 أقلام فكرية

كيف نشأت الديمقراطية في العالم؟

محمود محمد عليالديمقراطية مصطلح قديم نشأ عند اليونان فى أثينا، ولكن مفهومه كان جنينيا عندئذ فهو لم يتعد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه حكما مباشرا. أما هذا الشعب فكان مجرد سكان مدينة واحدة مجتمعين فى ساحتها الرئيسية، ومن ضمن هؤلاء السكان كان الاعتداد بالذكور وحدهم، ومن بين الذكور استبعد العبيد فلم يبق لممارسة الديمقراطية إلا الأثينيون السادة الذكور. مثل كل المفاهيم، الديمقراطية مفهوم دينامى تطور مع ظهور الثقافات وازدهار بعضها وأفول الأخرى، ومع انبعاث الأديان وانتشارها وتفاعلها مع الأقوام وثقافاتهم.

وتعد إسبرطة من بلاد اليونان التي تم فيها تطبيق الحكم الديمقراطي، والتي جاء منها استعمال مصطلح الديمقراطية، وهي في حقيقتها تجربة محدودة بالمعني المتعارف عليه الآن، فلم يكن لكل أفراد المجتمع الحق في المشاركة في صناعة القرار السياسي آنذاك، فالعبيد والأجانب المقيمين فيها لم تشملهم الديمقراطية، فضلاً عن عدم مشاركة النساء، فالحياة السياسية محصورة بالعرق، والجنس المحدودين واحالة الاقتصادية للفرد أي ممن يملكون الأراضي والعقارات، وهذه التجربة للديمقراطية لم تستمر لفترة طويلة، وكان ابتداء هذا النظام علي يد ليركس Lyeurgues في القرن الثامن قبل الميلاد، ويروي أنه ذهب إلي معبد دلفي ليستشير الآلهة في وضع نظامه، فقال له الوحي: إنه محبوب الآلهة، وإنه مأذون بوضع النظام الذي يرتضيه، ومما هو جدير بالذكر أن فلاسفة اليونان العظام لم يعتبروا النظام الديمقراطي تجربة صحيحة للمجتمع .

فأفلاطون مثلاً كان يدعو إلي نظام حكم الفرد الواحد، وهذا الحاكم علي معرفة تامة بمصالح الناس أكثر من معرفتهم هم بأنفسهم فقط، فالديمقراطية بالنسبة لأفلاطون هي "حكم الرعاع الذين لا يعرفون مصالحهم أو مصلحة المجتمع بصورة عامة؛ ولذلك دعا أفلاطون إلى إيجاد الوسائل اللازمة لمنع غير الأكفاء من الوصول إلى المناصب العامة، كما دعا إلى اختيار أحكم الرجال وأفضلهم، وإعدادهم على النحو، الذى يضمن أن يكون حكمهم لمصلحة الجميع، وليس وفقا لرؤاهم الأنانية الضيقة، وتتصل بهذا دعوته الواضحة إلى التخصص، فإن أفضل مكان لرجل الإنتاج هو المجال الاقتصادى، وأفضل مكان للعسكرى هو ميدان القتال، وكلاهما لا يصلح للمنصب السياسى والوظيفة العامة، لأن إدارة الدول علم وفن، ولذلك فإن الوضع الأمثل بالنسبة له أن يصبح الفلاسفة ملوكا أو الملوك فلاسفة، حتى تجتمع الحكمة والزعامة السياسية فى شخص الحاكم.

أما أرسطو فلم يبتعد كثيرا فى هذا الصدد عن أفلاطون، ولديه كما يعلم قارئو تطور الفكر السياسى معياراه الشهيران لتصنيف نظم الحكم، وهما معيارا العدد والمصلحة، ووفقا لمعيار العدد فإن الحكم يمكن أن يكون لفرد أو لقلة أو أغلبية، ووفقا لمعيار المصلحة فإن الفرد أو القلة أو الأغلبية أمامهم خياران: أن يحكموا على هدى من المصلحة الخاصة أو المصلحة العامة. هكذا تتولد عن تفاعل المعيارين ستة أنماط لنظم الحكم: أن يحكم الفرد لمصلحته الخاصة فنكون إزاء نظام حكم يتسم بالاستبداد أو الطغيان، أو يحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء النظام الملكى (الذى هو أقرب إلى الملكية الدستورية فى واقعنا الراهن)، أو أن تحكم القلة لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام حكم أوليجاركى، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء نظام ارستقراطى، أو أن تحكم الأغلبية لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام الحكم الديمقراطى، الذى تمارس فيه سلطة الأغلبية الشعبية دون اعتبار لأى شئ سوى مصلحة هذه الأغلبية، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء الحكومة الدستورية. وقد فضل أرسطو بطبيعة الحال نظم الحكم الثلاثة، التى يكون الحكم فيها لغرض تحقيق النفع العام، وبالتالي فإنه انضم إلى أفلاطون فى عدم اعتبار الديمقراطية أفصل نظم الحكم.

