 أقلام فكرية

لماذا يغيب التسامح؟!(1)

سامي عبد العال"عندما تريد الثقافة العربية التّملص من وجود الآخر، تحيله إلى مجرد تابعٍ اخلاقي..."

"المفارقة أننا نتحدث عن تسامح بلا تنويرٍ حقيقي مما يجعله مهدداً بالإكراه والصراعات ..."

"يجب أنْ يكون التسامحُ فعلاً إنسانياً حُراً من أجل الإنسان لا غير ..."

تقديم:

يشكِّل التسامحُ إطاراً ضرورياً للحياة الإنسانية، ويسهم في بناء المجتمعات التي قد لا تعي مبادئه وأطره في غالب الأحيان. ولكن ليست كل ضرورة مرغوبةً عن طيب خاطرٍ، بل هي كالدواء نتجرعه عادة للاستشفاء وإلَّا فالموت هو البديل. ولذلك فقد يَغِيْب التسامح (أو بالأحرى يُغَيَّب) استناداً إلى جذور العنف وتاريخه. وفي حال غيابه، يعني أنَّ هناك خلَّلاً بنائياً يعصفُ بتنوع أنماط العيش وتصوراتنا حول الآخر. السؤال إذن: ماذا وراء تَعثُر خطاب التسامح، وما هي جوانبه الغائبة؟ هل بالإمكان تسييس التسامح إزاء ظواهر العنف؟! هل السياسةُ تمسُ شيئاً أصيلاً فيه أم عرضيَّاً؟!

لا تحتاج الإجابةُ إلى مشقةٍ كبيرةٍ، إذ يكاد يتلاشى التسامحُ في المجتمعات الأدنى اهتماماً بالإنسان، بل لن يتميز عندئذ بأيُّ معنى يُذكر. لأنَّ وجودنا المتنوع هو الفضاء الرحب للالتقاء معاً human co-existence. فنحن نتسامح لكوننا أُناساً نستطيع تقديم شيءٍ من وجودنا للآخر. وكلُّ محاولةٍ تُخطيءُ تلك الفكرة ستُسمى بأيِّ عنوان مغايرٍ إلّا أنْ تكوُن تسامُحاً. فقد تصبح هدنةً أو عقدَ صفقةٍ أو تبادلَ مصالحٍ أو تخطيطاً براجماتياً للمستقبل أو إعادةَ ترتيب أولويات الصراع، لكن التسامح (في كل أحواله) سيفترضُ طريقاً مختلفاً عن منطق سلطةٍ ما تُغلِّب فئةً على سواها.

وجُه الإشكال كالتالي: أنَّ الإنسان هو نحن في صورة الآخر باختلاف توجهاته ومعتقداته. وما لم نتطلع إليه على المستوى ذاته، فلن تُوجد غيرُ الكراهية بمسمياتٍ شتى. فهل نتسامح عادةً تحت التهديد، أي تحت الضغوط من سلطةٍ ما؟ إننا كمجتمعات شرقيةٍ نحتاج الالتقاء بالإنسان بما هو كذلك من وراء ركام الأحداث والمذاهب والاصوليات المتطرفة التي استباحت وجودنا الحي. وبخاصة مع تسارع وتيرة العنف الديني وموجاته بفعل تنظيمات الارهاب (الإخوان والقاعدة وداعش والسلفية الجهادية وبوكوحرام والجماعة الاسلامية المقاتلة وجبهة النصرة...). التنظيمات التي دمرت المجتمعات وأحيّت تراث الحروب المقدسة وأشعلَّت الأخيلة الدموية بحثاً عن الثأر التاريخي من أهل الديانات الأخرى!!

الحاصلُ أنَّ التسامحُ يصبح ممكناً فقط عبر دائرة الإنسانية التي تجمعنا والآخرين دون تفرقة. وأنَّ الإنسانية يستحيل اختزالها بأي شكلٍّ من الأشكال، وما نحن إلاَّ وجوهٌ ممكنة لتجلياتها المختلفة. الفرضية الأساسية هكذا: " يغيْب التسامحُ لو اعتمدَ على صور الثقافة العنيفة (أشكال السلطة والقُوى الغالبة والفئات والكيانات العامة والطوائف والمذاهب والجماعات الدينية...). إذ يستحيل للتسامح أنْ يكون مشروطاً بالدين أو حالات فردية أو ايديولوجية أو سياسية أو أخلاقية!!.. وإلَّا لأعادَ تشغيل حالاتَ التعصب والكراهية مرةً ثانيةً.. فكلُّ تسامح ينبغي أنْ يُكون للإنسان كإنسانٍ أو لا يكون من الأساس".

