 أقلام فكرية

الحرية والإبداع

عدنان عويدإذا كانت الحرية في سياقها العام تعني وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية كما يقول "هيجل"، أي وعي الإنسان للظرف المادية والفكرية التي تتحكم بحاجاته الأساسية، المادية منها والمعنوية في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته المادية والمعنوية بشكل عام، مع حضور شرطي المسؤولية والوعي اتجاه فهم وممارسة هذه الحرية. فإن الإبداع هو ذاك النشاط الإنساني الحيوي والمتميز في قدراته ومهاراته (الفكرية والعملية) عن النشاط الفطري والسطحي في شقيه المادي والروحي الذي يبذله الإنسان من أجل تأمين واستمرارية بقائه، وذلك كون النشاط الإبداعي المتميز الذي تحقق عبر الإنسان بفعل تحرره من بعض قيود الضرورة التي ُفرضت عليه تاريخيا، يظل نشاطاً يصب غالباً في تنمية مهارات وقابليات واهتمامات الإنسان من جهة، وفي القدرة على الغوص بعيدا في عالم المجهول، أي المغامرة من جهة ثانية، وبالتالي كشف تلك المكنونات من قوانين الضرورة (معوقات الحرية) في الوجودين المادي والفكري معا، بغية زيادة إشباع حاجات الإنسان بعامة، وتحقيق تقدمه والسمو به نحو عالم الوعي العقلاني، والنأي به بعيدا عن عالم الفطرة والغريزة المتوحشتين من جهة ثالثة .

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هنا هو: ماهي العلاقة القائمة مابين الحرية والإبداع؟ .

لاشك أن هناك علاقة جدلية ما بين الحرية والإبداع، حيث نجد أنه، كلما اتسعت مجالات الحرية اتسعت بالضرورة مجالات الإبداع، والعكس صحيح أيضا، إذ كلما اتسعت مجالات الإبداع، يكون هناك اتساع في مجالات الحرية. وتاريخ الإنسان أصلا هو تاريخ صراعه مع الطبيعة ومع نفسه (المجتمع) من أجل الحرية، أي في المحصلة من أجل الإبداع. فصراعه الأول مع الطبيعة مثلا كان صراعا من أجل تجاوز قوانين الضرورة الحكمية (العمياء) التي كانت تتحكم به وبإرادته وتخضعه دائما لإرادتها العمياء، فعبر صراعه الأول هذا استطاع أن يكتشف ولأول مرة بنشاطه وإبداعه الخاص سر العديد من قوانين الطبيعة ويتحكم بها، وبهذا أصبح يميز ذاته كانسان يختلف عن بقية مفردات الطبيعة المحيطة به، بل راح يسخر آلية عمل تلك القوانين لمصلحته، الأمر الذي أفقدها سر قداستها بالنسبة له، ولم تعد تجلياتها في الطبيعة من رياح ورعد وأمطار ... الخ، تشكل آلهة يقدم لها الولاء والقرابين طمعا في رضاها وكف غضبها أو شرها عنه، أو بتعبير آخر الحد من حريته وإبداعه.

غير أن هذا الإنسان ذاته الذي راح يسيطر على قوانين الطبيعة شيئا فشيئا عبر ما حققه من حرية وقدرة في إبداع وسائل إنتاج جديدة واكتساب مهارات متنوعة من خلال الإنتاج الهادف إلى تأمين خيراته المادية والمعنوية معا، راح هو ذاته عبر آلية عمل إنتاجه، يضيع في منتجاته أيضا، وُيدخل ذاته في عبودية جديدة تحدُّ من حريته وإبداعه اللذين ناضل طويلا ضد الطبيعة وعالم الغريزة من أجل الحصول عليها أو انتزاعها، وهذا الشكل الجديد من الضياع والعبودية أخذ يتحقق عندما أصبح هناك فائض في الإنتاج لدى البعض من الناس (أفراد وجماعات)، هذا الفائض الذي دفع منتجه إلى البحث عن تبادل إنتاجه مع منتج آخر من أجل إشباع حاجاته المادية والروحية أكثر، بيد أن هذا التبادل أخذ شيئا فشيئا يغذي بدوره روح التملك والحيازة، فكانت وسائل ومواضيع الإنتاج ومنها الأرض أول أشكال هذا التملك وهذا ما دفع (روسو) للقول فيما بعد: (عندما قام أول إنسان بتسييج قطعة من الأرض وقال هذه ملكي، وصدقه بعض المغفلين، بدأت عملية استغلال الإنسان للإنسان)، أي الحد من حريته وإبداعاته. بل إن الحرية والإبداع ذاتهما لم يعودا في مجتمع الاستغلال هذا ملكا للمبدع، بل ملكا لمن يملك، ولا يحق لصاحبهما التصرف يهما إلا وفقا لما يريده المالك بشكل مباشر أو غير مباشر !! .

