 أقلام فكرية

جدل السؤال والتساؤل في الفلسفة! (2)

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن جدل السؤال والتساؤل في عالم الفلسفة، وهنا يمكن القول بأن التساؤل الفلسفي يدور في محاور ثلاثة: تساؤلات الوجود، وتساؤلات المعرفة، وتساؤلات القيم؛ وكل محور من تلك المحاور يتشعب إلى إشكالات قد تتماثل وقد تختلف، وفي كل محور تكون التساؤلات إما جزئية أو كلية . وهذا يعني أولا أن مفهوم التساؤل الفلسفي متنوع جدا، ففي كل محور يمكن أن نطرح تساؤلا يتضمن بداخله تساؤلات تتولد منه .

ففي محور الوجود ينطلق التساؤل: ما حقيقة الوجود؟ وتتولد عن هذا التساؤل تساؤلات منها: ما مدى ارتباط الحقيقة بالوجود؟ هل الوجود داخلي أم خارجي؟ ما الصلة بين مفهوم الوجود ومفاهيم الطبيعة والكون؟ . ويمكن أن يهتم باحث الفلسفة بكل تساؤل وبإمكانه أن يولي التساؤل الأولي جل تفكيره، كما يمكنه أن يضع تركيزه في تساؤل من التساؤلات التي تليه . ويمكن لنا تطبيق ذلك على محاور التساؤل الأخرى .

أما  في محور المعرفة تنطلق تساؤلات أساسية منها ما يتعلق بنظرية المعرفة مثل: كيف تتم المعرفة؟ وما هي عناصر المعرفة؟ وما هي أولويات المعرفة؟ وما هي أهم ارتباطاتها بأحكام أخرى تحدها كالمنطق وتداخلها مع أساسيات كمعرفة الوجود والقيم وأهمية الكشف عنها!. ومن التساؤلات ما هو متعلق بأحكام المعرفة المتصلة بالمنطق والتي تمدنا بمعايير ومسوغات للوصول إلى معرفة ممكنة ! ومن التساؤلات المعرفية ما هو متعلق بالكشف والاستنتاج مما يفتح إمكانات المعرفة على محوري الوجود والقيم لأن معرفة ظواهر وحقائق الوجود تتطلب كشفا، والقيم من جهة ثانية تحتاج إلى فحص ونقد وإعادة وضعها ضمن أحكام معقولة ومنطقية .

وأما في محور القيم تبرز لنا تساؤلات في مواضيع بعينها ذات صلة بالقيم أو بين مواضيع لها علاقة تتضح من خلال القيم وتكون التساؤلات إما نظرية خالصة أو واقعية تطبيقية، وأهم ما يطرح حول القيم يتضح جليا في القضايا المتصلة بالأخلاق والجمال والفن بصور تجريدية محضة وفيها تطرح تساؤلات مثل: ماهي حرية الإرادة؟ هل توجد أخلاق محضه؟ وكيف نصل لأحكام خلقية؟. ومشكلات الفن مثل: ماهو أصل العمل الفني؟ وما علاقة الفن بالجمال؟ وكيف يتحقق الإبداع؟. الى هنا التساؤلات نظرية لكننا نجد القيم تتخذ منحى تطبيقي فيما يتعلق بقضايا المجتمع والسياسة والقانون حيث تكون فيها "المعايير" مقدمة ً على "المفاهيم" نظراً لأن تلك الحالات تتطلب تعاملاً ً مع الواقع بجميع تناقضاته.

وكلما امتدت وتطورت التساؤلات الفلسفية إلى مراحل وأبعاد وقضايا جديدة وحساسة تحمل نطاقا واسعا من المفاهيم الممكنة كلما أمكن للفلسفة أن تؤكد أهميتها ورؤيتها وتسير باتجاه المستقبل .

وتتحدد قيمة السؤال الفلسفي في كونه كذلك، فلولاه لما كانت أجوبة ولا تأسست معرفة ولا تشكلت علوم، فهو سر كل فكر وكل حرية، حيث تبدأ المعرفة حين يُطرح السؤال ولا تتوقف المعرفة بإعطاء إجابة عنه، بل إنها تولد مع ميلاد كل سؤال مسؤول، فيه وعي بقيمة وجوده وأثره في الحياة الإنسانية، فلولاه لما تغيرت الأشياء ولا دبت الحياة في الحياة . قد تبدو قيمة السؤال أكبر من قيمة الإجابة؟ لكن الأمر ليس كما يظهر، غير أن السؤال سبب لوجود الإجابة والأخيرة يتم عبرها معرفة نجاعة وفاعلية السؤال، فقد يكون السؤال – حقا – أكبر من أن يُجاب عنه أو أن يُقيد في إجابة واحدة، مثلما هو سؤال الوجود وسؤال الإنسانية؛ حياتها ومآلها، لكن الإجابة حاضرة دائماً، فهي حاضرة بالقوة، فكل سؤال ينطوي بالضرورة علي إجابة ما، أو حاضرة بالفعل، كما هو حال الإجابات المقدمة من قبل الفلاسفة والمفكرين، أو كحال الكتب السماوية التي كانت، في جانب منها، إجابات إلهية عن الأسئلة البشرية.

