 أقلام فكرية

سامي عبد العال: التساؤلية: نحو فكر فلسفي جديد (3)

سامي عبد العالتستدعي الثقافةَ العربيةَ - بتكوينها التراثي الماضوي- استفهامات حول ما ليس مُتاحاً داخلها للنظرة العادية. لأن الثقافةَ تقومُ على حذفِ ما تُريدُ إهمالَه بيد فاعليها وبقوة الأفكار الغالبة. وعلى طريقة الكمبيوتر، فإنَّ زر" الدِلِيت" Delete (وهو القائم بتلك المهمة) لا يستأصل محذوفاته، إنما يُرسِلها إلى سلة المحذوفات التاريخية. وتلك العملية عبارة عن إعادة إلحاق للموضوعات المراد حذفها بالكل الثقافي. هذا الكل totality الذي يحكم طُرق تفكيرنا التي تبقى قوية التأثير في مداها البعيد. إنها آلية حذف كي يسري تماسُك الثقافةِ العربية ويضمن تكرارها طالما وُجِدّ تراث ذو طابع استباقي نحو المستقبل. ومع ذلك لن يختفي أي استفهام من تلك الزاوية، بل لن ينتهي استدعاؤه تماماً كما سنرى.

الأسئلة المحذوفة

 يعبر هذا "الحذفُ" عن حركةٍ نتيجة كون التراث معيشاً في عصور المجتمعات العربية اللاحقة. ذلك بطريقةٍ تُقاربُ بينه وبين مراحِله على التوالي. ويتسق الحذف مع أفعال عامة ظلت عالقةً بأصولها التاريخية ارتباطاً بالكل الثقافي أوثق الارتباط. وليس هذا الاتساق عملاً مقصوداً لذاته، لكنه يُشكلُ مساحات فكرية وسياسية وحياتية مهمشة. يبدو ذلك جلياً إذا تأملنا بعض معالم التراث العربي الخاصة بالجانب السياسي والأخلاقي والديني. وهي معالم تشكل أسلوباً من أساليب الرقابة الصارمة ثقافياً على الأفراد والجماعات والطوائف المختلفة. حتى يتشكل لديهم هوس الحرص على التقاليد والتعلق بالموروثات أكثر من الحاضر. فإذا بالمجتمعات العربية تهمِل مالا يتفقُ والأصول التكوينية المعمول بها. مع التأكيد أنه لا تصبح هذه الأصول موجودة هكذا من تلقاءِ نفسِها. بل بفضل النسيجِ التاريخي لفئة أو لطائفة ما.

 إذن القضيةُ المطرُوحةُ كالتالي: أنَّ هناك أشياءً تُهمل من دائرة الثقافة العربية في مجملِها. أشياء متعلقة بالآخر والإرادةِ العامة والاختلاف والتنوع العرقي والديني، لأنَّها أشياء تتكون وضعياً تبعاً لنمط الاعتقاد والممارسات الإقصائية المعيشة. بالتالي تستغرقُ الثقافةُ تراثها بتكوين الجوانب المؤكدة لإخفاء هذه الأشياء. ولا مبرر هناك للزعم بأنها أشياء لم تكن معروفة، بل كانت مستبعدة بفعل واقعٍ إنساني بائس يتركزُ حول موضوعاتٍ بديلةٍ. فمثلاً يعتمدُ تكوين الطابعِ العام للأنظمة الاجتماعية على بناء النسق الاجتماعي وفق الثقافة الدينية السائدة بينما المختلفون دينياً لا يرد ذكرهم في المشهد العام، وتباعاً يصبحون محل إهمال، وربما سيكون لا قيمة لهم بالنسبة لحركة المجتمع ككل.

 وسواء أكانت ثقافةً حضريةً أم بدويةً أم غير ذلك، يخرج تكوينها التاريخي ليعيد توزيع مفردات الواقع السياسي والأخلاقي تبعاً لإيقاع الحياة المغلق. وبخاصة أن هناك طابعاً اسلامياً معيناً توظفهُ القُوى السياسية المهيمنةُ لصالحها. كحال المذهب الوهابي وايديولوجياته في الثقافة البدوية داخل الجزيرة العربية وغيرها، ولا تنتهي تلك العملية دون أنْ تترسخ في كافة مظاهر الحياة الاجتماعية إلى أنْ تشكل السلوكيات إجمالاً. وليس أدل على ذلك أن أصحاب الوهابية حرصوا في ستينات وسبعينات القرن العشرين على تغلغل الوهابية سلوكاً وفكراً في المجتمعات الأخرى، بل قاموا بتمويل المؤسسات الدينية في أرجاء العالم العربي كي تدين للوهابية

 من جانبٍ آخر، استطاعت أبنية السلطة في تاريخ الثقافة العربية أخذ زمام المبادرة بإعادة رسم صورة التراث في مجالاته اللغوية والسياسية والفكرية. مثل ظاهرة انتشار بعض النصوص الفقهية المتشددة وشُرُوحاتِها على خلفية السلفية الجهادية والإخوان والمذاهب والجماعات المتطرفة الأخرى. بينما ما تبقى من هذه النصوص يمثل خيطاً لفهم ما جرى تاريخياً. لا يعنى ذلك أنَّ الحذف المشار إليه بمثابة الاستراتيجية المساعدة لتقوية بنيةٍ سلطويةٍ قاهرة. لكن الشيء الأغرب بصدد التراث العربي أن تنسحبَ هذه الاستراتيجية (استراتيجية الحذف) على مجُملِه. وهو وضع ثقافي عام لا يقبل بسهولةٍ ما لا يُساير نسيجَه من اتجاهاتٍ وحركاتٍ دينيةٍ. وتشكل خطوطه العامة وضعاً فارزاً لكل ما عداها، لدرجة أنَّ معظم تاريخ الثقافة العربية كان تاريخاً ذات توجهات طاردة لغيرها سواء أكان في المجتمع أم في الحياة السياسية. نتيجة العلاقة القائمة على التواطؤ المتبادل بين السياسة والتوجهات الدينية. وهنا ننوه أن الحركات السياسية كانت ذات جذور دينية أو تلتف حجولها لمخادعة الجماهير وإعادة الهيمنة عليها. وقد يكون العكس صحيحاً أيضاً بنفس القوة والأهداف.