إنَّ أي مخطط للتسامح والمصالحة قائمٌ على أغراض سياسية يعدُّ تسامحاً فاشلاً، وسيكون نوعاً من القمع وإدارة الصراع بأدوات ناعمةٍ soft tools. ولعلَّ التاريخ الدلالي للمصطلح tolerance يثبت كونَّه قد وُلد في سياقٍ صراعي ترك بصمات ثقافيةً عليه حتى اللحظة. وهو ما أدخله حيز الأنظمة السياسية الديكتاتورية، حين تُعلي من نبرات خطاب ديماجوجي demagogue discourse للتسامح (الكلام الاستهلاكيConsumer) لتأكيد قوتها المهيمنة على الشعوب. ولذلك ستكون الثقافات التي يسود فيها عنف السلطة على محك الاختبار. وسيصطدم خطاب التسامح- عاجلاً أم آجلاً- مع الفجوات التاريخية السائدة في علاقات الديانات والاتجاهات السياسية داخل المجتمع.

تسييس المفهوم

لا ينطلق أيُّ تسامح بملء الكلمة من مرجعيةٍ غير إنسانية non-human reference مع أنْ تاريخه قد يخالف مع ذلك. ونحن نعرف أنَّ الثقافتين الغربية والعربية تلحقانه بالدين والأيديولوجيا والأخلاقيات، بحكم نشأته في إطار لاهوتي سياسي كما في القرن السادس عشر والسابع عشر من عصر التنوير الأوروبي، وهذه النشأة تركت بصماتها على مصطلحاته وردود أفعاله حتى اللحظة[1]. والتسامح في دائرة الدين بمجمل أنماطه لا يتكلم إلاّ تعصُباً، بينما في مجال الحقوق والعدالة سينطق تعدداً وتنوعاً. لأننا حين نتسامح، يجب(الاعتراف) الوجودي والحياتي والمصيري والحقوقي بالآخر أيا كان. وحتى عملية التسامح ذاتها حينئذ لن يكون أحدُ أطرافها قابضاً عليه كأنَّه عملية تَفضُل(مَنْ، تكرُم، تنازُل، استعلاء، استقواء..) أو تقرير مصير للآخر( تحديد وجوده، التساهل معه، السماح بحركته، غض الطرف عنه..).

والآن سأتتبع خيطاً دلالياً في التسامح سيكشف طبيعته وملابساته، وكيف يمكن فهمه والتعامل معه تباعاً. في المعجم الغربي عبرت كلمة التسامح  toleranceعن عدة معانٍ[2] وجدت بها هذه الهندسة الدلالية semantic geometry، فالكلمة تعني:

أولاً: القدرة (القوة) على التسامح (والتي قد تستند إلى سلطةٍ ما).

ثانياً: القائم بالتسامح (فئة أو جماعة ما لا أفراد).

ثالثاً: المتسامَح معه (فئة أو جماعة أيضاً).

رابعاً: بالتبعية آثار التسامح (الوضع الكلي للوجود معاً- حدود التسامح).

خامساً وأخيراً: إدارة التسامح (المرجعية، المجتمع، الثقافة):

Capacity to endure pain or hardship: Endurance, Fortitude, Stamina.

أي (القدرة على تحمل الألم أو المشقة: معنى التحمل، القوة، القدرة على التحمل).

وهذا المعنى يعبر عن وجود شيء ضاغط ممكن تحمله أو لا يمكن ذلك، وأنَّ الفاعل ماثل في العملية ضمناً، وأنَّ الطرف القائم بالتسامُح عليه التحمل لأسبابٍ ما. والتحمل يشكل ماهية الفعل برمته، لكونه نوعاً من التجاوز والتسامي رغم المرارة والندم والتناقض في قاع المعنى الحاصل. أي أننا قد نندم على تحمل الآخر ونريد التسامي عن ذلك أيضاً. وهذه بداية الخيط الذي يمتد مع الصراعات الدينية والسياسية المشوبة بهذا التناقض. وكأنَّ الخيط يقول عليك ألَّا تنسى ما حدث لك ولكن عليك التحمل أيضاً أو يا ليت لديك القوة للتحمل. وهذا مع بنية الثقافة يعني: أن هناك عنفاً كبيراً كان مقدمةً لقيام التسامح بل لنجاحه لاحقاً. ومن ثم سيكون التسامحُ قائماً على تناقض بنيوي سرعان ما يتأجج لو أتيحت له الظروف التاريخية والثقافية. مثل أحداث التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تحدث في التاريخ السياسي للمجتمعات غير الناضحة إنسانياً. ورغم التسامح إلاَّ أن القائم به يظل شاعراً بالمرارة والخيبة أحياناً مع الذاكرة الجمعية (مثل أحداث العنف الدموي بين التوتسي والهوتو في رواندا).

Sympathy or indulgence for beliefs or practices differing from or conflicting with one's own.

