة الله فوق الحس ولا تكفي اللغة أن تحير جواباً لمثل هذا التساؤل.

6- العِلم الحقيقي هو الذي يُخبرك عما عَلِمهُ عن الشيء ولا يتبجَح بإنكاره ما لا يعرف وعدم معرفة الناس بالله لا يعني عدم وجودِه.

***

إن تقدُم الإنسان في إكتشاف الكثير من أسباب حدوث الظاهرات التي كانت تُخيفه ولا يملك تعليلاً أو تفسيراً لم ينتصر على إستمرار خوفه، وذلك بسبب عدم قدرته على إستخدام هذا الإكتشاف في منع تكرر هذه الظاهرة أو تلك. مثالاً على ذلك: في الإتحاد السوفيتي السابق حصل تقدمٌ كبير في الإستنباء بالزلازل في الأرض السوفيتية بإستخدام القدرات الفائقة لبعض الحيوانات (الديكة والأفعى والجرذان) للكشف المبكر عن الزلزال القادم قبل وقوعه وأفاد الباحثون كثيراً لكنَ الخوف لم يكن ليزول لأنَ المهم ليس إكتشاف الزلزال إنما المهم هو الإجابة عن السؤال الأكبر وهو لماذا يحدث الزلزال وفي هذا الوقت وفي هذه المنطقة دون غيرها ليموت هؤلاء الناس ولا يموت غيرهم. وظل الحال في هذا المثال قائِما ليُميز الباحثين الذين اضطروا أخيراً إلى فهم الأمر على أنه تدبير فوقي من قوة أكبر من المُدرك الإنساني. وأمام هذا الإعتراف (سَمه الإستسلام) نشأ الإيمان بالقوة الأكبر وهي الله.

***

بين منزلة الإلحاد ومنزلة الأيمان تقوم عند الإنسان مرحلة أو منزلة اسمها (اللاأدرية). وتنشأ هذه المنزلة من التفكير حين لا تكفي هذا الإنسان أدوات الإلحاد كما لا تكفيهِ أدوات الإيمان. فيظل يجاهد ويجتهد إلى أن يجهد فيؤول أمره إلى إستراحة عقلية من تعبه في هذه المساجلة فيفوض حالته إلى تجاهل السؤال الباحث ويقف عند اللاأدرية.

وحينما تطول لديه هذه المرحلة أو المنزلة ينشأ عنده مبدأ الإيمان بالصُدفة. والصُدفة التي يُعبر عنها في اللغة الإنجليزية ب "By chance" وبكلمات أدَق من هذه الكلمة مثل "Co-incidence" أو "Accidental". هذه الصٌدفة في التعبير الأكثر عَجزاً عن الإتيان بأية حالة إرضاء للسؤال.

فلا يمكن أن تشرح الصُدفة هذا الإتسَاق المزمن في الفسلجة والكيمياء الحيَة في الكائن الحيَ كما لا يمكن أن أن تضع شرحاً لهارمونية الكون. إن الناموس الذي يحكم الكينونة يُحيِد "دور الصدفة". وأمام (اللاأدرية) يعود الإنسان إلى دائرة القلق، فيغادرها إما إلى الإلحاد والإنكار أو إلى الإيمان. إن الإيمان الناشيء من عدم القدرة على الإلحاد خوفاً أو رهبة هو أضعف الإيمان لأنه يُمثل الموالاة ولا يٌمثل الإنتماء.

***

إنَ عظمة الإله المُطلقة التي لا يَحدُها وصف ولا ترسمها كلمات حَدت بكثيرين إلى الإلحاد بهذا الإله وقد يستغرب القارىء ذلك. ولكي نزيل عن القارىء إستغرابه نذكرِه بأنَ قصور مخيلته "his Imagination" عن التعامل مع المُطلق هو السبب في إنحسار قدرته على الإيمان. إنك لا تستطيع أن تتعامل مع كلمة " إله" على أنها تعني رئيساً لمرؤوسين أو قائداً لمقادين، أو مديراً يجلس في مكتبه في ساعات الدوام محدودة مٌقررة ليصدر أوامره إلى هذا أو ذاك. هذا لا يجوز وبمثله لا يمكن أن تدرك عظمة الله.

إن المُلحد في حيرة دائمة، حتى في محاولة فهمه للنص. فالله قد خلق الأرض والسماوات في ستة أيام ثم إستوى على العرش. يسأل هذا الملحد : لماذا لم يستخدم الله قدرته القائلة بمبدأ "كن فيكون" في خلق السماوات والأرض فلا يحتاج إلى ستة أيام؟ ثم يسأل: ما المقصود باليوم الواحد من هذه الستة، هل هي أيامنا المُقسمة على أربع وعشرين ساعة أم هي أيام أخرى لا نعرفها؟ ثم يسأل: لماذا إستوى على العرش، هل العرش مكتب للقيادة أم له مفهوم آخر؟ هذه هي الأسئلة التي تجعل الملحد في حيرة دائمة كما أسلفنا. إن حيرته تنشأ من محاولتهِ معرفة كل شي بإدراك حسي ناسياً أنه لو إستطاع إدراك كل شيء بقدراته الحسية لأتى على نهاية للإله وللكون الذي خلقه جاهلاً بأن لله الخالق حكمةً لا تُدرك بل يمكن إدراك جزء منها يظل صغيراً مهما تعاظم.

***

يُثار في علم النفس الديني سؤال يتكرر: لماذا يلجأ الإنسان إلى الإلحاد عندما يعجز عن تحقيق حالة الإيمان بالله؟ بمعنى آخر: هل الإلحاد هو النقيض الدقيق في المعنى للإيمان؟. نحاول أن نتدبر الآن الإجابة فنقول: هل يستطيع تلميذ الرياضيات أن يقول عن مسألة حسابية يعجز عن حلَها بكل محاولاته إنها غير موجودة إنطلاقاً من عجزه عن حلِها؟

إن قال ذلك فإنه يكون قد "ألحدها" أي ألحدَ بها، وهذا ما يخالف المنطق في مجال الفلسفة الطبيعية " القانون الطبيعي". معنى هذا أن الإلحاد لا يناظر الإيمان معنىَ أو مبنى. فإنك لم تكن مؤمناً فلا يعني أنك ملحد بالضرورة. إن المُلحد مؤمن مؤجل يزول إلحادُه في أية لحظه.

***

لقد عرف علم النفس خمساً من الحواس بخمسةٍ من أعضاء الحس ولكنَ هناك حاسةٌ تفوق هذه الخَمس إسمها "الحاسة السادسة"، وقد سُميت كذلك إختصاراً لأنها تشمل أكثر من حس أو إحساس، فيصحُ هنا أن نسميها "الحواس السوادس" أو " حواس ما بعد الخمس". وفي هذه الحاسة يختلف الناس فينشأ من هذا الإختلاف تفاوت الناس في " الإلهام" و "الإستنباط" و " الإستنتاج" و "الحدَس" و " الإستنباء" و" الإبداع".

إن تفاوت الناس في الحواس الخمس لا يحمل أو يملك تأثيراً فيهم مثلما يملكه تفاوتهم في الحاسة السادسة. فهناك عُميانٌ فاقوا المبصرين قدرةً على الإبداع. إن الحاسة السادسة هي ناتج صراع الإنسان مع متحدياته من الغوامض.

وأولُ الغوامض هو " السِرُ" أو " المخفي". وأعلى سرِ هو الله. فعلى الرغم من اعتمادنا في إدراكه على آثاره في خَلقه، يظل سرَاً أكبر في كيفية إختلاف هذه الآثار تكويناً وتلويناً وظهوراً وزوالاً.

إن الفص غير المُهيمن من الدماغ " وهو الفص الأيمن عند أغلب الناس" هو مركز الإلهام كما دلَت على ذلك دراسات كثيرة. إن الفص مكفوف عن عمله بحكم هيمنة الفص الآخر الذي يختص بالحساب والعقلنة والإدراك المباشر والتعامل اليومي مع الجوع والعطش والجنس والنوم.

وقد قَدر بعضهم أن ما يظهر لدينا من قدرة هذا الفص المكفوف لا يتجاوز 10% . فلو أطلق العنان له لأظهر الإنسانُ الفائقَ من خياله. وهذا ما يقودنا إلى القول بأنه من الممكن كثيراً أن يكون هذا الفص هو المسؤول عن مفردات الإلهام والحدس والإستنباء والتخيل.

إن المُبدعين من الشعراء والرسامين والموسوعيين والنحاتين هم الذين يمكلون نسبةً من إنطلاق فصوص أدمغتهم المكفوفة تفوق غيرهم من العقلانيين. معنى هذا في ضمن معانٍ أخرى أن الفص المهيمن مسؤول عن العيش وأن الفص المُتخيِل مسؤول عن الحياة. وخير طريق إلى الإيمان بالله هو طريق الفص المسؤول عن الحياة لا عن العيش. فلأنَ الحيوانات البهائم تعيش، لا تحتاج إلى الإيمان، ولأنَ الإنسان يحيا فهو يحتاج إلى الايمان بالله.

***

بعد أن تحدثنا هنا عن عوامل الخوف وعلاقته بالإيمان، نَود الحديث عن عامل آخر في تحديد أسبقية الظهور للإيمان أو الإلحاد في حياة الإنسان. ونعني به عامل العُمر.

إن نسبة من بدأوا حياتهم ملحدين وآلو في خاتمتها إلى الإيمان تفوق نسبة من بدأوا حياتهم موحدين مؤمنين ثم آلو في خاتمتها إلى الإلحاد. هل لتقدم الإنسان في العُمر أثرٌ في هذه الظاهرة؟

إن التقدم في العُمر " Aging process" يخضع لمفهومين: مفهوم النضج "Growth" ومفهوم النمو "Development". فقد ينضج دماغ الإنسان حجمَاً وتكويناً تشريحياً وأداءً يومياً ولكنه لا ينمو حيث يُمثل النضج إرتقاءاً كمياً. ويُمثل النمو إرتقاءاً وظيفياً. إن ممارسة الدماغ الإنساني لعملية النضج يعتمد على عوامل واضحة كالتغذية الصحيحة والسلامة من الأمراض العضوية والأمراض النفسية، بينما تعتمد عملية النمو على طريقة التعلُم والتحدي الإجتماعي وقراءة المعارف والحوار والنقاش.

وكُلما إزداد النمو أو إنتظم تنبه الإنسان على مسألة الإيمان والإلحاد، حتى يؤول في آخر مطافه إلى الإيمان بعد أن تهدأ فيه اللجاجة والصخب والإستعراض والتقريرية والخطابية وبعد أن يرتطم بصخرة التحدي التي رسمتها أو أوجدتها أمامه كفُ القادر الذي لا يٌقَدر عليه. إذن لماذا لم يُؤمن بالله عُلماء باهرون في علمهم ونظرياتهم وظلوا ملحدين إلى أن ماتوا؟ السبب في ذلك في ضمن أسباب كثيرة هو أنهم إنشغلوا ب " المُظهر" حيث تعاملوا مع السرِ في الشيء ذاته.

يضاف إلى ذلك أن إستمرارهم في الإلحاد كان نتيجة عدم قرائتهم للنص الديني الذي أثبتت التجارب أنه قادرٌ على لفت إنتباه أرقى العلماء مقاماً عقلياً إلى الحقائق كانت خافيةٌ عليهم. ومثالٌ على ذلك ما حدث للكثير منهم حين قارنَ ما وصل إليه من إكتشاف بما كان القرآن أشار إليه سابقاً، فآمن بالنص مروراً بالنبي إنتهاءً بالمرسل الأعلى: الله.

يعني هذا أن العقل مهما تعاظم فإنه ليس نائباً عن النص الديني في ظاهرةٍ من الظاهرات بل هو مطابقٌ له في أحسن حالاتِه.

***

لقد عالج علم النفس الديني في بعض الدراسات المتأخرة زمناً في الظهور مسألة الإشراك بالله، فوضع مرحلة " الشرك" في الوعي الإنساني في منطقة وسط بين الإلحاد والإيمان و إعتبرها خطوة تتدرج بهذا الوعي صعوداً إلى مرتبة الإيمان أو التوحيد. إنَ الدين يَعدُها في منزلة الإلحاد لأن الله لا يغفر أن يُشرك به ولكننا هنا ندرس هذه الظاهرة في منظور نفسي.

إن المُشرك بالإله يختلف عن الملحد أو الكافر. والمُشرك يؤمن بوجود الله كما حدث هذا لعرب ما قبل الإسلام في جزيرة العرب، لكن إيمانه ناقص منقوص لأنه لم يستخدم صيغة المُطلق المتنزه عن الوصف في خِطابه مع خالقه. إنَ هذا التجزيء لمفهوم الإيمان بوضعه على مراحل يُوضح لنا حاجة وعي المشرك إلى فهم الصورة الكلية لله.

ولو فحصنا إدراك المشرك وأثر هذا الإدراك في تكوين شخصيته لوجدنا الآتي:

1- شخصية المُشرك تفتقر إلى الإلهام ومن ثَمَ فهي تعتمد على الآخر في تحقيق أمانيها ورجائها (شخصية اعتمادية تستعين بالملموس من الأشياء في الوصول إلى القوة الأعلى المُهيمنة).

2- شخصية عانت من سطوة الأب في طفولتها فكانت تستعين في قضاء مطلوبها منه بالأم كمرحلة وصول إلى عطف الأب.

3- شخصية تتمتع بإدراك ساذج تتعامل مع المعلومة تعاملاً مباشراً (الكرة مقعرة لأن في داخلها ومُحدبة لأنها في خارجها لكنها ليست مقعرة ومحدبة في آن نظراً لإفتقار تلك الشخصية إلى الإدراك الكُلي (Global Perception).

4- شخصية تعتمد آلية الدفاع اسمُها (Displacement) أي الإزاحة، ومعناها أنها تُسقط إعتقادها وتُزيحه إلى أقرب محطة ممكنة كالإعتقاد بوساطة الحجر أو الأفعى أو البقرة أو العنقاء أو النجوم في الوصول إلى الغاية القصوى.

5- شخصية مضطربة المزاج سرعان ما تثورُ على القوة الأعلى (الإله) بتحطيم وسائل الرجاء (قبائل تصنع وسيلة الوصول إلى الله من التمر وتأكله عندما تجوع).

6- لا تتزامن هذه السذاجة في التفكير العاطفي، الوجداني ذي البعد الواحد مع التفكير العقلي لدى هذه الشخصية. فقد تجد رجلاً أو رجالاً في مجتمع مُعيَن أو تجد مجتمعاً كاملاً يُحققُ أداءً عقلياً باهراً في العلوم والآداب والفنون لكنه يمارس طريقة بدائية في تعامله مع المُعتقد بالههِ.

(في الأديان غير السماوية نجد رواداً في النظرية الأخلاقية والإبتكار العلمي لكنهم يمارسون طقوساً تافهةً لا توحي بأي إرتقاء في التعامل مع التوحيد).

ومن مُجمل ما أوردناه عن شخصية المُشرك من سمات نخلُصُ إلى ذكر الأعراض المرضية الآتية في تلك الشخصية:

1- العُزلة: كثيراً ما ينحسر هؤلاء الوسطيون الإرجائيون في مناخ مكاني وزماني خاصينِ بهم لأنهم لا يملكون ما يدافعون به علمياً عن سذاجة تَصورهم. فلكي لا يُحرَج أمام البرهان العلمي يميل هذا المُشرك إلى العزلة الإجتماعية (Social Isolation).

2- الضلالة الحسية (Illusions): إن المُشرك يرى في الحجر وما يُصنع منه من أصنام أو في الأفعى وما تنفئه من سم قاتل أو في وميض النجمة في الليل مالا يراه غيره حيث يعاني من فقدان الواقع في تعامله مع الأشياء.

3- الهلاوس (Hallucinations): فصوت الرعد هو صوت الحوار الدائر بين الوسيط والرب، والمطر هو إستجابة باكية من الغيم لسوط الإله الضارب له بقوة؛ والأفعى هي المسيطرة الأولى على النزوع البشري في شجرة الإغراء وتملكها إستمرار سيطرة الإنسان في لاحق أجيالهِ وسلالته على الأرض، وبذلك فلكل هذه الوسائط مذاقات خاصة في الصوت والمظهر والمذاق والشم واللمس.

4- الأفكار الواهمة (Delusions): وأجلى ما تتمثل به الوسيطية (الشرك) عنا هو إعتقادات بكرامات كثير من الأشياء والأشخاص، فيصبح الكاهن أو المشعوذ أو الساحر وسطاء وهميين بين الفرد والإله. وكثيراً ما يستشري الوهم بصاحبه فيتوهم نفسه وسيطاً خصوصاً عندما يبلغ درجة التفوق الذاتي الواهم (Manic Thinking).

***

من جملة ما أوردناه من سماتٍ يتَسم بها المشرك نصل إلى حقيقة واحدة تقول ببدائية فكر المُشرك بالأله الواحد (التفكير الإبتدائي، Primitive thinking). ولأجل أن نجعل القارىء واضحاً معنا ومع نفسه، نودُ أن نضع أمامه مقارنة بين ما يُسمى بالتفكير الإبتدائي (Primitive thinking) وما يسمى بالتفكير الناضج (Mature thinking) على النحو الآتي:

التفكير البدائي

1- قديم وأغل في القدم يمتد إلى أغوار التاريخ الإنساني

2- يعتمد في محتواه على الميثولوجيا (الخرافة والأسطورة) والتابو والطوطم

3- يعتمد البعد الواحد (البعد الزماني أو المكاني أو الشخصي)

4- يعتمد فكرة المُقدس المُحرم التي تمنع المساس بالمجهول حذراً منه.

5- يحاول أن يجعل الظاهرة الطبيعية قاهرة للإنسان.

6- يميل إلى جعل المجتمع مُثقلاً بالمزيد من الأعراف والنواميس التي تُقيد تفكيره.

التفكير الناضج

1- حديث مبتكر يعتمد على أحدث ما وصل إليه العقل البشري من إنجاز

2- لا يعتمد على الميثولوجيا وإنما ينظر إليها على أنها أوليات فكرية ظهرت كآليات دفاع ضد مجهول مخيف

3- يعتمد الأبعاد الثلاثة لأية قضية (الطول والعرض والعمق) ويضيف إليها البعد الرابع (الزمن)

4- يعتمد التفكير المفتوح الذي لا يضع نهاية لأي سؤال بأي جواب مُغلق.

5- يُحرض الإنسان بأن يجعله قاهراً للظاهرة الطبيعية.

6- يميل إلى تحرير المجتمع والإنسان من ربقة المزيد من الأعراف والنواميس ويحاول إطلاق الفكر من قيوده.

***

من الجدول الذي قرأناه الآن معاً، نجد أن سمات التفكير الإبتدائي تنطبق بكاملها على خارطة تفكير المشرك فيما ينطبق التفكير الناضج بكامل سماته على خارطة تفكير الموحد أو المؤمن. نحاول الآن أن نذكر شيئاً عن أثر الإختلاف الجنسي في الإنحياز إلى الإلحاد أو الإيمان.

نقصد بالإختلاف الجنسي حالة الإنسان بين الذكورة والأنوثة (الرجل والمرأة). إن الدراسات الكثيرة التي قرأناها تُشير إلى أن المرأة أكثر ميلاً إلى الإيمان من الرجل، ولكنها تتعامل مع إيمانها بطريقة تختلف عن الرجل في تعامله مع إلحاده.

هناك أسباب كثيرة تقف وراء هذه القضية. إنه من النادر أن تجد المرأة ميالةً إلى مناقشة الإلحاد والإيمان لأنها تميل دائماً (إلا في القليل) إلى الأخذ بالمسلَمات. إن قضية الإلحاد قضية عقلية والمرأة تضجر من الحوار العقلي وتُفضل عليه برودة الحوار العاطفي أو الوجداني.

وفي الوقت الذي غادر فيه الرجل مرحلة الإعتقاد بالميثولوجيا ما زال الكثير من النساء يؤمن بقوتها حتى في صناعة التفكير أو توجيهه. فالمرأة قدرية لا تجادل في المُغلق الشائك من النص وتقنع بأبسط الأجوبة لأصعب الأسئلة.

هذا لا يعني أن المرأة تفكر تفكيراً إبتدائياً لكنها كائن يُرجىء الكثير من المشكلات إلى عامل الزمن الكفيل بحلِها. والمرأة لا تميل إلى التحدي الفكري. كما أن المرأة يُغريها الإقناع، فإذا توفر لها رجل مُلحد يملك قوة الخطاب فإنه كفيل بإقناعها أو قل بإلباسها قناع الموافقة.

إن أقوى إيمان بالله هو الإيمان قبل المعرفة لأننا جميعاً آمنا بالله قبل أن نعرفه وهذا ما يُحسب للمرأة ولصالحها على حساب صفحة الرجل فهي تُؤمن قبل المعرفة حتى إذا برزت الأخيرة زادتها إيماناً.

ولدينا دراسة قام بها صاحب هذا الكتاب وجدت أن الكتب الدينية التي تقتنيها المرأة هي الكتب المطمئنة المليئة بالدعاء والتسبيح ورجاء الطالع الحسن، فيما يميل الرجل إلى إقتناء الكتب الدينية التي تُثير الكثير من الأسئلة القلقة الباحثة عن أجوبة تبدو أحياناً مستحيلة. والبنت المولودة لأب مُلحدٍ وأم مُوحدة تنحاز كثيراً إلى أُمها ولا تنسى أباها من الدعاء له بالعودة إلى الإيمان، على عكس الإبن الذي كثيراً يُجاري أباه.

 

د. ريكان إبراهيم

 

 

محمود محمد عليتعد قضية العلاقة بين المنطق والنحو من أدق موضوعات فلسفة اللغة وأصعبها تناولا، ويهتم بها المناطقة، والفلاسفة، والنحاة منذ أقدم العصور، بل من قبل أن يصيغ أرسطو المنطق، ويضع قواعده، فلقد نشأ المنطق مرتبطا بالجدل، الفكري والنحوي الذي ساد القرن الخامس وشطرًا من القرن الرابع قبل الميلاد عند كل من المدرسة الأيلية وجماعة السفسطائيين، إذ اهتموا بالجدل، وبقوة الكلمة، عن قوة الفكر، وبفن الإقناع الذي هو بعينه فن التفكير، وكان بحثهم في اللغة بحثا منطقيا .

والعلاقة بين المنطق والنحو علاقة قديمة وحميمة، إذ يلتقيان في مصطلحيهما، وفي غايتهما. فالنحو آلة يعرف بها صواب تراكيب ألفاظ اللغة ومعانيها من خطئها، والمنطق آلة يعرف به صحة المعني وتصديقه من خطئه. وكل منهما يعتمد طرق الاستقراء والاستنباط. غير أنهما لا يتطابقان تماما، فالمنطق يستند إلى الأدلة العقلية،مفترضا وحدتها وشمولها، والنحو يستند إلي معطيات اللغة الوصفية معترفا بأن قواعدها قابلة للاستثناء والتخصيص .

ومن جهة أخرى فإن العلاقة بين النحو والمنطق تعد من الموضوعات العريقة التي تناولها العلماءُ منذ زمن بعيد، إذ لا نجد من العلماءِ القدامي أحدًا ضرب سَهمًا في مجال اللغة، أو البلاغة، أو النقد، إلا والعلاقة بين النحو والمنطق، كانت إحدى أغراضه ومراميه. ولذلك فإنه إذا ما درسنا هذه العلاقة من منظار تاريخي نصل إلي أن لفلاسفة اليونان نظراتٍ تتعلق بهذه العلاقة .

ومن يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية في الفكر اليوناني سيدرك أن هذا الفكر قد افترض اللغة اليونانية مقياساً للغات العالم، وبنى علي ذلك اعتقادا تُخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، وهو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها وطرقها صادقة علي كل لغات العالم، إذ أن هذه اللغات تجري علي مقياس اليونانية . وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدًا بالنظريات المنطقية والميتافيزيقية، ولقد وصف كُتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، وعدوا بها طرق الإسناد النحوي بالطريقة نفسها،ولقد عدوا الموضوع والمحمول في المنطق.

ويصادفنا في مجال التفكير اللغوي- المنطقي أعمال السفسطائيين الخاصة بالنحو والتي حملت في ثناياها بذورا منطقية أكيدة، فقد أرجعوا التصور (المعني) إلى اللفظ مما يسر لهم أن يجعلوا من الجدل وسيلة للانتصار على الخصم؛ ومعنى هذا أن السفسطائيين قد بحثوا في النحو فأدى بهم إلي المنطق؛ و” لقد قام بروتاجوراس Protagora ببعض الدراسات الأولية في النحو كأساس للمنطق”؛ حيث يعد أول من تحدث عن أجناس الأسماء gene onomaton؛ أي المذكرة arena والمونثة thelea وما نسميها المحايدة وسماها هو skeue (= الأشياء غير الحية) . واستخدم أرسطو نفس هذه المصطلحات، وإن كان يستخدم أحيانا metaxy (= ما بين) بدلًا من skeu ” .

وإذا انتقلنا إلي العلاقة بين النحو والمنطق عند أفلاطون ( 429 – 347 ق . م)، نجد أنه علي الرغم من أنه لم يسق آراءه اللغوية بشكل مترابط، ولم يجمعها في مكان واحد، فقد عده الباحثون ” رائد الدراسات النحوية وأول فاحص للمشكلات النحوية ” ؛ فهو يُعد واحدا من أهم وأشهر فلاسفة اليونان الذين جاءوا بعد السفسطائيين والذين شغلوا أنفسهم بالبحث في أقسام الكلام .

أما رأيه في أقسام الكلام، فنجده أنه كان أول من صاغ لنا تعريفًا للجملة، إذ يقول : “إن الجملة هي تعبير عن أفكارنا عن طريق أسماء Onomata وأفعال Rhemata، وهذه الأسماء والأفعال تحكي أو تعكس أفكارنا في مجرى النفس الذي يخرج من الفم عند الكلام، ثم يعرف الاسم علي أنه اسم لفاعل الفعل، أما الفعل فاسم ” للفعل نفسه” . ومن الاسم والفعل تتكون الجملة . وواضح من هذا أن أقسام الكلام عند أفلاطون اثنان هما الاسم والفعل، وهما قسما الكلام في الجملة الخبرية، ولم يكن لأفلاطون وأرسطو من بعده اهتمام بغير هذا النوع من الجمل، لأن هذا النوع من الجمل، هو الذي يستحوذ اهتمام الحكماء والمناطقة دون غيره من جمل الدعاء والسؤال والأمر .

وهنا يرى بعض الباحثين أن أفلاطون يعد بذلك أول من فرق بين الاسم والفعل، كما أنه أعطانا تقسيمًا ثلاثيا للأصوات يمكن أن يكون: أصوات العلة – الأصوات الساكنة المهجورة – الأصوات الساكنة المهموسة . وأقر أرسطو تقسيم أفلاطون للكلمة، إلي اسم، وفعل، وزاد عليها قسما ثالثًا سماه رابطة، وذلك أنه شعر أن الأفعال والأسماء تؤدي معاني مستقلة، في حين أن سائر الكلمات ليس لها إلا الوظيفة النحوية فقط .

وبصفة عامة كان منطلق أفلاطون الاقتناع بأن الكلمة هي الشكل المادي للفكرة، وأنها تمكن بدايات معرفتنا عن العالم . وقد تولدت المحاولات الأولى لتعريف المحاولات النحوية الأساسية من هذا الموقف الفلسفي وتطبيقا للمعايير المتصلة بعمليات المنطق عرف أفلاطون “الاسم بأنه شيء يخبر عنه، وعرف الفعل بأنه ما يخبر به عن الاسم “.

وإذا انتقلنا إلي أرسطو، فنجده أنه قد دعا إلى الأخذ بأساليب معينة، وطرق خاصة، للهيمنة على التفكير الإنساني، والسيطرة على ما يدور في الأذهان. وقد جعلوا تلك الأساليب والطرق في صورة بديهيات لا تقبل النقاش، ولا يصح أن تكون موضع جدل أو نزاع، ثم اتخذوا من تلك البديهيات مقدمات لقضايا عقلية، ينتهون منها إلى حكم خاص، لا يتردد العقل في قبوله. وكان من نتيجة هذا النهج العقلي في الأحكام أن ابتدعوا لنا علما سموه المنطق بينوا حدوده، ونموا موضوعاته، حتى أصبح على يدي أرسطو علماً، واضح المعالم، يتدارسه الناس، ويفيدون التفكير بحدوده، فلا يكاد الحكيم منهم يتعدى تلك الحدود، بل يلتزمها في تفكيره ويتمسك بها في كل نواحي النشاط الذهني .

ولم يتخذ أرسطو لهذا العلم رموزا، كالرموز الرياضية والهندسية. ولكنهم صاغوا قضاياه ومسائله على نهج لغوي شبيه بكلام الناس، اعتقادا منهم أن أساليب اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عما يدور في الأذهان، ومثل الفكر الإنساني قبل النطق بمضمونه مثل الصورة الشمسية قبل تحميضها، فإذا عولجت بقدر خاص من الأحماض، اتضحت معالمها، وتكشفت خطوطها وملامحها. وهكذا شأن التعابير اللفظية مع العمليات الذهنية، ولا يكاد يعدو مهمة التوضيح، وإبراز المعالم والملامح للأذن الإنسانية. ولما انتهى أرسطو من تأسيس منطقه، وتحديد تعاليمه، رغب في حمل عامة الناس على انتهاج هذا المسلك في التفكير، والتزام تلك الحدود بعد أن صب تعاليمه في قوالب لغوية، وصاغها في صورة ألفاظ وأصوات،كالتي يألفها الناس في أحاديثهم .

وهنا بدأت الصلة بين اللغة والمنطق، وظل المفكرون بعد أرسطو قروناً طويلة يربطون بين اللغة والمنطق، ويحاولون صب اللغات في تلك القوالب المنطقية التي ابتدعها لنا أرسطو: طورا يوثقون هذه الصلة فينكرون من كلام الناس ما لا يتفق وحدود المنطق، وأخرى يقتصدون في هذا فنرى، منهم من يجعل للمنطق حدوده وللغة حدودها. ولكن الحدود مشكلة متداخلة. فهناك ناحية من المنطق تنطبق تمام الانطباق على ناحية من اللغة، كما أن هناك من المنطق ما لا يمت للغة في صورتها المألوفة الشائعة على الألسنة بصلة ما. ولبث المنطقي يغزو ببحوثه بعض مناطق اللغات، كما ظل اللغوي يقتحم ببحوثه بعض نواحي المنطق.

ولو أن أرسطو قد اتخذ لعلمه رموزا أخرى لا شأن لها بما يدور على الألسنة من ألفاظ وعبارات، ما احتاج المنطقي إلى البحث في اللغة، ولا احتاج اللغوي إلى النظر في المنطق، ولما كان ذلك الصراع بين المناطقة واللغويين في بعض العصور المتأخرة، فقد استطاع أرسطو أن يقرب بين منطقه واللغة اليونانية، إن لم يكن قد جعلهما منطبقين تمام الانطباق، متآلفين تمام التآلف؛ وأعجب المفكرون في الأمم الأخرى بمنطق أرسطو، وحاولوا صب لغاتهم في تلك القوالب موفقين في هذا تارة، وبعيدين عن التوفيق تارة أخرى، يجدون من لغتهم ما يواتيهم ويطاوعهم حيناً، ويتعثرون ويتكلفون حينا آخر .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفتقديم: هل نستطيع ويحق لنا التساؤل كيف تموت الافكار بالحياة؟ هل تموت الافكار كما يحكم الموت الانسان بالفناء؟ هل الافكار القديمة تموت بالتجديد المضاف عليها؟ هل الافكار تفنى وتموت بلا رجعة كما يفنى ويموت الانسان؟ هل الابداع الادبي والفني والمعرفي هو تراكم كمي ونوعي واقعي - خيالي لا يندثر ولا يموت؟ هل أفكار الايديولوجيا والفلسفة والسرديات الكبرى يأفل بريقها ويزول تاثيرها القيادي بالحياة في تطبيقها المسخ على أرض الواقع بعيدا عما تحمله من رؤى منهجية نظرية أصلاحية في محاولة نقل المجتمعات من مرحلة تاريخية الى أخرى افضل منها وتخفق بمسعاها نتيجة التطبيق الفاشل للافكار الصائبة؟ وهل أفول الافكار الفلسفية مرحليا على طريق أستحداث ما يتجاوزها بنفس المنهج والاسلوب الذي يطال الايديولوجيا السياسية بالافول المتلاشي، كون جميع مناحي الحياة هي حركة دائبة من التطور الذي لا تحده حدودا ولا يتوقف في مرحلة منها زوال تأثير الافكاراللاحق على السابق؟ ...هل نستطيع القول أن للافكار الفلسفية والمعرفية العامة دورة حياة انبعاثية تستحدث نفسها تاريخيا لاحقا باستمرار بمعنى مقارب ماصحة مقولة التاريخ يعيد نفسه وكيف ينطبق هذا على الافكار؟  وهل أن الافكار طاقة مادية لا تفنى ولا تستحدث من عدم.؟ هل يمكننا تكرار توصيف هذا الانبعاث الارتدادي في العودة التاريخية مجددا لافكار غادرناها بالتجديد المضاف عليها؟ بمعنى أكثر وضوحا هل يبقى للافكار من تاثير علينا في اندثارها الحاضر بماهي تجديد طاريء عليها طارد لها  متجاوزعليها زمانيا؟

هنا بهذا المقال ليس المقصود بالعود الوجودي هو نسخ كاربوني لنفس الصيغة الميتافيزيقية التي نادى بها نيتشة بالعود الابدي في عودة كل شيء حدث كما كان قبل تواريه الاندثاري الزماني المؤقت في دورة حياتية دائرية لا تنتهي من الاعادة والتكرار.؟

ماهي الاسباب التي تجعلنا نحكم على أفكار أندثرت من حياتنا، لكنّا نجدها في مراحل متقدمة من مسيرتنا التاريخية الحياتية ماثلة أمامنا وخطأ أرتكبناه بحماقة توجب علينا العودة لاحيائها من جديد في معالجتها الصحيحة لقضايا تهمنا في حاضرحياتنا... وهل كل الافكار والنظريات التي غادرتنا وأصبحت ماضيا لم تعد لها حاجة في حياتنا الراهنة والمستقبلية؟

الفيلسوف الذي عالج هذا الاشكال الاستعصائي بجدارة وأقتدار ادبي - فلسفي هو سارتر الذي ضّمنه اربعا من مسرحياته ورواياته الفلسفية كنت استعرضتها في مقالة مستقلة منشورة بعنوان (سارترالعود الوجودي الفلسفي). وبهذا المقال أرغب شد الانتباه الى ما أنجزته البنيوية من ثورة فلسفية أصبحت ايقونة العودة المستمرة لها ضرورية. بمعنى تراكم الفكر الفلسفي كميّا على صعيد الشمول الخطّي الافقي كتاريخ متطور دوما، هو في حقيقته تراكم شاقولي نوعي من العسير والصعوبة أندثاره من حياتنا. ربما نقرأ بعض الافكار في أبعاد زمنية ثلاث الماضي، الحاضر، المستقبل، هي تحقيب لحقيقة وجودنا الارضي متناسين أن الافكار الحيّة لها دورة حياة تجعلنا نحن نعيش زمن الماضي الاندثاري بيولوجيا لتكون هي الحضور الزماني الدائمي المتحكم فكريا بالحياة.

التاريخ والذاكرة

نجد مهما التفريق بين تجزئة الوقائع والاحداث كتاريخ يحتويها الماضي، عن تجزئة الافكار التي هي استذكار الحاضر المتعالق مع الذاكرة في قراءة الماضي واستذكاره. هل تستتبع وحدة وقائع التاريخ الماضي في نسق زماني منتظم ثابت في اركيولوجيته الماضية، أن تلازمه وحدة الافكار الاستذكارية التجريدية عنه.؟

تختلف تجزئة الوقائع والاحداث كتاريخ عن تجزئة الافكار المعّبرة عنها، التاريخ هو الماضي بوقائعه وأحداثه، أكتسب صفة النظام النسقي الذي لا يسبق المابعد الماقبله فيه، لذا يكون التاريخ كوقائع محدودا بمحددات زمانية تحقيبية لا يمكن القفز عليها أو العبور من فوقها في مجاوزتها.

فوقائع التاريخ محكومة باركيولوجيا الحفرالاثاري التدويني التوثيقي المتجدد دوما الذي لا يتقبل  التجزئة ولا التقسيم في طمس تسلسله النظامي كزمن يحده التاريخ الذي هو في المحصلة فكر سابق على أستذكار الذاكرة والخيال له. الوقائع التاريخية أكتسبت الماضي الثابت الذي لا يمكن تغييره اركيولوجيا بالنسبة للمؤرخ، بينما الافكار التي تعّبر عنه يمكننا تجزئتها والاجتهاد التقسيمي لها، بمعنى كل فكر يستحضر التاريخ كماض هو فكر متغيرفي بنية من السيرورة الدائمية ولا يشمل هذا التغيير زمانية التاريخ كوقائع وأحداث بل يشتمل الرؤى الجديدة في البحث والتنقيب عنه وتوثيق حقائقه الجديدة..

الفلسفة البنيوية والعود الفلسفي

بعد أفول نجم الفلسفة الوجودية نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، ظهرت الفلسفة البنيوية في هيمنة غير مسبوقة على مجمل الفلسفات القارة عالميا. تشعبت تلك الهيمنة بما طرقته البنيوية من مباحث فلسفية متنوعة وعديدة، مثل الانثروبولوجيا، فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات، علم النفس، السرديات الكبرى مثل الماركسية وميتافيزيقا الاديان والادب. كل هذه المباحث وغيرها العديد أنضوى تحت لوائها عمالقة الفلسفة البنيوية التي أستهوتهم طروحات ما بعد الحداثة في وجوب مجاوزة كل الثوابت الفلسفية التي قامت عليها سابقا فلسفات الحداثة التي أهتمت بتمجيد الانسان كذات وقيمة عليا بالحياة، وتبجيل العقل كمرجعية انقاذ، وأدانة الميتافيزيقا كمهيمن أعاقة تحررية، وهيمنة التكنولوجيا وتسارعها العلمي، وغير ذلك من ثوابت كانت مهيمنة على قضايا الفلسفة وتاريخها قرونا طويلة بأسم ما عرف بالحداثة الاوربية... هنا ليس مهما معرفة قيمة المنجز المتحقق في مباحث الفلسفة البنيوية وهو كثير بمقدار أن أهمية الفلسفة البنيوية القيمية هي بما فتحته من آفاق معرفية فلسفية جديدة لم تكن سابقا تشغل ولا حتى أهتمام الهامش الفلسفي بالقياس الى قضايا الفلسفة الكبرى التي توارثت هيمنتها عبر العصور الطويلة من تاريخ الفلسفة وركنت خارج هيمنتها المركزية ما أصبح جديرا بالعناية الفلسفية أكثر من مباحث المركز.

البنيوية خلخلت البنى الاجتزائية المحدودة وطرحت وجوب أعتماد انساق بنيوية كلية شاملة لا تضيّع قيمة شيء جزئي جديرا بالاهتمام الفلسفي في توخي عدم تشتيت التوجه نحو معالجة القضايا الفلسفية الكبرى المهمة والتي لم تمت ولكن جرت محاولة نسيانها الاندثاري في بطون التاريخ..

