 أقلام فكرية

مداخلات فلسفية: التحليلية المنطقية الانجليزية أنموذجا

علي محمد اليوسفتقديم: كنت في مقالة سابقة (الفلسفة التحليلية الانجليزية) اشرت على قدر المستطاع ثغرات الفلسفة التحليلية، ونزعة تجيير ريادة فلسفة التحليل اللغوي لها ، وطموحات سقفها العالي الذي لم يتحقق منه القليل، في محاولتها وصول هدف تخليص تاريخ الفلسفة من سقوطها الموغل بالاخطاء المتراكمة القائمة على مخاتلة اللغة وخداعها في عدم التعبير الصادق عن القضايا الاشكالية المعلقة بالفلسفة على مدى قرون طويلة. وأرتأت التحليلية الانجليزية الاضطلاع بمهمة المعالجة والتصحيح، فكانت جهودها الاستعراضية بهذا المجال أسقطها في مشاكل عزلة المنطق اللغوي في وقت أعلنت فيه عن نفسها الفلسفة الرائدة الام لكل الفلسفات السابقة عليها قاريّا.

أدعاء ريادية قيام التحليلية الانجليزية بدور الفلسفة التي تتوخى فرض نفسها على مباحث الفلسفة الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة، في وجوب أعتماد منهج التحليل النقدي المنطقي اللغوي لتصحيح مسار الفلسفة الذي أكتنفه الغموض وفقدان بوصلة الاتجاه الصحيح في معالجة مباحث ومفاهيم الفلسفة الموروثة المغلوطة. هذه الريادية لم تكن تمتلك مقومات أستئثارها المتفرد الذي كان أصلا مشتتا بين الواقع والطموح في فلسفات وتيارات غطّت دول اوربا والولايات المتحدة.

من المسائل التي نجد أهمية لها فرش أرضية عرض أختزالي لما أرادت التحليلية الانجليزية أنجازه ولم تثمرجهودها بذلك وهي:

- لم يكن منهج التحليل بالفلسفة يمثل فتحا جديدا من حصة فلاسفة الانجليز حصرا بل كان له وجودا تاريخيا سابقا على فلسفة التحليل الانجليزية. فمنهج التحليل أعتمده السفسطائيون ما قبل سقراط. وأعتمده العديد من فلاسفة اليونان مرورا بجميع عصور الفلسفة تاريخيا. وصولا الى الفلسفات الحديثة في دول اوربا وانجلترا وامريكا، ما وضع ريادة التحليلية الانجليزية في أدعاءها فرادتها وسبقها الريادي الاولي لمنهج التحليل لا يقوم على سند حقيقي وسط هذا التشتت الفلسفي عالميا وتاريخيا.

- أعتمدت كل فلسفات التحليل في اوربا وامريكا مركزية تحليل اللغة بالاعتماد على فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى. ومنهج التحليل اللغوي ليس منهجا مفهوميا ولا مصطلحا فلسفيا غير متفق عليه، بأستثناء حقيقة التحليل الفلسفي يقوم على مبدأ تحليل معنى اللغة. لكنما الاختلافات الفلسفية العميقة ظلت مزامنة التحليل في تنوع مضامين تلك التيارات الفلسفية.

- أصطدام فلسفة التحليل الانجليزية بجدار العلم الطبيعي التجريبي عندما حاولت التحليلية أعتماد تحليل اللغة بمنهج يقوم على ربط كل من المنطق والرياضيات بالعلم الطبيعي، وهذا التوجه كان اشار له جوتلوب فريجة في مؤلفاته العديدة في الرياضيات. ولم تأخذ التحليلية بمبدأ أن مسار العلم الطبيعي مع الفلسفة هو مسار التوازي وليس التقاطع ولا حتى التداخل ، لذا كان طموح التحليل التداخل مع قضايا العلم الطبيعي ليست سهلة ولا متاحة ببساطة فلسفية حينما غرقت التحليلية في تحليل نحو اللغة وقواعد التعبير بغياب تحليل قضايا الفلسفة.

