 أقلام فكرية

الإرادة العامّة وأخلاق الحرّيّة (1)

علي رسول الربيعيتقوم فكرة الإرادة العامّة على التّمييز بين مظهرين للفرد، فهي تعتبره إنسانا بالفعل من جهة، ومواطنا بالإمكان من جهة أخرى. وطالما هي تعتبر الفرد إنسانا فهي تعترف له بهوّيّة خاصّة وبمجموع المصالح الشّخصيّة التي يكتسبها بالتّساوي مع الأعضاء الآخرين بالمواطنة وبالعضويّة في المجتمع وفي الفضاء العامّ فيتقاسم معهم المصالح العامّة من أجل رفاهية المجتمع ككلّ، وبذلك يكون لكلّ شخص مصالح خاصّة بوصفه انسانًا ومصالح عامّة بوصفه مواطنًا.[1] فبعد أن ميًز روسّو  بين الإنسان والمواطن قام  بتمييز مماثل بين الإرادة الخاصّة التي تهدف إلى تحقيق المصالح الشّخصيّة والوجوديّة للفرد باعتباره إنسانا، وبين الإرادة العامّة التي تتعلّق بمصالحه كمواطن في علاقتها بمصالح غيره من المواطنين الآخرين من حيث إنّ هدفها هو الخير العامّ أو المصالح المشتركة بين كافّة أعضاء المجتمع. ومن ثمّة فهو يرى أنّ الإرادة الخاصّة تتّجه بحكم طبيعتها الأنانيّة إلى التّفضيلات الفرديّة بينما تتّجه الإرادة العامّة نحو المساواة.[2] ويعتبر أنّ الفرد يميل مع الأولى بشكل عفويّ إلى التّسليم بأسبقيّة مصالحه الخاصّة وإشباع رغباته الشّخصيّة، بينما يتّجه مع الثّانية نحو المساواة والتّسليم بضرورة احترام مصالح الآخرين والتّوافق معها إقرارا بما يقتضيه العيش المشترك في المجتمع من واجبات، فبتركيز هذه الإرادة على المصالح المشتركة بين الأفراد كمواطنين واهتمامها بالمصالح الفرديّة بشكل مجرّد فقطّ تكون غير متحيّزة بطبيعتها تكرّس المساواة بين جميع المواطنين. لنأخذ مثال السّارق الذي يجد مصلحة في استعمال مهارة السّرقة، فإرادة السّرقة عنده هي لإرضاء رغبات خاصّة، لكنّ الإرادة العامّة توجّه هذا اللّصّ المحتمل إلى طاعة القانون، وبذلك فهي تقتضي منه بوصفها إرادة المواطنة أن يفكّر كمواطن في المجتمع. وإذا فكّر على هذا النّحو كمواطن فإنه سيدرك أنّ عليه واجب احترام القانون، وسيدفعه هذا التّفكير إلى أن يتجاهل الرّغبات الوضعيّة في سبيل تحقيق الرّغبات الرّفيعة، وبذلك سيدرك أنّ القوانين الموضوعة ضدّ السّرقة هي لمصلحته أيضا. فالإرادة العامّة تقوم بنفس وظيفة حجاب الجهل عند راولز، فهي تجرّد أطراف العقد الاجتماعيّ من أغلب المعلومات حول هوّيّتهم الفردية[3]، فلا يعرف الأطراف من خلف حجاب الجهل هذا موقعهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، كما لا يعرفون وجهات نظرهم الدّينيّة أو الفلسفيّة ولا القدرات التي يمتلكون أو تلك التي تنقصهم ولا حتى أعمارهم، فيُجبِرهم ذلك على عقد يتبنّى وجهة نظر عامّة تفترض حياديّة أخلاقيّة، تعزّز بحسب روسّو مصالحهم المشتركة كمواطنين بدلاً من تعزيز مصالحهم الخاصّة كبشر. هناك إذن بعد أخلاقيّ للإرادة العامّة يُسْتَدْعَى كمقابل يوازن المصالح الأنانيّة مادام الفرد إنسانا مواطنا، واعتبارا لذلك يرى روسّو أنّه يتعيّن على الأفراد باعتبارهم مواطنين إعطاءها الأولويّة لأنّ من شأن ذلك أن[4] يرفع ويكرّس المبدأ الذي  يقود إلى ممارسة سياسيّة عادلة. ولأنّ الاعتناء بمصالح الأفراد كمواطنين يعين على الوصول إلى قرارات تعلي سلطة القانون وترسّخ احترامه عند صوغ السّياسات، والخلاصة أنّ روسّو يرى الأسبقيّة للإرادة العامّة على الإرادة الخاصّة في تـحديد السّياسات العامّة.