 أقلام فكرية

مكانة القانون في الجمهورية (3-3)

علي رسول الربيعيمفاهيم الخير العام والتصميم الدستوري

تحتل الاعتبارات الأخلاقية عند الجمهوريين مثل روسو مكانة مركزية في الحياة الجمهورية. فقد رأى روسو أن الغرض من ذلك هو السماح للناس بالعيش في حرية التي عرّفها العيش في ظل قوانين هم يشرعونها. وضع بيتيت، بعد روسو، غاية المساواة الليبرالية في المقدمة بوصفها الحد من الهيمنة، ويحث على أن تلعب الدور المركزي في توجيه التصميم المؤسسي. إذا كانت الاعتبارات الأخلاقية هي الهدف من العيش في جمهورية، فمن المنطقي التمييز، كما فعل روسو، بين المعايير العامة التي يمكن أن تربط الأشخاص على قدم المساواة والمعايير المحددة الموجهة لأشخاص أو مجموعات معينة. يعتقد روسو أن الأول هو مجال التشريع بشكل صحيح بينما ينتمي الأخير إلى القضاة أو المحاكم. لهذا السبب، كان الجمهوريون الذين تبعوا مونتسكيو ولوك يميلون إلى تأييد الفصل الوظيفي بين السلطات الذي يتتبع التمييز  بين العام والخاص. وقد دعا الجمهوريون الذين أيدوا فكرة الضوابط والتوازنات إلى نشر الضوابط للحفاظ على السلطات المنفصلة مؤسسياً.

تلعب المؤسسات، في كل هذه الآراء، دورًا فعالًا إلى حد ما بالنسبة للصالح العام. وأكد ماديسون1  في هذا السياق في- الفيدرالي-  في حينه إن الدستور قد وضع للشعب، ونجد  الكثير من الناس يؤيدون مثل هذه الفكرة اليوم. أعتقد أن الوصفة الدستورية المتوقعة لهذا الرأي هي ابتكار إجراءات تمنع التغيير المؤسسي، مثل مطلب أغلبية عظمى أو مطلقة أو حتى توفير حق النقض التوافقي للعديد من المشاركين في السلطة. بالإضافة إلى الاختلاف حول محتوى المصالح المشتركة، اختلف الجمهوريون أيضًا حول ماهية مشكلة التدخل التي تمنع تحقيق تلك المصالح.2 

ولكن إذا كان لا يمكن الاعتماد على الوطنية، فقد ابتكر الناس أحيانًا أدوات مؤسسية لمنع تركيز السلطة في أيدي شخص واحد أو عدد قليل ، لترتيب الدستور للتخفيف من هذا التهديد. وقد كان لدى جمهوريي عصر النهضة مثل مكيافيلي وهارينغتون وسيدني مجموعة مماثلة ولكن أكثر تحديدًا من المخاوف بشأن تركز السلطة، وحاولوا ابتكار وسائل مؤسسية للحد من الملوك أو المغتصبين، معتبرين إياهم تهديدًا للحريات الجمهورية. اتخذت الكثير من توجهات مقاومة الحكم المطلق، شكل جهود لتأسيس قضاة مستقلين أو دور للبرلمان في التشريع.

كان أنصار الإصلاح الجمهوري قلقون، في الآونة الأخيرة، بشأن ما يبدو تهديدًا أكثر تجريدًا: الليبرالية، التي يُنظر إليها على أنها مصدر للمزاعم الأيديولوجية المتنافسة حول الدور المناسب للحكومة في الحياة العامة والخاصة وبشكل أساسي مع حثها على حماية الأفراد من مطالبات الدولة بطرق يبدو أنه لا يشجع الانتباه إلى المصالح المشتركة. تشبه معارضة الليبرالية في بعض النواحي القلق القديم بشأن فقدان الفضيلة المدنية. يبدو أن الآثار المؤسسية الرئيسية لهذا القلق كانت، أولاً، محاولة للحد من الاعتماد المفرط على الحقوق القابلة للتنفيذ قضائيًا، وثانيًا، محاولة لجعل القضاة يجبرون البرلمان على تقديم تبريرات تستند إلى الأسباب للقوانين التشريعية. من الواضح  تفرض هاتان النقطتان مطالب مختلفة تمامًا على القضاة- حيث تطالبهم أن يكونوا أكثر سلبية أو أعتدال من ناحية، وتطلب منهم أن يكونوا أكثر شدة في مراجعة القوانين من ناحية أخرى.

الاستنتاجات

ليس من المستغرب من وجهة نظر دستورية، تأييد الجمهوريين "حلول" مؤسسية مختلفة لمشكلة الحكومة. تميل الجمهورية الحديثة (والليبرالية الحديثة) في تصور مجتمع مكون من أفراد لديهم اهتمامات متنوعة ومتغيرة ، إلى قبول نظرية إجرائية للقانون تسمح بتغيير قانوني سريع ومرن ولا تميز بشكل حاد بين القانون والسياسة العامة. القانون هو كل ما يسنه التشريع (أو تطبقه المحاكم). من الواضح أن هناك استثناءات مهمة لهذا الاتجاه ، لذلك لا أقصد التأكيد على أنه أكثر من مجرد نزعة.

