 أقلام فكرية

الفلسفة وزمانها عند هيجل

khadat jleedالفلسفة بنت زمانها: إنّ الفلسفة عند هيجل هي تعّين في الزمان والمكان وبالتالي يمكن أن نعتبر هذه الحقيقة هي نقطة الانطلاق في فلسفة هيجل الحقيقية، لأنه كثيرا ما تنعت فلسفة هيجل بأنها ذات نزعة مثالية، وكثيرا ما تفهم أيضا بأنّها فلسفة حالمة غارقة في الميتافيزيقا وبعيدة عن الواقع ولكن الرجوع إلى فلسفة هيجل ونصوصه الأصلية وسياقها التاريخي، كل هذه المرتكزات والمعالم تشير إلى عكس ذلك تماما فالفلسفة حسب هيجل هي إفراز لمنطق العصر ونتيجة من نتائجه وهي بذلك تتلون بظروفه الواقعية وملابساته التاريخية يقول هيجل مؤكدا هذه الحقيقة في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق): « فمهمة الفلسفة هي أن نفهم ما هو موجود لأنّ ما هو موجود هو العقل، إنّ مهمة الفلسفة لتنحصر في تصور ما هو كائن لأنّ ما هو كائن ليس إلاّ العقل نفسه ولو أننا نظرنا إلى المسألة من جهة نظر الفرد لرأينا أنّ كلا منا ابن عصره وربيب زمانه، وبالمثل يمكن أن نقول عن الفلسفة إنّها عصرها ملخصا في الفكر وكما أنّ من الحمق أن نتصور إمكان تخطي الفرد لزمانه فإنّه لمن الحماقة أيضا أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لزمانها الخاص » (01) .

ومن هذا السياق الفلسفي الهيجلي يمكننا أن نفهم شيئا واحدا وهي أنّ فلسفة هيجل جاءت لفهم الواقع، الواقع الألماني الباهت والداكن في مطلع القرن التاسع عشر، هذا الواقع الذي كان يتقهقر ويتراجع أمام قوى أوربية محيطة كانت في طريقها إلى التقدم والرقي مثل بريطانيا في نهضتها الصناعية وفرنسا في ثورتها السياسية وتطورها الفكري، لقد كان هيجل يتجرع الألم والخيبة وهو ينظر إلى الواقع الألماني المفكك والمجزأ، هذا الواقع الذي رفض أن ينظر إليه نظرة سطحية محكومة بمبدأ الصدفة، بل أراد أن ينظر إليه نظرة عقلية عميقة يكتشف من خلالها المبادئ الثابتة والضرورية من خلال الأعراض المتغيرة « ومعنى ذلك أنّ هناك نظرتين للواقع، نظرة سطحية هي نظرة الفهم، تراها مفككة متناثرة لا تجمعها رابطة قوية لأنّها تظهر بفعل الصدفة أو الهوى أو العشوائية ثمّ هناك نظرة فلسفية هي نظرة العقل وهي التي يدعونا هيجل إليها، وهي التي ترى خلف الأحداث مبررا قويا وسببا ضروريا هو الذي جعلها على هذا النحو » . (02)

وإذا جاءت فلسفة هيجل لتخترق الأشكال لتنفذ إلى الجواهر في فهم الواقع الألماني على ضوء مبدأ العقل والعقل وحده لأنّ كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي، فإنّها جاءت أيضا لتنتقد تلك المقاربات الفكرية والسياسية من قبل الألمان لواقعهم المأزوم، هذه المقاربات التي رأى هيجل أنّها بعيدة عن العقل وأنّها تعبر عن تصورات قبلية يسودها مبدأ الصدفة لا الضرورة ويرى هيجل في هذا المعنى « إنّه من العسير عادة على أواسط الناس إلى تكوين عادة عقلية هي التعرف على الضرورة والتفكير فيها فتراهم يحشرون حشرا مجموعة من الأفكار والتصورات بين الأحداث وتفسيرها ثمّ يلجأون بالشكوى لأنّ ما حدث لم يتفق مع تصوراتهم والأعجب من ذلك أنّهم يلتمسون الأعذار لتصوراتهم وأفكارهم بحجة غريبة هي أنّه في حين أنّ الضرورة هي التي تسودها فإنّ ما يسيطر على الأحداث هي الصدفة، إنّهم في الواقع يفسرون الأشياء على أنّها مجرد أحداث فردية معزولة ولا ينظرون إليها على أنّها نسق من الأحداث تحكمه روح واحدة » (03) .

وانطلاقا من النصوص الفلسفية الصريحة والواضحة لهيجل ومن مواقفه السياسية يتبين لنا أنه كان ضد تيار تبرير الواقع، بل إنّه كان يتمنى في أعماقه واقعا آخرا لألمانيا، واقعا يسود فيه العقلي والكلي لا الصدفة والفردية، ومن هنا كانت مسؤولية هيجل التاريخية على الأقل بالنسبة له أمام نفسه وهو ضرورة تغيير ألمانيا من الناحية السياسية والفكرية والإقتصادية والإجتماعية . ولقد جاءت فلسفته كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية، ولا عجب بعد ذلك إذا وجدنا هيجل يهتم بالسياسة لأنّ السياسة هي مصدر القرار وقوة التغيير وأداته المباشرة، فلقد كانت السياسة اهتمام هيجل وهاجسه طوال فترة نضجه وعطائه الفكري وبروزه الإجتماعي « وفيما بين البداية والنهاية ظل اهتمام هيجل بالسياسة وفلسفتها مستمرا طوال حياته حتّى ذهب البعض إلى القول بأنّه كانت في حياة هيجل منذ بدايتها رغبة جامحة للتأثير في الحياة السياسية والإهتمام السياسي العملي في حين ذهب آخرون إلى أنه ثارت في نفسه تطلعات كثيرة فقد كان يحلم أن يصبح مكيافلي عصره » (04)