[5] فهي بالنّسبة له قاعدة أخلاقيّة لا تُعطى الأفضليّة للمصالح الخاصّة، ومبدأ يضمن المساواة بين الأفراد بهدف أن تأخذ القرارات العامّة بالاعتبار وجهة نظر الفرد من حيث هو مواطن فقطّ. وهنا نلاحظ أنّ العقد الاجتماعيّ طبقًا لفلسفة روسّو السّياسيّة يرسّخ المساواة بين المواطنين ويلزمهم بما متّعوا به أنفسهم من حقوق وما ألزموا به أنفسهم من شروط على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين".[6] وهي فكرة تأسيسيّة مفادها أنّ تشريع القوانين وفق الإرادة العامّة هو من أجل مصالح الأفراد، فالقوانين المصادق عليها من خلالها تُعزّز وتحمي مصلحة كلّ فرد منهم بوصفه مواطنا. قد لا تكون هذه القوانين هي الخيار المفضّل لدى كثير منهم ولكنهّا مقبولة بالتّأكيد من طرف الجميع باعتبار مساهمتهم في صياغتها وإقرارها، ولأنّها تمثل من هذه النّاحية إذا ما استعرنا وصف باري ذلك العامل المشترك عالي الاتّفاق[7] بلجوئها إلى القوانين وليس إلى الأحكام القضائيّة والمراسيم من حيث إنّ القانون تجسيد للإرادة العامّة، وتعبير سياسيّ عن إدارة الشّأن العامّ، وقواعد تحكم سلوك كلّ عضو في المجتمع على خلاف الأحكام القضائيّة التي تعنى بحالات شخصيّة وخاصّة. تفقد الإرادة العامّة استقامتها وإرشاديّتها متى ما وجّهت لخدمة أهداف شخصيّة محدّدة فتكون الأحكام غير ذات صلة صحيحة بمبدأ العدالة وقواعد الإنصاف.[8] إنّ تدخّل الفرد من خلال كافّة صفاته الشّخصيّة الخاصّة يُفْـقِدُ المبدأ الموجِّه إرشاديّته حتما، ويكون من الأفضل في هذه الحالة ترك مهمّة حماية الإرادة العامّة وإنفاذ مبدأ الاستحقاق والجدارة للسّلطتين التّنفيذيّة والقضائيّة، على أن يترك الأمر بيد متلاعبين استبدّت بهم الأثرة فقدّموا خدمة مصالحهم الشّخصيّة متجرّدين بإيثارها من صفة المواطنة التي تجافي الأثرة وتقوم على مبدأ التّشارك والتّقاسم واحترام حقوق ومصالح الآخرين، ولأنّ فهم الإرادة العامّة وتطبيقها كمبدأ وآليّة في تدبير الشّأن العامّ يعني إعمالها دليلًا موجّها للقرارات. وهو ما يقول به روسّو في رأيه المتعلّق بالمجتمع السّياسيّ عندما تكون للأفراد الذين يشكّلون جماعة مصالح مشتركة بوصفهم أعضاء فيها فتتشكّل لديهم إرادة خاصّة قد تدخل في تضادّ مع الإرادة العامّة للمجتمع في كلّيّته، لذلك أعرب عن التّخوّف من أن يؤدّي تمسّك كلّ جماعة بإرادتها الخاصّة إلى الانقسام الاجتماعيّ وإلى الانحراف في ولاء النّاس للمجتمع والوطن عندما ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم ينتمون لهذه الطّائفة أو تلك. وخلص إلى أنّه من الضّروريّ الحيلولة دون تحيّز الجماعات لمصالحها الذّاتيّة والخاصّة داخل الدّولة لكي يتمكّن كلّ مواطن من أن يعطي رأيه بوصفه مواطنا فقطّ، وأنّه عندما يحصل مثل هذا التّحيّز تصبح الإرادة الخاصّة لتلك الجماعات عائقا أمام الإرادة العامّة للمجتمع تنازعها الأولويّة والسّيادة، وبطبيعة الحال ليس لأجل هذا يصوّت النّاس ويشاركون في العمليّة السّياسيّة[9]. إنّه من خلال الرّبط بين الإرادة العامّة وبين مفهوم روسّو عن أخلاق الحرّيّة يتكفّل العقد الاجتماعيّ بإيجاد حلّ المشكلة الأساس بتوفير نوع من الملاءمة التي تحمي حرّيّة الفرد وتدافع عن مصالحه، وتبقي على وحدة المجتمع وتماسكه في نفس الوقت[10].