 إذ لم تَخلُو حقبة عربية من التواطؤ بين تأويل معين للدين واتجاه سياسي يؤكده ويستعمله لمآرب خاصة. من هنا لم تكن حياة الإنسان العربي "إعطاء ما لقيصر ما لقيصر وما لله لله" كما فعلت بعض المسيحية السياسية. كان الأمير العربي يفوق القيصر نفوذاً وفتكاً. وبالتالي يطلب العطاءين معاً، ويتحول ما لله إليه رأساً، لأنَّه حامل لواء الدين والشريعة في شخصه. وهو وضع منحَ السلطان السياسي صولجاناً مُقدّساً. فأصبح هو الناطق باسم المُطلق في الدين والسياسة الاجتماع. الخطوة نفسها التي دفعت الحجاج بن يوسف الثقفي عشيةَ توليه أمور المسلمين أنْ يقرأ القرآن لمرة واحدة. ثم يضع يده فوقه قائلاً: ( هذا آخر عهدي بك)... ليُمسِي القاتل الأشرس في تاريخ المسلمين.

ذلك مع أنَّه أحد مدققي نص القرآن الكريم من جهة التنقيط على الحروف وتشكيلها. لكن قبل ذلك وبعده: كيف اجتمع الحجاجان كشخصيتين متناقضتين في حجاجٍ سياسي واحد؟! أمر أتاح للحاكمَ السياسي احتكار الحقيقة الدينية والحقيقة السياسية منقطعاً عن إحداهما وموغلاً في الأخرى. لأنه ما كان ليتمسك أي حجاج بهما إلا لتوظيفهما لمآربه الخاصة. فإذا ما أوصلته الواحدةُ إلي المآرب قبل الأخرى، كفّ عن اللصيقةِ بها ظاهرياً. لكن طبيعة التكوين الثقافي لهما (تدقيق القرآن– السلطة) يعنى اختزال الشخصية المتسلطة لغيرها وتقليصها تماماً بصيغة يفرضها الواقع. فيمارس الحاكم هذه الشخصية الدموية كأنه ينهمك في تلك، ويأخذ مبرراته منها (الشخصية الدينية)، بل يستمد القوةَ تحديداً من هذه الصورة المستبعدة بحسب قناعته ومآربه التي هي عندئذ كل الحقيقة. كان الحجار يستشهد بآيات العذاب في القرآن أمام رعاياه مرددا أنه العذاب الذي أرسله الله لهم ولا رافع لهذا العذاب إلا الله نفسه!!

1- سؤالُ النشأةِ والتكوين:

 عادة ما كانت النشأةُ على مستوى الثقافة العربية بعيدة عن الاستفهامِ تماماً. فالتراثَ العربي ظل ممتداً في مراحله وفق أصوله التاريخية. ومع ذلك كان الوعي الحياتي بها جارياً بطريقةٍ تنحرف إلى الأسوأ عن الأصول في أشكالها المختلفة. ولم يتعامل الإنسانُ العربي مع أصولهِ بقدر ما استغرقته التحولات المتداخلة مع أشياءٍ مغايرةٍ. حتى غدت التحولات أصولاً أو كأنها أصول. لهذا تُحيي الأسئلة القدرةَ على رصد تلك التحولات رجوعاً إلى مصادرها وأسبابها.

أقرب ما يوضح ذلك فكرة "المُوقِعِين عن ربِ العالمين" الذي شرحه ابن القيم الجوزية في كتابه" إعلام الموقعين عن رب العالمين". وهي فكرة خطيرة جداً في تراث السلطة الدينية، فالموقِعُون هم الناطِقُون عن رب السماء الذين يستلهمون أفكارَهم من آياته. حتى إذا قالوا كلاماً ظَنّ الناسُ أنهم يتحدثون عن اللهِ مباشرةً. وكأنهم يأخذون علومَهم من لدنه دون حاجز. هذا التحول الإنساني اللاهوتي الذي يجعل منهم وسطاءً بلا مُساءلةٍ. أما حرف "عن" بالعنوان فلا يفيد النقلَ، وذلك لأنهم، وفق قوانين اللغة التي هي الثقافة، يتوسطون لاستعمال اللغة كأنها الأصل، وإن لم تكن مكانتهم كذلك فعلياً، فالعادات والتقاليد ستعطيهم هذه المكانة. إن الثقافة الجارية كنمطٍ حياتي له صفة الإلزام.

والذين يحتلون تلك المكانة يؤكدون بالمفارقة أنهم يَحمِلون أقلامَهم، توقِيعاتهَم، لكن تبقى اللغةَ في طريقِها إلى إقرار التوقِيعات بالتفويض العام، نظراً لأنها تسجله في عمليات الفهم والتواصل. ومن خلال التصديقِ الذي يجري على تفسيراتِهم وتأويلاتِهم للحقائق الإلهية كابن القيم نفسه إذ يحظى بحشدٍ من المؤيدين يزداد عددُهم إلى الآن. وهؤلاء أنفسهم لا يَعِرفون شيئاً عن الأصولِ الدينيةِ. ولا اطلعوا علي تحولات سياقها اللاحق.

 وتكشف القراءة التساؤلية هذه المحددات الأساسية. ففي المقام الأول ثمة تحولات تقارب الأصول سواء للتطبيق أو معرفة الحقائق. بيد أنها تعد محض أفعال ناتجةً عن الاعتقادِ فيها، كالممارسات الشعائرية والأخلاقية والاجتماعية. وهي بالمناسبة أفعال لا تتحقق في نقائِها تماماً. ولئن أردنا تحديد ماهيةَ هذا التحول أو ذاك، فيجب العودة خلفاً وبصحبتنا مفاهيم حفرية حول الثقافة واللغة وأساليب التفكير، التي هي إفراز لبناء الحقائق الاجتماعية بكافةِ جوانبِها. والعودة إلى الوراء تطرح استفهاماً جوهرياً: كيف يحدث التحولُ حيث يترك آثاره في الوعي العام؟! وما هو منطِقه، ناهيك عما يجعله مقدّماً في سياقاتٍ كثيرةٍ على الأصول؟!