وهذا يبين أن فلاسفة اليونان لم يكونوا يرو في أن الديمقراطية هي طريق استقرار الشعوب، وخلاصها من الظلم والاستبداد، وما أن دخلت الديانة المسيحية إلي أوربا، بدأ السعي إلي إلغاء السادة والعبيد والدعوة للمساواة والحرية وللطبيعة المادية للفكر الأوربي، تحولت المسيحية فيها إلي مؤسسة سلطوية عُرفت بمؤسسة الكنيسة، وتحولت مع ذلك مسألة الحرية والمساواة من الوجهة العملية إلي الخضوع لسلطة الكنيسة وإتباعها.

وقد اتسع نطاق هذا الموقف ليشمل أيضا حركة الفكر وحركة العلوم المادية، ومع مرور الزمن بدأت ردود الأفعال لعدم الرضي عن الموقف الكنسي، بدأ الصراع مع الكنيسة، ثم ما بين أتباع الكنائس المختلفة، ثم مع سلطة الدولة، وهو ما يسمي بفصل الدين عن الدولة، ونتيجة لذلك بدأت بهذه الخطوة تحرير المسيحيين من القيود التي منعتهم من الانطلاق في عالم العلم والثقافة والتقدم .

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في العالم الإسلامي؛ فنجد أنها قد شغلت قضية  المفكرين السياسيين في العالم العربي منذ فجر النهضة العربية المعاصرة، أي منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، وقد تغير مفهوم الديمقراطية وتعدل منذ ذلك الوقت تحت تأثير مجموعة متنوعة من التطورات الاجتماعية والسياسية، ولعل أول من أثار جوارا حول الفكرة الديمقراطية في العالم العربي هو الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي كان لويس عوض يطلق عليه " أبو الديمقراطية المصرية"، وكان الطهطاوي بعد تخرجه من الأزهر قد أرسل إلي فرنسا إماما مرافقا لفرقة عسكرية ابتعثها محمد علي إلي هناك للتعليم والتدريب، فأحسن استغلال وجوده بالإقبال علي تعلم العلوم الغربية بحماسة منقطعة النظير، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات رواد الفكر الفرنسي، مثل فولتير وروسو . وما أن عاد إلي القاهرة حتي ألف في عام 1834م كتابا بعنوان " تخليص الإبريز إلي تلخيص باريس" دون فيه مشاهداته حول عادات ومسالك أهل فرنسا، وكال المديح للنظام الديمقراطي الذي نشأ فيها ووصف مشاعره تجاه انتفاض الأمة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية من خلال ثورة 1830 ضد الملك تشارلز العاشر.

وحرص الطهطاوي علي إثبات أن النظام الديمقراطي الذي شهده في فرنسا ينسجم تماما مع تعاليم الإسلام ومبادئه، ومن الأعلام الذين لهم السبق في هذا المجال خير الدين التونسي، رائد حركة الإصلاح التونسية في القرن 19، والذي كان عام 1827م قد وضع خطة شاملة للإصلاح ضمنها كتابه" أقوم المسالك في تقويم الممالك" . وبينما توجه خير الدين التونسي من خلال كتابه إلي سياسي وعلماء عصره حاثاً إياهم علي انتهاج كل السبل الممكنة من أجل تحسين أوضاع الأمة والارتقاء بها، فقد حذر من مغبة رفض تجارب الأمم الأخري انطلاقاً من الظن الخاطئ بأنه ينبغي نبذ كل الكتابات أو الاختراعات أو التجارب أو التصرفات الناشئة عن غير المسلمين . وطالب التونسي بإنهاء الحكم المطلق المضطهد للشعوب والمدمر للحضارات، وسعيا منه لإنقاذ خطته الإصلاحية، أنشأ المدرسة الصادقية لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ضمن إطار القيم الإسلامية، وقد جاء في إعلان تأسيس المدرسة أن الهدف منها هو تدريس القرآن والكتابة والمعارف المفيدة، أي العلوم الشرعية واللغات الأجنبية والعلوم العقلانية التي قد يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة التي يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة . وجاء فيه أيضا إنه يتوجب علي الأساتذة أن ينموا في الطلاب حب العقيدة عبر إبراز محاسنها وتميزها، وعبر إجبارهم بأفعال النبي صلي الله عليه وسلم والمعجزات التي تحققت علي يديه، وتذكيرها بصفات الصالحين .

أما جمال الدين الأفغاني (ت: 1897م ) فقد توصل بعد تقص لأسباب انحطاط  المسلمين أن مرجع ذلك هو غياب العدل والشوري وعدم تقيد الحكومة بالدستور . ولذلك فقد رفع لواء المطالبة بأن يعاد للشعب حق ممارسة دوره السياسي والاجتماعي عبر المشاركة في الحكم من خلال الشوري والانتخابات .

