 أقلام فكرية

الوعي: سجالات فلسفية

علي محمد اليوسف(أن يقول عقلنا شيئا خطأ عندما نعتبر العقل مجردا من الحالات الظاهرية والقصدية)... ريتشارد رورتي

بدءا من برينتانو وصولا لهوسرل وهيدجر وسارتر أقطاب الفلسفة الوجودية ممن هاجموا بضراوة النزعة المثالية التي حملها ديكارت في الكوجيتو الذي أعتبروه منطلقا فلسفيا سلبيا في تحقيق الوجود الإنفرادي بتوسيله الفكر الخالي من قصدية الوعي، وذهبوا الى أن الإدراك العقلي في وعيه الأشياء والموجودات لا يدركها بمجّانية خالية من الهدف القصدي الذي لا يقف بحدود توكيد الذات وجوديا فقط . بمعنى العقل لا يدرك ما لا معنى له من الموضوعات التي هي غير حقيقية زائفة أن تكون مادة تفكير الوعي بها. ولا أهمية تستتبع عدم إدراك الوعي تفكيره في موضوع بلا معنى. الإدراك الحسّي للأشياء يستبق الوعي في متابعته قصدية ما يدركه العقل.

تجريد العقل من وعيه القصدي يعني فرض إستحالة إدراكية حقيقية على العقل نفسه كان أشار لها جون سيرل الفيلسوف الاميريكي أيضا تأكيده الوعي بلا قصدية ما يدركه هو وعي زائف لا يتحقق إدراكا وظيفيا بالذهن. وقصورالوعي العقلي الإدراكي التجريدي من قصديته معنى ذلك إنتفاء فعل ألإدراك من خاصيته العقلية لماذا ندرك الاشياء وليس كيف ندركها.؟

الإدراك العقلي للأشياء لايكتفي ويتوقف وعيه لمدركات  ألاشياء فقط، وإنما يتعدى هذا الإدراك الوعي الى مرحلة التخارج الديالكتيكي المؤثر والمتأثر الناتج عن عملية الإدراك التخارجية الذي هو القصدية من الإدراك للاشياء وليس كيف يدرك العقل تلك الاشياء. العقل لا يدرك العالم الخارجي لمجرد تحقيق وجوده فيه، بل يدركه في محاولة تغييره والتداخل الجدلي معه.

رورتي وكينونة الانسان:

 يقسّم رورتي الكينونة الى ثلاثة فعاليات بيولوجية يقوم بها الانسان في وجوده كائنا حيّا نوعي هي:

- الوعي ومركزه الدماغ والمشاعر الخام والحركات الجسدية.1

- العقل الذي تدور حوله مواضيع المعرفة والذكاء واللغة.2

-  الشخص في صفاته المنسوبة للحرية والمسؤولية الاخلاقية.3

بضوء هذا التقسيم يطرح ريتشارد رورتي تساؤلات إشكالية فلسفية صعبة مثل كيف لنا أن نعرف أن أي شيء عقلي يمثل شيئا ما ليس عقليا؟ وتساؤله ألآخر أيضا هل الوعي تعبير عن أحداث العالم الخارجي؟ في محاولتنا الإجابة عن تساؤل رورتي كيف لنا أن نميز بين شيء عقلي، يمكن إدراكه هو لا شيئ عقلي في حقيقته الإدراكية؟  تساؤل يلغي بديهية التمييز بين إدراك عقلي واحد منقسم على نفسه ومتشّظ الى إدراك حقيقي طبيعي سوّي ، نخلع عليه بضوء عبارة رورتي صفة الشك أنه ليس إدراكا حقيقيا غير زائف بذات الوقت الذي يكون العقل خدعنا   بإدراكه ما ليس حقيقيا ولا يمّثل شيئا يتقبّله العقل.

هنا إذا قلنا أن الادراك الزائف هو إدراك لعدم (لاشيء) موجود نكون أوقعنا أنفسنا في محذور لا يغتفر هو أننا تغافلنا عن حقيقة العقل أنه لا يدرك لاشيئا خارج الجسم ولا شيئا في داخله، وسبب ذلك هو حقيقة العدم لاشيء يمكن إدراكه...

