 أقلام فكرية

العربية أم العرب؟ مجتمع المعرفة والفرص الضائعة

هلال محمد الجهادتفاعلاً مع مقالتي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حول (سلطة الفصاحة والنحو)[1]

"يتعين استغلال الفرص العديدة التي يتيحها مجتمع المعرفة لمواجهة التحدي الراهن الذي يفرضه الإفراط المعلوماتي المعاصر، وهو تحد لغوي في المقام الأول، وتفجير الطاقات الكامنة في اللغة العربية". تقرير التنمية الإنسانية العربية، UNPD، 2003، ص 121.

هذا التقرير الذي لم تنتبه السلطات صاحبة القرار في البلدان العربية إلى خطورته ومصيريته في حينه، انتهى إلى هذه النتيجة وهو يدق ناقوس الخطر إلى المصير الذي ينتظر العربية والعرب في عصر الثورة المعلوماتية. بعد سبع عشرة سنة، تبدو هذه الخلاصة متفائلة أكثر من اللازم حين تتحدث عن "تفجير الطاقات الكامنة للغة العربية" لأنها لم تذكر ماهية هذه الطاقات ولا كيفية "تفجيرها"، والأهم هو أنها لم تحدد من سيقوم بالتفجير. هذا التفاؤل يندرج ضمن نظرة العرب المثالية إلى لغتهم، التي تضفي عليها قدسية متوهمة، تجعلها أشرف اللغات وأجملها وأفصحها، بل يشتط البعض في المثالية ليقول إنها ستكون لغة العالم كله في النهاية.

على الطرف النقيض، ومنذ أكثر من قرن، ظهرت الطروحات التي تكشف عن عجز اللغة العربية عن اللحاق بالتطور المعرفي والعلمي في القرن العشرين، وأنها ليست أكثر من لغة دينية- شعرية- خطابية، وأن عليها لذلك التراجع إلى مكانيها الطبيعيين (المسجد والمنبر)، فظهرت دعوات التغريب والفرعنة والأشورة والفينقة إلى آخره.

كلا المنظورين يعكس تطرفًا في النظرة إلى اللغة العربية؛ فالطرف الأول يجعلها لغة مثالية متعالية تعالي القرآن الكريم والحديث وغيرهما من النصوص الدينية المؤسسة لمنظومة الفكر الديني العربي الإسلامي، وبالتالي تتحول إلى لغة منفصلة عن الواقع متعالية حتى على متكلميها، والطرف الثاني يحمّل العربية في ذاتها مسؤولية العجز عن الإنتاج المعرفي ما دام أعرابي محمد عابد الجابري، البدوي الشاعر الخطيب يكمن في أعماقها. لكن هذين التطرفين يعكسان أيضًا أن العربية كانت وما زالت تواجه أزمة مصيرية متفاقمة. لذلك ظهر طرح آخر حاول أن يقدم حلاًّ ما، فذهب إلى الدعوة إلى تخليص اللغة العربية من أعبائها التقليدية وتسهيل قواعدها الكثيرة (لم يذكر أحد كيف سيتم ذلك)، وتفعيلها في متابعة التطورات العلمية والمعرفية عن طريق تعريب العلوم والمعارف الحديثة. لكن هذا الحل -رغم الجهود الكبيرة والمنجزات المتحققة- انتهى إلى التراجع والانكفاء كما يبدو، أمام عجزه عن متابعة التسونامي المعرفي ولاسيما في عصر الثورة المعلوماتية.

لنواجه الواقع: اللغة –أية لغة- لا توجد بمعزل عن متكلميها، وبالتالي قيمتها الحقيقية تأتي من قيمتها في اقتصاديات المعرفة. يحيلنا هذا إلى المبحث الرئيس في فلسفة اللغة المتمثل بعلاقة اللغة بالفكر التي درسها وأكد أهميتها الحاسمة بعض علماء اللغة مثل يوهان هيردر وفيلهلم فون همبولدت وإدوارد سابير وتوشيهيكو إيزوتسو وغيرهم، من أن اللغة تؤثر بعمق في رؤية متكلميها للعالم ومفهمته وبالتالي في تفكيرهم. لكنها من جهة أخرى، إيجابية، هذه العلاقة بين اللغة والفكر ذات أهمية حاسمة في الإبداع الفكري والمعرفي، لأن اللغة حسب مفهوم تشومسكي قدرة متأصلة تتيح للإنسان اداء ما لانهاية له من الجمل اللغوية للتعبير عن أفكاره. هذه الفكرة اهتم بها الظاهراتيون، بدءًا بإدموند هوسرل ثم مارتن هايدجر وجعلوها أساس تطوير اللغة والفكر والتعبير لكن بالمعنى الإبداعي: التعبير يعني الوعي باللغة وممكناتها، والإنسان يعبرّ عندما يجعل اللغة تقول ما لم تكن قالته سابقًا. (موريس ميرلوبونتي، تقريظ الفلسفة، 1983، ص 74- 75).

