 أقلام فكرية

فلسفة التكنولوجيا عند دون إد

أثرت التكنولوجيا تأثيرا كبيراً على حياة الإنسان فقد أصبحت التكنولوجيا اليوم جزءًا أساسيًا منا، مما يؤثرذلك على معتقداتنا ورغباتنا، وخططنا وأهدافنا، ورؤيتنا لما نحن علية، وما قد نصبح عليه بعد أيضاً، فقد أصبحت التكنولوجيا في كل شئ حولنا فلا يستطيع الفرد العيش بدونها، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، وتعد فلسفة التكنولوجيا واحدة من التخصصات الأكثر حداثة والتي لاقت رواجاً كثيرا في القرن العشرين، ومن ثم فالتكنولوجيا كأى مجال لا يستطيع أن ينجو من تحليل ونقد فلسفي، وتتعلق أهم الأسئلة الفلسفية اليوم بكيفية التعايش مع العلوم والتكنولوجيا، لذلك سوف اقوم بعرض بعضاً من أفكار واحداً من اهم فلاسفة ذلك المجال وهو:

دون إدDon Ihde 1934

هو استاذ الفلسفة المتميز في ولاية نيويورك جامعة Suny Stony Brook فقد كانت فلسفتة تدور حول التكنولوجيا في تطورها وعلاقتها المتداخلة بالثقافة والعلم والبيئة والإنسان وما ينتج عنها من تطورات تؤثر في حياة الفرد فقد كانت الأسئلة المركزية في فلسفتة تأتي على النحو التالي: ما هو الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في التجربة البشرية اليومية؟ وكيف تؤثر المصنوعات التكنولوجية على وجود الناس وعلاقتهم بالعالم؟ وكيف تنتج الأدوات التكنولوجية المعرفة البشرية وتحولها؟ ويستحدم دون إد المنهج التاريخي في عرض قصة الفلسفة وتطورها وعلاقتها بالعلم والتكنولوجيا، وله ما يقرب من الأثنتي عشر كتابا منها: "المدخل إلى فلسفة التكنولوجيا - Philosophy of Technology: An Introduction1998، التقنيه والعملTechnics and Praxis، التكنولوجيا وعالم الحياة من الأرض للسماءTechnology and the Lifeworld: From Garden to Earth (1990) Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld,p1.

تعريف التكنولوجيا Technology:

كلمة يونانية الأصل، تتكون من مقطعينTechno وهي تعني المهارة والفن أما Logy فيعني العلم فالتكنولوجيا تعني جملة الأشياء المصنوعة من الإنسان من أجل تغيير العالم الخارجي طبقاً لإحتياجاته ومتطلباته ومن هذة الوجة تزيد التكنولوجيا من فاعلية الإنسان"مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ص210"، وهي أيضاً علم التقنيات وهو يدرس الطرق التقنية من جهة ما هي مشتملة على مبادئ عامة أو من جهة ما هي متناسبة مع تطور الحضارة وأهم المسائل التي يبحث فيها هذا العلم ثلاث: المسألة الأولى وصف الفنون الموجودةفي زمان معين وصفاً تحليلياً دقيقاً، والثانية:هي البحث في شروط كل مجموعة من القواعد الفنية وقوانينها لمعرفة أسباب انتاجيتها العملية، أما الثالثة: هي دراسة تطور الطرق التقنية في أحد المجتمعات الإنسانية أو في المجتمع الإنساني العام وتسمى دراسة هذة المسائل الثلاث بعلم التكنولوجيا العام .جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، ص332.عرفها جندورن Gendorn” " بأنها النظرية العلمية الى تعززقدرة المجتمع على إنتاج السلع والخدمات والتي تتجسد في المهارات الإنتاجية وتنظيم الآلات"

