 أقلام فكرية

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسفتقديم: "يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا، لأنه مخلوق من صانع، افلاطون لم يعتن العناية الكافية بالزمان كمثل عنايته بالمكان، ولم يضعهما في مرتبة متساوية متكافئة في تعالقهما الادراكي المتداخل، كما يرى أفلاطون الزمان مظهرا من مظاهر نظام العالم، بينما المكان إطار موجود – يقصد إطارا للزمان- موجود بالضرورة منذ الازل، مستقل عن الصانع أي أن – المكان –  مستقل عن الصانع وغير مخلوق منه"1 وما يبدو مفارقة لنا أن افلاطون " يعتبر الزمان بخلاف المكان شرط ضروري سابق على فعل الصانع وهو عامل ثالث يضاف الى الوجود والصيرورة ولولاه لم يستطع الصانع أن يحدث النظام الظاهر في العالم."2

نستنتج فلسفيا من عبارات افلاطون المار ذكرها ما يلي:

1- المكان بخلاف تصوراتنا المأخوذة عن فلاسفة محدثين بدءا من كانط  ما بعد الفلسفة اليونانية يرون حقيقة أسبقية المكان على الزمان أو تلازمهما التزامني بينهما جدليا على الأقل فيزيائيا بما يقبله العقل، والمكان بلا تأطير زماني هو موجود لا يدركه العقل. كانط لا يذهب بالخطأ في تفريقه مايدرك مكانا ليس مايدرك زمانا متلازما به.

نجد  حسب رأي افلاطون المكان تأطيرا أزليا لزمان مخلوق سلفا من صانع ليجعل هذا التأطير المكاني للوجود يقوم على وجود زمان نظامي له، وينعدم المكان وجودا تأطيريا بغير هذه العلاقة التي ترى الزمان وجودا أزليا من صانع ولا يرى في المكان (الطبيعة) كوجود نفس النديّة التكافؤية بينها وبين الزمان. الطبيعة أو المكان عند افلاطون هي ليست مخلوقا من صانع فالطبيعة معطى أزلي عشوائي بلا نظام وهي من غير صانع، لا كما هو حال الزمان المصنوع بقدرة صانع ليس للقيام بمهمة تنظيم عشوائية المكان بل العكس في تكييف الطبيعة نفسها لمدركها الزماني وتنظيم نفسها بدلالة الزمان... هنا أفلاطون يؤمن بألجوهر الخالق غير المخلوق الله أنه زمان سرمدي مطلق يسبق وجوده الطبيعة والكون والاشياء التي يتوجب عليها كي تخلص من العشوائية المكانية تنظيم نفسها بالتكيّف مع الزمان المنّظم لكل شيء. لذا يكون كل مدرك مكانا هو موجود بعدي على الزمان لا قبلي عليه دونما زمن قبلي يزامنه ويلازمه الوجود ألمكاني حسب تفسيرنا لافلاطون، وهو فهم قريب من فلسفة كانط بعيد جدا عن فهم برجسون ، فكانط يجد الزمان والمكان هما قالبا الإدراك العقلي الفطريان  للأشياء وليس هناك تراتيبية أفضلية في أسبقية أحدهما على الآخر كونهما قالبين فطريين مزروعين بألدماغ بالولادة.

بينما ينكر برجسون أن تكون مدركاتنا المكانية هي في حقيقتها زمانية صرفة كما يدركها العقل لا كما يفترضها المنطق كموجودات. وينكر برجسون أن المكان لا يدرك من غير زمان يلازمه.... وهنا يرفض برجسون حقيقة لا مكان لموجود يمكن إدراكه بلا زمن يلازمه ويزامنه حيث يعتبر برجسون هذه الشرطية الزمانية للمكان أن يوجد بها إدراكيا بدلالة الزمان ليست صحيحة حتى من الناحية الفيزيائية العلمية..

ويفهم برجسون المكان مدركا حسّيا عقليا معطى جاهزا لا يحتاج زمانا يحتويه ويؤكد وجوده الإدراكي إحساس الحواس له فقط بداية قبل أن يأخذ سلسلة المنظومة الادراكية للعقل مثل الجهاز العصبي والوعي والتفسير الذهني ومن ثم ردود أفعال العقل التي تأخذ مضمون الفكر وشكل اللغة التعبيرية عن كل مدرك عقلي. برجسون هنا يقترب كثيرا من افلاطون وبيتعد جدا عن مفهوم كانط.

فالطبيعة موجود أزلي يقوم على تنظيم ذاتي مسبق تحكمّها قوانين ثابتة، وليس الزمان معطى غير مدرك ماهويا يقوم على حفظ إدراكاتنا المكانية بنفس أهمية أنه يحفظ للطبيعة قوانينها العامة الثابتة التي تحكمها وتحكم الانسان معها. هنا نجد نظام الطبيعة الزماني المقترن بأزلية وجود الطبيعة لا علاقة للزمان المخلوق أزليا بها لا من قريب ولا من بعيد.