(التعاطف أو التساهل مع معتقدات أو ممارسات تختلف عن معتقدات الفرد أو تتعارض معها)

ينطلق المعنى من مركزيةٍ ما تعاطفاً مع الآخر كنوع من التقارُب والتفضُل. وأما التعاطف فيطرح بالمثل فكرة من يبادر بالتسامح، ولا سيما بصدد دلالة التساهل التي تعنى غضَّ الطرف إزاء المختلف اعتقاداً وحياةً. والتساهل ينضحُ بما في جوف الكلمة من أن المُتسامِح يستطيع عدم التسامح بالمثل، لكنه تساهل إزاء الطرف الآخر. والسؤال يبقى شاغراً: لماذا يتساهل هذا الانسان؟ وما الذي يدفعه لذلك الهدف؟ وهل التساهل يبقى محتفظاً بإقصاءٍ من نوع ما؟  وهل التساهل نتيجة غفلة( دون قصد) أم بشكل مقصود أم رغماً عن أنفه؟ وتلك الأسئلة تفتح باباً خلفياً للتوظيف السياسي والأيديولوجي. وهو الباب نفسه الذي تتسلل منه الكراهية وإثارة الفتن والقلاقل في تاريخ الديانات.

The Act of allowing something: Toleration

(فعل السماح بشيء).

وهو فعل (سَمَحَ) كفعل مبذول على نحو مستمرٍ، حيث يعبر عن السماح بشيء ما، أي يجمع دلالة التغاضي عن التشدد والمنع وكذلك المرونة إزاء المختلف. يبدو أن تركيب المعنى سياسياً يلقى قبولاً لدى منظري السياسة المعاصرين الذين يوافقون على هذا المعنى بخلاف المعاني الأخرى، لأنَّه غير مشروط ولا منحاز سلفاً كأنه القاعدة لكل تسامح. لكن المعنى يضمر وجود الفاعل، أي من هذاwho is this الذي يستطيع السماح بالشيء المقصود. وربما يتعثر المعنى هنا حين ندقق في من يسمح ومن لا يسمح وإمكانية أنْ توجد سياسات خلف هذا الفعل.

The Allowable deviation from a standard especially: the range of variation permitted in maintaining a specified dimension in machining a piece.

أي:(الانحراف المسموح به عن المعيار خاصة: ولاسيما في الأشياء المادية يظهر مدى التباين المسموح  للتغير عن النموذج الموضوع).

هذا المعنى من أكثر المعاني نقلاً للعنف، ويؤكد وجود معايير صارمة للتسامح، وليست الصرامة عملاً عرضياً، لكنها تأتي على نحوٍ جوهري وأنَّ المعايير لا تجري كمعايير عامةٍ سياسية أو اجتماعية إلاَّ بمقدار وجود انحرافات تثبتها وتؤكدها. بمعنى أنَّ الانحراف ليس خرقاً للمعيار أو للثقافة السائدة، لكنه يدعمها ويدفع باتجاهها. وفي حالة التسامح سيأتي ضيقاً وتحت عين المعايير التي قد يحددها المجال العام طالما تسود ثقافة القمع والاقصاء. والتسامح هو الاستثناء وغير القابل للاحتمال إلاَّ عرضاً، وهو الحدث الشاذ وغير الممكن دون إمكانية المعيار ذاته. وهذا يظهر في الأيديولوجيات الدينية والسياسية حين تضع شروطاً للتسامح مع الأقليات والطوائف.

The Capacity of the body to endure or become less responsive to a substance (such as a drug) or a physiological insult especially with repeated use or exposure developed a tolerance to painkillers also.

(تأتي الكلمة بمعنى قدرة الجسم على التحمل أو أن يصبح أقل استجابة لمادة (مثل عقار) أو عملية فسيولوجية خاصة مع الاستخدام المتكرر أو التعرض المتطور، قدرته على تحمل المسكنات أيضاً)

ورغم الاشارة الطبية الواردة بالنسبة للجسم، غير أنَّ معنى التسامح البعيد أن الجسم الاجتماعي social body يُقاس بدرجات تحمل الآخر المختلف، وبدرجات التنوع العرقي والثقافي والديني الحاصل عبر مستوياته التاريخية. لأنَّ أي جسم اجتماعي بمعناه الرمزي يحتاجُ إلى وجود مساحات من الحرية والحركة كي يحافظ على حيويته الثقافية التي تحقق تاريخاً ما. وأمَّا في الوقت الذي تتقلص تلك المساحات وتضيق لحد الاختناق، ستكون درجة تحمُل الجسم الرمزي ضعيفةً، ولا سيما أنَّ العنف شيء جوهري في الأبنية الثقافية والسياسية للمجتمعات. لكن تكريسها قد يؤدي إلى انفجار كامل البناء وإلى وجود ثغرات غير محتملة في أشكال من الصراع والحروب والعدوانية.

وهذا ما دعى فيلسوفاً مثل فلاديمير جانكلفيتش   Jankélévitchللتساؤل تحت عنوان دال إزاء مرتكبي الجرائم ضد الانسانية "هل يجب أن نصفح عنهم؟ ليجيب كالتالي: أنَّ الجرائم ضد الانسانية غير قابلة للتقادم imprescriptible, وأنه لا يمكن تجاوزها بسهولة مع الزمن ولا يمكن أن تسقط العقوبات ضد مرتكبيها[3]. أي هي جرائم يصعُب على الجسم الاجتماعي أن يتحملها أخلاقياً، لأن التزامنا بحدود الإنسانية لم يستوعب الأضرار الجسيمة بها.

