 أقلام فكرية

الأورجانون الأرسطي.. أول كتاب علم البشرية التفكير العلمي! (1)

محمود محمد عليبعد وفاة ارسطو عام 322 ق.م. قام تلاميذه بجمع مؤلفاته وترتيبها وتنظيمها؛ فجمع عددًا من الرسائل ضُمت معا، ووضعت تحت عنوان الأورجانون أو آلة العلم، وأخذت كلمة المنطق معناها الحديث بعد ذلك بحوالي 500 سنة حين استخدمها الإسكندر الأفروديسي. وتحدد مجال دراسة المنطق بهذا الأورجانون، إلا أن هذه الكتابات لم تشكل كلا مرتبا لأنها كُتبت في أوقات مختلفة، وفي غياب خطة واحدة بعينها . كما أنها لم تنشر في حياة ارسطو نشرًا التزم فيه ترتيبا معينا، وكل ما حدث أنها كانت تتناول متفرقة. لذلك يصعب تحديد تواريخ لأعمال أرسطو، ولو بصورة تقريبية؛ فكثير منها كان في صورة مذكرات قصيرة يُستعان بها في المحاضرات، فضلاً عن أن عادة أرسطو قد جرت على أن يعيد تصحيح هذه الكتب باستمرار، ويستخدمها في الكتابات اللاحقة . وعلى كل حال، فإن ترتيب كتب أرسطو المنطقية على يد تلاميذه قد شكل التركيب المعروف للأورجانون الارسطي منذ أواخر الأزمنة القديمة .

ويتألف من ستة كتب منطقية مرتبة على النحو التالي:

1- المقولات Categoria Seu Praediecamenta، ويتناول مجموعة أساسية من المفاهيم. ويطلق على الفصول الخمسة الأخيرة اسم ” لواحق الحركة Post Praediecamemta .

2- العبارة  Perihermenias Seu Interpretatione، و يعالج تحليل القضايا والأحكام .

3- التحليلات الأولى Analytica Priora، ويتناول بالدراسة نظرية الأقيسة.

4- التحليلات الثانية: Analytica Posteriora (كتابان)، ويعالج نظرية البرهان العلمي .

5- الجدل Topica، Seu De Locis Communis (ثمانية كتب)، ويعالج فن البرهنة المحتملة .

6- السفسطة De Sophisticis Elenchis، ويعد هذا الكتاب بوجه عام الكتاب التاسع من الجدل ، وهو يعالج رفض الحجج السوفسطائية .

هذه الكتب الستة لا شك في نسبتها إلى ارسطو، وإن كانت هناك بعض الشكوك قد حامت حول كتاب المقولات، ذلك لأن الفصول الخمسة الأخيرة ” لواحق الحركة ” تبدو غريبة عن بقية الكتاب وطريقته . ويبدو أن هذا الكتاب كان ناقصاً، ثم جرى إتمامه بطريقة ملتوية، لذلك يغلب الظن أنها ليست من عمل أرسطو، بل من عمل أحد تلاميذه الأولين، ويخص المؤرخون بالذكر هنا ” ثاوفراسطس ” و” أوديموس”، وإن كانت فيها روح أرسطو سائدة، فهي علي الأقل لا تنطوي على شيء يُناقض تعاليم أرسطو، وهي وإن كانت من وضع تلميذ، فهو تلميذ وفي. وأن دلالة هذا الترتيب، هو أنه يبدأ من المفاهيم (المقولات)، ثم ما يتألف من دمج لمفهومين، وهي القضايا (العبارة)، فالقياس الناتج من دمج ثلاث قضايا (التحليلات الأولى)، فنصل هنا إلي النظرية الأساسية للاستدلال، تلك التي نقوم بدراستها في تطبيقاتها الرئيسة وفقاً لترتيب يبدأ من الأعلى إلى الأدنى: قياس برهاني (التحليلات الثانية)، فقياس جدلي (الجدل)، فقياس مغالطة ( السفسطة) .

وقد لاحظ عالم المنطق الفرنسي “روبير بلانشيه” في كتابه الشهير تاريخ المنطق من أرسطو حتي راٍسل": أن هناك شيئا من الافتعال في هذا ترتيب الأورجانون الأرسطي، ذلك لأننا لا نجد عند أرسطو في أي من أعماله نظرية متطورة عن ” المفهوم ” أو التصور، وكتاب المقولات لا يعالج هذا الأمر، بل يعالج تلك المفاهيم التي هي مقولات. هذا فضلاً عن أن أرسطو توصل إلى نظرية القياس في وقت متأخر نسبياً، ومن المؤكد أنه لم يكن قد توصل إليها حين كتب ” المقولات ” و ” العبارة ” . لذلك كان من الصعب أن نجعل هذين الكتابين مقدمة لنظرية القياس التي لم تكن قد ولدت بعد، ومن ثم لا يمكن أن تكون الكتب التالية لها تطبيقا لها، وهذا من شأنه أن يوحي بأن ترتيب الرسائل في الأورجانون لا يتطابق أيضا، وزمن تأليفها .ومع اعتراف “بلانشيه” بعدم وجود معايير خارجية دقيقة لمعرفة الترتيب الصحيح لكتب أرسطو، مثل إشارات من أرسطو، أو أحد المؤلفين القدماء، فإنه يطبق بعض المعايير الداخلية التي من أهمها تحليل كتب أرسطو من حيث مستواها المنطقي، لأن بعض كتب الاورجانون لا يتجاوز نصوص أفلاطون ومعاصريه، في حين يدل بعضها الآخر على قدرة منطقية خارقة، وعلى هذا الأساس وصل “بلانشيه”، كما وصل غيره من الباحثين، إلى ترجيح ترتيب كتب الأورجانون الأرسطي على النحو التالي:

1- المقولات .