فالعدم هو لاشيء قبل عدم إدراكه وبعد عدم إدراكه. كون العدم حسب سارتر يركب ظهر كل موجود بقصدية الإفناء الحتمي له، لكن من المحال إدراك العدم موضوعا مستقلا لإدراك العقل لا يلازمه وجود لموجود. بمعنى ألعدم يحدس بدلالة ملازمته لموجود.كل شيء يدركه العقل إدراكا حقيقيا يقينيا يمّثل إدراكا لشيء غير زائف، وحقيقة الشيء بالنسبة لإدراك العقل له لا يحددها وجود الشيء المدرك في أنطولوجيته الفيزيائية في عالم الموجودات، وإنما تحددها حقيقة (نوع) الإدراك العقلي لذلك الشيء.

التشكيك بالعقل الإدراكي لا يكون واردا مقبولا حين يكون موضوع إدراكه زائفا غير حقيقي وهنا يكون العقل في حل من مسؤوليته عن زيف مدركاته أنها وردت عنه زائفة ولا وجود حقيقي لها في الواقع. مثال ذلك عدم أدراك المريض الانفصامي حقيقة الوجود في عالمنا السوي الذي نعيشه ولا يقع في هذه الحال زيف الإدراك ألمريض هنا على موجودات العالم في عدم أدراكها الصحيح من قبل المريض ألإنفصامي، بل المسؤولية تقع على زيف وهم وعي وأدراك العصابي المريض للعالم الخارجي بصورة خاطئة.

التساؤل الثاني الذي أوردناه على لسان رورتي هل الوعي تعبير عن أحداث العالم الخارجي؟ طبعا الجواب ألقطعي بالنفي، فالوعي وحدة منظومية متكاملة من عملية الإدراك ألعقلي الذي يمّثله تعبير الفكر واللغة التجريدي عن الاشياء والموجودات، لذا الوعي لا يمكن تجزئته الى وعي خارجي وإلى وعي داخلي حتى وإن كانت هذه التجزئة حقيقية قائمة في وحدة عملية الإدراك التي من المحال تجزئتها في تكامل الوعي لكن يمكننا تجزئة الإدراك حسب الطبيعة الانطولوجية للموجودات في عالم الاشياء. في طبيعة وجود موجودات الاشياء في وجودها الواقعي أنها هي مجزأة مسبقا في إدراكها العقلي الحسّي الواحد ولا يترتب على ذلك تجزئة الوعي الإدراكي الواحد ذاته. حقيقة الإدراك تنفرز مصداقيتها ليس بالنسبة الى معيارية زمن ومكان موجودات مدركات الوعي بها في وجودها كمواضيع مادية خارجية أو أنها مواضيع خيالات إدراكية مصدرها ألذاكرة لا تمتلك حضورا فيزيائيا في عالم الاشياء. تجزئة وحدة الإدراك الى إدراك خارجي في معرفة الاشياء، وإدراك باطني داخلي في إدراك عوالم مخيّلة الذاكرة والخيال ومواضيع الإحاسيس الإستبطانية التي تصدرها أجهزة الجسم على شكل رغبات وأيعازات يرسلها الدماغ بضرورة ما يريده الانسان في إشباع تلك الرغبات الغريزية مثل إحساس الانسان بالجوع أو العطش أو حاجة الافراغ أوحاجة تلبية إشباع حاجته الجنسية وهكذا.

ولا يعني هذا قابلية الوعي التجزئة الى وعي خارجي وآخر داخلي كما هو ماثل في تجزئة مواضيع وأشياء إدراكات الخيال.. الوعي وحدة كليّة من الإدراكات التي تتوزّعها الموجودات في إستقلاليتها. وبالوقت الذي يكون الإدراك فيه واحدا لا يمكن تجزئته الإدراكية فإنما تكون وحدة الوعي في ملازمته ضرورة أن كل مدركات الوعي من مواضيع وموجودات مجزأة وليست موحدة.