من المهم التنبيه الى أن البنيوية لم تستنفد طاقتها الفلسفية بمراجعة تاريخ الفلسفة كما هو سائد لدى معظم الفلاسفة ولعصور طويلة. ما نعنيه أن التراكم الفلسفي البنيوي عموديا وأفقيا لم ينبثق جديدا في لاعلاقة نقدية جسورة تحكمه قامت بتعرية الزيف الفلسفي المتداول على مر العصور في عملية نقد مستمر لما سبق في تاريخ الفلسفة وقراءته قراءة جديدة غير مسبوقة، ومن هذا النقد الفلسفي المستمر لتاريخ الفلسفة نشأت المفاهيم الجديدة التي هي ايضا بدورها لم تخلص نفسها من تناول النقد الفلسفي لها. وبقيت أرهاصات الفكر الفلسفي القديم حيّة لم تمت رافقت وزامنت الكثير من التجديد الذي بني عليها.

البنيوية بنزعتها المتطرفة لا بل العدائية تناوشت على وجه التحديد مناوأة كلا من الماركسية، والفلسفة الوجودية، وكلتا الفلسفتين بقيتا الى اليوم تفعل فعل المرجعيات القارة حيويا في تداخلها الفلسفي مع طروحات البنيوية بميراثها القديم الذي تمتلكه وليس بجديد استحدثته المواجهة مع البنيوية. بمعنى كل عظمة البنيوية كفلسفة شمولية رافقت ما بعد الحداثة عالجت الكثير مما عجزت عن معالجته الماركسية والوجودية الا انها أخفقت أن لا يكون لتلك الفلسفتين حضورا لم يستطع يدّخره تاريخ الفلسفة في طي النسيان. أفكار الفلسفة وغير الفلسفة بعضها لا يموت في تقادم الزمن عليه. ومن هنا لم تمت الماركسية تاريخيا ولم تمت الوجودية ولا البنيوية فلسفيا.

من جانب آخر أعطت البنيوية بما تمتلكه من فضاءات فلسفية الحرية التامة لفلسفات نشأت وتغذّت (فضاء) الحرية في الاجتهاد الذي حملته، فهي أعطت المجال لفلسفة اللغة وعلوم اللسانيات أن تاخذ مجالها الحيوي في المتراكم الذي بقي متعالقا بها مثل فلسفة العقل ونظرية المعنى والتحول اللغوي والتحليلية المنطقية الانجليزية، والتحليلية التجريبية المثالية عموما وهكذا.

مع كل هذا لم تتمكن تلك التيارات الفلسفية زحزحة وأخراج الفلسفة البنيوية من حضورها الدائم في المشهد الفلسفي الذي كان له تاثيرا قويا في فلاسفة القارة الاوربية والاميركان الذين كانوا قبل ظهور الفلسفات الفرنسية المتعاقبة طيلة القرن العشرين، كان سابقا محذورا عليها من منطلق تداخل فلسفي غير ايديلوجي مجرد التفكير بمنازلتهم تيارات فلسفية فرنسية يثير اليأس والقنوط في انعدام الندّية لفلسفات فرنسا الدخول في معترك المواجهة مع اولئك الفلاسفة وتياراتهم الفلسفية..

خير دليل على ذلك هو في عجز التاويلية والتفكيكية والتحليلية الانجليزية بكل ثقلهم المتفرد لم يتمكنوا القضاء على المنطلقات الفلسفية البنيوية التي تمكنت أزاحة كل من الماركسية والوجودية عن طريقها بمعنى التنحية في ملء الفراغ وليس بمعنى أماتة تلك الفلسفتين كمرجعيتين قارتين دائمتي الحضور التاريخي بالفلسفة والفكر المعرفي الاستراتيجي الى اليوم.

ما قامت بانجازه فلسفة اللغة واللسانيات في التحول (اللغوي) قامت به البنيوية في مجال التحول (الفلسفي) بكفاءة ومقدرة ولم يكن سهلا مواجهتها في المزاحمة. رب أعتراض وجيه يقول البنيوية في أستحواذ فلاسفتها العظام على المشهد الفلسفي وأحتكارهم له جعلت من التشتيت والتبعثر في مباحث الفلسفة مسألة مفروغ منها. وهذا لا يقلل من منجز البنيوية الذي أضطلع تنفيذه عمالقة فلاسفة القرن العشرين سوسير، شتراوس، التوسير، فوكو، لاكان، وبياجيه، وبارت، ديلوز، وريكور وغيرهم من الذين دأبوا على أن لا يكرر أحدهم الاخر ولا يعتاش أحدهم على فلسفة الاخر والسبب هو الفضاء المفتوح الواسع الذي فتحت البنيوية الفرنسية أبواب آفاقه الفلسفية الذي أثّر في فلاسفة الانجلو سكسونية في عقر دارهم،. أخذت فلسفات عديدة مركزية التحول اللغوي وبنوا عليه العديد من المسارات الفلسفية التي وصلت الى قلب الجامعات الامريكية التي أستقبلت المنجزات البنيوية الفرنسية على مضض نقدي لم تهضمه. وهو ماحصل مع ريتشارد رورتي، جلبرت رايل الانجليزي، وراسل ومور ووايتهيد وجون سيرل، وسانتيانا وكارناب وغيرهم. فهؤلاء جميعا وغيرهم كانوا منقادين لفلسفة اللغة والعقل والوعي الفرنسية ولكن بحذر شديد تحدوهم رغبة الاحتواء لتلك التيارات الفلسفية الفرنسية وليس الانقياد خلفها.

لذا تعامل الفلاسفة الاميركان مع صرعات وتيارات الفلسفات الفرنسية على أنها ليست أكثر من موضات مآلها الاندثار والتراجع عن أمتلاكها بريق الفلسفات الاولى الجديدة لمرحلة تاريخية طويلة. وكذا الحال جرى مع تصورات فلاسفة التحليل الانجليز محاولتهم استيعاب فلسفة اللغة في عدم الانقياد وراءها وفشلت.

عديدة هي التيارات الفلسفية التي عاشت على هامش مركزية البنيوية لعل أبرزها التاويلية والتفكيكية والعدمية والتحليلية وغيرها. في تداخلها مع ما قامت به البنيوية فتحها ابواب فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى اللغوي على يد دي سوسير وبياجيه ورولان بارت. انها أي البنيوية وجدت نفسها ستضّيع مساراتها الفلسفية المتعددة الكبرى لذا نجد أبرز فلاسفتها أهتموا بمباحث فلسفية أخرى لا تقوم على مركزية الدوران حول فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات وأن لم يهملوها تماما.

لعل فوكو وشتراوس ولاكان والتوسير خير أمثلة على أنهم لم تستوعبهم فلسفة اللغة وصرف أنتباههم عن مشاكل وقضايا فلسفية تحسب للبنيوية الريادة لها بامتياز. فقد كان أهتمامهم بالسرديات الكبرى ونقدها، والانثربولوجيا والحفر الاركيولوجي، ومراجعة أفكار فرويد في علم النفس، ومعنى القراءة الجديدة للنص، وقضايا عديدة جميعها لم تشتغل على مركزية تحليل اللغة بما يصرف ويشتت الانتباه والجهود الفلسفية معالجة قضايا فلسفية كبرى جديدة على تاريخ الفلسفة طرقت ابوابها الفلسفة البنيوية وفتحتها أمام الاجتهاد الفلسفي عالميا.

البنيوية التي فتحت آفاق فلسفة اللغة وما يتعالق معها من فلسفات متداخلة، وجدت نفسها أمام مسؤولية رد الاعتبار وتخليص ما سيعقبها من فلسفات غاطسة في فلسفة المعنى واللسانيات، لذا نجد البنيوية حين تجنبت الغرق في قضايا فلسفة اللغة، أنما أرادت من غير وعي ولا قصد منها تجنيب فلاسفة مابعد البنيوية السقوط في مستنقع نظريات اللغة الذي اغرق تلك الفلسفات العديدة ولم تستطع الخلاص منه. وأول من التزم هذا النهج هي البنيوية ذاتها حين وضعت فلسفة اللغة والتيارات الفلسفية المعتاشة عليها جانبا وأهتمت بقضيا فلسفية كبرى لم يكن الدوران حول مركزية تحليل وتفكيك وتاويل اللغة من بينها أو يهمها كفلسفة مركزية أولى رغم أقرار معظم فلاسفة القرن العشرين أن فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى، وفلسفة العقل واللسانيات والتحليل اللغوي هي الفلسفة الاولى طيلة عصر القرن العشرين والى اليوم بلا منازع.

حين أفل نجم فلاسفة البنيوية بعد وفاة العديد منهم وجدت الفلسفات التي كانت تعتاش على هامش التنظير البنيوي الفلسفي أنها أصبحت هي المهيمن والمرتكز الذي تدور حوله بقية التيارات الهامشية لكنها فشلت في مقدمتهم تأتي التاويلية والتفكيكية والتحليلية والتاريخانية وغيرها كفلسفات حاولت شغل كرسي المركز أن تكون محاور لهوامش فلسفية تتبعهما ولم تجد نفسها بالنتيجة أكثر من فلسفات وحيدة متباعدة في المحصلة النهائية أخذت طريقهما الفلسفي الآفل.

ثمة وجه مقارنة يحضرنا هنا حين أرادت البنيوية التمرد أن لا تكون هامشا يدور حول مركزية الماركسية أو الوجودية، ولا تابعا فلسفيا زائلا في عدائها الشديد لكل منهما،، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة بقيت تشير بوضوح الى أن الافكار العظيمة لا تموت ولا تندثر ولا يزول تاثيرها بالحاضر والمستقبل. من الملاحظ أن البنيوية كما هي الماركسية والوجودية لم تنطفئ شعلتها لتوقد بضيائها طغيان فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى وفلسفة العقل واللسانيات بمجموعها.

مسار التحول اللغوي الذي بدأ مطلع القرن العشرين والذي ساهمت البنيوية فيه على يد دي سوسير، قابلته البنيوية بمعالجة قضايا فلسفية كبرى جديدة بعيدا عن مركزية اللغة الذي لم تستطع هضم الفلسفة البنيوية في تعدد اشتغالاتها خارج فلسفة اللغة. ومختلف الاتجاهات الفلسفية اللغوية التي ملأت القارة الاوربية ووصلت الجامعات الامريكية غالبيتها تم تفريخها في مفقس البنيوية الفرنسية تحديدا. ولم تمت افكارها الفلسفية الجديدة لحد الآن.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

محمد كريم الساعديإنَّ الحاضر اليوم يميز لنا أهمية التاريخ في دعم أحداثه ووقائعه للهويات الجماعية وكيفية إسهامه في تمركزها من خلال التطابق الذي أنتجته الجماعات في ذوات استلهمت التاريخ وعملت على توظيفه لصالحها . وللتاريخ دور في طبيعة التمركز حول الذات والتمايز عن الآخر الذي أصبح جزء من عملية تشكيل وعي الذات المؤسسة وابتكاراتها وطريقة أنتاجها للتاريخ من أجل التفوق على الآخر ثقافياً .

إنَّ أستخدام التاريخ في مجال القصديات لبناء الهوية التاريخية، فإن للقائمين على كتابة التاريخ دور في عملية صنع التمايز بين الذات لدى الجماعات التي حاولت أن تصنع هويتها التاريخية في الضد من الآخر الذي تميز عنها بالتناقض عن ثقافتها ومعارفها لذلك فقد جُعل هذا الآخر المميز للهوية وذواتها المنحاز لها في تشكيل صورة للتفرقة في ضوء الفهم التاريخي لهذا التمايز، وهنا يتشكل التاريخ من معرفة قلقة بين الذات والآخر المناقض لها .

فالتاريخ يطابق ويناقض، فالمطابقة تقع بين الذات وتاريخها ويتناقض تاريخها في صورته مع الآخر. ومن هذه الحركة المستمرة في العلاقية بين الذات والآخر نتجت حركة التاريخ في التمايز بينهما في ضوء معطيات هذه الحركة في اختلاف الأثنين . إنَّ الذي ينظر الى التاريخ بوصفه وقائع من الممكن أن تنتهي في نهاية وقوعها فهو في الفهم الخطأ، لأن التاريخ في ظاهره وقائع وأحداث ومدونات، لكنه أيضاً يد ممتدة الى الحاضر يمكنها أن تغير، أن تصلح، أو أن تعبث في واقعنا الحالي خصوصاً إذا كان التاريخ قد دوّن بطريقة مشوهه. فالتاريخ قد يسهم في تمزيق أمة، أو يسهم في انطلاقها نحو المستقبل أفضل إذا ما استلهمت التجارب الحقيقية والفعالة منه . فالتاريخ ليس فقط مدوّنة، بل أفق يمتد من الماضي الى الحاضر، كما يرى المنظر الألماني (هانز جورج غادامير) في نظريته القائمة على أساس (الأفق التاريخي) الذي يؤكد فيه على أن الأفق التاريخي لا يكتمل " خارج زمانية الكائن التي تسمح باندماج الأفق الحاضر بالأفق الماضي فتعطي للحاضر بعداً يتجاوز المباشرة الآنية ويصلها بالماضي، وتمنح الماضي قيمة حضورية راهنة تجعلها قابلة للفهم "(1). إنَّ الافق التاريخي الممتد الى الحاضر فيه الكثير من ملامح عدم الأستقرار للحاضر ذاته، إذا كان قد بني على أساس من القلق التاريخي في أبنيته صاحبة الأحداث المختلفة المتقصدة في الاستخدام،والتاريخ القلق ينتج صوراً مشوهه وقلقة في الحاضر، والعكس صحيح أيضاَ، لكن عملية الصراع وصور التمايز بين الذات والآخر جعلت التاريخ يقع في أطار قلق وليس مستقر مما ولّد هذا القلق صراع مستمر من أجل الهيمنة والسيطرة والإخضاع لأحد طرفي الصراع . وعملت الذات المؤسسة للفكر الغربي على إعادة إنتاج دلالات خاصة بها من أجل الوصول الى سمة التمايز المتخيل في داخلها من أجل بث روح التفاضل عن كل ما يحيط بها من اختلافات تتعارض مع هويتها المتجذرة في البناء المتمايز عن الآخر، والسعي من أجل تثبيت هذه المرتكزات في الذهنية الغربية، وأقامت صورة التمايز " على إعادة إنتاج مكونات تاريخية، توافق رؤيته، معتبراً إياها جذوراً خاصة به، ومستحوذاً في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعاً أواصر الصلة بينها والمحاضن التي احتضنت نشأتها، الى ذلك تقصّد ذلك المفهوم، أن يمارس إقصاء لكل ما هو ليس غربياً،دافعاً به خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح (الغرب) مركزه، على أن يكون مجالاً يتمدد فيه، وحقلاً يجهّزه بما يحتاج اليه"(2) إنَّ فكرة الاستحواذ على الآخر معرفياً فكرة هدفها الوصول الى بناء التفوق على حساب التعايش الحضاري، فإن جعل كل ما للآخرين من معاني حضارية تنسب للذات المؤسسة من خلال الاختلاق التاريخي للمنجزات التي ليست للذات نفسها، بل قد وجدت من قبلها لحضارات أخرى كما في مواضيع مهمة مثل البدايات الفكرية والفلسفية التي أعتبرها البعض ممن يدرسون التاريخ أن للإغريق قصب السبق بذلك رافضين كل البدايات الفكرية وأنواع التفلسف الأخرى في الحضارات التي سبقت الإغريق  في ذلك، هو من دلائل الاختلاق التاريخي في العقل الغربي ونسبه لحقائق هي ليست له في مجال البدء في الظهور في هذا المجال . وكذلك أنكار ما للفلاسفة المسلمين من دور في ترجمة ونقل الإرث الحضاري الفلسفي اليوناني وبث الروح فيه بعد أن كان قد أهمل من أبناء الحضارة الغربية في ما بعد الفترة الرومانية، وكذلك أنكار العديد من الإضافات التي قدمها الفلاسفة في الحواضر الإسلامية للفلسفة وجعلها فقط للإغريق دون غيرهم، كل هذا يدل على عملية اختلاق لتواريخ خاصة فقط بالمرجعيات الغربية والتي تعد الفترة الإغريقية نقطة التمركز لديهم في مجال التفوق التاريخي على الآخر في الحضارات السابقة. ومن هذا الاختلاق التاريخي الذي وضع في سياق جعل من خلاله كقاعدة للتمدد الحضاري للغرب على الآخرين في بقاء العالم الأخرى، ليبرروا أن الحضارة في الغرب فقط وما هذه القاعدة الفكرية والمعرفية في الغرب الأ اشعاع فكري مبني على أسس وقواعد التفوق التاريخي الذي يميزهم عن باقي مناطق العالم الأخرى وهنا تكمن الغائية التاريخية في هذا المجال .أما باقي الحضارات فهي كانت شعوب بدائية لم تحقق ما يرجو منها قياساً لحضارة الغرب الإغريقية . وهذا ما يؤكده الفيلسوف (برتراند رسل): " إنَّ الحضارة اليونانية حضارة متأخرة بالقياس الى حضارات العالم الأخرى، إذ سبقتها حضارتا مصر وبلاد ما بين النهرين بعدة ألوف من السنين . ولقد نما هذان المجتمعان الزراعيان على صفاف أنهار كبرى، وكان يحكمهما ملوك مؤلهون، وأرستقراطية عسكرية، وطبقة قوية من الكهنة كانت تشرف على المذاهب الدينية المعقدة التي تعترف بآلهة متعددين . أما السواد الأعظم من السكان فكانوا يزرعون الأرض بالسخرة. ولقد توصلت مصر وبابل الى بعض المعارف التي أقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أي منهما من الوصول الى علم أو فلسفة . على أنه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق عما إذا كان ذلك راجعاً الى افتقاد العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة، أم الى الأوضاع الاجتماعية، لأن العاملين معا كان لهما دور بلا شك "(3). إنَّ رؤية (رسل) أن مصر وبابل قدمت معارف لكنها لم تصل الى علم أو فلسفة كما حصل مع الإغريق الذين أخذوا المعارف ووظفوها في علومهم وفلسفتهم وأصبحت تنسب لهم دون غيرهم في مصر وبلاد ما بين النهرين الذين عملوا على اكتشافها قبلهم . ويتضح جلياً مفهوم الاختلاق التاريخي ونسب الحقائق الى غير أصحابها من خلال ممارسة الأقصاء على كل ما هو غير غربي ولا ينتمي الى الإغريق، ويبرر الأقصاء التاريخي لأبناء الحضارات الأخرى بمسألة عدم وجود شعوب عبقرية من جهة، أو لأسباب أجتماعية دفعت أبناء تلك الشعوب للابتعاد عن دائرة الحضارة، أو بسبب السلطة الدينية المسيطرة ومن قبل الكهنة، أو سطوة الحكام الذين يؤلهون أنفسهم في أعين شعوبهم . وهذا ما أشار اليه (هيغل) ومن قبله  (أرسطو) سابقا في مسألة الأستبداد الذي يعيشه المواطن الشرقي، والذي ابعده عن دائرة التفوق والحرية في أنتاج معارف سامية من الممكن أن تتنافس مع الحضارات الأخرى حسب رأيهم .

إنَّ التمايز عن الآخر أصاب الذات الغربية بهوس التفوق حتى بات من الصعب توضيح التاريخ الحقيقي لتحديد هوية الذات المؤسسة التي اختلطت فيها العديد من إنجازات أخرى قد لا تكون دليلاً كافياً على مرجعياتها الثقافية والفكرية ،لأن التاريخ الغربي بات يخفي الكثير من الوقائع التي تفضح أساليبه ويغطي عليها بأمور أخرى ثقافية ذات أبعاد تاريخية غريبة عنه، أو أخذها عن غيره كما في قول (رسل) السابق: أن بعض انجازات بلاد ما بين النهرين وبلاد مصر قد أخذتها الحضارة الإغريقية، وتمثيلها في حضارته ونسبتها لها كما في علوم الفلك وبعض المكتشفات الأخرى في مجالات الزراعة، أو الطب وغيرها، والتاريخ الغربي تاريخ يخفي الكثير من انجازات الأمم الأخرى، " أي أن تاريخ الغرب وكيفية تشكله يخفيان في طياتهما خبايا كثيرة، وجب فحصها ونقدها، لكشف التسترات التي قامت بها الذات الغربية وفضحها، وقصد ملامسة حقيقة الغرب،أو على أقل تقدير الاقتراب منها. (...) ولما كان الغرب مفتتنا بمفهوم القدر التاريخي الفريد الذي يراه في نفيه، كما كان مفتتنا بفكرة السيطرة العالمية والتوسع، قام بعملية تمثيل فكري للحضارات الأخرى ولم يستطع تقبل فكرة الأختلاف عن الآخرين "(4)، كونهم من المنافسين له وأن مشاركتهم في الحضارة لها حضورها في الوعي الجمعي لدى أبناء الشعوب، وعمل الغرب على ابتكار المفاهيم الخاصة بتمثيل فكري لإنجازات الحضارات الأخرى في حضارته ونسبها بعد أن عدل وطور فيها لصالحه .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

المصادر

1- بوفير: الفلسفة الألمانية الحديثة، ترجمة: فؤاد كامل، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986، ص86.

2- د عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،2010، ص11، ص12.

3- برتراند رسل: حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، الكويت: عالم المعرفة، 2009، ص 28.

4- منير مهادي: نقد التمركز وفكرة الأختلاف، مقاربة في مشروع عبدالله إبراهيم، الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2013، ص51.

 

 

حسين علاويتعتبر الأسطورة مفتاح الإيمان ولغته، وعقل وصياغة التفكير الديني.. وهي سابقة على الذهنية الفلسفية والتفكير العلمي.. فهي كانت وما زالت تلعب دوراً مهماً في صياغة الفكر وإدارة الحياة العملية للإنسان، وذلك من خلال الإجابة على أسئلة الكون، وما فوق الطبيعة (الميتافيزيقيا)، والمجتمع وعلم النفس.. فهي مستودعاً للقيم الاجتماعية والثقافية.. وخزين معرفي مبكر للبشرية.. ورغم ما فيها من خرافات إلّا أنها تمنح سلالة الطقوس الدينية وتقاليد العبادة في المجتمعات القديمة نماذج غنية بالأفكار.. ونظرة الإنسان إلى الأسرار الكامنة في الكون، والأمور الغامضة في الحياة، وقد نجد أن الدين والأسطورة هما صنوان متلازمان في الفكر الغربي، بل والعربي السائد.. ورغم أن العقل يُدين الأسطورة، ويُقصيها ويطاردها، ويتخذ موقفاً سلبياً منها، وينفي ويسلب الحقيقة والمطلق منها، ومن ناحية أخرى يتوسل إليها لتبيين الحقائق والكشف عن الأسرار الدفينة في الماضي، وما يستجد في المستقبل، ولا يرى بدّاً منها في معرفة تفسير الكثير من الحقائق في الماضي..

ويعتبر (هيجل) الأسطورة حقيقة لا مفر منها، وهي تعبير عن مرحلة تاريخية وواقعية من الفهم المترابط والمتواصل للحقيقة، ولها صلة بالزمان والمكان ومدى قدرة الإنسان على صور التعاطي مع المفاهيم والاعتبارات المركّبة والمعقّدة.. (هيغل والمثالية المطلقة، ص143، ترجمة: زكريا إبراهيم)

ويعتبر (ريكور) أن الأساطير الدينية الأولى أعطت معنىً قادنا إلى التفكير للخطيئة الأصلية في أسطورة (طرد آدم وحواء من الجنة).. التي تمثل حجر الزاوية في المفاهيم اليهودية والمسيحية والإسلامية.. وهي مجموعة التصورات الدينية المروية، التي تعتمد في حكيِها على الأحداث الأولى المؤسِسة، والتي تهدف من خلالها إلى تأسيس الفعل الإنساني، وبشكل عام تجليات الفكر الإنساني كلها، التي يستطيع من خلالها الإنسان فهم ذاته أمام العالم كله.. (أنظر: الهرمنيوطيقيا الفلسفية وهرمنيوطيقيا النص الديني عند بول ريكور، مصطفى العارف، ص128-129).

ويعتبر عالم النفس (يونغ) أن الأساطير هي محددات رئيسية للتطور البشري، والتي تجسد شكلاً متقدماً من الغرائز، وتؤلف نموذجاً من التنظيم البيولوجي لاشتغالنا النفسي، فإذا قلنا: (الإله) فإنما نعبر عن صورة أو مفهوم لفظي قد تعرّض إلى تغيير كثير على مر الزمان.. ولكننا لا نستطيع القول بدرجة من اليقين إلّا أن يكون ذلك عن اعتقاد أو إيمان (أنظر: الدين والأسطورة، محمد مصطفوي، ص66).

ويتساءل (آرنست كاسبرز): هل الأسطورة تنشأ من قدرة الذهن على التخيّل، أم إن جذورها تكمن في الشهود الواقعي..؟ وهل تكشف عن المرحلة البدائية للمعرفة البشرية والإيمانية، وترجع إلى العقل..؟ أم إنها تتعلق بدائرة الانفعالات العاطفية وتنشأ من الإرادة البشرية..؟

ويكون الجواب: أن العنصر الأساسي الذي له حضور عن كل أشكال الثقافة ويؤدي إلى تشابه الثقافات الأسطورة.. ويرفض تحولها إلى أمر خرافي وغير واقعي.. لأن الأساطير هي من بدأت تروي قصة الخلق وتبيّن كيف نشأ العالم.. وإن الفكر الأسطوري والفكر الديني في العقيدة اليهودية هو من جعل ذات الله وقدرته ترتبط (بإسمه).. بل إن أسماء الله هي التي تحاكي ذات الله وصفاته (أنظر: المصدر السابق، ص42-43).

فالأسطورة لها صلة قوية بالدين والإيمان بالله.. وهي جزء لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية، ولا ينبغي اعتبارها قصصاً خرافية وواهية.. وحكايات عادية.. بل إنها تؤدي وظيفة اجتماعية أساسية ترتبط بطبيعة العقائد والتقاليد، وباستمرارية الثقافة، وبالموقف الإنساني من الماضي، ومن عبادة الإنسان.. والأسطورة هي حقيقة اجتماعية تفسَّر بها ومن خلالها قضايا ومسائل اجتماعية أخرى، بما فيها الدين والمعتقدات البشرية على مر التاريخ..

وقد عرّف (الياد ميرسيا) الأسطورة: بأنها تاريخ حقيقي وقع في بداية الزمان، ويستعمل نموذجاً للمسائل البشرية.. وإن الرمز هو المقدس عينه، في حين أن تجلياته هي صورهُ وأشكاله المتعددة والمتباينة.. والتجلي يكون في الحجر والصخرة والنصب والوثن.. أما الرموز فهي تجسيد للألوهية، وليس علامات تعسفية، معلقة في الفراغ، فالديني مهما كان بدائياً أم متمدناً، فهو حتماً يفكر بواسطة الرموز، وهو ما يزكيه (مارسيل موس) معتبراً أنه لا يمكن فهم مغزى أي صلاة، إذا لم يعترف بفاعلية الكلمة.. وإنّ أكثر هذه الرموز موجودة في الأديان الكبرى، حائط المبكى، تماثيل وصور المسيح، مكة... وغيرها. (أنظر: الياد ميرسيا، الحنين إلى الأصول في منهجة الأديان وتاريخها، ص17، 23.

فالأسطورة فضاء من المرويات والألغاز والمعاني، وكون من الآيات.. ولهذا تفسر لنا كل حدث، وتجيب على كل سؤال.. فلا شيء يبقى دون تفسير ما دمنا نعتقد بأنَّ لكل شيء في الكون دلالاته ومغزاه، وما دمنا نقرأ في كل ظاهرة طبيعية توقيع القوة العلوية التي تدير العالم وتدبّره.. وما دمنا نرى في كل حدث تاريخي سراً من أسرار العالم الإلهي.. فالأسطورة كانت وما زالت شريعة للتحليل والتحريم.. وثقافة لخلق الإنسان، ولبداية ونهاية الكون.. وهي التي أعطتنا الاعتقاد والبرهان على الغيب والقول بالإيمان.

 

حسين علاوي

 

ريكان ابراهيمإن صرخة الطفل الأولى ساعة ولادته هي صيحة الإعتراض الأولى على الوجود، والسؤال الأول عن (لماذائية) الخروج من بيئة الرحم إلى بيئة الحياة.

معنى هذا أن أول عمل يقوم به الكائن البشري - مختلفاً في ذلك عن الكائنات المولودة الأخرى - هو الإعتراض، والإعتراض يحمل سؤال الإختلاف، وسؤال الإختلاف يحمل ظاهرة إنعدام التوافق. إن كل شقاء الإنسان اللاحق وأمراضه النفسية والعقلية وحتى الكثير من الأمراض الجسدية يٌعد ناتجاً من إنعدام القدرة على التوافق أو التوافق على نحوٍ خاطىء.

معنى هذا أيضاً  أن الإنسان كائن يقوم على الرفض أكثر من قيامه على القبول. وتعرف الأمهات أكثر من غيرهنَ ما يكابدنه من مشقة في إقناع الطفل الجائع حتى يرضع مع انه في حاجة إلى ذلك. ويكبر الطفل قليلاً ليزداد تمرده على رفض الأشياء التي حوله. فهو لا يلعب مع الدمية التي تٌقدم إليه بل يكسرها ليعرف ما فيها غير مقتنع بجمالها الخارجي. ويسبق دماغ الطفل في نضوجه النوعي حجمه أو وزنه، ولكن ذكاءه - وهو عمل إدراكي مبكر - يسبق لغته - وهي أداة أو وسيلة للتعبير عن هذا العمل الإدراكي. وكٌلما تقدم الذكاء أو العمل الإدراكي على اللغة مال الطفل إلى (معملية) الأداء وقصَر في (نظرية) الأداء، حتى إذا تأخر الطفل عن النطق بكلمات مفهومة عَبرَ عن ذلك بالمزيد من الفهم وقوة الملاحظة.

ولهذا نجد أن عطل اللغة يرافقه غالباً حدة في الذكاء صعوداً إلى مرحلة (الأخرس) الذي كثيراً ما يتمتَع بذكاء عالٍ (بإستثناء حالة واحدة وهي وجود الصمم).

* * *

إنَ الطفل لا يتعلم النطق لأنَ النطق قدرة مولودة يشترك فيها الدماغ (منطقة بروكا  Broca’s area في الفص الجبهوي) والحبال الصوتية في الحنجرة. هذا هو النطق. أما ما يتعلمه الطفل في مجال اللغة فهو الكلمات في لغة الوالدين والأسرة بكل إنشطاراتها في السؤال والجواب وعلاقة الأشياء بأسمائها. وحين تنضج منطقة فيرنكا ( Wernicke’s area ) في الفص الصدغي المسؤول عن فهم الكلمات، تصبح اللغة مفهومة ويٌصبح النطق المولود قادراً على ترديد المكتسب واستعادته. ويمٌر الطفل في مرحلة مبكرة بفهم الكلمات فهماً رمزياً يساعده على الدلالة ونعني بذلك اللغة السميائية Semantic language.

* * *

إن الطفل يبدأ باسئلة كبرى على عكس ما كان يٌقال سابقاً عن سذاجة أسئلة الطفل. ويركز الطفل مبكراً في السؤال عن مغيِبات مثل الخالق الذي خلقه وعن الخالق الذي خلق مَن خلقه، وعن الجنس، وعن المصير بعد أن يموت الإنسان.

وعلى مدى ذكاء المجيب، أٌمَا كان أو أباً، يبني الطفل فهمه للظاهرة ولكنه لا يبني بالضرورة قناعته، وفَهمُ مجردٌ من القناعة يقود إلى الشك. وبالمنطق السيميائي للغَة ينظر الطفل إلى الأشياء المجهولة حوله على أنها كرة أكثر من كونها شكلاً هندسياً آخر، ولذلك تبدأ مهاجمته للأشياء على أنها كرات مغلقة، ويقع في ذلك ثدي الأم الذي يٌمثل عنده سراً يرضع منه حليبه ويعضه بأسنانه في محاولة لتحطيمه وإكتشاف محتواه.

ومن هذا المنطق السيميائي تبدأ رحلة الكشف عن (المجاهيل) بما فيها الإله والولادة والموت.

* * *

إن فوضى الأفكار التي لدينا، نحن الكبار، حول الظاهرات الكبرى التي ذكرناها (ومنها الله تعالى) ناتجة من الفوضى الأولى في حياتنا ونحن أطفال، يوم كنا نتلقى أجوبةً أضعف من أسئلتنا ومعلوماتٍ أقل من قناعتنا.

ان (جان بياجيه) يشير الى ظاهرة الحس على أنها بداية الإدراك ( Sensory-motor-st) . ماذا يقول بياجيه عن بداية الأسئلة الإدراكية عند الطفل قبل تنامي معالم الحس بما فيها معلَم الإدراك السمعي والبصري؟

يشير الحديث إلى أن الطفل يٌولد على الفكرة وإنما أبواه هما اللذان يٌنصرانه أو يٌهودانه، وهذا على مستوى الدين ولكنه ينطبق على الإيمان بالله أيضاً.

والفطرة عند الإنسان لجوجة، متسائلة، قلقة، غير مستسلمة، كما أنها جموحة لا تقنع بشيء في سهولة. والذي يحدُ من تمرد الفطرة بتقادم عمر الإنسان هو مجموعة عوامل منها:

1- العقلنة: أي دخول حسابات العقل في الإجابة عن سؤال الكينونة والمصير.

2- اليأس من فائدة التمرد: ان التمرد  في حياة الإنسان لا يضع حلا لاسئلته، وكلما تقدمت السنوات يبدأ هذا الكائن بالإيمان بعبثية التمرد لأن الأخير يجعلة في حلقة مفرغة تحيله إلى (لا جدوى الأسئلة).

3- التأثر بالمجتمع: حيث يخضع الفرد المٌتمرد للناموس الإجتماعي والعٌرف العام شاء أم أبى لكي يٌحقق الإنسجام حيث لا يٌحقق التمرد (سايكولوجية التوافق).

4- الخيبة الذاتية: يملك الإنسان بالفطرة ظاهرة النظر إلى ذاته نظرةً مركزيةً مملوءة بالنرجسية حيث يعد تلك الذات مركزاً للعالم الذي يدورحوله حتى إذا تعب من هذه المداولة بدأ بمشاعر الخيبة من قدراته على حل السؤال بجواب مغلق لأن أجوبته عن أسئلةٍ فتحت وتفتح أمامه أسئلةَ أخرى لا تنتهي.

5- قصور المحسوس أمام اللامحسوس: يٌحاول السلوك الفطري في الإنسان أن يفهم كل شي عن اللامحسوس فِهماً مباشراً بوسائط الحس وهذا الشيء صعبٌ تحقيقه. حيث لا يعني غياب اللامحسوس عن الإدراك الحسي أنه غير موجود، فقد يكون غائباً لأنه موجود في مكان آخر أو في صورة أخرى.

* * *

إن الطفل يخاف ولكنه لا يستحي من شيء، فهو كائن غير منضبط لأنه لم يخضعٌ بعد للعيب الإجتماعي ولا لسطوة القانون ونتائج تطبيقهِ. وبسبب هذا الخوف وهذا الفقدان للحياء من شيء ما تبرز قدرته على إثارة الأسئلة التي تبحث عن إجابة تمحو خوفه. وهذا الكائن الفطري يٌلقى إيمانه بطريقة التخويف من الإلحاد فينشأ مؤمناً بالتلقين وليس القناعة.

لكنه لو لم يُلقن بل تٌرِك حٌراً طليقاً لوصل إلى ربه عن طريق عقله لأنه لا يوجد إنسانً بعقل ما لم يكن مؤمناً أو باحثاً عن إيمان. إن علينا أن نٌفهم هذا الكائن الفطري أن هناك فرقاً بين (الإلحاد) و(الإنكار)، فالإلحاد يعني الإيمان بأن لا يوجد إله بينما الإنكار يعني معرفة الإله مع التنكر لحقيقتها، ويظلُ الملحد باحثاً عن ربِه بينما يظل المٌنكر إنساناً عارفاً بالحقيقة لكنه يتنكر لها، وهذا أخطر من الأول.

* * *

إن الدين الأول هو دين الفطرة التي جَبل الله الإنسان عليها. وسٌمي الدين (أي دين) بهذه التسمية لأنه معارفٌ لا تحتاج الى الكثير من العناء في الإطمئنان إلى وجود الله.

ففي الصف المدرسي الأول، وقبله في البيت، يستطيع أيُ منا أن يقول للطفل: ما دام لك خالق فإذن لابد لهذا الكون من خالف فيكون الله.

هذا مثال بسيط على كيفية الوصول إلى مشارف الفطرة وبأبسط الأمثلة، وإذا أردنا أن نضع منطلقاً للفرد الطفل في بداية عمره في تحديد موقفه: هل هو كائن مفطورُ على الإلحاد أو مٌهيأ للإيمان أو مٌولع بالإنكار، فإنَ أفضل تسمية منا لهذا المنطلق هي: مرحلة (اللاأدري).

ففي هذه المرحلة يكون الطفل مٌهيأ لكل شيء طبقاً لثقافة من سيوصل المعلومة إليه. ولهذا نشير كما أشرنا إلى أن طريقة التعريف بالله هي الأساس في صياغة إيمان الطفل وإبعاده عن الإلحاد أو المكابرة وفيها الإنكار.

إن أسئلة الطفل الأولى عن الله تقع في (المنطقة المحايدة) فهو ليس مؤمناً وليس مٌلحداً لكنه ينتمي إلى (اللاأدرية). وكثيراً ما تٌقمع أسئلة الطفل بأجوبة لا اقناع فيها بسبب جهل المجيب أو ضعف ثقافته أو ضبابية إنتمائه إلى الله.

وكثيراً ما يقودنا الغرور بالإنسان المحدود فنسمي حركات الإلحاد بالله تسمياتٍ فيها من البريق اللفظي أكثر مما فيها من المعلومات ونسمي أصحابها روادَاً في ( الوجودية) و(العبثية) و(ما بعد الحداثة) و(العدمية).

نسميهم هكذا وننسى أنهم ما زالوا أطفالاً كبروا  أجساماً حسب فظلوا يرددون أسئلة طفولتهم الأولى، يختلفون عنها ببريق التخريج اللغوي والتزويق الإصطلاحي وهذا في حقيقته لا يعدو كونه انتصاراً لصالح المبنى على المعنى والشكل على الٌمحتوى.

* * *

1. جئتٌ لا أعلم من أين ولكنني أتيتٌ

ولقد أبصرتٌ قدامي طريقاً فمشيتُ.

حينما قالها شاعرها، سٌميَ فيلسوفاً شعرياً يبحث عن سبب المجيء وعبثية الإتجاه مستقبلاً، وننسى كما ينسى شاعرها أنها كلماتُ سبق أن قالها الطفل بكلمات أٌخرى تفتق  إلى العروض الشعري الذي لا يعرفه الطفل.

2. إلهي الذي في السماء

أٌناديك من هذه الأرضِ

يا قاهر الأقوياء.

يتصور هذا الشاعر أن ربَهٌ في السماء حسَب. هل يختلف هذا الشاعر (الطفل الكبير) عن الطفل الذي يسأل أٌمه: أين الله؟

فتجيبه - وهي منشغلة بإعداد وجبة الغداء - فوق، في السماء.

الإختلاف هو في شيء واحد. أن الطفل الكبير يجيد كتابة السؤال في قصيدة.