وتعني الأسئلة أن التحولَ ليس شكلياً، لكنه بنيوي؛ أي داخل تاريخيةِ اللغة والخطابات والمفاهيم والوقائع الاجتماعية بوصفها نماذجَ لأصداءٍ دينيةٍ وفكريةٍ وغيرها. ويحتاجُ التتبع في كل لحظةٍ إلى معرفة كيف تأخذ الصورُ والأنماطُ المشوهة غالباً مكانَ الأصولِ الثابتةِ؟!

 القضية المهمة إذن: أن التحول بمضمونه السالف كثيراً ما شكّل جوهرَ الثقافةِ العربيةِ. إذا رصدنا علامةً ذلك، فما أكثر مَنّ أخذ مكاناً ليس بمكانهِ على مستوى السلوكِ العامِ. جرى ذلك على نطاق الفكر وداخل التنظيم الاجتماعي والسياسي. وهذا يبرز أن المجتمع العربي "مجتمع أبوي"، بطريركي، وهنا ليس التعبير في معناه مثولَ هذا المجتمعِ أو ذاك برمته أمام أبٍ بيولوجي، إنما يقف مفهوم الأب رمزياً بالوضع الفوقي المتسلط الذي ينتظم تحته أفراد المجتمع وفق التراتب السياسي أو الاجتماعي القائم. وهو ما من شأنه أن يُرسِخ تراتُباً ممنوحاً مجانياً إلى أفراد وجماعات دون غيرهم. كما لو كانوا قد عقدوا تفويضاً مع الآخرين للتنازل عن حياتهم مقابل نيل تلك المكانة. وكما لو كانوا وثّقُوا هذا التفويض لدى قوى غيبيةٍ ميتافيزيقية بأختام مقدسة!!

حقاً يُكمل "التفويض" السري تلك الحالة التي يتركها التحول. فبفضل أن هناك اتساعاً لحركة الفعل بالإنابة يأخذها رجال الدين، تتبلور تاريخياً بنية اجتماعية غامضة تترك فراغاً للمعنى المرغوب مشكلاً الصورة العامة للحياة، لدرجة أنه لا يتم هذا المعنى تلقائياً، فيبقي قيد الفهم من أفراد المجتمع، بل ويمارسون حياتهم في ضوئه، ويدورون شؤونهم على النتائج المترتبة عليه. وإذا كان منطقُ التفويضِ هذا يستند ضمنياً إلى قوةِ السلطة السائدة، فإن هناك إقراراً بذلك يصدر عن التأويل الشائع للنصوص الدينية، التي أفرغت الإنسان العربي من إرادته الفاعلة، وجعلته إرادة منفعلة، معلقة تنتظر من يعطيها ثِقلها وامتلاءها في الحياة.

 في المقابل لم تتوان الأنظمة السياسية عن استغلال تلك الإرادات الشاغرة، لتعطيها توجهاتها البرجماتية. ولم يتم ذلك بخطوةٍ غير محسوبةٍ، بل هناك قواعد للتفويض في المجتمع العربي الاسلامي. هي غالباً قواعد أخلاقية ومعرفية تنحرف بأهدافها عن الإنسان. نظراً لأنها مشدودة إلى مضامين سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى على حساب أي شيء آخر. مثل ماهية التقدير والاحترام وقبول الآخر. وهي في كل المجتمعات حقيقة ذات أبعاد إنسانية، غير أنها تضل طريقَها عربياً لتصبح تبجيلاً لأصحاب السلطان والصولجان دون مطالبةِ بالمسؤوليات المعطاة لهم. وعليه يغدو التفويضُ "عقدٍاً سرياً" كما أشرنا يفهم طرفاه المهام المنتظرة بالضبط، ويتم تدوينه بالأعراف والتقاليد ورؤى العالم. فالسلفية مثلاً عندما تدعو لعدم الخروج عن الحاكم الظالم إنما توثق هذه الحالة من الانحراف لتغدو نوعاً من التفويض للاستبداد ومشاركة فيه.

 والتفويض يجعلنا نغفل - في مواقف كثيرة- عن نشأة الظواهر والأحداث والأشكال التي آلت إليها. فهؤلاء الموكُول إليهم مسؤولية السلطة السياسية يعبرون عن قوى غالبةٍ بكل ضرورتها. إذ تخفي جذور الأوضاع التي تأرّخُوا فيها. ثم إنَّ عدم التثبت من الحقيقةِ (حقيقتهم)، ولماذا تعد حقيقةً على نطاق عام؟! قد أتاح للآخرين تصديقاً ايمانياً بهم. لدرجة أنهم وُضُعوا فوق متناولِ الأسئلة، بينما المهم إطلاقها إزاء مدي واقعية هذا الواقع الذي يُشبِعِه التراثُ. وقد أخذ التفويضُ خلاله شكلاً جمعياً كالمبايعة والاجماع والموافقة على الظلم. وهى التوثيق العام للموافقة على حاكمٍ بعينه في تاريخ الدول والممالك الإسلامية المبكرة وهو مازال سارياً حتى في الجمهوريات التي ترفض مبدأ المبايعة المجانية!!

 فالمبايعة ميثاق سياسي ديني له طابع التفويض ومعطياته. ذلك من حيث احتلاله لمعاني الإرادة العامة. ناهيك عن إمكانيةِ التعلق بالأصول. وهو ما يخلع على المُفوّض سمات الأصول. وتدريجياً يأخذ قداستها وسريانها القابل للاستمرار دون عوائق. لهذا أخذت الحقبةُ الأولى في الخلافةِ الإسلاميةِ شكلَ التفويضِ بالمعنى الذي يُبَرِر ذاته بذاته. بفضل القرب زمنياً من مصادر وبواكير الدين الإسلامي، الرسول كنموذج أساسي لتاريخ الإنسان الجديد. وهو الأمر الجاري بالاستناد مرجعياً إلى القرآن ككتاب للقوانين الرمزية التي تصوغ لغة سياسية مختلفة. وتنبثق الشرعية المتوقعة للمُفوّض من هذين الناحيتين. ولعلنا نراقب شيئاً ملخصه أن التفويض سيتحرك - بحكم الزمن والأوضاع السياسية- نحو تبديل معين. ليس في الظاهر فقط، بل في المضمون بذات الدرجة.

