 أقلام فكرية

نظرية العامل في تراثنا العربي- الإسلامي

محمود محمد عليتعد فكرة العامل من مظاهر تأثر النحو بالمنطق والكلام وسائر العلوم الفلسفية، وأساس هذه الفكرة قائم علي أنه لابد من محدث لكل حادث، ومؤثر لكل أثر، وبالتالي فإنه لا بد له من عامل لكل معمول في عمل، وأن العوامل جميعاً تجري مجري المؤثرات الحقيقية، وهكذا أصبح العامل خاضعاً لتفسيرات فلسفية امتزجت بالفهم اللغوي. لذا كان العامل الفلسفي متقدماً علي غيره من العوامل عند الدارسين لأنه شاع وانتشر في كتب النحاة ومصنفاتهم قبل غيره ؛ حيث يقول بعض الباحثين في العامل الفلسفي:" وهو العامل الذي اقتبسه النحاة من كلام المتكلمين في العلة، وقد بدأ البصريون كلامهم فيه لأن منهج المتكلمين طغي علي الدراسات المختلفة إذ ذاك فاقتبس منه الدارسون منهجهم " .

ومن هنا جري جمهور النحاة علي القول بالعامل ظاهراً ومقدراً وأجروا عليه أبحاثهم، وأقاموا عليه آرائهم، وأكدوا أثره في اختلاف الحركات الإعرابية، واحتلت قضية العامل المنزلة الأولي في الدرس النحوي التقليدي حتي أوشك أن يطلق ويراد به النحو كله، بل لقد ألفت في عصور متعاقبة كتب لم تقتصر عليه بل شملت معه غيره من مسائل النحو وقضاياه، ولكنها سميت باسمه تغليباً مثل كتاب العوامل "المائة" لأبي علي الفارسي، وكتاب " العوامل المائة في النحو " لعبد القاهر الجرجاني المتوفي سنة 474هـ، وكتاب "عوامل البيركلي" لمحمد بن بير علي الشهير ببيركلي المتوفي سنة 981هـ .

ولقد أسرف النحاة في استعمال العامل وفيما أحاطوه به من الأبحاث الكثيرة التي أداروها علي ظهوره وتقديره، وعلي تعداد العوامل وأنواعها، وعلي ذكر ما قد يعرض لها من العلل أو يحدث لها من الخلل، وعلي الإعمال والإلغاء والتأويل وتبادل العوامل والمعمول للعمل، وتعدوا في كل ذلك ونحوه قواعدهم وقنوا قوانينهم فقالوا علي سبيل المثال " لا يجتمع عاملان علي معمول واحد " فأدي هذا القانون إلي وجود ما أسموه في النحو باب التنازع " وقالوا أيضاً " للعامل الصدارة والتقدم إلا إذا كان قوياً فإنه يعمل متقدماً ومتأخراً" وقالوا كذلك " للعامل الصدارة التقدم إلا إذا كلن قوياً فإنه يعمل متقدماً ومتأخراً " وقالوا كذلك " قد يعمل العامل في المحل ولا أثر لعمله ف اللفظ " وقد ترتب علي هاتين القاعدتين أحكام نحوية متشعبة في أكثر مسائل النحو .

وقد ارتبطت فكرة العامل في الأساس بقضية الإعراب علي اعتبار أن الحركات الإعرابية آثار وأن العوامل مؤثرات، ثم تشعبت الأبحاث الدائرة حول هذه وتلك، فذهب النحاة إلي القول بوجود عوامل لفظية هي تلك التي تحدث الرفع، وأنه قد يحدث الرفع بعوامل لفظية أيضاً، وأمعنوا في إقامة العامل في كل شئ ولكل شيء حتي أنهم وضعوا لأبحاثهم عناوين تؤكد مقولة العامل ودوره الأساسي في كل أبحاثهم النحوية فقالوا مثلاً: باب كان وأخواتها، وباب نواصب الفعل المضارع، وغير ذلك، وظهر ذهابهم في الأمر بعيداً فيما نراه في أبحاثهم من الأقوال الكثيرة التي تتردد فيها ألفاظ الإضمار الجائز والإضمار الواجب والحذف والتقدير ونحو ذلك مما أبعد الشقة بينهم وبين الفطرة اللغوية الأولي التي ظهرت في كلام العرب الخلص الذين يحتج بأقوالهم والذين أخذ النحاة عنهم هذه الأقوال وأقاموا عليها قواعدهم وأصولهم، وهي أقوال سليقة لم يكن يعرف أصحابها شيئاً عن الرافع والناصب والجار والجازم، ولا عن العوامل اللفظية أو المعنوية التي تحدث الآثار الإعرابية علي أواخر الكلمات علي حد قول أهل الصناعة النحوية .