من هنا بدأت مسألة الحرية والإبداع تأخذ اشكاليتها التاريخية الجديدة ما بين المالك والمنتج، وكشكل من أشكال العلاقات الاجتماعية التي دار حولها الصراع الإنساني ولم يزل عبر كل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ففي الوقت الذي يقاتل أو يناضل فيه الإنسان من أجل حريته الاقتصادية والتقسيم العادل للدخل الاجتماعي، نراه يقاتل أو يناضل أيضاً من أجل حريته الاجتماعية والسعي إلى تحقيق مجتمعه المدني بديلا عن مجتمع الرعاء، وفي الوقت الذي يقاتل فيه من أجل الحصول على المواطنة، نراه يقاتل أيضا من أجل الحصول على المشاركة في القرار السياسي للوطن الذي يعيش فيه، مثلما نراه يقاتل ويناضل كذلك من أجل حرية الرئي والممارسة، والصحافة، والتحزب، ودولة القانون .. الخ .

نعم هذه هي مسيرة الحرية والإبداع في عالم الإنسان، إنها مسيرة نضال طويل ولا أظن أن الإنسان سيحصل عليها كاملة، وذلك كونه إنسانا، من لحم ودم، ليس لجوهر إنسانيته حدود، أي، ليس لحريته حدود، وكذلك لإبداعه حدود، إلا حدود العقل والمنطق الذين يصبان في حاجات الإنسان غير المحدودة، أي في عوامل الحفاظ على إنسانيته التي ناضل كثيرا من أجل استرجاعها أو إعادة بنائها وتنميتها... إنها مسيرة إنسان يعيش في عالم له قوانينه الوضعية، الخاصة به، والبعيدة في سيرورتها وصيرورتها عن إرادته ورغباته، فالناس (يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا إنهم لا يصنعونه على هواهم)، وبالتالي هذا يتطلب منهم دائما الكشف عن هذه القوانين وسر آلية عملها، والتحكم بها وتسخيرها لتحقيق حريتهم، أي استمرار وجودهم وإبداعهم .. نعم لقد ُكتب على الإنسان الكشف دائما عن المجهول، ولهذا كانت حريته، وكان إبداعه، بل مغامرته الوجودية كلها.

أمام كل ما جئنا عليه، تبقى هناك مسألة لها من الأهمية الكبيرة في حياة الإنسان وحريته، لا بد أن نشير إليها، أو نقف عندها قليلا وهي: في الوقت الذي يدخل فيه الإنسان عالم ضياعه عبر منتجاته، أي عالم تشيئه، واغترابه، واستلابه المادي والروحي، هذا العالم الذي لم يعد فيه الإنسان إنسانا، بل شيئا آخر لا يختلف فيه عن منتجاته هو نفسه، أي يتحوإلى سلعة أو ترس في آلة (شيء)، أي بتعبير آخر دخوله عالم التسليع، وتصبح له قيمة مادية تحدد مقدارها درجة الخدمات التي يقدمها في نطاق وجوده الاجتماعي، حيث لم يعد يختلف حاله هنا عن حاله في عالم الضرورة الحكمية، أوسوق النخاسة سابقاً، إلا في مسألة واحدة فقط،هي، أنه قادر على تغيير سيده بحريته، هذه الحرية التي أريد لها أن ُتدفع إلى أقصى حد ممكن في ظل السوق الرأسمالية الاحتكارية وعالم الفردية. لقد تحولت الحرية وفقاً لهذا التحول التاريخي بالضرورة إلى قيد في عالم الإنسان، انطلاقا من القانون الحياتي الذي يقول (طل شيء يعطى صفة الإطلاق يتحول إلى الضد). وهذا يدفعنا إلى التأكيد بأن الحرية والإبداع قد دخلا بالضرورة أيضا في عالم التشيء، والاغتراب، والاستلاب، عندما أغرت الإنسان شهوة الحرية المفتوحة على المطلق بعيدا عن حس المسؤولية اتجاه نفسه أو الآخرين، حيث هُدر في هذه الحالة كل النضال الذي قدمه تاريخياً من أجل بناء عالم حرية العقل والمنطق، أمام حرية الغريزة والشهوة والأنانية الضيقة .

من هنا نؤكد على أن العقلانية التي تفرض المسؤولية والواجب والحق والعدالة والمساواة .. الخ، تظل وحدها من يصون ويوجه الحرية والإبداع معا، هذه العقلانية التي لم تكن في يوم من الأيام شعارا يراد منه التسويق لمفاهيم يهدف مطلقيها نمذجة الإنسان وتسليعه وبالتالي تذريره وإفقاده جوهر إنسانيته عبر تحويله إلى ترس في آلة تضخ لمطلقي هذه الشعارات ما يحقق سعادتهم واستمرار بقائهم وقوتهم، مثلما لم تكن أيضا – أي العقلانية - آلية عمل دماغ مجرد من معطيات الواقع، إن العقلانية التي نقصدها هنا هي تلك العقلانية المشخصة التي كونتها نضالات الإنسان عبر تاريخه الطويل، ضد ضرورات الطبيعة والمجتمع من أجل الحصول على حريته، والفسح في المجال واسعا أمام إبداعاته كي تجوب عالمي الواقع والمجهول لخلق عالم آخر للإنسان لا تعود فيه للضرورة وقوانينها العمياء في (الطبيعة والمجتمع) القدرة على التحكم كليا في حياة الإنسان وإرادته، إنها العقلانية التي ترمي إلى إخراج الإنسان في عالمنا المعاصر من تشيئه واستلابه واغترابه، إلى عالم الإنسان الجوهر، عالم الضرورة الواعية... عالم العدالة والمساواة .

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5260 المصادف: 2021-01-29 01:47:55


Share on Myspace