 أقلام فكرية

سامي عبد العال: أصداء المقدس.. الصوت والمعنى (2)

سامي عبد العالعَبْر جوانب الثقافة الإنسانية، يستحضر الصوتُ فضاء اللغة دون إبطاءٍ، اللغة ضرب من العالم الظاهر- الخفي المؤكِّد لوجودنا المشترك. واللغة هي التي تقول للصوت (كما يقُول لها بالوقت عينه): ليس من مجالٍّ خارج هذا التأثير المتبادل. فالإنسان قد يَعي وجوده وقضاياه الحياتية، ولكنه ربما ينسى أنَّ هناك وسيطاً يحددُ: ما معنى أنْ يعي؟ وكيف سيعي؟ وإلى أين هو ذاهب ذلك الوعي؟ ومن ثمَّ يتخفى الصوتُ لدرجة التلاشي مستعيناً بقوة اللغة على ايجاد سلطته القُصوى. وهو كصوتٍ لن يجدها سلطةً بعيدةً عنه إلاَّ إلى درجةِ التلاحم بمعانيه وتأويلاته لكيفية الفعل والتفكير.

ينطوي كلُّ صوتٍ مقدَّس على أمرٍ لا يخلو من إلزامٍ ما. بدليل أنَّ عملية الإسماع (أي إبلاغ الصوت إلى الأذن) تمثل هدفاً للصوت في ذاته، فليس يوجد الصوتُ الذي لا يُسمع إطلاقاً. لأنه في هذا الحال (لو كان غير مسموع) سيفقد وجوده من حيث المبدأ. وسيكون عُرضَّة للضياع، بينما يؤكد التاريخ: أنَّ أصوات المقدس (بأشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية) لا تذهبُ هباءً دون عودةٍ. فمن طبيعة تكوينها: أنَّها تعبر عن شيء باقٍ وخارج السيطرة. هي إملاءٌ لا يبلغه الإنسان عرضاً، إنما عليه الانصات والتوقف والتحين إلى ما ستقول.

والحقيقة أنَّ كل (بديلalternative) لصوت مقدسٍ سيجدُ المعنى محفُوراً بهذه الفاعلية. وعليه أنْ يسير عبر هذا (الجرْف) بين البدائل كأنَّه يسير خلاله لأول مرة. لأنَّ الصدى الحاصل سيجدد له الحالة التي خاضها الصوت الأصلي. وبهذا التكون، فإنَّ الثقافة كلها عبارة عن أصواتٍ مقدسة وشبه مقدسة تتحاور وتتجادل وتتصارع وتتحارب بالتأكيد. هي عملية (الاحلال والتبديل) التي تحدثت عنها في نقطة سالفةٍ. وهي الآلية التي تتم بإمكانيات اللغة، فقد يحرص (المتسلطون والمستبدون والأيديولوجيون..) على إطلاق الأصوات بعد الأصوات قيد الهواء، جرياً على أنْ يشعر المتلقي (المستمع) بقوة الإلزام الذي يسكنها. إنَّ الصدى هو التواتر الضمني الذي يؤكد سلطة المعنى إزاء قوة الإحتمال المفترضِ. ولذلك ستكون الثقافات الشفاهية ترديدُ لأصوات مكرورة من فمٍ إلى فم ٍآخر ومن أذنٍ إلى غيرها ومن جيل إلى جيل. الترديد الذي سيُكِّون في النهاية (فيزياء الصوت)، حيث لا تخلو من قوانين الجاذبية الشديدة، إنْ لم تكن المستحيلة!!

اجترح القرآن معنى مختلفاً لم يكن معهوداً على الأذن العربية .. وإنْ كانت تمارسة دون وعي. يقول القرآن: " ..أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِين". (البقرة 19) إنَّ دقة المعنى من خلال المجاز المرسل في الآية هو إبراز مبالغة غير المؤمنين في نفورهم من سماع (صوت القرآن)، فكأنهم وضعوا (الأصابع كلها) داخل الآذان مبالغةً في كراهية السماع. مبالغة تكشف عما في نفوس هؤلاء القوم من نفور لفكرة السماع.. من أجل ذلك عدل النص القرآني عن كلمة (الأنامل - أطراف الأصابع - التي هي المناسبة لحجب الصوت) واستعمل كلمة (أصابع التي هي غير مناسبةٍ) اثباتاً لصورة المبالغة التي انهمك فيها المعرضون.