ولا شك أنّ الإنشغالات السياسية لهيجل وهواجسه الوطنية والقومية في رؤية ألمانيا أحسن من واقعها قد انعكس على أفكاره واهتماماته الفكرية والعقلية وقد تجلّى ذلك واضحا في كتابه (دستور ألمانيا ) الذي يصف فيه الواقع الألماني المريض، فلقد كان هذا الكتاب يعالج قضايا سياسية مباشرة لحالة ألمانيا « ولا شك أنّ هناك عوامل كثيرة دفعت بهيجل إلى هذا الإهتمام بالسياسة منها أسرته وتربيته وثقافته لكن أهمها جميعا أحداث العصر الذي عاش فيه وما شاهده من تغيرات سياسية سريعة وهائلة فقد سيطرت الثورة الفرنسية إبان سنوات تكوينه وامتدت إلى ما بعد نضجه، فقد كان في التاسعة عشر عند سقوط الباستيل وفي الخامسة والأربعين عندما وقعت معركة واترلو ومات بعد عام واحد من ثورة يوليو » (05) .

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أنّ الواقع الألماني والتغيرات الدولية المحيطة تعتبر العوامل الأساسية في توجيه فلسفة هيجل، ولقد جاءت فلسفته لتستوعب تناقضات الواقع من خلال الكشف عن المبادئ الحقيقية التي تحكمه وبالتالي أراد أن يجري مصالحة بين الفكر والواقع، وفي هذا المعنى يقول الدكتور زكريا إبراهيم: « والواقع أنّ هيجل قد عاصر فترة حرجة من فترة الحضارة الأوربية فلم يكن من الغرابة في شيئ أن تجيئ فلسفته مصبوغة بتلك الصبغة الدرامية أو المأساوية التي اتسم بها عصره، وهذا مما حدا ببعض النقاد إلى القول بأنّ نظرية هيجل في السلب والتناقض ليست سوى مجرد انعكاس لروح التمزق والتصدع التي سادت العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر وليست عبارات التوتر والإنقسام والإغتراب والإزدواج والتعارض والتناقض سوى مجرد تعبير عن إحساس هيجل بالحاجة إلى الوحدة والهوية والتوافق والتصالح والألفة والإنسجام، ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أنّ المهمة الأساسية التي تقع على عاتق الفلسفة، إنّما هي العمل على محو المتعارضات من أجل بلوغ أعلى درجة من درجات التصالح أو التوافق » (06) .

لقد كان هيجل يبحث إذن عن الإنسجام بين الفكر والواقع ولكن قبل حصول هذا التصالح فلا بدّ من تشخيص الواقع الرمادي الذي أنجز دورته بالفعل، والفلسفة في نظر هيجل هي التي تقوم بهذا الدور التاريخي والحضاري لأنّها تأتي دائما متأخرة، يقول هيجل: « بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي أن يكون والذي يقال إنّ الفلسفة تبشر به، إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلى حين يكتمل الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره، إن الدرس الذي تعلمه لنا الفكرة الشاملة، وهو أيضا درس يكشف التاريخ عن أنّه ضروري ولامحيص عنه هو أنّه حين ينضج الواقع الفعلي فعندئذ فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه وليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية، ذلك العالم الواقعي ذاته مدركا في وجوده الجوهري، وحين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رمادي، فإنّ ذلك يكون إيذانا بأن صورة من صور الحياة قد شاخت أو أن شكلا من أشكال الحياة قد أصبح عتيقا، لكن ما تصنعه الفلسفة من لون رمادي فوق لون رمادي لا يمكن أن يجدد شباب الحياة ولكنه يفهمها فحسب، إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلاّ بعد أن يرخي الليل سدوله » (07) .

وما يمكن استنتاجه من هذا النصّ الفلسفي الواضح لهيجل هو أن الفلسفة تأتي لتلخّص الواقع في الفكر ويأتي تلخيصها لهذا الواقع بعد أن يصل إلى مرحلة النهاية وبالتالي ضرورة الانتقال من واقع رمادي إلى واقع جديد ولشرح هذه الفكرة أكثر يقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام «والمقصور هو أنّ الفلسفة تعبّر عن قمّة البناء الذي هو القمّة والنهاية في آن معا، فبناء الواقع لأنه وصل إلى القمّة وبدأت النظرات الفلسفية تلخصه في الفكر فإن ذلك يعني أنه على وشك الأفول، وحين تقوم الفلسفة برسم لوحتها فإنها لن تستطيع تجديد شباب هذا البناء الهرم فإذا كان البناء السياسي شائخا أو باهتا فمهما وضعت الفلسفة من ألوان رمادية ومهما لونته من نظريات فلا بدّ له لأن ينهار، ومهما دافعت عنه الأفكار الفلسفية فإنّها لن تعيده شابا من جديد، بل إنّه حين يوضع في نظريات فلسفية فإنّ ذلك يعني في الحال أنّه وصل إلى تمامه وأنّه على وشك الأفول» (08) .