فأزلية نظام الطبيعة غير المصنوع سابق على أزلية نظام الزمان المخلوق من صانع حسب افلاطون. المفارقة العجيبة الأخيرة حسب العبارة المقتبسة الثانية تؤكد أن الزمان سابق على الصانع، وبهذا يكون المكان والزمان كلاهما غير مصنوعين (قصديا) من صانع بل كلاهما مفروضين قبليا عليه من مجهول يتعالى على الصانع نفسه وهو ما لا تقبل به الميتافيزيقا قبل العقل. بمعنى أن العالم  الطبيعي والانسان وجدا منذ الازل هكذا ولا دخل لصانع في صنعهما وخلقهما. هذا الفهم تعبير يلتقي فلسفة كانط بالمضمون فيما وراء معنى تعبير اللغة فقط.

2- على العكس مما نتصوره أن الزمان هو نظام الاشياء في الطبيعة والكون، وعليه لا تكون هناك قوانين طبيعية ثابتة تحكم الطبيعة والكون والانسان لا تكون زمانية مطلقة أزلية. بمعنى أكثر وضوحا أن الطبيعة لم تكن نظمّت نفسها بقدراتها الذاتية التي تحكمها قوانين ثابتة من حيث أن أفلاطون يري أسبقية الزمان على الوجود المكاني الذي هو تأطير زماني نظامي لاحق على الطبيعة بعدي عليها وليس قبلي لها ينظمّها. فالطبيعة هي التي تمنح عشوائية الزمان نظامه المتجانس مع مدركاته المادية التكوينية لها. وليس العكس أن الزمان هو الذي يقوم على تنظيم الطبيعة والمكان من عشوائيتهما الوجودية غير المنتظمة.

بمعنى الطبيعة في قوانينها الازلية هي التي تحكم تأطير الزمان من العبثية وأللانظام وليس العكس أن الزمان هو إدراكنا تنظيم الطبيعة في قوانين ثابتة زمانية لا تتغير. الشيء المهم في هذا التفسير أن الطبيعة مخلوق منّظم ذاتيا بمعزل عن الصانع وعن فكرة الزمان مخلوق لتأطير الطبيعة كوجود له وليس العكس مما يذهب بنا التفكير أن الزمان الذي هو نتاج صانع قام به، هو عشوائي بما يجعل الطبيعة في نظامها غير المخلوق عن صانع تقوم بتنظيم الزمان مخلوق الصانع في عشوائيته العبثية. بمعنى مفارقة غريبة حسب تفسير افلاطون أن الطبيعة غير المخلوقة بقوانينها النظامية من صانع هي التي تقوم بتنظيم عبثية الزمان المخلوق من صانع بعد وجود الطبيعة. لا يمكن تصورنا الزمان مخلوق بعدي على الطبيعة وليس قبليا يتقدمها.

الفهم المسبق الراسخ تداوليا هو كنا نرى تنظيم الطبيعة إنما هي خاصّية الزمان في حفظه قوانين تنظيم الطبيعة الثابتة لها من الإنتهاك وهو خلاف ما ذهب له افلاطون. فالطبيعة عنده مالم تنّظم نفسها في تأطيرها هي الزمان سيكون إدراكها المنّظم ذاتيا معدوما. هنا يمكننا القول أن الطبيعة تعقل نفسها أكثر من إمكانية الزمان يعقل ذاته. وتبدو الفرضية الثانية أكثر مقبولية بالقياس الى الطبيعة التي لا تعي ذاتها ولا تعي الموضوع فكيف يمكنها تنظيم الزمان كمدرك موضوعي لها.تأطير الطبيعة للزمان من غير إدراك قصدي تعيه يجعل من الزمان وجودا يدرك ذاتيته بمعزل عن الطبيعة.

3- والمكان عند افلاطون ليس (مخلوقا) منظمّا من صانع يسبق أزلية الزمان المفروضة على الصانع بلا إرادة قصدية منه في مهمة تنظيم الطبيعة والعالم له وليس تنظيمه هو العالم.. وحسب فهم أفلاطون للزمان الأزلي المخلوق تكون الطبيعة وجودا إعتباطيا غير مخلوق من صانع إنما وجودها مقترن بالضرورة الأزلية في إحتوائها الزمان السابق عليها وتنظيمها لنفسها زمانيا بدلالة لا نظام الزمان نفسه. بمعنى الطبيعة هي تكيّف الزمان لها وليس الزمان يتكيّف إدراكيا معها.

