 أقلام فكرية

سلطان العقل على مملكة الفعل

mohamad ghaniيلتقي العلم مع الدين في الاقرار بشيء نجده من الأهمية بمكان في تحقيق النجاح الانساني عبر التاريخ، هذا الامر هو ذلك الدور المحوري الذي يلعبه العقل في تحديد المصير الانساني سواء في هاته الحياة الدنيا وهي من الامور التي بحث فيها الفلاسفة وعلماء النفس أو حتى في الحياة الاخرى وهي من الأمور التي نبهت اليها الكتب السماوية وجاء بها الانبياء عبر التاريخ.

نبه أرسطو قبل آلاف السنين الى مبدأ عظيم لا تمثل كل الانجازات العلمية الحاضرة الا حواشي مفسرة وموضحة له 1، هذا المبدأ هو ما نسميه اليوم قانون السبب والنتيجة حيث رأى أرسطو أننا نعيش في عالم منتظم ومحكوم بقوانين كبرى ثابتة وأن كل شيء يحدث من حولنا له سبب معين سواء علمناه أم جهلناه2.

نفس هذا المبدأ تعلمناه في المدرسة يوم كنا صغارا لما كانت معلمتنا تدرسنا قصة الصرار والنملة تفسيرا للمثل الشائع "من جد وجد ومن زرع حصد" وما تلك القصة الا تعبير قصصي مفسر للمبدأ الديني الخالد في آي القرآن الحكيم "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" الشمس 9-10، حيث جاء جواب القسم كقاعدة كونية بعد قسم الحق بثمانية أنواع من آياته الكونية العظيمة قائلا {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس 1-8، فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أهمية هاته السنة الالهية والناموس الكوني الذي مفاده أن من ينجح في تزكية نفسه فهو في فلاح وسعادة، أما من أهمل تزكية نفسه فهو في خيبة وخسران وندامة 3.

لا غرو أن هذا المبدأ الديني نفسه ما عبر عنه إسحاق نيوتن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه " 4، وصاغه براين تريسي رائد علم نفس النجاح بقاعدة مفادها "أن لكل فعل عواقبه" وهو متضمن الآية الكريمة "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم " يس12، حيث ذهب صاحب التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب الى أن المقصود بآثار ما قدم ابن آدم هي السنن الحسنة، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والحبائس الدارة، والسنن السيئة كالظلامات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها فما قدموا هو أفعالهم، وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها .5.

إن عقل الإنسان هو سلطان جوارحه فهو الآمر الناهي في مملكة الفعل الانساني وقد عبر براين تريسي الخبير بخبايا النفس الانسانية عن هذا المعنى في فقرة رائعة قائلا:" إن عقلك هو أكثر القوى ذات السلطان في عالمك: وتعد طرقك المعتادة في التفكير هي أصل ما أنت عليه الآن. الى جانب الموقع الذي تشغله تتسم أفكارك بالابداع وهي ما تبدع واقعك من الألف الى الياء" وكما قال إيمرسون "يصبح الانسان على شاكلة ما يفكر به معظم الوقت "6 .

الهوامش

1، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 16

2، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 16

3، موقع الايمان أولا، مدارسة وحفظ سورة الشمس.

4، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 27

5، فخر الدين الرازي مفاتيح الغيب ص 44، دار الكتب العلمية بيروت 2004

6، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 31

 

د محمد غاني، أكاديمي وباحث مغربي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3059 المصادف: 2015-01-20 02:11:15


Share on Myspace