هل ولدنا أطفالاً صغاراً لنموت أطفالاً كباراً؟

* * *

لماذا يسأل الطفل عن الله؟

سؤالُ جديرُ بأن يٌثار. ألا يكفي هذا الطفل إنشغاله بالأكل لكي لا يجوع، وبالدفء لكي لا يبرد وبالبرودة لكي لا يضايقه الحر وبالنقود لكي لا يحرم من اللعب، روادعَ له عن إثارة سؤال كوني يتعلق بالولادة والخلق والموت والمآل؟

إنه يسأل عن الله بفضول كبير:

1- ما معنى الله؟.

2- ما شكله؟.

3- أين مكانه؟.

4- كيف خلقَنا؟.

5- من خلقهٌ؟ .

6- لماذا هو خالد؟.

إن الطفل يسأل مثل هذه الأسئلة لأنه محكومُ بالعالم الحسي الذي حوله وبمحدودية هذا الحس في العالم. إنه الكائن الذي يحاول إدراك اللامحسوس بالمحسوس. إنه لم يُدرِك بعد معنى (مفهوم المٌطلق والجزئي).

إن هذا الكائن الفطري يتعلم ما هية الله عن طريق وسائل أخرى وبأيدي أبويه - اللذين لا يٌقدمان بالضرورة إقناعاً له. خٌذ مثلاً:

1- أنه يتابع الطقوس في دين أبويه فيصعب عليه إكتشاف العلاقة بين ممارسات طقوسية مرئية وخالقٍ لا يمكن رؤيته.

2- أنه يسمعٌ من أبويه استخدامات لفظية تصف الله بلغتهما التي تختلف في معانيها عن لغته. (يدٌ الله فوق يد الظالم) و(يحرسكالله الذي عينه لا تنام) و(كرسيه على الماء) و(أقربٌ اليك من حبل الوريد) و( أنى تٌولوا وجوهكم فثَم وجه الله). هذه الأقوال وفيها الآيات، يستخدمها الناطقون بها بلغة المجاز  التي لا يعرفها الطفل لأنه ما زال في طَور عقلي يٌفسر ولا يُؤول.

3- كثيراً ما يخاطب الناس ربهم بلغةِ دٌعاء فَجة تٌوحي إلى من يجهل رحمة الله ولطفه بأنها لغة تذمر وضجر من مظلومية يتنزه عنها الله الذي لا يظلم أحداً (ليس ربك بظلام للعبيد). وترديد مثل هذه اللغة أمام الطفل تٌشوه في عقله الكثير من صورة الله المشرقة العادلة فيبدأ بإثارة أسئلة أمام والديه في دواخل نفسِه.

4- يٌعلم الأبوان الطفل الكثير عن الله بطريقة التخويف منه وليس الحٌب له، لأنهما خائفان أصلاً والخائف لا يستطيع أن يٌعلم خائِفاً آخر درساً في الطمأنينة. هنا يبدأ الطفل بإثارة الأسئلة في داخله حول هذا الجبَار المخيف وليس هذا الرحيم الرحمن اللطيف.

5- يٌقدِم الأبوان صورةً عن الله للطفل فيها الكثير من الفهم الأرضي المحدود لهذا المٌطلَق ومن أمثلتها: أن الإنسان إذا كان تقياً فإن الله يٌغدق عليه شآبيب الغنى والصحة. وهذه المقايضة مهزوزة تجعل الطفل يٌفسر رضا الله بأنه نوع من تبادل العطايا بين خالق ومخلوق كما تجعل الطفل يبتعد عن مفهوم (الله المٌطلَق) الذي لا يٌمكن ان تٌجزأ قدرته وكٌليتِه.

6- كثيراً ما يٌفهم الأبوان الطفل أن أسئلته التي ذكرناها هي نوع من أنواع التشكيك الذي يجب  أن لا يٌثار. والممنوع في كل ظاهرة يٌعدُ عاملاً مٌحرضاً على السؤال عنه.

* * *

إن إمتداد طريقة التفكير فيحياة الإنسان في الطفولة إلى العٌمر الناضج (وهذا مايحدث كثيراً) يقود إلى استمرار طريقةٍ مغلفة لا تٌوفر الإنفتاح المطلوب.

فالذكاء الذي لدينا يرتكز على التعلم (learning). والتعلم يقوم على ثلاثة أنواع من الوسائل:

1- التعلم بالتطبيع على الشيء (Conditioning learning).

2- التعلم بالمٌحاكاة والملاحظة (Observation learning).

3- التعلم بالمٌقارنة (Comparison learning).

ومن هذه الثلاثة ينشأ الحاصل النهائي للذكاء وهو الذكاء الإستنباطي (Abstractive intelligence). وكلما تأخر ظهور الإستنباط تأخر الدماغ في تحقيق حالة الفكر الحٌر الذي يقود إلى الإبداع. ويٌعَدُ الأفراد الذين يتأخر عندهم ظهور الإسنتباط أطفالاً استمر لديهم التعلم بواحدة من الوسائل الثلاث فظلوا أسرى ارتباطهم بفهم يقوم على محاكاة المألوف والتطبع عليه فيتأخر عندهم الإستنباط. ويٌعدُ الأخير (الإسنتباط) أرقى أنواع الذكاء الذي يتميز به الإنسان في الوصول إلى إدراك اللامحسوس بالمحسوس واستقراء الأسباب بمناقشة النتائج، ومن ذلك معرفة الله الخالق بمعرفة آثاره في الخَلق والتكوين على أساس قاعدة بسيطة غاية في البساطة، مثلٌها يقوم على أن الكرسي صنعه نجار والبيت بناه بنًاء ولولا النجار والبنًاء لما رأينا الكرسي ولا رأينا البيت.

معنى هذا أن العقل الذي لا يقدر على استنباط لن يقدر على معرفة وجود الله. والإستنباط ميزةُ للعقل البشري لا تملكها أدمغة الكائنات الأخرى مع أنها تملك بسائط أخرى للتفكير حيث تأكل عندما تجوع وتشرب الماء عندما تعطش.

ولما كان الإستنباط ميزة فهو لا يظهر فجأة إنما يتدرج، وبذلك فهو يبدأ في الطفل ليزداد وضوحاً في النضج، وكلما عجلنا في تعليم الطفل الإستنباط عجلنا في جعله ناضجاً مٌبكراً. وخيرٌ طريقة نٌعلمها للطفل في كيفية النظر إلى وجود الله والإيمان به هو أن لا يطلب ممن يواجهه أن يٌثبت له وجود هذا الإله العظيم بل يطلب من الآخر ان يٌثبت عدم وجود الله، وهذا موضوع يٌحرج الملحد أو المنكر لأن معرفة الظاهرة (أية ظاهرة) تقوم على مرتكزين:

1- إثبات الظاهرة بالأدلة.

2- إثبات عدم وجودها بالأدلة.

وحينما يعجز منكر الله عن نفيه سيكون بذلك عاجزاً عن إنكاره فينقاد إلى إثباته وبذلك تبطل الثقافة المضادة التي تنفي وجود الله.

* * *

إن أطفال المجتمعات البدائية كالمجتمعات الوثنية أو التي تٌقدس الحيوانات والنباتات وترفعٌها إلى مقام الآلهة يعانون كثيراً من هذا الفكر الوسيط ونعني به الفكر الذي يجعل الإيمان بالإله في حاجة إلى وسيط كصنم أو الأفعى أو البقرة أو شخصية الكاهن أو الضريح، مثلُهم مثل أطفال المجتمعات التي تؤمن بالظاهرات الطبيعية  كالمطر والرعد والنجوم على أنها آلهةُ تعبد أو تجب عبادتها.

وفي مثل هؤلاء الأطفال تنشأ ظاهرة التعلم بالمشاهدة أو المراقبة للكبار عن أبناء مجتمعاتهم وبذلك يزرع فكر هذه المجتمعات في الأطفال تفكيراً ساذجاً مدعوماً بالخرافة والتأويل (الميثولوجي). وفي مقابل هؤلاء الأطفال تبرز معاناة أطفال المجتمعات الموحدة لإله واحد حينما يتعلم الطفل منهم دينه بالتلقين من دون إبداء المرونة لهذا الطفل في أن يسأل ما يريد لأنً كبت أسئلته بالتخويف سيجعله يؤخر إعتراضه اللاشعوري إلى يوم يثور فيه على قناعته الزائفة الخجولة.

إن أبرز الأسئلة عند الطفل ثلاثة هي:

1- ما معنى الله؟.

2- أين الله؟.

3- كيف الله؟.

وما لم يٌفَهم الطفل معنى (المٌطلق) في مقابل محدودية (المجزوء) فإنه لن يدرك الإجابة عن هذه الأسئلة. وخير طريقة لإفهام الطفل حقيقة الله هي توجيه ذهنه إلى آثار الله  في خَلقه، ونبدأ في ذلك بتوجيهه إلى فحص نفسه وفهم أسرارها لأنها أقرب الأشياء إليه.

لقد كان الكثيرون من المعلمين الدينيين يميلون إلى تحذير الناشئة من أسئلة الشك وتخويفهم بالعقاب إذا مارسوا عملية الشك في خطابهم.

إن التخويف من الله هو صورة من صور التخويف من بعض المفردات في ذهن الطفل كالخوف من الوالد القاسي أو المعلم المتشدد أو القانون أو المحاكم وهنا تٌصبح صورة الله مخيفة لدى الطفل ويبدأ بممارسة حياته خائفاً من الرقيب.

إن اليقين المصطنع ينتظر يوماً يتحول فيه إلى شك بينما يقود الشك في كثير من الحالات إلى اليقين الذي لن يتزعزع. إنَ (مع العسر يسراً) أقوى وأفضل من (إن مع اليسر عسراً) ولذلك استخدم القرآن الكريم القول الأول ونأى عن إيراد القول الثاني. والشك عٌسر ولكنه يقود إلى اليسر الذي يحققه الإيمان.

* * *

إن أسئلة الطفل تختلف عن أسئلة الكبار في موضوع شكها حيث تنطلق من التلقائية فيما تنطلق أسئلة الشك عند الكبار من (القصدية) التي تتوزع على ثلاثة أنواع: نوع يبحث عن مٌزيل لها باليقين، ونوع من الإصرار على نكران المشكوك فيه ونوعٍ محايد يبحث عن الإستقرار  على الإيمان أو الإستقرار على الإلحاد (النوع الثالث لا يحمل سوء النية بل يحمل المٌحايدة). إن فتح الباب باكراً  أمام أسئلة الطفل مهما كانت جرأتها  أو نوعها أو لغة بنائها يقود إلى الآتي:

1- زوال القلق عند الطفل ونعني به قلق السؤال والخوف من الرقيب.

2- تنشئة حرية التفكير في وجود الكينونة وقصدية المصير.

3- إزالة مفهوم (المٌقدس المٌحرم) وإثبات مفهوم (المٌقدس غير المٌحرم الذي يمكن السؤال عنه بالممكن من الكلمات في إنتظار الممكن من الجواب).

4- نشوء الفهم عند الطفل لآلية الفصل بين الظاهر الذي يمكن الإجابة عنه والغيب الذي لا يمكن الإجابة عنه لأنه شيٌء فوق الحس أو أداء أعضاء الحس وسيد إدراكها، الدماغ.

5- إزالة الحذر من القوى التي تَتَمثل نوعاً من سلطة الخوف مع الطفل كسطوة الأب أو الشرطي أو السجن أو العقوبة أو القانون الصارم.

6- بظهور المعالم التي ذكرناها (من 1 - 5 ) يتخلصٌ الطفل من النشوء المبكر للأمراض النفسية التي تتعلق بالموت المخيف واندحار الكائن كما يتخلص من (قلق الإغتراب) في المكان الذي يٌفترض أن يكون مكاناً للطمأنينة.

7- نشوء سلامة الشخصية لدى الطفل وإنعدام ظاهرة (البارانويا) التي تقوم أساساً على الشك المريض الخفي الذي من نتائجه ظاهرة الإنكار الواهمة (Persecutory delusion).

إن ظاهرة قَمع الطفل عن الله، على جلالة قَدره وعظمته، لها مثائل أدنى في المهمة لكنها شبيهة في النتائج  ونعني بها  أسئلة الطفل المٌحرمة عن الجنس والسياسة وقٌدسية الحاكم. إن تعليمنا الطفل صعوبة الثقافة الجنسية مثلاً هو الذي جعلنا نتأخر عن إفهام الطفل ظاهرة أصلية لا يلبث أن يمارسها لاحقاً في حياته. ومثال ذلك ما يسري على السياسة وقدس الحكومات مهما كان ظلمها وصعوبة مناقشتها من الأفراد والمحكومين.

فالإنفتاح على أسئلة الطفل في دلالة (الله) العظيم بحرمة تٌهون انفتاحه على ظاهرات أرضية وتجعل من الطفل فرداً  حٌراً  يبحث عن الحقيقة.

* * *

إن الطفل، أي طفل، فيلسيوف مبكر. فيلسوف يسألأ ولا يجيب حتى إذا لم يجد جواباً في من سبقه عٌمراً عمَد إلى وضع أجوبة من عنده. ولهذا ظنَ بعض الكبار  أن الفلسفة تراثٌ طفولي إمتدَ به العمر وبذلك فرق هذا (البعض) بين الدين والفلسفة بإعتبار الأخيرة مثيرةً لأسئلةٍ لا جواب لها. 

إن للدين فلسفة تٌعلم الإنسان ضرورة الإيمان بالله ونعتقدٌ أن فلسفة الإلحاد شيٌ عابث ينطلق بها أصحابها من منطلق العجز عن الإجابة. إن أسئلة الطفل الثلاث التي ذكرناها (معنى الله؟، أين الله؟، كيف الله؟) هي أسئلة فلسفية  مٌبكرة مما يؤكد وجود فلسفة للدين الذي تَدرج بالإنسان من مرحلة تعدد الآلهة وطوطمية الإنتماء وتابوية المصير إلى مراحل الدين السماوي الذي توفرت فيه عناصر الإله الواحد ومٌبلغ الرسالة (الملاك)، والمحتوى (الكتاب المٌنزل) والرسول المبعوث، وهذه الثلاثة (الكتاب والوحي والنبي) ليست مثيلاً للوسيطية التي فيها الصنمية، بل أنها تبسيط واقعي لطريقة تبليغ الناس بالرب الواحد خالق كل شيء.

وهنا تجب علينا إجابة الطفل الذي قد يكون ذكيَاً فيسألنا عن الفَرق بين الصنم الذي يتوسله الناس وصولاً إلى الله ومفردات الدين السماوي الذي يتسلسل على النحو الآتي (إله        ملاك          كتاب          رسول بشري). هذا الفرق يتوضَح أما الكفل، إذا استطعنا توضيحه كالآتي:

1- الصنيم يصنعه الناس بأيديهم حجراً  أو حيواناً  أو نباتاً  أو طائراً  خرافياً بإتجاه الله. بينما يبدأ الدين السماوي من الله وبأمره عبر الملاك المٌوحى  وضمن محتوى الكتاب وعلى لسان النبي، نزولاً من الله بإتجاه البشر.

2- مفردات الدين السماوي مفردات نقاش تملك حركة اللغة وحياة الخطاب وقوة الحجة بينما لا تملك مفردات الوثن إلا الجمود وفقدان الحجة.

إذا استطعنا أن نضع أمام الطفل مثل هذا الإيضاح نكون أستطعنا تحطيم مفهوم الوسيطية عنده والجأناه بمحبةٍ ولطف إلى فهم الفَرق بين الصنم الجامد والدين المتحرك حتى في فهم الثوابت وعلى رأسها  الله الواحد الأحد.

 

د. ريكان إبراهيم

 

علي محمد اليوسفهل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟ مالمقصود بمنهج البحث؟ وهل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/ في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟ حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية.. بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من منهج.

ومنهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن موضوعة محتواة خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال أختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء. فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية عن الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لن نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بالمنهج..لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم منهج محتواها.

ديكارت والمنهج

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على اساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله " المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة"1.

وربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1630، والفرق بين الاثنين هو أحدهما ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي فلسفيا، وليس كما سعى له بيكون في رغبته الجامحة أن يكون منهج كل تفكير يروم تحقيق هدف علمي تطبيقي يخدم الحياة يكون مصدره هو العقل لا غيره. ومات بيكون كما هو معروف في اصابته بنزلة برد قوية اثناء تتبعه نتيجة تجربة علمية قام بها حين دفن دجاجة ميتة منزوعة الريش واحشائها الداخلية تحت الثلوج في سعيه البرهنة على أن درجة الانجماد تمنع تفسخ الخلايا العضوية للكائنات الحية. كما هاجم بيكون فلاسفة اليونان وسخر منهم وأعتبرهم اناسا لا شغل يشغلهم غير تصفيف الكلام المجرد المنطقي الذي لا علاقة تربطه بمعنى الحياة وفهمها فهما عمليا، وأعتبر مباحث الفلسفة التي لا تعتمد المنهج العلمي هي مضيعة للجهد والوقت.

ويعتبر مؤرخو الفلسفة أن كتاب ديكارت مقال في المنهج هو الذي خلد اسمه كفيلسوف متفرد في تاريخ الفكر الانساني عبر العصور، والكتاب لم يولد من فراغ بل جاء رد فعل على ما وجده بعصره "ماكان شائعا في زمانه من أختلاف في الاراء بين العلماء والفلاسفة ورجال اللاهوت، حين وجدهم يتخبطون في بحوثهم وأنظارهم ويسيرون فيما يشرعونه على غير هدى دون أن تكون لديهم خطة مدروسة مرسومة أو منهج محدد واضح " 2.

من المهم التنويه الى أن بذرة الشك المنهجي التي زرعها ديكارت لم يكن منحازا فيها تماما ناحية تجريب العلم المعرفي كما فعل بيكون، بل اراد من خلال المنهج خلق نوع من التوليفة التكاملية المفتعلة بين الفلسفة والعلم والدين، واراد ارضاء الجميع على حساب تغييبه منهج العلم بالتفكير الذي يقوم على الواقع وكيفية الوصول الى نتائج قطعية في المباحث العامة. بمعنى رغم النزعة العلمية التي نادى بها ديكارت في المنهج بقيت معلقة على مستويين الاول قطيعته مع اللاهوت الديني وقضايا الميتافيزيقا عموما، والثاني تقاطع المنهج الديكارتي على صعيد الفلسفة مع منهج التجريب العلمي التطبيقي بالحياة.

يترتب على هذا الايجاز الديكارتي حول تعريفه المنهج عدة تساؤلات نحاول طرح بعضها ليست كمسلمات تدحض المنهجية الشكية عند ديكارت فهذا ليس من مهام هذه الورقة بل تحدونا الرغبة الاجابة الصائبة الصحيحة عن سؤال هل المنهج في قواعده وأحكامه قابلا التطبيق الميداني في عمل الفكر المعرفي عبر العصور بكل تنوعاته أم لا؟ وهل بالامكان أعتبار مساواة معنى أحكام المنهج تسري على الافكار الفلسفية المجردة، تماما كما تجري في تجارب العلوم الطبيعية؟ أم لكل منهما منهجه الخاص به المتلازم مع خاصيته المعرفية. لم يكن مثل هذا التمييز ماثلا في ذهن ديكارت في دعوته لمنهج الشك و رغبته دمج علم الرياضيات بمواضيع الفلسفة.

قلنا في أسطر سابقة أن المنهج كما فهمه بيكون هو تفكير العقل التجريبي في ارساء حقائق واقعية تطبيقية بالحياة ولم يهتم بيكون بالنزعة المنطقية للفلسفة على حساب العلم. بيكون اراد أن يكون الموضوع هو ما يستحث منهج معالجته الخاص به، ولم يعتبر الاحكام والقواعد المنهجية أدوات بحثية ليست متداخلة تماما مع موضوع تناولها. وصول منهج العلم لحقائق يقينية لا يمكن دحضها لا كما في النظريات المجردة في منهج وضع أحكام قبلية مسبقة على الباحث أعتمادها في الوصول الى حقائق بحثه على مستوى الفكر المجرد لا تقبل الدحض النقدي وهو ما فهمه تعبير ديكارت من المنهج القائم على الشك بكل شيء لا يقبله العقل كبديهيات معرفية واضحة اكتسبت صدقيتها من تجارب الحياة التي لا تقاطع العلم ولا الدين..

ديكارت اراد المنهج وسيلة اتصال لاعتماد ماهو بديهي واضح بالحياة لا يناقض العقل ولا يقاطع اللاهوت. ولم يكن يدعو لاخضاع كل شيء لمنطق تجريبي علمي صرف لتدارك تحسبه من الوقوع في تقاطع حقائق العلم التجريبي بالضد من ميتافيزيقا اللاهوت الذي كان من محرمات الفلسفة.. .

ميزات المنهج الفلسفي

- الشك الملازم لكل موجود لا يفرض على الباحث منهجا محكمّا بقواعد وأحكام مسبقة هي غير المنهج الانطباعي الذاتي على مستوى الفكر النظري فقط الذي يحمله الباحث كمعرفة قبلية ليست فطرية بل تراكم خبرة مكتسبة. في تناوله موضوعا معينا قابلا للنقاش في تعدد القراءات لكل مادة قيد التناول المنهجي النقدي، الشك ليس بداية ضرورية في تطبيق قواعد منهجية كي لا تذهب بالباحث اراؤه مذهب التشتت التفكيري واستنفاد الجهد الضائع من الوصول الى حصيلة يتوخاها الباحث من تناوله لموضوع هو ملكية مشاعية لكل من يستطيع الدلو بدلوه فيه، بل المنهج في كل الاحوال فعالية نقدية يحدّها التفكير العقلي ولا تقولبها القواعد والاحكام اللاواقعية غير الملزمة التطبيق. والمنهج التنظيري هو غيره المنهج التطبيقي.

عليه يكون المنهج في مباحث المعرفة هو بداية تفنيد كل خطأ يرد بصورة وشكل قضية فكرية مطلوب مناقشة أعتلالها الخاطيء. هنا الخطأ بالاشياء والظواهر هو يقود الشك كلازمة، وليس الشك وحده يقود اكتشاف الاخطاء المحجوبة عن الادراك. الشك يلازم كل شيء يدركه عقل الباحث، وليس كل شيء يلازمه الخطأ. ولا يشترط الانطباع النقدي الذاتي للباحث غير الممنهج على أسس وقواعد ملزمة وتوفره على أحكام واجب تطبيقها هي غير الانطباعات النقدية الذاتية. بمعنى الشك بحد ذاته يمثل منهجا مستقلا بالتفكير لا يحتاج قواعد (قبلية) خارجية توجب السير بمقتضاها للوصول الى دحض كل شك يلازم قصدية الوصول لحقيقة قضية معينة..

الشك هو معالجة كيفية (نوعية) في مراجعة كل قضية معرفية تحمل أخطاءها قبل التزامها توافر قواعد المنهج في معالجتها. مثال ذلك منهج ديفيد هيوم الشكي هو غير منهج ديكارت الشكي وهكذا الحال مع أكثر من فيلسوف تناولوا مباحث مشتركة تتوزعها بينهم رؤى مختلفة لا يحكمها المنهج كقواعد. مثل سبينوزا ومالبرانش وباسكال على سبيل المثال. فالمنهج المثالي بالتفكير عن هؤلاء الفلاسفة وعديدين غيرهم ليس واحدا ولا متشابها، مما يجعل من منهج البحث ليس مجموعة أحكام وقواعد تلغي جهد الباحث، وهذا يصدق على منهج العلم التطبيقي ايضا الذي نفترض فيه الحيادية الموضوعية التي تحكمها التجربة العلمية وليس رغبة الباحث.

الخطأ المعرفي أيا كان مصدره يكون محط نقد انطباعي ذاتي قبل استخدام وسائل تفنيده منهجيا. وتلعب ذاتية النقد الانطباعي دورا ليس في أهمية أسبقية تناول تصحيح أخطاء قضية معرفية فكرية معينة وحسب بل في أعتماد الباحث مكتسبات الخبرة المعرفية المخزّنة لديه قبل تطبيق قواعد وأحكام التفكير المنهجي بمعالجتها.

بمعنى المنهج هو مصطلح تأطيري للظاهرة أو الشيء وليس منهجا تحليليا في الوصول لمعرفة حقيقة تفاصيلها الداخلية الدفينة التي هي من أختصاص علمي وليس من اختصاص تطبيق منهجي تجريدي..حتى النزعة الانطباعية في دخولها مجال نقد التفاصيل التي يؤطرها المنهج تكون معرضة للخطأ اكثر من تحقيقها الصواب.

- هل منهج التفكير الفلسفي في العلوم الانسانية والسرديات الكبرى هي مجموعة القواعد والالتزامات القبلية الماثلة في تفكير الباحث في طرحه فكرة أو موضوعا؟ بمعنى هل ما يحدد التفكير المنهجي بقضية يلزم عنها الالتزام التام بقواعد ومحددات من التفكير الملزم للباحث، أم يكون المنهج يتحدد ضمن قناعات قبلية يؤمن بها الباحث هي انطباعات ذاتية راسخة بالذهن ولا يمكن زحزحتها عن ايمانه المطلق بها خاصة في مجال تطبيقات المنهج على الاداب والفنون ومختلف السرديات التي يصبح نعت ذلك وتلك الممارسة هي الخروج على قواعد وأحكام المنهج تأتي في اولويات تغليب الانطباعات النفسية والمدركات الخبراتية الذوقية الفنية المكتسبة من التجربة الانفرادية الذاتية التي لا تحكمها قواعد وأحكام منهجية. المنهج لا يحد الفكر المجرد كما تفعل معه تجربة المنهج العلمية.

بهذا المعنى هل من الممكن أعتبار المنهج النقدي الثقافي بالادب هو مجموعة القواعد والاحكام الواجب اتباعها كي يكون النص المنقود قائما على تمام الايضاح ما بعد الحداثي؟ وما سبقه من مدارس نقدية هي في حقيقتها غير منهجية تماما وأصبحت مجاوزتها قائمة طواها الزمن؟ بسبب أن المنهج بمفهومنا له أنه مجموعة من القواعد والاحكام الواجب أعتمادها أم المنهج هو خاصية انفرادية لاعلاقة لها بالاحكام القبلية في السعي محاولة قولبتها النصوص الادبية فيها؟ هذه الحقيقة بأسطورية المنهج الكاذبة رافقت البنيوية والوجودية والتحليلية والتاويلية والتفكيكية، اذ تبيّن من خلال ادبيات تلك الرؤى الفلسفية المتباينة فقدانها التام لمنهج قابل التطبيق على كل ظواهر الوجود والحياة. ولا تلزم غالبية تلك الفلسفات الباحث في تطبيق رؤاها الفكرية الفلسفية على منهج كل تفكير.وبهذا يكون منهج الفلسفة هو منهج الفضاء المتحرر من كل قيود واحكام سابقة على أجتهاد ورؤية الفيلسوف البحثية الانفرادية المستقلة.

- ما ذكرناه يقودنا الى صعوبة التزام الباحث مجموعة من قواعد وأحكام خارجية ليست هي خاصية معارف قبلية في منهج لم يبتدعه هو بمخيلة نقدية يلتزمها طيلة مسيرة تجربته في الحياة، ما يجعله هو يستحدث منهجه الخاص في طرح افكاره بحرية تامة ضمن رؤية مسؤولة نسقية لا يعتريها التشتت ولا تتسيدها الاحتمالات غير الموثوقة القابلة لاحتواء الاخطاء.

ثم أن الموضوع مادة البحث هو الذي يحدد نوع التفكير المنهجي الذاتي معه أو ضده لذا تكون الانطباعات النقدية مسالة خلافية خارج قواعد عدم الالتزام بالمنهج كقواعد ملزمة.. وليس معنى هذا أن البحث المنهجي معصوم عن التناول النقدي في تعرية أخطائه وثغراته. ونجاح المنهج قرين وخاصية امتلاكه تطبيق الاحكام والقواعد المسبقة التي تقود الباحث ولا يتمكن من الخلاص من اقتفاء اثره في أعطاء وجهات نظر متحررة من كل قيود تحديد حرية التفكير خارج أحكام المنهج. المنهج رؤية متحررة وليس التزاما باحكام وقواعد لا نجدها على مستوى التطبيق البحثي.

- ما هو الشيء الذي يحكمنا بالمنهج كتفكير نقدي يسعى بلوغ هدف أو محصلة معرفية، هل هو الانطباعات الذاتية التي يحركها الذهن والعقل؟ أم تلك التساؤلات التي يطرحها موضوع التفكير، بمعزل عن الاراء المسبقة التي تأخذ صفة محددات وقواعد المنهج الواجب اتباعها والالتزام بها.؟ أم هي الآراء الانطباعية النقدية التي تضفي على موضوعة التناول أجوبة وقراءات متعددة كفائض معنى خاص تفصح عنه دلالة اللغة في فهم وتفسير الواقع وليس العكس.؟ ولا يشترط أخضاعها لمنهج يمثل مجموعة الاحكام والقواعد والاشتراطات التي بها تحكم الباحث والقضية معا في تطويع موضوعة التفكير النقدي ضمن تلك الاشتراطات التي تسمى المنهج كقوالب لا تتقبل الخروج عنها ضمن الاجتهاد الفردي حتى على مستوى التفاصيل برؤية انطباعية لا يمكن للباحث الفكاك منها..

المنهج والتطبيق

من المسائل المترتبة على أعتماد المنهج في التفكير بقضايا علوم الانسانيات والسرديات هو غيره المنهج التجريبي المعتمد في معالجة أمور وقضايا العلوم الطبيعية  التي تقوم على مباحث تحقيق براهين تجريبية لا تقبل الخطأ، وبهذا تكون حقائق البحث العلمي هي التي تعرض على الباحث منهجيتها المدخرة فيها ولا ترضخ لاحكام وقواعد مسبقة قبلية على التجربة العلمية. ذكرنا أن منهج التفكير في قضايا العلوم الانسانية، هو غيره منهج العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة العلمية التطبيقية، ولا يمكننا مقايسة معيارية النجاح في ميدان التجربة العلمية في سحبها الاسقاطي التطبيقي على منهج تناول السرديات في العلوم الانسانية كنظريات لا تحتمل التجربة ولا التطبيق.

خلاصة القول المنهج هو أجتهاد نقدي ذاتي متحرر من وصاية الاحكام القبلية المسبقة عليه.كما أن مطالبة بعض الفلاسفة المحدثين أن يكون وضوح التجارب العلمية كمنهج تناولي هي التي يجب علينا سحبها التعميمي بوضوح تعبير اللغة في العلوم الانسانية، هذا الوضوح يقودنا على حد زعمهم الى بديهيات اقناعية برهانية لا أختيار لنا فيها غير مقبولية تصديقها.

وضوح اللغة في محاولة تيسير الوصول الى قناعة منهجية صادقة، ليس هو المعيار الصحيح السليم في أن نعتبر كل ما هو واضح لغويا هو قناعة بديهية لا مجال الشك بمصداقيتها. المنهج خاصية ذاتية لا يمكن أستنساخها معرفيا في التعميم. كما أن الاكثر صوابا أن مايدركه العقل حقيقيا صادقا من الصعوبة أدحاضه كمنهج أو بغيره باعتباره أصبح بديهية اثبتها العقل الادراكي في وضوحها المقبول الذي يبطل أهمية التحقق منها في التجربة العلمية.

المنهج والعقل

تميز القرن السابع عشر بميزة هامة هي عناية المفكرين فيه بمسالة (المنهج) أو الطريقة الواجب اتباعها في البحوث العقلية، والكتب التي عالجت قضية المنهج (العقلي تحديدا) عديدة منها ظهور كتاب بيكون الاورجانون عام 1630، تلاه كتاب ديكارت "مقال في المنهج" ثم نشراسبينوزا رسالته بعنوان "اصلاح العقل" ونشر مالبرانش " البحث عن الحقيقة " كما كتب لايبنتيز عدة رسائل تحت عنوان المنهج.3 . من الملاحظ في عناوين هذه الكتب هو قصدية تمرير ما كان محرما تحريما صارما ذلك العصرالقرن السابع عشر دعوة تفكير العقل تحت مسمى اتباع المنهج. فاعادة تغليب نزعة العقل النقدية هي ليست الالتزام بمجموعة من الاحكام والقواعد والمحددات التي تنطوي تحت معنى "المنهج" حيث من المحال أن لا يكون تفكير العقل الغائب والغاطس بميتافيزيقا تلك القرون الاوربية الوسطى أنه اختراع منهجي لا عقلي، فالعقل هو خاصية انفرادية بمنهجية التفكير يمكن لكل فرد العمل بموجبه.

بهذا المعنى لا يوجد منهج لا يهتدي بمرجعية العقل، والعقل يحتوي كل مناهج المعرفة ولكن تلك المعارف المنهجية لاتحتويه وتحتكره منهجا في التفكير لا يكون عقليا. حتى الخروج على مواضعات تحديد احكام وقواعد المنهج والخروج عليها هي بالمحصلة منهج استدلالي يقوده العقل. وبغير هذه الصفة لا يصبح هناك معنى لاتباع رؤى تصحيحية معرفية وفلسفية.

بهذا المعنى نستطيع الجزم  بحقيقة تداخل تسمية المنهج بدلالة اعتماد منهج العقل لا يجعل من تفكير العقل منهجا تم أختراعه الفلسفي في القرن السابع عشر مع بدايات مرحلة التنوير الاوربية بعد عصر النهضة. حتى الاساطير والميثالوجيا والخرافة والسحر والوثنيات الدينية وغيرها كانت تعتمد مرجعية العقل بمفهومين متاضادين أحدهما يعتمد العقل كتفكير في فهم الحياة والميتافيزيقا على حقيقتهما يقابله المنهج التضليلي الزائف الذي أعتمد العقل كاسلوب تفكير منحرف في جعل كل خرافة يقاطعها العقل يمكن تمريرها باسم ايمان ميتافيزيقا العقل ذاته عبر التسليم الغيبي بها. الحقيقة المتداولة عبر عصور غابرة ماضية بعيدة كانت تعتمد التفكير الميتافيزيقي الزائف باسم منهج العقل بالتفكير التضليلي الخادع مع الفرق باسلوب منهج التفكير.

محددات التفكير المنهجي

كيف نثبت فاعلية العقل الفلسفي من الاقتراب المنهجي السليم في تحقيق الالتقاء بيقين العلوم الرياضية والعلمية عموما،كما يراها فلاسفة المنهج في:

- أن لا ننشغل الا بمعاني واضحة متميزة، أي معاني مضمونها بديهيا كل البداهة. وما اطلق عليه الثورة الديكارتية كان مرتزها الذي حدده لها ديكارت هو البداهة والوضوح قبل التسليم بكل يقين، الذي لا يقبل غير حكم العقل. 4

- أن نذهب دوما من المعاني – تعبيرات اللغة التجريدية -  الى الاشياء. المقصود في واقعها المادي وليس التصوري لغويا.5

- أن نرتب افكارنا في نسق خاص حيث يكون كل معنى منها مسبوقا بجميع المعاني التي يستند عليها، وسابقا على جميع المعاني التي تستند اليه.6

لو نحن أمعنا النظر الدقيق بهذه المحددات التي اعتبرها فلاسفة المنهجية الخطوط العريضة التي تحكم القضايا الفلسفية، لوجدناها تتميز بخاصيتين هما اولا (لا) منهجية ممكنة بدون مرجعية عقلية تجعل من كل تفكير هو وعي قصدي في الوصول الى غاية أو هدف معين، والثانية هذه الاحكام التي هي مواصفات المنهجية لا تشكل أسلوبا منهجيا بحثيا وحيدا يصلح لجميع قضايا الفلسفة والفكر والمعرفة بمنطقها العلمي الرياضي.. ربما تنجح هذه الاحكام والمحددات المنهجية في معالجة بعض القضايا الفلسفية التي تحاول التقرب من منهجية العلم التجريبية،لكنها لا تشكل بديلا عنها، ولا تشكل تكاملا معرفيا نسقيا معها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة، ص 75

2- نفسه ص 74

3- نفسه ص 76

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

 

 

لكل حقبة أوهامها، ولكل مؤدلج هلوساته وهذياناته وأحلامه، والواقع ليس معطى أزلياً ولكنه نتاج "بنى الهيمنة"، والواقعي ليس عقلياً بالضرورة كما أن "الحياة الواقعية" قد تكون نقيضاً للعقل، لكن هذا لا ينفي صحتها سيكولوجياً، وإذا استدعينا مقولة هيجل الشهيرة عن أنّ ما هو معقول هو واقعي حقيقة، وما هو واقعي حقيقي هو معقول، فإننا سنميز بين الواقع الحقيقي والواقع الحادث أو الفعلي، إذ يمثل الأول واقعاً تغلب على التعارض بين الممكن والموجود في حين أن الآخر يمثل الواقع المتعارض مع العقلي، والعقل هنا ليس عقل الأصولي أو الأيديولوجي أو حتى "المثالي" وإنما كما عبر عنه كانط بمبدأ الحكم الذاتي أو العقلانية النقدية لبوبر، وبهذا سوف نخضع الواقع المعطى إلى معايير العقل وليس تكييفه وتدجينه حسب ما يقتضيه النظام القائم والقيم السائدة أو التفكير الرغبوي.

مثلاً فكرة أفلاطون عن أن لدى كل إنسان مصدراً إلهياً للمعرفة يكمن في روحه التي كانت تعرف كل شيء قبل أن يولد ولكنه بعد الولادة ينسى كل شيء إلا أنه يمكن أن يتذكر تلك المعرفة القبلية إذا رأى الحقيقة وتأكد منها، لأن الحقيقة تعلن عن نفسها، وهذا ليس معياراً للحقيقة كما أنه ليس هناك معيار ثابت للحقيقة، وطالما أن المعرفة شيء إنساني فإنها رهينة بكل مظاهر النسبية التي تشكل الوجود الإنساني، لأن منتج النظرية قد يكون عرضة للتأثر ولو بشكل لا شعوري بآماله ومعتقداته الشخصية ومهما تكن عبقريته فهو محدود بتراثه الثقافي وأفقه المعرفي، لذلك أفلاطون بعد أن استحوذ عليه اليأس تراجع عن هذه الفكرة وحَصَر المعرفة في عدد قليل من الصفوة المختارة في كهفه الشهير، فلو غادر أحدهم الكهف لوجد صعوبة بالغة في فهم ذلك العالم الجديد.