لكن الحقيقة الثقافية أنَّ الصوت سلطة لا قبل للمتلقي أنْ ينتظم وجودها، هؤلاء المعاندون للقرآن يدركون جيداً فحوى أن يكون هناك امتثال للصوت المختلف. لأنهم عارفون ومتدربون بالثقافة الجارية على خطورة الشفاهية في تشكيل الأفعال والوعي. فالخوف كل الخوف كان من الصوت القرآني بتلك الحمولات المقدَّسة التي ستقارع التاريخ، أو بالأحرى سيفتتح الصوت الجديد (القرآن) تاريخاً مختلفاً لعملية الإسماع وتكون المجتمع والفكر. بينما هم سائرون على درب الصوت الذي يعهدوه في حياتهم. ورغم كون القرآن لا يذكر لفظة الصوت مباشرة، لكنها كلمة تمثل الفضاء الذي يربط المعاني الواردة في الآية. وليس هذا فقط، بل يوضح القرآن خطورة الصوت كتكوين وجودي ثقافي معاً. يقول القرآن عن هكذا معنى في سياق آخر: " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا " (المزمل 5). والثقل أيضاً يؤكدُ على المجاز التاريخي لحياة الصوت الجديد (القرآن)، وماذا يفترض من المستمعين له في حياتهم، ذلك بالنسبة لآذان اعتادت الخضوع لصوت تقليدي (صوت الآباء).

كانت أصوات الآباء بالنسبة للبيئة الثقافية العربية التي نزل فيها القرآن هي أصوات لا يجدون حلّاً منها. ولاسيما أن الأبوة في الثقافات الشفاهية صوت رمزي غالب يجلب كافة الإكراهات التي يخضع لها الإنسان. وبحجم هذه الأبوة الصوتية كان القرآن نفسه يجد صعوبة بالغة في زحزحتها.." بل قالو إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون" (الزخرف 22). والمقصود هنا زحزحة الصوت في حياة تلك الذهنيات الأبوبة وكان الإقرار مسبوقاً بفكرة ارسال النذير كما أورد القرآن في مقدمة الأية الآخيرة. والنذير هو الصوت المختلف الذي يحاور صوتاً راسخاً رسوخ الترديد والتكرار، ولهذا كانت الإجابة بفعل القول (قالوا إنا..)، بمثابة هذه الإذن الضخمة بمقدار ضخامة الصوت.

1- يكشف القرآن معالم الصوت في الجانبين (صوت الوحي وصوت الآباء) ارتباطاً بمعالم الثقافة الشفاهية السائدة. ويوضح أنَّ الصوت يتماهى مع تكوينها، لدرجة أنَّ تغييراً لهذا التعاضد أمرٌ شديد الصعوبة والبأس.

2- استطاعت الثقافة الشفاهية أنْ تجعل من (تجربة القرآن) مع الآذن العربية مجالاً لممارسة البدائل (أي سرقة هذا الصوت المقدس باسم القبيلة والعشيرة والسياسة والدولة والأفراد والجماعات والتنظيمات). وهذا نوع من التلاعب التاريخي بجوهر كلِّ جديدٍ بإختلاف مشاربه ناهيك عن كونه تلاعباً بالصوت الأول المؤسّس للوعي في الإسلام.

3- تعدُّ (ذهنية الصوت) مكونةً بدرجة من التعقيد والتركيب الثقافي لحد أنَّها تتوجس من سلطة الصوت المقدس، ولذلك هي تلوي وجوده وتغتصبه بالمنطق ذاته. أي تجعل من صوتها الأدنى مقدساً رافعة إياه إلى أعلى درجة عوضاً عن الانصياع للمقدس الأصلي.

4- هناك جانب معكوس في قضية الصوت اتاحها القرآن كوحي، حيث قام الوحي بتعرية هذا التاريخ وتعرية البدائل المنحرفة ضمن تلك الفجوة التي كان يملأها الصوت كما سنوضح.