المشكلة إذن ليست في قواعد النحو العربي وشواذها، ولا في أعرابي الجابري الكامن فيها، ولا في قدسيتها المتوهمة، بل في وعي متكلميها وإرادة المعرفة لديهم. وإذا كانت أزمة اللغة العربية في القرن العشرين عبرت عن نفسها في المراهنة على قدرتها على استيعاب المستجدات المعرفية والتعبير عنها من عدمها، فقد فرض القرن الحادي والعشرين تحديًا جديدًا أكثر خطورة وجدية بكثير، هو قدرتها على المشاركة في إنتاج المعرفة في عصر الثورة المعلوماتية.

"لحاقًا أو انسحاقًا"، هذا هو النداء الذي أطلقه نبيل علي خبير المعلوماتية العربي قبل حوالي ثلاثين سنة، لينبه العرب إلى طبيعة الثورة المعلوماتية المقبلة التي ستكتسح المعرفة التقليدية وتدخل البشر إلى عصر جديد لا حدود لإمكاناته ولا رادّ لتحدياته وضغوطه التي سيفرضها على اللغات المحلية. يبدو أن الرجل مات كمدًا وهو يرى تبدد ندائه في مؤلفاته الأربعة عن العرب وعصر المعلومات بين عامي 1993- 2009، في عراء الإصرار العربي على العزلة والإحجام عن المشاركة الفاعلة في الثورة المعرفية العالمية مما شهدنا مظاهر عديدة له لاحقًا، مثل التراجع الحاد في مؤشرات التنمية المعرفية في العالم العربي على كل المستويات (التعليم الأساسي والعالي والبحث العلمي والنتاج الثقافي)، والأهم هو التأثير المعرفي العربي في العالم. ورغم أن نبيل علي حاول تشخيص مظاهر الأزمة المعرفية العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه أولى اللغة اهتمامًا خاصًا بوصفها المكون الأهم في نشوء الأزمة، وبداية الحل الجذري لها. لكن الظاهر أن الأزمة تتفاقم والحل ما زال بعيدًا.

دعمًا لنداء نبيل علي، شاركت في مؤتمر المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا (دمشق، آذار، 2006) ببحث عنوانه (الطاقة المعرفية العظمى) بينت فيه أن أية محاولة لتوطين التكنولوجيا في العالم العربي وتفعيلها تبدأ وتنتهي باللغة العربية نفسها، وكانت إحدى توصيات البحث تأسيس المجمع العربي الإسلامي لبحوث اللغة وتكنلوجيا المعلومات، يكون من أولوياته إطلاق مشروع حوسبة اللغة العربية بوصفها قائدة لغات العالم الإسلامي. لكنه كان نداء آخر ضاع في واد التجاهل وعدم الوعي بالموجة الكاسحة التي بدأت تغرق كل شيء.

لنواجه الواقع مرة أخرى: تمثل شبكة المعلومات العالمية المظهر الأبرز للثورة المعلوماتية المعاصرة، وتتسابق الشعوب على احتلال أكبر مساحة ممكنة من هذا العالم الافتراضي عن طريق إنتاج المعرفة وتسويقها وبالتالي فرض الهيمنة اللغوية بوصفها أداة للتعبير عن هذا المحتوى. والحقيقة أن ما نشهده عبارة عن ساحة معركة كونية يستميت فيها الجميع من أجل الحفاظ على موطئ قدم على الأقل دائم وقابل للتطوير. قياس نسبة المحتوى العالمي على الإنترنت وتصنيفه لغويًّا وموضوعيًّا أمر يشغل منظمات وجهات عديدة في العالم منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا، ذلك لأن هذا المحتوى يعكس تحولاً هائلاً في نمط السلوك المعرفي الإنساني يقارن بالثورة الصناعية التي غيرت تاريخ البشر جذريًّا، وخلال هذه السنين لوحظ أن منتجي المعرفة في العالم المعاصر يتنافسون على مضاعفة نسبة حصتهم من محتوى الإبداعي.

