 أقلام فكرية

لماذا نحتاج للفلسفة؟

حاتم حميد محسنفي عام 2002 أعلنت اليونسكو عن تحديد يوم عالمي للفلسفة في ثالث خميس من شهر نوفمبر من كل سنة. هذه المناسبة تشكل احتفالا بموضوع الفلسفة وتأكيدا لقيمتها. ما مدى ملائمة هذه الدراسة القديمة للعالم الحديث؟ سنعرض هنا أربعة اسباب تجعل الفلسفة من الأهمية بمكان لاتقل عن أي وقت مضى.

1- الفلسفة هي أساس التفكير النقدي

مع ان المجتمع يختلف كثيرا اليوم عما كان عليه حين وضع المؤسسون الكبار للفلسفة الغربية بصماتهم،  لكن الأسئلة التي نواجهها اليوم هي بنفس القدر من التحدي. الفلسفة الحديثة تضع التفكير النقدي وحل المشاكل في الصدارة لكي تجعل هناك معنى لهذه المشاكل الخطيرة. كتب الكسندر ليفسلي في موقع هافينجتون بوست، "ان الفلسفة ليست مجردة، الفلسفة تضع الأسئلة المهمة على الطاولة وتعمل لإيجاد جواب. انها تشجعنا للتفكير النقدي حول العالم، هي أساس كل المعرفة وعندما تُستعمل بشكل صحيح يمكنها ان تعطينا فوائد هائلة".

2- العلم لا يستطيع الاجابة على جميع الاسئلة

بفضل التقدم العلمي والتكنلوجي، نحن نميل بقوة للعلوم، نعيش بطريقة مختلفة جدا مقارنة بما كنا عليه بدون ذلك. بدءاً من الثلاجة التي نستخدمها لحفظ الطعام الى الطائرة، لا مجال لإنكار اهمية  التقدم العلمي لبقائنا كنوع بشري. لكن أهمية العلم لا تعني إنكار قيمة الفلسفة. في الحقيقة، ان الاثنين يسيران يد بيد."العلم للأسف لايمتلك كل الأجوبة. تماما مثل أي حقل آخر له حدوده. نحن لا نستطيع اشتقاق كل شيء من التجربة، والفلسفة ليست ميتة .. فمثلا، العلم لا يستطيع تقرير القيم الانسانية. التجريبية لا يمكنها تقرير لماذا يجب علينا التصرف بأخلاقية، ولا لماذا يجب علينا ان نقدّر السعادة الانسانية على البؤس الانساني. نحن لا نستطيع خلق تجربة تختبر طبيعة الحقيقة او استحصال المعرفة"، يذكر الفوتوغرافي الامريكي بلوغر ديفد "الفلسفة في جوهرها تكافح  لمعرفة ما هو حقيقي وذو قيمة، وماذا يعني ان نعيش حياة تستحق وذات مغزى . ذلك شيء ما خارج الحدود بالنسبة للعلم لأن العلم يستطيع ان يخبرنا عن الأشياء تجريبيا لكنه لايستطيع وصف كيف يجب ان نعيش: العلم يساعدنا ان نعيش أطول بينما الفلسفة تساعدنا ان نعيش أفضل".

3- الفلسفة لها معنى خاص في عالم الأعمال

للوهلة الاولى، وكما في الفلسفة  قد لا يبدو العلم "الناعم" ملائما خصيصا للأعمال،  بروفيسور الفلسفة في مدرسة فرانكفورت للادارة والمالية كرستين تيفينس توضح بان كل منْ يريد النجاح في التحدي، او يقود وظيفة في الأعمال، في الادارة العامة، السياسة، او المجتمع الأوسع يحتاج مجموعة حاسمة من المهارات. وتضيف، "انت ستحتاج النظر بسرعة في قضايا معقدة، تضع جنبا الى جنب حججا مقنعة مؤيدة ومعارضة للمقترحات، تختار الملائم من غير الملائم من المعلومات، تفحص انسجامية وصوابية ورقة السياسة، تقرر أي المشاكل حاسمة وتحدد القضايا التي لاتزال تُفهم بشكل سيء. هذه المهارات من التحليل الصارم والحجة السليمة والفحص النقدي كلها أساسية للفلسفة: لا وجود لموضوع يدرّب قدراتنا على التفكير المنهجي والمنسجم أفضل من الفلسفة".