Relative capacity of an organism to grow or thrive when subjected to an unfavourable environmental factor.

(القدرة النسبية للكائن الحي على النمو أو الازدهار عندما يتعرض لعوامل بيئية غير مواتية)

دوماً هناك قضية أهمية تطور التسامح إلى اشكال من الاعتراف والعدالة والحرية والمساواة. وتلك مفاهيم قد تكون غريبة على المجتمعات ذات الأطر الدينية والعرقية والأيديولوجية كالمجتمع العربي، لكن التطور غدا سريعاً في شكل الدولة الليبرالية حيث الاعتراف الحقوقي العادل بكل حيوات الآخر. والتسامح لا ينفصل بحال عن عوامل القصور والكبح في هذه المجتمعات. ولذلك هو مشكلة تتطلب معالجات من جنس العنف نفسه، أي ينبغي أنْ يكون تسامحاً عميقاً على المستوى ذاته من تكوين الكراهية والعنف. وأية معالجة تستند إلى مظاهر التسطيح واللقاءات السياسية لن تجدي في هذا الشأن.

في الثقافة العربية، تتحدد معاني التسامح بدلالات بيئية عنيفة تاريخياً ولغوياً، فلم يكن التسامح معروفاً في مجتمعات العرب، وتكاد معانيه تنقل جذور الكراهية التي هي جزء من البنية التاريخية للوعي بالحياة. أبرز قول شعري يعبر عن ذلك ورد ضمن معلقة عمرو بن كلثوم:

ألاَ لا يجهلَّن أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِّ الجاهلين

ونشرب إنْ وردنا الماءَ صفْواً ... ويشربُ غيرُنا كدراً وطيناً

وإذا بلغَ الفطامَ لنا وليدُ ... تخرُ الجبابرَ له ساجدينا[4]

والشعر ليس فقط ديوان العرب، لكنه يمثل شفرات لجينات ثقافية ترسم تحولات الوعي من عصرٍ إلى آخر، لأنَّ إيقاع المفاهيم يأتي إلى ذاكرة العرب بلاغياً، وهذا يضيف للمفاهيم رصيداً من المراوغة والفوضى أثناء الاستعمال. مما جعل الوهم مضروباً في كل كلمات الخطاب العام سواء أكان سياسياً أم دينياً. ورد في العربية[5]: تسامحَ القومُ( لم يقل المواطن، الفرد ): إذا تساهلوا-  بذلوا التساهل، ومنه التسامح في الحق-وهناك التسامح في اللفظ: أي استعمال اللفظ في غير حقيقته اعتماداً على ظهور المعنى المراد دون مراعاة الدقة. وعليه يأتي التسامح بعدة معانٍ لم تكن ناضجةً في تاريخها الثقافي:

فعل الجود: "السَّماحُ والسَّماحةُ، سَمُحَ سَماحَةً أي جَادَ، يقال سَمَحَ وأَسْمَحَ إِذا أَعطى عن كَرَمٍ وسَخاءٍ". وكأنَّ السماح بشيء ما هو من قبيل التفضُل الذي يمتن به شخص على آخر، من قبيل اللياقة الاخلاقية. والثقافة هنا تخلع نفسها من الالتزام بحيوية الآخر لقاء معنى عرضي ليس إلاَّ نوعاً من الضيافة المؤقتة. والجُود نتيجة رأسمال رمزي symbolic capital عبارة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية للفرد أو القبيلة. لأن دلالة الاقتصاد تجعل التسامح انفاقاً محسوباً لوضع المردود بشكل اجتماعي.

إذن سيكون التسامح غير ملزم إنسانياً في كل الأحوال، إنه عندئذ استثناء بمنطق ضيافي ليس أكثر. أي أنَّ الجُود يحيل المعنى إلى سلوك شخصي، لأنَّ الثقافة العربية تقوم على فكرة البطولة والخرافة والأساطير والنبوءة الفردية سواء أكانت بشكل مقلوب هو السلطة أم تعلقاً بالشخص الملهم والمخلِّص (النبي- فارس القبيلة- المهدي المنتظر). وبالتالي سيتحول الجود والتسامي إلى نوعٍ من الإقصاء والتسلط والتضخم الفردي في مقابل تدنى حال المتسامَح معه. فمآثر الجُود والكرم تبقى ضمن السرديات الاجتماعية تمجيداً للقائم به (مثلاً كحاتم الطائي). عندئذ سيكون موضوعاً للذاكرة والتندر مقابل اهمال الآخرين.