أين العرب والعربية من ذلك؟

مع أن عدد العرب يزيد على 400 مليون حاليًّا، والمتكلمون بالعربية في العالم يزيدون هذا الرقم كثيرًا، فإن نسبة المحتوى العربي الرقمي على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) يتراوح حول نسبة  3%،[1] وهذه النسبة على ضآلتها لا تعني أن المحتوى الرقمي العربي يعبر عن اهتمام العرب بالثقافة والبحث العلمي والترجمة والتحليلات النقدية والنصوص الأدبية التي عادة ما تشكل حوالي نصف ما ينتجه العالم المتقدم من المحتويات الرقمية، بل يعكس ظاهرة تسود الواقع العربي عمومًا وهي التبعية والتكرار، فنسبة 80% من هذا المحتوى هي عبارة عن (نسخ ولصق وإعادة نشر ومشاركة)، أي أن النسبة ستنخفض إلى 6. 0%. وإذا أضفنا إلى ذلك الكم الهائل من الصحافة الإلكترونية الصفراء والبروباغندا الإعلامية، والجدل حول قضايا سياسية واجتماعية طائفية عقيمة وتعليقات المجاملة والمتابعة على منصات تويتر وفيسبوك، فسينخفض المحتوى العربي الرقمي الجيد الأصيل إلى أقل من ذلك بكثير.

تكشف موسوعة ويكيبيديا (بوصفها الموقع الأبرز لوجود المحتوى الرقمي العربي الجيد نسبيًّا) عن نسبة مساهمة العرب في النتاج الفكري بلغتهم، حيث تضعنا المقارنة أما حقائق أقل ما يقال عنها أنها صادمة: في الويكيبيديا هناك (2,567,509) مقالة بالإنكليزية، مقابل (77,444) بالعربية، ومع ذلك هناك شعوب عددها أقل من العرب بكثير لكن لديها مقالات أكثر من المقالات العربية (تسلسل المقالات العربية 27 من 40 لغة، وتسبقها مثلاً الأوكرانية (127,309 مقالة) والهنغارية (106,219) والتشيكية (107,973 مقالة) والسلوفاكية (101,135) والفنلندية (179,520) وحتى الكتالانية التي هي مجرد لغة محلية إسبانية (133,214 مقالة).[2] وكل هذه الشعوب لا يبلغ تعدادها تعداد متكلمي العربية في بلد مثل العراق أو السعودية أو الجزائر مثلاً.

تتأصل هذه المشكلة الأساسية مرة أخرى، في علاقة اللغة بالفكر التي تكلم عنها عدد من اللسانيين المحدثين، وينبني على ذلك أن أية لغة تتقدم وتفرض نفسها بمقدار ما ينتجه متكلموها من منتجات فكرية نظرية وتطبيقية، وإذا أخذنا الإسهام في ويكيبيديا معيارًا، فهل يعقل أن ينتج متكلمو الكتالانية الذين لا يزيد عددهم عن أحد عشر مليونًا، مقالات علمية ضعف مما ينتجه العرب مجتمعين؟

هذه الإحصائيات تكشف عن أن العرب أنفسهم يفتقرون إلى إرادة المعرفة والمشاركة الفاعلة في تسويق لغتهم. ولا يرجع السبب في ذلك إلى رؤيتهم للعالم التي أسهمت لغتهم نفسها في مفهمته وبالتالي تأسيس علاقة متكلميها به، ولا إلى نحوها وفصاحتها وبلاغتها الرنانة، بل إلى معوقات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ومحدداته التي تنعكس على سوق المعرفة العربي، وتحد من طلب العرب على المعرفة، والامثلة على ذلك كثيرة، منها تردي التعليم الأساسي والجامعي وتحول الأساتذة والباحثين إلى مجرد موظفين قتل الروتين فيهم أية رغبة في التفكير والإبداع، والتراجع المستمر للإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي، والعجز عن استثمار كفاءات خريجي الجامعات وإلقائهم إلى هوة البطالة، والإهمال المتعمد للخطط التنموية الراهنية والمستقبلية، فضلاً عن العجز عن حوسبة اللغة العربية وتوظيفها في سوق المعرفة الرقمية بكفاءة.