وما يمكننا قوله أنّ فلسفة هيجل واقعية في تأسيسها وأسسها وأنّ هيجل يحبذ المتحقق في الفكر حتى ولو كان بسيطا وقليلا على الفكر الذي لم يتحقق ولو كان واسعا وعظيما وبعد ذلك أو ليس هو القائل « إنّ أصغر عمل متحقق لهو أكبر قيمة من أجمل فكرة لم تستطع أن تتجاوز دائرة الإمكان فبقيت مجرد مشروع » (09) .

وهذا هو باعتقادنا الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من فلسفة هيجل، إنه درس كبير ويحتاج منّا كلّ الإصغاء والنظر والتأمل .

هيجل وأزمة ألمانيا:

إذا كان الإنسان إبن عصره وزمانه، وهي مقولة هيجلية في عمقها، فإنّ من يجسد هذه المقولة بحق هو هيجل نفسه، فلقد كان التأخر التاريخي الألماني خاصة في جانبه السياسي هو بؤرة اهتمامه الفكري بالإضافة إلى المشكل الديني، فلقد كان هيجل يحمل في ذاته شكلا من أشكال الوعيالشقي، إنّه يحمل في ذهنه واقعا أفضل لألمانيا هذا الواقع الذي هو في طور المثال ولم يتحقق بعد أمام الواقع الراهن الذي تبدو فيه ألمانيا دولة عجوزا، ومن هنا فإنّ هيجل كان مدفوعا دفعا للتفكير في أحداث عصره، هذه الأحداث التي كانت سريعة ومفاجئة في عمومها، لذلك فإنّ المشكلة السياسية عند هيجل تشكل الركن الركين وحجر الزاوية في فلسفته بصفة عامة وهذا ما يؤكده الدكتور زكريا إبراهيم عندما يقول «ولكنّ هيجل لم يقتصر في هذه المرحلة على الإهتمام بالمشكلة الدينية وإنّما هو قد أبدى أيضا إهتماما كبيرا بالمشكلة السياسية، وقد كانت ألمانيا في ذلك الوقت ضحية للفساد السياسي وسوء الإدارة والإنقسامات الداخلية فكان من الطبيعي لمفكر وطني مثل هيجل أن يشغل نفسه بالتفكير في حل ناجح لمشكلة بلاده والواقع أننا لو أمعنّا النظر إلى تطور هيجل الروحي خلال الفترة التي قضاها في توبنجن لتحققنا من أنه كان على وعي تام بأنه كان يحيا في فترة أزمة: أزمة خارجية هي أزمة ألمانيا نفسها وأزمة داخلية هي أزمته الدينية الخاصة، والذين يقيمون ضربا من التعارض بين هذين الإهتماميين إنّما يتناسون أنّ هاتين الأزمتين لم تكونا في الحقيقة سوى واجهتين لمشكلة واحدة بعينها، ومن هنا فإنّ كل تطور هيجل الروحي في تلك الآونة، إنّما كان متجها نحو البحث عن حل لتلك الأزمة المزدوجة » (10) .

لقد كانت الأطر الإجتماعية للعصر والتحولات التاريخية تقولب الفكر الهيجلي وتوجهه إلى مصيره وهو التفكير في الواقع الألماني من خلال التفكير في مفهوم الدولة والشعب والسيادة، بل يمكن أن نقول أنّ هيجل قد ربط مصيره بمصير ألمانيا، وبالتالي لم يكن ليقبل أن تكون صورته امتدادا لصورة ألمانيا، وبالتالي كان اهتمامه بالسياسة إهتاما مصيريا ويمكننا أن نقول: « أنّ السياسة كانت موضع اهتمام هيجل، بل وشغله الشاغل طوال حياته، فقد كان يعيش في عصر تاريخي إلى أقصى حد وكان يتتبع الأحداث يوما بيوم فهو القائل: (إنّ قراءة الصحف هي لون من ألوان صلاة الصبح) مستوحيا إياها من قضايا الساعة وليس من قبيل المصادفات أن يكون أول وآخر أعماله المنشورة والتي اهتم بدفعها إلى النشر بالفعل عبارة عن كتابات سياسية وليست أعمالا فلسفية خالصة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة » ( 11) .

ومن أبرز كتبه التي تناول فيها أزمة الواقع الألماني بالتشخيص وبنبرة حادة كتاب (دستور ألمانيا) وهو من الكتابات المبكرة لهيجل الشاب الذي يعكس من خلاله أحلامه الوطنية وشعوره القومي، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر « وصف رائع للتمزق الذي كانت تعاني منه الأمة الألمانية في عصره ، فالأمبراطورية الألمانية تجزأت إلى دويلات صغيرة بغير قانون موحد ولا دستور واحد ولا مجلس نيابي قادر على سنّ التشريعات المختلفة أو عملة واحدة ويصف هيجل حالة ألمانيا بقدر غير قليل من الحزن والأسى حيث يقول: (لم تعد ألمانيا دولة) ولهذا سقطت مترنحة تحت أقدام الغزاة من الفرنسيين فعندما طرقوا الباب طرقات خفيفة انفتح على مصراعيه ولا أحد يدافع عن ألمانيا سوى بالخطب والكلمات والعبارات الرنانة » (12) .