 فلم تكن دولة الخلافة وما تبعها من دول على المنوال نفسه هي نفسها دولة الرسول. بل ازدادت رقعتها المادية نتيجة اتساع الفتوحات وانتشار العقيدة الإسلامية. وبالمثل ازدادت رقعتها الفكرية السياسية والفقهية، ولاسيما مع ظهور قضايا جديد على هذه المستويات احتاجت بطريقة ملحةٍ إلى تصورات مختلفة.  تصورات صحيحة أو خاطئة ليست تلك القضية، إنما كان لا مفر من إحلال شيءٍ محل شيء سابق، وتأكيد لحالة مكانٍ حالة أخرى. فالحركة الاجتماعية تتغير لكن تبعاً لهياكل شبه ثابتة وطويلة الأمد، ناشئة عن الفهم المنحرف للمرجعيات إزاء المشكلات الطارئة. ثم أصبح التغير في المجتمعات العربية ينطوي على نفس الإيقاع الحركي تاريخياً.

2- سؤال الحقيقة:

نادراً ما تم التساؤل حول الحقيقة في التاريخ العربي الاسلامي بشكلٍ جذريٍ. لسبب موضوعي أن الحقائق بنفس عصيانها على التَكّشُف ظلت مغطاةً بكمٍ هائل من عمليات التحول والتفويض والتبديل. بحيث يستحيل العثور عليها واضحةً ولا حتى نصف خالصة كما هي. فضلاً عن استحالة التنقيب عنها دون رؤية فكرية نافذة تخلي بيننا وبين الانجرار معها. وتلك النقطة هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الثقافة العربية. فلم يُوجد قِطاعُ من قطاعاتها البدوية أو الريفية أو الحضرية قد أعطى نفسه أولياً لقارئ دون ممانعةٍ عنيفةٍ. ويمكن القول إنه عُقِدت أزمنة بمجملها طي التكتم والتحريم والإخفاء عن قصد وبفعل فاعل. وهي تتسع أو تضيق بقدر سرية التعبيرات والحيوات المختلفة في المجتمع العربي. من ثم تبقى الحقيقة غير ممكنة إلاَّ إذا أزحنا ذلك التراكم من داخلها. وليس ذلك بسبب قلة الحيلة الفكرية، بل بسبب "قهر الواقع" الموروث. حتى لو كان بالأمس القريب، زيادةً عن تسلطه لدرجة اغتيال من يقترب من ذلك، فهناك ثقوبه السوداء التي تمثل فوهات مفتوحة على ابتلاع الزمن والمراحل. وهذا الوضع مثل شكلاً استباقياً لتراثية المستقبل كلما خطى الناس نحو الجديد.

 في المجتمعات العربية دوماً الحقيقةُ عصية المنالِ. لأنها تعني معرفةَ الأصولِ وتحولاتها والانحرافات التي شوهتها عن قربٍ. كما أن وسائط التزييف لا حصر لها حتى محاولات المعرفة ذاتها لا تخلو من التزييف. لقد نوهت منذ قليل إلى أن الأصولَ تتحول صورتُها حتى تنال منها الأزمنة فعلياً لأنها تعدِدها وتجعلها مختلفة. ولهذا تكون الأصول الثقافية والدينية والفكرية في وضعٍ مُؤوّل باستمرار. كما أنَّ هناك حصاراً معرفياً حولها غير قابل للاختراق بكل ترسباته الدينية والسياسية والأخلاقية. ولا يسمح لأي شخص أن يقتحمَ هذا الحصار دون أن تلاحقهُ لعنات بوصفه قد انتهك الثوابت التاريخية للأمة!!

 بكلمات أخرى يتعذر خضوع الحقيقة بهذا التكوين للمُساءَلةِ الاستفهامية. فضلاً عن أنه لم يتم التعامل معها من خلال الشروط الجارية لفهمها والتعبير عنها واقعياً. وفي هكذا مجال ينبغي أن نتساءل حول التضافر بين القوى الاجتماعية والسياسية على ألَّا يتشكل هذا الكل الثقافي الضامن للحقيقة دون الهيمنةِ عليه. ذلك بالقطع مع فكرة أن القوة الغالبة التي تقف وراءها (أي وراء الحقيقة) تتخفى في منطقة السر منه. لأنها الحاملة لشفرة نظام الحياة الذي يعطى ذلك تبريراً، ويوفر له شكلاً للظهور المباشر.

نتيجة ذلك: أنَّ الحقيقةَ تأتي دائماً بغطاء اللا حقيقة، طالما كانت هناك محاولات لامتلاكها، إن لم تتبلور بذاتها في نُسخ متواترة عنها. إنها تُتاح عبر مصادرٍ أخرى بديلة للتعبير، فلا هي كشفت عن نفسها، ولا هي جاءت خالصةً، لكنها تلبسُ أثواباً اجتماعيةً وفكريةً، مثل عدم معرفة الحقائق الدينية إلاَّ عبر خطابات الفتاوى والفقهاء. والملفت للنظر أنها خطابات تغطي الواقع بتصوراتٍ تحصينيةٍ ضد معرفة الواقع نفسه وتغييره، عن طريق لغة التحريم والتهويل.

وليس بعيدا عن ذلك أن نرى المؤسسات الدينية الوسيطة قد أخذت مكان الدين بشكل يستحيل إزاحته دون أن نفقد حياتنا. وليس ببعيد أيضاً أن تتحدث شتى الخطابات في المجتمع العربي لغةً دينيةً عزفاً على وتر الاستقطاب لجموع الجماهير. أما الوجه المقابل لهذا والمتضامن معه، فعادة ما ارتبط الحصولُ على الحقائق بمنطق الإشاعة والأقوال الرائجة، المنطق الغامض الذي يحكمُ الأجواءَ الثقافيةِ والاجتماعيةِ. وعلى المنوال ذاته إذا كانت ثمة حقائق مجهولة تتعلق بموضوعات حساسة اجتماعياً وسياسياً، سرعان ما تأخذ مساحة انتشارها بواسطة الإشاعة كذلك، والتي تتناولها السلطة وتزجُ بها في المحيط العام.