إن كثيراً من المفاهيم الأخلاقية ليست ذات طابع كوني وأبدي بل تخضع للبعد الزمني، إذ المراحل اللاحقة للفكرة الأخلاقية الأولى تحوي ضمناً المراحل السابقة كتقدم ديالكتيكي وأن الفكرة الأولى مهدت الظهور للمرحلة الثانية وهكذا دواليك، وعلى سبيل المثال، لاحظ الفيلسوف ألسدير ماكنتاير أن كلمة أخلاقي "moral" كما نفهما اليوم، لم تكن هناك أي كلمة في اللغة اللاتينية، وهي لغة التواصل في أوروبا قبل عصر التنوير، ولا في اللغة اليونانية القديمة، يمكن ترجمتها بصورة صحيحة إلى كلمة أخلاقي بالمفهوم الحديث، بل لم يكن ثمة كلمة مثل هذه إلى أن ترجمت كلمة "moral" بالمعنى الحديث إلى اللاتينية. ويتسق هذا مع أطروحة وائل حلاق عن "الدولة المستحيلة" الذي ينفي أيضاً وجود مرادف دقيق في اللغة العربية قبل القرن التاسع عشر لكلمة "أخلاق" بكل ما تحمل من دلالات اليوم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية. ويمكن أن نجادل أن مفردة "أخلاق" عند مسكويه، في تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، أو مكارم الأخلاق للطبرسي، التي اتسعت دلالاتها مع القراءات الحديثة، لا تعدو عن كونها إسقاطاَ للحاضر على الماضي واستعادة الماضي مُحَدَّثاً في الحاضر. وإذا كان هذا الاستقراء فيه فيه نظر؛ فماذا يمكن أن نقول عن مفهوم لا خلاف على حداثته كمفهوم "حقوق الإنسان" مثلاً وإن كان له إرهاصات في الفلسفة اليونانية وكذلك الفلسفة العربية وحتى عند كبار المتصوفة ورسائل إخوان الصفا وخلان الوفا؟ ولكن هل يمكن اعتباره مكافئاً أو مرادفاً للمفهوم الحديث؟

من هنا كان مأخذنا على الراحل عبد الوهاب المسيري في محاولته ابتكار نموذج إدراكي تحليلي جديد لدراسة دور الدين وقضية الجنس والنزعة الاستهلاكية أو"الإمبريالية النفسية" في المجتمع الأمريكي، المسيري الذي كان مفتوناً بهيجل وماركسياً على سنة الله ورسوله، أراد أن يروض "الذئب الهيجلي" في داخله فوقع من حيث لا يدري فريسة له، لأن هوسه بالمابعديات وتجاوز ما سمّاه بالقوالب الإدراكية الجاهزة، دفع به إلى أن يجمع أشتاتاً من حقول مختلفة، كالجمع بين التجريد والتنظير والشمول الهيجلي ونقد مدرسة فرانكفورت، وبأن يكون تحليله مركباً متعدد الأبعاد وبأن لا يسقط في هوة "النسبية العدمية" وأن يستنير كبديل عن ذلك بـ"النسبية الإسلامية" التي تعني بأن يؤمن الإنسان بأن هناك مطلقاً واحداً هو كلام الله وما عداه اجتهادات بشرية، وأن يدمجها مع مقولاته التحليلية مثل نهاية التاريخ والفردوس الأرضي والثالوث الحلولي، بعبارة أن لا يكون اختزالياً تبسيطياً في قراءته لعوالم شديدة التعقيد والتركيب، عوالم الإنسان وأسراره. فماذا كانت النتيجة بعد كل هذه الهرطقة والتوليفات غير المتجانسة في الجمع بين الشيء ونقيضه؟

يجادل المسيري أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بحريته ومسؤوليته الأخلاقية إلا إذا جمع بين الثنائية الأساسية، ثنائية الخالق والمخلوق، لا الثنائية الفضفاضة، ثنائية الإنسان والطبيعة، لأنه يستحيل حسب تصور المسيري تفسير الإنسان ضمن إطار الطبيعة بسبب أسبقيته عليها، كما أنه لا أحد يعلم حقيقة الإنسان في كليته إلا الله، فهو، أي الإنسان، ليس جزءاً لا يتجزأ من العالم الطبيعي كما يقول المسيري، إنما جزء يتجزأ منه.

إن هذا مدخل ضروري لفهم النموذج الإدراكي التحليلي للمسيري، الذي يغلب عليه الغرق كثيراً في التعميمات والانطباعات الشخصية وتحويل الجزيئات إلى كليات والعكس وإطلاق الأحكام المتسرعة والتفسيرات الاختزالية ذات البعد الواحد، فتجده مرة يتحدث بلغة الباحث البارع والحاذق عن صور التنميط والضبط الفوكوي والتحكم في السلوك والاغتراب التي تسم أشكال الحياة في المجتمع الرأسمالي مستعيناً بأجود أدوات هيجل التجريدية ودمجها مع خلاصة من نظريات فرويد والماركسية المطورة وبشيء من أصالة فيبر وحرفية مدرسة فرانكفورت النقدية وأطروحة ماركوز عن الإنسان ذي البعد الواحد فتهتز طرباً لموسوعيته وهضمه لتلك المقولات والنظريات كما أنه أجاد في مجمل تحليلاته للخطاب العقدي المناصر لإسرائيل في أمريكا وتأكيده على أن الخطاب الرسمي وجانباً كبيراً من الخطاب الديني سيما أغلبية المتشددين من البروتستانت هو خطاب برجماتي وأحياناً عدائي عنصري حينما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين والعرب وكذلك عقدة الإثم التي تسم الخطاب الأمريكي في تعامله مع اليهود ورغبته في تعويضهم عما نالهم من أذى في الغرب المسيحي، فإسرائيل أصبحت ملاذاً ووريثة لملايين من ضحايا المحرقة وحارسة دين "لم يعامله التاريخ بلطف"، لكن سرعان ما تشعر بخيبة أمل كبيرة وصفعة تعود بك من سكرات الافتتان إلى الواقع حينما يتعثر بقضية الجنس أو الدين فيغفو "الذئب الهيجلي" ويستيقظ الشيخ أو الدرويش المتربص في داخله، فيعزو مثلاً "السعار الجنسي" في بعض جوانبه إلى رغبة إنسانية في الوصول إلى نقطة ثبات يقينية كردة فعل على عالم "النسبية السائل" أو سيولة القيم، ويسوق في هذا السياق حكماً غريباً وهو أن النسبية "المعرفية والأخلاقية" تنزع القداسة عن العالم وتجعل كل الأمور متساوية، فيصبح الظلم مثل العدل، والنزعات الثورية والراديكالية لا تختلف عن بواعث المحافظة، وهذا على عكس المقولة الهيجلية عن صراع الأضداد وأن كل سلب تعيّن وأن كل تصور يحمل في داخله ضده، فالنقيض كامن في ذات الشيء وقد يجتمع النقيضان على الصعيد النفسي لا العقلي وحسب، وهذا الضد في صيرورته يشكل حركة تصاعدية بلا نهاية، وبصراع الأضداد تولد الحركة ويبعث التطور في الواقع الاجتماعي، بل لا توجد حالة قط إلا وهي "تنطوي على ما يناقضها، فلا تبلغ تمامها إلا ظهر منها النقيض الذي تنطوي عليه"، فالحرب تكون ضماناً للسلم واللاحرية شرطاً للحرية، كما يكمن الإلحاد في الدين، والوثنية أو الكثرة في الوحدة، والثورة في المحافظة، والشيطان أيضا لم يكن سوى ذلك "الملاك المخلوع"، وكما يقول المثل العربي:" العنب إن صح فسد وإن فسد صح"، ومن هوية الضدين يمكن أن يتشكّل مركّب جديد أو هوية جديدة تحتفظ بشيء من الضدين معاً في ذاتها، وهذا الطابع الدينامكي للمعرفة يؤكد على طبيعة التغير والحركة المستمرة حتى في صميم المجتمع الذي يبدو ظاهرياً متماثلاً وخاملاً وثابتاً، بل هو سيرورة الحرية التي تهتدي إلى نفسها أو قل هو "المقاومات العشوائية" ضد تفاقم قوى القمع، غير أن المسيري يؤكد في حديثه عن "المغترب" على أنه من "المستحيل على الإنسان الفرد أن يتخذ أي قرارات بشأن أي شيء" وبالتالي من السهل الهيمنة عليه، وهذا التحليل الذي توخى التركيب والشمول لا يصح حتى على الخراف المدجنة وفئران التجارب في المختبرات العلمية فما بالك بالإنسان، كما أنه لا يصح حتى مع توخي أقصى درجات التجريد في ديالكتيك السيد والعبد عند هيجل.

لا يوجد علاقة شرطية ضرورية صارمة بين الهوس الجنسي أو إدمان الجنس الذي هو مرض كمرض الإدمان على القمار مثلاً وعدم إيمان المرء بشيء مفارق، فالنشاط الجنسي وإمكانات المتعة في أي مجتمع سواء تعلق الأمر بمحرضات التحليل والتحريم النبذ والتثبيت لا يمكن أن تفهم دوافع هذا النشاط من خلال الاستعانة بالبعد الإيماني للباحث أو بالدين كمقولة تحليلية لتفسيره هذا إذا أردنا أن نفهمه، كما أن خضوع المرء لأنظمة الدولة والمؤسسات الثقافية حد العبودية ليس مرتبطاً بسيولة القيم وغياب "قاعدة أخلاقية صلبة"، وكذلك فإن "اختفاء المعايير وفقدان المقدرة على الحكم" لدى "المغترب" لا يعزى إلى كونه كائناً نسبياً وحسب وكأن هذا الافتراض بل هذا الكلام المُرسل يضمر مثلاً أن المتدين أو المؤمن سيكون أكثر قدرة على الحكم على الأشياء فقط لكونه متديناً ولديه مرجعية متجاوزة للطبيعة. بيد أن المسيري يصر على الربط بين مفهومه المشوه عن "النسبية المعرفية" و "الانحلال الأخلاقي"، وهذا طبعاً تبسيط مخل ولا يليق إلا بقارئ مبتدئ في الفلسفة، فيقول إن أستاذاً للفلسفة وهو أحد دعاة الحرية الأخلاقية والنسبية المعرفية، رغم أنه كان "إنساناً فاضلاً" وكأن ذلك أثار غيظ المسيري لأنه يشي بأن ثمة تناقضاً بين الفكر والممارسة بحسب تصوره، ولذلك قال له المسيري ساخراً:" إذن ستذهب أنت إلى الجنة أما أفكارك فستذهب للجحيم". كما أن المسيري يبالغ في الربط المتعسف بين ضمور النزعة الطوباوية وتفاقم السعار الجنسي وكأن عالم الجنس هو التعويض المادي للمدينة الفاضلة، وكلما توارى المطلق في حياة الفرد زاد هوسه بالجنس، وربما لو تصفح بعض كتب الفقه لكان له رأي مغاير، إن الجنس كما يقول المسيري "ميتافيزيقا من لا ميتافيزيقا له" ثم يفسر "المثلية الجنسية" أو "الشذوذ الجنسي" بتعبيره، بأنها بسبب البحث عن "اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية"،  ولست أدري ما الذي يعنيه باللذة الجنسية الفردوسية، ولا أظن أن أحداً قد وصل لهذه اللذة الفردوسية ولا يزال حياً. ويرى المسيري أن هذه الممارسة الجنسية هي النتيجة المنطقية والترجمة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالمثلي يحاول أن يتغلب على اغترابه وضياعه في هذا الكون الذي ترك فيه بلا رعاية مفارقة بشكل مؤقت فيرتبط في علاقة عابرة مع شخص من جنسه دون التورط في متطلبات "العلاقة الحقيقية"، وكذلك يربط بين "حركة تحرير المرأة" وازدياد عدد "الشذاذ من النساء" على حد قوله. فهل كان أبو نواس مثلاً يستعيض بعلاقاته المثلية كبديل عن شعوره بالضياع في عالم هجره ربه؟ وهل يا ترى أن أبا نواس ورفيقه والبة بن الحباب شعرا بهذه اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية؟

لكن الأغرب من هذا وذاك هو حديثه عن رواج أفلام "snuff movies" وبأنها كانت تعرض في دور السينما الأمريكية، وهي أفلام إباحية عنيفة وغالباً ما تنتهي بحسب رواية المسيري بمشهد قتل بطلة الفيلم وهي في حالة نشوة جنسية، ويتم "قتلها في اللحظة التي تقذف فيها". والقتل هنا حقيقي على حد زعمه، أي أن البطلة تذبح كرمى للمشاهدين، لأن هذه الأفلام صورت في أمريكا اللاتينية، وإن كانت تعرض في دور السينما الأمريكية تحت دعاوى "حرية الإبداع والثورة الفنية" كما يقول المسيري ساخراً. وطبعا هذا نتيجة للموقف النسبي وإنكار الحدود الأخلاقية باسم الحرية المطلقة! ولست أدري في أي دور عرض شاهد المسيري هذه النوعية من الأفلام! ولتعزيز هذا الوهم يستمر في ذكر أمثلة غرائبية فيقول مثلاً: هناك أستاذة علم اجتماع في جامعة كاليفورنيا دربت طالباتها في الصف الدراسي على "الاستمناء" كي "يمكنهن الاستغناء تماماً عن الرجال" في مادة "سوسيولوجيا الحياة الأمريكية". ثم يقارن بين المجتمع الأمريكي والمجتمع المصري في أواخر الستينيات فيصف عالم الإنسان المصري بأنه أكثر امتلاء وأكثر صلابة، لأنه قادر على الحب والكره، التعاون والتآمر، حب الذات وحب الوطن، ولذلك ليس من السهولة أن يصدق كل ما يقال له، وكاد يقول إنه ديكارتي بالفطرة، بينما الأمريكي فهو على عكس المواطن المصري، يُسهل خداعه، ويؤمن تماماً بكل ما يُقال له، وعلى الرغم من أنه يدعي الاستقلالية والاعتماد على النفس فإنه يقذف بأطفاله إلى سوق العمالة في مرحلة مبكرة. وهكذا تفرغ من قراءة كتابيه وإذا بك لا تعرف شيئاً ذا بال عن المجتمع الأمريكي اللهم إلا جزءاً من الجانب "الإمبريالي" للإمبراطورية وبعض الشذرات عن "عالم السلع الفردوسي"، أما الجانب الاجتماعي والديني والثقافي فإنك ستعرف عن طبيعة القوالب الإدراكية الجاهزة للمسيري أكثر من الحقول والمواضيع التي خضعت لمقولاته التحليلية. رحم الله المسيري ووقانا لوثة الأصول!

 

نضال البيابي

.............................

المصادر

1- عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1979 الطبعة الأولى

2- عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2000 الطبعة الأولى

3- هيجل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة بيروت 2006 الطبعة الأولى

 

 

علي محمد اليوسفوليم اوكام1300-1350  William occam  كان اكثر الفلاسفة الانكليز الذين أثّروا في القرن الرابع عشر، ويعتبر اوكام الوريث الشرعي للنزعة العلمية التجريبية التي بدأها روجر بيكون الذي أخذ عنه اوكام مقولته الفلسفية "التجربة هي الاساس المعياري لكل معرفة ". معتبرا "مباديء العلم الطبيعي لا يمكن البرهنة عليها وأثباتها وحسب، وأنما هي أساسية لا يمكن أجتنابها وتعتمد الخبرة. وقضايا العلم الانفرادية التي يعتمدها العلم الطبيعي كقضايا واضحة هي ليست واضحة ذاتيا"1.

هنا يؤكد اوكام عدم وجود معرفة كليّة نسقية هي مجموع التجارب العلمية الانفرادية التي تبقى بلا وضوح منهجي في تعبثرها اللانسقي، ولا تكتسب تلك التجارب الانفرادية نسقيتها العلمية في الوجود المعرفي الكلي ألا داخل العقل كتجريدات فكرية فقط وليس خارجه كحدوسات وأحساسات واقعية معرفية متفرقة..

يطرح أوكام مسألة بالغة التعقيد مفادها "كل ما يوجد خارج العقل موضوع فردي ومنفرد لا وجود للكلي معه، بمعنى أن معرفتنا العالم الخارجي يجب أن تكون عن طريق الادراك الحدسي. وهذا النوع لا يمكن الاستدلال عليه قياسيا. فالمعرفة الحقيقية يتم التزود بها على اساس هذا الادراك الحسي أي من الخبرة المباشرة."2 يمكننا القول بضوء عبارات اوكام المار ذكرها أنه:

- يعتبر  التجربة العلمية لا تعبّر عن حقيقتها في وضوح ذاتي كاف لها، أي بمعنى التجربة العلمية التي لا تنمّي وتزيد تراكمها بالخبرة المعرفية الدائمة لا تكون دليلا علميا قاطعا في انفرادها الذاتي غير النسقي. معتبرا اكتساب الخبرة المعرفية لا تتم من غير وسيلة الادراك الحسي.

- تعبير أوكام كل ما يوجد خارج العقل فردي ومنفرد ولا وجود للكلي معه، بمعنى كل ماهو انفرادي لا يمثل نسقا كليا لتعامل العقل مع معارفه المكتسبة. العقل رغم طبيعته البيولوجية التكوينية في منظومة الادراك أنه نسق كلي معرفي شامل في معرفته للوجود، الا أن ما هو مكتسب من معارف العالم الخارجي لا يمثل غير ذاته في عدم الوضوح ولا يمثل كليّة العقل العلمية المعرفية النسقية التي تشكل فيها المعارف المنفردة معيارا قياسيا لمنهج العقل المعرفي التجريبي حسب فهمنا لاوكام.

- من الصحيح جدا بضوء فهم اوكام أن كل انجاز فردي علمي لا يمكن تعميمه على نسق علمي كليّاني للعقل. من حيث أن كلية العقل النسقية المعرفية العلمية لا تحددها المنجزات الفردية المتفرقة الانفرادية خارج العقل في عالم الوجود الخارجي. كليّة العقل النسقية العلمية هي تراكم خبرة دائمية من تعاقب معرفي. لكن لا يمكن الوثوق بمعارف أكتسبت تجربتها العلمية أن تكون معرفة كليّة وحتى أن تكون معرفة معيارية للنسق العقلي الكلي الذي يتعامل في بناء كليته النسقية العلمية على معطيات تجريدية هي أفكار لا تتوائم مع تجارب علمية لم يكتسب العقل تراكم خبرة كافية منها.

ايضا هذا الرأي الذي ادرجناه هو بحسب قراءتنا اوكام. رغم أن اوكام يعتبر صلاحية الخبرة الانفرادية المكتسبة لبرهانها العلمي خارج العقل من العالم المدرك المحسوس من الممكن أن تكون دلالة معيارية في البرهنة على قضايا أخرى مطلوب اثباتها. هذا الاستنتاج المعياري التطبيقي صحيح على صعيد معالجة قضايا متفرقة بمنهج علمي، لكنه لا يمثل نهجا نسقيا يمثّل العقل في التفكير والمعالجة التطبيقية.

- يعتبر اوكام في منتهى الارباك الفلسفي التعبيري له في قوله ما معناه العقل ليس كلّية، والكليّة العقلية هي فكر مجرد أي هي موضوع يتم عمله من خلال العقل وليس له وجود فعلي الا في تصورات النفس.

أننا لا نجانب الخطأ في تحفظنا على قول أوكام أن التجريد العقلي هو من تصورات النفس، وأن العقل لا يمثل كليّة معرفية. فتجريد العقل في كليته النسقية التجريدية مع حقائق ومعارف الوجود خارجيا واستبطانيا ليس للنفس الدور الريادي الفصل في هذا التجريد العقلي.فالعقل التجريدي يتقدم النفس وملاحقها المتعالقة بها من عواطف وضمير ووجدان وغير ذلك.

وكما يتم تصنيع أي موضوع تجريدي داخل مصنع الحيوية الدائمية لفعالية العقل التوليدية للافكارالمعبّرة عن الواقع أو عن مواضيع الخيال، كذلك يكون تصنيع العقل للنفس هي من ميزة العقل التوليدية الانشائية لنمط الافكار التجريدية التي تعبر عنه في فهمه الاستيعابي لمجمل تمظهرات الحياة التي يعيشها. النفس هي أدراك عقلي مصدره التاثر بالعالم الخارجي، وعالم الاحاسيس الجوّانية التي تعتمل داخل جسم الانسان المستمدة من أجهزة وتكوينات بايولوجيا الجسد، من مهامها تشكيلها انبعاث العواطف والوجدانات والضمير ونزعة الحب وغيرها. بمعنى النفس وما يتفرع عنها من عواطف ومشاعر شعورية ولا شعورية يكون مصدرها العقل ولا تولد النفس وتعبيراتها الملحقة بها من فراغ خارج وصاية العقل عليها.

حين نقول العاطفة بكل اشتمالاتها تقاطع العقل صحيح لكن أن لا يكون للعقل تداخل من الوصاية العاطفية امر مشكوك التسليم به، اذ يؤكد هذا علم النفس بمختلف تفرعاته الاختصاية.

اوكام والميتافيزيقا

كما يطرح اوكام مسألة فلسفية هي في غاية الارباك الفلسفي رغم نزعته الفلسفية العلمية في أعتباره (الميتافيزيقا) بمعنى البرهنة على وجود الله هي ليست (علم واقعي) بالمعنى الذي وردنا وورثناه على لسان جميع الفلاسفة الذين سبقوه في تاكيدهم قضايا الميتافيزيقا، والميتافيزيقا هي أوهام ماورائية لمدركات الطبيعة التي تحدها القوانين الثابتة التي ندركها بالتجربة العلمية ولا ندرك ما وراءها من تخيلات وهمية. ولم يطرح الفلاسفة قبل اوكام الميتافيزيقا علما واقعيا يمكن البرهنة التجريبية عليه كما زعم اوكام امكانية البرهنة لعبارة الميتافيزيقا ليست علما واقعيا في تحليل فلسفي لم يوفق به يدور حول أعتماد مركزية وحدة الوجود الذي لم يكن تبلور في عصره القرن الرابع عشر كمصطلح فلسفي - صوفي كما نجده لاحقا عند فلاسفة ومعتنقي مذهب وحدة الوجود الصوفية وعند اسبينوزا كمصطلح فلسفي لم يذكره اوكام كون يفصله عن القرن السابع عشر ثلاثة قرون كاملة، وفي محصلة بحثه يعود اوكام لتاكيد المقولة التي أراد الالتفاف عليها بمنهج غير واقعي ولم ينجح. من المختصر أن نجد اوكام سعى الى فهم قضايا الميتافيزيقا باسلوب خلع عليه بصمة العقل الذي لم يستخدمه في فلسفته وهكذا عاد من رحلته خالي الوفاض كما بدأها.

نجد مهما الاشارة الى أن افلوطين كان وضع مبدأ وحدة الوجود في نزعة صوفية ولم يستعمل المصطلح وحدة الوجود ايضا بداية القرن الاول الميلادي ولم تتم بلورة الاتفاق على المصطلح الا في القرن السابع عشر مع فلسفة اسبينوزا بهذا المجال...لعل الصوفية الدينية كما هي عند فلاسفة العرب وغير العرب المسلمين تحديدا وفي البوذية والهندوسية وصولا الى المسيحية كانوا يتعاملون صوفيا بمبدأ وحدة الوجود من غير الاتفاق الصوفي الديني عليه كمصطلح مجمع عليه يغطي مختلف التجارب الصوفية..

أوكام يحاول التمّلص من بديهية تقاطع النزعة العلمية العقلية التجريبية التي يؤمن بها هو مع الميتافيزيقا، في صياغة أبتداعية خاصة به عبّر عنها" الميتافيزيقا في أمكانية أن تكون واقعية علمية بأعتبارها أنها لا تاخذ تصور الموجود في حد ذاته، أي الموجود الكلي، مؤكدا عدم وجود فردية خارج العقل، كما وليس هناك حسب تعبيره تمييز بين الوجود والماهية، ولا يوجد سوى تصور واحد مشترك بين الله وموجوداته."3

اوكام هنا يراوغ في عدم امتلاكه منهجا واقعيا علميا يجعل من مواضيع الميتافيزيقا علما واقعيا على طريقته الفلسفية الخاصة وليس على طريقة الفلاسفة الذين سبقوه في رأيهم استحالة أن تكون الميتافيزيقا مبحثا علميا واقعيا يمكن البرهنة العقلية على قضاياه منها اثبات وجود الله. ورغم الارباك البادي في تعبيرات اوكام عن الفردية والكلية وعلاقة العقل بهما، وهي تعبيرات لا تحتمل مناقشتها أكثر مما أوردناه سابقا لكنا نؤكد بضوئها ما يلي:

- في تبنّي اوكام عدم التمييز بين الوجود انطولوجيا والماهية كجوهر، يمكننا تعميم أن جميع موجودات الطبيعة يمكننا ادراك التفريق المجرد بين وجودها الانطولوجي في صفاتها المركة خارجيا فقط وليس في ماهيتها المضمرة غير المؤكدة برهانيا من وجودها وعدمه بوسائلنا الادراكية العقلية المحدودة، وهذه الحقيقة تجعل أنفراد الله الخالق يحتفظ لوحده في تعذر معرفة وجوده ولا صفاته غير التي تخلعها توصيفات الكتب الدينية وتعاليم وطقوس الاديان الوثنية، وليس معرفة ماهيته ولا حتى معرفة تداخلهما الافتراضي في تلازمها معا (الصفات والماهية) كحقيقة مطلقة لا تتقبل المناقشة في محاولتها أثبات وجود الله عقليا.. فقضايا الميتافيزيقا لا يمكن البرهنة عليها بنفس وسيلية البرهنة التجريبية العقلية في أثبات موضوعات الطبيعة والوجود الانطولوجي للاشياء.

اوكام ومذهب وحدة الوجود

اذا نحن أخذنا بمبدأ وحدة الوجود الذي تبلور بوضوح شديد في فلسفتي افلوطين بداية القرن الاول الميلادي واسبينوزا لاحقا في القرن السابع عشر، يعني بعد عصر اوكام بثلاثة قرون، نجد حقيقة أستحالة فصل الماهية عن الوجود في الميتافيزيقا تحديدا التي تبدو أكثر وضوحا منها في استحالة عدم فصل الماهية عن الوجود في موجودات الواقع والطبيعة والعالم الخارجي. موجودات الواقع الخارجي يمكننا ادراك صفاتها الخارجية بمعزل عن عدم قدرة ادراك ماهياتها الجوهرية. وهذا على خلاف كبير أننا لا ندرك صفات أي شيء هو من ضمن تعبيرات الميتافيزيقا التي نحن نخلع عليها صفاتها وماهيتها بلغة ما نستعمله في وصفنا الاشياء في وجودها الانطولوجي في حياتنا العادية. قضايا الميتافيزيقا بمقدار ماهي غامضة عصيّة على ادراك العقل، فاننا نعمد خلع توصيفاتنا لها بمفردات لغوية هي مزيج من قاموس الكتب الدينية مع مفردات اللغة الدارجة التي نستعملها في حياتنا.

هذه الحقيقة تؤكد أن كل ما هو ميتافيزيقي لا يدرك عقليا، يكون موزعا أدراكيا بين تداخله بالطبيعة بغّض النظر عن غياب أمكانية تفريق ما هو ماهوي ذاتي جوهري غير مدرك عن ماهو وجود له غير مدرك ايضا. فالخالق في مذهب وحدة الوجود في الصوفية عموما والفلسفة خصوصا هو وجود تتوزعه الطبيعة في موجوداتها وتجلياتها وظواهرها بضمنها وجود الانسان بما هو نزوع ديني ميتافيزيقي. وصفات الاشياء والمخلوقات والموجودات الموزعة في الطبيعة هي دليل قاطع حسب مبدأ وحدة الوجود حضور الله في كل شيء.

- حتى مبدأ مذهب وحدة الوجود في توزيع الصفات الالهية على موجودات الطبيعة حيث يوجد الله في كل شيء يدركه العقل أو لا يدركه. نجد اوكام يتراجع عن هذا الفهم لمعنى وحدة الوجود الصوفية كما جاءت لاحقا في فلسفة اسبينوزا. حين يقول اوكام" لا توجد كلية شمولية خارج العقل بل توجد موجودات فردية خارج العقل"5، سبق لاوكام في اسطر سابقة مررنا عليها أنه قال لا توجد موجودات فردية خارج كلية العقل الداخلية التي هي كلية تقوم على التجريد.

- أن كلية العقل النسقية التي تنتظم موجودات الطبيعة (خارج) العقل، والكلية النسقية على مستوى الافكار فقط حسب تعبيراوكام تكون داخل العقل لا خارجه، هو تلاعب في مقولة راسخة ثابتة تفيد بأن كليّة العقل الجمعية هي تجريد منتظّم من الافكار النسقية العقلية داخل وخارج العقل لا فرق بينهما، ومن الخطأ أن ننسب الكلية خارج العقل، ولا ننسبها بنفس المعيارية القائمة داخل العقل، وكلا الادراكين الداخلي الاستبطاني والخارجي الحسّي هما تجريدان من الافكار الصورية اللغوية التمّثلية لموجودات الواقع الانطولوجي وموضوعات المخيلة ايضا على السواء. وما يدركه العقل خارجيا من الموجودات والمواضيع هو نفس مايدركه عنها استبطانيا داخليا ولا يمكن التفريق بين الادراكين عقليا. كون ليس هناك من وجود ادراك عقلي لا يكون تجريدا تمثليا للاشياء وللموضوعات في تجريد لغوي تصوري على حد سواء. بمعنى المدركات الخارجية في عالم الاشياء، ومدركات العقل لموضوعات الاستبطان داخليا لا يتم التعبير عنهما الا بوسبلة واحدة هي تجريد صوري لغوي واحد لا غيره.

- أراد أوكام أعتبار كل المدركات خارج العقل تقود الى (واحد) هو الله خالقها، في تصوره أن كلية العقل الخارجية هي تشتيت لهذه الوحدانية النسقية الميتافيزيقية. وأراد أوكام أستبدال أمكانية أثبات وجود الله في نسق من الادراك الكلي الميتافيزيقي الى نسق مغاير هو في وجود توزعات الادراكات الفردية غير الموجودة في الكليّة النسقية خارج العقل بل داخل الادراك العقلي على مستوى تجريد الافكار الاستبطانية.. في حين أن وحدة الوجود الصوفية الفلسفية لدى اسبينوزا تحديدا، هي ادراك حدسي لكليّة العقل الخارجية الموزعة على موجودات الطبيعة الانفرادية وقوانينها الثابتة. هذا الابداع النسقي الاعجازي المنظم في مدركات الطبيعة ندركه بالحدس المعرفي الميتافيزيقي والحسي الانطولوجي في الاشياء، وليس بالبرهان الواقعي العقلي في البحث عن وجود الله كما حاوله اوكام كرغبة لم يستطع تحقيقها.

- يقول اوكام ايضا "اذا كانت توجد معرفة طبيعية بالله، فيجب أن تكون هذه المعرفة مبنية على هذا التصور المشترك بين الله والموجودات، ونظرا لأنه ليس لدينا أي معرفة حدسية عن الله، عليه لا يوجد لدينا أي تصور مجرد ملائم له " 6 في العبارة السابقة اوكام يحدد معنى مفهوم مذهب وحدة الوجود الذي لم يذكره كمصطلح متعارف عليه اليوم صوفيا وفلسفيا، لكنه عبّر عنه بالتصور المشترك بين الله وموجودات الطبيعة، ولكن هذا التحليل يفقد مبرره كوننا لا نمتلك الحدسية المعرفية على حد زعم اوكام لذا لا يكون هناك لدينا تصورا مجردا ملائما له أي يناسب الله. باعتبار هذا التصور غير حقيقي بل هو من اختراع مخيّلة العقل المحدودة.

السؤال اذا كنا لا نجد الله وجودا حسيّا ولا حدسيا، في موجوداته الطبيعية فكيف يمكننا الأخذ بسلامة أستنتاج اوكام بأننا لا نمتلك تصورا مجردا ملائما له؟ أي هو ألغى الفهم الميتافيزيقي السليم في عجز تعبيرنا عن الله الذي لاندركه لا بالصفات ولا بالماهية ولا بالوجود الحسي في موجوداته انطولوجيا، بنفس الوقت الذي جاهد طويلا في العودة لاثبات ماسبق لغيره قوله الميتافيزيقا هي ليست علما واقعيا. محاولا أثبات ذلك الوجود بمنطق الكلية والانفرادية للعقل في محاولته أثبات وجود الله بغير منطق مذهب وحدة الوجود في أجتهاد فلسفي عقيم لم يثمر عن شيء في عصره.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك /الفلسفة الحديثة / ص55

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 56

4- نفسه  نفس الصفحة

5- نفسه ص 56

6- نفسه ص 57

 

 

حاتم حميد محسنبقي الفلاسفة على مر التاريخ يشعرون بالخيبة من عدم حل بعض المشاكل الفلسفية مثل الوعي، المعرفة، المعنى، الرغبة الحرة والذات. العديد من المفكرين البارزين أشاروا للهوة الكبيرة بين قدراتنا الذهنية وأهداف الفلسفة، المتعلقة بمعرفة حقيقة الطبيعة النهائية والواقع. الناس فيما يبدو غير مؤهلين ادراكيا لمعالجة المشاكل التي تثيرها الفلسفة، ولكنهم جيل بعد آخر يكافحون للوصول الى الآفاق الزائفة أمامهم.

أمام هذه المحدودية، تبنّى بعض الفلاسفة نوعا من "عزيمة رواقية". وكما كتب توماس ناجل، "اذا كانت الحقيقة هي هدفنا، فلابد ان نقبل بإنجاز ذلك الهدف لمدى محدود جدا، وبدون أي تأكيد، لكي يمكن ان نعيد تعريف الهدف لضمان تحقيقه عبر مختلف أشكال الاختزالية، النسبية، التاريخية، كطريقة لإنجاز الرغبة المعرفية. الفلسفة لا يمكنها ان تلوذ بالطموحات المختزلة. انها تتجاوز الحقيقة الأبدية وغير المحلية، حتى عندما ندرك ان ذلك سوف لن نصل اليه" (رؤية من لامكان، ص10).

فلاسفة آخرون اختاروا بالضبط ما دعا ناجل لتجنّبه: قبول ملاذ في الطموحات المخففة. بدلا من التخبط في محدودياتنا، دعوا الى جلب اهداف الفلسفة ضمن حدود الامكانيات. وهناك آخرون تبنّوا موقفا في مكان ما بين هذين الاتجاهين. كولن ماكين، مثلا، يرى ان العديد من المشاكل الأساسية في الفلسفة هي ليست غير قابلة للحل بذاتها، وانما هي غير قابلة للحل للذهن الانساني. نحن ببساطة نفتقر للمعدات الذهنية الكافية لإنتاج المفاهيم المطلوبة لفك ألغاز الفلسفة. وبالتالي، يتكهن ماكين ان "في المليون سنة القادمة" سيكون حقل الفلسفة بالضبط في نفس الإشكاليات والعقد المحيّرة التي نجدها اليوم: مستودع للألغاز الغامضة والأسئلة دون إجابة. وبالنتيجة، هو ينصح الفلاسفة ان يستمروا بالعمل ضمن أقل أهداف للفلسفة، مثل "التحليل المفاهيمي، منهجة العلوم، الاخلاق والسياسة، واشياء اخرى" (مشاكل في الفلسفة:حدود التحقيق، 1993). وفي نفس الوقت، نحن "نرضخ لقيودنا البنيوية"، والتي سوف تمنعنا الى الأبد من كشف أسرار الطبيعة. ولو ردّدنا مع دونالد رامسفيلد(وزير الدفاع الامريكي السابق)، نحن نمارس الفلسفة بالأذهان التي لدينا وليس بالأذهان التي نريد او نرغب ان نمتلكها في أوقات لاحقة.

الشيء المشترك في جميع هذه المواقف هو انها الى مدى معين تتخلى عن أسمى محاولات الفلسفة. وهذا متوقع، بالطبع، في ظل عدم وجود خيارات اخرى.

وكما يشير برتراند رسل في عام 1936، "هناك عدة اسئلة ومن بينها تلك التي ذات أهمية عميقة لحياتنا الروحية، والتي بقدر ما نستطيع ان نرى، يجب ان تبقى غير قابلة للحل للعقل البشري مالم تصبح قدرته ذات نظام مختلف كليا عما هو عليه الآن"(مشاكل الفلسفة، فصل 15). المفردة الرئيسية هنا هي "ما لم". التكنلوجيات الجديدة مثل منشطات الذهن، تفاعل الذهن مع الكومبيوتر، الزراعة العصبية، الهندسة الوراثية، وحتى تحميل الذهن او ما يسمى "محاكاة كاملة للدماغ"(1) قد تغيّر النظام العصبي لدماغنا لكي تحسّن تفكيرنا كميا ونوعيا. وفي دراسة قام بها نك بوستروم و كارل شلمن تؤكد ان التقنية المسماة "اختيار الأجنة المتكرر" (2) قد تخلق مكاسب في قدرات الذهن بما يقارب 130 نقطة في وقت قصير نسبيا. النتيجة ستكون وجود ناس ما بعد انسانيين شديدي الذكاء، قادرين ليس فقط على معالجة المزيد من المعلومات في وقت أسرع، وانما الدخول التام الى مكتبات جديدة من المفاهيم تكون ملائمة للفلسفة وايضا وبشكل دائم خارج حدود ادمغتنا البايولوجية.

هذا يقود الى إمكانية اخرى: بدلا من تحجيم الفلسفة لتجاري الحدود الحالية، سيتم رفع الفيلسوف ليكون في مستوى تحقيق الأهداف النبيلة لمجال عمله. وكما يقول مارك ووكر: "الفكرة في الشعار، هي ليس اننا يجب ان نهمل الفلسفة، وانما الفلسفة يجب ان تهملنا"(مجلة التطور والتكنلوجيا، مارس 2002). اذا كان على الفلسفة ان تحقق اي تقدم في قضاياها الاساسية، فهي تتطلب عقولاً بقوة ذات تنظيم مختلف كليا عما عليه الآن"، كما يذكر رسل.

ولأول مرة في التاريخ، تطل ببطء مجموعة رائعة من وسائل تعزيز الادراك الراديكالي على آفاق الإمكانات التكنلوجية، جاعلة هذا طريقا معقولا نحو الامام. لذا يجادل البعض ان طاقات معظم الفلاسفة اليوم ستكون افضل لو بُذلت في العمل لضمان ادراك تام وملائم لتكنلوجيات توسيع الذهن بدلا من ان تُوجّه الى حل المشاكل العقيمة والمستعصية التي ثبت عقمها حتى لأبرز المفكرين في التاريخ.

بالمقارنة، لو تصوّرنا ان زيد يريد نقل طن من الحجر . هو يمضي عدة سنوات في رفع أثقال للإعداد للمهمة. لاحقا هو يصبح قوي جدا، لكنه عندما يحاول دحرجة الصخور، يجد ان جهوده ذهبت هباءً، نظرا للمحدوديات المتأصلة في جهازه العضلي. الآن لنتصور انه بدلا من ان يصبح أثقل وزناً عبر ممارسة التمارين البدنية، هو ينفق وقته في تصميم وبناء هيكل ميكانيكي خارجي – لنسميه رافعة او crane يزيد قدرته على الإستخدام الفيزيقي للعالم. عبر الدخول الى الرافعة، هو يصبح نوعا من سوبرمان بقدرات رفع خارقة. يستطيع تحريك الصخور بسهولة عبر الضغط على الزر وسحب العتلة. زيد هو بالطبع، الجماعة الفلسفية، والصخور تمثل الأسرار التي يسعى التحقيق الفلسفي لكشفها.

لكن العديد من المستقبليين يتفقون على ان مجيء ما وراء الانسان المعزز فكريا في ضوء مسار تكنلوجيا السايبورغ CYBORG (3) اصبح ممكنا. اذاً لماذا لا نساعد هذه العملية لتسير قدما؟ بعد الفين سنة ونصف من الجمود في بعض المشاكل الفلسفية العقيمة، ربما حان الوقت لنضع الأمل في الجيل القادم من الفلاسفة المابعد انسانيين. وبالنهاية، فان احدى الطرق لحل مشكلة عدم الملائمة بين المشاكل الفلسفية وأذهاننا هي ان نعيد تشكيل أذهاننا لكي تنسجم بشكل أفضل.

