 أقلام فكرية

مفهوم العقل عند سلامة موسى

حيدر جواد السهلانيإن أول من استعمل لفظ اللوغوس (Logos) أو العقل الكوني هو هرقليطس من أجل تفسير نظام الكون تفسيراً عقلانياً بعيداً عن الفهم الميثولوجي والأسطوري وقد تصور هرقليطس العقل الكوني على أنه محايث للطبيعة ومنظم لها من داخلها، فهو النور الإلهي الذي يبث الحياة في الطبيعة والحركة الفعالة الهادفة، وهذا التصور هو إقرار بوحدة الوجود. أما افلاطون فقد اعتبر العقل ملكة أو قوة نفسية تتميز عن باقي القوى الحسية الخيالية والشهوانية والانفعالية، ويميزه عن النفس على اساس أن النفس هي مبدأ الحياة وكل ألوان النشاط الحيوي. ويستعمله ارسطو بمعنى أداة المعرفة أو النفس الناطقة وهو القدرة على إدراك الصور الكلية والماهيات، والعقل الأرسطي عقلان، عقل نظري يدرك الكليات، وعقل عملي يدرك الجزئيات، وكلاهما يطلب الحقيقة، فالنظري ينزل من المبادئ إلى النتائج، ليرتقي العملي من آخر نتيجة إلى أعلى مبدأ. أما في الفلسفة الإسلامية فلم يختلف كثيراً عن معناه في الفلسفة اليونانية، فمثلاً الكندي يستعمله بمعناه الأرسطي، وهو جوهر بسيط مدرك الأشياء بخصائصها، أما أبن سينا يرى في العقل فهو جوهر غير قابل للفساد، ويقسم ابن رشد العقل إلى العقل المنطقي والعقل البرهاني والعقل الذي يستجيب للوعظ والأدلة الخطابية. وعند أبن عربي العقل هو العلم وهو صفة يتأتى بها إدراك العلوم. ويرى اوغسطين بأن الإيمان ضروري للعقل والعقل ضروري للإيمان، أما القديس أنسلم، فيرى العقل هو وسيلة للمعرفة وهو سبيل الإيمان، أما توما الإكويني يرى أن العقل والعقيدة يرميان إلى غرض واحد، وبالعقل نفهم الوجود، وبالعقل والوحي تتم المعرفة لكن العقيدة أولاً. وفي الفلسفة الحديثة بدأ التسليم بأولوية العقل فمثلاً فرنسيس بيكون يرى بأن العقل وحدة يكفي للوصول إلى الحقيقة بدون الوحي. أما كانت استعمله بمعنين، العقل العملي وهو ملكة متعالية تتضمن مبادئ لكل فعل أخلاقي، أو العقل الخالص أو المحض، وهو الملكة المتعالية التي تتضمن المبادئ القبلية للمعرفة وتؤسس بذلك العلم. أما هيجل يعتقد أن الحقيقة النهائية التي هي أساس كل الحقائق هي العقل، ويرى أنه لا يتم الوصول إلى حقيقة العالم إلا إذا تدرجنا بمراتب العقل من الأدنى إلى الأعلى وقال عبارته المشهورة إن ما هو عقلي حقيقي، وما هو حقيقي عقلي. ويرى برغسون العقل ليس أداة صالحة لإدراك الحياة، لأنه والحواس أدوات للتجزئة، أما رايشنباخ يرى في العقل يعبر عن حالة جسمية تدل على أنواع معينة من الاستجابات، ويعرفه زكي نجيب محمود بأن العقل هو ضرب من النشاط يعالج به الإنسان الأشياء على وجه معين.

أما سلامة موسى فيعتقد أنه ليس هناك شك في تأثير العقل بالجسم وتأثير الجسم بالعقل، فيرى أن الشخص إذا خجل من شيء ما احمرت وجنتاه، ومعنى هذا أن خاطر الحياء الذي خطر بذهننا قد أثر في القلب وفي اوعية عروق الوجنتين حتى أحدث تورهما ومعنى هذا أن كل الأفكار والخواطر التي تمر بأذهاننا يتأثر بها الجسم، وبذلك كل العواطف تؤثر في اجسامنا، فإذا مثلاً تضاحكنا وليس هناك ما يضحكنا، فإن التضاحك يحدث سروراً عندنا، وينتهي بنا إلى الضحك الحقيقي، وإذا تباكينا انتهى التباكي المصطنع ببكاء حقيقي، ومعنى هذا أن الجسم يؤثر أيضاً في العقل، والواقع أن الجسم والعقل كتلة واحدة، ولا يمكننا فصل أحدهما عن الآخر فالتفكير يحتاج إلى الاثنين معاً، وكل خاطرة أو فكرة تمر بذهننا مهما كان مرورها لا بد لها من أن تحدث لنا عاطفة تؤثر فينا وهذه العاطفة تنتهي برغبة وإرادة، وبذلك أن العقل يؤثر في الجسم إلى حد الموت، فالخوف يقتل بعض الناس والخوف فكر أو خاطرة، فيرى موسى مثلاً عندما حدث زلزال في اليابان وجد ناس قد ماتوا لا لأنهم جرحوا أو اصيبوا بل شدة ما استولى عليهم الرعب، فهم ماتوا من الوهم.(1) ويرى موسى ولأن العقل يؤثر في الجسم عن طريق العواطف، فكر بعض السيكولوجيين في البحث عن الجريمة بإيجاد آلة تقيس النبض ودقات القلب من حيث انتظامه وكذلك التنفس وضغط الدم، فإن جميع هذه الأعراض تظهر وقت الخوف مثلاً، فإذا قلنا لأحد المتهمين بسرقة ساعة ذهبية بسلسلة من الذهب، فإن هذه الكلمة تستدعي معاني أخرى كثيرة، لأنها ترتبط بعاطفة معينة ما، فالارتباط هنا عاطفي.(2) ويعتقد موسى أن الإنسان بعقله ووجدانه يستطيع أن يجعل فهمه موضوعياً وأن يصل إلى حقائق الدنيا كما هي في حقيقتهما، فإن قيمة العقل أنه يتسلط على غرائزنا ويحملنا على الاعتدال، ولكن بلا زهد أو نسك، أي بلا إنكار للغرائز، وقد يكون في القليل من الزهد قيمة في التأنق في الاختيار.(3)