فالتعامل مع صوت القرآن كان في تاريخ المسلمين في غير موضعه تماماً، لأن الأنظمة السياسية والعائلات الحاكمة والأنظمة الاجتماعية كانت تستولى على هذا الصوت وتجعله صوتها الأثير استثماراً لتجربة الوحي وقدرته على إبراز تاريخ الصوت بكل قداسته التي تفوق قدرات البشر والحياة الإنسانية. استثمار يضخُ في الصوت نبرات الهيمنة والتحكم في البشر.

الوحي- الصوت النموذج

في الثقافة العربية الإسلامية، رسَّخ وكشف مفهوم الوحي نموذجاً صوتياً فكرياً بعينه. حتى كانت التجربة الأصلية (الخاصة به وبالنموذج الساري المترتب عليه حتى الآن) فوق مستوى الحس البشري. ولم تتلاش آثارها بسهولة كما حدث مع تجارب أدبية ابداعية خطَّها (على سبيل المثال) الجاحظ وأبو العلاء المعري وابن المقفع وبعض أقطاب التصوف والحياة الروحية. هؤلاء تمَّ إهمال نصوصهم نتيجة (ما قالوه هنا أو هناك) بشأن قضايا الاعتقاد والدين والزهد والدنيا والسلطة. إن (تجربة الوحي) في غير (سياقها القرآني) قد وضعت جميع محتويات اللغة العربية داخل سلة التعبير المباشر عن الفكر. كأن المعنى الساري والمتعالي والفائق للوصف هو الأساس الذي يطبع الفكر وليس اللفظ. وهذا أمر لا غبار عليه بالنسبة للنص القرآني كموضوع للوحي وتجربته الخالصة والأصلية في حياة المسلمين.

ولكن في باقي المجالات الثقافية، توجد هناك محاذير حدية إزاء تلك المسألة اللغوية، ولاسيما في المعرفة والفكر والسياسة والتاريخ. أقرب النتائج الخطيرة على ذلك: هو مصادرة (القراءات المبتكرة) لأي موضوع فكري وثقافي مهما يكُّن واضح التشوِّه. وكذلك التحام النصوص بالمقدسات على أنها الخميرة الإلهية المنتشرة في (كافة الدقيق البشري). فجاءت الألفاظ المعبرة عن التقديس، التأليه، التبجيل، بمثابة الخلفية المؤسسة لمفاهيم اللغة العربية. كلُّ اللغة العربية هي عبارة عن خريطة مضمخةٍ بالمقدس والجليل والتفخيم حتى درجة الاشباع الكامل. والدليل على هذا شيوع تلك الألفاظ والعبارات المُراقة مجاناً للأشخاص بمهابة التقديس والمرسومة في بداية النصوص والمصنفات ومقدمات الرسائل الأدبية والدينية ومفتتح الخطابات العامة (شيخ الإسلام فلان، وحجة الإسلام فلان، العالم الرباني علان، بديع الزمان وعلامة الدهر ترتان .. وهكذا).

وهناك انتشار لألفاظ أخرى تتعلق بالحمد للخالق (الواجد والماجد) وصولاً إلى الثناء على الحكام والأسلاف والأولياء (أي الخلط بين التوحيد والوثنية مرةً أخرى). حتى وإنْ كان الموضوع المتحدث عنه علمياً صرفاً كموضوعات الطب والهندسة وكتب الأعشاب النباتية والجغرافيا والهندسة مثلما هي واسعة الاستعمال في نصوص التراث المعرفي والفكري العربي. وهذا يفترض الوقوف عند الحدود القصوى لنهايات التفكير للإمساك بكيفية نفاذ المعاني هنا أو هناك.

ولِمَ نذهب بعيداً على نحو مجرد، ففي مقدمة كتابه " فقه اللغة وسر العربية " .. يقول أبو منصور الثعالبي الملقب بإمام اللغة: " من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقُه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلاَّ قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، للذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحَسبّة .. " (الإمام أبو منصور الثعالبي، كتاب فقه اللغة واسرار العربية، المطبعة الأدبية بسوق الخضار، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى 1317، ص ص 2- 3.).