ويتسم السؤال الفلسفي بجملة من الخصائص والمميزات، ومنها: تناوله قضايا إشكاليّة تسهم في الرصيد الثقافي البشري، وصيغته دائماً استفهاميّة، ويقود في تفاصيله إلى البحث والمتابعة للقضايا الخلافيّة والإشكاليّات التي يتناولها، وله هدف معيّن في البحث، ويتضمن التسليم بمبادئ ومسلمات بعد عمليّة البحث، ويثير السؤال الفلسفي، ويحمل في طياته جملة من التساؤلات تتفرع عن الموضوع الواحد.

وتظهر قيمة الأسئلة، إذن فيما تولده من أجوبة، وتنجلي قيمة هذه الأخيرة وأثرها حينما تبعث أسئلة جديدة من رماد الأسئلة الأولي في سيرورة متواصلة، تدفع بالفكر البشري ليخط مسار تشكله بنفسه ويضع نقاط افتراقه عمن سبقه . لقد تخلق الإنسان في رحاب السؤال، وهو عبر كينونته وليد مفارقة يصنعها السؤال والإجابة: المعرفة والجهل، وحدة الوجود، وتعدد الموجودات، المغالطات والعدم .. في " البدء كان السؤال، ومنه انبثقت أم المشاكل، كل الحلول المحصل عليها تعود إلي السؤال الاول، أي إلي حروف السؤال، حين نندهش لا نملك إلا طرح السؤال.

جميعنا نريد الإجابة عن الأسئلة التي تواجهنا وتنتهك حرمة سكوننا، ولكن دائما ما  تتمنع الإجابة لتحيل علي السؤال من جديد، وهي إذ تفعل ذلك تُسهم في بقاء شروط تبلور المعرفة، وتدفع بنا للبحث والتنقيب عما يُسلبنا، ويُغوينا، يبعث الأمل في نفوسنا ويعبث براحتنا التي لطالما ركنا إليها، إنها – أي الإجابة – تفعل ما تفعله بوحي من السؤال، في إلحاحاته المتواصلة علي تجديد الإجابة وتجديد مصادرها، ليحيا الكائن البشري حياة المعرفة في معرفة الحياة .

هكذا يكون السؤال أساس المعرفة وصرورتها، به تستخرج وعلي أساسها تُفك قيود الكُمون فيها، وإن كان لكل جواب سؤاله بالضرورة فليس هناك في المقابل بكل سؤال جوابه، علي أن طرح السؤال في حد ذاته يعد جوابا بمعني ما، أو هو علي الأقل أول الطريق نحو تحقيقه .

تتداخل المعارف مع بعضها البعض وتتخارج بطريقة عجيبة، فهي مستقلة بذاتها في الرؤية والمنهج والإجراءات والمصطلحات والمفاهيم وبعض الإجراءات وربما الرؤي لتتفاعل مع مكونات الحقل المعرفي الذي ارتحلت إليه، ما يؤدي إلي صناعة مصطلحية ومنهجية جديدة داخلة، وبذلك تتشكل المعرفة في غير ما مطابقة لوجودها الأول ومغايرة معقدة ولا يمكن بحال من الأحوال، إرجاعها إلي هذا  الشكل / السبب أو ذاك.

وتشكل المعرفة النقدية في عمومه ولا يخرج عن هذا الإطار، وإن كان في بدايات تخلقه لم يُعد  أن يكون مجرد آراء سطحية، ساذجة  متعلقة بالشخصية أكثر من تعلقها بالرؤية أو بالمنهج النقدي . وسؤال النقد  عندما يُطرح في ساحة عندما يطرح ساحة المعرفة، يستدعي معه سؤالاً آخر وهو سؤال المنهج، بعدهما سؤالين يكمل أحدهما الآخر، فالنقد بحاجة إلي منهج حتي تكون أحكامه ومحاوراته للنصوص والظواهر مبنية وفق نظام ومبادئ تبررها وتضفي عليها نوعا من القبول، كما يحتاج المنهج أيضا لأن ينتظم في حقل معرفي معين حتي يمارس فعاليته ويختبر كفايته الإجرائية . وههنا تكمن إشكالية هذه الدراسة  :  ما هي الأسئلة التي قدمها كل من النقد والمنهج؟ وهل هناك اختلاف بينها؟ وفيما تكمن الهزة المعرفية التي عرفها حقل النقد عموماً؟ خاصة في مرحلة المساءلة التي مر بها .

ويبقى أن السؤال الفلسفي يحمل فى ذاته دعوة إلى البحث، والتعرف، والاكتشاف. وهو بذلك كله يمهد البيئة المناسبة للبحث العلمي الذى يمكنه أن يسترشد بعلامات الاستفهام الفلسفية ليحدد الأرض التي يقيم عليها بناءه .

من هنا، ينبغي أن ندرك قيمة الدور التمهيدي الكبير الذى آداه التوحيدى للثقافة العربية عن طريق استخدام السؤال والتساؤل، وما يمكن أن يحدثه ذلك من تحريك السكون، وغربلة المتوارث، وفتح آفاق جديدة ومتجددة للمعرفة كما قال أستاذنا الدكتور حامد طاهر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.................

1- أ.د. حامد طاهر : فلسفة السؤال والتساؤل عند أبى حيان التوحيدى.. مقال..

2- ماجد محمد حسن: السؤال الفلسفي.. مقال..

3- ألان جيرانفيل : خصائص السؤال الفلسفي .. مقال..

4-  سمر حسن سليمان : خصائص السؤال الفلسفي.. مقال..

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5262 المصادف: 2021-01-31 01:40:27


Share on Myspace