 أقلام فكرية

قداسةٌ دون مقدسٍ.. الدين في المجال العام (1)

سامي عبد العالماذا يعني الدينُ في المجال العام؟! هل يعني توظيفه على نطاق واسعٍ أم تأسيساً لقيم أخرى؟ سؤال لن يجد اجابةً واضحةً إلاَّ بفض الاشتباك الغامض بين طرفيه (الدين والمجال العام). لأنَّ معنى الدين كعقائد لا يتعين فيما هو معروف ولا يعطينا وضعاً جاهزاً لأية علاقةٍ. ربما على وجه التقريب يوفرُ العلاقة المتعالية رأسياً مع المقدس. أمَّا أفقياً، فالأفراد مسؤولون عن الإيمان به، كما أنَّه يعدُّ جوهراً نوعياً يتوقف على وجودهم الروحي. حيث تدور آفاق الدين مع هذا الوجود دوران العلة مع معلولها، فكلُّ تجربة دينيةٍ تفترضُ معرفة خاصة خارج المعايير المشتركة. وسيمتلئ المؤمنُ بمعان يصعب التعبير عنها إزاء الآخرين، لائذاً بالتأويلات التي يعيش في كنفها طوال الوقت.

وجه الاشكال

ثمة مسألة تحدد ما هو خارج الدين وداخله: هل تصّحُ كلمةُ "استعمالٍ" بصدد المُقدَّس؟ هل يخضع المقدس لحركة التداول بين الذوات؟! هنا لو أصبح الاستعمال دالاً على الوظيفة، فلن يكون كما نعهد فحواها بصدد الأشياء المادية. فعلى الاستعمالُ أنْ يتجنب تراكم (المقدس) تاريخياً وأَلَّا يفقأ عينَ أيَّة مفاجئات واردة (بحكم التجارب النوعية). وربما سيكون الجانبان (العام والخاص) للديانات محلَّ شدٍ وجذبٍ، لأنهما يقتضيان وجود سلطة خارج الأفراد تحكم المسألة. الأمرُ عندئذ سيرتهن بالمعتقد كنظامٍ رمزيٍّ؛ أي أنَّ قوة الدين تعطي نفسَّها (بنفسها) مبرراً للتدخل في الحياة الإنسانية، وتبرز علاماتها في أخص الأفعال والأحداث. وسيكون لدي أصحاب الديانات ذخيرتُّهم الخطابية لإثبات هذا الشأن، حيث ستُفرِز رؤى يخلعونها على الأشياء، وسيرونها يقينيةً إزاء أي وضع مغاير. في الوقت الذي تحكم المجال العام آلياتٌ أخرى تأخذ أحوال هؤلاء المختلفين بعين الاعتبار.

مما قد يرسم دوائر من التحريم الثقافي والمعرفي وحتى الإنساني إجمالاً، ولاسيما أنَّ رسالة الدين تمنحُ دوافعَ الممارسة لمعتنقيها، أي دوافع التخطي بلا حدودٍ، إنْ لم تحسم المواقف تجاه العالم والإنسان والحياة والموت. إذن يتجدد الاشكال على نحو ارتدادي: كيف لمعتقد كالدين تأتي أهميته من نفسه؟! حيث يستمد الدين مشروعيته من ذاته متفرداً بخلاف أي نشاطٍ آخر. ولكونه مؤسساً على الإيمانٍ، فمشروعيته ساريةٌ بقدر مبرراتها الخاصة. بل قد يتنازل المتدينون حتى عن قلُّوبهم ابتغاء تجسيدِّها في فعلٍ ماديٍّ، تنازُل هم يرونَّه عملاً مقدَّساً يستحيل تركُّه وتتوقف عليه أشياء أخرى.