 يُشارك رجال الفقه بالنصيب الأوفر في عمليات تغطية الحقائق، عن طريق الأحكام الفقهية بدءاً من عدم الخروج على الحاكم الظالم والمستبد كحال السلفية كما أشرت. وقد ذهب ابن تيمية أنَّ ظلم السلطان سبعون سنة أهون من مبيت ليلة واحدة دون سلطان!! وانتهاءً بتحريم مُساءَلةِ الفتاوى ذاتها، وما إذا كانت صحيحةً أم لا. وأن محاولة التحقق منها، فقط مجرد المحاولة، أمر بالغ الصعوبة. لأن الفقيه لا يتحدث من تلقاء نفسه. إن اللهَ يجري على لسانهِ مثلما أظهرت وكما يزعم صاحب الفتوى. وهذا ما أعطى تاريخ الفقه الإسلامي أبعاداً غير دينيةٍ بالمرةِ. وأحاله إلى غُلالةٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ تحجبُ حقائق وتخلقُ حقائق مناقضة تنهض على تبريرها.

3- سؤال الحق:

أما الحق الذي هو أحد اسماء الله (وهو القضية الأهم في المجتمعات العربية الاسلامية)، فلم يُطرح كاستفهام يُجاب عنه بمنطق القانون أو التنظيم السياسي. وذلك رغم أنَّ الإسلامَ اعتبر الحياةَ الإنسانيةَ تستند في المقام الأول إلى الحقِ. وبمنطق الاسلام نفسه طرح القرآنُ تلك الفكرةِ "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". القول هنا إقرار لحق الوجود الإنساني عن طريق ممارسة الحياة كيفما شاء. فالموضوع الإنساني برمتهِ بعدئذ أصبح وإلى مالا نهاية موضوعَ حقٍ خاصاً أو لا يكون. وهذا يعني أن الإنسانَ لن يكون كما يُراد له. ولن ينبغي خضوعه في ذلك لأساليب ملتوية في السياسة أو الدين أو المجتمع. إنه في جميع حياته إنسان مختلف عن غيره. والإنسان لا يفعل إلاَّ بما يراه صحيحاً. وأن فعلَ الاكراه يُشكلُ حدَّاً محظوراُ. أما الذين يحاولون أن يطغوا على هذا الحدِ، فإنهم ينتهكون وجوده الخاص بلا حق ولا حقيقة. وينطبق ذلك على كل شيء في الحياة تقريباً. فالحكم السياسي، ماهيته، أطره حق عام أم لا. والأنظمة الاجتماعية، أدواتها، ممارساتها حق أم لا، والسلوكيات العامة والخاصة حق أم لا... وهكذا.

الارادة في جوهرها هي الحق في الوجود بمُوجب الحرية الممنوحة لكل إنسان. بالتالي يستحيل بلوغ الإنسانُ عن طريقهاً أصلاً إلهياً. لكنه قد يَسيرَ في حياته بمقتضاه الميتافيزيقي، أي يصبح الفعل الإنساني تاريخياً كي يتشكل في الحياة. وهذا هو المضمون العملي للحق الوجودي. حيث يمارس الإنسانُ كافةَ المناحي الحياتية (سياسية، دينية، اجتماعية...) بفضل مرجعيةٍ تمنحهُ الحقَ كل الحقِ- كأمرً مشروع- في أن ينهمكَ فيها. لكن ما مغزى هذا؟

أولاً: يشير الحقُ إلى كونّهِ حقيقةً لا غبار عليها وتعبر عن نفسها كما تريد. حيث أخذ في المجتمعات المدنية مكانتها. ومن ثم يسعى إليها الإنسانُ. فدور الإنسان الفاعل أنه يمارس حقاً هو الحياة بجميع تفاصيلها. لقد كفلت المجتمعات – أو هكذا ينبغي- الحقيقة كموضوع قابل للانكشاف والتجلي بلغة هيدجر. ولم تكفل الحق إلاَّ مرجعياً، بحيث تركت للإنسان حرية التعبير عنه وتأكيده أو نفيه تاريخياً. أي حق بالنفي أو بالإيجاب والرفض.

ثانياً: شكّل مضمونُ الحقِ بهذا التوصيف معياراً، لأنَّ الممارسات الناجمة عنه تجعله مُلزِماً ضمن الإقرار بالتنظيم المنبثق عنه. سواء أكان التنظيم سياسياً أم اجتماعياً ...أم غيرهما.

ثالثاً: مادام كونه حقاً، فلابد أن يتم في حدود التبادل متى استحقه إنسان. والتبادل حالة يتساوى في أطرافها كافة المشاركين وجميع الشعوب وبالتالي الأفراد، لا أسبقية ولا فوقية لأحدٍ.

رابعاً: تأخذُ درجة إلزامه قوتها من مصدر الحق. وهو الشرائع والقوانين والمبادئ المؤسسة لحقوق الإنسان.

خامساً: لا يمكن لإنسان أيا كان موقعه أو أصله منع أو إعطاء الحقَ الوجودي. لأنّ هذا لا حق له فيه، كما أنه بذلك يعتدي على حق مصدر الحق.

لكن ما الذي حدث من انحرافاتٍ في سير هذا الحق؟ إذا كان الحق حقيقةً هكذا، فمع الحياة الثقافية والاجتماعية العربية توارى كما تتوارى كافة الحقائق في المجتمع العربي، لقد شمله النسيان تاريخياً.

- تم اغتصاب الاستخلاف الإلهي الشهير بوصفه الأصل؛ أي احتل الخليفة، السلطان، الحاكم مكانَ الإلهِ. ليُعطِي الحقوقَ كأنه صاحبها الأول. وكم مرت بعصور التاريخ العربي أسماء كالمستعصم بالله والحاكم بأمر الله وغيرهما. سوى أن دلالتها في الواقع لا تشير إلى شيء من دلالتها الدينية. وظل هذا التناقض سارياً في تاريخ الدولة العربية على طريقة الحجاج.

- تراكمت حالات وظواهر ضياع الحقوق، حتى أصبحت اللا حقوق قاعدة إنتاج الثقافةِ العربية في تاريخها الطويل. وأصبح ضياع الحق، وخاصة الحق السياسي، عُرفاً معمولاً به. لأن المانحَ له ليس القانون المحايد ولا الحقوق الواجبة للإنسان، بل علقته السلطة المهيمنة، التي تدعمها ثقافة لم توفر أية حقوق عملياً.

- في الدولة العربية الحديثة تم تعليق الحقوق بالقوانين. وبقيت القوانين مرهونة بإرادة الحاكم لا الإرادة العامة، مع أن كليهما مردودان إلى الأصل الإلهي، بصرف النظر عن نمط السلطة القائمة.