في مواجهة النّظريّة

واجهت نظريّة روسّو عن العقد جملة من الأسئلة والاعتراضات نورد بعضا منها كما يلي:

- كيف يمكن لفرد يدخل في العقد ويخضع للقانون أن يكون حرًّا كما كان قبل العقد؟

- كيف يمكن إكراه الفرد على أن يكون حرًّا بينما الحرّيّة تعني الغياب الفعليّ للإكراه؟ 

- لم لا يـُسمح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم بطريقة غير عادلة؟ 

- كيف يبقى الفرد حرًّا كما كان قبل دخول العقد الاجتماعيّ إذا خضع لإرادة الأغلبيّة؟

- كيف يكون المعارضون أحرارًا ويخضعون في الوقت نفسه لقوانين لا يوافقون عليها؟

- كيف يمكن للمرء أن يكون أقلّ حرّيّة إذا عبّر عن رأيه؟

وفي هذا الصّدد يميّز روسّو بين ثلاثة أنواع من الحرّيّة: الحرّيّة الطّبيعيّة، الحرّيّة المدنيّة، والحرّيّة الأخلاقيّة، ويرى أنّ الفرد الذي يدخل في العقد الاجتماعيّ إنّما يتنازل عن الحرّيّة التي تمثّلها الحالة الطّبيعيّة ليحصل في المقابل على الحرّيّة المدنيّة ويعطي الفرصة لنشوء حرّيّته الأخلاقية.  ويرى أيضا أنّ الحرّيّة المدنيّة تضمن حقّ الملكيّة المُقَيَّد بالإرادة العامّة؛ وأنّ الحرّيّة الأخلاقيّة تقتضي الانتصار على الدّوافع الغريزيّة والخضوع للقانون لكي يمتلك الفرد ذاته ويعلن استقلاليّته التي يعبّر من خلالها عن نفسه[11]. فإذا زُوِّدَ النّاس بمعلومات كافية عند الاجتماع لصياغة القوانين، وإذا سُمحَ لهم بالتّشاور فسيقـترعون كمواطنين، وسيؤيّد اقتراعهم الإرادة العامّة ليُرَسِّخَ القوانين التي وضعوها لأنفسهم، بالتالي سيكونون أحرارًا عندما يخضعون لها، لأنّ طاعتهم للقانون  وخضوعهم له سيحفظ لهم حقوقهم.