طيب المعشر: "رجلٌ سَمْحٌ وامرأة سَمْحة وقيل رجل سَمِيحٌ ومِسْماحٌ، أي طيب الحال لدى من يعيش معه". وتصبح عملية التسامح وصفاً لفعل خاصٍ، نوعاً من العاطفة التي لا تمس مفاهيم التسامح بمعناه الاجتماعي ولا السياسي. ودوماً التسامح لن يكون حياة خاصة لكونه أحد قواعد المجال العام، كما أن جميع مفاهيم الدولة الحديثة قائمة عليه باعتباره جانباً إنسانياً. ونظراً لكون الثقافة العربية لا تعترف بالآخر الحر حرية حقوقية، فإنها تحيل التسامح إلى مجرد وصفات أخلاقية وعاطفية. إنَّ نبرة الإفراد تفتت المسؤولية الجمعية المتبادلة بين عناصر المجتمع، فالأقليات والطوائف والديانات الأخرى لا تجد اعترافاً حقوقياً بوجودها ومصيرها مثل الديانة السائدة.

دلالة دينية: وفي الحديث القدسي" يقول الله عز وجل أَسْمِحُوا لعبدي كإِسماحه إِلى عبادي". وهذا المعنى سيصب لصالح المؤمنين بالديانة الغالبة فقط، لسبب بسيط أن التسامح سيكون إيماناً أو جزءاً منه. وفي حالة كهذه لن يخضع لمقاييس إنسانية وسيتوهم أصحاب الإيمان أنهم يمتلكون مصادر التسامح بينما قد يستحق سواهم بعضاً منه فقط. وهذا الأمر سينشئ سلطة للقائم بالتسامُح من لا شيء ويجعل الطرف الثاني أدنى مرتبة. وسيظل التسامح معوَّقاً كأنه يمشي على رجل واحدة أو كسيحاً حيث يبقى قعيد الإيديولوجيا الدينية. وعلى المدى البعيد سيُرسِّخ فكرة احادية المعتقد إزاء الديانات الأخرى( حيث التصنيف والتأرجح بين التسامح والإكراهcoercion إزاء الجماعات الدينية غير المسلمة non-muslim religious communities اليهود والنصارى والمجوس[6]). وبالتالي ستظهر فقط الفئة المؤمنة الواحدة، وقد يمثل مدخلاً للتحارب باسم الاله بين الملل والنحل بالتعبير التراثي.

الانقياد والمتابعة: " أَسْمَحَ فلانٌ.. فإِنما يقال في المتابعة والانقياد ويقال أَسْمَحَتْ نَفْسُه إِذا انقادت". والمعنى هنا دال على الخضوع والرضوخ لأصحاب سلطة التسامح إجمالاً، وهذا من أبرز سمات المجال العام في الثقافة العربية. فأصحاب السلطة يرسلون إشارات إلى أن التسامح مقابل الرضوخ والانقياد. والتسامح يأتي بمبدأ غض الطرف عما يحدث، أي يقول أصحاب الأغلبية سنتساهل معكم مقابل السير في ركابنا وألَّا يحدث هناك رفض لما نريد منكم وأنْ ترغموا لما نقول حتى وإن كنتم رافضين له. وأغلب الأقليات والطوائف وأصحاب الديانات الأقل عدداً في الشرق العربي والاسلامي تطرح عليهم هذه الصفقة بلا مقابل ولا توجد أمامهم أية خيارات سوى الصمت!!

المُساهَلة والسهولة:" وتَسامحوا تَساهَلوا وفي الحديث المشهور السَّماحُ رَباحٌ... أَي المُساهلة في الأَشياء تُرْبِحُ صاحبَها وسَمَحَ وتَسَمَّحَ فَعَلَ شيئاً فَسَهَّل فيه". هذا يحيلنا إلى التساؤل حول من بيده المساهلة، بل يؤكد على وجود طرف يتساهل مع طرف آخر. وكما أنَّه يستطيع ذلك سيظل بإمكانه ممارسة الشدة غير المحكومة بضوابط إنسانية. وربما هذا ما يسمى دورات العنف التي تجتاح المجتمعات الشرقية من حين لآخر. إذ يعتقد الغالبون بالأيديولوجيات الدينية أنَّهم قابضون على زمام الأمر والنهي وأنَّهم حين يحكمون الدول يمارسون العنف من حينهم. وأن خطاب التسامح مجرد وقود براجماتي زلق وصولاً لكسب المراحل.

ضد الضيق والشدة: "قيل اسْمَحْ يُسْمَحْ بك وقولهم الحَنِيفِيَّة السَّمْحة ليس فيها ضيق ولا شدة". ويظل المعنى هنا مبرراً بحسب اعتقاد ومعيار داخل الموصوف بالتسامح، بينما الصحيح أن فعل التسامح يجب ممارسته بناء على معايير موضوعية وغير ذاتية. لأنه يخص المجال العام بما هو كذلك، وفكرتا الضيق والشدة تفترضان سؤالاً حول من يمسك بتلابيب التسامح، ولماذا يكون ضد الشدة، وهل هناك حدود له أم لا؟