لكن هناك استدراكاً فلسفياً كالتالي: أليس ذلك فخّاً أيديولوجياً لما هو ديني دون حذرٍ؟! ألاَ يسبب استعمال الدين ارباكاً وسط التنوع البشري؛ أي التهديد بتصفية المقدس لصالح أنظمة فكرية أخرى؟! لأن هناك مقدسات بصيغة الجمع لدى البشر، كما أنَّ التجارب الدينية تختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات. وأنَّ نزول الدين مجال التداول معناه تحويله إلى أيديولوجيات (كحال الجماعات الدينية) وكحال أيَّة معتقدات وأفكار غير دينيةٍ بالمثل. والتحول ليس اختياراً، بل كلُّ معتقدٍ طالما يظل قيد الممارسات العمومية، سيحدث تغيرا في جوهره. لأنه سيتسع وسيضيع وسيضاف إليه وسيتحور وسيتعدل وسيتأوّل وسيكرر وسيعاد، أي سيجادل الواقع بحكم اختلافات الفهم. فالواقع يمثل تأويلاً غير مأمون النتائج والتحديدات.

لعلَّ الفكرة بهذا التوصيف ستصطدم بقضاياً كثيرةٍ. كيف لإيمان مكتفٍ بتجربته النسبية أنْ يصير مؤسسات عموميةً، وأنْ يتخلَّق كعلاقات وقيم وأفعال خارج الأفراد، وأنْ يكون – على سبيل المثال- جلباباً وطقساً ومنديلاً وشعاراً جامعاً كشعار" الإسلام هو الحل"؟!... هذا وقد حرصت كافة الأيديولوجيات والمذاهب الدينية على نشاطها المادي الملموس، أي شكلت تنظيمات ترتبط بمرجعيتها بحثاً عن الأهداف والمكاسب. وذلك هو السبب وراء التأثير الاجتماعي الذي تراه ضرورياً بواسطة التنظيم والعمل. وهو ما ينقلب بسهولة إلى أفعال عنيفة حين لا يكون التأثير مناسباً لما تتوقعه.

هنا لا يغدو الدين ديناً خالصاً بهذه الطريقة، بحكم كونَّه يخضع للفعل الإنساني، تاركاً قواه التَّصورية (تمدُ) جذورها عبر أشكال أكثر اتساعاً (كالأنشطة والطقوس والأحداث والظواهر الاجتماعية والسياسية). وبحكم التاريخ سيختلط المعتقد الديني بأشياء أخرى كالأعراف والموروثات والتقاليد والأفكار المتداولة، هو المزيج الذي يصعب فرز عناصره حينئذ. وهنا تظهر المفارقة التي تقول: حينما يدخل الدين فضاءً عمومياً متعددَ الجوانب، يتجنب الأعباء الأيديولوجية ليتواصل مع الآخر وفوق ذلك يظل مرتهناً بها. كلُّ تصور ديني محكومٌ بهذا البُعد المزدوج (مع كذا وضد كذا) طالما أنَّه أمام آخر حتى وإنْ كان مُؤمناً به. وإذا لم يُدرك المتشدِّدون (في الديانات قاطبة) ذلك، فهم يعتبرون الدين أداةَ إرهابٍ لا يَقصُد أفراداً فقط، بل المجتمع إجمالاً. النتيجة الأخطر: أنه ما لم يتجسد الايمانُ خلال بدائل مفتوحة إنسانياً وأبعد من الأهداف الضيقة، سيصبح الدين قناعاً برجماتياً pragmatic mask للمآربِ والمصالح. أي سيخضع الدين لنبرة عالية من التوظيف البرجماتي في الأنظمة السياسية والاجتماعية.