لقد كان رأي روسّو هذا محاولة جديرة بالاهتمام تسعى إلى إحداث التّوازن المطلوب بين الفرد والمجتمع، بين المصالح الخاصّة والمصلحة العامّة، بين الحرّيّة وسلطة القانون، ومحاولته هذه تبيّن الارتباط الوثيق بين الحرّيّة وسيادة القانون. فأخلاق الحرّيّة تتحقّق عنده كما عند كانط[12] من خلال الخضوع الطّوعيّ لقوانين شرعها الأفراد بأنفسهم لأنفسهم، فالحرّيّة الطّبيعيّة لا تراعي أيّ قيود بينما الحرّيّة الأخلاقيّة تفرض قيودا ذاتيّة. ولأجل صوغ قوانين تضبط السّلوك وتعدّله كان من اللاّزم والضّروريّ أخذ الغرائز، الحاجات، والظروف بعين الاعتبار، علما أن الاقتصار على إشباع الغرائز وحدها ليس حرّيّة وإنّما هو عبوديّة، وأنّ الأخلاق ومراعاة الضّمير كقيد ذاتيّ شكل من أشكال التّعبير عن حرّيّة الفرد وعن استقلاليّة تجعل منه سيّد نفسه وقراره.[13] فالحرّيّة الأخلاقيّة تعني إذن تحكّم الفرد بذاته على نحو يحفظ له استقلاليّة تدفعه إلى التّصرّف كمواطن له حقوق وعليه واجبات. لأنّ في حالة الطّبيعة يكون الإنسان حرًّا بمعنى واحد يخضع فيه لدوافع الغريزة، بينما يستمتع الأفراد في مجتمع العقد الاجتماعيّ كمواطنين بأنواع مختلفة من الحرّيّات تتيح لهم التّعامل مع الآخرين بتعاون يحكمه القانون. من هذا المنظور يُفهم العقد الاجتماعيّ أو الإرادة العامّة كمبدأ قريب من مقولة الأمر الكانطيّة ويمثّل الوجه اللّيبراليّ لفكر روسّو السّياسيّ، فهو يسوّغ السّلطة ويبرّرها من خلال إبراز قدرتها على التّوفيق بين ما يسمح به الحقّ مع ما تتطلّبه المصلحة حتى لا يكون هناك تعارض بين العدالة والمنفعة[14]، ويأخذ بالاعتبار دور الفرد في تنظيم عقد يطيع من خلاله نفسه لكي يبقى حرًّا كما كان قبل العقد[15]، ويضفي على السّلطة السّياسيّة كلّ الشّرعيّة عندما تكون الإرادة العامّة فاعلة على نحو يخضع معه المواطنون للقانون فيحكمون أنفسهم. هكذا يربط روسو الاستقلاليّة بالسّلطة السّياسيّة، وأخلاق الحرّيّة بالواجب السّياسيّ. قد يبدو هناك تناقض فيما يقترح العقد الرّوسويّ من علاقة بين الحرّيّة والواجب عندما يقول بإكراه الفرد على أن يكون حرًّا حيث يمكن اعتباره نوعا من الكلّيانيّة أو الشّموليّة، إذ كيف يمكن إجبار الفرد على أن يكون حرًّا والحرّيّة هي غياب فعليّ للإكراه؟ ولعلّ في حديث روسّو عن الحرّيّة الأخلاقيّة عندما يُجْبَرْ الفرد ذاته على طاعة قانون وافق عليه شيء من الجواب عن هذا التّساؤل مع أنّه لا يكفي  لنقض كافّة الاعتراضات بهذا الخصوص. كما أنّ في تمييز الإرادة الخاصّة عن الإرادة العامّة جوابا عن التّساؤل حول وجوب إجبار الفرد على طاعة قانون وافق عليه. ذلك أنّ الإرادة الخاصّة لفرد ينتهك القانون بالاحتيال على دفع الضّرائب مثلًا تكون في صراع محتمل مع الإرادة العامّة باعتباره مواطنًا، فقد يرى الفرد المحتال أنّ ما يشترك به مع الآخرين هو مساهمة طوعيّة منه، وأنّ التّقصير بأدائه حتى وإن سبّب بعض الضّرر للآخرين إلاّ أنّه سيكون أقلّ تأثيرًا عليهم ممّا يلحق به من الأذى عند دفع الضّرائب: إنّه يرغب في التّمتّع بحقوق المواطنة دون أداء واجباتها.[16] فإذا خضع لإرادته الخاصّة سيكون فعله مناقضًا للإرادة العامّة بوصفه مواطنًا[17]، وستكون الإرادتان في صراع لأنّ الفرد المحتال يسعى إلى التّمتّع بمنافع النّظام الاجتماعيّ المتمثّلة في حقوق المواطنة في وقت يتملّص فيه من الالتزام بقواعد ذلك النّظام ومن الواجبات التي يستلزمها، إنّ انتشار هذا النوع من الظّلم  سيفضي كما لاحظ  روسّو إلى انهيار الجماعة السّياسيّة وغياب النّظام. لذلك، وحتى لا يكون الميثاق الاجتماعيّ مجرّد صيغة شكليّة بدون فاعليّة لا بدّ من أن يتضمّن الإلزام الذي يسمح للجماعة السّياسيّة بالمساءلة، ويشرّع لها محاسبة من يأبى الخضوع  للإرادة العامّة لأجل إرغامه على أن يكون حرًّا. فالالتزام هو ما يضمن للمواطن شرط الاستقلال الذّاتيّ ويضفي الشّرعيّة على العقود المدنيّة، وبدونه  تكون العقود عرضة لأعظم المساوئ.[18] وتفترض هذه الرّؤية اعتبار المجتمع السّياسيّ مشروعا للتّعاون، فهي تعتبر المواطنة ثمرة للمشاركة في أداء الواجبات، وتقترح لمواجهة نقض الالتزامات وكلّ إخلال أو تقصير في القيام بها صيغا تشجّع النّاس على الوفاء بها، وتحفّزهم على احترامها بوصفهم معنيّين كمتعاقدين وإلاّ فلا  ضمان لسيادتهم على أنفسهم إذا لم تتوفّر تلك الوسائل والآليّات التي من شأنها ضمان وفاءهم وإخلاصهم.[19] ومن ثمّة يكون على أولئك الذين يريدون التّمتّع بالحقوق والتّملّص من أداء الواجبات، ويرغبون في الاستفادة من منافع المواطنة دون المساهمة في توفير وسائلها أنْ يُجبَروا على أن يكونوا أحرارًا فربّما كان التّهديد والإكراه ضروريًّا لإنفاذ شروط العقد وحماية الوفاء بالالتزامات، ولأنّه إذا تزايد عدد المتملّصين بفعل إغراء التّهرّب فسيُواجِه المجتمع خطر الانهيار. يتحدّث روسّو في العقد الاجتماعيّ عن الحرّيّة معتبرا أنّ الدّولة العادلة هي دنيا الحرّيّة ومملكتها لأنّها تضمن الحقوق بالتّساوي وتحميها، ويشير في معرض ذلك إلى أنّ فردا يقبل الخضوع للقوانين طالما كانت لصالحه ثمّ ينتهكها عندما تتعارض مع مصلحته الشّخصيّة إنّما يدمّر بانتهاكها مملكة الحرّيّة، ففعله يهدّد أخلاق الحرّيّة فضلًا عن اعتدائه على حرّيّة الآخرين. لذلك يرى للمجتمع حقّا في إجبار أولئك الذين يتسلّقون ظهره لقضاء مآربهم ولا يقومون بما عليهم من واجبات لحفزهم على التّصرّف كمواطنين وفقًا لإرادتهم المؤسّسة للعقد ليكونوا أحرارًا.[20] وهذا ممّا يمكن اعتباره رّدّا يدفع شبهة الاعتراض على الإجبار بينما يتذرّع بالحرّيّة ليطالب بالسّماح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم البعض بطريقة غير عادلة!  