الترويض والتذليل: "وأَسْمَحَت الدابة بعد استصعاب لانت وانقادت، يقال سَمَّحَ البعير بعد صُعوبته إِذا ذلَّ، ويقال أَسْمَحَتْ قَرِينتُه إِذا ذلَّ واستقام وسَمَحَتِ الناقة إِذا انقادت فأَسرعت". والقول هنا أنه التسامح أحد أليات الهيمنة على الطرف المسامح معه. لكون التسامح نوع من التدرب الثقافي على الاكتفاء بالأمر الواقع، أي معادلة براجماتية كالتالي: سأُعطي لك فرصةَ العيش نظير أنْ تروض قوى التمرد لديك، وأنْ تكتفي بما هو قائم ولا تثور وأن تعيش كما يعيش الآخرون وحسب. وذلك حدث مع جماعة الإخوان حين سمحت لها الأنظمة الحاكمة بالتواجد في الخريطة السياسية مقابل أنْ تؤيد رأس النظام وتصبح جزءاً من عجلته الدائرة في مناحي الحياة العامة. لكنها مع أقرب فرصة قضمت النظام وحلت محلة شعبياً ولم تنتظر إلاَّ سقوطه.

التثقيف والصقل:" وتَسْمِيح الرُّمْحِ تَثْقِيفُه وقوس سَمْحَةٌ أي قوية. التَّسْميح السُّرعة قال سَمَّحَ واجْتابَ بلاداً وقيل التَّسْمِيحُ السير السهل وقيل سَمَّحَ هَرَب". والفحوى هنا أن التسامح جزء من بنية ثقافية تمثل التكرار والغلبة حتى يفقد الناس قدرات التميز والأصالة. ويلتقي التسامح مع التهذيب والصقل بأمر متعال دينياً وسلطوياً. وبالتاريخ سيكون التسامح نوعاً من الهيمنة التي تتحول إلى سلطة قامعةٍ لكل ما عداها كحال الثقافة التي تنطوي على انياب التسلط والقهر، ويصبح هذا المعنى بارزاً بخاصة في انظمة سياسية تنشغل طوال حكمها بتدجين الشعوب وتعويدها على التذلل والخنوع. أو كما يرى هربرت ماركيوز Herbert Marcuseأن التسامح بهذا المعنى ليس أكثر من حالة من "حالات اللامبالاة" التي يمكنها أن تؤدي إلى التواطؤ مع السلطة.

المعاني السابقة لم تأتِ اعتباطاً، لكنها أظهرت جوانب مسيّسة ذات طابع توظيفي للتسامح. لأنه مفهوم يتحرك في فضاء تاريخي لا يخرج منه، بحكم أنَّ لكل مفهوم فلسفي طاقةً لإعادة انتاج المعنى الذي تشبع به. في هذا الصدد، يؤكد جيل دولوز " أن المفاهيم هي مراكز اهتزازاتvibrations، كل مفهوم موجود في حد ذاته وكذلك موجود بالنسبة لجميع المفاهيم الأخرى. وهذا هو السبب في أنها جميعاً مفاهيم تردد صدى الكل أكثر من الترابط أو التوافق مع بعضها البعض. فلا يُوجد سببٌ لترابط المفاهيم وتماسكها"[7].

هكذا نظر جون لوك إلى التسامح على أساسٍ لاهوتي  theological foundationقولاً وتبريراً وتحولا كذلك[8]، إذ يرى أنَّ التسامح يعنى انعدام أيَّة هيمنةٍ قد يمارسها الفردُ على الآخر، وبحكم الصراع الديني يأتي التعريف بالسلب لا بالإيجاب: فليس لأي إنسان أدنى سلطة في أنْ يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أنْ يؤمن به أو ما يفعله لأجل النجاة، لأنَّ المسألة شأن شخصي ولا يخص أي إنسان آخر. إن الله لم يمنح السلطة لأي إنسان أو جماعةٍ ولا يمكن لأي إنسان أن يعطيها لإنسان فوقه إطلاقاً، كما لا يبدو أنَّ الله قد أعطى هذه السلطة لإنسان على آخر لإجبار أحد على دينه. ولا يمكن حتى منح أي سلطة من هذا القبيل إلى القاضي  magistrate بموافقة الشعب، لأنه لا يمكن لأي شخص حتى الآن التخلي عن رعاية خلاصه salvation بشكل أعمى تاركاً الاختيار لأي شخص آخر، سواء أكان أميراً أم سواه، ليصف له أي إيمان أو عبادة يعتنقها. فلا أحد يستطيع، إذا أراد، أن يطابق إيمانه مع إملاءات  dictates الآخرين مدى الحياة[9].

تتألف قوة الدين الحقيقي عند لوك من الإقناع الداخلي والكامل للعقل، والإيمان ليس إيماناً خارجياً بحال لكونه لا يخضع لأية سلطة كما أسلف القول، من ثمَّ أقر مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة بمعناها الكهنوتي وأحل القانون المدني محل القوى الميتافيزيقية لاهوتاً وطبيعةً[10]. وحتى الكنيسة يراها لوك مجتمعاً حراً free society  لرجال تطوعوا لعبادة علنية لله بالطريقة التي يرونها مقبولة لديه، وهي وسيلة لخلاص أرواحهم salvation of their souls ليست أكثر[11].