تحولات الدين

دأبت الجماعات الدينية (اسلامية ومسيحية ويهودية وغيرها) على إغراق الحس العام بالشعارات والرموز والنصوص الدينية. لم يدركوا أنَّ الاغراق هو نفسه اغراق للشعار في عملية تَمزُّق حيٌّ. لأنَّ المعتّقدَ شعارٌ ليس يبلغه جميع الناس بالأسلوب ذاته والأيديولوجيا نفسها. وهذا سر خوف جماعات كهذه من" رُهاب الواقع" (1)، بل يسعون لتعميته بأدخنة الخطابات وألعابها السياسية. فلئن كان الشعارُ والنص مقولتين لغويتين، فإنَّهما حجابٌ سيميائيٌّ لعمل شيء أعمق. يُعيدان كتابة الفعل السياسي على أكبر نطاق بفضل مخزونهما الرمزيِّ. هنا لا يبتعد التاريخ الدلالي للعلامة الدينية عن مكوثها كأبي الهول عبر الواقع. حيث يمثل الواقع ذاته رغبةً هي "الكتلة الفاعلة" (2) في الوجود الاجتماعي. ولذلك يصبح الظهور في المجتمع غاية لكل أيديولوجيا من هذا القبيل. والظهور هو السلطة التي تحدد توجهات النظر والقوى التي تنعد نفسها للسلطة.

لكَّم حاولت الجماعات الاسلامية مثلاً اقتناص الفرصة تماهياً مع هذه الرغبة. بل سعت- أثناء الربيع العربي وبعده - إلى مبادلة الرغبة البعيدة وقتئذ بكتل الحشود السياسية. فالتّيار الديني كان يرشقُ الشعارات في كلَّ تظاهرةٍ عامةٍ. ليس من باب أسلمة المجتمع كما يتم الزعم، هذه القشرة البرانية كقشرة الذهب المزيف، لكن لكّون المجتمع عصيَّاً على التواطُؤ الخاطف لمجرد رفع الشعار. فبناء الواقع عملية تاريخية ثقافية طويلة الأمد ولا تنتهي. وبما أنَّ التيار السابق لا يملك إلاَّ دفاتره التراثية القديمة، فماذا يعمل سوى تفتيشها بحثاً عن حلول سريعة أثناء الأزمات بطريقة جحا حين يُفلّس؟!

إذن استعمالُ الدين يعني تحويلهtransform it إلى قوةٍ مسيَّسة لتنشيط التصورات الخاملة. ولذلك تمثل نبرات الوعظ والدعوة محركاً غير ذاتي لإثارة التكاتف الجماعي وراء هذا الهدف. بينما القضية مختلفة تماماً وهي أنَّ الدين ليس مادةً ولا محتوى ولا وسيلة وإلاَ لأصبح شيئاً مغايراً لنفسه. وإذا كان ثمة دينٌ له جذور عميقة عند أصحابه، فإنَّه يأخُذ مظهراً شخصياً روحياً بالدرجة الأولى. ولن يتجلى بكامل عتاده الرمزي في أي محيطٍ عام. حتى في أنظمة حاكمة تتبنى لاهوتاً سياسياً يضمن هيمنتها (مثل ايران والفاتيكان والسعودية)، لا يطغى الدين إلاَّ كمرجعية مسكوتٍ عنها (صامتة) رغم الاعتراف البارز. ومن حيث زرعها في العقل الجمعي تختفي مع تراكم التطورات الحياتية، فتتوارى في سلوكيات وبرامج نظرية وشكلية، في عبادات وشعائر بدلالات فردية أكثر منها نمطاً مُوّحداً. بل عادة ما يُختَّبر الدين عندئذ اختباراً خطيراً، لأنَّه يجري تعريته تاريخياً لعيون فاحصة وسط جميع الأفعال والمستويات. وكأن السؤال يلح باستمرار: هل يمكن إدراج ممارسات دينية في حياة مفتوحةٍ؟! وبأية صيغة ستكون مقبولة ومبررة؟!

هكذا لا يمر الدينُ في المجال العام دونما شيءٍ ما يحدث في أبنيته الثقافية الصامدة. بذرةً مضادةً بأعمق مدى لمسيرته الروحية، وسيتعرض بكل قسوة للنقد والتحول نتيجة ما يتركه من رواسب أيديولوجية. لن يجري كما هو خالصاً من العوالق ولا مثلما يحاول معتنقوه الارتباط بتجاربه الأصلية. فلا يمكن تنحية الدين عن أسواق المذاهب ولا عن ساحات العرض كالسلع والبضائع (مثل عمليات الدعوة والتبشير والتنظيم العام)، وفي ذات الوقت يستحيل إمساك مقدساته بلا تأرُّخ وإعادة صياغة (3). الفكرة نفسها (أي الدين الخالصpure religion) هي فكرة بلا منطق إلاَّ إذا تأسست على الصرامة الوجودية، وذلك هو المستحيل لأنه ضد إيقاع الحياة الإنسانية الجارية.