إنّ إدانة هيجل للواقع الألماني يعني إثارة الشعور الوطني والقومي للألمان أمام شعوب أوربا الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا أحسن من الوضع الألماني المأزوم، فلقد كان هيجل يقول بمرارة ( إنّ ألمانيا لم تعد دولة ) وهذا صحيح من الناحية العملية لأنّ ألمانيا لم تكن « لتشكل هيئة سياسية قومية، لقد كانت أمبراطورية تتألف من 360 دولة حتّى أنّ وسط ألمانيا وغربها كان عبارة عن فسيفساء سياسية تضم دولا صغيرة جدا تتألف الواحدة منها من دوقية أو قصرا أو مدينة أو إمارة كنسية وإذا كانت بروسيا تضم 2.5 مليون نسمة من السكان وهي أكبر دوقية فمن الممكن تصور حال الدول الأخرى » (13) .

ولا شك أنّ الوصف الهيجلي لحالة ألمانيا لم يكن نابعا من قناعات نظرية أو افتراضية أو مثالية فمقولة ألمانيا لم تعد دولة قد تأكدت على أرض الواقع، وأنّ تاريخ الإمبراطورية الألمانية العظيم لم يشفع لها أمام الجيوش الفرنسية التي حطمت أسطورة التاريخ الأبدي الخالد للإمبراطوريات التقليدية، ولقد كان هذا هو المعلم البارز في صدقية أفكار هيجل حول أزمة ألمانيا وبعبارة أخرى إنّ « المحك الأساسي الذي لجأ إليه هيجل ليؤكد على أساسه أنّ ألمانيا لم تعد دولة هو الضربات التي وجهها جيش الثورة الفرنسية للدولة الألمانية الكبرى أو نظام الرايخ وتاريخه القديم، ولم ينظر هيجل إلى هذه الحرب على أنّها نزاع بين أمتين أو حركتين قوميتين، ولكنه نظر إليها على أنّها صدام بين نوعين من الدول ونظامين من النظم السياسية، ومن هنا فإنّ انتصار الجيوش الفرنسية كان دليلا على قوّة الدولة الحديثة وتماسكها على نحو ما صهرتها القوى الثورية في فرنسا، أمّا النظام الألماني للإمبراطورية القديمة فغدا نظاما متخلفا من العصور الوسطى عاجزا تمام العجز عن الوقوف أمام هذه القوى الإجتماعية » (14) .

لقد كان هيجل في تحليله للوضع المأساوي لألمانيا يدعو إلى شيئ واحد وهو التبشير بعصر جديد تسود فيه القيم الإنسانية والحضارية الجديدة التي حملتها رياح الثورة الفرنسية كالأخوة والحرية والعدالة والمساواة بالإضافة إلى المفهوم الحديث للدولة التي تقوم على فكرة المؤسسات وهذا ما حاول أن يبرزه هيجل في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق) وكان لا مناص لهيجل من كل ذلك من خلال وعيه بالوضع القائم والمهمة الجديدة أن يناهض الفكر الرجعي وكل ما يرتبط بالنظام التقليدي القديم لقد أراد هيجل بكل وضوح أن يستبدل القانون الطبيعي بالقانون العقلي في المجتمع وكان يؤمن يقينا « أنّ اتجاها جديدا نحو السياسة قد ولّد إبان الثورة الفرنسية وأعني به القضية التي تحاول الكتابات السياسية لهيجل نشرها وإذاعتها فجميع كتاباته السياسية تدل على أنّه انغمس في هذا الإتجاه وأنّه ثار ضد خصمه وهو الإتجاه التقليدي الرجعي أو الموقف الطبيعي ونستطيع أن نسمي هذا الإتجاه الجديد باسم مبدأ القانون العقلي كمضاد لمبدأ القانون الوضعي الذي أدانه هيجل بقوة، والإيمان بالقانون العقلي بوصفه المعيار الوحيد المشروع لقياس جميع القوانين والمؤسسات والدساتير، هو البند الأول الأساسي في عقيدة هيجل السياسية » (15).

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحرب الفرنسية الألمانية المحك والأداة التي كشفت زيف الواقع الألماني والفكر الرجعي الزائف الذي كان يبرر هذا الواقع ويؤدلجه لمصالحه وهذا مما دفع بهيجل على إعطاء قيمة إيجابية للحرب في هذا الإتجاه ليس في جانبها التدميري العنيف لكن في الإتجاه الذي يجعل الإنسان يكتشف ذاته على حقيقتها بحيث تسقط جميع الأقنعة وتتهافت جميع الخطابات التي تعطي الأولوية للكلام على الفعل، لأنّ حالة الحرب تكشف عن حقيقة الوجود الداخلي للشعب ومدى قدرته وتماسكه ومن ثمة مدى قدرة الدولة على مواجهة الأحداث والتحديات، ويرى هيجل في هذا الإطار « أنّ صحة الدولة بصفة عامة لا تكتشف بوضوح في هدوء السلم بقدر ما تكتشف في لهيب الحرب، فالسلم هو حالة الإستمتاع والنشاط المنعزل، لا سيما إذا كانت الحكومة من النوع الأبوي المتزن الذي لا يطلب من رعاياه سوى مطالب عادية مألوفة، أمّا في حالة الحرب فإنّ قوة الترابط التي تربط الأفراد جميعا بكل وضوح تصبح واضحة للغاية وهذا الترابط هو الذي يحدد مبلغ ما يطلب من الأفراد وقيمة ما يقدمونه هم بدافع من داخلهم ومن صميم فؤادهم سواء بسواء » (16).