بل لقد أفرط متأخرو النحاة في قضية العامل كما أفرطوا في غيرها من القضايا المصطبغة بصبغة المنطق والفلسفة، وخرجوا بهذا الإفراط عن خط فريق كبير من أوائل النحاة ومقدميهم من الرواد الذين اعتبروا النحو بالدرجة الأولي وسيلة لحفظ الكلام العربي من الفساد باللحن، ولصيانة مبناه من الخلل، وليس معرضاً للمقولات العقلية المجردة ونحوها، فضلاً عن خروجهم عن السليقة العربية لأهل الفطرة الأولي ممن يحتج بأقوالهم علي ما ذكرنا .

وقد رأي بعض الباحثين أن إيغال النحاة ومبالغاتهم في الأخذ بالعامل الذي أفض إلي احتكامهم له في أغلب أبواب النحو وتقسيماته؛ راجع إلي التأثر بالفلسفة التي كانت شائعة بين المتأخرين منهم (124).

ولقد اعتمد النحاة المتاخرون ولا سيما في عصور المماليك بالكلية الأخذ بالعوامل النحوية واعتبروها الموجدة لحركات الإعراب مع إلغاء دور المتكلم نفسه، وأدي بهم ذلك إلي تداول التخرج والتأويل والحذف والتقدير بكثرة بالغة، فاتسعت لذلك خلافاتهم وتزايدت، وعقدوا دراساتهم وأغربوا في مسائلهم وملأوها بالعوامل الظاهرة والمقدرة، والعوامل اللفظية والمعنوية، والعوامل الفعلية والعوامل الإسمية الجامدة والمشتقة وغير ذلك .

ومن نماذج أخذ النحاة المتأخرين بفكرة العامل والتزامهم بها في فروعهم النحوية:

1- اهتم ابن النحاس بفكرة العامل وكانت له آراء مستقلة عما أشار إليه النحاة السابقون عليه، ومن الأمور التي تفرد بها أنه سمي الأدوات العاملة " حروفاً" حروفاً كانت أم أفعالاً أم أسماء ولذلك سمي "كان وأخواتها ": " باب الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار " وهي: كان وصار وظل وبات وأمسي وأصبح ولم يزل ولا يزال، وما زال وما دام وما أنفك " ففي هذه التسمية دليل علي أنه يقصد بـ " الحروف" الأدوات العاملة، وهي هنا أفعال، وفي هذه الأبواب أداتان ادخلهما فها وهما:" لم يزال ولا زال " علي عادته في عد الأداة الأصلية مسبوقة بتعليل أو نحوه ومتلوة بنفي أداة جديدة، وعد هنا مجئ " لم " و"لا" قبل " يزال" أداتين جديدتين، وكان التقسيم يقتضيه أن يدخل فيها " لن يزال" و" زال" في الدعاء، ولعله سها عنهما .

2- ناقش ابن هشام قضية العامل في أمور كثيرة في شروحاته، ومن ذلك مثلاً حديثه عن المرفوعات:" بدأت من المرفوعات بالفاعل لأمرين، أحدهما أن عامله لفظي، وهو الفعل أو شبهه، بخلاف المبتدأ فإن عامله معنوي وهو الابتداء، والعامل اللفظي أقوي من العامل المعنوي، تقول في زيد قائم، كان زيد قائماً، وإن زيداً قائم، وظننت زيداً قائماً، ولما بينت أن عامل الفاعل أقوي كان الفاعل أقوي، والأقوي مقدم علي الأضعف .

3- قول ابن مالك:

بفعله المصدر ألحق في العمل        مضافاً أو مجرداً أو مع أل .

وقوله أيضاً:

كفعله اسم فاعل في العمل            إن كان عن مضيه بمعزل .

ومثال آخر يتعلق بالعامل في (أيِّ) ؛ حيث يرى ابن مالك ان الذي في (اي) من تضمن معنى حرف الاستفهام معارض يشبهها بـ(كل)، و(بعض) وبشبه (اي) الموصوف بها في نحو: (مررت برجل أي رجل) ومعارض بالاضافة القياسية، وهي الإضافة إلى المفردات دون لزوم في اللفظ، فاستحقت بذلك التفضيل على اخواتها فاعربت وعوملت في اضافتها معاملة (كل) و(بعض) لوقوعها موقعهما. مثال الإضافة لفظا: (أي القوم لقيت؟) وتقديرا (130): (باي مررت؟) كما يقال: (مررت بكلهم وبكل)، و(ببعضهم وببعض) وهي كـ (بعض) عند الإضافة إلى معرفة وكـ (كل) عند الإضافة إلى نكرة .