هذا الأمر (أي وحدة الدين العام اعتقاداً وممارسة) له ثغراته المزدوجة، لأنَّها ستثبت عكسه:

أولاً: سيتم فرض الدينُ فرضاً بحكم الاعتراف به رسميَّاً، حتى وإنْ قبلته أطراف المجتمع قاطبةً. الفرضُ يعني وضعَ الدين على فوهة التساؤل اليومي: كيف يتم ذلك، ولماذا، وماذا بعد؟ لأنَّ المؤمنين بالديانات يتابعون بعضهم بعضاً مع الطقوس والشعائر. ناهينا عما يمثله المختلفون دينياً من علامات استفهام في أدق التفاصيل والمواقف.

ثانياً: سيبلغ الدين- بمعتقدات أصحابه– إمكانية مختلفة عما يقصدها، مختلفة التنوع في النظر إليه بما لا يُحدُّ، وإذا كان ذلك يجري على مستوى الدين الواحد فما بالنا بأديان عدّةٍ؟! لأن الواقع كملتقى الرغبات يحمل التشوه في داخله ويلحقه بأية معتقدات مهما تم الحرص عليها.

ثالثاً: ينبغي إيجاد نموذج خارج الأفراد يستثمر قوى الدين، أي لا مفر من تحويله إلى تجربة غير روحانية. والسياسة عادة هي الأقرب لهذا الاستثمار لكونها تعمل في بنيتها على منوال الديانات وتسعى لإخضاع البشر لتنظيمها العام.

رابعاً: يمتنع المؤمنون عن استباحة المغايرين، يظهرون مواقفهم المحتملة فقط إزاء الحياة. لكن يعدُّ الامتناع ملزماً ولا خيار لهم فيه. لأنَّ مجالاً عاماً بحكم نسبيته المتنوعة، يستحيل الهيمنة عليه. وإذا تم أخذه على حين غرة بقبضة دينيةٍ، سيكون مصيرها التفكُّك والتحلُّل. كما لا يمكن تصوره في الفكر الفلسفي المعاصر دون محمولاته الإنسانية والتواصلية.

المجال العام

في ضوء ما سبق، يمتص المجال العام قدرات الدين حاداً من سلطة المقدس فيه. على الأقل سيرجئ هذه السلطة في مرات ليست بالقليلة وسيعطل تأثيرها، لأن كل عناصر المجال العام بحكم تنوعها لا تخضع لهذه السلطة. فالتغير- كما قلت - حاضرٌ في تفاصيلها، كما أنَّ تبادل المواقع التأويلية hermeneutic positions أمرٌ لازم بالدرجة ذاتها. لأن الأفراد يأخذون مواقعهم بناء على فهم الآخرين ويتواصلون معهم على ذات المستوى. وتاريخياً حاولت فلسفةُ التنوير نزع الطابع الديني بإظهار تباين المقدس بتباين المجتمعات معرفياً وفكرياً (4).

إنَّ القداسةَ هي هذا المجال نفسه دونما مقدساتٍ ودونما آلهة ودونما سلطات أبدية بلغة المسيحية. حيث تغدو هذه الاشياء من متعلقات الأفراد ساعين معها بتجاربهم الشخصية. ويكتسب المجال صفة القداسة، لأنه مجال للاختلاف الذي يُقدّر ويحترم أمام الآخرين. ومن ثم جاءت الدولة الحديثة ميتافيزيقا سياسية دنيوية تستهلك المقدسات إلى الرمق الأخير. وبدلاً من عجن الإرادة العامة باللاهوت كما حدث في عصور سالفة (كالعصور الوسطى)، فإنَّها تعجنها بالحرية والديمقراطية وقيم التنوع والتسامح. ولا يمرّ ذلك التخلُق العام (أي الظهور وإمكانية الانبثاق والاستقلال للأفراد والحريات) اعتباطاً، لكنه جزء لا يتجزأ من بناء الحياة السياسية. ولئن حَمل الدينُ من تلقاء نفسه أسبابَ وجوده، فلم يعد منفرداً بذاته، لقد قفز خارج ذاته- أو هكذا يجب- عبر كياناتٍ (بدائل) متطورة تاريخياً للإرادة العامة. وهي لم تكن لتسلبه وجدود من الأساس، بل تطور من الفضاء الذي قد ينقلب خلاله إلى صراع لا يبقي ولا يذر.

