 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: الذات والمعنى الادراكي

علي محمد اليوسففي هامش صفحة 75 من كتاب التصوف البوذي والتحليل النفسي ورد "الانبساط – يعني به انفتاح الذات على العالم الخارجي - هو اتجاه اهتمامات الشخص صوب الخارج بدلا من التوجه صوب افكار الذات ومشاعرها، وهذا عكس الانطواء والانكباب على مشاكل الذات والتاملات الباطنية". طبعا العبارة ركيكة المعنى فلسفيا في فصل الذات عن الكينونة الانسانية الفاعلة لذا نقوم بضوء مغادرة الصياغة الخاطئة لها في طرح تساؤلات مثل هل الذات غير النفس وكلاهما غير الكينونة؟ وما الفرق بينهم؟ وهل الذات لا تعرف حقيقتها الا في الانفتاح على الخارج ولا أهمية لانكفاء الذات نحو الداخل لاجترار افكارها العقيمة!؟ هل الذات هي الشخص (كينونة الانسان) بكامله كما ورد في نص العبارة؟

أعتقد الاجابة المباشرة على تساؤلاتنا الفرعية عن أصل عبارة الاقتباس تحمل ازدواجا تداخليا ايضا حيث تكون الاجابة هي الطبعة الثانية من الاشكالية الواردة في التساؤل. بمعنى الاجابة المباشرة الاختزالية لا تحل اشكالية الالتباس التساؤلي الوارد. فأولا يبرز لدينا أن جميع مدركات الذات هي في نفس الوقت مدركات نفسية وعقلية ايضا. بمعنى وحدة الموضوع المدرك من الذات والنفس وما تدركه الذات تدركه النفس ولا مجال التفريق الاعتسافي بين ادراكين مختلفين افتراضا لموضوع واحد قائم انطولوجيا بمحدودية موجودية معينة.

إذن بماذا نميز بين ادراك الذات وادراك النفس؟ اذا نحن حاولنا الاجابة من منظور علم النفس الفرويدي تقليديا نجد النفس هو ماتحتويه من ادراكات استبطانية منكفئة نحو الداخل الاحاسيسي يتصدرها يقظة الضمير وتحفيزالعواطف والغرائز بانواعها المكبوتة نفسيا والمتاح اشباعها منها على السواء وفي بعضها رغائب غير متاح اشباعها.

بهذا المعنى تكون النفس تخارجيا داخليا إستبطانيا مع عالم داخلي لا تستطيع التعبير عنه باللغة. وخارج هذا الفضاء الذي يجمع النفس مع العالم الخارجي ليس هناك سوى فضاء الذات المنبسط المفتوح الذي يمكن التعبير عنه لغويا ليس في معرفته الموجودية التكوينية وحسب بل وفي معرفة الذات إدراكها لذاتيتها الحقيقية واستيعاب رغائب النفس ونوازعها. من خواص الذات الانسانية أنها تمتلك لغة التعبير عن مدركاتها من العالم الخارجي بخلاف ذلك لا تستطيع النفس ممارسة هذا الجدل مع الخارج بلغة تعبير لاتكون خاصية الذات قبل خاصية النفس التي لا تمتلكها.

أما الذات فهو حصيلة تراكم خبرة ما يشكله العالم الخارجي من ضغوطات ومؤثرات ومساحات تماس مادية وتقاطعات مع الذات لا يمكن للعقل تجاوزها في عدم إعطائه ردود افعال الذات المدركة لها.

الحقيقة أن معطيات ومدركات اشياء العالم الخارجي هي التي تعطي الذات قدرة التحكم الادراكية في مرجعية (العقل) لها وبغير هذا التداخل لا تعي الذات نفسها ولا تعي المحيط من حولها ولا تستوعب أحاسيس النفس في رغائبها. الذات هي جوهر الانسان المحوري لكنها لا تمثله بكينونته الموجودية كاملة.

إثبات وجود الذات الحقيقية العقل الذي هو مدركات المحيط الذي تدركه الذات وتعيه. بمعنى توكيد الذات ليس كما هو توكيد النفس، فالذات خاصّية عقلية مفكرة في موضوعات العالم الخارجي، بينما تكون النفس هي الاستبطان الادراكي الداخلي ايضا المتكون من خبرات موجودات العالم الخارجي في حالة الكبت والكمون بعدم الافصاح عن نفسه من دون تعالقه التعبيري اللغوي الصادر عن الذات لا بما ترغبه النفس بل بما ترغب الذات تمريره في تعبير تجريد اللغة عنه..