4- العامل مؤثر حقيقة، إنه سبب وعله للعمل، وهذا مشهور وشائع في النحو عند المتأخرين، ويوضح هذا ما يقوله الصبان تعليقاً علي ما نقله الأشموني عن شرح التسهيل من أن:" الإعراب ما جئ به لبيان مقتضي العامل " فالعامل " كجاء ورأي والباء" والمقتضي " الفاعلية والمفعولية والإضافة " والإعراب الذي يبين هذا المقتضي " الرفع والنصب والجر – فهذا التعريف يقتضي اطراد الثلاثة .

4- ذهب ابن الناظم إلي أن الخبر في نحو: ضربي العبد مسيئاً، محذوف مقدراً بـ إذا كان وفاقاً لجمهور البصريين وكان عنده تامة لا ناقصة وذهب أبوه إلي أن الخبر في المثال المذكور، محذوف مقدر بمصدر مضاف لا زمان مضاف لفعله وفاقاً للأخفش إن كلاً من ابن الناظم وأبيه انطلق في مبايعته المتقدمين من نظرية العامل، لأن الحال عندهم جميعاً فضله لا يصلح أن يسند إليه المبتدأ وأن يخبر به عنه، فلذلك قرروا ليتدرج المثال تحت أصولهم الفعلية، وأقول إذا كان الحال فضله فقد يمكن حذفه ولا يختل المعني .

5- بني السيوطي معظم أبواب النحو في كتبه علي نظرية العامل بحيث يرد ذكره في كل مسألة إلا ما شذ، ولكثرته لا يحتاج إلي تمثيل، ونكتفي بأمثلة قليلة منها قوله في تعليلهم قولهم " المبتدأ أصل المرفوعات:" ووجهه أنه مبدوء في الكلام ... وانه عامل ومعمول، والفاعل معمول لا غير " . وقوله متحدثاً عن رافع المبتدأ والخبر:" في رافع المبتدأ والخبر أقوال فالجمهور وسيبويه علي أن رافع المبتدأ وهو الابتداء لأنه بني عليه، ورافع الخبر المبتدأ لأنه مبني عليه، فارتفع به كما ارتفع هو بالابتداء ... وقيل تجرده من العوامل اللفظية أي كونه معري منها ...".

هذه هي بعض النماذج والأمثلة الدالة علي استخدام النحاة المتأخرين لنظرية العامل، وهي إن دلت علي شئ فإنما تدل علي اندفاع هؤلاء النحاة إلي الاستفادة من الفلسفة والمنطق اليونانيين، فانتهت دراسة العامل إلي أن يُضفي عليها صفة العلة الفلسفية، ذلك لأن العلة هي الدعامة التي يقوم عليها القياس النحوي والمنطق وما نظرية العامل النحوية إلا وليدة مبدأ العلية الفلسفي .

ولا شك أن هذا الأمر أدي إلي فساد نظرية العامل وانحرافها عن مسارها الصحيح الذي رسمه الأوائل لها . فارتباط العامل بالعلامة الإعرابية أدي إلي تفريغه من أبعاده اللغوية الذي كان منطوياً عليها وبدل أن يهتم النحاة المتأخرين بدراسة التأثيرات التي ينتجها العامل داخل التركيب أصبحوا يهتمون بدراسته علي أنه عنصر خلق وإحداث وكسب، وأنه يؤثر كما تؤثر المؤثرات التي تؤثر بنفسها وقد قسمت العوامل وفق هذا الفهم علي قسمين: منظورة وغير منظورة، فإذا ظهر العامل ظهر المعمول، وإذا لم يظهر العامل تحايل النحاة علي إيجاده أو تقديره حسب ما يقتضيه الكلام، فكان تقسيم آخر للعوامل وهي اللفظية والمعنوية . فاللفظية ما ظهر لها وجود في الخط واللفظ والمعنوية ما غابت وظهر أثرها دون أن تظهر خطاً، ويبدو أن غياب العامل في ما كان معنوياً قد شغل بالهم كثيراً فراحوا يتلمسون الحجج لوجوده فكانت في أغلبها بعيدة عن روح اللغة قريبة من الفلاسفة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5144 المصادف: 2020-10-05 02:19:59


Share on Myspace