- أختطت فلسفة تحليل اللغة في اوربا فرنسا والمانيا على وجه التحديد ، وكذلك في الولايات المتحدة الامريكية، مسارات عديدة ومتباينة حد الاختلافات العميقة، بعيدا منفصلا عن الميراث الريادي الذي نسبته التحليلية الانجليزية لنفسها. ومن الجدير ذكره أن تقاطع تحليلية الاميركان كانت مزدوجة في أنفصالها التام عن تحليلية الانجليز من جهة وتحليلية فرنسا من جهة أخرى وسبب ذلك هو توجه الفلاسفة الاميركان وضع كل فلسفات اوربا الحديثة والمعاصرة في فلسفة اللغة والتحليل في خدمة هدف أعادة الحضور المنسي للبراجماتية الاميريكية الفلسفة العجوز على أرضها الجغرافية في هجرة الفلاسفة الاوربيين أليها وأستقبالهم العمل في الجامعات الاميريكية..

- سقوط التحليلية الانجليزية في طوق العزلة الفلسفية سببه أعتماد روادها الثلاث جورج مور، بيرتراندراسل، وايتهيد، وأنضم لهم لاحقا كلا من فينجشتين وكارناب، وكانت تتوزعهم الاهتمامات التحليلية التالية:

* التحليلية مرتكزها المنهجي الفلسفي البحثي هو فلسفة اللغة حصرا.

* أعتماد محاولة ربط علم الرياضيات والمنطق في تحليل اللغة بغية تحقق المقاربة العلمية التي كان رائدها راسل بامتياز.

* محاولة معالجة مشاكل القضايا الفلسفية الكبرى العالقة المتواثة عبر تاريخ الفلسفة من خلال الوصول الى ضبط معنى الدلالة اللغوية.

* الاقتراب نحو تمازج الفلسفة بالعلم في محاولة التكامل والالتقاء مع بعض طروحات العلوم الطبيعية دونما جدوى.

* الوضوح في لغة التعبير الفلسفي نزولا الى درجة لغة الكلام العادي وهو ما تبناه جورج مور.

* الانطلاق من معالجة الجزء وصولا الى الكل في معالجة القضايا الفلسفية المعقدة الشائكة.

التحليلية الفرنسية والعداء للتحليلية الانجليزية

أتسمت الفلسفة الفرنسية التحليلية بالنفور من تيارات التحليلية الانجليزية تحديدا، من حيث أن الفلسفات الفرنسية ذات الارث العميق باصول تاريخ الفلسفة الذي ساهمت كثيرا بصنعه، كانت دائما تعتمد معالجة القضايا الفلسفية الكبرى بمنهجية التركيب الشامل ولم تتجه نحو الاهتمام بمعالجة الجزء للوصول الى كليات كما تفعل التحليلية الانجليزية. مناهج الفلسفات الفرنسية على ثرائها المتنوع الغزير كانت تناقض تماما منهجية التبسيط اللغوي في التحليلية الانجليزية وأبتعادها عن ملامسة عمق القضايا الكبرى، في أنهمامها تحقيق مبدأ الوضوح الذي يصل أحيانا الى كلام الناس الجاري كما طرح ذلك جورج مور يسنده بهذا المسعى فينجشتين المتأخر.

من جهة أخرى وجدت الفلسفات الفرنسية التي أعتمدت مركزية فلسفة اللغة أنها أقرب الى توجهات الفلاسفة الاميركان الذين كانوا هم أيضا ينظرون لتحليلية الانجليز أنها أستنفدت كل جديد يمكنها قوله. لذا وجد الفلاسفة الفرنسيين ملاذهم في لقاء فلاسفة الاميركان كما فعل بول ريكور صاحب التاويلية ومثله جاك دريدا صاحب التفكيكية في تواجدهم على الارض الامريكية والتدريس بجامعاتها تحديدا قبل عودتهم الفرنسية ثانية.