The future of Philosophy is CYBORG ,philosophy Now January 2021

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) تحميل الذهن mind-uploading هو مصطلح يشير للعملية التي يتم بها نقل الذهن، مجموعة الذكريات، الشخصية، وخصائص فرد معين من دماغه البايولوجي الأصلي الى ركيزة كومبيوترية اصطناعية.، يمكن للكومبيوتر بعد ذلك تشغيل نموذج محاكاة لمعالجة معلومات الدماغ بحيث يستجيب بنفس الطريقة التي يستجيب بها الدماغ الاصلي. حالما يصبح بالإمكان نقل الذهن من ركيزة الى اخرى عندئذ يسمى (SIM) او الذهن المستقل الركيزة. هذا المفهوم تحفّز بفكرة تصميم سوفتوير يمكنه تشغيل عدة كومبيوترات بمختلف انواع الهاردوير دون الحاجة الى اعادة كتابته.

(2) اختيار الأجنة المتكرر Iterated Embryo Selection هو تقنية افتراضية لو جرى تطويرها سيصبح بالإمكان استعمالها لإختيار الأجنة بمواصفات معينة أكثر كفاءة. اولاً، يتم جمع عدة خلايا جذعية جنينية من مختلف المتبرعين. هذه الخلايا الجذعية يتم تمييزها الى خلايا حيوانات منوية وخلايا بويضات، الخلايا المنوية ستلقح البويضة. الكروموسوم الناتج من البيضة الملقحة سيتم وضعه ضمن تسلسل، والبيضة الملقحة بعدد كبير من النسخ الجنينية المرغوبة سيتم الاحتفاظ بها، بينما يُهمل الباقي. بعد ذلك، سيتم تمييز البويضات الملقحة المتبقية الى خلايا حيامن وبويضات، والعملية ستتكرر بهذه الخلايا من الحيامن والبويضات حتى يتم الحصول على بيضة ملقحة مقبولة. عملية التكرار تحاكي التطور في مدى زمني قصير وتسمح بتحكّم اكبر في الكروموسوم الذي يمكن الحصول عليه بعد جيل واحد عبر اختيار البيضة الملقحة المرغوبة .

(3) تكنلوجيا السايبورغ تشير الى الانسان المسيّر آليا، حيث يكون مركب من جزئين، جزء حيوي وجزء آلي ذو قدرات خاصة. هذه التكنلوجيا سوف تستبدل الانسان وتعيد تشكيل العالم. يذكر جيمس لوفلوك ان تفوّق الانسان كمدرك رئيسي للكون سيصل بسرعه الى نهايته. هو يصف السايبورغ بالروبوتات المكتفية ذاتيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي. أول من استخدم مصطلح السايبورغ هما منفريد كلاينس و ناثان كلن عام 1960.

 

 

محمود محمد عليالديمقراطية مصطلح قديم نشأ عند اليونان فى أثينا، ولكن مفهومه كان جنينيا عندئذ فهو لم يتعد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه حكما مباشرا. أما هذا الشعب فكان مجرد سكان مدينة واحدة مجتمعين فى ساحتها الرئيسية، ومن ضمن هؤلاء السكان كان الاعتداد بالذكور وحدهم، ومن بين الذكور استبعد العبيد فلم يبق لممارسة الديمقراطية إلا الأثينيون السادة الذكور. مثل كل المفاهيم، الديمقراطية مفهوم دينامى تطور مع ظهور الثقافات وازدهار بعضها وأفول الأخرى، ومع انبعاث الأديان وانتشارها وتفاعلها مع الأقوام وثقافاتهم.

وتعد إسبرطة من بلاد اليونان التي تم فيها تطبيق الحكم الديمقراطي، والتي جاء منها استعمال مصطلح الديمقراطية، وهي في حقيقتها تجربة محدودة بالمعني المتعارف عليه الآن، فلم يكن لكل أفراد المجتمع الحق في المشاركة في صناعة القرار السياسي آنذاك، فالعبيد والأجانب المقيمين فيها لم تشملهم الديمقراطية، فضلاً عن عدم مشاركة النساء، فالحياة السياسية محصورة بالعرق، والجنس المحدودين واحالة الاقتصادية للفرد أي ممن يملكون الأراضي والعقارات، وهذه التجربة للديمقراطية لم تستمر لفترة طويلة، وكان ابتداء هذا النظام علي يد ليركس Lyeurgues في القرن الثامن قبل الميلاد، ويروي أنه ذهب إلي معبد دلفي ليستشير الآلهة في وضع نظامه، فقال له الوحي: إنه محبوب الآلهة، وإنه مأذون بوضع النظام الذي يرتضيه، ومما هو جدير بالذكر أن فلاسفة اليونان العظام لم يعتبروا النظام الديمقراطي تجربة صحيحة للمجتمع .

فأفلاطون مثلاً كان يدعو إلي نظام حكم الفرد الواحد، وهذا الحاكم علي معرفة تامة بمصالح الناس أكثر من معرفتهم هم بأنفسهم فقط، فالديمقراطية بالنسبة لأفلاطون هي "حكم الرعاع الذين لا يعرفون مصالحهم أو مصلحة المجتمع بصورة عامة؛ ولذلك دعا أفلاطون إلى إيجاد الوسائل اللازمة لمنع غير الأكفاء من الوصول إلى المناصب العامة، كما دعا إلى اختيار أحكم الرجال وأفضلهم، وإعدادهم على النحو، الذى يضمن أن يكون حكمهم لمصلحة الجميع، وليس وفقا لرؤاهم الأنانية الضيقة، وتتصل بهذا دعوته الواضحة إلى التخصص، فإن أفضل مكان لرجل الإنتاج هو المجال الاقتصادى، وأفضل مكان للعسكرى هو ميدان القتال، وكلاهما لا يصلح للمنصب السياسى والوظيفة العامة، لأن إدارة الدول علم وفن، ولذلك فإن الوضع الأمثل بالنسبة له أن يصبح الفلاسفة ملوكا أو الملوك فلاسفة، حتى تجتمع الحكمة والزعامة السياسية فى شخص الحاكم.

أما أرسطو فلم يبتعد كثيرا فى هذا الصدد عن أفلاطون، ولديه كما يعلم قارئو تطور الفكر السياسى معياراه الشهيران لتصنيف نظم الحكم، وهما معيارا العدد والمصلحة، ووفقا لمعيار العدد فإن الحكم يمكن أن يكون لفرد أو لقلة أو أغلبية، ووفقا لمعيار المصلحة فإن الفرد أو القلة أو الأغلبية أمامهم خياران: أن يحكموا على هدى من المصلحة الخاصة أو المصلحة العامة. هكذا تتولد عن تفاعل المعيارين ستة أنماط لنظم الحكم: أن يحكم الفرد لمصلحته الخاصة فنكون إزاء نظام حكم يتسم بالاستبداد أو الطغيان، أو يحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء النظام الملكى (الذى هو أقرب إلى الملكية الدستورية فى واقعنا الراهن)، أو أن تحكم القلة لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام حكم أوليجاركى، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء نظام ارستقراطى، أو أن تحكم الأغلبية لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام الحكم الديمقراطى، الذى تمارس فيه سلطة الأغلبية الشعبية دون اعتبار لأى شئ سوى مصلحة هذه الأغلبية، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء الحكومة الدستورية. وقد فضل أرسطو بطبيعة الحال نظم الحكم الثلاثة، التى يكون الحكم فيها لغرض تحقيق النفع العام، وبالتالي فإنه انضم إلى أفلاطون فى عدم اعتبار الديمقراطية أفصل نظم الحكم.

وهذا يبين أن فلاسفة اليونان لم يكونوا يرو في أن الديمقراطية هي طريق استقرار الشعوب، وخلاصها من الظلم والاستبداد، وما أن دخلت الديانة المسيحية إلي أوربا، بدأ السعي إلي إلغاء السادة والعبيد والدعوة للمساواة والحرية وللطبيعة المادية للفكر الأوربي، تحولت المسيحية فيها إلي مؤسسة سلطوية عُرفت بمؤسسة الكنيسة، وتحولت مع ذلك مسألة الحرية والمساواة من الوجهة العملية إلي الخضوع لسلطة الكنيسة وإتباعها.

وقد اتسع نطاق هذا الموقف ليشمل أيضا حركة الفكر وحركة العلوم المادية، ومع مرور الزمن بدأت ردود الأفعال لعدم الرضي عن الموقف الكنسي، بدأ الصراع مع الكنيسة، ثم ما بين أتباع الكنائس المختلفة، ثم مع سلطة الدولة، وهو ما يسمي بفصل الدين عن الدولة، ونتيجة لذلك بدأت بهذه الخطوة تحرير المسيحيين من القيود التي منعتهم من الانطلاق في عالم العلم والثقافة والتقدم .

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في العالم الإسلامي؛ فنجد أنها قد شغلت قضية  المفكرين السياسيين في العالم العربي منذ فجر النهضة العربية المعاصرة، أي منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، وقد تغير مفهوم الديمقراطية وتعدل منذ ذلك الوقت تحت تأثير مجموعة متنوعة من التطورات الاجتماعية والسياسية، ولعل أول من أثار جوارا حول الفكرة الديمقراطية في العالم العربي هو الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي كان لويس عوض يطلق عليه " أبو الديمقراطية المصرية"، وكان الطهطاوي بعد تخرجه من الأزهر قد أرسل إلي فرنسا إماما مرافقا لفرقة عسكرية ابتعثها محمد علي إلي هناك للتعليم والتدريب، فأحسن استغلال وجوده بالإقبال علي تعلم العلوم الغربية بحماسة منقطعة النظير، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات رواد الفكر الفرنسي، مثل فولتير وروسو . وما أن عاد إلي القاهرة حتي ألف في عام 1834م كتابا بعنوان " تخليص الإبريز إلي تلخيص باريس" دون فيه مشاهداته حول عادات ومسالك أهل فرنسا، وكال المديح للنظام الديمقراطي الذي نشأ فيها ووصف مشاعره تجاه انتفاض الأمة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية من خلال ثورة 1830 ضد الملك تشارلز العاشر.

وحرص الطهطاوي علي إثبات أن النظام الديمقراطي الذي شهده في فرنسا ينسجم تماما مع تعاليم الإسلام ومبادئه، ومن الأعلام الذين لهم السبق في هذا المجال خير الدين التونسي، رائد حركة الإصلاح التونسية في القرن 19، والذي كان عام 1827م قد وضع خطة شاملة للإصلاح ضمنها كتابه" أقوم المسالك في تقويم الممالك" . وبينما توجه خير الدين التونسي من خلال كتابه إلي سياسي وعلماء عصره حاثاً إياهم علي انتهاج كل السبل الممكنة من أجل تحسين أوضاع الأمة والارتقاء بها، فقد حذر من مغبة رفض تجارب الأمم الأخري انطلاقاً من الظن الخاطئ بأنه ينبغي نبذ كل الكتابات أو الاختراعات أو التجارب أو التصرفات الناشئة عن غير المسلمين . وطالب التونسي بإنهاء الحكم المطلق المضطهد للشعوب والمدمر للحضارات، وسعيا منه لإنقاذ خطته الإصلاحية، أنشأ المدرسة الصادقية لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ضمن إطار القيم الإسلامية، وقد جاء في إعلان تأسيس المدرسة أن الهدف منها هو تدريس القرآن والكتابة والمعارف المفيدة، أي العلوم الشرعية واللغات الأجنبية والعلوم العقلانية التي قد يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة التي يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة . وجاء فيه أيضا إنه يتوجب علي الأساتذة أن ينموا في الطلاب حب العقيدة عبر إبراز محاسنها وتميزها، وعبر إجبارهم بأفعال النبي صلي الله عليه وسلم والمعجزات التي تحققت علي يديه، وتذكيرها بصفات الصالحين .

أما جمال الدين الأفغاني (ت: 1897م ) فقد توصل بعد تقص لأسباب انحطاط  المسلمين أن مرجع ذلك هو غياب العدل والشوري وعدم تقيد الحكومة بالدستور . ولذلك فقد رفع لواء المطالبة بأن يعاد للشعب حق ممارسة دوره السياسي والاجتماعي عبر المشاركة في الحكم من خلال الشوري والانتخابات .

وقد سار علي نهجه تلميذه الإمام محمد عبده (ت: 1905م) الذي رأي بأن أهم تحد يواجه الأمة الإسلامية هو نظرتها إلي العلاقة بين الإسلام والعصر. وفي محاولة للتوفيق بين المبادئ الإسلامية وبعض الأفكار الغربية اقترح محمد عبده بأن مصطلح المصلحة عند المسلمين يقابل المنفعة عند الغربيين، وبأن الشوري تقابل الديمقراطية وأن الإجماع يقابل رأي الأغلبية . ولدي معالجته إشكالية السلطة، أكد محمد عبده بأنه لا يوجد حكم ديني ثيوقراطية في الإسلام، معتبرا أن مناصب الحاكم أو القاضي أو المفتي مناصب مدنية وليست دينية . ودعا في هذا المجال إلي إعادة إحياء الاجتهاد للتعامل مع الأولويات والمسائل الطارئة والمستجدة علي الفكر الإسلامي .

في نفس الفترة تقريبا، تألق عبد الرحمن الكواكبي (ت: 1903م) الذي ألف كتابين حول هذه القضايا، الأول بعنوان "طبائع الاستبداد "، والآخر بعنوان "أم القري". في كتابه الثاني، تصور الكواكبي حواراً بين عدد من المفكرين ينحدرون من مدن مختلفة في العالم الإسلامي جمعهم في مكة المكرمة مؤتمر عقد خلال موسم الحج لتبادل الرأي حول أسباب انحطاط الأمة الإسلامية . ومن الأفكار التي حرص الكواكبي علي طرحها ما جاء علي لسات البليغ القدسي:" يخيل إلي أن سبب الفتور هو تحول نوع السياسة الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية، أي ديمقراطية تماما، فصارت بعد الراشدين، بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه بالمطلقة، وما جاء علي لسان الرومي: " إن البلبلة أن فقدنا الحرية". ويخلص الكواكبي في النهاية إلي أن التقدم مرتبط بالمحاسبة، بينما التخلف مرتبط بالاستبداد.

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في  أوربا في العصر الحديث، فقد جاء الإيمان بالديمقراطية تدريجياً كأسلوب ناجح في الحياة السياسية، والذين أثاروا هذه الفكرة من جديد، وارسوا قواعدها هم فلاسفة عصر التنوير من أمثال : جان جاك روسو، وجون لوك، ومونتسيكو، كانت حصيلته الثورة الأمريكية والفرنسية التي أدت إلي إرساء القواعد السياسية والاجتماعية لمشاركة أفراد المجتمع في صناعة القرار السياسي.

فإذا اعتبرنا أن الثورة  الفرنسية وثورة كورمويل البريطانية والثورة الأمريكية علامات فارقة في عملية التطور الذي فرض نفسه بالعنف لإحداث التغيير في مخلفات الكنيسة، فإن نقطة التحول الفكري في هذا المجال وقعت بنظرية العقد الاجتماعي لروسو الذي حدد العلاقة بين الشعب والسلطة علي أساس تعاقدي، بحيث تكون مهمة السلطة تنفيذ موقف غالبية الشعب .

وفي عصر الثورة الصناعية تبلور الفكر الاقتصادي الفردي الذي يعرف الآن بالرأسمالية إلي جانب المسيحية كنظام أخلاقي فردي فأصبحت مصلحة الشعب في مصلحة الأفراد المنتمين إليه عرقياً، واًصبحت حرية الشعب تكمن في حماية الفرد، وقد ترتب علي ذلك استئناف التعددية في الفلسفات، مما زاد في حدة مواجهة مشكلة تبني الفكر الواحد والتشريع الواحد للمجتمع فتكشفت الحاجة إلي رأي الأغلبية وازدادت قوة تبني الديمقراطية التي أصبحت الآن نظاماً للحكم.

فقد كان من الحتميات بلورة معني الفكر الديمقراطي هذا إلي ما يعرف حاليا بالديمقراطية الليبرالية إلي شمولية وحرية الرأي والانتخاب للوصول إلي معرفة موقف الأغلبية من الآراء المطروحة وتبنيه، فقيام الديمقراطية الليبرالية اقتضي قيام ديمقراطية الفرد في الشعب والحزب والنقابة والتزام الجميع في تنفيذ قرار السلطة التشريعية والتنفيذية مع كل معارض في إبداء رايه علناً والدفاع عنه والعمل من أجل إقناع الناس به.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

..............................................

1- شيماء حسن الكندري : المرأة والديمقراطية فى الإسلام، مجلة القراءة والمعرفة، جامعة عين شمس - كلية التربية - الجمعية المصرية للقراءة والمعرفة، العدد 146،2013.

2- إبراهيم عوض: الديمقراطية فى العالم وفى مصر.. مقال.

3- أحمد يوسف أحمد: خواطر ديمقراطية: من أفلاطون وأرسطو إلى حسن شحاتة.. .. مقال.

 

محمد كريم الساعديتبدأ خطة الحياة من وجهه نظر(علم النفس الفردي) بالتكون عند الإنسان منذ السنوات الأولى، إذ بدأت نظرية (أدلر) في البحث عن إرادة القوة التي تحدد السلوك عند الفرد، وألح (أدلر) على الغرائز المسيطرة على ألانا وعلى التنافسات الا معدودة الناتجة عن ذلك وأًعتقد بأن الشخصية الإنسانية تستلزم غائية من نوع ما، وأن السلوك يتحدد في السنوات الأولى للطفل، ولذا فقد سمي خطة الحياة ذلك التوجه الأساسي المتكون في الطفولة.

إنَّ خطة حياة (فوينتسكي) في مسرحية الخال فانيا للكاتب المسرحي الروسي (أنطوتن تشيخوف)، تتحدد بسلوك خاص جاء نتيجة لغاية اتخذها (فوينتسكي) على أثر عدد من العوامل التي عانى منها في بداية حياته، وهذه العوامل، هي:

- العامل الأول: هو من أهم العوامل التي خلقت لديه شعور بالنقص، الذي تمثل هذا العامل بطريقة معاملة أمه له، وهنا يأتي هذا الشعور بالنقص لكون التكوين الأنطولوجي لخطة الحياة لدية القائمة على (نقص الحب/ وسرء توجيه الأنفعال)، الذي تحولت خطة الحياة وانحرفت عن الأتجاه الصحيح، وأصبح تأثير المتأثر ما دام يتأثر، ولكن بالأتجاه الخاطئ .إذ كانت أمه (ماري فاسيلفينا) منشغلة عن ولدها بقراءاتها، وكتبها، وأحاديثها عن تحرير المرأة وعن حياة جديدة في ظل ظروف صعبة وواقع شديد التعقيد لا يدلل على بوادر التغيير، ونلاحظ (ماري فاسيلفينا) مثل بقية المدعّين للثقافة الذين يواصلون القراءة والتعلق بأهداف جديدة، ولكنها لا تتحقق لهم شيء، إذ يقول (فوينتسكي) عن هذا الحال منذ خمسين سنة نحن نتكلم ونتكلم ونقرا المنشورات، آن لنا أن ننتهي ..ولكن (ماري فاسيلفينا) وعلى الرغم من هذه الأوضاع تنادي بالتغيير، متناسيه ولدها (فوينتسكي) ضحية لتلك الشعارات التي مازال يذكرها قائلاً:

فوينتسكي: ... (ماما) مازالت تتكلم عن تحرير المرأة .أصبحت على حافة القبر ومازالت تبحث في كتبها عن فجر جديد وحياة سعيدة.

إن تلك المرأة التي انغمرت بأحلامها، وجريها وراء عالم تعتقد فيه الخلاص من ذلك الواقع المرير، كان لابد لها أن تكرس أغلب وقتها لقراءاتها، من دون أن تهتم بحياتها العائلية ورعايتها لطفلها، وأنعكس هذا الوضع من اللامبالاة وعدم الأهتمام بحياة ولدها (فوينتسكي)، الذي جعلته يشعر بعدم الأهتمام والرعاية من قبلها، فلا بد على الأم اذا أرادت أن يكون تكوين ولدها سليماً، عليها أن تهتم بالحالة النفسية التي تنعكس بقيمته الوجودية وتكوينه، لذا يجب أن تتكون لديه شعور بالعطف اللازم لنموه النفسي والخلقي، ولزوم الغذاء الجيد والرعاية الطبية لصحة بدنه وسلامه نموه الجسمي، ويعد العطف والحب والحنان من أهم الحاجات النفسية التي ينبغي إشباعها عنده، والتي تترجم لديه إلى شعور بأنه موضع الرضا، وأنه مرغوب فيه، وخلاف ذلك يتخلى الطفل عن أحلامه كارهاً متبرماً، وألفى خطواته تعود به إلى الوراء .لأن إحساس الطفل بأنه مكروه من قبل الآخرين، أو غير مرغوب فيه، هو أمر يسبب كثيراً من المشكلات النفسية له فقد يتغشاه الانكماش والعزلة، هذه الصفات التي تنعكس في ظاهريات السلوك وصورها الذهنية المتكونة من التكوين الأنطولوجي للشخصية وانعكاساتها الذهنية للأنطباعات السلبية، التي حققت ماهويات الأحداث المتلاحقة من خلال الحياة، ولاسيما ما ينعكس في أهم مفصل فيها وهي (الأم)، لذا يولد هذا الوضع لديه شعوراً بالنقص، مما يجعله يبحث عن مكان وتكوين أنطولوجي آخر، لعلّه يعوض فيه حنان الأم التي اهتمت بأشياء أخرى تعتقدها أهم من ولدها، فمن هنا يبدأ الجانب الأكبر يتحدد عند الفرد، وهو ما حصل مع (فوينتسكي) الذي فقد رعاية أهم عنصر في العائلة ألا وهو (الأم).

- العامل الثاني: الذي تمثل بطريقة معاملة الأب لابنه (فوينتسكي)، فهذه الطريقة في المعاملة لم تكن بالمستوى المطلوب أيضاً، فبعد نقص في الرعاية والحنان من أمه، جاء دور الأب ليعمق هذا الشعور أكثر فأكثر، فكان اهتمام الأب منصباً على جانب آخر، وهو الاهتمام بشقيقة (فوينتسكي) وتدليلها، وتفضيلها على أخيها، وفي هذه الحالة يرى علم النفس الفردي أن الشعور بالنقص قد ينشأ عن وضع عائلي لولد غير مرغوب فيه، ظهور أخ جديد، أو أخت جديدة تأخذ منه مركزه أو اهتمام العائلة به .إنَّ التفضيل زاد هذا الوضع سوءاً من شعور(فوينتسكي) بالنقص وعمقه أكثر، ، مما ولد كيفيات نفسية اتصفت بالصفات السلبية، وبعدم الإضافات الإيجابية، التي يجب أن تنمو مع شخصيته بطريقة سليمة، فتكوينه الأنطولوجي وتمظهرات هذا البناء الوجودي تأثر كثيراً، مما جعل الكيفيات الايجابية لدية لا تظهر في قراراته ضد ما كان يعانيه من معاناة وغياب الحقوق، فالتفرقة الفعلية التي تمت وبشكل عملي من خلال إعطاء(الأرض الزراعية) لأخته وحرمانه من حق المساوة، إذ يقول في انفعال كاشفاً عن تلك التفرقة وبصورة مبطنة:فوينتسكي: حتى الآن ما زالت أحمق، مخطئاً في تفكيري كنت أظن إن هذه أملاك (سونيا). المرحوم، والدي هو اشترى الأرض وأعطاها لأختي.. وكنت أظن الأملاك انتقلت من أختي إلى أبنتها (سونيا) .

لقد كان أهتمام الأب بابنته أكثر من ولده، وأكد ذلك إعطاء الأرض الزراعية لها، مما جعل هذا العطاء يعمق اعتقاد (فوينتسكي) بهذا الشيء، الذي كان على دراية بهذه المعاملة من الأب، التي جاءت لتنهي آماله بالحصول على اهتمام ورعاية كافية من الوالدين، وجعله هذا الوضع العائلي يعيش في غربة حقيقية عمقت بداخله شعوراً بالنقص، أخذ يزداد يوماً بعد يوم، ويؤكد الصور الذهنية وماهياتها في زيادة معاناته وتشكيل خط الحياة لديه .

- العامل الثالث: الذي تمثل في عدم الإنصاف في توزيع الأملاك، وضياع حق (فوينتسكي) كفرد من أفراد العائلة، له حقوق بأملاكها، ولكنها سلبت منه، فالأفعال لم تكن متوازية مع ما مر به، وهنا يدلل ذلك على أن تأثير المؤثر ما زال مستمر في حاضره، وسيستمر معه في المستقبل . فالأرض الزراعية التي أعطاها أبيه لشقيقته جاءت كدليل على تهميش دوره في الحاضر وجعله تابعاً في المستقبل، وعاملاً في الأرض التي كان من المفترض أن يكون مالكها، أو احد مالكيها، إذ جاء هذا التميز ليدلل على تلك المعاملة القاسية من الوالدين اللذين جرداه من أحقية مشروعه في الحياة، وهو العيش بطريقة طبيعية، التي حاول الوصول إليها لكنه لم يستطع تحقيقها قائلاً:

فوينتسكي: لو عشت حياة طبيعية من يدري لربما أصبحت (كشوبنهاور).

إنَّ عدم حصوله على أبسط حقوقه عمق شعوره بالنقص أكثر، ونعكس ذلك في البناء الأنطولوجي لشخصية (فوينتسكي)، متخذاً من تلك العوامل الثلاثة مبررات للظهور بسلوك يتصف بالقلق، والسعي وراء تحقيق الذات، وبأي طريقة كانت لإثبات ذاته، وجعله فرداً مهماً يشعر بالتفوق على الآخرين وبالأخص أفراد أسرته الذين حرموه من عطفهم واهتمامهم ورعايتهم له، فكان لابد من أن تكون "الأسرة هي الحضن الأول الدافئ الذي يتلقى الفرد ويعمل على التأثير في شتى جوانب حياته وبكافة الوسائل بوصفه كائناً حياً يتفاعل مع الأخرين.

(الذات الخلاقة / الكيفيات الأستعدادية) ودورها في توجيه السلوك في ضوء الوجود الذهني عند شخصية

تعني الذات الخلاقة عند (أدلر) نظاماً شخصياً وذاتياً للغاية، يفسر خبرات الكائن العضوي ويعطيها معناها، وهي التي توجه السلوك والنشاط عند الفرد نحو الهدف المراد تحقيقه، والذي يظن فيه الخلاص من الشعور بالنقص والتغلب عليه . ومن الطبيعي أن يشعر الفرد بحالات من عدم الاستقرار، إذا اشتملت عليه استجابات من مشاعر اليأس والقلق حول المستقبل وفقدان وتقدير الذات التي تبحث عن الخبرات تساعد في تحقيق الهدف، وإذا لم تتوفر خبرات في المحيط الذي يشعر فيه الفرد بالنقص، فالذات الخلاقة تدفع بالفرد إلى أن يبحث عنها في مكان آخر لإثبات ذاته، مما يحقق له تأكيد الأفعال الانطولوجية في تثبيت التصورات الماهوية التي يبحث عنها في ذلك التأكيد.

فالذات الخلاقة عند (فوينتسكي) قامت بتوجيه سلوكه ونشاطه إلى مجال آخر يشكل تكوينه الأنطولوجي، الذي أراد من خلاله تأكيد الماهيات الذهنية الجديدة ويغير ما ثبته عنه في ذهنيات العائلة، وهو سعيه لجعل الآخرين يشعرون بالحاجة إليه بعد أن تخلوا عنه، وذلك لإثبات ذاته أمام نفسه وإمامهم من جهة، واختراق حياة الآخرين من خلال لعب أدوار خاصة في حياة كل شخص لأخذ مساحة في ذاكرة الآخر الذي عانى بسببه من الشعور بالنقص من جهة أخرى، ولكن قبل أن نأتي إلى ذكر تلك الأدوار، يجب أن نعرف أولا في أي طريق اتجه سلوك (فوينتسكي) لكي يثبت ذاته على وفق الكيفيات الاستعدادية، وما قدمه في هذا المجال حتى يشكل لنا المؤلف كقراء ومتلقين للشخصية الدرامية في نصه، فأولاُ قام بالبحث عن وجودية (المجتمع / المكان)، فالبحث في (الأين) للحصول على نسبة الشيئية الى (المكان / المجتمع).الذي يعطيه أهميه خاصة عند الآخرين، فوجد أن أفضل (مكان) يمس حياة الآخرين ومصالحهم الذاتية، هو(الأرض الزراعية) وما ترمز اليه في الوجود الذهني من أنها من حقه الذي سلب منه، من خلال إعطائها إلى شقيقته (أي شقيقه فوينتسكي)، فهذه الأرض وخيراتها هي التي جعلت العائلة - (مجتمعه الخاص) - تعيش بأمان على المستوى الاقتصادي، ولولا(فوينتسكي) واهتمامه بها لضاع كل شئ إذ يقول: (هذه الأرض حفظت بفضل وجهدي ) فهذا المكان الأول . أما المكان الثاني الذي سيشتغل على الكيفيات الأستعدادية فيه على وفق ثنائية (الأنفعال / اللين)، فاللين حاول ان تكون هي من أولويات تكوينه الأنطولوجي في بداية حياته، حتى مع ظهور زوج الأخت، الذي سعى الى تأكيد ماهيته في ذهن المتلقي من خلال التكوين الانطولوجي الجديد، الذي يعطيه استمرارية في الحياة وتعويض ما فاته، ظهور البروفسور (سير بيرياكوف) في حياة العائلة وزواجه من (شقيقة فوينتسكي) فقد وجدت أمه (ماري فاسيلفنا) ضالتها في توجه البروفسور العلمي، الذي يتلاءم مع أفكارها وتطلعاتها السابقة. فعمل (فوينتسكي) على مشاركة أمه في تعظيم البروفسور وأفكاره، وذلك ليس لإيمانه بأفكار البروفسور وتوجهاته بل للفت انتباه أمه أكثر، بانه من المهتمين بالأفكار التي يطرحها (البروفسور)، أي مشاركة أمه بأفكارها بصورة غير مباشرة لتشكيل صورة ذهنية معها في لكونه مهتماً بالبناء المعرفي الذي تطمح اليه من خلال البروفسور، وهنا تتضح الأدوار التي سعى إلى تجسيدها (فوينتسكي)، فهو من جهة يعمل في الأرض ويوفر المال للعائلة وللبروفسور أيضا، ومن دون هذا الجهد الذي يقدمه (فوينتسكي) في العمل لا يستطيع (البروفسور) مواصلة أبحاثه، إذ يقول مخاطباً (البروفسور):

فوينتسكي: لي خمس وعشرون سنة، أعمل في هذه الأرض

وأرسل إليك النقود...

ومن جهة ثانية يظهر لنا (فوينتسكي) بمظهر المثقف المؤمن بأفكار (البروفسور) وتوجهات أمه، التي أصبحت من مميزات العصر في أواخر القرن التاسع عشر، والتي تتصف بالسطحية ومناقضتها للواقع المعاش .

إنَّ (فوينتسكي) الذي آمن بتلك التوجهات أراد إنَّ يشعر بأهميته عند أمه بعد أن فقد أهميته عندها وهو صغير، وقد تأكدت هذه الأهمية من خلال اعتقادها بحسن توجهاته وآرائه وطاعته لها، ولكن حينما حاول التخلي عن ذلك واجهته بقولها

ماري فاسيلفنا:.. مالك يا فانيا تغيرت في السنة الأخيرة حتى أني ما عدت أعرفك. كنت إنسانا نيراً لك قناعات وأراء.

فهي كانت راضية عنه، وكان يحظى بقليل من الأهتمام لديها وذلك ليس لأنه ولدها فحسب، بل لأن له قناعات وأراء مطابقة لآرائها وأفكارها، هذه الأفكار ذات الطابع الماهوي الذي بنته على الأسس غير الواقعية بتكوينها الأنطولوجي بقدر اعتقاداتها بوجودات ذهنية لم تشكل البناء ظاهرة البناء السلوكي والنفسي استناداً لطبيعة الحقائق المعلنة، لكنها أرادت أن تشكل الصور الذهنية وأبعادها الماهوية قياساً بأفكارها، وهي أيضاً كانت تعاني في جانبها النفسي والبحث عن الذي يجعلها تعتقد بوجودها وكيانها وعالمها الخاص الذي بنته على هذه الافكار، لذلك فأن (الوجود الذهني) لديها قائم على أساس مجموع المفاهيم الذهنية الحاكية عن تصوراتها، والتي هي تعود الى أن كل مفهوم حاك عن مصداقه، وإن كان مفهوماً عدمياً، وأن لم يكن له مصداق في الواقع الخارجي، لذلك كان الوجود الذهني لديها والتكوين الأنطولوجي التي بنتها على هذا الوجود كان مرتبطاً بخيالاتها التي تجعل من المهتم بالثقافة والتعلم إنساناً له أهميته في الحياة، على الرغم من إنها لم تواكب حياة زوج أبنتها في موسكو، ولكنها كانت تروج له ولأفكاره، التي آمنت بها، وجعلت لها وجوداً ذهنياً مسيطراً في حياتها وتعاملاتها مع الآخرين ومن ضمنهم ولدها.

وبعد ذلك تغيرت العملية من اللين الى الانفعال بحق ما كان يتخذه من خطوات غيّر من خلالها التكوين الأنطولوجي لسيرة حياته . إنَّ (فوينتسكي) الذي يعترف علانية بخطأ تلك الأفكار والصور الذهنية في وجودها، الذي لا يرتبط بالواقع المعاش، والذي جعله مبرراً للتعويض، ومن ثم عدم صلاحية ماهوياتها في البناء الفكري لدى أُمه، كما في الحوار الآتي الذي يؤكد هذه الحقيقة، والذي من خلاله حاول أن يبعدها عن ذهنه، إذ يقول:-

فوينتسكي: أجل، نعم كنت إنسانا نيراً، لكن (نوري )لم يضئ ظلمة أمام إنسان كنت إنسانا نيراً . أرجوك بدون هذا الكلام المعسول الذي دس فيه السم، بلغت السابعة والأربعين من العمر وحتى العام الماضي كنت مثلك الآن . أضع الغشاوات على عيني عن قصد أضع غشاوات مذهبك الكلامي حتى لا أرى الحياة على حقيقتها.

هي تلك حقيقة (فوينتسكي) الذي كان يؤدي أدواراً لم يرغب فيها، لكنه قبلها في ضوء إثبات ذاته في المحيط الاجتماعي العائلي، ومن أجل أن يتغلب ولو بشكل مؤقت على شعوره بالنقص، الذي أصبح يطارده في كل لحظة من لحظات حياته، ويتمظهر هذا الأنفعال، ويصل الى قمته حينما أراد ان يقتل زوج أخته، لكنه يعود الى المربع الأول ويرجع الى مزرعته.

الميادين الثلاثة، وأبعادها الانطولوجية وتكوين الوجودات الذهنية للشخصية.

ينظر(علم النفس الفردي) الى أنَّ هناك ثلاثة ميادين يلزم أن يتكيف الفرد بالنسبة لها تكيفاً ناجحاً حتى يوفق في حياته هي المجتمع، والعمل، والحب، لذلك يكون التركيز على الميادين الثلاثة في المجتمع عند الطفل وتربيته في العائلة بين الإخوان والأخوات، وطريقة معاملته من قبل الأم والأب وأخوته، وتعامله مع أطفال الحي وفي المدرسة .... الخ .

فالميدان الأول وهو (المجتمع/المكان) الذي لم يستطع (فوينتسكي) التكيف معه – وكما بينا ذلك سابقاً في (خطة الحياة) – إذ ولّد لديه شعورٌ بالنقص، فكان لابدَّ من أن يبحث عن ميدان آخر ليحقق التكيف فيه، وهذا الميدان، هو ميدان العمل، الذي يرى فيه ( أدلر) ضرورة أن يعمل الفرد في الميدان الذي يتفق مع ميوله وقدراته، والذي لا يشعر بنقص فيه، إذ من المهم أن يشعر الفرد بالنجاح في عمله ، وميدان (العمل) – وهو الميدان الثاني، الذي قضى فيه (فوينتسكي) خمساً وعشرين سنة من العمر، فهل استطاع (فوينتسكي) أن يتكيف مع هذا الميدان ؟ أم لا ؟ .

إنَّ العمل الذي اتخذه (فوينتسكي) ميدان للتعويض هو زراعة الأرض، وان هذا المجال لم يكن موفقا فيه، لأنه لم يتفق مع إمكانياته العقلية والجسدية وتكويناتها الأنطولوجية، وكذلك وجودها الذهني والإمكانيات الماهوية المتشكلة من هذا الجانب، ولكن ما نوع العمل الذي يتفق مع طبيعة توجه (فوينتسكي) كإنسان له أفكاره وتطلعاته وإمكانياته في الحياة مثل الآخرين، لذلك نراه يكشف لنا عن نوع العمل الذي يفضله، قائلاً:

فوينتسكي: ضاعت حياتي أني عبقري، ذكي لو عشت حياة طبيعية من يدري لربما أصبحت كـ(شوبنهاور) و(دستوفسكي).

إذن، فهو ذو طاقة وتوجه فكري، والعمل الذي يتفق معه عمل عقلي أكثر منه جسدي شاق (فشوبنهاور فيلسوف، ودستوفسكي روائي عظيم)، وهو أراد أن يصبح كأحدهم فهو يمتلك نشاطاً عقلياً يستطيع توظيفه في هذا المجال .

أما الميدان الثالث(الحب/الأنفعال)، وهنا نسأل مرة أخرى، هل أن (فوينتسكي) توفق في هذا الميدان ؟، فبعد وفاة شقيقته زوجة( البروفسور) تزوج (البروفسور) (أيلين اندريفنا) التي كانت في السابق صديقة زوجة البروفسور المتوفاة، فأيلين اندريفنا هي الإنسانة الوحيدة التي أحبها (فوينتسكي)، ولكن حبه جاء متأخراً فهي متزوجة الآن، وهنا يكشف لنا (فوينتسكي)عن حقيقة توضح نوع هذا الحب، ولماذا سعى إليه (فوينتسكي) الآن بالذات ؟، وهذه الحقيقة يكشفها قائلاً:

فوينتسكي: أول مرة لقيتها منذ عشر سنين، عند المرحومة أختي كانت في السابعة عشرة وكنت في السابعة والثلاثين لماذا حين ذاك لم أقع أسير حبها ولم أخطبها من أهلها ؟..

نتسأل أيضا، لماذا الآن وقع (فوينتسكي) في حبها؟ فهل كان يحبها لذاتها؟ أم إن هذا الحب كان يخفي وراؤه غاية أخرى، وهي حقده على زوجها( البروفسور) الذي دمر مع الآخرين حياته؟. فإذا كان يحبها فعلاً فلماذا لم يخطبها في ذلك الوقت وهي كانت أمامه وفي متناول يديه ؟ فهل كان فارق العمر سبباً؟ ولكنها الآن زوجة رجل يكبرها ويكبره في السن وهو( البروفسور)، إذاً فالهدف من حبه (لأيلين) هو محاولة تعويض ما دُمر من حياته، والبروفسيور يعد جزءاً من هذا الدمار، وهنا يحاول أن يحرضها ضد زوجها عسى أن تتركه ويظفر هو بها، فالحب لديه هو إقحام في تكوينه الأنطولوجي وليس شيئاً طبيعياً، وهنا يرتبط الحب دائماً بالانفعال الداخلي الذي يشكل تأثيراً عليه، ويكّون لديه حقلة يظهر فيها بتأثير المتأثر، وهذا التأثير يأتي ما دام الدوافع الداخلية تدفعه لتحقيق ذاته وكيانه، فهو تحت سلطة التأثير الداخلي الذي ما دام يتأثر به، وفي الحوارات الآتية يتضح دور المؤثر الداخلي في التكوين الأنطولوجي لهذه الشخصية .