يشير رورتي أيضا الى تساؤل مفتعل ورد على شكل توضيح قوله " نمّيز بين الكائنات ذات العقول (الانسان) تقابلها الكائنات الفيزيائية التي لا تمتلك العقل مثل الجسد، المادة، والجهاز العصبي المركزي"4

طبعا إذا تماشينا مع حقيقة المادة والكائنات الفيزيائية لا تمتلك عقلا وهو توصيف صحيح فهذا لاينطبق لا على أي جسد نقصد لا يمتلك عقلا؟ ولا على أي جهاز عصبي مركزي نقصد لا يمتلك عقلا؟، من الواضح تجريد هذين العضوين البايولوجين الجسد والجهاز العصبي المركزي من العقل يصبح معنا الإصطدام بحقيقة فرضية خاطئة تماما هي أن العقل مشكوك بوجوده أصلا ؟ لماذا؟ لأن هذين العضوين الجسد والجهاز العصبي هما من ملحقات منظومة العقل الإدراكية العضوية التي يتسّيدها العقل وهي ملحقات تابعة له لا معنى لها خارج منظومة العقل الإدراكية، وبتجريدنا الإفتراضي الخاطيء لكل من الجسد والجهاز العصبي من العقل لا يبقى هناك وجود إدراكي منعزل لهما بإستقلالية موجودية لا يمكن تصورها كونها إستحالة إدراكية للعقل.. قبل أن تكون فرضية خاطئة لا قيمة لها.

إزدواجية الإدراك

إزدواجية الإدراك مبحث قديم في الفلسفة، وبرز الإختلاف بمفهوم الإدراك منذ عصر أفلاطون في إدراك عالم المثل، يقابله ارسطو في وجوب الإدراك لعالم الواقع والطبيعة والموجودات. فما هو مدرك واقعيا لا يحتاج الى برهان حقيقته في وجود غير مدرك بالذهن، لعالم لا يخضع لسطوة مدركات الحواس والعقل.

وبضوء هذا نجد تشكيك رورتي في قدرة العقل الإدراكية ليست مستمدة من واقع الإدراك الحسّي للعقل، وليس واقع الإدراك الذي يقوم على اللاموضوع سواء في الواقع أو في الخيال. فالعقل حين يخدعنا بزيف ما تنقله لنا الحواس، هذا لا يجعل إعتبارنا التشكيك بزيف إدراك العقل حقيقي واقعي، فظاهرة (السراب) التي تنقلها لنا الحواس في زيفها لا ينسحب عليه زيف الإدراك العقلي الطاريء لها، فالسراب كظاهرة فيزيائية زائفة في ظهورها أصلا إنما هي تخدع حاسة البصر ولا تخدع إدراك العقل لها. جون لوك إستنادا الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير، وجوهر التفكير الوجود، إعتبر ما يكون موضوعا لفهم العقل هو فكرة تستمد حقيقتها من مصدر إدراك العقل لها كواقعة ممكنة الوجود.

ديفيد هيوم والادراكات

يذهب ديفيد هيوم ألى أن الإدراكات المتعاقبة وحدها هي التي تخالف الذهن.

ثمة العديد من التعقيبات التي تلزمنا بها هذه العبارة نوردها:

- الإدراكات التعاقبية هي تداعيات أللاشعور المتعاقبة المتسارعة بسرعة هائلة لا يستطيع الذهن تخزينها كإدراكات وتراكم خبرة معرفية نفهم بها ومن خلالها موجودات العالم المحيط بنا. من المهم التفريق بين الإدركات الصادرة عن الشعور وبين التداعيات الصادرة عن اللاشعور.

- الإدراكات التعاقبية هي إدراكات الشعور المرتبط بوصاية العقل وليس بوصاية الذهن التعبير عنها. ومركز إستلام ومعالجة الإدراكات التعاقبية هو في منطقة عصبونية خلوية موجودة بقشرة الدماغ تحتوي الملايين من الخلايا العصبية. وكذا مع تداعيات اللاشعور المسؤول عنها خلايا دماغية أخرى غير مسؤولة عن إدركات الشعور.

