 أقلام فكرية

هرقليطس فيلسوف الأجيال

حاتم حميد محسنهل فكّر الانسان يوما في حياته وحول ما اذا كانت وهماً، او في حقيقة وجود اله؟ هل حاول التحقق من الأشياء التي تحدث حوله؟ هذه الأسئلة لطالما طرحها الفلاسفة في الماضي وقسم منها لاتزال حتى اليوم دون جواب حقيقي. الفلاسفة يسألون حول المفاهيم اليومية التي يتّبعها الناس دون وعي او يؤمنون بها بسبب الدين او المعرفة الشائعة او التقاليد او لعوامل اخرى، وهم يحاولون ايجاد تبريرات لها. جميعنا سمع بالعديد من الفلاسفة الذين حاولوا التأثير على الطريقة التي يفكر بها الناس او يحاولون جعل الناس يتحققون من صحة عقائدهم. بعض هؤلاء الفلاسفة الكبار برزوا في التاريخ القديم مثل سقراط وافلاطون وزينون وطاليس، لكننا سنركز هنا على هرقليطس.

كان هرقليطس "فيلسوف يوناني لما قبل سقراط من مدينة ايفسوس". عاش في ايفسوس في عام 500 ق.م تقريبا وهو اعتقد ان كل شيء حولنا يتغير وان الناس يمكنهم ملاحظة التغيير باستخدام حواسهم الخمس. عُرف هرقليطس بين أقرانه بالفيلسوف القاتم بسبب صعوبة فهم كتاباته. اشتهر هرقليطس بمقارنته للناس من حيث فهمهم باولئك النيام. هو اعتقد ان الفيلسوف في بحثه عن الحقيقة هو وحده يتمتع باليقظة التامة المفعمة بالحياة ، وهو اعتبر نفسه الفيلسوف الوحيد في زمانه. نستنتج من هذا انه يقارن الناس بالنيام لأنهم لايتابعون الحقيقة، هم يتّبعون بعماء ثقافتهم او ما يمليه عليهم دينهم بدون التحقق والبحث عن مزيد من المعلومات.

هكذا كان لهرقليطس مثل هذا التأثير على الأجيال اللاحقة حتى قيل ان "العديد من الفلاسفة اللاحقين من افلاطون الى ارسطو، ومن الرواقيين الى آباء الكنيسة، ومن جورج هيجل الى الفريد نورث وايتهد، اعترفوا بتأثرهم بافكار هرقليطس". قيل ان هرقليطس كتب كتابا واحدا فقط اثناء حياته وهو كتاب "حول الطبيعة"، الذي قيل انه ينقسم الى ثلاثة اقسام: "قسم حول الكون ، وقسم حول السياسة، والثالث حول الثيولوجي". في عمله، هو استخدم مختلف الاساليب البلاغية لكي يمكن ان تعني عباراته اكثر مما تبدو عليه وهو قام بذلك قصدا ليس لأجل ان يستطيع كل شخص فهمها وانما لكي يفهمها فقط اصحاب الموهبة والقدرة . هو اعتقد ان التغيير هو الجوهر في كل شيء وان النار هي الاساس كونها هي التي دائما تغيّر الاشياء. عقيدة اخرى له كانت في نظام التبادل المتوازن. فمثلا، "طريق واحد ينقل بعض المسافرين خارج المدينة، بينما هو ذاته يجلب الآخرين منها ، الطريق ذهابا وايابا"، هذا يجعل الناس يعتقدون ان كل فعل له فعل مضاد مساوي له والذي يشكل نوعا من الوحدة . هرقليطس ذكر عدة اقوال، نشير الى اقواله الأكثر شهرة منها مثلا "كل شيء في حالة من السيلان" و "انت لاتستطيع النزول في نفس النهر مرتين". ما نستنتجه من القول الاول ان كل شيء حولنا يتغير، يتحول، يصبح شيئا آخر. لاشيء يبقى ذاته كما كان من قبل. القول الثاني يشير الى ان النهر ربما يبقى كما هو لكن الماء فيه يتغير باستمرار.

ان الاقتباس الثاني سيكون ذا معنى عميق حين ننظر الى ما تبدو عليه الحياة حولنا من تغير دائم وانها ستكون بلا معنى لو بقيت في نفس الحالة، قد يعيش المرء حياته مثلما يرغب لكن البقاء في نفس المكان والاعتقاد فقط بما تربّى عليه ومحاولة نقل تلك العقائد للاجيال اللاحقة ، سوف لن يؤدي الى اي تقدّم في المعرفة. لو اتّبع كل فرد ما قيل له منذ ان كان طفلا، ولو ان الاجيال نقلت تلك المعلومات الى الاجيال التي اعقبتها، لكنّا لانزال نؤمن ان الارض هي مركز الكون او ان الارض مسطحة؟ كان هرقليطس مختلفا، هو رأى الالوهية في العالم، وان "العالم ذاته هو الله، او تجلّي لفعالية الله، والتي تتحدد بطريقة ما بالنظام الذي يؤطر الاشياء". قيل ان هيرقليطس ذكر ان المعرفة بعدة اشياء لاتجعل من الشخص ذكيا. الناس حاليا يسمون الآخرين اذكياء بناءً على معرفتهم وليس على ما يعرفون حقا. هذا يدعو لمعرفة ما معنى ان تكون ذكيا. البروفيسور J.M.Robinson نُقل عنه قوله "شيء جيد ان تعرف عدة اشياء، مثل اسباب الرعد والبرق والزلازل، لكن الافضل ان تفهم الشيء الوحيد الذي يؤطر كل تلك الظواهر، الفكرة التي توجّه كل الاشياء . تلك هي الحكمة". الحكمة الحقيقية لايمكن تعليمها وانما تُكتسب من خلال الصراع وتجارب الحياة.

النزاعات اللفظية والاختلافات تسمح للناس بتعلّم منظور الآخرين وانها تختبر مقدرتك في الدفاع عن حججك، وهنا تكمن الحكمة. نعتقد ان هرقليطس قدم لنا الكثير من الاشياء وفتح الطريق لإكتساب المعرفة وشجع اجيالا بعده للتحقق من الحقائق التي قيلت لهم. هو كان مختلفا عن الآخرين في عصره، كان فضوليا. الفضول يحفزنا للكفاح لأجل الحقيقة ولايزال العديد من الناس اليوم يتّبعون ما ذكره لهم آبائهم او ما لقّنه لهم دينهم بصرف النظر ان كان لها معنى ام لا لأنهم يرون كل شخص آخر يتبعها ايضا. نعتقد ان هرقليطس عالج الاشياء بطريقة مختلفة. كلماته كانت متفردة وجعلت الناس حقا يعتقدون بما قصد بها وهو امر مثير للاعجاب. احيانا يتحتم علينا الرجوع الى زمان لنقدّر معرفة الاجيال التي سبقتنا لأنهم حقا لديهم الكثير لنتعلم منه سواء اعترف بذلك الناس ام لم يعترفوا. معظم الناس يعتقدون انهم يعرفون كل شيء ويرفضون طلب المساعدة عندما يجهلون، ولكن يجب ان نتذكر كيف بدأنا ومن أين جئنا لهذا العالم وهو الامر الذي يجب ان يشارك به الجميع.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Philosophy, www. Philosophybasics.com/philosophers- Heraclitus-html

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5165 المصادف: 2020-10-26 11:35:52