- ظلت الحقوق في حالة تحول باستمرار. خاضعةً بذلك للتأويلات الخاصة من عصر إلى عصر. وهذا يتنافى في سياقات كثيرة مع صريح النصوص الدينية بدءاً من كون الإنسان إنساناً لأنه خليفة الله في أرضه، وانتهاءً بالحياة التي ينعم في كنفها بالعطايا السلطانية إنْ مُنحت من حيث المبدأ.

4- سؤال الاختلاف والتنوع:

 يقوم عملُ الاستفهامِ على الوعي بالاختلافِ، وهو ما لم يكن في تجلياته الحياتيةِ والفكريةِ محل اعتبار داخل المجتمع العربي، على الرغم من الأطياف المتعددة التي تشكل نسيجه، نظراً لأن التماثل والتطابق-اللذين تحدثت عنهماً-هما الفكرتان اللتان كونتا طريقة التفكير، فضلاً عن أنهما طبعتا حقباً بأكملها، حتى باتتا من ظواهر الحياة المعيشة، وتوحدتا بالتنظيم الديني والاجتماعي، ومنهما إلى كافة التنظيمات الأخرى. يدور السؤال حول: ماهية الاختلاف بالنسبة إلى الإنسان العربي فكراً وكياناً؟ وكيف يؤدي الاختلاف إلى التنوع؟ وكيف يعطي الكيانات المختلفة حقها في الوجود الاجتماعي والسياسي؟

 تُثار هذه الأسئلةُ إزاء اختلافات عدة في الثقافة العربية من ابسطها إلى أعقدها. أبسطها الاختلاف الجنسي بين الرجل والمرأة، وهو اختلاف لم يلق مضموناً ثقافياً يعطي الطرفين حقيهما من الحياة، ليس ذلك مرهوناً بالأصول الدينية، بل بتأويل تلك الأصول في إطار ثقافة قمعية تنوعت فيها مصادر العنف وإهمال الآخر، حيث دخلت العادات والتقاليد القديمة والوثنية في نسيجها، حتى فرضت على الطرف الأضعف وهو المرأة أن تحجب نفسهاً تماماً. وأن تُحرم من أية حقوق إلا من حق التنفس فقط!!

وأحياناً يُمنّح الحق فيقال "لا تخرجُ المرأةُ في حياتِها إلاَّ مرتين، مرةً إلى قبرها ومرةً إلى بيت زوجِها". وظلت المرأة رغبة رمزية لصراع القوى في المجتمعات العربية، لأنها تمثل عمل اللغةً، فكثيراً ما دلت مفردات الأنوثة على هيكلية تلك المجتمعات، وكيف تعيش؟ والسؤال المبدئي: ما هي المرأة؟!! على سذاجته المفرطة، يعدُ أعقدِ الأسئلة التي قد تتحدى الإنسانُ العربي المعاصر. لأنه يَحتاجُ إلى الكشفِ عن طباقٍ من الجليد الفكري والاجتماعي التي عَلقّت بالأوليات. لدرجة أنَّها أخفتها. وكونت حولها مسارات أخرى للرؤية والحركة. كانت النتيجة أنْ تنامت الثقافة الأبوية فالتهمت ما يقابلها من ظواهر، بل وضمنت محددات تاريخية أفرزت أوضاعاً آسنة ألحقت تشويهاً بنيوياً بالديمقراطية والتنظيم الاجتماعي.

وهناك الاختلاف بين المذاهب إذ أفرز ظواهر عديدةٍ، منها ما هو ايجابي وآخر سلبي. لقد انتجت المذاهبُ الفكريةُ والكلاميةُ اتجاهات ونصوصاً بالغة الأهمية لفهم وتفسير قضايا كثيرة. وكانت هناك طوال حقب بعينها مسائل حيوية لاقت نقاشاً مثل الإلهيات والإرادة الإنسانية ولغة النص الديني والإمامة. وهي نصوص بها درجة عالية من الترميز والتأويل، ودرجة عالية من العناية بالواقع، حتى وصلت إلى طرح الأوضاع المعاصرة لها بمزيد من التأني. وهي أيضاً نصوص تمثل ميداناً خصباً لطرح استفهامي من قبيل: كيف جرَت تلك الحوارات الفكرية حول الأوضاع الملحة في زمنها؟ ولماذا لم يستمر هذا التقليد خلال حقبٍ تاليةٍ أو غيرها على الأقل؟ وما هي آليات طرح الأسئلة في إطار طرائق الجدل والمناظرات والخطابات الكلامية؟ وتلك الاستفهامات تُصقِل فكرةَ التساؤلِ، وتنحت انطولوجيا تاريخيةً نوعيةً له، وبخاصة أن المشكلات التي أثيرت مازالت تدسُ نفسها إلى الآن عبر واقعنا الثقافي المتراكم.

أما الجانب السلبي من القضية، فهو انفصال الأفكار عن الكتلة الهلامية (المهمشين) من الإرادة العامة في المجتمعاتِ العربيةِ. وهي كتلة متطايرة حول شُعلّ السلطة رغبةً مرة ورهبةً مرة أخرى. حيث تتحلق حولها ولا تبارحها بالخطاب الذي يستميلها نحو الآمال والأهداف الطبيعية للإنسان العادي. إذ تأبدّت زمنيّاً، حتى غدت أهدافاً كبرى، كالغذاء والأمن الاجتماعي والتعامل البسيط مع السلطة. ثم إنَّ هذا الانفصال ولّد مردوداً صراعياً على المستوى السياسي، نظراً لأنَّ السلطة تلقفته وأعطته أبعاداً حياتية. فكانت بعض المذاهب تعبر- أو هكذا تم استعمالها -عن تأويلات السلطة حول القضايا المهمة بالنسبة لوجودها المراوغ في السياق العام. ساعدت على ذلك نشأة الدويلات العربية في أواخر ازدهار الحضارة الإسلامية. وقد كرسّت تلك الأشياء حتميات ثقافية طويلة المدى، لنرى الآن صورة بعض المجتمعات العربية وقد غصت بالتطاحن حول الرؤى والاتجاهات التعصبية. وهي لم تخرج عن كونها شرر لصراعات عميقة حياتياً.