فريجة وراسل وقسمة الرياضيات بينهما

أعتمد راسل باقرار منه لا لبس فيه غاية الاعتماد على كتابات ومؤلفات جوتلوب فريجة في مجال الرياضيات على وفق منهج التحليل." حاول فريجة أظهار أن الرياضيات ومصطلحاتها يمكن أن يتم تحليلها باستخدام مصطلحات تعود الى المنطق، وحقائق الرياضيات ماهي الا اختصاصات تعريفية لحقائق المنطق"1، كما يؤكد فريجة " أن دقة معظم البراهين الرياضية لمعاصريه والسابقين عليه، هي دقة وهمية، وأن الرياضيين لم يحققوا أكثر من مجرد التاكيد التجريبي لاسس الرياضيات "2. كما يؤكد فريجة بنزعة شديدة " هناك مزايا للمعرفة الرياضية، وهي الوضوح التي عجزت وجهات نظر معاصريه من الرياضيين والفلاسفة أمتلاكها، ويصف هذا الامر بالفاضح الذي يكشف عن جهل فلسفي"3 ماذا نستخلص من عبارات فريجة الاب الروحي للتحليل السابقة:

- أعتماد فلاسفة التحليلية الانجليز الرواد على فريجة بأهمية العودة الى الرياضيات وفق منهج تحليل اللغة غير مسبوق، وأن المنطق الرياضي يقود الى حل مجمل قضايا الفلسفة الخاطئة الموروثة التي سببها الرئيس غموض وتعقيدات اللغة التي حجبت خلفها حقيقة قضايا الفلسفة ومشكلاتها.

- تبني كلا من فينجشتين وجورج مور أن الوضوح اللغوي حتى على صعيد المنطق والرياضيات، هو منهج مطلوب في تصحيح متراكمات الاخطاء الفلسفية المعيبة الفاضحة على حد تعبير فريجة. حيث تراجع فينجشتين في أستهوائه طرح الوضوح قوله مامعناه لا يستر عيوب اللغة غير الصمت حينما تعجزنا اللغة التعبير بوضوح المعنى... وتلقف مور هذا التوجه في دعوته أن لغة الحوار العادي الجاري بين الناس هو الكفيل بتخليص مشاكل الفلسفة من التعقيّد والابهام الذي يضيّعه تعبير اللغة الفلسفي الغامض.

- أن مشكلة اللغة في تعقيد المعنى أصبحت هي مشكلة سابقة على جميع مشاكل القضايا المعقدة فلسفيا. وأصبح السائد المتداول عند فلاسفة اللغة المعاصرين معظمهم، أن التراكم اللغوي الخاطيء الذي رافق تاريخ الفلسفة جعل من اولوية ازالة ركام الاخطاء هو باب الانفراج الذي تنفذ منه الفلسفة وتدخله لمعالجتها أخطاء المشاكل التعقيد اللغوي بالفلسفة والابهام اللغوي بالفلسفة قبل كل شيء آخر.

- ليس من السهل ولا من المطلوب فصل الترابط القائم ما بين اللغة كاصل جوهري ترتكزه التحليلية من جهة، وبين منطق الرياضيات الذي ورثته عن فريجة من جهة أخرى. وهذا المسعى يجعل من مقاربة الفلسفة للعلم في تكامل معه لها ما يبرره أيضا بالاستناد الى توصية فريجة تحت هذا العنوان.. أنه من الاخطاء الفاضحة التي تسم الفلسفة هو في أهمالها هذا التوجه المعيب. وتنبه راسل الى أهمية كتاب فريجة العظمى (التصورات) الذي نشره عام 1879.

- في فترة لاحقة من تطور التحليلية الانجليزية تمحور جورج مور بالتحليل اللغوي القائم على اللغة التي أطلق عليها اللغة الجارية بين الناس، بينما أنفصل عنه راسل بتبنيه لغة المنطق القريب من الرياضيات، وبالرغم من التعبير البادي عن أقتراب راسل من منطق العلم الا أن النتيجة كانت خلق اتجاهين أحدهما أستغلاق فلسفة مور بأهمية تبني الوضوح البسيط في اللغة، يقابله راسل بمساعدة فينجشتين ووايتهيد على الاقتراب نحو لغة مثالية قريبة من أبتداعهم ميتافيزيقا لغوية رغم كل الادعاءات في تبنيهم المنهج العلمي..بل ودعوتهم خلق لغة اصطناعية غير اللغة التواصلية الحالية.