2- الجدل .

3- السفسطة .

4- العبارة .

5- التحليلات الأولى.

6- التحليلات الثانية .

وهناك من الباحثين من يجعل ” التحليلات الثانية ” سابقا على ” التحليلات الأولى”، وهذا خطأ، لأننا نجد في ” التحليلات الثانية ” إحالات إلى نظرية القياس التي عرضت بالفعل في ” التحليلات الأولى” من قبل . وهكذا نري أن ” الأورجانون الأرسطي ” الذي نعرفه اليوم لم يكن من ترتيب أرسطو . كما أنه لم يكن يراعي الترتيب الزمني لهذه الكتب، وإنما كان من عمل تلاميذ أرسطو، وربما راعوا فيه الانتقال من البسيط إلى المركب، ومن المبادئ إلى تطبيقها .

وقد أضاف شراح أرسطو المتأخرون؛ وبالذات الإسكندر الأفروديسي، كتاب المدخل (إيساغوجي) الذي وضعه فوروفوريوس، وهو نوع من التقديم العام لمجمل المنطق، إلى هذه القائمة على أنه مجرد مقدمة لهذه الكتب التي تشكل ما يسمي بالأورجانون الأرسطي . لذلك لم يجد المتقدمون بأسًا من إقرار هذا الكتاب بغرض تيسير فهم كتب أرسطو الأخرى؛ فقد روى ” القفطي” في كتابة " إخبار العلماء بأخبار الحكماء ": أن:”البعض راح إلى فورفوريوس يشكو له خللاً داخلاً عليهم في كتب أرسطو ” ففهم ذلك وقال: كلام الحكيم (أرسطو) يحتاج إلى مقدمة، قصُر عن فهمها طلبة زماننا لفساد أذهانهم . وشرع في تصنيف كتاب إيساغوجي، فأخذ عنه، وأضيف إلي كتب أرسطو، وجعل أولًا لها، وسار مسير الشمس إلي يومنا هذا ” .

وهكذا أصبح إيساعوجي جزءا لا يتجزأ من الأورجانون الأرسطي؛ ولذلك وجدنا المستشرق “ديلاس أوليري” في "كتابه الفكر العربي ومكانته في التاريخ "يؤكد أن:” كتاب إيساغوجي Isagoge أو مقدمة مقولات أرسطو لفورفوريوس، قد اُستعمل قرونًا عديدة في الشرق والغرب بوصفه أوضح المتون التي تتناول منطق أرسطو، وأضبطها من الناحية العملية .. وأن هذا المنطق قد لقي شهرة عظيمة بامتياز عرضه في إيساغوجي ” .

ومن جهة أخرى فإن إضافة إيساغوجي إلي الأورجانون قد وجدت قبولاً وترحيباً أيضا من قِبل شراح مدرسة الإسكندرية الذين توسعوا فيه وأتموه، وعلي رأسهم “سيمبليقوس “و”أمونيوس”، اللذين حاولا أيضا إضافة كتابي الخطابة، والشعر لأرسطو ضمن الأورجانون الأرسطي، وفي هذا يقول العالم المنطقي الإنجليزي “نيقولا ريشر”:” ولدينا قدر طيب من المعلومات عن ترجمات السريان لمنطق أرسطو، ومازال الكثير منها موجودًا، وقد نشر بعضها (ويضم هذا كتب المقولات، والعبارة، والتحليلات الأولى) . وكان إيساعوجي فوروفويوس قد وضع على رأس الأورجانون المنطقي بوصفه مقدمة له، ثم أُضيف كتاب الخطابة وكتاب الشعر في النهاية (وقد أحدث الكتاب الأخير نوعا من الاضطراب للكتاب السريان – مثلهم في ذلك مثل خلفائهم العرب – إذ كان الأدب اليوناني، علي عكس العلم اليوناني والفلسفة اليونانية – كتابا مغلقا بالنسبة لهم تماما . ونتيجة لذلك وصل شراح المنطق الأرسطي من السريان إلى التنظيم الأساسي التالي للأعمال المنطقية . إيساغوجي (فورفوريوس)، المقولات، العبارة، التحليلات الأولى، الجدل، السفسطة، الخطابة، الشعر، وكان من المعتقد أن هذه الكتب التسعة تتعلق بفروع للمنطق متميزة نسبيا، ويقوم كل منها علي نصه القانوني . وقد أخذ العرب هذا البناء للمنطق الأرسطي، وأفضى بهم إلى التنظيم التالي لمادة موضوع المنطق” ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5278 المصادف: 2021-02-16 01:24:41


Share on Myspace