وحقيقة ما أراد أن يعبر عنه هيجل بكل وضوح هو أنّ الحرب تثير الشعور القومي للشعب وبالتالي يحدث التلاحم والإرتباط وتتناسى الأحقاد وتفجر الطاقات المكبوتة والمختزنة للأفراد ويندمج الفرد في إطار الكل وتصبح المسؤولية مشتركة والقضية قضية وجود ومصير، إمّا أن نكون أو لا نكون، إمّا أن نكون أسيادا أو عبيدا، إمّا أن نكون مستقلين وأصحاب إرادة أو تابعين وخاضعين « ومن ثمّ فإنّ ألمانيا في حربها مع الجمهورية الفرنسية تستطيع أن تتعرف بخبرتها ذاتها أنّها لم تعد دولة فهي قد أصبحت واعية بوضعها السياسي تماما في حالة الحرب بقدر ما وعته في حالة السلم التي أطبقت عليها، فالنتائج الممارسة لهذه الحرب هي ضياع أجزاء من أجمل الأراضي الألمانية وفقدان بضعة ملايين من سكانها فضلا عن عبء الديون وهي ديون كانت امتدادا لبؤس الحرب في وقت السلم، وهناك نتيجة أخرى، هي أنه إلى جانب أولئك الذين وقعوا في قبضة المحتلين والقوانين والعادات الأجنبية سوف تفقد ولايات كثيرة أعظم خيراتها وأعني به استقلالها » (17).

كما أنّ هيجل من جهة أخرى يدعو في نقده السياسي للواقع الألماني إلى تأمل الأوضاع في حالة السلم والتعلم دروس التاريخ، هذه الدروس التي هي بحاجة إلى من يتعلمها حتى تكون بمثابة نقاط ضوء تنير طريق المستقبل، ولعل الدرس الأكبر في نظر هيجل الذي يجب أن يتعلمه كل شعب في كل زمان ومكان هو أنّ « كل دولة إنّما تعبّر عن روح شعب ما أو مصير أمّة محددة في نطاق حقيقة كلية أوسع منها ألا وهي التاريخ، وإذن، فإن كل شعب، بل كل دولة إنما هي لحظة من لحظات المطلق في تطوره عبر التاريخ » (18).

إن هيجل يرفض النظرة التجزيئية للواقع ويدعو إلى النظرة الكلية الشاملة التي تقوم على مبدأ العقل والتأمل الباطني للأشياء، وإذا كان هاجس هيجل السياسي هو ضرورة تأسيس دولة ألمانية حديثة على أسس جديدة ونظم متطورة ووعي تاريخي جديد يكون قادرا على إستيعاب أحداث العصر والعالم والتحديات الجديدة التي أفرزها التاريخ الجديد .

إنّ هذا الوعي التاريخي الجديد في نظر هيجل يتجسد أكثر في حالة السلم . فكيف يدفع السلم في نظره إلى إدراك هذه الحقيقة وإلى تقييم النتائج المأساوية وانعكاسها على الشعب الألماني ومستقبله ؟ يرى هيجل أن السلم « يتيح الفرصة المناسبة لكي نتدبر بإمعان الأسباب الداخلية لهذه النتائج وروحها ونتأمل الطريقة التي يمكن أن تصبح بها هذه النتائج وحدها المظاهر الخارجية الضرورية لتلك الروح، كما أن هذا التدبر سوف يناسب هو ذاته أي شخص لم يذعن لما قد حدث لكنه يريد أن يتعرف على الحادث وضرورته، وهو بهذه المعرفة يفصل نفسه عن أولائك الذين يرون الصدفة والعشوائية وحدهما الذين يقنعهم حمقهم أنّه كان من الممكن ترتيب كل شيئ بحكمة أكثر وبحظ أوفر، إنّ هذه المعرفة لعلى جانب عظيم من الأهمية لمعظم الناس » (19) .

وما يمكننا إستنتاجه من هنا وهناك أنّ المذهب الفلسفي لهيجل يستبطن عقيدته السياسية، وأنّه يبرز هيجل كمفكر وطني وقومي قبل كل شيء، لأنّ العالم يبدأ من عتبة بيوتنا وأنّ وعي العالم يبدأ من وعي الذات وهذا حتى لا تنطبق علينا مقولة هيجل الشهيرة التي تقول: (إنّ كلّ ما نتعلمه من درس التاريخ هو أنّه لا أحد تعلّم من هذا التاريخ) ولا شك أنّها حكمة خالدة تستدعي منّا النظر والعمل .

هيجل والثورة الفرنسية:

لقد شكلت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 منعطفا حضاريا حاسما وتحولا تاريخيا كبيرا في أوربا بصفة عامة وألمانيا بصفة خاصة، ولقد تفاعل المفكرون والأدباء الألمان مع هذا الحدث التاريخي تفاعلا إبداعيا ورؤية عقلانية للتاريخ مليئة بالتفاؤل، وخاصة هيجل الذي رأى في هذه الثورة ملامح عصر جديد وفجر جديد يزيل الظلام عن أوربا الذي كان يلفها في غياهب التخلف ولقد كانت الثورة الفرنسية في هذا الجانب أيضا بالنسبة لهيجل بمثابة الشمس الساطعة والحقيقة الحارقة لكل الأجوبة الأبدية والشمولية ولكل قيم وعادات العصر التقليدية التي كانت تختزل الفكر والإنسان في أهواء الملوك ورغباتهم، وعلى هذا الأساس، فقد «أولى هيجل إهتماما خاصا بهذا الحدث كما فعل مع غيره من الأحداث الأخرى ، لقد نظر إليها باعتبارها نقطة فصل في التاريخ كرست القطيعة مع الماضي على الصعيد العملي وجسدت الأزمنة الحديثة في واقع الممارسة السياسية الثورة الفرنسية إذن بالنسبة لهيجل هي تحقيق ما كان يراه هيجل نموذجا للحرية الإنسانية، لذلك فقد أعجب بها وبمبادئها المستوحاة من روح العصر، واعتبرها الحدث السياسي الذي دشن الحداثة بالفعل وتأكد من خلاله أنّ الروح يحكم العالم » (20) .

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتساءل مع هيجل على هذه المعطيات منطلقين من مجموعة من الإستفهامات: كيف تعامل وتفاعل هيجل مع أحداث عصره، خاصة الثورة الفرنسية ؟ كيف كانت نظرته إليها وكيف كان تقييمه لها ؟ وما مدى إنعكاس الثورة الفرنسية كحدث تاريخي على وعي هيجل وفلسفته ومنطلقاته النظرية ومواقفه العملية؟اخيرا وليس آخرا، هل كان اهتمام هيجل بالثورة الفرنسية وبأحداث عصره من باب الترف الفكري أم من باب المسؤولية التاريخية ؟ .

وقبل الإجابة على هذه التساؤلات لابدّ أن نؤكد على حقيقة جوهرية وهي أنّ فلسفة هيجل يجب فهمها والنظر إليها انطلاقا من واقعها وليس من مفاهيمها الميتافيزيقية، بل حتى هذه المفاهيم الميتافيزيقية تظل مغلقة وملتبسة بمحتوى ومضمون من الواقع، وبالتالي فإنّ الواقع بالنسبة لهيجل يشكل ورشة عمل حقيقية لنحت وإبداع المفاهيم الفلسفية، فالفلاسفة لا يخرجون من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية بل هم ثمرة عصرهم ومجتمعهم، وهذا ما يسميه هيجل روح العصر أو إنتماء الفيلسوف لروح العصر، ومعناه المعاصرة الوجدانية والفكرية لمنطق العصر والتقيد بإشكالياته الكبرى ومحاولة الإجابة على تحدياته واستفهاماته « هكذا إذن كان موقف هيجل إن لم نقل مواقفه من الثورة الفرنسية تعبيرا صادقا عن اهتمام هيجل بأحداث عصره، فهيجل قد عاصر حقبة كاملة عرفت أحداثا دينية وثقافية وسياسية كانت تنذر بميلاد حقبة جديدة وعصر جديد، لقد واكب هيجل هذه الأحداث لا فقط لمسايرتها، وإنّما كذلك لتحويلها إلى آراء نظرية، هكذا إذن تكون دلالة الحماس الهيجلي إزاء الثورة وليدة اهتمام خاص يوليه هيجل للتاريخ وأحداثه الكبرى، لم يكن إذن ذلك التأييد والإنفعال مع الثورة وليد الصدفة أو لمجرد الترف الفكري، بل كان دافعه الأول والأخير هو الإرتباط بالعصر أو ما يسميه هيجل الإنتماء لروح العصر » (21) .

إنّ الإنتماء لروح العصر يعني بالنسبة لهيجل على صعيد الوعي والفكر مسؤولية الفيلسوف التاريخية أمام واقعه ومجتمعه، خاصة إذا كان هذا المجتمع يمر بمنعطفات وتحولات جذرية في بنيته الداخلية والخارجية ومن هنا يمكننا أن نطرح التساؤلات التالية: كيف عاصر هيجل أحداث الثورة الفرنسية ؟ وكيف تجسدت واقعيا في فكره وسلوكه السياسي ؟ وهل موقف هيجل الشاب من الثورة الفرنسية هو نفسه موقف هيجل الكهل والناضج ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لا بدّ أن نعود بخطوات منهجية وزمانية إلى الوراء وأعني إلى بداية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 حيث في هذا التاريخ تحديدا « ولم يكن هيجل يومها قد بلغ العشرين من عمره، وكان خلال هذه المرحلة يتلقى تكوينه التيولوجي في إطار ما يسمى بملتقى تبنجين، وقد جاء أول تعبير عن مساندة الثورة حينما شكل هيجل وهولدرلين وشيلينغ النادي السياسي لطلبة هذا المعهد، وحيث بدأ هيجل يلقي خطبا حول مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، كما أنّه قد عبّر عن نفس الحماس والتأييد طيلة حياته معتبرا أنّ الثورة الفرنسية هي الحدث الذي تتمحور حوله كلّ تحديدات الفكر الفلسفي في علاقته بالزمن» (22).

لقد كان حماس هيجل للثورة الفرنسية يرتقي إلى مستوى الإيمان والإعتقاد، فليس في الإمكان إبداع أحسن مما هو كائن من حيث الأفكار والمبادئ والقيم الإنسانية وفي طليعتها قيمة الحرية التي هي ماهية الإنسان وجوهره الحقيقي، وكخطوة رمزية وعملية من هيجل ورفاقه بإيمانهم بمبادئ الثورة الفرنسية حيث في يوم من الأيام « وفي صباح يوم أحد في ربيع عام 1791 إنضمّ هيجل إلى مجموعة من الشباب المتحمسين للحرية الذين ذهبوا إلى أحد المروج خارج مدينة توبنجن ليزرعوا شجرة الحرية وهم ينشدون نشيد المارسليزيه ويتلون قصيدة شيلر (أنشودة الفرح) التي استخدمها بيتهوفن فيما بعد في السيمفونية التاسعة » (23).