في حال فقدنا اثبات وجود الذات في تحققها الحقيقي لنفسها يعني هذا تجريدها من جميع الخصائص التكوينية الفاعلة فيها وكذلك المفصحة هي عنها. خصائص الذات الحقيقية في تاكيد وجودها الفاعل هي كما نراها :

- الذات جوهر عقلي يعلو مدركات العالم الخارجي التي تشكله على الدوام في تجديد مستمر. بمعنى واضح الذات هي مدركاتها لموجودات العالم الخارجي في وعيها الذاتي التجريدي ووعيها لنفسها.

الذات لا تشكل نفسها ذاتيا بل تشكلها مدركات العالم الخارجي التي لها الافضلية والاسبقية في بناء الذات الحقيقية . والعقل الانساني هو ذات متكونة من تجريد إدراكات العالم الخارجي أي قدرة العقل التوليدية للافكار لا تستطيع صنع ذات بمعزل عن مدركات المحيط في تشكيلها.لا يوجد ذات يخلقها العقل بغياب مدركات العالم الخارجي لها ولا من غير تفاعل تخارجي معها.

- الذات تستوعب النفس وتحتويها ولا قدرة للنفس تحقيق خاصيتها الانفرادية الافصاحية التعبيرية بمعزل عن خاصية تحقق رغائب الذات في التناغم المنسجم معها. تعبير الذات عن نفسها وعن مدركاتها هو اللغة المفصحة عن الوجود الخارجي. والنفس تكتسب خاصية التعبير عن احاسيسها الداخلية والخارجية بلغة صامتة فقط. النفس سلوك بالحياة وليس من مهامها القيام بمعرفة العالم قبل معرفة الذات العقلية له.

- الذات قابلية تفكيرية عقلية متخارجة مع عالم خارجي وعالم داخلي نفسي على السواء، والنفس تراكم خبرة تكوينية مكتسبة مجردة. والفرق بينهما هو في قدرة الذات التعبير اللغوي عن ذاتيتها ، في حين تعجز النفس منفردة تحقيق ذاتيتها منفصلة عن تعبير الذات مثلما تستطيع الذات تحقيقه بمعزل عن النفس. الذات خاصية لغوية بمعنى بمقدورها التعبير عن ذاتيتها وعن رغائب النفس التي لا تمتلك خاصية لغوية مستقلة تستطيع التعبير بها عن نفسها مستقلة عن مداخلة الذات بها.

- الذات إتجاه نحو الخارج دوما فهي متشكلة منه منفصلة عنه تجريدا معرفيا. وإتجاه الذات نحو الخارج لتاكيد خاصيتين اثنتين هما اثبات حقيقتها كذات واثبات خاصيتها في معرفة انطولوجيا العالم الخارجي الذي تشكلت منه وانفصلت عنه. وهاتين الخاصيتين لا ينفيان إرتباط الذات عضويا بالعقل ولا ينفيان مسؤولية الذات عن عالم النفس الداخلي أيضا..

اذا نحن أجملنا كل المفردات التكوينية الفلسفية في تشكيل الانسان كموجود نوعي التي مررنا عليها نصل الى حقيقة جامعة واحدة هي الانسان وجود مجازي غير عضوي حقيقي في خاصية إدراكه ومعرفته ذاته والعالم من حوله القائم كموضوع قائم على التجريد في كل شيء بالحياة له علاقة إرتباط به. بمعنى حتى الجسد المادي للانسان هو محسوس وجودي مادي لا يمكننا إدراكه بغير تجريد التعبير عنه وبغير تجريد تكويناته وملحقاته الاخرى بلغة الفكر المعبّر عنه تجريدا لغويا. بالاخير الانسان كائن مادي مفكر بتجريد اللغة عن نفسه.

العالمان الخارجي والداخلي

بحسب ما توصلنا له نصل أن فضاء الذات هو الخروج من الداخل التفكيري المجرد الى الخارج المعرفي في تأكيد ذاتيته ومعرفة علاقته الموجودية بغيره. الذات لا يشكلها ولا يكوّنها العقل كما ولا هي معطى فطري يحتازه الانسان بالولادة.

الذات حصيلة تكوين مؤثرات العالم الخارجي بخلق ذاتيتها الانسانية لا يمكنهما العالم الخارجي والذات الانفصال عن بعضهما فمعرفة أحدهما هي معرفة بدلالة الاخر. الذات هي عقل مدركات العالم الخارجي. ومن غير الذات لا يتشكل العالم الخارجي بنظام نستطيع ادراكه.

السؤال الجدير بالتوقف عنده لماذا تحتاج الذات الانفتاح على العالم الخارجي بغية معرفته في وقت هي (الذات) محصلة تلك التكوينات الخارجية التي ساهمت بخلقها.؟ ما تختزنه الذات من خبرات تراكمية نتيجة العلاقة الجدلية مع العالم الخارجي تحتاج نوع مغاير من التنمية المتجددة ولا يكون مصدرها سوى معرفة التغييرات الطارئة المستمرة في العالم الخارجي. توجد مسالة عالقة أود الاشارة لها هي ربط ثبات الاشياء المدركة بثبات إدراكها. وهو خطأ مزدوج بسبب أن الذات تتطور وتنبني بتاثير مدركاتها، والمدركات هي الاخرى تتغير بظروف طبيعية خارجة عنها وبتاثير تخارجي معها من الذات.

