 أقلام فكرية

الخيارات الاخلاقية بين الرغبات والوعي

حاتم حميد محسنالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط وُلد عام 1724 وتوفي عام 1804. كتاباته الفلسفية اثّرت في الناس ليس فقط في اوربا وانما في كل العالم. لاحقا وبعد عدة قرون، لاتزال أعماله تشكل مرجعية اساسية في مختلف الدراسات التي جرت في العالم الحديث. كتاباته أدخلت بعداً جديدا في الدين والقانون والتاريخ. ومن بين العديد من أعماله كان "ميتافيزيقا الاخلاق". رؤيته للاخلاق تتجسد في قاعدة الاخلاق الإلزامية المطلقة التي تقترح ان الأفعال يجب ان يكون بالإمكان تصنيفها عالميا اما أخلاقية او غير أخلاقية .

اما بالنسبة الى جون ستيوارت مل فقد كان فيلسوفا بريطانيا وُلد عام 1806 ومات عام 1873. هو ساهم ايضا بقوة في تطوير الرؤى الفلسفية التي استمرت تؤثر في مختلف مظاهر الحقول كالسوسيولوجي والسياسة والاقتصاد. ومن بين العديد من انجازاته كانت نظرية النفعية التي توضح الأخلاق. يجادل مل ان الفائدة او القيمة الأخلاقية للفعل تتقرر حسب المنفعة منه (المتعة او القناعة المشتقة من نتيجة الفعل). يبدو ان مل كأنه يقترح ان عواطفنا ورغباتنا تشكل الأساس الذي بموجبه نحكم على أخلاقنا. فمثلا، اذا كان قول الكذب لشخص آخر يضمن تحقيق الرغبة بالعيش بانسجام مع الناس الآخرين، فان فعل الكذب هذا سيُعتبر أخلاقيا، مسترشدا بتلك الرغبة. بالمقابل، في جدال كانط في ميتافيزيقا الاخلاق، هو يرى هذا كنقص في المعايير لأنه يعني المساومة او القبول بالكذب، والذي هو حسب رأيه يجب ان يُعمم كشيء غير أخلاقي سواء كانت ام لم تكن هناك متعة مشتقة منه. هذه الرؤية تشكل الأساس للمقارنة بين مل وكانط .

دور الرغبات والعواطف

طبقا لكانط، الرغبات والعواطف ليست هامة في خياراتنا للتمسك بالاخلاق او رفضها . هو يرى ان الاخلاق هي مسألة إحساس فطري عام بالواجب بصرف النظر عما يشعر به المرء اثناء الوقت الذي دُعي به لذلك الواجب. كانط يقول لا يوجد شيء يمكن اعتباره جيدا بعيدا عن الرغبة الخيرة والتي هي البوصلة الاخلاقية التي تكون دائما هي الموجّه في البحث عن الخير. هو يقول ان الافعال المسترشدة بالاخلاق هي ليست للبحث عن المكافأة وانما لإنجاز الواجب الذي هو الاحساس الباطني بالصحيح والخطأ، سواء كانت هناك قناعة ومتعة ام لم تكن، وسواء كانت رغباتنا اُشبعت ام لم تُشبع، وعواطفنا هدأت ام لم تهدأ. في رؤيته، الاخلاق هي متفوقة على العواطف والرغبات. نظريته تحمل الكثير من اتجاه الاخلاق الفاضلة او اخلاق الواجب المرتكزة على الشخصية .

في مبدأ المنفعة، يشعر مل بقوة ان السعادة والمتعة التي تُشتق من نتائج الفعل يجب ان تكون دائما المرشد في عمل الأشياء. فمثلا، في السعي نحو السعادة، اذا كانت نتيجة الفعل انه يترك عدد كبير من الناس يشعرون بالرضا عندئذ فان نوع الفعل لايهم حقا، ما يهم هو انه يجلب السعادة والانسجام. هذا ما يُعرف بحسابات المتعة التي تتميز بقواعد ورموز حول ما يُفترض عمله في كل مناسبة من أجل إسعاد اكبر عدد من الناس. في رؤيته، ان الرغبات والعواطف متفوقة على الأخلاق. وهكذا طبقا لمل، الاخلاقي هو نسبي يرتكز على رغبات وعواطف المرء وان المنفعة المشتقة من الفعل تعتمد على كثافة الفعل ومدته، وعلى تأكيده او نقصه. ولكي يؤكد نظرته، يقتبس مل من سقراط القول "من الأحسن ان تكون انسانا غير مقتنع بدلا من ان تكون خنزير مقتنع"وهو هنا يشتق مختلف مستويات المتعة من مختلف الأفعال.