إنّ العقد الاجتماعيّ عند روسّو هو اتّفاق جماعيّ ملزم بالتّعريف، ينشئه أفراد ولدوا أحرارا تعبيرا عن إرادة عامّة تنبني في سعيها إلى الملاءمة بين الحقّ والمصلحة، وبين الحرّيّة والواجب على قاعدة الأغلبيّة كآليّة متّفق عليها بإرادة حرّة ومؤسّسة لحظة الإنشاء. والعقد من حيث هو تعبير عن إرادة الأفراد المنشئين له لا ينفي الحرّيّة، فالفرد بصفته مواطنا يظلّ حرًّا بالانتصار على الدّوافع الغريزيّة لديه، وبالخضوع الطّوعيّ للقانون الذي يمتلك من خلاله ذاته ويعلن بطاعته استقلاليّة تجعله يستمتع وعلى نحو أفضل بالحرّيّة المدنيّة والحرّيّة الأخلاقيّة التي  تمكّنه من أن يتعامل مع الآخرين بتعاون واحترام، وهو ما يجعله سيدًا على نفسه، لا يحق لأحد أن يـُخضِعَهُ دون موافقته.[21]. وعلى أساس هذا التّصوّر للعقد الاجتماعيّ فإنّ قاعدة الأغلبيّة لا تثير أيّة مشكلة حينما يـُحرز القرار تصويت الأغلبيّة فيُصبح ملزما للجميع، سواء المؤيّدين منهم أو المعترضين أو المقاطعين.[22] لأنّه "عندما  يتمّ اقتراح القانون في الجمعيّة التّشريعيّة لا يُسـأل الأعضاء عمّا إذا كانوا يؤيدون الاقتراح أو يعترضون عليه، ولكن يسألون عمّا إن كان هذا القانون يؤكّد ويؤيّد الإرادة العامّة أم لا، فيُعرب كلّ عضو عن رأيه حول ذلك بالتّصويت، ويُستَخْرَجْ القرار المعلن عن الإرادة العامّة بحساب مجموع الأصوات".[23]