بعبارة ثانية الطبيعة لم توجد تنظيميا كمعطى أزلي وجد هكذا بنظامه في القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكمها ويبقى هكذا، يدهش العقل البشري قبل شرط إلزامية وجود الطبيعة من أجل تأطيرها هي لزمن الإدراك لوجودها الازلي. بمعنى يشوبه الغموض أن الزمان هو قلب الطبيعة ومحتواها وليس هو تشكيل إدراكاتنا للطبيعة خارجيا بصفاتها الخارجية البائنة المحسوسة والمدركة. وبالطبيعة المنتظمة ندرك لا نظامية الزمان العشوائية في تعامله معها في تأطيرها الزماني له. بمعنى عشوائية الزمان هو ما تقوم الطبيعة تنظيمه، وليس عشوائية المكان هو مايقوم الزمان تنظيمه. بضوء تفسيرنا لمفهوم افلاطون حول علاقة المكان بالزمان.

4-  المفارقة الغريبة في مطلق وأزلية الزمان المخلوق من صانع عند افلاطون، هو أن تكون الطبيعة وجودا عشوائيا من دون زمن سابق على موجوديتها الطبيعية المكانية أنطولوجيا وهي موجود ازلي من غير الصانع للزمان،. حيث المكان يؤطر الزمان وليس الزمان يؤطر المكان. لذا فالزمان ينّظم الموجودات ليس بقوانين الطبيعة العامة الثابتة التي نتعامل بها فيزيائيا علميا، بل الطبيعة والموجودات تؤطر نفسها توافقيا متكيّفا مع الزمن ألإدراكي لها في تبعيتها هي للزمان لا في تبعية الزمان للطبيعة.

5- المكان عند افلاطون كما ذكرنا لا يسبق الزمان ولا يوازيه وجودا ولا يكافؤه ولا حتى يداخله تزامنيا- مكانيا. بمعنى الزمان لم يخلقه الصانع لعلة وسبب تنظيم المكان (الطبيعة).. بل أن المكان حسب تعبير افلاطون موجود  بالضرورة الأزلية والذي لم يخلقه الصانع إنما دوره تأطير الزمان في نظام الاشياء والطبيعة.. مما يرتب على هذا إستنتاجنا أن المكان وجود غير موجود ولا يكتسب موجوديته إلا بتأطيره هو لنظام الزمان الذي تخلعه الطبيعة عليه وليس العكس، وليس أسبقية تنظيم الزمان على المكان. فالمكان خلق من أجل أعطاء الزمن معناه الفيزيائي وليس الزمان خلق من أجل أعطاء المكان تعينّه الانطولوجي المنّظم.

6- أخطر الامور التي تترتب على فهم افلاطون لمعنى علاقة الزمان بالمكان هو قول افلاطون أن الزمان غير أزلي لأنه مخلوق من صانع – يقصد الزمان فان فناء زائل بينما هو في فهمنا أزلي أبدي لا يفنى -  وهو ما يضعنا أمام محنة أن ازلية الصانع المرتبطة بلا أزلية الزمان تكون قائمة بالملازمة الافنائية العدمية لكليهما معا، والصانع يفنى بفناء محدودية خلقه لزمان غير أزلي. كون ما ندركه من الزمان هو تنظيمه لمدركاتنا ليس في زمنها ألإدراكي عقليا بل في وجودها الانطولوجي. وبعدم أزلية الزمان تنعدم معه أزلية الصانع له. أي في إنعدام ازلية الزمان ينعدم معه بالضرورة السببية عدم أزلية الصانع. وبذلك يكون افلاطون خرق إيمانه الديني بالخالق الذي أوجد الطبيعة والزمان أنه فان زائل وليس سرمدي باق. لإرتباط وجوده بوجود سرمدية الزمان الفانية كون الزمان مخلوقا وليس خالقا لشيء.

7- إن النظرية الكانطية التي تذهب الى عدم إمكانية إدراكنا لموجود مكانيا من غير ملازمة زمانية له، تصبح لا قيمة حقيقية لها، لإنفقاد حقيقة التكافؤ الوجودي بين الزمان والمكان. من حيث أننا لا ندرك الاشياء والوجود عموما إلا في زمانيته فقط حسب الفرضية الكانطية، وكل موجود لا يدرك مكانا- زمانيا لا وجود إدراكي حقيقي له. وأننا نذهب مع الرأي الذي يرى في حقيقة إدراكنا الموجود مكانا أنما هو مدرك موجود زمانا، والمكان الذي لا يلازمه زمن إدراكي لا يعقله العقل كموجود. ولا يبقى معنى لأفضلية أسبقية الزمان على المكان وبالعكس لأن مناقشة هذه الفرضية المعقدة هي من مهام الميتافيزيقا التي يتقاطع معها إدراك العقل في مناقشتها. والمكان يكون لا وجود مادي من غير زمان يلازم إدراكنا له.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

1- عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص 59

2- نفسه نفس الصفحة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5268 المصادف: 2021-02-06 03:21:48


Share on Myspace