أولاً: يتحدث الثعالبي (كما لا يُفترض أنْ يفعل في هكذا سياق!!) بمنطق الفقهاء عن اللغة. ومماثلة كتابه على نحوٍ معلن بالفقه لا يختلف عما ينذره رجال الدين من نصوص لخدمة أهدافهم وأهداف السلطة. ونحن نعرف أنَّ متن الفقه الاسلامي ليس خالصاً خلوص القرآن مثلاً، لكنه معجون تاريخياً بنوازع المذاهب والصراعات بين الطوائف تحت أعين السلطة السياسة التي لا تنام. والثعالبي هنا يتحدث عن اللغة التي هي نتاج ثقافي تاريخي بالدرجة الأولى. فاللغة هي اللغة المتغيرة والقابلة للتطور أو للركود (أو هكذا يفترض أن تكون)، وقد لا تعبأ اللغة العربية تاريخياً بالقداسة، لكونِّها محتملة التداول والتطور. حتى وإنْ كانت هذه اللغة مقدسةَ الأصل (على حدِ الاعتبار المشار إليه)، فإنَّها ستقطع الحبل السري بالمصدر، نتيجة الانحرافات الثقافية عن الأصول والنماذح العامة.

ثانياً: لم يبدأ الثعالبي بنظام اللغة كما فعل عبد القاهر الجرجاني مثلاً. لكنه وضعها على طريق صوت المقدس الموروث وبدائله مباشرةً. فالحب لدى الثعالبي كما أشارَ هو المؤدي إليه (على غرار قول بشار بن بُرد)، ومن ثمَّ سيؤدي إليها كذلك في نهاية المطافِ. والحب هو الرابط بين الله واللغة مُروراً بالرسول والرسالة والناس. والأسئلة الواردة منطقياً هنا والتي كان يجب طرحها: هل غير المسلمين في المجتمعات الاسلامية لا علاقة لهم باللغة العربية ولا بأسرارها؟! هل لا يتقنونها كتابة وتواصلاً وابداعاً؟ هل لم يسهموا فيها ولو بشيء قليل؟ فالغريب أنَّ الثقافة العربية الاسلامية قد أدلى فيها بشكل لافت وثري منْ لم يؤمن بالإسلام أصلاً كالمسيحيين واليهود وأصحاب الديانات الأرضية واللادينيين. وهذا ما حدث بصدد دارسي العربية الحديثة والمعاصرة (أحمد فارس الشدياق الذي كان مسيحياً قبل اسلامه، بطرس البستاني، أنستاس الكرملي، ناصيف اليازجي، ابراهيم اليازجي، سعيد الخوري الشرتوني، جبور عبد النور، جبران مسعود ..). إذن بدا كلام الثعالبي منذ عصره عنيفاً وقائماً على تصنيف البشر باعتبارهم مغايرين في الديانة إلى أبعد درجةٍ ومن ثم فهم من وجهة نظره واقعون، بل مطرودون خارج اللغة العربية.

ثالثاً: اللغة العربية بقول الثعالبي تمثل ظاهرة هامشية على جسم المقدس الشفاهي. هي كانت مجرد زائدة ثقافية تخرج عن الحاجة في هكذا حال. وكون أنظمة اللغة مرتبطة بكلمة فقه، فهي لا تختلف عما يعتري المقدس من أعراض جانبية لنسغ أساسي يمتد نحو المرجعية التاريخية الثابتة. وعلى التوالي ستكون سلسلة هذه المرجعية هكذا: الله – الوحي- الرسول- القرآن العربي- العرب- اللغة العربية من أعلى ألى أسفل والعكس. وكأنَّ اللغة العربية كظاهرة إنسانية لدينا نحن البشر تعدُّ (ظاهرة توقيفيةً) بالتراتب الديني الثقافي التاريخي.

رابعاً: اللغة العربية في كتاب الثعالبي معبرة كذلك عن تراتب- لاهوتي عرقي. حيث أنَّ إيمان المسلمين بالله أعلى من جميع الأشكال الأخرى من التأله لدى أي أناس آخرين. وهكذا سيكون (كتاب القرآن) أفضل من كل الكتب السماوية، وهذا شيء تلقائي داخل الإسلام. وبالتالي فأمة العرب هي أفضل من جميع الأمم الأخرى وأعلى كعباً وسبقاً من كل الشعوب. وأنهم الأمة المختارة من قبل الله (ولتكن خير أمة أخرجت للناس). وإذا كان القرآن عربياً كما يوصف نفسه(إنا انزلناه قرآنا عربياً)، فالعربية (الحرف والجينات والمعجم والعرق والأصوات) خارج المقارنة مع اللغات الأخرى. إنها عندئذ حروف تساوي وتترجم، بل تختلط بالجينات الحية للعرب. أي أن هندسة اللغة العربية هي الهندسة الجينية للعرب أنفسهم لا غير.