جورج مور والتحليلية

تميز جورج مور كما ذكرنا في سطور سابقة تاكيده أهمية اللغة الجارية بين الناس، مستنتجا من ذلك أن الادراكات الحسية المشتركة العامة لاتخطأ كونها ادراكات(فطرية) لا يمكن التشكيك بها لانها تحمل أجماعا سيسيولوجيا متفقا عليه لا يحتاج لبرهان منطقي يثبته. وأدراكات الفطرة صادقة كونها لا تتعارض مع الحس المشترك الذي يعارضه فلاسفة المثالية مثل بيركلي، والحس المشترك عند مور معرفة ثابتة لا يجوز أن تكون موضع تساؤل شكي.4

تعقيب

من منطلق نقدي مادي علمي لا يؤمن به مور دليل قوله (لا يوجد ما هو مادي) يسعى مور محاربة المنطق المثالي بمنطق مثالي آخر لا يخرجان كليهما معا عن الالتقاء بالمحصلة النهائية في هدف مثالي مشترك. الشيء الجدير بالتشكيك بصحة مثالية مور، هو في أعتباره وأعتماده وجود ادراكات (فطرية) مرددا نفس أفكار ديكارت وكانط حول فطرية الادراكات غير الخاطئة لأنها مجمع على صحتها البديهية التي لا تحتاج البرهنة عليها، وفي معرض تخطئتنا هذا المنهج المثالي نجده يتمثل في منحيين:

الاول لا يوجد أدراكات فطرية يولد الانسان مزودا بالاستعداد التام بها. تصلح أن تكون استدلالا منطقيا في الحكم على صدقية ما تشير له من مدركات وظواهر. فكل خبرة ننعتها بالفطرية هي بالاصل تكونت من تراكم خبرة مكتسبة من الواقع والعالم الخارجي مخزّنة بالذاكرة والذهن... مقولة جون لوك نكرانه لافكار فطرية وعدم وجود ادراكات قبلية عن الاشياء والعالم الخارجي مقولة صحيحة من حيث وسيلة أكتساب المعرفة يكون من خلال الاندماج بالحياة التي لا توجد معرفة قبلية لها سابقة على التجربة فيها. الافكار الفطرية التي يكون مزودا بها الانسان هي في حقيقتها تراكم خبرة مكتسبة وخير دليل تعلم الانسان اللغة، وتعلمه كيف يكون استعمال النار الخاطيء هو نشوب الحرائق وهكذا.

الثاني الاجماع الادراكي على صواب وصحة معارفنا لا يمنحها حقيقتها الثاوية فيها على أنها زائفة غير صادقة. فالاجماع على المسائل التي نجدها بديهية الادراك بصحتها لا تحتاج برهان يؤكد تلك المصداقية لا يمكننا الاخذ به باعتباره من مقولات ميتافيزيقية نسبة الصح والخطأ فيها متساويان قبل أمكانية الحسم بينها أيهما الاصح... المعارف الحقيقية الصحيحة تكتسب شرعيتها من التجربة العلمية وليس من سيسيولوجيا الحكم الجماعي عليها. الادراكات الجماعية هي الاحساسات غير اليقينية التي لا تستطيع تحويل الزيف والاكاذيب الى حقائق مسّلم بها تقود الحياة.

صحيح جدا أننا نصادف بالحياة ظواهر وأمور تلقى الاجماع السيسيولوجي بالحكم على صحتها لكنما لا يجعل من هذا الاجماع قانونا علميا يمكن أعتماده على الدوام. بديهيات الحياة ليست هي كل الحياة التي نتعامل بها معرفيا، ففي معرض تعزيز مور وجهة نظره الادراكية في بديهيات الاشياء التي لا تحتاج الى برهان يرد على عبارة هيوم في الشك قوله لا يمكن لاحد أن يعرف وجود أي موضوع، وكان رد مور عليه " أن على هيوم أخذ بيده قلما ويقول أعرف أن هذا قلم".5

من المفارقة الغريبة أن هذا المثال المادي الذي يسوقه مور في دحضه المثالية الشكية لهيوم هونفسه مور صاحب مقولة (لا يوجد اشياء مادية). فهل المثالية والمادية منهجان لا فرق بينهما لدى جورج مور؟. كان مور على أقتناع كامل بأن مشكلات الفلسفة لا تحلها المعالجات المنطقية التنظيرية، ولا بمجرد أزدياد المعرفة العلمية، وأنما مفتاح الحل هو توجيه عناية مركزة للحس المشترك واللغة العادية.6