في هذا الوضع لن يُفهم أيُ مبررٍ ديني إلاَّ بواسطة مبررات الآخرين، مبررات هؤلاء المؤمنين تحديداً. فهم باشتقاق اللفظ مؤتمنون على ما في قلوبهم حتى يبلغونه واقعاً (أو كما يُعرَّف الإيمان بأنَّه ما وقر في القلب وصدقه العمل). وهذا ما قد يُسمى بتطبيق تعاليم الدين أو بعبارة الجماعات الإسلامية تطبيق الشريعة. لكن هذا الوضع يُفشل أيضاً كلَّ محاولات امتلاك الآخر باسم الدين، ويعطل جعل الحياة مسوّغاً كلياً لهبوط الوحي في التجربة الإنسانية الراهنة، كما لو كان هبوطه من السماء قد حدث تواً لا سلفاً!! أي يصعب تصور تكرار التجربة الدينية الأولى في عصور لاحقة بالأصالة والماهية التي يبحث عنهما السلفيون وأصحاب التفكير الماضوي.

إنَّ ذلك " الجعْل" يتشابك فيه البُعد الروحيُّ مع البعدين السلوكي والاجتماعي، ويظل مميزاً بهيمنة الاعتقاد على الممارسة لاستعادتها كلما تفلَّتت منه. وهو ما يفسر إعطاء طبقة رجال الدين أهمية لكونهم حافظي المعتقدات وتبريرها. لكن هذا الحفظ نفسه يجعل الدين مهدداً في أعماقه، لأنهم يحصرون المعاني فيما يحددون ويريدون. وبالتالي يستحيل صبغ المجال العام بسمات دين بعينه دون فشل الاثنين معاً (5). والتجارب السياسية للحكم الديني أياً كان نبوياً أم بشرياً لم يحكم من غير قوى حركية من طبيعة المجال العام. إذن لم ولن يكون حُكماً بأمر فوقيٍّ قاهر لا رادَّ له، بل حكم ناجم عن استثمار تلك الطبيعة التي هي من جنس المجتمعات.

لأجل ذلك سيُفرض علينا تحديد معاني الدين بالنفي كعادة اللاهوت السالب (لا هذا.. ولا ذاك). فلم يعد الدين بتلك الأطر وعياً مفارقاً، إنما قد يتهيأ انبثاقه من باطن الأشياء على طريقة التصوف. الموضوعات المادية بإمكانها الرمز إليه، إذ تستحيل فجأة إلى شبكة دالةٍ على معتقداته. هكذا – على سبيل التوضيح - صُورت بعض أشكال الأجنة في أوضاع معينة كدلالة على مظهر ديني، أو بوصفها معبرةً عن آيات كونية. وللحقيقة فقد يمثل الانسان والكون من زاوية كهذه مجازاً بلاغياً لوجود الخالق. وبالمناسبة لا يتوقف ذلك على دين بعينه، بل إن كافة الأديان تشترك في تصوير دلالي كهذا (6)، إنْ لم تكن تلك السمة تقرب رؤى الدين (لا أقول الدين كما هو) في لاوعي أصحابه من الاستعارات الخيالية. استعارات كانت كفيلةً قديماً بملء الكون بالأرواح النورانية والكائنات الشريرة والكواكب والنجوم المؤثرة على مصائر البشر.