وقد سار علي نهجه تلميذه الإمام محمد عبده (ت: 1905م) الذي رأي بأن أهم تحد يواجه الأمة الإسلامية هو نظرتها إلي العلاقة بين الإسلام والعصر. وفي محاولة للتوفيق بين المبادئ الإسلامية وبعض الأفكار الغربية اقترح محمد عبده بأن مصطلح المصلحة عند المسلمين يقابل المنفعة عند الغربيين، وبأن الشوري تقابل الديمقراطية وأن الإجماع يقابل رأي الأغلبية . ولدي معالجته إشكالية السلطة، أكد محمد عبده بأنه لا يوجد حكم ديني ثيوقراطية في الإسلام، معتبرا أن مناصب الحاكم أو القاضي أو المفتي مناصب مدنية وليست دينية . ودعا في هذا المجال إلي إعادة إحياء الاجتهاد للتعامل مع الأولويات والمسائل الطارئة والمستجدة علي الفكر الإسلامي .

في نفس الفترة تقريبا، تألق عبد الرحمن الكواكبي (ت: 1903م) الذي ألف كتابين حول هذه القضايا، الأول بعنوان "طبائع الاستبداد "، والآخر بعنوان "أم القري". في كتابه الثاني، تصور الكواكبي حواراً بين عدد من المفكرين ينحدرون من مدن مختلفة في العالم الإسلامي جمعهم في مكة المكرمة مؤتمر عقد خلال موسم الحج لتبادل الرأي حول أسباب انحطاط الأمة الإسلامية . ومن الأفكار التي حرص الكواكبي علي طرحها ما جاء علي لسات البليغ القدسي:" يخيل إلي أن سبب الفتور هو تحول نوع السياسة الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية، أي ديمقراطية تماما، فصارت بعد الراشدين، بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه بالمطلقة، وما جاء علي لسان الرومي: " إن البلبلة أن فقدنا الحرية". ويخلص الكواكبي في النهاية إلي أن التقدم مرتبط بالمحاسبة، بينما التخلف مرتبط بالاستبداد.

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في  أوربا في العصر الحديث، فقد جاء الإيمان بالديمقراطية تدريجياً كأسلوب ناجح في الحياة السياسية، والذين أثاروا هذه الفكرة من جديد، وارسوا قواعدها هم فلاسفة عصر التنوير من أمثال : جان جاك روسو، وجون لوك، ومونتسيكو، كانت حصيلته الثورة الأمريكية والفرنسية التي أدت إلي إرساء القواعد السياسية والاجتماعية لمشاركة أفراد المجتمع في صناعة القرار السياسي.

فإذا اعتبرنا أن الثورة  الفرنسية وثورة كورمويل البريطانية والثورة الأمريكية علامات فارقة في عملية التطور الذي فرض نفسه بالعنف لإحداث التغيير في مخلفات الكنيسة، فإن نقطة التحول الفكري في هذا المجال وقعت بنظرية العقد الاجتماعي لروسو الذي حدد العلاقة بين الشعب والسلطة علي أساس تعاقدي، بحيث تكون مهمة السلطة تنفيذ موقف غالبية الشعب .

وفي عصر الثورة الصناعية تبلور الفكر الاقتصادي الفردي الذي يعرف الآن بالرأسمالية إلي جانب المسيحية كنظام أخلاقي فردي فأصبحت مصلحة الشعب في مصلحة الأفراد المنتمين إليه عرقياً، واًصبحت حرية الشعب تكمن في حماية الفرد، وقد ترتب علي ذلك استئناف التعددية في الفلسفات، مما زاد في حدة مواجهة مشكلة تبني الفكر الواحد والتشريع الواحد للمجتمع فتكشفت الحاجة إلي رأي الأغلبية وازدادت قوة تبني الديمقراطية التي أصبحت الآن نظاماً للحكم.

فقد كان من الحتميات بلورة معني الفكر الديمقراطي هذا إلي ما يعرف حاليا بالديمقراطية الليبرالية إلي شمولية وحرية الرأي والانتخاب للوصول إلي معرفة موقف الأغلبية من الآراء المطروحة وتبنيه، فقيام الديمقراطية الليبرالية اقتضي قيام ديمقراطية الفرد في الشعب والحزب والنقابة والتزام الجميع في تنفيذ قرار السلطة التشريعية والتنفيذية مع كل معارض في إبداء رايه علناً والدفاع عنه والعمل من أجل إقناع الناس به.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

..............................................

1- شيماء حسن الكندري : المرأة والديمقراطية فى الإسلام، مجلة القراءة والمعرفة، جامعة عين شمس - كلية التربية - الجمعية المصرية للقراءة والمعرفة، العدد 146،2013.

2- إبراهيم عوض: الديمقراطية فى العالم وفى مصر.. مقال.

3- أحمد يوسف أحمد: خواطر ديمقراطية: من أفلاطون وأرسطو إلى حسن شحاتة.. .. مقال.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5241 المصادف: 2021-01-10 03:35:01


Share on Myspace