 أقلام فكرية

مدخل الى نظرية التسويغ الإبستيمولوجي

علي رسول الربيعيأريد أن اشير ابتداءً إلى أننا دائمًا نقدم اراء ونطرح قضايا ونتبنى أعتقادات ونلتزم بايمان. يبدو كل هذا طبيعيا وعاديا في مجريات الحياة اليومية . ندخل نقاشات وسجالات من اجل تأكيد أعتقاداتنا وغالبا ما ندعو الآخرين لتبنيها والالتزام بها. لكن حتى يكون ذلك مقبولًا او يتقبله الآخرون منا علينا اثباته بالتدليل على صحته وصدقيته وحقيقته. وإذا كان ذلك كذلك يتطلب منا أو تبريره عمليًا او منطقيًا او عقليًا، أيً حتى يمكن ان يكون معرفة لها العمومية والسبب الضروري أو الكافي للتعميم. وتتطلب هذه المعرفة أن تكون مسًوغة، وهذا التسويغ يسمى التسويًغ الإبستيمولوجي .

على الرغم من أن مفهوم التسويغ الإبستيمولوجي (أو التبرير المعرفي) epistemic) justification (قد احتل مركز الصدارة في الفكر الإبستيمولوجي المعاصر، الا إن الأسئلة التي تنطوي على طبيعة وخصائص هذا التسـويغ مازالت محل خلاف كبير. وقد تفاقم الوضع أكثر بسبب الجدل حول الطابع الداخلي / الخارج (internalist/externalist) للتسويغ بين كل من جانبي النقاش مع ما يعتبرونه طبيعة ذلك المفهوم.

عادة ما يُنظر إلى التسويغ الإبستيمولوجي على أنه نوع من التبرير يرتبط بالمعتقدات والأحكام. وهذا ما هو مطلوب، من بين أمور أخرى، لإثبات اعتقاد حقيقي في المعرفة. ولكي نسأل عما إذا كان الشخص يعرف شيئًا ما، فنحن في الواقع نتساءل عما إذا كان لديه أسباب كافية لإعتقاده. على الرغم من أن محاولات تفسير "المعرفة" لم تحقق نجاحًا، من خلال التوافق أو الإجماع العام، إلا أن علماء الأبستيمولوجيا ما زالوا يتحدثون عن التسويغ الإبستيمولوجي كخاصية معرفية ذات قيمة في حد ذاتها. إنها تختلف عن الحقيقة في كونها غير قابلة للتحقيق، وأنها مسألة درجة. ومرة أخرى، على عكس الحقيقة، فإن التبرير له طبيعة سياقية. لإن ما إذا كان هناك مايبرر أعتقًادا معينا لشخص ما فأنه دالة على الحالة المعرفية لهذا الشخص. وبالتالي ، فإن ما يبرره الشخص في وقت معين قد لا يكون له ما يبرره في وقت آخر. وعادة ما يتم تمييز ما يكمن وراء الاختلاف من حيث مجموعة الأدلة ذات الصلة التي يمتلكها الشخص في أوقات مختلفة. تقليديًا، تم وصف الاعتقاد المبرر على أنه نوع من الاعتقاد مسموح به معرفيًا لإبراز ما يسمى بالطابع "المعياري" على أنه يتضمن ما يجب علينا نعتقده أو لا. من ناحية أخرى، يُعتقد على نطاق واسع أن التبرير المعرفي يختلف عن الأنواع الأخرى من التبرير مثل التبرير الأخلاقي أو البراغماتي من حيث أنه يهدف إلى خدمة هدف تصديق الحقيقة وتجنب الزيف وهذا هو بالضبط سبب اعتباره ضروريًا للمعرفة .

ومع ذلك ، هناك سمتان متميزتان للتسويغ تهيمن على النقاش الإبستيمولوجي المعاصر وهما مسألة المنظور وتوصيل الحقيقة.. وبصفة عامة ، يمكن تشخيص كل موقف أبستمي (حالة معرفية) يتضمن تشكيل أعتقاد العارف من خلال بعدين: المنظور والموضوعية. يتميز بعد المنظور من ناحية ظاهر الموقف الابستمي للشخص العارف، ومن ناحية كيفية ظهور الأشياء من وجهة نظره . من ناحية أخرى ، يتم تفسير البعد الموضوعي من حيث كيف تكون الأشياء في الواقع مستقلة عن العارف. وبما يتناسب مع هذين البعدين، سيكون للتبرير دور في كيفية ظهور الأشياء من منظور الشخص العارف وكذلك كيف تكون الأشياء في الواقع الفعلي. إن هذا الأخير هو ما يكمن وراء حدسنا فيما يتعلق بالطبيعة المؤاتية للحقيقة التبرير المعرفي. من ناحية أخرى ، يتم تمييز الطابع المنظوري للتبرير من خلال حدسنا فيما يتعلق بالوضع التبريري للمعتقدات في مايسمى "سيناريوهات الشيطان" المزعومة. خذ في نظر الأعتبار مثلا في عالم ممكن لا يمكن تمييزه عن العالم الحقيقي فيما يتعلق بتجاربنا، ولكن رأى فيه الشيطان أن معتقداتنا الإدراكية الحسية خاطئة دائمًا. ونظرًا لأن عالم الشياطين لا يمكن تمييزه عن العالم الفعلي ، يجب أن تتمتع المعتقدات الإدراكية الحسية في هذا العالم بالقدر نفسه من التبرير كما هو الحال في العالم الفعلي على الرغم من كونها، من خلال الفرضية، خاطئة دائمًا. ما أريد اخلص اليه في هذه المقدمة المختصرة هو أن أي نظرية مناسبة للتبرير يجب أن تكون قادرة على استيعاب هاتين السمتين ل التسويغ الإبستيمولوجي. وما يتضمنه هذان المكونان من عناصر التسويغ بالفعل قبل الشروع في دراسة كيف تعمل بعض التفسيرات المعروفة عن التسويغ الإبستيمولوجي فيما يتعلق باستيعابهما.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للكاتب الفاضل الدكتور علي رسول الربيعي بمناسبة نشر هذا المقال القيم الذي يتناول قضية فلسفية مهمة هي تشكيل الاعتقاد ودور التسويغ المعرفي في ذلك.
تمنياتي للباحث الكريم بالصحة والخير والهناء.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ علي القاسمي ممنون لهذا التقدير والالتفات الى اهمية مسألة التسويغ المعرفي لأفكارنا واراءنا .

د. علي رسول حسن الربيعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5181 المصادف: 2020-11-11 12:18:44


Share on Myspace