هناك عامل آخر يسهم بقوة في تفاقم أزمة العربي في عالم اليوم، فمع ما فرضته العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية من انفتاح اكتسح الحدود التقليدية، كان رد الفعل العربي يميل إلى العزلة أكثر فأكثر، بذريعة الخوف على الثوابت الدينية والقيم والأخلاقيات المثالية التي يتصور أنه يمتلكها، ولكن النزوع إلى التبرير أفرز نفورًا –على الأقل في الخطاب المعلن- من كل ما يحدث في العالم وتفسيره على أنه محاولة من العالم كله لتهديم آخر المعاقل التي يتحصن بها وهو اللغة العربية نفسها. وفي هذا السياق تأتي التوجهات المحزنة للمنادين بـ "حماية اللغة العربية" بذريعة الخوف عليها من الضياع. هذا الشعور المركّب بالاضطهاد المفضي إلى مزيد من العزلة جعل الواقع العربي يبدو زقاقًا موحشًا في القرية العالمية التي أنشأها عصر المعلومات.

فلو أخذنا واقع الترجمة باعتبارها قناة التفاعل بين الثقافات المتنوعة في العالم وسوقًا لتبادل الإنتاج المعرفي، لوجدنا فقرًا مدقعًا في الإنجاز الترجمي العربي. فعدد ما ينشر من الكتب والمقالات المترجمة في العالم العربي سنويًّا يساوي ما تترجمه ليتوانيا التي يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة. ومجموع ما ترجم إلى العربية من عصر المأمون إلى الآن تقديرًا، يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة. ومعدل الكتب المترجمة 4 فقط لكل مليون عربي، بينما يصل المعدل إلى مئة ضعف هذا في إسرائيل، وما يقرب من أربعمئة وخمسين كتابًا لكل مليون نسمة في هنغاريا مثلاً. ناهيك عن اليابان التي تترجم إلى لغتها ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة كل سنة (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003، ص. 67). بينما يعتمد سوق الترجمة العربي إما على مؤسسات الوجاهة لدى الدول العربية المترفة، أو محاولات فردية لمترجمين تبتزهم دور النشر ولا تدعمهم إلا بالفتات. بينما بعض النقاط المضيئة في هذا الزقاق الموحش (مثل دار المأمون في العراق والمنظمة العربية للترجمة في لبنان) أغلقت أبوابها وانطفأت بعد أن قطعت شوطًا معرفيًّا متقدمًا، إما للتغيرات السياسية العنيفة أو شحة التمويل.

هذه المقارنة تعكس فرقًا جوهريًّا بين الشعوب الحية التي تتعامل مع عصر المعلومات بواقعية وتحاول أن تنافس في سوقه دون خوف على ثوابت أو مثاليات، وبين شعوب أخرى ترفض الاستجابة للواقع الذي أظهر نمطًا جديدًا من الإمبراطوريات والدول هي الإمبراطوريات والدول اللغوية المسلحة بعتاد معرفي متطور كل يوم، وينفتح في الوقت نفسه على ما يستجد لحظة بلحظة.

والحل؟

كثيرة هي المؤتمرات الخاصة باللغة العربية التي تنعقد هنا وهناك وتطرح أوجهًا متنوعة لأزمتها ثم تخرج بتوصيات وحلول نظرية سطحية لا تنفذ إلى جوهر المشكلات والمعوقات والمحددات، والأهم أنها لا تملك سلطة اتخاذ القرار ولا تنفيذه. فتتحول إلى حفلات علاقات عامة باذخة غايتها الترويج الإعلامي لا غير. والمؤسي في الأمر كله أن الأكاديميين العرب من ذوي الأسماء الكبيرة والصغيرة يتسابقون للمشاركة في حفلات الزيف المترفة هذه لعلهم يحظون بشيء من فتات سلطات سياسية وثقافية ليست معنية بالأزمات الطاحنة ومنها أزمة اللغة، التي تسحق العربي المعاصر، بل هي السبب الأول لها.