خامساً: يتحدث الثعالبي عن اللغة بنبرة أخلاقية دارجة بحسب شيوع سلطة الثقافة. فاللغة العربية (من وجهة نظره) خير اللغات.. هكذا مرةً واحدة. واللسان العربي نطقاً هو أفضل الألسن على الإطلاق. وتلك النبرة ليس لها علاقة من قريب أو من بعيد باللغة كنظام للدلالة والمعنى. في حين أن الأهم : هل هي لغة قد استوعبت التجارب الإنسانية بشكل دال أم لا ؟ كيف أحدثت تطوراً في التفكير والثقافة والمعارف ؟ وهل اللغة قادرة على مواكبة التغيرات الجارية أم غير ذلك؟ .. فتلك أسئلة لم يتطرق إليها الثعالبي إلاَّ شذراً. حاملاً إياها على الامتياز التاريخي للغةٍ لا تأخذ مكانتها إلاّ بحسب معايير مغايرة تماماً.

سادساً: اعتبر الثعالب اللغة العربية خادمةً للدين حصراً. لأنَّها اللغة الأقرب للإيمان وزيادة اليقين بالإسلام وهي المؤيدة منه وبه. والمدهش في هذا الكلام هو تحويل اللغة من دلالات حرة إلى نوع من الأيديولوجيا القُح. وبالتالي تصبح اللغة العربية سوقاً عاماً لأغراض وبدائل المقدس السائد في كل عصر بجميع أنماطه. وهذا الأمر هو الواقف وراء جعل اللغة العربية لاهوتاً معجمياً ويصعب عليها أنْ تتطور مع الاتجاهات اللغوية المعاصرة. لا لشيءٍ إلاّ لأنها تحتفظ بقداسة (هي المناعة الذاتية) ضد تحولات المعرفة وتطوراتها.

أي لقد أصبح صراع المقدس داخل فضاء اللغة العربية مع كل النقائض التي يخشاها أصحابه. يوضح ابن تيمية جذر المسألة وهو العارف الخبير بأدلجة السلف وأفكارهم: " ما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام".

إذن ليست اللغة لغةً في نهاية الأمر بل أداة حافظة، ناقلة خارج التاريخ مهما يكن. وأن طريقاً لاعتبار الدين متفرداً في نفسه إنما أن تغدو اللغة قوالب مصُوغة سلفاً قبل خلفٍ. وأن هؤلاء المؤيدين لشعائر العرب وحيواتهم هم أنفسهم المؤيدون للتصديق على شعائر الدين. وكأن مسألة المطابقة (هوياً وأصولياً وعقائدياً) بين جوهر الدين وأصل اللغة مسألة اعتقاد صارم. وينبغي علينا في عملية التعبير تتبع هذه الآثار غير اللغوية حتى نفهم أهميتها. يحدد ابن تيميه أيضاً بعين الأيديولوجي: "... وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويّاً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق ". وابن تيمية بالتأكيد لا يقصد اللغة لذاتها إنما يخاطب الهوية العميقة من خلال الوحدة الأولى بين اللفظ وصوت المقدس.

إنه التصور اللاهوتي للغة السائر في تضاعيف التاريخ العربي. فلن تكون اللغةُ ظاهرة مستقلةً بحال. دوماً ترتهن هذه اللغة ببداية مطلقة، نقطة لا سابق إنذار لها بتاتاً. فهي لغة السماء المطلقة وأيضاً لغة الامتياز الحضوري للمعاني الإلهة وهي لغة أهل الآخرة. ولهذا يراها الفارابي (بتعميد فلسفي لاهوتي) لغة الآخرة: بأنَّها من كلام أهل الجنّة، و لسانها هو المُنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمُعلّى من كل خسيسةٍ، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً.