وقد فرق دون إد بين التقنية والتكنولوجيا. فالتكنولوجيا بالنبسة له "مركب عيني يتكون من بعض العناصر المادية، ويجب إدراجها في مجموعة العمل أو الاستخدامات التي ربما جعلها الناس لهذه التكنولوجيا"ويقول إد بالرغم من اتساع هذا التعريف إلا إنه أضيق كثيراً من التعريفات التي جعلت التكنولوجيا معادلة لأي تقنية عقلانية أو حسابية "val disk, philosophy of Technology,An Introduction,p29 وقد ميز بين التكنولوجيا والتقنية فقال" التكنولوجيا ليست تقنية، والتقنية يمكن أن تكون بدون تكنولوجيا ولكن لكل تكنولوجيا تقنية فعلم التقنية هو الذي يقود التكنولوجيا الحديثة ويطورها في تميز من أي تكنولوجيات تقليدية قديمة"ويرى إد أن التحديد الفلسفي والانثروبولوجي يرى معظم صور أو أشكال الثقافة المادية مرتبطة بالتكنولوجيا فلم يكن للبشر البدائيين ثقافات إنسانية سابقة للتكنولوجيا ولكن كان لديهم ثقافة مادية ونماذج عمل معقدة مثل الأدوات الحجرية وفؤس الحر وغيرها من الاشياء التي سمحت لأسلافنا بأن يمارسو عملهم في عالم الحياة. دون إد، موجات جديدة في فلسفه التكنولوجيا، ص5.

فالتكنولوجيا هى وسيلة الفرد لتحقيق غاياته، واستخدام الطبيعة ومواردها تساعد في تحقيق تلك الغاية وهنا يأتي دور العلم ونظرياته لتطبيق ما توصل إلية من نظريات على ارض الواقع فالتكنولوجيا تابعه للعلم

وهناك عدة أبعاد للمعرفة التكنولوجية عند إد

1- معرفة بالتقنيات وهذة المعرفة خاصة بالمهندس أو الفني "اي معرفة صنع الألة والطريقة التي تعمل بها"

2- المعرفة التقنية النظرية ويقصد بها معرفة القوانين والمبادئ الفزيائية أو الكميائية أو الكهربائية التي تسمح لأي تقنية بالقدرة على فعل ما تفعلة ويختص بها " العالِم" 

3- وأخيراً المعرفة العملية أو استخدام المعرفة التي تمر عبر مجموعة واسعة من الأعمال البشرية لتحقيق اقصى فائدة من هذة التكفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.نولوجيا.

don Ihde,the structure of technology knowled,p73."

ويقدم إد افكاره حول الدور الذي تلعبة التكنولوجيا في حياة الإنسان ويتساءل عن السبب وراء إهمال تاريخ التكنولوجيا رغم أن وجودها سابق لكل من وجود الفلسفة والعلم، يشير إد إلى أن الصمت فيما يتعلق بالتكنولوجيا يأتي من داخل الفلسفة نفسها، فعادة ما تعتبر الفلسفة نفسها نوعاً من الهندسة "المفاهيمية"أكثر من كونها هندسة "مادية " Don Ihde,InstrumentalReealism,p10 ويرى إد أن الظهور المتأخر لفلسفة التكنولوجيا يرجع إلي التحيز العميق جدا الذي يربط الفلسفة والعلم في اللحظة النظرية ويؤثرها، ويري إد أن هذا التحيز يبدو واضحاً عند فلاسفة اليونان قبل عند فلاسفة اليونان قبل الميلاد، وأيضاً عند الوضعية المنطقية في القرن العشرين ولكي يكشف دون إد هذا عمق هذا التحيز يبدأ بعرض نقدي لقصة الفلسفة منذ بدايتها ليؤكد علاقتها بالعلم ويفسر دورهما وعلاقتهما بالتكنولوجيا ويقول" مع بداية الفلسفة اليونانية بدأ سؤال التأمل والنقد والإستدلال بداية من طاليس 585ق.م ويستطيع الفرد أن يزعم أن الفلسفة المبكرة كانت علمية نظراً للأسئلة الموجهة مباشرة إلى الطبيعة، حتى وإن كانت الطبيعة من حيث هي مطلق، فارتباط الفلسفة والعلم يمكن رؤيته في كل من القديم والحديث في عصري النهضة والتنوير في التاريخ الغربي والعلم لم يكن تجريبياً إلا بمعناه الحديث، يتحكم في المتغيرات ويستخدم المقاييس ليدل على حكم كمي أو رياضي عن شئ ما وفضلاً عن كل هذا وبشكل خاص يتطلب التكنولوجيا والآلات فاليونانيون الكلاسيك مفكرون علميون يقصهم تماما معنى التجربة والمعالجة الآلية .دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ص3

التكنولوجيا والانسان:

تظهر العلاقة بينهما من خلال البيئة، فتسمح التكنولوجيا بتعديل البيئة وتكييفها وهذا التعديل ليس محايدا أو معتدلاً إنه قوة تحول وترقى للبشر بواسطة التكنولوجيا فالبشر في استخدامهم لأبسط التكنولوجيات أحدثو تعديلات بالنسبة للبيئة والنتائج قد تكون جيدة أو سية اعتماداً على الاستخدام الإنساني للتكنولوجيا، ويؤكد إد " أن التكنولوجيا مرتبطة دائما بالبشر فتصور الإنسان زائد التكنولوجيا لا يعتمد على مجرد الإستخدام، وإنما يعتمد على القدرات المدخلة فيها بوصفها مرتبطة بالامكانات المعقدة المفتوحة لإشتراك الإنسان.

وفي كتابه ما بعد الظواهر، يوجد تحليل لأنواع مختلفة من العلاقات بين الإنسان والتقنيات والعالم.وقد حقق في الطرق التي تلعب بها التقنيات دورًا في العلاقات بين الإنسان والعالم، بدءًا من "التجسيد" "القراءة"، إلى "التفاعل" و "الخلفية".

وقد بدأ إد بالعلاقات التجسيدية

ورأى انه في علاقات التجسيد، تشكل التقنيات وحدة مع الإنسان، وهذه الوحدة موجهة إلى العالم: فنحن نتحدث مع أشخاص آخرين عبر الهاتف، بدلاً من التحدث إلى الهاتف نفسه، وننظر من خلال المجهر بدلاً من النظر إليه. ويخطط إد لهذه العلاقة على النحو التالي:

(الإنسان - التكنولوجيا) -> العالم.

العلاقات التأويلية

العلاقات التأويلية، هي العلاقات التي يقرأ فيها البشر كيف تمثل التقنيات العالم، مثل فحص التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يمثل نشاط الدماغ، أو صفير جهاز الكشف عن المعادن الذي يمثل وجود المعدن. هنا، تشكل التقنيات وحدة مع العالم، وليس مع الإنسان الذي يستخدمه يتم توجيه البشر إلى الطرق التي تمثل بها التقنيات العالم. تخطيطيا كالآتي:

الإنسان -> (التكنولوجيا - العالم).

العلاقات التبادلية

وهو نوع ثالث من العلاقات بين الإنسان والتكنولوجيا والعالم، والذي يسميه إد علاقة التغيير، يتفاعل البشر مع التقنيات، ومع العالم في خلفية هذا التفاعل. ومن الأمثلة على ذلك التفاعلات بين الإنسان والروبوت، أو الحصول على المال من أجهزة الصراف الآلي، أو تشغيل الجهاز. في الواقع، يمكن اعتبار هذه العلاقة مجالًا مركزيًا لتصميم التفاعل. يمكن أن يكون مخططًا كـالإنسان -> التكنولوجيا (العالم)

 What can we learn from Don Ihde?,course in University of Twente,p1-2 .

التكنولوجيا والثقافة:

يرى إد أن كل تكنولوجيا هي تجسيد للثقافة التي نشأت فيها والتكنولوجيا تشكل اساليباً للرؤية ويرى إد أن كل جانب من جوانب التكنولوجيا عندما يقتبس من مجتمع فإنه ينشر إمكانيات منقولة غير حيادية ويذيعها .

التكنولوجيا والتقدم:

يرى إد أن التكنولوجيا أقدم من العلم والفلسفة فماضي التكنولوجيا فماضي التكنولوجيا يعود إلى عصور سحيقة قبل التاريخوصور هذا البماضي ساهم فيها أجدادنا بتكنولوجيات أكثر تعقيدا وتنوعا واختلافا مما نظن أوو نفكر فية، ويعتبر إد أن تطور التكنولوجيا هو الحركة الفاصلة في عصور ما قبل التاريخ عن العصور التاريخية ويرى إد في ذلك التاريخ ثلاث متغيرات تشرح الثورات التكنولوجية وتصفها وهم:

1- تكنولوجيات الزمان

2- تكنولوجيات المكان

3- تكنولوجيات اللغة

وقد تطورت تكنولوجيا الزمان من التقويم القمري إلى الساعة الآلية ففي هذا التطور بدأ تجريد الزمان من فلكيتهوأصبحت التكنولوجيا مقياساً ضد المقياس السماوي وقد أصبح تكميم الزمان وتكنلجته واحداً من الأبنية العميقة للعلم في عصر النهضة والعلم الحديث، فالتكنولوجيات التاريخية ترد لأصلها في فلسفات " العمل" وفلسفات العمل هي أصل او منبع فلسفة التكنولوجيا التي ظهرت متأخرة رغم أن وجود التكنولوجيا سابق لوجود الفلسفة، والظاهرة المقترنة بالتكنولوجيا بالمعنى الحديث هي التقدم وقصص التكنولوجيا هي عادة قصص التقدم وكثير منها في نغمة يوتيوبية وتقيس الظواهر بشكل كمي وتقيس الظواهر بشكل كمي تلك الظواهر التي تحدث بالنظر إلى نهضة علم التقنية فهي قصة تؤكد أنه مع نهضة العلم يتم هدم كل الخرافات والأديان.دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن، ص6.

التكنولوجيا والعلم:

وفقًا ل إد، هناك علاقة تكافلية بين العلم والتكنولوجيا، حيث يعتمد البحث العلمي بشكل كامل على تطوير الأدوات العلمية، والتطور التكنولوجي.

ويقول إد أن استخدام العلم النظري هو المحرك الذي يدفع بالتكنولوجيات ويطورها في أشكال من التطبيقات وإذا كانت هذة التطبيقات هي التي أدت إلى تأثر الكوكب بأثار التكنولوجيات وأحدثتها فالعلم هو الأساس بالنسبة لهذا التطورويقول أيضاً أن العلم النظري حر وهو في ذاته قيمة محايدة وعندما تكون نظريات العلم مطبقة فهذا التطبيق للعلم يمكن إستخدامه خيراً أو شراوهذا معناه أن في المستوى التطبيقي أسئلة القيمة من " الخير والشر" تصبح فعالة وهذا معناه ببساطه أن مشكلات التكنولوجيا هي ببساطة مشكلات استخدام تطبيق العلم وليست مشكلات العلم في حد ذاته.ويرى إد أن تكنولوجيات العلم الحديث هو علم تجريبي يناقض أصوله اليونانية فالتجريب يتطلب الآلات أو الأدوات أي التكنولوجيات .دون إد، مدخل الى فلسفة التكنولوجيا، مرجع سابق، ص9

وفي النهاية يرى إد أن العلم والفلسفة في علاقة ترابط بالتكنولوجيا والعمل ويرى ضرورة إعادة تفسير الكثير من العلم الحديث في ضوء تكنولوجياتة ويؤكد على تنوع التكنولوجيا الإنسانية ويرى أن الثابت في قي أساليب الخبرة الإنسانية هو تكنولوجياتها فالعلاقات المتضمنة استخدام التكنولوجيات تزيد وتحول بشكل ليس حياديا جملة خبراتنا الشعورية عن البيئة والعالم.

 

نيرة محمود محمد الشيخ

ماجستير فلسفة

..................

المراجع

1- مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة، دار قباء، 2007.

2- جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بيروت لبنان، دار الكتاب اللبناني، ج1، 1982.

3- دون إد، مدخل إلى فلسفة التكنولوجيا، ترجمة فريال حسن خليفة، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط2، 2006.

4- جان كير برج اولسن، إيفان سلنجر، سورين ريس، موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا، ترجمة شوقي جلال، القاهرة، المركز القومي للترجمة، ط1، 2018.

5-Val Dusek,philosophy of Technology,An Introduction,newyork,Blackwell,2006

-Ihde, Don,InstrumentalReealism,Newyork,Indianaprees,1991.6

7- What can we learn from Don Ihde,course in University of Twente https://www.futurelearn.com/courses/philosophy-of-technology/0/steps/26324

8-Ihde Don, The Structure of Technology Knowledge,New York International Journal of Technology and Design Education 7: 73—79, 1997.

9- Arun Kumar Tripathi, Technologcaly Mediated Lifeworld, Institute for Philosophy, at Dresden University of Technology https://ubiquity.acm.org/article.cfm?id=1670827

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا على هذا الجهد المبذول في سبيل نقل نوع من أنواع المعرفة إلى المهتمين بشكل خاص وإلى القراء بشكل عام .

نبيل عرابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5206 المصادف: 2020-12-06 03:21:17


Share on Myspace