لكن رغم هذه الصور إلاَّ أنَّها لا تمس المجال العام بعمقٍ. ربما تبتعد بمنحاها الأسطوري عن التأثير في أحوال المجتمعات. ونحن نعتبرها غيرَ مرتبطة بها مباشرة ولا نحبذ أنْ تؤدي مهمةً في هذا الارتباط.

إزاء ذلك نميزُ بين ثلاثةِ جوانب في الدين.

مصدر الدين، وهو الله أو القوى العليا في جميع الديانات تقريباً. والمصدر متوفر حتى في الديانات الوضعية حين تحدد بعض الأسرار والأصول التي تختزل عناصر الدين فيها. وتدريجياً تصبح الأصول بعيدة التناول عن الأجيال اللاحقة، وستضاف إليها أسرار أخرى مع الزمن.

وجود هذا المصدر في مرجعية نصيةٍ، أي كتاب مقروء بقانون الدين نفسه أو كتاب منظور (الكون) بإسقاطه على الواقع. وهو ما يتيح للأصول الاحتكاك بالحياة وكأنها رسالة تحتاج تطبيقاً على المدى البعيد. ولنلاحظ أنَّ النصوص تتحول إلى طقوس للأصول وبزخمها حتى وإن كانت نصوصاً تالية وهامشية.

تتشكل هذه المرجعية عبر نظام أو أبنية قيمية ومعرفية وثقافيةٍ. أي تخرج إلى الممارسة ملخصة النقطتين السابقتين (المصدر + المرجعية).

النقطة الأخيرة هي التي تتجسد في المجال العام والتي تصبح فاعلة على سطح الأحداث. إذ تشكل المرجعيَّة القوام الفعلي للدين حتى يعود متجسدّاً بعد إنْ كان معتقَدَّاً. الفكرة بهذا المعنى تمثل نمطاً من الحياة وتؤكد عليه الطقوس والأفعال الرمزية. ونلاحظ أن الجوانب الثلاثة ليست واحدة. فالمطلوب من المؤمنين البحث عن تطابقها، بل لن يتم عمل ايماني دونما تطابق بين (المصدر- المرجعية- النظام).

وإنْ كان النظام غير مكتمل، فلأنَّه يحتاج إلى حقائق جديدة مع كل واقع. هو تجربة مبتكرة في ظهورها، غير أنَّ الثقافة الدينية (لا الدين) تحشوها بمادة تقليدية، وتجعل إيقاع الطقس الديني كأنَّه مواد حياتية ملموسة. وتدريجياً يستغرق الطقس ملكات أصحابه ومواردهم الذهنية حالاً محلَّ تفاصيل الحياة. فأيُ ثقافة مغلقة تطمس الإدهاش الأولِّي، الإثارة الغضة لتلك الموارد، تغدو عملية نقل لا تغيُر فيها. ويتعين على المؤمنين حفظ الأثر حذو الأثر والسلوك حذو السلوك والعقل حذو العقل، كقطع من القرميد المتراص تمسك سقف الفكر تحت إطار محكَّمٍ. وهذه إمكانية تجعل كلَّ تصور ديني قابلاً للانحراف رغم إحْكّامه الممتد عملاً بالمفارقة السابقة. ليس بطريقة الصواب والخطأcorrectness and error وهذا أمر مهم أيضاً، لكن التصور سيكون عرضة باستمرار إلى نزوع شكلي، فالشكل كمظهر مخاتل وغَوّاء هو مرآة العمل الديني العام. يقول كل شكل: أنظروا ها أنا متدين، ها أنا أقرب إلى السماء منكم..!!

طبعاً لا يكون هذا الوضع الشكلي بصدد المعتقد والايمان بوصفهما خاصين. فهذان الجانبان لهما جذورهما في أعماق المؤمنين ولا سبيل إلى كشفهما. كما أنَّ أي دين مكتمل بنفسه طالما يتمتع بوجود مبرراته الذاتية وطالما كان نسقه الرؤيوي شاملاً وغير بائن الثغرات. والأديان من تلك الجهة أديان تامة لدى المؤمنين وتعيش تجربة الاكتمال الخاصة في ذاتها. ليس هناك اختلاف بين الأحدث أو الأقدم منها، حتى ولو كانت أنماطاً أولية من المعتقدات. بينما جميع ذلك فقط يختلف داخل المجال العام ... لكن ما السبب وراء ذلك؟

 

د. سامي عبد العال

..........................