النفس هي ناتج حصيلة فهم الذات للعالم الخارجي. النفس في جميع افصاحاتها من السلوك الى الضمير الى العواطف الى الوجدان الى الاخلاق وهكذا هي خبرات تراكمية مكتسبة من الذات في مدركاتها العالم الخارجي والمحيط. النفس خارج بيولوجيا الجسم هي معرفة وسلوك وليست معرفة ابستمولوجية ناتج مجموعة شبكة اعصاب مرتبطة جميعها بمنظومة الادراك العقلية بصورة عضوية. الذات والنفس كلاهما تجريدان تصوريان في فهم ذاتيتهما الخاصة وفهم العالم عامة. النفس مفاهيم مجردة تداخلها الذات في كل الافصاحات والرغائب التي تنوي النفس إشباعها.

الذات وعلم النفس

يذهب البعض "حين يذهب العلم لمعاينة الذات يجدها تكون منتبهة لان تدفع الى الخارج ما هو في الداخل، وبهذا تجعل من نفسها غريبة عن نفسها، وكأن ماهو في الداخل لا ينتمي اليها، فهي تخشى ان تكون ذاتية"1 

من مزايا التفريق الذي اشرنا له في سطور سابقة بين الذات والنفس فرويديا، أن خاصية الذات الخارجية في وجوب فهمها العالم المحيط بها، وتكوّن النفس داخلية لا يتاح أمامها الانبساط الخارجي دونما وصاية ومداخلة الذات بها وتسييرها، بمعنى النفس لا تمتلك ارادة الافصاح ولا امكانية تحقق مثل هذا التوجه في التعبير التخارجي مع العالم الخارجي. النفس هي أحاسيس داخلية لاشباعات غريزيو يحتاجها الجسم كتكوين بايولوجي وليست احساسات خارجية لفهم العالم كما هي عليه الذات.

هنا بضوء هذا التداخل الالتباسي بين الذات كخاصية خارجية وبين النفس كخاصية داخلية فايهما يكون في مصطلح تفسير علم النفس إنفصاميا على نفسه؟ هنا يكون الانفصام بكليهما، فلا يمكننا إعتبار النفس منفصمة لا يشترط انفصاما شيزروفينيا مرضيا عن ذات تمتلك خصائص ثبات سلامتها الطبيعية، فالنفس هي تعبير ناقص عن ذات كاملة ولا معنى التفريق بينهما في وحدة تخارجهما الادراكي مع العالم الخارجي.

لو نحن لاحظنا خاصية الذات الانبساط الخارجي وليس خاصية الانكفاء الداخلي على عوالم اجترارية لا فائدة منها كما هي خاصية النفس المريضة، انما نكون وضعنا ما يعرف بالنفس الطبيعية حبيسة خاصية الاستبطان غير المؤثر بالذات كمعرفة وسلوك بالحياة تخارجيا جدليا. ومن المهم هنا العودة التاكيد على أن الذات حصيلة تشكلات خارجية والنفس حصيلة تشكلات ذاتية إستبطانية داخلية.

هذا الاندماج التداخلي بين النفس والذات سايكولوجيا معرفيا يضعنا امام تساؤل هل تتوقف معرفة ذاتيتنا الحقيقية بمعيار صحة مدركات الذات للاشياء أم عدم صحة الاشياء في وجودها الانطولوجي الخارجي؟ أي بصيغة نفس المعنى متى تكون الذات حقيقية ومتى تكون وهما زائفا غير حقيقي؟ هل هو الادراك الشائه الشبحي للاشياء أم وهمية تصور الذات موجودات الاشياء غير الطبيعية بما يضلل الادراك الذاتي لها؟

في هذه الاشكالية لا نتوفر على حل سوى بالعودة الى (الذات - العقل) كمعيار قياسي تحكيمي وليس كطرف في معادلة تحتاج تفكيك معرفي. بغير هذا المعيار نكون اوقعنا الذات وانفسنا بالازدواجية الانفصامية المرضية المشكوك فيها معرفة حقيقة الذات من انفصامها الادراكي الوعوي المريض للواقع عن فرق سلامتها السوية الطبيعية في ادراكها لذاتها والمحيط..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهامش:

1- التصوف البوذي والتحليل النفسي /د. ت. سوزوكي /ت: ثائر ديب/تقديم وفيق خنسة ص 76

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5486 المصادف: 2021-09-12 01:26:46


Share on Myspace