لا أزعم – ولا يستطيع غيري أن يزعم- أنني أستطيع تقديم حل من أي نوع لما تعانيه لغتنا بسببنا نحن، وبسبب قصورنا عن فهم دورنا في العالم المعلوماتي وفقر بضاعتنا في سوق المعرفة، فعلى امتداد الثلاثين سنة الماضية، كان أكثر من فرصة متاحة لنا لفعل شيء ما، لكن الآن هناك شك كبير في أن تطرق فرصة أخرى أبوابنا المغلقة. لنتذكر فقط أن القضية التي نطمح إليها ليست قضية تسهيل النحو، ولا حل مشاكل الإملاء العربي المعقدة مثل كتابة الهمزة، ولا قل ولا تقل، ولا الخلاص من ركام الطنطنة البلاغية علمًا وتعبيرًا، فليس لأحد في ذاته مهما كانت سلطته أن يصدر قرارًا بذلك ليطبق على الفور، وإنما القضية هي إن كان لدينا نحن العرب الشجاعة لتغيير النظرة إلى لغتنا، من كونها مقدسة ذات علوم (نضجت واحترقت) إلى كونها مجرد أداة للتعبير عن الفكر وتنميته وتحفيزه على الإبداع والتفكير فيما لم يفكر فيه بعد، مهما كان ذلك غريبًا أو صادمًا أو مخلخلاً للثوابت المعتادة الراسخة. ومرة أخرى؛ اللغة العربية مثل غيرها من اللغات، ليست كيانًا مجردًا قائمًا بذاته، بل هي وسيلة إنتاج، وهي لذلك تتطور وتؤثر وتنتشر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية أهمها فعل التفكير الذي يوظفها للتعبير عن منجزات المعرفة. بكلمة أخرى إن قيمة أية لغة تأتي من قدرتها على إنتاج المعرفة في عالم يتسابق إلى فرض الهيمنة اللغوية مصاحبةً للهيمنة المعرفية. وفي هذا السياق لا يبدو أن متكلمي اللغة العربية يعون حقًّا ما الذي يجري في العالم اليوم. ولعل هذه المقالة ربما تساعد قليلاً في الكشف عن شيء يقود إلى إدراك الأزمة والوعي بها بشكل واقعي بعيدًا عن التطرف في المثالية أو التعجيز أو العزلة.

يضاف إلى ذلك عاملان جوهريان سيكونان كفيلين بإعادة الحياة إلى لغتنا:

الأول: هو أن نكف عن خوفنا المزمن من الفلسفة وكرهنا لها، والسعي إلى تشكيل رؤية فلسفية عربية تتعمق في دراسة علاقة اللغة بالوعي الذي ينتجها وبالواقع الذي تؤثر فيه؛ فكل المنجزات في ميدان علم اللغة مثلاً تستند إلى أساس صلب من التفكير الفلسفي والعتاد المصطلحي الذي يحدد المفاهيم الأساسية ويجددها، ودون ذلك يصبح أي كلام في اللغة هشيم تذروه رياح الواقع العنيف.

العامل الثاني: هو المنهج؛ ان على العرب التفكير في إنجاز مشروع التحليل المنهجي الشامل للعلاقة بين منظومة اللغة ومنظومة المجتمع ومنظومة الثقافة. المنهج هو المصباح الذي سيضيء الجوانب المعتمة من أنفسنا وواقعنا ودورنا في عالم المعلوماتية ويكشفها لنا لكي نفهمها ونفهم فقرها وفقر رصيدنا من التفكير المنهجي المنظم وفقر رؤيتنا الفلسفية، وبالتالي ضعف إرادة المعرفة العربية. هذا الذي سيطور لغتنا حقًّا ويغنيها ويعيدها إلى الحياة. وقديمًا قيل: الفقر لا يصنع الثورة؛ الوعي بالفقر هو الذي يصنع الثورة.

 

د. هلال محمد الجهاد

أستاذ الأدب العربي في جامعة الحمدانية في العراق

....................................

* المقالة الأولى للدكتور عبد الجبار الرفاعي منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 12 تشرين الثاني، 2020 ، والمقالة الثانية حول الموضوع منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 19 تشرين ثاني 2020.  [1]

[1] https://mawdoo3.com/arcontent/

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Wikipedia:Multilingual_statistics هذه الإحصائيات مأخوذة من موقع ويكيييديا نفسه وفيه تفاصيل:

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5195 المصادف: 2020-11-25 03:41:11