وليس الاختلاف العنيف بعيداً عن المتنوعين عرقياً، وهم من شكلوا في عصر ازدهار الدولة الاسلامية مجموعات حضاريةً منتجةً لهم خصائص وعادات وتقاليد أثرت المجتمع العربي، سوى أنَّ عدم فهم الاختلاف إنسانياً وحضارياً أنتج فكراً حذفياً إزاء المُغايِر. والمفارقة أن هذا الفكر كم استند إلى تأويل غير صحيح للأصول الدينية والعرقية. وغدا الاختلاف العرقي موقفاً حدياً من الآخر، وانسحب نفس الموقف على المختلفين في الدين، ودفع بهم إلى أطراف الحياة العامة، وتم تهميشهم وجوداً وإسهاماً. لأنهم ليسوا ذوي كيانٍ مستقلٍ. والأخطر تم التشكيك في انتماءاتهم العربية. بل جرى أيضاً التنكر لوجودهم كجزء من الإرادة العامة. وإذا تحدد موقف جمعي، تذهب النظراتُ للتفتيش في ورؤاهم. وفي هذا يستطيع السؤال فتح أفاق لقراءة التهميشات، بحيث يكشف علاقتها بالكل الثقافي، وأية أسباب بنيوية تؤدي إلى استثناء (اقصاء) الأجزاء؟

5- سؤال الإرادة العامة:

سؤال الإرادة العامة غير محتمل في ظل التهميش والفرز الثقافي. وأية إجابة من شأنها أن تقاربه قد لا تكون دقيقة. لأن السائلَ والمسئول غارقان في لحالات بديلة ومشوهة لا تسمح بالوعي بهيمنتها. وهي هيمنة تستغل إمكانيات الإرادة العامة الغائبة عن الوجود الكلي، مع ضرورة التنبه أنه لا يتطابق الاسمُ العام الذي تحمله هذه الإرادة مع تأثيراتها وإمكانياتها المتوقعة. وفي تاريخ الثقافة العربية تحديداً لم تسلم هذه الإرادة من الهيمنة والتلون بكافة الظواهر المتسلطة، وهي أيضاً لم تخلص من الشوائب الأيديولوجية والطائفية التي تعلق بها من حين لآخر. والأهم من ذلك كله أنَّ مصطلح الإرادة العامة ليس له مكان في التراث العربي، لأنَّه غير موجود إلاَّ بدلالة "الإجماع" دينياً و"المبايعة" سياسياً. وهذان الأخيران يتلونان مذهبياً أكثر منه سياسياً ومدنياً بالمضمون الجمعِي.

 والسؤال: ما المفترض للإرادة العامة كي نري ما حدث داخلها عكسياً؟

أ‌- يُفترّض أنْ تكون الإرادةُ العامة جامعةً مانعةً بعبارة المنطق، حتى تشمل كافة أطياف التنوع، وتستوعب حقيقته.

ب‌- يُفترّض أنْ تحقق فعلها بالاختلاف، أي تمارس دورها عن طريق التعبير به دون إسقاط لأي جانب من جوانبه، لا العكس بأن تدفع الاختلاف لأن يعبر عنها؛ أي لا ينبغي الدعوة إلى توحيده تحت مزاعم كثيرة مثل "المصلحة العليا للوطن"، "السلم الاجتماعي"، "الاستقرار الأمني". وهي مزاعم بحسب سياقها ليس المقصود منها إثبات ما تؤديه بقدر ما تعبر عن مضمون ليس فيها.

ت‌- يُفترّض عدم انحياز الإرادةُ عامةً إلى فئةٍ أو طبقةٍ أو أفراد بعينهم. وهذا ما يجعلها على اتصالٍ مباشر بالحقوق والقوانين والتنظيم السياسي الفاعل، ناهيك عن ارتباطِها بالمعايير الكلية. والعمومية لا تعني حالةً صوريةً، بل تُجسِد الاتفاقَ من خلال الفعل العام الذي يلقى قبولاً بحكم الاختلاف لا التطابق.

ث‌- يُفترض استقلال الإرادة العامة رغم أنَّ مغذياتها تشدها نحو التمركُز السلطوي، إن الاستقلال ليس معادِلاً شكلياً لواقع عيني حي، وإلا لمارّس قهراً على نفسه، إنما بحكم تعريفها لابد أن تجد مجالاً غير قابل للسيطرة عليه و يستعصى تشكيله وفق الأهواء والرغبات.

ج‌- يُفترض أن تأخذ شرعيتها استناداً إلى مرجعيةٍ متفقٍ عليها غير قابلة للانحياز على حساب الآخر، وبالتأكيد تكون المرجعيةُ هذه ضامنةً لتحديد المسار وتصويبه إن انحرف. لكن لن تكون الإرادةُ العامةُ نسخةً طبق الأصل من المرجعية، لأن الاستمرارية الثقافية وعمليات استغلالها تُراكِم حالةً تاليةً وملاصقةً لجوهرها.

إذا فهمنا تلك النقاط على نحو مقلوب، سنعرف إلى أي مدى حدثت انحرافات للإرادة العامة. لأنَّ الواقع التاريخي يعين هذه النقاط ويمنحها شكلها، كما تبرز وقائعه نقائض المفترضات السابقة. ولا مهرب حينئذ من التساؤل حول كيفية تكون النقائض التي تقلب اللغة قلباً جذرياً إلى حد تعرية الأشياء، ولماذا تتغاير الإرادة العامة من مرحلةٍ إلى أخرى؟ وما هي أشكال الهيمنة التي تخضع لها؟ وما سبب تَوفُر الشروط التاريخية لهذا القلب؟

 خاتمة

 علينا الخروج من أسر المقولات التقليدية تجنباً لاجترار الأفكار حول فهم التراث وأساليب انحرافه. وبحكم المنطلقات الاستفهامية ينبغي رفض مجرد القراءة دون تقديم مفاهيم كبرى ودون تأسيس فلسفي للتفكير في هذا الشأن. إذن المسألة الحيوية: كيف نصُوغ منظوراً فلسفياً جديداً حول أكثر الأشياء ألفةً، مثل اللغة، التراث، المجتمعات، التقاليد؟ لنكتشف كم هي غرابة عجيبة حول ما كنا نألفه، إنْ لم يكن المألوف برصيده الثقافي، فعلى الأقل بحضوره المتواتر. ودلالة الأسئلة تحمل آفاق الرؤية الفلسفية الجذرية، حيث إمكانية التفكير تأسيساً لخطابات التراث و نقد صوره وعودته عبر اللغة.