وأعتقد أنّ هذه الفقرة تقدّم تمييزًا مهمّا بين الإرادة العامّة كمبدأ والإرادة العامّة كسياسة على الرّغم من أنّ هذا التّمييز غير واضح في كتابات روسّو، ذلك أنّ الإرادة العامّة تظهر كمبدأ يجب أن يعمل كلّ فرد وفقًا له بوصفه مواطنا من خلال القانون المقترح في الجمعيّة التّشريعيّة، وتتكشّف كسياسة محدّدة بحساب الأصوات المؤيّدة واستيفاء النّصاب. ومن ثمّة فإنّ الإرادة العامّة لا تتعلّق بالتّصويت لأنّ المبادئ لا تُكتَشَف بالتّصويت، وإن كان التّصويت آليّة ضروريّة للاختبار لا يمكن في الغالب تحقّق الإرادة العامّة بدونها.[24] ولولا الفرق بين الإرادة العامّة كمبدأ وبين السّياسة التي تشتغل وفقًا لذلك المبدأ، لما احتاج روسّو لمناقشة مسألة التّصويت بالقول: "عندما يناقض الرّأي العامّ الرّأي المفضّل عندي فإنّ ذلك يثبت أنّني كنت على خطأ، وما تصوّرت الإرادة العامّة ليس كذلك، وإذا تغلّبت إرادتي الخاصّة أكون قد قمت بشيء آخر غير الذي كنت أريد". فمع التّسليم بأنّه لو فشل النّاس كافّة في إدراك السّياسة التي تتلاءم مع الإرادة العامّة،[25] فإنّ السّؤال هو: "لماذا يكون خطأ رأي الأغلبيّة أقلّ احتمالًا من رأي الأقلّيّة أو رأي الأفراد المنعزلين؟"  فمن الممكن أن يكون الشّخص الواحد على حقّ بينما يكون الآخرون مخطئين، لكن إذا أخذنا بافتراضات بيري فصحّة رأي الأغلبيّة أكثر احتمالًا من صحّة رأي الأقلّيّة[26]، يظهر هذا عندما نفترض:

- أنّ هناك جوابًا صحيحًا واحدًا، وسياسة محدّدة تتطابق مع الإرادة العامّة.

- أنْ يتساوى الجميع أفضل من الوصول إلى الجواب الصّحيح. 

- أنّ كلّ فرد ينتصر لرأيه كجواب الصحيح. 