لقد شكلت الحرية إذن بالنسبة لهيجل محور فكره الفلسفي وتأملاته النظرية في الواقع والتاريخ خاصة ما اتصل منها بتاريخ الأمم والحضارات، إنّها المفتاح الإستكشافي لكل نسقه الفلسفي، بحيث لا يمكن فهم نظرية ما عند هيجل بدون إحالتها وربطها بمفهوم الحرية، ألم يقل هيجل نفسه في كتاباته الفلسفية أنّه (إذا كان الثقل ماهية المادة فإنّ الحرية هي ماهية الفكر) ولقد رأى هيجل على ضوء أحداث عصره وانطلاقا من مفهومه للحرية أنّ من يجسد هذا المبدأ على أرض الواقع إنّما هو نابليون الشخصية التاريخية والعالمية والذي يسميه هيجل (روح العالم) ، حيث وفي ليلة 12 أكتوبر ضرب نابليون (يينا) بالقنابل، وفي اليوم التالي دخلت قواته المدينة وكانت لا تزال أوراق الكتاب (ظاهريات الروح) في جيب هيجل الذي كتب إلى نيتامر يقول « لقد رأيت الأمبراطور روح العالم ممتطيا صهوة جواد يستكشف المدينة إنّه لإحساس عجيب أن ترى مثل هذا الفرد متمركزا هنا في نقطة واحدة ممتطيا صهوة جواد، ومع ذلك يعبر العالم ويتحكم فيه » (24) .

يبدو لنا من الوهلة الأولى أنّه من الصعب علينا أن نتفهم هذا الموقف الهيجلي من الإحتلال فبأيّ منطق وبأية فلسفة يمتدح هيجل نابليون كل هذا المدح وهو المحتل لوطنه وشعبه ويصفه بروح العالم ؟ لا شك أنّ هناك نظرة أخرى لهيجل من هذا الحدث وهذا التوصيف الأسطوري، خاصة أنّ هيجل ظلّ طوال حياته يحمل هموم ألمانيا ومآسيها في عقله ووجدانه، لقد كان يمثل نابليون لهيجل فيما نعتقد القيم الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تنقذ المأساة الألمانية، إنّه العصر الجديد الذي يأتي على أنقاض العصر القديم، لقد كان الهاجس الحقيقي والفعلي لهيجل وهو يتأمل الثورة الفرنسية هو الواقع الألماني ذاته، كما اعتبر هيجل هذه الثورة من جهة أخرى أنّها تمثل حدثا إنسانيا وعالميا وهذا عندما يصف هيجل نابليون بأنّه (روح العالم) لقد كان ينظر إليه بأنّه الناطق الفعلي والشرعي لضمير الإنسانية وليس للأمة الفرنسية وحدها، ومن هنا عالمية وكونية هذه الثورة بأبعادها ومبادئها التي هي مبادئ كل إنسان في كل زمان ومكان، ومن هنا أراد هيجل أن تكون فلسفته فلسفة للثورة الفرنسية التي تبقى في نظره أمل ألمانيا وأوربا في تحرير شعوبها من القيود الفكرية والسياسية والإجتماعية خاصة أنّ الثورة الفرنسية رفعت شعار (حرب على الملوك وسلام مع الشعوب) .

ولا شكّ أنّ الإندماج الفكري والوجداني لهيجل مع أحداث عصره خاصة الثورة الفرنسية يجسد لديه بحق مقولة الإنتماء لروح العصر، إذ الإنتماء لروح العصر «هو الشرط الضروري الذي بتوفره يمكن أن يوصف الإنسان هيجيليا بكونه إنسانا حديثا، وهو كذلك الشغل الشاغل بالنسبة للتفكير الفلسفي الهيجلي، لذلك فإنّ الإهتمام بالثورة هو تعبير عن الإنتماء لروح العصر، فلسفة هيجل إذن أرادت أن تكون فلسفة للثورة الفرنسية، لأنّ هيجل يرى أنّ الثورة بنت الفلسفة كما يرى كذلك أنّها دافع إلى التفكير الفلسفي لأنّها كانت الوسيلة التي من خلالها تنبه المثقف في ألمانيا إلى أنه يعيش واقعا مرفوضا، فعلى أساس توجهاتها إنبنى نقد الأوضاع في ألمانيا، لقد كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لهيجل هذه الشمس التي ترفع في سماء فرنسا وتضيئ بنورها الساطع المأساة الألمانية»(25).

ولكن الثورة الفرنسية كحدث سياسي وتاريخي والتي جسدت فلسفة عصر الأنوار والمفكرين الموسوعيين قد مرت بمراحل وتحولات ظرفية وتاريخية إلى أن أنقلبت على نفسها ودخلت في أزمة حقيقية وقامت حكومة الإرهاب والمقاصل الجماعية وتحولت الحرية إلى رعب والثورة إلى فوضى وسادت المقولة السياسية الشهيرة (الثورة تأكل أبناءها) ومن هنا أخذ هيجل يتساءل بعمق « فما الذي جعل الفكر العقلي الحي ينقلب على هذا النحو إلى طوفان مدمر؟ » (26) .