 إنَّ التساؤلية هنا طريقة استراتيجية إزاء تكوين الموروثات والذهنيات وقضاياها في متن الحياة وخصوصيتها الثقافية سعياً نحو بلورة فلسفة حول اللغة والعالم والتاريخ والحقيقة. فهذه المفاهيم جزء من معطى الاستفهام. كل سؤال يأخذ شحناته الفلسفية من قدرته على التجاوز وملامسة الكل الثقافي والكوني. وغياب الأسئلة مغزاه أن مجتمعاتنا العربية أرقام بشرية مهملة بلا علامات استفهام قصوى. فالاستفهام حول المصير علامة مناعة فكرية لا تقل عن مناعة الجسم الاجتماعي، هذا التي ينبض أوقات التحول. إنَّه مسألة حياة مع الأمور اليومية والتاريخية. فأنْ نسائل الأعماق الراقدة داخل لغتنا وسلوكنا وكياننا يسبر أغوارها منقباً عن حياة متجددة افتقدناها في واقعنا العربي.

"مستقبل التراث" أحد الموضوعات الشائكة بلا منازع، لأنَّ عمقاً تاريخياً للثقافة العربية لن يوجد إلاَّ داخل حدوده. كيف نتمكن من عبورها لملامسة الإنسانية الرحبة خارجنا؟ فالتراث ليس صندوقاً سحرياً لأفكار وتقاليد إنما يشكل فضاءً خطابياً، التراث كامن- بترقب وصمت شديدين - داخل اللغة التي نتكلمها. وهي في الوقت نفسه تتكلمنا في كل لحظة وتسمح لنا أو لا تسمح بالتفكير. وهذا سر طاقة التراث النابضة في أفعالنا إلى اليوم. ولماذا تحول على ألسنة دعاة التطرف الديني إلى رصاص اغتيال ومتفجرات قاتلة؟ فكل تأويل ارهابي للنصوص مغلَّف ضمناً بقبول وجوه التراث لدينا، كل نزوع طائفي يستند إلى تأسيس تراثي ما، وكل مشروع تجديدي يسير بنفس الوتيرة أيضاً.

فمازال العربي يسكن تراثه أخلاقاً وسياسةً وتأويلاً دينياً. ونظراً لكون سكناه غامضة ولا يمتلك أدوات تجديدها، فإنَّه سيكن ظلاماً في ظلام دون حرية. كان يفترض أن يملك هذا العربي وعياً نقدياً حقيقياً على الأقل. بالتالي: أَمَا آنَ لهذا "الكائن التراثي" أن يسائله بقوة وتنوع في المجال العام؟!! كيف تتكون اغواءات التراث داخلنا، كيف يتأتى كحقائق افتراضية في المستقبل؟ من ثم أهمية تحليل وضعيته المراوغة ماضياً ومستقبلاً، وابراز الجوانب المتعلقة بالتساؤلية في مداها الأوسع. ذلك يوضح بالتالي أثر اللغة في فهم (وسوء فهم) قضايا التراث ومناقشة الأسئلة الغائبة (المحذوفة) داخله، مثل أسئلة الإرادة العامة، الحرية، الاختلاف، الإبداع. فالسؤال سيمثل - بملابساته، حفرياته، مستويات طرحة وصيغه المختلفة- خطاباً وأسلوباً للتفلسف.

 

د. سامي عبد العال

...........................

- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، قدم له عبد الله العلايلي، أعده يوسف خياط، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان 1988.

- أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم وتعليق، محسن مهدي، دار المشرق، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990.

- ادموند هوسرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة لطفي خير الله، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطبعة الأولى2009.

- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، الجزء الثاني ( H- Q)، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت باريس، الطبعة الثانية2001.

- حسن حنفي، التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980.

- على أحمد سعيد (أدونيس)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، لبنان 1986.

- القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، الجزء الأول والثاني، تحقيق عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة الطبعة الأولى 1969.

- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة (دراسات ومناقشات)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2006.

- Bertrand Russell, An Inquiry into Meaning and Truth, (The William James Lectures For 1940), Penguin Books, London, 1962.

- Edmund Husserl, Idea 1, Translated by W.R. Royce Gibson, Macmillan, London,1962.

- Edmund Husserl, Logical Investigations, Translated by J.N. Findlay, Routledge and Kegan Paul, London.1970.

- Ernest Cassirer, The Power of Metaphor, in: Pierre Maranda, Methology, Penguin Modern Sociology Readings, London, 1972.

- Geoge Simmel, On Individuality and Social Forms, Selecting Writings, Edited and With an Introduction by Donald N. Levine, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1971.

- Hans-Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics, Translated and Edited by David E. Linge, University of California press, Berkeley  Los Angeles London 1976.

- Jacques Lacan, ''Subversion of Subject and Dialectic of Desire''; Jacque Lacan, Ecrits; A selections, Translations from French by Alan Sheridan, Tavistock Publication, 1977.

- Jane Heal, Mind, Reason and Imagination, Selected Essays in Philosophy of Mind and Language (Cambridge studies in Philosophy) Cambridge University Press, New York 2003.

- Martin Davies, Meaning Quantification, Necessity; Themes in Philosophical   Logic (International library of philosophy) Routledge and Kegan Paul , Boston London,1981.

- Martin Heidegger, The Age of The World Picture, in: The Question Concerning Technology, And Other Essay, Translated and With an Introduction by William Lovitt, Harper Torch Books, New York, 1977.

- Paul Ricoeur, The Conflict of Interpretations; Essays In Hermeneutics, Edited by Don Ihde, Northwestern University Press, Evanston III1974.

- Pierre Guiraud, Semiology, Translated by George Gross, Routledge& Kegan Paul, London and Boston, 1975.

- T.M. Janssen, Composition of Meaning, in: Concise Encyclopedia of Philosophy of Language, Edited by Peter V. Lamarque, R. E. Asher, Pergamon, New York, 1997.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5327 المصادف: 2021-04-06 01:55:13


Share on Myspace