هكذا يربط الفارابي اللغة بغاية أخروية لا تنفك عنها رغم أنه فيلسوف والجانب العقلاني فيه أكثر من الجانب الديني أو على الأقل ينظر إليه برؤية منفتحة. وكأنه يقول إنَّ الامتياز العرقي الذي يميز العربية سيستمر إلى كل غاية قصوى. وأنها فوق ذلك تمثل ظاهرة مؤقتة في الحياة الإنسانية، عابرة كحال الدنيا التي نحياها ونرتحل عنها بين الفينة والأخرى. وكلام الفارابي – الذي يفترض أن يكون فلسفياً- إنما هو دجما دينية خالصة. وبفضل أسبقية صوت المقدس فإن نقطة التبادل هنا بين الفلسفي والديني تتم ببلاغة الايمان والاعتقاد. ولهذا فإن جميع الجوانب الفلسفية لخطابات المفكرين العرب تغرق في مرحلة أو أخرى داخل تقاليد الدين. إن غياب التفلسف في الثقافة العربية بمعناه الحقيقي يرجع إلى انعدام الوعي بأصداء المقدس وآثاره. وهو انعدام بمفهوم الاعتقاد الديني المطلق الذي يحجب أيَّ شيء سواه حتى انكاره. وأنَّ نقد وكشف آثاره على التفكير في غير موضعها لم ولن تتم بشكلٍّ كاملٍّ.

هنا علينا التنويه بأنَّ اللغة ستكمل مسيرتها رغم التحامها بأصداء المقدس. فهل حضوره في شكل أصداء سيواصل دفقاته؟ وبخاصة أن اللغة العربية (كأية لغةٍ أخرى) تنطوي على تناقضات داخلية هي أساس نظامها الدلالي والتواصلي. واللغة بالتالي سواء أكانت العربية أو غيرها ستُغيّب ما يظن الناس حضوره إلى درجة التقديس. هي في الآن ذات الذي تسمح فيه بالتقاط أنفاسه، ستخضعه لقوانينها المؤقته والقابلة للتغير. إنَّها ستؤرخه كحادثةٍ في آفاقها الحُرة والمتنوعة، أي ستعدده، ستجعله مختلفاً، ستمزق جوانبه ودلالاته، ستتأوله وتفتح الطريق لتأويلات أخرى، ستشذر معرفته وآفاقه. وهذه أمور معرفية وفلسفية (طبيعية وتلقائية) تماماً في جميع اللغات الحية. بل وعلى المدى البعيد تشكل اللغة في الحياة الانسانية الغسق لكل أيديولوجيا، إنها خارقة المفاجئات إلى حد الإدهاش. إذن كيف سيظل صوت المقدس مقدساً رغم تقطيع أوصال المعنى؟ إذ ليس ما أفهمه هو نفسه ما يفهمه سواي وإذ ليس ما أسمعه هو ذاته ما يسمعه غيري و إذ ليس ما نعقله سوياً هو عين ما يعقله الآخرون!!

إنَّ الألفاظ اللغوية عبارة عن أجداث وبقايا تحتاج إلى تنقيب في حواشيها باستمرار. هي تتطلب بعثاً جديداً كلما تسرطنت بالدجمائيات والأيديولوجيات التي تعتبرها مقبرة للواقع والزمن. وبمقدار تعدد جوانب أية لغة وثرائها بمقدار ما تعتبر لغةً قادرة على التطور. ويستحيل أن يستقر ما يوضع فيها من فكر بشكل ثابت لدرجة الجمود. لأنَّها كل للغة تنطوي على تبذير وإهدار دلاليين لكل احتياطها من أصداء القداسة. اللغة قريبة الجذر من اللغو، التفريغ، التفضية والاختزال والتبذير. بل تظل مفتوحةً ليلاً ونهاراً على الترحال، التجوال، التشتت بمفهومها ما بعد الحداثي وغيره. وهذه شروط ماهوية تحددُ جميعَ أبنية اللغات ووحداتها العامة سواء أكانت بصدد اللغة العربية أم غير العربية. اللغة مسكونةُ بهذه التوالدات والتحورات الخلاّقة، وذلك لكون عقل الإنسان فيضاً لا يتوقف من الاعتبارات النوعية والصور والأحكام والمعارف غير المستقرةِ.

 

سامي عبد العال

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5440 المصادف: 2021-07-28 03:45:12


Share on Myspace