 أقلام فكرية

فلسفة العدالة.. العدالة كفضيلة

حاتم حميد محسنعند الحديث عن العدالة كفضيلة، فهي يشار اليها عادة بسمات الافراد وبالطريقة التي يتصرفون بها، وهي يمكن ربطها او الاشارة اليها بالعدالة الاجتماعية. الفيلسوف جون رولز نظر الى العدالة بطريقة مختلفة حين اعتبرها كـ "اول فضيلة للمؤسسات الاجتماعية". كل فيلسوف له تفسيره الخاص لما يعتقد انه هو الصحيح حول العدالة، المثال الذي ذكره افلاطون في الجمهورية يتعامل مع العدالة كـ " فضيلة شاملة لكل الافراد والمجتمعات، بما يعني جميع القضايا الاخلاقية تندرج تحت فكرة العدالة (dikaosoune). ولكن في الاستعمالات الحديثة نرى العدالة تغطي فقط جزءاً من الاخلاق الفردية". مثال آخر استُخدم ليبيّن كيف نفكر كمجتمع بالعدالة، قيل اننا لا يمكن ان نعتبر شخصا غير عادل لو تجاهل اطفاله او مارس الكذب، بل ان صفات اخرى يجب ذكرها اولا عن الفرد قبل ان يكون شخصا غير عادل . فيما يتعلق بالعدالة الفردية، هي مرتبطة بالقضايا الاخلاقية، ولها علاقة بالسلع والملكية.

كارل ماركس اعتقد ان الرأسمالية لها تأثيرات سلبية على الطريقة التي يعمل بها المجتمع، هو ايضا اعتقد انها من خلال منطقها الداخلي سوف تنهار، مثلما انهارت من قبل الانظمة السوسيو اقتصادية على مر التاريخ. كانت لماركس مشاكل مع وسائل الانتاج، النقطة الحاسمة لديه كانت "الاغتراب" و"الاستغلال" للعمال. هو يقول ان العمال يُجبرون على بيع قوة عملهم، ليحصلوا في المقابل على ما هو أقل مما يُفترض استلامه، هذا بسبب حقيقة ان الانتاج يعطي للرأسمالي فائضا بينما العامل يُدفع له أقل من المستوى المطلوب. هذا يسمى بـ "الاستغلال" لأن الرأسمالي يستلم كل الارباح بينما يحصل العامل على الحد الأدنى، هو يشرح لماذا هذا يُعتبر شيئا سيئا، هو يقول ان هذا لم يحدث في اي نظام، الاستغلال الرأسمالي هو استغلال طبقي، يترسخ بفعل القواعد القائمة سلفا. الاغتراب يأتي من الطريقة التي يُنظر بها الى العامل وكيفية التعامل معه، العمال يُنظر اليهم بنفس قيمة الماكنة التي يستعملونها، مثلما يستفيد الرأسمالي من استخدام المكائن، ويدفع فقط لأغراض الصيانه، كذلك بالنسبة للعامل . هو ايضا اعطى مثالا آخر عن الاغتراب حول الكيفية التي يعيش بها العمال في عالم الأتمتة، انهم فقط عمال في مستودع للسلع، خدام للماكنة.

العدالة يُنظر اليها فقط وفق مصلحة القوي، كل حكومة تضع قوانينها، جميع الحكومات سواء كانت ديمقراطية او ارستقراطية او استبدادية تصنع قوانينها الخاصة لأجل مصالحها، وبعمل كهذا هي تمنح العدالة للجمهور، وعندما يخالف شخص ما القانون فهو سيُعاقب حتى لو كانت القوانين غير عادلة وبلا معنى، ولذلك فان العدالة هي فقط لمصلحة الأقوياء ومنْ لديهم سلطة الامر، وكما قيل "الحق مع القوة".

لو كنا في عالم يسوده السلام ربما سيكون هناك معنى للعدالة، ولكن في عالم اليوم قد لا نجد ذلك المعنى، نظرية الحرب العادلة تؤكد انها يجب ان تكون الملاذ الاخير، ولغرض الدفاع الذاتي او ضد الغزو، وليس لإكتساب الثروة والقوة، كذلك يجب ان تكون هناك قواعد للحرب، ويجب ان تُشن لتعزيز الخير وتجنب الشر. ولكن لو سألنا انفسنا هل هذا ممكن؟ الجواب بالتأكيد كلا. ما اعتقد به الفلاسفة حول الطريقة التقليدية للحرب لم يتجسد في الواقع، خاصة في عالم اليوم. المجتمعات تطورت من حيث الطريقة التي تعمل بها، وكذلك طريقة عمل الحكومات، فنجد لكل مجتمع برامجه الخاصة، والجشع في تصاعد، والسباق متواصل حول من يمتلك افضل الجيوش واقوى الصواريخ. نحن نعيش في عالم اناني يسعى فقط لتحقيق ما يصبو اليه. النظرية تطورت بمرور الزمن في تقرير ماهية الحرب. هذه النظرية جاءت من فترة الاغريق والرومان، وكذلك بعضها برز من التقاليد المسيحية، والبعض يقول ان تعاليم ارسطو وشيشرون كانت انعكاسا لعقيدتهما، لكن تأثير القس اوغسطين كان واضحا. وفيما يتعلق بهجوم 11 سبتمبر 2001 ذلك يعتمد على طريقة النظر اليه.