فوينتسكي:لو تعلمين كم هي عظيمة آلامي حين أفكر إن قربي حياة تذوي، وشبابا تذبل زهوره ووروده، حياتك وشبابك؟ ماذا تنتظرين ؟ أي فلسفة لعينة تقف في طريقك ؟ عليك أن تفهمي؟ عليك أن تفهمي؟.

وبهذه الكلمات المحملة بالحقد ضد (البروفسور)، يحاول (فوينتسكي) إغراءها بحبه، وهذا الحقد نراه يتكرر في حوارات أخرى لـ(فوينتسكي) فهو مرة يقول:

فوينتسكي: لو رأيت وجهه وحركاته، لكرهت الحياة ومللتها.

ومرة ثانية ينعته بـ(الحشرة الحقيرة)، قائلاً:

فوينتسكي: كيف خدعني هذا (البروفسور) أضلني فعبدته يا الهي كيف عبدت هذه الحشرة الحقيرة.

لقد تغير موقف (فوينتسكي) من البروفسور – الذي كان يعد أفكاره وآراءه عظيمة وتستحق التعظيم من قبل الآخرين سابقاً- وذلك لسبب مهم جداً، وهو عودة (البروفسور) إلى المزرعة والبيت، فبعودته وِضع (فوينتسكي) أمام انهيار احد أهم مقومات التعويض لديه وزعزعة الصور الوجود الذهني لديه وماهوياتها التي اعتنقا من أجل التعويض، وهو تجريده من الدور المهم في تكوينه الأنطولوجي الذي كان يؤديه أمام الآخرين. إنَّه الفرد الذي يعمل في الأرض من أجل( البروفسور) وأفكار (البروفسور)، ولكن بعودته سقط هذا الدور عن (فوينتسكي)، وأصبح مرة أخرى شخصاً ثانوياً، إذ يكشف لنا (فوينتسكي) ذلك قائلاً

فوينتسكي: غفوت طويلا (يتثآب). منذ مجيء (البروفسور) وزوجته تعكر صفو الحياة . ما عدت أنام في موعد النوم، اشرب الخمر، حياة وسبل ملتوية، من قبل لم يكن لدي وقت فراغ كنت اعمل و(سونيا)، ألان (سونيا) وحدها وأنا أنام واكل واشرب. ما أسخفها حياة.

مرة أخرى يحاول (فوينتسكي) التهرب من هذه الحقيقة عن طريق شرب الخمر والنوم في غير موعده، أي صور ذهنية يريد أن يبعدها من التصورات الماهوية التي جعلها مباني حقيقة في حياته، وهذه كلها أمور تدلل على اضطراب شخصية(فوينتسكي) بقدوم (البروفسور) وزوجته التي لم يكن يحبها لذاتها، وإنما أراد الانتقام بها من (البروفسور)، وكذلك فهو يعلم جيداً إنها لا تستحق الحب بسبب عدم أمانتها لزوجها وذلك على خلفية علاقتها بالدكتور (استروف)، ولكنه أراد أن يستغل هذا الجانب للانتقام من سعادة يظنّها قامت على عذابه وتضحيته من أجل (البروفسور) وأفكاره، فهو يصف لنا(آيلين) قائلاً:

فوينتسكي: أمانة كذابة، ووفاء كذاب، منذ البداية وحتى النهاية وفاء مبالغ فيه، بلا منطق فتاة تخون زوجها عجوزاً . زوجاً لا تطاق الحياة معه .

وهناك توضيح حقيقة أخرى، وهي تشكيل الصورة الأنطولوجية للمرأة بصورة عامة ورأيه فيها، فهو يرى في أمانتها كذبة يؤسس من خلالها البناء الوجود الذهني لديه، ويرى فيها سطحية لا تنم عن موقف عميق ولاسيما في التزامها نحو بيتها وعائلتها، وهذا الموقف أتى نتيجة معاملته الأولى من قبل أمه، التي رأى في تلك المعاملة الابتعاد عن الحقيقة الواقعية لدور الأم والمرآة، وجريها وراء أهداف غير منطقية وصعبة كان يحياها (فوينتسكي) والمجتمع الذي يعيش فيه، وهو تكوين ماهوي متأتي من بعد أنطولوجي متشكل في انعكاس صورتها في ذهنه، أي الصورة الوجودية لها وسعيها وراء المتطلبات التي يمكن أن تحققها في هذا المجال، وهذا يقربه للقارئ تكرار الموقف مرة أخرى مع (آيلين)، إذ يرى فيها أمانة كاذبة وخيانة زوجية، ومن ثم جريها وراء أهداف غير صحيحة تحاول تحقيقها، فهي كانت تسعى لإرضاء ذاتها مع رجل أخر غير زوجها العجوز، الذي لا ترى فيه إرضاء لذاتها، و(فوينتسكي) يعرف هذه الحقيقة جيداً لكنه سعى لحبها ذلك الحب الناقص الذي كان هدفه الانتقام وليس الحياة الزوجية السليمة المبينة على أسس سليمة .

الأهداف الوهمية ورسم ماهويات بعيدة عن الواقع.

الهدف الوهمي الذي يعطي ماهويات بعيدة عن الوجودات الفعلية، هو الهدف البعيد عن الواقع كما قد يكون بعيد المنال بالنسبة للذات الخلاقة التي تهدف للسيطرة، فهو يختلف عن الهدف الحقيقي، الذي يشكل ماهويات متناغمة من الواقع، ويتطابق ومتطلبات الذات الحقيقية التي تساعد تلك المتطلبات في تحقيق السيطرة، والتفوق في ميادين الحياة كافة .

لقد سعى(فوينتسكي) بعد شعوره بالنقص إلى تحقيق ذاته بأية وسيلة كانت، إذ إنَّ الشعور بالنقص لديه دفعه للتوجه نحو أهداف لم تكن حقيقية ولم تحقق له التفوق وتحقق الذات، بل كانت أهداف وهمية، رسمها في خياله ظناً منه بأنها سوف تحقق له الأغراض المرجوة في التغلب على شعوره بالنقص، فتكونت لديه ثلاثة أهداف متتالية، إي لم تتكون في وقت واحد، وهي:

- الهدف الأول: إذ سعى (فوينتسكي) لتحقيقه وبذل جهداً كبيراً من أجله، وهو العمل في الأرض الزراعية التي تعود ملكيتها لشقيقته وابنتها( سونيا)، فكان يظن أن العمل في هذه الأرض سوف يجذب انتباه الآخرين، واهتمامهم وبالأخص أمه، ولكن هذا العمل لم يكن هدفاً حقيقياً يتناسب مع قدراته فقد ضيع سنوات طويلة فيه، بعد مضي خمس وعشرين سنة في العمل يكتشف ضياع حياته فيها، لأنه لم يحقق شيئاً . فكان العمل في الأرض سوى أكذوبة استيقظ عليها (فوينتسكي)، ووجدها وهماً، وصورة ذهنية مخادعة وذات ماهويات خارجة عن حدود الساق الفعلي للحياة التي حاول الابتعاد عنها، إذ لم يحقق من وراءها الهدف الذي رسمه من اجل تحقيق ذاته في وسط اجتماعي تجاهل ابسط حقوقه الإنسانية.

 

- الهدف الثاني: إذ سعى (فوينتسكي) لتحقيقه فكان تبنيه لأفكار وأراء (البروفسور)، التي كانت تلقى اهتمام بالغ من قبل أمه وأفراد عائلته، والكثير من أبناء مجتمعه، فسعى (فوينتسكي) من وراء ذلك إلى الظهور بمظهر المثقف ذي الرأي الصائب الذي إذا تكلم يحظى باستماع الآخرين له، ومن ضمنهم أمه التي كان يحظى لديها في مضى بنوع من الاهتمام في هذا الجانب بوصفه إنسانا نيراً له أراء وقناعات تتطابق مع أراء (البروفسور) صاحب القيم التحررية، التي تهدف إليها، لكن (فوينتسكي) أراد من خلال هذا التوجه أن يحقق ذاته في مجتمع يتشدق بأفكار وأراء زائفة كان يعلمها ويعرف زيفها. وعلى الرغم من ذلك أراد أن يتماشى معها، لكنه فشل في ذلك، لأنها لم تحقق له ذاته، وهنا يحاول (فوينتسكي) فضح زيف تلك الأفكار، وذلك حينما يخاطب أمه ليبين لها رفضه لتلك الأفكار، رافعاً عن عينيه الغشاوات لتحطيم الماهويات الزائفة، التي كان يضعها عن قصد فيما مضى، ويزيد من لغة الرفض لديه من تلك الأفكار إلى درجة يصل بها إلى السخرية المليئة بالمرارة والحسرة يوجهها ضد(البروفسور) قائلا:

فوينتسكي: كل ما في الأمر، هذا الأستاذ منذ خمسة وعشرين عاماً يقرأ عن الفن ويكتب، ولا يفقه من أمور الفن شيئاً، خمسة وعشرون عاماً يلوك أفكار غريبة عن الواقعيين والطبيعيين، والسخافات . خمسة وعشرون عاما يكتب أموراً معروفة للأذكياء غير مهمة للأغبياء بكلمة مختصرة ربع قرن يثرثر.

ولكن (فوينتسكي) كان يضع على عينيه قناعاً، كي يتقبل تلك الثرثرة التي أعتقد بأن اعتناقها سوف يحقق له ذاته، ولكن أنعكست عليه فهو يثور ويثور على الأفكار والآراء، لأنها أفكار وماهويات وهمية، وبعيدة كل البعد عن ذاته ولا تتفق مع متطلبات تحقيق الذات لديه، ومن ثم كانت هدفاً وهمياً تعلق به (فوينتسكي)، وبعودة (البروفسور) بطلت صحة هذا الهدف فأصبح (فوينتسكي) أمام الحقيقة المرة التي أسقطت القناع عن عينيه، وأصبح أمام شعوره بالنقص مرة ثانية بعد أن حاول جاهداً التغلب عليه.

- الهدف الثالث: تمثل بحبه (لآيلين اندريفنا)، فبعد أن تيقن أن الهدفين السابقين أصبحا وهماً ولم يتحقق منهما ما كان يتمناه، فتبنى له هدفاً ثالثاً سعى من وراءه للتعويض والتغلب على شعوره المستمر بالنقص، الذي كان يلاحقه في كل زمان ومكان، وفي هذا سياق الهدف الثالث فقد كانت (آيلين اندريفنا) قبل زواجها من (البروفسور) في متناول يديه ولم يبادر إلى الارتباط بها، وذلك بسبب انشغاله بالهدفين السابقين، وبعد فشله في تحقيقيهما توقع تحقيق الهدف الثالث ولعدة أسباب:-

- فارق العمر بين (آيلين) و(البروفسور)، الذي كان يعاني من المرض بسبب كبر سنه .

-  بحث( آيلين) عن شخص يعوضها عن بروفسورها العجوز التي ضيعت شبابها معه، وقد بدى ذلك الأمر من خلال تصرفاتها وسلوكها اتجاه الآخرين.

- أمانتها الكاذبة وخيانتها لزوجها، وتذمرها من تلك الحياة الزوجية غير المتكافئة .

- دافع الانتقام الذي كان (فوينتسكي) يحمله ضد ( البروفسور)، وكما ذكرنا سلفا.

-  إحساس (فوينتسكي) بانه انسب إنسان يمكن أن تعوض به ( آيلين)عن (البروفسور) .

إذ سعى جاهداً لتحقيق هذا الهدف واضعاً نصب عينيه تلك الأسباب، ولكن سرعان ما يفشل في تحقيقه، لأنه لم يكن هدفاً حقيقياً، وإنما كان وهمياً تشكلت ماهوياته نتيجة لما كونه من صور ذهنية بعيدة عن وجوديات الواقع من حوله وصورته له الظروف بانه سهل التحقيق، وجاءت النتائج على عكس ما يريد. فـ(آيلين) كانت ميولها نحو (استروف) أكثر من ميلها إلى(فوينتسكي)، الذي رآها بعينيه وهي تبادل (استروف) العاطفة، إذ كانت تتودد إلى(استروف) كما في الحوار التالي:

آيلين: انك إنسان طيب وجذاب لن نلتقي بعد اليوم، لما الكتمان؟ جذبتني قليلاً. والآن نسلم بعضنا على البعض.

إنَّ مشاعر (فوينتسكي) تجاه (آيلين) كانت مشاعر وهميه محملة بغايات أخرى غير الحب لها فدفعته تلك المشاعر الوهمية نحوها محاولا مشاركتها الحب، فهذه المشاعر لم تكن نابعة من أعماق قلبه، ولم تكن مبنيه على ما نعكس في الواقع من دوافع عاطفيه تجاه الانسان التي قرر ان يبني معها حياته المستقبلية، هذه الحياة التي كانت مبنيه على أهداف بعيده عن التكوين الماهوي السليم على وفق ما هو موجود في بيئته التي حاول ان يتنكر لها في اغلب مسارات حياته، وأن عقدة التقص التي تشكلت وكونت ماهويات حياته في صور ذهنية تخيلها، ولكونها أمامه، وهي بعيده عما يحيط به من تعاملات من قبل الابوين، وعن هذه المشاعر التي بنيت خارج سياقها السليم يقول عنها:

فوينتسكي: الأفكار السوداء تتبعني ساعات الليل والنهار، الأفكار الثقيلة لا تفارقني ابدآ الأسف العميق على السنوات الضائعة، والأيام التي مضت كلها سخافات وتفاهات والحاضر مخيفة ترهاته. هذه حياتي، وحبي أين اذهب بهذا الحب، وما تراني فاعل بهذه الحياة السخيفة).

إذن، فمشاعر (فوينتسكي) محملة بالأفكار السوداء والانتقام للسنوات الضائعة، وعلى هذه النتيجة المؤلمة ينتهي هدف (فوينتسكي) الثالث ويصبح في عالم الأوهام التي اعتاد أن يراها حقيقة، ولكن الواقع وصدماته كان له دوما بالمرصاد فيوقظه على حقائق مرة اعتاد على تجاهلها في السابق، والآن لابد أن يواجهها بعد انهيار كل أهدافه الوهمية.

أنواع التعويض في الماهويات الوهمية، وصلته بمرض العصاب في شخصية (فوينتسكي) الدرامية:

يرى( أدلر): أن التعويض عملية قائمة على الشعور بالنقص وتسعى إلى التفوق، ويرى التعويض على أنواع، منها تعويض ايجابي يستطيع الفرد فيه تحقيق ذاته، ويتغلب على نقصه. وتعويض مبالغ فيه، إذ يقدم الفرد جهداً أكثر من الحد المألوف وهو من النوع الايجابي أيضاً . وهناك تعويض فاشل، أي تعويض يخرج فيه الفرد عن الحدود المألوفة والمقبولة في المجتمع، كارتكاب الجرائم وما شابه ذلك . ويوجد أيضا تعويض فاشل من نوع آخر، يدفع بالفرد إلى مرض عصبي يتخلص فيه من عملية الكفاح والتحجج بهذا المرض، وذلك للهروب من الواجبات الملقاة على عاتقه في الحياة، ومن الإمراض المهمة في هذا المجال هو مرض (العصاب)، وهو اضطراب في الجانب الوجداني الذي يرجعه (أدلر) إلى عقدة الشعور بالنقص وهو يقول: إنَّ مشكلة كل عصاب هي، بالنسبة للمريض، صعوبة الاحتفاظ بنمط من التصرف والتفكير والفهم ينكر مطالب الواقع ويتحول بها عن موقعها الأصلي، فيكون التعويض هنا تعويضاً وهمياً لأنه بعيد عن الهدف الأصلي وعن مطالب الواقع الفعلية.

إن نوع التعويض عند (فوينتسكي)، هو تعويض فاشل بسبب الأهداف الوهمية التي سعى إلى تحقيقها في الميادين الثلاثة (المجتمع والعمل والحب) وهذه الميادين الثلاثة هي من تشكل التكوين الأنطولوجي الذي نستطيع قراءة حياته على وفق هذا المجال المعرفي ونربطها بنظرية مركب النقص عند (أدلر)، وهذا الفشل في التكوينات الماهوية سرعان ما تحول في التعويض إلى مرض عصاب ناتج عن صعوبة الاحتفاظ بخط من التصرف والتفكير والفهم، إذ بدى ذلك واضحاُ على(فوينتسكي) في تصرفاته غير المتزنة، ولاسيما حينما جاءته الضربة الأخيرة التي أفقدته صوابه ورشده، وكشفت له أخيرا وبشكل لا يقبل اللبس بان جهده وسعيه لتحقيق ذاته كان وهماً كبيراً، فـ(البروفسور) يحاول تجريده حتى من المكان الذي يعيش فيه، إذ يقول (البروفسور) لـ(فوينتسكي) من خلال الاقتراح الذي يقدمه (البروفسور) لبيع الارض، التي هي من أهم أدوات التعويض لديه، هذا الاقتراح الذي يفقد (فوينتسكي) على أثره أعصابه، ويصبح الاضطراب واضحا على سلوكه ويحاول قتل (البروفسور)، وهنا يخاطب (فوينتسكي) (أيلين) من اجل ان تتركه لقتل (البروفسور)

فوينتسكي: دعيني يا(أيلين)اتركيني اتركيني! (يفلت من بين يديها، يبحث هنا، وهناك عن سيربيرياكوف). أين هو؟ . أنت هنا(يطلق عليه الرصاص). (صوت الطلقة).(فترة صمت).ألم أصبه ؟ هذا المرة أيضا أخطأته (غاضبا)جهنم عليه.

وتستمر نوبات الاضطراب في السلوك عند (فوينتسكي) فيقول:

فوينتسكي: حاولت ارتكاب جريمة قتل ولم يوقفوني. لم يحاكموني .إذا يحسبونني مجنونا . (يضحك ضحكة هستيرية). أنا مجنون، مجنون.

إن ذلك الجنون الذي وصل إليه (فوينتسكي) لكي يتخلص فيه من عملية الكفاح من اجل التعويض والتحجج بهذا المرض الذي يعفيه من تأنيب الناس له، وكذلك من تأنيب نفسه ويتوج هذا الاضطراب بمحاولة الانتحار الذي لم يستطع تنفيذه أيضاً، فكان لابد من إيجاد مخرج وهو العودة إلى الهدف الأول الوهمي، وهو العمل في الأرض، ولعله يستطع تحقيق ذاته، لكن هذه المرة ليس القرار قراره وحده بل توصل إليه من خلال الاتفاق مع (البروفسور)، فيصبح قرار التعويض مبرراً لديه، وهو الحفاظ على الأملاك من جهة وإرسال النقود إلى (البروفسور) من جهة أخرى، متغاضياً عن ما سببه له من ضياع وألم وتشتت فيقول للبروفسور، فوينتسكي: ستستلم مني كما في الماضي. وهكذا يعود (فوينتسكي) مرة أخرى من حيث بدء كحل نهائي يحاول الهروب فيه من شعوره بالنقص .

التكوين الماهوي، وعقدة الشعور بالنقص، وتمظهرها في تكوينه الأنطولوجي:

يرى (أدلر) أن عقدة الشعور بالنقص تأتي على نوعين إما بنقص عضوي أي من خلال فقد شخص لأحد أعضائه الجسدية أو عقدة الشعور بالنقص نفسية أو روحية تقوم على الوعي الاجتماعي للفرد. إن عقدة النقص عند (فوينتسكي) هي عقدة نفسية قامت على وعي تام منه، أوجدتها الظروف الاجتماعية المحيطة به، كبناء أنطولوجي لهذه الشخصية التي رفضت الحياة كما هي، أي أن هذه الشخصية لم تتعامل بشكل إيجابي مع الظروف المحيط بها، فكانت هذه الظروف الاجتماعية التي انعكست في البناء الماهوي لشخصية (فوينتسكي)، والتي شكلت لديه عامل ضغط سعى وبكل جهده للتعويض والتخلص من هذه العقدة التي تنامت بشكل تصاعدي معه، فكانت مسيطرة عليه وتسوقه من فشل لآخر من دون الوصول إلى أي تعويض ايجابي، مما اضطره إلى الوصول إلى مرحلة اليأس، وهي المرحلة التي يصعب الخلاص فيها من تلك العقد النفسية، التي أوصلته في النهاية إلى مرض العصاب والتظاهر بالجنون ومحاولة الانتحار، وأخيراً أضطر إلى معايشتها، وذلك بقبوله العمل في الأرض، أي الرضوخ إلى الأمر الواقع الذي تعلنه لنا (سونيا) في نهاية المسرحية، وهي تخاطب (فوينتسكي) قائلة:

سونيا: ما العمل، يجب أن نحيا سنحيا يا خالي (فانيا) سنحيا حياة طويلة الأيــام وسنتحمل صابرين التجارب التي يصيبنا بها القدر . سنعمل لأجل الآخرين، من الآن حتى زمن الشيخوخة، ولن نعرف طعم الراحة. وحيــــنما تحين ساعتنا وأجلنا سنموت . وهناك وراء القبر في عالم الله، نتحدث عن عذابنـا وبكائنا . نفتكر كيف قست الحياة علينا في هذا العالم....

إن التكوين الأنطولوجي وأبعاده الماهوية في البناء الدرامي لهذه الشخصية امتاز بالاضطراب والقلق الناتج عن شعوره بعقدة النقص، التي أدت إلى ولادة أهداف وهمية غير واقعية تبنتها شخصية (الخال فانيا) وزادت من تعميق شعوره بالنقص حينما لم تتحقق فعلياً تلك الأهداف من خلال مجريات المسرحية ن وأن مرجعيات الشعور بالنقص لم تكن وهمية – على عكس الأهداف الوهمية - بل قامت على مبررات أفرزتها الظروف التي عاشها (فوينتسكي) في طفولته وصباه، إذ عانى من التهميش والإهمال من أمه وأبيه، ورأى نفسه إنساناً من الدرجة الثانية، مما أضطره هذا الوضع إلى العمل من أجل التخلص من عقدته الناتجة عن تلك المعاملة، وكان للشخصيات الأخرى (البروفسور، أيلين اندريفنا، استروف) في النص دورٌ كبيرٌ في تعميق شعوره بالنقص، وذلك من خلال إسقاطهم للأقنعة التي إرتداها (فوينتسكي) لإخفاء شخصيته، التي تعاني من عقدة النقص وللأسباب المذكورة سابقاً .

إن هذه الشخصية على وفق التكوين الأنطولوجي، وعلاقته في التحليل النفسي الفردي، شخصية ثريه في جانبها الاشتغالي ومدلولاتها الماهوية، التي أعطت النص صوراً ذهنية غنية بالأفعال، إذ ساعدت في إيجاد عمق فني لمعنى الحياة الذهنية لهذه الشخصية الدرامية وتمظهرها في تكوين أنطولوجي مشوق وممتع ومتعدد الظهورات، والذي توضح من خلال تعدد الأدوار والأقنعة التي ظهرت بها الشخصية على مستوى الحدث الدرامي في المسرحية .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

علي محمد اليوسفالادراك واللغة

(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا).. مقولة سفسطائية

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية ب(الادراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي تصوري وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تصورية تمثلية ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه الطبيعي، الادراك الانطولوجي لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..الادراك الحسي أو الادراك الخيالي هو لغة تصورية تمثل تفكير العقل بموضوع، وكذا الوعي هو تمثل ادراكي لغوي في تعبيره عن تفكير العقل.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا.. حتى تموضع اللغة بالاشياء المادية هي تعبيرات تصورية حسية مجردة في التعبير عن تلك الاشياء صادرة عن العقل في معرفتها الاشياء كموجودات انطولوجية.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الاعتيادية.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الافصاح عنها. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل.

التفكير الحسّي الملازم لادراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصوريا فلا معنى يبقى للادراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية التجريدية، لانعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل الادراكية.

ولا معنى يستطيع الوعي ادراكه الاشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الادراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فاذا كانت فكرة الادراك عن شيء هي تعبير لغوي مجردا فكيف يكون الادراك بلا لغة تلازمه يمكننا الاستغناء عنها في أدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والادراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الادراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (الاحاسيس) والخارجي (الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الادراك بتعريف كواين له هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا.. لكنه غير المنفصل عن الادراك به بوسيلة تعبير اللغة عليه يكون الادراك لغة التعبير عن الشيء.. استقلالية الادراك في وجود الشيء المستقل هو ادراك لغوي له عن طريق الحس.، وانطولوجيا الاشياء كموجودات في العالم الخارجي لا يمكن أدراكها حسيا عقليا بغير لغة تعبير تجريدي عنها. .

أننا لا نستطيع أغفال حقيقة أن الاحساس بشيء ليس لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة أدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه ادراك العقل له، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات ادراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الادراك، ويشمل هذا حتى الادراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت المفهوم في تعبير اللغة عنه.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال ادراكيا عقليا. وفصل الادراك عن اللغة محال معرفيا. الادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للاشياء هو محال ايضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.

وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تصبح كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير أدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن أدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس)... ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي ادراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الادراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة ادراك صمت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية أمكانية فصل اللغة عن الادراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه، اذا ما علمنا أن الادراك أستبطانيا داخليا أو ادراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد أدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الادراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض الادراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقيق ادراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. ادراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق ادراكات للاشياء ذات معنى.

وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن ادراك الاشياء خارجيا هو ادراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الادراك ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية الاستغناء عن اللغة في ادراك موجودات الانطولوجيا الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها. جوهر العقل الاسمى ماهيته التفكير حسب ديكارت. وكل تفكير عقلي صامت داخليا أو معبرا عنه خارجيا هو لغة مجردة.

اللغة والفكر

رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده  كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."1

امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية:

- لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة الفكر باللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

- أن الفكر هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الادراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم ادراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن أدراكها عندما لا تكون دلالة ادراكية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. الادراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن لغته كون الادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو أدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي ادراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الادراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

ما هو الفكر بيولوجيا؟

يقسم بعض الفلاسفة الفكر بأعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه.2 من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبير اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا"3

للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة ادراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره ادراكا صامتا، فيكون معنا تفكير الادراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين الادراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الادراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير الادراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الادراك هو تفكير عقلي معبّرا عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لادراك العقل.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتباره الادراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الادراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للادراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة أدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا اللغة انهما تجريدان غير ماديان ولا حسيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعين انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بالعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون (كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

هل اللغة مادة؟

ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية"4

مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن أدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست منها مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد ادراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية أدراكنا الصوت مجردا عن دلالته المادية.

الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء.

التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله."4. تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الادراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.

أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لادراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها.

مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها دستوت تراسي من فظائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة أن يكون لها أربعة اضلاع.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

يذهب بعض الفلاسفة الى الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "5 في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية ادراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.

والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.

اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي أدراك العقل لهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري.

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والادراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في أدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ أدراك اللغة للمادة هو أدراك تجريدي وأدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية أدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة.

اللغة والآلة

الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصية لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" 6

- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟ 7

أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) أمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.

- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في أعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة" 1، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة /سليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت :د. بسام بركة ص 211

2. نفسه ص 305

3- نفسه ص306

4- نفسه ص 301

5- نفسه ص 306

6- نفسه ص 308

7- نفسه ص 309

 

محمود محمد عليحين صاغ أرسطو (384-322ق م) ما يعرف بقانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع Law of excluded Middle في كتابه "العبارة "، أكد على أن: " كل القضايا سواء كانت موجبة أو سالبة إما أن تكون صادقة أو كاذبة، وكل محمول إما ينتمي إلي موضوع أو لا ينتمي . فكل محمول لابد من أن يثبت لموضوع أو أن ينفي عنه، فتكون لدينا قضايا إما موجبة وإما سالبة، أو تكون إما صادقة وإما كاذبة " .

ونلاحظ مع بعض الباحثين، أن هذا القانون يقوم علي حصر كل ما في الكون في فئة أوفي نقيضها، الذي يصدق علي مالا تصدق عليه الفئة، بحيث لا يبقي أي شيء في الكون، لا يندرج تحت الفئة أو تحت نقيضها، فليس هناك أي وسط بين الفئة ونقيضها، وليس هناك أي احتمال آخر، يمكن أن يكونه الشئ، فيندرج تحت ثالث ليس هو الفئة، وليس هو نقيضها، أو أن يتصف بصفة ثالثة، ليست هي الصفة أو نقيضها . فهو يقرر مثلاً، أنه ليس هناك ثالث ممكن بين الوجود والعدم، فالشيء إما موجود وإما غير موجود، أو بين الصدق والكذب، فالقضية إما صادقة وإما كاذبة .

وقد دافع الرواقيون عن قانون الثالث المرفوع، وذلك لارتباطه بمبدأ الحتمية Determinism التي كانوا من أنصارها في موقفهم الفلسفي القائم علي أن الكون محكوم بقانون القدر الصارم الذي لا يسمح بأي استثناء. إذ لابد وأن تكون اختيارات الإنسان في الحياة اختيارا لما هو ضروري . ولذلك نراهم يعلقون أهمية كبيرة علي قانون الثالث المرفوع في الصورة الاستدلالية: إما الأول أو ليس الأول، واستخدموه في البرهنة علي قانون النفي المزدوج أو تكافؤ القضية مع نفي نفيها، بالاستعانة باللامبرهنتين الرابعة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني ) والخامسة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن الأول). ففي المبرهنة " إما الأول وإما ليـس الأول، ولكـن الأول، إذن لي ليس الأول "، وصلوا إلي البرهنة علي إدخال النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الرابعة، أو بضرب النفي بالإثبات، وفي المبرهنة:" إما الأول وإما ليس الأول، ولكن ليس ليس الأول، إذن الأول " وصلوا إلي البرهنة علي حذف النفي المزوج بالاستعانة باللامبرهنة الخامسة أو بضرب الإثبات بالنفي وبذلك برهنوا علي قاعدتي النفي المزدوج .

أما في تراثنا العربى – الإسلامي، فقد تمسك المناطقة العرب بقانون الثالث المرفوع ، فنجدهم يأخذون به حين يعرفون القضية بأنها قول يمكن أن يقال لقائله، إما أن يكون صادقاً فيه أو كاذباً، وبعبارة ابسط هي جملة خبرية تحتمل الصدق أو الكذب . ولذلك أطلقوا علي القضية اسم " القول الجازم " ذلك لأن القول الجازم يقال لجميع ما هو صادق أو كاذب، أما الأقاويل الأخرى، فلا يقال لشيء منها أنه جازم، كما لا يقال أنه صادق أو كاذب .

وأما في العصور الوسطي المسيحية، فنجد القديس أبيلارد Abelard ( 1079 – 1142 )، يأخذ بقانون الثالث المرفوع، حيث يستند إليه في قاعدتيه، اللتين تكون ما يسمي الآن بجدول صدق عامل النفي، وأعنى القاعدتين "إذا كان الإثبات صادقاً، فإن النفي يكون كاذباً، وإذا كان النفي صادقاً، فإن الإثبات يكون كاذبا "، كما برهن أبيلارد علي تكافؤ القاعدتين المعروفتين تحت اسم "الإثبات بالإثبات " واسم "النفي بالنفي"، وعلي إمكانية اشتقاق كل منهما من الأخرى بواسطة الرد إلي المحال أو برهان الخلف الذي يستند إلي التسليم بقانون الثالث المرفوع، وبثنائية القيم، وبقانون عدم التناقض.

وإذا انتقلنا إلي العصور الحديثة، فنجد أن معظم المناطقة الرياضيين برغم أنهم عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية، ليكتسب مزيداً من الصورية برموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق، فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته، هو تلك الثنائية الراسخة أو بعبارة أخري هو التمييز بين ما هو صادق وكاذب.

ورغم ما أسهم به المناطقة الرياضيون من تأكيد وتطوير للمعايير المنطقية للصدق، إلا أنهم بتمسكهم بمبدأ الوسط المستبعد؛ حيث إن أي قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة ولا ثالث بينهما لم يتجاوزا المنطق ثنائي القيم، حيث أنهم يستخدمون فقط قيمتين لقضاياهم علي الرغم من أنهم يؤكدون علي أن بعض القضايا في الرياضيات، وفي مجالات أخري لا يمكن أن يقال عنها أنها صادقة أو كاذبة، حيث يرجعون ذلك إما لأنها غير ممكن البرهنة علي صدقها أو كذبها، أو لأنها تؤدى إلي تناقضات فى حالة إذا ما نسبنا إليها آياً من هاتين القيمتين .

وتعد نظرية " فيرما" مثالاً جيداً علي هذا النوع، حيث ذهب هذا الرياضى الفرنسي الشهير إلي أنه لا يمكن حل المعادلة التالية:

n n    n

X + Y = Z

في حالة ما إذا كانت n >2

وعلي الرغم من الجهود التي بذلها الكثيرون من الرياضيين العظماء، إلا أنه لم يستطيع أحدهم إثبات ما إذا كانت قضية فيرما صادقة أوكاذبة. وهذا يعني أنها تتجاوز نطاق مبدأ الوسط المستبعد.

ولقد أجبر هذا المناطقة علي إيجاد قيم أخري أيضاً لبعض القضايا غير الصدق والكذب . ولقد اتجه المناطقة إلي المفاهيم الموجهة مثل الممكن والمستحيل والمحتمل والضروري، حيث أن مثل هذه القيم يمكن أن تنسب للقضايا التي ليست صادقة  ولا كاذبة، كما تم التوسع أيضاً في فكرة الجهة نفسها عن طريق إضافة مفاهيم أخري مثل مفهوم " لا معني له "Senseless ومفهوم العبثAbsurd .

وقد جرت عادة الباحثين علي أن يسموا المنطق الذى يعول علي قانون الثالث المرفوع باسم "المنطق الثنائي "، نظراً لاعتماده من وجهه النظر المنطقية الرياضية علي نسق ثنائى القيم، مهما يكن المعني المنسوب لهاتين القيمتين . وبالمثل أيضاً، فإن المنطق الذى يسمح بوجود ثلاث قيم سوف يسمي بالمنطق ثلاثي القيم،Three-Valued Logic، بينما المنطق الذي يسمى بأربع قيم فيسمي بالمنطق رباعي القيمFour Valued Logic..الخ، ومثل هذا يقال أيضاً عن المنطق الذى يسلم بوجود عدد لا متناهي من القيم يسمي بالمنطق متعدد القيم Many-Valued logic .

ولقد خطا المنطق متعدد القيم أولي خطواته التصويرية علي يد" تشارلز بيرس "Perce C.S..(1839-1914)، حيث قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال فريجة Frege (1848 – 1925) و" راسل"Russell (1872 – 1970)،" ووايتهد" Whithead(1861-1947)، لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلاً في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهى نظرية حساب القضايا Calculus of Propositions ووضع بعض قوانينها . وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئاً من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها "دى مورجان " De Morgan (1806-1887). وفضلاً عن ذلك استخدام بيرس قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه القوائم إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة، هادفاً بذلك إلى تعميم المنطق ثنائي القيم بمجاله المحدود،ليصبح أكثر فعالية إزاء قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب. غير أن بيرس لم يعمد إلى استكمال هذا البناء المنطقي الجديد، ولم يكن يتوقع لهذا البناء أن يصبح فى يوم من الأيام حقيقة واقعة لها كل هذا الذيوع التكنولوجي .

أما البداية الأكثر وضوحاً للمنطق متعدد القيم، فقد تمت على يد العالم الرياضى والمنطقى البولونى "يان لوكاشِيفتشِ" Jan Luckasiewicz (1878-1956)،وذلك حين وضع عام 1920 نسقاً منطقياً للقضايا ذا ثلاث قيم، وقد استوحي تصوره لهذا النسق من معالجة أرسطو للحوادث الممكنة المستقبلةFuture Contingencies  في كتابه " "العبارة"، وكان لوكاشِيفتشِ يرمى من إنشاء نسق منطقي ثلاثي القيم إلى صياغة نظرية تحتوى على القوانين التقليدية في المنطق الموجه . وقد حاول أيضاً إنشاء ذلك النسق من أجل أن يتغلب على مذهب الحتمية الفلسفي القائم على مبدأ ثنائية القيم، ولكنه عدُِل فيما بعد عن اعتقاده ذلك، فلم يـَر تعارضاً بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم. وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم صار من الواضح انه يمكن إنشاء نسق رباعي القيم أو خماسي القيم، أو نسق عدد القيم فيه أى عدد نشاء، بل نسق يحتوى ما لا نهاية له من القيم. وكان لوكاشِيفتش ِيعتقد أول الأمر أن النسق الثلاثي القيم والنسق اللامتناهي القيم هما أكثر الأنساق الكثيرة القيم أهمية من الوجهة الفلسفية.فقد كانا يبدوان أقل هذه الأنساق احتياجا إلى التبرير، ولكنه رأى فى النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي فى ضوء نسق رباعي القيم، ولا يزال الخلاف قائماً حول مسألة إمكان وضع المنطق الموجه فى إطار نسق كثير القيم، ولكن الأهمية الفلسفية لاكتشاف لوكاشييفتش لا يبدو أنها متوقفة على هذه المسألة. لقد مضى زمن طويل احتلت فيه القــوانين المنطقية منزلة تميزها على غيرها من العلوم الطبيعية . وقيل أحياناً في وصف القوانين المنطقية أنها قبلية (أولية) A priori . وقيل أحياناً أخرى أنها تحليلية Analytic، وكان الغرض من هذين الوصفين هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين العلوم الطبيعية، ولكن لوكاشِيفتشِ قد بيَن باكتشافه الأنساق المنطقية الكثيرة القيم أن الاحتمالات عديدة أمامنا، حتى لو بلغنا أعلى درجات العموم، كما هو الحال فى منطق القضايا. ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم، أو أي مبدأ أخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع . وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء .

إن المنطق متعدد القيم عند "لوكاشيفيتش" لم يكن سوى استجابة للواقع الثقافي والعلمي المعاصر الذي رفض الحتمية بكل صورها، ليفسح الطريق أمام الممكن والجائز والمحتمل، وغير ذلك من صيغ قد عبرت عنها النظريات المعاصرة في شتى المعارف الإنسانية، الأمر الذي يؤكد أن ما جاء به "لوكاشيفتش" يعد نسقاً منطقياً متطوراً للمنطق الرياضي الكلاسيكي.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن المنطق متعدد القيم الذى تبناه "لوكاشيفتش" قد قضى على المنطق ثنائي القيم، بل على العكس من ذلك تماماً،فقد بين "لوكاشيفتش" أن العلاقة بين المنطق الثلاثي القيم والمنطق الثنائي القيم علاقة تحاور وليست علاقة تصادم أو تزاحم. وذلك لأن المنطق متعدد القيم قد أسهم بفاعلية في تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة، علاوة على أن جميع قوانين المنطق الثلاثي القيم هى قوانين في المنطق الثنائي القيم.

ولاشك في أن المنطق متعدد القيم الذي تبناه "لوكاشيفتش" امتاز بتوسيع الإطارات التقليدية بالنسبة للقضايا بعامة، والموجهة بخاصة، فقد أفضى هذا المنطق قيمة على القضية: ~ ق < ق، حيث جعلها تعريفاً للإمكان، وأمكن البرهنة على جميع مبادئ المنطق الموجه، التى أدى البرهنة عليها بالحساب الثنائي القيم إلى نتائج غير مقبولة.