(1)- نظراً لعمل الجماعات الاسلامية تحت الأرض بأساليب سرية، فالواقع يمثل بالنسبة إليهم مصدراً للرعب الديني. والحقيقة ليس هذا السبب فقط، بل يعتبرونه كفراً بواحاً يواجهونه بكل عنف. بالتالي يعدُّ الواقع رُهاباً يتجنبونه بالعزل الشعوري والحياتي. قد يقال إنهم يحاولون الاستيلاء عليه... فكيف يعتبر رهاباً؟ هم يقابلون الرُهاب بالحشود البشرية التي تصارع القوى الأخرى. وفي المقابل يعد الواقع غامضاً غموض الجماعات برغم معرفة نشأتها وأفكارها. فلكم أساء الإخوان المسلمون مثلاً فهم وتحليل الثورة المصرية لا لشيء إلاَّ لأنَّ الوضع الاجتماعي- من وجهة نظرهم- وضعاً منحرفاً عن درب الإسلام. وكذا الوضع السياسي إذ يتجه نحو محاربة الدين دوماً. بالتالي لا تكفر الجماعات السياسيين بل يحاولون استئصالهم من الواقع. وأخيراً بعد خروج الإخوان من السلطة فاشلين فشلاً ذريعاً سيكون الواقع نكبة أكبر من نكبة الأندلس وفلسطين. وسيتحول الواقع إلى ذاكرة مظلمة، بحجم الرغبة في وجود الاسلام!!

(2) - الرغبة في الحياة العامة كتلة سائلة لدى الجماعات الدينية كما هي بمنطق الثقافة العربية ومنطق الجموع الغفيرة. إنها بلغة مادية تتجلط كالدماء من أجل التأثير في الواقع. فمن أجل تحريك الأحداث الثورية كانت الجماعات والأحزاب والنقابات تسهم في هذا التكتل العام كأنه مادة محتشدة سياسياً. ومن ثم تنشأ الأحزاب والجماعات دونما تأثير حقيقي. وهذه الرغبة ناتجة عن انعدام الاختلاف الفعلي في الثقافة العربية كما أنها ترتكز إلى رغبة القطيع في الاستنفار لإدامة الصراع. وبفضل غياب الديمقراطية والنقد وروح التسامح تأخذ شكلاً جمعياً من العداء العام المتدثر مرة بالدين وأخرى بالطائفة وغيرهما بالأيديولوجيا.. وهكذا. لهذا تلتهم الرغبة الجمعية كل بعدٍ فردي أو ليبرالي مستنير واضعةً له داخل ماكينة الكتلة ليخرج معدوماً مثل الفضلات!!

(3)- كل تصور ديني بمثابة إعادة لذاته وحذفها بالوقت نفسه، إعادة لجزء منه ولتراكمٍ ما عليه كما تتراكم الطبقات الجيرية على الأسنان. بكل قوى الدين (ميتافيزيقا- شريعة- طقوس- رأسمال رمزي) يتحدد في شكل بسيط ينفض عنه غباراً دائماً. هذا ناتج عن نقصان الإيمان الكافي لإتمام العمل الديني بما فيه الاعتقاد. كذلك لا يتعين الدين إلاَّ في أقنية التصور البشري ونحن نعرف أنَّ كل تحديد سلب. إذن يجري السلب بنائياً داخل أية موضوعات دينية. حتى أنَّ هناك مقولة تدل على كون القلب أتياً من التقلب فيواجهه الفقهاء بدعاء وقائي: "يا مُقلِّب القلوب ثبت قلبي على إيمانك".