انها تؤكد ان الحرب تأتي "كملاذ أخير"، وقيل ان غزو العراق وافغانستان جاءا انتقاما من هجوم سبتمبر وكطريقة لمواجهة ما اسمته امريكا الارهاب. الالتباس في تلك الدول كان كبيرا نظرا للعدد الهائل من الابرياء الذين قُتلوا او جرحوا. الغزو جاء لعدة اسباب منها محاولة الاطاحة بالنشاطات الارهابية وكذلك بسبب الطموحات النووية لبعض الدول . فهل كانت تلك الحروب الملاذ الأخير؟ هل كان الناس متفقين على ضرورة شن تلك الحروب وعلى مدى فائدتها للولايات المتحدة؟ هناك دائما سلبيات وايجابيات. الحرب كانت حاضرة في كل القصص وخاصة القصة الانجيلية، والانسان كان دائما مشاركا فيها، فهي جزء من طبيعتنا، وسواء كانت فكرة جيدة ام لا ذلك يعتمد على رؤية الفرد وما يعتقد به. دائما نأتي الى الاخلاق عند النظر للأذى الذي يصيب الابرياء.

نظرية العقد الاجتماعي تقول ان الناس الذين يعيشون مع بعضهم في مجتمع معين يتفقون مع بعضهم لتأسيس قواعد اخلاقية وسياسية للسلوك. الناس يعتقدون لو اننا نعيش طبقا للعقد الاجتماعي، فسوف نستطيع العيش اخلاقيا باختيارنا وليس بسبب ما يتطلبه الدين. العقد الاجتماعي يمكن ان يكون واضحا وصريحا في القوانين او بشكل غير مباشر، من خلال رفع يدك في الصف عند الحديث . دستور الولايات المتحدة هو مثال على العقد الاجتماعي الواضح. فيه العديد من القوانين التي تعطي الناس برنامج عمل حول ما يستطيعون او لا يستطيعون عمله. هوبز وروسو كلاهما استخدما تعبير الانسان "الوحشي" او البربري في دولة الطبيعة كمحاولة لتحليل الطريقة التي يفكر بها الانسان ويتصرف بها تجاه مختلف الاشياء. هما حاولا فصل الفرد عن التأثيرات التي يواجهها عادة، مثل الثقافة، الدين، الحكومة وغيرها ليروا كيف ستكون الحياة بدون تلك القوى التي توجّه سلوكنا. هما توصّلا الى ما هو مناقض لبعضهما تماما، الانسان في دولة الطبيعة هو مسالم بطبعه، سيادة الدولة تجعل المجتمع فاسدا، وهو ما يقود الى الحرب، الحكومات تحاول حماية الناس ويُفترض ان تفكر بمصالحهم بينما السيادة تحقق فقط ما هو مفيد لتلك الحكومات، الناس ليسوا موضوعا للقوانين.

قيل ان الناس اكثر تعقيدا مما اعتقده اي من الفيلسوفين، "الهدفان الاساسيان في الحياة هما ان يعيش الفرد ويتكاثر، يجب ان يفعل اي شيء ليتجنب الموت ". غريزة الحيوان تدفعه للقتال ضد الآخر، كيف يتعلق ذلك بنا كبشر؟ نحن ايضا لدينا غرائز ولدينا القدرة لنكون غير عقلانيين. في الحقيقة، ان الانسان يجب ان يكون قادرا على التغلب على هذه الاشياء، لكن ذلك لا يحدث دائما. الغرائز والعقل لايتفقان دائما. المجتمع والحكومة يمكنهما تخفيف السلوك السيء او تشجيعه، ذلك يعتمد على نوع التنظيم والصفات المتأصلة لدى الفرد. الناس مزيج من الجيد والسيء، من الغرائز والعقل، كمية هذه الميول تعتمد على كل فرد ويمكنها ان تتغير من لحظة لاخرى ومن مجتمع الى آخر.

 

حاتم حميد محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5142 المصادف: 2020-10-03 02:53:56


Share on Myspace