 أقلام فكرية

إشكالية الحب في مأدبة أفلاطون!

محمود محمد علييعد الحب مشكلة من المشكلات الأساسية التى تؤرق تلك الموجودات التي لم تعد تستطيع أن تحيا إلا علي الحب والكراهية، والعدوان، ويمكن أن نعود بأصوله إلي فلسفة أفلاطون . وقد ترجمت إلي العربية بعض محاوراته بشكل تلخيصي، فنجد الطرح الأفلاطوني لقضية الحب كما ورد في محاورة المأدبة يتضمن الإقرار بثنائية النفس والبدن، فيتسامى المرء من حب المواضيع الحياتية الجمالية إلي حب جمال النفوس ليصل في النهاية إلي حب الجمال ذاته أو "الجمال الخبر" .

وقد عضد الحب الأفلاطوني ما شاع لدي المتأدبين ورواة الشعر بخصوص الحب العذري الذي يتجه فيه الشاعر إلي امرأة واحدة ويعلن حبه لها في مستوي الوصال الروحي، حتي وإن هجرته أو زوجت بغيره . فالحب الأفلاطوني يقف علي مستويين يقابل أحدهما الآخر، الأول يمثل العالم السفلي، وتمثله فينوس الأرضية، ويقابل الآخر العالم العلوي أو العقلي، وتمثله فينوس السماوية . فالحب في المستوي الأول يأتي لتوليد الأجسام لخدمة المجتمع، والثاني لتوليد الأرواح فالتسامي بها نحو الصانع، فأفلاطون يضع علي لسان سقراط أن الحب روح عظيمة تجمع بين الألوهية والإنسانية .

يفهم أفلاطون من كلمة الحب أنه ذلك الإحساس الإنساني الذي يجعلنا ننشد سعادة الغير عندما ننشد سعادتنا نحن، وأنه — أي الحب — هو إحساس التوافق بيننا وبين جميع الكائنات، فنحن حين نحب الجبل والنهر، والفرس والكلب، والشجر والعشب، نمتلئ فضيلة وسعادة معًا وننأى عن الرزيلة والتعس.

ويزيد أفلاطون فيقول: إن الحب لا ينفصل من الطيبة والجمال، وإنه يولد الجمال في الجسم والنفس، وإن الحب يسعى لأن يتعلق بما هو طيب وما هو جميل … وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة فإنه يصبح محبًّا للأشكال الجميلة، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف أن الجمال في العقل أكبر شرفًا من الجمال في الصورة الخارجية … وينتهي إلى تأمل الجمال في ذاته.

وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فإنه سيجد أن طبيعة الجمال رائعة دائمة لا تزيد ولا تنقص ولا تفسد. ثم ينتهي إلى أن الجمال لا يتعلق بشيء ما، لا بالسماء ولا بالأرض وإنما هو شيء مطلق قائم بذاته يحتوي نفسه ولا يحتوي غيره.

ونحن نجد في هذه التعابير — التي مضى عليها أكثر من ألفي سنة تتقلب من مترجم إلى مترجم — فكرة عامة عمَّا أراد أفلاطون؛ فإنه قصد إلى أن يقول إنه إذا غمرتنا عاطفة الحب للأشياء والناس فإننا نجد كل شيء جميلًا، وعندئذ نكون سعداء.

فالحب والجمال والسعادة سلسلة نحتاج إلى حلقاتها الثلاث، ولكن أولها الحب، وقد تلاقت جميع الفرق الصوفية في جميع الأديان شرقًا وغربًا علي هذه الكلمات مع أولوية الحب، كما أن رجال المسيحية قد وجدوا في أفلاطون الفيلسوف الذي يؤيدهم في دعوة الحب.

واعتقاد أفلاطون أن الحب أساس الإحساس بالجمال والسعادة لا يمكن أن يجد معارضًا؛ فإن الشاب الذي يحب فتاة يجد فيها أسمى الجمال كما يجد في معاشرته إياها السعادة القصوى، وكذلك الأم التي تحب طفلها لا تعتقد أن هناك من يفوقه جمالًا بين الأطفال، وأنها لن تجد مثل السعادة التي تلاقيها معه باحتضان غيره.

من خلال هذه النظرة ينفتح ذهننا على أعمق معاني الحب: " الشوق العميق العنيف نحو النصف الآخر المكمل للكيان الموحد " ونظرة التكامل هي من الأسس العميقة للنظرة التطورية المبنية على الصعود المستمر من العدم النسبي إلى الوجود في صيرورة متطورة دوما عن طريق اكمال النقص في كل كائن بالغنى المتوفر لدى الكائن المقابل ضمن النوع الواحد . هذا الشعور العميق بالعوز هو الذي يحرك التجاذب النوعي بين كل عنصرين متكاملين.

