 أقلام فكرية

علي رسول الربيعي: الفلسفة الاجتماعية كفلسفة عمليًة.. مجالات الموضوع وحدود الحقل المعرفي

علي رسول الربيعيالمقدمـة: يتطلب تحديد مجال الفلسفة الاجتماعية بشكل دقيق اللجوء إلى التمييز الأرسطي بين الفلسفة النظرية والعملية أولاً. تهدف الفلسفة النظرية إلى ما يتعلق بنظرية المعرفة والميتافيزيقيا؛ بينما تسأل الفلسفة العملية عن الفعل بالمقابل. إن نقطة البداية، بالنسبة لأرسطو، هي الإنسان باعتباره حيوان سياسي يرتبط بالمجتمع كفرد دائما. لذا فإن موضوع الفلسفة الاجتماعية كفلسفة عملية هو المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يشكله الإنسان من خلال أفعاله. ليس الفعل، بالنسبة لأرسطو، مجرد موضوعا للتفكير والتأمل فحسب، ولكنه هدف للمعرفة أيضًا. لذلك تقود الفلسفة العملية الانسان إلى الفعل الصحيح، بمعنى أدراك الخير. فمجال عمل الفلسفة العملية بهذا المعنى الثاني هو المجال السياسي العام.

تتبع الفلسفة الاجتماعية هذا المعنى المزدوج للفلسفة العملية عن أرسطو. فمن ناحية، تريد إعادة بناء المجال الاجتماعي (وصفيًا)، ومن ناحية أخرى تريد كشف خيارات للفعل في مواجهة مواقف المشكلات الاجتماعية المعقدة (معياريًا). إنها تعالج الفعل بقدر ما يؤثر على الفرد، وما يمكن فهمه بوصفه تعبير أو سبب للعلاقات الشخصية. محور هذا التفكير الاجتماعي الفلسفي هو مفهوم المجتمع، الذي لم يكن مألوفًا لأرسطو بعد في هذا الشكل، لأنه لم تُفهم المدينة (polis) على أنها تشكيل متمايز وظيفيًا للمجتمع انذاك.

لقد ظهرت، على مدار الثلاثين عامًا الماضية، العديد من المفاهيم التي ترتبط ارتباطا وثيقًا ببعضها البعض وتتبع بطرق مختلفة فهم الفسفة الاجتماعية بوصفها فلسفة عملية. وبالنظر إلى هذه الطرق المختلفة، يمكننا التمييز بين أربعة مجالات أساسية للفلسفة الاجتماعية مترابطة بشكل وثيق.

أولاً، تعتبر الفلسفة الاجتماعية نفسها انعكاسًا لما هو اجتماعي. ويمكن أن يشمل ذلك أن تُفهم بوصفها فعل أو تواصل أو بنية. فمن المهم تحليل كل من الجوانب المعيارية والوصفية للمجتمع.

ثانيًا، تفكر الفلسفة الاجتماعية في المجتمع بوصفه بنية إجتماعية. ويمكن العثور في تاريخ الفلسفة الاجتماعية على مجموعة واسعة من المفاهيم الاجتماعية التي تدل على ذلك. لقد طورت المناهج في العصور القديمة والوسطى مفهومًا للمجتمع يتم فيه وضع النماذج لذلك المجتمع بالفعل في ذلك الوقت. لقد فهمت الفلسفة ما قبل سقراط المجتمع بوصفه نظام كوني. وفي المقابل، تم تفسير المجتمع في العصر الحديث بأعتباره علاقة سببية منظمة بطريقة آليًة جزئيًا؛ وقد سادت وعلى هذا الأساس صورة للمجتمع كسياق وظيفي متعدد الأبعاد لمدة مئة عام.

تتبع الاعتبارات التالية صور المجتمع هذه وتريد المساهمة في زيادة توضيح مفهومه.

لابد من الإشارة في البداية إلى محدّدين في الخطاب الحالي حول النظريات الاجتماعية: تركز بعض المناهج على المؤسسات أبتداءً، التي تُفهم على أنها أنظمة قواعد تنطوي على توجه نحو المتاثرين في الفعل وتؤكد على عنصر الأكراه الاجتماعي. لكن لا يكفي أن يُفهم المجتمع بوصفه بنية مؤسساتية فقط فهو عمليًة ديناميكية ايضا، ومثال ذلك الخطابات المشتتة التي لا يمكن فهمها على أنها ترتيب مؤسسي فقط. فتفسر المقاربات الأخرى المجتمع بوصفه قصدية جماعية كما الأنطولوجيا الإجتماعية عند جون سيرل، ولكن يفشل أن هذا المنظور أيضًا، لأنه يتجاهل البنى والمؤسسات التي تشكل المجتمعات، ولأنه يفهم العلاقات الاجتماعية على أنها فعل مقصود فقط وحصريًا.

ثالثًا، الفلسفة الاجتماعية هي كشف الجوانب المعيارية للمجتمع، وهذا هو سبب قربها من الأخلاق الاجتماعية. إنها لاتعكس أفعال الفرد بقدر ما تعكس تصرفات الجماعة أو المجتمع على هذا النحو. لذلك، تعود الفلسفة الاجتماعية إلى المقاييس المعيارية. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بتأسيس المبادئ المعيارية (كما في الأخلاق) أو تطبيق المبادئ المعيارية على المجالات الاجتماعية. إنها تريد وصف الأبعاد المعيارية للعمليات والبنى الاجتماعية وأن تفكر بشكل نقدي فيما يتعلق بآثارها الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية.

يظهر الاختلاف في التخصصات التي تريد وصف القضايا الاجتماعية من منظور وصفي في هذا السياق بالتحديد فقط. لذلك يصف راحيل جايجي وروبن سيليكاتيس المنظور الاجتماعي الفلسفي باستخدام مثال العمل كظاهرة اجتماعية: لا تطرح الفلسفة الاجتماعية السؤال عن كيفية تنظيم ظروف العمل المعاصرة أو كيفية ارتباط الأفراد (تجريبيًا) بعملهم فقط؛ لكنها تسأل من الناحية المفاهيمية والتقييمية عن العمل والظروف الاجتماعية التي شكلها في الواقع وكيف ينبغي أن يُبنى التنظيم الاجتماعي للعمل".

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................................

1-

 Robin Celikates, Critique As Social Practice: Critical Theory and Social Self-Understanding (Essex Studies in Contemporary Critical Theory) Rowman & Littlefield International. 2019, 8.

[2] أنظر: جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي اُسسه بين البشر، تر،بولس غانم، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت،2009.

[3] مصدر نفسه

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5487 المصادف: 2021-09-13 01:22:44


Share on Myspace