- يعتبر هيوم الإدراكات تجريدات مادية ناتجة عن الواقع الذي ينكره ديفيد هيوم على حساب أرجحية الافكار على المادة. – بالمناسبة هيوم لا يعترف بشيء يسمى العقل وينكر الوجود المادي للعالم الخارجي الذي لا يخضع لإدراكات الحواس وما لاتدركه الحواس لا وجود له، كما ويرفض هيوم مبدأ السببية ويعتبرها تعالقات مصادفة تصبح مع مرور الزمن عادة نطلق عليها خطأ (السببية) التي لا تحكم علاقات بعض الظواهر وألاشياء -  ثم أن الإدراكات هي إنعكاسات مؤثرات الواقع على إستجاباتنا الإدراكية العقلية عن تلك الإيعازات الحسّية الواصلة للدماغ وليس الواصلة للذهن الذي يقوم هو بالتفكير وتخزينها كتراكم خبرة مكتسبة بالذهن وهذا عين الخطأ الدارج، فما يدركه الدماغ هو الذي يتمكن الذهن من التعبير عنه بوسائط الوعي والفكر واللغة التي هي نشاطات تنفيذ الذهن لإيعازات الدماغ الواصلة له. الذهن لا يفكر ولا ينوب عن العقل وظيفيا بإصداره إيعازات ردود ألافعال وبالتحديد هي من عمل الدماغ وليس خاصية الذهن.

- التساؤل ألهام هو كيف يمكننا التمييز بين إدراك الشيء، وبين تكوين الافكار عن الشيء؟ ومن منطلق التفريق بين هيوم الذي يعتبر الذهن مصدر إنبعاث الافكار نحو مدركات الخارج، وكما يقوم الذهن بإصدار الإحاسيس الواردة عن إيعازات الجسم الغريزية. فالحقيقة البايولوجية في دراسة فيزياء عمل أعضاء الجسم الانساني تشير الى الحقائق التالية:

- الإدراك الخارجي للاشياء ليست خاصية ذهنية مستقلة بل هي خاصية عقلية، وكل إدراك خارجي لاشياء أو إدراك إستبطاني داخلي لأفكار الذاكرة ، هو فعالية دماغية بيولوجية ترتبط بالعقل مباشرة وليست خاصية ذهنية لا يتداخل بألوصاية عليها الدماغ.

- الذهن ليس مصدر تفكير الانسان بلا مرجعية الدماغ له، والذهن عضو في منظومة العقل الإدراكية التي تستلم إيعازات المدركات الخارجية وتنقلها للدماغ ،أي أن وظيفة الذهن الإدراكية لا تختلف عن وظيفة الحواس الناقلة لإنطباعات الإحساسات في مدركاتها موجودات العالم الخارجي، والفرق بينهما أن الذهن ناقل ومستلم ايضا لمقولات العقل الصادرة عن الدماغ،وفي كلتا الحالتين لا يكون الذهن مصدر تفكير الانسان من غير وصاية بايولوجيا عمل القشرة الدماغية والجهاز العصبي ألمرتبط بهما. .

- الإدراكات الواصلة عن طريق الحواس لا يقوم الذهن تخزينها كخبرة قارّة مكتسبة من عالم الخارج، بل بعد فلترة تنظيم الدماغ لمدركات الحواس الواصلة اليه يعطي ردود الافعال الإنعكاسية عليها للذهن، الذي يقوم بدوره بتخليق الوعي بها وتعبير الفكر واللغة عنها. وكل خبرة تكون مكتسبة وتحمل معها حقيقتها التجريبية الصادقة يكون مركز تخزينها الذاكرة وليس الذهن. ربما يتبادر للبعض أن تعابير مثل الذهن، الذاكرة ، الخيال،الوعي، هي مفردات تجريدية في التعبير عن معنى واحد دلاليا. والصحيح رغم ترابط تلك الحلقات الإدراكية الوثيق بمنظومة العقل الإدراكية، فأن لكل واحدة منها دورا تلعبه ضمن منظومة العقل ألإدراكية التي تحتوي أيضا الجهاز العصبي واللاشعور والنفس وهكذا. ولا تمتلك تلك الحلقات في منظومة الإدراك العقلي أية إستقلالية لوحدها.

- تراكم الإشعارات الإدراكية الواصلة للذهن لاتبقى فيه كخبرة تراكمية يختزنها، بل تتجاوزه الى الدماغ أو بالأصح الى القشرة الدماغية صاحبة الاهلية والكفاءة بإعطاء ردود الافعال عنها. وكذا الحال في إستقبال الذهن مقولات الدماغ الراجعة للذهن كردود أفعال، وفي كلتا الحالتين أستقبالات الذهن للإدراكات الواصلة اليه عبر الحواس والجهاز العصبي الناقل، وإستلام الذهن لها ثانية كردود أفعال إنعكاسية مصدرها القشرة الدماغية، كل هذه الوظيفة البايولوجية لا تمنح الذهن أن يكون مصدر بديل ينوب ويعوّض عن خاصية تفكير العقل.