هذه المهارات غير محددة بعالم الأعمال، انها يمكن تطبيقها عمليا على أي سياق سواء كان مهنيا او شخصيا.

4- الفلاسفة القدماء يستمرون في التأثير على الانسانية

بينما افلاطون وارسطو كان لهما الفضل في صياغة مستقبل الحضارات، ولازال لتأثيرهما صدى حتى اليوم،  تؤكد مجلة (الناشرون الاسبوعية) الامريكية "بأن فلاسفة اليونان القديمة مثل افلاطون وارسطو ربما بدوا مبالغ فيهما لكنهما في الحقيقة احياء جدا. قبل 24 قرنا هما وضعا أسس الثقافة الغربية وان افكارهما ورؤاهما لاتزال تفرض سمات اساسية لعالمنا حتى الان، بدءاً من الطعام الذي نتناوله وحتى المعلومات التي نشاهدها في الانترنيت".

وبينما ينظر البعض الى كونفشيوس فقط كجمل وعبارات، لكن عمله كان هاما جدا ويبقى كذلك اليوم. هذا مفيد جدا خصيصا للطلاب في حقول مثل العلوم السياسية والدبلوماسية والسياسة الدولية. فمثلا، طبقا للجغرافية الوطنية، قامت الحكومة الصينية الحديثة بصياغة المزيد من روحها الشعبية على بلاغة كونفشيوس، مثل "طاعة الامبراطور، التنظيم الهيراركي، الولاء". ومن جهة اخرى، تعرض افلام الأبطال الخارقين الاخيرة مثل رجل الستيل (حول السوبرمان) والليل المظلم (الرجل الخفاش) معضلات أخلاقية ترتكز على قضايا فلسفية قديمة مثل مأزق العربة(1).

لذا، بينما تبدو الفلسفة لبعض الناس تفتقر للجاذبية على الورق، لكنها ذات قوة استثنائية وإمكانية فذة. انها لا ترمز فقط  لتغيير العالم، بل انها ربما تغير حياتنا. احد الطلاب يصف كيف ان كورسا في الفلسفة ساعده في تغيير حياته،  يقول "بينما كنت مرة اكره الفلسفة،  لكني الان اتخصص بها. انا لدي القناعة بان الفلسفة تعطينا الأدوات لنصبح مفكرين جيدين، وهي بهذا تصبح المهارة الأكثر أهمية في الحياة.

 

حاتم حميد محسن

.................

الهوامش

(1) معضلة العربة trolley problem تصف مأزقا اخلاقيا فيه خمسة أشخاص وُضعوا مقيّدي الأيدي على سكة قطار وكانت عربة القطار تتجه نحوهم، المتحكم بحركة القطار كان لديه خيار واحد هو توجيه العتلة نحو مسار آخر، لكن هذا المسار سيموت فيه شخص واحد. وهنا تبرز المعضلة هل يستمر القطار في مساره الاول فيقتل خمسة اشخاص ام يأخذ المسار الآخر فيقتل شخصا واحدا فقط؟

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال اكثر من رائع ننتظر المزيد

Naira mahmoud
This comment was minimized by the moderator on the site

تفاعلكم مع الموضوع يعطي زخما ودافعا قويا للكاتب،وربما يجعل معنى للكتابة.كل الشكر والتقدير لاهتمامكم الكبير وذوقكم العاالي مع خالص التحية.

حاتم حميد محسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5209 المصادف: 2020-12-09 01:17:07


Share on Myspace