ونتيجة مناقشة التسامح رجوعاً إلى اللاهوت، رأى لوك أنَّ الكنيسة غير ملزمة بالتسامح مع أي فرد لأجل البقاء في دائرتها، وبخاصة أن الاساءة إلى الكنيسة هي اساءة إلى القوانين الاجتماعية، وأن خروجاً عليها معناه تفكُّك قوانين المجتمع بالتبعية. إنه لا ينبغي التسامح مع الملحدين  atheists باعتبارهم خطراً على المجتمع ونظام الأخلاقيات ولم يتسامح مع معارضي نظام الدولة وأيديولوجيتها. واعتبر أن الايمان الديني هو مبدأ اليقين في القوانين الطبيعية التي يتأسس عليها العقد الاجتماعي[12].

كذلك طرح فولتير Voltaireفكرة التسامح واقترب كثيراً من المفهوم المعاصر له، بوصفه مفهوماً حقوقياً وقانونياً، إذ وضعه في صيغة المبدأ الطبيعي وكأساسٍ للقول بحقوق واجبة للإنسان. واعتبر التسامح قاعدة بناء المجتمعات والدول، وذلك مثلما يقول فولتير: كلنا ضعفاء وميالون لقانون الطبيعة، والمبدأ الأول الطبيعة هو التنوع والتباين وهذا يؤسس للتعددية في مجال الحياة الإنسانية، وقبول هذا التنوع حق أساسي للوجود. وعندما نتسامح نحن نطبق ما جبلنا عليه وعشنا وفقاً له بحسب اختلافات الإنسان وامتداداتها السياسية والاجتماعية. ومن تلك الجهة لم يؤد التسامح ولو مرة في التاريخ إلى حرب أهليةcivil war[13]. واعتمد فولتير على العقل كأساس لقبول الآخر، فالعقل إنسانيُ الطابع ويعودنا على السخاء ويقمع الفتنة في مهدها بالتفكير الهادئ والرصين ويجعل طاعة القوانين أكثر جاذبيةً من القوة التي تحقق وجودها[14]. هكذا يجب أنْ يستند القانون الإنساني في كل حالةٍ إلى القانون الطبيعي. في جميع انحاء الارض المبدأ العظيم لكليهما هو: لا تفعل للآخرين ما تشاء ولا يجب أنْ يفعلونه لك كما تريد أنت. الآن، وفقًا لهذا المبدأ، لا يمكن لرجل أن يقول للآخر: " عليك أن تؤمن بما أؤمن به، وبما لا أمن به، أو ستموت"[15]. “Believe what I believe, and what thou canst not believe, or thou shalt perish“

لكن فولتير- رغم العقلانية- قد وضع حدوداً سياسيةً للتسامح بالمثل وفقاً لدين الدولة، فمعارضو دين الدولة ليسوا لهم الحق في التسامح!! وحصر الوظائف العامة والمراتب الرفيعة للحكم في من يؤمن بمعتقدات الدولة. الخطورة في ضوء هذه الفكرة: أنَّ الأنظمة الحاكمة كانت تفرز أية جماعات وأية ممارسات ستكون موضع اضطهاد وأياً منها ستتسامح معه!! ففي تاريخ الأنظمة السياسية أُثيرت تساؤلات حول الأسلوب الذي ستنتهجه السلطة مع بعض الممارسات أو المعتقدات المعارضة لها، هل ستتسامح معها حقاً أم تضطهدها بشدةٍ، وإلى أي مدى؟ وبالمثل، في بعض الأحيان كان الحُكام يقومون بتوسيع حدود التسامح لكي يشمل الأقليات الدينية وفي أحيان أخرى يضيقون المجال إذا كانت أقليات متعصبةً.

والمسألة تثار حالياً إزاء المتعصبين وأصحاب أحداث العنف في المجتمعات الديمقراطية. يعتبرها مايكل والزر Walzer أخطر مسألة وأكثرها صعوبة في أية نظرية للتسامح: هل ينبغي علينا التسامح مع غير المتسامح؟ Should we tolerate the intolerant، ذاهباً إلى أنها- مع ذلك- مسألة نسبية بحسب النظام الديمقراطي الذي تكفل قوانينه تحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين، وأن تبادل التعصب والكراهية سيقلص مساحة الاندماج وتفعيل الدساتير والحريات والحقوق العامة[16]. بالمقابل وتأثُراً بسياسات المفهوم، أكد كارل بوبرpopper  في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه" على رفض التسامح مع المتعصبين موضحاً أن هناك حدودًا للتسامح. فالسؤال الذي يطرح نفسه من وجهة نظر بوبر: هل ينبغي لمجتمعٍ قائم على التسامح أن يجيز فكرة التعصب؟ وماذا لو أن التسامح عن الفعل المناوئ للنظام سيخلخل المجتمع؟[17]