يبدو ان مل يقترح ان الرغبات والعواطف يجب ان توضع فوق العقل. وفي مثال ورد في كتابه، لو ان التحرش بولد صغير ووحيد ينتج سعادة مقابل السعادة الناتجة عن الفضائل، عندئذ فان التحرش يُعد مبررا. نظريته كأنها تقترح ان الناس لا يجب اعتبارهم مسؤولين عن افعالهم، لكن عواطفهم يجب ان تجعلهم مسؤولين. العواطف والعقل لا يتعايشان، لذلك، طالما الافعال تسترشد بالعواطف، فان الناس لا يجب ان يُعتبروا مسؤولين عن عواطفهم لأنه من الشائع جدا ان يتصرف الناس من عواطفهم اكثر مما يتصرفون انطلاقا من عقولهم. فمثلا، من المألوف ان نسمع الناس يقولون "انهم غيرقادرين على منع انفسهم من الشعور بالطريقة التي تصرفوا بها حول ذلك الشيء".

التشابه بين كانط ومل

أحد اوجه التشابه بين الفيلسوفين هي انهما كلاهما يتفقان على ان الاخلاق هي دائما تتحفز بشيء ما، انها ليست مجرد ان تحدث فقط. هما يختلفان حول القوة الدافعة وراء الاخلاق، واذا كان مل يشعر ان الاخلاق دائما حول الرضا، كانط يشعر انها دائما حول الواجب نحو الانسانية وهو الفرق الاساسي بين الاثنين.

اذا كان كانط يدعو لإعتبار الوعي هو القوة الدافعة للأخلاق في كل الاوقات، نجد مل يدعو لكي تكون الاخلاق مندفعة بقوة الظروف والمواقف والتي لا يجب ان ترتكز على العقل او عوامل الادراك. كانط يدعم فكرة ان الواجب نحو الانسانية هو اكثر اهمية من اشتقاق السعادة من الأفعال. مل يدعم فكرة ان رضا الرغبة والعواطف اكثر أهمية من الواجب نحو الانسانية. اذا كان مل يعتبر العواطف القوة المحركة للانسان نحو الجيد او السيء، نجد كانط لايعتبر العواطف ويقول انها ليس لها مكان في الايمان بما هو خير او سيء. مل هو أنوي بمعنى يعيش للزمان والظرف الذي هو فيه، بينما كانط اكثر عقلانية كونه يتمدد نحو المستقبل ليرى قيمة عملنا الآن في المستقبل .

أي الفيلسوفين اكثر اقناعا؟

ربما كانط هو الفيلسوف الاكثر اقناعا. هذا بسبب انه في توضيحه لأساس الاخلاق، هو يقول ان الاخلاق يجب ان تكون عالمية وهذا يشكل اساسا جيدا للحكم على ما هو صحيح او خطأ. كيف نستطيع الحكم على من يرتكب فعلا خاطئا كشيء جيد او سيء اخلاقيا لو أخضعنا الفعل الخاطئ للعواطف والرغبات بحثاً عن الرضا؟ اذا كان هذا هو الاساس الذي نُحكم بموجبه على افعالنا الخاطئة عندئذ كل شخص سيذهب بلا عقوبة لأن اولئك المخطئين لو اشتقوا المتعة من عمل أي شيء خاطئ، عندئذ ليس لدينا سبب للحكم عليهم او معاقبتهم لأنهم حسب وجهة نظرهم لم يفعلوا أي شيء خطأ، هم فقط يبحثون عن المتعة والرضا. وبالنهاية لا وجود لعقوبة قانونية تعاقب من يمتلك العواطف.

 

حاتم حميد محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5270 المصادف: 2021-02-08 03:15:01


Share on Myspace