وتشير هذه الافتراضات على الإجمال إلى إمكانية أن يكون الفرد راضيًا رغم عدم انتصار وجهة نظره لما يغلب على ظنّه من احتمال أن تدرك الأغلبيّة سياسية مطابقة للإرادة العامّة. فالدّولة العادلة كحقل لممارسة الحرّيّة تفترض سياسة ترضي الإرادة العامّة وتجعلها هي السّائدة، كما تفترض إرادة جميع المصوّتين في الجمعيّة التّشريعيّة  لتلك السّياسة، ومن ثمّة كان رأي الأغلبيّة أكثر احتمالا لإدراكها، وكان رأي الأقلّيّة إذا أيّد سياسة أخرى غير السّياسة التي تريدها الأغلبيّة خاطئاً لأنّه لا يعزّز المصلحة العامّة، ولأنّ "الإرادة الثّابتة والمستمرّة لكافّة أعضاء الدّولة هي الإرادة العامّة التي تجعلهم مواطنين أحرارا".[27] فالنّاس لا يفضلون سياسة يرون أنّها لا تخدم فعلاً أو ظاهراً المصلحة العامّة، ويدركون بالبديهة أنً الحرّيّة لا تصان إلاًّ من خلال تقييدها بالإرادة العامّة، وأنّها تضعف عندما تتناقض السّياسة مسعى الإرادة العامّة. ومؤدّى ذلك أن الإكراه قد يكون ضروريًا لضمان أن لا يـُسَتَغلّ أولئك الذين يتصرّفون كمواطنين من قبل أولئك الذين يتصرّفون كأفراد فقطّ، ومواجهة هذه المعضلة بالمصطلح الجمهوريّ هي تعزيز القيم المدنيّة وتحطيم الفساد إذ لا يمكن ضمان أن يتصرّف الأفراد كمواطنين في غياب الإجبار الذي تمثّله سلطة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء وعلى قدم المساواة...

  

 د. علي رسول  الربيعي

.............................

 [1]Riley, P., The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986), P.251.

[2]Rousseau J,J On the Social Contract P59.

[3]Rawls.J. A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971) Section 24 ‘’The Vile of Ignorance’’.

[4]

[5] للإطلاع على وجهة نظر مختلفة أنظر:

Trachtenberg Z. M Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture, London, Rutledge, 1993 PP.7-29.

[6]Rousseau J.J., On the Social Contract, P 63.

[7]Barry, B ‘’The Public Interest’’ P. 120

[8]Rousseau J.J. On the Social Contract, P.62.

[9] المصدر نفسه، ص 61-62

[10] المصدر نفسه، ص 53.

[11] المصدر نفسه، ص 56.

[12]Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976), pp.57-58. 

[13]Rousseau J.J On the Social Contract, P.56

[14] المصدر نفسه، ص 46 .

[15] المصدر نفسه، ص 53.

[16] المصدر نفسه، ص 55.

[17] المصدر نفسه، ص 55.

[18] المصدر نفسه، ص 55.

[19] المصدر نفسه، ص 55.

[20] أوضح بريان بيري في كتابه: أنّ روسّو لم ينكر أن يقوم الفرد بانتهاك قانون يفيده كعضو في مجتمع من أجل مصلحته، وما أنكره هو تصويته على ذلك القانون ثمّ انتهاكه له. فإذا كان قد صوّت لإقرار عقوبة معيّنة عن جريمة محدّدة فله ليس الاعتراض اذا ما طبّق عليه في حالته الخاصّة.

Barry, B,. Political Argument (London: Rutledge and Keg an Pual,1965), P.19

[21]Rousseau.J.J. On the Social Contract, P.110.

[22] المصدر نفسه، ص 110.

[23] المصدر نفسه،ص 111-110 .

[24] المصدر نفسه، ص 59.

[25] المصدر نفسه، ص 67.

[26]Barry B. ‘’The Public Interest’ in Political Philosophy,(ed) Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967), P.122.

[27]Rousseau J.J On the Social Contract P.110.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مشكلة الانسان هو التشريع السليم الذي يضمن له حقوقه ويعرفه بواجباته والتنفيذ لهذا التشريع بعداله من قبل اشخاص من قبل اشخاص نزيهين وكل القوانين الوضعيه اثبت مشروعها أن فيها ثغرات وقد ظلم الكثير من البشر بسبب ذلك اما الأسلام فانه اصلا يحقق العداله للبشر
سؤال ؟ لماذا فشل النظام السياسي الأسلامي في بناء مجتمع هل تعتقدون بأن تخلف الدول الأسلاميه بسبب حكامها العملاء للصهاينه وليس بسبب الأسلام
وهل تعتقدون بأن ثقافة بعض العلمانيين افتراضيه عرجاء يطوعون الحقائق وفق ما ترغب نفسه وليس عقله

Wajid
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4669 المصادف: 2019-06-18 03:58:02


Share on Myspace