نعود تكرار متناقضات مور المثالية فهو بالوقت الذي يهاجم مثالية بيركلي قوله "الموضوعات الفيزيقية توجد فقط، عندما يتم ادراكها"، يذهب الى الجزم القاطع أن كل ما أنكره الفلاسفة المثاليون هي صادقة في حقيقتها، وبرهانه على ذلك هو أعتماد الحس المشترك واللغة العادية.من الملاحظ أن مور في أفكاره الهجومية على الفلسفة المثالية فهو في حقيقة الامر لا يغادرها في ممارسته التحليل بالمنهج المثالي الذي يعتمده ولا يلتزم بالنقيض المادي له.

تحليلية بيتراندراسل

هناك ما لا يمكن حصره من أختلافات فلسفية بين راسل من جهة وفلاسفة التحليلية الانجليزية الاخرين من جهة اخرى، وأبرز ما يمثله راسل في تمايزه التحليلي نجده:

- رغم نزعة راسل العلمية ألا أنه أعتبر الميتافيزيقا مبحثا فلسفيا مهما لا يمكن تجاوزه. كما سعى أن تكون الفلسفة التحليلية والعامة تنظيرا منطقيا لا علاقة تشده بالواقع والحياة، معتبرا ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة وأنما التعبير المتسائل عنها ومعنى الوجود والانسان. وهي قضايا لا يمكن أعتبارها دخيلة وتجديد فلسفي لم يكن تاريخ الفلسفة قائما عليه..

- ربط راسل بين المنطق الذي أعتبره " ماهية الفلسفة" وما لا يكون منطقيا لا يكون فلسفيا،" وأعتبر التحليل المنطقي عملية ذهنية نضطلع بها حين نحاول توضيح التصورات والعبارات سواء في مضمار الفلسفة أم في مضمار الحس المشترك"7

- التحليل عند راسل نوع من الاختزال الفكري" أو الرد سواء كان هذا الرد فيزيائيا أو لغويا أو رياضيات، ويستهدف الرد تطهير الفلسفة من الكيانات الوهمية التي درج الفلاسفة أشاعتها وبثّها في الكون، وأستعار عن اوكام الاختزال أو ما يطلق عليه الاقتصاد بالفكر الذي اراد راسل من خلاله رد الرياضيات الى المنطق في كتابه أصول الرياضيات" 8

- أنكر راسل على مور الحس المشترك بأعتباره نوعا من المطلق الابستمولوجي، معتبرا الحس المشترك صورة فجّة غير منقحة للمعرفة العلمية، فالعلم عند راسل يذهب أبعد مما يذهب له الحس المشترك.9

تحليلية فينجشتين

كان دافع فينجشتين الفلسفي الاول في منهج تحليل اللغة، بعيدا عن التشتيت والتطرف الذي سلكته فلسفات وتيارات عديدة في توظيفات وأستخدامات وأجتهادات خارج مركزية تحليل اللغة من أجل تحقيق "هدف تحليل اللغة في توضيح المشكلات الفلسفية، معتبرا أزالة غموض اللغة كفيل كشف زيف المشكلات الفلسفية او هي ليست مشكلات أساسا."10

ويضيف فينجشتين بلهجة اكثر صرامة " ان معظم القضايا والاسئلة التي كتبت عن امور هي ليست كاذبة فقط، بل هي خالية من اي معنى، فمعظم الاسئلة التي يتداولها الفلاسفة انما هي ناشئة عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا، واذن فلا عجب اذا عرفنا ان اعمق المشكلات الفلسفية ليست مشكلات على الاطلاق ". عليه لا نجد غرابة في توكيد فينجشتين الاختزالي تعبيره "الفلسفة ماهي الا تحليلات نقدية للغة" تقوم على توضيحات لغوية. الغرابة في تعبير فينجشتين أن ما أعتبره منهجا تحليلا تقويميا لقضايا فلسفية ورثناها خاطئة ووصلتنا معقدة بلا معنى، لم يأخذ طريقه المنهجي التحليلي بالتطبيق من حيث أن تحليل اللغة دخلت في نفق تصحيح معاني عبارات اللغة قبل تصحيح أفكار الفلسفة التي لم يطالها منهج التحليل التطبيقي.