وتأتي في ختام الخطبة كلمة سقراط، هادئة، جليلة ومطولة لتكلل هذا البحث الشيق حول الحب: ينقل "سقراط " فكرته في الحب عن نبية يونانية تدعى " ديوثيما " عالمة بشؤون الحب . تقول ديوثيما:" الحب صلة وصل، وسيلة تهدف نحو غاية.. " هذه الغاية هي: " الإثمار في الجمال " . ثم تردف:

" الحب ينتج عن رؤية الجمال.. هو تلك الرؤية بعينها.. هو العاطفة والحرارة اللتان ترافقان تلك الرؤية . ولم يوجد الحب أصلاً إلا لكي يجعل ممكناً وجذاباً ذلك العمل الذي يستجيب به الإنسان لنـزوع طبيعته الالهي الخلاق الذي به يستمر ويحاول أن يخلد، وثمة نوعان من الخصب، جسدي وروحي، وكلاهما بحاجة إلى الجمال لكي يثمرا. فالرجل المخصاب بالجسد يفتش عن امرأة لكي يبني أسرة والرجل المخصاب بالروح يفتش عن شباب لكي يلد فيهم الحكمة . وتؤكد ديوثيما أن النوع الآخر هو أكمل وأنبل أنواع الاثمار أو الخصب .

ذلك المفهوم يبرر لدى " ديوثيما " ما يدعى بالعزوبية المثمرة تلك التي تخرج عن قوقعة الآنا، وتحرم ذاتها من الحياة الزوجية لكي تضاعف في العالم، بالمحبة والعلم والتربية الصالحة، أولاد قلبها وعقلها وروحها .

وللحب فيما يري أفلاطون حافزاً وغاية، وغايته القصوى هي تحقيق الخلود والسعادة، لكن السبل تختلف فالذي يسعي لإكثار ذريته يتوخي بقاء نوعه، فيحب النساء للإنجاب . اما الذين ينشدون معرفة وثقي بالمثل الخادلة فهم يسعون لتخليد أسمائهم . وثمة أصحاب الميول الروحية الذين يخلقون ذرية تحمل نزوعاً للحكمة . والحكمة تتوخي التدبر والتنظيم في كل مناحي الحياة والوعي . " ولعل أعظم وأشرف فرع من فروع الحكمة هو الذي يتناول تنظيم الدولة والأسرة، وهو الاعتدال والعدل" .

وحين يصف أفلاطون الطريق إلي السعادة والخلود، فإنه يتبع جدلية معينة، تأثر بها المتصوفة المسلمين ؛ فأفلاطون يري أن الحب يبدأ بتأمل المظاهر الشاخصة من جمال بشري، ثم يتدرج في المعرفة ليدرك أن مظهر الجمال في شخص ما، له ما يناظره في أشخاص كثيرين . وبذلك يضعف حب الإنسان لأشخاص بعينهم، ويتعلق فؤاده بما هو أرقي من ذلك وهو جمال الروح، ويقدره اكثر من تقديره لجمال الجسد، ثم يتسامى في محبته من نموذج فردي بسيط للجمال إلي محبة الجمال في مثاله الأعلى ومعناه الواسع، وهو الجمال المطلق الثابت الذي لا ينتابه فساد أبدا، بل هو لا يوجد إلا بذاته .

والسؤال الذي نود ان نطرحه الآن هو: هل يصل الإنسان إلي هذا الطور من المعرفة السامية؟ الحق أن أفلاطون يتدرج بنا إلي هذه التربية وهي مرتبة تأمل الجمال المطلق والامتلاء به، علي الرغم من انه شكك في النهاية في امكانية أن يتحقق الخلود  لإنسان قط . فيقول أنه ضد ما يستطيع الإنسان أن يري الجمال المطلق بالملكة، فإنه يستطيع أن يمتثل للخير الأسمى في مسلكه، ويتصل بالحقيقة ذاتها لا بظلها . " وإذا ما جاء الخير وربا، أصبح اهلا لحب الله، ويتحقق له الخلود، إن كان من الممكن أن يظفر آدمي بالخلود".

ويبدو أن ما يطمح إليه أفلاطون هو حفز الناس علي الخير في نطاق الحياة الاجتماعية . وإذ يربط الجمال والحب الإلهي المتمثل بفينوس السماوية، فإنما يريد أن يتسامى الإنسان عن الحب الأرضي المرتبط بفينوس الأرضية لخلق مجتمع متحاب مندفع للفضيلة، ومن أمارات حب الناس للفضيلة الزهد في الثياب الفاخرة، وفي الغلمان والفتيان، وكذلك في الطعام والشراب، وبذلك يكون الحب في نظر أفلاطون من طرف واحد فحسب . والإنسان هو المحب دائماً دون أن يبادله الله المحبة، لأن الله فيما يري أفلاطون هو الحافز علي الكمال والخلود والحق، وهي نفس القيم التي ينشدها الإنسان ولا يطلبها الله لأنها من صفات ذاته في الأصل وتتجلي عنه في مظاهر الوجود الجميل فيعشقها الإنسان، ويتسامي من خلالها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

.............

1-أفلاطون: محاورة المأدبة، ضمن محاورات أفلاطون..

2-وفاء أحمد سليمان: نظرية الحب عند لسان الدين الخطيب، الاردن، 1989.

3- زكريا إبراهيم: مشكلة الحب، مكتبة مصر .

4-سلامة موسي: مشاعل الطريق للشباب، مكتبة هنداوي، 2012.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5282 المصادف: 2021-02-20 01:51:30


Share on Myspace