يؤمن موسى بما طرحة علماء النفس وخاصة فرويد فهو يصفه بقوله بأنه رائد علم النفس وهو اضخم شخصية في علم النفس، أذ هو كولمبس الذي كشف الأرض المجهولة وخططها ورسم معالمها. ويؤمن بوجود عقل باطني وعقل واعي، والعقل الباطني هو ذلك العقل الذي يعمل على غير وعي منا وبه نحلم ونحن نائمون وبه تخطر علينا الخواطر ونحن في اليقظة، أي حين يكون العقل الواعي غير يقظ تمام اليقظة، والعقل الباطني يعمل كأنه مستقل عنا، وهو يقرر ميولنا وامزجتنا، بل هو الذي يكون اخلاقنا. والعقل الباطني هو العقل الذي نحكم به والذي يورد إلينا الخواطر اللذيذة، وهو الذي يقرر عقائدنا الدينية والسياسية ويكون الأخلاق والامزجة، ويعمل لرقيهم أو انحطاطهم، وهذا العقل قديم في نفوسنا وطريقة اقناعه ليس المنطق، بل الإيحاء، وهو يجري على اساليب قديمة في تفكيره، فهو لا يمثل الصور المجردة للمعاني، ولذلك فطريقة تفكيره هي الرموز. وللعقل الباطن ميزات منها:

1- يختزن ذكرياتنا لكيلا تعوق العقل الواعي في عمله ثم يقدمها لنا عند الحاجة.

2- أنه يعطينا فيؤدي ما نطلبه منه، وتزداد هذه الطاعة بالتمرين حتى أن أبن عربي قال إنه يمكننا أن نحلم ما نشاء في النوم.

3- أن جميع الخواطر والأفكار تؤثر في اجسامنا كخاطرة الحياء على سبيل المثال لا الحصر.

ويعتقد موسى من فعاليات العقل الباطن، أنه تقوم في النفس العقائد بالتلقين والإيحاء، وهي في ذلك تختلف من المعارف، فالمعرفة عقل وتجربة وافكار، ولكن العقيدة تلقين وإيحاء وتكرار، فالناس ينشؤون على عقائد آبائهم، لأنهم يتلقونها وهم صغار وتتكرر أمامهم مرات حتى ترسم في عقولهم الباطنة، ويصبح نزعها أشق عليهم من الموت، وبذلك يرى موسى أن أردت أن تقنع احد فليس سبيلك إلى ذلك العقل وإنما التكرار، وكذلك إذا اردت أن تقنع أحداً برأيك فسبيلك إلى ذلك التكرار وليس المناقشة المنطقية، وليست إعلانات التجار التي نراها كل يوم في الصحف سوى نوع من التلقين والإيحاء، وغايته إيحاء العقيدة بالتكرار في نفس القارئ، والعقل الباطن إذا لم يكن على وفاق مع العقل الواعي حدثت لنا العصبية وكثرت الزلات، وبتحليل خواطرنا واحلامنا نقف على اصل الخلاف، ولكننا بالتسامي نستطيع أن نرفع اغراض العقل الباطن إلى ما يوافق عقلنا الواعي ونزيل بذلك الخلاف، وبالتلقين نجعل عقلنا الباطن في خدمتنا ونجنده حتى يسعى لتحقيق اغراضنا، وبذلك أن العقل الباطن هو العامل المهم في الأخلاق والأذواق والعواطف هي المحرك للأخلاق والباعث للنشاط وأن العقل الواعي هو عقل المعرفة والبرهان والتجربة، والعقل الباطن هو عقل العقيدة وخزانة العواطف المكبوتة التي يمنعنا الحياء أو الشرائع أو الفقر من الاستسلام وهو ينفس عنها بالخواطر والأحلام.(4) أما العقل الواعي، فهو العقل الراقي الذي به تدبر تدابيرنا وهو أصل الاكتشاف والاختراع والبحث العلمي ويمكننا أن نجادل ونناقش به، فهو العقل الحديث ويحاول تحقيق غايات الشخص بالعلم والمنطق والطرق السليمة، وهو يفعل ذلك على وعي أي دراية، أما العقل الغير واعي وهو العقل القديم ويحاول التحقيق بطرق قائمة على الأثرة والتهجم أو بطرق وحشية محضة وكل ذلك بلا وعي.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

............................

الهوامش:

1- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، ص71- 72.

2- ينظر سلامة موسى: عقلي وعقلك، دار الكاتب المصري، القاهرة، ص29.

3- ينظر سلامة موسى: فن الحياة، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص13- 15.

4- ينظر سلامة موسى: العقل الباطن، ص9- 14- 72- 75- 84- 117- 141.

5- ينظر سلامة موسى: المصدر نفسه، ص14- 19.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5171 المصادف: 2020-11-01 04:20:03


Share on Myspace