دعمت الجمهورية على المستوى الدستوري، مفاهيم مختلفة لفصل السلطة. أراد الجمهوريون فصل المؤسسات والمناصب لمنع حكم الطبقة المهيمنة وتعاظم السلطات الاستبدادية في يد رجل واحد.أيدوا الفصل الوظيفي للسلطة القضائية عن سلطات صنع القانون وسلطات إنفاذ القانون، وأصروا على الفصل بين تطبيق القانون وسن القانون. علاوة على ذلك، اعتقد الجمهوريون أن "الضوابط والتوازنات" الدستورية ستنظم العلاقات بين الأنظمة الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع. يبدو أن الجمهوريين يرون الضوابط والتوازنات كعناصر لتصميم مؤسسي يمكن ترتيبها بشكل عقلاني للحفاظ على سلطات منفصلة وظيفيًا.

تلتقط وجهت النظر الجمهورية سمات مهمة ودائمة لأي مجتمع. تتكون المجتمعات من أفراد يمثل كل منهم مصدر مميزًا للقيمة ؛ لكن نمط اهتمامات الناس وفرصهم منظم أيضًا، إلى حد كبير، من خلال عوامل اقتصادية مستقرة نسبيًا تميل إلى إنتاج وتثبيت تقسيم للعمل. المصالح الطبقية هي حقائق بنيوية واقعية في أي مجتمع وتميل إلى أن تكون مستقرة نسبيًا حتى في العالم الحديث، حتى لو كانت منظمة بشكل غير كامل أو غير واعية بذاتها. بطبيعة الحال، المجتمع الحديث أكثر مرونة وتنوعًا من معظم المجتمعات التقليدية. لكن لا تلغي هذه التعددية حقيقة أن الأغنياء والأقوياء يميلون إلى امتلاك مصالح وفرص مختلفة عن الآخرين. أخشى أن تكون الجمهورية، من نواحٍ عديدة ، قد فقدت رؤية هذه الحقيقة الأساسية - الحقيقة المرنة للانقسامات الطبقية - وتميل إلى تطوير نوع من نظرية عن الفردانية يشبه الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية التي تقوم على نوع من الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية. قد يكون هذا شيئًا جيدًا أو سيئًا؛ لا اعرف. لكنها خسارة لوجه من التفكير الجمهوري ويبدو أنه من المجدي أن نعلق عليها.

لا يفعل الناس شيئًا بشكل مباشر في البيئة الحديثة حيث تضع النخب كلاً من السياسات والقوانين دون أي إجراء مباشر ليحظى بقبول شعبي على الإطلاق. وهنا لايعني أن الناس العاديين قد وافقوا على قانون يحكمهم تحديداً. نظرًا لعدم وجود أي مشاركة شعبية مباشرة في صنع القانون، يجد الفلاسفة المعاصرون صعوبة في الاتفاق على طبيعة الالتزام السياسي. ويجدون أنه من الضروري التساؤل عما إذا كان لدى الناس العاديين التزام عام بطاعة القانون، أو ما إذا كان الالتزام يمتد فقط إلى قوانين مبررة محددة. بقدر ما يتم الرد على هذا السؤال بشكل جيد، هناك معنى مجرد، قدمه الفلاسفة، حيث يتمتع كل شخص بكرامة دستورية.

لكن المكتسب كان وضع الفرد في المركز كمصدر للقيمة ومصدر لطلب التبرير. لقد اعترفت النظريات الليبرالية بشكل مميز بهذه المركزية وقدمت مبررات، من حيث المبدأ، للاستجابة لهذا المطلب. لكن العجز  في النظريات الليبرالية هو أنها لا تركز على الصراعات البنيوية المزمنة بين الأغنياء والقليل من الأقوياء، والأغلبية من الناس، الذين ليسوا كذلك. علاوة على ذلك، لا تبني النظريات الليبرالية هياكلها المؤسسية على قوة الأغلبية، على نفوذ الذي قد يكون لديها  على الأغنياء والأقوياء. يجب ترتيب المؤسسات، بالنسبة لليبراليين  بحيث تُحترم حقوق كل شخص، بغض النظر عن مدى ضعفه. لكن بالطبع يكون كل فرد، في المجتمع الحديث، ضعيفًا وليس في وضع يسمح له بالمطالبة بالحقوق أو الاعتراف. يبدو لي أن الجمهورية الحديثة قد قطعت شوطًا طويلاً لقبول هذا الوصف.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

 Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

Millar, F. (1998). The Crowd in Rome in the Late Republic. Ann Arbor: University of Michigan Press.

Nippel, W. (1995). Public Order in Ancient Rome. Cambridge: Cambridge University Press.

Pettit, P. (1997). Republicanism. Oxford: Oxford University Press.

Rousseau, J.J. (1997). The Social Contract and Other Later Political Writings. Cambridge: Cambridge University Press.

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

Sunstein, C. (1985). ;'interest Groups in American Public Law." Stanford Law Review 38: 29-87.

Sunstein, C. (2009). "The Enlarged Republic -Then and Now." New York Review of Books 56 (March 28-April 8): 45-8.

Tocqueville, A. de (2000 [1840]). Democracy)' in America. Eds and trans. H. Mansfield and D. Winthrop, Chicago: University of Chicago Press.

Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

هوامش

  1- Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers.

  2- Ferejohn, J. and F. Rosenbluth (2006). "Republican Liberalism.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5126 المصادف: 2020-09-17 04:37:44


Share on Myspace