وضوح الافكار والمصداقية

يدعم اسبينوزا مقولة ديكارت "الافكار الواضحة المميزة صادقة، أما الافكار الغامضة فهي غير كافية أو كاذبة "5

لنا التوضيح التالي:

- قبل البت بزيف الأفكار عن صدقيتها علينا التمييز القبلي بين لغة التعبير بوضوح ولغة تعبير اللغة المعقد الغامض. ولا يترتب على الأفكار الواضحة والافكار الغامضة إستنتاج صدقية أو كذب موضوع التعبير عنه بالفكر واللغة. فالوضوح والغموض بالفكر لا يصح معيارا يفرز بين ما هو صادق عن ما هو كاذب. الوضوح والتعقيد بالافكار لا يغير من ماهية الموجود في إستقلاليته بالعالم الخارجي. ومعيارية الصدق والزيف لا نستدل عليها من تعابير الفكر واللغة عنها، بل المعيار هو محاكمة العقل لها وتمحيصها وتدقيقها. أننا نجد أن فيلسوف اللغة فينجشتاين سقط في هذا الابتذال التعبيري حين أكد أن كل ما هو غامض في تعبير اللغة عنه يكون بالنتيجة زائفا لامعنى له لذا يتوجب الصمت عنه، وروّج لهذه الفكرة كلا من جورج مور وراسل قطبي التحليلية الانجليزية بأختلاف معروف بينهما.

- لم تكن فلسفة اللغة والتحول اللغوي وفائض المعنى معروفا متداولا في الفلسفة في القرن السابع عشر عصر ديكارت، لذا نجد اسبينوزا يبني حكمه على صدق أو كذب التعبير عن الشيء خارج معيار الغموض والوضوح باللغة بمرجعية اللجوء الى الله عندما يعجز العقل أن يمنحنا معيار الصدق بالحياة. فيقول " معرفة الله هي المعرفة الاكثر يقينا في كل ما لدينا من معارف، وما عداها من حيث أنها ممكنة نستمدها من معرفتنا الله، أو يمكن على الاقل النظر اليها على ضوء معرفتنا بالله ." 6

هنا يخرج اسبينوزا عن المنهجية التجريبية العقلية عند الفلاسفة السابقين عليه واللاحقين بعده مثل باسكال وبيركلي في محاكمتهما الايمان الديني بالله هو المرجعية الاكثر موثوقية لقبول أو رفض كل شيء لا يتماشى مع هذا التعالق الفلسفي السببي، لكن التساؤل المحرج الذي يبقى بلا جواب،اذا كان الشخص لا يمتلك أيمانا دينيا بالله. فما هو معيار حكمه على صدق الافكار من زيفها؟ هل نعاملها بالوضوح والغموض اللغوي كما زعم ديكارت ومن بعده فينجشتين وجورج مور وبيرتراندراسل، أم يبقى تعطيل العقل في معرفة أفكار مدركاته هو الحل؟

مثالية بيركلي

يعتبر بيركلي الأنا المدركة للاشياء أو الذات مرتكزا محوريا في الموضوعات التي تحيط بالانسان أو بالاحرى بالأنا المنفردة في إدراكها، ويبني على هذا الخطأ خطأ آخر أكبر منه على أنه لا شيء يمكن أن يكون موجودا، الا عندما تكون ذاتا متحققة الوجود، وهي نتيجة لا تلزم أحدا من الواقعيين أو الماديين الأخذ بها. هذه المثالية المفرطة في نكران الوجود من غير مزامنة الذات أصبحت من كلاسيكيات الأخطاء التي جرى تخطئتها في أدانة مثالية فلسفة بيركلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

1- د.امل مبروك /الفلسفة الحديثة ص 103

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه ص 116

6- نفسه ص 119

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5269 المصادف: 2021-02-07 11:07:56


Share on Myspace