اننا لا نغالي اذا ما قلنا منهج التحليل اللغوي استنفد طاقته في تحليل غموض وتعقيدات تعبير اللغة ولم تصل في تطبيقها المنهجي التحليلي قضايا ومشكلات الفلسفة لكشف الزيف الذي يعتريها مستشريا فيها. تحليل اللغة الذي اراده فينجشتين منهجا تقويميا لانحرافات معاني التعبير اللغوي بالفلسفة، جعل فلاسفة التطرف في فلسفة اللغة يذهبون مذاهب وطرق شتى باسم منهج تحليل اللغة وخير دليل على ذلك هو تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا. فكانوا مهوسين في البحث عن فائض المعنى باللغة وليس اهتمامهم تصحيح تعبير أخطاء لغة تعبير الفلسفة عن قضايا ومشكلات خاطئة. في مصطلح العاب اللغة الذي ابتدعه فينجشتين يكون تحليل اللغة مرتبطا بتحليل العالم الخارجي، والوحدة التحليلية الاخيرة التي لا يمكن تحليلها الى أصغر منها أطلق عليه"الواقعة الذرية"، وتحليل الفكر عنده يتوقف على ارتباطه بتحليل اللغة، طالما أن اللغة هي الصياغة اللفظية أو الجهاز الرمزي الذي تعبر به عن الافكار والمعاني.11

معيار فينجشتين في صدق اللغة أو زيفها هو في مدى مطابقتها الواقع الخارجي. مما حدا بتوهان الفلاسفة في تحديدهم المقصود بالعالم الخارجي قبل البحث عن صدقية تعبير اللغة، وزاد الارباك الفلسفي عباراته مثل "أن جملة الوجود الخارجي هي العالم " و"الوجود الخارجي هو وجود وعدم وجود الوقائع الذرية "12

خاتمة

يمكننا الذهاب مع بعض الفلاسفة والمفكرين الذين نقدوا التحليلية الانجليزية، والتحليلية الفلسفية بصورة عامة، أنها أخذت في نهاياتها بعد رحيل فينجشتين وراسل وقلاسف تحليلية آخرين عديدين تقع في متناقضات حول الاسس التي أعتمتها في أوج ظهورها الى أن فلسفة العقل، وفلسفة اللغة ونظرية المعنى، والمنطق، والرياضيات في تعالقها وتداخلها الفلسفي أنصهرت بمجموعها في ما سمي الفلسفة التحليلية، الا أن حقيقة الواقع التنظيري الفلسفي أبانت بوضوح عن جملة أمور جعلت من التحليلية مرحلة عابرة في تاريخ الفلسفة وليس كما تنبأ لها راسل أن تكون أم الفلسفات جميعها ، وفيلسوف التحليلية هو سيد الفلاسفة.

من العيوب التي رجعت التحليلية مناقضة نفسها بها هي الميتافيزيقا، وكذلك سردية الدين، والعودة الى أعتماد منطلقات الوضعية المنطقية التي في البدء خرجت عليها، والاهم من كل ذلك أنها وقعت في الفخ الذي حذرت منه هو أن التحليلية منهج وليس هدفا. وفي الوقت الذي نادت به وبأصرار فلسفي عنيد أن التحليلية ستكون مفتاح حل مشاكل وقضايا الفلسفة الكبرى التي أوقعتها اللغة في اللامعنى أو الزيف أو على أقل تقدير الازدواجية في التعبير. ثم الوضوح اللغوي الذي طالبت به أرتد عليها في أن التحليلية أضاعت المشيتين كما يقال في هذا المنحى فلا هي نجحت في منهجية وسيلية وضوح اللغة ، ولا هي احتفظت بمكانتها التي تقوم على المنطق اللغوي المعقد.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................................

الهوامش:

1- احمد محمد عطية/الفلسفة التحليلية ،ماهيتها، مصادرها ، ومفكروها ص68

2- نفسه ص 73

3- نفسه ص 74

4- نفسه ص 78

5- نفسه 76

6- نفسه ص 75

7- نفسه ص 84

8- نفسه ص 86

9- نفسه ص 87

10- نفسه ص 94

11- نفسه ص 96

12- نفسه ص 97

  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5217 المصادف: 2020-12-17 08:50:59


Share on Myspace