في هذه الحالة، ربما يؤدي التسامح إزاء الفعل المناوئ إلى أفكار عنيفة تجاه مؤسسات المجتمع. وطبعاً من الصعوبة بمكان توضيح هذه الجوانب: فالمجتمعات لا تتفق تماماً على التفاصيل، كما أنَّ الأطياف المختلفة في المجتمع الواحد قد تفشل في الاجتماع على توجُه واحد. وهنا تظهر مسألة حدود التسامح في المجتمعات متنوعة الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف على أساس مدني علماني secular civil[18]. ومن ثمَّ فالأمر لا ينفصل عن تبرير التسامح بالنسبة للدولة الحديثة التي تؤسس لمجالها العام، والتبريرات تطورت من لوك وروسو مروراً بالديمقراطية المعاصرة وصولاً إلا الدولة الليبرالية وما بعد الليبرالية[19].

هكذا بخلاف التفكير الكلاسيكي الأخلاقي حول قضايا التسامح، عملت النظريات الراهنة على تدعيم أبعاد التسامح القانونية، أي التسامح كقيمة حقوقية، وبأنه آلية عقلية أو بوصفه نسقاً من القيم الإنسانية أو نوعاً من الفعاليات الثقافية الممكنة. حيث يستخدم التسامح في السياقات الاجتماعية لوصف مواقف واتجاهات تتسم بالطابع الإنساني أو الاحترام الضافي لأفراد مضطهدين اجتماعياً.

 

سامي عبد العال

......................

[1] -Ole Peter Grell and Roy Porter ( Editors), Toleration in Enlightenment Europe, Cambridge University Press, New York, 2000, PP 1- 22.

[2]- المعاني الواردة في النص باللغة الانجليزية مأخوذة من:

-  قاموس: ( Merriam-webster dictionary )On this link:

 https://www.merriam-webster.com/dictionary/tolerance

ويكيبيديا بالإنجليزية English wikipedia:

On this link: https://en.wikipedia.org/wiki/Tolerance

قاموس كامبردج Cambridge dictionary الالكتروني:

On this link:

https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/tolerance

[3] - Vladimir Jankélévitch,  "Should We Pardon Them?! " Translated by Ann Hobart, Critical Inquiry, Volume 22,(Number 23, Spring 1996), the University of Chicago Press 1996, PP 556 - 557.

[4]- ثلاث أبيات من معلقة شعرية طويلة، لكنها معبرة عن رؤى العالم والحياة في الثقافة العربية:

عمر بن كلثوم، ديوان عمرو بن كلثوم، جمعه وحققه وعلق عليه إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1991، ص ص 78- 91.

[5]-  كل المعاني العربية المذكورة في نقاط  (بين تنصيصين) مأخوذة من المعاجم التالية:

- ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، مادة( سَمَحَ )، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف- القاهرة، د. ت، ص 2088.

- مجد الدين الفيروز آبادي، القاموس المحيطـ (حرف السين)، تحقيق وتنقيح وتعليق أبو الوفا نصر المصري، مراجعة أنس محمد الشافعي و زكريا جابر أحمد،  دار الحديث- القاهرة 2008، ص 799.

[6]- Yohanan Friedmann, Tolerance and Coercion in Islam, Interfaith Relations in the Muslim Tradition, Cambridge University Press, New York ,2003, P54.

[7]- Gilles Deleuze and Felix Guattari, What Is Philosophy? Translated by Hugh Tomlinson and Graham Burchell, European Perspectives: A Series in Social Thought and Cultural Criticism Lawrence D. Kritzman ( Editor), Columbia University Press New York, 1 994, P 23.

[8]- Owen Dennis Yeates, Tolerating on Faith: Locke, Williams, and The Origins of Political Toleration, Duke University Press, North Carolina, 2007,  P191.

[9]- John Locke, A Letter Concerning Toleration, In: The Complete Works of John Locke, Delphi Classics(Version 1) 2017, P 613.

[10] -Ibid, P 614.

[11]- Ibid, P 615.

[12] - John Locke, A Letter Concerning Toleration, P 618.

[13]- Voltaire, Toleration and Other Essays, (Great Minds Series),Translated, with an Introduction, by Joseph McCabe, New York: G.P. Putnam’s Sons, 1912, P 24.

[14]- Ibid, P26.

[15]-Ibid, P 27.

[16]-Michael Walzer, On Toleration: Castle Lectures in Ethics, Politics, and Economics, Yale University Press Yale University Press, 1997,P 80.

[17] - Karl Popper, The Open Society and Its Enemies, With a preface by Václav Havel, Routledge & Kegan Paul, London and New York, 2011,P443.

[18] - C. S. Adcock, The Limits The Limits of Tolerance, Indian Secularism and the Politics of Religious Freedom, Oxford University Press, Oxford New York,  2014, PP 167- 173.

[19]-Susan Mendus (Editor), Justifying Toleration, Conceptual and Historical Perspectives, Cambridge University Press, New York, 1988.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5281 المصادف: 2021-02-19 00:42:07


Share on Myspace