(4) - اتجه فلاسفة النهضة (فولتير وهوبر وهيوم) ومن قبلهم بودن إلى نزع الأساطير والطابع الثيولوجي عن العالم. فنشأ الدين الطبيعي حتى يتركز النظر حول ماهية الأشياء في ذاتها. وهذا الأمر جعل الدين في حالة فعل غير مادي؛ أي تقرر سياق الدين دون خلعه على الكائنات. كما أنه وضع الأشياء في مجالها الطبيعي دونما أساطير وأسرار. فلقد كانت الأساطير تصنع من العالم كائنات ذات إمكانيات خارقة وبالتالي تخضع للتقديس. إذ ذاك كما في العصور القديمة يغدو التقديس طبقة ميتافيزيقية سميكة تخفي الطبيعة وتأسطرها. وصحيح أن الأساطير خملت وتراجعت، لكن الوظيفة الاستعارية والدينية لم تنته بعد. إنَّ استعمالاً للدين بهذا الشكل –حتى ولو في نطاق محدود- يخلع على الأشياء أردية مقدسة ليست لها ولن تكون. لعلنا نرى هذه القداسة التي يتعامل بها أعضاء الجماعات الدينية مع الشيوخ سلفاً وراهناً. إنه التعامل ذاته الذي يستعيد وظائف الديانات القديمة. ولهذا فالمجال العام يبطل مفعول هذه الوظيفة التي تتكرر كالفيروسات التي توجد منذ ملايين السنوات. والمجال العام حين يبني نفسه على العقلانية والديمقراطية والاستنارة إنما يأخذ القداسة. لكن بمنظور عدم المساس به لا تحويله إلى لاهوت سياسي ولا اجتماعي. إنَّه قداسة أرضية ناتجة عن عدم المساس بالآخر انساناً وإرادة.

(5) - مشكلة جماعات العنف الديني هي هذا الإصرار على اقحام الخطاب الأيديولوجي في المجتمع. لقد تناسوا طبيعة المجتمعات وكيف تتغير وأية ثقافة تواكب التطور المعرفي والفكري. فالخطاب ينضح بمشكلات ضاربة في القدم منذ العصور الاسلامية الأولى لم تعد لتساير الزمن الراهن. فلا هم يعنون أنفسهم بفهم المجتمع ولا هم يطورون من أساليبهم ولا طروحاتهم. وإذا كانت الديانات جميعاً قد بدأت بالدعوى تدريجياً فنشأ هؤلاء المحيطون بالأنبياء فإنَّ الخطاب المشار إلية يؤدلج المشكلات والتحولات بحسب المرجعية الصارمة لأزمنة سابقة. أزمنة لم تتعرض لنفس القضايا ولا لنفس الاختلاف المعرفي ولا لذات الضخ التكنولوجي ولا الانجازات الراهنة.

(6) - هناك وجه آخر لعدم تجسد الدين في أشكال عامة كأنَّه مادة ومحتوى. فنفي الصفات المادية عن الله كما في الشهادة وكما في الصفات حيث لا يحتويه مكانٌ ولا زمانٌ ولا جهةٌ إنما تمتد إلى الدين جميعه. فكل تصور ديني يسلب نفسه بنفسه كما يبرر ذاته بذاته. وهذا خطر محاولة فرضه كنمط سياسي أو اجتماعي. وهذا النفي له أكثر من دلالة: أولاً: لا يبلغ إنسان ولا جماعة الحقيقة الدينية من تلقاء ذاته. هي فقط صورة مجازية لنمط من الحياة قابلة للمناقشة والتغير. ثانياً: نفي النفي إيجاب، بمعنى إذا كان الدين لا يقر بنظام سياسي ولا اجتماعي واحدٍ، فإنَّ رفع هذا النفي يتم في مجال عام لا يتلون ولا يختلط بأي أيديولوجيا لاهوتية. إنّه الحقيقة القصوى لتواريخ من الصراعات الدينية والمذهبية. ثالثاً: لا توجد سلطة دينية ولا قدرة على التكتل باسمها في صورة الجماعات والمذاهب السياسية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5105 المصادف: 2020-08-27 04:14:30


Share on Myspace