إن تبنى "لوكاشيفتش" لمنطق تعدد القيم لا يخلو من أثر على بعض فلسفات اللغة المعاصرة التى جعلت للألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية معان ودلالات يمكن الخلاف حولها تبعاً لرؤية القارئ دون التقيد بقيمة ثنائية يمكن القطع فيها صدقاً أو كذباً. وبمعنى أخر تعدد الدلالات.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 اكرم جلال كيفيّة أنبعاث الكثرة:

 أمّا الواحد الأوّل (الحق) فَهو الأصل الأعظم ووحدانيّته حقيقيّة وهو الخير المَحض، ليسَ له شبيهٌ يشابهه ولا مَثيل يماثله، والصادر الأوّل عَنِ الواحد هو في حقيقته واحد لكنّه ذو كثرة، وفي ذلك يقول أفلوطين: (ولكن كيف تنبعث منه أشياء كثيرة؟ ألا، إنَّ الأشياء التي تنبعث منه ليس شأنها أن تكون مثله.

 وإن لم تكن مثله، فإنَّها ليست أشرف منه، ولعمري ما عسى أن يكون أشرف من الواحد أو فوقه بوجه من الوجوه؟)1، فالموجود الأوّل وهو دون الواحد الحق وأنَّه نقص منه لذلك فإنَّ وحدته فيها كثرة، وفي هذا يقول أفلوطين:

 (إنّ تلك الأشياء إنَّما هي دون الواحد إذاً؛ وهذا يعني أنَّها نقص منه. وما عسى أن يكون ما هو أنقص من الواحد؟ ألا، إنّه ما هو ليس واحداً؛ فهو ذو كثرة؛ على أنّه يسعى إلى أن يكون واحداً. أنّه واحد ذو كثرة إذاً. فإنّ كلّ ما لا يكون واحداً إنّما يبقى مُتماسكاً بفضل الواحد، وبفضل هذا الواحد يكون كما هو عليه في ذاته: وما لم يُصبح واحداً، إن كان مركّباً من أشياء كثيرة، فإنّا لا نستطيع أن نقول فيه أنّه ((موجود حقاً)).

 وإن كنا نستطيع أن نحكم في كل شيء من هذه الأشياء أنّه واحد، فذلك لأنّ هذا الشيء إنما هو واحد ولأنه يبقى دائماً على ما هو عليه في ذاته. فليس واحجاً بمشاركته للواحد في كيانه، بل إنّه هو الواحد بالذات....)2.

 والكثرةُ في الصادر الأوّل عنِ الواحد الحق هيَ كثرةٌ تتمايز فيما بينها بالعقل فَسُمّيَ الصادر الأوّل بـ"العقل"، بينما أسماه أفلوطين الروح إنطلاقًا من أن تركيب هذا الصادر الذي هو تركيبٌ روحانيّ.

 وأمّا إنبعاث الأشياءِ عن الواحد والتي بيَّنَها أفلوطين من خلال تصنيفه للفعل، فهو يقول أنّ الفعل عبارة عن فعلين، فعلُ الذّات وفعلٌ يَخرج عَنِ الذّات نتيجة قُوّة عظيمة، ففي تاسوعاته يشير إلى هذا المعنى بقوله: (إنَّ الفعل إنّما هو فعلان؛ فعل هو فعل الذات أصلاً، وفعل يخرج من الذات التي يقوم الشيء بها.

 أمّا فعل الذات فهو الشَّيء ذاته محقَقاً في ذاته؛ أمّا الفعل المُنبعث من الذات، فهو ما يجب فيه أن يكون التِبعَ في كل شيء حتماً، وهو آنذاك يختلف عن هذا الشَّيء في ذاته. مثل ذلك مثلما أنّ في النار حرارة تحقّق ذات النار وحرارة تنشأ عنها إذا فعلت النار فعلها المطبوعة عليه ذاتاً مع بقائها ناراً. وكذلك الأمر في الملأ الأعلى أيضا، بل إنّه بالملأ الأعلى أحرى: يبقى الأول في ما هو عليه طبعاً، قائماً في كماله ومع فعله فيُصبح بهما الفعل المولود منه فعلاً قائماً في ذاته لأنّه ناتج عن قوّة عظيمة، لا بل عن القوّة العُظمى بين القوى) 3.

 ونحن في هذا المقام لا نودّ إقحام النص القرآني أو ليِّ عنق الروايات والأحاديث عن المصطفى وأهل بيته عليه وعليهم السلام لنجعلها منسجمة مع فلسفة عقلية روحية أو إثبات رؤية هي محل خلاف بين العلماء، فهذا تحديدًا ما سنشرحه بالتفصيل وسنتوقّف عنده في الفصول القادمة، إنَّما هي قراءة محايدة وعرض لدلالات قرآنية وأحاديث نقدمها من أجل التدبر والتفكر وتوضيح المغزى وإكمال الصورة، من هنا ومن أجل التقريب ما بين النصّ الذي أشار إليه أفلوطين والرؤية الإسلامية في هذا السياق، نشير إلى أنَّ المراد من فعل الذات إنّما هو علم الله تعالى، والفعل الثاني هو أمره بخلق ما هو عالمٌ به بفعله الأوّل، وأنَّ الفعل الثاني إنَّما هو الفيض المقدّس وهو الفيض الإيجادي المرتبط بـ"كُنْ" في الآية المباركة: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾، [يس: 82].

 وبإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال:) يا جابر كان الله ولا شيء غيره (و) لا معلوم ولا مجهول، فأوّل ما ابتدأ من خلق خلقه أنْ خَلَقَ محمدًا صلّى الله عليه وآله وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله ونقدسه ونحمده ونعبده حق عبادته، ثم بدا لله أن يخلق المكان فخلقه)4.

 والفعل الذي يَخرج عنِ الذّات كما وَصَفَه أفلوطين هو ثابت في علم الواحد، فَكُنْ هو الأمر في إخراج وإصدار الشيء وهو نابع بالأساس ومُثبّت في فعلهِ الأوّل، فجميع الموجودات إنَّما كانت موجودة في علمهِ الأزليّ، وبفيضٍ من الواحد من خلال القول الإلهي كُنْ تخرج هذه الموجودات، حيث يُشَبّه أفلوطين طريقة إنبعاث الكَثرة مِنَ الواحد كَمَثَل النورالمُنبعث من الضوء، فرغم أنّ الضوء واحد إلّا أنّ النور ينتشر ليشمل أشياء كثيرة.

 فهو يُشَبّه الواحد بالنور، ويشبّه الصادر الأوّل عنه (الروح) بالشمس، والنفس بفلك القمر؛ وهذا التشبيه مردّه إلى أنّ القمر يَستمدّ نوره من الشمس، وأمّا الشمس فإنّ النور الذي فيها إنّما هو الذّات المُشعشعة، فهي الأخرى من أصل النور الذاتي. وفي ذلك يقول أفلوطين: (... وكيف نتصوَّر هذا الأمر الثاني الذي يبقى كذلك حول الواحد؟ نُجيب: نتصوّره على أنّه إشعاع ينبعث من الواحد؛ أجل إنّه ينبعث من الواحد الذي يبقى ثابتاً في ذاته. مثل ذلك مثل الشمس: فإنّ إشعاعها إنَّما يكون من حولها وكأنّه يُحيط بها، وهو ينبعث منها دائماً، ثم تبقى على حالها)5.

 وفي صورة أكثر إشراقًا وتوضيحًا في هذا الشأن، يقول أفلوطين: (وينبغي أن نشبّه الأوّل بالنور، وما يليه بالشمس، والأمر الثالث بفلك القمر الذي يستمد النور من الشَّمس، فإنّ للنَّفس روحًا مكتسبًا وهو الذي ينشر النور عليها ما دامت نورانيّة.

 أمّا الروح فإنَّ الروحانيّة حقيقة في ذاتها؛ وليس نورًا خالصًا بل إنَّه الذات المُشعشِعة بالنور في صميمها. ثُمَّ إنّ الذي يمدّ الروح بالنور، ما دام هو ليس شيئًا غير النور، فإنّه هو النور الصافي البسيط الذي يجعل الروح قادرًا على أن يكون ما هو عليه في ذاته..)6.

 ولأفلوطين توصيف أخر للأقانيم الثلاثة حينما يصوّرها على أنها دوائر مُثبّتة بشكل تراتبي:

 (.. ثمَّ يأتي بعد الواحد الحقّ والروح. وتلي النفس في حقيقتها في المقام الثالث أخيراً..)7، وكلٌّ إمّا لها نورها أو تستمد نورها بحسب قربها من الواحد الذي تحيطه دائرة تشعَّ نورًا، وحول الواحد دائرة أخرى تستمد نورها من نور الواحد، ثم دائرة ثالثة غير مضيئة تستمد وجودها من الدائرة الثانية، ويقول في هذا الشأن: (.. فالأمر حينئذ مثله في مركز حوله هالة من نور تشعُّ منه، وحولها دائرة ثانية، والكل نور من نور، ثم يلي هاتين الدائرتين دائرة أخرى خالية من النور: إنّها دائرة لا يشعُّ منها النور قطّ، وهي بحاجة إلى أن تستنير بغيرها...)8.

 التراتبيّة بَين الأقانيم الثلاثة:

 وحينما يكونُ الواحدُ هو مُطلق التمام وهو الكمال وأنّ كلّ ما يَصدر منه فهو متكثر وأقل كمالًا، وهو دائم الاحتياج إلى الواحد، فهذا يدلّ على أنَّ هناك تَدرّجًا في مراتب الفيض أو الصدور، فمن المُحال أنْ تَصدر الكثرة عن الواحد مباشرة وبدون واسطة، لقول أفلوطين: (الأشياء التي تنبعث منه - أي الواحد - ليس شأنها أن تكون مثله. وإن لم تكن مثله، فإنها ليست أشرف منه، ولعمري ما عسى أن يكون أشرف من الواحد أو فوقه بوجه من الوجوه؟)9.

 فالنظام التراتبي الذي يُقدّمه أفلوطين طبيعتُهُ التّكامل والتّمايز بين الأقانيم، وحاجة الثاني إلى الأوّل وحاجة الثالث إلى الثاني من أجل بلوغ الأوّل، واستغناء الأوّل عن كلّ شيء، وفي ذلك يقول أفلوطين: (إن كان بعد الأوّل شيء، فهو من هذا الأول حتماً. فإمّا أن يكون منه سواءً بلا توسّط، وإمّا أن يُردّ إليه بتوسّط ما بين الطرفين، فيكون نظام الثواني والثوالث: فالثاني يُردّ إلى الأوَّل، والثالث إلى الثاني. ذلك لأنَّه لابدّ من أن يكون شيء قبل الأشياء كلّها وهو بسيط. فيكون مختلفاً عمّا يتأخر عليه، قائماً في ذاته مع ذاته، ليس مختلطاً بما ينبعث عنه... فهو الواحد حقاً...)10.

 والتراتبيّة بين الثاني والثالث نابعة من التأثُّرِ والتأثير، وأنّ الأقل مرتبة يتأثر بِمَن هو فوقه مرتبة، يقول أفلوطين: (..أمّا الروح فكأنّما هو للنّفس مثالها من حيث إنّه هو صورتها، وهو الأصل الذي يُضفي على النّفس صورتها أيضًا، مثلما أنَّ صانع التمثال ينطوي في ذاته على كلّ ما يحققه في التمثال. أمّا الشيء الذي يمدّ الروح به النفس فإنّه إلى الحقّ قريب؛ أمّا ما يتلقّاه البدن، فليس إلّا محاكاة ورسمًا.

 لماذا يجب أن تتجاوز النَّفس إلى ما فوقها إذاً، ولا نفترضها على أنّها هي الأول؟ نقول أوّلاً إنّ الروح أمر يختلف عن النَّفس وهو أفضل منها؛ وإنّما الأفضل هو الأوّل طبعاً)11.

 إنَّ كلَّ طور من أطوار وما ينتج عنه من فيوضات هو في حقيقته تحرّك وابتعاد عن الواحد الحق واقتراب من الكثرة، فالواحد الحق هو الجوهر والمركز، وحوله تسير باقي الموجودات، ومن فيوضات نوره تُستَمَدّ الأنوار، وهو منبع الفيض لجميع الموجودات في عالَمَي المَعقول والمَحسوس، والروح هو أوّل الدوائر قربًا إلى الواحد وهو يَستمدّ ضياءه مِنْ مَنبع فيوضات الواحد ومن أنواره المُشعّة، وأمّا الدائرة التي تَلي الروح فهي دائرة النفس وهيَ منيرة غير مضيئة تستمد نورها من الواح عن طريق العقل. والدائرة الأخيرة هي الدائرة المظلمة بحكم طبيعتها الماديّة ولا ترتبط بالعقل إلا من خلال النفس.

 جَمَعَ أفلوطين في طرحهِ الفلسفيّ هذا العقلانية الأرسطوية والمثالية الأفلاطونية وَقدَّم فِكرًا هوَ بحق مِن أصعب الأفكار الفلسفيّة، بَل هو عصارة وخلاصة التّمازج بين المدارس الفكرية في الشرق والغرب، وهو ثَمَرة جهودٍ من الترحال والصبر ليكون بين أيدينا فكرًا فلسفيًا يمتلك من العمق والوضوح والتماسك ما يجعله مدرسة فلسفية متألقة.

 لَقَد كانَ لفكر أفلوطين بُعدٌ رحانيٌّ متجذر قلّما نجده في أمثاله من الفلاسفة والمفكرين، فقد كان يصف حال أهل الحب الإلهي وأهلَ الوَجد والجَذب ويبين حقيقة الارتباط مع الواحد الحق وصفًا بليغًا وعميقًا في محتواه، فهو يقول:

 (إن أهل الوجد والجذب يلمُّون إلماماً بأنَّ لديهم أعظم ممّا يطيقون، وإن كانوا لا يعلمون ما هو، فإنّهم، ممّا يجذبهم من جاذب وما ينطقون به من قول، يتلقُّون إحساساً ما بالشّيئ الذي يدفعهم، وهم -وهو- آنذاك غير هذا الشيئ..)12، بَل أنَّ أفلوطين يَصِفُ ما هو أبلغ من ذلك وأعلى مرتبة، فَهو يبين مرتبة الفناء في الذات الإلهيّة، ويشرح طريق الارتباط والأخذ بمراتب التدرج من أجل بلوغ مقام القرب من الواحد، يقول:

 (..وهذا حال أولى بالنَّفس أن تكون عليه، فتمسي متجرِّدة من المثال إن كان شأنها ألّا ينزل فيها حائل يحول بينها وبين أن تحفل وتشعّ بالحقيقة الأولى. وإن بات الأمر كذلك وَجَبَ خَلْع كلّ ما كان في الخارج, وتُوجَّه الوجه إلى الباطن توجّهاً تامّاً خوفاً من المَيْل إلى ما قام في الخارج. بل ينبغي لك أن تَجْهَل الأشياء كلَّها, في حال علاقتها بنا أوَّلاً، ثُمَّ من بعد في مثُلها، وأن تَجهَل أنَّك أنت في مشاهدته قائم. حتى إذا اتَّحدت به وكأنّك أتممت ما له عليك من واجبات قَفَلتَ راجعاً تُخبرُ غيرك، إن استطعت، كيف كان الإتحاد هناك..)13.

 هذا هو الواحد الحق عندما يصفه أفلوطين: (.. أما هو فليس على ما تكون هذه الأمور. بل إنه شيء آخر، أشرف من أن تقول فيه أنه "الحق"، لا بل إنّه أفضل وأعظم من أن تدركه أقوالنا، لأنه هو ذاته أكرم من العقل ومن الروح ومن الأحساس، مادام هو الذي أمدّنا بهذه الأمور، وهو ليس قط منها..)14.

 

د. أكرم جلال

.........................

 المراجع

1- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

2- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

3- تاسوعات أفلوطين، ص 459.

4- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 54 - الصفحة 169.

5- تاسوعات أفلوطين، ص 430.

6- تاسوعات أفلوطين، ص 475.

 7- تاسوعات أفلوطين، ص 434.

8- تاسوعات أفلوطين، ص 321.

 9- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

10 تاسوعات أفلوطين، ص 457.

11- تاسوعات أفلوطين، ص 497.

 12- تاسوعات أفلوطين، ص 452.

13- تاسوعات أفلوطين، ص 696.

14- تاسوعات أفلوطين، ص 452.

 

 

 

 

حاتم حميد محسندائما ما ننسى ان هناك طريقة اخرى لإقرار العدالة بدلا من تصميم الجواب لكل مشكلة بواسطة القوانين. مفهوم الإفتاء القضائي القائم على معالجة كل حالة بحالة يسمى( casuistry)(1) وهو يقف بالضد من القوانين. انها ممارسة تتناول كل حالة وقت بروزها باستخدام الحكم لتمييز الاستنتاج الصحيح بينما تسمح بمساحة كبيرة للظروف الملطفة او الضارة . انها ليست تكنيك، وانما حالة ذهنية. انها تستلزم اتخاذ بضع خطوات للوراء والتفكير حول ما نرى ونسمع بعيوننا وآذاننا بدلا من محاولة موائمة الظروف مع التعاريف الصارمة  في كتب القانون. القضاة الذين يمارسون الإفتاء القضائي يضعون حدسهم وأحكامهم قبل ما هو مكتوب في القوانين التي جمعها الناس في أماكن بعيدة.

الإفتاء القضائي يتطلب تحولا فكريا كبيرا من الفقه "الكلاسيكي" الى "الكوانتم" (2). نحن اعتدنا رؤية قضايا المحاكم كمعادلات رياضية حيث تمتلئ الصيغ القانونية بالمعلومات وتصدر النتائج بأحكام "الادانة" او "البراءة" . غير ان الإفتاء القضائي ينظر في القضايا وفقا للعلاقات بين اناس يشعرون بظلم وهو يتطلب تطبيق حذر ومدروس وواسع الخيال لحكم عادل من أجل تصحيح الخطأ وإعادة جميع الاطراف الى الفضيلة الطيبة مع بعضهم البعض بأفضل ما يمكن القيام به. في ظل الإفتاء القضائي، ، تكون العدالة هي عمل مستمر  فيه  الكثير من اللون الرمادي الممتزج بالأبيض والأسود. لايوجد هناك يقين نيوتني وانما تقريب هيزنبيرجي(3).

الأحكام القديمة

قبل 24 قرنا، رأى ارسطو ان العدالة الحقيقية لا يمكن ان تكون فقط كسؤال حول عمل إقرارات ذات طبيعة شمولية سلفا، ثم نسمي هذه الأقوال المعممة بـ "قوانين" ومن ثم نحشر كل حالة او قضية في كل ما تقوله القوانين. السبب الذي جعل ارسطو يشكك بهذه الاستدلالات المعممة مرتبط برفضه لأفكار استاذه افلاطون. حاول افلاطون فهم الهوية المشتركة لنماذج من صنف معين – لماذا، على سبيل المثال، الاجاص يتخذ نفس الشكل والذوق والمظهر. هو افترض انه لكل صنف هناك "شكل" تام وُجد في ما وراء عالم الحواس يحصل منه كل مثال واقعي غير تام على هويته. الاجاص في عالمنا هو نسخة غير تامة للشكل الأبدي للاجاص في عالم الاشكال، كما يعتقد افلاطون. بنفس الطريقة هناك شكل للخيل والقطط والسفن وكل شيء آخر يمكن ان نراه او نسمعه او نلمسه. وبالنتيجة، بالنسبة للافلاطونيين، اذا اردت الوصول الى الحقيقة العميقة للاشياء يجب عليك التجريد بعيدا عن العالم المادي. ارسطو رفض هذا الاتجاه الميتافيزيقي الجاهز، وتبنّى طريقة تفكير تصاعدية حول العالم. احدى ذروات تفكير ارسطو الغير افلاطوني تكمن في عالم الاخلاق، او في الطريقة التي يجب ان يتصرف بها الناس. في كتابه (الاخلاق النيقوماخية)،  جادل ارسطو ان الناس يقومون بأشياء لأنهم بالنهاية يريدون ان يكونوا سعداء. المشكلة هي، عدم وجود شكل افلاطوني للسعادة .هذا بسبب عدم وجود شيء واحد للسعادة او يشكّل السعادة. انت عليك معرفته . وعموما، الناس لم يولدوا يعرفون ما يقومون به في كل موقف حسب ارسطو. نحن لدينا ميل طبيعي نحو الخير والسعادة والحقيقة، لكننا لانزال علينا ان نوجّه ونرشد كل التعقيدات المتغيرة للحياة اليومية لكي نصل الى افضل الحلول للمشاكل على طول الطريق. بالنسبة لارسطو، هذه النزعة نحو عمل الخير سميت الفضيلة وهي نوع من عادة التميّز التي يمكن للمرء جعلها تزدهر من خلال الممارسة الواعية في عالم الخيارات والنتائج. ارسطو كان عليه العمل بمشقة لتوضيح هذا لمعاصريه، لأن افلاطون والعديد من الفلاسفة الآخرين وقعوا تحت تأثير سحر الهندسة. الناس الاذكياء بدأوا يعتقدون بأن الأخلاق يمكن التفكير بها تماما مثل مساحة المثلث او نصف قطر المخروط . انت عليك اولاً ان تعرف الشكل من بين ما تراه، ثم تعرف كيف تدير صيغة المعادلة، حتى تصل الى "العدالة".

الخطأ في هذا هو ان الناس هم اكثر تعقيدا من المضلعات. هم يعيشون ضمن حياة فوضوية. لايخضعون جيدا للصيغ. لايوجد هناك جذر تربيعي للعدالة، ولا أطول ظلع للمثلث في المساواة. لذا، اذا كنت تريد عمل الشيء الصحيح  لشخص ما ارتكب خطأ، عندئذ عليك ان ترفض النظر الى اللّاعدالة كشيء يمكن معرفته باستخدام كرات العد. ليس كل شيء أخلاقي يمكن إدخاله ضمن أصناف. هذا يعني انت عليك ان تكون مستمع جيد اي بمعنى ان تكون قاضي تبريري جيد. انت لاتستطيع الوصول الى العدالة عبر التفكير كالاختصاصي بالهندسة.

لوك وهنري الثاني

مثلما في ايام ارسطو وافلاطون، بقيت الهندسة تمارس تأثيرا غير مناسب على افكارنا عن العدالة. رغم ان الناس عادة لايؤطرون حججهم القانونية باشارات صريحة لإقليدس او لنظرية فيثاغوروس، لكن النتيجة النهائية هي حول نفس الشيء: نحن نرى العدالة كنوع من الصيغ، معادلة، برهان. لو جعلنا المدخلات الاولى صحيحة فسيتبع ذلك حتما الجواب الصحيح. جون لوك(1632-1704) اعتقد اننا بامكاننا في النهاية الوصول الى أخلاق في الجبر(الرياضي).

غير ان ذلك لم يكن دائما. في القوانين العرفية الانجلوسكسونية، مثلا، كانت العدالة هي ما نسميه الآن السلعة المحلية – انت تحصل عليها من جماعتك او من معارفك او زملائك وليس عبر تطبيق الصياغات الشاذة والنمطية من كتب القانون التي يعلوها الغبار. وكما يذكر آرثر هوغ في أصل القانون العرفي (1986)، ان القانون في انجلترا القرون الوسطى كان "رباط المجتمع المدني". كان هناك ايضا تنوع كبير في المحاكم، العلمانية والكنسية، والقضاة مالوا لإتخاذ قرارات تخريج قضائي تفيد كل من الجماعة والفرد طبقا للعادات. بعدها جاءت المركزية. المركزية السياسية كانت ناقوس الخطر للإفتاء القضائي. بدءاً من الملك هنري الثاني (1133-1189)، خضعت انجلترا، كما يقول هوغ تحت تأثير، "ازمة سياسية" أسست دائما سمة النظام القانوني. انطلاقا من (رسالة حول القوانين والعادات في مملكة انجلترا، 1187)، كان هنري الثاني ووزرائه وقضاته قادرين على التصرف بسلطة مطلقة عندما صمموا الاجراءات لجمع الضرائب وتهيئة القوات العسكرية وحفظ السجلات وحراسة الارياف ومعاقبة المتسببين باضطراب لـ "سلام الملك". نتذكر خط ماكس ويبر حول امتلاك الدولة الحديثة لـ "احتكار العنف". في الارياف البعيدة جدا في انجلترا، يكتب هوغ، "ان القضاة الملكيين والعمداء والمفوضين درّبوا الرجل الانجليزي من كل الطبقات على اجراءات الحكومة الملكية وعلى قانون الاراضي". الناس فقدوا الحرية عندما تضخمت سلطة الدولة المركزية . قانون غراشيم يؤكد ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة. قانون هنري الثاني، يؤمن ان الدول المركزية تطرد العدالة. الإفتاء القضائي فشل في الاستمرار لأن الدولة الادارية تدس انفها في كل مظاهر الحياة اليومية. ان انفجار القوانين اثناء وبعد حكم الملك هنري الثاني لم يكن صدفة. تمركز السلطة يتضمن بالضرورة زيادة التشريع.

ان تضخم سلطة الملوك ولاحقا رؤساء الوزارات والرؤساء قاد الى طريقة لتصور الناس ضمن عالم كأفراد بدلا من أعضاء في مجتمع عضوي. توقعات السلوك المرتكزة على الجماعة سواء بالنسبة للفرد او الآخرين جرى إعادة تسويقها كـ "حقوق طبيعية"، اي بمعنى، سلطة تورث للفرد دون إعتبار للجالية. وفي النهاية، كل واحد اصبح حاكما خاصا يمكن ان تُحكم امتيازاته المطلقة فقط بواسطة حاكم اكبر، الملك الحقيقي. الفيلسوف الصيني القانوني هان فيز (279-233 ق.م) اعتقد ان الناس كانوا اشرارا ويحتاجون لتقييدهم بالقانون والعقوبة لإبقائهم على الخط. ونفس الشيء، في ليفثيان، هوبز (1588-1679) اقترح  الدولة كقوة قمعية نهائية لإبقاء المتمردين الافراد تحت السيطرة. يبدو كلما كان الفلاسفة والديماغوجيون اكثر منداة بالحرية، وكانت متاريس الإفتاء القضائي مغمورة بالمياه، كلما كان الانسان اكثر اتشاحا بظلال الدولة.

حكم الدول

الفيلسوف السياسي ميشيل اوكشوت (1901-1990) رأى ان فرنسيس باكون (1561-1626) المعاصر لهوبز اول من تبنّى الرؤية بان أعضاء الجماعة هم "مواطنين"اصحاب حقوق في ظل تأثير نظرية هيمنة  (الدولة) لهوبز. حالما تستطيع الدول إلغاء العرف  وتضع قواعدها الخاصة، فان عدالة الإفتاء القضائي تكون قد دُفنت تحت شهادات القضاء المركزية والرطانة القانونية الخالية من المعنى.

وهنا مثال عن كيفية عمل ذلك. في ظل القانون العرفي، امتلكت المحاكم في انجلترا ما اسماه اوكشوت "سلطة القضاء"، او الحق بتقرير الحالات الشائكة حين بروزها. اذا كانت لديك مشكلة،  كما لو ان شخص ما قتل قريب لك او سرق بقرتك او كسر بيتك او اختطف ابنك، عندئذ يمكنك الذهاب الى القاضي المحلي وسيعطيك قرارا، طبقا للعادة، والسوابق والظروف، وهو الامر الذي سيصحح ما حدث من خطأ. هنا القانون كان ثابتا، مشخصا، تراكميا، رجعيا، وحذرا. انه لا يتغير لكي يتناسب مع راحة الدولة. غير ان اوكشوت يجادل، في ان الادارة المركزية الجديدة التي بدأت في ظل حكومة هنري الثاني ادّعت الحكومات لنفسها بغير حق سلطة تجاوز القضاء ووضع قوانين جديدة. هذا النظام المركزي للدولة  يصف الكيفية التي تحكم بها الدول بالقانون. وكما يكتب اوكشوت في محاضرات في تاريخ الفكر السياسي (1967):"لا شيء يميز الدولة الاوربية الحديثة عن الجماعة السياسية في القرون الوسطى (او حقا عن اي جماعة تاريخية اخرى) اكثر من الحرية والثقة التي تضع بها الحكومة قانونا جديدا، انتظامية ودقة العملية التي يُصنع بها القانون، والفرق الدقيق بين ماهو القانون وما هو غير القانون .. الخصائص المتميزة للدولة الاوربية الحديثة هي ان تعترف بتفوق القانون التشريعي وان تعتبر كل القوانين الاخرى سلطوية كونها لم تتغير او تُلغى بقانون تشريعي.

ان نتيجة هذا كانت عميقة وسيئة. الأثر المباشر لهذا كان العبودية. في (القانون والثورة:تكوين التقاليد القانونية الغربية، 1983) يجادل هارولد بيرمان انه بينما وُجدت العبودية في انجلترا في القرون الوسطى، خاصة بعد الاضطرابات الاجتماعية التي رافقت الاحتلال النورماندي والحملات الصليبية في القرنين 11 و 12، لكن في عام 1300 اصبح الفلاحون جزءا من نظام القنانة.

القنانة قد لا تكون مهنة الاختيار للعديد من الناس، لكنها كانت شيئا افضل من كونك عبدا رق. ولكن كيف اصبحت العبودية القانونية ممكنة في المقام الاول؟ خلال سلطة التشريع وفي ظل الإفتاء القضائي، كانت العبودية في انجلترا يصعب التمسك بها. انسانية العبد واضحة للعديد من القضاة، ولهذا فان العبودية مهيئة للانهيار امام صخرة الإفتاء القضائي. وبالعكس، المركزية هي عملية اُنتزعت بواسطتها الانسانية من القانون لكي تستطيع الدولة ان تحكم بدون عوائق.

طبقا للموقف التشريعي، العبد الرق في المزارع وفي حقول قصب السكر  يمكن اختزاله الى مجرد رقم، فقط مع ما يكفي من انسانيته لكي يتلائم مع المعادلات القانونية . بكلمة اخرى، الانسان في غرف المحاكم على الورق اصبح عبدا. في الحقيقة، عندما استحوذ الحاكم على السلطة القضائية، نتجت جميع الاشكال اللاانسانية . فمثلا، عندما تحرّر دريد سكوت من قبل القاضي المحلي في ميسوري، قامت الدولة المركزية بإرساله مرة اخرى الى العبودية.

الإفتاء القضائي الآن ولاحقا

الإفتاء القضائي هو غير مرغوب، ولكن عدم التفكير فيه هو اكثر غرابة. نحن نعيش في زمن التعددية الكبيرة، وزيادة التعددية الثقافية، والقوميات العابرة والمعولمة. نحن يجب ان نكون مرتاحين جدا في ان يكون هناك اكثر من طريقة لعمل الأشياء. الإفتاء القضائي هو إعتراف بأن القانون، على الصفحة،  قد يبدو أسودا او أبيضا، ولكن في الحياة الواقعية نحن عادة ننجرف في بحر من الرمادية. التأرجح هنا وهناك كحطام السفينة هو اشارة لما تتطلبه منا النزاهة الأخلاقية، ونحن كلانا يجب ان نهتم ونريد التصرف بنبل ومساواة. الاشياء ليست دائما سهلة الفهم. لذا فان الإفتاء القضائي يأخذ محدودياتنا البشرية بالإعتبار عبر السماح لرغباتنا الانسانية المتساوية بعمل الأشياء الصحيحة بأحسن طريقة ممكنة. الإفتاء هو حكم، وهذا الحكم عندما يأخذ الوقت والشجاعة الكافيين فهو سيكون احد الاشياء التي نستطيع آدائها بأفضل وجه . الإفتاء يجب ان يكون طريقة للانخراط بالعالم المألوف. وفي خلفية الحديث عن الأحكام والظروف نجد كانط (1724-1804) كان صائبا عندما جادل  في كتابه (اساس لميتافيزيقا الاخلاق) باننا يجب ان نعامل الناس كغايات وليس كوسيلة. هذا بالضبط ما يتحدث عنه الإفتاء القضائي. كانط  مع ذلك كان مخطئا حين جادل بان كل قراراتنا الاخلاقية يجب ان تحمل وزن الأخلاق المطلقة. الاخلاق المطلقة تعني اننا عندما نقرر شيئا بطريقة واحدة  فنحن نلتزم به ويجب على كل شخص ان يقرر نفس الشيء بنفس الطريقة في جميع الظروف المتشابهة. ليس من باب الصدفة ان هذا يبدو يشبه التشريع. حقا، ان اتّباع الاخلاق المطلقة يعني كيف نحصل على ربع مليون صفحة من قانون الولايات المتحدة، كل صفحة تقول ان الاشياء يجب ان تتم بطريقة معينة لكل موقف محتمل. هذا ربما يُعد استبدادا اخلاقيا من النوع الذي لم يشهده العالم من قبل.

الإفتاء القضائي كما يفهمه الغرب اليوم جاء كرد فعل لهذا النوع من الاستبداد الاخلاقي. في القرن السابع عشر، أدخل الثيولوجي الهولندي كورنيلاين (1585-1638) عنصر الاستبداد المكثف في الحياة الكاثوليكية. كما في الكالفينيين البروتستانت والقانونيين الصينيين، فان اليانسينيين اعتقدوا ان الناس بطبعهم فاسدين. هم يحتاجون الى الكثير من الأحكام لجعلهم تحت السيطرة. المناوئون لليانسينيين في الكاثوليكية كانوا اليسوعيون الذين كانت لديهم تجربة كمبشرين بين الثقافات الاخرى، حيث الفهم الجيد كان ذو قيمة كبيرة في تقرير أي العادات تتماشى او لا تتماشى مع الكنيسة الكاثوليكية. بعد ذلك بدأ اليسوعيون  تطبيق هذا الفهم في اوربا. ولفترة ما، بدا كأن اليسوعيين ربما يلطّفون من حماسة التشريعات اليانسينية. وحالا، بدأ الإفتاء القضائي اليسوعي يفسد . فمثلا، عندما اعترف البعض بذنبهم للقس اليسوعي، قام الاتباع ذوي القدرات المالية الكبيرة بالتبرع الكبير للنظام اليسوعي وسُمح لهم بدون توبة او تكفير حتى لمرتكبي المخالفات، بينما الناس الفقراء كان عليهم عمل التكفير الصارم. باسكال (1623-1662) الفيسلسوف الفرنسي أدان اليسوعيين على هذا. الإفتاء القضائي اصبحت له رائحة كريهة،  وحتى اليوم يُواجه بنفس الادانة.

في العقود الاخيرة، بدأ بعض الفلاسفة والمفكرين القانونيين يجادلون بان الإفتاء يستحق فرصة اخرى. في عام 1903 تحدّث الاخلاقي  مور (1873-1958) عاليا عنه في رسالته مبادئ الاخلاق. حتى بعد ذلك، بقي الإفتاء معظمه يعمل وراء قناع التخصص السرّي حتى أعوام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي عندما جسّدت أخلاق علم الأحياء تحديا جديدا للتشريعات الهندسية والافلاطونية والمركزية. وأثارت مختلف الاسئلة المستعصية، مثل منْ يمتلك البويضات غير المخصبة؟ كم المدة التي يجب بها إبقاء المريض الذي بلا دماغ حيا؟ من يجب ان يستلم القلب المتبرع به او الكلية او الكبد؟

كافح المفكرون لأجل طرق لمعرفة الشيء الصحيح الذي يعمل عندما لاتوجد هناك قوانين واضحة يمكن اتّباعها. في أواخر السبعينات من القرن الماضي، اشتبك الفيلسوف ستيفن تولمن (1922-2009) والبايولوجي الاخلاقي البرت جونسن(1931) مع هذه الأنواع من الأسئلة كجزء من عملهم في هيئة وطنية لحماية الناس من البحوث البايوطبية والسلوكية في الولايات المتحدة. استنتاجاتهما خاصة بالنسبة لتولمن كانت ان الاتجاه الرياضي في الأخلاق قاد الى صياغات شكلية قاسية كانت مخالفة للعدالة. هما جادلا بان المطلوب هو العودة الى ظرفية مرنة: العودة الى الإفتاء القضائي. هذا الاتجاه لم يكن بلا نقاد. البعض يخشى ان التراجع عن التشريع سيفتح الباب امام المحاكم لارتكاب الاساءات – بمعنى ان القضاة سيتوحشون ان لم يوضعوا تحت مقود الدولة. ولكن يبدو من المحتمل جدا ان السياسيين وليس القضاة هم من سينخرط  باساءة استخدام سلطة القانون. اللوبيون يكتبون القوانين التي يختمها المشرعون وهذا يؤثر سلبا على ملايين الناس، حيث ان القاضي السيء من الضروري ان يُقيّد في مقدرته على الايذاء. ربما حكم سيء واحد  يسبب الخراب لعائلة كاملة. قانون سيء واحد يمكن ان يغرق البلد. آخرون ربما يقولون ان الاجتهاد القضائي يقلل من خطورة الجرائم. لكن سؤال العدالة ليس فقط حول ما قام به شخص ما وانما ايضا حول لماذا قام بذلك وماذا يجب ان يحصل الآن.

وفي نظرة اكبر، السؤال هو، منْ يستفيد من الإحتكار بشأن العدالة؟ هل المحاكم تتأسس للحفاظ على سلام الناس ام لأجل سلام الرؤساء. الإفتاء القضائي يعيد السيادة للجيران المصابين بالاذى . في ظل الافتاء القضائي، الجاليات ذاتها تتعامل مع اولئك المتهمين بتعكير سلام الجماعة او إيذاء احد أعضاءها. لو حصل اي شيء، فان الناس المحليين وليس السياسيين في واشنطن او في اي عاصمة اخرى، هم الاكثر معرفة بالكلفة الحقيقية للجرائم في منطقتهم. في كتابه الصادر عام 1953 (البحث عن جالية: دراسة في اخلاق النظام والحرية) للسوسيولوجي روبرت نيبست يفصّل كيف ان الدولة المركزية أضعفت الجماعات المحلية. اذا كانت اطروحة نيبست صحيحة، عندئذ فان الدولة هي آخر مكان يجب ان نبحث فيه عن طرق للشفاء. ربما الوقت مناسب لإعطاء فرصة ثانية للإفتاء القضائي، للفضيلة الارسطية في عمل الاشياء الصحيحة بطريقة صحيحة وفي الوقت الصحيح حالة بحالة. ربما هذه هي الطريقة التي ننتقل بها من القانون الى الحرية والعدالة لجميع الناس.

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) casuistry هي عملية تفكير تسعى لحل المشاكل الاخلاقية عبر استخلاص او تمديد القواعد النظرية من حالة معينة.هذه الطريقة تُمارس في الأخلاق التطبيقية.انها طريقة لحل مشاكل الالتزامات عبر تطبيق مبادئ عامة للاخلاق او الدين على حالات معينة للسلوك الانساني. بدأ تطبيق الإفتاء القضائي منذ ايام ارسطو، ثم لاحقا من قبل جمعية يسوع (1550-1650).الانسكلوبيديا البريطانية لعام 1900 اعتبرت الاجتهاد القضائي محاولة لتحقيق غايات نزيهة بوسائل غير نزيهة. الفلسفات الاخلاقية كالنفعية والبراجماتية اُعتبرت نموذجا لإستخدام هذه الطريقة من الإفتاء .