وبعد أن تأمل هيجل مبادئ الثورة الفرنسية وتجسيداتها العملية والتطبيقية وجد أنّ هناك تناقضا بين المادة والصورة، بين المفاهيم النظرية ومحتواياتها الواقعية، بينما هو كائن وما يجب أن يكون، ويقول هيجل في هذا الإطار معلللا « السبب أنّ رجال الثورة لم يسمحوا بالتطبيق العملي الجاد للأفكار التي نادوا بها، ذلك لأنّ تحقق هذه الأفكار بالفعل يحد من حرياتهم لأنّ قيام المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وإعطاء كل ذي حق حقه سوف يعني في الحال أن تتحول الحرية المطلقة إلى حرية مقيدة متناهية محددة، ولهذا راحت الثورة تدمر ما تقوم هي نفسها ببنائه » (27) .

إنّ تراجع الثورة الفرنسية وانقلابها على نفسها جعل هيجل يفكر كثيرا في محتوى مفهوم الحرية، فلا وجود لحرية طبيعية أو حرية عمياء في نظره، فالحرية هي الخضوع الواعي لمبدأ أو قانون عام، ولا وجود لحرية مطلقة، وبالتالي فإنّه على ضوء أخطاء الثورة الفرنسية في مساراتها قام هيجل بتأمل وتصحيح الكثير من المفاهيم السياسية والفلسفية كمفهوم الحرية تحديدا، لذلك فإنّ الثورة الفرنسية في نظره وإن نجحت على صعيد المبادئ والشعارات واندفاعاتها الأولى المبكرة والمبشرة فإنها أخفقت على مر الزمن في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، ومع ذلك فقد «ظل هيجل طوال حياته يحتفل بيوم الباستيل وظلت الحرية الشغل الشاغل في فكر هيجل، وفي سنواته الأخيرة كان يسترجع روح عام 1789م، لقد كان سقوط الثورة الفرنسية عند هيجل وعند كثير من معاصريه في خوف مطلق يمثل أعمق أزمة للروح ويحاول قسم هام في أول كتاب كبير لهيجل (ظاهريات الروح) أن يعرض للإرهاب ويفسره بأنه كان نتيجة للحرية التي أكدت نفسها بطريقة مجردة على أنّها شيء مطلق لا يرتبط بسياق العلاقات الأخلاقية أو تنظيم المؤسسات»(28).

وما يمكن إستخلاصه من كل هذا أنّ الثورة الفرنسية شكلت المنظور العام لهيجل في رؤيته لتاريخ العالم، وبقدر ما ألهمت الفكر الألماني بصفة عامة والفلسفة الهيجيلية بصفة خاصة فإنّها سمحت لهيجل بمراجعة هذه الثورة على صعيد الوعي النظري خاصة في جوانبها العملية، لقد كانت الثورة الفرنسية في نظر هيجل مبادئ مجردة بدون ضوابط أخلاقية أو قانونية، وهذا ما ألهمه في كتابه (أصول فلسفة الحق) ليركز على مفهوم الدولة الواقعية وفكرة المؤسسات والمجتمع المدني، فالمؤسسة هي القالب الواقعي للمفاهيم النظرية والفلسفية، وبالتالي فإنّ ما يتحقق ولو قليلا هو أكثر غنى واتساعا مما لم يتحقق ولو كثيرا، وذلك هو جوهر فلسفة هيجل في مقاربته للواقع العيني وفي رؤيته الفلسفية في المطابقة بين الفكر والوجود والمصالحة بين المجرد والعيني.

 

الدكتور قادة جليد

....................

هوامش البحث

(1) هيجل: أصول فلسفة الحق، تر: د. إمام عبد الفتاح إمام، 1996، مكتبة مدبولي، مصر، ص:116.

(2) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر، 1993،ص: 22.

(3) نفس المرجع، ص: 43،42.

(4) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:27.

(5) نفس المرجع، ص: 29.

(6) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مكتبة مصر، 1970، ص: 24،23.

(7) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:119-120..

(8) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 79.

(9) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:10.

(10) نفس المرجع، ص: 38.

(11) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر 1985، ص: 59.

(12) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 6.

(13) نفس المرجع، ص: 13.

(14) نفس المرجع، ص: 18.

(15) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، مرجع سابق،ص: 85.

(16) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 40.

(17) نفس المرجع، ص: 41.

(18) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:76.

(19) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 41.

(20) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مركز الكتاب للنشر، مصر، ط1، 2003، ص 85.

(21) نفس المرجع، ص: 81.

(22) نفس المرجع، ص: 85.

(23) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،تر: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ص21.

(24) نفس المرجع، ص: 58.

(25) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مرجع سابق، ص82.

(26) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 7.

(27) نفس المرجع، ص: 7.

(28) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،مرجع سابق ، ص22-23.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال ممتاز وعميق. لم أر هذا المقال سابقا، لكنني عثرت عليه بفضل الخدمة الالكترونية التي يقدمها موقع المثقف على أطراف المقالات والابحاث، بحيث يجري روية ما سبق وان جرى نشره لمختلف الكتاب
تحياتي وأملي في ان تكون بخير

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

مقال ممتاز وعميق شكرا تحياتنا

بن حليلم شوقي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4027 المصادف: 2017-09-14 13:46:40


Share on Myspace