(2) في الفيزياء الكلاسيكية هناك سببية ومعرفة تامة بالماضي يسمحان بحساب المستقبل، وهو عكس ما هو عليه الحال في فيزياء الكوانتم، حيث الاشياء في فيزياء الكوانتم لا هي جسيمات ولا هي موجات، انها مزيج غريب من الاثنين. معرفتنا التامة في الماضي تفيدنا فقط في عمل تنبؤات محتملة للمستقبل.في الفيزياء الكلاسيكية، يمكن لقنبلتين بصمامين كهربائيين متشابهين ان ينفجرا في وقت واحد، اما في فيزياء الكوانتم، فان ذرتين مشعتين متشابهتين تماما سينفجران في اوقات مختلفة.

(3) وفق فيزياء نيوتن الكون يعمل كالساعة، كل شيء يتبع قوانين دقيقة وصارمة في حركته، لذا فان التنبؤات تكون سهلة لو عرفنا الظروف السائدة في نقطة البداية. اما مبدأ اللايقين لعالم الفيزياء الألماني هيزنبيرغ فهو يؤكد على الغموض والضبابية في الطبيعة. المبدأ يؤكد اننا لا نستطيع قياس الموقع (س) وقوة الحركة (ص) لجسيم معين بدقة مطلقة. كلما كانت معرفتنا اكثر دقة بأحد القيمتين، تكون معرفتنا أقل بالقيمة الاخرى.

 

 

نابي بوعلي"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

مقدمة: رغم الفارق الزمني بيننا وبين ميلاد مشروع مالك بن نبي حول "شروط النهضة" إلا أن أفكاره ظلت تزحف إلينا متحدية الزمن، لتتصدر الواجهة مع تجدد الهم الحضاري، نظرا لما تحمله من تساؤلات عميقة حول شروط النهضة ومشكلات الحضارة والمعاناة الحضارية، وشروط البناء الحضاري الإسلامي الجديد.. فكيف ننتقل إلى صفحة جديدة من التاريخ؟ متى ندخل نادى الأمم المتقدمة في أفق المستقبل؟ من أين نبدأ النهضة وما شروطها؟

إن هذه التساؤلات تفرض علينا في نظر مالك بن نبي إعادة إحكام سؤال المنهج من أجل تشخيص المرض الذي ظل المجتمع الإسلامي يتألم منه منذ قرون، إذ اكتفت محاولات الإصلاح بالحديث عن أعراض المرض بطريقة مجتزئة ولم تتناول حقيقته، ولم تنفذ إلى صميم مشكلة أزمة النهضة بشكل جذري. إن الصياغة الجديدة للمنهج تضعنا أمام تحدي مواجهة أسئلة عميقة بخصوص شروط النهضة وأدواتها لاستئناف المشروع الحضاري.

إن غرضنا ليس الدفاع عن منهج مالك بن نبي في الإصلاح وغاياته التي يرمي إليها، وإنما أن نفحص التحول الحاصل في موقفه بخصوص المنهج الذي سلكه للتنظير لشروط النهضة في التاريخ انطلاقا من مكتسبات العلم بحكم تكوينه العلمي وهو ما شكل تحولا حاسما في الفهم الجديد لشروط النهضة، إذ رأى أنه قد حان الوقت لأن تتحرك الأمة بطرق إيجابية وعلى أسس علمية وعملية جديدة بما يخدم قضاياها حتي تأخذ مكانها في عالم الشهود لأنها صاحبة رسالة في التاريخ.

  سوف أتناول في هذا المقال إشكالية أساسية، تتمثل في إعادة إحكام سؤال المنهج في الفقه الحضاري من خلال كتاب مالك بن نبي الموسوم بـ" شروط النهضة"، استنادا إلى فرضية أن تغيير المنهج يدخلنا بالضرورة في تصادم قوي مع الواقع لكي نعيد تشكيله من جديد.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في التأكيد على حق المسلمين في بناء حضارة خاصة بهم خارج دائرة الحضارة الغربية، وهذا لا يتعارض مع السنن الكونية التي تجعل الحضارة تداول بين الشعوب دون احتكار ودون فرض النماذج الحضارية الأخرى على الحضارة الإسلامية، خاصة مع تصاعد نبرة الخطاب الغربي الذي لم يستطع تصور حضارة خارج إطار حضارة الغرب. وهذا التفكير السنني في بناء الحضارات الذي يقدمه مالك بن نبي يكون قد يفيد في صياغة مقاربات جديدة أكثر فاعلية لتحقيق النهضة، وهي مقاربات تساعد في تركيب رؤية واقعية وموضوعية عن مقصدية الإنسان المستخلف.

1 - عن سؤال النهضة

يعتبر مالك بن نبي من أبرز المفكرين المسلمين الذين انشغلوا بالفكر الحضاري بالمعنى الفلسفي بعد ابن خلدون، وقد تمثل فلسفة التاريخ وفلسفات الحضارة لدي أغلب الفلاسفة الغربيين المعاصرين من أمثال هيجل وماركس وتوينبي واشبنجلر وكسرلنج...، وعمل على هندسة فكرة الاقلاع الحضاري في رحلته الفكرية التي كرس من خلالها جهوده لمشكلات الحضارة ووجهة العالم الإسلامي في تشخيص الأزمة الحضارية، وإمكانية النهوض بالعالم الإسلامي وإدخاله نادي الأمم الحية، حتى يتجه العالم الإسلامي إلى وضعه الطبيعي.

خاض مالك بن نبي نقاشا واسعا ومعقدا يغذيه الطموح الذاتي للتحرر من التخلف والاستعمار، لأنه كان يحمل هموم الأمة الجزائرية بكل إخلاص وتفاني، وعمل من أجل إدراك المقاصد وبلورة مشروع نهضوي مستقبلي لأمة أصابها التآكل من جميع الجهات، وصار حضورها التاريخي يتراجع أمام تقدم الأمم الأخرى. وحتى ولو انصبت دراساته على وضع محدد هو الجزائر، إلا أنها تعدت في أبعادها الإنسانية حدود الجزائر والعالم العربي والإسلامي إلى آفاق واسعة من العالم.

يرى مالك بن نبي أن الأمة الإسلامية تواجه تحديا خطيرا، ولا خيار لها أمام التحدي إلا رفعه، ولا بديل لها عن التحضر كحتمية تاريخية ووجودية. وفي ظل التدافع الحضاري، يكون من حق المسلمين، بل ومن واجبهم البحث عن أسباب الحضارة ومسالك التحضر، وأن يكون لهم مشروعا حضاريا كباقي الحضارات الأخرى، وخاصة المشروع الحضاري الغربي الذي يسعى إلى الهيمنة على الحضارات الأخرى وابتلاع باقي الثقافات في جوف ثقافة واحدة، تلتهم في طريقها كل ما تجده مختلفا عنها ومخالفا لها. في هذا المناخ الفكري والسياق التاريخي المليء بالتناقضات ولد مشروع "شروط النهضة" بإيمان قوي ووعي بما يجري واستشراف لمستقبل الأمة ووجودها بين الأمم، وهو مشروع فكري يطرح على المسلم أعمق الأسئلة وأكثرها خطورة،  تلك الأسئلة التي تحمل في ثناياها هموما نهضوية تحيل بقوة على الواقع والتاريخ، والتي لا تزال تحتفظ براهنتيها وتنتظر الإجابة.

 لذلك يندرج مشروع مالك بن نبي في إطار السؤال المعرفي المتعلق بإشكالية النهضة وشروط البناء الحضاري الإسلامي الجديد، الذي طرحه رواد النهضة والإصلاح لمعالجة الوضع الاجتماعي والحضاري العربي القائم، وضرورة تغييره نحو الأفضل، لأن هذا الواقع لا يعكس آمال وطموحات ورسالة الأمة الإسلامية، وظل هذا الهاجس مدار اشتغال الفكر العربي المعاصر، وظلت المحاولات تصب في إطار سؤال مركزي، هو سؤال النهضة.

يختصر سؤال النهضة عمق الأزمة الحضارية عند المسلمين ملخصة في السؤال الأسطوري: لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ وفي هذا المضمار قدّم مالك بن نبي اجتهادات لتفسير مشكلات الحضارة كغيره من المفكرين العرب الذين تحركوا لتجديد الخطاب التاريخي العربي بعد صدمة الحداثة، وتوسعت هذه الحركة النقدية مع مالك بن نبي ليعيد للمسلم كامل وظيفته في البناء الحضاري حيث نجده يختلف عنهم في التناول المنهجي الذي تميز بالروح الدينية وقوة التحليل العلمي في رحاب فلسفة التاريخ، فقد لاحظ أن الجهود السابقة لم تؤثر بقوة في حركة التاريخ، ولم تحرك طاقات الأمة وتحررها، مما يفرض إعادة قراءة هذا التاريخ منهجيا في ضوء مختلف. ولا يتم ذلك المسعى في نظره إلا من خلال استيعاب حركة التاريخ، ووعيها، بمعنى البحث عن دور ووظيفة الفكر في التاريخ. إن التاريخ في نظره لا يسير بطريقة عفوية كما يعتقد البعض، بل تحكمه قوانين محددة تقوده نحو غايته النهائية. وسؤال النهضة يضعنا أمام المشكلات، فكيف فرضت النهضة نفسها كرهان على الفكر العربي، وكيف تعاطي معها ذلك الفكر؟

ظهر مالك بن نبي رائدا لقراءة الحضارة، متأملا في ظاهرة التخلف والتدهور التي أصابت الأمة الإسلامية والتي استولت عليها الأفكار الأشد عداء للحداثة بالرغم من أنها تحاول النهوض منذ زمن بعيد، متسائلا كيف نرسم طريق المستقبل؟ وكيف نفعّل الطاقات الجامدة؟ وبعد مراجعته للسجلات السابقة " اكتشف قصور الفكر الإصلاحي النهضوي المرتبط بالإسلام وفشله في حل مشكلة النهضة، التي هي في أصلها مشكلة حضارة وليست مشكلة تخلي عن الدين"( بوبكر،ج.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحركة الاصلاحية في العالم الاسلامي:254). وهنا بالنسبة للإسلام يقلب مالك بن نبي السؤال منهجيا من الصيغة التقليدية: هل يوجد في الإسلام ما يمنع الإنسان المسلم من التحضر ومسايرة وهج الحضارة إلى الصيغة التالية: هل يوجد في الإسلام أشياء ما تدفع بالمسلم إلى الحضارة؟

 ويجيب أن التاريخ يشهد بأن الاسلام بنى حضارة طيلة ثمانية قرون، وهذا البناء الحضاري الإسلامي هو الذي مثل الجسر الذي عبرت عبره الحضارة إلى زماننا الحالي، أي العصر الجديد، ولولاه لبقيت الإنسانية في العصر القديم جامدة ولم تتقدم أبدا. فالدين عملية ضرورية لبناء الحضارة" ففي الدين توجد عوامل الحضارة وأسباب النهوض، والأمر يعود إلى فهم الدين والتعاطي معه، فالتخلف مثل التحضر يحل بالمسلم وبغير المسلم، والإسلام عامل تحضر إذا تمكن المسلمون من تحريكه نحو الإقلاع والبناء الحضاريين وإلا كيف نفسر تخلف المسلمين وتقدم غيرهم. فالإسلام ليس مجرد شعارات ترفع ونسك تقام وشروح تبرز محاسنه وتفند أقاويل ودعاوى خصومه وأعدائه، بل الأمر يتعلق بالمنهج الإسلامي المتبع من طرف المسلمين في التعاطي مع الواقع والحياة عامة"( بوبكر،ج.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحركة الاصلاحية في العالم الاسلامي:254).

 لقد ظلت حركة الإصلاح تعالج مشكلة التخلف انطلاقا من رؤى وأمزجة شخصية وبطريقة جزئية دون تناول المشكل في كليته، ولذلك رأى مالك بن نبي أن الرأي الشخصي أو المزاج أو المهنة غير قادرة منهجيا وعلميا أن تقدم تحليلا موضوعيا في مجال يسيطر عليه الجانب الذاتي، وعلى سبيل المثال فقد" رأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما رأي رجل دين كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ …الخ على حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المـرض بل يتحدث عن أعراضه"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:41).

 لقد اتخذ مالك بن نبي مسارا عكسيا في الاشتغال على سؤال النهضة بعد أن اكتشف نقائص منهجية وسمت حركتي الإصلاح والنهضة اللتين تناولتا الواقع بطرق جزئية سياسية...إدارية...عقلية...دينية ...تربوية...ايديولوجية... من دون الوقوف على علة المرض، فقرر إعادة إحكام سؤال المنهج، يقول مالك بن نبي" هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى، ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي بحيث لا تدع مجالا للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:40).

ومن هنا صارت المسألة الأساسية التي تشكل الشغل الشاغل لمالك بن نبي تتمثل في السؤال: كيف نبدأ النهضة؟ كيف تنهض الأمة الإسلامية من جديد؟ وما شروط هذه النهضة المنتظرة؟

من هنا تأتي دعوة مالك بن نبي لتصالح الذات مع التاريخ والالتحام به، من خلال القضاء على أشكال الغربة والاغتراب، وابتكار أنماط جديدة من التفكير الحر البناء، التي سيقودنا حتما إلى معرفة القوانين الأساسية التي يخضع لها تاريخ الإنسان، حتى لا نظل شعوبا مراهقة قاصرة تحتاج إلى غيرها دائما، لا تعرف مرحلة الشباب ولا مرحلة الرجولة، وهو ما يدل بما فيه الكفاية على أن هذا التاريخ الذي نحياه اليوم، قد انحرف عن مساره الطبيعي، وهو بالتالي تاريخ الغياب عن المسرح العالمي والتدافع الإنساني.

لقد صار من الضروري في نظر مالك بن نبي أن ينتصر الإنسان العربي نفسيا وفكريا وثقافيا، وأن يعالج أمراضه من الداخل بالاعتماد على الذات، حتى لا يبقى حالما وهو في حالة اليقظة وما أصعب أحلام اليقظة المنحرفة، ولا بد عليه أن يقتنع بإمكانية تحويل التاريخ تحويلا مفيدا، بعد أن يمتلك المقومات الضرورية لذلك، وفي مقدمتها وعي الصيرورة التاريخية من خلال أبعاد الفكر المختلفة.

2 - أبعاد الأزمة الحضارية:

من الطبيعي قبل الحديث عن النهضة وشروطها لا بد من تحديد معالم أزمة الحضارة في العالم الإسلامي، فالأمة الإسلامية تعيش وضعا مأزوما يتجلى في الحصار والتهديد والتقسيم والتهميش والعدوان المباشر عليها. والملاحظ أنه في الوقت الذي تستفحل الأزمة عندنا وتتعمق، ينجح الغرب في إقامة هوة ويوسعها على الدوام بيننا وبينه ويطوقنا من كل جانب ويحاول إغراقنا أكثر فأكثر في مستنقع التخلف ليهم بالسيطرة على العالم. أمام هذه الصدمة شرع الفكر العربي يشخص ملامح الأزمة المركبة التي يعيشها في شكل تبعية للقوى العظمى، فالمجتمعات العربية تتخبط في دوامة من المشكلات وتبحث عن نفسها في خضم الصراع، وضيعت الكثير من الفرص والوقت لتحقق لنفسها هامشا من الأمن على كل المستويات.

إلى جانب ذلك تعيش أزمة داخلية هي أزمة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم وإشكالية تجديد النظم السياسية،  من دون أن ننسى حضور السلطة الكاتمة للأنفاس والمراقبة للخطاب والمهيمنة على كل شيء لاعتقادها أن الحقيقة تتجسد فيها وحدها استنادا إلى ايديولوجيات هرمة. ومن دون الوقوف على علة المرض السياسي في المجتمعات الإسلامية الذي ظل ينتج ويعيد إنتاج ذلك الكائن المغترب عن العالم ويرسم مصيره وتاريخه منذ لحظة ميلاده حتى لحظة فنائه ويكرس منطق التأزم التاريخي، فإن الطريق إلى النهضة يبقى شاقا وطويلا.

إن الغرب عرف النظام الديمقراطي وبلور رؤى سياسية تقوم على حكم الجماعة وتطوير الفضاء العمومي وتوسيع هامش الحريات الفردية والجماعية وضمان الحد الأدنى من حقوق الإنسان وإشاعة ثقافة المواطنة، بينما العقل العربي لم يعرف هذا النظام، بل عرف أنظمة تقوم على قدسية الحاكم وتفرده المطلق، حتى صار التاريخ العربي في معظمه يدون بأسماء الملوك مثل العصر الأموي والعصر العباسي، ويتأسف على استمرار هذه الظاهرة" وما زالت هذه العقيدة الوثنية التي تقدس الأشخاص لا زالت منتشرة في بلاد الإسلام"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:158).

وهنا يلح مالك بن نبي على ضرورة الانتقال من ممارسة البطولة إلى صناعة تاريخ الشعوب.

ثم أزمة التحديات الخارجية التي تعمل على إجهاض كل مسعى نحو التقدم والازدهار حتى تبقى المجتمعات العربية في دائرة التخلف التي يزجها الغرب فيها حتى يتحول الفرق بيننا وبينه إلى عجز حضاري دائم. ففي كل محاولة وفي كل منعطف تاريخي تصطدم الأمة العربية بقوة غاشمة تجهض أي محاولة للنهوض الحضاري، وأخيرا فقدان الرؤية الاستراتيجية الشاملة لتغيير الواقع وذلك من خلال إشراك كل الفاعلين وأهل الاختصاص من أجل انتشال الأمة من وضعية التخلف. فتجاوز حالة التخلف يكون بالنقد العقلاني والوقوف على الأسباب الحقيقية الموضوعية والتاريخية زيادة على امتلاك المعرفة العلمية الجديدة التي تسهم في بناء مشروع تنموي نهضوي متكامل في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.

3 - من شروط النهضة إلى بناء المشروع الحضاري:

قبل تحديد مفهوم الحضارة وشروط النهضة عند مالك بن نبي، نتوقف عند فكرة مركزية أصيلة شغلت مساحة واسعة من تفكيره، وهي فكرة "القابلية للاستعمار"، والتي يمكن اختصارها في قولنا" لا يوجد استعمار إلا حيث يوجد مُستعمَر"، وكيفية الانتقال من القابلية للاستعمار وتكسير قيوده إلى رحاب النهضة والحضارة التي يؤدي فيها المسلم رسالته.

يرى مالك بن نبي أن "هذه الملاحظة الاجتماعية التي تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذّل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 31).

لقد أفرد لهذه الفكرة جانبا كبيرا من التحليل والنقد والاستنتاج لفك ألغازها في إطار معالجة الاستعمار والشعوب المستعمرة. يرى مالك بن نبي من خلال تحليل المعامل الاستعماري الذي يوجه مصير الفرد، أن الاستعمار لا يتسلط إلا على الشعوب الضعيفة، لأن المستعمر الطامع يستثمر في التخلف، فلم يحدث تاريخيا أن تعرض شعبا قويا للاستعمار، وهذه إحدى بداهات سنن التاريخ التي ينبغي أن يعيها المسلم، فحيثما يكون الانحطاط يجلب الاستعمار بالضرورة، الذي هو نتيجة حتمية وطبيعية للانحطاط الحضاري. وبالمقابل، وحتى لا نكون مستعمرين يجب أن نتخلص من ظاهرة القابلية للاستعمار. لا يمكن فك عقدة القابلية للاستعمار وغيرها من ملامح الأزمة المركبة التي يعيشها المسلمون إلا بتغيير المحتوى النفسي والعقلي والثقافي للإنسان، والتغلب على المشاكل التي تمهد لقدوم الاستعمار وتفكيك بنيتها، وتفعيل الأفكار بالتوجيه والاستغلال الفاعل وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وعناصرها الأربعة: الأخلاقية، الجمالية، المنطق العملي، والجانب الفني. إن المشكلة لا تكمن في الاستعمار في حد ذاته ولكن في من تتسع نفسه لتقبل ذّل الاستعمار، وهنا يكتشف مالك بن نبي المعامل الداخلي في مقابل المعامل الاستعماري الخارجي في الفرد الذي يقبل على نفسه الاستعمار، ولا يتحرر الإنسان من ذلك ليرفع عن نفسه مظلمة القابلية للاستعمار إلا برفع شعار" أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم". وذلك بتفكيك عناصر الخوف وبقايا عصور القهر والظلام والقضاء على النقائص التي تعتري الشعور وتخليصه منها.

إن الشرط الأول للنهضة هو ضرورة محاربة استمرار الاغتراب الثقافي في وعي الفرد والتحرر من فكرة القابلية للاستعمار التي هي محك ثقافي يكشف قدرة الوعي على العودة إلى الذات بادراك التمايز والتغاير عن الآخر، وما لم ندرك هذه الحقيقة سنظل نسير عكس حركة التاريخ الطبيعية وسننه الكونية" إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنا معلقة في الهواء، وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 36).

4 - مفهوم الحضارة عند ملك بن نبي

من جملة الاهتمامات التي انصبت عليها دراسات الإنسان تاريخيا بصورة عامة، هي محاولة فهم وتعليل عوامل التطور والتقدم، وأسباب الانحطاط والتخلف التي تصيب الحضارات المتتالية التي شيدها الإنسان، وهل هناك قوانين موضوعية تتحكم في قيام الحضارات وزوالها؟ ولماذا هناك تقدم حضاري؟ ولماذا هناك تخلف حضاري بالمقابل؟ من يحرك التاريخ ويصنعه؟ إلى غير ذلك من التساؤلات الكثيرة.

 وفي ضوء ذلك، شرع مالك بن نبي في بلورة مفاهيم نظرية جديدة لفلسفته، ووضع الحضارة في شكل معادلة رياضية، بتركيب ثلاثي الأبعاد (الإنسان، التراب، الوقت) تحكمها الفكرة الدينية التي تمزج هذه العناصر وتفعّلها، وتمنحها الديناميكية في إطار مجتمع حي متفاعل باستمرار، ليؤسس نظرية من منظور الظاهرة القرآنية ومركزية القرآن الكريم، يؤكد من خلالها على أن الفكرة الدينية كعامل اجتماعي تسهم في تحريك التاريخ وتوجه مساره المستقبلي" إننا نجد في القرآن الكريم النص المبدئي للتاريخ التكويني"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 49 ) هذا النص الذي لا يؤكده مبدأ الايمان الديني فقط، ولكن يدعمه اختبار التاريخ وصيرورته، كما يؤكد أن موطن المعجزة يكمن في النفس التي دل عليها القرآن الكريم، لدفعها إلى محراب الإيمان الذي يمنحها مبدأ الشعور بضرورة التغيير ويدفعها إليه، لأن الدين فكرة محورية في بناء الشخصية، لتتجه لبناء مشروع نهضوي متكامل في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والإنسانية بعد العودة إلى فكرتها المؤسسة التي شكلت ميلاد حضارتها الأولى في النموذج الأصلي الذي قطعت صلتها به بسبب الانحراف التاريخي وجهل السنن. 

استند مالك بن نبي إلى ترسانة قوية من المفاهيم وظفها في سائر كتاباته وبناء نظريته في فلسفة الحضارة، ومن بين تلك المفاهيم مفهوم الحضارة، فماذا تعني الحضارة عنده؟

 الحضارة في نظره هي ضرورة حياتية لكل شعب، ووجود شعب بدون حضارة هو أشبه بالعبث في التاريخ، لأن من شروط المجتمع البشري أن تكون له حضارة، فالجماعات التي تعيش دون غاية فهي تعيش في زمن ما قبل الحضارة ولا تؤدي وظيفة وجودية. وما لم يفقه الإنسان حقيقة قيام وأفول الحضارات فسيظل يتخبط في دوامة مشكلاته، ويعيش الضنك الحضاري. ثم إن الحضارة إبداع بشري خالص، يتوقف على حصيلة تجارب الشعوب وجهودها عبر الزمن عندما ينتج الإنسان الأشكال الراقية للحياة، وبإمكان أي شعب أن يصل إلى درجة التحضر عندما يخرج من طور التكديس إلى طور البناء، وهنا يفند مالك بن نبي أكاذيب الاستعمار الغربي، الذي كان يدعي أنه يحمل معه للشعوب المستعمرة ملح الحضارة، لأن الحضارة لا يكمن استيرادها وإن كان يمكن استيراد منتجاتها والانتفاع بها.

5 - ركائز النهضة بوصفها مشروعا ذاتيا:

تنبني النهضة على فعل الإبداع، وركائزها متداخلة ومتكاملة في نظر مالك بن نبي، فهي تمثل عالم الأفكار، وعالم الأشياء وعالم الأشخاص، ويعتقد أنه آن الأوان لنتحرك ونستيقظ من السبات ونبني حضارتنا بتشييد ذاتي، واستقلال هوياتي، يضمن لنا الخصوصية في إطار الكلية والكونية والتنوع الثقافي مع الآخر، وإلا فسيحكم علينا التاريخ حكما قاسيا، ويتركنا في برودة قاسية جدا تتواصل فيها المعاناة الحضارية. ولكي نعرف شروط النهضة، يجب علينا أن نحدد مكاننا من دورة التاريخ، لأن استيراد الحلول شرقا وغربا هو مضيعة للوقت وإطالة للداء، وبالرغم من ذلك يبدو أننا نعمل على تكويم منتجات الحضارة الغربية أكثر مما نفكر في بناء حضارة ذاتية خاصة. ولكن ليس بمجرد الحديث عن شروط النهضة تتحقق النهضة، فهو يدرك أن تحريك مجتمع خضع لنوم طويل، وسيطرة استعمارية غاشمة، ليس بالأمر اليسير، فالمجتمع حديث اليقظة لا تزال عليه آثار التخلف. لقد عملت رواسب الماضي وأطره وأبنيته فيه عملها، وكاد أن يستسلم للتخلف لقرون من الزمن، واستولت عليه فكرة التخلف والعقلية التراثية الفجة، ومن ثم لا بد أن يخضع لعملية تغيير جذرية شاملة للإنسان العربي الذي يحمل روح الهزيمة بين جوانحه ويعيش على بقايا أفكار لم تعد تستجيب لمشكلات العصر والتطور، ومستلب في مظهر حداثة مغدورة ومغشوشة، لم يساهم في بنائها ولا يستفيد من إمكانياتها الفعلية. ولفك الارتباط بين مظاهر التخلف وبين مرحلة النهضة، لا بد من المرور بمرحلة انتقالية تفصل بينهما، فظاهرة التخلف لم تخص بها الأقدار المجتمع الإسلامي وإنما هي ظاهرة تصيب كل المجتمعات ولذلك ينبغي أن نتخلص من عقدة التخلف التي ليست من قدرنا وحدنا في هذا العالم.

6 - أفق المستقبل في ضوء الايمان الديني:

لا يمكن العبور إلى المستقبل واسترداد حرية العالم الإسلامي دون تشخيص الحاضر، يؤكد مالك بن نبي على القرآن وأهمية الدين بالنسبة لبناء الحضارة ضد الالحاد والمادية، ويركز على فكرة التجديد بالدين، وليس تجديد الدين. تلتقي فلسفات التاريخ عند الرؤية المستقبلية والمصير في إطار جدلية الإنسان والحضارة، بين التكديس والبناء لأن الأمة لا تزال بين أحضان وثنية الجهل وغياب الوعي وسوء تقدير للقوى المحركة والدافعة في التاريخ حتى ليكمن القول أن المريض قد استسلم لمرضه وقبل التعايش معه.

 بين التكديس والبناء وجدل الإنسان والتاريخ يكشف لنا قانون قيام وأفول الحضارات من أين نبدأ النهضة، وكيف تبنى الحضارة، استيعاب التركيب الديناميكي لثلاثية الوقت والإنسان والتراب في وسط ينتج حضارة وهو الوسط الديني المركب للفكرة في حالة حياة وتحويلها إلى مشروع، وتفعيل الأفكار من خلال التوجيه والاستغلال الفاعل فالذي ينقص المسلم منطق الفعل والحركة، وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وعناصرها الأربعة: الأخلاقية، الجمالية، المنطق العملي والجانب الفني، وهي التي تحدد اتجاه الحضارة ورسالتها في التاريخ.

والإنسان المستخلف في فكر مالك بن نبي يعي التفكير السنني في بناء الحضارات، وفلسفة الحراك الحضاري، والإرادة الحضارية واستحضار الهمة، والتحديات التي تواجهه.

بالإضافة إلى المشكلات المعرفية والمنهجية السابقة التي آثارها مالك بن نبي، فإنه آثار أيضا مشكلة المرأة التي لا يمكن اعتبارها مستقلة عن الرجل، فالاثنين يشكلان مشكلة الفرد في المجتمع من المنظور الاجتماعي. إن البحث عن المنهج الأسلم هو الذي دفعه إلى إثارة المشكل، حيث قلل من أهمية الدراسات التي نصبت نفسها للدفاع عن حقوق المرأة باعتبارها مخلوقا ضعيفا مهضوم الحقوق والتي تطالب بتحريرها، بأنها ليست دعوات صادقة، ولا يمكن للمرأة المسلمة أن تتقدم بمجرد تقليد ظاهري للمرأة في الغرب. بل يجب أن ننظر إلى الرجل والمرأة من خلال حاجة المجتمع إليهما معا. 

لا يغيب عن نظر مالك بن نبي أن هناك معوقات تقف أمام النهضة، منها تعاظم الرؤية الطرقية الصوفية التي رسخت الدروشة، وتراكم سنين التخلف، وغياب الوعي، مركب النقص، آفة التقليد القاتل، فقد القدرة على التحدي الحضاري، عدم استيعاب مرونة الواقع من حولنا...، ولذلك تقتضي نظرية التغيير تعميق الوعي والشعور الإسلامي في كل المسلمين بضرورة محاربة الوعي الزائف الذي يكرس الروح الانهزامية لديهم. وفي نفس الفكرة يرى حسن حنفي أن عدم الاهتمام بحياة الشعوب ومراحل تطورها المختلفة، يجعل الحقيقة سجينة التاريخ الرأسي، دون الاكتراث بالتاريخ ألأفقي بين الماضي والمستقبل "وغياب التاريخ الأفقي في الفكر الإسلامي أدى إلى غياب كل نظرية في التقدم التاريخي يكون محورها الإنسان في تفاعله مع واقعه الاجتماعي والسياسي، لذلك سيطرت العقلية الإيمانية التي تربط الله بالإنسان في دائرة الأخلاق والإيمان المحض بعيدا عن جدل الواقع والتاريخ"( قادة، ج،(2005) نحو فلسفة جديدة للتاريخ العربي عند حسن حنفي، حروف الحكمة العملية:50).

إن الخلاص من ورطة التخلف الحضاري يكون بوعي بخطورة الانحطاط وضرورة تجاوزه بامتلاك إرادة الحضارة من خلال الوعي الحقيقي بضرورة الخروج من حلقات التخلف، لنتحكم في زمام حركة التاريخ و توجيهها مع ما يتناسب وحضارتنا وقيمنا وثقافتنا تحريرا للإنسان الذي يتألم.

وعلى الرغم من أن مالك بن نبي يعتقد أن من يقوم بالمقارنة بين العالم الإسلامي والأوروبي يجهل قانون الدورة الحضارية، وهذا أشبه بالسجين الذي يطلب من سجانه أن يسلمه مفاتيح السجن ليتحرر منه، فإننا نرى أن الخطاب العربي  قد تبلور متأثرا بالحضارة الغربية التي تقاطعت معه بفعل المد الاستعماري، وإذا ما حاولنا اختزال تلاقي أفق الجانبين في قضية مركزية، فإنه يمكننا أن نتحدث عن مشروع النهضة العربية في الواقع وفي الفكر العربي.

يمكن القول، أن مسألة تغيير المجتمعات وتطورها تاريخيا تأتي بقوة الفكر، والتاريخ يشهد أن أوروبا قد تطورت بفضل إسهامات تطور الفكر الفلسفي والسياسي والاقتصادي، ابتداء من عصر الأنوار، أو ربما قبل ذلك، وهي المرحلة التي مهدت للثورات البرجوازية وفي مقدمتها الثورة الفرنسية التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخ أوروبا، فلقد انشغل كبار المثقفين والمفكرين الأوروبيين من أمثال هوبز وروسو وهيجل وكوندورسيه وغيرهم بأكبر القضايا المطروحة على الساحة آنذاك في مجتمعاتهم. وكانت حصيلة أفكارهم ونظرياتهم المحرك الأساس للتحولات العميقة المتلاحقة، التي شهدتها أوروبا في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وهكذا كانت أسماء الفلاسفة تاريخيا تتصدر قائمة العمالقة المؤثرين في تاريخ الإنسانية الباحثين عن خلاصها وتخليصها من أشكال الخرافة والوعي الزائف وصنوف التخلف والتبعية. لا قيمة للفكر ما لم يرتبط بالواقع ويعبر عنه ويلتحم به، ويرسم للمجتمع تطوره نحو الأفضل في الحاضر والمستقبل. إن وظيفة الفكر هو البحث عن البدائل الممكنة القادرة على دفع المجتمع نحو التطور والعمل من أجل تقدم الوعي بالواقع والعمل على تجاوز عناصر تأخره، وتفعيل حركة الإبداع الذاتي للأمة، عوض الاستسلام للأقدار الوهمية، التي تحبط كل عزيمة، وتقيد كل إرادة مخلصة وطامحة للتغيير نحو الأفضل.

يلاحظ علماء الاجتماع والانثروبولوجيا وجود اختلاف في درجة وعي الشعوب بتاريخها، فهناك شعوبا عملت على الاستفادة من تاريخها ولم تتقاعس، ووظفته في الاتجاه الصحيح أثناء يقظتها، لتجاوز آلامها وتحقيق آمالها وأحلامها، وهناك شعوب أخرى ولت ظهرها لتاريخها، وتنكرت له، فتنكر لها بالمقابل، وأضحت تعيش على هامش الزمانية. حتى ليمكن تقسيم الشعوب من هذا المنظور إلى شعوب حارة وباردة" إن المجتمعات البشرية قد استعملت بأشكال متفاوتة زمانا ماضيا ربما كان بالنسبة لبعضها كناية عن وقت مهدور. وإن بعض المجتمعات كان يلتقم اللقمة مزدوجة ويقطع الأشواط أزواجا بينما كان غيرها يعبث ويتسكع، هكذا... التمييز بين صنفين من التاريخ: تاريخ تقدمي، اكتسابي، يراكم اللقمة تلو اللقمة والاكتشاف تلو الاكتشاف لكي يبني حضارة عظيمة، وتاريخ آخر لا يقل استخداما للمواهب، لكنه يفتقد للهبة التأليفية التي يمتاز بها الأول"( ستروس، ك. ل(1990)، الإناسة البنيانية: 305).

 الخاتمة:

إن كتاب "شروط النهضة" يلخص جهد مالك بن نبي الفكري الذي كان يرمي إلى إحداث النهضة في العالم الاسلامي، ويعبر عن صرخة مفكر هاله وضع الأمة الإسلامية التي تكاد تخرج من التاريخ  وتخشى خطر الإقصاء التاريخي، رغم أنها ليست من المجتمعات الطبيعية الساكنة، بل هي من المجتمعات التاريخية، التي يمكن أن تجدد شكل وجودها في التاريخ. وتعود إلى الحياة من جديد، التي يستأنف فيها كل شعب دوره ورسالته ويبدأ تاريخه من خلال امتلاك ما يسميه مالك بن نبي إرادة الحضارة.

ولعل أحسن توصيف لجهد مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة"، هو ما كتبه عبد الصبور شاهين قائلا: "الدراسة التي يقدمها بن نبي كأنشودة بهيجة يحي بها كوكب المثالية الذي يسجل فجر الحضارات منذ العصور المظلمة ولكن هذه الأنشودة هي ثمرة عقل يحاول فتح آفاق عملية للنهضة العربية والإسلامية"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 8).

ولكن بالرغم من هذه المحاولة الرائدة، فإن مالك بن نبي لم يكن أكثر حظا من غيره، بل هو يشترك في هذا الامتياز الحزين مع بقية المفكرين العرب الذين لم تجد أفكارهم من يتفاعل معها في زمانها لتمنح الوجود حيوية وديمومة، وبالتالي بقيت على مستوى الخطاب ولم تنجح في نقل المجتمع إلى مستوى الطموح الذي يراود مخيال النخبة المثقفة، بعدما عجزت النخبة السياسية عن تحقيقه على أرض الواقع رغم التضحيات الجسام التي دفعتها الأمة، والتي لا تزال تدفعها.

ولقد أدلى من جهته عبد الفتاح مورو بشهادة عن مالك بن نبي يشيد فيها بجهوده التي سبقت زمانها قائلا:" هؤلاء المفكرون الذين ينظرون بعيدا ويسبقون أوقاتهم يُستهزأ بهم ولا يتحملهم الناس ويجدون أنفسهم غرباء في أوطانهم وأعظم غربة هي عندما يوجد الإنسان في قوم لا يفهمونه".

ثم أخيرا دخلت أفكار مالك بن نبي وأطروحاته في إطار الشروحات وإعادة الشروحات في شكل من أشكال التكديس الذي كرس جهوده الفكرية لمحاربته، دون أن يحدث تراكما معرفيا حول نظريته في الحضارة وشروط النهضة تدفع بالمجتمع الإسلامي قدما إلى الأمام بدل النكوص الحضاري. كما أننا لم نجد شخصية أو مؤسسة علمية أو إرادة سياسية تركّب ما جاء به مالك بن نبي ليبقى الفكر العربي يعاني حيا وميتا. فليس هناك تقدما ملموسا على صعيد الممارسة. وهذا الوضع ينسحب على جميع المشاريع الفكرية المتلاحقة لأهم رواد التجديد الفلسفي، النهضوي والثقافي في العالم العربي حيث ظلت بعيدة عن أن تزلزل التخلف الذي اشتد تماسكه وتمسكه بالمجتمعات الإسلامية، وتأجلت الدورة الحضارية والاستئناف الحضاري الذي تنبأ به المفكرون المسلمون، فهل وجد التخلف عندنا بيته ومستقرّه النهائي؟

ومع ذلك يبقى خطاب مالك بن نبي خطابا إشكاليا يبشر بقطيعة مع الوعي المفقود لتتجاوز الأمة ليلها المظلم وتستقبل فجر يوم جديد. فمتى يولد الجيل الذي يفصل بين عهد التخلف وعهد المدنية ومتطلبات التجديد الحضاري تحقيقا لروح التاريخ الذي يوجد في المستقبل أمامنا، وننتقل إلى صفحة جديدة من التاريخ، حينما تدق ساعة البعث لتعلن عن قيام حضارة جديدة؟ لأن من سنن التاريخ التي لا يجب أن تغيب عن البال" أن الحياة تدعونا أن نسير دائما إلى الأمام"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:159).

 

د. نابي بوعلي

جامعة معسكرـ الجزائر

............................

المصادر والمراجع:

1 - بن نبي، مالك.(1986) شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر.

2 - بوبكر، جيلالي.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحرة الاصلاحية في العلم الاسلامي، مجلة عصور الجديدة، مخبر البحث التاريخي، جامعة وهران، م 2، العدد5، .245-261.

3 - جليد قادة.(2005). نحو فلسفة جديدة للتاريخ العربي عند حسن حنفي. في كتاب الحسين الزاوي، حروف الحكمة العملية،(47-62) الجزائر، رياض العلوم للنشر والتوزيع.

4 - ستروس، كلود ليفي.( 1990). الإناسة البنيانية، ترجمة حسن قبيسي، ب ط، لبنان، مركز الإنماء القومي.